الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | قالوا عن الموقع | الرعاية والإعلان | معلومات النشر | كلمة العدد

SyrianStory-القصة السورية

دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

facebook القصة السورية في

 Cooliris-تعرف على خدمة

معرض الصور

Rss-تعرف على خدمة

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 09/03/2009

دراسات أدبية - الأدب الصوفي / الكاتبة: د. ناهضة ستار

بنية السرد في القصص الصوفي2
 

سيرة الكاتبة

لقراءة الكتاب

 

 

الكتاب

الشخصية الحكائية 

أنماط الوظائف 

المثال الوظائفي في القصص الصوفي

 

 

 

 

بنية السرد في القصص الصوفي2

المكونات والوظائف والتقنيات

 

بقلم الكاتبة: د. ناهضة ستار

الفصل الثاني

المثال الوظائفي في القصص الصوفي والشخصية الحكائية

   

توطئة

توفر اصطلاح (الشكل) عند الشكلانيين الروس، على مفهوم يتسع لأكثر مما يسمح به مصطلح الشكل؛ فالشكل –في منظورهم –مصطلح نقدي يعني بدراسة ملامح الأثر الأدبي بجميع مفاصله البنائية والشكلية، بمعنى أنه يدرس آليات إنتاج التركيب البنائي للنصوص الأدبية كما يدرس كيفية إنتاج المعنى والمعنى الأدبي. فإيحاء التسمية قد يضيق من مفهوم المصطلح الذي أخذ يتسع ليشتمل على ما يمكن تأويله من الدلالات النصية، ما يوحي به من أبعاد سيمائية لها مرجعياتها الفكرية والاجتماعية والفلكلورية والدينية. فيصبح التعبير الأدبي (شفرات) يحلّل بناءها التركيبي إلى وحداتها الأولية، ومن ثم تصنف بحسب النوع والجنس وأثر الشخصية في توجيه الدلالة وتنوعها وغزارتها، وبذلك يكون الدرس النقدي منطلقاً من (البنية) إلى (المعنى) من الحسي إلى المدرك، من القاعدة إلى الآفاق وهذه في الواقع طريق سليمة للبحث في قيمة النص وأصالته بشكل متكامل ينضوي تحت لواء هذا (البحث )، عناصر اللغة، الأسلوب، والمعنى والتركيب.

 

على عكس الطريقة (الهرمنوتيكية) في تأويل الأثر الأدبي ووصفه كلا لعناصر ثقافية ما( ) من خلال إقامة علاقة بين النص والمرجعية متشبثاً بالمعطيات الخارج –لسانية لأنواع الخطابات الأدبية وشروط إنتاجها وقراءتها، هذه العملية لا تخلو من تعقيد في المنهج والرؤية فضلاً عن أن العملية النقدية تبتعد عن محاورها الفنية الإبداعية المخصوصة لتصبح تنظيراً كاشفاً لسياقات النص الخارجية الأمر الذي يجعل من النص منطلقاً فقط وبؤرة تأويل يتم اكتشاف قواعدها المرجعية مما قبلها ويترك النص، فيفصح هذا العمل عن (انتمائية) الناقد الهرمونيوتيكي. بل انحيازه إلى بنية فكرية معينة؛ دينية سياسية، مذهبية.... فيكون، على ذلك النص معبراً إلى مسألة فكرية خارج المقاييس الفنية التذوقية التي يفترض أن يكون (النص) فيها هو الغاية والوسيلة لأن مرجعيات النص والبحث فيها يتداخل مع حقول معرفية أخرى يشبعها التاريخ والاجتماع وعلم النفس والانتروبولوجي والفكر والسياسة والدين...إلخ، فـ القار في عملية النقد الأدبي، إنها (تستضيء) بمرجعيات النص لكي لا تقطع صلة النص بظروف إنتاجه على افتراض (حياة المؤلف) وحيوية الظرف الخاص الذي كان باعثاً للقول الأدبي. تستضيء ولا تعتمد عليها فتقطع صلتها بالنص الأمر الذي يخل بموضوعية البحث العلمي والنظرة النقدية، السبب في ذلك أن مشكلة المعنى لما تزل في حاجة إلى تنوع في القراءات وسعة في الاختصاصات ودقة في التأويل كي تقف أمام هذه العملية المعضلة المنهجية المتمثلة في الحالة الآتية:

 

- الالتزام بمفردات المنهج العلمي يؤدي إلى الانغلاق ومحدودية النظر.

- الانفتاح أمام النص بلا محددات يؤدي إلى الانتقائية والذاتية اللتين هما على الضد من منطلق المنهج العلمي.

انطلاقاً من هذه القناعة، التي تؤمن بالأسباب والبواعث وكذلك تؤمن بخصوصية العمل الأدبي الذي لو وضعت أديبين في ظرف واحد وسياقات خارجية ونفسية وثقافية متشابهة، لأنتجا عملين مختلفين على الرغم من وحدة الأسباب... سينهج البحث في هذا الفصل، قضية تقع في صميم التحليل الشكلاني لتشريح القصة، إلا وهو (المثال الوظيفي، موقع الوظيفة في العمل القصص وهيكليته الكاملة؛ متنبهين أولاً، إلى حقيقة مهمة يفرزها المنجز الصوفي على الصعيد الحكائي، هذه الحقيقة هي (التنوع) في الأداء القصصي في الوظائف، الذي هو نتيجة طبيعية في التجربة والثقافة الصوفية.

لأجل ذلك سيتم التمهيد لموضوعة الوظائف السردية والحديث عن منهج (بروب)، و(كريماس) في هذا الفصل . ثم أنماط الوظائف، وموقع (الشخصية الحكائية) في السرد وعلاقتها بالوظائف السردية، فمن أنماط الوظائف وإلى الشخصيات سيكون الحديث تنظيراً وتطبيقاً على القصة الصوفية، معتبرين في ذلك، خصوصية الأنماط القصصية التي تحددت في المباحث السابقة على أنها: ذاتي، وموضوعي، واسترجاعي، وسيكون عملنا في هذا الفصل متساوقاً مع هذا التصنيف المنهجي.

 

 

المبحث الأول

 

1-منهج بروب والتحليل الوظائفي للقصة

تصدر منهجية (بروب) الشكلانية، في تحليل القصة الخرافية، عن رؤية هيكلية ترى الحكاية بنية مركبة معقدة التركيب وذات بنية علائقية متشابكة يتم الكشف عن آليات الربط التي تربط فيما بينها بطريق التفكيك واستنباط تلك العلاقات والوظائف التي تؤديها في سياق قصص معين. واعتمد (بروب) في منهجه هذا على نموذج حكائي روسي موروث هو الحكايات الخرافية فجمع ما يناهز المئة حكاية مستقياً منها ما دعاه بـ (المثال الوظائفي) الذي يعني به: عمل الفاعل معرفاً من حيث معناه في سير الحكاية ( ) فالحدث إذن –بهذا المنظور –يعد وظيفة ما دام رهين سلسلة من الأحداث السابقة التي تسوغه، ومن الأحداث اللاحقة التي تنتج منه ( ). ولعل اعتماد بروب على مقدمات منهجية رصينة، جعل اهتمام نقاد عصره ومن بعدهم يتوجه إلى عمله بالإشادة والمناقشة ومحاولة استيفاء جوانب النقص فيه ولا سيما في الصعيد الدلالي، السيمائي، وسنعرض بإيجاز لهذه الآراء، فكان تحديده الواضح لنماذجه الحكائية بـ مئة حكاية خرافية، واستيفاء جانب حضور الشخصية الحكائية (البطل) من خلال تصنيف الوظائف وترتيبها، جعل عمل (بروب) تجربة رائدة في مجال نقد القصة، وأصبح هذا المنهج قالباً منهجياً خليقاً بتطبيقه على المتون الحكائية لشعوب وقوميات مختلفة، فضلاً عن أن منهجية (بروب) هذه أثبتت موضوعية بحثية تجعل (النص) هو منطلق النظر النقدي.

 

2-أساسيات المنهج ومقولاته

يرتكز منهج (بروب) الوظائفي، على الملامح البنيوية الثابتة التي تتكرر أشكالها في الخرافات على الرغم من تنوع الملامح الخاصة وتغير الشخصيات وأوصافها وكذلك عناصر التحفيز التي تسبق الأفعال. فحدد بروب سبعة أنماط من الشخصيات هي: المعتدي، الواهب، المساعد، الأميرة، المرسل، البطل، والبطل الزائف. وتتوزع الوظائف على هذه الشخصيات في كل خرافة بهذا يتجاوز (بروب) منهجية من سبقه في جميع (أجناس) أو أنواع القصص والحكايات فقط ليحدد تصنيفاً يصلح لتطبيقه على متون حكائية مختلفة ( ). من هنا لا يعد منهج. (بروب) تحليلاً نصياً لأنه لم يعن بجوانب اللغة والأسلوب والدلالة.

 

توزعت الوظائف في منهج بروب، على إحدى وثلاثين وظيفة في مجمل الخرافات المئة التي درسها، ظهر أن تسلسل الوظائف كان متشابهاً بصورة واضحة في المتون، ولكن هذا لا يعني استغراق كل خرافة لكل الوظائف، إنما ثمة استثناء في ذلك، فقد تفقد خرافة بعضاً من الوظائف في حين أخرى تضيف إليها، إلا أن الباحث يجد أن ثمة نظاماً تسلسلياً يتجلى في مجمل الخرافات، ورمز بروب للوظائف بالحروف اللاتينية الكبيرة؛ فعلى سبيل المثال، فإن وظيفة الإساءة يرمز لها بالحرف (A)، والزواج بـ (W)، والأداة السحرية بـ (F).... الخ... تبدأ الوظائف بـ (وظيفة النأي) وتنتهي بوظيفة (تمجيد) البطل أو مكافأته بالزواج أو تتويجه ملكاً أو مكافأة مالية أو تعويض آخر ( )، والنهايات سعيدة دائماً بعد انكشاف الحقيقة، وزوال السحر، وفي ذلك إيحاء يسعى الذهن البشري إلى خلق صورة المستقبل السعيد الذي يرنو إليه هارباً من واقع مرير ومتصارع وقاتم. يمثل هذا الجانب الوجه الثاني لصورة الغيب في ذهن الإنسان، فالوجه الأول هو (الغيب /الماضي) الذي تمثل في شكل فلسفة (الماضي /الذهبي) ( ) التي توفرت عليها حضارات الإنسان في كل بقاع الأرض بعد تصور لفردوس طرد منه. أما الوجه الثاني فهو (الغيب /المستقبل) في انتظار انجلاء الغمام وأسفار الغد عن حلول إيجابية، وفرج وحصول الأمنيات وتحقق المرامي.

 

التي ظهرت في ميثولوجيا الديانات العالمية جميعاً في صورة المبعوث في آخر الزمان يحرر العالم من شروره وتصبح الأرض في خير ونعيم وحق وعدل وجمال وحرية وإخاء.

وما بين (الغيب /الماضي) و(الغيب /المستقبل) تتأرجح تلك الفسحة الزمنية المضطربة التي تسمى (الحاضر) زمن التجربة والكتابة والحلم.

الحقيقة، ما كنت أبغي استرسالاً في هذا الأمر، إلا لكي أصل إلى حقيقة، مهمة أغمض عنها منهج بروب الوظائفي إلا وهو الجانب الرمزي التأويلي في صياغة الوظائف وترتيبها، والحق أن الرجل أعلن عن ذلك في مقدمة كتابه حين حدد (تاريخ المشكل) وبين عدم عنايته بهذا الجانب، فهو الجانب المسكوت عنه الذي يفسح المجال أمام دراسات قادمة لاستيفاء جوانب البحث فيه بعد تحديد وجدولة الوظائف السردية.

من خلال تحديد الوظائف وتصنيفه، يظهر أن الحكاية الخرافية تتركب من ثلاثة اختبارات:

 

1-اختبار ترشيحي، يتمحور حول شخصية الفاعل، والمانح.

2-اختبار رئيسي، يحدث فيه الصراع الأساسي الفاصل.

3-اختبار تمجيدي، يحدث فيه التعرّف على البطل ومكافأته.

 

هذه البنية التركيبية يتكرر وجودها في جميع القصص، بوصفها فلسفة إجمالية لمنطقية الحدث القصصي وفعل الشخصية فيه، وهو يشبه إلى حد كبير أركان الهرم الدرامي المتكونة من عناصر (المقدمة، العقدة، الحل والخاتمة)، فمنطقية هذا التركيب، كأنما حلت بديلاً لخرافية أحداث الحكاية التي يبرز فيها واضحاً ذلك التخلخل بين الواقع والخيال إن لم يكن الانفصال التام.

يحدد (بروب) الصياغة العامة لمنهجه على وفق محاور أربعة هي ( ):

 

1-العناصر الثابتة، والمستمرة في الخرافة هي وظائف الشخصيات، على تنوعها في الجنس والصفة وطريقة الوظائف. بمعنى أن الخرافة متكونة بشكل أساس من مجموعة وظائف أو بتعبير آخر أن الوظائف هي المكون الأساس الذي يصيغ شكل الخرافة النهائي.

 

2-عدد الوظائف في الخرافة، محدود، وهو في الغالب يخضع لمنطق الحرية أو العفوية في نظر غير (بروب)، أما بروب فيعتقد أن تتابع العناصر في الخرافة يخضع لقانون صارم التناظر، والحرية فيه محدودة على هذه الصفة تنبني الفقرة القادمة.

 

3-تتابع الوظائف متشابه دائماً في الخرافة، مع ملاحظة مهمة في هذا الصدد هي عدّ النتاجات الخرافية التي حفظها الفلكلور الشعبي ولم تخضع لأشكال التصنع والتحريف.

وهذا التشابه لا يعني أن تتوفر كل خرافة على كل الوظائف بيد أن هذه الوضعية لا تتغير في شيء من قانون تتابعها ( ).

 

4-إن الخرافات العجيبة تنتمي –في ما يتصل بينها –إلى نفس النمط، بمعنى أن ثمة تشابهاً في نمطية البناء في الخرافات فيما يخص ترتيب الوظائف الذي يخضع لبنية عقلية معينة حفظت مخزوناً كبيراً في وعيها، ولا وعيها من مدركاتها الحسية والمعنوية قدراً هائلاً من المعلومات والأفكار والأديان والخرافات والتصورات بملامحها الاجتماعية والدينية والنفسية والسياسية والطبقية.

 

وبحسب هذه المحاور الأربعة أو كما يسميها بروب –أطروحات –أنجز عمله حسب منهج استنباطي صارم، ينطلق من المتن ويصل إلى الخلاصات.

بهذا يقدم بروب مادة دسمة لدراسات نقدية تتعمق في دراسة الجانب الدلالي والعلامي والرمزي فيما يمكن أن يترشح من خلال ترتيب الوظائف وتعاقبها واقتراح حلولها، وأسباب استهلالها بأساليب معينة فضلاً عما يمكن أن تتيحه منهجية القراءة والتلقي والتأويل من آفاق لسبر أغوار النفس الإنسانية، وكشف بنية المجتمع، والفكر الديني، والبنى الاقتصادية والسياسية لمجتمع ما جعل من القصص والحكايات والأساطير والخرافات ميداناً يبث من خلاله قناعاته وأحلامه وتصوراته وثقافته أيضاً.

 

3-الثابت والمتغير في منهج بروب

تحيلنا طبيعة المناهج –بصورة عامة –إلى وجود محددات وطوابع خاصة تطبع جنساً أدبياً بنوع من المقومات البنائية وتبنى على الأكثر الأعم، وتعترف كذلك بالشاذ أو الاستثناء.

 

تلك طبيعة الظواهر في الكون في تعذر مطابقة قالب معين لمادة ما، وإن تطابقت فلا تتطابق جميع أصناف تلك المادة أو نظيراتها. لذا كان من أهم الأسس الموضوعية للمبحث العلمي عدم الادعاء باستغراق منهج ما لمتن أدبي معين تمهيداً لنجاح ذلك المنهج لأنه يتوفر على قاعدة تطبيقية واسعة في النماذج....

ما فعله (بروب) في منهجه، إنه بنى فكرة (الوظائف السردية) بعد استقراء لمجمل الحكايات الخرافية الروسية (وانتقى) منها (مئة) حكاية، أصبحت نموذجاً مناسباً لبناء منهج لدراستها والتطبيق عليها. علماً أن الكم الأكبر من الخرافات الأخرى لم يكن ليضيف جديداً إلى منهجه عدا تضخيم صفحات كتابه –كما يقول - ومن الناحية النظرية، المهم الاكتفاء بمتن محدود يمثل بعمق وصدق مجال تحرك النظرية، ويصلح مصداقاً عليها.

 

عد (بروب) (الوظائف) أو الأفعال التي تقوم بها شخصيات الخرافة، هي (القيمة الثابتة) في سردية الخرافة. والدليل على ذلك هو التشابه في هذه الوظائف من خرافة إلى أخرى على مدى الخرافات المئة التي درسها بروب.

 

أما (القيمة المتغيرة)، فهي الشخصيات التي تصدر عنها هذه الوظائف، أو تقوم بها في سياق الحكاية الخرافية. على أساس ذلك تتغير وتتبدل أسماء الشخصيات وصفاتها.

ويدخل العنصر (الكمي) في تحديد عدد الوظائف المتكررة في الخرافات ليصح أن تكون لها تسمية القيم الثابتة. ومن خلال استقراء بروب للوظائف وجد أن شخصيات الخرافة على اختلافها. جنساً وعمراً وشكلاً ومهنة، تنجز في الغالب نفس الأفعال ( )، أي أن الخرافة تسند أفعالاً متشابهة لشخصيات متباينة.

وقد لوحظ هذا التشابه في الأفعال وتكرارها من مؤرخي الأديان في الأساطير والمعتقدات، لكنه لوحظ متأخراً من قبل مؤرخي الخرافة. فيلاحظ أن الشخصيات كثيرة والوظائف قليلة. وهذا يفسر الخاصية المزدوجة للخرافة وتنوعها المدهش، واطرادها ورتابتها من جهة أخرى ( ) ولعل سمة التكرار والاطراد واردة في منجزات الأمم التراثية في أساطيرها وملامحها وتوزيع الأدوار على الآلهة كما في التراث البابلي العراقي القديم ( ) والتراث اليوناني واللاتيني القديم ( ).

وبسبب من توفر هذا الإرث على هذه السمات المتشابهة، برز الاهتمام واضحاً (بالحدث) وليس الشخصيات ولا سيما عند (أرسطو) في تناوله التراجيديا فيقسمها إلى ستة أجزاء هي: القصة، الأخلاق، العبارة، الفكر، المنظر، والغناء ( )، ويقول بعدها أن الشخصية ليست بذات ثقل في العمل الفني إن لم يكن هامشياً (إن التراجيديا ليست محاكاة للأشخاص بل للأعمال والحياة)( ).

 

فتساوقت الرؤيا الناقدة (طرح أرسطو) مع الرؤيا الإبداعية (المنجز الأدبي آنذاك)، فحين يطرح الأدب في مرحلة ما بنية خاصة به، يشخصها النقد المتزامن معه أو التالي له، ولا يعني هذا أن هذا التشخيص صحيح أو عام، بدليل أن المدارس الكلاسيكية في عصر النهضة وما بعدها، سارت في رؤيتها النقدية على الضد من الرؤيا القديمة (الأرسطية) حتى صار عمل الروائي الحقيقي هو خلق الشخصيات ( ) ومدى قدرة الكاتب الروائي على خلق شخصية تتوازن فيها الأفعال –على تضاربها –فتصح عن بنية تركيبية مهمة وحقيقية.

 

4-تقويم عام لمنهج بروب

من خلال الصفحات الماضية عرض البحث لمنهج بروب فكرة الوظائف، هذا الاستعراض لم تخل بعض فقراته من أحكام وتصورات تقويمية عن سلامة هذا المنهج وعلميته أو المآخذ التي سجلت عليه، وفي هذا الموضع نود صياغة هذه الإيجابيات والمآخذ في تصورات محددة في الإضاءات الآتية:

 

-إضاءة (1): صدر إنجاز بروب المنهجي من حيث الأهمية، من أنه طور منهج ليفي شتراوس في تحليله للأسطورة، وكذلك في بلورته مفهومي البنية والتحولات قبل زمن طويل من استخدام تشوفسكي لمفهوم التحويل: (  Trans formation) وساعد كذلك على إدراك التمايز بين بنية الحكاية وبنية القصيدة في جانب عمق الدلالة وهو ترتيب الوظائف في كل منهما، وعلاقة هذا الترتيب بالرؤية العميقة التي تجسدها القصيدة أو الحكاية ( ).

 

-إضاءة (2): مثل بحث رؤية البنيويين (لفكرة النص) على أنه هيكل منسجم العناصر والأجزاء. التي تعد من أهم المسلمات النظرية عند الشكلانيين الذين نشدوا تجنب القراءات الذاتية التذوقية والرؤى المسبقة التي تعد النص انعكاساً مباشراً أو بسيطاً لواقع مكاني وزماني فقام بروب بربط الظاهر الوظائفي بالخطاب القصصي، وعدّه البنية الضمنية لكل الحكايات الشعبية في العالم، والذي يدل على صحة هذه النظرة هو التشابه بين الوظائف ( ).

 

-إضاءة (3): اقتصار منهجية بروب على صنف قصصي معين جعل عمله هذا يتحدد بحدود نتائج ذلك الصنف، فالنموذج الذي اختاره بروب وظائفه منظمة مقولبة لها مسار محدد ذو طبيعة غائية واضحة تبدأ بـ (حدوث إساءة) وتنتهي بـ (إصلاح الضرر الحاصل)، وقد قام (كلود بريمون) في كتابه (منطق الحكاية)  Logique durecit بنقد مثال بروب ورأى أن تركيب القصة يكمن أن يتفرع ويتوزع في اتجاهات متعددة متشعبة. فضلاً عن إلغاء النظرية الشكلانية أو القراءة الشكلانية للبعد الذاتي للأثر القصصي ( ).

على أساس ذلك ما علاقة الوظائف في القصة بمرجعيات القصة والمؤلف وسياقها التاريخي والفكري والأدبي على صعيد (التناص) مع نصوص أدبية متزامنة معها؟؟ هذه الأسئلة هي محور الإضاءة الأخيرة.

 

-إضاءة (4): أثار (ليفي شتراوس) في نقده (لمورفولوجيا الخرافة) قضية الفرق بين (البنيوية) و(الشكلانية) وعلى حسب فهمه لهذا الفرق بين الاثنين، يرى أن الشكل يتعرف بمقابلته لمحتوى خارج عنه، أما البنية فلا محتوى لها إذ هي المحتوى ذاته وقد أدرج في تنظيم منطقي باعتباره خاصية من خصائص الواقع ( ).

ويعتقد أن الشكلانيين يحاولون الفصل بين مهمة إنتاج التركيب عن مهمة إنتاج المعنى؛ فبروب يهتم بتركيب الخرافة وهيكلة وظائفها ويدع المعنى جانباً( ).

وإذا ما رمنا المفاضلة بين النظريتين، يلحظ أن المسألة اصطلاحية أكثر منها مفهومية. وذلك يعنى بنظرهم وحسب تصريح تود ورف، الشكل هو كل ملامح الأثر الأدبي وكل أجزائه يتواكب معها، ولا يوجد إلا كعلاقة بين العناصر بعضها ببعض. وعلى الرغم من نجاح تودورف في الدفاع إلا أن القضية التي عمل عليها بروب هو التركيز على وظائف الشخصيات، ولا يعني ذلك أنه طبق المنهج البنيوي كله عليها، فهو لم يفرز المستوى النوعي لتلك الوظائف فلقد اكتفى بالتصنيف ولم يتعرض للغرض  thema الأساس الذي يستشف ويستنتج من مجمل تطورات الأثر. وكانت منهجية بروب مقاربة سياقية لم تأخذ بعين الاعتبار أن الدلالة لا توجد في نهاية السرد فقط بل على امتداده، فالذي مارسه (بروب) هو قراءة أفقية سياقية، إنما المطلوب قراءة عمودية جدولية تهدف إلى جمع المتشابهات بين العناصر الحكائية استنتاج معنى يمكن تأويله من مجمل العناصر النصية في الحكاية.

 

بعد هذا كله، هل يصلح منهج بروب طريقاً لتحليل القصة؟

يعد منهج (بروب) إنجازاً نقدياً مهماً عل صعيد تحليل القصص، هذه الأهمية لا تعني كما لـه، بدليل أن اكتشاف آليات تشكل البنية في القصص لا يتوصل إليها إلا من خلال تفكيك وحداتها، ومن ثم كشف العلاقات الرابطة بينها وبين وظائفها التي تؤديها في نظام الحكي.

 

فإن يتم اكتشاف ذلك الخيط المشترك الذي يضم عناصر متشابهة في قصص متعددة، لا يعني تقديم تصور متكامل عن بنية العمل القصصي، هذا البتر والاكتفاء بالتشخيص دون المعالجة جعل الجهد المركزي الذي نهض به بروب في مجال البحث الأدبي يتمحور حول (اكتشافه نموذجاً عاماً لتفسير القصص) ( ) وما يمكن أن يفتحه من آفاق تعتمد على الوحدات الصغرى (الوظائف). فضلاً عن، أي منهج (بروب) قام على قاعدة نصية يجسدها شكل حكائي بدائي ذو طبيعة (مشاعية)؛ لا يعرف مؤلف مخصوص لهذه القصص فلقد اصطنعتها الذاكرة الجمعية لآجال متعاقبة عبرت بها عن همها الاجتماعي والنفسي والجمالي والفلسفي أيضاً.

 

إذن، فإلى أي مدى يمكن تطبيق المنهج على قصص وروايات عالمية تنتمي لقوميات ووضعيات متباينة اجتماعية متباينة؟ يظهر أن مجال التطبيق سيكون محدداً في أنماط معينة من القصص تحمل نسقاً موضوعياً معيناً كأن تكون روايات الحرب، أو الروايات الاجتماعية أو القصص العاطفية، التي يتسنى فيها تحديد وحداتها الوظائفية الصغرى على وفق ما انبثقت منه من بنية موضوعية متجانسة ويظل العمل النقدي قاصراً عن تقديم رؤية متكاملة عن مجمل مفاصل العمل الأدبي بدءاً من محدداته المعنوية والرمزية.

 

5-صلاحية منهج بروب لتحليل القصة الصوفية:

لنصل الآن إلى السؤال الأكثر أهمية:

وهو مدى صلاحية منهجية بروب لدراسة القصة (العربية) (الإسلامية) (الصوفية)؟

إن هذه المحددات المهمة، القومية والعقيدية والمذهبية (عربية، إسلامية، صوفية)، تحمل في تضاعيفها خصوصية في الماهية والتصورات والآفاق المحتملة لكونها أساس تمايز الشعوب، وتكوينها الحضاري والأخلاقي والقيمي. على أساس ذلك، هل يجوز تطبيق قالب موحد على مواد متباينة تتشيأ كل بحسب معطيات وجودها وتكوينها الحضاري المخصوص..؟

للإجابة عن ذلك، ينبغي التنبيه على مسألة مهمة هي أن ظاهرة التثاقف، وتلاقح الحضارات الإنسانية، تعد من الفكر الإنساني على وجه الأرض، ينهض بهذا الجانب (الدرس المقارن) في مجالات المعرفة المتعددة، ومنها الأدب المقارن في بحث عناصر التأثر والتأثير في انتقال لون أدبي معين وتشخيص السبق الزمني والريادي لإنتاج ذلك اللون الأدبي كما حدث مع (ألف ليلة وليلة) أو (رسالة الغفران) للمعري.. وغيرها، هذا أمر والأمر الآخر، يندرج ضمن منظور إنساني عام، لا يتحدد بمقوم المعطي والآخذ، ولا النظر في تأثير ثقافة على أخرى، وأسباب هجرة هذه الثقافة.. إنما يتصور هذا المنظور في حقيقة كون العمل الإنساني يمتلك بنية وعي وإدراك كلية، تظهر في أنماط أدبية معبرة عن هم إنساني ضمن بنيته الجزئية أو الخاصة. على الرغم من تباين الأزمنة والأمكنة والأعراق، تجد ثمة تشابهاً في الهم الذي يطرح أسئلة الإنسان الوجودية أمام عالمه الذي يحكم وعي الإنسان في مشاعر متضاربة بين الحب والكراهية، الحياة والموت، الصدق والكذب، الرغبة والرهبة، الطمع والإيثار، العاطفة والمادة... الخ. لذا تجد أن الشعور الإنساني واحد في الطرح الحكائي لدى عجائز جنوب العراق مثلاً، والخرافات الروسية في بناء الثيمة الأساس للقصة على مبادئ أخلاقية ينتصر في نهايتها العنصر الخير، ثم احتوائها على بنية عددية معينة ككثرة استخدام العدد (ثلاثة) أو (سبعة) أو (عشرة) أو (أربعين) أو (سبعين)، كعناصر تشويقية وتهويلية أيضاً.

 

فتشابه الطرح –على اختلاف مصادره –دليل على وجود نظام عام يحكم التفكير الإنساني إزاء أسئلة الوجود الإنساني في علاقة الإنسان والطبيعة والإنسان والله، الإنسان والمادة، الإنسان والإنسان.

 

لأجل ذلك أمكن تطبيق منهج الوظائف السردية على الشعر ومنه دراسة كمال أبي ديب ( ) في تحليل الشعر الجاهلي بعد أن تحصل ذلك الشبه بين بنية القصيدة وبنية الحكاية، فإذا ما أمكن تطبيق منهج (بروب) على الشعر، فإن تطبيقه على متون حكائية عربية هو ادعى لدرء الاعتراض وأجلى فائدة.

 

تبقى ثمة قضية (حرفية) المنهج، والمدى الانتقائي الذي بإمكان الباحث في القصة العربية الصوفية، أن يتوفر على (حرية) في توظيف مقولات المنهج إلى المدى الذي تخدم فيه (خصوصية) الأثر الأدبي بهويته العربية الإسلامية، وهذا ما أدعيه في هذا البحث، وهو انتصاري لخصوصية الأسلوب والفكر العربي الإسلامي في القصة الصوفية التي انبثقت أساساً، وتشكلت على وفق أهداف تعليمية تربوية أي أن الموضوعية الأخلاقية المذهبية كانت الغاية من القول. والحقيقة أن (بروب) صرح بهذه المرجعية التي تشكل بواعث قول الحكايات فالحياة والأفكار تذهبان وتبقى مضامينهما في الحكايات فتحمل آثارها النفسية والاجتماعية والحضارية، حتى أن كل واحد من هذه الآثار في حاجة إلى كتاب متخصص يكفي لفهمه فهماً عميقاً ( ) ولهذا يستنتج بروب أن عناصر القصة تكشف كماً هائلاً من الترسبات الثقافية والدينية واليومية، مما يصلح لدراسة مقارنة تدخل ضمن البحث التكويني ( ). تساءل بروب عن الأسباب التي جعلت الحكايات الخرافية تخضع لسلسلة وظيفية واحدة في تركيبها؟ فرأى أن من الأسباب ما ينبغي تلمسها في الواقع الثقافي الذي نشأت فيه وخاصة في المعتقدات الدينية. هذا يعني أن النقد الشكلاني لا يكفي وحده لقيام نقد حقيقي للأعمال القصصية.

والذي أصل إليه، من خلال ما سبق، إن عمل بروب الوظائفي إنما يقدم مادة خاماً ذات رؤية منهجية مرتبة تصلح أن تكون مادة بحث تأويلي وسيميائي بالغ الأهمية، من خلال قراءة الواقع الذي أنتج ذلك الهيكل البنائي الوظائفي.

 

ثمة إشكال آخر، قبل البدء بمزاولة التصنيف الوظائفي للقصة الصوفية، يتمثل في ما يصفه بروب لـ إمكانية الوصول إلى تعميمات في دراسة الحكاية رافضاً رأي (سبرنسكي) في استحالة حصول هذه التعميمات ( ).

 

على اعتبار أن بروب يؤكد في صنيعه هذا، إن ثمة أشكالاً نمطية يمكن فرزها مورفولوجياً وتصنيفها، من هذه النقطة، يتضح إشكالٌ مهم يتعلق بطبيعة القصص الصوفي من ناحية فرادة التجربة، إذ تقوم الفكرة الصوفية على أساس التفرد والخصوصية والمنزلات والمراتب، فما قد يصل إليه التلميذ المريد، يعجز عنه الشيخ صاحب المنزلة والقطب المتبوع، وفي ضوء هذا التنوع جرى تصنيف الحكايات الصوفية على ثلاثة أصناف؛ ذاتي وموضوعي واسترجاعي، وسيكون اعتمادنا في هذا الفصل على هذه الأنماط اعترافاً منا بخصوصية التجربة الصوفية إذا ما شاء الباحث تقديم صورة واضحة عنها ولائقة بمرتبتها فيجب أن يكون النموذج الحكائي فوق القالب وليس العكس، فعدم مطابقة النموذج للقالب دليل على بنية تشكيل الرؤية والتفكير والمكونات مختلفة في إنتاج الحكاية وتحمل بذور تطور في البناء يجب مراعاة خصوصيته وليس لَيْ عنقه ليتسق مع المنهج الجاهز. استكمالاً للفائدة ولسعة الرؤية المنهجية، يفيد البحث من منهج آخر في دراسة الوظائف السردية هو منهج (رولان بارت) في الوحدات الوظائفية إذ قدم مشروعاً ذا رؤية تجميعية صنفت الوظائف إلى ضربين: أساسية وثانوية؛ فالأساسية تمثل الخط الأفقي عند (بروب) وهي الأعمال والثانوية هي الخط الشاقولي عند (بروب) وهي الأوصاف.

 

ويتيح منهج (بارت) للتحليل عدة مزايا، منها:

1-هذا التميز بين نوعين من الوظائف يتيح بعض المرونة لعملية قراءة النص بين عناصره الثابتة والمتغيرة.

2-اتكاءه على أساس ألسني يجعله طيعاً للتطبيق ( ).

من هنا يمكن القول بضرورة الاستضاءة بأكثر من منهج مادامت توفر رؤية أوضح لمميزات النص وأهدافه. من دون إرباك في الرؤية المنهجية الأساس للبحث، إنما استكمالاً وتأصيلاً لجوانب نصية سكت عنها المنهج الأصل.               

 

 

 

المبحث الثاني أنماط الوظائف

 

 

1-تعريف الوظيفة:

قبل الشروع بتحديد الأنماط الوظائفية في القصة الصوفية، لا بد أن يتم الوقوف على حد (الوظيفة) وتعريفها من حيث المفهوم (الأداة)، والغاية (الفعل) الذي تنهض به في سياق القص.

يُعِّرف (بروب) الوظيفة، بأنها (عمل شخصية ما، وهو عمل محدد من زاوية دلالته داخل جريان الحبكة) ( ) بمعنى أن سياق القصة يبنى على أساس المؤثرات الإيجابية والسلبية التي تصدر عن فعل الشخصية الحكائية، ولا يتكامل لهذه الدلالة من مفهوم واضح ومحدد إلا إذا تواتر حضور هذه الوظيفة (الفعل) على مدى مجموعة من النصوص الحكائية يكون منها الحدث واحداً، أما القائمون به فهم مختلفون في الجنس والطبيعة والغايات. أي لها سمة استغراقية ولا أقول مطلقة. بدليل أن (بروب) نفسه، إنما اعتمد في عمله الوصفي لوظائف الخرافات الروسية، انتقى مئة خرافة على وفق هذه الرؤية، أساسها التشابه في (فلسفة) القص –إذا جاز التعبير –أن نعد الأنماط الوظائفية هي فلسفة العقل أو الذهنية التي خلقت هذه الحكاية وهي ليست ذهنية واحدة. لأن القصص والحكايات نتاج شعب عبر عصور وأزمنة متعاقبة. فتتخلص قيمة (الوظيفة) في البنية الحكائية بوصفها استجابة لوعي المجموع، وحاجات الإنسان والجماعات وموقفه من حركة الوجود والأشياء والقيم من حوله. تتلخص قيمة الوظيفة في كونها تتركز على حالة (افتقار) أو فقدان أو نأي لا بد وأن ينتهي بحل يلغي حالة الافتقار الأولى.

 

من خلال هذا الفهم لمعنى (الوظيفة) عند بروب يمكن إدراك، مدى صلاحية منهج الوظائف السردية في دراسة أي منجز حكائي إنساني لأنه يعمد إلى كشف الفلسفة التي صاغت نظم تفكير الإنسان إزاء قضاياه ومخاوفه الوجودية. (لذلك ظهر تشابه في بعض الحكايات بين بلدان مثل روسيا وألمانيا وفرنسا والهنود الحمر) ( ) في حين لا يمكن –تاريخياً –إثبات أي اتصال بين هذه الشعوب. يسمح بانتقال هذه الحكايات فيما بينها.

 

2-الوظيفة وجمل الاستهلال:

حين يبدأ (بروب) بسرد الوظائف وتصنيفها، يقوم –قبل ذلك –بعرض الوضع الأولي للعائلة التي يكون البطل أحد أفرادها، فيذكر اسم البطل، ويصف حالته وعلى الرغم من أن هذا الوضع الأولي لا يشكل وظيفة في الحكاية إلا أنه يمثل وضعاً تركيبياً (موروفولوجيا) مهماً ( ) يهيئ ذهنية المتلقي للوظائف الأساسية التي سينهض بمهامها البطل في الحكايات، والوضع الأولى غالباً ما يخلق بعداً تشويقياً فضلاً عن خلق (أفق توقع) –تم الحديث عنه مفصلاً في الفصل الأول –يمكن الركون إليه في تحديد عام لنمط الشخصية ولجغرافية الحدث الحكائي.

 

وفي الغالب، لا تكون الافتتاحيات هذه صادمة أو مفاجأة أو تعلن عن أزمة ما، إنما على العكس، فهي تطرح وضعاً هادئاً مستقراً، يتحول إلى العكس حتى تبدأ أولى الوظائف بـ (مغادرة) أحد أفراد الأسرة مثلاً للعمل أو التجارة أو الحرب... الخ فتبدأ الوظائف السردية، تتوالى إلى الوصول إلى عقدة الحكاية ثم الهبوط تدريجياً إلى حلها. ويضع (بروب) للافتتاحية رمزاً خاصاً بها. وأجل الكلام على الافتتاحيات ودلالاتها في كتابه إلى نهاية الكتاب ( )، لكون الافتتاحية ليست وظيفة، بل أنها تدخل في باب (القيم المتغيرة) التي أشار إليها في موضع سابق، فما يخص اسم الشخصية وهيأتها، وطريقة عيشها، وسكنها وجنسها... يدخل في باب ما يتغير من القيم السردية وهو أمر ثانوي في بحث الوظائف التي أساس العمل بها إنها (قيم ثابتة) يتواتر حدوثها في خلال أزمنة مختلفة وعند شخصيات متباينة وأوضاع خاصة متغيرة.

على الرغم من اعترافه بالأهمية الخاصة التي تشكلها دراسة نعوت الشخصيات مثلاً، إذ يوجد العديد من الأوصاف والنعوت يتواتر أيضاً في الحكايات والخرافات كأن تكون الأميرة دائماً ذات شَعرٍ ذهبي، أو وسامة البطل وشجاعته، اقتران شخصية (المعتدي) بقبح المنظر والهيئة... الخ. هذا الأمر يهيئ الإمكانية –بحسب نظر بروب –لقيام دراسة لتأويل علمي للخرافة ( )، وضرورة قيام الدراسة الموروفولوجية على أساس دراسة تاريخية –الأمر الذي لم يعن به بروب في كتابه –فضلاً عن دراسة الخرافة في ضوء علاقتها بالتصورات الدينية.

 

من هذه النقطة التي وقف بروب عندها معترفاً فيها بالجانب الذي ينقص عمله الموروفولوجي في الخرافات.. نجد ضرورة قائمة لنبدأ من حيث انتهى بروب.

إذ لا تكتفي الدراسة الوظائفية للقصة لتكوين تصور واضح المعالم، يفي هذا المنجز الحكائي حقه من النواحي الدلالية، والنفسية، والتاريخية. لذا كان لزاماً الاستعانة بالمناهج الأخرى استكمالاً لشرائط موضوعية البحث العلمي التطبيقي.

 

3-الأنماط:

الوضع الأولي

في استقراء لما توافر في حوزتي من مصادر ومصنفات في الأدب الصوفي وأخبار المتصوفة، ظهر أن القصص الصوفي ذا المنحى (الذاتي) الذي يحكي فيه تجربة شخصية يحكيها الصوفي عن نفسه، تحكم  نظامها الوظائفي جملة مقدمات أجدها تمثل (منطق) الحكاية كما يتصورها الصوفي نفسه أود الإشارة إلى مسألتين تحكمان رؤية الصوفي نفسه لتجربته المراد بثها للمتلقي، التي تسهم في التخطيط –إذا جاز التعبير –لكيفية القول وأسلوب الحكي، يتركز منطقة الحكائي على حقيقتين.

 

الأولى: لا مألوفية التجربة الصوفية التي مارسها بشكل ذاتي ولا شهود له عليها لإثبات صحة وقوعها وإن وجد الشاهد فلا يستطيع المشاركة، لأن التجربة الصوفية رؤية قلبية لا عيانية.

على أساس ذلك: تقوم (حاجة إقناعية) لإثبات صحة وقوع التجربة لمتلق غير واثق ومتشكك.

 

الثانية: إسناد (فعل) لا معقول لـ (شخصية) معهودة على الصعيد التاريخي والمذهبي.

هذا يولد (حاجة توثيقية) يتم على أساس العناية بذكر أسماء الرواة وسلسلة الإسناد وكأنَّ، القصة خبر من الأخبار التاريخية أو حديث من الأحاديث. واصطناع حوار مفصل بين الشخصيات.

 

من خلال هذا المنظور

يمكن تصنيف الوظائف السردية على أنها تبدأ بداية قصة حقيقية ولأشخاص بعينهم، ثم تميز بهذه الشخصية أحداث لا معقولة تجابه من قبل الآخر بالتشكيك والتكذيب والاستفهام وتنتهي بمحاولة إقناع فاشلة. تبدأ الحكايات الصوفية –في نمطها الذاتي –بإطار خارجي يقود زمامه الراوي العليم حين يصرح بمصادر الحكاية ويذكر أسماء نقلتها وهم في الغالب أناس معهودون، وقد سبقت الإشارة تفصيلاً إلى ذلك في المبحث الأول من الفصل الأول –فتعمل الجملة الافتتاحية على إيضاح الوضع الأولي للحكاية ولوضعية الشخصية الرئيسية في الحكاية ومجال تحركها. كما في افتتاحيات الحكايات الآتية:

 

1-بإسناد عن ابن باكويه قال سمعت أبا عمرو تلميذ الرقي قال سمعت الرقي يقول: كان لنا بيت ضيافة فجاءنا فقير عليه خرقتان... ( ).

2-قال صاحب اللمع، سمعت الحسن البصري رحمه الله يقول: (كان بعبادان رجل أسود فقير يأوي الخرابات...) ( ).

3-قال زكريا بن داود دخل أبو العباس بن مسروق على أبي الفضل الهاشمي وهو عليل.....).

4-قال القشيري: سمعت أبا نصر المؤذن بنيسابور وكان رجلاً صالحاً...( ).

5-قال شعيب بن حرب: بينما أنا في الطواف إذ لكزني إنسان بمرفقه فالتفت إليه فإذا هو الفضل بن عياض... ( ).

6-سمع عن إبراهيم الخواص يقول: كنت في جبل اللكام فرأيت رماناً فاشتهيته فدنوت فأخذت منه واحدة.... ( ).

 

من خلال هذه النماذج الستة في الحكايات، يتبين أن الجملة الافتتاحية في حكايات التصوف الذاتية تشتمل على المهيمنات الآتية:

 

1-العناية بتوثيق رواية الحكاية ومصادرها، وهذا بعكس الشائع في القصص الذاتي عند الشعوب الأخرى التي يكون التأليف لأدبها الشفاهي جماعياً غير منسوب لشخص بعينه فكان تميز القصص أنه دوِّن في وقت قريب من زمن حدوث الحكاية ذاتها، بدليل كثرة عبارات: (سمعت، رأيت، اخبرني، شهدت.. الخ) على لسان الراوي فهو إما عاش في عصر البطل أو أعقبه بمدة قصيرة.

 

2-تحديد الوضع الأولي للحكاية والبطل والأحداث، والتحديد يكون إما بذكر زمن الحكاية (كان، بينما أنا في الطواف) أو مكانها الذي جرت أحداثها فيه (عبادان، نيسابور) أو ذكر نعوت شخصيات الحكاية أو إحداها، واسم البطل. وهذا ما يدعوه توماشفسكي بـ (التحفيز التأليفي) (إن إشارة الكاتب القاص إلى شيء ما بصورة عابرة في الحكي لا بد أن يكون له معنى فيما سيأتي من الحكي) ( ).

 

3-إيجاز واختصار في جملة تحديد الوضع الأولي، وهو أمر مستحب ومطلوب؛ إذا لا ينبغي إطالة المقدمة لئلا تورث السأم عند المتلقي أو المروي له وتقطع عليه استعداده لتلقي الحدث الرئيس والمهم في القصة فضلاً عن أن المقدمة الاستهلالية عنصر ثانوي في الحكاية، ولهذا لم يجعلها (بروب) من ضمن الوظائف السردية في الحكاية.

وبعد الوضع الأولي للحكاية، يقوم الراوي بسرد الوظائف وهي على النحو الآتي.

 

4-الوظائف أشكالها ودلالاتها:

أ-الوظيفة: النأي، الابتعاد والارتحال:

هذه الوظيفة عند (بروب) تمثل فعل شخص ينتمي للجيل الراشد في العائلة( )، بوصفه مركز ثقل في الوضع الأولي للأحداث فعند مغادرته تتأثر الحالة الأولية الهادئة الرخيِّة الرتيبة لتستقبل حدثاً مفاجئاً واضطرارياً يتغير –بسببه –خط سير الأحداث في الحكاية.

 

في الحكايات الصوفية الذاتية نلحظ وجود هذه الوظيفة بشكل جلي، وذلك لأن حكي القصة جرى عند الصوفي أو عنه، يمثل عملية استرجاع لحدث، فلا بد أن يكون مصدر هذه التجارب (حركة) مارسها الصوفي أو فرضت عليه، وهو في الغالب يكون سفراً أو في اصطلاح القوم (سياحة) أي الضرب في الأمصار والبلدان من دون حاجة ( ) يقرها الشرع ويرضاها كسياحة الحج أو طلب الرزق.. الأمر الذي يوضح فيه (ابن الجوزي) اللبس الذي وقع فيه المتصوفة في مخالفتهم للشرع والمعقول ( ).

معظم تجارب الصوفي يكون منشأ اكتسابها. ذاتياً، عليه فالحياة المتحركة والتنقل والترحل دليل تنوع في الخبرات، وسعة في المعارف المكتسبة، فضلاً عن عنصر الدهشة، فهو يحدثك بحديث لم يصلك خبره أو تشهده عياناً.

 

أ-أشكالها النأي:

أ- 1- زيارة أحد أولياء التصوف للتزود منه أو السلام عليه كما في الحكايات:

(قال حمزة بن عبد العلوي: دخلت على أبي التيناني، واعتقدت في نفسي أن أسلم عليه...) ( )، وعن أحمد النقيب قال: (دخلت على الشبلي....) ( )

أ- 2- أو سفر طويل مع جماعة:

قال أبو محمد بن حزم عن حكيم بن منذر بن سعيد أن أباه رحمه الله كان في سفرة في صحراء  فعطشوا وأيقنوا بالهلكة.....) ( ).

أ- 3- ضياع بعض الأصحاب في بادية:

كما في حكاية تيه بعض الأصحاب في البادية فورد على عين فوجد عندها فتاة جميلة.... ( ).

أ- 4- بعث شخص إلى آخر لاستعلام أمر ما:

كما في قصة ذي النون المصري حين بعث أحد أصحابه إلى أبي يزيد البسطامي لينقل له صفته ( ).

 

دلالتها:

في معظم القصص الصوفي الذاتي، تقف دلالية السرد على بنية استرجاعية لحدث مضى.. فزمن القص تالٍ لزمن الحكاية، الأمر الذي يجعل عملية الاستذكار تتسم بالاختزال في الأحداث والتحكم في حذف ما هو زائد على حبكة الحكاية الأصل. بمعنى أن الروي يعمد إلى عملية أشبه ما تكون –بما يسمى بلغة السينما –بـ (المونتاج)، فتظهر الحكاية موجزة، قصيرة، مكثفة، تبنى على ثيمة جوهرية تعتمد على بث حدث هو فوق التصور العقلاني، ليثبت مزية الصوفي على غيره من الناس واستئثاره بعلم الباطن. وجاءت الوظيفة الأولى (النأي) توطئة مهمة لفعل حكائي قادم، فتبدأ الحكاية في منطقة قريبة جداً من (الحبكة) فتختصر بذلك وظائف أخرى كثيرة.

 

ب-الوظيفة: اختبار

وهنا تكمن قيمة الحكاية وحبكتها، فالصوفي يتعرض لاختبار، امتحان يحدد مدى (اختلافه) عن الناس وجمهور العابدين والعلماء، وقيمة هذا الامتحان لا تكمن فيه، قدر ما تتمثل في ما يأتي بعده من وظيفة سردية، هي (الموقف المختلف) الذي يقفه الصوفي ليعطي نموذجاً تطبيقياً لمذهبه التصوفي أو الأخلاقي أو العرفاني.

والحقيقة أن وظيفة (الاختبار) تقع ضمن تصنيف (بروب) للوظائف السردية، في موقع متأخر نسبياً فهو الوظيفة التي تحمل الرقم (12) حين يجري اختبار للبطل لتهيأته لتقبّل الأداة السحرية ( )، وهو يقابل عند (كريماس) ما يسمى بـ (الاختبار الترشيحي) ( ) وهو أول الاختبارات الثلاثة التي يرى (كريماس) أنها _الترشيحي، الرئيسي، والتمجيدي –تمثل المثال الوظائفي للحكاية وتنضوي تحتها الوظائف الإحدى والثلاثون التي اصطنعها (بروب) في (موروفولوجيا)، وأضاف إلى ذلك مقترح (التزويج) أي إدماج ما تشابه أو ما يرتبط بعلاقات سببية قوية من الوظائف مع بعضها ليمكن اختزال الحدث القصصي إلى ثلاثة ترشيحات رئيسية تمثل مرحلة الاستعداد والاختبار وثم الحبكة ثم الحل والنهاية. كما حدث حين (زاوج) بين الوظيفة (2) المنع، و(3) خرق المنع، أو بين الوظيفة رقم (4) الاستخبار ورقم (5) حصول الاطلاع، وأيضاً بين الوظائف من (8 إلى 11) (الإساءة... إلى (انطلاق) البطل مهيأ للترشيح الرئيسي..

عليه فإن طبيعة الوظائف السردية تفرضها النماذج المحللة.. وكلما مالت الدراسة إلى الاختزال والتكثيف، فإن ذلك يعمل على خلق إطار تجريدي واسع بالإمكان أن تنضوي تحته وظائف عدة، من أشكال مختلفة.

 

*أشكالها:

ب- 1-البطل يختبر بالمال

(قصة الشبلي والمزين والكفيف) ( ) حين أقسم الشبلي على أن يتصدق بأي مال يحصل عليه –بعد أن جرى في خاطره أنه بخيل –أول فقير يلقاه، فما استتم خاطره حتى دخل عليه خادمه ومعه خمسون ديناراً، فحملها إلى الكفيف بين يدي مزين يحلق رأسه، فتقدمت إليه وناولته الدنانير، فقال: أعطها المزين، فقلت: أني قد جعلتها كذا وكذا، فقال: أو ليس قد قلنا لك، أنك بخيل؟ قال فناولتها المزين فقال:قد عقدنا لما جلس هذا الفقير بين أيدينا أن لا نأخذ عليه أجراً،... ثم يأتي بعد ذلك حل العقدة من خلال رد الفعل عند البطل سيأتي في الوظيفة التالية.

 

ب- 2- البطل يختبر بقدرته على فك رمزية التجسيد ليصل إلى التجريد:

كما في قصة (الطاس والعسل والشعرة) ( ) حين جرى اختبار في مجلس البسطامي وكان عنده أربعة من الصالحين، فوضع بينهم طاساً فيه عسل وإذا فيه شعرة، فقال أبو يزيد البسطامي: فليقل كل واحد منكم في هذا شيئاً. فقال واحد منهم: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أحسن من هذا الطاس، وحلاوة العلم أحلى من هذا العسل، وصدق الدعوى أدق من هذه الشعرة، وقال الثاني....) ويستمر الاختبار للأربعة الصالحين كل بحسب تأويله ومبلغ علمه، أما نهاية الحبكة فتكون على يد البطل (البسطامي).

ب- 3- البطل يختبر من فتاة  يكتشف في النهاية أنها وهم:

 

كما في قصة بعض الأصحاب حين تاه في الصحراء فورد على عين ماء ( ) فإذا بها فتاة جميلة، قال لها ما أجملك. فقالت في الواحة الأخرى فتاة لا أصلح أن أكون جارية لها، فالتفت صوب إشارتها فلم ير أي واحة أو فتاة فعلم هدف الفتاة، فأعاد النظر إليها فلم يجدها في مكانها.

 

ب- 4- أن يكون الاختبار واقعة شهودية، وحل الحبكة يكون بـ (تفسير) تلك الواقعة:

كما في قصص كثيرة منه (قصة البسطامي مع الشاب الذي مات عند رؤيته) ( ) حين أصر الشاب على اعتقاده في أن رؤية الله تغني عن رؤية البسطامي، فكان الاختبار أن يجعلوا الشاب يرى البسطامي ورآه فعلاً في هيئة غريبة يخرج من النهر وفروته مقلوبة على كتفه، كان من نتيجة ذلك أن صعق الشاب وشهق ومات، هذه هي الواقعة المحسوسة، لكن قيمتها التأويلية تكمن في تدخل السارد بتأويل موت الفتى.

 

* دلالتها:

في وظيفة الاختبار هذه يكمن فعل (تناقض) كبير بين رؤية الصوفي للوجود، ورؤيته لذاته، وفكرة الناس عنه، وبين الموقف الآخر، فوجدت العناية كبيرة من الصوفي في تشخيص هذا الصراع التناقضي الذي يصل إلى حد الافتراق أحياناً واللااتفاق الناتج من زاوية النظر التي ينظر من خلالها الصوفي إلى الشريعة والفكرة الإلهية، والتي تختلف عن نظر سائر المتعبدين، لأجل هذا كان لا بد من (تدخل) الراوي للتوضيح والتفسير والتأويل.

ج. الوظيفة: حل الاختبار وتفسيره:

تمثلت هذه الوظيفة، أو ما يقابلها عند (بروب) بوظيفة (رد فعل البطل) حين يتسلم الأداة السحرية ويجري ويأخذ العلامة وينتصر، فتستغرق هذه الوظيفة عنده، مساحة من وظيفة رقم (13) إلى وظيفة رقم (18) ( ) والتي من عندها يتم تقويم الإساءة وعودة البطل وزواجه أو تتويجه ملكاً في وظيفة (31) أخرى وظائف بروب. والتي تقابل الاختبار التمجيدي عند (كريماس).

بفعل الرؤية الاختزالية التي عنى بها الراوي الصوفي كثيراً، تم بمنهج أكثر من وظيفة تحت إطار واحد لا يخرج في مجريات التفكير العقلي عن حدود تلك الوظائف المتعددة فالفعل يستوجب رد الفعل، والانتصار والكفاح يستوجب المكافأة وهكذا..... .

 

* أشكالها:

هذه الوظيفة تتحكم بخواتيم القصص والحكايات، وعندها يتضح دور الراوي ووجهة النظر في تأويل قيمة الحكاية، رسماً للحدث من الخارج، أو التفسير اللفظي للحدث بصيغة تعليمية واضحة، وسأعمد إلى النماذج ذاتها التي تناولتها الوظيفتان السالفتان:

ج1 –1حل العقدة يكون باكتشاف نموذج خلقي أعلى فيحاول البطل الارتقاء عليه واجتيازه، كما في (قصة الشبلي والمزين والكفيف) حين يكتشف الشبلي إن المزين أكثر كرماً منه، فيرمي بالخمسين ديناراً في دجلة ويقول: ما أعزك أحد إلا أذله الله عز وجل.

ج –2- انتصار المعنى الصوفي على جميع المعاني التفسيرية والتأويلية الأخرى: كما في قصة (الطاس والعسل والشعرة)، حين تحل العقدة بسؤالهم لأبي يزيد البسطامي وقوله في الطاس والعسل والشعرة، فيقول:

(المعرفة في قلوب العارفين أحسن من الطاس ورؤية المحبين لله أحلى من العسل وطريق الصدق أدق من هذه الشعرة)

ج –3- تأويل الرمز الذي يكتشف فيه الصوفي ما يشاهده في عيان ليس إلا خطاباً إلهياً تجسد في صور: فعبرت قصة الفتاة على عين الماء في الصحراء، عن بعد رمزي سنأتي إلى دلالته بعد قليل، الذي يهم هنا هو قولها للرجل بعد أن انكشف كذبه حين قال لها: (اشتغل كلي بك)، فحين التفتت إلى الموضع الذي أشارت إليه على أنه موجودة فيه جارية أجمل منها، انكشف كذبه فقالت؛ ما أحسن الصدق وأقبح الكذب، (زعمت أن الكل مشغول بي وأنت تلتفت إلى غيري) ثم يأتي صوت الراوي فيكمل رواية الحدث وتنتهي الحكاية بصدمة: التفت الرجل فلم ير أحداً).

ج- 4- التفسير اللفظي للحدث يقوم مقام إنهاء الحبكة، كما في قصة الشاب الذي مات عند رؤية البسطامي، فقد سئل الأخير: (كيف يرى الله  ولا يموت ويراك ويموت؟ فقال: نعم، كان يرى الله على قدر حاله فلما نظر إلي، رأى الله على قدر حالي، فلم يثبت فمات).

 

* دلالتها:

يتركز جهد الراوي الصوفي في حل الحبكة، على هدف يوظف فيه هذه (الحلول) لخدمة مذهبه، فالحكاية كلها عبارة عن (رمز) الشخوص فيه ليست مقصودة لذاتها، والأفعال إشارية، ففي قصة الشبلي إشارة إلى (مراتب) الأحوال والمقامات التي يصل إليها الصوفي في مراحل جهاده، فكلما وصل (المريد) إلى حال أو مقام فإن ثمة من سبقه إليه يجب أن يفكر في تجاوزه ( ) والرقي إلى مرتبة أعلى وفي حكاية (الطاس والعسل والشعرة) فالرمزية واضحة في محاولة النفاذ من ظواهر الأشياء إلى ما تخلقه من انطباعات ذهنية وانفتاحات عقلية، ومدارج خلقية. فلا تبقى هذه الأشياء الثلاثة لها من ماديتها إلا الاسم، فتخرج إلى جنس إشاري تشتغل على تأويل العقول والإمكانات النفسانية والعقيدية التي تتسم بالنسبية في تأويلاتها، حتى تنتهي أخيراً رموز (الطاس والعسل والشعرة) إلى (المعرفة والرؤية وطريق الصدق) بحسب تأويل البسطامي.

ويبدو البعد الرمزي لقصة الفتاة في الصحراء، دليلاً مضافاً يرسخ هذه الحقيقة؛ فقضية (اشتغال الكل) بالمحبوب أمر تواردته المتصوفة ضمن مقولاتها في الإخلاص ومعنى التصوف ( )، وتنبئ لغة الحوار والخطاب اللساني (سؤال وجواب) عن كشف دلالات القصة وفحواها بشكل تصريحي مباشر وكاشف، فيبدأ الحكاية جمالياً وفنياً، وينتهي بها تعليمية وعظية إرشادية، لا تترك مجالاً لظنون القارئ أو السامع وذلك لأن معرفة الصوفي –كما يتخيلها هو –هي أعلى من مستوى أي معرفة أخرى فهو يشتغل بعلم الباطن والحقيقة والناس تفقه علم الظاهر والشريعة.

 

أنماط الوظائف في القصص الموضوعي

توفر هذا النمط من القصص الصوفي على جملة وظائف يشترك في بعضها مع القصص الذاتي –وتوجد بعض الإضافات في الوظائف بحكم اختلاف النوع والهدف من القصة، نلحظ في هذا اللون من القصص جملة ملامح:

1-أن القصص الموضوعي متفاوت في طول القصص وإن كان الأغلب فيها (الطول)، الأمر الذي يسمح ويسهل الطريق أمام دخول وظائف سردية أخرى.

2-ترتفع دلالة هذه القصص إلى البعد الأخلاقي التجريدي العام الذي يرقى إلى الإنسانية بكل أجناسها وصفاتها وألوانها، فثمة مرويات عن الهند والصين وبلاد إيران وغيرها، أما قصص الحيوان والطير أمر به حاجة لدراسة مستقلة وافية، ترتقي إلى البعد الفلسفي والرمزي لهذه القصص.

3-اجتماع الرمز وتأويله في حدود الرقعة اللسانية التي ينقلها لنا راوي القصة. فلا نغادر قصة عند آخر حدث فيها –إلا وقد انبرى الراوي ليفسر ويوضح ويفك الرموز التي توفرت عليها القصة.

فالقصة هنا تشمل على أصل وزيادة، الأصل هو الحدث أو الأحداث المروية بدءاً في الاستهلال للوضع الأولي حتى خاتمة القصة وحل حبكتها، ثم يأتي بعد ذلك، حديث الراوي المفسر –مما قد تناوله الفصل الأول في موضوعة الراوي والمروي له -.

 

الأنماط الوظائفية:

1-وظيفة النأي:

ظهرت هذه الوظيفة بشكل طاغ في القصص الموضوعي وهكذا يعكس توافق هذا النوع من القصص أو شبهه بنماذج القصص الخرافية التي استخدمها بروب في تحليله الوظائفي، وهي أولى الوظائف وفاتحة حركية الأحداث في الحكاية

 

* أشكالها:

1-أ-ركوب البحر لغاية مختلفة من حكاية إلى حكاية فمما رواه (إخوان الصفا) في إحدى رسائلهم ( )، قصة مدينة فاضلة تبدأ بذكر نعيم حالهم: (مخصبة، كثيرة النعم، رخية البال، طيبة الهواء، عذبة الحياة، حسنة التربة..)، ثم بعد ذلك يتم تشخيص شخصية الحدث الرئيس وملخصه (... ثم أن طائفة من أهل تلك المدينة الفاضلة، ركبوا البحر فكسر بهم المركب، ورمى بهم الموج إلى جزيرة أخرى فيها جبل وعر.....) ( ).

 

1-ب-أو أن يدخل البحر عنصراً أساسياً في الرحلة، كما في قصة الرجل والسمكة، (كان رجل اجتاز في طريق كان يسلكه في نهر جرار ينحدر من جبل وعليه جسر يعبر عليه الناس......) ( ) من خلال رحلته هذه يبصر سمكة ويحاول الإمساك بها.

 

1-ج-رجلان اصطحبا في بعض الأسفار ومن ذلك قصة المجوسي واليهودي، (وكان المجوسي راكباً على بغلة عليها كل ما يحتاج إليه مسافر هو يسير مرفهاً واليهودي كان ماشياً ليس معه زاد ولا نفقة... ( ).

 

1-د-شكل آخر لتمظهرات (النأي) في القصص الموضوعي هو عبارة عن ظهور الحدث القصصي من سكون (الوضع الأولي) إلى حركة وتغير (وظيفة النأي) عن طريق وصول جماعة من الناس كانوا مسافرين، هؤلاء يكون لهم الباع الكبير في تطور الأحداث وحبكتها والبحث عن الحل. مثال ذلك: (قصة بيراست الحكيم) وهو ملك بني الجان في دار مملكة عريضة تدعى مردان في جزيرة يقال لها صاغون في وسط البحر الأصفر مما يلي خط الاستواء، وهي (طيبة الهواء والتربة فيها أنهار عذبة وعيون جارية، وهي كثيرة الريف والمرافق وفنون الأشجار.......) ( ) بعد هذا النعت الأولي لحال الجزيرة وأهلها تبدأ الوظيفة الأولى والمهمة وهي ليست مغادرة أحد أبناء الجزيرة وإنما مجيء مسافرين إليها فيقول راوي القصة: (ثم أنه طرحت الرياح العاصفة في وقت من الزمان مركباً من سفن البحر إلى ساحل تلك الجزيرة، وكان فيها قوم من التجار والصناع وأهل العلم وسائر أغنياء الناس، فخرجوا إلى تلك الجزيرة وطافوا فيها فوجدوها كثيرة الأشجار والفواكه والثمار...)

1-ه‍-السفر للبحث عن ملك في قصص الطير، كرحلة الطيور في طلب (السميرغ ) ملك الطيور الذي يسكن جبل قاف، فتبدأ رحلة الطيور في البحث عن ملكها بقيادة الهدهد ( )، وفي خلال هذه الرحلة تنكشف مزايا كثيرة ظاهرها حياة الطير وأخلاقها، وباطنها إشارات صوفية.

 

* ودلالاتها:

الحقيقة أن البحث في موضوع الدلالة ليس بالأمر اليسير النهوض بلوازمه والإحاطة بانفتاحاته، بسبب احتياج الباحث فيها إلى موسوعة معرفية يدرك انطلاقاً منها مرجعية النص أو التعبير أو استخدام المفردة، الذي أصنعه هنا، هو (مقاربة) دلالية أضيء فيها جانباً منهجياً مهماً، ذلك هو أن (الوظيفة) السردية ليست إنشاءٍ اعتباطياً إنما هي بنية فكرية قامت على عنصر مزاوجة ضمنية بين الوعي واللاوعي الخاص أو الجمعي، بمعنى أن الدلالة هي استحضار ثقافة عصر النص المحلل؛ لأن النص خرج من سياقات هذه الثقافة وبتأثير منها، وتعبيراً عن الموقف منها.

 

تشير دلالة (النأي) والسفر والمغادرة في بعدها اللاواعي العميق إلى حقيقة كون الأشياء في الكون بدأت ساكنة ثم تحركت وبفعل هذه الحركة تولدت الرغبة في الكشف ومزاولة الحياة بشتى نشاطاتها. فمنذ قصة الخليقة الأولى مع (آدم وحواء) حتى آخر إنسان على وجه الأرض، بدأت بواكير المعرفة الإنسانية لديه فعل بفعل انتقاله من حالة (السكون) إلى (الحركة)، وظل يعيش في دواخله العميقة حنين إلى ذلك الماضي الهادئ الثابت ( )، فحياة آدم (عليه السلام) الحقيقية مع حواء لم تبدأ بنزولهما من الجنة إلى الأرض، التي هي مسرح الصراع والرغبات والحاجات والآثام، كل هذه الأشياء هي نتاج حركة وانتقال.

 

على ذلك هل نقول إن وظيفة النأي التي تمثلت في القصص الصوفي هي تعبير عن فكرة مارسها اللاوعي الجمعي ( ) تعبيراً عن حاجة إنسانية استشعرها الإنسان الأول والآخر؟...

هذا أمر، الأمر الآخر الذي أرى أنه أفضى إلى هذه الأنظمة الوظيفية في القص، هو طغيان الطابع (الحكائي) على (القصصي)، جعل اهتمام الراوي قليل العناية بالأمور التمهيدية والحذلقة اللفظية.. التي من شأنها جعل المسافة الفاصلة بين الراوي وتلّهف المروي له لمعرفة ثيمة الحكاية وحبكتها الأساس، تطول فيؤدي ذلك إلى فتور وملال وضعف انصراف السامع لما يسمع. فحين دونت هذه الحكايات على شكل قصص مكتوبة إنما دونت كما حكيت لهذا حدث (اختزال) واضح في مقطع (الاستهلال) أو فقرة (الوضع الأولي) –الذي كان سمة مميزة في مبحث الاستهلال في الفصل السابق –وهذا غير ما نجده في الفن الروائي والقصصي الحديث حين يستعرض الكاتب براعته الأسلوبية، وذكاءه المميز في تخير الزاوية التي تضيء أبعادها في مسرح الأحداث أو بؤرة الزمن أو أنماط شخصياته ( ).

ولعل موضوعية هذا القصص ومفارقة الراوي لمروية، جعل التركيز ينصب على طابعها الرمزي الذي يتسارع نبض أحداثه لهدف وصول المعنى المرمز إليه، إلى طبقة المروي لهم. فالحكي إنما يبدأ عندما ينشأ فعل متغير تقوم على أساسه استجابات مختلفة تصل بالحدث حد الأزمة ثم تبدأ رحلة البحث عن الحل نزولاً تفاقمت الأزمة صعوداً، فهي دورة (تبدأ كما تنتهي لتعود حالة السكون والرضا وتطمين الحاجات والسعادة لدائمة.

 

2-وظيفة الاختبار:

تنبني هذه الوظيفة على أساس الوظيفة السابقة، بمعنى أن (النأي) يوفر مناخاً لتشكل وظيفة الاختبار التي تضم كل تطورات الحدث الحكائي حتى يصل إلى الأزمة أو الحبكة. تبدو أشكالها في القصص الموضوعي مختلفة في مظاهرها وكيفياتها، لكنها متشابهة في دلالتها، والأشكال هي:

 

2-أ-في قصة المدينة الفاضلة، ينمو الاختبار حين وضع بعض أهل تلك المدينة في اختبار عسير بعد انكسار مركبهم ونزوله في جزيرة وعرة كدرة المياه نزرة الثمار ( )...... الخ واكتشفوا أن أهل تلك الجزيرة قردة بعد لأي تعايش هؤلاء مع الوضع الجديد فأكلوا من هذه الأرض وشربوا ماءها وتعايشوا مع سكانها من القردة حتى طاب لهم القيام فيها.

 

2-ب-في قصة الرجل والسمكة، حدث الاختبار في اشتهاء الرجل تلك السمكة الكبيرة ورغبته العارمة في اصطيادها. وكان الحائل دون ذلك هو الماء الجرار، وبرغم ذلك قفز إلى الماء وأمسك بالسمكة وجريان الماء يشتد وهو منشغل بالسمكة.

 

3-ج-كان الاختبار الذي وقع فيه المجوسي واليهودي هو أن لكل منهماً مذهباً مختلفاً يفترض بصاحبه أن يمسك به ويتمثل في قوله وفعله فالمجوسي يؤمن بحب الخير لـه وللناس ولا يظلم خصمه وإذا ما ظلم فهو يكل خصمه لإله عادل فاضل حكيم عليم لا يخفى عليه أمر أما اليهودي فكان مذهبه حب الخير لنفسه وإهدار دم كل مخالف له، ولا يؤمن بالرحمة أو الشفقة أو المعونة. من هنا كان على الاثنين إثبات صدق اعتقادهما في حالتين:

الأولى: احتياج اليهودي للمجوسي؛ فكان المجوسي في امتحان لاعتقاده.

والثانية: حين احتاج المجوسي اليهودي؛ فكان على اليهودي أن يطبق ما يؤمن به.

 

2-د-بدأ اختبار قصة (بيراست الحكيم) حين استوطن سكان السفينة الغرفة في جزيرة صاغون وبدءوا يتعرضون للبهائم والأنعام بالصيد والأحمال والمطاردة، فذهب الحيوان إلى ملك الجن بيراست تشكو إليه أمرها.

 

3-ه‍-في قصص الطير كان الاختبار المهم هو كيفية الوصول إلى ملك الطيور الكامل فهذه الرحلة تشبه (الوصول إلى القمر على ظهر سمكة) ( )، لكن برغم ذلك كان ثمة علامات تدل على وجوده وإمكان الوصول إليه كالريشة مثلاً.

 

3-وظيفة الحل:

تمثل وظيفة الاختبار –في أقصى تطور سردي لها –أعلى درجات الحبكة القصصية حين يتنامى الحدث ويتفاقم حتى تصبح الحاجة إلى الحل ضرورة لازمة والحل في القصص الصوفي، حقيقة يزجى لتحقيق غايتين.

الأولى: الانتهاء إلى تمام الفكرة التي لا بد أن تسير إلى خاتمة تسير إلى نهاية منطقية أو لا منطقية لأهداف معينة يقصدها الراوي.

الثانية: وهي الأمم، أن نهاية القصة الصوفية مقترنة في الأعم الأغلب بفك رموز الحكاية، وانتقال صوت الراوي العليم من ممارسة دور رواية أحداث الحكاية وهو مفارق لها، إلى ممارسة دور مفكك رموز النص الحكائي فيتوجه بلغة خطابية مباشرة ليعلم الهدف من الحكاية.

 

ولتفصيل ذلك، نعود إلى القصص التي اختيرت نموذجاً تطبيقياً لهذا المبحث ولنتمثل حضور تلك الغايتين في القصص الموضوعي: ففي قصص المدينة الفاضلة، تبدو بوادر الحل مع السأم من الحياة مع الحيوانات والرغبة في المغادرة، بدأت الشرارة مع (رؤيا) يراها أحد البحارة في منامه كأنه عاد إلى أهله وبلده، فقص رؤياه لأصحابه ورغبهم في العودة إلى بلدهم وبدءوا بصناعة سفينة وكان العائق أمام السفر مجيء طائر يخطف أحد البحارة ويلقيه على سطح داره في بلده وبقي البحارة في مكانهم يبكون في صاحبهم ويظنون أنه لقي سوءاً... بعد هذه النهاية للقصة يبرز صوت الراوي /المفكك لشفرات النص فيقول: (هكذا ينبغي أن يكون اعتقاد إخوان الصفاء فيمن قد سبقته المنية قبل صاحبه، لأن الدنيا تشبه الجزيرة وأهلها يشبهون القردة، ومثل الموت كمثل ذلك الطائر.....) ( ).

 

وفي قصة (الرجل والسمكة) بدا الحل مأساوياً حين اشتغل الرجل عن السباحة بالإمساك بالسمكة لئلا تفلت منه، حتى حدره الماء فغاص تحت الأرض فأتاه عامر النهر وطلب إليه أن يترك السمكة وينجو فرفض الرجل، فوضع يده على رأسه فغرقه. عند ذلك انتهت القصة ويأتي صوت الراوي (فإذا تفكرت يا أخي في مثل هذه الإشارات والأمثال...) ( ).

 

وفي قصة (المجوسي واليهودي) يكون الحل مع ثبات المجوسي على اعتقاده حين رحم اليهودي وأركبه على الدابة وأوصله إلى أهله. وفي هذا الأمر انتصار لدين المجوسية، كما يتضح على الرغم من أن القصة تمس جانباً أخلاقياً إنسانياً عاماً لا تختلف عليه الأديان جميعها سماوية كانت أم أرضية والأخلاق إما مطبوعة أو مكتسبة، وتلك مسألة نسبية لا يصح إطلاقها على جنس من الناس أو متديني دين معين.

 

وفي قصة (بيراست الحكيم) يستمع الحكيم لأقوال الشاكين وكذلك يسمع لردود الإنسي الذي استعبد الحيوانات. وكان القول على شكل خطبة يخطبها الإنسي وكذلك ناب عن الحيوانات (البغل) ثم تلاه الحمار والثور.. وبدأت بوادر الحل بالمشاورة بين الحكيم ووزيره، فطرحت عدة مقترحات كان أخرها الموافقة على المصالحة بين الإنسان والحيوان لكي لا تتعرض الجن لمخاطر من قِبل الإنسان إن هي أَعانت الحيوانات عليه.

 

وفي هذا الحل تفضيل لمنطق الحكمة والتعقل والرأي السديد. أما قصة (منطق الطير) ورحلة بحثها عن (السيمرغ)، فمما يظهر من خلال الحكايات أن الراوي اعتمد طريقة المواقف فكل شخصية تحدد موقفها في السيمرغ وضرورة البحث عنه، وبين الراوي انشغال الطيور في هذه المهمة العظيمة وهي البحث عن السيمرغ، ومن خلال الأوصاف التي تنبث في الحكايات وأعذار الطيور ويظهر أن المقصود بـ (السيمرغ) هو الله تعالى، وضرورة البحث عنه والوصول إليه غاية كل الكائنات، فمعرفته أساس عبادته. فيصفه بأنه لا شبيه له، وهو وحده الجدير بالملك، أفعاله نافذة في العالمين ( )...... وتتوالى أعذار الطيور عن عدم إمكانيتها للذهاب إليه، فيخبرهم الهدهد أن السيمرغ لا يضمه مكان إنما مكانه في القلب وعليهم جميعاً النظر في قلوبهم ليروا السيمرغ ( ).

 

وفي نهاية كل موقف من المواقف التي يسميها المؤلف (حكاية) ينعطف الراوي (ليخاطب) المروي له بلهجة خطابية مباشرة توضح المقاصد. فالرمز هنا لا يترك لتأويل السامع أو القارئ وأجد السبب في ذلك عائداً إلى دقة الفكرة الدينية وحساسية تناولها والتكلم بها أو عنها. هذا فضلاً عن توجيه المروي له إلى المغزى الصوفي من الحكايات الرمزية التي تحتمل أكثر من قراءة تأويلية.

 

أنماط الوظائف في القصص الصوفي الاسترجاعي

نظراً للخصوصية التي يمتاز بها هذا النمط من القصص الصوفي، الذي يتناول قصص الرؤى والمنامات التي حفظتها المؤلفات والمصنفات التي حكت عن الصوفية وعن مظاهر حياتهم وسلوكهم وقصصهم –لذا كان لزاماً أن ندقق في نمطها ثم استخلاص مثالها الوظائفي. فالذي ظهر من خلال ما وسع الجهد الاطلاع عليه من قصص الرؤى والمنامات، أن قصص الرؤيا نوعان مركزهما الأساس هو الصوفي:

 

1- نوع يكون فيه الصوفي ذاته هو الرائي والراوي، في خلال مدة حياته.

2- نوع يكون فيه الصوفي موضوع رؤيا لشخص آخر يروي الرؤيا، والصوفي فيها متوفى.

 

والحقيقة ثمة بنية وظائفية مميزة للنوعين تكشف جانباً دلالياً نفسياً إشارياً مهماً.

يدخل النوع الأول ضمن مفهوم، (الكرامة) عند المتصوفة فهو يرى ما لا يرى غيره ( ). أما النوع الثاني وهو الأكثر يروى على لسان المعاصرين للمتصوف أو من تلا عصره لكن تثقفوا على مذهبه وطريقته.

 

يظهر في هذا النوع من الرؤى طغيان واضح لأسلوب الحوار؛ القول والسؤال يأتي بعده الرد والجواب، حتى أن بعض هذه القصص ليس سوى حواراً يشتمل على قال وقلت والمهم في هذا النمط القصصي، إنه يتجلى فيه الأنماط الوظائفية الثلاثة المهمة، وبشكل يتناسب مع خصوصية هذا اللون من القصص الذي يكون _(مسرح) أحداثه في عالم الغيب، أو هو النافذة التي تشرع لبعض الناس للنظر –قليلاً –في عالم محرم على سائر الناس، عليه فإن على هذه القصص مقداراً من التحفظ لكون مصداقيتها مقترنة بواضعها (رائيها) ولا شهود على رؤيته هذه.

 

من هذه الزاوية، أجد ضرورة بحث هذه الظاهرة في القصص الصوفي لا من ناحية صدق وقوعها أم عدمه الأمر الذي شغل بال ابن الجوزي كثيراً في كتابه (تلبيس إبليس)، بل يوجه النظر إلى البعد النفسي ( ) الذي مثلت مضامين هذه القصص والرؤى، صورته الإسقاطية التي يحملها الصوفي مخاوفه، واحتمالاته، وآماله، وخشيته، وقلقه على صحة مذهبه ولا سيما أن المذهب الصوفي واجه معارضة حادة ومستمرة من لدن أهل الظاهر من العلماء وكذلك ساسة القوم فضلاً عن العامة.

تجلى المثال الوظائفي في الرؤى والمنامات الصوفية في الملامح الآتية:

 

1-أصاب مقطع (الوضع الأولي) الذي يبين الهيئة العامة للشخصية أو المكان أو الزمان أو الحالة الاجتماعية لشخوص الحدث، تراجع كبير في القصص الصوفي الاسترجاعي؛ فكان يكتفي بعبارة (روى فلان....) أو (رأيت في ما يرى النائم أن....) ويذكر بعدها اسماً معيناً ومعهوداً عند جمهور المسلمين وخاصتهم بدءاً من الرسول الكريم () والأنبياء والأولياء حتى آخر المتصوفة الذين يعاصرون زمن الرائي /الراوي

هذا التراجع في ذكر الوضع الأولي، يدل على حقيقة مهمة تتصل بخصوصية قصص الرؤيا، وذلك هو أن مسرح الأحداث مجهول ومفردات القصة مغيبة، مرهونة بالرؤيا ذاتها؛ فالرؤيا هي التي ترسم جميع مفردات الحدث والشخصية والمكان والزمان، فقط يحدث في بعض من القصص أن يبين من جملة الاستهلال الأولى أن شخصيات ما رؤى في المنام موضحاً أن الرؤيا حدثت وهو حي يرزق أم بعد مماته عدا ذلك فإن القص يباشر الرؤيا لفعل مفروض كما أن حدوث هذا الرؤيا أمراً مفروضاً وغير إرادي.

2-وظيفة النأي: لها حضور خاص في هذه القصص؛ وذلك لأن عملية (الرؤيا) هي (رحلة) في حد ذاتها، انتقال الجانب الروحاني في الإنسان إلى عالم الغيب والسماوات والجنة والنار... لولا هذه الرحلة الروحية لما نتجت أية رؤيا لذا كان هذا الأمر له أهمية كبيرة على جميع قصص الرؤى والمنامات.

 

3-وظيفة الاختبار: وهي تمثل موقعاً مهماً في سير قصص الرؤيا، لأنها منها تتجلى ثيمة الحكاية والجانب المقلق في سيرة ذلك التصوف الرائي لنفسه، أو المرئي له من قبل آخر، وأكثر ما يتجلى هذا الجانب القلق هو السؤال عن المصير والمآل إلى جنة أم نار، والحقيقة هذا يعكس إحساساً نفسياً يعتمل في ذهن المتصوف عن صحة مذهبه وجدوى طريقته. من أمثلة ذلك:

أ-(رؤى الشبلي في المنام بعد موته، فقيل له: ما فعل بك؟ فقال: لم يطالبني بالبراهين...) ( )، ومثل ذلك ليوسف بن الحسين، وعبد الله الزراد ( ).

ب-(وقيل رؤي عطاء السلمي في النوم فقيل له: لقد كنت طويل الحزن فما فعل الله تعالى بك؟.....) ( ).

ج-(قال أحمد بن أبي الحواري: رأيت في النوم جارية ما رأيت أحسن منها يتلألأ وجهها نوراً فقلت ما أنور وجهك؟..) ( ).

د-في أحيان قليلة جداً يقدم بإيضاح أولي يفيد في تأويل الرؤيا كهذه الرؤيا: (قال بعضهم كنت أدعو لرابعة العدوية فرأيتها في النوم تقول: هداياك تأتينا على أطباق من نور.....) ( ).

 

يغلب على الأعم في هذه القصص، ملمح (القصر) فهي موجزة، قصيرة أساسها الحوار والجواب، ولم أجد فيما وسعني الاطلاع عليه من المظان رؤيا مقصوصة طويلة سردت بوعي فني وخطابي واضح كما في رؤيا (الوهراني ت 575) والتي تشبه مضامينها إلى حد ما (رسالة الغفران) للمعري. وهي تستوعب عشرين صفحة من الحجم الكبير إذا ما حذفت مساحة هوامش التحقيق( ).

 

وتستهل بعبارة (غلبته عينه فرأى فيما يرى النائم كأن القيامة قد قامت، وكان المنادي ينادي هلموا إلى العرض على الله تعالى، فخرجت من قبري أيمم الداعي إلى أن بلغت إلى أرض المحشر...) ثم تتوالى المشاهد فيمر بجميع أصحابه وإخوانه ومعارفه يشهد مصيرهم في الآخرة.

 

4-وظيفة الحل: الذي لاحظته في هذه القصص إنها تنتهي بحل للاختبار الترشيحي والرئيسي بشكل يؤكد المنحى النفسي الذي أشرت إليه في الصفحة السابقة، بدليل أن خاتمة هذه الرؤى القصصية تجمعها صفة عامة تؤطر فلسفة وجودها، هي: (صفة الاطمئنان) فكل الإجابات التي يحصل عليها السائل في المنام تؤكد أمرين:

 

أ-صحة المذهب والطريقة الصوفية التي اتبعها صاحب الرؤيا أو المرئي.

ب-إن صاحب الرؤيا أو المرئي اكتشف خطأ ما كان عليه من أمر التصوف وبطلان ما كان يدعو إليه لكن الله تعالى عفا عنه وغفر له وأثابه.

 

فالشبلي أجيب بأنه لا يطالب بالبراهين، وعطاء السلمي يجيب من رآه في المنام بأن الله تعالى أعقبه راحة طويلة وفرحاً دائماً، ولأحمد بن أبي الحواري تشرح له الجارية الجميلة الوجه أن نور وجهها هذا بسبب دمعة من أحمد هذا مسحت بها وجهها فصار على ما هو عليه ...الخ، واللافت للنظر أن القيمة الفنية في الحكي متراجعة إلا في منام الوهراني الذي يظهر الحل في شكل صياغة لغوية متقنة تربط لحظة نهاية الرؤيا بالاتصال بالواقع في أسلوب قصصي جميل ومكثف وعالي الإتقان:

تصل الرؤيا إلى مشهد أخير بدخول (علي عليه السلام) إلى أرض المحشر وكانوا في أطيب عيش وأهنئه، وإذا بضجة عظيمة وزعقات متتابعة وأصحابنا يهربون، فقلنا: ما لكم؟ فقيل: علي عليه السلام قد أخذ الطرقات على الشاميين وجاءنا سرعان الخيل فيها محمد بن الحنفية يزأر في أوائلها مثل الليث الهصور، فلما انتهى إلينا صاح بنا صيحة عظيمة هائلة، أخرجتني من جميع ما كنت فيه، فوقعت من على سريري، فانتبهت من نومي خائفاً مذعوراً.....) ( ).

 

بحسب منهج بروب الوظائفي في تحديد الوحدات الصغرى للسرد، يتقدم بعد دراسة الوظائف، إلى تقديم عمل مورفولوجي تكميلي يتمثل في مقولة (المقاطع) أو المتتاليات فكل حكاية أو خرافة تتألف من عدة مقاطع تبدأ بنأي وحصول اعتداء ثم نهاية وحل، ثم بدء صراع جديد وحاجة إلى حل، هذا الصراع الثاني هو بمثابة (المقطع)، وصنع له (بروب) سلسلة من الخطاطات الموضحة لنحو وترتيب هذه المقاطع في الخرافة، وهذا العمل بمثابة بنية مجردة لمجموع الحكايات وبمعنى أن هذه الحكايات تخضع لقانون تركيبي وظائفي واحد في بنائها، وهو اكتشاف مهم ( ) ثم ينتقل بروب إلى ميدان تأويلي بعيد عن الدراسة المورفولوجية حيث يتساءل عن الأسباب التي جعلت الحكايات الخرافية تخضع لسلسلة وظيفية واحدة في تركيبها. فرأى أن الأسباب ينبغي تلمسها خارج الحكايات نفسها أي في الواقع الثقافي الذي نشأت فيه وخاصة في المعتقدات الدينية هذه القضية لها أهمية خاصة في تأكيدنا عدم كفاية البحث الشكلاني لقيام نقد حقيقي للأعمال القصصية ( ). ثم يأتي بعده رولان بارت ليعمل على اعتماد الطابع الشمولي للبحث في الوظائف ويعدها وحدات تكّون كل أشكال الحكي ويلح على الجانب العلائقي والعضوي في الوظائف فكل وظيفة لها علاقة مع مجموع العمل، فإذا لم يكن للوظيفة دور داخل الحكي فمعنى ذلك أن هناك خللاً في التأليف، فالفن عند (بارت) لا يعرف الضوضاء ( ) إذ ثمة نظام منطقي متسلسل تخضع له الوظائف السردية.

 

في بحثنا هذا لم نفرد مبحثاً خاصاً للمقاطع، لجملة أسباب؛ منها أن الحديث عن المقاطع قد ورد ضمناً أثناء الكلام على الاختبار الرئيسي في السرد إذ الغالب في القصص الصوفي –وليس جميعه –من نمط القصص القصير أو البسيط التركيب، لا يتجاوز حدود المعقول من الأحداث ولا يطلق العنان المتكلف في حبك أحداث خرافية كما حدث مع نماذج بروب الخرافية، فضلاً عن إنني حاولت جهد الإمكان تجنيب البحث الوقوع في تجريد الأشكال والتخطيطات التي تصب في محور الدرس الشكلاني البحت في حين ينصب اهتمامي في موضوعة البدء بالشكل والانتهاء بالدلالة وهذا ما يتناسب مع غائية المنجز الصوفي الذي أنا بصدد تحليل بناه التركيبية.

 

 

 

المبحث الثالث الشخصية الحكائية

 

 

كان من حق المبحث أن يكون فصلاً، على ما جرت عليه الدراسات السردية التطبيقية، بعد فصل الوظائف، جرياً على نظر منطقي يرى أن كل (فعل) لا بد له من (فاعل) قام به، فالفاعل النحوي في الجملة هو الذي يقوم بالفعل، والأمر ذاته على مستوى القصة والحكاية ويدعى بـ الشخصية الحكائية أو البطل أو الفاعل وغيرها من تسميات.

ولرغبة في دمج واضح في ذهن القارئ عن الفعل والمسبب في إطار منهجي واضح ضمن فصل واحد. لهذين السببين، كان مبحثاً وليس فصلاً.

 

ينفرد موضوع (الشخصية الحكائية)، بأهمية خاصة في البحث السردي عن البنى السردية في القصة والرواية والمسرحية والحكاية ويكتسب هذه الأهمية من كونه أحد مكونات العمل الحكائي وأهمها، فهي العنصر الحيوي الذي ينهض بالأفعال التي تترابط وتتكامل في الحكي ( )، فكانت (الشخصية) محط عناية الدارسين قديماً وحديثاً، عدا (أرسطو) الذي يرى التراجيديا ليست محاكاة للأشخاص بل للأعمال والحياة ( ) واستعادت الشخصية أهميتها على يد الكلاسيكين الجدد في عصر النهضة وصار فيما بعد ينظر إلى العمل الدرامي والروائي في مدى قدرته على خلق الشخصيات ( ). والحق، أن أحادية النظرة لأي من أطراف عمل لا يظهر للعيان إلا متضافراً بعوامله المتشاركة في ظهوره، لا بد أن يحوطها النقص والخلل، فلا يجوز تغليب طرف على آخر، إلا حكم المساهمة ومقدار المشاركة في إنجاح العمل وإيصاله، وإلا فمن حيث الوجود، فكل العناصر مهمة لأنها أسهمت في تكوين العمل، وتشكيل مقوماته الأساس.

 

في المنظور البنيوي والشكلاني ثمة، أطروحتان كيفيتان تدرس على أساس منهما، الشخصية في السرد القصصي والحكائي، الأولى مقتضبة توظيفية والثانية منهجية موسعة تستوعب أكبر عدد ممكن من النماذج الحكائية القصصية والروائية. الأولى وردت في منهج (بروب) لدراسة الخرافة الروسية، حيث حدد سبعة أنماط من الشخصيات هي: المعتدي، والواهب والمساعد، والأميرة (وهي دائماً مدار البحث)، والمرسل، والبطل، والبطل الزائف( ). وحضور هذه الشخصيات في الخرافة متواتر، وقد تستعاض عن شخصية ببديل له نفس الوظيفة، ويختلف في النعت والصفة، لكن بشكل عام لا تخرج شخصيات الخرافة عن هذه الأنماط، وقد طبقها بروب في تحليله المورفولوجي مركزاً على الجانب الوظيفي الذي تنهض الشخصية بتأديته في سياق أحداث الخرافة من دون اكتشاف روابط علائقية بين الشخصية ونعوتها من جهة، وبين الوظائف المؤداة من الشخصية في علاقتها مع المحور الدلالي العام الذي ينتظم الخرافة في أبعادها الأسطورية أو الدينية أو الاجتماعية إلا أن بروب لم يهمل دراسة نعوت الشخصيات فجعل لها ثلاثة أبواب: الهيأة، والمدونة، وخصوصيات الدخول إلى مسرح الأحداث والسكن( ). ولكنه لم يعن كثيراً بشخصيات الخرافة قدر عنايته بالحدث نفسه (الوظيفة) ثم شخصية البطل الرئيسي. نعم، إن البطل هو الشخصية المركزية في تطور الأحداث في القصة، لكن في الوقت نفسه حركة البطل لا تتم لها شروط التنوع والإيجابية والتأثير، من دون الشخصيات الأخرى، فضلاً عن أنها لا تتمتع باستقلال كامل داخل النص الحكائي؛ بسبب أن بعض الأحداث في القصة قد تلحق بالشخصية ما لم تفعله (عن طريق استخدام ضمير الغائب، وهذا الضمير في نظر (بنفيست) ليس إلا شكلاً لفظياً وظيفته أن يعبر عن (اللا شخصية)، لأن القارئ نفسه يستطيع أن يتدخل برصيده الثقافي وتصوراته القبلية ليقدم صورة مغايرة عما يراه الآخرون عن الشخصية الحكائية)( ), من هنا كانت الشخصية في الحكي –كما يفهمها فليب هامون، هي تركيب جديد يقوم به القارئ أكثر مما هي تركيب يقوم به النص، من هذه النقطة المهمة تصدر أهمية البحث الدلالي في نقد القصة وتفكيك هيكلها الوظيفي والشخصي.

 

من هذه الفكرة، توجه اهتمامنا إلى نظرية (غريماس) المشتغل في علم الدلالة المعاصر، في أبحاثه عن الشخصية الحكائية، التي ينظر إليها من خلال التمييز بين مستويين:

 

1.مستوى عاملي تتخذ فيه الشخصية مفهوماً مجرداً لا يتحدد بشخصية ما كأن يكون فعل الدهر أو الموت أو غير،... فهو دور لكن لا تؤديه ذوات معينة.

2.مستوى ممثلي، (نسبة إلى الممثل)، أو البطل تتخذ فيه الشخصية صورة فرد يقوم بدور ما في الحكي فهو شخص فاعل( ).

والعوامل محدودة العدد وهي ستة (المرسل والمرسل إليه، والذات والموضوع، والمساعد والمعارض، أما الشخصيات التي تمثل فلا حدود لها أو لأنماطها حسب تنوع الحكايات في الموضوع والطرح.

 

والحقيقة، أن رؤية (كريماس) للشخصية ووظيفتها في القصة، تفضل رؤية (بروب)، في أن رؤية الأول عمدت إلى خلق كليات تنضوي تحتها أنواع متعددة لوظيفة واحدة، فعلى سبيل المثال فإن شخصية (المعارض) مثلاً تعادل شخصية (المعتدي) عند بروب، لكنها عند غريماس بين الممثلين والعامل (الشخصية)، لأن الممثلين متعددون لكن (العامل) واحد وهو المفهوم الذي يجمع المتشابهات تحت لوائه. نظرة البنائية المعاصرة للشخصية مستمدة من مفهوم الوظائف في اللسانيات، في أن الكلمة في الجملة لا ينظر إليها أنها ذات دلالة ما خارج سياقها، بل هي تكتسب دلالتها من خلال ما تؤديه من دور ضمن نظام الجملة.

 

من هذا المنطلق، تنبني قراءتنا للشخصية الحكائية في القصة الصوفية على محورين( ):

 

أ-الأول: عام يشتمل على البنيات الكبرى للشخصيات في القصة الصوفية وهي على أنواع ثلاثة: شخصيات مرجعية، وشخصيات تخيلية، وشخصيات رؤياوية.

ب-الثاني: يغطي أنواع البنيات الصغرى للشخصيات لعوامل في القصة وتشمل على الأنواع الستة: الذات والموضوع، والمرسل والمرسل إليه، والمساعد والمعارض.

واستيفاء لحق التصنيف الذي جرى عليه البحث في المباحث السابقة من أنماط القص الصوفي الذاتي والموضوع والاسترجاعي، سيتم استعراض بنيتي المحورين.. في الأنماط الثلاثة ضمن عملية التحليل؛ الذي يضع مستوى إطارياً تجري التطبيقات ضمن محتوى كل إطار.

 

أ.المحور الأول: البنيات الكبرى للشخصيات:

يقصد بالبنيات الكبرى للشخصيات، الوسط الذي انبثقت منه الشخصية في عالمها الطبيعي وتجاربها الحياتية. فإذا ما تم كشف هذه البنيات أمكن تحديد علاقتها فيما بينها، وكذلك تكون تصور واحد عن شخصيات الحكاية الصوفية من حيث الفعل والتأثير. ولقد تمت الإشارة في تمهيد الرسالة الخاص بـ مفهوم التصوف، إن التجربة الذاتية مهمة جداً بل تعد أهم مرتكزات التجربة الصوفية، فكل متصوف بلغ درجة من العلم والفكر الصوفي؛ إنما هو أصل لذاته وتبقى تجربته هو وما رآه وما جربه هو الأساس لتحديد مكانته لذلك شاع بينهم مبدأ (الأستذة) إذ يتلمذ المريدون على أيدي شيوخ التصوف لكي يدلوهم على معالم الطريق الصوفي، وأحواله، ومقاماته... من هنا كانت الأهمية موجهة إلى (الشخصية) الحكائية في القصص الصوفي، لها وقع خاص، وأثر من الضرورة استقصاؤه وتتبع تأثيراته، ومن خلال استقراء النماذج الصوفية المتاحة لهذا البحث، أمكن تأشير ثلاثة أنماط من الشخصيات وهي على النحو الآتي:

 

أ.1: الشخصيات المرجعية:

وهو النمط الأكثر تفشياً في القصص الذاتي، ويعنى به، هو ذلك النمط من الشخصيات التي تقف على مرجعية خاصة بها وبأسمائها وماهيتها التاريخية، أي الشخصيات ذات الوجود الحقيقي في مسيرة التاريخ، ومسرودة سيرتها وأحوالها وأعمالها في مظان التاريخ الخاص بالأمة التي تنتمي إليها. ويكون توظيف هذا النمط من الشخصيات على نحو احترازي؛ يحافظ فيه الراوي على الملامح العامة للشخصية المرجعية فلا تقوم شخصية حرة محافظة أخلاقية، بوظائف سيئة اعتدائية أو لا أخلاقية، والحالة هذه ليست مطردة تماماً( ).

 

أكثر الشخصيات المرجعية التي وردت في القصص الصوفي في نمطه الذاتي، تمحورت حول أعلام التصوف والمشهورين منهم كالجنيد شيخ الطائفة، والشبلي وابن يزيد البسطامي، وذي النون المصري، وأبي سليمان الداراني، والخواص، وآخرين... ممن ثبت لهم حضور مرجعي في مظان التاريخ الإسلامي ومصنفات التصوف ورسائله، على أن القصص لا تتناول أحوالهم وتاريخ حيواتهم، إنما تتجوهر الحكاية حول (حدث) مهم روي عن الشخصية الحكائية المرجعية، وتداولته الألسن بوصفها إحدى وسائل التربية الصوفية في الاقتداء بالمشايخ وأقطاب التصوف وأعلامه المشهورين لذا كانت العناية بالغة في تتبع إسناد الحكاية جرياً على طريقة العرب في رواية الأخبار والأحاديث.

 

وتتم رواية الحكايات بعد تلقيها شفاها أو بوسائل حسية كالسماع والرؤية والمشاركة مع الشخصية المرجعية، لذا تكثر صيغ (سمعت، أخبرني، روي، حدثني،...) وفي الغالب يجري مضمون الأحداث في صالح الشخصية أي ذكر المحاسن دون المساوئ، فهي مروية من قبل أهل الطريقة ذاتها، وتلامذتهم ومريديهم فيأتي مضمون القصة (مقروءاً) من قبل الراوي، أي جاء على (وجهة نظر) الراوي وخاصة فيما يخص الكرامات والرؤى والمنامات، وما دام الحكي يتناول موقفاً لشخصية مرجعية معهودة هذا يعني وجود تدعيم تاريخي آخر إلى جانب الشخصية المركزية، هو بيئة الشخصية وأمكنة وجودها بين المدينة أو مكة أو بغداد أو مصر أو غيرها بشكل يتطابق مع الواقع الفعلي الذي يحدثنا به التاريخ، فضلاً عن الشخصيات الثانوية التي ترافق الشخصية المرجعية وتتبادل معها الحدث والأدوار بين المساهمة بالحدث كشخصية ثانوية، وبين رواية الحدث فقط أي تكون الشخصية الثانوية رواية للحدث عياناً أو تلقياً عن عيان آخر أو أصحاب ولا يذكرون بأسمائهم ويكتفي بذكر أقوالهم كحكاية (الطاس والعسل والشعرة) وكان الهدف منها تأويل هذه العناصر الثلاثة، فيبدأ الراوي بذكر الأصحاب فلا يذكر لهم اسماً أو صفة بل يكتفي بـ (قال الأول) وقال الثاني وقال الثالث ويأتي تأويله في النهاية هو القول الفصل فتلك الشخصيات الثانوية قد تكون موضوعة أو متوهمة لإثبات صحة تأويل الشيخ البسطامي وخطأ من سواه وفي الأعم الأغلب يكون المريدون وتلامذة الطريقة هم شخصيات ثانوية تقف دائماً موقف الحائر المتسائل والمستغرب حد الانبهار من كرامات الأولياء والأقطاب والمشايخ والوسيط بينهما (الحوار) الذي سيفصل الكلام فيه في الفصل القابل.

 

أ.2: الشخصيات التخييلية

ويقصد بها الشخصيات التي لا وجود تاريخي لها كالشخصيات المرجعية لكن ذلك لا يمنع اشتمالها على مواصفات واقعة، وقد يلجأ الراوي إلى خلق هذه الشخصيات يعزز موقف الشخصية المركزية ولغايات حكائية متنوعة. أو أن ينسب فعلاً إنسانياً وتفكيراً إنسانياً إلى حيوان أو طير ثم يصطنع أحداثاً وحواراً وتطوراً في الوظائف والسرد يتم على لسان الحيوانات، كقصص الحيوانات عند (إخوان الصفا) وقصص (منطق الطير) وغيرها، والقصص الموضوعية التي تؤلف لأغراض حكمية أخلاقية أو فلسفية فكرية كقصة (بيراست الحكيم) أحد ملوك الجن وشكوى الحيوانات إليه من ظلم الإنسان( )، أو أن يطلق الاسم بلا تحديد وفي الغالب ينسب إلى شعوب أخرى بعيدة كما في بعض القصص الموضوعي عند إخوان الصفا، فتروى أن (بعض ملوك الهند...)( ) أو رجلين تخاصما أحدهما يهودي والآخر مجوسي( ) وغيرها من الأوصاف المطلقة التي لا تحدد بأشخاص معينين، إنما يحكم هذا الغرض طابع التصويب المباشر والأساس إلى الهدف الأخلاقي الحكمي حتى لا يهم معه كون شخصيات الحكاية حقيقية أم خيالية، بل إن الطابع الخيالي والمطلق لهذه الحكايات وفر لها متعة استقبالية، لأن نفس الإنسان تميل إلى ما هو مغيب عنها ومستور، ولا سيما إذا كان الإنسان في مراحل نضجه المبكرة أو طفولته. وكذلك الأمر ينطبق على الشعوب في مراحل تكونها الأولى حيث يشيع في آداب وأساطير الأمم والشعوب روح الغيب، وعوالم السحر والجن والحيوانات المتكلمة يناسب مستوى العقل البدائي الذي يتحكم فيه الإحساس أكثر من المقاييس العقلية والمنطقية، والإحساس مرتبط بمخاوف الإنسان وآماله، فاتقائه للأولى ولتحقيق الثانية يعمد إلى خلق لا شعوري ولشخصيات وحكايات تقرب له هذا العالم المجهول البعيد الذي يتصور أنه يتحكم بمصيره وقدراته وأحلامه.

 

أما حين يصل الأمر إلى قصص الطير والحيوان، فإن الشخصيات تأخذ بعداً رمزياً خالصاً، يلجأ فيها الحاكي إلى (أنسنة) الحيوان أي جعل الحيوان الأعجم يتكلم ويحاور ويفكر( ). فكل ما يفعله الحيوان هو في الحقيقة يمثل هموم الإنسان ومشاكله الوجودية والأخلاقية. لكن الذي يفعله الراوي هنا، هو خلق هذه الشخصيات الخيالية لكي يدرأ بها سوء التأويل الذي كثيراً ما عانى منه الفكر الصوفي من عامة الناس والساسة وأهل الظاهر. فنقل هموم التصوف وأفكاره وطرحها على ألسنة الحيوانات يمثل أجراء احترازياً يقي أهل الطريقة سوء التأويل والأذى، فضلاً عن أنه يعد ملمحاً فنياً حكائياً يعرض الفكر المجرد في لغة حوارية جميلة تجري أحداثها بين الحيوانات أو الجمادات أيضاً. ويحدث في أدب (السير) أن يملأ الفراغ الذي ينشأ في الحكاية التي يكون بطلها (شخصية مرجعية)، فيتم خلق العديد من الشخصيات ذات ملامح خاصة ومميزة تتلاءم مع ما يسند إليها من أدوار( )فيكون في الحكاية الواحدة نمطان من الشخصيات: مرجعية، وتخيلية فتعمل الأخيرة على فسح المجال أمام الراوي للإبداع في إسناد وظائف جديدة وأدوار متنوعة تملأ فجوات الحكاية، وهو ما عرف مجازاً بـ (عملية التأثيث) أي خلق شخصيات ثانوية لها أهمية في إغناء الحكاية بأدوار إضافية جديدة ومشوقة يفتح المجال واسعاً أمام حرية التعامل مع الشخصيات المرجعية التي استقر لها وضع تاريخي خاص. وعليه، فإن وجود الشخصيات التخيلية في القص الصوفي تظهران في شكلين من الطرح:

 

الأول: خلق شخصيات خيالية (حيوان أو جماد أو كائنات غيبية توظف لتعزيز مكانة التصوف والشخصية المرجعية) وفضله ومرتبته، مثل تلك الشجرة التي خاطبت (الشبلي) قائلة: احفظ عليك عقدك لا تأكل مني، حين عقد في ذاته أن لا يأكل إلا من الحلال( ) وكذلك الجن والشياطين والسباع والآفات، فدورها هنا تعزيزي يكشف قيمة الفعل المتميز عند المتصوف. تحدث مزاوجة بين المرجعي والخيالي من الشخصيات.

 

الثاني: أن تكون الشخصيات الخيالية هي محور العمل الحكائي ولا وجود لشخصية مرجعية فيه. لكن الأدوار ذاتها لا يمكن أن يقوم بها- على الحقيقة- إلا الإنسان وهو ما يعرف بـ (الأنسنة) أي إضفاء وظائف إنسانية بشرية على الحيوان. فهي شخصيات خيالية بمعنى أن الأدوار التي تنهض بها خيالية ولا وجود لهذا الحيوان الناطق المفكر على وجه الحقيقة، ومن غير الحيوان تلك الشخصيات التي يطلق ذكرها في الحكاية بعموم وعدم تحديد هوية واضحة لها علماً أن بعض الشخصيات الخيالية من حيث الكينونة هي مخلوقات حقيقية لكن الأدوار التي تقوم بها خيالية.

 

أ.3: الشخصيات الرؤياوية/ العجائبية

هذا النمط من الشخصيات في الحقيقة هو غير منبت عن الشخصية المرجعية، إنما هو نوع من تحولاتها الغرائبية حين يأتي بأفعال عصبية يستحيل فيها من كينونته الحقيقة المألوفة إلى كينونة غيبية سوى في الرؤية الواقعية أم في الرؤيا الحلمية. ودائماً يكون هذا التحول دليلاً على (صدق) دعوى الصوفي وصحة مذهبه وطريقته التي تدهش أو تذهل ليس عامة الناس فحسب، بل أهل الطريقة أيضاً كل بحسب مرتبته وأحواله ومقدار علمه ونوع تجربته. وأكثر ما يظهر هذا اللون من الشخصيات، في قصص الكرامات والرؤى والمنامات، ليتم فيها ترسيخ واقعة (الاختلاف والتمييز) التي يمتاز بها الصوفي، وهي تفوق تصور أقرانه ومريديه أو أن تكون الشخصية العجائبية مجهولة، كالذي حكي عن أبي عمران الواسطي قال( ): انكسرت السفينة وبقيت أنا وامرأتي على لوح. وقد ولدت لهم في تلك الحالة صبية تتكلم وتقول: يقتلني العطش، فسلم أمره لله وإذا برجل في الهواء جالس وفي يده سلسلة من ذهب وفيها كوز من ياقوت أحمر وقال: هاك اشربا، فشربنا ثم يسأله عن هذا الذي أكرمه الله تعالى به، فيقول هذا المنقذ أنه ترك هواه لمرضاة الله فأجلسه الله في الهواء ثم غاب عنهم. فهذه الحكاية لم تمر أحداثها في حلم أو رؤية إنما في الواقع –إذا سلمنا بصحة ناقلها- لكن الشخصية المنقذة كانت غرائبية عجيبة تخرق قواها وقدراتها قوانين الوجود للإنسان ومنطق الأشياء أو المشاهد التي يرى فيها البسطامي وقد انقلبت فروة رأسه( )، أو تلك الكرامات التي يؤشر فيها الصوفي إبراهيم الخواص على عيني رجل يريد سلبه ثوبه، فتسقط عيناه حال إشارته عليها( ) أو مجيء حيتان البحر في فم كل منها جوهرة إلى ذو النون المصري وهو يركب سفينة فيبرأ بهذا شاباً اتهم بسرقة قطيفة( )، ففي هذه الحكايات وأمثالها كثير مما تتضمنه مصنفات التصوف وأخبار المتصوفة، وأكثر ما بدأ بها من شخصيات عجائبية ذات أفعال خارقة للطبيعة ثلاث هي:

 

أولاً: الخضر عليه السلام.

ثانياً: الولي صاحب الكرامات.

ثالثاً: منقذ مجهول.

أولاً: الخضر عليه السلام فتظهر شخصية الخضر في حدود الصورة التي رسمها له القرآن الكريم، من أنه الولي الصالح الذي أتاه الله تعالى الحكمة والمعرفة الدينية، يخرق بها حدود مدارك المخلوقات حتى من كان منهم من الأنبياء والرسل، ويرسله الله تعالى إنقاذاً لأوليائه الصالحين والمتصوفة الصادقين، وأكثر ما يرد ذكره في الحكايات الصوفية بالفعل المنقذ أولاً ثم يسأل عن هويته فيجيب إنه الخضر ثم يغيب عن الأنظار( ). وكثيراً ما ترد صورة الخضر في الماء وخضم البحار، والحقيقة أن البعد المرجعي لشخصية الخضر (ع) هو الذي صاغ دوره الغرائبي في القصص الصوفي، من هنا نرى، أن تشكيل الشخصية الحكائية لا يخضع لتصنيف محدد، فالشخصية العجائبية لها أساس مرجي أو قادرة على الإتيان بالفعل الغرائبي الفائق للعادة. والأمر ذاته يصدق على النمط التخيلي.

 

ثانياً: الولي الصالح صاحب الكرامات، وأكثر ما تتمثل هذه الشخصية في إعلام التصوف الكبار وأهل الطرائق المشهورة كالحلاج، والجنيد وأبي يزيد البسطامي والشبلي وذي النون المصري وغيرهم. وهؤلاء أصحاب طريقة معروفة عند جملة الناس فكان الناس ينظرون إليهم بعين الإجلال والتقدير والهيبة، ولكن هذا لا يعني عدم وجود فئة تستهين فعلهم وتدحض أدلتهم، ولا تؤمن بطريقتهم، فيحدث الصدام بين المتصوفة الكبار والفئة المكذبة المشككة.

 

عند ذلك تظهر الحاجة إلى إعطاء الدليل على الولاية وصحة الطريقة وسلامة المنهج بأن يستجير الصوفي بالله وبالقوة التي اكتسبها من إخلاصه لله ولعبادته، فتظهر على يديه الأفعال الخارقة كالمشي على الماء والجلوس على الهواء، واستحالة الأرض ذهباً، وما إلى ذلك. هذا النمط من الشخصيات أيضاً له أصل مرجعي لأنه يتطرق إلى أحداث وحكايات (أعلام) المتصوفة ممن تثبت لهم وجود تاريخي معلوم. وكثرت حول سيرتهم وأخبارهم الأقاويل، وحكيت حول قدراتهم عجائب الكثير من القصص والحكايات التي يقف أمامها الباحث في شك من ناحية صحة ورودها على وجه الحقيقة وليست من مبالغة المحبين، أو تلبيس الشياطين، كما يرى ذلك ابن الجوزي. أو وضع القصاص الراغبين في استمالة دهشة السامعين، ولا سيما العامة من الناس.

 

ثالثاً: منقذ مجهول، تظهر هذه الشخصية بكيفيات وهيئات مختلفة وفي الغالب تكون رجلاً يظهر في خضم الأزمة ليقدم الحل والإنقاذ من دون أن يعرف عن ذاته وكأنه مرسل من قبل العناية الإلهية لإنقاذ بعض ممن يريد الله تعالى لهم النجاة والخلاص واليقظة بعد الغفلة، وقد تظهر عملية الإنقاذ هذه ليست فقط عن طريق شخص مجهول الهوية بل قد يتم ذلك عن طريق الرؤى المفزعة التي تنبه الغافل من غفلته أو الرؤيا لا تؤدي الغرض المطلوب من الإنقاذ، فتكون حين إذ شخصية المنقذ تتمثل في شخصية قادرة على (تأويل) الرؤيا حين يتبع الرائي تفسير المؤول ونصيحته، ليتم له الخلاص وتلوح له بوادر النجاة فقصة أحد المترفين الذين أراد الله سبحانه تنبيهه من غفلته وشهواته فأراه رؤية مفزعة جعلته يضطرب اضطراباً عظيماً. حتى تظهر شخصية المنقذ في صورة رجل من جيرانه أدرك شيئاً من تأويل الأحاديث والرؤى، فيؤول الرؤيا ويبعث بالتأويل إلى الحالم عن طريق شخص آخر لكي لا يستكبر إذا علم من هو المؤول وصاحب العلاج.. وبعد معاناة تصير حال الرجل إلى زهد وتقشف وحكمة وبصيرة تجعل الناس تستشيره في أمورها، حتى في يوم أتى (مفسر الرؤيا) ليسأل هذا الرجل الذي شفاه الله من غفلته على يديه بعد أن فسر له رؤياه، فتعجب الناس من ذلك، فأخذ الرجل يجيبهم: لا جرم فإني حين فسرت له الرؤيا أمس فقد كان ذلك تعليماً بشرياً أماً وصفته اليوم فهي تعليم ملكي( ).

 

ب. المحور الثاني: البنيات الصغرى للشخصيات

هيكل التحليل في هذا المحور، يتمركز على ماهية الأشخاص العوامل في الحكاية الصوفية، فمن الناحية المنهجية والنظرية وجد إن القصة عبارة عن مجموعة من الأفعال تقوم بها جماعة من العوامل يصل عددها إلى ستة وهي متوافرة في كل نشاط يقصد به التواصل مع متلق أو متلقين لاسداء رسالة ما إليهم، سواء أكانت هذه الرسالة ذات منحى فلسفي أم فني أم اجتماعي أم سياسي... وهذه العوامل هي:

 

الذات والموضوع

المرسل والمرسل إليه

المساعد والمعارض

ولقد ظهر هذا التصنيف على يد الناقد (كريماس) أثبتت صلاحيته في مختلف مجالات الحياة( )فالبطل العامل في القصة سواء أكان بشراً أم حيواناً أم شيئاً أم قوة خارقة، يكون فاعلاً وأساسياً في القصة من ناحية الكشف عن علاقات الشخصيات بعضها بالبعض الآخر( ) وهذا التصنيف لا يعني إقامة حد فاصل بين العوامل من حيث الوظيفة والدور، إنما نجد أن الشخصية التي يقع عليها الفعل تبقى مهيأة لتحفز لنشاط سلبي أو إيجابي فهي في معرض استقبالها لفعل مار هي تقوم بفعل آخر، هكذا تصبح الشخصية الواحدة فاعلاً وموضوعاً في الوقت نفسه( ) أي أن ثمة علائق يفرضها الفعل أو مجموعة الأفعال التي تضطلع بأدائها الشخصيات العوامل في القصة، من هنا كانت الدراسة الوصفية الأصلح منهجياً لتفكيك عناصر القص لأن المعايير الثابتة قد لا تتفق دائماً مع معطيات النموذج المحلل.

 

تتبدى ثنائية (الذات والموضوع) في الحكايا الصوفية الذاتية على نحو مخصوص يتمثل في أن الصوفي كائن له تجربة خاصة منفردة ليس بمقدور أي شخص آخر إدراك كنهها ما لم يمارس أو يعايش التجربة ذاتها. من هنا يبرز عامل (الذات) في شخصية (الصوفي) ذاته؛ فذاته هي المركز وتجربته الخاصة هي الشاهد والرهان والمحك.

 

والموضوع العام اللا متناهي والدرجات العلى التي يبغي الوصول إليها والاتحاد بها عن طريق معرفة جواهر الأشياء ورموز الكون. وأبجدية الخلق والقدرة. يتخذ له في هذه المعرفة وسائل (تساعده) على البلوغ هي في الغالب اصطناع أشخاص (معارضين) يظهر من خلال الحوار أنهم من دون مرتبة الصوفي ويتشوقون لارتقاء ما رقى، على أساس ذلك يتحد عامل (المساعد والمعارض) فهو وسيلة لإثبات الذات عن طريق خلق معارض أدنى مرتبة. وتظهر شخصية (المرسل) في أكثر من هيئة وهوية، ويكثر في القصص الصوفي، بعث شخص يستطلع أخبار الصوفي البطل، ونجد هذه الظاهرة في القصص الاسترجاعي أيضاً تتفشى هذه الموضوعة في كون (الرائي) للرؤيا مرسلاً استطلاعياً ينقل صفة الصوفي بعد مماته ثم يكون مرسلاً إلى الناس ليقص رؤياه ويحدثهم بصنيع الله تعالى به بعد مماته. وقد يكون الصوفي نفسه هو المرسل فيبلغ ما وصل إليه من معرفة تعذرت على الناس أسبابها والمرسل إليهم هم الناس كافة.

 

في القصص الموضوعي تكون (الذات) متشكلة في هيئة خارجية هي محور الأفعال ومالها، كأن يكون حيواناً أو مجموعة حيوانات، أو غريبين يلتقيان أو مدنيين... يتعرضون لخطر يهدد حياتهم وديمومة وجودهم يسببه مؤثر (موضوعي) خارجي غريب كالجزيرة التي هدد أمنها الغرباء الذين غرقت سفينتهم، وبيراست الحكيم ودفاعه عن الحيوانات بعد أن هدد الإنسان أمنها ووجودها. وأحياناً يكون الموضوع فكرة أو اعتقاد أو مذهب يكون الكفة المقابلة للذات في اتساق الفعل الذاتي مع المعيار الموضوعي (أخلاق، دين، فكر...) كقصة اليهودي والمجوسي مثلاً. وتكون الرحلة أو الانتقال هي الوسيلة لكشف العلاقة بين الذات والموضوع وفي القالب في هذه القصص يكون عامل (الذات) هو ذاته (المرسل) فهو الدلالة الوحيدة على صدق دعواه ومعتقده، والمرسل إليهم هم من تزجى لهم هذه النصيحة الأخلاقية، وتحدد شخصية (المساعد والمعارض) في ماهية المعتقد ذاته، والفعل الذي يجسد هنا الذي يتحدد من الوجهة النظرية. على أساس التطابق بين الإيمان والفعل.

 

في القصص الاسترجاعي تكون شخصية الرائي هي المرسل والمبعوث لاستطلاع أحوال الصوفي المتوفى، أو الرؤى التنبؤية، أما الذات فيها فهي شخصية البطل الصوفي ذاته في صراعها من أجل الوصول إلى المطلق والكمال ويبقى الموضوع دائماً هو حدود التجربة الفسيحة التي تبقى أكبر دائماً من كل الذوات المجربة، التي تشبه بالبحر الذي كلما ازددت منه شرباً ازددت عطشاً. (المرسل إليه) شخص متلهف لزرع الثقة في ذاته على صحة مذهبه ويكون (المساعد) في ذلك قوة التجربة ذاتها وقوة النفس في زهدها وتقواها وصدقها، (المعارض) يكون النفس الأمّارة بالسوء والضعف البشري المجبول عليه جميع الخلق. فيتحداها جميعاً ليصل إلى مبتغاه.

من هذا التشخيص يمكن –توخياً للإيجاز والتوضيح- أن نعد جدولاً عاملياً تتضح فيه الأدوار والشخصيات بحسب تصنيف (كريماس) السداسي. مطبقاً على الأنماط القصصية الثلاثة للقص الصوفي، وعلى النحو الآتي:

 

المعارض       المساعد        المرسل إليه    المرسل الموضوع      الذات   العوامل

الأنماط

رفيق أو سطوة النفس والشهوة       رفيق أو قوة المبدأ

=      المريدون وسائر الخلق شخص محاور أو وسائل مستطلع      نهاية الطريق الصوفي  الصوفي        القصص الذاتي

الأطماع قوة الحجة     حكيم بيده الحل أو حكمة بالغة للناس   مبعوث طائر أو حيوان إلى حكيم       إثبات قيمة فلسفية أو أخلاقية      حيوان أو مدينة أو أشخاص    القصص الموضوعي

القوة البشرية والشهوة صدق الاعتقاد بالزهد /الجوع/ التقشف حكمة يحصل عليها الرائي ويبلغها للناس       الرائي

 

=      صحة المبدأ والطريقة  الصوفي        القصص الاسترجاعي

جدول رقم (4)

أنماط القصة الصوفية والعوامل الستة

ملاحظة: علامة (=) دلالة تداخل علائقي بين عاملين متضادين.

 

إن محصلة ما يمكن أن يخرج به الباحث من فحص عمل الشخصية الحكائية في القص الصوفي باعتبار بنياتها الكبرى والصغرى البسيطة، هي التوكيد على أهمية دور الشخصية الفاعلة في القصة الصوفية شأنها شأن أنواع القص الأخرى، بناء على معايير منطق السرد ونمو القصة الذي يقرر أن لا فعل بلا فاعل، وتتأكد أهمية دور البطل الصوفي في حكاياته، عائد إلى أن تجربة التصوف تجربة ذاتية يمر فيها الصوفي بمراحل تدعى بالمقامات أو الأحوال فتتصفى روحه وتتصافى مع عالم الملكوت وتتجرد من عالم الناسوت.

 

لذا صار الصوفي أصل لذاته، نعم إنه أخذ التصوف عن مشايخه وأقطابه، لكن ليس بالضرورة أن يحط عند النقطة التي وقفوا عندها. من هنا اختلفت أقاويلهم وطروحاتهم حول الحلول، والاتحاد، ووحدة الوجود، والحب الإلهي... الخ. لأن التصوف ليست فكرة واحدة بل طريقة في التفكير تتمظهر بأكثر من هيئة ووسيلة.

أما عن تطابق مفردات المنهج المتبع في المبحث مع معطيات الشخصية الصوفية في الحكايات، فإن الباحثة سارت فيه على وفق منهاج الرؤية في الفصل السابق، في تغليب (النص) على القاعدة، لكون البحث يتعامل مع منجز حكائي خاص بمرجعيته الفكرية وتجلياته القابلة للتأويل، الأمر الذي جعله نسيج ذاته، وبيئته، وفكره، ودينه. وبعد تشخيص الاختلاف يتم فتح آفاق الدلالة لتبيان أسباب انزياح النموذج عن معايير المنهج.

والذي اتضح من خلال ما سبق، إن مفردات الهيكل القصي، تتم تأليفها على نحو سببي متوافق لا ترهل فيه في شخصيات ثانوية أو قليلة التأثير لذلك كانت القصة الصوفية في بناها الشخصية تشتمل على اختزال كبير في الأحداث وعرض المهم منه والمؤثر والمتعلق بحادث سبقه أو مهيأ لحدث قابل. استتبع ذلك اختزال في عدد الشخصيات الممثلة. الأمر الذي يدعو إلى التصريح بكثافة البناء القصصي وتراصفه لأجل الوصول إلى غاية القول، ومنتهى الحكمة.

أضيفت في 07/06/2006/ خاص القصة السورية / عن اتحاد الكتاب العرب

 

 

كيفية المشاركة

 

Hit Counter

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية