الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | معلومات النشر | من نحن | كلمة العدد

 دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 07/06/2008

عن الكاتبة

كتب                                بنية السرد في القصص الصوفي2

 

 

الشخصية الحكائية 

أنماط الوظائف 

المثال الوظائفي في القصص الصوفي 

 

 

 

 

 

 

بنية السرد في القصص الصوفي2

المكونات والوظائف والتقنيات

 

بقلم الكاتبة: د. ناهضة ستار

الفصل الثاني

المثال الوظائفي في القصص الصوفي والشخصية الحكائية

   

توطئة

توفر اصطلاح (الشكل) عند الشكلانيين الروس، على مفهوم يتسع لأكثر مما يسمح به مصطلح الشكل؛ فالشكل –في منظورهم –مصطلح نقدي يعني بدراسة ملامح الأثر الأدبي بجميع مفاصله البنائية والشكلية، بمعنى أنه يدرس آليات إنتاج التركيب البنائي للنصوص الأدبية كما يدرس كيفية إنتاج المعنى والمعنى الأدبي. فإيحاء التسمية قد يضيق من مفهوم المصطلح الذي أخذ يتسع ليشتمل على ما يمكن تأويله من الدلالات النصية، ما يوحي به من أبعاد سيمائية لها مرجعياتها الفكرية والاجتماعية والفلكلورية والدينية. فيصبح التعبير الأدبي (شفرات) يحلّل بناءها التركيبي إلى وحداتها الأولية، ومن ثم تصنف بحسب النوع والجنس وأثر الشخصية في توجيه الدلالة وتنوعها وغزارتها، وبذلك يكون الدرس النقدي منطلقاً من (البنية) إلى (المعنى) من الحسي إلى المدرك، من القاعدة إلى الآفاق وهذه في الواقع طريق سليمة للبحث في قيمة النص وأصالته بشكل متكامل ينضوي تحت لواء هذا (البحث )، عناصر اللغة، الأسلوب، والمعنى والتركيب.

على عكس الطريقة (الهرمنوتيكية) في تأويل الأثر الأدبي ووصفه كلا لعناصر ثقافية ما( ) من خلال إقامة علاقة بين النص والمرجعية متشبثاً بالمعطيات الخارج –لسانية لأنواع الخطابات الأدبية وشروط إنتاجها وقراءتها، هذه العملية لا تخلو من تعقيد في المنهج والرؤية فضلاً عن أن العملية النقدية تبتعد عن محاورها الفنية الإبداعية المخصوصة لتصبح تنظيراً كاشفاً لسياقات النص الخارجية الأمر الذي يجعل من النص منطلقاً فقط وبؤرة تأويل يتم اكتشاف قواعدها المرجعية مما قبلها ويترك النص، فيفصح هذا العمل عن (انتمائية) الناقد الهرمونيوتيكي. بل انحيازه إلى بنية فكرية معينة؛ دينية سياسية، مذهبية.... فيكون، على ذلك النص معبراً إلى مسألة فكرية خارج المقاييس الفنية التذوقية التي يفترض أن يكون (النص) فيها هو الغاية والوسيلة لأن مرجعيات النص والبحث فيها يتداخل مع حقول معرفية أخرى يشبعها التاريخ والاجتماع وعلم النفس والانتروبولوجي والفكر والسياسة والدين...إلخ، فـ القار في عملية النقد الأدبي، إنها (تستضيء) بمرجعيات النص لكي لا تقطع صلة النص بظروف إنتاجه على افتراض (حياة المؤلف) وحيوية الظرف الخاص الذي كان باعثاً للقول الأدبي. تستضيء ولا تعتمد عليها فتقطع صلتها بالنص الأمر الذي يخل بموضوعية البحث العلمي والنظرة النقدية، السبب في ذلك أن مشكلة المعنى لما تزل في حاجة إلى تنوع في القراءات وسعة في الاختصاصات ودقة في التأويل كي تقف أمام هذه العملية المعضلة المنهجية المتمثلة في الحالة الآتية:

- الالتزام بمفردات المنهج العلمي يؤدي إلى الانغلاق ومحدودية النظر.

- الانفتاح أمام النص بلا محددات يؤدي إلى الانتقائية والذاتية اللتين هما على الضد من منطلق المنهج العلمي.

انطلاقاً من هذه القناعة، التي تؤمن بالأسباب والبواعث وكذلك تؤمن بخصوصية العمل الأدبي الذي لو وضعت أديبين في ظرف واحد وسياقات خارجية ونفسية وثقافية متشابهة، لأنتجا عملين مختلفين على الرغم من وحدة الأسباب... سينهج البحث في هذا الفصل، قضية تقع في صميم التحليل الشكلاني لتشريح القصة، إلا وهو (المثال الوظيفي، موقع الوظيفة في العمل القصص وهيكليته الكاملة؛ متنبهين أولاً، إلى حقيقة مهمة يفرزها المنجز الصوفي على الصعيد الحكائي، هذه الحقيقة هي (التنوع) في الأداء القصصي في الوظائف، الذي هو نتيجة طبيعية في التجربة والثقافة الصوفية.

لأجل ذلك سيتم التمهيد لموضوعة الوظائف السردية والحديث عن منهج (بروب)، و(كريماس) في هذا الفصل . ثم أنماط الوظائف، وموقع (الشخصية الحكائية) في السرد وعلاقتها بالوظائف السردية، فمن أنماط الوظائف وإلى الشخصيات سيكون الحديث تنظيراً وتطبيقاً على القصة الصوفية، معتبرين في ذلك، خصوصية الأنماط القصصية التي تحددت في المباحث السابقة على أنها: ذاتي، وموضوعي، واسترجاعي، وسيكون عملنا في هذا الفصل متساوقاً مع هذا التصنيف المنهجي.

  

 

المبحث الأول

 

1-منهج بروب والتحليل الوظائفي للقصة

تصدر منهجية (بروب) الشكلانية، في تحليل القصة الخرافية، عن رؤية هيكلية ترى الحكاية بنية مركبة معقدة التركيب وذات بنية علائقية متشابكة يتم الكشف عن آليات الربط التي تربط فيما بينها بطريق التفكيك واستنباط تلك العلاقات والوظائف التي تؤديها في سياق قصص معين. واعتمد (بروب) في منهجه هذا على نموذج حكائي روسي موروث هو الحكايات الخرافية فجمع ما يناهز المئة حكاية مستقياً منها ما دعاه بـ (المثال الوظائفي) الذي يعني به: عمل الفاعل معرفاً من حيث معناه في سير الحكاية ( ) فالحدث إذن –بهذا المنظور –يعد وظيفة ما دام رهين سلسلة من الأحداث السابقة التي تسوغه، ومن الأحداث اللاحقة التي تنتج منه ( ). ولعل اعتماد بروب على مقدمات منهجية رصينة، جعل اهتمام نقاد عصره ومن بعدهم يتوجه إلى عمله بالإشادة والمناقشة ومحاولة استيفاء جوانب النقص فيه ولا سيما في الصعيد الدلالي، السيمائي، وسنعرض بإيجاز لهذه الآراء، فكان تحديده الواضح لنماذجه الحكائية بـ مئة حكاية خرافية، واستيفاء جانب حضور الشخصية الحكائية (البطل) من خلال تصنيف الوظائف وترتيبها، جعل عمل (بروب) تجربة رائدة في مجال نقد القصة، وأصبح هذا المنهج قالباً منهجياً خليقاً بتطبيقه على المتون الحكائية لشعوب وقوميات مختلفة، فضلاً عن أن منهجية (بروب) هذه أثبتت موضوعية بحثية تجعل (النص) هو منطلق النظر النقدي.

2-أساسيات المنهج ومقولاته

يرتكز منهج (بروب) الوظائفي، على الملامح البنيوية الثابتة التي تتكرر أشكالها في الخرافات على الرغم من تنوع الملامح الخاصة وتغير الشخصيات وأوصافها وكذلك عناصر التحفيز التي تسبق الأفعال. فحدد بروب سبعة أنماط من الشخصيات هي: المعتدي، الواهب، المساعد، الأميرة، المرسل، البطل، والبطل الزائف. وتتوزع الوظائف على هذه الشخصيات في كل خرافة بهذا يتجاوز (بروب) منهجية من سبقه في جميع (أجناس) أو أنواع القصص والحكايات فقط ليحدد تصنيفاً يصلح لتطبيقه على متون حكائية مختلفة ( ). من هنا لا يعد منهج. (بروب) تحليلاً نصياً لأنه لم يعن بجوانب اللغة والأسلوب والدلالة.

توزعت الوظائف في منهج بروب، على إحدى وثلاثين وظيفة في مجمل الخرافات المئة التي درسها، ظهر أن تسلسل الوظائف كان متشابهاً بصورة واضحة في المتون، ولكن هذا لا يعني استغراق كل خرافة لكل الوظائف، إنما ثمة استثناء في ذلك، فقد تفقد خرافة بعضاً من الوظائف في حين أخرى تضيف إليها، إلا أن الباحث يجد أن ثمة نظاماً تسلسلياً يتجلى في مجمل الخرافات، ورمز بروب للوظائف بالحروف اللاتينية الكبيرة؛ فعلى سبيل المثال، فإن وظيفة الإساءة يرمز لها بالحرف (A)، والزواج بـ (W)، والأداة السحرية بـ (F).... الخ... تبدأ الوظائف بـ (وظيفة النأي) وتنتهي بوظيفة (تمجيد) البطل أو مكافأته بالزواج أو تتويجه ملكاً أو مكافأة مالية أو تعويض آخر ( )، والنهايات سعيدة دائماً بعد انكشاف الحقيقة، وزوال السحر، وفي ذلك إيحاء يسعى الذهن البشري إلى خلق صورة المستقبل السعيد الذي يرنو إليه هارباً من واقع مرير ومتصارع وقاتم. يمثل هذا الجانب الوجه الثاني لصورة الغيب في ذهن الإنسان، فالوجه الأول هو (الغيب /الماضي) الذي تمثل في شكل فلسفة (الماضي /الذهبي) ( ) التي توفرت عليها حضارات الإنسان في كل بقاع الأرض بعد تصور لفردوس طرد منه. أما الوجه الثاني فهو (الغيب /المستقبل) في انتظار انجلاء الغمام وأسفار الغد عن حلول إيجابية، وفرج وحصول الأمنيات وتحقق المرامي.

التي ظهرت في ميثولوجيا الديانات العالمية جميعاً في صورة المبعوث في آخر الزمان يحرر العالم من شروره وتصبح الأرض في خير ونعيم وحق وعدل وجمال وحرية وإخاء.

وما بين (الغيب /الماضي) و(الغيب /المستقبل) تتأرجح تلك الفسحة الزمنية المضطربة التي تسمى (الحاضر) زمن التجربة والكتابة والحلم.

الحقيقة، ما كنت أبغي استرسالاً في هذا الأمر، إلا لكي أصل إلى حقيقة، مهمة أغمض عنها منهج بروب الوظائفي إلا وهو الجانب الرمزي التأويلي في صياغة الوظائف وترتيبها، والحق أن الرجل أعلن عن ذلك في مقدمة كتابه حين حدد (تاريخ المشكل) وبين عدم عنايته بهذا الجانب، فهو الجانب المسكوت عنه الذي يفسح المجال أمام دراسات قادمة لاستيفاء جوانب البحث فيه بعد تحديد وجدولة الوظائف السردية.

من خلال تحديد الوظائف وتصنيفه، يظهر أن الحكاية الخرافية تتركب من ثلاثة اختبارات:

1-اختبار ترشيحي، يتمحور حول شخصية الفاعل، والمانح.

2-اختبار رئيسي، يحدث فيه الصراع الأساسي الفاصل.

3-اختبار تمجيدي، يحدث فيه التعرّف على البطل ومكافأته.

هذه البنية التركيبية يتكرر وجودها في جميع القصص، بوصفها فلسفة إجمالية لمنطقية الحدث القصصي وفعل الشخصية فيه، وهو يشبه إلى حد كبير أركان الهرم الدرامي المتكونة من عناصر (المقدمة، العقدة، الحل والخاتمة)، فمنطقية هذا التركيب، كأنما حلت بديلاً لخرافية أحداث الحكاية التي يبرز فيها واضحاً ذلك التخلخل بين الواقع والخيال إن لم يكن الانفصال التام.

يحدد (بروب) الصياغة العامة لمنهجه على وفق محاور أربعة هي ( ):

1-العناصر الثابتة، والمستمرة في الخرافة هي وظائف الشخصيات، على تنوعها في الجنس والصفة وطريقة الوظائف. بمعنى أن الخرافة متكونة بشكل أساس من مجموعة وظائف أو بتعبير آخر أن الوظائف هي المكون الأساس الذي يصيغ شكل الخرافة النهائي.

2-عدد الوظائف في الخرافة، محدود، وهو في الغالب يخضع لمنطق الحرية أو العفوية في نظر غير (بروب)، أما بروب فيعتقد أن تتابع العناصر في الخرافة يخضع لقانون صارم التناظر، والحرية فيه محدودة على هذه الصفة تنبني الفقرة القادمة.

3-تتابع الوظائف متشابه دائماً في الخرافة، مع ملاحظة مهمة في هذا الصدد هي عدّ النتاجات الخرافية التي حفظها الفلكلور الشعبي ولم تخضع لأشكال التصنع والتحريف.

وهذا التشابه لا يعني أن تتوفر كل خرافة على كل الوظائف بيد أن هذه الوضعية لا تتغير في شيء من قانون تتابعها ( ).

4-إن الخرافات العجيبة تنتمي –في ما يتصل بينها –إلى نفس النمط، بمعنى أن ثمة تشابهاً في نمطية البناء في الخرافات فيما يخص ترتيب الوظائف الذي يخضع لبنية عقلية معينة حفظت مخزوناً كبيراً في وعيها، ولا وعيها من مدركاتها الحسية والمعنوية قدراً هائلاً من المعلومات والأفكار والأديان والخرافات والتصورات بملامحها الاجتماعية والدينية والنفسية والسياسية والطبقية.

وبحسب هذه المحاور الأربعة أو كما يسميها بروب –أطروحات –أنجز عمله حسب منهج استنباطي صارم، ينطلق من المتن ويصل إلى الخلاصات.

بهذا يقدم بروب مادة دسمة لدراسات نقدية تتعمق في دراسة الجانب الدلالي والعلامي والرمزي فيما يمكن أن يترشح من خلال ترتيب الوظائف وتعاقبها واقتراح حلولها، وأسباب استهلالها بأساليب معينة فضلاً عما يمكن أن تتيحه منهجية القراءة والتلقي والتأويل من آفاق لسبر أغوار النفس الإنسانية، وكشف بنية المجتمع، والفكر الديني، والبنى الاقتصادية والسياسية لمجتمع ما جعل من القصص والحكايات والأساطير والخرافات ميداناً يبث من خلاله قناعاته وأحلامه وتصوراته وثقافته أيضاً.

3-الثابت والمتغير في منهج بروب

تحيلنا طبيعة المناهج –بصورة عامة –إلى وجود محددات وطوابع خاصة تطبع جنساً أدبياً بنوع من المقومات البنائية وتبنى على الأكثر الأعم، وتعترف كذلك بالشاذ أو الاستثناء.

تلك طبيعة الظواهر في الكون في تعذر مطابقة قالب معين لمادة ما، وإن تطابقت فلا تتطابق جميع أصناف تلك المادة أو نظيراتها. لذا كان من أهم الأسس الموضوعية للمبحث العلمي عدم الادعاء باستغراق منهج ما لمتن أدبي معين تمهيداً لنجاح ذلك المنهج لأنه يتوفر على قاعدة تطبيقية واسعة في النماذج....

ما فعله (بروب) في منهجه، إنه بنى فكرة (الوظائف السردية) بعد استقراء لمجمل الحكايات الخرافية الروسية (وانتقى) منها (مئة) حكاية، أصبحت نموذجاً مناسباً لبناء منهج لدراستها والتطبيق عليها. علماً أن الكم الأكبر من الخرافات الأخرى لم يكن ليضيف جديداً إلى منهجه عدا تضخيم صفحات كتابه –كما يقول - ومن الناحية النظرية، المهم الاكتفاء بمتن محدود يمثل بعمق وصدق مجال تحرك النظرية، ويصلح مصداقاً عليها.

عد (بروب) (الوظائف) أو الأفعال التي تقوم بها شخصيات الخرافة، هي (القيمة الثابتة) في سردية الخرافة. والدليل على ذلك هو التشابه في هذه الوظائف من خرافة إلى أخرى على مدى الخرافات المئة التي درسها بروب.

أما (القيمة المتغيرة)، فهي الشخصيات التي تصدر عنها هذه الوظائف، أو تقوم بها في سياق الحكاية الخرافية. على أساس ذلك تتغير وتتبدل أسماء الشخصيات وصفاتها.

ويدخل العنصر (الكمي) في تحديد عدد الوظائف المتكررة في الخرافات ليصح أن تكون لها تسمية القيم الثابتة. ومن خلال استقراء بروب للوظائف وجد أن شخصيات الخرافة على اختلافها. جنساً وعمراً وشكلاً ومهنة، تنجز في الغالب نفس الأفعال ( )، أي أن الخرافة تسند أفعالاً متشابهة لشخصيات متباينة.

وقد لوحظ هذا التشابه في الأفعال وتكرارها من مؤرخي الأديان في الأساطير والمعتقدات، لكنه لوحظ متأخراً من قبل مؤرخي الخرافة. فيلاحظ أن الشخصيات كثيرة والوظائف قليلة. وهذا يفسر الخاصية المزدوجة للخرافة وتنوعها المدهش، واطرادها ورتابتها من جهة أخرى ( ) ولعل سمة التكرار والاطراد واردة في منجزات الأمم التراثية في أساطيرها وملامحها وتوزيع الأدوار على الآلهة كما في التراث البابلي العراقي القديم ( ) والتراث اليوناني واللاتيني القديم ( ).

وبسبب من توفر هذا الإرث على هذه السمات المتشابهة، برز الاهتمام واضحاً (بالحدث) وليس الشخصيات ولا سيما عند (أرسطو) في تناوله التراجيديا فيقسمها إلى ستة أجزاء هي: القصة، الأخلاق، العبارة، الفكر، المنظر، والغناء ( )، ويقول بعدها أن الشخصية ليست بذات ثقل في العمل الفني إن لم يكن هامشياً (إن التراجيديا ليست محاكاة للأشخاص بل للأعمال والحياة)( ).

فتساوقت الرؤيا الناقدة (طرح أرسطو) مع الرؤيا الإبداعية (المنجز الأدبي آنذاك)، فحين يطرح الأدب في مرحلة ما بنية خاصة به، يشخصها النقد المتزامن معه أو التالي له، ولا يعني هذا أن هذا التشخيص صحيح أو عام، بدليل أن المدارس الكلاسيكية في عصر النهضة وما بعدها، سارت في رؤيتها النقدية على الضد من الرؤيا القديمة (الأرسطية) حتى صار عمل الروائي الحقيقي هو خلق الشخصيات ( ) ومدى قدرة الكاتب الروائي على خلق شخصية تتوازن فيها الأفعال –على تضاربها –فتصح عن بنية تركيبية مهمة وحقيقية.

4-تقويم عام لمنهج بروب

من خلال الصفحات الماضية عرض البحث لمنهج بروب فكرة الوظائف، هذا الاستعراض لم تخل بعض فقراته من أحكام وتصورات تقويمية عن سلامة هذا المنهج وعلميته أو المآخذ التي سجلت عليه، وفي هذا الموضع نود صياغة هذه الإيجابيات والمآخذ في تصورات محددة في الإضاءات الآتية:

-إضاءة (1): صدر إنجاز بروب المنهجي من حيث الأهمية، من أنه طور منهج ليفي شتراوس في تحليله للأسطورة، وكذلك في بلورته مفهومي البنية والتحولات قبل زمن طويل من استخدام تشوفسكي لمفهوم التحويل: (  Trans formation) وساعد كذلك على إدراك التمايز بين بنية الحكاية وبنية القصيدة في جانب عمق الدلالة وهو ترتيب الوظائف في كل منهما، وعلاقة هذا الترتيب بالرؤية العميقة التي تجسدها القصيدة أو الحكاية ( ).

-إضاءة (2): مثل بحث رؤية البنيويين (لفكرة النص) على أنه هيكل منسجم العناصر والأجزاء. التي تعد من أهم المسلمات النظرية عند الشكلانيين الذين نشدوا تجنب القراءات الذاتية التذوقية والرؤى المسبقة التي تعد النص انعكاساً مباشراً أو بسيطاً لواقع مكاني وزماني فقام بروب بربط الظاهر الوظائفي بالخطاب القصصي، وعدّه البنية الضمنية لكل الحكايات الشعبية في العالم، والذي يدل على صحة هذه النظرة هو التشابه بين الوظائف ( ).

-إضاءة (3): اقتصار منهجية بروب على صنف قصصي معين جعل عمله هذا يتحدد بحدود نتائج ذلك الصنف، فالنموذج الذي اختاره بروب وظائفه منظمة مقولبة لها مسار محدد ذو طبيعة غائية واضحة تبدأ بـ (حدوث إساءة) وتنتهي بـ (إصلاح الضرر الحاصل)، وقد قام (كلود بريمون) في كتابه (منطق الحكاية)  Logique durecit بنقد مثال بروب ورأى أن تركيب القصة يكمن أن يتفرع ويتوزع في اتجاهات متعددة متشعبة. فضلاً عن إلغاء النظرية الشكلانية أو القراءة الشكلانية للبعد الذاتي للأثر القصصي ( ).

على أساس ذلك ما علاقة الوظائف في القصة بمرجعيات القصة والمؤلف وسياقها التاريخي والفكري والأدبي على صعيد (التناص) مع نصوص أدبية متزامنة معها؟؟ هذه الأسئلة هي محور الإضاءة الأخيرة.

-إضاءة (4): أثار (ليفي شتراوس) في نقده (لمورفولوجيا الخرافة) قضية الفرق بين (البنيوية) و(الشكلانية) وعلى حسب فهمه لهذا الفرق بين الاثنين، يرى أن الشكل يتعرف بمقابلته لمحتوى خارج عنه، أما البنية فلا محتوى لها إذ هي المحتوى ذاته وقد أدرج في تنظيم منطقي باعتباره خاصية من خصائص الواقع ( ).

ويعتقد أن الشكلانيين يحاولون الفصل بين مهمة إنتاج التركيب عن مهمة إنتاج المعنى؛ فبروب يهتم بتركيب الخرافة وهيكلة وظائفها ويدع المعنى جانباً( ).

وإذا ما رمنا المفاضلة بين النظريتين، يلحظ أن المسألة اصطلاحية أكثر منها مفهومية. وذلك يعنى بنظرهم وحسب تصريح تود ورف، الشكل هو كل ملامح الأثر الأدبي وكل أجزائه يتواكب معها، ولا يوجد إلا كعلاقة بين العناصر بعضها ببعض. وعلى الرغم من نجاح تودورف في الدفاع إلا أن القضية التي عمل عليها بروب هو التركيز على وظائف الشخصيات، ولا يعني ذلك أنه طبق المنهج البنيوي كله عليها، فهو لم يفرز المستوى النوعي لتلك الوظائف فلقد اكتفى بالتصنيف ولم يتعرض للغرض  thema الأساس الذي يستشف ويستنتج من مجمل تطورات الأثر. وكانت منهجية بروب مقاربة سياقية لم تأخذ بعين الاعتبار أن الدلالة لا توجد في نهاية السرد فقط بل على امتداده، فالذي مارسه (بروب) هو قراءة أفقية سياقية، إنما المطلوب قراءة عمودية جدولية تهدف إلى جمع المتشابهات بين العناصر الحكائية استنتاج معنى يمكن تأويله من مجمل العناصر النصية في الحكاية.

بعد هذا كله، هل يصلح منهج بروب طريقاً لتحليل القصة؟

يعد منهج (بروب) إنجازاً نقدياً مهماً عل صعيد تحليل القصص، هذه الأهمية لا تعني كما لـه، بدليل أن اكتشاف آليات تشكل البنية في القصص لا يتوصل إليها إلا من خلال تفكيك وحداتها، ومن ثم كشف العلاقات الرابطة بينها وبين وظائفها التي تؤديها في نظام الحكي.

فإن يتم اكتشاف ذلك الخيط المشترك الذي يضم عناصر متشابهة في قصص متعددة، لا يعني تقديم تصور متكامل عن بنية العمل القصصي، هذا البتر والاكتفاء بالتشخيص دون المعالجة جعل الجهد المركزي الذي نهض به بروب في مجال البحث الأدبي يتمحور حول (اكتشافه نموذجاً عاماً لتفسير القصص) ( ) وما يمكن أن يفتحه من آفاق تعتمد على الوحدات الصغرى (الوظائف). فضلاً عن، أي منهج (بروب) قام على قاعدة نصية يجسدها شكل حكائي بدائي ذو طبيعة (مشاعية)؛ لا يعرف مؤلف مخصوص لهذه القصص فلقد اصطنعتها الذاكرة الجمعية لآجال متعاقبة عبرت بها عن همها الاجتماعي والنفسي والجمالي والفلسفي أيضاً.

إذن، فإلى أي مدى يمكن تطبيق المنهج على قصص وروايات عالمية تنتمي لقوميات ووضعيات متباينة اجتماعية متباينة؟ يظهر أن مجال التطبيق سيكون محدداً في أنماط معينة من القصص تحمل نسقاً موضوعياً معيناً كأن تكون روايات الحرب، أو الروايات الاجتماعية أو القصص العاطفية، التي يتسنى فيها تحديد وحداتها الوظائفية الصغرى على وفق ما انبثقت منه من بنية موضوعية متجانسة ويظل العمل النقدي قاصراً عن تقديم رؤية متكاملة عن مجمل مفاصل العمل الأدبي بدءاً من محدداته المعنوية والرمزية.

5-صلاحية منهج بروب لتحليل القصة الصوفية:

لنصل الآن إلى السؤال الأكثر أهمية:

وهو مدى صلاحية منهجية بروب لدراسة القصة (العربية) (الإسلامية) (الصوفية)؟

إن هذه المحددات المهمة، القومية والعقيدية والمذهبية (عربية، إسلامية، صوفية)، تحمل في تضاعيفها خصوصية في الماهية والتصورات والآفاق المحتملة لكونها أساس تمايز الشعوب، وتكوينها الحضاري والأخلاقي والقيمي. على أساس ذلك، هل يجوز تطبيق قالب موحد على مواد متباينة تتشيأ كل بحسب معطيات وجودها وتكوينها الحضاري المخصوص..؟

للإجابة عن ذلك، ينبغي التنبيه على مسألة مهمة هي أن ظاهرة التثاقف، وتلاقح الحضارات الإنسانية، تعد من الفكر الإنساني على وجه الأرض، ينهض بهذا الجانب (الدرس المقارن) في مجالات المعرفة المتعددة، ومنها الأدب المقارن في بحث عناصر التأثر والتأثير في انتقال لون أدبي معين وتشخيص السبق الزمني والريادي لإنتاج ذلك اللون الأدبي كما حدث مع (ألف ليلة وليلة) أو (رسالة الغفران) للمعري.. وغيرها، هذا أمر والأمر الآخر، يندرج ضمن منظور إنساني عام، لا يتحدد بمقوم المعطي والآخذ، ولا النظر في تأثير ثقافة على أخرى، وأسباب هجرة هذه الثقافة.. إنما يتصور هذا المنظور في حقيقة كون العمل الإنساني يمتلك بنية وعي وإدراك كلية، تظهر في أنماط أدبية معبرة عن هم إنساني ضمن بنيته الجزئية أو الخاصة. على الرغم من تباين الأزمنة والأمكنة والأعراق، تجد ثمة تشابهاً في الهم الذي يطرح أسئلة الإنسان الوجودية أمام عالمه الذي يحكم وعي الإنسان في مشاعر متضاربة بين الحب والكراهية، الحياة والموت، الصدق والكذب، الرغبة والرهبة، الطمع والإيثار، العاطفة والمادة... الخ. لذا تجد أن الشعور الإنساني واحد في الطرح الحكائي لدى عجائز جنوب العراق مثلاً، والخرافات الروسية في بناء الثيمة الأساس للقصة على مبادئ أخلاقية ينتصر في نهايتها العنصر الخير، ثم احتوائها على بنية عددية معينة ككثرة استخدام العدد (ثلاثة) أو (سبعة) أو (عشرة) أو (أربعين) أو (سبعين)، كعناصر تشويقية وتهويلية أيضاً.

فتشابه الطرح –على اختلاف مصادره –دليل على وجود نظام عام يحكم التفكير الإنساني إزاء أسئلة الوجود الإنساني في علاقة الإنسان والطبيعة والإنسان والله، الإنسان والمادة، الإنسان والإنسان.

لأجل ذلك أمكن تطبيق منهج الوظائف السردية على الشعر ومنه دراسة كمال أبي ديب ( ) في تحليل الشعر الجاهلي بعد أن تحصل ذلك الشبه بين بنية القصيدة وبنية الحكاية، فإذا ما أمكن تطبيق منهج (بروب) على الشعر، فإن تطبيقه على متون حكائية عربية هو ادعى لدرء الاعتراض وأجلى فائدة.

تبقى ثمة قضية (حرفية) المنهج، والمدى الانتقائي الذي بإمكان الباحث في القصة العربية الصوفية، أن يتوفر على (حرية) في توظيف مقولات المنهج إلى المدى الذي تخدم فيه (خصوصية) الأثر الأدبي بهويته العربية الإسلامية، وهذا ما أدعيه في هذا البحث، وهو انتصاري لخصوصية الأسلوب والفكر العربي الإسلامي في القصة الصوفية التي انبثقت أساساً، وتشكلت على وفق أهداف تعليمية تربوية أي أن الموضوعية الأخلاقية المذهبية كانت الغاية من القول. والحقيقة أن (بروب) صرح بهذه المرجعية التي تشكل بواعث قول الحكايات فالحياة والأفكار تذهبان وتبقى مضامينهما في الحكايات فتحمل آثارها النفسية والاجتماعية والحضارية، حتى أن كل واحد من هذه الآثار في حاجة إلى كتاب متخصص يكفي لفهمه فهماً عميقاً ( ) ولهذا يستنتج بروب أن عناصر القصة تكشف كماً هائلاً من الترسبات الثقافية والدينية واليومية، مما يصلح لدراسة مقارنة تدخل ضمن البحث التكويني ( ). تساءل بروب عن الأسباب التي جعلت الحكايات الخرافية تخضع لسلسلة وظيفية واحدة في تركيبها؟ فرأى أن من الأسباب ما ينبغي تلمسها في الواقع الثقافي الذي نشأت فيه وخاصة في المعتقدات الدينية. هذا يعني أن النقد الشكلاني لا يكفي وحده لقيام نقد حقيقي للأعمال القصصية.

والذي أصل إليه، من خلال ما سبق، إن عمل بروب الوظائفي إنما يقدم مادة خاماً ذات رؤية منهجية مرتبة تصلح أن تكون مادة بحث تأويلي وسيميائي بالغ الأهمية، من خلال قراءة الواقع الذي أنتج ذلك الهيكل البنائي الوظائفي.

ثمة إشكال آخر، قبل البدء بمزاولة التصنيف الوظائفي للقصة الصوفية، يتمثل في ما يصفه بروب لـ إمكانية الوصول إلى تعميمات في دراسة الحكاية رافضاً رأي (سبرنسكي) في استحالة حصول هذه التعميمات ( ).

على اعتبار أن بروب يؤكد في صنيعه هذا، إن ثمة أشكالاً نمطية يمكن فرزها مورفولوجياً وتصنيفها، من هذه النقطة، يتضح إشكالٌ مهم يتعلق بطبيعة القصص الصوفي من ناحية فرادة التجربة، إذ تقوم الفكرة الصوفية على أساس التفرد والخصوصية والمنزلات والمراتب، فما قد يصل إليه التلميذ المريد، يعجز عنه الشيخ صاحب المنزلة والقطب المتبوع، وفي ضوء هذا التنوع جرى تصنيف الحكايات الصوفية على ثلاثة أصناف؛ ذاتي وموضوعي واسترجاعي، وسيكون اعتمادنا في هذا الفصل على هذه الأنماط اعترافاً منا بخصوصية التجربة الصوفية إذا ما شاء الباحث تقديم صورة واضحة عنها ولائقة بمرتبتها فيجب أن يكون النموذج الحكائي فوق القالب وليس العكس، فعدم مطابقة النموذج للقالب دليل على بنية تشكيل الرؤية والتفكير والمكونات مختلفة في إنتاج الحكاية وتحمل بذور تطور في البناء يجب مراعاة خصوصيته وليس لَيْ عنقه ليتسق مع المنهج الجاهز. استكمالاً للفائدة ولسعة الرؤية المنهجية، يفيد البحث من منهج آخر في دراسة الوظائف السردية هو منهج (رولان بارت) في الوحدات الوظائفية إذ قدم مشروعاً ذا رؤية تجميعية صنفت الوظائف إلى ضربين: أساسية وثانوية؛ فالأساسية تمثل الخط الأفقي عند (بروب) وهي الأعمال والثانوية هي الخط الشاقولي عند (بروب) وهي الأوصاف.

ويتيح منهج (بارت) للتحليل عدة مزايا، منها:

1-هذا التميز بين نوعين من الوظائف يتيح بعض المرونة لعملية قراءة النص بين عناصره الثابتة والمتغيرة.

2-اتكاءه على أساس ألسني يجعله طيعاً للتطبيق ( ).

من هنا يمكن القول بضرورة الاستضاءة بأكثر من منهج مادامت توفر رؤية أوضح لمميزات النص وأهدافه. من دون إرباك في الرؤية المنهجية الأساس للبحث، إنما استكمالاً وتأصيلاً لجوانب نصية سكت عنها المنهج الأصل.               

 

 

 

المبحث الثاني أنماط الوظائف

 

 

1-تعريف الوظيفة:

قبل الشروع بتحديد الأنماط الوظائفية في القصة الصوفية، لا بد أن يتم الوقوف على حد (الوظيفة) وتعريفها من حيث المفهوم (الأداة)، والغاية (الفعل) الذي تنهض به في سياق القص.

يُعِّرف (بروب) الوظيفة، بأنها (عمل شخصية ما، وهو عمل محدد من زاوية دلالته داخل جريان الحبكة) ( ) بمعنى أن سياق القصة يبنى على أساس المؤثرات الإيجابية والسلبية التي تصدر عن فعل الشخصية الحكائية، ولا يتكامل لهذه الدلالة من مفهوم واضح ومحدد إلا إذا تواتر حضور هذه الوظيفة (الفعل) على مدى مجموعة من النصوص الحكائية يكون منها الحدث واحداً، أما القائمون به فهم مختلفون في الجنس والطبيعة والغايات. أي لها سمة استغراقية ولا أقول مطلقة. بدليل أن (بروب) نفسه، إنما اعتمد في عمله الوصفي لوظائف الخرافات الروسية، انتقى مئة خرافة على وفق هذه الرؤية، أساسها التشابه في (فلسفة) القص –إذا جاز التعبير –أن نعد الأنماط الوظائفية هي فلسفة العقل أو الذهنية التي خلقت هذه الحكاية وهي ليست ذهنية واحدة. لأن القصص والحكايات نتاج شعب عبر عصور وأزمنة متعاقبة. فتتخلص قيمة (الوظيفة) في البنية الحكائية بوصفها استجابة لوعي المجموع، وحاجات الإنسان والجماعات وموقفه من حركة الوجود والأشياء والقيم من حوله. تتلخص قيمة الوظيفة في كونها تتركز على حالة (افتقار) أو فقدان أو نأي لا بد وأن ينتهي بحل يلغي حالة الافتقار الأولى.

من خلال هذا الفهم لمعنى (الوظيفة) عند بروب يمكن إدراك، مدى صلاحية منهج الوظائف السردية في دراسة أي منجز حكائي إنساني لأنه يعمد إلى كشف الفلسفة التي صاغت نظم تفكير الإنسان إزاء قضاياه ومخاوفه الوجودية. (لذلك ظهر تشابه في بعض الحكايات بين بلدان مثل روسيا وألمانيا وفرنسا والهنود الحمر) ( ) في حين لا يمكن –تاريخياً –إثبات أي اتصال بين هذه الشعوب. يسمح بانتقال هذه الحكايات فيما بينها.

2-الوظيفة وجمل الاستهلال:

حين يبدأ (بروب) بسرد الوظائف وتصنيفها، يقوم –قبل ذلك –بعرض الوضع الأولي للعائلة التي يكون البطل أحد أفرادها، فيذكر اسم البطل، ويصف حالته وعلى الرغم من أن هذا الوضع الأولي لا يشكل وظيفة في الحكاية إلا أنه يمثل وضعاً تركيبياً (موروفولوجيا) مهماً ( ) يهيئ ذهنية المتلقي للوظائف الأساسية التي سينهض بمهامها البطل في الحكايات، والوضع الأولى غالباً ما يخلق بعداً تشويقياً فضلاً عن خلق (أفق توقع) –تم الحديث عنه مفصلاً في الفصل الأول –يمكن الركون إليه في تحديد عام لنمط الشخصية ولجغرافية الحدث الحكائي.

وفي الغالب، لا تكون الافتتاحيات هذه صادمة أو مفاجأة أو تعلن عن أزمة ما، إنما على العكس، فهي تطرح وضعاً هادئاً مستقراً، يتحول إلى العكس حتى تبدأ أولى الوظائف بـ (مغادرة) أحد أفراد الأسرة مثلاً للعمل أو التجارة أو الحرب... الخ فتبدأ الوظائف السردية، تتوالى إلى الوصول إلى عقدة الحكاية ثم الهبوط تدريجياً إلى حلها. ويضع (بروب) للافتتاحية رمزاً خاصاً بها. وأجل الكلام على الافتتاحيات ودلالاتها في كتابه إلى نهاية الكتاب ( )، لكون الافتتاحية ليست وظيفة، بل أنها تدخل في باب (القيم المتغيرة) التي أشار إليها في موضع سابق، فما يخص اسم الشخصية وهيأتها، وطريقة عيشها، وسكنها وجنسها... يدخل في باب ما يتغير من القيم السردية وهو أمر ثانوي في بحث الوظائف التي أساس العمل بها إنها (قيم ثابتة) يتواتر حدوثها في خلال أزمنة مختلفة وعند شخصيات متباينة وأوضاع خاصة متغيرة.

على الرغم من اعترافه بالأهمية الخاصة التي تشكلها دراسة نعوت الشخصيات مثلاً، إذ يوجد العديد من الأوصاف والنعوت يتواتر أيضاً في الحكايات والخرافات كأن تكون الأميرة دائماً ذات شَعرٍ ذهبي، أو وسامة البطل وشجاعته، اقتران شخصية (المعتدي) بقبح المنظر والهيئة... الخ. هذا الأمر يهيئ الإمكانية –بحسب نظر بروب –لقيام دراسة لتأويل علمي للخرافة ( )، وضرورة قيام الدراسة الموروفولوجية على أساس دراسة تاريخية –الأمر الذي لم يعن به بروب في كتابه –فضلاً عن دراسة الخرافة في ضوء علاقتها بالتصورات الدينية.

من هذه النقطة التي وقف بروب عندها معترفاً فيها بالجانب الذي ينقص عمله الموروفولوجي في الخرافات.. نجد ضرورة قائمة لنبدأ من حيث انتهى بروب.

إذ لا تكتفي الدراسة الوظائفية للقصة لتكوين تصور واضح المعالم، يفي هذا المنجز الحكائي حقه من النواحي الدلالية، والنفسية، والتاريخية. لذا كان لزاماً الاستعانة بالمناهج الأخرى استكمالاً لشرائط موضوعية البحث العلمي التطبيقي.

3-الأنماط:

الوضع الأولي

في استقراء لما توافر في حوزتي من مصادر ومصنفات في الأدب الصوفي وأخبار المتصوفة، ظهر أن القصص الصوفي ذا المنحى (الذاتي) الذي يحكي فيه تجربة شخصية يحكيها الصوفي عن نفسه، تحكم  نظامها الوظائفي جملة مقدمات أجدها تمثل (منطق) الحكاية كما يتصورها الصوفي نفسه أود الإشارة إلى مسألتين تحكمان رؤية الصوفي نفسه لتجربته المراد بثها للمتلقي، التي تسهم في التخطيط –إذا جاز التعبير –لكيفية القول وأسلوب الحكي، يتركز منطقة الحكائي على حقيقتين.

الأولى: لا مألوفية التجربة الصوفية التي مارسها بشكل ذاتي ولا شهود له عليها لإثبات صحة وقوعها وإن وجد الشاهد فلا يستطيع المشاركة، لأن التجربة الصوفية رؤية قلبية لا عيانية.

على أساس ذلك: تقوم (حاجة إقناعية) لإثبات صحة وقوع التجربة لمتلق غير واثق ومتشكك.

الثانية: إسناد (فعل) لا معقول لـ (شخصية) معهودة على الصعيد التاريخي والمذهبي.

هذا يولد (حاجة توثيقية) يتم على أساس العناية بذكر أسماء الرواة وسلسلة الإسناد وكأنَّ، القصة خبر من الأخبار التاريخية أو حديث من الأحاديث. واصطناع حوار مفصل بين الشخصيات.

من خلال هذا المنظور

يمكن تصنيف الوظائف السردية على أنها تبدأ بداية قصة حقيقية ولأشخاص بعينهم، ثم تميز بهذه الشخصية أحداث لا معقولة تجابه من قبل الآخر بالتشكيك والتكذيب والاستفهام وتنتهي بمحاولة إقناع فاشلة. تبدأ الحكايات الصوفية –في نمطها الذاتي –بإطار خارجي يقود زمامه الراوي العليم حين يصرح بمصادر الحكاية ويذكر أسماء نقلتها وهم في الغالب أناس معهودون، وقد سبقت الإشارة تفصيلاً إلى ذلك في المبحث الأول من الفصل الأول –فتعمل الجملة الافتتاحية على إيضاح الوضع الأولي للحكاية ولوضعية الشخصية الرئيسية في الحكاية ومجال تحركها. كما في افتتاحيات الحكايات الآتية:

1-بإسناد عن ابن باكويه قال سمعت أبا عمرو تلميذ الرقي قال سمعت الرقي يقول: كان لنا بيت ضيافة فجاءنا فقير عليه خرقتان... ( ).

2-قال صاحب اللمع، سمعت الحسن البصري رحمه الله يقول: (كان بعبادان رجل أسود فقير يأوي الخرابات...) ( ).

3-قال زكريا بن داود دخل أبو العباس بن مسروق على أبي الفضل الهاشمي وهو عليل.....).

4-قال القشيري: سمعت أبا نصر المؤذن بنيسابور وكان رجلاً صالحاً...( ).

5-قال شعيب بن حرب: بينما أنا في الطواف إذ لكزني إنسان بمرفقه فالتفت إليه فإذا هو الفضل بن عياض... ( ).

6-سمع عن إبراهيم الخواص يقول: كنت في جبل اللكام فرأيت رماناً فاشتهيته فدنوت فأخذت منه واحدة.... ( ).

من خلال هذه النماذج الستة في الحكايات، يتبين أن الجملة الافتتاحية في حكايات التصوف الذاتية تشتمل على المهيمنات الآتية:

1-العناية بتوثيق رواية الحكاية ومصادرها، وهذا بعكس الشائع في القصص الذاتي عند الشعوب الأخرى التي يكون التأليف لأدبها الشفاهي جماعياً غير منسوب لشخص بعينه فكان تميز القصص أنه دوِّن في وقت قريب من زمن حدوث الحكاية ذاتها، بدليل كثرة عبارات: (سمعت، رأيت، اخبرني، شهدت.. الخ) على لسان الراوي فهو إما عاش في عصر البطل أو أعقبه بمدة قصيرة.

2-تحديد الوضع الأولي للحكاية والبطل والأحداث، والتحديد يكون إما بذكر زمن الحكاية (كان، بينما أنا في الطواف) أو مكانها الذي جرت أحداثها فيه (عبادان، نيسابور) أو ذكر نعوت شخصيات الحكاية أو إحداها، واسم البطل. وهذا ما يدعوه توماشفسكي بـ (التحفيز التأليفي) (إن إشارة الكاتب القاص إلى شيء ما بصورة عابرة في الحكي لا بد أن يكون له معنى فيما سيأتي من الحكي) ( ).

3-إيجاز واختصار في جملة تحديد الوضع الأولي، وهو أمر مستحب ومطلوب؛ إذا لا ينبغي إطالة المقدمة لئلا تورث السأم عند المتلقي أو المروي له وتقطع عليه استعداده لتلقي الحدث الرئيس والمهم في القصة فضلاً عن أن المقدمة الاستهلالية عنصر ثانوي في الحكاية، ولهذا لم يجعلها (بروب) من ضمن الوظائف السردية في الحكاية.

وبعد الوضع الأولي للحكاية، يقوم الراوي بسرد الوظائف وهي على النحو الآتي.

4-الوظائف أشكالها ودلالاتها:

أ-الوظيفة: النأي، الابتعاد والارتحال:

هذه الوظيفة عند (بروب) تمثل فعل شخص ينتمي للجيل الراشد في العائلة( )، بوصفه مركز ثقل في الوضع الأولي للأحداث فعند مغادرته تتأثر الحالة الأولية الهادئة الرخيِّة الرتيبة لتستقبل حدثاً مفاجئاً واضطرارياً يتغير –بسببه –خط سير الأحداث في الحكاية.

في الحكايات الصوفية الذاتية نلحظ وجود هذه الوظيفة بشكل جلي، وذلك لأن حكي القصة جرى عند الصوفي أو عنه، يمثل عملية استرجاع لحدث، فلا بد أن يكون مصدر هذه التجارب (حركة) مارسها الصوفي أو فرضت عليه، وهو في الغالب يكون سفراً أو في اصطلاح القوم (سياحة) أي الضرب في الأمصار والبلدان من دون حاجة ( ) يقرها الشرع ويرضاها كسياحة الحج أو طلب الرزق.. الأمر الذي يوضح فيه (ابن الجوزي) اللبس الذي وقع فيه المتصوفة في مخالفتهم للشرع والمعقول ( ).

معظم تجارب الصوفي يكون منشأ اكتسابها. ذاتياً، عليه فالحياة المتحركة والتنقل والترحل دليل تنوع في الخبرات، وسعة في المعارف المكتسبة، فضلاً عن عنصر الدهشة، فهو يحدثك بحديث لم يصلك خبره أو تشهده عياناً.

أ-أشكالها النأي:

أ- 1- زيارة أحد أولياء التصوف للتزود منه أو السلام عليه كما في الحكايات:

(قال حمزة بن عبد العلوي: دخلت على أبي التيناني، واعتقدت في نفسي أن أسلم عليه...) ( )، وعن أحمد النقيب قال: (دخلت على الشبلي....) ( )

أ- 2- أو سفر طويل مع جماعة:

قال أبو محمد بن حزم عن حكيم بن منذر بن سعيد أن أباه رحمه الله كان في سفرة في صحراء  فعطشوا وأيقنوا بالهلكة.....) ( ).

أ- 3- ضياع بعض الأصحاب في بادية:

كما في حكاية تيه بعض الأصحاب في البادية فورد على عين فوجد عندها فتاة جميلة.... ( ).

أ- 4- بعث شخص إلى آخر لاستعلام أمر ما:

كما في قصة ذي النون المصري حين بعث أحد أصحابه إلى أبي يزيد البسطامي لينقل له صفته ( ).

دلالتها:

في معظم القصص الصوفي الذاتي، تقف دلالية السرد على بنية استرجاعية لحدث مضى.. فزمن القص تالٍ لزمن الحكاية، الأمر الذي يجعل عملية الاستذكار تتسم بالاختزال في الأحداث والتحكم في حذف ما هو زائد على حبكة الحكاية الأصل. بمعنى أن الروي يعمد إلى عملية أشبه ما تكون –بما يسمى بلغة السينما –بـ (المونتاج)، فتظهر الحكاية موجزة، قصيرة، مكثفة، تبنى على ثيمة جوهرية تعتمد على بث حدث هو فوق التصور العقلاني، ليثبت مزية الصوفي على غيره من الناس واستئثاره بعلم الباطن. وجاءت الوظيفة الأولى (النأي) توطئة مهمة لفعل حكائي قادم، فتبدأ الحكاية في منطقة قريبة جداً من (الحبكة) فتختصر بذلك وظائف أخرى كثيرة.

ب-الوظيفة: اختبار

وهنا تكمن قيمة الحكاية وحبكتها، فالصوفي يتعرض لاختبار، امتحان يحدد مدى (اختلافه) عن الناس وجمهور العابدين والعلماء، وقيمة هذا الامتحان لا تكمن فيه، قدر ما تتمثل في ما يأتي بعده من وظيفة سردية، هي (الموقف المختلف) الذي يقفه الصوفي ليعطي نموذجاً تطبيقياً لمذهبه التصوفي أو الأخلاقي أو العرفاني.

والحقيقة أن وظيفة (الاختبار) تقع ضمن تصنيف (بروب) للوظائف السردية، في موقع متأخر نسبياً فهو الوظيفة التي تحمل الرقم (12) حين يجري اختبار للبطل لتهيأته لتقبّل الأداة السحرية ( )، وهو يقابل عند (كريماس) ما يسمى بـ (الاختبار الترشيحي) ( ) وهو أول الاختبارات الثلاثة التي يرى (كريماس) أنها _الترشيحي، الرئيسي، والتمجيدي –تمثل المثال الوظائفي للحكاية وتنضوي تحتها الوظائف الإحدى والثلاثون التي اصطنعها (بروب) في (موروفولوجيا)، وأضاف إلى ذلك مقترح (التزويج) أي إدماج ما تشابه أو ما يرتبط بعلاقات سببية قوية من الوظائف مع بعضها ليمكن اختزال الحدث القصصي إلى ثلاثة ترشيحات رئيسية تمثل مرحلة الاستعداد والاختبار وثم الحبكة ثم الحل والنهاية. كما حدث حين (زاوج) بين الوظيفة (2) المنع، و(3) خرق المنع، أو بين الوظيفة رقم (4) الاستخبار ورقم (5) حصول الاطلاع، وأيضاً بين الوظائف من (8 إلى 11) (الإساءة... إلى (انطلاق) البطل مهيأ للترشيح الرئيسي..

عليه فإن طبيعة الوظائف السردية تفرضها النماذج المحللة.. وكلما مالت الدراسة إلى الاختزال والتكثيف، فإن ذلك يعمل على خلق إطار تجريدي واسع بالإمكان أن تنضوي تحته وظائف عدة، من أشكال مختلفة.

*أشكالها:

ب- 1-البطل يختبر بالمال

(قصة الشبلي والمزين والكفيف) ( ) حين أقسم الشبلي على أن يتصدق بأي مال يحصل عليه –بعد أن جرى في خاطره أنه بخيل –أول فقير يلقاه، فما استتم خاطره حتى دخل عليه خادمه ومعه خمسون ديناراً، فحملها إلى الكفيف بين يدي مزين يحلق رأسه، فتقدمت إليه وناولته الدنانير، فقال: أعطها المزين، فقلت: أني قد جعلتها كذا وكذا، فقال: أو ليس قد قلنا لك، أنك بخيل؟ قال فناولتها المزين فقال:قد عقدنا لما جلس هذا الفقير بين أيدينا أن لا نأخذ عليه أجراً،... ثم يأتي بعد ذلك حل العقدة من خلال رد الفعل عند البطل سيأتي في الوظيفة التالية.

ب- 2- البطل يختبر بقدرته على فك رمزية التجسيد ليصل إلى التجريد:

كما في قصة (الطاس والعسل والشعرة) ( ) حين جرى اختبار في مجلس البسطامي وكان عنده أربعة من الصالحين، فوضع بينهم طاساً فيه عسل وإذا فيه شعرة، فقال أبو يزيد البسطامي: فليقل كل واحد منكم في هذا شيئاً. فقال واحد منهم: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أحسن من هذا الطاس، وحلاوة العلم أحلى من هذا العسل، وصدق الدعوى أدق من هذه الشعرة، وقال الثاني....) ويستمر الاختبار للأربعة الصالحين كل بحسب تأويله ومبلغ علمه، أما نهاية الحبكة فتكون على يد البطل (البسطامي).

ب- 3- البطل يختبر من فتاة  يكتشف في النهاية أنها وهم:

كما في قصة بعض الأصحاب حين تاه في الصحراء فورد على عين ماء ( ) فإذا بها فتاة جميلة، قال لها ما أجملك. فقالت في الواحة الأخرى فتاة لا أصلح أن أكون جارية لها، فالتفت صوب إشارتها فلم ير أي واحة أو فتاة فعلم هدف الفتاة، فأعاد النظر إليها فلم يجدها في مكانها.

ب- 4- أن يكون الاختبار واقعة شهودية، وحل الحبكة يكون بـ (تفسير) تلك الواقعة:

كما في قصص كثيرة منه (قصة البسطامي مع الشاب الذي مات عند رؤيته) ( ) حين أصر الشاب على اعتقاده في أن رؤية الله تغني عن رؤية البسطامي، فكان الاختبار أن يجعلوا الشاب يرى البسطامي ورآه فعلاً في هيئة غريبة يخرج من النهر وفروته مقلوبة على كتفه، كان من نتيجة ذلك أن صعق الشاب وشهق ومات، هذه هي الواقعة المحسوسة، لكن قيمتها التأويلية تكمن في تدخل السارد بتأويل موت الفتى.

* دلالتها:

في وظيفة الاختبار هذه يكمن فعل (تناقض) كبير بين رؤية الصوفي للوجود، ورؤيته لذاته، وفكرة الناس عنه، وبين الموقف الآخر، فوجدت العناية كبيرة من الصوفي في تشخيص هذا الصراع التناقضي الذي يصل إلى حد الافتراق أحياناً واللااتفاق الناتج من زاوية النظر التي ينظر من خلالها الصوفي إلى الشريعة والفكرة الإلهية، والتي تختلف عن نظر سائر المتعبدين، لأجل هذا كان لا بد من (تدخل) الراوي للتوضيح والتفسير والتأويل.

ج. الوظيفة: حل الاختبار وتفسيره:

تمثلت هذه الوظيفة، أو ما يقابلها عند (بروب) بوظيفة (رد فعل البطل) حين يتسلم الأداة السحرية ويجري ويأخذ العلامة وينتصر، فتستغرق هذه الوظيفة عنده، مساحة من وظيفة رقم (13) إلى وظيفة رقم (18) ( ) والتي من عندها يتم تقويم الإساءة وعودة البطل وزواجه أو تتويجه ملكاً في وظيفة (31) أخرى وظائف بروب. والتي تقابل الاختبار التمجيدي عند (كريماس).

بفعل الرؤية الاختزالية التي عنى بها الراوي الصوفي كثيراً، تم بمنهج أكثر من وظيفة تحت إطار واحد لا يخرج في مجريات التفكير العقلي عن حدود تلك الوظائف المتعددة فالفعل يستوجب رد الفعل، والانتصار والكفاح يستوجب المكافأة وهكذا..... .

* أشكالها:

هذه الوظيفة تتحكم بخواتيم القصص والحكايات، وعندها يتضح دور الراوي ووجهة النظر في تأويل قيمة الحكاية، رسماً للحدث من الخارج، أو التفسير اللفظي للحدث بصيغة تعليمية واضحة، وسأعمد إلى النماذج ذاتها التي تناولتها الوظيفتان السالفتان:

ج1 –1حل العقدة يكون باكتشاف نموذج خلقي أعلى فيحاول البطل الارتقاء عليه واجتيازه، كما في (قصة الشبلي والمزين والكفيف) حين يكتشف الشبلي إن المزين أكثر كرماً منه، فيرمي بالخمسين ديناراً في دجلة ويقول: ما أعزك أحد إلا أذله الله عز وجل.

ج –2- انتصار المعنى الصوفي على جميع المعاني التفسيرية والتأويلية الأخرى: كما في قصة (الطاس والعسل والشعرة)، حين تحل العقدة بسؤالهم لأبي يزيد البسطامي وقوله في الطاس والعسل والشعرة، فيقول:

(المعرفة في قلوب العارفين أحسن من الطاس ورؤية المحبين لله أحلى من العسل وطريق الصدق أدق من هذه الشعرة)

ج –3- تأويل الرمز الذي يكتشف فيه الصوفي ما يشاهده في عيان ليس إلا خطاباً إلهياً تجسد في صور: فعبرت قصة الفتاة على عين الماء في الصحراء، عن بعد رمزي سنأتي إلى دلالته بعد قليل، الذي يهم هنا هو قولها للرجل بعد أن انكشف كذبه حين قال لها: (اشتغل كلي بك)، فحين التفتت إلى الموضع الذي أشارت إليه على أنه موجودة فيه جارية أجمل منها، انكشف كذبه فقالت؛ ما أحسن الصدق وأقبح الكذب، (زعمت أن الكل مشغول بي وأنت تلتفت إلى غيري) ثم يأتي صوت الراوي فيكمل رواية الحدث وتنتهي الحكاية بصدمة: التفت الرجل فلم ير أحداً).

ج- 4- التفسير اللفظي للحدث يقوم مقام إنهاء الحبكة، كما في قصة الشاب الذي مات عند رؤية البسطامي، فقد سئل الأخير: (كيف يرى الله  ولا يموت ويراك ويموت؟ فقال: نعم، كان يرى الله على قدر حاله فلما نظر إلي، رأى الله على قدر حالي، فلم يثبت فمات).

* دلالتها:

يتركز جهد الراوي الصوفي في حل الحبكة، على هدف يوظف فيه هذه (الحلول) لخدمة مذهبه، فالحكاية كلها عبارة عن (رمز) الشخوص فيه ليست مقصودة لذاتها، والأفعال إشارية، ففي قصة الشبلي إشارة إلى (مراتب) الأحوال والمقامات التي يصل إليها الصوفي في مراحل جهاده، فكلما وصل (المريد) إلى حال أو مقام فإن ثمة من سبقه إليه يجب أن يفكر في تجاوزه ( ) والرقي إلى مرتبة أعلى وفي حكاية (الطاس والعسل والشعرة) فالرمزية واضحة في محاولة النفاذ من ظواهر الأشياء إلى ما تخلقه من انطباعات ذهنية وانفتاحات عقلية، ومدارج خلقية. فلا تبقى هذه الأشياء الثلاثة لها من ماديتها إلا الاسم، فتخرج إلى جنس إشاري تشتغل على تأويل العقول والإمكانات النفسانية والعقيدية التي تتسم بالنسبية في تأويلاتها، حتى تنتهي أخيراً رموز (الطاس والعسل والشعرة) إلى (المعرفة والرؤية وطريق الصدق) بحسب تأويل البسطامي.

ويبدو البعد الرمزي لقصة الفتاة في الصحراء، دليلاً مضافاً يرسخ هذه الحقيقة؛ فقضية (اشتغال الكل) بالمحبوب أمر تواردته المتصوفة ضمن مقولاتها في الإخلاص ومعنى التصوف ( )، وتنبئ لغة الحوار والخطاب اللساني (سؤال وجواب) عن كشف دلالات القصة وفحواها بشكل تصريحي مباشر وكاشف، فيبدأ الحكاية جمالياً وفنياً، وينتهي بها تعليمية وعظية إرشادية، لا تترك مجالاً لظنون القارئ أو السامع وذلك لأن معرفة الصوفي –كما يتخيلها هو –هي أعلى من مستوى أي معرفة أخرى فهو يشتغل بعلم الباطن والحقيقة والناس تفقه علم الظاهر والشريعة.

أنماط الوظائف في القصص الموضوعي

توفر هذا النمط من القصص الصوفي على جملة وظائف يشترك في بعضها مع القصص الذاتي –وتوجد بعض الإضافات في الوظائف بحكم اختلاف النوع والهدف من القصة، نلحظ في هذا اللون من القصص جملة ملامح:

1-أن القصص الموضوعي متفاوت في طول القصص وإن كان الأغلب فيها (الطول)، الأمر الذي يسمح ويسهل الطريق أمام دخول وظائف سردية أخرى.

2-ترتفع دلالة هذه القصص إلى البعد الأخلاقي التجريدي العام الذي يرقى إلى الإنسانية بكل أجناسها وصفاتها وألوانها، فثمة مرويات عن الهند والصين وبلاد إيران وغيرها، أما قصص الحيوان والطير أمر به حاجة لدراسة مستقلة وافية، ترتقي إلى البعد الفلسفي والرمزي لهذه القصص.

3-اجتماع الرمز وتأويله في حدود الرقعة اللسانية التي ينقلها لنا راوي القصة. فلا نغادر قصة عند آخر حدث فيها –إلا وقد انبرى الراوي ليفسر ويوضح ويفك الرموز التي توفرت عليها القصة.

فالقصة هنا تشمل على أصل وزيادة، الأصل هو الحدث أو الأحداث المروية بدءاً في الاستهلال للوضع الأولي حتى خاتمة القصة وحل حبكتها، ثم يأتي بعد ذلك، حديث الراوي المفسر –مما قد تناوله الفصل الأول في موضوعة الراوي والمروي له -.

الأنماط الوظائفية:

1-وظيفة النأي: ظهرت هذه الوظيفة بشكل طاغ في القصص الموضوعي وهكذا يعكس توافق هذا النوع من القصص أو شبهه بنماذج القصص الخرافية التي استخدمها بروب في تحليله الوظائفي، وهي أولى الوظائف وفاتحة حركية الأحداث في الحكاية

* أشكالها:

1-أ-ركوب البحر لغاية مختلفة من حكاية إلى حكاية فمما رواه (إخوان الصفا) في إحدى رسائلهم ( )، قصة مدينة فاضلة تبدأ بذكر نعيم حالهم: (مخصبة، كثيرة النعم، رخية البال، طيبة الهواء، عذبة الحياة، حسنة التربة..)، ثم بعد ذلك يتم تشخيص شخصية الحدث الرئيس وملخصه (... ثم أن طائفة من أهل تلك المدينة الفاضلة، ركبوا البحر فكسر بهم المركب، ورمى بهم الموج إلى جزيرة أخرى فيها جبل وعر.....) ( ).

1-ب-أو أن يدخل البحر عنصراً أساسياً في الرحلة، كما في قصة الرجل والسمكة، (كان رجل اجتاز في طريق كان يسلكه في نهر جرار ينحدر من جبل وعليه جسر يعبر عليه الناس......) ( ) من خلال رحلته هذه يبصر سمكة ويحاول الإمساك بها.

1-ج-رجلان اصطحبا في بعض الأسفار ومن ذلك قصة المجوسي واليهودي، (وكان المجوسي راكباً على بغلة عليها كل ما يحتاج إليه مسافر هو يسير مرفهاً واليهودي كان ماشياً ليس معه زاد ولا نفقة... ( ).

1-د-شكل آخر لتمظهرات (النأي) في القصص الموضوعي هو عبارة عن ظهور الحدث القصصي من سكون (الوضع الأولي) إلى حركة وتغير (وظيفة النأي) عن طريق وصول جماعة من الناس كانوا مسافرين، هؤلاء يكون لهم الباع الكبير في تطور الأحداث وحبكتها والبحث عن الحل. مثال ذلك: (قصة بيراست الحكيم) وهو ملك بني الجان في دار مملكة عريضة تدعى مردان في جزيرة يقال لها صاغون في وسط البحر الأصفر مما يلي خط الاستواء، وهي (طيبة الهواء والتربة فيها أنهار عذبة وعيون جارية، وهي كثيرة الريف والمرافق وفنون الأشجار.......) ( ) بعد هذا النعت الأولي لحال الجزيرة وأهلها تبدأ الوظيفة الأولى والمهمة وهي ليست مغادرة أحد أبناء الجزيرة وإنما مجيء مسافرين إليها فيقول راوي القصة: (ثم أنه طرحت الرياح العاصفة في وقت من الزمان مركباً من سفن البحر إلى ساحل تلك الجزيرة، وكان فيها قوم من التجار والصناع وأهل العلم وسائر أغنياء الناس، فخرجوا إلى تلك الجزيرة وطافوا فيها فوجدوها كثيرة الأشجار والفواكه والثمار...)

1-ه‍-السفر للبحث عن ملك في قصص الطير، كرحلة الطيور في طلب (السميرغ ) ملك الطيور الذي يسكن جبل قاف، فتبدأ رحلة الطيور في البحث عن ملكها بقيادة الهدهد ( )، وفي خلال هذه الرحلة تنكشف مزايا كثيرة ظاهرها حياة الطير وأخلاقها، وباطنها إشارات صوفية.

* ودلالاتها:

الحقيقة أن البحث في موضوع الدلالة ليس بالأمر اليسير النهوض بلوازمه والإحاطة بانفتاحاته، بسبب احتياج الباحث فيها إلى موسوعة معرفية يدرك انطلاقاً منها مرجعية النص أو التعبير أو استخدام المفردة، الذي أصنعه هنا، هو (مقاربة) دلالية أضيء فيها جانباً منهجياً مهماً، ذلك هو أن (الوظيفة) السردية ليست إنشاءٍ اعتباطياً إنما هي بنية فكرية قامت على عنصر مزاوجة ضمنية بين الوعي واللاوعي الخاص أو الجمعي، بمعنى أن الدلالة هي استحضار ثقافة عصر النص المحلل؛ لأن النص خرج من سياقات هذه الثقافة وبتأثير منها، وتعبيراً عن الموقف منها.

تشير دلالة (النأي) والسفر والمغادرة في بعدها اللاواعي العميق إلى حقيقة كون الأشياء في الكون بدأت ساكنة ثم تحركت وبفعل هذه الحركة تولدت الرغبة في الكشف ومزاولة الحياة بشتى نشاطاتها. فمنذ قصة الخليقة الأولى مع (آدم وحواء) حتى آخر إنسان على وجه الأرض، بدأت بواكير المعرفة الإنسانية لديه فعل بفعل انتقاله من حالة (السكون) إلى (الحركة)، وظل يعيش في دواخله العميقة حنين إلى ذلك الماضي الهادئ الثابت ( )، فحياة آدم (عليه السلام) الحقيقية مع حواء لم تبدأ بنزولهما من الجنة إلى الأرض، التي هي مسرح الصراع والرغبات والحاجات والآثام، كل هذه الأشياء هي نتاج حركة وانتقال.

على ذلك هل نقول إن وظيفة النأي التي تمثلت في القصص الصوفي هي تعبير عن فكرة مارسها اللاوعي الجمعي ( ) تعبيراً عن حاجة إنسانية استشعرها الإنسان الأول والآخر؟...

هذا أمر، الأمر الآخر الذي أرى أنه أفضى إلى هذه الأنظمة الوظيفية في القص، هو طغيان الطابع (الحكائي) على (القصصي)، جعل اهتمام الراوي قليل العناية بالأمور التمهيدية والحذلقة اللفظية.. التي من شأنها جعل المسافة الفاصلة بين الراوي وتلّهف المروي له لمعرفة ثيمة الحكاية وحبكتها الأساس، تطول فيؤدي ذلك إلى فتور وملال وضعف انصراف السامع لما يسمع. فحين دونت هذه الحكايات على شكل قصص مكتوبة إنما دونت كما حكيت لهذا حدث (اختزال) واضح في مقطع (الاستهلال) أو فقرة (الوضع الأولي) –الذي كان سمة مميزة في مبحث الاستهلال في الفصل السابق –وهذا غير ما نجده في الفن الروائي والقصصي الحديث حين يستعرض الكاتب براعته الأسلوبية، وذكاءه المميز في تخير الزاوية التي تضيء أبعادها في مسرح الأحداث أو بؤرة الزمن أو أنماط شخصياته ( ).

ولعل موضوعية هذا القصص ومفارقة الراوي لمروية، جعل التركيز ينصب على طابعها الرمزي الذي يتسارع نبض أحداثه لهدف وصول المعنى المرمز إليه، إلى طبقة المروي لهم. فالحكي إنما يبدأ عندما ينشأ فعل متغير تقوم على أساسه استجابات مختلفة تصل بالحدث حد الأزمة ثم تبدأ رحلة البحث عن الحل نزولاً تفاقمت الأزمة صعوداً، فهي دورة (تبدأ كما تنتهي لتعود حالة السكون والرضا وتطمين الحاجات والسعادة لدائمة.

2-وظيفة الاختبار:

تنبني هذه الوظيفة على أساس الوظيفة السابقة، بمعنى أن (النأي) يوفر مناخاً لتشكل وظيفة الاختبار التي تضم كل تطورات الحدث الحكائي حتى يصل إلى الأزمة أو الحبكة. تبدو أشكالها في القصص الموضوعي مختلفة في مظاهرها وكيفياتها، لكنها متشابهة في دلالتها، والأشكال هي:

 

2-أ-في قصة المدينة الفاضلة، ينمو الاختبار حين وضع بعض أهل تلك المدينة في اختبار عسير بعد انكسار مركبهم ونزوله في جزيرة وعرة كدرة المياه نزرة الثمار ( )...... الخ واكتشفوا أن أهل تلك الجزيرة قردة بعد لأي تعايش هؤلاء مع الوضع الجديد فأكلوا من هذه الأرض وشربوا ماءها وتعايشوا مع سكانها من القردة حتى طاب لهم القيام فيها.

2-ب-في قصة الرجل والسمكة، حدث الاختبار في اشتهاء الرجل تلك السمكة الكبيرة ورغبته العارمة في اصطيادها. وكان الحائل دون ذلك هو الماء الجرار، وبرغم ذلك قفز إلى الماء وأمسك بالسمكة وجريان الماء يشتد وهو منشغل بالسمكة.

3-ج-كان الاختبار الذي وقع فيه المجوسي واليهودي هو أن لكل منهماً مذهباً مختلفاً يفترض بصاحبه أن يمسك به ويتمثل في قوله وفعله فالمجوسي يؤمن بحب الخير لـه وللناس ولا يظلم خصمه وإذا ما ظلم فهو يكل خصمه لإله عادل فاضل حكيم عليم لا يخفى عليه أمر أما اليهودي فكان مذهبه حب الخير لنفسه وإهدار دم كل مخالف له، ولا يؤمن بالرحمة أو الشفقة أو المعونة. من هنا كان على الاثنين إثبات صدق اعتقادهما في حالتين: