الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | معلومات النشر | من نحن | كلمة العدد

 دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 07/06/2008

إلى صفحة الكاتب

كتب                         الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال

 

       
       

أدب المقومة الفلسطيني 

 الوضع الثقافي

الأدب الفلسطيني تحت الاحتلال

الكاتب 

الشعر 

  قصائد قصيرة

 الأقصوصة

المسرحية 

 

الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال

بقلم الكاتب الشهيد: غسان كنفاني 

 

 

مقدمة

ليست المقاومة المسلحة قشرة، هي ثمرة لزراعة ضاربة جذورها عميقا في الأرض، وإذا كان التحرير ينبع من فوهة البندقية، فان البندقية ذاتها تنبع من ارادة التحرير، وارادة التحرير ليست سوى النتاج الطبيعي و المنطقي والحتمي للمقاومة في معناها الواسع: المقاومة على صعيد الرفض وعلى صعيد التمسك الصلب بالجذور والمواقف.

 

ومثل هذا النوع من المقاومة يتخذ شكله الرائد في العمل السياسي و العمل الثقافي، و يشكل هذان العملان المترافقان اللذان يكمل واحدهما الآخر الارض الخصبة التي تستولد المقاومة المسلحة و تحضنها و تضمن استمرار مسيرتها و تحيطها بالضمانات.

ومن هنا فان الشكل الثقافي في المقاومة يطرح اهمية قصوى ليست ابدا أقل قيمة من المقاومة المسلحة ذاتها، و بالتالي فان رصدها و استقصاءها و كشف اعماقها تظل ضرورة لا غنى عنها لفهم الارض التي ترتكز عليها بنادق الكفاح المسلح.

 

وفي الفترة التي امتدت بين 1948 و 1968، قدم المثقفون العرب في فلسطين المحتلة، من خلال أقسى ظروف القمع، و الأسر الثقافي، نموذجا تاريخيا للثقافة المقاومة، بكل ما فيها من وعي و صمود و صلابة، و أهم من ذلك، بكل ما فيها من استمرار و تصاعد وعمق.

 

وفي الواقع فان ادب المقاومة -على وجه الخصوص - لم يكن أبدا ظاهرة طارئة على الحياة الثقافية الفلسطينية، و في هذا النطاق فان المقاومة الفلسطينية قدمت، على الصعيدين الثقافي و المسلح، نماذج مبكرة ذات أهمية قصوى كعلامة اساسية من علامات المسيرة النضالية العربية المعاصرة.

 

وحفل التاريخ الفلسطيني،منذ الثلاثينات على الاقل، بمظهار المقاومة الثقافية و المسلحة على السواء، و اذا كانت الثورات المسلحة التي خاضها شعب فلسطين قد انتجت اسماء من طراز عز الدين القسام مثلا، فان أدب المقاومة قد انتج، قبل ذلك و معه و بعده، اسماء من الطراز نفسه، ما زال المواطن العربي يذكرها بكثير من الاعتزاز، و من أبررزها ابراهيم طوقان، و عبد الرحيم محمود، و ابوسلمى (عبد الكريم الكرمي) و غيرهم.

ومن هذه الناحية فان أدب المقاومة الفلسطيني الراهن، مثله مثل المقاومة المسلحة، يشكل حلقة جديدة في سلسلة تاريخية لم تنقطع عميليا خلال نصف القرن الماضي من حياة الشعب الفلسطيني.

 

ولكن ما يميز الادب المقاوم في فلسطين المحتلة منذ 1948 حتى 1968 هو ظروفه القاسية البالغة الشراسة، التي تحداها و عاشها، و كانت الأتون الذي خبز فيه انتاجه الفني، يوما وراء يوم.

 

لقد كان الحصول على نماذج هذا الادب المقاوم صعبا للغاية، و من المؤكد الآن ان هناك نماذج لم يتسير قط نشرها، و لا نعرف فيما اذا مان من الممكن نشرها خلال الفترة الوجيزة القادمة، و كذلك فان ثراثا كبيرا من الشعبي الفلسطيني الذي ولد و ترعرع و انتشر في الريف الفلسطيني خلال العشرين السنة الماضية لم يتسير لنا قط الحصول عليه بالصورة التي تتيح استخدامه لدراسة منفصلة أخرى، و ان كانت الجهود الحالية في هذا النطاق تبشر بامكان ذلك.

في هذا المجال لابد من الاشارة الى أن البحث التالي ليس طبعة جديدة او منقحة لكتابي الذي أصدرته دار الآداب باسم "ادب المقاومة في فلسطين المحتلة"، بل يمكن اعتباره الى حد بعيد دراسة مكملة، خطوة ثانية في هذا النطاق، ولا يسعي الا أن اشير الى أن الكتاب الاول يعتبر مقدمة ضرورية لهذا الكتاب، سواء من حيث التحليل او حيث النماذج.

واذا كان لابد من الاستطراد في هذه النقطة الشكلية، و لكن الهامة، فهناك ملاحظتان لابد منهما:

 

الاولى ان معظم النماذج التي اخترناها في هذه المجموعة حرصنا على ان تكون من خارج نطاق النماذج التي باتت متوفرة الآن،و التي ستطبع في مجموعات شعرية منفصلة خلال الفترة الوجيزة القادمة.

 

والثانية ان دراسات تحليلة عديدة لأدب المقاومة الفلسطيني، هي الآن في نطاق الاعداد منقبل استاذه اختصاصيين في النقد الادبي و البحث، و هذا هو بالذات ما جعل الدراسة هذه تميل باطراد نحو الصيغة الوثائقية، اذا جاز التعبير، أكثر بكثير مما حرصت على الصيغة التحللية.

وبعد. ان ما يهم هذه الدراسة، في الاساس. هو انها تحاول تقديم وثيقة أخرى للادب الفلسطيني المقاوم بعد الوثيقة الاولى التي جاءت قبل ثلاث سنوات في كتاب "ادب المقاومة قي فلسطين المحتلة"، فاذا حققت ذلك فانها لا تطمعه الى شيء آخر.

بيروت 15نيسان 1968

 

  

 

الفصل الأول الوضع الثقافي

لعرب فلسطين المحتلة

 

يقول فوزي الاسمر، وهو كاتب عربي من فلسطين المحتلة:

"بينما كنت جالسا أتناول وجبة غذائي في أحد المطاعم بتل أبيب، استمعت بالصدفة الى مكالمة تلفونية. كان المتكلم شابا عربيا من احدى قرى المثلث. علمت فيما بعد انها أم الفحم".

-"آلو.فاعد هبوعيل[1][1]؟ أعطني من فضلك السيد قصاب من الدائرة العربية. آلو (كل المحادثة بالعربية) سيد قصاب؟ مرحبا. احمد يتكلم. هل تسلمت رسالتي؟ انني متأسف جدا. لقد كتبتها بالعبرية وطلبت من الأخ قاسم ترجمتها للعربية. متأسف. لقد أنهيت مدرسة عبرية ثانوية ولا أعرف الكتابة بالعربية لذا طلبت منه ترجمتها".

 

ويمضي الكاتب قائلا:

"مكالمة خاطفة تحمل في طياتها الكثير، وأنا هنا لا أضع مسؤولية عدم تعلم العربية، لغة أم أحمد على عاتق أحمد وحده بل على عاتق أحمد نفسه، ألا يخجل من نفسه؟ اننا لا ننكر ان هنالك محاولة من السلطات لبلبلة الجيل العربي الناهض، ولكن أين المسؤولية التي تقع على عاتقه هو؟ انني أتوجه إلى أحمد هذا وكل أحمد آخر في نفس الحالة أن يسارعوا في تعلم لغة أمهم...والا..."[2][2].

 

ذلك المقطع يعطي لمحة سريعة، ولكنها جارحة حتى العظام. عن نوع فذ من النضال الثقافي الذي يخوضه عرب الأرض المحتلة[3][3] منذ عام 1948، للدفاع عن لغتهم وثقافتهم وتراثهم، وفي الواقع فان المعركة هذه تمثل واحدة من أبشع وسائل الاستعمار الاسكاني في سحق الحركة الوطنية ومحاولة اجتثاثها من جذورها. وكي ندرك فعلا ما هي قيمة أدب المقاومة الفلسطيني في فلسطين المحتلة، من خلال النتاج الذي أعطانا في العشرين سنة الماضية، لا بد من إدراك حجم المصاعب التي تشكل التحديات اليومية في الحياة الثقافية العربية في الأرض المحتلة.

 

ثمة اعلان فاضح، يشكل اعترافا مثيرا للدهشة، في هذا النطاق، على لسان اسرائيلي مثقف، خلال مناقشة مفتوحة مسجلة.يقول:

"أعتقد ان الكيان القومي هوفوق كل اعتبار، حتى فوق الاعتبارات الخلقية. ان وجود أقلية عربية في اسرائيل يشكل أكبر خطر عليها، اذا لم يكن الآن وفي هذا المستقبل ففي المستقبل البعيد، وحتى نمنع وقوع مثل هذا علينا أن نعمل كل شيء بشكل لا يثير الاحتجاجات العالمية، علينا أن نجد لذلك غطاء ملائما وعبارات جميلة، ولكن اذا لم يكن بد من ذلك، علينا ان نتجاهل الرأي العام.

 

علينا أن نقصر خطواتهم، وأن نأخذ أراضيهم، كل عربي ينهي المدرسة الثانوية أو الجامعة لا نعطيه عملا وليبحث عن عمل خلال ثلاث أو أربع أو خمس سنوات حتى ييأس ويفهم انه لا مكان له في هذه البلاد وليبحث عن بلاد أخرى، علينا أن نقنع العرب بعدم سماع الراديو العربي، علينا أن نقطعهم عن الثقافة العربية ونضعهم تحت الثقافية اليهودية.

- وماذا سيحدث اذا ما قرروا الاستمرار بسماع الراديو المصري؟ واذا لم يفهموا الاشارة ويغادروا البلاد. ما العمل؟

- سيفهمون، وسيهاجرون.

-واذا رفضوا التخلي عن شخصيتهم القومية او رفضوا الهجرة؟

- لا. سيفهمون!

- كن جريئا وقلها بصراحة: علينا أن نقيم او يشفتز!"[4][4].

وليس في هذا الجدل تصور نظري، فهو في الواقع تعبير عن حقيقة تمارس ممارسة يومية. لقد بات من المعروف "ان مستوى التعليمي في المدارس العربية أضعف منه بكثير في المدارس اليهودية، وكذلك فصل المعلمين الأكفاء وتعيين معلمين انهوا المدارس الابتدائية فقط مكانهم"[5][5].

 

 

ان سياسة التجهيل المتعمد هي سمة بارزة من سمات الاضطهاد الثقافي الصهيوني لعرب الأرض المحتلة، وفي هذا النطاق تبرز مسألة التعليم وانخفاض مستواه في الوسط العربي كشيء اساسي.

 

يعترف ز.آران في مقال له بكتاب "اسرائيل اليوم"[6][6] : ان "53 بالمئة من المعلمين العرب في اسرائيل غير مؤهلين" ويقول م.أساف في الكتاب نفسه [7][7] : ان "عدم توفر اساتذه وكتب وتخطيط بالنسبة للمدارس الثانوية العربية في اسرائيل يؤدي الى اخفاق كبير في امتحانات الثانوية (المتركيوليشن)"، وان المجتمع اليهودي لم يستطع "امتصاص المتخرجين العرب من المدارس الثانوية، ولا طلاب الجامعات العرب"، وانه يوجد "مشكلة أكبر بالنسبة للعرب الذين يضطرون لترك دراستهم الثانوية".

ويعترف أساف بأن نسبة تخرج العرب من الجامعات في اسرائيل نسبة منخفضة، الا انه لا يورد ارقاما، ومع ذلك فبوسعنا ان نتصور هذه النسبة حين يصل الى اعتراف أخطر في قوله ان مجموع الطلاب العرب في الجامعات في اسرائيل، عام 1967، كان 200 طالب فقط (مقابل 19 الف اسرائيلي).

وعلى أي حال لدينا احصاء مروع آخر: "فمن الجيل العربي الذي بدأ التعليم في الصف الأول سنة 1957، ترك المدرسة 45 بالمئة منهم في سنة 1964، أي قبل أن ينهوا الصف الثامن"[8][8] .

 

فاذا كان هذا هو الحال بالنسبة للمدارس الابتدائية فان الوضع لا بد ان يكون أقسى بكثير في المدارس الثانوية والجامعية، فأساف يقول ان 10 بالمئة فقط من العرب الذين تقدموا لامتحانات الشهادة الثانوية عام 1964 نجحوا، أما في عام 1963 فقد كان الناجحون 12 بالمئة[9][9].

ومن الواضح ان هذا الرقم خادع، ففي حين تقول مصادر أخرى، ان هذه النسبة لم تكن أبدا اكثر من 4 أو 5 بالمائة، سنرى ان ز. آران يقول ان نسبة نجاح المرشحين لامتحانات الشهادة الثانوية بين العرب في اسرائيل، كانت عام 1963 ما نسبته 40,2 بالمائة[10][10].

ان الذي يثبت خطورة هذه المسالة هو ان أساف، و آران، يوردان رقمين متباينين جدا عن نسبة نجاح العرب في الثانوية في اسرائيل، في سنة واحدة، في كتاب واحد!

سنجد، بالاضافة لذلك كله، وصفا موجزا، و لكن قاطعا، للأوضاع التعليمية لعرب فلسطين المحتلة، يعطي فكرة شبه كاملة عن حقيقة هذه الأوضاع.

 

نقول منظمة "الارض" في اسرائيل، في مذكرة بعث بها الى يوثانت في مطلع 1964[11][11].

 

" ان نسبة التعليم المرتفعة في ظل الانتداب انخفضت الى الحضيض خلال الست عشرة سنة الماضية، ان نسبة النجاح في شهادة المتركيوليشن (باغروت) في المدارس العربية الخاضعة لاشراف وزراة التربية هي فقط 4و5 بالمائة.

ان هذا الانخفاض يعود الى الأسباب التالية:

1- التدخل المؤذي و الوقح في شؤون التعليم من قبل رجال العسكري و المباحث (شن بت). و لهاتين الفئتين، الحكام العسكريين و رجال المباحث، الكلمة الأولى في اختيار "المدرسين" دون أدنى نظر لكفاء اتهم العلمية، انهم يختارون بناء علىمقدار ما يقدمون من خدمات للحكم العسكري و للمباحث، و يفترض فيهم أن يكونوا مماثلين، متواطئين، و أبواق دعاية للحزب الحاكم.

2- عدم وجود مدارس كافية، فبالرغم من الازدياد المطرد في عدد التلاميذ فان عدد المدارس لا زال محدودا جدا. ان وزارة التربية تتجاهل عن عمد تنفيذ قانون التعليم الاجباري بالنسبة للأقلية العربية.

3- النقص الشديد في الكتب المطلوبة و المختبرات و التجهيزات و الخرائط و الممكتبات.

4- هنالك بعض الموظفين المسؤولين الذين يستغلون وظائفهم فيقومون بنشر بعض الكتب المتدينة، هادفين الربح من ناحية. و تسميم عقلية الجيل الجديد من ناحية أخرى.

هناك خمس مدارس عربية ثانوية في اسرائيل. واحدة منها فقط في (الناصرة) تدرس العلوم... ان سياسة الحكومة السلبية بالنسبة للثقافة العربية ترمى الى محو أي ارتباطات بين الجيل الجديد و بين ماضيهم المجيد، لتخمد كل مشاعرهم القومية و آمالهم في مستقبل مشرق.

وفي الحقيقة، فانها تقدم لهم بديلين احلاهما مرة: إما الهجرة، و إما الانصهار!".

 

ان هذا المقطع في مذكرة "جماعة الأرض"، المتعلق بأوضاع الثقافة العربية. لا يلخص فقط الوسائل الفاشية التي تتبعها اسرائيل لسحق الوعي الثقافي العربي، و لكنها تلقي ضوءا، من ناحية مقابلة. على الصمود العربي، و على النضال في سبيل تقويت هذه المؤامرة.

 

لقد كانت هذه المسألة محل اهتمام عربي متواصل و مستمر في فلسطين المحتلة، و هذا الاصرار على رفض خطة التجهيل الاسرائيلية هو الذي يدفع م. أساف ليكتب[12][12]:

"فيما يتعرض الجيل العربي الجديد الى تأثيرا ت مناوئة لاسرائيل، فان الجيل الأكبر ممتمسك بالماضي، والطرفان ما زالا على صلة يومية بالدول العربية واللاجئبن من خلال الراديو و التلفزيون".

ومع ذلك تمضي اسرائيل عن عمد في حرمان من حق العلم. و من المعروف أيضا ان عدة كليات علمية في الجامعات الاسرائيلية محرمة نهائيا على الطلاب العرب، و هذا ما يدفع محمد دسوقي للتأكيد بأن "التعليم العربي في اسرائيل لا يمكن ان ننتظر منه اية فائدة"، و يلاحظ ان الكتب و وسائل التعليم و المعلمين الأكفياء غير متوفرين. وانه بوجدتمييز بين الطلاب العرب و اليهود في التعليم العالي[13][13].

 

وبعد الاحتلال الاسرائيلي للأراضي العربية في حزيران 1967، لاحظ أحدالمرببين الفلسطينيين في الضفة الغربية قائلا[14][14]:

"انني اسمح لنفسي بعد خدمة ربع قرن في التعليم أن أقول ان مستوى المدارس العربية في اسرائيل منخفض جدا. و ان الملدة التي يلقنها الاساتذة للطلاب العرب مادة تافهة. لقد طلبت من أحد أقاربي ان يحضر لنا بعض الكتب التي تدرس في المدارس العربية باسرائيل، و اطلعت على بعض الدوسيهات، و عليه بنيت رأيي، ان ما يدرس للطلاب العرب ما هو الا نوع من التجهيل (خصوصا الأدب العربي و التاريخ العربي) و سوف لن نقبل هذه البرامج عندنا".

وفي نفس المصدر يؤكد احد المعلمين في القدس العربية الشيء ذاته في حديث آخر: "اذا كانت اسرائيل ترى من واجبها تعليم الطلاب التاريخ الصهيوني فنحن غير مضطرين لذلك... لقد اطلعت على قسم من البرامج و اعتقد انني سأكون خائنا لقوميتي و شعبي اذا قمت بتدريس هذه البرامج".

 

وهذه الحقيقة، أي خطة التجهيل المتعمد الذي يهدف الى ارساء استعمار من نوع اقتلاعي، تستدرج بدورها اجراءات قمعية اسرائيلية من نوع آخر، تتبدى في محاربة المعلمين العرب و تشريدهم و منعهم من العمل و وضع سوط التهديد على رقابهم.

ففي آذار 1967، القي اسرائيلي يدعي غديش، يشغل منصب المسؤول عن التعليم العربي في اسرائيل، محاضرة في نادي المعلمين في حيفا، و وجه الى "المعلمين القدامى" الذين دعوا للاستماع اليه تهديدا مباشرا: "على المعلمين القدامى الا يعتقدوا بأنهم ثابتون كالمسمار الذي لا طبعة له، انا سأعمل للمسمار طبعة، و اذا لم أقدر فسأحفر حوله و أقلعه"[15][15].

 

" فالمعلمون القدامى" يشكلون في الواقع جسرا شديد الأهمية في الحياة الثقافية العربية في فلسطين المحتلة، فهم ضمانة استمرار ذلك التيار من الوعي العربي و الاطلاع على مناهج التعليم قبل الاحتلال الاسرائيلي، و من هذه الناحية فهم يشكلون بالنسبة لاسرائيل مشكلة يشبهها غديش بأنها مشكلة المسمار الذي لا طبعة له. بحيث يستحيل استلاله و قلعه من مكانه!

 

ولا تكفي السلطات الاسرائيلية بالطبع بهذا الاسلوب "السلبي" في محاولتها لنسف الجذور الثقافية العربية، و لكنها تلجأ الى اسلوب "ايجابي" مواكب لخطتها. يتبدى في محاولات حقن المجتمع العربي في فلسطين المحتلة بسموم الثقافة الهجينة، و التفاهة التي تهدف الى افقاد ثقة العربي بقيمة ثقافته و بآفاقها و جذورها.

 

ففي كانون الثاني 1961 وزع منشور عربي في اسرائيل، أصدره الشيوعيون العرب، يتهم "شركة الكتاب العربي" التي يشرف عليها حزب العمال الاسرائيلي الموحد (المابام) بأنها "تنزل الى الأسواق، دون حساب للتكاليف، مجلات وكتباباللغة العربية لا هدف لها سوى اغراق شبابنا في مستنقعات العدمية القومية و العدمية الجنسية"[16][16].

 

وفي الشهر ذاته القى موشيه بيمينته الاسرائيلي، محاضرة في الجامعة العبرية في القدس بعنوان "اللغة و الاسلوب في الأدب العربي الحديث" دعا فيها باصرار الى استعمال اللهجة العامية في الكتابة الأدبية و نبذ العربية الفصحى و نسيانها[17][17].و لم تكن هذه الدعوة الا تكملة لمهطط مقصود و مدروس. فجمال قعوار، و هو شاعر و كاتب من فلسطين المحتلة، يكشف هذا في قوله:"كما حاولت السلطات ان تستخلص ادبا ما من مأجوريها كانت تصدم بالابتعاد من قبل الأوساط العربية، لأنه مضمونه بعيد عن أية آمال لابناء الشعب العربي هنا حيث يبث الروح العدمية بين الجماهير العربية ويكبت الروح التقديمية العربية"[18][18]

 

ومثل هذا الصدام الصامت، و لكن المروع، لا يمكن له أن يقف هنا. و هذا هو التفسير الوحيد لعمليات القمع و الاعتقال و الاقامة الجبرية، و أحيانا القتل، التي يتعرض لها الجيل الشباب المثقف في فلسطين المحتلة.

 

ففي 27 كانون الثاني 1967 قتل جنود اسرائيلييون الشاب العربي محمد خليل الزعبي (28) من قرية سو لم قضاء الناصرة في فلسطين المحتلة، "كان المذكور قد انهى دراسته الثانوية منذ حوالي عشر سنوات قضاها في البحث عن عمل، و لكنه لم يتوفق الى ذلك... كما هي الحالة عند معظم الخريجين العرب"[19][19].

وقد قتل الشاب الزعبي من قبل دورية اسرائيلية أثناء محاولته قطع الحدود الى غزة، ولم "ينشر أي بيان رسمي عن حادث القتل المذكور"[20][20].

 

تقول عريضة "القوة الثالثة" التي قدمها الى المحكمة م.شتين، رئيس الحركة، (وكما هو متوقع قوبلت بالاهمال، وحفظت القضية) :

"وكما يعرف جنابكم (الكلام موجه لهيئة المحكمة) فانه يتبع ضد عرب هذه البلاد اساليب التمييز المختلفة، وأكثرهم شعورا بذلك هم المثقفون لأن كل المكاتب الحكومية والعامة مغلقة في وجوههم...لذلك لا يستغرب ان يحاول الشاب العربي الذي افتقد كل أمل في الحصول على حياة ملائمة دخول أي بلد عربي ولو اضطر في ذلك الى مخالفة قوانين الدولة وقوانين الدول العربية على السواء"[21][21].

 

ومن الواضح ان عمليات قتل من هذا النوع تكرر بشكل او بآخر، ويعلن عنها تحت هذا العنوان او ذاك، ولكن نظرة خاطفة على الانباء العادية لن يكون من شأنها الا ان تثير المزيد من الشك، وما زال القراء العرب يذكرون النبأ الذي روى قصة مقتل طالب عربي شاب "بعد أن قفز من القطار أثناء اجازته الجامعية قرب الحدود الأردنية فسقط تحت العجلات وقتل!"[22][22].

ولكن عمليات البطش والارهاب لا تقتصر على ذلك، وهي ليست من ناحية أخرى في حاجة الى اثبات، ويستطيع القارىء للصحف الاسرائيلية ان يجد كل ما يريده من البراهين مختبئا هنا وهناك.

ف "عندما استيقظ الطالب الجامعي يوسف عزيزي (21 سنة) صباحا ليدرس لامتحاناته، وجد رسالة تهديد تنتظره وهي مرسلة من منظمة سرية لقبها اعضاؤها بمنظمة ش.ش و يوسف، ابن قرية كفركنا، يسكن في بيوت الكلاب في قرية الجامعة العبرية في القدس، وقد طلبت الرسالة منه أن يكتب اسمه باللغة العبرية الى جانب اللغة العربية على الورقية المعلقة على باب غرفته والا..

 

"ووصف اعضاء المنظمة المذكورة انفسهم بانهم ذو و اياد طويلة و وحشية و قد أعطي يوسف مهلة ليوم واحد لتلبية أوامر المنظمة والا.."[23][23].

 

وقد يكون هذا النبأ عاديا لو لم نتابع من خلاله كيف لقيت شكوى يوسف المذكور، الى ادارة الجامعة والى مركز الشرطة، اهمالا لا نظير له، اقترن بالمماطلة و الكذب، و وعده قائد المباحث بان يتابع المشكلة و لكنه أعطاه رقم هاتف وهميا، و كان مدير السكن الاسرائيلي قد هدده بالطرد اذا شكا للشرطة..

والنهاية التي تتوج هذه القصة و تعطيها معناها هي أن يوسف اضطر بالفعل لترك غرفته بالجامعة، رغم كل الشكاوى التي قدمها.

انه من السهل الاستنتاج بأن طالبا جامعيا ليس مضطرا لترك دراسته لو لم يكن يعرف بأن "تجارب سابقة" اثبتت خطورة مثل هذه الحالة وجديتها.

 

انه الحرب النفسية و الاقتصادية و السياسية و البدنية التي تشنها السلطات الاسرائيلية على الثقافة العربية و المثقف العربي كان لها الاثر الاكبر في بلورة الانتاج الادبي العربي في فلسطين المحتلة على الصورة التي سنراها، و من ذلك اللجوء غالبا الى الرمز، و لم يحدث هذا اللجوء الا لأن تفسيره "موجود في اكث من سجن واحد، و في فصل اكثر من معلم عربي واحد"[24][24].

وقد وصل هذا القمع في ابشع صورة و أكثرها اتساعا و قسوة، في حزيران من 1967، فقد تلقى مئات من المثقفين العرب اوامر تحديد الاقامة[25][25]بناء على المادة (109) من قانون الطوارىء الاسرائيلي و المعمول به بالنسبة للعرب منذ 1948 الى الان.

ولأن المادة (109) المذكورة تشكل قضية يومية في حياة العرب في الأرض المحتلة، فانه من الجدير تسجيل نصها زيادة في ايضاح الصورة:

 

"المادة (109):

1-يحق للآمر العسكري ان يصدر بالنسبة لاي شخص امرا بخصوص جميع او بعض الغايات التالية:

أ- لكي يؤمن، ما عدا في الحالات المبينة بالأمر او من قبل سلطة او شخص حسب ما هو مبين بالامر، ان ذلك الشخص لن يسمح له ان يكون بأية منطقة في اسرائيل، كما هومبين.

ب- ان يفرض عليه الابلاغ عن تحركاته بالطريقة و في الأوقات و للسلطة او للشخص كما هو مبين في الأمر.

ج- ان يمنع او يحدد ترخيص او استعمال اية أداة من قبل أي شخص كما هو مبين.

د- ان يفرض عليه اية تحديدات كما هو مبين في الأمر بالنسبة لشغله او عمله او بالنسبة لارتباطه او اتصاله مع اشخاص آخرين و بالنسبة لافعاله بما يخص نشر الأخبار او الدعوة لآرائه".

 

مما لاشك فيه ان قانونا مثل هذا لا يمكن ان يمارس في اغنى دول العالم عنصرية وفاشستية، و مع ذلك فان قراءة اخرى له تظل ضرورية، فهدفه ليس الحفاظ على امن مزعوم بقدر ما هو محاولة لالغاء الانسان.

 

ان هذه المادة جزء اساسي في حياة عرب الأراضي المحتلة، و خصوصا بالنسبة للمثقفين، و يندر ان تسمع عن أديب أو شاعر او كاتب عربي في اسرائيل لم يتلق مثل هذا الأمر بين الفينة و الاخرى.

وفي الوقت الذي كان عشرات من المثقفين العرب في اسرائيل يتلقون هذه الأوامر في حزيران الماضي (بالاضافة الى مئات من العرب الوطنيين البارزين) كانت دوريات من الشرطة الاسرائيلية تجمع عشرات من الأدباء و الشعراء العرب في فلسطين المحتلة، و تودعهم السجون.

 

ومن بين أولئك الذين سيقوا الى السجن في ملع حزيران 1967 السادة: منصور كردوش، و صالح برانسي[26][26]. و فخري جدي، و الشاعر حبيب قهوجي[27][27]. و الشاعر سميح القاسم، و الشاعر محمود درويش، و الشاعر سالم جبران، و الشاعر توفيق زياد، و المحامي و الكاتب صبري جريس (مؤلف: :العرب في اسرائيل") وعبد الحفيظ درواشة، و الأديب فرح نور سلمان، و علي رافع، و محمد خاص، و علي عاشور، و الطالب الجامعي خليل طعمة[28][28]. و محمد ريان، و زاهي كركبي، و منعم جرجورة، و نصري المر، و جورج غريب، و فؤاد خوري... وغيرهم[29][29].

 

وحين اطلق سراح بعض هؤلاء فيما بعد "ثبتهم" الحاكم العسكري بأوامر تحديد الاقامة، و الاقامة الجبرية!‍

 

لقد جدد أمر الاقامة الجبرية على صالح برانسي "و بمقتضاه يمنع من مغادرة بيته في الطيبة بعد غروب الشمس بساعة و حتى شروقها بساعة، كما ان عليه. بمقتضى هذا الامر، ان يثبت وجوده مرة في اليوم في مركز الشرطة في بلدته... هذا و قد تلقى البرانسي هذا الأمر قبل سنتين، و هو ما بزال يجدد كل ثلاثة أشهر"[30][30].

 

وكذلك جددت الاقامة الجبرية على عدد كبير من المثقفين و الأدباء العرب في فلسطين المحتلة، و من بينهم الشاعر محمود دسوقي، و صليبا خميس، و الشاعر سالم جبران، و عثمان ابو راس، وزاهي كركبي، و عبد العزيز ابو اصبع، و هشام حافظ اجاره..."و مئات غيرهم"[31][31].

 

ولم تكن الاعتقالات هذه جديدة، كما يظهر بالنسبة للبرانسي، فنحن نعرف مثلا ان منصور كردوش و حبيب قهوجي منفيان منذ ثلاث سنوات على الأقل و مفروض عليهما الاقامة الجبرية في القرى المبعدين اليها.

 

ورافقت هذه الاعتقالات و الاحتجازات عمليات عنف و ضرب وتعذيب كانت جزءا مكملا من المخطط "فبعد نشوب الحرب بيومين (7حزيران) أخذت سيارة الشرطة في قرية الطيبة تجوب الشوارع و تنقل بعض الشباب الى المركز لتدخلهم الى غرفة علقت علىبابها لافتة كتب عليها "غرفة التأديب"، و في هذه الغرفة كانوا يهانون و يضربون ضربا مبرحا دون الادلاء بالأسباب... لقد ثبت بصورة قاطعة ان الذين كانوا يقومون بالتعذيب كانوا خليطا من الرجال الشرطة و بعض المدنيين الذين ينتمون الى سلك آخر"[32][32]-(يقصد المباحث العسكرية).

 

يصف الشاب خليل طعمة ما حدث له في المعتقل في مطلع حزيران 1967، و هو صورة لما حصل للأدباء و المثقفين العرب الذين اعتقلوا في الفترة ذاتها، في تقرير مفصل:

 

"أمرت أن أغادر القدس في حين كنت أستعد للامتحانات آخر السنة، الى منطقة قريتي الرامة و في 5-6، أثناء استماعي لأخبار الساعة العاشرة، دخل الشاويش رقم 13225 و المعروف عندنا ب "أبو سرور" و في يده مدفع رشاش عوزي، و أمرني أن أذهب معه الى مركز الشرطة في كرمئيل، و حجزوني حسب المادة(111).

 

أخذوا مني دفتر العناوين، و فجأة سمعت صوتا يقول: هذه عناوين ناصر. هه، سوف نرسلك اليه الآن، لقد حلت نهايتكم و سوف تحصدكم كما تحصد طائراتنا من القنطرة حتى السويس.

 

واستمر أبو سرور طيلة يومين في اهاني، و كان يكرر دائما: أريد أن أشرب كأسا من دمك. و يقول: البروفيسوريم البهائم الذين يعلمونكم كيف تكرهون الدولة... مارتن بوبر القذر هذا!

ثم أخذوني الى مركز عكا، و عندما دخلنا وجه ابو سرور حديثة الى بعض افراد الشرطة الجالسين و قال:

 

انظروا هذا المثقف الذي يدرس الطب كي يسمم الماء في اسرائيل! و انهى كلامه بلكمة قوية على وجهي مما دفع الآخرين، و عددهم حوالي عشرة، ان يهجموا علي و ينهالوا ضربا و لكما حتى سال دمي و وقعت مغشيا علي، و مع ذلك فقد صحوت على أبو سرور و هو ينهال ضربا بحذائه على جميع أعضاء جسمي، و ماتزال علامات الضرب الى الآن (آب 1967) واضحة على جسمي"[33][33]. و رافق هذا "التعذيب الرسمي" سلسلة من "الاعتداءات الشعبية"، فقد كاد يهود تثانيا يقضون على قاسم عبد القادر،وهو مدير مدرسة أبو ربيعة في صحراء النقب حين ظفروا به في الشارع [34][34]. وقد ظلت هذه المدينة مغلقة في وجوه العرب (وخصوصا سكان قريتي الطيبة وقلنسوة الذين يعملون فيها) عدة شهور بعد ذلك الحادث.

وربما كانت قصة الشاعر حبيب قهوجي نموذجا لما يحدث للمثقف العربي في فلسطين المحتلة،فقد اعتقل في الخامس من حزيران، ووجهت له تهمة "التجسس"، وبعد شهور قليلة اعتقلت زوجته ووجهت لها نفس التهمة، ومع ذلك "فقد اقترحت السلطات الاسرائيلية على الزوجين الاعتراف مقابل السماح لهما بمغادرة البلاد، الا انهما رفضا الاقتراح بشدة"[35][35].

 

وفي موعد محاكمتهما فوجىء محاميهما بأنهما لم يحضروا، "وعندما اتصل بالشرطة أبلغ أن الزوجين قهوجي قد اعتقلا لمدة ثلاثة أشهر أخرى بموجب أوامر ادارية"[36][36]. وقد اشتكى الزوجان أمام اللجنة الاستشارية الخاصة بالاعتقالات الادارية "من المعاملة البربرية التي يلاقونها"[37][37]، ومع ذلك فانه لم يسمح لهما بمقابلة محاميها قبل انعقاد اللجنة[38][38] التي لم يغير انعقادها شيئا.

بالنسبة للأديب العربي في الأرض المحتلة فانه يواجد المسألة بصورة مزدوجة، يقول سميح القاسم معلقا على مؤتمر الأدباء العبريين الذي انعقد في القدس المحتلة في 17 نيسان 1968:

 

"قال شيخ الأدباء العبريين يهودا بورلا في كلمة افتتاح المؤتمر:

"ان أدباء اسرائيل يعملون على تعميق الوعي القومي والقيم الانسانية لدي الشبيبة ولدي الشعب"، ولم تطل فرحتنا بهذا الاعلان، فقد اتبعه فورا بالدعوة الى "الاعتراف بعظمة هذه الايام التي أعقبت حرب الأيام الستة"!".

 

هذا الجانب من التحدي يقابله جانب آخر يجعل المشكلة مزدوجة، يتابع سميح القاسم تعليقه:

 

"...وينعقد مؤتمر للأداب العبريين فلا نسمع كلمة احتجاج واحدة على الاضطهاد الفظ الذي تعرض له، وما زال، الأدباء العرب في اسرائيل نفسها. كثير من الكلام قيل حول محاكمة "الأدباء" في "روسيا" ولكن اعتقالنا نحن، وسوقنا في الشارع مكبلين بالقيود، والاعتداء على حرياتنا اليومية والفكرية، كتحديد اقاماتها واعتقالنا في منازلنا وفرض الرقابة على انتاجنا وطردنا من أعمالنا ومحاولة عزلنا عن الجماهير بموجب القوانين الموروثة عن الاستعمار البريطاني...كل هذه الأمور لم تحظ بكلمة واحدة من مؤتمر الأدباء العبريين ذي القدسين![39][39]".

 

 

هذا الوضع الذي يواجهه الأديب والمثقف العربي في فلسطين المحتلة، والذي تابع باصرار لا مثيل له تحديه طوال عشرين سنة من الاغتصاب، هل استطاع ان يزعزع ثقة العربي بجذور ثقافته وآفاقها، او أن يحول دون شروق الأدب المقاوم الذي يتهوج الآن كشمس متفائلة في الحياة الثقافية العربية عموما؟

 

لقد كان عرب فلسطين المحتلة يدركون مند البدء خطورة المعركة التي يخوضونها تحت سياط الحكم العسكري الاسرائيلي، و منذ البدء عبروا عن وعيهم بالمخطط الموضوع ضدهم باختصار و لكن بعمق، في جملة موجزة تلخص كل شيء: "كل الناس في العالم يقفون على أقدامهم، الا الحاكم العسكري فانه يقف على أذنابه![40][40].

 

ولم يكن هذا التعبير ليغطي التحدي السياسي الذي كان يواجهه عرب فلسطين المحتلة، بل كان يغطي ايضا التحدي الثقافي المبيت ضدهم، و أدى وعيهم هذا لحقيقة "التسلل من الداخل" لتسهيل عملية "الضرب من الخارج" الى بلورة أدب المقاومة الذي كان بدوره ايضا "صمودا من الداخل" لتسهيل عملية "الضرب الى الخارج".

 

لقد أدرك أدباء المقاومة العرب في فلسطين هذه الحقيقة بارتباطاتها السياسية و الثقافية المختلفة "فاذا لم نصوت للحزب الحاكم فنحن غير مخلصين للدولة، و اذا كتبنا قصيدة او قصة و مقالا تعبر عن واقعنا المر فنحن غير مخلصين للدولة"[41][41].

 

و قد ادى ذلك الى تطور في أسلوب التعبير تكيف في الأساس مع متطلبات "جبهة القتال" الثقافية. فقد لجاء الشاعر، مثلا، "لانشاد مقاصده ، شعرا بواسطة الطريقة الرمزية... فالقصيدة الشعرية هي ميدان فسيح للكتابة الرمزية، يعبر فيها الشاعر عما يخالجه من شعور قومي دون ان يفصح عن ذلك، و كم من مرة خاطب الشعراء أحباءهم قاصدين الوطن، فاذا ما كتب الشاعر في قصيدته "الويل يا ظالم.." لا يمكن للسلطات ان تعرف قصده لتتخذ ضده الاجراءات القانونية أما القاريء اللبق فيفهم مرمى الشاعر و يحس بنفس احساساته"[42][42].

 

ولكن هذا الاندفاع في فتح الطريق امام الادب المقاوم لم يحدث بالمصادفة. ليست أهميته في الواقع اكثر من كونه حقق لشعر المقاومة درجة من التقدم الفني اكثر بكثير مما اتيح لفن القصة أو الرواية، و لكن الحقيقة هي انه كان في ذاته نتاجا لوعي عميق بمهمة الأديب و المثقف أمام التحديات الماثلة.

 

لقد أدت تلك التحديات الاسرائيلية اليومية الى اختصار فترة من طفولة العمل الفني في الأرض المحتلة صرفتها حركة الأدب المعاصرة في مناقشة طويلة حول مدى التزام الفن، و عما اذا كان الفن الملتزم نفا خلاقا، فقد كان ثقل المؤامرة الاسرائيلية على الثقافة العربية في فلسطين المحتلة يشكل من تلقائه حلا سريعا لذلك الجدل، و بكلمة أخرى: لم تكن قضية الأدب الملتزم بين الغالبية الساحقة من أدباء فلسطين المحتلة موضع جدل، كان الجدل فيها -أمام التحديات اليومية الخطيرة- يشكل رفاها لم يقبله احد.

 

يقول منصور كردوش، أحد ابرز العناصر الوطنية في الأرض المحتلة:

" الفن و الثقافة سلاحان اذا ما سارا على النهج الخادف رفعا من مفاهيم امة بكاملها، أما الفن و الثقافة المجردان فباعتقادي و البذح و الرفاهية السطحية، و لذلك ارى ان الواجب القومي و الاجتمااعي و التاريخي لكل من حمل القلم او الفرشاة، ان يعمل في الاتجاه الهادف كي يكون صاحب رسالة سامية"[43][43].

 

والمثقفون العرب في فلسطين المحتلة، لأنهم يدركون ان "هناك عوامل تحد من توصيل الثقافة المحلية و الخارجية الى عامة الشعب، منها امكانية النشر و محاربة النتاج الثقافي الهادف"[44][44]. فهم يدركون بالتالي ان " المجتمع العربي في السرائيل يقلد المجتمع العربي الكبير في تصرفاته و يستوعب نداءاته أكثر بكثير من تقليد المجتمع اليهودي المجاور"[45][45]و قد أدى ذلك -بالطبيعة- الى الاعتماد بعض الشيء على الاذاعات العربة، فهي "تبدد هذه الوحشة على العربي [في اسرائيل] و تخفف من و طاة العزة المفروضة عليه"[46][46]. و هي "حلقة بيننا و ين ما حجب عنا من انتاج أدبي و ثقافي في العالم العربي"[47][47]. و لذلك فقد أدى "الراديو و التلفزيون العربي، لنا، خدمات جليلة"[48][48]، الى حد يبدو انه عكس نفسه بقوة على كثير من الانتاج الفني في الارض المحتلة[49][49].

 

ويبدو انه، في الوقت نفسه، أثار حفيظة الاسرائيليين الى حد بعيد، فالاسرائيلي سامي ياكوف يقول: "لا اغالي ان قلت ان مصائر قسم لا بأس به من العرب قررت على ضوءتأثير تلك الأجهزة في مشاعرهم وإدراكاتهم، و هذا يقضي بوضع مخطط شامل لتوجيه أبناء الجيل الطالع التوجيه الصحيح ليصبح محصنا ضد تأثير تيارات ليست في مصلحة ابدا"[50][50].

 

ان استخدام هذه المظاهر، التي و ان بدت لأول وهلة انها صغيرة و عابرة، في نطاق الوعي المسبق لواجبات المثقف العربي في الأرض المحتلة، قد أفرز حركة أدبية ملتزمة، انتهت الى ان تكون علامة من أنصع علامات أدب المقاومة الشجاع في التاريخ المعاصر.

 

وسوف نرى، بعد قليل، كيف ان ذلك كله قد استولد وجهين مترافقين لأدب المقاومة الفلسطيني ظلا معا السمة البارزة و الدائمة لهذا الادب، و هما وجهه المحلي الصامد، و وجهه العربي الذي غنى على الدوام للمسيرة العربية معتبرا نفسه، رغم كل أشكال القمع و الحصار و العزلة، جزءا منها لا يتجزأ.

***

لدينا، على أي حال مثال شديد الأهمية و جدير بالتسجيل لأنه، كما سنرى يعكس الشيء الكثير مما نقصده.

 

لقد اقامت مجلة "هذا العالم" ندوة في مطلع 1967 تحت عنوان "مصائب المجتمع العربي" في اسرائيل، و قد طرحت احدى حلقات هذه الندو موضوع "تأخر المجتمع العربي في اسرائيل" و طلبت من المثقفين العرب هناك الادلاء بآرائهم عن أسباب تلك الظاهرة.

 

يعترف رئيس تحرير المجلة بعد تلقيه سلسلة من الردود: "لم نسمع المديح قط بل النقد و الهجوم، و الخط الأساسي في كل هذه الهجومات كان: "شو دخلكم بهل الموضوع"، و منهم من اتهمنا بان هدف هذه الندوات... هو اهانة للمجتمع العربي في اسرائيل...و أشغال العرب بمعارك جانبية"[51][51].

 

لقد انتهز معظم المثقفين العرب فرصة هذه الندوة ليعبروا عن وعيهم العميق بحقيقة الإشكال الذي يعاونوه و الذي يتمردون عليه، لقد رفضت الغالبية الساحقة من المثقفين العرب المشاركين في الندوة طرح موضوع "التخلف العربي"من الزواية التي يصر الاسرائيليون على طرحه منها، فالتقدم "لا يقاس بمقاييس الغرام و الجنس، كجلوس شاب و شابة معا قي قاعة السينما"[52][52]، و قد وضع معظم المثقفين العرب في فلسطين المحتلة مسالة التقدم و التخلف في سياقها النضالي العميق، مفوتين الفرصة على الرأي الاسرائيلي الذي يعتقد ان التقدم يبرر استعباد المتخلفين.

 

ولم تكن هذه الآراء، في الحقيقة، الا التربة التي أخصبت بذور الأدب المقاوم في فلسطين المحتلة و احتضنتها بحرارة و اكسبتها المناعة التي أنتجت في المستقبل ثقة بالنفس و بالمستقبل لا حدود لها، فهي تبرهن ان الالتزام الواعي كسر القشرة البراقة للخديعة الاسرائيلية الفظة، و فوت على مزاعم التقدم الاسرائيلي فرصة استقطاب الحركة الثقافية العربية و امتصاصها.

 

وهذه في الواقع مسالة شديدة الأهمية و الخطورة، فنحن نعرف مثلا انه في الكثير من الدول النامية فتح المثقفون عيونهم ليجدوا انفسهم محاطين ببريق ثقافة اجنبية ارادت بوسائل مختلفة التوصل عبر العمل الفكري و الفني الى فرض نمط حياة مستوردة، و مما لا شك فيه ان الكثير من المثقفين هؤلاء، بين تنازع الجذور المحلية و بريق الثقافة الغربية، انخلعوا عن جذورهم و ولاءاتهم و انتسبوا الى نمط حياة أخرى.

 

لقد واجه المثقف العربي في فلسطين المحتلة هذا التحدي بصورة اكثر اتساعا و قسوة، اذ انه كان و مايزال يمثل حضورا يوميا مسلحا بوسائل القمع و الاغراء في وقت واحد، لقد واجه الأديب العربي في السرائيل، وهو غالبا رجل شاب قادم من الريف، سطوة التقدم الغربي وجها لوجه، وبريق النمط الأوروبي من الفكر والحياة، ليس على صفحات مجلة أو شاشة سينما او سطور كتاب فحسب، ولكن في تفاصيل الحياة اليومية التي كان يخوض غمارها ساعة فساعة.

 

ومن هنا كان هذا التحدي يشكل درجة أكثر خطورة وسطورة بالنسبة للمثقف العربي في اسرائيل من أي مثقف آخر في العالم النامي تقريبا، لقد كان "التقدم" الاسرائيلي يشكل بالنسبة له فخا له حضوره اليومي، المعنوي والمادي، والذي كان يفتح اشداقه حول خطواته باستمرار.

 

ولذلك فان طرح موضوع "التقدم الاسرائيلي" أمام "التخلف العربي" كان دائما مسئلة لها خطورتها ومحاذيرها، فقد كان هذا الموضوع يشكل بالبداهة السلاح الاسرائيلي الأقوى -فوق وسائل القمع والارهاب- لمحاولة استيعاب المثقف العربي واستدراجه الى نمط الحياة الاسرائيلية بملء ارادته.

 

ولكن المثير للدهشة حقا ان الغالبية الساحقة من المثقفين العرب في فلسطين المحتلة، الذين سألوا رأيهم بهذا الشأن، أبدوا وعيا على درجة عالية من المسؤولية التي يفرضها التزامهم العميق بقضيتهم الأولى، وقد جاءت الأحداث فيما بعد لتأكد لعرب الأرض المحتلة صواب موقفهم حتى من الناحية الشكلية، فبعد عدوان حزيران 1967 "تحطمت الفكرة الفاشية التي تحاول دائما وصم العرب ولتهامهم بالتأخر، تحطمت الفكرة الصهيونية التي تقول بأن العرب في اسرائيل يعيشون على مستوى لم يحصل عليه أي شعب في أية دولة عربية، وجعلت منهم فترينة للاستهلاك الخارجي...كل ذلك تحطم بسرعة البرق بعد ان أطلعنا على مستوى المعيشة في الضفة الغربية وفي قطاع غزة"[53][53].

 

ومما لا شك فيه ان بناة الستراتيجية الصهيونية فوجئوا بلا ريب بنوع الأجوبة التي أدلى بها المثقفون العرب في اسرائيل على استفناء "هذا العالم" حول ظاهرة "تخلف المجتمع العربي في فلسطين بالنسبة للمجتمع اليهودي، و تقدمه بالنسبة للمجتمعات في الدول العربية".

 

لتنبه جيدا الى الفخ المروع الكامن في هذه المعادلة غير المنطقية، ليس من حيث انها مطروحة على شكل سؤال للمثقفين العرب انفسهم، و لكن لانها -قبل ذلك- احد اهم الأركان التي يقوم عليها الغزو الاسرائيلي للثقافة العربية في فلسطين المحتلة، و مجرد وجود هذه المعادلة، مهما كانت نسبة التزوير فيها، وممارستها عمليا على مدار عشرين سنة من الاحتلال، يظهران بالبداهة ضراوة المعركة التي يخوضها المثقف العربي في فلسطين المحتلة، وويظهران، بالتالي، القيمة الحقيقية و الحجم الحقيقي لادب المقاومة الذي يكتسب، بالقياس لكل هذه الحقائق، قامة مضافة.

 

من المفيد في هذا المجال اختيار نموذج للأجوبة يعبر فعلا عن موقف المثقف العربي ازاء هذه القضية الشائكة، و سنسجل ها هنا الجزء الأوفر من جواب المؤرخ العربي بولص فرح من حيفا، الذي سنلاحظ انه انتهز بذكاء فرصة هذا الاستفتاء ليشن حملة على جوانب مختلغة من سياسة القمع الاسرائيلية، و ليقول رأيه، بشجاعة، بكثير من القضايا التي لا يمكن ان يقال رأي عربي فيها في المناسبات الأخرى. و بالتالي يكتسب هذا الرأي قيمة الوثيقة التاريخية التي تشكل علامة اساسة من علامات النضال الثقافي العربي في فلسطين المحتلة.

 

يقول بولصح فرح [54][54]: