|
القائمة

2دراسات في
الأدب الصوفي

بناء الإنسان في الفكر الصوفي الإسلامي
قراءة أوليّة في
الأدب الصوفي
بقلم الكاتب: محمد سعيدي / جامعة مستغانم
غير مجد في هذا البحث الموجز التطرق إلى تعاريف التصوف وتتبع مفاهيمه، فهي
كثيرة ومتشعبة وقد تتشعب بتشعب المدارس الصوفية وتتعدد بتعدد الرجال
الصوفية في المدرسة الواحدة وقد استقلت بحوث ضافية بهذه المهمة1. ولكن تمت
مقدمات لابد منها أضعها بين يدي القارئ ونحن بصدد تبيان تجليات بناء
الإنسان في المنظومة الصوفية :
1- إن نفرا من الأدباء، والشعراء منهم بصفة أخص، حسبوا التصوف تمسكا
بالرموز واستعارة لأسماء وألقاب كبار الصوفية فراحوا يحشدونها تباعا وهم لا
يزيدون أن يلتحفوا مسوحا من الثقافة الصوفية الإسلامية لا غير، ولا يعيشون
تجارب ولا يتذوقون وُجدا أو بتعبير آخر فإنهم يميلون إلى استثمار المعجم
الصوفي ولا يتجاوزونه، فتغدو صوفيتهم مصطنعة وذابلة غير ذات إشعاع. وكثيرا
ما تتجرد تلك المضامين الصوفية الحقّة عند هؤلاء الشعراء من مدلولها الصوفي
ذي المنبت الإسلامي المثقل بالرموز والظلال الإسلامية.
فليس من التصوف في شيء تلك الكتابات الذاتية والتهويمات الوجدانية التي
تطفح بها إبداعات أدبية، شعرية ونثرية معاصرة يكتب أصحابها تحت تأثيرات
نفسية مختلفة يستجيبون فيها لذواتهم ولنوازعهم وميولهم.
وأعتقد أن الحكم النقدي الذي أطلق في العصر الحديث على جمع من الشعراء
بكونهم "شعراء متصوفين" أو "شعراء ذوي نزعات واتجاهات صوفية"، لا يستند على
فيض دراسة ولا يقوم على تحليل موضوعي مستفيض ولم يسلك نهج الاستقراء
للإبداعات العربية والإسلامية والموازنة بينها وبين غيرها من الإبداعات
العالمية، وهناك "حقيقة هامة لابد للدارسين في حقول الآداب العربية
والفلسفية من أن يعرفوها هي أن النقد القديم استثنى التراث الصوفي من
الدراسات الفنية ولا تزال هذه النظرة سائدة حتى الآن إلا في القليل
النادر"2. فنحن بحاجة ماسة إلى دراسات جادة وجديدة تمحق الاختلاف بين
النقاد حول المصطلحات الأدبية والعلمية والمعرفية بعامة وتنير سبيل
الباحثين والدارسين بغية وضع الأمور في نصابها وقوالبها3. ففي الكثير من
الدراسات النقدية المعاصرة يكتنف مصطلحَ "أدب التصوف" الكثيرُ من الغموض
والإبهام حتى أضحى بعض الدارسين يلصقه عبثا بكل مبدع غارق في ذاتيته هائم
في خياله. وإذا كان "التصوف يحلق بجناحين أحدهما الفلسفة والثاني الأدب بل
إنه يمكن القول بأن التصوف أقرب إلى الأدب من إلى الفلسفة"4 فمن الحيف
والقصور إذن أن يظل حبيس الأحكام الانطباعية بلا تفسير موضوعي وبلا سبر
لأغواره الفكرية والفنية والرمزية ومن الشطط أن يخلط الدارسون والباحثون
شعراء صوفيين بآخرين يحسبون على التصوف…
ولنأخذ - على سبيل المثال - الشعر الصوفي والشعر الرومانسي ومدى الاشتباه،
إن لم نقل الاضطراب الذي قد يقع فيه غير قليل من النقاد في تفسير التجربة
الشعرية وما يلحقها من إبداع شعري صوفي أو رومانسي، كلٌّ على حدة،
وإلحاقهما بتياريهيا أو باتجاهيهما أو بمدرستيهما بسبب ما يحيط هذين
الشعرين من تشابه ولاسيما في جانب الصور و الأخيلة5. ومع ذلك يبقى الشعر
الرومانسي هو غير الشعر الصوفي، فالأول استجابة للذات نحو الذات، أما
الثاني فهو استجابة للسمو نحو السمو، للذات نحو العلو.
2- يجب الوقوف موقف الدارسين المحللين أمام تلك الآراء المتناثرة في بطون
كتب المستشرقين، ولا نسلم بموضوعيتها بله صحتها، فلقد كان للمستشرقين اليد
الطولى في إبداء الكثير من النظريات والآراء النقدية حول تراثنا الإسلامي،
ومنه التصوف... آراء أقل ما يقال عنها إنها لا تستند إلى الدراسة الشمولية
التي تقوم على المنهج العلمي سبيلا، وعلى الموضوعية وسيلة وكانوا سببا في
توجيه الفكر الإسلامي وجهة تتباين والأصول الإسلامية. ولا عجب فقد قام نفر
من هؤلاء المستشرقين بتأليف "دائرة المعارف الإسلامية"، وفيها من الآراء
والأخطاء ما لا يخفى على دارس منصف وما تزال هذه الآراء تسري عند تلامذتهم
من الغربيين والعرب على حد سواء ممن تأثروا بهم إلى حد النقل الحرفي من
كتبهم ومن هؤلاء المستشرقين نجد آربري, جب, مرجيلوت, نيلكوس من إنجلترا،
وجولد تسهير من المجر وغيرهم.
3- غير صحيح تلك المبالغات التي مفادها أن التصوف الإسلامي يستمد أصوله من
مؤثرات خارجية, أجنبية عنه ونحن إذ لا تنكر التأثير والتأثر بين الثقافات
الإنسانية فإنا - في مجال التصوف - نقف موقف ريبة من هذا الرأي. فالتصوف
مقامات "والمقام هو قيام العبد بين يدي الله عز وجل فيما يقام فيه من
المجاهدات والرياضات والعبادات"6 والصوفي المسلم لم يجاوز في كل مقاماته
حدود القرآن وسيرة الرسول (ص)، فمقامات الزهد والحب والتوكل والتوبة والذكر
وغيرها تجد في القرآن الكريم والحديث الشريف مرتكزاتها، فهما الاثنان
منبتها. وإن رابعة العدوية وهي شهيدة العشق الإلهي كانت أول من نادت في
شعرها بحب الله بعيدا عن طمع في جنة أو خوف من نار، ولما تعلن عقيدة الحب
في تقربها وتبتلها لله بقولها.
عرفت الهوى مذ عرفت هواك
وقـمت أنـاجيك يا من ترى
أحبك حبـين حـب الـهوى
فأما الذي هـو حب الـهوى
وأمـا الذي أنـت أهـل له
فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي وأغلقت قلـبي عمن سواك
خفايـا القلوب ولست أراك
وحـبا لأنـك أهـل لذاك
فشغلي بذكرك عمن سواك
فكشفك للحجب حتى أراك
ولكن لك الحمد في ذا وذاك
فلم تكن تحتاج في حبها هذا إلى اكثر من آيتين. الأولى، هي قوله تعالى : "قل
إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله"7. والثانية، هي قوله تعالى : "يا
أيها الذين آمنوا من يرتدد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه
أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين"8. ولنقس على مقام الحب كل المقامات
الصوفية فلا حياد فيها عن القرآن الكريم.
4- إن الأدب الصوفي على كثرته وثرائه يحتاج اليوم، وأكثر من ذي قبل إلى
آليات قراءة ومناقشة وتحليل وغربلة بغية فك رموزه وتصفيته من شوائب علقت به
على مر العصور. ذلك أن القراءة المتباينة والمتناقضة للنص الواحد قد جرّت
ويلات على كبار الصوفية، فالشيخ الأكبر محي الدين ابن عربي هو شيخ العارفين
وإمام الصوفيين عند نفر من النقاد والدارسين. وهو على العكس من ذلك خارج عن
جادة الصواب وينعت بأبشع النعوت عند آخرين.
والحلاج كذلك، هو الولي، التقي، النقي، الورع، عند أقوام. وهو نفسه الزنديق
الملحد عند أقوام آخرين. والغريب أننا واجدون النص الواحد عند هؤلاء
الصوفية الأقطاب يكون محل تفسير وتأويل بغير ضوابط منهجية فتنجرّ من وراء
ذلك أحكام نقدية متباينة.9
ثانيا، بناء الإنسان : معنى البناء : ورد في لسان العرب لابن منظور:
البَنْيُ نقيض الهدم. بنى البَنَّاءُ البناء بنيا وبناء وبِنًى. وقد تكون
البناية في الشرف. يقول الشاعر العربي :
مـتى يبـلغ البنيان تمامه إذا كنت تبنيت وغيرك يهدم
وبنى الرجلَ : اصطنعه. يقول الشاعر :
يبني الرجالَ وغيره يبني القرى شتان بين قرى وبين رجال10
معنى الإنسان عند الصوفية : يذكر الجرجاني تعريفا شاملا للإنسان بقوله :
"الإنسان هو الحيوان الناطق.. والإنسان الكامل هو الجامع لجميع العوالم
الإلهية، والكونية الكلية، والجزئية. وهو كتاب جامع للكتب الإلهية
والكونية، فمن حيث روحه وعقله كتاب عقلي مسمى بأم الكتاب، ومن حيث قلبه
كتاب اللوح المحفوظ، ومن حيث نفسه كتاب المحو والإثبات، فهو الصحف المكرمة
المرفوعة المطهرة، التي لا يمسها ولا يدرك أسرارها إلا المطهرون من الحجب
الظلمانية. فنسبة العقل الأول إلى العالم الكبير وحقائقه بعينها نسبة الروح
الإنساني إلى البدن وقواه، وإن النفس الكلية قلب العالم الكبير كما أن
النفس الناطقة قلب الإنسان، وكذلك يسمى العالم بالإنسان الكبير".11
وقد شاع عند المتصوفة مفهوم الإنسان الكامل والمقصود به الرسول (ص). يقول
الشيخ الجيلي في كتابه الإنسان الكامل في معرفة الأوائل والأواخر، وفي
الباب الستين الذي يعنونه "بالإنسان الكامل وأنه محمد (ص) وأنه مقابل للحق
والخلق"12 ويقول "اعلم حفظك الله أن الإنسان الكامل هو القطب الذي تدور
عليه أفلاك الوجود من أوليه إلى آخره، وهو واحد منذ كان الوجود إلى الآبدين
فاسمه الأصلي الذي هو له محمد وكنيته أبو القاسم ووصفه عبد الله ولقبه شمس
الدين..."13
ومن هذه المعاني اللغوية للبناء والمفاهيم الصوفية للإنسان، يمكن أن نستخلص
أن الإنسان كيان ووجود قابل لأن يُصطنع ويُبنى لبنة لبنة، وجزءا جزءا. وكما
ينمو جسده ذاتيا فإن روحه قابلة للسمو إن هو تعهدها بالرعاية والسقاية
شأنها شأن الجسد، سواء بسواء. كما أن محور عملية البناء في الوجود بأكمله
هو الإنسان.
ففي الوظائف الثلاثة : الخلافة والعمارة والعبادة يكون الإنسان هو قطب
الراحة الذي عليه مدار هذه الوظائف العظمى. إذن ليس غريبا أن يكون أدب
الصوفية كله وبلا استثناء منصبّا على الإنسان بغية بنائه.
5- تجليات البناء : إن أهم مرتكز يستند عليه الصوفية في بناء الإنسان هو
الروح وتهذيب النفس. فالإنسان روح وجسد متكاملان، إلا أنه لم يُكرَّم إلا
بعد النفخ بالروح : "إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين ,فإذا سويته
ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين..."14
وأهم ما يقاس به الإنسان الفرد والجماعة الإنسانية في مساعيها الحضارية هو
روحانياتها، وإرثها الروحي ولذلك كان الشاعر العربي يصدر عن رؤية كونية لما
قرر هذه الحقيقة قبل قرون فقال :
يا خادم الجسم كم تشقى لخدمتـه
أقبل على النفس واستكمل فضائلها أتطلب الربح فيما فيه خسران
فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان15
وأول ما يسعى إليه الصوفية في أدبهم هو تبيان سبيلهم وإجلاء الغموض الذي قد
يكتنف نهجهم فيعرّفون التصوف. يقول أحدهم :
ليس التصوف لبس الصوف ترقعه
ولا صياح ولا رقص ولا طـرب
بل التصوف أن تصفو بلا كــدر
وأن تُـرى خـاشعا لله مكتئبـا ولا بكـاؤك إن غنى المغـنونـا
ولا اضطراب كأن قد صرت مجنونا
وتـتبع الحـق والقـرآن والدينـا
على ذنوبك طول الدهر محزونا16
وأكتفي بهذين النموذجين الشعريين على سبيل الاستشهاد والتمثيل وما يقتضيه
مقام المداخلة. لكني أكاد أجزم أن الأدب الصوفي كله شعر ونثره يتجه هذا
الاتجاه، حيث الدعوة إلى الإصلاح والتربية وإعلاء شأن العقل الإنساني إلى
أسمى مراتبه حتى امتزاجه بالنقل في أرقى منزلته.
ولما يلتحم الشعر الصوفي بنثره، يتكون لدينا ديوان أدبي طافح بالمبادئ
السامقة الرفيعة، التي تعد تفسيرا عمليا للقواعد الإسلامية التي تنبثق من
القرآن الكريم والسنة الشريفة. ففي الأبيات السالفة الذكر يتحدد مفهوم
التصوف عند أصحابه على أنه تقوى ووفاء وعفة وصفاء وعلم واقتداء...، وما هي
إلا خلال بانية تؤسس للأخلاق باعتبارها جوهر الحضارة.
وجماع القول وصفوته، فإن التصوف وما يحتويه من أدب : شعره ونثره، وما يزخر
به من ابتهالات وأدعية ومدائح وتوجيهات، ونصائح يعد بحق رافدا من روائد
الثقافة الإسلامية في كل أبعادها، الدينية والفنية والأخلاقية والاجتماعية
والإنسانية، وغيرها من القيم التي ترمي إلى بناء الإنسان. والأدب الصوفي
أدب رساليّ، لم يُقل أو يُنظم لذاته بل لغاية سامية هي إعلاء الإنسان إلى
مستوى عقيدته، فيكون فاعلا حضاريا في خلافته لربه وعبادته لخالقه وتعميره
لأراضه.
الهوامش :
1- ينظر على سبيل المثال : د. عبد الرحمان بدوي : تاريخ
التصوف الإسلامي من البداية حتى القرن الثاني، الكويت، وكالة المطبوعات، ط.
2، 1978، ص 5 وما بعدها.
2- محمد بن عبد الجبار النفري : المواقف والمخاطبات، تح،
آرثر أربي، تقديم وتعليق د. عبد القادر محمود، مصر، الهيئة المصرية للكتاب،
1985، ص 11
3- من المحاولات الجادة في هذا المجال ما كتبه د. محمد
مفتاح في كتابه : "دينامية النص" وفي الفصل الربع منه الذي يحمل عنوان "سيرورة
النص الصوفي". إذ إنه يبين أركانا أربعة لكل كتابة : 1- الغرض المتحدث عنه،
2- المعجم التقني، 3- كيفية استعماله، 4- المقصدية، حتى يقال عنها إنها
كتابة صوفية أو غيرها... ينظر، د. محمد مفتاح : دينامية النص، بيروت المركز
الثقافي العربي، ط. 2، 1990، ص 129
4- محمد بن عبد الجبار النفري : المواقف والمخاطبات، مرجع
سابق، ص 13
5- لابد من الإشارة عند التفريق بين المصطلحات، وتسمية
الإبداع باسمه، ما قام به د. محمد مندور من تسمية الأدب المهجري بالأدب
المهموس، على الرغم من النفحات الروحية التي تكسوه فتجعله قريبا من الأدب
الصوفي، ولكنه لم يجرؤ على وسمه بهذه الصفة بل جعله أدبا مهموسا. ينظر، د.
محمد مندور: في الميزان الجديد، تونس، مؤسسة ع. بن عبد القادر، ط. 1، 1988،
ص 77 وما بعدها.
6- ينظر، د. عبد المنعم الحفني : معجم مصطلحات الصوفية،
بيروت، دار المسيرة، ط. 2، 1987، ص 248
7- سورة آل عمران، الآية : 31
8- سورة المائدة، الآية : 54
9- ينظر، الشيخ الأكبر محي الدين ابن عربي : ذخائر الأعلاق
شرح ترجمان الأشواق، تح، خليل عمران المنصور، بيروت، دار الكتب العلمية، ط.
1، 2000، ص 35-36
10- ينظر، لسان العرب لابن منظور، مادة : بني، ومادة : هدم.
11- علي بن محمد الشريف الجرجاني : كتاب التعريفات، بيروت،
مكتبة لبنان، 1985، ص 39-40
12- ينظر، الشيخ عبد الكريم بن إبراهيم الجيلي : الإنسان
الكامل في معرفة الأوائل والأواخر، تح، أبو عبد الرحمان صلاح بن محمد بن
عويضه، بيروت, دار الكتب العلمية, ط. 1، 1998، ص 207. ينظر كذلك، د. عبد
الرحمان بدوي : الإنسان الكامل في الإسلام.
13- المصدر نفسه، ص 210
14- سورة الحجر، الآية 29
15- البيتان للشاعر أبى الفتح البستي، ينظر د.عمر فروخ :
تاريخ الأدب العربي، ج.3، بيروت, دار العلم للملايين، ط.4، 1984، ص 49
16- ينظر، د.عبد المنعم خفاحي : الأدب في التراث الصوفي
مصر, القاهرة، دار غريب للطباعة، ص 25-26
-----------------------------------------------
أضيفت في
07/06/2006/ * خاص القصة السورية / عن اتحاد الكتاب العرب
   

دانتي والتصوف
دراسة كتبها: لوكا باتريتسي ترجمها: د. حسين محمود
أصبحت أوجه التماثل بين أعمال الشاعر الإيطالي الكبير دانتي أليجييري
والأدب الروحي الإسلامي مقبولة حتي في الأوساط الأكاديمية الرافضة لفكرة
وجود تبادلات متعددة بين الثقافتين الأوروبية والإسلامية. وفي هذه الدراسة
تم إيضاح نقاط التلاقي بين أعمال الشاعر وأعمال أئمة الصوفية، بأسلوب يمكن
حتي لغير المتخصصين أن يستوعبوه. وفضلا عن أنها مساهمة للتأمل في جذور
أوروبا وثقافتها إلا أنها أيضا تفتح الباب أمام رؤية جديدة لنا من جانب أهل
الفكر الأوروبي. فهناك من يرانا أصحاب إسهام فكري في الحضارة الإنسانية إلي
جوار أصحاب الصوت العالي والعقل الفقير ممن يصمون الإسلام والمسلمين
بالتخلف والإرهاب.
وأود أن أشير في هذه الترجمة إلي أنني اعتمدت في ترجمة الأبيات الواردة عن
الكوميديا الإلهية علي الترجمة الفذة لحسن عثمان طبعة دار المعارف (ط2،
2002)، رغم أنني في بعض الحالات عدت إلي النص لكي أعتمد علي الترجمة
الحرفية له في الحالات التي استدعت هذا، وهي التي تصرف فيها المترجم
بالتأويل، ولأهداف تخدم الدراسة الحالية لم يكن هناك بد من إعادة التفسير
أو العودة إلي حرفية النص حسب مرامي كاتب هذه الدراسة. كذلك أجد من الواجب
توجيه الشكر إلي الشاعر الفيلسوف الدكتور حسن طلب لمراجعته الترجمة
وملاحظاته السديدة عليها، وخاصة ما يتعلق بالمصطلحات الصوفية الواردة في
الدراسة.
أصبحت أوجه التماثل بين أعمال دانتي والأدب الروحي الإسلامي مقبولة حتي في
الأوساط الأكاديمية الرافضة لفكرة وجود تبادل كبير بين الثقافتين الأوروبية
والإسلامية، وما يهم هذه الدراسة ليس البحث مرة أخري فيما إذا كانت توجد أو
لا توجد أدلة مادية علي قدرة الشاعر الفيورنتيني علي قراءة التراث الاسلامي
أو الاتصال المباشر بممثليه، وبصفة عامة مع العالم العربي في عصره، وهي
مشكلة من الصعب حلها بوسائل البحث التأريخي العادي، وإنما تهدف الدراسة إلي
الكشف عن بعض هذه التماثلات والتي يمكن أن نصادفها بصفة خاصة في الكوميديا
(الإلهية). ولكن لابد من مقدمات عديدة لهذا.
في المائة عام الأخيرة تشكلت فئة من الباحثين الأكاديميين وغير الأكاديميين
التي بدأت تدرس العلوم الشرقية باتباع منهج أقل تأثرا بالأفكار المسبقة،
بما في ذلك الأفكار العقائدية، وعلي هذا النحو وجدت نفسها تعترف بوجود
رابطة عميقة جدا بين التراث الروحي الإسلامي والغربي، ووصلت إلي نتيجة
مؤداها أنها جميعا يمكن أن تكون ناشئة عن مصدر واحد مشترك، انفصلت عنه في
عصر قديم جدا، وهو حدث تخلفت عنه آثار كثيرة وخاصة في الهندوسية، وأيضا في
أنماط تراثية عديدة أخري منها ما يزال قيد الحياة ومنها ما اختفي. وعلاوة
علي هذا فإن المسيحية الكاثوليكية، وهي الصورة التقليدية الأكثر انتشارا في
الغرب، لا يمكن أن نقول إنها أصلية، علي اعتبار أنها اشتقت بعد سلسلة طويلة
من التحولات جعلتها منبتة الصلة عن مصدرها، علي الأقل في مستوياتها الأكثر
سطحية، عن تراث من نوعية سامية وبالتالي شرقية (1). أما التراث الذي تطور
في أوروبا قبل ظهور المسيحية مثل ما يسمي الوثنية، والتراث الروماني أو
السلتي،فقد تم النظر إليه أيضا علي أنه شيء غير متجانس معها، إلي أن جاء
القرن الأخير عندما ظهر من دراسة أكثر تعمقا كيف يمكن أن يكون التقسيم الذي
يميل إلي أن يضم المسيحية إلي ذلك التراث واضحا، وكيف كان الانتقال إليها
أقرب إلي التمثل غير السلبي منه إلي الاستبدال التام، والكوميديا الإلهية
نفسها هي مثال علي أن العالم الكلاسيكي والمسيحية يمكن أن يتصالحا بنظرة
أكثر عمقا (2).
وتقتصر المقدمة الثانية علي الدراسات الدانتية، وخاصة في المائة سنة
الأخيرة ، بالتوازي تقريبا مع الانفتاح الأكاديمي فيما يتعلق بالشرق، حيث
بدأ النظر إلي عمل دانتي ليس فقط من ناحية أدبية وفقه لغوية محضة وإنما
توجهت الدراسات أيضا إلي المذهب الروحي الذي اشتمل عليه العمل وعلاقاته مع
المذاهب المسيحية الغريبة في عصره والتي اختفت حاليا (3).
وتهدف هذه الدراسة إلي الجمع يبن هذه الاتجاهات، وهي تركز فيها علي التماثل
الذي يمكن أن نصادفه بين المذهب والطرق الروحية للمذاهب الإسلامية والمذهب
الذي تشتمل عليه الكوميديا (والتي ربما كانت انعكاسا للمذاهب المسيحية
المعاصرة لها) انطلاقا من اعتبارات الصلات المادية التي ربما نشأت بين
العالمين في تلك اللحظة التاريخية المحددة (4).
الأدب الروحي الذي وصل إلينا والذي ما يزال يصل إلينا عن التصوف، والباطنية
الإسلامية والذي قتل بحثا وبنتائج مختلفة في الغرب، والذي هو موجود دائما
وفي كل مكان من العالم، لم يكن من الضروري دائما حجبه مثل شعر دانتي
والمؤمنين في الحب (5)، وهو، حينما يحجب، فإنه ربما يفعل ذلك لكي يستطيع
استخدام قوة التأثير الذي يمكن أن تكمن في الرمز علي العقل أكثر منه لأسباب
حقيقية غير مستحيلة. وأرشدنا أسين بلاثيوس بوضوح إلي التشابهات الموجودة
بين مذهب محيي الدين بن عربي والذي اعتبر المعلم الأكبر لمذهب الباطنية
الإسلامي المتوفي عام 1240 والمذهب الوارد في كتاب دانتي (6)، وأظهر دارسون
غيره كيف أن قصيدة مذهب الأسلوب الجديد (ستيلنووفو) استخدمت نفس الأدوات
الأدبية للقصيدة العربية.
إن رحلة دانتي، وخاصة في مقطع المطهر، إنما هي رحلة تطهير نفس تحاول أن
ترتفع إلي مرحلة تأمل الله، ترافقها في مسيرتها الصعبة مجموعة من الشخصيات:
في البداية فيرجيليو ثم ستاتسيو وماتيلدا وبياتريتشه وأخيرا سان برناردو،
والعلاقة معهم كما يوضحها دانتي لها تماثلات قوية مع تلك العلاقة التي يمكن
تلمسها في الوصف الذي يقدمه لنا التصوف للعلاقة بين التلميذ والأستاذ
الروحي (الشيخ ومريديه؟)، وسوف تبدأ الدراسة بمعالجة هذا الجزء من المذهب
الذي يتعلق بالأدب علم الملاءمة الروحية. ونستطيع أن نجد للأدب آثارا في
الأدب الصوفي كله فيما يتعلق بآداب معينة وخاصة في العلاقة بين الأستاذ
والتلميذ (راجع حادث اللقاء بين موسي والخضر، القرآن: صورة 18 آيات 6082)
ولها أهمية قصوي بالنسبة لمسيرة الروح نحو الله، وسوف نحاول أن نكشف
التشابهات التي يمكن أن توجد بينها وبين الكوميديا (الإلهية). ولغرض
التبسيط سوف نفحص الشخصيات المختلفة التي تدخل الأحداث مع الشاعر بصفتها
كيانا روحيا واحدا، بوظيفة واحدة تتوزع علي طول المسيرة في العوالم الثلاثة
(7).
يصل فيرجيليو في اللحظة التي توقفه فيها ثلاثة من الوحوش عقب خروجه من
الغابة المظلمة، وكان لوصول هذا الشاعر الروماني ما سمح له بالالتفاف حول
العقبة، مشيرا إليه بطريق أطول ولكنه أكثر عتمة إلا أنه الطريق الوحيد الذي
يمكن قطعه للوصول إلي حيوان الكلب. وأثناء عبور الجحيم كان فيرجيليو هو
الذي سمح لدانتي بتجاوز العقبات والتي كانت سوف تحرم عليه لو كان وحده، وقد
أراحه علي سبيل المثال عندما هاجمه علي أعتاب مدينة ديته خوف مثل ذلك الذي
أوقفه في بداية رحلته، وفي النشيد الرابع والعشرين، بعد ذلك، كان فيرجيليو
هو الذي استحثه بالقوة عندما جلس بعد أن استولي عليه التعب، عندئذ اهتم
بحمايته ومرافقته حتي المطهر، حيث سيبدأ في القيام بوظيفة شديدة الأهمية في
عملية التطهير الروحي للشاعر.
إن صورة المعلم الروحي لها أهمية كبيرة في المذاهب الشرقية، وخاصة في
التصوف. في أيها الولد لأبي حامد الغزالي، والذي عرفه دانتي أيضا وأثني
عليه (وذكره في عمله الوليمة
Convivio
"، وهو معروف في العصور الوسطي باسم لاتيني التحريف هو الجازل
Algazel
وموصوف وصفا جيدا):
اعلم أنه ينبغي للسالك وجود شيخ مرشد مرب ليخرج الأخلاق السيئة منه بتربيته
ويجعل مكانها خلقا حسنا، ومعني التربية يشبه فعل الفلاح الذي يقلع الشوك
ويخرج النباتات الأجنبية من بين الزرع ليحسن نباته ويكمله ريعه، ولابد
للسالك من شيخ يؤدبه ويرشده إلي سبيل الله تعالي، لأن الله أرسل للعباد
رسولا للإرشاد إلي سبيله. فإذا ارتحل، صلي الله عليه وسلم، فقد خلف الخلفاء
في مكانه حتي يرشدوا إلي الله تعالي (...) ومن ساعدته السعادة فوجد شيخا
كما ذكرنا، وقبله الشيخ، ينبغي أن يحترمه احتراما ظاهرا وباطنا، أما
الاحترام الظاهر فهو ألا يجادله ولا يشتغل بالاحتجاج معه في كل مسألة وإن
علم خطأه. (...) ويعمل ما يأمره الشيخ من العمل بقدر وسعه وطاقته. أما
احترام الباطن فهو أن كل ما يسمع ويقبل منه في الظاهر لا ينكره في الباطن،
لا فعلا ولا قولا، لئلا يتسم بالنفاق. (8)
من هذه الكلمات نستطيع أن نفهم كيف أن الدوافع التي دفعت دانتي إلي أن يتخذ
شخصا آخر مرشدا له في رحلته قريبة من تلك التي عبر عنها الغزالي، وكيف أنه
كان بالنسبة له معلما وهو اللفظ الذي كان ينادي به دانتي أكثر من مرة مرشده
فرجيليو (المعلم الجميل في المطهر 12/3) ليس فقط لأسباب أدبية (من ناحيته
كان فرجيليو ينادي دانتي بالولد الجميل، تماما كما كان الغزالي ينادي
تلميذه): بهذه الطريقة فقط، وحسب التصوف، من الممكن التخلي عن الإرادة
الشخصية واتخاذ إرادة الله هاديا، وهي إمكانية نراها أيضا في الكوميديا:
وكما يضحي ملائكتك بإرادتهم وهم يسبحون بحمدك
فليضح البشر بإرادتهم أيضا (9)
والشيخ المعلم أيضا طبقا لرأي الغزالي يجب أن يكون مؤهلا لأن يقود السالك
(المريد) في مسيرته، لأنه بدوره قطع تلك المسيرة تحت إشراف شيخ معلم آخر،
وأصبح مخولا من قبله بقيادة الآخرين. ومن ثم فإن المريد تتم قيادته خلال
الطريق، المليء بالصعوبات والإغراءات الروحية، والذي سوف يسمح له، لو كان
يمتلك المؤهلات والزهد اللازمة للوصول إلي الله (البقاء وهي المرحلة
التالية للفناء عند الصوفي)، وهنا أيضا بخلاف التشابه بين الباب الضيق في
الأناجيل المشابهة للطريق الضيق عند الصوفية يمكن أن نلاحظ أنه في بعض
أجزاء المطهر تتم الاستعانة بنفس الرموز:
وأخذنا نصعد داخل الصخر المشقوق
وأطبق الجدار علينا من كل جانب (10)
... ولكن الصخر العالي أحدق بكلا الجانبين (11)
وهناك تماثل آخر يمكن أن نصادفه ويتمثل في التواضع: ففي التصوف يدخل
التواضع ضمن الأدب تجاه المخلوقات ومن ثم تجاه الله، ولكنه أيضا منهج حقيقي
ملموس للتحقق الروحي، والمثال الخاص في هذا المعني تمثله الطريقة المسماة
الملامتية (من اللوم)، والتي تصف القاعدة فيها سلوكا متواضعا أشد التواضع،
يكاد يصل إلي الإلغاء حتي أمام المخلوقات الأعلي روحا (12)، ويشارك معها
نوع من البحث الواعي عن التواضع تجاه الناس إلي درجة تفرغ النفس من نفسها
وتعدها لتلقي الحضرة الإلهية. الآن نستطيع أن نلاحظ أنه في أجزاء عديدة من
قصيدته يجتهد دانتي في ممارسة التواضع، وهو يعرف بعد كل شيء بصورة جيدة جدا
ضعفه الخاص فيما يتعلق بزيادة التكبر: البوصة التي طوق به نفسه في المطهر
النشيد الأول البيتان الرابع والتسعين والثالث والثلاثين بعد المائة، هو
رمز واضح علي التواضع، وفي النشيد العاشر يأتي ذكر أمثلة واضحة مثل رقصة
النبي داوود، ومرتل المزامير المتواضع، في سفر الملوك النشيد السادس
البيتان الحادي والعشرون والثاني والعشرون:
في حضور الرب، الذي اصطفاني، أرقص...
.... واجعل نفسي غير ذات قيمة وأتواضع...
إما أن يكون سلوك ترايانو مع الأرملة الصغيرة التي تسأله أن يقيم العدل،
وإما في النشيد التالي الاستجداء من طاغية سيينا بروفنسانو سالفاني لجمع
الأموال اللازمة لتحرير صديق عزيز من الأسر، هو الذي جعل دانتي يرتعش بكل
حواسه، بالإضافة إلي أنه في النشيد الحادي عشر نري دانتي ينطوي علي نفسه
وهو يحمل رمزيا الثقل الذي يحمله المتكبرون بالفعل لكي يخففوا من عقابهم،
ثم يقارن في بداية النشيد التالي ثقله الروحي بحمولة ثور في الساقية.
إلي جانب هذا هناك بعض الأبيات التي يقارن فيها دانتي نفسه بطفل (13)،
الصبي في المطهر النشيد السادس والعشرون البيت الخامس والأربعون والنشيد
الحادي والثلاثون البيت الرابع والستون، والصبي الشاحب في الفردوس النشيد
الثاني والثلاثون البيتان الثاني والخامس، أو يشبه نفسه بحيوان، فهو يكاد
يشبه نفسه دائما بجرو صغير، أو طائر اللقلق الصغير في المطهر النشيد الخامس
والعشرون البيت العاشر أو النعجة في المطهر النشيد الخامس والعشرون البيت
السادس والثمانون، أو في الفردوس النشيد الثالث والعشرون الأبيات من الأول
حتي الخامس عشر حيث يشبه العناية التي توليه بياتريتشه إياها برعاية طائر
لفرخه، وأخيرا في استخدام تعبير النهر الصغير أرنو لتقديم نفسه في النشيد
الرابع عشر من المطهر، نستطيع أن نري دانتي مأخوذا باجتهاده في التواضع
الذي قد يصل إلي حد السذاجة، كأنه تواضع من لم يعتد علي التواضع، ويمارسه
لأول مرة في حياته. وبمناسبة التواضع فإن النشيد الحادي عشر من الفردوس هام
جدا لأنه يقدم شخصية القديس فرانشيسكو، والذي يشير إليه الشاعر، ومعه
القديس دومينيكو، كأنه بركة أهدتها العناية الإلهية إلي الكنيسة، لكي
يرشدها ويدعمها في لحظة شديدة الصعوبة. ويرجع دانتي في هذا إلي تفسير مشوق
إلي زهد قديس اشيزي (في تماثل مثير مع الاسم القديم لأسيزي) غفي اللغة
الإيطالية هناك تماثل في طريقة كتابة ونطق كلمة الزهد والتقشف واسم المدينة
التي ينتمي إليها القديس فرانشيسكو ، يصل إلي حد التطابق في حالة اسم
المدينة القديم المترجمف والذي انتشر علي نطاق واسع في القرن الثالث عشر
الميلادي في الأدب الفرانشيسكاني وخاصة في كتاب مجهول المؤلف بعنوان
il Sacrum
commercium beati Francisci cum domina Paupertate
حيث العلاقة بين فرانشيسكو والفقر قد ارتفعت إلي مستوي الرمز للزواج
الروحي، وهو نفس الزواج الذي عقده المسيح بشخصه أثناء إقامته علي الأرض.
وبتصفح الكتاب ندرك أن الإشارة إلي الفقر بهذا المعني يبعد المعني الحرفي
لكلمة الفقر المادي إلي مرتبة ثانوية من المسالة، مع الأخذ جوهريا بمعني
آخر للفقر، وهو نفسه الذي يشير إليه الإنجيل عندما يقول: طوبي لفقراء الروح
لأنه منهم تتألف مملكة السموات: ومن هذا أن المنتمين للتصوف والممارسين
للطريقة يسمون الفقراء (14)، وهو الأمر الذي يذكرنا علي الفور بفقراء
القديس فرانشيسكو، وهذا النوع من الفقر، تفريغ النفس الطوعي من جانب
المخلوق لكي يحل فيها الله، طبقا للتصوف هو الذي يقود إلي التلاشي (15).
ويمكن الإشارة إلي أن صفة الفقر التي أعطاها الشاعر للعذراء في المطهر
النشيد العشرون البيت الثاني والعشرون يمكن أن يكون لها معنيان، فمن ذا
الذي يمكن أن يكون أكثرا تفريغا لنفسه حتي يستطيع أن يتلقي كلمة الله علي
الأرض؟
وعودة للأدب رأينا كيف أن إحدي القواعد الرئيسية هي طاعة الشيخ، ونستطيع أن
نلاحظ أن دانتي كان منتبها انتباها شديدا لهذه القاعدة:
إن
ذلك الذي يعرف كيف اغتذت عيناي
من محياها المبارك
حينما انتقلت إلي شأن آخر
سوف يدرك كم كنت سعيدا
بطاعتي لمرشدتي السماوية
حينما وازنت بين أحد الجانبين والآخر (16)
وبالفعل فإنه حتي يطيع إرشادها فهو يتوقف عن تأمل وجهها السماوي، وهو
التأمل الذي كان يوفر له إشباعا روحيا كبيرا، وهو بهذا يعطي لطاعتها أهمية
أكبر من التأمل في الله منعكسا، رغم أنها مرآة ملائكية مثل بياتريتشه.
بالإضافة إلي هذا فقد كان ينتظر منها الإذن دائما حتي يتكلم.
اتجهت إلي جانبي الأيمن
لكي أعرف واجبي من بياتريتشه
سواء كان ذلك بكلمة أم بإشارة منها (17)
ووقفت كمن يكتم في قلبه
حفز رغبته، فلا يجترئ
علي السؤال إذ يخشي أن يتجاوز حدوده (18)
وحيث يقدم دانتي شخصية القديس بنديتو، والذي يشير إليه في عجالة، تظهر
مشابهات طريفة مع الشخصية الروحية للنبي محمد، من حيث أن القديس، مثل رسول
رب الإسلام، يقضي في الغار لحظات طويلة في التأمل ويظهر كداعية متحمس ضد
عبادة الأصنام:
وإنني من حمل هناك في أعلاه
اسم من أتي إلي الأرض
بالحقيقة التي تسمو بنا كثيرا
وقد أفاضت علي النعمة الإلهية بأنوارها
حتي اجتذبت القري المحيطة بي
من العقائد الباطلة التي أفسدت الدنيا (19)
وفي الحكاية عن حياة جريجوريو مانيو (Gregorio
Magno, Dial. Mirac., II,)
يقول:
وصل اسم الرب ذلك وحطم الأصنام وهدم المذبح ودمر الغابات وفي معبد أبوللو
نفسه بني كنسية تكريما للسيدة مريم العذراء، وهناك حيث معبد الرب بني كنسية
للقديس جوفاني، وواصل دعوته حتي نجح في تحويل الناس الذين كانوا يسكنون
حوله إلي الإيمان.
وهو مشهد يذكرنا بقصة المسيح الذي يطرد تجار المعبد، وأيضا وصول النبي محمد
إلي الكعبة بعد فتح مكة وتحطيم الأصنام بداخلها باستثناء صورة للسيدة
العذراء مع المسيح طفلا والتي تركت كما هي لم تمس ثم إقامة دين الله الواحد
بعد ذلك.
وهناك خاصية أخري من خواص العلاقة العميقة بين المعلم وتلميذه طبقا للتصوف
هي أن التلميذ، بفضل زهده، يصبح شفافا من الناحية الروحية بالنسبة للمعلم
والذي يكون في مقدوره قراءة ما يدور بذهنه وتقديم ردود دون أن يحتاج
التلميذ لأن يلقي عليه بأسئلته وشكوكه: ونستطيع أن نلمح مواقف شديدة الشبه
بذلك في الكوميديا:
ولكنه أدرك ما أردت بصمتي أن أقوله
ولذلك لم ينتظر أن أتجه إليه بسؤالي
بل قال: تكلم وكن موجزا والزم موضوعك (20)
ولكن ذلك الأب الصدوق الذي أدرك
رغبتي الحائرة التي لم تفصح عن ذاتها
منحني بحديثه الشجاعة حتي أتكلم (21)
وفي النشيد الرابع عشر يصل الأمر إلي أن بياتريتشه ترد علي سؤال لم يكن
دانتي قد وجهه بعد، وليس هذا وحسب وإنما لم يكن حتي قد تشكل السؤال تماما
في صورته النهائية في ذهنه.
إن هذا الرجل في حاجة
إلي أن يبلغ أصل حقيقة أخري
ولو أنه لا يذكر لك ذلك بصوته أو حتي بفكره (22)
وفي النشيد التاسع عشر من المطهر يحدث العكس فدانتي يحلم بالأنثي
المتلعثمة، وهي امرأة مشوهة أساسا ولكنها تزداد إثارة للعيون حتي تصبح عروس
بحر جميلة تسحره (23)، ولكن امرأة أخري تصل لمساعدته، وهو يقول أيا
فيرجيليو، من هذه يا فيرجيليو؟، وينزع الرداء الذي يغطي البطن الفاسد لعروس
البحر، فتوقظ الرائحة غير المتحملة الشاعر الذي يجد أمامه فيرجيليو يقول له
_ بقسوة ملحوظة _ إنه قد ناداه علي الأقل ثلاث مرات قبل أن ينجح في إيقاظه.
في هذا الموقف، بغض النظر عن هوية المرأة الثانية، والتي اختلفت الآراء في
تفسيرها، قد يكون فيرجيليو هو الذي أنقذ الشاعر، لأنه، كما يحدث أحيانا في
حالات مكثفة من الحلم، لا يكون النداء الواحد كافيا لإخراج الحالم من حلمه،
ولكن الأصوات الخارجية لها القدرة علي التداخل مع الحلم نفسه، والنداءات
الثلاثة تتجسد تدريجيا في فعل المرأة الثانية التي تنقذ الشاعر، وفي
تأكيده، الذي يظهر فيه رمز الغيرة (24)، يعين اسم فيرجيليو، كما لو أنه
يؤنبه علي أنه لم يؤد واجب الحماية كاملا تجاه دانتي، ولكن في الحلم يأخذ
كل شيء قالبا مشوها للقالب الحقيقي، وفي كثير من الأحيان بالمقلوب.
والعدو الذي يشير إليه دانتي في هذه الرؤية _ الحلم هو النزوع إلي الخيرات
الأرضية علي حساب الخيرات الروحية (25)، وذلك الذي يخلق الكذب في الحياة
ويحافظ عليه موقعا بالأرواح في فخ التكاثر هو عدونا في المطهر النشيد
الثامن البيت الخامس والتسعون، العدو القديم للمطهر في النشيد الرابع عشر
البيت السادس والأربعون بعد المائة، الشيطان بنفسه، وهو نفسه العدو الذي
يتخذه المتصوفون، والشيطان يعني بالعربية العدو.
والتمثيل الرائع لما يجب أن تكون عليه وظيفة المرشد الروحي، يقدمه لنا
دانتي بعد ذلك في الفردوس في النشيد الثاني من البيت العاشر حتي الخامس
عشر، وفي هذه الأبيات كان هو نفسه الذي يعرض علينا أن يقوم بهذه الوظيفة
تجاه البعض من قرائه.
أيها القلائل الآخرون، يا من بادرتم إلي رفع رؤوسكم
إلي خبز الملائكة،
الذي يغتذي به هنا دون أن يشبع أبدا
إنه من الميسور لكم أن تدفعوا سفينتكم
مقتفين مخر سفينتي من قبل
أن تمحو المياه آثاره.
حيث صورة الماء الذي ينغلق علي نفسه خلف المركب تمثل بدقة حالة الامتياز
الذي تحظي به مسيرة التلميذ والذي يستطيع أن يحافظ علي اتباع المعلم
الروحي.
بالإضافة إلي هذا فإن دانتي يكمل رحلته بالجسد، ومن ثم يعترف بأن الممكن أن
يحدث له تطهير روحي حتي قبل الموت، وهو التطهير الذي يحدث بطريقة طبيعية
بالنسبة لأرواح المطهر، والذين انجذبوا نحو دانتي في الهجر التام لإراداتهم
الخاصة، وهي الحالة التي يتقاسمونها مع أرواح الفردوس:
وفي مشيئته سلام نفوسنا:
وهذا هو البحر الذي تيممه كل الكائنات
كل ما هو إياه خالق, وكل ما الطبيعة له صانعة. (26)
ولكن الذي يستلزم علي العكس جهودا ضخمة إذا تم القيام به في الحياة الأرضية
بواسطة الصيام والقيام والذي يتحدث عن في المطهر النشيد التاسع و الثلاثون
البيت الثامن والثلاثون، بطريقة تتضمن الصعود الحقيقي ضد التيار، فإن جهاد
النفس الذي يحاول المتصوف أن يتمه في كل لحظة من لحظات وجوده، وهو يساعد
نفسه هو أيضا بالصيام والقيام، وبالذكر الذي لا يتوقف لاسم الله تعالي،
والذكر هو الممارسة الروحية الأولي عند المتصوفين: ويشير دانتي إلي تقنية
مشابهة لها تماما في الفردوس النشيد الخامس والعشرون الأبيات من الثالث
والسبعين وحتي الخامس والسبعين عندما أورد بيتا من المزمور التاسع (البيت
الحادي عشر):
إنه يقول في مزمورهفليؤمل
فيك العارفون اسمك:
ومن ذا الذي لا يعرفه إذا توفر له إيماني.
حتي نصل كما رأينا سابقا إلي التلاشي التام للأنا الفردية وإلي الحلول في
الله، هذا الاتحاد الذي يتحدث عنه دانتي في الوليمة
III,II 3:
"الحب... ليس إلا اتحادا روحيا بين الروح والشيء المحبوب، وفي هذا الاتحاد
الذي له طابعه الخاص تجري الروح بسرعة أو ببطء حسبما إذا كانت حرة أو
معطلة.
وأيضا في الكوميديا:
... لكي أنظر إلي ذلك الجوهر
الذي يري فيه كيف اتحدت طبيعتنا بالله. (27)
... وإذ لا يمكننا أن نتصور وجود كائن
قائم بذاته منفصل عن الموجود الأول (28)
وفي الفردوس النشيد الثالث والثلاثون الأبيات من 124132، المحملة
بالإشارات الميتافيزيقية وبالتشابهات العديدة مع الميتافيزيقيا الإسلامية
(29)، فإن الإشارة إلي إمكانية اتحاد الإنسان مع الله من الوضوح بحيث ربما
مرت دون ملاحظة، وأولها المعلقون علي أنها خاصية تخص المسيح وحده:
أيها النور الأبدي الساكن إلي ذاتك وحدها
والذي تدرك ذاتك بذاتك وبكونك مدركا من ذاتك
ومدركا إياها فإنك تحب ذاتك وتبتسم!
وتلك الدائرة التي ارتسمت علي هذا النحو
وتبدو فيك كأنها نور منعكس
حينما تأملتها بعيني قليلا،
ظهرت لي في باطنها وبذات لونها
أنها علي مثال صورتنا البشرية المرسومة
وبذلك امتد بصري بكليته إليها.
عن هذه الحالة التي تلي ذروة التحقق الروحي يتحدث المعلم (الشيخ) ايكارت
Eckhardt،
وهو الميتافيزيقي الألماني العظيم الذي مات عام 1328، يتحدث بطريقة مشابهة
جدا في مواعظه:
تصبح الروح واحدة مع الرب وليست متحدة. خذوا هذا التشبيه: لو ملأنا برميلا
بالماء، فإن الماء يكون في البرميل المتحد معه، ولكنه ليس واحدا معه، حيث
أن الخشب ليس ماء، والماء ليس خشبا. ولو ألقيتم بخشبة وسط الماء يتحد الخشب
مع الماء ولكن لا يصبح واحدا معه. وهذا ليس مع الروح: فهي تصبح واحدة مع
الرب، وليست متحدة معه، حيث أنه عندما يوجد الرب توجد الروح وحيث توجد
الروح يوجد الرب.
بينما يصف دانتي التحول الذي تتعرض له الروح في عملية التحقق الروحي، في
نهاية رحلته في الأنشودة الثالثة والثلاثين من الفردوس، بالصورة الرائعة
للجليد الذي يذوب في الشمس ويحول حالته إلي سائل (وهي صورة سبق استخدامها
في الفردوس الأنشودة الثانية البيت السادس بعد المائة)، في صورة ماء يضيع
في البحر يتحرك فيه كله (30)، ونفس الصورة مستخدمة في القصيدة الرائعة
للشيخ الجزائري أحمد العلوي، وهو شيخ إحدي الطرق الأكثر تطورا في العالم
وهي الطريقة الشاذلية العلوية، والمتوفي في عام 1934 (31):
أيها الرجال الذين اختفوا في حضرة الله!
كأنها حبات ثلج ذابت لله لله (32)
عند هذه النقطة، إذا شئنا أن نبحث _ مع الجزء الأغلب من النقد الغربي _ بكل
السبل عن تأثير مادي في التشابهات جميعها التي يمكن أن نصادفها في مختلف
جوانب التراث الروحي، لابد أن نصل إلي نتيجة مؤداها أن هذا الشيخ الجزائري
ربما عرف الكوميديا، وهو المستحيل بعينه (33)، إلي هذا يمكننا أن نقتبس عن
تيتوس بورخارت
Titus
Burckhardt
والذي يهتم فيما يهتم بالطريقة الروحية لذكر الرب المذكورة سابقا:
التماثل بين الذكر الإسلامي ويابا يوجا الهندية، و أيضا الطرق الساحرة
للمسيحية الإيزيكاستية وأحد مذاهب البوذية يسمي الأميدية، ظاهر جدا، ولكن
سوف يكون من الخطأ الشديد أن نعيد الذكر الإسلامي إلي أصل غير إسلامي، وذلك
لأنه قبل كل شيء فإن هذه الفرضية لا ضرورة لها، ثم لأن الحقائق تكذبها،
وأخيرا لأن الواقع الروحي الأساسي بمختلف أشكاله لا يمكن ألا يظهر داخل كل
حضارة تراثية (34)
ومن ثم يكون معها أيضا الرموز المستخدمة من أبرز ممثليها.
وهناك جانب طريف أيضا نود الكشف عنه لخدمة أغراض هذا العرض، وهو أن المشاهد
كثيرة، في الفردوس، والتي يتأمل فيها دانتي بعض الأرواح الطوباوية والتي
تبدأ في الدوران حول نفسها علي شكل دوامة حتي تعرض حالتها الروحية المكثفة.
... رأيت نورا آخر ينطلق وهو يدور
وكانت البهجة له كالسوط للدوامة. (35)
.... حتي جعل ذلك النور من وسطه لنفسه محورا
ودار حول نفسه كحجر الرحي السريع. (36)
.... وتجمع الرفاق ثم اتجهوا صاعدين في حركة دوارة. (37)
... واتخذت هذه الأرواح السعيدة هيئة دوائر تدور علي أقطاب ثبتة. (38)
ونستطيع أن نلاحظ بالفعل في هذا الوصف تماثلا قويا مع تقنية روحية خاصة
يستخدمها من يسمون المولوية أو الدراويش الدوارة وهي طريقة تأسست في كونيا
بالأناضول في القرن الثالث عشر بواسطة جلال الدين الرومي وهو من أكبر مشايخ
الطرق الصوفية في تاريخها ومعروف بشكل خاص بقصائده وبقصيدته النثرية الضخمة
المثنوي (39) : وبالفعل فإن أعضاء الطريقة المولوية يؤدون رقصة مقدسة يدور
كل مشارك فيها حول نفسه بطريقة الدوامة حسب طرق معينة وتحت رقابة ومتابعة
أحد الشيوخ فيخلقون معا حركة تشبه حركة الكواكب، وهذه تدخل ضمن التفاصيل
المثيرة التي يمكن أن نستنتجها من الفردوس أيضا في الأنشودة الرابعة
والعشرين بعد أن نقرأ الوصف التالي:
وكما يدور ترسان في الساعة،
حتي أن من يتأملهما
يري أحدهما ساكنا علي حين يبدو الآخر طائرا
هكذا جعلتني هذه الحلقات
أقدر مستوي ما لها من غني
بتفاوت رقصها بين البطء والسرعة.
حيث المقارنة بين الأرواح التي تدور حول نفسها وتروس الساعة، فالأول وهو
الأكبر يأخذ حركته مباشرة من محرك الساعة يبدو كأنه واقف بالنسبة للتروس
الأخري التي ينقل إليها الحركة والتي تزيد باطراد كلما خرجت إلي الخارج
(40)، يمكن أن تجعلنا نفكر في حقيقة أن المنتمين للطريقة المولوية يقللون
سرعة دورانهم شيئا فشيئا كلما تقدموا في درجات التحقق الروحي حتي _ من يصبح
شيخ طريقة عندما يصل إلي ذروة هذا التحقق _ أي يتحول إلي الشخص الذي تنتقل
الحركة من خلاله إلي الآخرين _ يصبح محركا ساكنا حقيقيا ملموسا، في وظيفته
المرتبطة بالقطب الذي يدور حوله جميع المريدين علي المستوي الروحي.
وختاما من الهام أن نورد مقطعا من مواعظ القديس برناردو الذي يبدو كأنه
يلخص من زاوية معينة بعض الموضوعات التي عرضنا لها في هذه الدراسة:
لقد تأكد علي هذا أنه بسبب الخطيئة الأولي، قبل ظهور المسيح كان الجميع قد
هبط إلي الجحيم. ولكن بنفس الطريقة، وبصدق مماثل، يمكن أن نقول أنه سواء
قبل ظهوره أو بعد فليس هناك إنسان لم يهبط إلي الجحيم قبل أن يصعد إلي
السماء. والحقيقة أن هناك ثلاث صور من الجحيم. الأول هو جحيم الهلاك حيث
توجد دودة لا تموت أبدا ونار لا تطفأ أبدا: في هذا الجحيم لا يوجد أي خلاص.
والثاني هو جحيم الاستغفار المخصص للأرواح التي يجب أن تتطهر بعد الموت.
والثالث هو جحيم الابتلاء، أي الفقر الاختياري، والذي نتخلي فيه عن الدنيا
فنصيب أرواحنا بالابتلاء حتي تستطيع أن تشفي، وهكذا لا تنتقل من الموت إلي
الحساب ولكن من الموت إلي الحياة.. أما من لا يهتم أن يهبط هذا الجحيم وهو
في هذه الحياة، فسوف ينزل بالتأكيد في أحد النوعين الآخرين فإما أن يجد
خلاصا منه أو لا يجد أي خلاص علي الإطلاق.
الهوامش:
1)
فيما يتعلق بالمسيحية الأرثوذكسية فإن الفروق مع التراث الشرقي أقل، والصفة
الشرقي التي غالبا ما تلتصق بهذا المذهب هي إشارة واضحة علي ذلك، علي الرغم
من أن المسألة أكثر تعقيدا وتحتاج إلي دراسة منفصلة.
(2) المقطع الأكثر دلالة في هذا الخصوص، والمحير في وضوحه،
هو ذلك المقطع الذي يستشهد فيه الملائكة بالأناجيل والإنيادة في المطهر
الأنشودة الثلاثون البيت الحادي والعشرون.
(3) راجع: دراسات حول جوفاني باسكولي ولويجي فاللي الخ،
وفيها يتأكد أنه في قصائد شعراء مدرسة الأسلوب الجديد يمكن اكتشاف معني
رمزي يتعلق بمسيرة التحقق الروحي (دانتي نفسه في الوليمة يتحدث عن حاسة
عليا)، وأن دانتي ربما انضم إلي الطبقة الثالثة من جماعة المعبد (وهم وجه
إليهم الإتهام في القضية التي أدت إلي تدمير الطريقة علي يد فيليب الجميل
بأنهم أقاموا علاقات مع بعض الأوساط الإسلامية في ذلك العصر)، وأنه ربما
كان أيضا من المنضمين إلي الفرانشيسكان، وأن اسم المؤمنين بالحب يرجع تقنيا
إلي الطريقة المحددة التي ينتمي إليها. وفي هذه الدراسات يفهم أيضا أن هذه
الطرق قد تبنت لغة قريبة جدا من لغة التروبادور البروفنساليين، ولغة الطرق
الإسلامية والتي كانت موجودة في بعض أنحاء أوروبا مثل أسبانيا وبروفانس
وصقلية في فترة التوسع الكبير للدولة الإسلامية حتي القرن الثاني عشر.
|