الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | معلومات النشر | من نحن | كلمة العدد

 دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 18/04/2008

إلى صفحة الكاتب

دراسات                                     دراسات أدبية

   

من أدب المقاومة العراقية

 وقفة مع مصطلح "الأدب العبري"

"ايسوب" حكاياته وشخصيته

  لماذا روايات الأجيال /النهر..تاريخية؟

  شات... رواية واقعية رقمية رائدة لمحمد سناجلة

 متى يواكب الإبداع الأدبي الخالد الحدث التاريخي؟؟

 الرسم بالكلمات.. عند السيد نجم

 

 

 

من أدب المقاومة العراقية

قصص "كليشان" والمأساة المحزنة

 

 

بقلم: السيد نجم

 

عندما خاطبنى الاعلامى الدمث د.هيثم الزبيدى مدير ومسئول موقع "ميدل ايست أون لين" حول ترشيحي لقراءة مجموعة قصص لشابة صحفية عراقية المولد والإقامة "كلشان البياتى", حيث أنها تدرج تحت مسمى "أدب المقاومة".. شعرت بالفرح, وقبل أن أبدأ القراءة.

السبب الحقيقي لسروري, ما حدث منذ شهر تقريبا في حوار بالبرنامج الثقافي بالإذاعة المصرية, لمناقشة نقدية حول كتابي الأخير "المقاومة والحرب في الرواية العربية".. أسقط في يدنا جميعا, عندما تأكد لنا أن الأدب لم يشارك في التعبير عن التجربة الحربية العراقية منذ الغزو الأمريكي على العراق في مارس2003م!!

المعتاد وحسب من انتهيت إليه من قراءة "أدب الحرب", و"أدب المقاومة" في كل التجارب العربية وغير العربية, أن يشارك الأدب: شعرا ونثرا, قبل المعارك وأثناءها وبعدها, بينما التجربة العراقية الأخيرة, لم نسمع ولم نقرأ مشاركة, سواء قبلا أو بعدا.

لذا سررت عندما أرسلت القاصة "كليشان" مجموعتها, وهى تؤكد أنها تريد نشرها خارج العراق, فليس من المتاح (الآن على الأقل) إمكانية نشر أية كتابات تعبر وتصنف ضمن أدب المقاومة.

اطمأن قلبي بداية, لأن العراق ما زالت بخير.. فسررت.

أما السبب الذي تجدد لسروري, فهو بسبب ما شعرت به, كانطباع عام ودون الدخول في أية تفاصيل حول المجموعة.. فالقاصة لها عين ترى (فنيا), وعقل متفتح (موضوعيا), وقارئة غير مدعية وجادة.

لذا أسرعت في كتابة تلك الكلمات حول المجموعة التي أرسلت لي بلا عنوان جامع  لها بعد, وان بدت لي من حيث الشكل, متكاملة, مترابطة, تتمحور حول موضوع واحد.. أصيل, هو تجربتها الشخصية ورؤيتها حول تجربة غزو العراق.

 

لتلك الأسباب سررت, ويجب أن تكون الاحتفالية المناسبة بتلك المجموعة, وأرجو أن تلقى المجموعة بعد نشرها في كتاب الاهتمام الواجب, لموهبة صاحبتها الحقيقية, والتي أظن أنها سوف تضيف إلى تيار القصة العراقية والعربية, ما نراه مناسبا لموهبتها المتفتحة.

 

تتكون المجموعة من خمس قصص قصيرة هي على الترتيب (والترتيب هنا هاما في القراءة, وهى ملاحظة أولى لصالح الكاتبة, التي التزمت بموضوع مشترك, وحالة للقراءة متكاملة):

"أنفلونزا الصورة".. "صحوة المنصور".. "رسول الخليفة".. "اليوم مات المعتصم".. "أحزان صغيرة, أحزان كبيرة".

 

القصة الأولى تبدأ بإهداء: إلى كل رجل ليس اسمه "صائب". وتنتهي في القصة الأخير بالإهداء نفسه. 

كما تبدأ القصة الأولى بالكلمات التالية: "استقر رأيي على إعادة صور مرفقة برسالة مقتضبة تتضمن اعتذار مقتضب أيضا (أعيد إليك الصور مع الاعتذار), واكتفى بهذا القدر من العبارات, ولن أزيد بعدها كلمة واحدة.."

أما آخر قصة فتنتهي بالكلمات التالية: "ولإزالة حزني (أنها علاقة حب) استمع في ليلة (خميس) إلى (قراءة لدعاء جميل) تبثه قناة المنار الفضائية, واستمع إلى ترتيل (سورة يوسف) على قناة (المجد الفضائية), واستمع إلى خطبة عالم دين كبير على فضائية أخرى, استمع إلى قصيدة شعر من شاعر مرهف الحس تبثه قناة دبي في برامجها الثقافية, استمع إلى أبيات المتنبي, وبشعر الشعراء أبو تمام , وأميرهم أحمد شوقي, وعمر بن أبى ربيعة , وابن الرومي, والحمداني, والحلاج الصوفي.. وأنا حزينة , أبكى بكاء امرأة فقدت زوجها فجأة, مثل أم فقدت فلذة كبدها فجأة, تقصف أبى الأحزان واللواعج ذاتها, وتنتابني الانتكاسات ذاتها, وتبدو لي الحياة بوجهها المعتصم والحزين والمجرد من كل شيء"

وبالقراءة المباشرة يشعر القارئ الربط النفسي والمعنوي والترابط في المجموعة من السطر الأول إلى آخر سطر.. ولا يبقى سوى السؤال: ولماذا كل هذا الحزن؟! والإجابة هي جملة الأفكار والمشاعر التي تتضمنها الخمس قصص.

 

تتناول القصة الأولى "أنفلونزا الصورة", إحداهن تعيد "صور" تبادلتها مع صديق (لعله صائب), الذي عرفته عن طريق شبكة الانترنت, تعارفا, وربما تحابا, لكنها قررت: لا حب بعد الآن, ولم تخبرنا بالسبب. أخبرتنا أكثر بالتاريخ و"الحجاج بن يوسف الثقفي". أما المعالجة الفنية, تعد من الحنكة والدلالة بحيث طالت القصة, فقد عرضت القاصة رأى الأهل والأقارب والأغراب حول موضوع "الصور".. وباتت الصور رمزا فنيا, ما بين موافق على اقتنائها, وبين معارض, بل من يتشاءم أو يتفاءل.. حتى بدت الصور سببا للهلاك بمعنى ما.. فقد طردها (شخصية القصة) من العمل: "حبك للصور وجمعها في ملفات الدائرة بدلا من المعاملات يضر بالصالح العام, أنا أعتذر عن قبولك (موظفة) في دائرتي".

 

القصة الثانية "صحوة المنصور", هي صحوة بعد المرض (أنفلونزا القصة الأولى), ناقشت فيها فكرة الصحوة, وكيف أن هناك صحوات بعد الموت؟!

صحوة الملك الإله "كلكامش", إلا أن المفضل "صحوة العمل", وصحوة "سنحاريب" ملك الملوك وملك الجهات الأربع, و"زنوبيا"ملكة تدمر, لكن "حمورابى" لم يحص (لأنه واضع القانون وبقى رمزا على حمايته) كانت صحوة كاذبة خادعة ووهمية, أما "الحجاج" فقد صحا لمرة واحدة أثناء احتفال أهالي "الكوت" بذكرى بناء مدينتهم, لكن هناك صحوات متكررة مثل صحوة "تولستوي" بعد قراءة كل رواية من رواياته, حتى "هولاكو" له صحوة والتي بدت أيام الاحتفال بغزو التتار لبغداد, وتتعدد الصحوات : مدام كوري, عثمان الموصلي, الخليل الفراهيدى, ابن ماجد, الرشيد وزبيدة وسلالة الرشيد..وبنو العباس.

إلا أن "المنصور" لم يصح, لا في الكرخ ولا في الرصافة.. توقعوا صحوته مرة بعد محنة بغداد الأخيرة, وقد ضربت بالقنابل العنقودية وبالصواريخ.. لكنه أبدا, لم يصح.

شعر الجميع بالقلق, توقعوا أن يصحو في الذكرى الأولى لسقوط بغداد, وفى المنطقة الخضراء تحديدا.. ذهب الجميع إلى هناك على أمل ملاقاته, "لأنه إذا لم يصح, فقد تتبدد الآمال جميعا" (وهى جملة القصة الأخيرة).

 

أما القصة الثالثة "رسول الخليفة".. هل هي البشرى أو نذير الشؤم؟ هكذا رسل الخليفة, إما يجيء ومعه بشرى الخير كله, وإما يجيء للهلاك؟

الراوية متألمة من جراء أزيز الطائرات المقاتلة التي تلهو في سماء بغداد بلا حد ولا ربط.."في الحرب لا توجد ليالي مطمئنة" هذا هو شعورها وشعور الجميع. رويدا شاركت الأمطار والعواصف الطائرات.. حتى جاء صوت صهيل الخيل يستقر أمام باب دارها.. انه رسول الخليفة, وعندما أحضرت الأم رقاقة الجلد التي تحمل رسالة الخليفة ويبدو أنه القاها على سرير الراوية, كانت دعوة الخليفة بإحضار قائده العسكري "سعد", سأله: ألم تحرر العراق؟.. منذ متى وأرض المسلمين تصول وتجول في سمائها طائرات الكفر..؟!

فقال سعد: "الله أكبر.. الله أكبر.. حي على الجهاد.

وتنتبه الراوية على خبر يشغلها على الستاليت بسقوط طائرة .. إنها إذن الطائرة التي أقلقت منام سكان بغداد كلهم. وليجيء الصوت الطارق على الباب ثانية: "أنا رسول الخليفة.. أمير المؤمنين غاضب".

 

"اليوم مات المعتصم".. عنوان القصة الرابعة, حيث الهدؤ خيم على المدينة (بغداد), توقفت الحياة, الهدؤ خلق جوا من الرعب.. وكان ما توقعه البعض من انه الهدؤ الذي يسبق العاصفة. فقد هاجمت القوات الأمريكية المدينة, وداهمت البيوت , وقبضت على احداهن. امرأة مقيدة ومعصوبة العينين بين ايادى الجنود.

خلال تلك اللحظة, انتبه الجميع على صوت المؤذن يعلو فوق المئذنة, يقول: مات المعتصم, مات الخليفة.. الخليفة مات.

فبدلا من أن يتابع الرجال الجنود ومعهم السيدة المقيدة, "اتجهوا جميعا إلى حيث المقبرة التي سيوارى فيها جثمان الخليفة"

 

وكانت آخر القصص, "أحزان صغيرة, أحزان كبيرة", قرار واضح بالإعلان عن نهاية علاقة الراوية ب"صائب", صديق القصة الأولى. لكنها حزينة, لأن المرأة التي لا تحزن على حب ليست أنثى. لكنها ما عادت ترى شيئا غير الحزن, وبالتجربة تأكدت أنه لا يرفع الحزن إلا حزن أقوى منه, الأحزان الصغيرة تضيع في بوتقة الأحزان الكبيرة.

لكنها أعلنت تمردها, وأنها امرأة حديدية, لا تعبأ بالأحزان.. ولأنها لا تكسرها الأحداث, ضياع وطن, سقوط قيم, كيف تكسرها علاقة حب فشلت؟

لكنها شعرت بالحيرة وربما الفشل.. تقول: "كل الكائنات الحية وغير الحية تموت, وتذبل, ويختمر جسدها, إلا "الوطن" هو وحده حي لا يموت..."

سمعت أحد الرجال يقول, بأنه يشعر بسعادة غامرة وهو على صدر جندي العدو المحتضر, يراه أجمل من صدر امرأة.. تتركه الراوية وتذهب لتقرأ شعر البحتري والحلاج وأبوتمام وابن الرومي.. "وبدت لي الحياة بوجهها المعتصم, الحزين, المجرد من كل شيء"..وتنتهي القصة والمجموعة!!

 

نحن إذن أمام مجموعة من القصص التي تدرج في مقام "أدب المقاومة".. أليس أدب المقاومة, هو الأدب المعبر عن الحرية للذات الواعية لهويتها, وتسعى من أجل الخلاص.. لها ولمن حولها. لكن السؤال: كيف الخلاص؟

ارتمت الكاتبة في أحضان التاريخ!!.. وحده لم يعد يكفى؟ وهذه قضية أخرى!

تتميز القصص بالوحدة الموضوعية, وبالأسلوب الرشيق غير المتقعر ولا المتعالي على القارئ, وبوضوح الفكرة, والسعي إلى الهدف بأقصر الطرق.

إننا إمام موهبة حقيقة, نحلم معها بالخلاص.. ولكن ليس على طريقتها.

-------------------------------------------

أضيفت في12 /12/2005 / * خاص القصة السورية / المصدر الكاتب

 

   

 

 

"ايسوب" حكاياته وشخصيته

 

 

بقلم: السيد نجم

 

"حكايات ايسوب" من أشهر الحكايات القصصية والتي يقرأها الصغار على درجة المتعة نفسها للكبار. وقد أعتبرها البعض امتدادا للحكايات الخرافية التي وردت على لسان الحيوان وتسمى أحيانا "حكايات بيديا" نسبة إلى راوي الحكايات الهندي, والتي ترجمها "ابن المقفع" ب"كليلة ودمنة".

ومع أهميتها لم تترجم "حكايات ايسوب" إلى العربية إلا خلال السنوات القليلة الماضية بقلم "إمام عبد الفتاح إمام" (ترجم أكثر من مائتي حكاية, وأعيد نشرها في مشروع "الكتاب للجميع" الذي يعيد نشر أهم الكتب في عدد من الدول العربية وفى الوقت نفسه).

 

تتميز الحكاية الخرافية بأنها قصيرة وعلى لسان حيوان على الأغلب أو بعض ظواهر الطبيعة, تحمل في طياتها دلالات أخلاقية . أي أنها أخلاقية بالدرجة الأولى وليست تاريخية, وهو ما يميزها عن القصص المعروفة الآن. كما أنها تضم الأمثال والحكم وحكايات المغامرات والأحداث العجيبة.

وجدت الحكايات الخرافية في بداية الحضارة ألاغ راقية, وقبل "ايسوب" (ربما في القرن السابع أو الثامن قبل الميلاد). والطريف أن أغلب تلك الحكايات تنسب إلى "ايسوب" منذ القرن السادس قبل الميلاد.

وقد استمرت تلك الحكايات وراجت بعد فترة من حياة "ايسوب", بل وظهرت في بلاد الرومان وغيرها من بعد. بعض تلك الحكايات الخرافية عرف صاحبها مثل أول مجموعة يونانية بقلم "بابيروس" وان قيل أنه جمع حكايات "ايسوب" وحولها إلى صياغة شعرية. وكذلك عرف "أفيانوس" الأديب الروماني  في القرن الرابع الميلادي. ومع ذلك توجد العديد من الحكايات مجهولة النسب حتى الآن.

 

وقد ازدهرت الحكاية الخرافية في أوروبا في العصور الوسطى, وظهرت مجموعة هامة بقلم "مارى دى فرانس". وبعدها ظهرت صورة أكثر تعقيدا سمين بملاحم الحيوان..مثل المجموعة المنتسبة للثعلب رينار وهو الذي يرمز إلى الدهاء الإنساني.

وقد استفاد الأدباء والشعراء من تلك الحكايات في أعمالهم الأدبية والمسرحية في مرحلة متقدمة. وهو ما تجلى بارزا في أعمال الشاعر الفرنسي "جان دى لافونتين". ثم تتابع توظيف الحكايات الخرافية ليس فقط في الآداب الغربية بل والعربية أيضا.

 

الطريف أن يتحدث الباحثون عن "ايسوب" كما حدث مع غيره من المشاهير ..وتساءل البعض:هل "ايسوب" شخصية حقيقية؟"

مجموعة تعتقد أنه من عادة اليونانيين أن ينسبوا الأعمال المجهولة إلى مؤلف ما..إن لم يكن لها مؤلفا. كما يرى فريقا آخر أن "ايسوب" شخصية شبه أسطورية وأنه المؤلف الحقيقي لتلك الحكايات.. بل ونسبوا إليه صفة الإصلاح والصلاح, حتى أنه أصلح من أحوال بعض الكهنة في عصره. أما الفريق الثالث (منهم هيرودوت) يؤكد أنه شخصية حقيقية غير أسطورية, بل وكان عبدا في أثينا وقد أعتقه سيده. وقد لاحظ البعض وأكد أنه شخصية حقيقية, وذكره بعض أعلام الإغريق في كتاباتهم (أفلاطون-أرسطو-أرستوفان-أكسينوفان).

وأي ما تكون الحقيقة, فالحكايات حقيقة ملموسة , حفظها التاريخ, وترجمت إلى العربية أخيرا. ومن المناسب سرد حكاية أو أكثر للتعرف على هذا الفن الإنساني الرفيع.

 

حكاية "الثعلب والقناع":

" دخل الثعلب يوما منزل ممثل, وراح يعبث بجميع محتوياته, فوجد من بين ما وجد قناعا على شكل رأس غول أو "بعبع" , وهو من عمل فنان موهوب فأمسك به بقدميه وراح يقول: يا له من رأس جميل ! خسارة أن لا يوجد فيه مخ!"

المغزىالأخلاقى: تريد هذه الحكاية أن تقول أن بعض الناس الذين يملكون مظهرا جسديا مؤثرا ينقصهم العقل!!

  

حكاية "العلاج السهل":

" تجمعت الأنهار يوما وتقدمت بشكواها إلى البحر, فقالت: "لماذا عندما نصل إليك ونغمرك بمياهنا العذبة الصالحة للشرب تقوم أنت بتحويلها إلى مياه مالحة غير صالحة للشرب؟" استمع البحر إلى شكوى الأنهار ولومها في صمت , ثم أجاب في هدؤ:

"العلاج بسيط: لا تأتوا إلى, وعندئذ لا تكون مياهكم مالحة!"

المغزى الأخلاقي: تسخر تلك الحكاية من الذين يقدمون لغيرهم اتهامات لا مبرر لها!

 

حكاية "الحمار في جلد الأسد":

" ارتدى الحمار يوما جلد الأسد وراح يرعب الوحوش كلها, لكنه التقى بالثعلب وأراد أن يخيفه مثل بقية الحيوانات , فقال له الثعلب:

         "صدقني كدت أنا نفسي أخاف منك لولا أنني سمعت نهيقك!"

المغزى الأخلاقي: الأغبياء يتخفون في ثياب الآخرين , ثم يفضحون أنفسهم لأنهم لا يكفون عن الثرثرة.

- هذه نماذج ثلاثة مختارة من المجموعة المنشورة , لعلها تعبر عن ملامح الحكاية الخرافية, وسمات الكاتب "ايسوب" إن كان حقيقي أو لم يكن

 

   

 

وقفة مع مصطلح "الأدب العبري"

 

بقلم: السيد نجم

 

هناك استخدام متنوع وبأكثر من صياغة, حين التعبير عن الأدب المنتج في إسرائيل. عند الكتاب العرب تارة يستخدم "الأدب اليهودي", وتارة "الأدب الصهيوني", ومرة "الأدب العبري", ومرة أخرى "الأدب الاسرائيلى".. وكلها للتعبير عن أدب واحد.

لذا يلزم بداية فض الاشتباك والبحث عن أقرب المصطلحات الدالة عن ذلك الأدب (شعر- قصة- رواية- مسرح) وربما فنون الأدب الأخرى, الشفهية والمكتوبة.

 

: ما المقصود بالأدب الاسرائيلى؟

صفة "الاسرائيلى" ترجع في الأصل إلى تلك القوانين التي وضعتها السلطة اليهودية بعد معارك عام 1948م. وهو "أي شخص توافق الدولة الصهيونية على أن يكون من أبنائها, يهوديا أو غير يهودي.

وهنا وقعت السلطة هناك في تناقض واقعي واضح. فالعرب الذين صمدوا للنزوح ولم يتركوا الأرض, بعد إعلان إسرائيل.. وأيضا اليهود المنتشرين في العالم كله (وهم الأغلبية), ولم ينزحوا إلى إسرائيل.. يلاحظ المتابع أن الأول حرم من الجنسية الإسرائيلية, بينما الثاني يحملها ويتمتع بها.

فالقانون المسمى "قانون العودة" الذي صدر في 5يولية عام 1950م, أعطى لكل يهودي في العالم حق الهجرة إلى إسرائيل, بلا قيد أو شرط.

كما جاء "قانون الجنسية" الذي صدر في 14ابريل عام 1952م ونفذ في 14 يولية عام 1952م.. أعطى الجنسية الإسرائيلية, أعطى الجنسية لكل يهود إسرائيل, بينما علق العرب الرابضين على الأرض فيها, بشرط ضرورة إثبات الجنسية الفلسطينية قبل 14 مايو 1948م تمهيدا للنظر في منح الجنسية لهم!.

(الطريف أن زاد العرب بعد الحروب العديدة مع العرب والدول المجاورة, اضطرت الجهات الرسمية هناك إطلاق لفظ (فلسطيني) على العرب داخل الأرض المحتلة, إلى جوار "اسرائيلى" لليهود داخلها أيضا)

الخلاصة أن الاسرائيليى هو "كل يهودي يقيم داخل إسرائيل, أو يقيم خارجها, بشرط أن يكون صهيونيا, متمسكا بالولاء لإسرائيل.

وبالتالي "الأدب الاسرائيلى" هو الأدب المنتج عن هؤلاء اليهود, والمعبر عنهم.

 

ما المقصود بالأدب اليهودي؟

"اليهودي" هو نسبة إلى سبط "يهوذا" (بالدال أو الذال), وهو واحد من أبناء "يعقوب/إسرائيل" العشرة, ومنهم "سليمان" و"داود" أعظم حكام إسرائيل.. فانتسب الشعب كله إلى عشيرتهما, فكان اسم "اليهود".

"يهوذا" مشتق لغويا من أصل سامي قديم, وهو مادة (ودي) التي تفيد الاعتراف أو الإقرار والجزاء, أو المعنى عند العربي (الدية).ز وفى العبرية اكتسبت هذه المادة معنى الإقرار والاعتراف بالجميل, وتقديم الشكر.

كثر استعمال لفظة "اليهود" بمعنى رعايا مملكة يهوذا في جنوب فلسطين, كقوله:

"في ذلك الزمان استرد رصين ملك آرام ايلات للأدوميين. وطرد اليهود من البلاد"

(2ملوك6:16).

ومع الزمن أصبحت لفظة "يهودي" تعنى أحد بنى إسرائيل عموما. ويبدو أن لفظة يهودي في أذهان أمم العالم, لها معنى كريه مبكرا. فقد جاء في التلمود عند الحديث عن عيد البوريم:

"إن كل كافر في تلك الأزمان كان يدعى يهوديا"

(المحلة:71:13)

واضح أن كلمة "يهودي" بدأت مصطلحا عنصريا, يجمع العنصرية العرقية والغرور السياسي. فكان رد الفعل من الأمم الأخرى أنها استخدمته وصمة عار وسبة في وجه العبريين. بات اليهودي يفضل "الاسرائيلى" ويهرب من "اليهودي".

بالتالي فالأدب اليهودي يعد مصطلحا محدودا وقاصرا.. وإجمالا "الأدب الاسرائيلى" يتضمن صفة العنصرية, و"الأدب اليهودي" يتضمن صفة العصبية الدينية.

 

:ما المقصود بالأدب العبري؟

"العبري" في الفكر الاسرائيلى بالمعنى العنصري, وتطلق على اسم واحد من الأجداد الساميين هو "عابر بن شالح بن أرفكشاد بن سام", ويصفونه بأنه أكثر أبناء نوح خيرا.

يلاحظ أن "العرب" من أبناء عابر هذا, فالتوراة تذكر من أبنائه "يقطان" (التكوين 25:10), وهو "قحطان في العربية, والذي ينتمي إليه كل قبائل العرب في اليمن وحضرموت وغيرهم.. كما أن العرب الشماليين أو "العدنانية" ينتمون إلى "إبراهيم" سليل "عابر", شأنهم في ذلك شأن بنى إسرائيل.

في بعض مراحل التاريخ اليهودي, كانت كلمة "عبري" تستعمل مرادفة لكلمة "يهودي".. جاء في (سفر أرميا 9:24).

وبعد العودة اليهودية من السبي البابلي في القرن الخامس قبل الميلاد, أصبح استعمال "العبريين" مخصصا للرعيل الأول من اليهود, بينما "اليهود" و"إسرائيل" للأجيال التي جاءت بعد السبي.

أما في العصر الحديث, كلمة "عبري" ترتبط على السنة اليهود بالمقدسات التراثية القديمة..

 

وخلاصة ما يمكن أن يرصد من متابعة المصطلح في الإعلام والفكر الاسرائيلى اليوم, أنهم يطلقون على أتباع الشريعة لفظة "يهودي", وأتباع فكرهم "صهيوني", واسم دولتهم "إسرائيل"..فيما يلاحظ استخدام عبارات: "اللغة العبرية", "الثقافة العبرية", "الجامعة والصحافة العبرية". أي غلبة المصطلح "عبري" على الجانب الابداعى والنشاط الذهني, وهو ما يجعلنا نميل إلى استخدام مصطلح "الأدب العبري" في دراساتنا لأية نماذج إبداعية ذات سمة النشاط الذهني.

----------------------------------------

هامش: راج مصطلح "الأدب الصهيوني" عند بعض الكتاب العرب, وقد قدم "د.عبدالوهاب المسيرى" تعريفا له في "الموسوعة الصهيونية" قال: "الأدب الصهيوني هو وصف اتجاه عقائدي عام للعمل الأدبي, وإشارة لبعض الأعمال ذات المضمون الصهيوني الواضح, بغض النظر عن الانتماء القومي أو الديني أو الحضاري أو اللغوي للمؤلف"

أمثلة في الرواية: رواية "دانيال در وندا" للكاتبة المسيحية "جورج اليوت", وكتبت باللغة الإنجليزية.. رواية "الخروج" للكاتب اليهودي "ليون أوريس" و"مائير لفين".

في المقابل هناك روايات وأعمال إبداعية تكتب بالعبرية, داخل إسرائيل, ولا تعد من تصنيف "الأدب الصهيوني".

عموما يعد الأدب الصهيوني, مصطلح عام ومجرد, ولا يعد تصنيفا أدبيا, أشبه بمصطلح "الأدب الرأسمالي" و"الأدب الاشتراكي".

-------------------------------------------

أضيفت في04 /12/2005 / * خاص القصة السورية / المصدر الكاتب

 

   

 

 

شات... رواية واقعية رقمية رائدة لمحمد سناجلة

 

بقلم: السيد نجم

 

أخيرا صدرت "شات" الرواية الرقمية الثانية للروائي الطبيب الأردني "محمد سناجلة". أصدر الروائي منذ أربع سنوات روايته الأولى "ظلال الواحد". وجاءت "شات" معبأة بخبرات تلك السنوات, جديدة وعميقة, ليس على المستوى الاسلوبى واللغوي والمهارات الإبداعية التقليدية, بل وعلى المستوى التقني لإخراجها فنيا. الرواية معده للقراءة على شاشة جهاز الكمبيوتر وليس كالرواية التقليدية. . وتعد متعة بصرية وسمعية وذهنية معا. 

استخدم الروائي "محمد سناجلة" لتحقيق ذلك, برنامج "فلاش ماكروميديا"..  وإخراج فني استمر شهرين كاملين, وهى على موقع اتحاد كتاب الإنترنت العرب على الرابط:

www.arab-ewriters.com

 

يذكرنا الإخراج الفني لها بالإخراج الفني للأفلام السينمائية حيث تبدأ الرواية بغلاف رقمي بصري تتساقط فيه الأرقام من أعلى الشاشة إلى أسفلها ثم يظهر عنوان الرواية" شات" متوهجا في منتصف الشاشة.

"العدم الرملي" هو عنوان الفصل الأول, الذي يفتتح المشهد فيه بلقطة ليل حالك السواد ثم تتضح الرؤية قليلا مع بزوغ الشمس وأشعتها التي تتكسر على صحراء ممتدة مترامية الأطراف، وتتحرك الرمال والكثبان الرملية مع صوت ريح الصحراء لتعطي رؤية مشهدية بصرية كاملة لأجواء هذا الفصل الذي يصور حياة بطل الرواية في العالم الواقعي

وباستخدام التقنيات الرقمية المختلفة المستخدمة في بناء صفحات الويب وبالذات تقنية النص المترابط( هايبر تكست) ومؤثرات المالتي ميديا المختلفة من صورة وصوت وحركة وفن الجرافيك والأنيميشنز المختلفة يقدم لنا السناجلة رواية رقمية بصرية لم تشهدها الرواية العربية من قبل وتعتبر فتحا جديدا لهذه الرواية وتأسيسا حقيقيا لرواية الواقعية الرقمية كرواية قادرة على حمل معطيات العصر الرقمي والتعبير عنها.

تدور أحداث الرواية في الواقعين الحقيقي والافتراضي وترصد الرواية لحظة تحول الإنسان الواقعي من كينونته الواقعية إلى كينونته الجديدة كإنسان رقمي افتراضي يعيش ضمن المجتمع الرقمي بتجلياته المختلفة

تبدأ أحداث الرواية في العالم الواقعي وفي صحراء سلطنة عمان تحديدا حيث يعمل بطل الرواية في إحدى الشركات متعددة الجنسيات وتصور الرواية جدب هذا الواقع وفقره ووحدة الإنسان المفزعة فيه ويعزز هذا الشعور حركة الرمال والكثبان الرملية التي تأتي كخلفية للإحداث مع صوت صفير ريح الصحراء وليلها المدقع وكأنما يريد أن يقول "سناجلة" إن هذا الواقع لا يمكن عيشه أو الاستمرار فيه، هو رعب الوجود الإنساني في العالم الواقعي.

تنتقل الأحداث إلى العالم الافتراضي بانتقال بطل الرواية من وجوده في العالم الواقعي إلى كينونته الرقمية وولادة الإنسان الافتراضي الذي يعيش في المجتمع الرقمي، وتأتي الرؤية الخلفية البصرية للمشاهد باللوحات الجميلة والمصحوبة بالموسيقى التي يعلو صوتها تدريجيا..  للتعبير عن الوجود الافتراضي الجديد والجميل, الوجود البديل.. عن لحظة الانتقال هذه من الوجود الواقعي إلى الوجود الرقمي/الافتراضي,  فبدل الصحراء المجدبة وحركة كثبان الرمال وأنين الريح تأتي المشاهد كلوحات مبهجة مع صوت الموسيقى, وكأنما يريد أن يقول الروائي إن العالم الافتراضي هو الحقيقي الذي يجب أن يكون.

كما ويتم استخدام مقاطع من أفلام سينمائية لتعميق الأفكار المطروحة حيث نشاهد مقاطع من فيلمي

  American Beauty & The Matrix

واستخدام هذه المقاطع بذكاء في الرواية, وهو ما أضاف متعة جديدة على الرؤية البصرية الحركية للرواية الجديدة.

 ومن الواضح تماما أن سناجلة يستخدم في هذه الرواية لغة مختلفة تماما عن اللغة التي اعتدناها في الرواية العربية التقليدية وهو يطبق تماما ما قاله سابقا في كتابه التنظيري "رواية الواقعية الرقمية "من أن لغة الرواية الجديدة لن تستخدم الكلمات فقط:

" في لغة رواية الواقعية الرقمية لن تكون الكلمة سوى جزء من كل، فبالإضافة إلى الكلمات يجب أنْ نكتب بالصورة والصوت والمشهد السينمائي والحركة"

تعد رواية "شات" بما أضافته من جماليات وإجادة في التقنيات, مع رواية "ظلال الواحد" السابقة عليها (صدرت عام 2001).. شهادة ميلاد عملية بأننا نشهد الآن في عالمنا العربي, وللمرة الأولى, نشهد ميلاد فن رائد وجديد, حتما سينال ما يستحق من تقدير, بقدر ما بذله الروائي الشاب "محمد سناجلة" من جهد فني وفكري رائد, وربما عصبي أيضا (وقد عايشت شهوره الأخيرة عن قرب).

وتأتي " شات" لتعزز التجربة وتضيف إليها أبعادا جديدة خصوصا بعد اكتمال الأدوات التقنية لدى الروائي. . وربما تصبح تلك الرواية دعوة إلى المبدعين العرب والنقاد للانتباه لهذا الفن الجديد في جنس الرواية, الذي قد يشي بميلاد جنس أدبي آخر جديد!!

ملاحظة: لقراءة الرواية يجب تنزيل برنامج الفلاش ماكروميديا أولا.

-------------------------------------------

أضيفت في07 /11/2005 / * خاص القصة السورية / المصدر الكاتب

 

   

 

 

لماذا روايات الأجيال /النهر..تاريخية؟

بقلم: السيد نجم

 

يبدو أن الربط بين جنس الرواية الأدبي والتاريخ حقيقة يجب التوقف أمامها ومعها حين الولوج إلى تناولات عالم الرواية المختلفة. فالتاريخ "زمان- مكان- أحداث" وكذلك الرواية!

حتى أن نشأة الرواية ارتبط إلى حد ما بالمادة التاريخية للحكى والقص, كما أن السرد التاريخي أحيانا ينحى منحى القص, حتى قبل أن تعرف الرواية.

فيدعى بعض الروائيين أنه يكتب عن أشخاص حقيقيين, محاولة منه كي يصدقه القارىء, وبعض المؤرخين (أغلبهم) من القدامى أضاف من خياله الكثير على الحدث التاريخي.

كان تعريف "هيجل" للرواية "بالقرن الثامن عشر بأنها: "ملحمة حديثة برجوازية, تعبر عن الخلاف القائم بين القصيدة الغزلية ونثر العلاقات الاجتماعية". ومن المؤكد أن ما كتب في شكل الرواية (عالميا) وبعض العربي, كان تاريخيا, وفى العربية وضح ذلك للتعبير عن منعطف جمعي تاريخي تعيشه الأمة.. ومن هنا كانت نضالية في بعضها.

إلا أن الأمر في حاجة إلى مناقشة, خصوصا أن جنس الرواية عمل قابل للتكيف مع المجتمع على حد تعبير "رولان بارت", خصوصا أن الرواية تقوم على تشكيل الرؤية إلى العالم من خلال الشكل (الذي هو من شخصية الروائي) وعلى المضمون (الذي هو وجهة النظر)..الأول عنصر جمالي والثاني فكرى.. حتى وصلنا إلى فكرة "الخطاب في الرواية" من خلال الشخصية, الوصف, السرد, المونولوج, الحوار, الحيز, الزمن...".

لسنا بصدد التأريخ للرواية أو تعريفها, فقط لإيضاح العلاقة بينها وبين التاريخ..التي هي مزدوجة ووطيدة. كما جاءت روايات جورجى زيدان وغيره من الرواد, كأنها لإحياء الموتى التاريخيين, وهو ما اتضح من بعده في رواية "حديث عيسى بن هشام" وكأن التاريخ الفردي وتوظيفه في الزمان من جوهر النسيج الروائي. حتى نضجت الرواية ونضج التوظيف التاريخي فيها وبها.

ورواية "الأجيال" أو "النهر" مرتبطة بهذا البعد الزمني (التاريخي) وان اعتبرت تقنيا أكثر نضجا.. وفيها يسعى الروائي إلى إبراز حركة الأجيال وخصائصها جيلا بعد جيل (غالبا خلال فترة نضالية للجماعة أو الشعب)

ربما من المناسب الإشارة إلى جذور الرواية "النهر" أو "الانسيابية" أو "الأجيال". فقد كان "رومان رولان" الفرنسي, أول من كتبها, حيث بدت الرواية في القرن التاسع عشر في أزهى عصورها التاريخية (كما وكيفا), وقد نضج مذهبان أدبيان "الرومانتيكى" و"الواقعي". ثم ظهرت الطبيعية عام 1870م.

ومع بشائر القرن الجديد ظهرت رواية المغامرات في أمريكا على يد الكاتبة "بيشر ستو", كما كانت أعمال "هانز أندرسون" الدينماركى الخرافية..بات للرواية مكانة متميزة في الغرب.

الاسم الاصطلاحي فرنسي, يعنى النهر الكبير الذي له عدة فروع, وفى الرواية هي الرواية الطويلة جدا التي يشترك في صنع أحداثها..عدد كبير من الشخصيات المنتمية غالبا إلى عدة أجيال.

يعرفها البعض بأنها: "الرواية الحديثة التي ترتبط بتقليد فني طويل وقديم هو الفن الملحمي وتتخذ من الشكل الدائري إطارا لها, وداخل تعريجات النهر الروائي تقدم دلالة شاملة, وتحليلا نفسيا للطبائع, وتصويرا تاريخيا واجتماعيا عظيما, وتقدم الرمزية الأخلاقية أو الفلسفية."

ثلاثية "بين القصرين-قصر-السكرية" للروائي "نجيب محفوظ"

(كرر الروائي نجيب محفوظ في أكثر من مرة, أنه كتب العمل كرواية واحدة, ونظرا لظروف النشر لجأ إلى النشر في ثلاث كتب, نشروا على التوالي أعوام 1954-1957و1957)

الروايات تناول بانورامى للكثير من التفاصيل الحياتية الاجتماعية الاقتصادية السياسية بل والفكرية للمجتمع القاهري (القاهرة القديمة) تحديدا. وهو في ذلك يتتبع مصائر شخصياته فردا في ضوء ما خطط له من ملامح ومسارات.

الرحلة تعلقت بإحدى الأسر البرجوازية الصغيرة, ومع آخر جيلين منها بحي الجمالية, حيث الملامح المميز لشريحة التجار (أهم شريحة بالمجتمع حينها), مع إبراز الملامح الاجتماعية المتمثلة في عدد من المفاهيم..الرجولة, العلاقة الزوجية..وغيرها.

"أمينة" زوجة مسالمة مستسلمة لكل أوامر ومفاهيم "السيد أخمد عبدالجواد زوجها", ترعى بيتها وأولادها.."ياسين" من زوجة أخرى" الذي لا هم له سوى العبث والجنس, و"فهمي" الثوري الرافض للكثير من الظواهر السياسية من الملك حتى سيطرة الأب, و"كمال" الصغير الذي يكبر ليعبر عن التوجه العلمي للمجتمع القاهري الجديد..ثم "زينب" و"خديجة" البنتان المتناقضتان في كل شيء, من الجمال إلى السلوك. وكما امتد النهر مع "كمال", بدأت روافد جديدة مع أولاد الابنتين. خديجة تنجب "احمد" الشيوعي فيما بعد, و"عبدالمنعم" المنضم إلى تنظيم "الإخوان المسلمين" الاسلامى., ومع ابن خالهما "رضوان ياسين" تتشكل ملامح الجيل الجديد..وملامح الحياة السياسية التي اتسمت بالتناقض والثورة.

غلبت الأحداث السياسية ووضحت الحركة النضالية بالقاهرة, من خلال "السيد أحمد" في جلساته ورفقائه منذ البداية..ولا يمنع أن يكون ذلك أثناء سهرات الأنس:

 "قال السيد إبراهيم الفار: "أبحر سعد من الإسكندرية اليوم" قصر الشوق ص7 لتتابع الدوارات والآراء حول أحداث الثورة (ثورة 19).

وتستمر الأحداث لنتابع ذروتها ص 171, فالأم المسالمة الأمية تسأل ابنها المتعلم:

"كنت مارة بالأزهر في الطريق إلى الحسين فقابلتني مظاهرة كبيرة تهتف بهتافات ذكرتني بالماضي, هل جد جديد يا أبنى؟

قال: الإنجليز لا يريدون أن يذهبوا بسلام"

قالت بحدة وفى عينيها نظرة غضب:

"الانجليز, الإنجليز متى تنزل عليهم نقمة الله العادل؟"

واضح من القراءة السريعة للثلاثية الدور الهام الذي أولاه الروائي للبعد السياسي والأحداث السياسية اليومية والآراء المختلفة فيها, حتى يمكن للمتابع أن يرصد الأحداث الحقيقية خلال تلك الفترة..صفحة بعد أخرى. ذلك مع كل الآراء والتوجهات السياسية الهامة, مثل: إنذار 4فبراير سنة 1942, والإفراج عن سعد زغلول ثم وفاته فى الجزء الثاني, وفى الثالث تجلت مفاهيم الرواية النضالية, رواية الأجيال..جيلا بعد جيل:

"عندما مرا بدكان الشرقاوى, وهو يقول:"كلفتني كريمة بان أستبضع لها بضائع للمولود المنتظر. ودخلا الدكان, وراح ياسين ينتقى ما يريد من لوازم المولود المنتظر: قماطا وطاقية ومنامة, وعند ذلك تذكر كمال أن رباط العنق الأسود الذي استعمله عاما حدادا على والده قد استهلك, وانه يلزمه آخر جديد ليواجه به اليوم الحزين, فقال للرجل حين فرغ من ياسين:

-رباط عنق أسود من فضلك.

وتناول كل لفافته وغادرا المكان ".. السكرية ص332

ويبرز تواصل الأجيال, واستمرار الحياة, على الرغم من كل شيء.

رواية "مكابدات عبدالله العاشق" للروائى "عبدالخالق الركابى"

واحدة من الروايات العربية "عراقيةوالحفيد.فت على شكل رواية النهر, حيث تعالج الفترة من الاحتلال العثماني حتى الاحتلال الانجليزى للعراق, ثم جيل الثورة هناك.

ثلاثة أجيال موزعة بين الجد والأب والحفيد .."خلف", "عبدالله", "صمد عبدالله". الأول يمثل جيل المعاناة والمفأجاة, حيث استبداد واستغلال الاحتلال العثماني ثم الانجليزى, وقد اختار الروائي المكان في إحدى القرى الحدودية, فساعد على إبراز الجانب الاجرائى والأفاعيل الشرسة للاحتلال.

الثاني, وهو يمثل جيل اليقظة, والرغبة في التحرر مع تحدى السلطات الاستغلالية المحتلة, كما بدت التحديات وبالتالي النضال من خلال الحياة اليومية والحياتية..مثل مقاومة "بشار" الذي طمع في "نرجس" التي عشقها "عبدالله"..وبلا ادعاء أن تكون نرجس هي الرمز للعراق الجديد, مجرد الفعل المقاوم دلالة هامة. وقد أشار البعض أن تكون "نرجس" هي العراق, دليل أن عمد عبدالله إلى اخصاء "بشار", وهذا العقاب وحدة يحمل دلالة الرمز.

الثالث, هو جيل الثأر والثورة, جيل الكفاح المباشر, بلا ترميز أو إيحاء بالنضال. فمقتل "الشيخ عميل السلطة ورمز التسلط..وحده, يعنى أفعال العمل النضالي من أجل تحقيق المزيد من التحرر والتحقق أيضا.

قد يؤخذ على العمل الروائي, قدر التعليمية أو التلقينية أو المباشرة..في الكثير من الأحيان يبدو وكأن الروائي له هدف ويسعى إلى إبلاغه, دون البحث في التقنيات الفنية الخبيثة والمرغوبة. وهو الأمر الذي يجب ألا نتوقف إمامه طويلا بالنظر إلى سنوات كتابة ونشر العمل, في الثلاثينيات من القرن الماضي.

إلا أن العمل يمثل رواية النهر أفضل تمثيل, ويبرز العمل المقاومى / النضالي بين طياته جليا, سواء من أجل البحث عن الهوية, أو إظهار الآخر العدواني بكل مساوئه.

تتبع استشهاد "عبدالله العاشق" باستخدام السرد المباشر, والاسترجاع من خلال معايشة الشخصية وابنه "صمد". حيث أبرز الروائي نشأته ثم عمله لدى "الشيخ" الذي يمثل الوجه الآخر بما يحمله من مساوىء الإقطاع والاستغلال أو أصحاب السطوة والمال. فلما أحب "نرجس" رفضه الأب للفوارق الاجتماعية بين الأسرتين. ومع ذلك وضح الروائي كيف أنه رفض فعل الخطأ أو "الاغتصاب" كحل اجبارى على أهلها لتزويجها له..

"أن تموت أأولا.ن ينالها أولا..شيء واحد شخص أمام عينيه المعتكرتين...الخزي...الخزي الأبدي...سواء قتلها أم لم يقتلها سيظل الخزي يلاحقه" ص82

أما أن يفعلها "بشار"..يغتصب نرجس, فلم يجد عبدالله إلا أن يقتل غيه رجولته التي هي أهم وأقسى ما يمكن أن يعاقب به الرجل.. قطع أعضائه التناسلية.

من شدة وطأة أفعال "الشيخ" هرب "عبدالله", لستشهد بشظايا القصف العشوائي من الإنجليز على أهل القرية, معبرا عن جيل يحاول ولكنه الأضعف قليل الحيلة.

إجمالا الشيخ عميل للإنجليز كما كان أبوه "أبوالليل " عميلا للعثمانيين, ويبدو أن اهتمام الروائي بشخصية عبدالله غلبت, فبدت الكثير من الشخصيات باهته إلى جواره, وهو مأخذ فني لا يقلل من دلالة العمل, ومن كونها رواية نهر..أبرزت تاريخ بلد عربي خلال فترة زمنية طويلة.

ثلاثية "الصعود فوق جدار أملس", "جبل ناعسة", الجهينى" للروائي "مصطفى نصر"

هذه الثلاثية نموذج آخر من روايات النهر النضالي, فقد استبدل الروائي وحدة المكان بدلا عن وحدة الأسرة, وان عبرت الروايات الثلاث الأجيال المختلفة والكفاح من اجل الخلاص من الفقر وقلة نسبة التعليم والعادات الاجتماعية والظواهر السيئة مثل تعاطى المخدرات...الخ.

يعتبر حي "غربال" بالإسكندرية من الأحياء القديمة الفقيرة بها. وقد نزح إليه جماعات من أهل صعيد مصر وشكلوا هذا التجمع السكاني. ومع كل المتناقضات بالحي, كانت السلبيات الاجتماعية التي أبرزها الروائي.

ففي رواية "الصعود فوق جدار أملس" المكان هو فندق أو "لوكا ندة" قديمة متهالكة. داخل الفندق تمارس كل المبيقات والمفاسد, وكأنه تجمع شامل لكل ما هو سيء خارج الفندق.

بينما رواية "جبل ناعسة" أصبحت فيه الشخصيات هي التاريخ, ومن خلالها يتعرف القارىء على أصول المنطقة أو الحي كله.

أما رواية "الجهينى", فقد اتسعت الرقعة المكانية وكان حي غربال صراحة هو المكان والأرضية التي يتحرك عليها الشخصيات وتدور الأحداث.

يمكن الإشارة إلى بعض الشخصيات المحورية وإبراز الجوانب التي تشي بأسباب النضال أو المقاومية بالتالي, ومنها:

"نبيل" وأختيه "عزيزة" و"أمال" في رواية فوق جدار أملس, يبدو نبيل متلصصا ويسعى للكشف, إلا أنه لا يعرف عما يتلصص عليه, وان بدا أنه يتلصص على كل غرف الفندق لأسباب نقترح منها الأسباب الجنسية والتطفل. بينما سوء سلوك "عزيزة" وممارسة الجنس مع "صابر" وأيضا "أمال" سيئة السمعة.. لا يعنى سوى البحث عن شيء ما, مع نزعة إلى رفض واقعهم.

أما "جابر عبدالواحد" في رواية "جبل ناعسة" وهو الكاتب الذي وجد الشهرة في القاهرة, وعشق الراقصة "سامية خضر".. فقد بدأت الرواية به في زيارة له للحى, وتنتهي بزيارة الأخ الأكبر "صبحي" الذي قتل "أنطونيو" انتقاما منه لأنه أقام علاقة جنسية بال