الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | قالوا عن الموقع | الرعاية والإعلان | معلومات النشر | كلمة العدد

SyrianStory-القصة السورية

دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

facebook القصة السورية في

 Cooliris-تعرف على خدمة

معرض الصور

Rss-تعرف على خدمة

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 09/03/2009

دراسات أدبية - الأدب الصوفي / الكاتبة: د. ناهضة ستار

بنية السرد في القصص الصوفي1
 

سيرة الكاتبة

لقراءة الكتاب

 

 

 

بطاقة تعريف الكاتبة: د. ناهضة ستار

 

-الكاتبة: د. ناهضة ستار من مواليد 1967 العراق شاعرة وناقدة

-في مجال الشعر لها مجموعة "رؤيا الكلام" 11-2001

-الدراسات النقدية، أبحاث في أسلوبية السرد وشعرية النثر الصوفي، والأدب النسوي ونقده، وجماليات الخطاب النقدي.

-عضوة اتحاد الأدباء والكتاب العرب والعراقيين.

-رئيسة المنتدى الثقافي للمرأة في محافظة القادسية.

-حالياً أستاذة النقد والأسلوبية في كلية الآداب جامعة القادسية.

الكتاب

مكونات البنية السردية في للقصة الصوفية 

مفهوم التصوف وأثره في نشأة القصة  

بنية السرد في القصص

بنية الاستهلال في القصص الصوفي 

 ثنائية الراوي والمروي له

بنية المروي الصوفي 

 

بنية السرد في القصص الصوفي1

المكونات والوظائف والتقنيات

 

بقلم الكاتبة: د. ناهضة ستار

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

(وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون، إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون.)

صدق لله العظيم - سورة السجدة

 

 

الإهداء: إليهما.. إذْ تورقُ الرؤْيا بوجهيهما اختياري الصائب: بِضْعَتي تُقَى وأبيها

ناهِضة ستّار

 

المقدمة

 

الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصَّلاةُ والسّلامُ على أشرفِ المُرسلين محمّدٍ الأمين، وعلى آله وصحبهِ والمؤمنين بهِ إلى يومِ الدّينِ. أما بعد..

فلقدْ توفّر المنهجُ البنيوي على جملةِ خصائص ومزايا، جعلت منه أهلاً لاستخدامه في مستويات إجرائية متعددة ومتباينة من حيث الجنس الأدبي والنوع والزمن والموضوعات. بحكم ما تتوفر عليه مستوياته التحليلية من أبعاد لها إمكانية الإحاطة والتعمّق في جوهر العملية الأدبية مبتدئةً بالهيكل المبني عليه النص. انطلاقاً من فلسفة صدرت عنها الدراسات البنيوية، هذه الفلسفة ترى أن تكوين صورة كلية عن نصٍ أدبي ما، وتحديد أفقه الدلالي أو الرمزي أو الإشاري، لا تؤتي أُكُلها إلا إذا ابتدأت من الكيفية التي انبنى بها الشكل الأدبي والمكونات البنائية الأساس التي قامت للنص –بفضل منها- هيئة مخصوصة.

بناءً على ذلك فإن الدرْسَ البنيوي يعد فحصاً للأوليات تمهيداً للوصول إلى الكليات.. يبدأ بالمحسوس المجسَّد ليصل إلى المعنوي المجرّد، من خلالِ النظر في المتشابهات والمختلفات التي تحكمها (سياقات) مختلفة كانت الباعث على إنتاجها فضلاً عن عواملَ أخرى مؤثرة. لأجل هذا، وبسبب من هذه الرؤية الوصفية في التحليل، أمكن دراسة متون أدبية مختلفة في أجناسها وأنواعها وأزمانها وموضوعاتها، وجنسيات منتجيها أيضاً. على وفق معطيات هذا المنهج الذي يصف قبل أن يقرر، ويعتمد على الأساس اللساني للنص وكيفيات تَشكُّل اللغة في النصِ وعلاقتها بالدلالة المراد بثّها للمتلقي.

 

مسوّغات الدراسةِ وأهميّتها:

جملةُ دواعٍ ومسوّغات وقفت إزاء الباحثة لاختبار هذه المهمة البحثية الصعبة، كان في طليعتِها: الرغبة في بعْثِ جزءٍ من التراث العربي الأصيل برؤيةٍ حديثة؛ تكشف عن قيمة هذا التراث الخالد الذي سبقت عبقريته عصره، والتي لم تجد من ينهض بمهمة نفض الغبار عن جوهرها الأثير، والامتداد إلى حيث أفقها الباذخ.

 

فكانت القصة الصوفية هي التراث الذي يستأهل النقد والتحليل والدراسة، فلقد انبثت هذه القصص والحكايات في المظان الأدبية وغير الأدبية، ككتب التاريخ والاجتماع والفلسفة والطبقات والرسائل.. الأمر الذي يجعل الباحثة أمام صعوبات الجمع والتصنيف وتقدير الصالح منها للفحص النقدي، آخذاً بعين الاهتمام تنوع التجربة، بل التجارب الصوفية وطابعها النسبي بين المتصوفة فضلاً عن تطور دلالة مفاهيمها تعاقبياً. وهنا تتحدد (الصعوبة) مع (القيمة) التي يتوفر عليها المنجز الحكائي الصوفي؛ فقيمته في صعوبته واستلزامه لرؤية مميزة دقيقة شمولية وواعية للسياقات التي أنتجت هذا المنجز. ولعل قلة الدراسات المتعلقة بالنثر الصوفي، كانت محفزاً آخر على تسنم مهمة هذا الدرس، وسلوك سبيلها الشاقة والماتعة معاً. فيما لو أُضيئت بطروحات النقد الحديث والمعاصر في الكشف عن بنية هذا الأدب الحكائي وطرائق تشكيل لغته الأدبية وعناصره ومكوناته الدالة، الأمر الذي سكتت عنه الدراسات التاريخية/ الأدبية أو الأدبية التي عنيت بالمعاني والرموز أكثر من طرائق تشكيل هذه المعاني أو إزجاء تلك الرموز.

 

منهجُ الدراسةِ وهيكليّتها:

اعتمدت الدراسة منهجية الدرس البنيوي الشكلاني مسباراً يكشف عن القيمة البنائية والهيكلية للقصة الصوفية، من خلال فحص مكونات البنية السردية للقصة ومثالها الوظائفي، وأنماط الشخصيات فيها، وبنية الزمن، وصيغ السرد، ووظائف السارد. وبحسب مقتضيات المنهج –الذي حاولت الالتزام بمقولاته التي تفصح عن مستويات النص الصوفي في أجلى صورة وأكثرها وفاءً للنصِ الأصل ومؤلفه- كانت هيكليّة الدراسة قائمةً على مقومات هذا المنهج، فجاء البحث في تمهيد وثلاثة فصول وقُدّم لها بمدخلٍ نظري يوضح مقولات المنهج وأساسياته.

وقف التمهيد على مفهوم التصوف من خلال رؤيةٍ تاريخية، جاءت الحاجة إليه تحقيقاً لغايتين:

 

الأولى: الوقوف على التطورات التي أصابت مفهوم التصوف منذ قرون الإسلام الأولى، مروراً بالقرنين الثالث والرابع العصرين الذهبيين للتصوف حتى القرن السابع الهجري. ولم يكن التاريخ القديم بعيداً عن رؤية المسألة في التمهيد؛ فعرّجَ البحثُ على التاريخ للفكرة الصوفية في حضارات أمم الأرض بدءاً بالحضارة الرافدينية في العراق القديم، ثم حضارات الهند واليونان والصين والفرس بحسب السبق الزمني لولادة هذه الحضارات.

الثانية: استعراض تاريخيّة التصوف وأدبياته تسهل عملية تصنيف هذا الأدب. الأمر الذي مهد السبيل أمام الباحثة لتصنيف الحكايات الصوفية إلى ثلاثة أنماط: ذاتي، وموضوعي، واسترجاعي.

 

وقبل أن يأخذ البحث مستواه الإجرائي على القصة الصوفية، أجد أن منطقية البحث العلمي تستدعي صنع مهاد نظري، لتتحدد به مقولات المنهج المتبع، فتم تحديد مصطلح بنية السرد، وعلم السرد، واتجاهاته الرئيسية، والرؤية التي تتبناها هذه الأطروحة، بالفصل الأول الخاص باستجلاء مكونات البنية السردية في القصة الصوفية، وضمن ثلاثة مباحث:

أولها: في بنية الاستهلال وأثره في صيرورة الفكرة التي تبدأ بمقدمة الاستهلال ثم بعد ذلك تنفك شفرة الاستهلال في سياق القصة، أو خاتمتها، ثانيها: ثنائية الراوي والمروي له، وأثرهما في خلق العملية السردية، وتوجيه دلالاتها لخدمة هدف التوصيل.

ونظر الثالث في: بنية المروي الصوفي.

وفي جميع هذه المباحث حرصتِ الباحثة على تقديم صورةٍ إجمالية بعد تفصيل المكونات، تعتمد العلائق الرابطة بين المكونات اتساقاً مع سياق استدعى حضور هذه العلائق وتمظهراتها على سطح النص.

وكان مدار الفصل الثاني تشخيصاً للمثال الوظائفي القصة الصوفية باعتماد منهج (بروب) في مصنفه (موروفولوجيا الخرافة) وأردف بمبحث عن الشخصية الحكائية صدوراً عن قناعة بالرابطة القائمة بين الوظيفة –بوصفها فعلاً حكائياً- وبين الشخصية بوصفها (فاعلاً) في عملية السرد، كما واستعان البحث بمنهج (بارت) و(كريماس) ولا سيما في تمييزه بين البنيات الكبرى للشخصيات والبنيات الصغرى. وكان وكد الباحثة في هذا الفصل متوجهاً إلى إسناد أشكال الوظائف السردية إلى دلالاتها ثم ربط دلالات هذه الوظائف لتحصيل قيمة دلالية كلية لم يصرح بها النص.

 

وانجلى الفصل الثالث عن فحصٍ منهجي وإجرائي في آليات السرد القصصي؛ وجمهرت تحت لوائه مباحث ثلاثة، كشف الأول عن النظام الزمني في القصة، وأهمية عنصر (الترتيب) في سرد الوقائع، مبرزاً الفرق بين زمن الحكاية وزمن السرد عن طريق تقديم قراءتين للنص الأولى وقائعية والثانية نصية، أما ثاني المباحث فكان مكرساً لتبتّع ظاهرة تقنية الإيقاع الحكائي وفاعلية (الحركات الأربع) في تشكيل فنية السرد بين زمن الحكاية وزمن السرد.

 

وانضوى تحت هذا الفصل حديث عن صيغة السرد في مبحث ثالث من خلال اعتماد مقولات المسافة السردية، والمنظور، وتعددية الصيغ وأثرها في إغناء السرد القصصي حتى يجمع (فنية الإمتاع) إلى (فائدة الإيصال).

كما وختم البحث بخاتمة إجمالية تم فيها بيان أهم ما وقفت عليه الدراسة في نتائج ومحصلات خرجت بها الدراسة الحالية ثم الأفق الذي تفتحه هذه الدراسة لدراسة قابلة وعلى وفق مناهج أخرى.

وأُردفت الخاتمة بسردٍ تفصيلي لمراجع البحث ومصادره ودورياته العربية منها والأجنبية التي أثْرتِ البحث متناً وتحليلاً نقدياً. وبغية التعريف بمضمون الأطروحة ومنهجها بلغة حية أخرى جرى في نهاية الأطروحة تسطيرُ موجزٍ عن الأطروحة باللغة الإنكليزية.

 

فرضيّة الدراسة ومشكلاتُها:

لا بد لكل جهدٍ علمي من فرضية يصدر عنها محاولاً –في دراسته-إيجاد حلول مناسبة لها، أو عرضها عرضاً علمياً يجعل موضوعاتها في دائرة الضوء، ومحور الاهتمام والعناية. تنطلق فرضية هذه الدراسة من الفكرة الآتية: الحكاية الصوفية نوع أدبي معهود ضمن أجناس الكتابة الصوفية وأنواعها، في عصورها المتعاقبة. أُقيمت عليها الدراسات، ومباحث أولت العناية أساساً إلى بنيتها الموضوعية والرمزية كحال أكثر الدراسات التي تناولت الشعر الصوفي. واختزالاً لذلك كانت الجهود البحثية والتأليفية تجيب عن سؤال.

-ماذا قالت القصة الصوفية؟ مع إشارات موجزة عن أركان عملية السرد من شخوص وحوار ومكان الحدث.

أما هذه الدراسة فتتبنى محاولة الإجابة على سؤال:

-كيف قالت القصة الصوفية مضامينها؟

وعلى هذا الأساس صار عنوان الأطروحة بنية السرد في (القصة الصوفية)، وليس (الحكاية الصوفية)، فالحكاية الصوفية قصة قد تكاملت أركانها السردية وذلك يتم اكتشافه والوصول إليه بعد فحص هيكلية بنائها السردي ومكوناته وصيغه ووظائفه. كما إن الباحثة تستشعر في اصطلاح (الحكاية –الصوفية) ضرباً من الانتقاص من هذا المنجز الأدبي المهم، ويبدو لي أن المسألة لها تعلق بالنظرة المتواضعة –ولا أقول الدونية- من العربي إزاء منجزات تراثه القومي قديمه وحديثه، حين وضع نفسه –أو وضعه الآخر- في موازنة غير متكافئة مع الغرب ومنجزاته، ففي الوقت الذي يدرس الباحث الغربي نماذج حكائية بسيطة من أساطير الجدّات والخرافات وحكايا الأسمار، ويجعل منها نموذجاً لدراسات مُعمّقة ومنهجية.. نجد العربي يُكْبر على تراثه أن يعده نمطاً قصصياً وهو نمط عالٍ في فكره ولغته وصياغاته فضلاً عن تعبيره عن قضايا غاية في الأهمية والتأثير والفاعلية، كالدين والأفكار والأخلاق والقيم الأصيلة.

 

ولم تخل هذه المهمة الكبيرة من مشكلات عانت الباحثة منها ولمّا تزل.. تجسدت بعض هذه المشكلات في النقاط التالية:

1-الكثرة الكاثرة من هذه القصص، مما يجعل الباحث أمام صعوبة الجمع والتصنيف.

2-انبثاث هذه القصص في مظان مختلفة في تخصصاتها بين أدب وتاريخ واجتماع وفلسفة وأديان وطبقات.. إلخ.

3-عناء الحصول على المراجع الحديثة الخاصة بالمنهج ومستحدثاته ومستجداته على الساحة الثقافية والأكاديمية في الخارج. وهذا واحد من أعباء الحصار الثقافي الجائر الذي يعانيه المثقف والباحث في القطر على وجه العموم.

4-اختلاف وجهات النظر في ترجمة المصطلح الأجنبي، وهذه مشكلة المباحث النقدية جميعاً.

وكان للأستاذ المشرف –أدامه الله- حضور مؤكّد في الركونِ إلى المصطلح الأقرب إلى مراد المؤلف، كون الأستاذ المشرف علماً من أعلام النقد الحديث والتأليف والترجمة.

وتم –بعون الله تعالى- تذليل بعض هذه المشكلات بمعونةٍ علمية وأخلاقية عالية من أستاذي وشيخي الدكتور عناد غزوان المشرف على الدراسة أدام الله علمه وجهده وخلقه العالي النبيل، ولفيف من الإخوان الأساتذة الفضلاء وزملاء الدرس ورفاق الثقافة الأمر الذي ذلل الكثير من المتاعب ليتسنى لهذا البحث أن يرى النور.

 

الدراسات السابقة:

من أسس البحث العلمي الرصين وأخلاقياته، إن كل جهد علمي حديث، يجب أن يبدأ من حيث انتهى من سبقه ويؤسس لمن يأتي بعده. وعليه فإن النظر بعين التقدير والاحترام والوفاء لجهود السابقين بالفضل، لهو من أوليات أخلاق الباحث العلمي لأن هذه الدراسات وبخاصة الأكاديمية منها، قد حظيت بقراءة واعية ونقاش علمي دقيق وفاحص من لدن أساتذة فضلاء ومشايخ التخصص. بناءاً على ذلك أذكر من هذه الدراسات أطروحة مهمة ورصينة تناولت النثر الصوفي وأنماطه وموضوعاته للأستاذ الدكتور فائز طه عمر عن جامعة بغداد كلية الآداب، كانت الحكاية الصوفية من ضمن مباحث الرسالة وكانت هذه الدراسة ذات عون كبير وأهمية علمية جليلة في بيان خطوط العمل الذي ارتكزت عليه رسالتي وبخاصة مادة التمهيد. وثمة دراسة ماجستير تناولت الحكاية الصوفية عند ابن عربي، وتبنت أطروحة دكتوراه في آداب الجامعة المستنصرية دراسة البناء الفني للحكاية الصوفية التي استخدمت فيها أكثر من منهج للبحث والتحليل فكانت ذات طابع شمولي بقيت فيه الحكاية الصوفية حكاية، وتعد هذه الدراسة من الجهود العلمية الحسنة والموفقة، وأخيراً كنت أتمنى على (عبد الله إبراهيم) في سرديته العربية أن يكون ثمة فسحة للقصة الصوفية بوصفها نوعاً أدبياً فسحة تضاف إلى متون دراسته من خرافة وسيرة ومقامة، ولا سيّما أنه قدّم جهداً علمياً طيباً في الفحص والجمع والمعالجة والتحليل النقدي.

 

مصادر الدراسة ومراجعها:

وقفت الدراسة على ضربين من المصادر البحثية والتأليفية:

الأول: ما يخص متن الرسالة وهي القصص الصوفية.

والثاني: يخص منهج الرسالة البنيوي الشكلاني ومستجداته، في ما يخص المتن استقت الباحثة قصص الرسالة ومادة البحث من مصادر متعددة كان من أهمها: الرسالة القشيرية وطبقات الأولياء لابن الملقن، ورسائل إخوان الصفاء في أربعة مجلدات، ومنامات الوهراني، ومقدمة ابن خلدون والمثنوي لجلال الدين الرومي، ومنطق الطير لفريد الدين العطار وغيرها وبمشورة من أستاذي المشرف –أدامه الله- تم الاقتصار على جملة من النماذج القصصية ولا بأس في الإشارة إلى مشابهاتها في المظان الأخرى. الأمر الذي يفتح السبيل أمام باحثين جدد لاستقصاء نماذج أخرى لم يسع هذه الدراسة استقصاؤها. أما مراجع المنهج فتم الاعتماد على أصولها، في طبعاتها المترجمة كـ (خطاب الحكاية) لجيرار جينيت ط 1997 و(عودة إلى خطاب الحكاية) ط2000 و(موروفولوجيا الخرافة) ط1986، ومؤلفات سعيد يقطين تحليل الخطاب الروائي وانفتاح النص الروائي والكلام والخبر، ومراجع أخرى كثيرة سعت الباحثة إلى إدراك مكنوناتها والتعمق في مرجعياتها وانتقاء ما تستلزمه الدراسة الحالية.

وبعْدُ..

فإن هذه الدراسة المتواضعة، لا بد وأن يشوبها النقص شأنها شأن أي صنيع بشري، على الرغم من كبير الجهد، وصادق العناية، وشديد المعاناة في أن تخرج هذه الدراسة صورة عن شغف الباحثة بهذا الشأن العلمي، والتخصص الجليل لكي تكون على ما تربت عليه النفس من مشايخ الأدب والنقد أطال الله عمرهم ونفع بهم طلبة العلم؛ علماً وخلقاً وسلوكاً.

وأخيراً..

سؤال للباري –عز وجل- أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وخدمة لأمتي الخالدة الأصيلة ولتراثها العظيم، ويجعلنا من جملة من يسمعون القول فيتبعون أحسنه، وعياً وإيماناً واختياراً وصدقاً..

والحمد الحمد كله لله رب العالمين.

الباحثة

من التراث النقدي العربي:

((... واعلم أنك لا تشفى الغلة، ولا تنتهي إلى ثلج اليقين حتى تتجاوز حد العلم بالشيء مجملاً إلى العلم به مفصلاً، وحتى لا يقنعك إلا النظر في زواياه، والتغلغل في مكامنه، وحتى تكون كمن تتبع الماء حتى عرف منبعه، وانتهى في البحث عن جوهر العود الذي يضع فيه إلى أن يعرف منبته ومجرى عروق الشجر الذي هو منه)).

الإمام عبد القاهر الجرجاني من دلائل الإعجاز

 

 

التمهيد

مفهومُ التّصوف وأثره في نشأةِ القصَّةِ الصّوفيةِ وتطورها في العصرِ العبّاسي

 

 

1-مفهوم التصوف وعالميته:

قد يبدو لمتسائلٍ أن يبحث في الجدوى الكامنة وراء هذا التمهيد لنشأة القصة الصوفية في العصر العباسي، ما دام التصوف قد انبنت مفهوماته واتجاهاته من خلال قرون من الدرس والتأليف، قديماً وحديثاً، وتأصّلت له في الأذهان هيئة مخصوصة ضَمنتها كتب التراجم والطبقات، والرسائل الصوفية، أو المصنّفات الفلسفية والأدبية فضلاً عن التاريخية والدينية؟ والإجابة، على هذا التساؤل تتخذ المسوغات الآتية دافعاً لها يدعم غايتها المنشودة في تسطير هذه الفقرة:

 

أولاً:ثمة قناعة تتبنّى هذه الدراسة رصانة فرضيتها، وهي أن الأدب –لا شك جزء من منظومة دينية اجتماعية سياسية نفسية تاريخية فكرية، وأن أي بحث يقطع –أو لا يعرف- صلة مفاصل هذه المنظومة مع الأدب، لهو بحث فاقد لمصداقية أهدافه ونيّاتهِ ومن ثم خطأ استنتاجاته بل عقمها وسطحيتها.

 

ثانياً: القصة الصوفية، جنس أدبي (قصة) موصوف بـ مذهب فكري وديني ومعرفي (الصوفية)، فهي إذن تطرح، في بناها التعبيرية وأساليب تشكيل رؤيتها الفنية والموضوعية، مفهومات فكرية ودينية، بل تمثل فلسفته في الوصول إلى الحقيقة والسعادة والكمال، فهي أدب معرفي أو من قبيل تحميل الأدب بإيديولوجيا، والنظر في أنظمته المجردة والمسطورة في طروحات مصنفات الصوفية الكثيرة. والحق أن هذا الأمر مطلب عقلاني ينبغي توافره لمن يعد نفسه لدراسة مقومات بنية جنس أدبي يمثل مذهباً فكرياً له أهمية كبيرة في تاريخ الفكر العربي الإسلامي، هذا من جانب. ومن جانب آخر سيضيء لنا هذا البحث أسباب اللجوء إلى القص، في الوقت الذي هو (الصوفي) قادر على زج تجربته الصوفية في أشكال تعبيرية أخرى.

 

ثالثاً: وأجدها الأكثر جدوى. تتمثل في حاجة البحث إلى التمهيد له بمفهوم التصوف، في تشخيص النماذج القصصية التي هي مدار دراسة الفصول القادمة مفتشة فيها عن تقنية السرد، فبماذا تتسم القصة لكي يسوغ لنا عدّها صوفية؟ ما المفهوم الذي تحمله القصة لكي تصح تسميتها أو نسبتها إلى التصوف؟ هل هو المفهوم الأخلاقي الزهدي، أم العرفاني، أم الفلسفي.

 

فالوقوف على مفهوم التصوف مجسد تطبيقياً في النماذج الحكائية الصوفية، سيكون خير معين للبحث على المحتوى الفكري للتصوف الذي هو عالمي وإنساني في مضامينه بين العرب وغيرهم من الأمم الأخرى، وبين المسلمين وغيرهم من الديانات الأخرى، فإن كان ثمة فرق نسبي بين طرائق التصوف ومقولاته، إلاّ أن التصوف، بوصفه تجربة إنسانية تنشد تحرير الذات البشرية من أسر المادة والشهوات والانطلاق بها نحو عوالم الغيب والطهارة والسمو، هو جوهر متشابه بين شعوب الأرض على اختلاف الجنس أو البلد أو العقيدة.

***

بدأ التصوف دينياً وأخلاقياً ولا يعني ذلك خلوه من الفكر المعرفي سواء أكان ذلك في الأديان الكتابية أم غير الكتابية، وانتهى التصوف فلسفياً في تجاربه العالية قبل أن تنصرف إلى تحويله العامة من المسلمين إلى مجرد مشيخة طرق صوفية تحكمها الضلالات والبدع وهذه يستمر وجودها إلى يومنا هذا.

 

التصوف، جوهراً فكرياً، يمثل مرحلة راقية من مراحل تطور الفكر الديني حين تتدخل القوى العقلية في إثبات قدرتها على الإدراك إلى جانب النص الديني، إنها حركة إيقاظ للقدرة التأويلية للتفكير الإنساني في مواجهة مجاهيل الكون وخفايا الإنسان وحقيقة الخالق عز وجل وسبيل الوصول إليه، نعم فما أنتجه الفكر الصوفي، من حيث الأصالة، هو اجتراح طريق جديدة للمعرفة والإدراك طريق تتجاوز حدود العقل ومقاييسه المنطقية، وكذلك الحس ومعاييره المادية، فكان أن اجترحوا رؤية (القلب) أو (الحدس) أو (الذوق) والحقيقة أن هذه المسميات ما هي إلا تعبير عن ذلك الصراع الذي واجه الصوفي ثقله ومتاعبه، وهو ممثل بحقيقة مفادها: إن (الحقائق الظاهرة) أمكن أن يتم الوصول إليها عن طريق الحس فتدرك طبيعتها المادية، فناسب المدرك بوسيلته المتبعة، أو أن يتم إدراكها عن طريق الاستدلال والمنطق المحسوب فذلك هو طريق العقل، فالحس، إذن والعقل وسيلتا المعرفة الإدراكية للحقائق الظاهرة، أما (الحقائق الباطنة)، فهي سبيل مختلفة فلا بد وأن يتم انتخاب وسيلة تتناسب مع نوع هذه الحقائق، حين توقف (الحس والعقل) عن الفعالية في الإدراك؛ فكانت الرؤية القلبية والحدس والذوق، أي مزيج من استعداد فطري ومؤهلات اكتسابية بعد رياضة وإجهاد وسياسة للنفس.

 

أ-جذور التصوف في الفكر الديني في العراق القديم:

أول ما ينبغي البحث في جذور التصوف في العالم، لا بد أن نبدأ من البداية الصحيحة –تاريخياً- في تسلسل ولادة الحضارات الإنسانية على الأرض، ما دامت هذه الفقرة التمهيدية تبحث في جذور التصوف وبداياته. والبداية الصحيحة –تاريخياً- هي في بلاد وادي الرافدين والحضارات التي نشأت على أرض العراق القديم من سومرية وأكادّية وآشورية بدءاً من الألف الثالث ق.م. بوصفه التاريخ الصحيح لأمة العرب والجذر الحضاري الذي انطلقت لتنير للبشرية طريق الحرف والآداب والعلوم والحضارة. وليس تلك

(150 أو 200) سنة قبل الإسلام التي دأب الدرس الأدبي على أن تكون مقولة (الجاحظ) هي المحدد لعمر شعر العرب والعربية.

بناءً على ما سبق، فإن عنصر التفوق الزمني والحضاري الذي تجسد في الحضارة العراقية القديمة لا بد وأن يتزامن مع تفوق فكري وعقائدي. والحق أن هذه الفكرة ظلت تلح على الباحثة حتى سنحت الفرصة للحصول على مصادر تخص الموضوع للوقوف على هذه المسألة تصريحاً أو استنباطاً. فبدا أن موضوعة التصوف شديدة الارتباط بمفهوم الدين، ففي الفكر العراقي القديم بدا الدين بشكل (غريزي وعميق، ليس باتجاه أفقي كما هو حب البشر، بل عمودي، أي ليس نحو شيء حولنا، بل فوقنا، إنه الشعور الغامض بوجود نظام للأشياء هو أسمى منا، ومن كل ما يحيط بنا هنا، فلا تكتمل ذواتنا إلا بالاتجاه نحوه)( )، هذا يعني أن صفة الإحاطة والكمال والهيبة هي الصفات الإلهية التي عرفها الإنسان العراقي القديم، على الرغم من الطابع الوظيفي الذي طبع مهمة كل إله، فللريح إله وللخصب إله وللحب آلهة و.. وهكذا. وهذه مسألة طبيعية بحكم الديانة الوثنية. لكن تعدد الآلهة لم يغلق الباب أمام التفكير في ما وراء الأشياء، بل إن (تعدد الآلهة المعبودة وعدم وجود إجابات قاطعة لتساؤلات أزلية غير قابلة للإجابة، جعلت الإنسان في العراق القديم يفكر في ديانة وحدانية الإله)( )، فغلب استخدام رمز (الطريق) أو (البوابة) للدلالة على ما وراء ذلك التعدد فهو لا بد منته إلى (واحد) كامل، مطلق، لا نهائي.

 

والحقيقة، إن وجود هذه البوادر في التفكير الديني (الكهنوتي) المدون من قبل السلطة الدينية، يدعو إلى التفكير –افتراضاً- في أن فكرة (الوحدانية) ليست ببعيدة عن مستوى التفكير (الشعبي) ولا سيما الطبقات الكادحة من العمل والعبيد، التي تجد في النظام الوثني الكهنوتي رمزاً لسلطة السياسية في البلاد، ويعزو السيد (جورج لونتينو) فشل الفكر البابلي في بناء نظام ديني متجانس، إلى كون الشكل العقائدي قد تقرر سلفاً وليس بسبب ضعف ما في النظام نفسه( ). وإذا كانت ثمة لمحة (يتسامى) فيه التفكير الديني، فهذا لا يعني أن ديانة وادي الرافدين (تصوفية) على رأي (جان بوتيرو)( )، فيرى أن فحوى الترانيم الدينية تعرب عن نوع من التسامي في النظر إلى الآلهة فتبقى الأخيرة محتفظة بسطوتها الاستعلائية، ولا يتقرب إليها العبد حباً بل خوفاً وطمعاً، قال ذلك إبان تعليقه على ترنيمة الإله شمش التي مطلعها:

[يا شمش.. منير السماء كلها، مضيء الظلمات

يا راعي هذا العالم وما تحته

إن شعاعك يكتنف العالم مثل شبكة

وحتى أبعد الجبال..]( ).

في حين، يرى (جورج لونتينو)( )، إن (بدايات التصوف)( ) شهدت بوادر ظهورها في الأدب الرافديني القديم، فلقد كان على المؤمن في الماضي أن يخشى الإله وهذا جزء من واجبه. لكن معنى هذه العبارة قد اتسع حتى صار تمجيداً سامياً لا يدرك، وعندما قورنت العبادة بالخوف من الإله صار من الممكن تحويل هذا الخوف إلى غاية للحب. كما يوجد ذلك في قصيدة (آلام الرجل الصالح Ludlul bal nemeqi)( ). الذي يقضي حياته بالتأمل الذاتي، والانقطاع للتحسر والعبادة. ثم سائر (الترنيمات) التي تمجد الآلهة بشكل اعتراف بقدرة هذه الآلهة وتمكنها وأزليتها( ). فترتفع عن صفة (الدعاء) طلباً لمنفعة أو تجنباً لضر، فضلاً عن ما ترشح به روحية تلك (المحاورات)( ) التي تأخذ شكل السرد الساخر ذي الطابع الفلسفي العميق ولا سيما محاورة (العبد والسيد)، التي تفصح عن ضعف الإنسان إزاء رغباته المتضادة. وحضور المسوغات التي تؤيد السلوك ونقيضه. وما موقف الملك (كلكامش) في الملحمة الشهيرة حين وصلت رحلته إلى نهاية مطافها حين تكشفت له حقيقة الوجود الإنساني الآيل إلى الفناء الجسدي، فبدا التفكير في الخلود الأخلاقي من خلال الصنيع الطيب والأعمال الجليلة( ). كل تلك إشارات يمكن لمن يجيد النظر في المؤتلفات فيها أن نستنتج حقيقة شاخصة تتمثل في كون التصوف بوصفه حاجة إنسانية ولد مع الإنسان وينمو معه بوصفه حاجة إنسانية ونفسية للخلاص والسمو والصفاء الروحي الذي لا بد وأن تسعى إليه النفس البشرية مهما تكن درجة صرامة الفكر السائد ضمن أي مرحلة تاريخية من عمر البشرية.

 

ب-في الفكر اليوناني:

من هذه النقطة، يمكن تفسير ولادة التصوف، تاريخياً، في حضن الدين الذي يجترح طريقاً جديدة للمعرفة تتجاوز محدودية الناسوت لاستقبال إشراق اللاهوت الموجود والفاعل ولكن غير منظور، وقد عبر التفكير اليوناني القديم عن هذه الرؤية الانقسامية بشكل مغاير، إن جعلوا الإنسان نصفين، نصف إلهي، والآخر أرضي، وهم على وجه الخصوص عبدة الإله (باخوس) إله الخمر أو (ديونيسوس)؛ فعن طريق السكر يلغى أو ينتشي الجانب الأرضي ليستفيق الجانب الروحي الإلهي( ) في غزارة وتفتح وارتقاء، حتى يصل هذا المرتقى، من خلال طقوس خاصة. إلى ما يدعونه بـ (التوحد)؛ أي اتحاد الله مع المتعبد، بهذا الفكر يجعلون النقص يستحكم شطراً من الإنسان، ومن خلال التصوف وإلغاء الحاجات الحسية، تعرج الروح في عالم الغيب –عند غير المتصوف- وهو الشهود والحضور بالنسبة إليه..، بينما الحال في التصوف الإسلامي، يعتمد على القول بإله واحد (Theism)، والمتصوف –بهذا المبدأ- يبدأ بالله. وبه ينتهي؛ لأن الصوفي المسلم يسلم بحقيقة أولية بوجود الله عز وجل والنفس البشرية بميولها الشهوانية تبعده عن هذا الملكوت فتكون التصفية لإيضاح السبيل إلى الله، فالصوفي المسلم إذن لا يمكن أن يعد جوهر نفسه هو الغاية. والنهاية، والمصدر كما يذهب إلى ذلك التصوف الهندي، بل ثمة إله هو مجلى الكمال والجبروت والمحبة، وهو يدنو منه بقدر ما يتشبه بصفاته، جهد الطاقة، وثمرة الفضل( ).

 

ج-في الفكر الهندي:

أما المتصوف الهندي، فقد بدأ بـ الوحدة المطلقة (Monism) وانتهى إلى مثل ما بدأ، هذا يؤيد القول أن المذهب أو العقيدة تعد الصوفي كالخريطة تحدد عليها المواقع بصورة رمزية، ويبقى على المتصوف أن يجرب بقاعها على الطبيعة( ) وقبل مئتي سنة قبل الميلاد، أنكر (شانكار) الهندي معرفة الحواس التي لا تكشف عن الواقع الخارجي كما هو ذاته، بل تكشف عن طريقة تشكيلنا له بحواسنا.. فالحس قاصر عن إدراك الحقيقة بتمامها( ) فنظروا إلى محدودية الحس عن الإدراك الكلي للحقائق والتفكير في سبيل أخرى، هذا السبيل هي الطريق الصوفي عند المسلمين، سواء أكانت هذه الرحلة إلى الله ظاهرية، أم خارجية (Extrovertive) أو باطنية داخلية (Introvertive) تتم عن طريق الرؤيا الحلمية أو الاستبطان والهجس الواعي، فهي عملية (توجه القلب إلى الحق) على تعبير (القاشاني)( )، أما وسائل هذا التوجّه فهي جملة مقامات –تعد أجلى ما أبدعه الفكر الصوفي- يدخل من ضمنها: التوبة، والورع، والزهد، والصبر والشكر.. إلخ مقامات تشكيل الطريق الصوفي في الإسلام، وهي ذاتها المراحل الثلاث في التصوف المسيحي، من حيث فكرة التصفية والتدرج، والمراحل هي:

مرحلة الطهارة Purgation

مرحلة التنور أو الإشراق Illuminative

مرحلة الاتحاد Unitive

الواضح، أن هذا التشابه في التفكير مع بعض الاختلاف( ) في التسميات، يجعل من العسير الوقوف على المؤثر والمتأثر؛ القضية التي شغلت الناس قديماً وحديثاً، عرباً ومستشرقين، فاستند المستشرقون إلى قول (البيروني ت962هـ) في انتماء التصوف الإسلامي إلى أصول هندية( )، ولا سيما قولهم بتناسخ الأرواح يقابل مبدأ الحلول والفناء عند متصوفة المسلمين، وفي القول تجوز، ذلك أن التصوف الإسلامي يلتزم بفكرة الألوهية المحورية وما طروحات الحلاج والجنيد إلا كلام ينصرف إلى عدة احتمالات تأويلية( )، ففكرة (الزفانا) في التصوف الهندي هي فناء الفرد تماماً ثم تجدده بكيان آخر عبر عملية دعوها بـ (الاستنارة) والتي تتم عبر ثلاث مراحل:

الأولى: اعتناق آراء قويمة عن طبيعة الوجود.

الثانية: تطبيق نظام محكم للسلوك الخلقي.

الثالثة: التركيز والتأمل( ).

 

ومن يبلغ مرتبة الاستنارة يطلق عليه لقب (بوذا) أي الفرد المستنير، ولا تعترف البوذية إلا بإنسان واحد بلغ درجة الاستنارة الكاملة هو (جوتاما بوذا)، وهي قريبة الشبه بفكرة الإنسان الكامل في اللاهوت المسيحي، وغير بعيد عن مفهوم (النور القاهر) أو فكرة الجوهر الإلهي عند متصوفة إيران الذي يقوم على أساس ثنائية النور والظلمة التي هي من خوص إيران القديمة( )، وكذلك فكرة تحصيل كلية الإدراك في الطريقة (التاوية) في الصين والتي شرحها (لاوتسه) في عهد الحكيم (كونفوشيوس)، و(تاو) تعني الطريق أو السفر أو السالك في الطريق، ولحظة الاتحاد بـ (التاو)، تحصل كلية الإدراك لكل الموجودات في العالم دون أن يغادر الصوفي بيته( ).

استنتاج:

أجد ثمة اتفاقاً في الفكر التّصوفي العالمي، على حاجة إنسانية تنزع نحو الكمال والسعادة، اختلف التعبير عن هذه الحاجة التي اتخذت لها (الدين) أو الفكرة الإلهية، محوراً وهدفاً، إيماناً أن الإنسان بـ محدودية قواه الإدراكية والجسمانية، ليس مؤهلاً لأن يكون هو غاية الغايات لأن مصيره الفناء أي الزوال، لذا كانت كل فكرة (يؤمن بها الصوفية تنطوي على فكرة واحدة أصلية، شاملة لكل ما عداها، وتلك هي بطلان الظواهر وقيام الحقيقة فيما وراءها)( ). فالبحث في أسبقية الفكرة الصوفية، وتحديد أي الحضارات أسبق من الأخرى، وإنها المتأثرة، لهو بحث يحمل في نياته بذور تهافته بلّةَ تشيعهِ وانتصاره لحضارةٍ دون أخرى.

***

الأساس الراكز الذي ينبغي توجيه النظر إليه، هو البحث في البواعث والعوامل والمسببات التي أنتجت هذا التفكير الصوفي وحددت ملامحه واتجاهاته، فالظاهرة وليدة ظرفها ودواعيها التاريخية والنفسية والاجتماعية والسياسية من خلال انعكاس هذه الدواعي على الذات الإنسانية، وانفعالها بمعطياتها، فتصدر استجابات لهذه الدواعي تتخذ هذا المنحى أو ذاك. هذا فضلاً عن أن التصوف الإسلامي يتسم بصفة (التنوع) في التجربة الصوفية عند المتصوفين؛ فالتجربة الصوفية عند التستري هي ليست ذاتها عند الجنيد أو الحلاج أو الداراني أو ابن عربي.. فلو كان المؤثر واحداً، ما تنوعت هذه التجارب حتى أثمرت مدارس في التصوف واتجاهات متحدة، ولكان التصوف قوالب موروثة تضيق بأية أصالة في الفكر أو ابتكار وتجديد. فالتصوف الإسلامي وليد مباحث الفكر الإسلامي في معنى التوحيد وصفات الخالق عز وجل، ودعوة الإسلام إلى الزهد واستقلال متع الدنيا، فكان الكتاب والسنة هما المنهل الذي نهلت منه فكرة التصوف تعاليمها، ومن ثم كثر اختلاط المسلمين بالأعاجم سواء من كان منهم على دين الإسلام، أم النصارى الذين يعيشون بين ظهراني المسلمين؛ تجارة، أو مجاورة في البلاد الإسلامية، فكان حقيقاً أن تنتقل الأفكار الغنوصية والفلسفة، اليونانية والفكر الديني عند الهنود والصينين والفرس( )، فتتفاعل الثقافة الوافدة مع الثقافة الأصلية في خلال زمن ليس باليسير أنتج تلك الخلاصة العلمية من ناتج امتزاج وتجاور وتحاور ثقافات العالم في البلاد الإسلامية، إلا وهي (علم الكلام) الذي يعد الرافد الأهم في تغذية التفكير الصوفي في مختلف اتجاهاته ومذاهبه.

 

هذا فضلاً عن حقيقة أجدني على قناعة بها تامة، تفيد أن التصوف هو من الميول الأصيلة عند الإنسان مثل حاجة الإنسان إلى الأديان مثلاً وحاجته إلى (كيان) يخافه ويرجوه، فالتصوف –من هذا المنطلق- ميل فطري أصيل في الذات الإنسانية فـ(في كل إنسان شخصية صوفية، تحتاج إلى من يوقظها من سباتها)( ). وتكمن البذرة التصوفية في كل إنسان، في إحساس عميق يتمحور حول حقيقة فكرية أساسها تأدية الفرائض واعتناق الدين، تأدية لذاتها وليس ابتغاء لمردوداتها الحسنة في عالم الدنيا أو عالم الآخرة؛ اجتلاب خير وثواب، اجتناب شر وعقاب.. أي كيف يمكن أن تكون العبادة، غاية في نفسها ولا يكون وراؤها هدفاً سوى المحبة والقرب، عند ذلك ستتغير مواقف العابدين إزاء النعم والبلاء الذي ينزل بهم، فيصبح العذاب والأذى، عند الصوفي، اختباراً له وتمحيصاً وتهيئة لتقريبه.. فالصوفي حين يناجي ربه (إلهي الكل يطلب منك، وأنا أطلبك)( )، فهو على التضاد مع توجه جمهور العابدين في تقلبهم بين الثواب والعقاب، بين الرغبة والرهبة، فتغدو –عند الصوفي- الجنة حجاباً وأهلها محجوبون عن رؤية الحق، فهذا أبو يزيد البسطامي يقول في إحدى شطحاته (الجنة هي الحجاب الأكبر، لأن أهل الجنة سكنوا إلى الجنة، وكل من سكن إلى الجنة سكن إلى سواه، فهو محجوب)( )، وذا رأيه في النار وعظمة إحراقها وعذابها، فيقول: (ما النار؟! لاستندن إليها غداً وأقول: اجعلني لأهلها فداءاً أو لأبلغنّها! ما الجنة؟! لعبة صبيان)( )، هذا الأمر الذي وصل إليه الصوفي، مردّه إلى أن الناس قد أخذوا علمهم من ميت عن ميت، فهم مساكين يستحقون الشفقة، أما الصوفي فقد أخذ علمه من الأصل الذي لا يزول ولا يحول وهو الحي الذي لا يموت( )، وليس ببعيد عنا السبيل الثالثة البديلة التي اختارها الإمام علي (ع) ومن بعده (رابعة العدوية)، بعد أن رفضوا عبادة التجار وعبادة العبيد، واختاروا عبادة الأحرار التي أساسها (المحبة) (إلهي، ما عبدتك خوفاً من نارك، ولا طمعاً في جنتك، بل وجدتك أهلاً للعبادة، فعبدتك)( ).

 

2-المعرفة الصوفية والتجربة:

فإذا ما وجهنا النظر إلى حقيقة النظر الصوفي على أساس قاعدة الغاية والوسيلة؛ إن التصوف تقوده رغبة المتصرف في تأدية العبادات وعلاقة العبد والمعبود على أنها غاية في ذاتها ولذاتها، استعلاءً على رؤية المتوسط من جمهور العابدين في توخيهم الثواب وتجنبهم العقاب..، أمكن أن تنظر إلى التجربة الصوفية من حيث هي (إيثار) التوجه للذات الإلهية والانخطاف بها وإليها، والتجرد عن (الأثرة) التي هي فحوى عبادة الناس.

فمتى ما تحققت هذه الرؤية، أدركنا هشاشة البحث في الجانب (المؤثر والمتأثر) في حضارات العالم في موضوعة التصوف، فالفكر الصوفي طرح أفكاره ومنطلقاته من حيث هي البديل للتفكير في الظواهر الوجودية على أساس جوهري وليس على أساس عقلي نظري استدلالي، وما الطريق الصوفي إلا محطات يقطعها السالك ليصل إلى السعادة في الاتحاد أو الفناء، فالإنسان يمثل طوراً من أطوار الألوهية، وعلى السالك أن يتجاوز كل ما يحول دون الارتقاء، بحسب الجهد والطاقة والعزيمة وبمقدار وجود هذه الصفات، تصنف مرتبة الإيمان، والتي انتهى (الغزالي) إلى جعلها ثلاث مراتب:

 

أولاها: إيمان العوام وهو إيمان التقليد المحض.

ثانيتها: إيمان المتكلمين وهو ممزوج بنوع استدلال وهو قريب من إيمان العوام.

ثالثتها: إيمان العارفين وهو الشاهد بنور اليقين( ).

 

وهذا الإيمان فوق نطاق الحس، والعقل معاً، بناءً على ذلك انصراف الجدل إلى تقصي قيمة (المساهمة العقلية) في تجربة التصوف، اعتماداً على أن المكتسبات الحسية هي مصدر معرفة العوام، والاستدلالات العقلية هي مصدر معرفة أهل الكلام، أما الصوفية فينتهي (الغزالي) إلى القول بـ(الحدس الباطني) أداة لإدراك العلم اليقيني وبه تدرك الأوليات العقلية التي تجيء بنور يقذفه الله في الصدر، ولا تتيسر بنظم دليل وترتيب كلام، على الرغم من إقرار الغزالي بمرجعية الحدس وتقييده بالكتاب والسنة( )، لكن إذا لم يلغ حضور العقل في المعرفة الصوفية، بل إن المعرفة والتصوف طابعان قد يوجدان جنباً إلى جنب في نظام صوفي واحد( )، والذي يذهب إلى الفصل بين المعرفة والتصوف إنما يجعل من تجربة التصوف ممارسة إيهامية لا عقلانية مجردة، في حين أن فهم أبعاد قضية التصوف يستلزم –من جملة ما يستلزم- فهماً جلياً وموضوعياً متكاملاً لموضوعة (الدين) أولاً ومواقف المتدينين بين حقيقة الدين، ونسبيه الممارسة الإنسانية تجاه حقيقة الدين، ونسبية الممارسة الإنسانية تجاه حقيقة الدين، فضلاً عن الوقوف على الثواب والعقاب، ومن ثم إدراك أبعاد (حدود الظاهر)، و(الباطن) حيث أن الأخير يستلزم توفر الباحث على تصور واضح لخصوصية تأويل (الباطن)( ) بعد حسن ظن، وتجرد من الأهواء المذهبية أو الميول الطائفية، ومهما بلغ عمق هذا التصور، لا يمكن أن يستغني به عن (التجربة)، فمن لم يجرب ليست له القدرة على الفهم والتقدير فضلاً عن استعصاء التجربة على الوصف، والتعبير والإحاطة بها لغة وإيضاحاً تعبيرياً؛ فالصوفي يقول: (من لم يعرف إشارتنا، لم ترشده عباراتنا)( )، وذا أبو يزيد البسطامي في إحدى شطحاته يقول: (تراني عيون الخلق أني مثلهم، ولو رأوني كيف صفتي في الغيب، لماتوا دهشاً)( )، فالصوفي، هنا، عماده خصوصية التجربة، والمقدار الذي ذاقه من المعرفة، ومستوى (وقفته) ودرجتها، فهو يذكر (أفكاراً عن تجربته في التصوف بعد أن تنتهي، ويبدأ باستعادة أبعاد هذه التجربة حين يعود إلى وعيه العادي المقيد بالحس والعقل، ولكن في التجربة نفسها لا يوجد أي فكر)( )، ولعلني أجد في قضية التجربة الصوفية وعلاقاتها بالفكر، بعض التحفظ، بخاصة إذا كان الكلام عن التصوف الإسلامي، دين المعرفة، والكتاب الكريم هو معجزته الخالدة التي ضمت علم الدين والدنيا، هذا من جهة –ومن جهة أخرى، الصوفي نفسه في رحلته التجريبية الاستكشافية في أعماق الذات –أولاً- ثم الارتقاء للحق، وسواء أكان هذا الارتقاء تجلياً أم إشراقاً، أم اتحاداً أم فناءاً، لم يك ليحدث لولا وقوف الصوفي –بوعي تثقيفي مدقق- على أفكار الدين ومفاهيمه، من هنا لا يجوز أن يكون الطفل الصغير صوفياً..، فالتصوف علم قائم على تجربة، نعم لها من الخصوصية والتفرد ما لا شك عند أحد فيها، والحقيقة التي أرجو تقصيها في هذه الموضوعة، هي الكيفية التي نظر بها القائلون بالفصل بين التصوف والفكر أو العلم، إلى مفهوم (الفكر) ودلالته على الصعيد الفلسفي والديني والعلمي الصرف، ولعل القضية هنا تكتسب قدراً من الأهمية لأن مسألة التصوف الأساس فيها هو الدين –وتلك حقيقة قررتها الصفحات الماضيات من أن التصوف نشأ في أحضان الدين- هذا يعني أن التجربة الصوفية لا يمكن فصل الفكر فيها عنها للملمحين الآتيين:

 

أولاً: تتمثل حقيقة التصوف في جانب نفسي تركيبي يقع في أعماق النفس البشرية، ربما يصح أن تطلق عليه (استعداداً فطرياً أو غريزياً) يتلخص بأنه الإخلاص لفكرة وليس شرطاً أن تكون دينية وما هو عند الناس وسيلة وغاية، يصبح عنده غاية، فقط والممارسات والأفعال تؤدي لذاتها. هذا الاستعداد الفطري يحتاج أن يوقظ وقد تتم اليقظة عن طريق صدمة ما. من هنا صح أن يوصف أي مخلص لفكرة ما، بأنه متصوف في محرابها؛ قد يكون شاعراً، عالماً، موظفاً.. فالإخلاص قيمة وجدانية تفيد ارتباط أشياء الوجود من دون دوافع مادية.

 

ثانياً: دلالة (الفكر) يجب أن لا تنصرف إلى معنى علمي محدد. فالإسلام أرسى دعائمه على العلم والتفكير والتدبر لهذا شغل العرب بالقرآن وأمسى هو علمهم الذي ليس لديهم أصح منه، كما كان الشعر كذلك في الجاهلية، فيبدأ التصوف بعد أن يصل العالِم أو الإنسان العادي إلى مرحلة (يخلص) فيها نفسه لله، ولا يتم ذلك إلا بعد أن تمت له صورة عقلية لصفات الخالق عز وجل من خلال الكتاب الكريم والأحاديث الشريفة ثم التدبر والتفكير، ولولا ذلك لم يكن الغزالي (ت 505 هـ) رحمه الله، ينتهي إلى تلك الحقيقة اليقينية بعد أن اعتزل الناس واعتكف في بلاد الشام، فخلص إلى: (إني علمت يقيناً أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى خاصة، وإن سيرتهم أحسن السير، وطريقهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق، بل لو جمع عقل العقلاء، وحكمة الحكماء، وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء ليغيروا شيئاً من سيرهم وأخلاقهم ويبدلوه بما هو خير منه، لم يجدوا إليه سبيلاً، فإن جميع حركاتهم وسكناتهم في ظاهرهم وباطنهم مقتبسة من نور مشكاة النبوة وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به)( ).

 

والقول بـ فكريّة التجربة الصوفية، لا يمنع التفرّد الذي يكتنف تجربة كل متصوف، حسب مذهبه وطريقته، من هنا تحددت اصطلاحية النعت، فالصوفي لغةً واصطلاحاً يعني (الشخص الذي تمتع وحده بالتجربة الصوفية، بصرف النظر عمّا إذا كان يملك القدرة على حسن الأداء في وصف هذه التجربة أولاً، فالتجربة شرط أساس لا يغني عنه امتلاك أزمّة البلاغة، وروعة الوصف، وعمق التحليل)( )، ولهذا تعددت تعريفات التصوف، حتى أحصى منها أحد الباحثين أكثر من ألفي تعريف للتصوف( ).

لعل الذي حار فيه، من جعلوا التجربة الصوفية في جانب، والفكر في جانب آخر،.. هو كامن في طريقة الوصول إلى الحقيقة وليس الحقيقة ذاتها التي قرر سابقاً أنها إنسانية في نزوعها ونشأتها، فالتصوف يرمي إلى أن الحقيقة تكمن في الجانب الغيبي والمجهول من الفقه والشرع وليس في ظاهره، لذا فالوسائل المتبعة في الوصول إلى هذا الغيبي والمجهول، والباطني هي، بالطبع، غير الوسائل المتبعة في الوصول إلى القضايا الشرعية الظاهرة والأخيرة طريقها النقل والعقل، أما وسائل وصول الصوفي، فهي: (القلب، الحدس، الإشراق، الذوق..)( ) من هنا نشأ الرباط الوثيق بين التجربة والذات المجربة، ومن ثم النسبية في الرؤية والأحكام ودرجة الوصول، وهذا لا يعد تناقضاً بل اختلافاً مغايراً وهو تعدد في وسائل الوصول إلى هدف واحد.

 

3-التجربة الصوفية واللغة:

وما دام الكلام تقدم على التعبير ووصف التجربة الصوفية، تشخص حيال الباحثة مسألة لها قدر من الأهمية، مفادها: إلى أي مدى يمكن الإحاطة بإبعاد التجربة الصوفية، سواء أكان الشرح والتعبير والوصف مقدماً من المتصوف نفسه أم عن طريق غيره، ولا سيما إننا لا نغفل الزعم الذي يستشري عند المتصوفة وهو، كون تجربتهم عصية على الوصف، والشرح، والتفصيل( )، فمن أراد أن يصدق ويشعر ويذوق، عليه أن (يجرب) بنفسه؛ فالتعبير لا يغني عن التجربة بمعنى أن التجربة فوق اللغة، تستمد طاقتها الهائلة والمعجزة من فيضها الاستبطاني الذي يلج في أعماق النفس فاحصاً أصول النوازع ويحاربها لتسمو إلى التوحد بجوهر الشخصية الإنسانية وأصلها الإلهي، وأحياناً إلى الاتحاد والفناء فيه.

ومما يؤكد هذا المنحى المعرفي في حقيقة التصوف والآراء التي تربط التصوف بالمذهب الشيعي أحياناً أو السُّنّي أحياناً أخرى( )، وكلٌّ لـه دلائله ومسوغاته في إثبات مرجعية الأفكار والممارسات الصوفية إلى أقطاب إسلامية وشخصيات أثيرة في تاريخ الإسلام( )، وما دامت هذه الدراسة غير معنيّة بالتفصيل في هذه المسألة، يكفي أن نستخلص منها النتيجة الآتية: إن التصوف كيان فكري ومنظومة معرفية بدأت بالدين ولم تكتفِ به، صاغت لفكرها مقولات تأسست عليها نظم التفكير والممارسة، وهي في الغالب ثنائية أساسها التضاد كـ(الظاهر والباطن) و(الحقيقة والغيب) و(الكشف والخفاء).. إلخ فبمقدار ما يرتقي الصوفي في فهم حقيقة الدين على وفق هذه القاعدة الثنائية، والمقدار الذي ينتهي إليه تصوره الخاص عن موضوعة (الإنسان/ الإله) فالأساس الراكز هنا هو (موضوعة الدين)، وقد يسأل سائل عن فكرة الدين وإمكانية كونها تجربة روحية خاصة نظر إليها الصوفي، واستوعاها، فمُثلت في سلوكه وأحواله؟ الإجابة يَهتدي إليها عن طريق الفكرة البسيطة الآتية: هل الدين نظام روحاني فقط، أم نظام عقلاني فقط، أم حسي فقط؟ فإذا ما كانت الإجابة أن الدين بنية منظومية متجانسة بين الجسم والروح والعقل، ولكي يستقيم كلّ لما خلق له، جاء الدين ليقوّم سير كل قوة بحسب مرتبتها وعلى مقدار الاختيار، تتحدد السبيل التطبيقية لفلسفة الثواب والعقاب.

 

4-مراحل صياغة المفهوم:

إن مفهوم التصوف –الذي تسعى هذه الدراسة التمهيدية المتواضعة إلى تحديد أبرز سماته- لا ينبغي النظر إليه جملةً وبمعزل عن المؤثرات التاريخية والحضارية المختلفة التي غيّرت من مفهومه وطوّرته من جهة (المجرِّبين) أنفسهم، أو من قِبل الناس وتقديرهم لفكرة التصوف والمتصوفين. تأسيساً على هذا، لا بد أن نقوم بمسْحٍ موجز عن البعد التاريخي لمفهوم التصوف.

عُلمَ سلفاً، إن التصوف نشأ في بيئة الدين والزهد، والمعنى الزهدي استمر بوصفه أحد أهم سمات التصوف من حيث الانقطاع عن الدنيا والاشتغال بملذاتها وقد بدا ذلك واضحاً عند الصحابة والتابعين، وكانت بيئة البصرة أكثر الأمصار الإسلامية اشتهاراً بصفة المبالغة في العبادة، حتى قيل، (فقه كوفي وعبادة بصرية)( )، وكان ذلك في مطلع القرن الثالث الهجري، بيد أن الاصطلاح الصوفي وتعيين جنس من الناس تسلك هذا المسلك قد ظهر قبل هذا الزمن، ولكل ثمة دواعي وأسباباً حالت دون الإفصاح عن منهجهم وطريقتهم للأسباب الآتية:

 

أولاً: مثول شخصية الرسول الكريم محمد()، في العقول والأذهان، بوصفها مثالاً نابضاً بالمعاني المقدسة التي جمعت علم السماء والأرض.

ثانياً: خشية المسلمين من نسبة فعلهم الصوفي إلى (الرهبنة) في الديانة النصرانية، والتي عدها القرآن الكريم بدعة ابتدعوها.

ويضيف الأستاذ إبراهيم بسيوني( ) سبباً آخر تمثل في استغلال بعض الأدعياء والمضلين، فكرة التصوف فأدخلوا لهذا المذهب مزاعم شتى ليست من التصوف في شيء، ولا يمكن أن تملك في نظامه، لهذا أنكر الحسن البصري وابن السماك على هؤلاء الأدعياء مذهبهم.

 

فإذا كانت هذه الدواعي، هي التي حالت دون نضوج فكرة التصوف واشتهارها قبل القرن الثاني الهجري، فإن ثمة طائفة من الشكل البارز للتصوف في العصر العباسي الأول وأخريات الدولة الأموية، التي وقعت فيها دولة الإسلام فيما سمي بمرحلة (الهرم) بحسب تعبير ابن خلدون( )، وكان انشغال الدولة الأموية بانتصاراتها في الفتوحات واتساع رقعة الدولة، بصرف نظر الناس عن الفساد الاجتماعي، وضعف الروح الأخلاقية، حتى بلغ الأمر في العصر العباسي حدَّاً تفشت فيه مظاهر المجون والفساد بسبب انفتاح الدولة العربية على البلدان المجاورة والمفتوحة، وتكدس رؤوس الأموال، وظهور الطبقية الاجتماعية، والامتزاج الحضاري والاجتماعي أدى إلى امتزاج ثقافي أخلاقي، فأنتج هذا الامتزاج فكراً هجيناً، وقف منه الحائرون على شفا جرف هار، أما الانغماس وأما الانعزال.. وبدا لهم طريق الخلاص في ضربين من الممارسات: الأول تمثل في التخلع والمجون، والثاني: الذهاب إلى أقصى الجهة المقابلة، حيث الانعزال والتصوف والنقاط، وكلا اليمين واليسار، تطرف، زاد في حدته استمرار الخلافات بين أركان الحكم العباسي ولا سيما حرب الأمين والمأمون، ناهيك عن ذيول حروب بني أمية مع بني العباس التي لم تنقطع، التي أدت إلى شيوع العنف وسياسة البطش بالمخالفين، فانحسر العلماء والزهّاد، عن هذا المسرح الصاخب، بعد أن أسقط في أيديهم. فظهر هذا (الهدى) الذي لم ينتشر إلا من حيث انتشر (الضلال)، وهذا شأن الحضارات المتقدمة، حيث تصبح أرضاً صالحة لتجاذب آراء شتى، ولا يلغى في هذا الجانب وجود الحالة الوسط التي تأخذ خط الاعتدال والموازنة والإفادة من إيجابية اليمين والإيجابية التي في اليسار دون الركون إلى أحدهما، الجانب الذي يعنينا هنا، هو الفئة التي اختارت الشكل الخالد في الحياة، العلم، العبادة والتفكير، التي بفضلها نشطت من جراء جهودها، علوم الفقه والقرآن والحديث ثم علم الكلام ليحتل مكانة طيبة في حلقات العلم ونتيجة لذلك الجدل والمحاورة والقبول والرفض، نشط الوعي المقارن الذي يستنبط ويوازن ويدعم، فكان للمعتزلة دور كبير في تأصيل مفهوم التصوف في إطلاق الحرية للعقل في التفتيش عن الجانب الغيبي من الحقيقة الدينية. ولهذا لا يمكن أن يحدد مفهوم للتصوف إلا من خلال رؤية تزامنية ترد على النحو الآتي:

 

أولاً: يقف الزهد والتقشف والرغبة في التطهير والنسك، في طليعة سمات التصوف في أدواره الأولى منذ القرنين الأولين للهجرة، أفاد التصوف فيها من سيرة الرسول () وصحابته الكرام والتابعين، وامتازت في هذا الإطار بيئتان هما البصرة والكوفة، فكان الحسن البصري (ت 110 هـ) ورابعة العدوية (ت 185 هـ) والمحاسبي (ت 243 هـ) وذو النون المصري (ت 245 هـ) وأبو يزيد البسطامي (ت 260 هـ) والجنيد (298هـ) وقبله التستري (ت 273 هـ) ثم الحلاج (ت 309 هـ) في قوله بالحلول وأبو بكر الشبلي (ت 338 هـ). تمثَّل الزهد عندهم بالمبالغة في أداء الفرائض والاجتهاد في العبادة( ) وصولاً إلى رقي أخلاقي ورياضة روحية تعرج بالنفس إلى العُلا، ولم تكن الطريق ممهدة أمام هؤلاء؛ فقد رافقتها مشاعر قلق وخوف على أصول الإسلام وعلى دعائمه من بدعة التصوف تزعَّم هذه الحركة الإمام ابن حنبل (ت 241 هـ) على الرغم من أنه ارتضى الموقف المعتدل ولكن اتباعه نكلوا بالصوفية حتى بلغ الأمر ذروته في محنة (غلام الخليل ت 262 هـ) وفيها اتهم نحو سبعين صوفياً بينهم الجنيد شيخ الطائفة ببغداد، وحوكموا( ) وخلال ذلك ظهرت في النص الثاني من القرن الثالث فرقة صوفية دعت لنفسها اسماً هو (الملامتيّة) والتي عنوا بمجاهدة النفس وكتمان الحسنات مع تعمد المخالفة والظهور في الناس بالمظاهر التي تثير لومهم، وقد فسدت تعاليمها على المتأخرين من معتنقيها، في شكل صور وسلوكيات شاذة. وحين بزغ القرن الرابع الهجري، أشرق عصر ذهبي للتصوف انتعشت فيها علومهم وكثرت رجالاتهم ومريدهم، حتى كاد الأمر يستتب لهم ولا سيما على يد المعتزلة والفلاسفة حتى صار التصوف فلسفة إسلامية أخلاقية على يد ابن سينا وابن رشد والفارابي، لولا أن مجيء القرن السابع الهجري الذي كفرت فيه الصوفية على يد (ابن تيمية ت 728 هـ)، وثمة توضيح دقيق لأصول هذا العداء بين طبقة الفقهاء والصوفية يراه الأستاذ توفيق الطويل متمثلة في (إن الدين قد أصبح في يد الفقهاء رسوماً وأوضاعاً لا حياة ولا روحانية فيها، وهي إن أرضت ظاهر الشرع، وأشبعت عقول المشرعين المفتونين بتقعيد القواعد وتعميم القوانين، فإنها لا تتسق مع باطن الشرع ولا تتبع العاطفة الدينية، من هنا انقسم علم الشريعة عندهم إلى (علم ظاهر الشرع) يدرس العبادات والمعاملات، وهم أهل الفقه، و(علم الأعمال الباطنة) أي أعمال القلوب وهو التصوف، أو علم الحقائق وباطن الآيات ينكشف للخواص من عباد الله الذين اختصوا بهذا الفضل وهو التأويل)( ).

 

ثانياً: سلوك ديني، أخلاقي مخصوص، في مواجيده وصورته المغايرة للمألوف عند الناس من العابدين من حيث تقريب صورة الحق العلية وجعله مرتقى النفس الصوفية التي تجتهد في الوصول إليه والاتحاد به، وسُلّم الترقّي هذا طريقه (المحبة) قال تعالى:

 

قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم( )، وتمثلت صفات هذا الحب وخصائصه في جملة لواعج عاناها الشاعر العذري، من هنا نشأ ذلك الربط بين الحب الإلهي والحب العذري، والدليل على ذلك يقوم على (إن الإسلام يستعلي بالغرائز ويسمو بالعواطف.. ثم تجاوزوا نظرتهم المثالية للحب الإنساني إلى القول بالمحبة الإلهية، قد كان فكرة الحب العذري مرحلة لا بد منها في تاريخ العاطفة للوصول إلى مرتبة الحب الإلهي)( ). فكان طبيعياً أن تتماثل الصور والرموز والتشكيلات الانفعالية الوجدانية التي تجسدت في النص الغزلي والنص الصوفي، فكان الشوق والوجد والهيام والدلال، هنا يضاف دليل آخر على أصالة التوجه الصوفي عند العرب المسلمين؛ من حيث كونه استجابة لمؤثرات الأديب إطاراً جمالياً مؤثراً تتباين أشكاله ومضامينه.

 

ثالثاً: تطور التصوف مفهوماً ودلالة وفكراً، إلى معان فلسفية، فارتبط علم التصوف بالمعرفة بمختلف مناحيها في العصر العباسي، لهذا يتعذر على أي باحث في الفلسفة العربية الإسلامية، أن يتجاوز علم التصوف الذي تطور إلى مفهوم شمولي لمصطلح العلم، وقد عبر (الغزالي) رحمه الله عن هذا التطور الذي نستخلص منه أن للتصوف دلالات فكرية علمية رصينة تبدأ بالدين وتنتهي بالعقل، حيث يقول: (إذا لم تكن النفس قد ارتاضت بالعلوم الحقيقية البرهانية اكتسبت بالخاطر خيالات تظنها حقائق تنزل عليها، فكم من صوفي بقي في خيال واحد عشر سنين إلى أن تخلص منه ولو كان قد أتقن العلوم أولاً، لتخلص منه على البديهة)( )، والغزالي في هذا الرد على بعض المتصوفة إنما يمنح التجربة الصوفية الذوقية الأصيلة أهمية بالغة في ترصين الشخصية الصوفية التي تفوقت في مجال العمل الأمر الذي عجز فيه المعتزلة وظلوا أصحاب النظر والفكرة( )، تميز الفعل الذوقي المغاير الذي عرف به الصوفية، لكي يدرك به حقائق الأشياء، بأنه (من ثمرات التجلي، ونتائج الكشوفات، وبوادر الواردات، وأول ذلك الذوق ثم الشرب ثم الري، فصفاء معاملاتهم يوجب لهم ذوق المعاني)( ).

 

يحكم هذه الطريقة الذوقية طابع التفرد والدهشة( ) فتتباين مراتب الصوفية بحسب درجات الوصول، لذا فإن هذه التجربة ليست تقنيناً محدداً بل تراكم خبرات تجريبية لها صفة الذاتية التي تختلف من صوفي إلى آخر، ويبدو لي أن مصطلح (الذوق) عند أوائل المتصوفة ومتأخريهم من أمثال ابن عربي (ت 638 هـ) وقبل السهروردي (ت 587 هـ) يأخذ شكل النظرية العملية ذات البعد النسبي، فكل تجربة هي مثال لذاتها –مع الاعتراف بالمشيخة الصوفية- هي خالص تجربة روحية فيها وجد واستغراق وتنقل بين أحوال ومقامات ومواقف، من هنا كان الذوق شرطاً أساساً ومستلزماً لتجربة التصوف؛ فالذوق فعل نسبي أساسه الميل والفطرة والرغبة فما يرغب فيه زيد لا يروق لعمرو، وهو عند هند لا شيء يذكر.. فتفاوت الأذواق بين التطرف والاعتدال لذا كان الذوق ضد التعلم، سبيله المعاناة والسلوك وليس السماع والنظر( ) فالتصوف ليس نظرية علمية بل تجربة عملية لها أبعادها العرفانية، ترى في العبادة طريقاً ثالثة ترقى على نمطي العبادة: الأول عبادة الرغبة وهي عبادة أهل الطمع، والثاني عبادة الرهبة وهي عبادة العبيد، أما عبادة الصوفي فهي عبادة الشكر والمحبة وحسن التقدير، وهذه لا يتسنم مرتقاها غير الأحرار( )، من هنا يمكن عد التصوف فلسفة الإسلام العملية في الأخلاق( ) والتي تؤدي إلى السعادة والغبطة الناتجة من التلازم بين التوحيد والأخلاق( ).

 

رابعاً: خصوصية المنجز الأدبي للصوفية، وتكاد تكون هذه الخاصية ناتجاً طبيعياً لتجربة مخصوصة ومنفردة، لذا كان التعبير الأدبي هو الإفصاح عن ذلك الجانب المنفرد من تجربة الصوفي عمن سواه، فتنوعت أشكال الكتابة بين شعر ونثر فني وحكاية، هذا تعدد أفقي، أما التطور العمودي فيتمثل في تطور آليات النوع الأدبي في تشكيل رؤية الكتابة بين المعنى والدلالة مع الحفاظ على روح التجربة الصوفية سواء أكان الكلام فيها على المجاهدات النفسية أم حديث عن الكشف والحقيقة، أم الإعراب عن الكرامات والخوارق، أو الشطحات التي تصل بفن التعبير الصوفي إلى أقصاه في رمزيتها وإيحائيتها( ).

فكما هو حال فلسفتهم في ظاهر الدين وباطنه، فهم في أدبياتهم يصرحون بربع الحقيقة، فالدارس حين يعنيه الأدب الصوفي لا بد أن يعمل فكره في النظر في مجمل آرائهم وفلسفتهم ومواقفهم كي يقف على بينة من المعنى الأدبي المراد الذي هو كامن في العمق والذي لا يتم الوصول إليه إلا بـ التأويل وطول النظر، فأدب الصوفية الرمزي حاله حال جبل جليدي لا يبدو منه إلا ربع حجمه الحقيقي الضارب في العمق، ولهذا الترميز الذي يلجأ إليه الصوفي، دواع أفاضت بالكلام عليها مظان التصوف؛ قديمها وحديثها، نحاول إيجازها في سطور قلائل. يعتقد الصوفي أن مذهبه وما وصل إليه هو استمرار لنبوة الأنبياء وكرامات الأولياء، منها يستمد نور هدايته، ومن تعاليمها وإلهاماتها يمشي في الناس، فهو داعية لهذا الفكر النوراني، فهو بين أمرين:

 

الأول: ضرورة ملحة على البث والتعبير والإيصال.

الثاني:قناعة تامة بقصور إدراك الناس لصنعته، منهم بين مكذب ومسفه ومكفر، بدت نهاية النفق المظلم في هذه الإشكالية عند الصوفي في صيرورته إلى عدم التصريح بكامل الحقيقة التي وصل إليها، وأكثر من انطبع بهذا الميسم، كان من نتاج القرنين الثالث والرابع الهجريين، عصر نضج الفكر الصوفي وكثرة شيوخه –وتنوع طرقه وكثرة سالكيه، وظهر التصوف فيها علماً مداره بواطن القلوب وأسرار النفوس، بينما مال التصوف إلى الركود في القرن الخامس، فلم ينهض به سوى (الغزالي ت 505 هـ) وعلى يديه ظل التصوف صوره لحياة الروحية في الإسلام، بعد أن عزف الناس عنه وعدوه مروقاً عن الإسلام، فالتزم الغزالي بالأصول السنية للتصوف، وجعل التصوف خارج دائرة الفلسفة وعلم الكلام كما شاع النظر فيه عند فلاسفة الشرق وأهمهم ابن سينا (428 هـ) وكذلك فلاسفة المغرب مثل ابن ماجة (ت 533 هـ) وابن طفيل (ت 581 هـ) وقبلهم ابن رشد (ت 395 هـ)، بل جعل التصوف طريقاً إلى الله وصفاء النفس ونيل السعادة، ومن جانب آخر هو سبيل للمعرفة يفوق الطرائق التجريبية الاستدلالية، فطريقة الكشف الذي يوصل إلى اليقين. نتيجة لأسباب حضارية وتاريخية وثقافية أيضاً، ظهر التصوف بطابعه الفلسفي في القرن السادس الهجري بدءاً بـ (السهروردي ـ 586 هـ) في حكمته الإشرافية، وابن عربي (ت 638 هـ) في وحدة الوجود، وابن سبعين (ت 668 هـ) في الوحدة المطلقة وابن الفارض (ت 632 هـ) في قوله بالوحدة الشهودية. والناظر في النتاج الصوفي لهؤلاء الفلاسفة يدرك النقلة الكبيرة التي أحدثها الفكر المتمازج مع فكر الأمم والحضارات الأخرى مع حضارة العرب المسلمين( )، وما كاد يبزغ القرن السابع الهجري حتى انحدر الوعي الصوفي إلى مرحلة الهرم، وليس فيه إلا اتكاء على تعاليم السابقين، وارتدى التصوف رداء (الطرق الصوفية) التي انصرف جهد زعمائها وشيوخها إلى (كشف حجاب الحس الذي هو نهاية المراتب الصوفية، ولما وراء ذلك على المدارك والمعارف، واختلفت طرقهم في الرياضة والمجاهدة وأمانة القوى الحسية)( )، من هنا، نلحظ هذا الربط الوثيق بين مفهوم التصوف وتطوره خلال المراحل التاريخية العربية، ولأجل هذا فقد ميزوا في تاريخ التصوف ثلاث مراحل مهمة:

 

- انمازت الأولى بكونها فترة إثبات الهوية والصراع من أجل الوجود، انحصرت في القرون الثلاثة الأولى من الإسلام.

- تطورت الثانية في محاولة التوفيق بين التصوف وخصومه، حتى توجت هذه المحاولات بتفوق عقلية ذكية أصيلة هي شخصية الإمام الغزالي في القرن الخامس الهجري، في الوصول إلى منظور متوازن ومعتدل لقضية التصوف، فضلاً عن محاولة أبي طالب المكي والقشيري.

- أما الفترة الثالثة فقد عنيت بالتاريخ لهذه الحركة ولمفاهيمها ورجالاتها، فاشتهرت بتصنيف أهم المؤلفات الصوفية التي حفظت لنا هذا التراث الخالد، وتمتد هذه الحقبة بين السادس والتاسع الهجريين( ).

 

5-تحديد مصطلح صوفية القص:

نخلص مما سبق، إلى تحديد القيم الوظائفية التي تتجسد في القصص، حتى أمكن أن يطلق عليها (صوفية)، وهو هدف الدراسة التمهيدية لمفهوم التصوف، بغية تشخيص عينة البحث عن القصص والحكايات؛ ما بين الواقعي منها والغرائبي، وما بين العربي منها والمترجم: على اختلاف أشكال العرض، وطرق التعبير، مستوى الابتكار والتمثيل لحقيقة التصوف علماً وممارسة وفلسفة. فمتى ما تجسدت القيم الوظائفية الآتي ذكرها، في النص القصصي، صحّ أن تكون (قصة صوفية).

أولاً: تأطير تجربة ذاتية، أو مروية، يراد بثها إلى المريدين والسالكين بغية إرشادهم إلى الطريق الصوفي، وأكثر ما يتمثل في هذا النوع، حضور المصطلح الصوفي بشكل واضح سواء أكانت القصص معقولة أم شطحات( ).

ثانياً: مضامين أخلاقية تستبطن الوعي الإنساني لكي تتم له أسباب الوصول إلى الحق تعالى، فيدرك الحقائق بلا واسطة بل إلهاماً، وترد هذه القصص في إطار رمزي إيهامي وأحياناً على لسان حيوانات، وتنحو نحواً فلسفياً بسبب التطور الذي أصاب مفهوم التصوف في العصور العباسية، فالقصة الفلسفية هي جنس من أجناس القصة الصوفية( ).

ثالثاً: رؤى ومنامات يكون لها طابع فلسفي أخلاقي عرفاني، لا تحدد بوحدة وظيفية واحدة بل لها جملة وظائف، يصف فيها الصوفي –حقيقة أو تخيلاً- تجربة وقعت له، وفنية هذا اللون من القصص تعلو على سابقتها لما فيها من توظيف لعناصر التخييل.

فإذا ما صدرت القصة أو الحكاية، عن أحد هذه المضامين الموضوعية –أو كلها، استأهلت أن تنضوي تحت لواء مصطلح القصة الصوفية، هذا فضلاً عن صدورها عن باث متصوف خص جهده الحكائي لغاية صوفية، ولغرض الوصول إلى أهداف الصوفي من الحكاية، أجد من الضروري المرور بإيجاز على أجناس الكتابة النثرية عند المتصوفة.

 

6-أجناس النثر الصوفي في العصر العباسي:

التصوف، تجربة لها فكر هدفه ابتكار صورة مثالية للإنسان ضمن سياقات معينة، والكتابة الصوفية، تبنت هذا الفكر والهدف، وحملت مضامينه فوسمت به، ولكي نوسم نوعاً أدبياً بمذهب وفكرة، لا بد وأن يكون حاملاً لها، صادراً عنها، فهو (التزام) أدبي، لأن اللغة التي يشترك باستعمالها أبناء جلدة ما، لغة غير موظفة، المادة الخام فيها صالحة ومهيأة لإنتاج أشكال قولية موجهة وموظفة لمنحى فكري دون آخر، وعلى مقدار التوفيق في هذا التوظيف، تكتسب اللغة بعداً غائياً، وليست فقط واسطة لنقل الأفكار، بدليل أنه يمكن نقل الفكرة الواحدة –لغوياً- بكيفيات تعبيرية متعددة تختلف في مستوى بنائها وتأثيرها في متلقيها. ولا تكتسب هذه (اللغة الموظَّفة) هويتها وتصنيفها الأجناسي، إلا إذا توفرت على جملة أركان لا بد أن تتوفر عليها هذه الكتابة، ومنها الكتابة الصوفية، والأركان هي: (الغرض المتحدث عنه، والمعجم التقني، وكيفية استعماله، والمقصدية، وهذه جميعاً تكون وحدة غير قابلة للتجزئة)( )، ومتى ما توفرت هذه الأركان الأربعة، أمن أن تكون كتابة ما جنساً أدبياً غير مشوب بغيره. والداعي إلى تسطير هذه الأركان والحاجة إليها، أمر دعت إليه تلك التعددية أو التنوع في المنجز الصوفي النثري، فضلاً عن الشعر، فيتضح الغرض الذي من أجله تمت نية القول وتحددت بمعاني التصوف وأهدافه الدينية والعقلية والأخلاقية، وباستخدام معجم اصطلاحي صوفي، يدرك شفرته المعنيون بالتصوف أو المتوجه به إليهم، ويتم استخدام هذا المعجم بقصد صوفي فقد يشترك في اصطلاحات هذا المعجم أهل الحب العذري مثلاً ولكنهم لا يقصدون إلى المعاني التصوفية، وتتصف مقصدية التصوف بحضور شخصية المتقبل، فالنصوص موجهة إلى جيل المريدين والسالكين تبصرة لهم وتعليماً وإرشاداً، هذا لا يعني وجود نص نثري أدبي فني خالص بين دفتي مؤلّف، بل قد يندرج النص الأدبي ضمن كتب الطبقات الصوفية والمصنفات العلمية المختلفة في موضوعاتها التي تنحو نحواً موسوعياً مثل (رسائل إخوان الصفاء)، أو أن يكون نصَّاً أدبياً خالصاً مستخدماً لغة رمزية عالية في طرائق أدائها التعبيرية والأسلوبية، مثل (المواقف والمخاطبات) للنفري، وعلى وجه العموم يمكن، إدراج الأشكال النثرية التي يتأطر بها النثر الصوفي الذي تهيمن فيه القيمة الأدبية أكثر من القيمة العلمية، والأشكال هي:

أولاً: مناجيات لله (عز وجل) والتضرع إليه في شكل تراتيل وأدعية وأوراد تقترب كثيراً، لغتها من لغة القرآن الكريم وفيها توخٍ لملامح بلاغية في التعبير.

ثانياً: نصوص الحكمة والإرشاد، تطول أو تقصر، وتتسم بالمعنى الشمولي في لغة خطابية واضحة.

ثالثاً: المقامات والأحوال والمواقف (هذا الضرب من النثر الصوفي قد جاء عند ذي النون المصري على أسلوب الأقصوصة والحكاية، تارةً، وعلى الأسلوب التعليمي، تارةً أخرى)( ).

 

فالملاحظ هنا، توافق جميل بين غزارة الشكل وغزارة المحتوى في المنجز الصوفي النثري، بمعنى إن سعة التجربة الصوفية وشمولية وعيها الديني وموقفها الاجتهادي من الشريعة، جعل فكرها يستعصي على الركون إلى جنس أدبي معين، ويعد هذا التنوع ملمحاً من ملامح التأليف الصوفي البارزة( )، قياماً على ذلك، تطورت طائفة من الأنماط النثرية كالرسائل مثلاً والتي تحمل في طياتها أسلوب الوعظ المباشر والإرشاد والتوجيه يغلب على أسلوبها التكلف والصنعة والمحسنات، فهي فكرية، دينية، وعظية، أكثر منها أدبية فنية، ويلحق بالرسائل نمط التأليف في علم الأحوال والمقامات ومعرفة النفس وتزكيتها( ) وبروز لهذا النمط من التأليف تياران؛ الأول: سنّي، يتحرى الشريعة ولا يتعدى حدودها، الآخر: اجتهادي، لا يخلو من تطرف في تأويل الأصول الدينية( ).

* يمثل التيار الأول سهل بن عبد الله التستري (ت 273 هـ)، حين يقول: (عوِّدوا ألسنتكم وقلوبكم الشكر على ما أنعم عليكم..)( ).

* أما التيار الثاني، فيمثله قول أبي يزيد البسطامي (ت 260 هـ)، وكذلك النفّري.

(أول ما صرت إلى وحدانيته، فصرت طيراً جسمه من الأحدية، وجناحاه من الديمومة فلم أزل أطير في هواء الكيفية عشر سنين حتى صرت إلى هواء مثل ذلك مائة ألف ألفَ مرة، فلم أزل أطير إلى أن صرت في ميدان الأزلية، فرأيت فيها شجرة الأحدية، ثم يصف أرضها وفرعها وأعضاءها وثمارها.. إلى أن ينتهي فيقول: (.. فنظرت فعلمت أن هذا كله خدعة)( ).

والملاحظ، أن التيار الثاني، يلجأ إلى وضع لمسات فنية على الثيمة المراد الوصول إليها، فيوردها في شكل قصصي حتى تطورها إلى فن خاص يختلف عن فنون الرسائل والأحوال والمقامات، حتى ظهر الاعتقاد أن فن الحكاية الصوفية، أول أنواع التعبير الصوفي ظهوراً( ).

 

7-بدايات القص الصوفي:

انطلاقاً مما انتهت إليه الوريقات السابقات، من أن المصدر الديني الإسلامي، كان المحرك المؤثر والأساس. وليس الوحيد –للفكر الصوفي، لذا فنحن حين نبحث في إرهاصات القصة وبداياتها عند المتصوفة، لا بد وأن نعي الأثر الذي بثه في النفوس القصص القرآني فكان المنبع الذي تربت عليه ذائقة الصوفي، وتأثّر بها وبطريقة عرضها الأحداث، والتي يصيبها بعض التغيير بين آية أو أخرى في القرآن الكريم( ) تتكرر فيها القصة ذاتها، تبعاً لمقتضيات إعجازية فصلت فيها المظان المشار إليها. فما كان القرن الأول الهجري حتى صار للقصص الصوفي قصد مخصوص ظهرت بوادره عند (سليم بن عتر التجيبي) الذي كان يستمد أقاصيصه عن الإسرائيليات حتى سمي (ذلك مصر وقاصها)( )، تتمحور أقاصيصه، في غالبيتها، حول الوعظ والتوجيه الديني، وما أن أشرق النصف الأول من القرن الثاني حتى أخرياته وبدايات الثالث الهجري، حتى تغير الطابع واختلف الهدف، فأصبحت القصة الصوفية إسلامية عربية تستمد وجودها وهويتها من البيئة العربية الإسلامية، وليس من الكتب السماوية السابقة كالإنجيل والتوراة، لذا نجد الروحية العربية شاخصة في حكايات (ذي النون المصري) حين أطر تعاليمه الصوفية وآراءه في شكل حكايات يبثها لمريديه لتهيأتهم لتقبل آرائه( ).

 

أما في القرن الرابع الهجري، فقد أصبحت القصة الصوفية، تمضي إلى الجانب الخارق في التجربة الصوفية، والذي دعي عندهم بالكرامات، التي يتمتع بها طائفة من شيوخ التصوف التي هي درجة أدنى من النبوة التي تختص بـ (المعجزات) دليل نبوتهم، وفي هذا القرن اتسع مدار تطور النثر الصوفي نحو ترميز المعنى حتى لقد استغلق على جملة الناس، من حيث عدم تبين حقيقة المقصود، مع مسحة جدلية لا تخلو من تعليل وتحليل، وتكثر فيه الاصطلاحات الصوفية كالغيبة والشهود والفناء،.. إلخ وغالباً مالوا إلى السجع، في نثرهم مع إكثار من المحسنات البديعة كالطباق والتورية( )، وبرز (التضاد) واحداً من أهم أسس تشكيل المعنى عند الصوفية، نتيجة لرؤيتهم الثنائية للوجود والشريعة ويلخصها قولهم في (الظاهر والباطن) والحق إن تطور النثر الصوفي أكثر ما نما وازدهر في غضون هذا القرن؛ إذ أن العصور التي تلته السادس والسابع الهجريين، توجه الاهتمام فيها إلى التأليف وتدبيج التصانيف الخاصة بعلم التصوف وتاريخه ومشايخه وموضوعاته فضلاً عن التأليف في مباحث العقيدة والتوحيد والمقامات، والأحوال، وغيرها.

 

ولعل تأخر الاهتمام بالقصص والحكايات وقلة المصنفات الحكائية المستقلة يعود إلى أن قريحة العربي وذائقته، شعرية، في الدرجة الأولى، وظل النثر متأخراً عن الشعر في الاهتمام، والتطور والرواية بل حتى عدت الحكايات هي من شأن المسامرين والدهماء من العامة، أو لتسلية الحكام وولاة الأمور، لذا لم يحظ هذا الفن بالعناية المطلوبة، ذاك أنه من حيث الوظيفة لم تستطع القصص والحكايات أن تنافس الشعر في بلاطات الأمراء والخلفاء والقادة مضافاً إلى ذلك أن قدرة (الحكواتي) بدلالة (المحاكاة) بمعناها اليوناني التي يشترط فيها دلالتين، الرغبة في التسرية والحكاية أي التقليد( ). ولعل التطور الحضاري الذي سرى في مفاصل الدولة العربية الإسلامية، وعلو قيمة الكتابة بعد أن تصنفت العلوم وبدأت تميل نحو الدقة والتحديد، هو الذي خفف من حدة الهيمنة التي كان يمارس الشعر على الذائقة العربية محموماً، وبخاصة في مزيته الارتجالية. لهذا ظهرت بوادر قصصية أخذ البعض منها شكل المهارة اللفظية، والعرض اللغوي والبراعة في امتلاك أزمة البلاغة، كما هو أمر (المقامات) التي بلغت أوج تطورها ونضجها عند (الهمداني والحريري) فضلاً عما ذكره صاحب الفهرست في ثبته الخاص بأسماء المضحكين والندماء وأصحاب الحكايات العجيبة، وأخبار الفساق وحكايات الجن( ).

 

ولولا جنوح المقامة نحو التحسين اللفظي والبراعة الاستعراضية المصنوعة في الشكل اللغوي، لكان يمكن أن تضيء المقامة درباً جديداً لتطور القصة العربية، هذا ولم تكن المقامة وحدها هي المنجز الحكائي العربي الوحيد في هذا العصر، بل لقد سبق لها محاولة قصصية لم يرتض مؤلفها أن تكون مقامة أو من جنس الحكايات الخاصة بالتسرية والفكاهة، هي (حكاية أبي القاسم البغدادي) لمؤلفها محمد أبي المطهر الأزدي( )، يقول في مقدمتها، إنه ينشئ نوعاً من الأدب لا هو بالمقامة، ولا هو بالرسالة، وإنما هو صورة واقعية تصور أحوال البغداديين، وتظهر الواقع الاجتماعي الطبقي، يسرد في شكل قصة تتخللها نماذج الشعر وقطعاً من النثر البليغ، مع نقل عبارات طويلة عن الجاحظ( )، ويقتصر الحوار فيها على شخصية واحدة، فالذي يظهر من هذه القصة، أن المؤلف اقتبس نتفاً من مؤلفات الجاحظ (ت 255 هـ) ( )، واطلع على نمط المقامات التي وضعها الهمداني، وجاء من بعده الحريري (516 هـ)، فهو قد أفاد من عرض تقنيات القص التي ظهرت واضحة في نمط المقامات، وهذه الحقيقة صرح بها الحريري من أن مقاماته حكايات( )، فبهذا المعنى انطلق عمل أبي المطهر في نسج حكايته التي لا يعدها مقامه، فحكايته لا تلقي وقوفاً على جمع من الناس كما هو حال المقامة، بل هي حكاية جمعت بين التاريخ –حقائقه الملموسة التي سجلها الجاحظ- وبين أسلوب القص، وهي بهذا المعنى، حكاية بالمعنى الذي قصدته الكلمة اليونانية من المحاكاة، وهذا الذي جعل بعض الباحثين، تعد حكاية أبي المطهر من آثار مذهب أرسطو بتمامه على يد يونس بن متي (ت 328 هـ) ( )، ولست أرى في هذه المسألة هذا الرأي؛ لأن أرسطو فرّق بين التاريخ والأدب، وبين الحقيقة التاريخية والحقيقة الأدبية، في حين أن العربي منذ القِدم كان الشعر ديوان علمه وسجل فخاره وأيامه وتاريخه الشخصي والقومي، وإنما قيل بتبعية النموذج الحكائي العربي للنظرية الأرسطية، فتلك سُنة من يجرد العرب من كل فضيلة وصنع أصيل وينسبها للغرب، فلم لا يكون المؤثر القريب وجدانياً وأسلوبياً، هو القرآن الكريم والأقاصيص التي سردت في القرآن، حتى إنني أجد في التزام قصاصي القرن الرابع الهجري بالسجع والتقطيع وتوخي الفنون البلاغية والمحسنات البديعية، ما هو إلا احتذاء وتشبّه وتأثر بأسلوب القصص القرآني وحضور الفاصلة القرآنية في تقطيع الحدث القصصي وترتيبه أو اختزاله.

 

من هنا، افترقت القصة الصوفية عن مجايلاتها من أنماط الحكايات الأخرى التي أخذت طابع الفكاهة والسخرية والنقد الاجتماعي والتسجيل الأدبي بالاستعانة بالتاريخ، في أن القصة الصوفية، موضوعياً، التزمت وحدة متعددة تخدم غرض التصوف وأهدافه الدينية والأخلاقية والمذهبية الخاصة، فكان لها انتماء واضح، وهوية مشخصة، ومن الناحية الفنية التزمت الأسلوب العربي البليغ التي تراوح بين الحكايات المباشرة والحكايات الرمزية، مع الاعتراف أن اللجوء للرمز لم يكن هدفاً شكلياً قُصد للتحسين أو العناية البديعية، إنما قصد لأهداف مذهبية لم يكن من السهل التصريح بها، لذا كانت القصة خير سبيل لاستبطان التجربة الصوفية، وضمان بثها وإيصالها إلى المريد والطالب في شكل تعبيري يشده ويدهشه، الأمر الذي يفضي إلى الإقناع وخلق الإيحاء المطلوب الذي يرجوه الشيخ الصوفي لمريده المبتدئ.

 

8-بواعث القص وموضوعاته:

لا شك أن الميل الحكائي لتصوير أشياء الكون وجدلية موضوعة الخير والشر، والحب والكراهية، والإنس والجن..، هو سمة إنسانية الطابع؛ ليست قصراً على جنس دون آخر أو حضارة دون أخرى، بدءاً بالأساطير البابلية القديمة والتي جاءت مدونة على ألواح الطين من أواخر الألف الثالث وأوائل الألف الثاني (ق.م)، والتي تم إبداعها في زمن يضرب في عمق التاريخ قروناً عدة( )، ثم تلتها الحضارة الفرعونية في الألف الثالث (ق.م)، وما خلفه الكنعانيون في بلاد الشام من نتاج أدبي يرقى إلى الألف الثاني (ق.م)، أما الحضارة الإغريقية وبخاصة (الأوديسة والألياذة) فلا يتجاوز زمن تدوينها القرن السابع أو الثامن (ق.م)، ومثل ذلك يقال على حضارة الهند القديمة، كان الأسلوب القصصي في رواية الأساطير والملاحم، هو أشهر سمة توحدت فيها هذه المنجزات في منحاها الأدبي الكتابي، وهذا أحد الأدلة التي تثبت تهافت نظرة الغرب الاستعلائية في النظر إلى الحضارة العربية وعدها شعرية وجدانية فقط غير مؤهلة لإنتاج لأعمال الدرامية الضخمة مثل ملاحم الإغريق.. فتاريخ العرب الحقيقي يبدأ من الحضارة البابلية العريقة والمتطورة وليس من (الجاهلية) التي تبعد عن أول الإسلام خمسين ومئة سنة أو مئتين على رأي (الجاحظ) (ت 255 هـ)، وأربعمئة سنة قبل الإسلام، على رأي (الأصمعي) (ت 210 هـ) قبله( )، وكان للعرب الأقاصيص والملاحم فضلاً عن الأشعار والترانيم التي ينشدونها في غزواتهم، وقد صرح بذلك المؤرخ الإغريقي (سوزيموس) القرن الخامس (ق.م)( ). وعلى سبيل المثال، ترد ملحمة (كلكامش) في خمس قصص موضوعها الرئيس البطل كلكامش، ثم الملاحم الثماني المشهورات (زو، وإيتانا، وإيرا، وآدابا، وأنيمركار، وسرجون الأكدي، ونرام-سين، ونرجال)( ).

 

وحين يكون الشعر العربي في عصوره الأولى، تدخل الروح القصصية في التركيب الفني لموضوعات الشعر بين بعديها الأسطوري والواقعي، مثل قصص الحيوان وقصص الغزل وقصص الكرم والبطولة( )، ولم يكن الأمر قصراً على الشعر؛ فلقد حفل القرآن الكريم بهذه الخصيصة في طرائق سرد لافتة للنظر والتأمل والاعتبار، حتى عُد وصف أحوال الأمم السالفة وقصص الأنبياء من آدم وحواء حتى النبي عيسى (ع)، أحد الأقوال الخاصة بالإعجاز القرآني( ).

 

فليس يستغرب إذن، أن يوجد هذا الكم الهائل من القصص والحكايات الصوفية والتي ضمتها تآليف المتصوفة ومصنفاتهم الأمر الذي يجعلها جديرة بحمل هوية فنية بوصفها فناً تعبيرياً مستقلاً (قوامه السرد المباشر الذي يكون أداة تشويق وإثارة، في عرض الحدث واقعياً كان أم خيالياً.. فالحكاية ضرب من الفن القصصي الذي هو فن قديم اتخذ تعويضاً للإنسان عن واقع سيء يعيش فيه)( ) فالحكاية، تحاكي الواقع ولا تتطابق معه، إذن لقد انتفت الحاجة إليها، إذ المطلوب من الفن أن يرسم صورة للواقع، وليس تسجيل الواقع ونقله، إنما قيمة الفعل الإبداعي الأصيل تكمن في الإمساك بتلك الهبة التخيلية التي تتوازن فيها رغبة الإعراب عن الواقع ومحاكاته، وبين الارتفاع عن الواقع، بما يحقق الإيحاء وليس الإيهام.. من هنا تتجلى أهمية العامل النفسي المتأثر بضغوط الحياة والتفكير في صياغة أسئلته الوجودية في شكل حكايات، والجانب المؤثر في متلقي الظاهرة القصصية، من ناحية سرعة الوصول والاستلذاذ، والتقبل، وقد بدأ الهدف الوعظي في طليعة الأهداف التي ينويها الصوفي؛ حيث يروي عن الجنيد أنه سئل: ما للمريدين في مجاراة الحكايات؟ فقال: له: فهل لك في ذلك شاهد؟ فقال: نعم –قوله عز وجل: وكلاً نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك( )، قياماً على ذلك، يتبين اتكاء الصوفية على هذه اللفتة القرآنية في قصد إحداث الأثر النفسي في قلب الرسول() وبعث الاطمئنان والسكينة والثبت في همته ويقينه، وأجد في هذه (الاتكاءة) ما يدعم القول السابق في مصدر التصوف الإسلامي والرسالة المحمدية الشريفة، فيكاد الصوفي لا يُسأل –وكثيراً ما يسأل- حتى يستحضر آية قرآنية أو حديثاً شريفاً أو منقبة لولي أو صالح، يتخذها مرجعاً إليه، وقاعدة فكرية يطمئن إليها في طريق تجربته الصوفية.

 

وإذا ما كانت الحقيقة الإجمالية، التي يقررها الباحث (علي صافي حسين) من أن (نشأة النثر الصوفي بمصر تتمثل في ظهوره. أول ما ظهر –في ثوب قصصي، وعلى شكل حكم وعظات تقال في الحاجة)( ) –خاصة بإقليم مصر (مجال بحثه)- إلا أنه يمكن إلمام هذا الخاص، فيمكن الاستدلال على صحة ذلك الإلمام بالمظاهر الآتية:

أولاً: تلك الكثرة الوفيرة من القصص والحكايات المنبثة في تآليف الصوفية –التي تيسر تحقيقها ونشرها- مثل كتب الطبقات الصوفية والتراجم ومؤلفاتهم المختلفة والتي تدخل في سياق كتب الأدب.

 

ثانياً:أجده له علاقة بفن القصة نفسه، فلربما سهولة اندياح النفس مع القصص بشكل يجعل من أسلوب القص والسرد حاملاً سهلاً وميسوراً لأكثر المتكلمين مما لو ضمن تجربته قصيدة شعرية فإنها تستلزم وقوفاً على قوانين القصيدة العربية والتي أولها الموهبة، وهذا ليس بوسع أي متصوف استحصاله. فضلاً عن التجربة الصوفية فيها تدرج وترتيب لأحداث قد تقف قوانين الشعر الإيقاعية حائلاً أمام زج مضامين التجربة الصوفية الخاصة.

 

هذا، وقد صرح بعض المتصوفة بمقاصدهم وأهدافهم من اختيار شكل الحكاية أو القصة وسيلة لإيصال مضامينهم الصوفية، التي يعنون ببثها إلى مريديهم، فقد [استعمل بعض المصنفين في التصوف] الحكايات –أداة تعبير عن المعاني الصوفية التي تدل على آدابهم، هذا أبو نصر السراج يذكر أنه لا يمكن ذكر آداب هؤلاء في معانيهم إلا بحكايات بلغتنا عنهم، يدل ذلك على آدابهم، وصحة مقاصدهم، وعلو مراتبهم، وأحوالهم وصفاتهم)( )، أما تعليل (ابن الخطيب) لإيراد الحكايات، فإنه يأخذ جانب التلقي والتأثير مسوغاً للقص فيقول: إنها (تجري دموع المريدين، وتؤثر في قلوب العارفين، وتهيج مواجد المحبين)( ). من هنا، تمثل اللجوء إلى القص وسيلة أدبية عند الصوفية لبث مواجيدهم الخاصة. والتعبير عن التجربة الصوفية، تطميناً لمقصدين مهمين:

 

المقصد الأول: تجنب الكشف عن العبارة المراد معناها الدقيق في النهج الصوفي، تحوطاً من مقابلتها بسوء الفهم، أو التأويل أو النبذ أو الازدراء، وهي معان (ذوقية، وجدانية يجدها الإنسان في نفسه، ولا يقدر أن يصورها لغيره إلا بضرب مثال، أو تجوز بعيد)( ).

 

المقصد الثاني: روعي فيه جانب التلقي، وحسن استقبال النفس للعظة أو النصيحة أو الحكمة أو المعلومة، إذا ما بثت في شكل قصة أو حكاية أو رؤيا حلمية لهذا لوحظ ملمح المبالغة والخارقية في بعض أحداث القصص والرؤى ومضامينها( ).

 

9-مرحلة التأصيل/ الملامح العامة:

تبين من خلال ما سبق، أن نشأة هذا الفن إبان القرن الأول الهجري على يد (سليم بن عتر التجيبي) وأبي الحسن الشاذلي؛ في أقاصيصه الأولى، ورؤى الثاني، ما يكشف عن أن ثمة ضرورة لنشأة الفن، وحاجة إليه لغرض التعبير عن الحقائق والأسرار وما يفيضه الله على قلب الصوفي من العلوم اللونية من خلال لقائه بالأنبياء والملائكة الأولياء)( )، وهذه الأقاصيص والرؤى ترد –في الغالب- بسيطة في سردها، ألفاظها خالية من التعقيد لأن الهدف منها ليس فنياً، بل ما سبق ذكره في الورقة السابقة، أو إثبات الولاية لشيخ صوفي كما حدث الأمر مع الشيخ (أبو الحسن الصباغ)( )، وإثبات كونه من أصحاب الخوارق ومنها هذه الحكاية (كان الشيخ أبو الحسن الصباغ (رضي الله عنه) جالساً في بعض الأيام عند جماعة من مريديه، فقال له أحدهم: يا سيدي المشاهد لأنوار جلال الله تعالى كيف نظره في الوجود؟ فقال بنظر السر القائم في الوجود الذي به استقام وجود كل موجود، فإن نظر إلى عاصٍ أحياه، وإن نظر إلى ناسٍ ذكره، وإن نظر إلى ناقص كمله، فقال له يا سيدي وما علاقة من هو موصوف بهذا؟ فقال: هو من نظر إلى هذا الحجر لذاب من هيبته، ثم نظر إلى حجر عظيم أصم بالقرب منه، فذاب الحجر وصار ماءً وغار في الأرض)( ).

 

إن هذا النمط من الحكايات يشترط (يفترض) أحداثاً ذات طابع لا معقول، أو هي من قبيل استثمار تلك القوة الواقعة بين العقل العملي وبين الحس المشترك على تعبير (الغزالي)، وهي متنازعة بين التفكير والتخيل( ) وهذه القوة ليست متشابهة في أصناف الناس بل هي مترتبة متفاضلة، قد تصل في بعض حالات قوتها إلى الاتصال (بنفوس السموات من خلال قوة التخيل( ) التي ينتج منها هذه الأفعال ذات الطابع الخارق للعادة وتعطيل قانون الأسباب المادية التي تسمى عند الأولياء بـ (الكرامة) وهي مرتبة من العطايا الإلهية أدنى من (المعجزة) التي اختص بها الله عز وجل الأنبياء والمرسلين، والكرامة من الناحية الأدبية التعبيرية هي (أقصوصة تحكي بالرمز إيمان البطل الديني بقدرته على الاقتراب التدرجي والشديد من الله ومن ثمة أخذ طبيعة إلهية توفر له إمكانية التشبه بالله من حيث الإرادة الحرة المطلقة)( )، الذي يعني البحث، من هذا اللون القصصي؛ وهو عنصر الادهاش والمفاجأة المتمثلة في (العقدة) مرتكز الثيمة القصصية التي توفر جذباً استقبالياً عالياً بسبب وجود خصيصة المفاجأة من هنا، أخذت هذه القصص مكانة طيبة في الدرس النقدي القصصي لأنها اتخذت سبيلاً وسطاً بين القصص الموغلة في السردية المباشرة التي تنقل الحدث الواقعي بفوتوغرافية فجة، وبين تلك التي تصل الحدث إلى حدود الإيهام والخرافة اللامعقولة، فكانت حكايات (الكرامات) أنضج من سابقتها لأنها نحت نحو (الخيالي) الذي بين (الواقعي) و(الإيهامي) فهي واقعية مجنحة وتلك صفة الأدب الرفيع والمخيل لأجل ذلك عدّها (د.فائز طه) من الحكايات الصوفية الناضجة من الناحية الفنية( ) لأنها حملت خصائص الفن القصصي المثير والممتع لما تضمنته من حدث غريب ومفاجئ يسرد على نحو مشوق، ثم اشتمالها على خيال واسع وحوار جميل مع ما تتضمنه من أدعية ومناجيات ووصايا وعبارات حكمية، وأحياناً يكون السرد على لسان الحيوان، كأن ترافق الصوفي فتفهم منه المعاني التي يقولها ويكون الحيوان واسطة تتمثل فيه قدرة الله (عز وجل) حين يستجيب لدعاء دعا به الصوفي في ألوان من الكرامات وخاصة عند الطيور( ).

 

وأصاب هذا الضرب من الحكايات الصوفية على لسان الحيوان، تطور كبير حين تطور مفهوم التصوف إلى دلالات فلسفية فكرية، من هنا لا أحبذ الفصل بين (القصة الصوفية)، و(القصة الفلسفية) التي ظهرت عند بعض فلاسفة العرب كابن طفيل لدواعٍ منها:

أولاً: من الناحية الفكرية، يدور الفلسفي على حقيقة استدلالية أساسها إعمال العقل في تفسير حقائق الوجود وإشكاليات الإنسان أي تأسست نظرية معرفية عند المسلمين يكون منطلقها (الدين)، يضاف إليه (العقل) في تأويل النص الشرعي وجعل النص بؤرة تحفظ ديمومته وقدرته على الانسجام مع متغيرات المكان والزمان بمعنى خلق فهم جديد ومتطور لحقيقة (نقلية) ثابتة مرتبطة بمناسبة قولها وظرفها، من هذه الزاوية يلتقي مفهوم التصوف بمفهوم الفلسفة، لأجل هذا حين صنف (الغزالي) الفلاسفة وسماهم (أصناف الطالبين للحق)، جعل المتصوفة الصنف الرابع منهم بعد (المتكلمين) وهم أهل الرأي والنظر، والباطنية وهم أهل الإمامة المعصومين والفلاسفة أهل المنطق والبرهان، ثم الصوفية وهم خواص الحضرة وأهل المشاهدة والمكاشفة( )، فالنظر العقلي والتصفية النفسية، ليسا طريقين للمعرفة بل هما مرحلتان في الوصول إلى الحق( )، لهذا (الغزالي) يستخدم كلمة (الحكماء) في موضع (المتصوفة)، فهو يساوي بين (الحكمة) و(التصوف)( ) فلا يقيم فاصلاً بين العلماء النظار وبين المتصوفة، إنما يجد الفارق في جهة زوال الحجاب( )، أي درجة العلم التي ينكشف عليها العالم بهدف الوصول إلى الحقيقة الكاملة.

 

ثانياً: الحقيقة التي يتلمسها الباحث في علوم العربية وآدابها، والتي تفيد بأن العالم العربي ذو معرفة موسوعية، آخذ من كل علم بطرف، مقتطف من كل بستان زهرة أو ثمرة، فالفيلسوف هو طبيب وشاعر وفلكي ومفسر ومحدث.. إلخ، وهذا واقع يتلمسه المثقف مع ابن سلام الجمحي والجاحظ وابن رشد وابن سينا.. ويطول هذا الثبت لمن شاء الإحصاء والإحاطة، على هذا، فالتفكير في مسألة (التخصص) في علم معين غير وارد، لعدم تبلور العلوم ونضجها الأمر الذي يجعل لها مناهج خاصة، وحدوداً خاصة لمديات كل علم فلا يجوز تخصيص علم على آخر، فضلاً على أن العلم اختيار شخصي ورغبة ذاتية تنهض في ذات العالم، فيطورها ويقويها استعانة بالمشايخ، من غير أن تنهض بذلك مؤسسة علمية لها طابع وتخصص وإمكانيات.

 

وعلى الرغم من ذلك، فقد يطغى علم ما على سائر العلوم الأخرى التي يجيدها العالم نفسه، كأن يكون جهده الفلسفي أكثر أو أعمق من المعارف الأخرى التي يقف عليها. وأجد في هذه المسألة بوادر لهوية علمية محددة، فكر بها العربي المسلم، حين اجتاحت حياته الجديدة في العصر العباسي، علوم شتى سواء منها الأصيل (الشعر والخطابة والفقه..) والوارد مثل (الفلسفة، والمنطق، والطب..) فالكثرة تدعو إلى التصنيف والرغبة في تحديد المعالم والقيام على تخصيص أو اثنين وإشباعهما درساً وتمحيصاً.

فالعلماء الذين كانت هويتهم العلمية (فلاسفة) –فضلاً عن موسوعية علمهم- سواء منهم ما كان في المشرق العربي أم المغرب، مثل إخوان الصفاء وابن سينا وابن طفيل وغيرهم، فقد كانت لهم تجربة صوفية، نعم، أخذت طابعاً فلسفياً، حيث تطور مفهوم التصوف من فهم الشريعة على وفق القاعدة الثنائية (الظاهر والباطن) إلى مفهوم ذي شمولية واتساع يشمل طرائق اكتساب المعرفة، وموضوعة الأخلاق، أضف إلى ذلك القدرة الأدبية التي امتاز بها علماؤنا، فأنجزوا شكلاً أدبياً متقيلاً حذراً من الوقوع في مخالفة الإجماع من الفقهاء وأهل السنة. فضلاً عن ذلك أن مجيء أفكارهم الفلسفية في سياق تعبيري أدبي، يمنحها طابع التأليف الأدبي الجمالي، الذي تعلو فيه القيمة الماتعة على القيمة الفكرية، منها إذا ما جاءت في شكل نظرية معرفية خالصة في لغة علمية، لكن هذا لا يمنع أن تتوشى لغة القصص باصطلاحات فلسفية ومنطقية( ) كما يظهر ذلك في الحديث الذي جرى بين الحيوانات عند إخوان الصفاء، ففي بعض هذه الحوارات نجد: (.. ثم اعلم أيها الملك العادل. إن هذه الصور والأشكال والهياكل والصفات، التي تراها في عالم الأجسام، وجواهر الإجرام، هي مثالات وأشباه وأصباغ لتلك الصور التي في عالم الأرواح)( ).

 

فكان الشكل الأدبي والأسلوب القصصي، يخلق إيهاماً متوزع التأويلات بحسب أصناف المتلقين، فما يفهم منها القارئ الصوفي والفيلسوف، غير ما يصل من مفهومها عند الفقيه أو رجل السلطة وثبت أن (المتصوفة/ الفلاسفة) في طريق بحثهم عن الحقيقة، تواجههم قضية التعبير عن هذه الحقيقة، فتقف (اللغة) ذاتها عاملاً مهماً في نسبتها، وقدرتها على استيعاب الكثير من الاحتمالات بكثرة عدد متلقيها، فانصرف المتصوفة إلى تجريب ألوان من الكتابة (لأن اللغة تحمل إشكالية في ذاتها، فالعبارة الواحدة لها دلالات، بعدد سامعيها، إنها تفهم باختلافات نسبية تعود لتجارب المتلقي، واللغة إنما تقوم على تقريب المجهول بالمعلوم)( )، من هنا نشأ هذا الارتباط بين (الإشارة) و(العبارة) في قول الحلاج: (من لم يقف على إشارتنا، لم ترشده عبارتنا)، فهذه الإشارة تنبئ عن غموض تلك التجربة الصوفية، لكونها عصية على الفهم والاستيعاب من دون تجربة فعلية ذاتية، فحين تنكشف للصوفي صعوبات طريق الحقيقة، وفي يقينه أن سامعه وقارئه لن يقف على أبعاد هذه التجربة، فهو يلجأ إلى التكنية والاستنارة بالإشارة والتلميح التي به حاجة دوماً إلى الشرح والتفسير، وهنا تكمن معضلة الصوفي في أن ما حسبه ملجأ، صار فخاً منصوباً ومشكلة يعوزها الحل والتوضيح لأمن اللبس، علماً أن هذا (اللبس) أودى بحياة متصوفة، ومأساة (الحلاج) عنا ليست ببعيد، بله التفكير والاتهام بالزندقة وأهونها الجنون.. فاللغة أعراف تواضع الناس على مواضعاتها، فيأتي الصوفي ليعلن عدم كفاية هذه الأعراف لتجربته الفريدة، فيخلق أنساقاً جديدة تتسق -كما يرى- مع جدة تجربته واختلافها، حتى وصلت اللغة عند (النفري) في القرن الرابع الهجري إلى أرفع مستوى بلغته اللغة الأدبية الصوفية من ناحية المعجم والاصطلاح والأسلوب والدلالة.

 

 

 

المستوى النظري في المنهج ومقولاته

 

توطئة: في المنهج ومقولاته

إن من دواعي منطقية الفكر البحثي، أن تتم التوطئة في مستواه الإجرائي لموضوعة البحث، بمقدمة تمهيدية تحدد بموجب طروحاتها المهادات النظرية التي تتوالد في متسع أرضيتها: طروحات المنهج، وآفاق تشكله ثم تأصيله وموجهات وآفاق وتجلياته التطبيقية. لذا كان لزاماً أن تقرأ هذه الوريقات مقولات المنهج البنيوي الخاصة بتشريح القصة من حيث المكونات البنائية والآفاق الدلالية المستفادة من تضافر مجمل آليات النص التركيبية والمشتغلة على مساحة تعبيرية ووظائفية مقصودة من أجل إحداث التأثير الفكري والجمالي في متلقي هذه الظاهرة التعبيرية.

 

ولعل أهم ما يواجهه الباحث في تحديد مقولات المنهج الذي ستعتمده الدراسة في فصولها القابلة، جملة صعوبات ذات محاور متعددة تستلزم وعياً دقيقاً، وفكراً مهيئاً للفرز والتنظيم والاستيعاب والاختيار. لذا فإن المنهجية التي تروم هذه الدراسة السير على وفق سياقاتها التنظيرية، هي ليست الوحيدة في مجال تحليل  القصة؛ فثمة المنهج النفسي وبخاصة مدرسة (فرويد) و(يونج) في التحليل النفسي للأدب على اعتبار أن البنية الأدبية هي شكل من أشكال انفتاح عالم اللاشعور على الخارج، وهناك أيضاً الرؤية الاجتماعية في تحليل القصة، كما ظهرت عند دعاة البنيوية التكوينية وفي مقدمتهم (جورج لوكاش)، و(لوسيان غولدمان) الذي قال بفكرة (الفاعل الجماعي)، على أساس أن النقد الأدبي يتبلور في شكل منهجية سوسيولوجية وفلسفية لإضاءة البنيات الدالة، مع تحديد مستويات إنتاج المعنى عبر أنماط من الرؤية للعالم، وارتباط تحول الأشكال الأدبية وتطورها بـ"التحولات الاجتماعية على المستوى الاقتصادي والسياسي( ). أما المنهجية التي تروم الدراسة الحالية السير على هدي طروحاتها فهي موجهة نحو دراسة نصوص حكائية عربية قديمة ارتبط موضوعها بفكرة دينية/فلسفية/ أخلاقية هي (التصوف)، قاصدة إلى كشف مكونات البنية السردية والخطاب السردي عبر منهجية شكلانية، هيكلية لها أكثر من آصرة مع علم الدلالة (semantiqe)، وكذلك الكشف عن شفراتها العلامية (semiotique) في مجمل ما زخرت به مصنفات البنيويين أمثال (بروب) و(غريماس) و(جنيت) و(تودورف) و(بارت)، فترى أن الطريق الذي أمنت السير فيه هو القائل بفرضية: أن الشكل هو الطريق العلمي الأسلم في الوصول إلى المعنى (القصد)، من الوجهة المنطقية: ذلك أنه ينطلق من قاعدة رصينة، ترى أن المنجز الكلامي يشتق قوانينه منه لا من خارجه، وهذا لا يعني تهويناً لصنيع (الهرمينوطيقا) في رصد المنظومة التاريخية والاجتماعية، وتسبيب الحدث الكلامي بأنه ناتج طبيعي انعكاسي لتلك البواعث والمؤثرات، من خلال تأويل رموز لغة أدبية بوصفه كلاً لعناصر ثقافية ما، بإنشاء نظرية عامة للمعنى مع نظرية عامة للنص، كما بدا ذلك واضحاً في نظر (ب ـ ريكور)، فالميدان الذي تشتغل عليه (الهرمونطيقا) ميدان خاص، يقيم علاقة بين النص والمرجعية متشبثاً بالمعطيات الخارج ـ لسانية للخطابات ولشروط إنتاجها وقراءتها( )، من خلال إدخال السياق السوسيو ـ تاريخي بما في ذلك سياق الفهم في محاولة لاستخلاص المعنى.

 

هذا فضلاً عن الاستفادة من طروحات (رولان بارت) في كشفه عن المستويات اللسانية في النص، و(تودوروف) في تمييز المظهر الخطاب من المظهر الحكائي وتأثير أحدهما في الآخر في صياغة الفضاء الذي تتحرك فيه عملية إنتاج المعنى، التي لا تتم بمعزل عن أدبية الأثر الأدبي، لذا توزع اهتمام الشكلانيين على مظهرين أساسيين هما: (اللغة والشكل)، بناءاً على هدفهم النهائي للتفكير البنيوي في الكشف عن البنى الدائمة وكيفية تلاؤمها وتكيفها مع الأفعال والإدراكات الإنسانية، فوجدوا أن اللغة الأدبية وسيلة إبلاغ وغاية فنية في نفس الوقت، وأرجعوا جل  قيم الأثر إلى صياغته الشكلية، وجاءت نظريتهم هذه، رد فعل على توجهات النظرية الأيديولوجية للفن( )،  ولعل أبرز مصنف تطبيقي جسد الفكر الشكلاني في نقد القصة (الخرافة)، و(موروفولوجيا الخرافة)( )، لـ(فلاديمير بروب)، وبخاصة اصطناعه فكرة (الوظائف) السردية في القصة، ونتيجة لتطور بحوث ودراسات في علم الألسنية العام وذيوع شهرة نتائجها البحثية حيث تم تطبيقها على مجالات متعددة، فأغنى (لويس هيمسليف)مباحثه في الألسنية وتلاه (كلود ليفي شتراوس) في الاتينولوجيا) و(التوسير)، في الاقتصاد الماركسي و(جاك لاكان)، في التحليل النفسي و(ميشال فوكو) في الفلسفة( )، كذلك ظهرت (الهيكلية) في تطبيقاتها الأدبية فركزت اهتمامها بالجانب الشكلي للأثر الأدبي باعتبار علاقة الدال بالمدلول، من دون إيلاء ماضي الأثر ومؤلفيه وعصره ومجمل السياقات الخارجية، عناية تذكر؛ بسبب تمركز الهيكلية حول فكرة وجود النص مرهون بالعلاقات التي يدخل فيها مع غيره، وعليه تحددت الوظائف البنائية لعنصر ما في الأثر الأدبي كنظام هو إمكانية دخوله في علاقة متبادلة مع عناصر أخرى لنفس النظام وبالتالي مع النظام بأكمله( )، بعد هذا ظهر تفصيل أكثر وضوحاً في الرؤية لمسألة البنية العلائقية في النص، حيث رأى (رولان بارت) أن المستويات الثلاثة الوظائف والأفعال والسرد، لابد أن تكون مترابطة فيما بينها، وفقاً لنوع من التراكيب التدريجي؛ فليس للوظيفة معنى إلا إذا كان لها مكان في الفعل العام للمساهم، وهذا الفعل نفسه يتم معناه الأخير عندما يروى ويدرج ضمن خطاب له سننه الخاصة( ) الملاحظ هنا، أن جعل النص كياناً منغلقاً على ذاته، أمر لا يمكن الاطمئنان إليه، وذلك لأن النص الأدبي منظومة تكاملية متجانسة من الدوافع والتراكيب والعلاقات، حتى وكأن الجزء فيها عضو في بنية لا يستقيم لها وجود ذو جدوى، إذا ما فقد أحد أركانها، على ذلك، فالباحث الذي يروم رؤية تكاملية توفر له مصداقية في العمل البحثي، ولابد وأن نتخذ توجهاتها من روح موضوعي رصين؛ (فلا شرعية لأي نظرية جمالية في الأدب ما لم تتخذ من مضمون الرسالة الأدبية أُسّاً لها، بل أهم قواعدها التأسيسية، كما أنه لا يمكن الإقرار بأية قيمة جمالية للأثر الأدبي  مالم نشرح مادته اللغوية  على أساس اتحاد منطوق مدلولاتها بملفوظ دوالها)( ).

 

1 ـ مفهوم السرد:

من هنا، كان الوقوف على مفهوم شمولي متكامل للسرد، أمراً له من الضرورة الكثير، وستقف الدراسة عند أهم التحديدات التي وردت لمفهوم السرد، من خلال الاعتماد على معطيات المنهج الشكلاني وبخاصة في دراستها للسرود الخرافية والشعبية   المروية والمكتوبة،  الأمر الذي يجعل دراسة أشكال السرد الشعبي والحكائي العربي على وفق المنهج الشكلاني، أمراً مقبولاً من وجهة نظر منهجية، لأن النقود الشكلانية الأصل تعاملت ـ على المستوى الإجرائي ـ مع التراث الشعبي المروي والذي تحتفظ كل أمة بنصيب لها من هذا الإرث الحكائي، بوصفه مُعطىً إنسانياً قيماً ذا هوية مميزة لا يخلو تراث أمة على وجه الأرض منه، لذا استثمرت طائفة من الدراسات العربية الحديثة آليات هذا المنهج وفحصت أشكال السرد العربي على أساس منه( ).

 

تراوح مصطلح (السرد) بين كونه خطاباً غير منجز أو قصاً أدبياً يقوم به (سارد) ليس هو الكاتب بالضرورة بل وسيط بين الأحداث ومتلقيها( )، وارتبط به مصطلح (السردية) الذي يعنى به: الطريقة التي تروى بها القصة أو الخرافة فعلياً، وهي فروع (الأدبية)( )، التي بحث في أدبية الأدب أو ما المقومات التي تجعل العمل الأدبي أدبياً، فكانت السردية بحث في ما يجعل القصة أو الرواية، أدباً سردياً، من خلال رواية سلسلة من الوقائع والأحداث بعد إقامة بعض العلائق بينها( )،  ورغم كون علم السرد قديماً في نشأته منذ عام 1918، على يد (ايخنباوم) في مقالة له بعنوان (كيف صيغ معطف غوغول)( )، إلا أنه لم يظهر هذا المصطلح إلا في سنة 1969، على يد (تدوروف). واستجماعاً لأركان العملية السردية، فالسرد هو (وسيلة توصيل القصة إلى المستمع أو القارئ بقيام وسيط بين الشخصيات والمتلقي هو الراوي)( )، والمعتاد، أن تختلف طرائق (توصيل) الأثر ـ ومن خلال هذا الاختلاف ـ وهو جوهر عمل النقد البنيوي ـ تبيين الطرائق التي أعاد فيها السارد ترتيب الحكاية التي في جوهرها هي أحداث موجودة في محصلتها، لكن تكمن (أدبية) ساردها في اختيار وإتقان (أسلوب) إسداء هذه الحكاية التي هي عبارة عن (مجموعة من الأحداث، أو من الأفعال السردية تتوق إلى نهاية، أي أنها موجهة نحو غاية، هذه الأفعال السردية تنتظم في إطار (سلاسل) تكثر أو تقل حسب طول الحكاية أو قصرها كل سلسلة يشد فعالها رباط زمني ومنطقي)( )، ويقف إدراك الراوي (السارد) لتسلسل الأحداث ركناً مهماً في اختبار (زاوية النظر) التي يطل منها السارد في انتقاء (طريقة) سرد الأحداث والتي تعد محك التأثير، وإحداث الاستجابة المرتجاة، التي لم تتحكم بها (نوعية) الحدث وتنوعه وأخلاقيته... إنما (كيفية) أدائه وطرائق توصيله، حتى كان شخصية (السارد) هنا قبل إقامة الفعل السردي هي (شخصية ناقدة) للأحداث تعرض رؤيتها للأحداث وليست معنية فقط بنقل الحدث الذي يفترض نقله، فيبرز جراء ذلك، طابع الاختيار والقصدية ورجاء التأثير؛ مع هذه العناصر الثلاثة، تتحقق (الأدبية)، وتعدد مستويات التلقي، إذ لا قيمة للشيء إذا ما تم نقله من وجود، المرجعي ليكون ذاته منعكساً على صورة منقولة طبق الأصل، فالخلق الأدبي يعني الإضافة والاجتراح أو التغيير واقتراح هوية مخصوصة للشيء مستمدة من خصوصية منتجة وناقلة إلى المتلقي.

 

ثمة بحوث أخرى لاحقة عاينت السرد برؤية شمولية، ومنها ستستمد هذه الدراسة تحديد مقولاتها إذ هدف الدراسة متمركز حول مسألة الإحاطة بمجمل ما تستند إليه النصوص القصصية الصوفية وما تكتنفه من مستويات وما تؤول إليه من مدلولات تصدر عن علاماتها النصية، هذه البحوث عاينت السرد على أنه (فعل لا حدود له، يتسع ليشمل مختلف الخطابات سواء أكانت أدبية أم غير أدبية، يبدعه الإنسان أينما وجد وحيثما كان)( )، فيمكن تأدية الحكي باللغة والصورة والحركة والأسطورة والخرافة والحكاية والقصة والملحمة والتاريخ والمأساة والدراما والملهاة والإيحاء واللوحة...الخ.

 

معنى هذا أن السرد طريقة لسانية يمكن لها أن تتجسد في أي نظام لساني أو غير لساني وتختلف تجلياتها باختلاف النظام الذي استعمل فيه( )، لأن البنيوية إنما ظهرت بوصفها منهجاً وطريقة في الرؤية، لكي تجمع أجزاء العمل أو أي مكون آخر لتكشف عن نظامه الكلي المتكامل والمتناسق الذي تشكلت الأفكار على وفق ما يؤمن به الإنسان من مرجعيات إيديولوجية( ).

 

ولا يتسنى تقديم صورة استنتاجية عن هذا النظام الكلي من دون البدء بالذرات المكونة لهذا النظام، لهذا كان من أهم نتائج البنيوية أنها أدركت العلاقة الوثيقة بين مادة الإدراك والإدراك ذاته والذات المدركة الفاعلة والوسيط الذي يهيأ هذه العملية (اللغة) لما للغة من أثر بالغ في إعطاء كل هذه العناصر سمتها المميزة( ).

وليس ذا عجباً إذ أن منبثق البنيوية  كان من مصدر لساني طوره (سوسير) في دراسة اللغة دراسة آنية تزامنية، أي أنه لا يمكن إدراك دلالة الجملة قبل أن تنتهي فينظر في مجموع إشاراتها وعلاماتها التي تشير إلى واقع معين في لحظة معينة أي تدرس (البنية) لهذا يمكن عد الكثير من الأنماط اللسانية في تاريخنا العربي مندرجاً ضمن المفهوم الشمولي للسرد، من سير وحكايات ومسامرات وأدب مجالس وقصص شعبي وديني،... من هذا قد يبزغ سؤال يحاول توسيع قاعدة التطبيق في الدراسة لتشمل مجمل عطاء الصوفية (السردي) ـ بالمعنى الشمولي المشار إليه ـ فتتسع جغرافية الدراسة فتشمل الأخبار والمرويات والتراجم والشطحات... الخ، على أنها أنماط سردية صوفية، والحق أن (وكد الدراسة) منصب على التركيز على جنس القصة الصوفية، أي سرد أحداث تقوم بها شخصيات فاعلة ضمن محاور دلالية مقصود إليها قصداً متضمنة التآليف والمصنفات الصوفية المتعددة، أما إذا كان هدف الدراسة الاستقصاء، فالأمر يكون أكبر من أن تحيط به دراسة واحدة، فضلاً عن أن النظر إلى السرد بهذه الرؤية التعميمية يجعل الفعل السردي الروائي يفقد أهم خصائصه التي يقف في صدارتها خصوصية الجنس الأدبي، فالنظرة العقلية السليمة تتوخى دقة المقدمات كي تخلص إلى نتائج مجدية، وهذا لا يعني أيضاً تهوين طرح (بارت) إنما هو حاول تأليف الأشكال الخطابية في منظومة (سردوية) ( ) حين يتعذر تصنيف بعض الأشكال التأليفية ضمن جنس أدبي مخصوص، فكما كان (الشعر) مصطلحاً يضم تحت لوائه جميع أشكال القول المموسق الجميل، يكون (السرد) هو الكنف الذي تحتمي فيه أجناس القول اللا شعورية، من هذا المنطلق ثمة أشكال من التأليف عند العرب بها حاجة إلى فحص من وجهة نظر سردية لدراسة أدب المجالس والمسامرات وأدب الفكاهة، وكذلك المشروع الذي طرحه خلدون الشمعة لدراسة نمط التأليف في (طوق الحمامة) الذي ضم طرائق وأشكالاً متنوعة من القص الخبري الموضوعي، والقصيدة والتعليق، ولكنه موحد في تأثير ووحدة موضوعه.

 

2 ـ اتجاهات علم السرد

في كل منظومة فكرية، يحدث تطور في الرؤية، استكمالاً لنواقص، أو تجذيراً لمفاهيم، أو تأصيلاً لمستجد... وهذا ديدن كل إنجاز بشري فهو نسبي في صحته والمآخذ عليه، وجدواه.

لهذا ظهرت عدة اتجاهات في علم السرد عملت بمجملها على استيفاء ما سكتت عنه الاتجاهات الأخرى فبدت وكأنها تكمل إحداها الأخرى، صنفت هذه الاتجاهات إلى ثلاثة بحسب رؤية الناقد عبد الجبار البصري على اعتبار مستويات القصة الثلاثة: الحكائي والسردي، والدلالي( ).   وهذا التصنيف لا يخضع للتسلسل التاريخي وإنما تصنيف منهجي نظر إلى علم السرد من جهة بنية القصة ذاتها فهي تبدأ حكاية مجردة (وظائف وشخصيات)، ثم كيفية عرض هذه الحكاية سرداً، ثم ما الأفق الذي رمت إليه هذه الكيفية من خلال توظيف (الحكاية) (سردياً) لخدمة هدف وإيصال فكرة.

 

الاتجاه الأول: الخاص (بمستوى الحكاية)، ترجع جذوره إلى ما قبل (بروب)، حيث عمل (فلكوف) على تقديم صورة منهجية لتحليل الخرافات إلى حوافز، هي خصائص الأبطال وعددهم وأفعالهم. وكانت هذه موطئة لفكرة الوظائف عند بروب على الرغم من أن بروب لا يعدها شيئاً ولا تؤدي إلى غاية. ثم أعقبه (توماشفسكي) حيث ركز على دراسة (الحدث) وليس (الشخصية) في دراسة (نظرية الأغراض) عام 1925( ).

وكانت هذه الدراسة خير تمهيد لفكرة الوظائف عند (فلاديمير بروب) في إصداره لكتابه (موروفولوجيا الخرافة) عام 1928، في دراسة بنية الحكاية من خلال تفكيك أجزائها المكونة لها وكشف العلاقة بينها وبين مجمل الكيان العام للخرافة.

 

بعد أن اعتمد مئة خرافة روسية ليخرج بنتائج أساس سيتم الحديث عنها في الفصل الثاني بشيء من التفصيل في موضعها من هذا البحث. الذي يمكن أن يقال أن بروب في مصنفه هذا أعطى صورة للترابط المنطقي والجمالي لتسلسل الوظائف السردية، فيعد منهجه هذا صالحاً لإجرائه على جميع الحكايات مهما اختلفت مصادرها وأماكنها ويأتي بعد بروب (شتراوس) في (تحليل الأسطورة) ، فاختط خطاً قريباً من صنيع بروب وإن لم يطلع عليه، حين عد الأسطورة جزءاً لا يتجزأ من اللغة، والأسطورة تستند إلى أحداث ضاربة في القدم.

 

لكنها تؤلف  بنية تصلح لتفسير الحاضر واستشراف أفق المستقبل( ). وتكمن قيمة الأسطورة عنده في تنسيقها لعناصر تكوينها وليس من فحواها وأسلوبها وطرائق سردها( ). فبدا أن شتراوس أفاد كثيراً من منهج التحليل النفسي، لاسيما نظرية اللا شعور الجمعي عند (يونج).

أما (تزفيتان تودوروف)، فقد دعا إلى دراسة وتشريح القصة من خلال المفاصل الآتية، في كتابه (نحْو القصة):

 

1 ـ دراسة الشخصيات وتقييمها ووصفها.

2 ـ دراسة المسانيد (الأفعال) الواقعي منها والخيالي.

3 ـ تركيب النص ووحداته الصغرى و الكبرى.

4 ـ ضبط العلامات الرابطة حيث الأعوان (الشخصيات) والمسانيد وفقاً لمظهري القصة( ):

الخطاب Discours

والحكاية Histoire

 

الاتجاه الثاني: فكان سردياً يُعنى بطرائق السرد وأساليب أداء الحكاية، وكان أشهر من تصدى لهذا الاتجاه هو (جيرار جينيت)، و(رولان بارت) أسس الأول نظريته على رواية (بحثاً عن الزمن الضائع) لـ(مارسيل بروست)، واقترح أبعاداً ثلاثة لتحليل الرواية وهي: القصة، والسرد، والخطاب (النص)( ).

فعنى بمكونات البنية السردية، وموضع الراوي، والمروي له، والزمن والصيغة والصوت السردي. مما سيتم تفصيله في الفصل الثالث من هذا البحث. فكان بحق مصنفه (خطاب الحكاية) و(عودة إلى خطاب الحكاية) من المصادر المهمة في النقد البنيوي للقصة والرواية.

 

أما (رولان بارت) فقد ركز عنايته على (المستويات السردية)، وهي الوظائف والأفعال والسرد والنظام القصصي، وقسم الوحدات السردية إلى نمطين: توزيعي، وتكميلي، الأول يقابل الوظائف التي عند بروب، والثاني هو الإشارات أو القرائن التي تصف الشخصيات وأفعالها والزمان والمكان والمناخ العام للقصة( ). ويعنى (بارت) في دراسة (مدخل إلى التحليل البنيوي للسرد) و(لغة النص) وغيرها، بـ"الأنظمة الاجتماعية والفكرية التي يكمن وراءها المستوى السردي، وعلى ضوئه يتم تحديد سيميائية دلالاته.

وتكاد هذه الرؤية هي ذاتها منطق (القيمة) التي قال بها (كريماس) في أن أدب مرآة العالم والمجتمع وهو يمثل:

 

الاتجاه الثالث: مستوى الدلالة، فذهب (كريماس) إلى أن مجمل القواعد والأسس التي تنظم العملية السردية هي (النحو السردي)( ) فيرى أن السردية تقوم على مجموعة من الملفوظات المتتابعة والموظفة المستندات فيها لتشاكل ـ السنيا ـ جملة من التصرفات الهادفة إلى تحقيق مشروع( ) وبنى رؤيته هذه على أساس أن المسرود يتصف بمستويين: سطحي وعميق، الأول يختص بالفواعل والثاني يعتمد نظام الوحدات المعنوية الصغرى.

 

وكان أهم ما أنجزه كريماس في نظريته الدلالية هو (المربع الدلالي) الذي تتأسس فكرته على أن الدلالة تستخلص من علاقات الاختلاف والتقابل القائمة بين حزمة من الوحدات الدالة.. فالطول لا يدرك إلا بالقصر وهكذا...( ).

 

أي أن الأشياء تعرف بأضدادها كما يقول العربي قديماً، أما وظيفة (المربع الدلالي) وأهميته، فتكمن في أنه يهيء اكتشاف بنية الدلالة العميقة المؤسسة للنص والمتحكمة في بنيته السطحية، بمعنى أنه يجسد شكل المعنى الذي ينبني عليه النص في جملته( ).

 

والذي نصير إليه، بعد هذه الاضمامة من الآراء والأفكار والتوجهات، أن المنهج البنيوي لا يمثل قوانين صارمة إنما هو مناهج متعددة بحسب مستوى الرؤية واتجاهها وفلسفتها، وإذا ما تم تطبيق هذه المناهج على شتى صنائع الإنسان وسائر أقاويله، فلا غرو في تطبيق هذه المناهج أو روحها، في تحليل القصة الصوفية، وفحص مكوناتها السردية ووظائفها ودلالاتها.

 

لقد عني الفكر النقدي العربي القديم منذ القرن الثاني حتى السابع الهجري ـ ضمن ما عني به من القضايا ـ بقضية الشكل والمضمون أو اللفظ والمعنى ووصلت هذه العناية حد (الصراع) واختلاف وجهات النظر في النظر إلى مسألة (الثابت والمتغير) التي لم تستقر على مبدأية تصورية موحدة، انتهى الصراع فيها على يد العالم العربي الإمام (عبد القاهر الجرجاني ت 471هـ)، حين وقف عند هذه القضية مصرحاً بأن ثمة علاقة بين اللفظ والمعنى تنتظم الأسلوب التعبيري، وهذه العلاقة النظمية هي علاقة سببية يقصدها المتكلم بغية إحداث تأثير في المتلقي، فأصبحت مقولة (النظم) و(الصياغة) حالة محل مقولة (اللفظ والمعنى) أو (الشكل والمضمون).

إذن تشكيل (الشكل) الأدبي في التعبير يتم على وفق المعنى المراد إسداءه، وكلما اختلفت النيات وغايات القول ومجالات المعنى، تنوعت أشكال الصياغة وطرق أداء المعنى واتساع فضاءات الدلالة فهماً وتأويلاً.

 

الأمر، إذن، على التضاد بين الرؤية الغربية والرؤية العربية، والاختلاف يقع في الأسباب قبل النتائج وهو اختلاف فكر وحضارة.

لا أعد ما سبق قوله أعلاه استطراداً، إنما دعت الحاجة إليه بوصفه مرجعاً فكرياً تستند عليه الدراسة في اختيار ما يناسب تطبيقاتها من منهج يأخذ الأفضل والأكثر تكاملاً من بين مناهج البحث القصصي الغربي التي نظرت لفن غير عربي ولا إسلامي، الأمر الذي سيأتي الكلام فيه لاحقاً عن صلاحية المناهج الغربية الحديثة لبحث القصص العربي الإسلامي القديم ـ وقد وجد أن بحث (الدلالة) و المقاصد الظاهرة والمرمز إليها في المنجز اللساني الأدبي، هامشية ولاحقة للدراسة التركيبية التي تجعل هدفها الأول إبراز الدلالة من خلال فحص الهياكل اللغوية، فلابد إذن، من إنشاء (وحدة) ذات بعدين: لغوي (هيكلي)، وفني (دلالي). ولا يكتفي بأن يكون الأثر الأدبي، حجةً وشاهداً كما هو حالة في الدرس النحوي واللغوي والبلاغي، إنما التركيز على خلق (استنتاج) وحدة لا يكون أساسها النظري منطق التبعية؛ تبعية الشكل للمضمون أو العكس، إنما استحضار المفهوم العلائقي الذي يشكل الطبيعة الحقيقية للأشياء والظواهر، حين يتخلق الشكل ـ في لحظة الصياغة ـ مع المضمون في هيئة ذات علاقات سببية يظهر فيها هذا التعبير عند شاعر أو ناثر أو لا يظهر عند غيره. 

 

ولعل القول بـ(التبعية) تلك، يفقد العملية الإبداعية أحد شروطها المهمة من الناحية الأسلوبية، وهو مبدأ (الاختيار) الذي يعد نواة أدبية الخطاب الأدبي( )، وهو مفهوم  يعنى بخصوصية المبدع وتفرده في رؤية للموضوع ووجهة النظر الخاصة به التي تعد مقياساً لقيمة الإبداع ودرجته ومستواه ونجد ذلك ماثلاً في (أسلوبيات) القص العربي القديم ـ على سبيل المثال، فهيئة القص وطريقة السرد في (ألف ليلة وليلة) في نمط الحكاية الإطارية له أهدافه البنيوية التي يمكن تلمسها بالنسبة للواقف على منظومة الفعل السردي في (الليالي) والأمر يختلف في (رسالة الغفران) أو (منطق الطير) أو (حكايات الصالحين) والمتصوفة...

فالذي كان محط عناية الشكلانيين في تحليل القصة، هو دراسة الهياكل اللغوية في المستوى التركيبي، بعد ذلك يتم الوقوف على القيمة الدلالية والإيحائية للخطاب، وكان أبرز من مثل هذه العناية المنهجية ودعا إليها (تزفيتان تودوروف) فقد وقف عند وصف اللغة وسيرورتها على كل مستوياتها الصوتية، والتركيبية والدلالية، أوجدت تقنيات خاصة منحت الدرس الأدبي استقلالاً عن علوم النفس والاجتماع والإناسة والدين والسياسة جعلت أدبيته تكمن في اللغة وتمظهراتها الحسية من خلال أنماط الكلام وبناه التركيبية( ).

 

وهذا لا يعني قطع صلة المبدع بالأثر، وإنما ضبطت نوعية العلاقة التي تربط الأثر بالمبدع من خلال ما اصطلح على تسميته بـ(السرد والرؤيا القصصيين)( )، فالسرد يعنى بصيرورة الحدث عبر الزمان، أما الرؤيا، فهي مجال البعد الذاتي للمبدع في توجيه النظر إلى زاوية دون أخرى. وهذا أدخل في التكنيك القصصي لذا كانت (القراءة الألسنية للنص القصصي هي الشرط الضروري لقراءته التاريخية، ... وهي الدعامة الأساس لقراءة بنيته الخارجية( ))، على اعتبار أن المدونة الأدبية نظام مترابط الأجزاء والمفاصل، ولكي يتحدد موقع هذا المفصل أو ذاك أو طبيعته، يجب النظر إلى العلاقات التي يتم الوقوف على معنى (بنية) النص، أو بنياته التي يتكون منها نظامه.

عليه (كان كل شكل سردي هو من منظمة من الجمل، ذات طبيعة وظيفية، هذه الجمل تتجسد على مستوى القصة، بأشكال مختلفة كالحوار، والمناجاة، والأوصاف، والأعمال والسلوك، والمقاصد، لذا كل قراءة تتناول القصة بالدرس، لابد لها من أن تتحدد الفئات التي تتكون منها وحدات القصة ومن ثم تحديد الثابت منها والمتغير)( ). صنف (رولان بارت) هذه الوحدات إلى فئتين:

 

الأولى: توزيعية.

والثانية: تكميلية.

سمى الأولى، الوظائف الأساسية، والثانية، الوظائف الثانوية، وهي ذاتها عند (بروب) الروسي( )، ولقد حدد (بارت) مزية الوظائف الأساسية في القصة، بأن لها القدرة على خلق شك ما وتبديده( )، وتأتي الوظائف الثانوية لتشغل الحيز السردي بين وظيفتين أساسيتين بمعنى أن وجودها بموضع هويتها المميزة( )، فتقوم بوصف طبائع الأشخاص وأعمارهم وواقعهم والأماكن التي يسكنونها... وهكذا.

 

ويأتي عنصر (الزمان والمكان) بوصفهما، قاعدة الحدث القصصي ومجال خصوصية سرده وبالتالي تمهيده لعقدة القصة، على أن توزع هذه الوظائف ضمن تحركاتها في إطار الزمان والمكان، وجدولتها لا يلقي على السرد ظلال التصنيف العلمي المغلق، إنما ثمة ضرورة لخلق حوار بين الوظائف ومزاوجة وكشف للمؤثرات والنتائج وعلاقتها بالهيكل العام للقص. لذا كان من الضروري أن تتوافر في تحليل القصة قراءتان، الأولى سياقية تتبع نظام تقسيم القصة، إلى وحدات انتظامية مترابطة تحت ثيمة قصصية كبرى تترابط فيما بينها بروابط لسانية مثل أدوات العطف والاستئناف وغيرها، فتقوم هذه القراءة الأولى تمهيداً لقراءة من صنف آخر هي القراءة الوظائفية التي تتبع قانون سببية الحدث ومنطق سلوكيات الأبطال( )، ولهذا تكون القراءة الوظائفية مكملة لقراءة السياقية( ) لدراسة منطق السرد في القصة.

 

3 ـ الشكل والجنس الأدبي:

إن دراسة سياقات السرد في القصة، ووظائفه من الأساسيات المنهجية التي نهض بها الدرس الشكلاني منذ انطلاقه من حلقة موسكو اللسانية سنة 1915 حيث كرست جهدها النقدي لتمييز الخطاب الأدبي من خلال (اللغة والشكل) بغية في رفع الكلام من درجة الصفر إلى الدرجة الفنية من خلال التمايز والاختلاف في أشكال الكتابة على الرغم من وحدة الفن والموضوع، فكان يمكن ـ على أساس من ذلك ـ وضع الحدود الفاصلة بين التصنيفات الأدبية( )، أي نظرية الأجناس الأدبية التي لها الأثر الكبير في توجيه العملية النقدية وتحديد وسائلها الإجرائية.

انطلاقاً من مبدئية نرى أن (الجنس) الأدبي من حيث المفهوم لا يعني الظاهر الوعائي( ) الذي لا يحمل قيمة في ذاته بل في ما يحمل، إنما هو علاقة تناسبية مسببة بين الظاهر والمحتوى الدلالي، وتكاملية تمنح صفة التميز، الخصوصية للأثر الأدبي عن سواه تمهيداً  لتقييمه، بعد إجراء الفحص البنائي على الأثر الأدبي، بواسطة أنماط، التفكير البنيوي التي تشتغل على نمطين من الأنشطة:

الأول : هو التشريح (dissection).

الثاني: هو الربط (conticulation).

 

أي اكتشاف البنيات الأساسية في النص، ثم إعادة توحيدها واكتشاف علاقاتها الرابطة، العملية تهدف إلى حقيقة أن (شكل القصة مرتبط أصلاً بالوظيفية التي تشكل من أجلها)( )، فكان هذا التواشج بين الشكل والوظيفة يعبر عن الاهتمام بمدى قدرة المبدعات على تحقيق أغراضها( )، من هنا كان الأدب مفصحاً عن حقائق يصفها هو وليس من همه نقل الأشياء والمفهومات من واقعها الطبيعي، ولثنائية الشكل والمضمون علاقة جدلية فـ(الشكل نظام العلاقة بين الكلمات وبين الرموز وهي لا تكتسب معانيها المتفجرة إلا من خلال موقعها في منظومة الشكل البنياني)( )، فللأدب حقائقه الفنية يعرضها لمقاييسه الخاصة للتأثير ولا يفترض أن يشير إلى حقائق خارجية لها وجودها العياني الحسي في الطبيعة، عليه يكون الشكل هو ملتقى غايات النص ووسائله، مجلى تقنيته اللسانية والدلالية.

 

وبإزاء الكلام عن الشكل والجنس الأدبي، يهم الدراسة ـ من ناحية المنهجية ـ تصنيف نموذج الدراسة التطبيقي وهو القصة الصوفية قبل الاستغراق في فحص متنها الحكائي وبنيته ومكوناتها، فثمة حاجة لتحديد الجنس الذي ينتمي إليه المتون الحكائية الصوفية، على أن الباحثة تشعر بضرورة تأخير الكلام في هذه المسألة إلى ما بعد الفحص النقدي البنائي للمتون الذي يستغرق فصول الدراسة كلها، بافتراض أن الحديث على (الأجناس) يتبع تحصيل صورة مكثفة لسمات النوع ومكوناته وأنساقه البنائية والهيكلية، إلا أني وجدت تقديمه هنا في المدخل أكثر جدوى لدواع منها:

 

أولاً ـ أن المدخل مخصص لتقديم صورة مكثفة لثوابت المنهج ومنطلقات الرؤية النقدية في بعدها النظري، وهذا من شأنه تمهيد الأرض أمام الفحص النقدي، وتنقية المادة الأساس من الاختلاف في هويتها.

ثانياً ـ إن مقولتي (الشكل والجنس) متلازمتان في المنهج الشكلاني البنيوي لنقد القصة.

ثالثاً ـ إرساء أساس منهجي واضح تتجلى فيه صلاحية المادة المدروسة للبحث والمعاينة.

فإلى أي مدى يمكن وضع الحدود الجامعة المانعة ـ على لغة المناطقة ـ بين نمط (الحكاية) ونمط (القصة) لننتهي إلى تقرير تصنيفي عن جنس المتن الذي تشتغل عليه الدراسة الحالية، والمآل في هذه المسألة يحدو الركاب إلى مقترح (خلدون الشمعة)( )، حين صنف الأنماط الأدبية التسعة بحسب أركان الرسالة الأدبية الثلاثة المبدع والمتلقي بين الحضور والاحتجاب، نجتزئ من المخطط الأجناس التي تجد أن المتن الحكائي الصوفي متحير بينها:

 

أركان الرسالة الأدبية ـ الأجناس       الحكاية القصة القصيرة

المبدع  حاضر  محتجب

المبدع  تتلى أو تقرأ    تقرأ

المتلقي جمهور أو قارئ منفرد قارئ منفرد

جدول رقم (1).

موقع أركان الرسالة الأدبية بين الحكاية والقصة القصيرة.

 

الملاحظ من خلال الجدول، أن نمط (الحكاية) جعل المبدع فيه (حاضراً) أي (حكواتي) يقص على مستمعين  حاضرين بمعنى أن (الحكاية) في نظر (الشمعة) هي في حدها (الشفاهي) سواء على المستوى الارتجالي (التلاوة) أو (القراءة) أي أنه حاضر صوتاً وعياناً. وأجده أميل إلى أن تكون (الحكاية) مروية شفاهياً بدليل حضور المبدع على عكس (احتجاب) المبدع في نمط (القصة) التي يراها (الشمعة) نمطاً (كتابياً) بدليل احتجاب مبدعها، وتلقيها يكون بـ (القراءة) فقط لا بالاستماع. إذن، أين يقع المتن الحكائي الصوفي ضمن هذا التصنيف؟ الذي وقفتُ عليه من نماذج من القصص الصوفي تنبئ عن أن نوع المروي الصوفي هو نمط حكائي شفاهي ابتداءً من القطب أو الشيخ إلى المريد أو الطالب يبتغي منه توجيه أخلاقي ومذهبي معين خاص بالمذهب والطريقة الصوفية، ثم بعد ذلك دوّنت، أي ثبتت في صيغة كتابية  أوقفت صيرورتها المستمرة والمتغيرة مع كل رواية شفاهية، فكانت التدوين هو آخر مرحلة  تطورية وصلت إليها الحكاية في مراحلها الشفاهية، والتي بالتدوين أصبحت ذات وجود معين ثابت محدد. هنا نجد أن الحكاية الصوفية لم تتوفر على العناصر الثلاثة التي اقترحها (الشمعة) في تصنيفه؛ فوجد هنا عنصراً رابعاً هو (السارد) أي (المدون) الذي استقرت على يديه صورة الحكائية النهائية، فما دام النقد يتناول بالدرس الشكل اللساني المدوَّن ـ وهو الأصح منهجياً ويقيم عليه فحصه  ومعاينته النقدية والتحليلية وليس أصولها الشفاهية الضاربة في أذهان الناس،..أمكن أن نطمئن إلى عدِّ المتن الحكائي الصوفي من نمط (القصة) الذي لم يرق إلى تقنية القصة القصيرة الحديثة، لكنه يبقى منجزاً أدبياً أتقن سارده وظيفتي التسجيل (التدوين)، والتفنّن (التشكيل).

 

4 ـ تبيئة المناهج الغربية لدراسة الأدب العربي:

ـ يطرح المنهج الشكلاني في نقد القصة، قضية سهر لها المتشيعون ضد المناهج الحديثة والفكر الغربي، جراها واختصموا.. مفادها مدى صلاحية المناهج الغربية لدراسة نص عربي على اعتبار ذلك الاختلاف الجنسي والقومي والحضاري واللغوي ممّا يجعل تناسب القوالب مع المادة المدروسة، أمراً يشي بـ(التجوّز) والهجنة إن لم يكن تبعية إيديولوجية محسوبة...

بدءاً، ثمة قناعة سارت على هديها فلسفة العلوم المختلفة أنواعها وأشكالها وهي أن طبيعة الموضوع تفرض نوع المنهج المتبع في دراستها، وليس المنهج سوى: (طريقة في البحث، ومبادئ تلتزم خلاله، ومفاهيم توظف فيه) ( )، ويشرح د.الجابري الأركان الثلاثة للمنهج؛ فـ(الطريقة) هي مجمل عمليات الاستقراء والاستنتاج والمقارنة التي يقوم بها الباحث لاختبار مادته العلمية، و(المبادئ) جملة أسس لها طابع أخلاقي علمي منها التزام الموضوعية واعتبار العلاقات السببية وغيرها، أما (المفاهيم) فهي المعاني الكلية التي يتم بها تحويل موضوع البحث من مادة خام أولية إلى كيان له معقوليته في أحداث علاقات تناسبية في نظامه تستخلص منه آفاقه وتجلياته الدلالية والمفاهيم تتغير من نص إلى آخر، أما الطريقة والمبادئ  فهي ثوابت عقلية منهجية يصلح تطبيقها مع كل الموضوعات لأنها تختص بنظام التفكير العقلي، الذي في مكنته أن يؤطر أي موضوع ضمن أي مشرب معرفي كان.

 

استنتاج:

تأسيساً على ذلك، فإن المنهج الشكلاني البنيوي بتكامل طروحاته المتنوعة، يشكل بالنسبة لموضوع الدراسة الحالية، طريقة ومبادئ منهجية لدراسة المفاهيم الصوفية التي عرضتها أو تعرضت إليها أنواع القصص الصوفي ضمن المدة الزمنية التي تأطر بها البحث غير متشاغلين بالشكل عن الأبعاد الدلالية والرمزية في النص الصوفي ومنها سنشتق جوهر القيمة الدلالية التي تفجر بها النص الصوفي منطلقين من قناعة ترى أن الكلام الصوفي طرح مفاهيمي مغاير بالدرجة الأساس، يتشكل على أنماط مختلفة من الأداء مع وجود روح من التشابه تسري في مفاصل نصوص متعددة، فـ(البنيوية تسعى إلى تحديد أشكال متكررة في الأعمال الأدبية،... وليس هناك منهج أكثر ملائمة من البنيوية للتحقق من مدى اعتماد الأعمال المختلفة على أشكال متشابهة) ( )، عليه يمكن إيجاز المميزات التي تفصح عن صلاحية البنيوية لدراسة التراث العربي القديم في الإشارات الآتية:

 

أولاً ـ أن البنيوية نظام من الرؤى النظرية مهمته الكشف عن البناءات التي يتمفصل منها جوهر النص، وعموده الفقري، (فيؤدي هذا بدوره ـ إلى تناسب المنهج في مجال تحليل نصوص أدبية لم تفهم أو أسيء فهمها... فملائمة النسق البنيوي لنقد النص العربي التراثي ليست مسألة عشوائية( ).....  [بدليل استناد البنيوية أ ساساً إلى الأدب الشعبي والأساطير والخرافات]، الأمر الذي يجعل البنيوية ذات مصداقية في التعامل مع النصوص التي تشكل إرث الذاكرة الجمعية لمجتمع ما.

ثانياً ـ البنيوية في مراحل تطورها وارتقائها نحو تكامل الرؤية للنص الأدبي، إنما تحقق لها ذلك بعد ذلك الاحتكاك الذي حدث بين التراث العلمي الغربي، مع مظاهر حضارية وثقافية لشعوب أخرى، خرجت بها البنيوية بوصايا لها من الشمولية قدر ما فيها منه العمق، من هنا، جاءت ملاءمة الدرس البنيوي لفحص التراث الأدبي العربي، على الرغم من الاعتراضات الكثيرة الموجهة ضدها( ).

 

ثالثاً ـ تأسيساً على النقطتين السالفتين، لوحظ حفاظ البنيوية على جوهر النص الأدبي من حيث المفاهيم والدلالات، قائماً،  معنى هذا "الاعتبار للسياقات اللا نصية الفاعلة في بناء أنساقه وتشكيل معماره اللساني، فأعلنت البنيوية حضور البيئة عاملاً مؤثراً في الصياغة الأدبية، لكن المشكل يكمن في أ يهما الأولى بالتقديم عند الدراسة التحليلية؟ الشكل أم سياقه اللا نصي...؟ و بافتراض (التحليل يبتدئ بالنص نفسه يمكن بالتالي أن نتناول مسألة علاقة النص ببيئته بمعنى أن سياق العمل الأدبي يعقب تحليل النص نفسه)( ).

 

من خلال ما سبق، إن العمل البنيوي في رؤيته الشكلانية، قائم على نسق تكاملي؛تنهض الدراسة الوظائفية بتحليل المتشابه في الأحداث والوقائع، ومن جهة أخرى فالترابط بين الشكل والوظيفة ليس عارضاً ولا تعسفاً فيمكن دراسة الشكل في مستوى آخر هو مستوى اللغة، وبالنتيجة فإن دراسة الأشكال تسمح بمعرفة العلاقات الوظيفية)( ). واستجماعاً لجملة الخصائص والمميزات التي اضطلع بها الدرس البنيوي، تجعل من الممكن تبيئة المنهج الغربي ويتسع لاستيعابها وليس العكس لأن الهدف هو جعل المنهج قادراً على التعبير عن المضامين الحقيقية التي هي أقرب تصوراً إلى قصد المؤلف ونيته.

 

 

الفصل الأول

 

مكونات البنية السردية للقصة الصوفية

 

توطئة:

لكي ما تتحصل صورة جلية  عن هيكل البناء السردي لمنظومة حكائية ما، لابد من أن يتم ذلك من خلال البحث في مكونات هذا الهيكل البنائي، بدءاً من متونه الحكائية وصولاً إلى بناه الحكائية، فالهيكل السردي قائم على بنية خطاب سردي مُنْتَج ومقصود يتوافر على أركان الخطاب الأدبي الثلاثة الأساس (المخِاطب ـ الخطاب ـ المخاطَب)، من هنا كانت (السردية تبحث في مكونات البنية السردية للخطاب من راوٍ ومروي ومروي إليه، ولئن كانت بنية الخطاب السردي نسيجاً قوامه تفاعل تلك المكونات، أمكن التأكيد: أن السردية هي العلم الذي يُعْنى بمظاهر الخطاب السردي؛ أسلوباً وبناءً ودلالة) ( )، فلا تتشكل البنية السردية لمنجز حكائي ما إلا بتضافر العناصر المكونة الثلاثة، و الدراسات السردية بدءاً من (فلاديمير بروب) في مصنفه (موروفولوجيا الخرافة)، حتى (جيرار جينيت) صاحب المصنف الذي تأصل على يديه مفهوم السرد وحدوده المنهجية والإجرائية، (خطاب السرد)، إنما عنيت بهذه العناصر ـ وأولتها الاهتمام الذي تستحق، على اختلاف توجهاتهم في النظر والمعالجة؛ بين ممعنٍ في تقصي الجانب،  الوظيفي والدلالي في السرد، بين معْني بمظاهر الخطاب اللساني، وبين الاثنين ثمة رؤية توفيقية تؤمن بتفاعل الجانبين وانسجامهما لتحصيل أبعاد التجسد الإبداعي للصيغ التعبيرية والمضامين البلاغية والسيميائية، فالقصة (لا تتحدد فقط بمضمونها ولكن أيضاً بالشكل والطريقة التي يقدم بها ذلك المضمون)( )، من هنا برزت أهمية (الشكل) للمادة الأدبية، فهو الطريقة التي تقدم بها القصة المحكية وهو مجموع ما يختاره الراوي من وسائل وحيل لكي تقدم القصة للمروي له)( ) فالشكل والمضمون هما أسس بنية أي خطاب سردي أو أدبي، ولا يمكن فحص بناه الزمنية والمكانية والشخصية والسيميائية،  مالم يتم تبيان الأسس التي قامت عليها واستندت إليها بوصفها وجوداً لسانياً ظهرت أشكاله الأسلوبية والأدائية في خلال أنساق سردية معينة يختارها السارد على وفق مقصدية تحقق أهدافها الاستقبالية المرجوة.

 

وإذ تتحرك الدراسة الحالية على وفق هذه الرؤية التكاملية في محاولة فحص المنجز الحكائي الصوفي في العصر العباسي، لابد من استيفاء جانبي السرد المهمين: اللساني والدلالي، وذلك للخصوصية التي يتوفر عليها المتن الحكائي الصوفي بوصفه منجزاً أدبياً توافرت فيه عناصر الاتصال "الاجتماعي والفكري وسياقات الثقافة العربية التي يتماهى فيها الأديب مع المجموع،  وكذلك هو غير خلو من العناصر الجمالية التأثيرية والتي يقف فيها دور المتلقي واستقباله للنص محوراً مهماً في إبداع النص، وتلك حقيقة توفر عليها الفن القصصي عند العرب؛ فهو يقوم على أساسيين: (الأول اجتماعي والثاني جمالي، وهذه خاصية ينفرد بها القص من بين أجناس الأدب، ولئن كان تمييز الاجتماعي من الجمالي، ضرباً من المستحيل، وكذلك من المستحيل أ ن ينفرد الجمالي بالقص تماماً كما من غير المعقول أن ينفرد الاجتماعي به ويظل فناً)( )، فلا يمكن القول مثلاً، على القص الصوفي أن الغاية هيمنت على الشكل، حتى صار الشكل التعبيري (معبراً) فقط (لإيصال) غاية وعظية أو أخلاقية، نعم، إن الهدف الإقناعي عنصر مهم وأساس في القول الصوفي بوصف الأخير محاولة لضبط اللا متناهي (الفكرة الصوفية) في صيغ متناهية (أساليب أدبية شعر، قص، أخبار...)، وإلا لما احتاج الصوفي إلى تسطير تجربته الصوفية في هذا المتعدد من الأشكال الأدبية، وكان اكتفى بشكل واحد...، فمحاولة الصوفي (الأديب) هي فعل اختيار الخط الدلالي المراد توجيهه إلى المتلقي من خلال زج هذه الدلالة في (أشكال) جميلة، هذا الاختيار من ضمن المتعدد، يشخص قيمة أسلوبية، وهل يقوم الأسلوب الأدبي إلا على الاختيار والتوزيع والاتساع( )، أما عد الخطاب الأدبي صيغة أدبية لنقل الواقع فهذا فهم محرف لنظرية (غولدمان) التي تنفي مفهوم (الانعكاس الآلي) للواقع في المضمون الأدبي، فـ(غولدمان) يهتم بالنص بنيةً متكاملةً شكلاً ومضموناً بالمفهوم البنيوي مما جعله يسمي اتجاهه بـ(البنيوية التكوينية)( )، إذن العمل الأدبي ينظر إليه نقدياً من منظار استيفاء جميع محددات النص وبواعثه وكذلك انعكاساته وتجلياته، ولا يتحول الناقد إلى عالم اجتماع أو نفس أو تاريخ... تأسيساً على ذلك، فإن فحص القصة الصوفية لابد أن يستوعب مجمل هذه الرؤى لكونها ثرية بجانبها الدلالي فضلاً عن تنوعها في الأشكال والصيغ والأساليب، وقبل ذلك نجد حاجة إلى تصنيف أنماط القصة الصوفية، لحضور دواع نصية بدت للباحثة القصة الصوفية ليست نمطاً واحداً وتيسيراً للفحص المنهجي لابد وأن تكون المادة المدروسة على قدر مناسب من التلاؤم لكي تنضح السبل لتشخيص خصائص النوع.

 

أنماط القصة الصوفية:

توفر المنجز الحكائي الصوفي على تنوع في الرؤية، وفنية في الطرح، لذلك وجدت ضرورة أن نصنف هذا المنجز تمهيداً لدراسته وتحليله على وفق المنهج المختار، ولولا هذا التصنيف لاكتسب البحث صفة الإعمام التي لا تتساوق مع النظر العلمي الموثق الذي تنماز به من سواها.

 

بناء على ذلك، بدت القصة الصوفية مؤسسة في ضوء موقع الراوي وصوته، على نمطين:

1 ـ قصص ذاتي: مروي بلسان البطل نفسه عن نفسه فهو البطل والراوي معاً، أو مروي عن شيوخ البطل يكون الراوي فيه شاهداً على حدث أو مشاركاً فيه أو مخبراً عن مضمونه, وتدخل ضمن (الذاتي) قصص (الكرامات) التي أجد أنها على كونها تشمل فعلاً خارقاً إلا أنها ذات طابع فردي ذاتي أو منقولاً عن ذوات.

 

2 ـ قصص موضوعي: قصص يرويها راوٍ مفارق لمرويه تماماً، فهو يصف ويسرد ويستخلص الحكمة.

ثم بدا لنا نمط آخر من القصص الراوي فيه إما يخبر عن نفسه أو يرى لغيره أو يخبر عن رؤية غيره لغيره، لحدث يخلقه عالم (اللاوعي) في الأحلام والرؤى والمنامات ما كان منها يخص الأحداث الماضية للإنسان أم الأحداث المستقبلية ذات السمة التنبؤية من خلال رؤيتها في المنامات، ونظراً لكونها تشغل حيزاً مهماً من المنجز الحكائي الصوفي، وتوفرها على تقنيات القص الأدبي، أمكن إضافتها نمطاً ثالثاً مقترحين له تسمية.

 

3 ـ قصص استرجاعي: وهو قصص صوفي تخيلي يقوم على استرجاع أحداث جرت تفاصيلها في عالم الرؤى والأحلام لشخوص وأفكار لها تجسداتها في عالم الحس( ).

هذه الأنماط الحكائية الثلاثة ستغطي نماذجها التطبيقية رقعة البحث وعلى وفق ما يتجلى في عيناتها، يتم فحص القصة الصوفية بنائياً، ونظراً لضخامة المنجز الحكائي الصوفي وسعته وثرائه وتنوعه... اعتمد البحث على عنصر انتقاء النماذج الأدبية المتميزة التي تطرح الفكر الصوفي أولاً ثم جمالها في الشكل والأسلوب، والأداء، من دون إغفال الجانب الكمي الذي سيشار إليه في الهوامش المرفقة بمباحث الرسالة التي تشير إلى وجود الظاهرة في نماذجها التي لم يتسن للباحثة الاستشهاد بها جميعاً لأن تلك  غاية يتعذر على هذه الدراسة المتواضعة استيفاؤها.

 

 

 

المبحث الأول بنية الاستهلال في القصص الصوفي

 

تقف موضوعة (الاستهلال) في القصة، عنصراً له تأثيره الذي يتوزع على مدارين: الأول: نفسي استقبالي، على اعتبار القص الأدبي رسالة (مروياً) صادرة عن مرسل (راوٍ) قاصدة (مستقبلاً) مروياً له، وهذه هي أركان الرسالة الأدبية فمن منظور الاتصال يتحتم النظر إلى أدبية القص أو شعريته (من خلال أركان الرسالة) وبين كل من المرسل والمستقبل سياق مشترك تقع الرسالة على مسافة منه، المسافة تشغل آليات تحويلية من السياق إلى المرسلة فيما يخص المرسل إبداعياً، ومن المرسلة إلى النص، عبر السياق فيما يخص المستقبل تأويلياً) ( ).

وتوضحه الخطاطة الآتية

 

من خلال هذا، تبرز أهمية الاستهلال ودوره في الجذب، والاستقطاب اللذين يمارسهما تأثيراً في ذات المتلقي ووعيه وإدراكه وذوقه.

المدار الثاني: بنيوي أسلوبي، يتمثل في البعد البؤري الذي ينهض به الاستهلال في إضاءة دلالات القصة ومضامينها وسياقاتها وما سيأتي من أحداث وما ستكون عليه الوظائف الرئيسة في القصة، كما يبين الاستهلال عنصر التغليب فالقصة التي عنصرها  الحدثي الأساس، زمني تبتدئ بإشارة لفظية زمنية وكذلك إذا كانت مكانية أو شخصية. لأجل هذا جعل (جينت) عملية تحليل النص القصصي أو الحكائية المقصوصة، لابد أن تنطلق مستوعبة ثلاثة أبعاد هي:

 

أ ـ الحكاية: أي صلة الأحداث التي تدور في إطار زمني ومكاني ما ـ وتعلق بشخصيات من نسج خيال السارد تدخل في تحليل الوظائف.

ب ـ السرد: وهي العملية التي يقوم بها السارد أو الحاكي أو الراوي وينتج عنها النص القصصي المشتمل على اللفظ (الخطاب) القصصي والحكاية.

ج ـ الخطاب القصصي أو (النص): وهو العناصر اللغوية التي يستعملها السارد مورداً حكايته في صلبها( ).

 

فثمة علاقة قائمة بين الحكاية التي تسردها نصاً والحكاية المروية، أو بين ما يطلق عليه اختصاراً الخطاب السردي أو الحكاية( ). من هنا كان ارتباط القول (الحكي) بـ(طريقة القول أو الحكي) قضية تلازمية ضروري توافرها في عملية تحليل القصة نقدياً ولا سيما إننا سنجد أن هذه القضية التلازمية سيكون لها الأثر الفاعل في توجيه (وجهات نظر) السارد في السرد حين تدرس طرائق السرد وآلياته في مباحث الرسالة القابلة، إذن كل مفصل من مفاصل البناء الهيكلي للقصة يوفر قيمة بنائية مهمة لإجمالي قيمة العمل الأدبي واستقراء دور وأهمية كل مفصل تؤتي أكلها في فهم العمل الأدبي بأكمله.

 

يأتي مفصل (الاستهلال) مفصلاً مهماً من مفاصل الخطاب القصصي، فكما أن (النهاية) لها أهمية تستأثر باللحظة الحاسمة التي ينفك فيها الصراع بين البنية الشكلية من جانب، وبنية الموضوع التي تنعكس خواص السياق الاجتماعي فيه من جانب آخر( ) وبما تحمله الخاتمة من عناصر إثارة تخيلية  للمتلقي وتحصيل متعة الاكتشاف وانفراج الأزمة وتحصيل الغاية، هذا فضلاً عن النهايات المفتوحة وهي تفتح أفقاً متجدداً للاحتمالات والتدعيم المتكرر للظاهرة (مضمون القصة)... كان للاستهلال أهمية منفردة من ناحية تأديته. وظيفة (جلب انتباه القارئ أو السامع أو المشاهد وشده إلى الموضوع، فبضياع انتباهه تضيع الغاية)( ).  من القص، فالاستهلال يحمل (ضمناً تاريخياً وتقليداً ما، وله بعد ذلك، أعراف بناء وطريقة قول، وقد يكون أقرب في حالات ما، إلى المبدأ  الشفاهي في القول وفي العمل)( )، وكثيرة هي إشارات القدماء البلاغيين والنقاد العرب إلى الاهتمام بالابتداءات( ) والطوالع، وكان أكثر اشتغالهم على قوة التأثير النفسي التي تنهض بها الابتداءات الجيدة ولهذا عدها (أسامة بن منقذ) دلائل البيان حيث قال (أحسنوا الابتداءات فإنها دلائل البيان)( )، ومتى ما توجه النظر إلى النص الأدبي على أنه وحدة نسيجية مترابطة تتناسب فيها العلاقات  العضوية لتكون كلاً موحداً يشد بعضه بعضاً ويؤول بعضه إلى بعض... أمكن أن ندرك القيمة التي ينهض بها الاستهلال في الإيذان والتلميح بالقابل من الوظائف والأحداث، بناءً على ذلك، بدت ضرورة اشتمال الاستهلال من ناحية بنيته الداخلية على جملة مظاهر ومقومات؛ يقف في مقدمتها (ثراء الكلمة، و الصورة وقابلية إثارة التأويل والتداعي؛ فالنص  ليس جملاً متراصفة يقولها راوٍ أو متكلم، وإنما هو نسيج يرتبط بالبداية الاستهلالية بخيوط ممتدة مشدود إليها) ( )،  من هنا، كان الاستهلال  مسباراً مهماً لتشخيص براعة الراوي أو الأديب في إنجاز استهلال قوي الوشيجة بمفاصل النص من خلال بنيته السردية التي يقف منها فعل الزمان والمكان والشخوص، مكونات أساساً لبنية أي نص سردي، فمن خلال التحرك الحر والمتمكن داخل هذه المكونات، أمكن إنجاز تشكيلات أسلوبية متطورة تشكل بمجملها فنية الخطاب الأدبي بأكمله( ).

 

إن التطور الحاصل في بنية الاستهلال القصصي في العصر الحديث، في مجال القصة والرواية، واحدة من أهم سمات الفن الروائي والقصصي الحديث بفعل التطور الهائل لتقنيات الكتابة الروائية ا لحديثة، وقد لا ينطبق الأمر نفسه مع القصص التراثي بسبب احتكامه إلى الارتجالية والشفاهية التي توجز الحدث كي تصل إلى استخلاص الحكمة من القص، وتعنى بالوظائف أكثر من تشكيل لغة موحية ذات تقنيات خاصة، وهذا لا يعني أن القصة الصوفية قصة حدث فقط إنما يشتمل نظامها العلامي على مراعاة (كيفية) الإيصال بمقدار مراعاة (ماذا) يوصل للمتلقي، فالعلاقة بين (الكيف) والـ(ماذا) علاقة وجودية متكاملة لا تظهر (المادة) إلا في (شكل) معين يختاره الأديب لها عملاً بهذا التكامل فإن احتلال (الاستهلال) موقعاً متميزاً في بنية القصة الصوفية دالاً على الوظيفة التي ينهض بها في عملية السرد فهو يحمل مؤشرات تنبئ عما سيكون وكيف يكون داخل النص نفسه، ومؤشرات أخرى يدرك منها القارئ كيفية بناء النص؛ فاشتغال الاستهلال على هذه المؤشرات يمنحه قيمة نصية ودلالية مهمة يجعله ركناً لا يمكن الاستغناء عن وظيفته المؤداة في جسد النص القصصي ولهذا كانت (الفقرة الأولى بالطبع تنطوي على أهمية كبيرة وهذه هي النقطة التي تأسر عند القارئ تفقده إلى الأبد)( ) بحكم ما توحي به المقدمة الاستهلالية أو إيقاظ لملكة ا لتوقع والحدس بـ القابل من الأحداث.

 

والاستهلال مرتبط ارتباطاً وثيقاً بمكونات البنية السردية، الأخرى للقصة، وخاصة عنصري الزمان والمكان، ولهذا فإن كانت بنية النص مكانية، رأيت تفوق المكان على الزمان في الاستهلال، وإذا كانت زمانية، رأيت تفوق الزمان على المكان فيه( ) توافقاً مع استراتيجية القص وموضع الراوي والمروي له.

 

ويوفر الاستهلال فضاءاً متاحاً لتشكيل الشفرة التأويلية التي يعدها (بارت) العنصر الخالق للأسئلة داخل النص والموجد الحلول لها أيضاً( ) فإذا ما كان الاستهلال متقناً ذكياً موحياً، أمكن أن يقود إلى شفرة سرد القصة التي تثير الحكاية بموجبها الأسئلة، وتخلق التشويق والغموض قبل حلها، فمن يتقن الابتداء؛ يحسن المعالجة والاختتام، فبهذا يخلق الاستهلال عنصراً استقبالياً عالي الكفاءة وهو (إطار لا غنى عنه، ينظم عملية الرواية والتلقي معاً) ( ) فيتشارك المؤلف و المتلقي في خلق النص وتلك مزية العمل الأصيل؛ الذي يصل بالنص المبدع عبر مستويات السيميولوجيا والإشارات... والإيقونات ثم الرموز( ) التي تتنوع فيها الدلالة وتتكشف، وتصبح العلاقة  بين الدال والمدلول افتراضية تأويلية مفتوحة.

 

وفي نصوصنا العربية التراثية، يعنى بالاستهلال أو صدر الحكاية الذي يقابل الآن في القص الحديث (العنوان) في النص القصصي، فالبحث في كيفية انبثاقه قبل أو بعد إنجاز العمل، عنصر الإيجاز والكثافة فيه، مقدار ما يحمل من إشارة إلى أحداث القصة مستوى بلاغته الأسلوبية... وأمور أخرى يشتمل عليها العنوان، تعطي صورة جلية عن دور العنوان في تأدية وظيفته على المنحيين الدلالي والاستقبالي،  وتتحكم بـ(العنوان) ثلاثة مؤشرات مهمة هي المؤشر (الأيديولوجي، الجمالي، الدلالي( )) فضلاً عن القيمة السياقية التي يمثلها العنوان فلا يمكن حذفه أو فصله عن النص حتماً.

من هنا، برزت أهمية دراسة الاستهلال في القصص الصوفي، انطلاقاً من القيمة التي يمثلها في مجمل الحدث القصصي في السرد وسيُدرس الاستهلال هنا على وفق أنماط القصة الصوفية التي سبق تصنيفها إلى ثلاثة أنماط: الذاتي والموضوعي والاسترجاعي.

 

1 ـ الاستهلال في القصص الصوفي الذاتي:

تتجلى قيمة الاستهلال في هذا النمط من القصص الصوفي الذي ينبني على حكاية حدث أو أحداث للراوي عن نفسه  أو منقولاً عن شيوخه ممن رأى أو سمع أو أخبر عنه من قبل عيان... في جملة من الصيغ سيقف المبحث على تقصي أنواعها من خلال النصوص وفحص غايتها الدلالية في تطور الحدث القصصي من خلال رؤية سياقية ثم ما يمكن أن تؤسسه هذه الدلالة من بعد تذوقي استقبالي من لدن متلقي القصة بدءاً أشير إلى حقيقة منهجية تفيد أن أي استنتاج علمي موضوعي لظاهرة ما يتوقف على مقدار (كمّي) توزعت عليه تلك الظاهرة لكي يصح أن يطلق عليها (نظرية) لها بواعثها السابقة، وتجلياتها اللاحقة، معنى ذلك أن النظرية لا تكون نظرية إلا إذا استندت إلى ظواهر متكررة.

 

والاستخدامات، ومن دون إغفال الاستثناءات يشار إليها في معرض الحديث عن حرية التأليف وتنوعه واستجابته لوعي اللحظة الإبداعية وسياقاتها المؤثرة، فمن غير الموضوعي أن ندعي قيام نموذج لساني محسوب الصيغ والعبارات ينبغي توافره في المنجز الأدبي، فهذا نظر معياري يتقاطع تماماً مع الرؤية الوصفية للفعل الأدبي التي تشتق النظرية من تجلياتها النصية المطروحة.

 

من الصعوبات التي تواجه الباحث في هذا اللون من القصص هي مسألة (الرواية) الحدث القصصي نقلاً عن (السارد) الأول، وكلما كثرت حلقات الرواية، تضعف الثقة في صحة النقل وتمام الحدث؛ فانتقال رواية عبر أزمان معينة، وأشخاص متباينين في المشارب والثقافة والانتماء والأخلاق، يجعل المهمة عسيرة أمام الباحث حين يقارب نصاً إبداعياً تشوب صحته شكوك ومزاعم كثيرة قد يكون الفاعل فيها محباً تنطلق (تغييراته) للنص الأصل من منطلق (عين الرضا...)، فهذا ليس أقل تشويهاً وتخريباً.

 

وحتى تصل الرواية إلى آخر حلقة ساردة حيث تنتهي على يديها المرحلة الشفاهية للقصة لتستقر في شكل كتابي  له سمة الثبوت من هنا، نجد أن القصة التي وصلت إلينا، إنما وصلت (مقروءة) من لدن أشخاص ومواقف وأزمان نتوقع أجراء بعض التغيرات على وظائف القص، أو شخوصه، ونمط الحوار، هنا يمارس الراوي عملية السرد من خلال (وجهة نظر) انتقلت إليه بمحتواها السردي ثم يبثها مطبوعة بميسمه الخاص، المفترض فيه أنه حلقة ناقلة لا فاعلة( ).

 

هنا، نعد (سارد) القصة هو (المؤلف) أو الناقل، وعليه سيكون الكلام على بلاغة القص مشوباً بالتحفظ لغياب صورة المؤلف الأول أو على الأقل ضبابيتها.. والذي  يهم هذه الفقرة من البحث اكتشاف العلاقة الرابطة التي اصطنعها ذكاء السارد في تشكيل بنية الاستهلال بما يتلاءم مع تطور الحدث في نهاية القصة.

 

2 ـ صيغ الاستهلال:

تجلت طائفة من الصيغ الاستهلالية المُنْبية عن وعي السارد أو الراوي ـ سيتم تشخص مزية الاثنين في عملية السرد ـ بقيمة جملة الاستهلال الأولى في تكثيف الحدث القادم والإيذان به، الأمر الذي يؤدي إلى (اقتصاد) في المفردات الذي لابد وأن يستند إلى (اختيار) واعٍ لوقع الكلمة  ودلالتها المؤدية للغرض المقصود ومن هذه الصيغ التي تكاد تشيع في القصص الصوفي بنمطه الذاتي والمحكي عن الذات (صيغة الإسناد)، أو العنعنة؛ التي تمنح النص المروي والراوي مزيتين:

 

الأولى: قيمة الحدث المروي تكتسب مصداقيتها حين تعرف الجهة المنقولة عنها وتذكر بالاسم، ذلك دليل على (أمانة) السارد الذي نقل القصة عن (الراوي) فيقترب بذلك، نمط القصة  من نمط الأخبار والمرويات والأحاديث التي يعتبر فيها التوثق والإسناد وسلسلة الرواة.

 

الثانية: إن السارد حين يصرح بمصادره، إنما يعلن عن (براءة) غير متحققة، من مضمون القصة، أو سمات أبطالها أو أسلوب السرد.

على الرغم من ذلك، فإننا نقارب القص الصوفي الذي بين أيدينا  بصورته التأليفية المكتوبة واصفين لا مقننين.

من خلال ما تم الاطلاع عليه من مظان القص الصوفي، تبين شيوع صيغة (قال فلان...)، رواية عن شخص يذكر بالاسم وفي الغالب تكون هذه الشخصية معروفة ضمن إطار الطائفة أو البلاد الإسلامية، وكلما كانت الشخصية معروفة ومشهوداً لها بالخلق والصلاح والعلم والمنزلة الحسنة... كان ذلك أدعى لصدق الرواية، وتكاد توازيها صيغة (سمعت) ( ) أو (حدثني)( ) أو ذكر بعض (صحابنا)( )،  فسرد الرواية يتم بعد سماعها مباشرة من راويها وعن طريق وسائط من الأصحاب الذين سمعوا عن آخرين ولعل هذا التوثيق وتوخي الدقة من مصادر الرواية، يعد محاولة لتأسيس رؤية أكثر رصانة تجاه الفن القصصي، كي لا يكون فن تسلية وتزجية أوقات الفراغ، بعد أن استأثر (الشعر) بامتياز من المراتب لا يدانيه فن آخر في ذائقة العربي واختياره فقرن القصة بوسائل تدعيم الثقة في مضامينها يعني نفي الاعتباطية أو التخريف أو الوضع عن القص الصوفي، فالحكايات (جند من جنود الله) كما وصفها الجنيد تتقوى بها قلوب المريدين، وتناقلها العلماء لبثها إلى تلامذتهم تهديهم إلى معالم الطريق في الرحلة الصوفية الشاقة، فللحكاية قيمة وفائدة وحاجة.

 

وانبناء هذه الغائية المفيدة، لابد أن يقام على أساس نظام متكامل توخى فيه حيازة اهتمام السامع، وتفتيح ملكته الذهنية في التوقع والترقب واستشفاف النتائج من خلال المقدمات وهذا مبتغانا في هذا المبحث ونظرة في الأمثلة التطبيقية تتوضح هذه الدلالة:

 

عن أبي يزيد البسطامي، قال: (كنت جالساً يوماً وعندي أربعة من الصالحين، فأتى بطاس فيه عسل، وإذا فيه شعره فوُضعَ بين أيدينا....).( ) فقال كل منهم قولاً فيها حتى انتهى الأمر إلى البسطامي فأحسن في الوصف. ابتداء الحكاية عن الذات أردفها بجملة (وعندي أربعة من الصالحين) صدر بها الحكاية أعلاماً لما سينهض به هؤلاء من وظيفة خلال السرد إلا وهي إثبات (الأستاذية) للبسطامي في المعرفة واكتناه الرموز والعلم بالباطن، وفي قصص الأحوال والمقامات إنه (قد حكي أن ذا النون المصري بعث إنساناً من أصحابه إلى أبي يزيد لينقل له صفة أبي يزيد....) ( )، هذه الجملة الاستعلالية تُشعر ضمناً بأستذة البسطامي في الطريقة الصوفية، وذو النون يعترف بذلك فيوفد عليه من ينقل إليه صفته، وسياق الحكاية يثبت ذلك، فحين يصل الموفد ويسأل عن دار البسطامي، فيدخل عليه ويقول له أبو يزيد: ما تريد؟... فقال: أريد أبا يزيد،  فقال: من أبو يزيد؟ أنا في طلب أبي يزيد...فخرج الرجل وهو ظان بأبي يزيد شراً، وقفل راجعاً إلى ذي النون ليخبر الأخير بما شهد فيبكي ذو النون ويقول: (أخي أبو يزيد ذهب في الذاهبين إلى الله)، يقصد أنه دخل في حال (الحضور)، فتقف الجملة الاستهلالية عنصراً بنائياً يسهم في تنمية الحدث وتطوره وصياغته غايته، فوجود شخصية معينة في الجملة الاستهلالية يوحي بأن لهذه الشخصية دوراً في تشكيل الحدث الرئيس للقصة، كما في قصة (الجنيد والشبلي) حين (كان الجنيد قاعداً وعنده امرأته) ( )، فدخل الشبلي فهمت امرأة الجنيد بالنهوض لتستتر، فقال لها الجنيد (لا خبر للشبلي عنك فاقعدي)، فذكر (المرأة) هنا دليل على دور مهم ستكون هي واسطته لكشف حالة صوفية متفوقة عند الشبلي، ألا وهي حال (الغيبة) غيبته عن عالم الحس، والمرأة، وتكمن رمزية، والمرأة هنا في كونها عنصر الجمال، والحياة والإثارة وحب البقاء وديمومة الوجود البشري؛ فهي محصل لمجمل معاني الحياة الدنيا القوية التأثير في النفس البشرية، على الرغم من ذلك تقول الحكاية فلم يزل يكلمة (الجنيد) حتى بكى الشبلي، فلما أخذ الشبلي بالبكاء، قال (الجنيد) لامرأته: استتري فقد أفاق من غيبته).

 

وتتجلى قيمة الاستهلال ومكانته، في قصص (الكرامات) الصوفية التي تعكس حدثاً خارقاً للعادة مشتملاً على عنصر المفاجأة  التي تنتهي في الغالب بصدمة (الواقف) (على الكرامة) والرائي لحدثها وهو ذاته الراوي لنا عنها... بأن تُسْتَهل القصة بوصف مغرق في الضعة والهوان والاستكانة لينفي أي بارقة فكر تتولد في أفق توقع المتلقي في حدوث العكس، وإذا به في نهاية القصة يقلب هذا التوقع ويعكس حالة ضدية تماماً تشخص في صورة ـ (الكرامة) التي يهبها الله تعالى لبعض أوليائه، (قال صاحب اللمع، سمعت أن الحسن البصري رحمه الله، يقول: كان بعبدان، رجل أسود فقير، يأوي الخرابات...)( ) بعد هذا الوصف التمهيدي الذي بشكل طبيعي تتهيأ ذهنية المتلقي لتوقع أي شيء عدا أن هذا الرجل الأسود الفقير آوى الخرابات يمكن أن يجلس على أرض من ذهب!!!!... ويستكمل الرواية فيقول: فحملت معي شيئاً وطلبته، فلما وقعت عينه عليَّ تبسم، وأشار بيده إلى الأرض، فرأيت كلها ذهباً يلمع، ثم قال لي: هات ما معك، فناولته ما كان معي، وهربت منه فهالني أمره.

 

فتصدير القصة بوصف الشخصية الرئيسة فيها بلون معين من النعوت يخلق أفق توقع للمتلقي لكي تكون المفاجأة أكبر، والصدمة أوقع، فظاهرة (قلب التوقع) وإيراد الضد في الاستهلال والاختتام سمة أسلوبية اتبعها الأديب الصوفي كي يضخم من فعل الكرامة ويجعله أمراً فائقاً للتصور أو المنطق أو المألوف.

 

ويستثمر هنا، الأديب الصوفي مرجعيات المتلقي بوصفها مناخاً لتوليد شفرات النص التي هي بمثابة سياق مشترك بين الأديب والمتلقي، وهذه المرجعيات تتجسد في العناصر الثقافية والدينية والاجتماعية  والأخلاقية التي لها سمة تداولية في مجتمع ما( )، في (أدب الكرامات) نلحظ هذه (المغازلة) لمرجعيات المتلقي، واحداً من أساليب الوصول إلى ما دعوناه بـ(قلب التوقع)، سنورد مثالاً على ذلك، قيل (حكي عن إبراهيم الآجري، قال: جاءني (يهودي) يتقاضى علي في دين كان له، وأنا قاعد عند الآتون أوقد تحت الآجر...)( ). فبدأ بـ عبارة (جاءني يهودي) ليخلق مناخاً لتوقعات هي أبعد ما تكون عن قيم الرحمة والتعاطف والتكافل والمساعدة ورقة القلب... فالرجل يهودي، واليهود معروفون بـ"الربا"، وهم القوم الأشد عداوة للمسلمين... فبعد أن تخلق هذا المناخ المرجعي في ذهن المتلقي يجيء فعل (الكرامة) ليكسر هذا المناخ (الموغل في ماديته ودنيويته وحسيته) إلى مناخ آخر يجعل فيه اليهودي إنساناً باحثاً عن الحقيقة... الحقيقة التي يستعد للتخلي عن دينه وانتماءاته لأجلها هذا فضلاً عن رمزية ما يحمله اسم إبراهيم من مرجعية دينية لاسم النبي (ع) الذي ألقي في النار فكانت برداً وسلاماً عليه بإذن الله. إذا هي مثلت أمامه شاخصة جلية... ولكي نستوضح هذا التطور الدلالي في وظائف القصة نكمل ما جرى فيها: (فقال اليهودي: يا إبراهيم أرني آية أسلم عليها، فقلت له: تفعل؟ قال:نعم، فقلت: انزع ثوبك، فنزع فلففته ولففت على ثوبه ثوبي فطرحته في النار، ثم دخلت الآتون وأخرجت الثوب من وسط النار، وخرجت من الباب الآخر،.. فإذا ثيابي بحالها لم يصيبها شيء، وثيابه في وسطها صارت حراقة.. فأسلم اليهودي...). فيلحظ من هذا الاستعراض، أن جميع محاور النص الدلالية قد أرسي لها أساس تمهيدي مكثف هو الجملة الاستهلالية، ومقدار وعي الأديب بأهمية الاستهلال ووظيفته في سياق العمل الأدبي، ويكون ذلك مقياس جودة العمل وأدبيته.

 

3 ـ الاستهلال في القصص الصوفي الموضوعي:

تبدو في هذا النمط من القصص الصوفي، الحكاية عن مغيب ضاربة أحداثه في عمق الزمن البعيد. من هنا، اكتسبت هذه القصص قيمتها الحكمية مكن خلال استمدادها قيمتها وجدواها من مزية (القدم) فيها، وللقدم دلالة شمولية تجريدية فضلاً عن الدلالة الزمنية.

 

تتصدر هذه القصص عبارة (وقد حكى...)، أو (يحكى أن...)، فالراوي هنا، مفارق لمروية تماماً، فتتحد شخصية الراوي، والسارد بفعل مجهولية السارد الأصل، ويكتفي الراوي أن يكون الوسيط الناقل مع عدم تجريده من الإبداع؛ لكون الراوي هنا غير ملتزم بأمانة نقل تجربة حدثت فعلاً ـ كما هي الحال في القصص الذاتي السابق ذكره ـ فمجال الحرية يكون أوسع، وإمكانية التحرك على أرض النص تكون مفتوحة، من هنا، لا نجد كبير عناية بالإسناد والعنعنة وذكر سلسلة روائية إنما هنا تتركز قيمة النص فيما يترشح عنه من حكمة بالغة أو عظة حميدة، معنى ذلك أن قيمة النص ليست في (النص)... بل في (ما وراء النص)... باعتبار الهدف التقبلي من لدن السامع أو القارئ.

ولا نعدم في هذا الضرب، الذي يشتمل على قصص الوعظ على لسان الملوك الغابرين وعلى ألسنة الحيوانات، وقصص ذات طابع فلسفي تشير إلى تطور مفهوم التصوف وشموليته حتى استوعب مجمل تفكير الإنسان بالقيم الثابتة للوجود البشري... استثماراً لبنية الاستهلال السردي في خلق وتهيأة الأجواء الروائية لتشكيل حدث القصة وغايتها فيتجلى عنصر الشد والإثارة في هذه القصص بـ(مفاتيح) جمل استهلالية تشير إلى جملة أغراض سردية، ونصية، كما يحدث في قصة الملك المسلم وابنه التي مطلعها: (وقد حكي أن بعض ملوك الهند لما دنت وفاته، وكان مسلماً قدأحضر ولداً له قد كان أهلاً للملك بعده..) ( )، فصدر بعبارة (حكي) إعلاناً عن مفارقة الراوي لمرويه ثم لها من وسائل التأثير التي منها:

 

1 ـ (ملك) من بلد بعيد هي الهند بلد الأساطير والفنون والأجواء الخرافية.

2 ـ (وقت وفاته) المحضر هنا محضر وصية، وخلاصة تجربة انتهت، وتدشين تجربة جديدة.

3 ـ (كان مسلماً) يعني بيان لمرجعية الملك الأخلاقية والانتمائية.

ثم يوصي بعشر وصايا، (وقد علّمه شيئاً من الحكمة وعرّفه شيئاً من سياسة الملك)، إذن ثمة تهيأة سابقة، ثم يُردفها بعشر خصال تنفع للدنيا، وعشر أخرى يصلح الله تعالى بها الملك والسلطان، ثم توجه إلى علماء مملكته وأولى الفضل والشرف فيها وأهل المنازل والرتب ونصحهم وأوصاهم، ثم لحقته سكرة الموت واعتقل لسانه، وحزن عليه أهل المملكة.

 

وتختتم القصة بقول الراوي: (ثم قضى الله فيمن بعده بما أحبه، وتصرفت بهم الأحوال) ( ).

فعلاقة التصدير أو جملة الاستهلال  بسياق القصة وختامها، ليست علاقة وظيفة أو حدث يجسد أخلاق الملك، إنما هي علاقة لسانية (النصائح)، لم ترتق إلى مرتبة التجسد الوظيفي الذي (يشير) إلى المضمون الأخلاقي فعلياً، وليس يكتفي بالنصح والوصية التي تمثل البعد التجريدي للفعل الأخلاقي.

بينما نجد في قصة (اليهودي المجوسي) ( )، استثماراً ذكياً لبنية الاستهلال لتحقيق هدفين:

الأول: إرسال الرواية من خلال تغييب الراوي بعبارة (ما جاء في الخبر)...

الثاني: تشخيص ثيمة القصة، ومحور الحدث الرئيس في القصة، في كون خلاف الرجلين هو رمزاً لخلاف العقيدتين بما تحملان من قيم وأخلاق وأعراف، أملتها طبيعة كل مذهب، وطبيعة متمذهبيه وأخلاقهم، فجاءت جملة استهلال على النحو الآتي: (ما جاء في الخبر، أن رجلين اصطحبا في بعض الأسفار، أحدهما مجوسي من أهل كرمان، والآخر يهودي من أهل أصفهان...)، ليعلم من سياق القصة أن التصدير يقوم مقام (العنوان) فلو شئنا عنونة هذه القصة، لكان العنوان: قصة (المجوسي واليهودي)؛ وذلك لأن محور صراع القصة قائم على مستوى وعي لكلا البطلين فكل مثل مذهبه (أو ما صار عُرْفاً في أذهان الناس عامة من أخلاقية المجوسي أو اليهودي) لكي تصل في النهاية إلى تفوق الديانة المجوسية (العُرْف المجوسي).

 

وربما كان المؤلف مجوسياً لذلك مالت كفة الصراع صوب المجوسي ـ على اليهودية، وتحيلنا نهاية القصة إلى شيء آخر يتجسد في (عمق) إيمان المجوسي بقدرة الخالق عز وجل وبقدرته على الاقتصاص ممن ظلمه، وفي هذا بعض المغالطة المحسوبة من قبل (واضع) القصة وليس راويها (أخوان الصفاء)، فالمجوسية هم عبدة النار، ولا يؤمنون بإله له هذه المواصفات التي رسخها القرآن الكريم والرسالة المحمدية السمحاء، يتضح من ذلك أن (واضع) القصة فارسي ومسلم انتماؤه الأول للمجوسية التي تعد دين آبائه وأجداده قبل إعلان الفرس إسلامهم.

 

والذي دعا إلى هذا الاستطراد، إلحاح الاستهلال في القصة على ذكر الرجلين بصفتهما (الدينية) وليس بأي صفة أخرى يمكن أن يتسم بها بطلا القصة غير انتمائها الديني.

والحق، أن هذا اللون من القصص الموضوعي، إنما ظهرت العناية به وبتدوينه في مراحل متقدمة من تاريخ التصوف ما بين القرن الرابع الهجري حتى السابع الهجري والمدة التي تليه، حين بدأ التصوف من حيث المفهوم ـ يتسع ويتطور ويلتمس طابعاً فلسفياً شمولي الرؤية فضلاً عن طرائق عرضه لأفكاره التي لا تؤلب ضده أحداً إذا ما عرضت بأسلوب أدبي فني رمزي، كما تجد ذلك في تصانيف متصوفة العرب كـ: ابن سينا وابن رشد وابن طفيل وإخوان الصفاء، في تأليفهم القصة الفلسفية وقصص الطير، وفي متصوفة الفرس: فريد الدين العطار (ت627هـ) وجلال الدين الرومي (ت671هـ) وسعدي الشيرازي (ت691هـ) الذين كتبوا القصة الشعرية الصوفية كالمثنوي ومنطق الطير والبوستان وغيرها.

 

فنما وزها هذا اللون من الأدب القصصي الرمزي الحكمي في غضون هذه المدة، وقد أسهمت في تطوره جملة مقومات وبواعث أعانت على شيوعه وتدوينه منها:

 

أولاً: تشيّع نفر كبير من الفلاسفة والمتصوفين( )، الأمر الذي حدا إلى انطباع أدبهم وتأليفهم بطابع التقيّة المبدأ المعروف عند الشيعة الذين استمدوه من القرآن الكريم ومن اشتماله على الطابع الرمزي الذي يحتمل أكثر من تأويل، يجعل الصوفي في منأى عن سوء الفهم أو العقاب. فكان خلق هذا (المعادل الموضوعي) والتكلم بلسانه، أسلوباً أدبياً ذا أكثر من نفع.

 

ثانياً: الإزجاء المباشر للفكرة يخل بالقيمة التأثيرية للحكمة أو الإرشاد أو النصيحة القيمية. وكلما تقدم العقل البشري فهو يحتاج إلى وسائل اتصال عقلية وذهنية وأدبية أعلى مستوى، وأكثر ذكاءً وأعمق تفكيراً؛ فمستوى خطاب الطفل يختلف عن مستوى خطاب البالغ أو المثقف أو الشيخ الكبير.

 

وبالفعل، أفاد هذا التطور في القصص الصوفي، الفن القصصي والأدب الصوفي بشكل عام، سعة في الرؤية، وشمولية في التناول الموضوعي لمشكلات الدين والمجتمع والأخلاق في صيغ طرح جديدة غير الوعظ المباشر أو الطرح الخطابي أو التأليف الديني. فالقصة أوقع في النفس وأجلب للانتباه، وأكثر إقناعاً ولا سيما إذا اقترن القص بمجهولية الراوي الأصلي والذي تمتد أحداثه السردية إلى أزمان سالفة وفي أماكن بعيدة، تجعل إقبال النفس عليها كبيراً، فكل قديم أثير على النفس يوقظ مشاعر يختزنها اللاوعي عن ماضٍ ذهبي حالم... ولكي تتم تهيأة هذا الطقس الاستقبالي للمتلقي، نلحظ حضور (صيغة المبني للمجهول) في الجمل الاستهلالية في القصص الموضوعي، من أمثال: (حُكي...)( )، و (ذُكر أن...)( )، وقصة (بيراست الحكيم)، تبدأ بالفعل: (ولي على بني الجان ملك منها...)( ) و(عُلق أحد الرجال وهو مكبل بالقيد والأصفاد في يديه)( )...، وتستمر حكايات (منطق الطير) جميعها على هذه الشاكلة، تبدأ بفعل ماض تتحدث عن أحد الطيور وموقفه إزاء مسألة البحث عن (السيمرغ) الملك الذي تريد الطير تنصيبه ملكاً عليها، ولعل انتماء جمل الاستهلال لزمن ماض يجعل النص الحكائي يطرح أكثر من مستوى زمني لعملية القص:

 

ـ زمن الحدث: وهو الأسبق، وهو زمن وقوع الأفعال.

ـ زمن الحكاية: وهو زمن استيلاد الصورة اللسانية عن الحدث (واقعياً كان أم تخيلياً).

وارتباط صيغة الأخبار عن الحدث بالماضي، بظاهرة مجهولية الراوي، يجعل من طقس التأثير قوياً على المتلقي الذي تأسره عملية السرد ذاتها، بمكنونها الموضوعي، وخلاصتها القيمة، ولا يعنيه صدق الراوي أو واقعية أحداث القصة. فالجانب الإمتاعي (اللذّي) في القص من وجهة نظر المتلقي يعلو على الجانب التوثيقي وكلما كانت بعض التفصيلات غائمة، أمكن جذب ذهنية المتلقي وتهيأته لأحداث لا معقولة أو خرافية فضلاً عن الحرية التي يوفرها هذا الإطلاق للراوي في إحداث بعض التغييرات في النص المسرود والحدث والشخصيات أو النتائج... حتى يصل الفعل الحكائي إلى صيغته الثابتة (التدوين) فيخرج من طور الشفاهية المتغير والقابل للزيادة والنقصان إلى كيان لساني له سمة الثبات. والملاحظ أن طريقة السرد على لسان الحيوان، تخلق وعياً تناسبياً بين ما يمكن أن يتكون من تصور كم كينونة ذلك الحيوان مثلاً والفعل القصصي الذي أصبح هذا الحيوان معادلاً موضوعياً لفاعل بشري مختف عن الأنظار، وبين الثيمة الخاصة التي يحاول المؤلف (الراوي، إزجاءها للمتلقي، بحيث لا يذهب ذهن المتلقي بعيداً في تأويلات هي خارج المقدار الذي يريده الراوي من علاقة مخصوصة بين الرمز والمرموز إليه، فهو حين يشفر مادته اللسانية، فهو في الوقت ذاته يحد أفق التأويل وكأنه يمنح للمتلقي منظاره الخاص يبصر به الحقيقة التي يريدها له...

ولعل محدودية الهدف الإقناعي التوجيهي( ) قد ألقى بظلاله على جغرافية الفعل الأدبي... ولكي لا يمضي بنا الكلام كثيراً في هذه المفردة في البحث؛ فقد خصص لها مبحث خاص يبحث العلاقة بين الراوي ومرويه والمروي له.

 

نعود إلى بعض الأمثلة الإجرائية، لنستكشف منها موضوعية البحث في علاقة الاستهلال بسياق النص، فنجد أن القصص الموضوعي الوارد مثلاً على ألسنة الحيوانات، يتضح فيه ذكاء الراوي في جعل جملة التصدير عنصراً فاعلاً في توجيه ذهن المروي له إلى القابل من الأحداث مع فتح كوة صغيرة على الخاتمة، ففي قصة (الأسد والذئب، والثعلب) التي يرويها شاعر الصوفية (جلال الدين الرومي)، تأتي جملة التصدير كالآتي:

 

(توجه أسد وذئب وثعلب إلى الجبال في طلب الصيد...) نقف عند هذا الترتيب في ذكر أبطال القصة، فاستهل بالأسد ثم الذئب، ثم الثعلب، فيشير بذلك إلى مرتبة كل من هذه الحيوانات الثلاثة في عالم الغاب، الأسد الملك ثم بعده قوة الذئب في الضراوة ثم الثعلب الذي يتمتع بشجاعة غير صريحة وإنما ماكرة... الحقيقة أن هذا التسلسل تحقق مصداقيته في سياق الأحداث في القصة، حين يستأثر الأسد بأكبر الفرائس، أو بالصيد كله ولا يرضى أن يقف مع زميله على قدم المساواة أو أدنى أو أعلى، في المراتب، فهو فوق كل المراتب ولا يدانيه أحد في مرتبة( )، ففعل (التوجه) يكثف مركزية الحدث إلا وهو (الرحلة) التي تكاد تكون وظيفة سردية مشتركة في القص الصوفي الموضوعي، يمنح للنص دلالة دقيقة للحدث لا زيادة فيها ولا فضول يختمها الشاعر بذكر الحكمة في كل حكاية ترد، ففي (المثنوي) مثلاً وهو أثر صوفي مهم نجد أنه (مبني حول مجموعة في القصص ولكن رواية القصص في هذه المنظومة لا تقصد لذاتها، وإنما هي لبيان مقاصد فلسفية، ولأهداف تعليمية، فالشاعر يبدأ القصة، فلا يكاد يروي أولى وقائعها حتى يستطرد منها للتحدث في حكمة هذه الواقعة)( ).

 

ونجد كذلك، ذلك التناسب الجميل الذي يتقصاه الراوي فيدل على ذائقة انتقائية رصينة وفقه بالعربية وبثرائها الكريم، فنلحظ مثلاً في حكاية (النحوي والملاح)( )، والطرح الجميل لفكرة (النحو والمحو) حين ينعى النحوي على الملاح جهله بعلم النحو بقوله (لقد ضاع نصف عمرك سدى) وبعد أن ألقت الدوامة بالسفينة في مهاوي الغرق، سأل الملاح صاحبه عن معرفته بالسباحة، فأجاب الآخر بالنفي، عند ذلك قال له: (ضاع كل عمرك أيها النحوي) لأن السفينة توشك على الغرق والنحو الآن لا ينفع إنما النافع هو (المحو)، لأن ماء البحر يجعل الميت فوق سطحه، أما من كان حياً فمصيره الفناء...

فاشتقاق الحكمة، تم استحصالها من خلال ثقافة المؤلف بالعربية فنجح في إقامة علاقة دلالية بين لفظتين متماثلتين بالإيقاع الصوتي، مختلفتين بالمعنى.

 

4- بنية الاستهلال في القصص الاسترجاعي:

يدخل تحت هذا الجزء من المبحث، المتون الحكائية التي تأتي طريقة سردها بصفة استرجاعية جرت أحداثها في عالم اللاوعي والحلم والرؤيا، وفضاء هذا العالم يتحرك في ميقات (النوم)، فتوحدت في أسلوب سردي يعتمد استرجاع الحدث الذي جرى في وقت المنام.

وتعتمد استقبالية المتلقي لمضمون هذه الرؤى على قناعته بثقة المروي وصدقه لصوره عن جهة لم يشهد على مجريات حكاياتها الحُلُمية فـ الراوي (الرائي) بوصفه الشاهد (البطل) الوحيد على مجرى الأحداث القصصية في الحلم، على هذا، فإن مقدار الخيال والتفنن يكون كبيراً، وبقدر ما يوطئ الحالم لمقدمات تقنع سامعيه، بحقائق لها وجود عياني، بإمكانه أن يصل إلى درجة كسب ثقة المتلقي، وكسب تعاطفه وتصديقه، حتى يحصل الرائي على مكانة جيدة بينهم لعلو مقام الرؤيا الصالحة في نظر المسلمين فـ (صدق الرؤيا) يعد (نوعاً من أنواع الكرامات)( ) تمييزاً لها من الخواطر الفاسدة، وهواجس النفس، ووسوسات الشيطان، ففي الخبر (أصدقكم رؤيا، أصدقكم حديثاً)( ) والرؤيا الصادقة جزء من سبعين جزء من النبوة( ).

من هنا كانت مكانة الراوي (الرائي)، منوطة بقيمة ما يروي وصدقه، وهو في هذه الحال به حاجة إلى وسائل تدعيمية تجعل من (صحة المروي) أمراً لا يقبل الجدل، ومن هذه الوسائل:

 

أـ حضور شخصيات إسلامية أو دينية مهمة كالأنبياء وبخاصة الرسول محمد والأولياء والصالحين وشيوخ الطريقة ممن لا يتطرق الشك إلى سيرتهم ومكانتهم. وممن شكلوا جزءاً مهماً من الذاكرة العامة (مجمل المسلمين)، الخاصة (المتصوفة ومريديهم).

ب- فكرة الرؤيا ذاتها ومحورها الدلالي، يدور على أساس عليه مسلمات، ولا سيما إذا ما تطرق الحكم إلى المزايا الأخلاقية.

ج‍- تغييب اسم الراوي الأصل، فيما إذا كانت الرواية ليست ذاتية أي ليست حكاية عن الذات (الرائية) بل عن راءٍ آخر ويكثر هذا النوع من الروايات في السير والتراجم الخاصة بمشاهير التصوف.

 

من وجهة نظر نفسية( )، يرى علم النفس الحديث أن انشغال النفس الإنسانية برافد ثقافي معين؛ ديني، سياسي، اجتماعي... تستمد منه وجودها وقيمتها وانتماءها.. فذلك يفسح المجال أمام قوى اللاوعي كي تختزن كماً هائلاً من مفردات هذه الثقافة، وتعاليمها وطروحاتها وأساتيذها... فتطفو في الرؤى والأحلام كمحاولة استرجاعية توفر لذة للحالم بمصاحبة من يحب أو استعجال الثواب الذي قرأ عنه وتثقف عليه من لدن شيوخه، أو حتى الاطمئنان إلى صحة المبدأ الذي أعتقه.

قياماً على ذلك، يمكن (قراءة) متون الرؤى الصوفية من خلال دلالاتها الزمنية على النحو الآتي:

أـ دلالة استرجاعية: أي محاولة استعادة تلذذ وجلب اطمئنان، واجترار لما تم تلقيه تلقياً واعياً بالقراءة أو الدرس أو الخبرة التجريبية.

ب- دلالة استقبالية: فقد ينظر إلى الرؤى والأحلام ـ ما صدق منها ـ بوصفها (تنبؤات)، واستشرافاً لما سيأتي من الأحداث والمقدورات في المستقبل القريب أو البعيد وبخاصة المصير الأخروي إلى جنة أو نار.

 

وعوداً إلى موضوعة المبحث ـ استناداً إلى الدلالات المذكورة آنفاً ـ حين يكون الزمن الحاضر (لحظة الروي)، زمناً هشاً بين استرجاع ما مضى، واستشراف الآتي. في هذه اللحظة المكثفة، يمكن أن نقيد سرعتها الوهمية بحدود (اللفظ) منطوق الرؤيا، لنشتق منها ذلك البعد العلائقي بين الجمل الاستهلالية وسياق الرؤيا ونتيجتها، ومن خلال الاطلاع على عشرات القصص فمن هذا الباب ممن تيسرت مصادره، أمكن ملاحظة الآتي:

 

أـ للرائي نفسه في (المنام)، تتصدر لغة الرؤيا عبارة (قد قيل...) بصيغة المبني للمجهول، أحياناً يذكر اسم الراوي( )، لا سيما إذا كان حياً، أو أن تأتي الحكاية عن الذات من دون واسطة (راو) وهنا تقع مسؤولية صدق الخبر الرؤياوي على المؤلف الذي جمع هذه الروايات ولم يسندها لمصادرها.

وهنا، نقف في حذر وتحفظ في هكذا روايات مرسلة، وأكثر ما يتجلى فيها الهدف التربوي التثقيفي الذي لا يعني بمن قال؟ وكيف قال؟ وعمن نقل؟ إنما العناية تتوجه إلى: ماذا قال؟.... فالقصص الرؤياوية هنا وسيلة تثبيت قلوب المريدين وسائر المتأدبين.

 

وبعد كلمة التصدير (قيل...) يذكر اسم البطل. بطل الرؤيا أي الرائي، وفي الأعم الأغلب، يكون من الشخصيات الدينية أو الصوفية خاصة من رؤوس المذهب المشهود لهم بالعلم والتفوق والرياسة فيأتي ذكر (الاسم) باعثاً على التصديق من لدن (المروي له)، ويوفر الذكر أيضاً توطئة نفسية للمتلقي لتوقع مضمون الرؤيا، من ذلك نذكر: (قيل رأى الجنيد إبليس في منامه عرياناً فقال له: ألا تستحي من الناس...)( ). فذكر (الجنيد) رأس الطائفة له دلالة موحية بمضمون في صالح الجنيد بلا شك، فصار مرتكز القصة الأساس هنا، رؤية إبليس العريان، وشجاعة الجنيد في محاسبة إبليس وسؤاله واستنكار فعله،… ثم تتوالى الأحداث في القصة ليذكر إبليس أنه لا يعبأ بالناس عدا جماعة في (مسجد الشوينزية أضنوا جسدي وأحرقوا كبدي)، يقول الجنيد: فلما انتبهت عدوت إلى المسجد فرأيت جماعة وضعوا رؤوسهم على ركبهم متفكرين، فلما رأوني قالوا: لا يغرنك حديث الخبيث….

 

فامتدت مصداقية الرؤيا لتشمل الزمن الحاضر لحظة الانتباه من النوم وهنا يحدث هذا الوصل العجيب بين الحدث الرؤياوي، واتصال عالم الحس به.

ولانعدم في أمثال هذه القصص نوعاً من التكلف في صياغة لغة القصة لكي تقترب من نموذج المحكي عنه كقول بعضهم: (سمعت الأستاذ أبا علي يقول رأى الجريري الجنيد في المنام فقال: كيف حالك يا أبا القاسم؟ فقال: طاحت تلك الإشارات، وبادت تلك العبارات، وما نفعنا إلا تسبيحات كنا نقولها بالغدوات…)( ). (وقال الجنيد رأيت في المنام كأني واقف بين يدي الله تعالى فقال لي يا أبا القاسم من أين لك هذا الكلام الذي تقول؟ فقلت: لا أقول إلا حقاً فقال صدقت...)( ).

 

ب- نمط آخر في الرؤى تتحدد موضوعته في السؤال عن مصير كبار شيوخ الصوفية بعد انتقالهم إلى الرفيق الأعلى، وتتصدر بعبارة (قيل رؤى…) بفعلين مبنيين للمجهول أيضاً، فالقائل (الراوي) مجهول، وكذلك (الرائي)، معنى ذلك أن التحفظ هنا يكون أشد ولا يعتمد الباحث إلا سارد الرؤيا (المؤلف)، التي لا يمكن الوقوف على صحة مضمونها أو عدمها، لكونها فعل دخل في إطار المغيبات. من ذلك نستعرض القصة التي تبدأ بـ (رؤى بشر الحافي في المنام فقيل له: ما فعل الله تعالى بك؟ فقال: غفر لي، وقال: أما استحييت يا بشر مني كنت تخافني ذلك الخوف)، و (رؤى أبو سليمان الداراني في المنام، فقيل له ما فعل الله بك فقال: غفر لي وما كان شيء آخر علي من إشارات القوم)( ).

 

وقيل (رؤى بشير الحافي، في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: لما رأيت ربي عز وجل قال لي: مرحباً يا بشر لقد توفيتك يوم توفيتك وما على الأرض أحب إلي منك)( ).

من خلال هذه النماذج الحكائية، نستخلص حقائق من واقع هذه النصوص المروية التي يلحظ ـ أول ما يلحظ فيها ـ نمطية أسلوب الرواية، في حوار تقريري يكشف عن الرغبة العارمة التي تجتاح ذات (الرائي) لمعرفة مصير شيوخه الذين تلمذ لهم. وتشرب مواعظهم وأفكارهم.

 

والطريف في الأمر، إننا لا نجد في هذا اللون من القصص الرؤياوية ما يشير إلى خاتمة مأساوية لحقت مصير أي من الشيوخ المرئيين في الحلم، معنى ذلك، أن صياغة هذا النمط من القصص ورد بدافع نفسي تطميني، ومن جهة أخرى يفسر هذا الاستنتاج غياب الراوي ومجهولية الرائي.

 

 

 

المبحث الثاني ثنائية الراوي والمروي له

 

بعد الوقوف على الدور الذي ينهض به (الاستهلال) بوصفه بنية لسانية/ دلالية، في تأدية المعنى الصوفي بوسائل طرح متنوعة راعى منها الأديب العربي وحدة الجانب الموضوعي، مع فنيته ليخلق ترابطاً اتصالياً بين النص والمروي له.

بناءً على ذلك، وصدوراً عن قناعة مؤكدة بأهمية هذا الترابط الاتصالي بين أطراف الرسالة الأدبية…، نطرح الأسئلة الآتية، وفي ضوء المنهج المختار سيجتهد هذا المبحث في الإجابة عنها، وهي:

 

ـ من الراوي في القصة الصوفية؟

ـ ما مكانة الراوي أو السارد وعلاقتهما بجوهر العملية الأدبية؟

ـ ماهية المروي له: (السامع، المؤلف، القاري)…؟

الحقيقة أن مسألة حضور الراوي في الخطاب القصصي، ودرجة ذلك الحضور ونوعه، تعد من أهم مكونات الخطاب القصصي، والروائي والاهتمام بهذه المسألة جعل تنظير الشكلانيين يتجه نحو نقطة أعمق في تحليل عناصر (الأدبية) في النص، فميزوا أولاً بين (الخطاب) و (القصة) فالقصة هي مجموع الأحداث التي يتفاعل فيها أبطالها ضمن إطار زمني ومكاني معين، أما الخطاب، فهو الطريقة التي يتم بواسطتها إيصال القصة، أو أسلوب عرضها، وطرائق أداء الحدث القصصي من خلال حسن تعامل الأديب أو السارد مع مكونات البناء السردي لحكاية ما( ).

 

فكان أن توجه الاهتمام إلى النظر في علاقة الراوي بالسرد والشخصيات وكذلك تشخيص أنماط السرد، من خلال وجهة نظر الراوي؛ بين أن يكون (عليماً) بالأحداث وسابقاً عليها، وبين راو يتنازل عن مقعد (العالمية) ويترك للشخصيات حرية التعبير فيكون سرده متزامناً وليس استعلائياً. وظهرت على أساس ذلك مصطلحات سردية خاصة تتمحور مفاهيمها الإجرائية على البحث في نمط الرواية فنشأ ما يعرف بـ (وجهة النظر) أو (الرؤية السردية) و (زاوية الرؤية)، فصارت البنية السردية في النص القصصي، ينظر إليها من وجهة لسانية كما هو حال (الجملة) في التركيب النحوي، و (الأسلوب) في الشعر، لكن هذه الاستعارة المقصودة من اللسانيات لها إشكالات تتعلق أهمها بخصوصية أنواع الخطاب الأدبي وأجناسه المختلفة، هذه الخصوصية التي تمنح خطاباً ما مزايا بنائية وتشكيلية خاصة قد لا تصلح قالباً يستوعب محتوىً أدبياً لجنس آخر، لأجل هذا ينبغي النظر إلى هذه المسألة (القالب/ المحتوى)، نظرة انتقائية واعية تستنير بالمنهج وأسلوب النظر المنهجي والتفكير، ولا نضحي كذلك بمزايا النوع الأدبي المخصوصة، ولا سيما إذا توزع البحث الإجرائي على آداب أمم وجنسيات، وأزمان، وأمكنة متباينة، تحمل خصوصياتها المرجعية على صعيد اللغة والتفكير.

على وفق معطيات هذه الرؤية، نطمئن إلى تحديد مفهوم رصين ومتكامل للخطاب السردي من خلال استيفاء أركانه البنائية الثلاثة الأساس:

الراوي       القصة       المروي له

الخطاب

والتي لولا وجودها، لا يتم أي حضور لعملية السرد الأدبي، فـ (الخطاب السردي) إذن: هو الكيفية التي تروي بها القصة عن طريق راوي يبثها إلى مروي له( ) لغاية تعليمية وجمالية مخصوصة إذن فالقصة لا تتحدد قيمتها فقط بمضمونها وإنما لا بد أن تشتمل على بنية شكل أدبي جميل يتحدد بوصفه خطاباً موجهاً من منتج له طابعه الخاص الذي يختلف ضرورة، عن أي منتج آخر فيما لو أتيح له أن تظهر القصة بإبداعه، على الرغم من مضمون (القصة) واحد عند الاثنين، وهذا هو فحوى قول (فولفغانج كيزر) في (أن الرواية لا تكون مميزة فقط بمادتها، ولكن أيضاً بواسطة هذه الخاصية الأساسية المتمثلة في أن يكون لها شكل ما، بمعنى أن يكون لها بداية ووسط ونهاية)( ) ومعنى الشكل هنا، الطريقة التي تقدم بها القصة المحكية في الرواية، أنه مجموع ما يختاره الراوي من وسائل وحيل لكي يقدم القصة للمروي له( )، ولا يعني ذلك أن تتبع كل قصة (وجهة نظر) واحدة تستمر وتمتد على طول القصة، إنما واقع القص ينبئ عن إمكانية (الراوي) في القصة على المناورة في طرائق سرد متعددة تخدم في محصلة الغايات الاستقبالية من لدن المروي له، فما تعرضه تصنيفات الشكلانيين لوجهات النظر التي تظهر في شخصية السارد ما هو إلا عرض لأشكال صورة الراوي في السرد ولكن هذا لا يمنع أن تتداخل التصانيف وتتفاعل وتتحاور في سبيل تحقيق النص لغاياته، والحق أن التصنيف الأخير الذي تتحاور فيه أشكال وجهات النظر وتتجاور هو من أغزر طرائق الأداء السردي وأكثرها خصوبة للفحص النقدي والتحليل والنظر. ويجد (جان بوبون) في كتابه (الزمن والرواية) هذا النوع من وجهات النظر من النوع الذي تتعادل فيه شخصية السارد مع البطل فتتكاملان لتأدية عملية السرد، حين صنف (وجهات النظر) التي تظهر في شخصية (السارد) على النحو الآتي:

 

1ـ أن يظهر السارد باستمرار عبر (هو) البطل في القصة الكلاسيكية مع سارد يعرف كل شيء( )، وهو ما يعرف بـ (السارد العليم) أو الراوي العليم، وهو ما يغطي معظم الإنتاج القصصي حيث يمتلك الراوي زمام القص فيه بتجرد موضوعي، إذ ليس الراوي شخصية من شخصيات القصة، ولكنه يعرف الإطار الخارجي والهواجس الداخلية لشخصيات القصة( ) فيحاول بثها إلى المروي له، ولهذا يحلو للبعض تسميته بـ (سرد الراوي الغائب)( ) الذي يكون فيه الراوي غير متجانس مع المسرود على عكس سرد الراوي الحاضر الذي يكون شخصية في الحكاية التي يرويها وهو السرد المتجانس.

 

2ـ ويرى (بويون) أن ثمة مظهراً آخر لـ (الأنا) السارد حين تمحي كلية خلف البطل وهو سرد موضوعي، هنا يجهل السارد كل شيء من شخصيته (الخبر هنا يحل محل الخطاب).

 

3ـ النمط الثالث، تكون فيه (أنا) السارد متعادلة مع البطل فيحوزان معاً الأخبار ذاتها حول تطورات الحدث بكيفية واحدة.

 

ويعطي (جان بويون) أهمية خاصة للنواحي السيكولوجية وليس التقنية في أشكال الفعل الحكائي فهو إلى حد ما يشبه سارتر في عد الأسلوب والشكل، فعلين ثانويين في الظاهرة الأدبية فيقول (في مجال الفهم الذي يكونه ويقترحه الروائي حول شخصياته وحول الأوضاع، يعد كل ما يتعلق بالفنية الروائية المحضة، ثانوياً في العمق، بالنسبة لدلالات الرواية نفسها... فالمهم هو الأنتربولوجيا التي تكشفها أو تقترحها أو تثيرها الرواية حسب الحالات في ذهن القارئ)( ).

إن النظر إلى المحتوى الدلالي الذي تتضح به العملية الأدبية، أمر لا خلاف عليه لكل قول غاية مراد إيصالها، لكن من المهم التفريق بين أمرين:

 

الأول: ضرورة النظر إلى العمل الأدبي على مقدار متساو من الأهمية لكون العمل الأدبي بؤرة تكاثفت فيها كل عناصر النص ومفاصله لتشكل وحدة عضوية إذا فقد منها عضو، اختل النظام كله.

 

الثاني: فإن الشكل والأسلوب هما (الصورة) اللسانية التي يتقبل بها المتلقي (المحتوى) الأدبي أو الدلالة، هنا تفترق المواهب والقدرات، في أحكام صنعة الصورة اللسانية للفكرة المجردة لتضمن تقبلاً عالي المستوى للفكرة. وهل قام الفكر النقدي أساساً إلا على اختلاف المواقف حول (الشكل والمضمون) أو (الصورة والمحتوى)؟ من هنا، جاءت الدراسة الشكلانية للشكل الأدبي، محاولة لفك آليات تقنيات النص لمعرفة كيفية أداء الوظائف على حدة، وباستنتاج المحصلة النهاية لمجمل الوظائف الأخرى ـ نحصل على صورة متكاملة (لكيفية) إنجاز (المعنى) باستثمار تقنيات الفعل الأدبي. ويذكرنا هذا الكلام بـ الحدود الوظيفية التي اصطنعها (تشومسكي) بين (البنى السطحية) و (البنى العميقة)( )، فالأولى تختص بالشكل النحوي والأسلوبي والتقني، والثانية مجالها التأويل الدلالي. فكان لا بد من دراسة الشكل وذلك لصعوبة الوقوف على الحدث فقط لأن ثمة ترابطاً بين الحدث وفاعله والجهة المسلط عليها الفعل، ثم ناقل هذا الحدث، وهذا النقل يتم بوسائط يعوزها الفصل والتوضيح ولولا الوقوف عليها، واحتواء علامات كل منها الفارقة، لما أمكن تقدير قيمة النص ومستواه الإبداعي.

 

ففيما يخص (الراوي)، نجد أن السردية الحديثة أسندت النص السردي إلى تضافر عدد من الركائز ينبغي التمييز بينها بدقة وهي على النحو الآتي:

 

1. المؤلف الواقعي: وهو الكاتب الحقيقي الذي يعيش حياته خارج النص، ويمثل حقيقة ثابتة وشخصاً محدداً.

2. المؤلف الضمني: هو المؤلف الذي ينتمي إليه النص دون أن يوجد فيه وجوداً مباشراً بالضرورة، فهو الوسيط بين المؤلف الواقعي والعمل الأدبي.

3. الراوي: هو الذي يتولى وظيفة التصوير، والمراقبة فيمهد لخطاب الشخصيات، لكي يهيأ للعمل الأدبي يظهر من خلاله.

4. الشخصية: وهو الذي يقوم بالفعل الذي يتم سرده( )، ولو وضعنا هذا القالب النظري على القصة الصوفية، لوجدنا أن القصة الصوفية بوصفها متناً حكائياً كلاسيكياً، لها مؤلف واقعي هو آخر سلسلة روائية وقفت عندها القصة وضمتها دفتا كتاب بعد أن كانت تطوف بين الشفاه، ومؤلف ضمني يمثل آخر حلقة نقلت القصة من واقعها إلى المؤلف الواقعي الذي يثبت بدوره، القصة من خلال رؤية (سارد) لها تظهر القصة للوجود من خلال منظوره أن واقعاً وأن تخيلاً، وهو الذي يقوم أيضاً بتوزيع الأدوار، وتحديد فعل الشخصيات، ومجريات الفعل الزماني والمكاني.

 

يعني البحث كثيراً، أن لا يقوم فاصل بين الراوي والمروي له، في القصة الصوفية، إيماناً من الباحثة بحضور فاعل جسده المروي له في الأدب التصوفي يتمحور تأثيره في شخص المتلقي/ السامع في صورة (المريد) أو (السالك) أو التلميذ، فصفة (التعليمية)/ التثقيفية تعد جوهراً في العمل الأدبي الصوفي، وكل جهد يعاين الأدب الصوفي بمعزل عن هذه الرؤية، فهو جهد ركيك مبتسر وسطحي وغير واع لجوهر الفكر الصوفي ومراميه الفكرية التي حوربت وبطلت وكفرت.. فهي في حاجة إلى (جيل) يحمل فكر الشيوخ والأقطاب، ضماناً لبقاء الفكرة الصوفية على الصعيد المستقبلي، من هنا ننظر إلى الأدب الصوفي بوصفه استراتيجية عقلية اتخذت الأدب واحداً من طرائق الطرح اللساني لفكرها الديني، المذهبي، الأخلاقي.

 

تأسيساً على هذه النظرة، فإن البحث يجد في مصطلح (الترهين السردي)، ضرورة منهجية ذات طابع عملي لكونه يربط بين الراوي والمروي له بعلاقة تبادلية مترابطة وحتمية من خلال (الصوت السردي)، ومصطلح (الترهين السردي) من المصطلحات التي شاعت كثيراً في الدراسات السردية والذي يعود الفضل إلى اقتراحه إلى (بنفنست) الذي استعمله وهو يتحدث عن (الترهين الخطابي)( ) قائلاً بصدد الضمائر بأن بعضها ينتمي إلى تركيب اللسان، وبعضها الآخر هو الذي نسميه (ترهينات الخطاب) بمعنى الأفعال أو الأعمال المكتومة والمتفردة في كل مرة، والتي بواسطتها يرهن اللسان إلى كلام بواسطة متلفظ( ).

 

ويعني ـ (الترهين) إنجاز الفعل الكلامي راهناً، أي في (حال) يتم نقل هذا المفهوم اللساني إلى السرديات( ).

 

والمبتغي العملي في مصطلح الترهين السردي، يتعين في أن (أنا) السرد في الخطاب السردي أو (أنت) كضمائر هي ببساطة (ترهينات سردية) أو (أصوات سردية) منتجة من خلال السرد أو الخطاب... ولو شئنا تقريب المراد أكثر فنمثلها بالضمير it، وهذه الترهينات السردية كيفما كان الضمير المنتجة بواسطته والمتوجهة إليه، لا تحيل إلى شيء خارجي عنها، ولأن وجودها مرهون في العمل الكلامي المنجز، ومرهون به أيضاً( ).

 

وتأتي أهمية عد (الراوي والمروي له) ترهينين سرديين، للوقوف على المسافة الفاصلة بين المؤلف الواقعي للقصة وهو كيان إنساني مشخّص ومعهود و... الراوي الذي ليس له وجود إلا على الورق، عليه فالراوي والمروي له صوتان سرديان يظهران من خلال الخطاب السردي على الرغم من أنهما ليس لهما وجود تشخيصي على أرض الواقع. وسيكون هذا المصطلح مسباراً مهماً يجلي حدود ثنائية (الراوي والمروي له) في القصة الصوفية بأنماطها الثلاثة.

 

1- الراوي والمروي لـه في القصص الصوفي الذاتي

القصة والحكاية

اعتماداً على مسيرة البحث المنهجية في المبحث السابق، تتوجه الدراسة الحالية إلى دراسة موقع الراوي والمروي له في القصة الصوفية، من خلال الوقوف على إضاءات المنهج المختار في إيضاح كيفية النظر وكيفية الدراسة ليصح فيما بعد صورة الاستنتاج وتكامل الصورة. بدءاً، يجب التفريق بين مصطلحين غاية في الأهمية في موضوع السرديات القديمة منها والحديثة، واللذان يبدوان للوهلة الأولى أنهما يقعان في دائرة الترادف الدلالي، هما (القصة) و (الحكاية)... إذ ثمة فرق بين المصطلحين دقيق. يشخص هذا الفرق مظهرين أساسيين في تمييز العمل القصصي، فـ (الحكاية): هي الأحداث المروية والشخصيات المتحركة في محاولة لمحاكاة الواقع مع قدر من الخيال يخلقه ذهن الأديب. وليس بالضرورة أن تصل الحكاية إلى المتلقي بطريق اللغة والكلمات فقد تكون في شريط سينمائي أو لوحة فنية( ).

أما (القصة): فهي نسيج سردي يختزل الخطاب إلى منطق وأفعال ووظائف ملغياً بذلك أزمنة ومظاهر وأنماط القصة ـ كما هي عند تودوروف وبارت ـ فالقصة هي وصف أفعال عبر حكايات سردية( )، وهي الكلمات الواقعية الموجهة من الكاتب إلى القارئ.

والدراسة البنائية للقصة تبدأ من هذه النقطة فتباشر القصة من خلال نسيجها اللغوي المسجى أمامها على الورق وهنا يبدأ العمل بتشريح القصة على وفق ثلاثة محاور رئيسة:

 

الأولى: تشتمل على إيضاح العلاقة بين زمن الحكاية وزمن القصة.

الثانية: إيضاح وجهة نظر الراوي، في سرد الأحداث.

الثالثة: أسلوبية الراوي في بث القصة إلى متلقيها.

 

وقد انتهينا في ورقات البحث السابقات إلى أننا نتعامل مع القصة الصوفية من وحي كونها نمطاً حكائياً (مكتوباً) أي تبدأ معها في اللحظة التي سجلت وقيدت بين دفتي كتاب فأخذت شكلاً لغوياً معيناً انتهت معه مرحلة الشفاهية المتشيأة والمتغيرة مع كل راو وكل زمان.

فالنص السردي الذي نتعامل معه عبارة عن (حكاية) وهي مضمون سردي أي (مدلول) و (قصة) ـ أي خطاب قصصي ـ بمعنى (دال)( ).

بناءً على ذلك يدعو (جينيت) إلى تحديد مجالات البحث بتعديل ما اقترحه تودوروف) من تقسيم دراسة القصة إلى ثلاثة مستويات هي:

الزمن ـ الذي يفصح عن الفرق بين زمن الحكاية وزمن الخطاب.

المظهر ـ وهو الطريقة التي يتمثل بها القاص أحداث الحكاية.

الصيغة ـ نوع الخطاب الذي يستخدمه الراوي.

 

فيضيف لها (جينيت) مستوىً ثالثاً بعد الإبقاء على الزمن والصيغة مستوى (الصوت) ويشير به إلى الطريقة التي يتدخل بها كل من المرسل والمتلقي في عملية السرد( )، وهذا ما يحيلنا إلى أهمية مفهوم (الترهين السردي) الذي يجعل من حضور المروي له، عنصراً فاعلاً في عملية السرد، بل لا يقوم السرد بانعدامها، إلى الحد الذي يصرخ فيه (برنس) قائلاً. لا يتحقق أي سرد، في غياب المروي له)( ).

وإذا ما أخذنا قصة (الجنيد والشبلي)( ) وقصص ذاتية أخرى( )، مثالاً على تحديد الفرق بين الحكاية والقصة، نلجأ إلى طريقة أجدها ناجعة في تشخيص ذلك الخيط الدقيق والمهم بين الحكاية والقصة، هذه الطريقة تعتمد على (تكثيف) القصة واختزالها في جملة قصيرة أو أقصوصة موجزة هي لب الحدث القصصي الرئيس ـ فإذا ما أمكن ذلك تبين الفرق واضحاً بين ماهية الحكاية وماهية القصة، من خلال هذا الجدول:

 

تالقصة الحكاية بطريقة الاختزال

1(الجنيد والشبلي) وتتكون من 39 كلمة.الشبلي إذا دخل في حال (الحضور) غلب عن أشد ما يلفت الإنسان من رغائب.

2الشاب الذي غشي عليه حين رأى غبار ذيل بنت عمه. يقع في 74 كلمة.      الصوفي في حال التجلي والستر مثل العاشق الذي يغشى عليه إذا رأى غبار ذيل حبيبته فبعض الإشارة تكفي للخواص.

3قصة ذي النون المصري ومسألة الحضور في 64 كلمة. في حال الحضور يغيب الصوفي من الوجود وعن نفسه حتى يبحث عنها وكأنها شيء ضائع فهو من الذاهبين إلى الله.

جدول رقم (2) يبين الفرق الكمي بين القصة والحكاية.

 

بإطلالة متأنية على محتويات الجدول الذي يبين الفرق (الكمي) فضلاً عن النوع والشكل، بين الحكاية والقصة، فما تريد (الحكاية) قوله في عشرين كلمة، قد تستغرق القصة سبعين أو ثمانين كلمة لقول هذه الحكاية، وذلك لأن القصة لا تحمل معها الحكاية فقط، إنما الأسلوب والترتيب والبلاغة والاستهلال والخاتمة وتفصيل صفة الشخصيات في إطار زماني ومكاني معين...، ولو اعتمدنا اختزالاً أكثر لتبين أكثر ذلك الفرق بين الكينونتين الحكائية والقصية.

 

2- المؤلف والراوي:

عنيت الدراسات البنيوية للقصة، بتجلية وظيفة كل من: المؤلف الحقيقي والمقصود (مدون) القصة، وبين الراوي، الذي تسرد الحكاية بلسانه وعن طريقه. وهو ما يسمى بـ (البعد السردي) الذي يميز فيه (جينيت) بين ثلاث حالات للخطاب الملفوظ أو الداخلي للشخصيات في السرد وهي( ):

1. خطاب مسرود أو محكي: وتتسم بالإيجاز لا يقدم فيها الراوي حوار الشخصيات وإنما يحمل فكرة القصة في عبارات تقديرية.

2. خطاب منقول بأسلوب غير مباشر: يكون فيها الخطاب الملفوظ ماراً عبر قناة ناقلة يصعب الاطمئنان إلى الأمانة الحرفية في النقل.

3. خطاب المنقول مباشرة: وفيه يعطي القاص للشخصية حرية الكلمة والتعبير والصوت يكون للشخصية.

 

الحقيقة أن النمط الثالث، يمثل تطوراً تقنياً في مجال القص، الذي يضع القارئ منذ الجملة الأولى في القصة، في لب العملية السردية ومن تفكير الشخصية وسلوكها. وأما أنواع السرود التراثية والكلاسيكية التي تطغى عليها سمة (الحكائية) فأكثر ما تكون من النمط الثاني، حين يكون مرة المؤلف الواقعي هو الممسك بزمام الحدث ومحرك الشخصيات، ولا يتماهى في مرويه وشخصياته كما هو حال النمط الثالث، ومرة يطغى صوت الراوي ناقلاً القصة من منظوره. أما النمط الأول فمجاله الحيوي هو ميدان القصة الأيدلوجية أو الأخلاقية الموجهة( ).

 

ومن خلال هذه المباحث ظهر ما يعرف بـ مصطلح (بؤرة السرد). أو المنظور أو وجهة النظر، التي يرى (جينيت) أنها المشكلة التي ظفرت بقدر كبير من الاهتمام عند تحليل التقنيات السردية( )، التي أعيدت صياغتها على يد (جينيت) في شكل مصطلح (التبئير) الذي ظهر بتسميات أخرى عند البنيويين الفرنسيين وخاصة (جان بويون)، والروس خاصة (تودوروف)، فكانت على الشكل الآتي الذي يوضح الفكرة الواحدة والتسميات المختلفة عند الثلاثة( ):

جينيت  بويون  تودوروف     

التبئير في درجة الصفر الرؤية من الخلف       السارد يعرف أكثر مما تعرفه الشخصية        الرؤية المجاوزة

التبئير الداخلي  الرؤية مع      السارد يعرف نفس ما تعرفه الشخصية الرؤية المصاحبة

التبئير الخارجي الرؤية من الخارج      السارد يعرف أقل مما تعرفه الشخصية الرؤية الخارجية

جدول رقم (3) التسميات المتعددة للمنظور

ويأتي تصور جينيت للـ (التبئير) لتفادي الخلط بين الصوت والمنظور، أكثر مما كان أعاده تحديد لمفهوم وجهة النظر أو الرؤية، لقد أصبح القول: "حكاية مروية من طرف شخصية، ولكن بضمير الغائب" محدداً بشكل أكثر صواباً بعده محكياً من طرف السارد ولكنه مبأر على الشخصية.

والحقيقة أن مصطلح (التبئير) ذو حدود متشظية يسهل أن يتداخل مع المصطلحات الأخرى أو يأخذ بطرف منها فحين أخذ معنى (الرؤية) عند (ميك بال)( ) يحدد (جينيت) أكثر فيجعله حق الاختيار الذي يمتاز به السارد وحده في تضييق حقل الرؤية، قد أخذ معنى (المنظور) أو الإدراك في فكرة (الوكالة) عند (بيتر فيتو) حين يكون التبئير وكالة وجهة النظر لشخصية حكائية( ).

 

إن هذا التشعب والبحث عن الخيوط الفضية الفاصلة، بين قطعة فضية وقطعة أخرى: يوقع هذا المصطلح وحدوده المفهومية والإجرائية في كثير من الخلط والتشويش لم يتحفظ البنيويون من الضيق بها( ) رغبة في توحيد المفاهيم على نحو تطبيقي واضح.

الذي يهم البحث في التوليفة المفهومية، أن تتخذ مسْباراً للتفريق بين وجودين مهمين في عملية السرد القصصي هما:

المؤلف والراوي، فبحسب وجهات نظر البنيويين الذين بطبيعة الحال قد استنبطوا هذه المفاهيم على وفق نماذج حكائية موجودة في تراث شعوبهم البعيد أو القريب الحاضر، معنى هذا أن المنجز الحكائي العربي بما له من خصوصية وتفرد وتعبير عن طبيعة الواقع العربي والمنظومة الاجتماعية والدينية والفردية...الخ، يجعل من هذا المنجز ذا كينونة مخصوصة، تجعلنا ـ بالتالي، في حرية في (انتقاء) ما يلائم مظاهرها السردية من المنهج الغربي، فوكد الدراسة توجه أساساً إلى إقرار واقعة تجسد تقنيات القص الحديث في المنجز الحكائي العربي القديم إلا أن نقد القصة ـ والنثر عموماً ـ لم يلق من الاهتمام والتطور ما لقي الشعر من اهتمام النقد.

 

3- أنواع الرواة وصفاتهم:

يتضح في القصة الصوفية ورود نوعين من الرواة: رواية مفردة ورواة جماعة موجهة إلى مروي له مفرد أو جماعة، اعتماداً على ما تقدم عرضه من مقولة (الترهين السردي)، حين لا يكفي الحديث عن الراوي إلا في حضور المروي له، فأول سمة تسجل للقصة، الصوفية هي أنها قصة (موجَّهة وموجِّهة) وعنصر التلقي فيها عنصر أساس وحاسم وضروري، شأنها شأن القصص الشعبية والقصص الخرافية( )، ولا سيما حين تحولت قصص مشايخ الصوفية كالحلاج والبسطامي والشبلي وغيرهم إلى ما يشبه الأساطير في أسلوب حياتهم وعبادتهم وميتتهم.

على أساس ذلك تكون رواية القصة الصوفية مارة عبر المراحل الروائية الآتية:

1. المؤلف الواقعي: وهو مدون القصة في كتاب كما وصلت إليه من آخر سارد لها.

2. الراوي: وهو الذي نقل عنه المؤلف الواقعي وجاءت القصة على لسانه.

3. الخطاب أو السرد: وهو المروي بلغة الراوي وبأسلوبه وطريقته ومنظوره.

4. المروي له: مستقبل الظاهرة القصصية ممن سمع القصة من الراوي.

 

ومن البطل/ الراوي نفسه حين يروي عن نفسه أو عن شيوخه هنا يتضح جلياً أن (ثنائية "النطق والاستمتاع" تحيل إلى ثنائية الراوي والمروي له)( )، وقد تتداخل (الأصوات) السردية في بعض القصص. بحسب درجة البعد السردي وكثافة الحدث، فمن الأنواع القصصية البسيطة في درجة الرواية وهي الأكثر شيوعاً في القصص الصوفي، أن يذكر اسم الرواة (سلسلة) اثنين أو ثلاثة أو أكثر أحدهم سمع من الآخر حتى وصلت الرواية إلى (الراوي) الحقيقي المبلغ للمؤلف وهي طريقة (الخطاب المنقول بشكل غير مباشر) عن الشخصيات، من ذلك نذكر (سمعت محمد بن أحمد بن محمد التميمي، يقول: سمعت عبد الله بن علي الصوفي يقول: سمعت حمزة بن عبد الله العلوي يقول: دخل على أبي الخير التيتاني وكنت اعتقدت في نفسي أن أسلم عليه وأخرج ولا آكل عنده طعاماً، فلما خرجت من عنده ومشيت قدراً. فإذا به خلفي وقد حمل طبقاً عليه طعام فقال: يا فتى كل هذا، فقد خرجت الساعة من اعتقادك)( )، فالراوي هنا هو حمزة العلوي وهو أيضاً (شخصية) داخل الحدث القصصي وبطل ثانوي في القصة، وهو ما يعرف بـ (سرد الراوي الحاضر كشخصية في الحكاية التي يرويها) وهو السرد المتجانس( ) فهو (ذات) في القصة و (موضوع) أيضاً، وإذا شئنا التحديد أكثر قلنا أن هذا النوع من الرواة هو (ذات) في (الحكاية) أي شخصية مشاركة في الحدث، وهو (موضوع) بعد انتهاء زمن الحكاية فصار يروي عن نفسه بوصفها حدثاً حدث في زمان ومكان معينين، فخرج عن جلد (الشخصية) ودخل في مجال مهمة (الراوي). في حين بدت شخصية المروي لـه عبر سلسلة (السماع) من راو إلى آخر فقبل مرحلة (الراوي) فهو بشكل طبيعي (مروي لـه) أي (سامع) ثم تقمص دور (الراوي) وتحول سامعه إلى (مروي له)... وهكذا. هذا في القصص البسيطة في بنيتها السردية والقليلة الوظائف وهو للسرد الراوي الغائب عن المسرود وهو (السرد غير المتجانس).

 

أما في القصص المركب من ناحية البناء السردي فنجد تعدداً في الرواة والمروي لهم، فضلاً عن حصول (تبادل) أو مناقلة سردية في المواقع حين يحل المروي له محل الراوي أو العكس مثال ذلك ما يعرف بـ (حديث الغار)( ) يروى بسلسلة روائية طويلة تصل إلى أبي اليمان قال حدثنا شعيب عن الزهري عن سالم عن أبيه قال: قال رسول الله (): انطلق ثلاثة رهط ممن كانوا قبلكم فآواهم المبيت إلى غارٍ فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار فقالوا: أنه والله لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله تعالى بصالح أعمالكم فقال رجل منهم...) إلى بقية الحديث، والراوي هنا هو الرسول الكريم ()، وسنطلق عليه الراوي الأول الذي تقترب مهمته هنا من مهمة الراوي (الحكاية الإطارية) كما في قصص ألف ليلة وليلة في حديث شهرزاد إلى شهريار. وكلما قوي الجانب الخرافي أو الأسطوري في القصة، كان ظهور الشخصيات يتم في الحكاية على نحوٍ متوالٍ ومطرد فتصبح القصة الأم (الإطار) مجالاً أمومياً لتفريخ قصص داخل القصص زيادة في كثافة عنصر التخريف وتكريساً له، وبعد إنهاء هذه الحكايات الداخلية المتوالدة في داخل القصة، يعود الراوي الأول إلى المروي له ليتم تماسك الفعل القصصي ليصل إلى غايته المرجوة في التأثير والإقناع وإحداث الاستجابة.

وفي الغالب، يدخل (العنصر العددي) ملوناً مهماً في تشكيل هذا النوع من القصص وأقلها العدد (ثلاثة) أو أكثر. إن لهذا التكرار في الفعل الحكائي وتنوعه عنصراً داعماً لفرضية الفكرة القصصية التي أساسها الحدثي فعل لا معقول أو خرافي فهو مجال به حاجة إلى زيادة إقناع ووسائل ترسيخ وتدعيم لمصداقيته.

 

نعود إلى (قصة الغار) حين يبدأ الرجل الأول بذكر صالح أعماله، وهو بر والديه حين قضى الليل كله يحمل قدح الغبوق لوالديه وهما نائمان وقد كره أن يوقظهما، فظل على حاله إلى الصباح حتى سقاهما غبوقهما، وحال انتهاء الراوي الثاني من قصته تظهر شخصية (الراوي الأول) الرسول ()، مجالاً رابطاً بين الحكايات الداخلية في القصة، كعبارة (قال رسول الله ()): وقال الآخر. وحكى الراوي الثالث قصته مع ابنة عم له يعشقها وقدر عليها وتعفف لوجه الله، وهكذا وصل إلى القصة رقم (3) الذي أعطى كل ما يملك إلى أجير عنده لم يتسلم أجرته وقتها فدفع له كل ما يملك لأن هذا الخير كله هو من أجرة ذلك الأجير حين تراكمت وتوالدت...

هنا يتدخل الراوي الأول ليضع خاتمة لهذه القصص الداخلية فيحكم النسيج القصصي بانفراج الصخرة وخروج المحبوسين في داخل الغار( ). فاكتمل بذلك المبني الحكائي الذي لوحظ فيه أن شخصية الراوي الأول، مع بروز شخصية جديدة في القصة تنتهي لتصبح مروياً لها ليتصدى الراوي الثاني لمهمة (الراوي) وكذلك الآخران...

ثم يعود إلى دوره الأساس بعد نهاية قصصهما، هذه المناقلة السردية تسهم في إنتاج بنية قصصية مركبة وذات تقنية عالية في ممارسة الفعل الحكائي وتبادل الأدوار.

 

4- أما في القصص الموضوعي:

فحضور ثنائية (الراوي والمروي له) في القصص الصوفي الموضوعي، يبدو أكثر اتضاحاً بوصف الأخير اشتمل على خاصيته ـ ظهرت في الأعم الأغلب من نماذج قصصية ـ تمثلت في القصص الصوفي على لسان الحيوانات التي يكون فيها الراوي خارج مجريات الأحداث لكنه يقود عملية السرد، بشكل سردي يبدأ تجريدياً وينتهي تجسيدياً، ويربط الرمز بالواقع (الفكرة)، ويصرح بـ المضمون الغائي من رموز القصة التي (يرغب) الراوي بتوجيه المروي له على هديها، هذا التوجه الذي (يضيق) من أفق المعنى أحياناً، أو (يتمحل) لاستنطاق الحكمة التي يضيق عنها النص، في أحايين أخرى.

 

الذي يعني البحث عن هذه الميزة، أن الراوي هنا أحكم إغلاق نوافذ التجربة فلا يسمح بمرور الأشياء إلا بتوجيه منه، فتظهر شخصية الراوي ذات هيمنة على مجريات القص وإن اختفت لغة (الأنا) عن لغة القصة. فتظهر (وجهة النظر) ضمناً وصراحة، فتوجه (الراوي) الضمني يتمظهر في حركة مفاصل القصة من استهلال وشخصيات وزمان، وصراحة حين يعرب الراوي في نهاية القصة عن حل الشفرة التي بنى عليها النص والفكرة والشخوص من هنا كانت (وجهة النظر) (حيلة تقنية ووسيلة للوصول إلى أهداف أكثر طموحاً.. وهي الوسيلة التي توجد في متناول المبدع ليكشف عن نواياه الخاصة، وللتأثير في الجمهور)( )، وضروري لتقييم مستوى هذه التقنية، أن نعمد إلى رؤية شمولية تربط بين (تقنية) الطرح، وعموم المعنى الذي يسعى الراوي بثه إلى جمهوره، وإلى حد ما ينبغي على المروي له أن يسلم قياده إلى الراوي ويتقبل ما يسديه إليه من المروي له أن يسلم قياده إلى الراوي ويتقبل ما يسديه إليه من معان. ولا يفرض المروي له قناعاته الخاصة على الأثر، فللراوي( ) شدة النصح والطرح والتوجيه وعلى المروي له أن يتقبل ولا يفرض مقاييسه على عمل الراوي. وما تصريح الراوي بالهدف من القصة، إلا إعلاناً عن هذه السلطة التي يتسنّم سدتها الراوي الذي له القدرة على قول الحكاية الواحدة بألف شكل وألف صياغة ووجهة. وإلا فإنه يترك للمروي له متعة اكتشاف الرمز وما يشير إليه دون إملاء وحث.

 

إن المحور المركزي الذي يشتغل عليه عمل الراوي في القصص الموضوعي هو شكل (الراوي > الشخصية) أي ما تسمى بـ الرؤية المجاوزة، حيث يكون الراوي أكبر من شخصياته وأعلمهم بالحوادث ولا يعنيه أن يفسر سبب علميته هذه أو كيفية حصولها عنده، إنما هو يخترق النيَّات والمقاصد والأفكار، كما يخترق الجدران ليعلم بما يدور وراءها من أحداث وحوار.

 

والراوي هنا، يكون بمعزل عن شخصياته ولا علاقة تربطه بهم فالسرد هنا (سرد لاحق) بحسب تصنيف البنيويين للأنماط السردية( ) يسرد أحداثاً خارج دائرة الحاضر أو المستقبل بل أحداث سبق حصوله في زمن ما يسردها الراوي وهو صوت غائب عن الشخصيات يحكي الحكاية من الخارج، وتطبيقاً على ذلك، ننظر في بعض قصص (المثنوي) التي أثارت الاهتمام إليها من قبل دارسين عرب ومستشرقين( )، بفضل إتقانه وبراعته في فن الأداء القصصي لحكايات تتعلق بالأنبياء والحكماء والصحابة والصوفية والزهاد وبعض الملوك والخلفاء قاصداً منها إلى مرام حكمية وفلسفية وأخلاقية عبر أسلوب يحافظ على تماسك القصة ووحدتها، بل كثيراً ما كان يوقف سرد القصة ليعلق على إحدى وقائعها، ثم يعود من جديد فيستأنف رواية القصة وربما توقف على النحو ذاته للمرة الثانية أو الثالثة كلما شعر بالحاجة إلى هذا التوقف للتعبير عن فكرة أو لتقرير معنى)( ) وقد تضمن (المثنوي) نحو (275) قصة نجح مؤلفها في صياغة الأفكار على نحو من البراعة والتفنن في الحوار بما لا يخلو من تفسير نفسي أو نقاش فكري يجنح بالمتلقي نحو عدم التمسك بظاهر القصص، أو المعاني الحرفية للقصص من دون الغوص إلى لُباب المعنى، وحقيقة المراد، وجوهر المفاهيم. وهذا في حد ذاته هدف صوفي واضح في مفهوم لقضية الظاهر والباطن، ويبدو أن هذا هو السبب في (الوقفات) التي يفتعلها (الراوي) للتوجه إلى خطاب المروي له لكي لا يذهب بفكره بعيداً عن مرامي الراوي. فكانت (القصة) واحدة من أساليب الصوفية لعرض أفكارهم، على أنها لم تغفل المعالجة الجمالية للفكرة المجردة.

 

يستأنس البحث بعرض مثال تطبيقي على هذا اللون من القصص، ومنه سنستشف مقومات حضور الراوي والمروي له في قصة قصيرة ذات حدث واحد وعقدة بسيطة معلومة البطل وقصة مطولة فيها أحداث كثيرة وذات نهاية مفاجئة، رمزية الشخوص.

 

في القصة القصيرة البسيطة التركيب، يظهر أحد الخلفاء الراشدين (رض) وهو الخليفة عمر بن الخطاب (رض) في صورة جدل مع أحد الرجال حول رؤية الهلال في مقتبل شهر رمضان( ) توهم الرجل في رؤية الهلال حتى خاصم من معه، فنصحه الخليفة ببل حاجبيه ومسحهما ثم النظر إلى الأفلاك، عند ذلك لم يرَ الرجل الهلال، فقد تقوست شعرة من حاجب الرجل فسددت إليه سهاماً من الظن عند هذا الموضع من القصة تنتهي الأحداث ليطلع الراوي بلغة الأنا مبدياً وجه الحكمة في هذه القصة فيقول: (فإذا كان شعرة معوجة تصبح حجاباً للفلك، فكيف يكون الحال لو اعوجت كل أعضائك؟! فلتقوِّم أعضاءك باقتدائك بأهل الاستقامة...)( ) وتستمر هذه الجمل الوعظية الخطابية في صفحة ونصف، في حين استغرق سرد القصة نصف صفحة فقط (من القطع المتوسط)، إن دخول الراوي في هذا النسق المنبري الموجه، يقف دليلاً على أن القصة إنما قصدت ليست بوصفها فناً جمالياً، أنّها كانت القصة تلك (الحيلة) التقنية في عرض الفكر بأسلوب جميل مؤثر، فقيمة القصة تقع في ما وراء القصة.

 

أما القصة الأخرى، فهي تشتمل على تقنية سردية أكثر تعقيداً، تبدأ القصة بصوت الراوي الغائب العليم، بقوله( ): (إن حلقة هؤلاء الصوفية المستفيدين، حين بلغت مداها من الوجد والطرب، أخضر الخوان من أجل الضيف، وحينذاك تذكر دابته فقال للخادم: اذهب إلى الحظيرة وهيئ التبن والشعير من أجل الحمار…). وبعد كل أمر يأمر به الرجل الخادم يحوقل الخادم ويحدث نفسه بأنه لا يحتاج إلى مثل هذه الأوامر فهو عمله من قديم الزمان في رعاية الضيف وتهيأة الظروف الملائمة لمبيت حيواناتهم من أكل وفراش تبن وسقاية ونظافة الموضع… الخ، حتى سئم الخادم من هذه الأوامر وخرج ولم يفعل ما أمر به، ونام الضيف واستيقظ على إثر رؤيا مفزعة حول حماره، ليجد حماره يتهاوى من الضعف والوهن وما كان في ظن الضيف أن حماره جائع وعطشان، وحين أقبل النهار، جاء الخادم ووخز الحمار بإبرة لكي يبدو نشيطاً أمام سيده الضيف. آنذاك تظهر شخصية الراوي المختفي وراء الأحداث فيعلن عن ألم لهذا الموقف فيقول (فأخذ الحمار يتوثب من وخز الإبرة، ومن أين له اللسان ليفصح عن حاله؟)( )، وحين سار الحمار وعلى ظهره سيده، بدأ يتساقط من الوهن، وحاروا في تشخيص علته حتى قال الشيخ: (وهنا تبدأ بوادر حل الأزمة السردية بالانفراج) فيقول الشيخ: (إن هذا الحمار الذي تعشّى بالأمس حوقلات) لا يستطيع أن يسير إلا على هذا النحو. فما دامت الحوقلات هي كل غذائه بالأمس، فقد قضّى الليل في التسبيح، وها هو ذا يقضي النهار في السجود!!).

 

تنتهي هنا القصة بهذه الخاتمة البليغة، وعند ذلك تظهر شخصية الراوي المفكك لشفرة النص، فيقول: إن أكثر الناس آكلة للبشر، فلا تلتمس في تسليمهم عليك كثيراً من الأمان… الخ من الجمل الوعظية البليغة التي تستغرق سبع صفحات في حين استغرق سرد القصة أربع صفحات فقط.

 

نخلص من خلال تحليل بنية الرواية في هاتين القصتين، إلى أن شخصية الراوي في القصص الموضوعي ذات هيمنة أعلى على عملية السرد أو مجريات الحدث ومراحله، منها في القصص الذاتي المفروض أنه تتجلى فيه لغة (الأنا) والحكاية عن الذات أو عن ذوات لهم علاقة بالذات الساردة، فالسارد في القصص الموضوعي، خارج الحدث لكنه مركزي التأثير وبيديه كل خيوط القصة بفعل رؤيته المجاوزة التي (تعلم) أكثر من شخصيات القصة وتتحكم بوجهة التلقي

مخطط رقم (1)

وجهة النظر في القصص الموضوعي

بناءً على ما تشير إليه هذه المخططة، تبين أن الراوي في القصص الموضوعي يشتغل على محورين من التأثير:

الأول: نقل الحدث القصصي وبطبيعة الحال، فإن عملية النقل هذه لا تتم إلا من خلال (منظور) السارد.

الثاني: تدخل الراوي في تفكيك شفرات النص، بالإعراب عنها في خاتمة القصة أو في سياقها أي تحديد وجهة التلقي، والمغزى من القص.

 

5- في القصص الاسترجاعي

يأتي هذا النمط من القصص الموضوعي مثالاً على تلك الوقائع المحللة من الداخل، أي أن البطل هو الذي يحكي حكاية حدثت له في زمن ماضٍ ولكن ليس في عالم الحضور (القصص الذاتي)، وإنما في (عالم الرؤيا) والأحلام، وهو الشاهد الأوحد على أحداثها، معنى ذلك أن (شخصية الراوي)، (شخصية البطل) تتحدان في هذا النمط من القصص.

 

وفي هذا النمط تظهر عدة تقنيات سردية يقولبها (الراوي/ الرائي) بحسب الحاجة إلى (إقناع) المستمع مستخدماً مرجعياته التي يتشارك فيها مع مستمعه من مثل البنية الثقافية المشتركة والشائع من الأفكار والإرشادات الخاصة بالمذهب الصوفي وما عرف من سير الصالحين والشيوخ والأقطاب فضلاً عن الرسول الكريم () والصحابة والأولياء. فخلق بذلك جسراً إقناعاً للمتلقي بوصفهما ـ معاً ـ يصدران عن بنية مرجعية متشابهة، وسيتضح المقصود من خلال النماذج التطبيقية، التي اشتملت على خصائص بنيوية أنبت عليها تقنية القص فيها، ومن بعد ذلك نستخلص آلية اشتغال القص الرؤياوي في المعاني الصوفية.

 

اشتهر عن الشيخ ركن الدين محمد بن محمد بن محرز الوهراني المتوفي سنة (575هـ)، وهو من رجالات القرن السادس الهجري كتاب يضم (منامات الوهراني)( )، برز من بينها رواية منام طويل، له شبه كبير بموضوعة (رسالة الغفران) لأبي العلاء المعري (ت449هـ) وبين الرجلين (136هـ) سنة فلا يبعد اطلاع الوهراني على رسائل المعري المشهورة الفارق الجوهري بين منام الوهراني ورسالة المعري، إن الأخير تناول رحلة يقوم بها ابن القارح بين الجنة والنار يقابل فيها الشعراء الجاهليين يسألهم عن صنيع الله تعالى بهم، فيتحول رد الرسالة التي بعثها إليه ابن القارح إلى رحلة( ) متخيلة بينما رؤيا الوهراني( )، يكون هو البطل فيها والراوي يتجول بين الجنة والنار والأعراف فيرى مصير أقرانه وشيوخه وعلماء عصره، وكيف كان حسابهم في حوار صريح جداً( ) أحياناً يعدد فيها مثالب أصحابه وبعض المتصوفة والشيوخ.

 

لا أبغي عقد موازنة بين العملين ـ وإن كنت راغبة في ذلك ـ لأن بين العملين فروقاً بينة ـ كما فيها من عناصر شبه ـ يقف في مقدمتها أن المعري في رسالته قصد (الرد) الفني على رسالة صديقه في شكل اقتراح رحلة خيالية، أما رؤيا الوهراني فعمل، اتخذ من نمط الرؤيا الحلمية سبيلاً مقنعة للطابع الخيالي لأحداثها.

الذي سيركز الحديث عليه في هذه الفقرة من البحث، هو شخصية الراوي في هذه الرؤيا وطبيعة علاقته مع المروي له، فيما يتعلق بالراوي، يلحظ أن تدرج الرؤيا يمر عبر مراحل ثلاث يكون (للراوي/ الرائي) عنصر الهيمنة الأساس في توجيه الفعل القصصي، وهذه المراحل هي:

 

1. كلام استهلالي يبين فيه المؤلف الظرف النفسي الذي دعا إلى حصول هذه الرؤيا، يقول (لقد فكر الخادم ليلة وصول كتابه إليه سوء رأيه فيه وشدة حقده عليه، ويبقى طول ليله متعجباً من مطالبته لـه بالأوتار الهزلية بعد الزمان الطويل وامتنع عليه النوم لأجل هذا إلى هزيع من الليل... ثم غلبته عينه بعد ذلك فرأى فيما يرى النائم...)( ) والخادم هنا وصف متواضع للمؤلف إزاء شيخه العالم، فأعطى الراوي في هذه الفقرة محور السياق العام الذي تنضوي الرؤيا تحته وفي ظرفه.

 

كلام الاستهلال هنا، بما يشتمل عليه من إشارات تخلق توقعاً عند المتلقي بما سيحدث وعلى من ستتركز الأحداث ـ يجعل هذا اللون من القصص يدخل تحت مفهوم (التوقعية)( ) التي تضم القصص التبشيرية والرمزية والحلمية، وإن الحدس بمفارقة سردية تتم عبر استعادة الرؤية والحديث عنها يدعى نقدياً بـ (التوقع السردي).

 

2. رؤيا البطل التي تستغرق ثلاثاً وأربعين صفحة تفصل الكلام في رحلته إلى الجنة والنار والأعراف وتتحول فيها لغة الخطاب إلى (الأنا) بعد أن كان يكني نفسه بلفظ (الخادم)، فصار يقول (فخرجت من قبري أيمم الداعي إلى أن بلغت إلى أرض المحشر...)( ) ويستمر حتى يشكل متن القصة بأكملها.

 

3. قبل الخاتمة، يلحظ في سياق الرؤيا تبادل في الأدوار بين (الراوي) و (الرائي)، فتحدث انقطاعات يظهر لنا الراوي فيها معرفته بأشخاص معينين ويذكر معايبهم وتوقعه لهم بهذا العذاب الذي ينتظرهم وهم في عرصات القيامة للحساب، ويبين لشيخه جمال الدين، أن في القيامة أهوال يعاقب عليها الناس لكن الناس في الدنيا تستهين بها، بينما الشيخ الراحل جمال الدين ينقم على الخادم (الراوي) مخاطبته إياه بلا ألقاب في كتاب بعثه إليه الخادم من ثلاث سنوات خاطبه فيه بمجرد الاسم( ) فجعل ذلك سبباً لقطيعة وحقد لا يزول. فمما يمثل ذلك المقطع الذي يعدد فيه الراوي مثالب كمال الدين الشهرزوري( ) وسواه، ممن يضيق المقام عن تفصيل ذكرهم وسيرجئ الكلام فيهم في المبحث اللاحق.

 

4. الخاتمة جسدت براعة الراوي في ربط الرؤيا بالواقع في سياق تعبيري متجانس كأرقى ما يصل إليه الأسلوب الروائي العالي، فيذكر فيها، بعد أن يبين الضجة العظيمة التي أقبلت عليهم وهم الشاميون الذين أخذ الطرفات عليهم علي (ع) (وجاء على مقدمتها محمد بن الحنفية يزأر في أوائلها مثل الليث الهصور، فلما انتهى إلينا صاح بنا صيحة عظيمة هائلة، أخرجني من جميع ما كنت فيه، فوقعت من على سريري، فانتبهت من نومي خائفاً مذعوراً، ولذة ذلك الماء في فمي، وطنين الصيحة في أذني ورعب الوقعة في قلبي إلى يوم ينفخ في الصور...)( ).

 

ثم تغيب صورة (الرائي) لتعود صورة (الراوي) كما ابتدأت الرؤيا في الاستهلال، فيربط سبب هذه الرؤيا، وما لاقاه في مضمون الرؤيا فيقول:

(كيف يرى سيدنا هذا النفس الطويل، والهذيان الذي أثاره التعتب والانتقام؟ وصلى الله على سيدنا محمد نبيه وآله وأصحابه…)

والحقيقة، أن هذا التدرج في موقعية الراوي والرائي في هذه القصص، يبني عليه تدرج آخر، وهو تدرج الأسلوب.

1. بين لغة الأنا كما تظهر لغة المقدمة الاستهلالية من كتابة (الخادم) إلى صيغة المتكلم ا لحاضر.

2. وفي سياق الرؤيا على طول صفحاتها، يتحول الرائي إلى راوٍ لمجريات الأحداث.

3. في الخاتمة تظهر لغة الخطاب في محاولة ربط عالم الرؤيا في موقف الشيخ الغاضب المنتقم.

ومما يحسب لهذه القصة الرؤياوية، جميل ألفاظها، وحسن العناية ببلاغة معانيها في صياغة جميلة اعتمد في أغلبها المؤلف موسيقى السجع الذي ينم عن ثراء لغوي وذائقة صافية غير متكلفة.

 

 

المبحث الثالث بنية المروي الصوفي

 

 

بين المبحث السابق، فاعلية ركني الخطاب الأدبي المرسل والمرسل إليه في بث الرسالة الأدبية التي تمثلها هنا العملية السردية التي يعدها (كريماس) قائمة (على مجموعة من الملفوظات المتتابعة والموظفة المستندات فيها لتشاكل (السنياً ـ جملة من التصرفات الهادفة إلى تحقيق مشروع)( )، بوصف الأدب نظاماً من العلاقات، وهكذا يعد الخطاب السردي مشروعاً منظماً وفق الغابات القصوى المقصود بلوغها( ) بسبب ذلك الارتباط المهم بين الخطاب الأدبي وبين عنصر السببية، فكل فعل كلامي صادر من مرسل يستوجب مقدمات دعت إليه مع ضرورة انعكاس هذا الفعل على (مرسل إليه) يتلقى هذا الفعل ويتفاعل معه بشكل أو بآخر فعلى وفق هذا الاشتراك والتعالق، ويكون (العامل) في العملية السردية مرتبطاً بـ (الموضوع) بحسب اصطلاح (كريماس) إذ العلاقة بين العامل والموضوع تكون محملة بالشحنة الدلالية الكامنة في الرغبة( )، فحين يتم الكلام عن المروي الصوفي مثلاً فلا يمكن بحالِ، تحليله بوعي مجرد إنما ثمة ترابط وظيفي تحكم الأفعال فيه علاقات وظيفية تشكل هذه العلاقات قواعد مشتركة بين النصوص الحكائية، كما تحدد لها نمطاً بنيوياً يكاد يكون واحداً( ).

 

من هنا، أجد الخصوصية التي يمتاز بها هذا البحث، من ناحية كون دراسة بنية المروي لا يوقف على تمظهراتها بشكل مجرد، بسبب أن انبناء المروي يتوقف على تفاعل الشخصية الحكائية ووجهة النظر التي ينهض بها الراوي، وكذلك حضور شخصية المروي له، حتى يتكامل أركان العمل الروائي من شخصية ووظائف وراوٍ ومروي له، فما (المروي)، إلا جماع تفاعل كل هذه العناصر والأركان. وسيتم الكلام عنه الآن ـ ولمّا يفصل الحديث في الشخصيات والوظائف ـ لسبب مهم هو أنه أحد مكونات البنية السردية الأساس لأي خطاب أدبي، فلا بد أن تتكامل صورة المكونات الأساس ليتسنى بعد ذلك القول والتفصيل في الشخصيات والوظائف وآليات السرد، وأسلوبيته أيضاً. وتأتي أهمية هذا المحور (المروي) في درس المبني القصصي، من حقيقة كون تحليل العلاقة الناشئة والمكونة للنسيج القصصي في القصة لا يقوم إلا على الفعل، الذي يمثل اللولب المحوري الذي تتحرك ـ على وفق إيقاعه ـ أركان العملية السردية الأخرى من شخوص وراو ومروي له ووظائف، فمن منطلق هذه الأهمية المركزية التي يضطلع بها (الفعل) القصصي الذي في النهاية يمنح الحكاية قيمتها الموضوعية، ومستوى تمثيلها لشريحة ما، ثم إعطاء تصور لمستوى تفكير منتج هذه القصة من حيث عنصر الاختيار الذي على أساس منه، توجه اهتمام المؤلف نحو هذا الفعل القصصي دون غيره في الموضوعات ونوجه العناية إلى مسألة مهمة تتعلق بالفعل القصصي، التي هي: أن (الفعل القصصي) الذي تنهض به شخصيات معينة داخل نسيج البنية السردية للخطاب، ينضوي تحت لواء مصطلح (الحكاية) ويرتبط به. في حين يكون القول المخبر عن ذلك الفعل، يعود إلى مفهوم (الرواية)، وبامتداد (الفعل) و (أسلوب قصة المخبر عنه) يتشكَّل الخطاب القصصي في صياغته التي تعرض أمام المروي له (متلقي القصة) يوضح هذا المخطط الآتي هذه الفكرة:

 

مخطط رقم (2) ماهية الخطاب القصصي بين الحكاية والرواية

بناءً على ذلك، يتشكل الخطاب القصصي من (فعل) الحكاية (المادة الخام للقصة)، ومن طريقة روايتها بالكلمات فيترتب على أساس هذه الثنائية (الحكاية والرواية)، ظهور مستويين في الزمن القصصي وهما:

1ـ زمن الفعل الحكائي.

2ـ زمن الفعل الكلامي.

يدعوهما (جينيت) بـ زمن القصة وزمن الحكاية( )، وأحياناً يستعاض بـ (السرد) بدل القصة، ولا شائبة على المفهوم المراد على وفق التوضيح الذي حدده البنيويون في الفصل بين القصة والحكاية، وكما أوضحه المخطط.

 

قبل أن نستعرض تحليلياً نماذج المرويات الصوفية تجدر الإشارة إلى أن ثمة اختلافاً في المسافة الزمنية التي تصل فيها زمن القصة إلى المتلقي، وبطبيعة الحال فإن، زمن الحكاية أبعد عن لحظة الرواية( )، فالمروي له يتلقى (الفعل الكلامي) السردي القولي القصصي الذي يعبر عن (فعل حكائي) حدث في مدة سابقة قد تكون أياماً أو سنوات أو قروناً، أو أنها لم تحدث أصلاً حين يكون الفعل والحدث الحكائي خرافيين من صنع الخيال. لهذا فالنص الحكائي الأصل يتعرض للتغيير والتحريف والإضافة والاختزال على مر الزمن الذي يقطعه حتى يصل إلى المروي له. لأجل ذلك أشرت في مبحث الاستهلال، أن الباحث وهو يتوخى بنية استهلال القصص عليه أن يضفي ثقة تامة على الراوي الأخير لأحداث الحكاية الذي على يديه خرجت الحكاية من ثوبها الشفاهي لتكون أثراً مدوناً، في أنه نقل الفعل الحكائي على أقرب صورة مطابقة لواقعها الفعلي.

بما أن القصة الصوفية، امتازت بصفة شخصت من خلال البحث، هي انحياز رواتها ونقلتها إلى استيفاء جانب (الأمانة) في النقل عن الواضع الأول للحكاية أو عن بطلها. فاقترب نموذج الحكاية الصوفية من طبيعة (الخبر) المنقول أو الأحاديث التي بها حاجة إلى الأسانيد والرواية عن ثقاة الواحد تلو الآخر،...

على وفق هذا، فإن الفعل الحكائي في القصة الصوفية يخضع لنسق من (التواتر) هو الضرب الثالث من ضروبه الأربعة التي جددها (جيرار جينيت) وهي:

 

1ـ أن يروي مرة ما حدث مرة.

2ـ أن يروي أكثر من مرة ما حدث أكثر من مرة.

3ـ أن يروي أكثر من مرة ما حدث مرة.

4ـ أن يروي مرة ما حدث أكثر من مرة( ).

 

فالقصة الصوفية، ينسحب عليها النمط التكراري الذي يعنى برواية الحدث الواحد أكثر من مرة، إذ إن بنية الفعل الحكائي عند المتصوفة، ببنية بسيطة التركيب، في الغالب تكون ذات حدث واحد تتمحور حوله حركة الشخصية المحورية، التي تمثل في القصص الذاتي هي الذات المتماهية بمرويها، في القصص الذي يمثل المساحة الأكبر من أنماط القصص الأخرى. فمع كل رواية للفعل الحكائي تحدث عملية إنتاج جديد للفعل لا على الواقع، إنما على اللسان ثم التقييد بالكتابة، فالرواية هي التي تتكرر وليس الفعل ذاته وفي كل رواية للفعل ذاته تتجدد طريقة قوله كلما تكرر الفعل الحكائي على لسان الراوي، والتواتر هو (مجموع علاقات التكرار بين النص والحكاية)( )، ولكن المقصود بـ التواتر هنا في نسيج البنية للقصة هو تكرار رواية الحكاية داخل بنية القصة عبر شخصيات مختلفة، وهو ما تقصد إليه الدراسة البنيوية في هذا الإطار، فالنمط الأول في التواتر في أن القصة الواحدة يتناقلها الرواة في مرحلتها الشفاهية حتى الكتابة والتدوين، هو تواتر خارجي ألقينا على عاتقه ذمة (صحة الرواية)، تؤطرها عبارات (حدثني، أخبرني) أو بصيغة المبني للمجهول وهي كثيرة في القصص الصوفي، مثل (حكي إن، روي، قيل...).

 

أما التواتر الداخلي، المقصود بالدرس البنيوي داخل نسيج القصة، فإن الراوي المتماهي بمرويه يقوم بمهمة نقل الفعل الحكائي إلى شخصيات ثانوية، الراوي الأصل هو من يقوم بنقل الرواة الثانويين، في مثل هذه القصص يظهر صنيع (الرؤية) طاغياً على المبنى الحكائي، وذلك لوجود عنصر التكرار فيها الذي يبعد أن تكون الشخصيات قد قالته فعلاً وعلى وفق الصيغة اللسانية ذاتها، كما حدث في قصة (الغار) التي رواها الرسول الكريم محمد ()( )، حيث يظهر التكرار في نسق التعبير الختامي الذي يتفوه به شخص من الأشخاص الثلاثة الذين سدت عليهم صخرة، باب الغار، وحجزتهم عن الخروج، فالحكاية الإطار هي ثلاثة رهط دخلوا الغار وسدت صخرة عظيمة بابه فلم يستطيعوا الخروج إلا بذكر صالح أعمالهم تأتي بعد ذلك الحكايات الثانوية المتضمنة سياق الحكاية الإطار الذي يكون (الرسول الكريم ()) هو الراوي فيها، عنهم، وحين يصل الضوء إلى أحد الشخصيات في الحكاية ليفصل الكلام في صالح فعله، يتحول إلى راوٍ يروي عن نفسه، فكان الأول باراً بوالديه، والثاني عفيف النفس لا ينتهك المحارم، والثالث رجل حق وأمانة، وبعد أن يروي كل قصته الموجبة لدنو الفرج والخروج من الغار، يقول عبارة تتكرر على لسان الرجال الثلاثة، وهي في صيغة دعاء: (اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة)، ثم يعود صوت الراوي الأول والرئيس صاحب الحكاية الإطار، ليعلن عن مجيء دور المتحدث الثاني ثم الثالث... فالتكرار هنا قامت به الشخصيات الثانوية، في حين يكون في لون آخر من القصص الصوفي، مركزية الفعل الروائي للراوي الرئيس فيلجأ إلى وسيلة (إضمار) رواية الفعل الحكائي الوارد في سياق حواري بين الشخصيات، ويستعين بعبارة أخرى توجز وتختزل الزمن القصصي الذي ليس به حاجة لتكرار قول ما لا يحتاج إلى تكراره، على أن هذا الاختزال أو الإضمار لم يحدث في (الفعل الحكائي) إنما يحدث اختصاراً في (الفعل الروائي) الذي يفترض الأخير، ذكاءاً من المروي له لا يحتاج معه إلى إعادة وتكرار على عكس الشخصية في الحكاية الأساس، فيستعيض عن التكرار بعبارة (فتركته أياماً وأعدت عليه القول) أو (...فكررت عليه القول) في قصة الشاب الذي مات عند رؤية أبي يزيد( ) إذ يطلب منه صاحب البسطامي رؤية أبي يزيد لأنها ـ على زعمه ـ أنفع من رؤية الله سبعين مرة، فقاما وطلبا أبا يزيد فوجداه قد خرج من النهر وفروته مقلوبة على كتفه، فلما رآه الشاب صاح ومات. فقلت لأبي يزيد ما هذا؟ فإنه ذكر أنه يرى الله وما مات، يراك فيموت؟ فقال: نعم. كان يرى الله على قدر حاله، فلما نظر إلي رأى الله على قدر حالي، فلم يثبت فمات.

 

يلحظ في هذه الفكرة، أن لجوء الراوي لاختزال المروي الذي يتكرر مع كل شخصية جديدة تظهر في الحكاية، إنما يؤدي وظائف من نسيج البنية السردية منها:

 

1ـ أن الراوي أو المؤلف قد وعى الفرق بين المروي له (قارئاً أو سامعاً متلقياً للقصة) وبين المروي له (في الحكاية وشخصية من شخصياتها تخبر بفعل ما) فإذا ما تكرر القول لشخصية في الحكاية، لا يقوم المؤلف بتكراره مع شخصية جديدة لأنه صار في حكم المعلوم في ذهن المروي له القارئ وتكرار المعلوم، سذاجة في الطرح ودعوة للملالة والسأم، ومؤشر على ضعف النسيج القصصي، فيستعاض عن التكرار بجملة توحي بالقول المكرر.

 

2ـ تقوم جملة الإضمار التي يستخدمها للاستعاضة عن تكرار رواية الفعل للشخصية الجديدة، مقام حكاية كاملة وقعت تحت الحكاية الإطار، هذا الاختزال يعد (اقتصاداً) في اللغة السردية في القصة في حذف ما يستغني عنه السياق أو المتلقي، وأجد هذا السلوك في السرد قد اقتضته حاجة يتوفر عليها المنجز الحكائي التراثي( ) ليس العربي فقط، هو بنية التكرار التي غالباً ما تتصل بأنساق عديدة معينة أحياناً العدد (ثلاثة)( ) أو (سبعة) أو (عشرة)، فوضع المؤلف التراثي (علاجاً) لـ (ترهّلٍ) في الحدث القصصي حين يمر الاختيار بمراحل عدة حتى يكون الحل في آخر محطة (الثالث أو السابع أو العاشر...) ويبزغ سؤال عن جدوى هذا الترهل؟ نعم ثمة جدوى من هذا المط أو الترهل أو قطع مسافة للوصول إلى نقطة الحل والقبول، لما في هذا الأمر من وسائل تشويقية وإثارة ماتعة تتحصل عند المروي له حين يترقب الحل وفي كل مرحلة يقطعها الحل يزداد ولع المروي له وفضوله وشوقه، لمعرفة الحل والنتيجة.

 

1ـ استرجاع الأحداث واستباقها:

يعد الاستباق في الأحداث ميزة أخرى من مزايا القصص الصوفي التي تشارك فيها مع القص التراثي الشعبي والخرافي والديني، الذي ينم عن قيمة تقنية عالية نبتت بذورها في ذهنية المؤلف العربي وذائقته وذكائه في إدارة مفاصل العمل القصصي، الأمر الذي جعله يتوفر على مزايا تقنية عالية في فن القصة تشكل جوهر الرؤية الحداثية في الفن القصصي الحديث والمعاصر.

 

يعطي (الاستباق) الوجه الآخر لزمن السرد وهو (الاسترجاع) الذي يعنى باسترجاع ماضي الشخصيات أو ما يسمى (flash-back)، أما (الاستباق) فهو على العكس، منه يخبرنا في الراوي مقدماً بما ستؤول إليه الأحداث أو الشخصيات، وهو أقل انتشاراً من الاسترجاع، ولكن ليس أقل أهمية( )، يظهر في أحاديث كثيرة ضمن المقدمات الاستهلالية للقصص وكذلك العنوانات، التي يشعر فيها الراوي أو المؤلف بالطابع الذي تتسم به الحكاية، ويكثر ورود هذا الفعل الزمني في (روايات الذاكرة)، والرؤى والأحلام والوصايا والنبوءة( ).

 

يقع الفرق بين الاسترجاع والاستباق، أن الأول يمكن للراوي أن يعمل عليه، عملية القص سواء أكان راوياً عليماً أو متزامناً مصاحباً لأنه جزء من مخزون ذاكرة الراوي عن شخصياته، أو أحداث جرت في زمن الماضي عن زمن القصة (السرد). أما الاستباق، فيعني هيمنة كاملة على مجريات الحدث الحكائي ويشترط فيه أن يكون زمن الحكاية سابقاً على زمن السرد، إذ من وجهة نظر عقلية، كيف تستبق حدثاً حدث في المستقبل وأنت لم تشهده أو تعرف به؟! عليه يناسب هذا التكنيك الزمني بالراوي العليم ذي النظرة المجاوزة التي تهيمن على ماضي الحدث ومستقبله. وتبدأ في تحريك هذه العناصر بحسب مقتضياتها جذب اهتمام المتلقي والاستحواذ على إعجابه وفضوله، فضلاً عن استثارة ذكائه.

 

فمن ذلك في بعض فقرات الرؤيا المطولة للـ (الوهراني) حين يستعرض مشاهد يوم القيامة، فيصل إلى دخول موكب الرسول محمد () إلى شاطئ المشرعة ووقف عندها، فيسرد لنا الوهراني حديثاً عن الصوفية له قيمة إشعارية بما سيترتب حكم الرسول () عليهم وعلى سلوكهم وطريقهم. فيقول: (فتقدمت إليه الصوفية، من كل مكان، وعلى أيديهم الأمشاط وأخلة الأسنان، وقدموها بين يديه، فقال () من هؤلاء!؟ فقيل له: هؤلاء قوم من أمتك غلب العجز والكسل على طباعهم)( )، من هذه الأسطر نستطيع تبين نوع الحكم الذي سيصدره عليهم رسول الله () بعد أن تقدمت إليه صفاتهم: قوم كسالى عاجزين يحملون أدوات التزين والنظافة... لا عمل يشغلهم، ولا نشاط يقيم حياتهم، وبالفعل لم يرض الرسول () عن مسلكهم هذا، ويصفهم بشجر الخروع في البستان يشرب الماء ويضيق المكان( ).

 

أما الاسترجاع، فهو كثير في قصص الرؤيا، وخاصة في رؤيا (الوهراني) نجد أنه كلما تقدم أحد أصحابه أو من يعرفهم إلى الحساب أو العقاب، يستذكر له سيرته السالفة في الحياة الدنيا كما حدث مع (كمال الدين)( ) وحديث مالك خازن النار مع الراوي نفسه( ) ويعدد مثالبه الموجبة له العقاب. ونجد أمثلة كثيرة على الاستباق مثلاً في قصص الكرامات، فمن ذلك ما رواه أبو عبد الرحمن السلمي يقول (سمعت أبا الفتح يوسف بن عمر الزاهد القواس ببغداد، قال حدثنا محمد بن عطية قال: حدثنا عبد الكبير بن أحمد قال: سمعت أبا بكر الصائغ قال: سمعت أبا جعفر الحداد أستاذ الجنيد قال: كنت بمكة فطال شعري، ولم يكن معي قطعة من حديد أخذ بها شعري فتقدمت إلى مزين توسمت فيه الخير، وقلت تأخذ شعري لله تعالى، فقال نعم وكرامة، وكان بين يديه رجل من أبناء الدنيا فصرفه وأجلسني وحلق شعري ثم دفع لي قرطاساً فيه دراهم فقال استعن بها على بعض حوائجك فأخذتها واعتقدت أن أدفع إليه أول شيء يفتح علي به... ثم بعد ذلك يحصل الرجل على ثلثمائة دينار فأخذها جميعاً إلى المزين، فقال له المزين ألا تستحي يا شيخ، تقول لي احلق شعري لله ثم آخذ عليه شيئاً...( )

فيلاحظ أن الراوي عمد إلى جملة استهلال يستبق فيها ما سيحدث من أحداث تتعلق بأخلاق ذلك المزين، بعبارة (توسمت فيه الخير) عبارة مشعرة بموقف حسن سيصدر عن المزين تجاه الرجل، هيأت المتلقي نفسياً لتقبل الفعل الأخلاقي الحسن الذي صدر عن المزين.

 

كثيراً  ما يتمثل عنصر (استباق الأحداث) في مستهلات القصص، ولا بأس وروده في سياق القصص، متى ما وقع في ذهن المؤلف/ الراوي، يقين بضرورة استهلال القصص عليه بوصفه سيكون عتبة انطلاق إلى أحداث الحكاية الجوهرية والتي تتمركز حول ثيمة القصة الدينية، والأخلاقية، والاجتماعية...الخ. هذا الانطلاق به حاجة إلى صياغة تعبيرية يغلب عليها اللمح والذكاء والقصر والتكثيف، تكفي لإيقاظ ملكة (التوقع) عند المتلقي؛ فيصير الأخير مترصداً لما سيحدث من أحداث توفر تطميناً لحفيظته التي أثارتها جملة من الاستهلال وهي فرصة لاكتشاف الذات المتلقية لنفسها ولمدى صحة توقعاتها لمجريات القص ووظائفه وأحداثه. بعد أن سلمت الذات المتلقية وعيها للراوي في أن يسوق مداركها صوب اكتشافه المجهول (بالنسبة للمتلقي) الذي بحوزة الراوي الذي ينقل حدثاً جرت أحداثه واقعاً أو تخيلاً، ضمن الزمن الماضي إذ لا تزامن بين الحكاية والقصة. فيعمد الراوي إلى أسلوب مموه يفتعل فيه قدراً من الاشتراك بطقس معلوماتي يجمعه مع المتلقي فهو يدعي اكتشاف الحقائق مع المتلقي، فيلجأ إلى أساليب التشبيه، أو الظن أو الاحتمال والتخمين بوصفها وسائل إجرائية تقيم جسراً من المعرفة بين الراوي والمروي له بشأن ما يروي وما سيروي.

في ذلك ماثلاً بجلاء في قصة (البستاني والصوفي والفقيه والعلوي)( ) حيث تبدأ بهذه الجملة الاستهلالية: (بينما كان بستاني يتفقد بستانه، رأى به ثلاثة رجال كأنهم من اللصوص وكان أحدهم فقيهاً، وثانيهم شريفاً، وثالثهم صوفياً، وكل منهم كان وقحاً خبيثاً، عديم الوفاء...)، ثم تخبرنا القصة أن البستاني استعمل ذكاءه وفرق الثلاثة فاستطاع الإجهاز عليهم واحداً بعد الآخر حين قدر على التفرقة بينهم حتى أمكنه إنقاذ بستانه، في سياقات تعبيرية جميلة ولغة صورية مكثفة وحوار راعى فيه راويه مرجعية كل واحد من هؤلاء الثلاثة بين الفقه والنسب الشريف، والمذهب، مانحاً ـ من خلال الحوار ـ وجهة النظر المعكوسة لهذه الشرائح الثلاثة في المجتمع.

وعوداً بنا إلى، موضوعة البحث فإن الجمل التي نصص لها في أعلاه، تشير بوضوح إلى استباق حدثي واضح أورده الراوي في شكل تعبيري بصيغة (تشبيه) تحمل بعض التخمين لكنه تخمين غير حقيقي لأنهم لصوص بالفعل والراوي يعلم ذلك لكنه لا يريد قطع صلته بالمروي له، وأيضاً يستثير ذكاءه وملكته ومشاركته، وإلا فلماذا يفعل ثلاثة غرباء في بستان لم يستأنسوا من أهله الإذن بالدخول والأهل موجودون فيه؟. ثم تأتي الجملة الأخرى لتعلن صراحة عن معرفة دقيقة، وتصور واضح يشخص في ذهن الراوي عن كل واحد من هؤلاء الثلاثة وكأنه سابق معرفة تجمعه بهم، فأوصاف الوقاحة، والخبث، وانعدام الوفاء (الخيانة) أوصاف لا يتكامل تصورها في النفس إلا في مدة من الزمن والتجارب والمعاملة.

 

إذن الراوي على علم تام بهوية الثلاثة الذين لا ينتمون (لتخصصاتهم) المقدسة ـ إذا جاز التعبير ـ الفقه، والنسب الشريف، والتصوف.

 

تتجلى في مظان السير الصوفية والطبقات والرسائل، حكايات عدة تظهر الجانب الخارق في التجربة الصوفية ولا سيما (باب الكرامات) الذي يشير إلى أشخاص بعينهم من مشاهير المتصوفة ممن روي عنهم الكثير من الكرامات والخوارق الأمر الذي يؤكد حصولهم على مرتبة متقدمة في التصوف. نلحظ سمة الإضمار والاختزال في لغة القصة والاستغناء عن المتكرر من الحوار بوصفها تقنية سردية لجأ إليها اختزالاً لما تمت معرفته ولظهور حرية تصرف الراوي في إيراد الحوار، من ذلك نقرأ ما روي عن (إبراهيم الخواص) حيث قيل: كنت بمدينة الرسول () في مسجده مع جماعة تتجارى الآيات ورجل ضرير بالقرب منا يسمع فتقدم إلينا وقال آنست بكلامكم اعلموا أنه لي صبية وعيال وكنت أخرج إلى البقيع أحتطب فخرجت يوماً فرأيت شاباً عليه قميص كتان ونعله من إصبعه، فتوهمت أنه تائه فقصدته أسلب ثوبه، فقلت له انزع ما عليك فقال: سر في حفظ الله، فقلت الثانية والثالثة، فقال لا بد فقلت: لا بد، فأشار بإصبعيه من بعيد إلى عيني فسقطتا فقلت بالله عليك من أنت؟ فقال: إبراهيم الخواص( ).

 

فيتجلى في هذه القصة نوعان من الإشارات اللغوية، التي تنبني على أساسها، تقنية السرد فيها، الإشارة الأولى في قوله (ورجل ضرير بالقرب منا يسمع...) إذن ثمة شخصية مهمة تدخل الصراع وسيكون لها فعل مهم في الحكاية، بإمكانه أن يخلق توقعاً في ذهن السامع أو القارئ أن ما سيأتي من حدث له علاقة بهذا الضرير وهو حدث متمركز حول (فقدانه للبصر) بالذات وإلا لم لم تذكر عاهة أخرى في هذا الموضع.

 

الإشارة الثانية هو استخدام أسلوب (الإضمار) فمن قوله: (فقلت الثانية والثالثة) يعني أنه كرر عليه القول بخلع ثوبه الذي يريد سلبه منه كرره مرة ثانية وثالثة على الوجه الفعلي من (زمن الحكاية) لكنه اختزل وأضمر في (زمن السرد) وعوضت عنه جملة الإضمار المذكورة.

 

يلحظ من خلال ما تم طرحه وتحليله في فضاء الصفحات الماضيات من هذا المبحث، تداخل مفهوم الزمن القصصي مع بنية المسرود الصوفي من حيث النظر المنهجي المتبع في هذه الدراسة. نعم يوجد هذا التداخل، بوصف (المروي) من حيث البنية السردية التي تمثل هو ركناً من أركانها الثلاثة، لا بد أن تنبني على زمنية السرد، أو البعد الزمني في حركية الأركان السردية (الراوي، المروي، المروي له) فمفهوم التواتر، التكرار، الاسترجاع، الاستباق، كلها مفهومات تدخل في دلالة الزمن مرتبطاً بالحدث، والقائم به والموجه إليه، سواء أكان ماضياً أم آنياً أم استشرافياً.

 

على أن بنية زمن السرد سيفرد لها البحث مباحث مخصوصة في الفصول القادمة وأن البحث في هذه الصفحات انطلق من مقولة (جينيت) في تحليل النص القصصي على وفق أبعاده الثلاثة: (الحكاية) و (السرد) و (الخطاب القصصي)( )، فالعنصر الثالث موضع حديث هذا المبحث تضمن تحليل العناصر اللغوية التي يستعملها السارد مورداً حكايته في صلبها. ولكن الوقوف على تحليل هذه العناصر منهجياً وبصورة متماسكة لا بد أن تتم دراسته وفق تحليل البنية الزمنية للنص القصصي التي تعد مزية أساساً في تشكيل البنية القصصية في القص القديم والحديث على حد سواء، إذن... تخلص من هذا إلى أن ارتباط بنية المروي مع الزمن تمثل علاقة حتمية تجسدها القصة بكونها أي القصة لا بد أن تصدر عن (موقف من الزمن) بأبعاده الثلاثة ويكون الحدث والشخصيات والرواية، آليات هذا الموقف وتجسداته المحسوسة. 

أضيفت في 07/06/2006/ خاص القصة السورية / عن اتحاد الكتاب العرب

 

 

كيفية المشاركة

 

Hit Counter

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية