الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | معلومات النشر | من نحن | كلمة العدد

 دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

 

 

السابق أعلى

التعديل الأخير: 07/06/2008

عن الكاتبة

كتب                                  بنية السرد في القصص الصوفي3

 

 

تقنية الإيقاع الحكائي 

النظام الزمني 

آليات السرد القصصي 

 صيغة السرد

 نتائج البحث وأفق المستقبل

 

 

 

 

بنية السرد في القصص الصوفي3

المكونات والوظائف والتقنيات

 

بقلم الكاتبة: د. ناهضة ستار

 

الفصل الثالث آليات السرد القصصي

 

توطئة

محاور العمل في هذا الفصل، تنصب على الإحاطة بالكينيات التي اشتغل عليها نظام القصة في موضوع التصوف، بعد أن جرى تحديد مكونات البناء السردي، وتشخيص أساسيات المثال الوظائفي في القصة، فمحور الفصلين الماضيين كان (ماهية) الأركان السردي؛ المكونات والوظائف والشخصية. ليستقر بنا المقام هنا عند (كيفية) اشتغال هذه الأركان في نظام القصة على اعتبار أن للقصة نحواً وترتيباً منطقياً تخضع له آلية السرد فيها، ولأسباب فنية تذوقية استقبالية يحدث خللاً في هذا النظام النحوي القصصي فيقدم ما من حقه التأخير أو العكس، أو حذف ما يجب أن يذكر أو العكس... وهكذا. هذه (الكيفية) يتسنم النظر فيها والبحث في تمظهراتها إلى سطح النص، هو مبحث فحص آليات السرد في القصة، التي تركز النظر على دراسة العلاقات القائمة بين عناصر المتن الحكائي ووحداته الوظائفية بغية كشف أساليب السرد وأنماطه وصيغه التي تشتغل بها في إجراء مضمون الحكاية. استناداً إلى حقيقة كون الحكاية وصلت إلى مستقبلها وهي (أحداث) (مروية) أي أفعال ووظائف لها صيغة سرد خاصة تختلف من راوي إلى آخر فضلاً عن اختلاف الرواية من راوٍ واحد، من وقت إلى آخر وفي ظرف إلى غيره. هذه النسبية تجعل للحكاية، من أي صنف كانت. ذات خصوصية مائزة لها من سائر الأصناف الأخرى. حيث تمثلت في ذات الصوفي، المؤلف جملة ركائز (أراد) إزجاءها في القصة وعليها تركزت جهوده في توجيه الجملة وتتابع الأحداث وتوظيف الشخصية لخدمة تلك الأهداف.

من هنا نجد أنفسنا أمام حقيقة أن المؤلف وغاياته وأهدافه هي الأساس في توجيه العناصر اللسانية في النص. فالمؤلفون هم (الذين يقررون أو يسألون أو يفصحون عما في أنفسهم، وأن الأفكار والعلاقات هي أساس حالات إتباع الإجراء، التصنيف، ما أشبهها وليس التراكيب النحوية هي أساس ذلك، لهذا لا يمكن للتقسيمات المعتادة للجمل أن تمدنا بوسائل تصنيف للنصوص بوصفها وقائع في سياق التفاعل الاتصالي)( ). وبما أن أهداف المؤلف القبلية هي الموجهات الأساس للمنهج التأويلي في النقد، لذا نسير هنا على وفق ما انتهجته نهج الرسالة في فصولها السالفة، أن نبدأ بالهيكل وننتهي بالدلالة والتأويل، لكي نحتاط من مهاوي الوقوع في الذاتية وسوء التأويل ولي النصوص إذا ما فقدنا عدة (المؤوِّل) التي ينبغي أن تكون واسعة وشاملة، وعميقة، وموضوعية. لهذا جاء موضوع هذا الفصل حلقة منطقية مكملة للمكونات التي سبق الحديث عليها في الفصلين السابقين. الذي جرى تقسيمه منهجياً إلى المباحث الرئيسة المبينة:

الأول تناول النظام الزمني في الحكاية الصوفية، وجرى فيه الفصل بين مفهومي (زمن الحكاية) و (زمن السرد)، وأهمية (الترتيب) في دراسة العلاقة القائمة والجدلية بين زمن الحكاية وزمن النص. بخطيها الاسترجاع الداخلي للأحداث وبين الاستشراف والسرد اللاحق ثم الثاني يتركز على دراسة تقنية الإيقاع الحكائي من خلال تتبع تدرجات ترتيب الأحداث وتواليها وما يعترضها من خلاصة أو استراحة أو قطع أو حوار مشهدي..

ثم المبحث الثالث في صيغة السرد في القصة الصوفية، التي تظهر الحكاية المروية في شكل قصة أي كشف صفات المبنى الحكائي وكيفية تقديمه لمتنه الحكائي بمعنى الطريقة التي تحول الخبر السردي إلى قصة، من خلال مصطلحات المسافة والمنظور وأنماطه. من خلال طروحات مناهج النقد السردي، وبخاصة البنائي الفرنسي جيرار جينيت، في خطاب الحكاية، والعودة إليها، ونظرية السرد من وجهة النظر إلى التبئير.

 

 

 

المبحث الأول النظام الزمني

 

 

1-زمن الحكاية وزمن السرد:

تقف موضوعة البحث في تقنية النظام الزمني في القصة أو الرواية أو الأنواع السردية الأخرى، على جانب من الأهمية تشخص من خلالها عوامل متعددة تعطي بمجملها خصائص العمل ذاته ومنتجه أيضاً ثم علاقة الاثنين معاً بالمتلقي ومستوى إدراكه واستقباله.

فهي تكشف عن ذكاء القاص أو السارد في (إدارة) سرد الحكاية التي وصلت إليه بشكلها التجريدي غير الفني، فيضفي –بسرده الخاص لها- عليها روحاً جمالية فنية تأثيرية من خلال التنويع في وحدات القصة وترتيبها المنطقي تبعاً لتسلسل أحداثها في الواقع. من هنا مثلت أهم مفردة في بحث تقنية النظام الزمني في القصة هي سمات التمايز بين زمنين في القصة هما:

-زمن الحكاية

-زمن السرد

والأمر هنا ليس بجديد؛ فكل دراسة تعرضت لنقد القصة أو الحكاية أو الرواية لا بد أن يكون لها حضور في معرفة حدود هذا التمايز بين الزمنين والذي عرف بـ مشكلة الزمن في القصة. الأمر الذي يقود إلى إيضاح الفرق بين الزمنين المذكورين، فزمن الحكاية منطقي رياضي يسير فيه الزمن على وفق الترتيب الميقاتي للأحداث، فكما لا يكون البطل في مكانين في وقت واحد، وبنفس الشيء لا يمكن أن يسرد عدداً من الأحداث في وقت واحد إلا في فنية السرد الروائي الحديث. وزمن الحكاية هو زمن تاريخي واقعي كالزمن في الجملة النحوية: فأنت في التركيب النحوي لا يجوز لك أن تقول: آتيك أمس، أو جئتك غداً، أيضاً في زمن الحكاية لا يجوز القفز على الحدود الزمنية المنطقية للأشياء فالطلاق لا يحدث إلا بعد أن تكون رابطة الزواج... وهكذا.

أما زمن السرد أو زمن القصة، فلا يفترض احترامه لتسلسل الزمن الميقاتي الذي جرت فيه أحداث الحكاية، بمعنى أنه يتجاوز على (نحو) الزمن التاريخي بأساليب متعددة كاستباق الأحداث المستقبلية أو استرجاع ما مضى عند طريق الوعي أو الرؤيا... الخ فهذا كله لعب فني بزمنية الأحداث الحكائية ولهذا اللعب أهداف جمالية وفنية لولاها لما تمايزت أساليب القصاص والروائيين والساردين بكل أشكالهم وفيه يكمن ذكاء السارد وحسن إدارته لمفردات الحكاية حتى تؤدي هدفها التأثيري الايصالي الجمالي.

على اعتبار ذلك انطلقت رؤية البنائيين إلى قضية الزمن في القصة، من حقيقة الاختلاف بين الزمنين لما لها من أثر على الفاحص النقدي في تأثير عناصر التمايز والتمييز من قاص إلى آخر ومن روائي إلى آخر. حين يسردان حكاية واحدة: والحق أن الدواعي الفنية التي يجدها السارد في ضرورة كسر التتابع الطبيعي للأحداث، لا تتعارض مع أمانة الكاتب أو المؤلف في عرض الأحداث كما وقعت في واقعيتها، فهو يعيد تشكيل الحدث الحكائي بطريقة لافتة، مثيرة، تبعث استجابة جمالية عند متلقيها( ) ، لأن الترتيب المنطقي للأحداث يضفي عليها روحاً من الرتابة بسبب واقعيتها الشديدة، والتذوق لأي جميل لا يتم إلا بإيقاظ ملكة التخيل والإدهاش وروح المتابعة والترقب، يخلقها جميعاً عنصر خلخلة الترتيب المنطقي لجريان الأحداث.

وحين يصب التحليل التقني لأنماط السرد في القصة في تكوين كلي يضع أصول ومحددات نظامها السردي الذي اتبعته القصة في إجراء مضمونها في خطاب لساني معين وله تأثير. على هذا ترتب وضع مفاهيم موحدة لثلاثة مظاهر سردية تعرض لها (جينيت)( ) حين شرع بالبحث في المعاني المتعددة لكلمة (قصة) في اللغات الأوربية، كي يستخلص منها ما يشير إلى (النص) بمفهومه الشامل والدقيق فكانت المظاهر تلك( ):

-الحكاية       وهي المضمون السردي أي المدلول.

-القصة        وهي النص السردي أي الدال.

-القصّ         وتطلق على العملية المنتجة ذاتها، وعلى مجموعة المواقف المتخيلة المنتجة للنص السردي.

ومنها استخلص، أن عملية التحليل وموضوعها يتركز في فحص العلاقة ودراستها بين الحكاية والقصة، وبينها وبين عملية القص، وعلى أساس ذلك دعا (جينيت) إلى تعديل ما اقترحه قبله (تودوروف) حين اقترح دراسة القصة على وفق المستويات الآتية هي: الزمن والمظهر والصيغة( ) إلى المستويات الآتية: الزمن، ويشير إلى دراسة العلاقة بين القصة والحكاية والصيغ، أي الكيفيات والأشكال السردية. ثم الصوت ويعني به الطريقة التي يتدخل بها كل من المرسل والمتلقي في عملية السرد

أي أن الزمن والصيغ    يشير إلى علاقة القصة بالحكاية

أما الصوت        يشير إلى العلاقة بين القص والحكاية والقصة.

على وفق التحديد الذي حدده قبلاً لكلمة (قصة).

من هنا كانت دراسة البنية الزمنية للنص السردي تتمركز على مستويين: زمن الشيء المحكي، وزمن السرد ذاته، أي زمن المدلول وزمن الدال، وبين الزمنيين تداخل وترتيب وانحراف عن الترتيب بحسب مقتضيات عملية القص وأهداف المؤلف أو السارد وما يستغرق سنوات من حياة البطل لا يأخذ من مساحة النص جملتين أو أكثر. وعلى زمن السرد يتحدد زمن النص، وهو الوقت الذي نستغرقه في قراءة النص( )، ويعتمد أساساً على زمنية النص لأنه الزمن المتجسد في النص، أما الزمن الحكائي فهو زمن فالت من الزمام، زمن متخيل يقع في عهده السارد في صحته أو دقته أو عدمها. أما زمن النص أو السرد فهو مجسّد لساني في النص مرصوف في كلمات وجمل وتراكيب لغوية تحمل مداليل معينة. وحيث ما أمكن فحص مستويات زمن النص الثلاثة من: الترتيب والاستمرار والتكرار أمكن أن نقف على البنية الزمنية للقصة، والتي من دونها (يقتل) النص- على حد تعبير جينيت-( ) .

من هنا تجيء أهمية البحث في البنية الزمنية للقصة لأنها مجلى (حياة) النص وديمومة تأثيره في مختلف الأوقات والأزمنة في مختلف الأذواق والعقول والانتماءات.

في القصة الصوفية، فعل زمني، وحضور لهذه الجدلية المهمة بين زمن الحكاية وزمن السرد. ولا أدعي تفوق القصة الصوفية في هذا الجانب البنائي المهم، إنما لقد تمثلت فيها مجمل مستويات البنية الزمنية في السرد وإن لم تبلغ تقنية الرواية الحديثة، أو القصة الحديثة وتلك موازنة ضيزى، فلكلٍ عصره ودوافعه، وأهدافه وأساليبه وثقافته، ومعطياته التي إن اتفقت في سياقها الإنساني العام فلا تتفق في تفصيلاتها المتعددة المتباينة. ولا يعني هذا –بحال- إن التفكير الفلسفي في موضوعة الزمان، أو تجسداته في النصوص الحكائية للمتصوفة أو عند من سرد عنهم، لم يكن ذا حضور وعناية من لدنهم، بل إن الصوفي على وجه الخصوص، يمتلك إحساساً عالياً بالزمن( ) فيما يتعلق الأمر بتجربته الصوفية خاصة، فهو في حقيقة الأمر يحيى بين الناس متوزعاً بين كينونتين: كينونة مادية محسوسة أنسية تمارس ما يمارس الناس من حولها لديمومة أسباب الحياة. وكينونة أخرى غير محسوسة روحية تجوس عوالم لا تراها إلا هي بعين القلب لا بالعين الباصرة. وهنا جوهر عناء المتصوفة ومشكلته مع مجايليه؛ إنه يعيش بتجربة يعيها تماماً ويعيشها كأنها موجودة بينما الناس تجد ذلك محض خرافة أو وهم أو مبالغة وانحراف.

من هنا كان المتصوف يحيى في زمنين: زمن خاص مفتوح ينفتح فيه على ما مضى والآن والآتي، وزمن عام مغلق محدد بمواقيت السنين والأشهر والأيام والساعات والليل والنهار.

2-الترتيب:

منطق الأشياء والأحداث يخضع لقوانين الزمن الميقاتي: الماضي، الحاضر، الآتي. فهل يفترض بالقصة –من منحى الدراسة الزمنية- أن تسرد على وفق ترتيبها الزمني الطبيعي؟ جواباً على ذلك، يجب التأكيد على حقيقة أن القصة لا وجود لها من دون صورتها المروية المسرودة. هذا الشكل المروي للحكاية الأصل لا ننتظر أن يمنحنا صورة طبق الأصل عن الحكاية الأصل. فتلك حال مثالية نموذجية لا وجود حقيقياً لها فزمن الحكاية زمن كاذب –على تعبير جينيت- يقوم مقام الزمن الحقيقي وعد هذا الزمن الكاذب هو من متطلبات اللعبة السردية التي كلما كان الزمن فيها افتراضياً، كان للقصة أن تكون فناً( ).

وإن وجد، فإن القصة تصبح بلا قيمة فنية أو تأثيرية. ولا يتخلق ذلك البعد النسبي الاختياري الذي يؤهل الأعمال القصصية للموازنة والمقارنة. فمن جهة أخرى، يكشف هذا (اللا ترتيب) في القصة عن أهمية دور الراوي في إدارته لأحداث القصة وتوجيهها بما يخدم غايات القص، كأن يقوم الراوي بـ (كسر زمن قصة، أو يكسر حاضر هذا القص، ليفتحه على زمن ماضٍ له، وقد يكرر الراوي هذه اللعبة، فيكسر زمن القصة أكثر من مرة... ويداخل بين الأزمنة كي يحقق غايات فنية منها التشويق، والتماسك، والإيهام بالحقيقي)( )، ومما يجعل هذه العملية ميسورة السبل أمام الراوي فهو يستخدم تقنيات خاصة تكون مقنعة للقارئ حين يجعل الشخصية التي تعيش حاضراً ما تتذكر حادثاً، أو أمراً وقع لها في الماضي أو تضمين أحداث تاريخية تورد لتدعيم حقيقة أو شهادة على موقف.

من هنا، يبرز مستويان من الترتيب( ):

الترتيب الأول: مستوى الوقائع، وهو ترتيب الأحداث كما وقعت تاريخياً.

الترتيب الثاني: مستوى القول: وهو الذي يرتأيه الراوي أي الوقائع التي وصلت إلى القارئ من خلال وجهة نظر الراوي والخلاف بين الترتيبين قائم، لأنه في حالة غلبة المستوى الأول على القصة فإنها تتحول إلى تسجيل تاريخي حرفي للوقائع وهذا ليس وكد القاص أو الراوي فقط إنما غايته تسجيل ما يؤثر ويفيد ويمتع، وإذا ما أردنا تقصي مستويي الترتيب في القصة الصوفية، تلجأ إلى قراءة قصة صوفية في مستواها الوقائعي ومستواها القولي ليستبين لنا الفرق بين المستويين وأيهما الذي يمثل صورة القصة الحقيقية. ومثالنا في ذلك قصة إبراهيم الخواص الصوفي والنصراني( ).

3-القراءة الوقائعية

كان إبراهيم الخواص في سفر فلقي نصرانياً اصطحبه في رحلته، وحين أخذ التعب والجوع منهما مأخذاً أراد النصراني اختبار المسلم في استجابة الله تعالى لدعوة المسلم إذا سأل الله طعاماً، فسأل الله الخواص فأنزل الله تعالى عليهما طعاماً، ثم بعد مدة بادر الخواص ليمتحن النصراني ويسأل ربه العطاء فآمن النصراني وأيقن بمكانة هذا الصوفي وصحة معتقده، فأنزل الله تعالى طعاماً ضعف ما أنزل في المرة الأولى، فالوقائع في هذه القصة تشير إلى وظائف سردية معينة فيما كانت على وفق وقوعها الطبيعي ويمكن إيجازها على النحو الآتي:

1-الصوفي والنصراني اصطحبا في سفر.

2-اختبار النصراني لصحة معتقد الصوفي المسلم.

3-تحقق الاختبار واستجاب الله لدعاء المسلم.

4-أسلم النصراني.

5-المسلم يختبر النصراني.

6-يتحقق الاختبار، فيأتي العطاء مضاعفاً.

7-يخاف المسلم ويداخله الشك.

8-يأتي الحل بمعرفته بإسلام النصراني.

4- القراءة النصية:

الراوي في هذه القصة يلجأ إلى زحزحة مواقع بعض الوقائع ليحقق أهدافاً تشويقية مثيرة. كان يستخدم الوصف للتأكيد (حكي عن إبراهيم الخواص قال: دخلت البادية مرة فرأيت نصرانياً على وسطه زنار فسألني الصحبة) فعبارة (على وسطه زنار) وصف وضع ليس اعتباطاً فسوف يأتي دوره في نهاية القصة. ثم يفسح مجالاً من الأيام يختزلها في كلمتين (فمشينا سبعة أيام فقال لي يا راهب الحنفية، هات ما عندك من الانبساط فقد جعنا، فقلت إلهي لا تفضحني مع هذا الكافر...) فجعل الراوي صيغة الحوار المشهدي هي تمثيل طبق الأصل لصورة الواقعة ذاتها حين تخاطب الاثنان. (فرأيت طبقاً عليه خبز وشواء ورطب وكوز ماء فأكلنا وشربنا ومشينا سبعة أيام) وعودة إلى الرقم سبعة رغبة في جعل الاختبار للبطلين متكافئاً (ثم بادرت وقلت يا راهب النصارى هات ما عندك فقد انتهت التوبة إليك) وهنا يحدث (قطع) فعند نزول الطبق يسكت الراوي عن ذكر أي رد فعل من النصراني على هذه المعجزة ليرجئها إلى نهاية القصة. (فاتكأ على عصاه ودعا فإذا بطبقين عليها أضعاف ما كان على الأول وقال فتحيرت وتغيرت وأبيت أن آكل) هنا عودة إلى الحوار وتحقق الاختبار (فالح علي فلم أجب فقال: كُلْ فإني أبشرك بشارتين أحدهما أني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله وحلّ الزنار، والأخرى أني قلت اللهم إن كان لهذا العبد خطر عندك فافتح علي بهذا...) فأتى بسبب ذكر الوصف ودور الزنار في القصة، ثم استرجاع حدث وقع قبل هذا الحوار أدى إلى حيرة الصوفي وشكه.

التقنيات المستخدمة في هذه القصة تنوعت بين الحوار والوصف واستباق الأحداث والموازنة الزمنية بين فترة اختبار المسلم وفترة اختبار النصراني، وهي سبعة أيام، ولا يخفى لما للعدد(7) من رمزية خاصة لها دلالاتها الدينية والأسطورية والنفسية في النفس البشرية لمختلف أجناسهم شأن عدد (40) أو

(70) أو غيرها، كما استخدم الراوي تقنية الاختزال والقفز... بغية التركيز على الأحداث الرئيسية واختزال الوقائع الممهدة.

هذه القصة من نمط (الكرامة) التي تظهر على شكل تعبير فني ونتاج أدبي من لون معين يحكي دون أن يحلل، وهي بذلك -المتصوفة- قد خلفوا نوعاً أدبياً وأسلوباً جديداً في التراث الأدبي يحتاج إلى دراسة مطولة لأنهم عالجوا مأساة الإنسان ووجوده على الأرض عن طريق (الكرامة) في لغة رمزية تهم بني الإنسان جميعاً( ).

في القصص الموضوعي نلحظ أن تقنية السرد في ترتيب الأحداث تكون أعلى لأن المجال التخييلي فيها أوسع، وحرية الراوي في إدارة الوقائع التي لا تشترط واقعاً فعلياً طبيعياً الذي إن قصرت في سرد أحداثه تكون غير أمين في السرد لأن السرد في القصص الذاتي قريب من نمط السيرة الذاتية التي يكون فيها طابع (التسجيلية) هو الأسلوب المهيمن في السرد. لذا نجد في قصة (اليهودي والمجوسي) التي حللنا مثالها الوظائفي في الفصل السابق، استخدام تقنيات سردية متعددة يتم من خلالها الكشف عن أخلاق كل من المتصاحبين.

وأكثر ما اعتمد فيها هي تقنية استباق الأحداث حين يعرف كل منهما أصول مذهبه؛ فاليهودي يعتقد بوجود إله في السماء يطلب منه الخير لنفسه ولا يفكر في من خالفه بل يحل له دم مخالفه وما له ولا ينصر أحداً أو ينصح أو يعاون أو يرحم أو يشفق، أما المجوسي فمذهبه يعتقد بحب الخير للنفس وللناس ويكره السوء لغيره لأصحابه أو مخالفيه وإن الله عادل حكيم خبير يجازي بالإحسان إحساناً ويكافأ المسيئين على اسائتهم( ). هذا التشخيص لأصول كلا المذهبين إنما هو استباق يشعر بأن ثمة وقائع آتية ستثبت صحة ذلك، وتتم هذه الوقائع في سفره، وسبقت الإشارة إلى أن السفر (النأي) وظيفة سردية أساس هيمنت على القصص بأنماطه الثلاثة. هذا فضلاً عن أن الترتيب في الوقائع بلغ درجة المطابقة مثلاً في تقنية المشهد أو الحوار، فالزمن الذي يستغرقه المتحادثان في الحوار هو ذاته الزمن الفعلي مقاساً بالكلمات والجمل. سواء أكان مضمون الحوار حقيقياً أم متخيلاً. أما في القصص الاسترجاعي من رؤى ومنامات، فإن اللعبة الزمنية تكون في أوجه تطورها، لأن الرؤيا أساساً هي فعل لا زمني داخل الزمن أي هي خروج الروح من إطار الزمنية إلى مطلق اللا زمنية واللا حدود.

على هذا الأساس فإن الترتيب السردي في القصة الصوفية يتدرج بحسب بعد الحكاية عن التسجيلية والواقعية، فتطور البنية الزمنية في القصة الصوفية يكون في المرتبة الأولى القصص الاسترجاعي –ثم الموضوعي- ثم الذاتي، الذي هو أقلها تطوراً وتعقيداً في قضية الزمن لأنه فن أقرب إلى التسجيل الذاتي للتجربة. وكلما اتسع مجال الخيال أمام الراوي، كان ذلك ادعى إلى تقنية أعلى وأكثر تعقيداً وتنوعاً.

ففي المنامات والرؤى أن يكون الرائي –في مدة رؤياه- هو في زمن الحاضر، أما رؤياه فهي ضمن زمن المستقبل. وهو ليس المستقبل القريب بل البعيد الذي يصل إلى يوم القيامة والحساب. من هنا كان مبدأ الرؤيا سردياً يتناول حال الراوي قبل انتقال اللا وعي إلى المستقبل، فيبدأ الراوي بوصف حاله (قبل الرؤيا) تمهيداً لتأويل دلالات الرؤيا بفعل وضع مهيمنات الوقائع في الرؤيا الناتجة عن حالة نفسية أو ظرف عسير يَعْتَوِرُ حال الرائي لنفسه، أو من يرى لآخرين رؤى ومنامات( ). هذا الأسلوب في نقد البنية القصصية قريب من مفهوم (استباق الأحداث). فهو يهيئ القارئ نفسياً لاستقبال حدث أو واقعة ما، يعطيك مفاتيحها في استهلال الرواية، كما يحدث من صور لـ (حديث النفس) لنفسها من الصوفي عن صحة مذهبه وطريقته فتأتيه الإجابات رؤى على لسان متصوفة كبار توفاهم الله تعالى وهي في الغالب إجابات إيجابية تدل على (صحة) الطريقة الصوفية وترغيب الاعتدال فيها وفي سلوك طرائقها( )، وفي البعض الآخر من المنامات تبدو فيها الصياغة الفنية جلية في ترتيب الأحداث كما نجدها في رؤيا (الوهراني)- التي سبقت الإشارة إليها في الفصل السابق- إذ اشتملت على اشتغال زمني ترتيبي جاء على المحاور الآتية:

1.صوت الراوي هو شخصية موضوعية (مؤلف) ينقل عن رائي الرؤيا، فزمنه حاضر قريب إلى زمن المروي له بل يتطابق الزمنان.

2.استهلال يمهد لدلالات الرؤيا بوصف حال الرائي (ولقد فكر الخادم ليلة وصول كتابه إليه في سوء رأيه فيه، وشدة حقده عليه، وبقي طول ليلته متعجباً من مطالبته له بالأوتار الهزلية... وامتنع عليه النوم لأجل ذلك هزيع من الليل ثم غلبته عينه بعد ذلك فرأى في ما يرى النائم..)( ).

3.يصل إلى الجزء الأكبر والمهم من الرؤيا وهو رواية استرجاعية لما رؤي في المنام ولكن بلسان الرائي الذي أصبح الآن الرائي/ الراوي يتحدث بلغة الآن.. (فخرجت من قبري أيمم الداعي إلى أن بلغت إلى أرض المحشر وقد الجمني العرق...) من هذه النقطة يبدأ (زمن آخر) غيبي جرى في اللا وعي ساعة نوم الرائي، عن (زمن) هو غاية الأزمان المستقبلية (يوم القيامة) وهذه مركزية الفكرة الزمنية في الرؤى والمنامات وبقدر ما يوفق الراوي في توظيف عناصرها بشكل مقنع يرتفع بالنص إلى المستوى الفني، وكذلك هو حال الوهراني في هذه الرؤيا فعلى مدى (43) صفحة تجري وقائع الرؤيا فتنقطع الصلة بين الرائي والراوي والزمن الحاضر ولحظة النوم، ليسرد أحداث المستقبل كما يصورها اللا وعي.

4.العودة إلى الزمن الأول –ما قبل الرؤيا-، تتم بفعل صياغة لغوية متقنة تتضمن انتقالاً موفقاً إلى عالم الوعي: (فبينما نحن في أطيب عيش وأهناه، وإذا نعمة عظيمة قد أقبلت وزعقات متتالية وأصحابنا يهربون فقلنا: ما لكم؟ قالوا علي عليه السلام قد أخذ الطرقات على الشاميين وجاءنا سرعان الخيل فيها محمد بن الحنفية يزأر... فلما انتهى بنا صاح بنا صيحة عظيمة هائلة، أخرجتني من جميع ما كنت فيه فوقعت على سريري فانتبهت من نومي خائفاً مذعوراً...)( ).

هذه الانتقالة السريعة التي حدثت فيها العودة إلى زمن الوعي تمت بمجرد مغادرة الزمن الأول في اللا وعي (الحلم)، جسدتها جملة بسيطة (أخرجتني من جميع ما كنت فيه ووقعت على سريري...) ففي جملة مكثفة أمكن فيها التخلص من زمن والعودة إلى الزمن الطبيعي الذي هو أيضاً غير زمن القراءة.

بناء على ما سبق، يمكن أن يقف الباحث على حقيقة أن عنصر (الترتيب) في بنية القصة زمنياً هو محض خرافة، إذا ما أريد به تتبع الحدث أو الواقعة الحكائية تفصيلاً وبتسجيلية مقننة ناقلة للواقع كما هو؛ فالقصة –على الورق- لها مقتضياتها القرائية التي يسير الراوي على وفق نتائجها التأثيرية وليس محكوماً بنقل حرفية الوقائع الحكائية التي تؤدي نقلها حرفياً –على عسر هذه المهمة- إلى سذاجة الطرح، وبدائية التفكير عند ذلك تصبح كأنها قصة موجهة للأطفال الذين يجدون رغبة في تقصي التفاصيل الدقيقة لأحداث القصة وشخصياتها، ويجدون صعوبة في الالتفات إلى الحدث أو الربط بين الواقع والحلم أو الوقائع المسترجعة أو المسترجعة التي يقتضيها فن القص الأدبي المؤثر.

في فقرة سابقة تم الربط بين (نحو الجملة) و (نحو القصة)، الأمر الذي أدى إلى تطور كبير لحق نقد القصة الحديثة، ففي هذه المسألة الزمنية للقص، أيضاً يظهر الأثر النحوي في تقنية القصة وروايتها، فلو أخذنا على سبيل المثال الأثر البلاغي الذي يحدثه، (التقديم والتأخير) في تركيب الجملة النحوية( ). هو كبير الشبه مع بنية (الاسترجاع) و (الاستباق) والاستشراف في القص من الناحية الزمنية فالهدف التسجيلي الساذج عند القص يقابل منطقية الوضع الأولي لأركان الجملة. قبل أن تلحقها أساليب التقديم والتأخير والحذف والإضمار والتعريف والتنكير وغيرها. فنجد في تقنية القص –فضلاً عن الاسترجاع والاستباق- شيئاً يدعى بالاصطلاح النحوي بحذف ما يستغني عنه من الكلام لإفهام السامع. أو ما يعد من فضول الكلام لا يحتاج إليه في إفهام السامع المراد من الكلام.

فنجد في القصة هناك الكثير من المواقف والوقائع الثانوية لما يستغني عنه السامع ويسأل إذا ما بالغ القاص في تفصيل الحديث فيها. وهذا كثير في القصة الموجهة لهدف ما، كما هو حال القصة الصوفية التي تعنى بهدف أخلاقي مذهبي معين أو فلسفي عام.

ففي حكاية عن (إبراهيم الخواص) الصوفي، إن رجلاً ضريراً يدنو من جماعة من الناس يتداولون الآيات القرآنية في مسجد النبي ()، فتقدم إليهم وقص لهم حكايته (اعلموا أنه كان لي صبية وعيال وكنت أخرج إلى البقيع احتطب، فخرجت يوماً رأيت شاباً عليه قميص كتان ونعله مرقوع من إصبعه، فتوهمت أنه تائه فقصدته أسلب ثوبه، فقلت له انزع ما عليك فقال: سر في حفظ الله. فقلت الثانية والثالثة فقال: لا بد، قلت: لا بد فأشار بإصبعه من بعيد إلى عيني فسقطتا...)( ).

فأنت تجد، إن لجوء الراوي إلى التقنيات الآتية تقف دليلاً على أن نظامية الترتيب في النظام الزمني في القصة غير موجودة بل إن عدم وجودها هو في صالح فن القص:

1.قص حكاية الرجل الضرير للجماعة كان (استرجاعاً) لما حدث في واقعة سابقة.

2.(ذكر قميص الكتان) والنعل، والتوهم بأن الرجل تائه كلها تدل على (استباق) الأحداث لتكوين تصور عن الشاب أدى إلى حدوث فعل كان المحفز له هو الفكرة التي استبق فيها الراوي الأحداث ليكون تصوراً خاطئاً عن الرجل.

3. حذف ما يفهم من السياق حتى لا حاجة للتكرار في عبارة (فقلت الثانية والثالثة) أي إن الواقعة تكرر فيها قول (انزع ما عليك) ثلاث مرات، فعوض عنها الراوي اختصاراً، بـ (الثانية والثالثة) تأسيساً على ذلك، فإن فنية القص الأدبي، لا بد لها إن تتعارض مع قانون الترتيب المنطقي، فالتعارض معه يؤدي فائدتين:

الأولى: خلق نسبية الطرح القصصي للحكايات وبذلك يتخلق التمايز والتميز بين الرواة المتعددين لحكاية واحدة وهذه بنية أسلوبية وبلاغية.

الثانية: اجتذاب تذوق القارئ أو المروي له وكسب حسن تلقيه للنص بفعل تقنيات النص ذاته وتكثيف الوحدات اللغوية لتؤدي معنىً كبيراً.

 

 

 

 

المبحث الثاني تقنية الإيقاع الحكائي

 

 

إذا كان الإيقاع مصطلحاً نقدياً ترى آثاره على صعيد الصوت والتركيب والأعاريض والقافية في الشعر، فإن الإيقاع في فن القصة له شأن آخر. يتجسد في تقنية حكائية مخصوصة أو جملة أساليب إجرائية متعددة قد تتجسد كلها في النص أو بعض منها، تخلق إيحاء عند المروي له (القارئ) إن ثمة سرعة سردية قد تتناسب أو تختلف وتتعارض بين زمن الحكاية وزمن القصة. هذه السرعة المتفاوتة هي في الاصطلاح النقدي عند جينيت تدعى بـ (المدة)( ) والتي تعني قياس المدة التي يستغرقها الحدث الحكائي في الوقوع، مع مدة القصة التي تروي تلك الحكاية. وتلك مسألة متفاوتة ونسبية بسبب إن القرّاء يختلفون في طرائقهم الأدائية في القراءة أو الرواية بهذا لا يمكن قياس سرعة زمنية واضحة المقاييس فضلاً عن فقدان درجة الصفر أو النقطة المرجعية( )التي كانت في حالة الترتيب تزامناً بين المتتالية الحكائية والمتتالية السردية، ما عدا في حالة (المشهد) التي تصور ناقلة حواراً بين شخصيات الحكاية ففيها الزمن المعبر عنه بكلمات الحوار هو ذاته الزمن المستغرق في الواقعة الحكائية والتي سيفصل الكلام فيها لاحقاً.

والحق، إن افتراض قياس السرعة السردية بين الحكاية والقصة له افتراض يتعذر تطبيقه لأنه في حاجة إلى قياسات مختبرية لحساب المدة المستغرقة لحدث معين مع طريقة قصه بالكلمات يصدق الأمر في حالة التمثيل المسرحي حين يتم استحضار المكان وتخيل الزمان الواقع فيه الحدث (عن طريق الديكور والملابس) والحدث مسروداً على لسان الشخصيات الحية على خشبة المسرح، فالحدث يساوي القول زمنياً. أما القصة المقروءة أو المروية فإن قياسها متعذر فكان إن استقصى الناقد البنائي مجموعة تقنيات تعمل منفردة أو مجتمعة، في تحقيق إيقاع حكائي عن طريق السرد، من خلال استثمار الإمكانات السردية ذات البعد الزمني الذي يجعل من القص أسلوب قريباً من (التمثيل) والمشاهدة لكي يتقرب أو يتداخل زمن القص مع زمن التلقي، فصورة (المشهد) حواراً بين الشخصيات له بعد زمني متطابق مع زمن الحكاية، ودلالة الوقفة أو الحذف والإجمال كلها وسائل تقنية تؤشر ارتفاع أو توسط أو انخفاض إيقاعية السرد تحقيقاً لأغراض متعددة يهدف إليها السارد. وكعهدنا في الفصول السابقات، في توخي الجانب الدلالي أو الإشاري الذي يبعث على توجيه أي من مكونات السرد أو تقنياته أو وظائفه.

فسيكون لهذا المبحث عناية مخصوصة بالجانب الدلالي الذي يبعث على التقلب بين إيقاعات زمنية للسرد ولا سيما إن القص الصوفي –بفضل مرجعيته الدينية والفكرية وطريقة المتصوفة في النظر إلى قضايا الوجود والدين والإنسان –والقاص الصوفي معني بقضية الزمن بشكل مخصوص( )بفعل رؤيته الخاصة والمختلفة.

تتأتى صعوبة البحث في ماهية (المدة) في زمن القصة، من تعذر وضع قياس محدد ودقيق بين المقطع الحكائي والمقطع السردي، الأمر الذي يكون أيسر في المسرح وفن التمثيل. بناء على ذلك صير إلى القول بـ (التواقتية)( ) بوصفها طريقة أو كيفية يقاس بها ثبات السرعة أي العلاقة بين قياس زمني وقياس مكاني، فتحدد سرعة الحكاية بالعلاقة بين (مدة الحكاية) مقاسة بالساعات والأيام والشهور والسنين، وبين (طول النص القصصي) المقيس بالسطور والصفحات، وعلى الرغم من صعوبة ذلك لأن القضية في حاجة إلى مقياسٍ للسرعة خاصٍ. إلا أن الاعتماد على مفهوم التواقتية سيمنح البحث في زمنية القصة بعداً قريباً من الواقع الحكائي.

في تجربة التصوف موقف من الزمن يظهر ضمناً في الأحوال والمقامات الصوفية من تسامٍ روحي وفناء وتوحد والعشق الإلهي والإشراق... كلها لها موقف ضمني من الزمن هو الشعور بـ (اللا زمن) حين يرتقي الإحساس والحدث فوق الحواجز المادية من نفس ومكان ومحددات الزمان الميقاتي يصبح الصوفي إزاء إحساس لا زمني يقع في نقطة الصفر وكأنه يحيى في مركز الكون.

مسألة الزمن الصوفي تبقى من القضايا المهمة والطريفة وجمع من المصادر عرجت على موضوعة الزمن الصوفي.

فضلاً عن أن الركون إلى مؤشر آلي يقيس مدة القصة ومدة الحكاية، يقطع الطريق أمام (قراء النص) لكي تختلف استجاباتهم ويكون الناقد واحداً من هؤلاء القرّاء، فتجربة (قراءة) قصة مكتوبة بصوت مسموع تبين إن إيقاع (القراءة) يخضع لمكنونين:

الأول: إمكانية القارئ ومقدار فهمه للنص. (عمراً، ثقافة، قومية، ميولاً نفسية).

الثاني: خصوصية النص ذاته.

ولا يمكن الزعم أن استخدام تقنيات الإيقاع الحكائي، هي مما يقع في قصد مسبق من لدن الراوي أو المؤلف، إن ثمة دواعي وأهدافاً تجعل الركون إلى مثل هذه التقنيات ضرورياً لتحقيق تلك الغايات والدلالات لهذا سيكون بحثنا الدلالي والغائي متزامناً مع الحديث عن الحركات الأربع الأساس في قياس المدة الزمنية وهي:

أ.الحركات الزمنية وتقسم إلى أربع( ):

1.الحذف.

2.الوقفة الوصفية.

3.المشهد الحواري.

4.المجمل.

الحركات الثلاث الأولى تمثل عناصر ثابتة وأساسية في بنية الزمن في القصة، أما (المشهد) الحواري فهو وسيط قد يتخلل الحركات الأساسية ويقع في ضمنها. في حين يكون (المجمل) الذي يشكل حركة متغيرة تعمل بمرونة كبيرة بالمجال المتضمن بين المشهد والحذف.

وليس استباقاً لنتائج هذا المبحث، إنما بدءاً أؤكد أن التفاوت حاضر في احتمالية وجود الحركات الأربع جميعاً في القصة الصوفية والسبب إن:

1-إن (النص) سابق على (التنظير والفحص) وليس العكس.

2-إن استخدام هذه الحركات قد يخضع بأكثر الأحيان إلى عفو الخاطر وحاجات السارد وغاياته. لهذين السببين، أجد إن مجال حرية التحرك على أرضية هذا المبحث ينبغي أن تكون مفتوحة وذات طابع وصفي، يبتعد قدر المستطاع عن تعسّف المعايير المسبّقة أو لَيْ النصوص.

أ.1.الحركة الأولى: الحذف

وتترجم أحياناً بـ (القفز)( )، ويعنى به الحركة الزمنية التي يكتفي بها الراوي بإخبارنا إن سنوات قد مرت أو شهوراً من عمر شخصياته من دون أن يخبر عن تفاصيل الأحداث في السنين. فالزمن على مستوى الوقائع طويل (سنوات أو أشهر...) أما الزمن على مستوى القول فهو صفر. ويميز (جينيت) بين نوعين من الحذوف (حذوف صريحة) يذكر فيها الراوي إن قدراً من السنين مر على الأحداث من دون تفصيل. و (حذوف ضمنية) وهي التي لا يصرح بها في النص وإنما يستدل عليها القارئ من خلال ثغرة في التسلسل الزمني أو انحلال في استمرارية السردية( ).

في القص الصوفي- العربي منه والمترجم إلى العربية- هناك شبه شيوع في استخدام تقنية الحذف أو القفز على الأحداث فعند جرد القصص الصوفية فيما تيسر للباحثة من مظان صوفية( )، تبين إن هذه التقنية متوفرة بشكل ملحوظ. سنأتي إلى ذكر دلالات هذا التوافر والشيوع بعد عرض بعض من النماذج على ذلك، ففي قصة (الخواص والنصراني)( ) يتكرر ذكر مدة زمنية (المشي سبعة أيام) من دون إعلام عن الأحداث التي تضمنتها هذه الأيام السبعة ولا سيما أن الموضوع عن كرامة خصها الله تعالى لإبراهيم الخواص والنصراني بعد إسلامه بأن ينزل لهم طعاماً وفيراً يسد جوعهم وعطشهم ليوم واحد.

فالواضح هنا إن المدة التي استغرقها الفعل (الحدث) لا تتناسب مع القول فيها؛ فـ (المشي سبعة أيام) ثلاث كلمات على سطح النص لا تتناسب مع مشقة الفعل ذاته، وكذلك الحال في قصة (الجنيد والحاج)( ) حين سأل الحاج الجنيد أن يعطيه شيئاً يحج به فأعطاه درهماً فسهل الله تعالى له حجة فهو في كل موضع يجد أصحاباً يتكلفون بالطعام وإيوائه وما احتاج إلى صرف الدرهم أبداً، ثم جملة يذكرها الراوي على لسان الرجل (فلما حججت وعدت إلى بغداد دخلت على الجنيد...) فيرى إن المدة المستغرقة للحج- بطقوسه الكثيرة المعهودة ومدته المعلومة، فضلاً عن طريق العودة من بيت الله الحرام إلى بغداد، كل هذا يستدعي وقتاً ليس باليسير، وبه حاجة إلى تفصيل وإطالة شرح... فإذا ما تيسر أمر الحج في قلة فما شأن العودة وكيف عاد مجاناً...؟ كل هذه التساؤلات يقف عليها المروي له ولا يجد لها جواباً شافياً وفي قصة (الخواص والسبع والبقة)( )، الحدث فيها مرتكز على بنية زمنية لحدثين تتوقف دلالة القصة على ناتج حكمتهما: الحدث الأول- في الليلة الأولى يبيت الخواص وصاحبه في البرية فيجدون سبعاً فيخاف صاحب الخواص ويصعد إلى شجرة ولا يأتيه النوم بتاتاً، في حين الخواص يظل نائماً هادئاً والسبع يشمه من رأسه إلى قدمه. أما الليلة الثانية فبات الاثنان في مسجد في قرية أزعجت فيه (الخواص) بقة وحرمته النوم عند ذلك استفسر الصديق عن الأمر عن احتمال الخواص (للأسد) وانزعاجه وصياحه من (بقة) فيجيبه إنه الليلة في حال مع نفسه، في غير حاله البارحة فكان مع الله. وفي قصة يرويها شعراً (سعدي شيرازي)( ) عن ذي النون المصري في مسألة التواضع حين قدم عليه أهل مصر يرجونه أن يدعو الله أن ينزل المطر لأنه مقرب فلا يرد الله كلامه. (بعد مرور مدة من الزمن سمعت أي (الراوي) إن ذا النون توجه تلقاء (مدين) ولم تنقضِ مدة طويلة حتى سخت السماء أمضى بمدين عشرين يوماً، جاء الخبر...) وحين سمع نزول المطر عاد ذو النون إلى مصر، وحين سُئل عن سبب رحيله قال: (سمعت إن الرزق يضيق على النمل والدواب والطير بما يقع من آثام فعل الأشرار ففكرت كثيراً فلم أر في هذا الوطن من هو أسوأ عملاً مني...).

في هذه القصة ثلاثة مواضع يقفز فيها الراوي على الحدث فيختصر الزمن بكلمات معدودة (مدة الزمن، مدة غير طويلة، عشرين يوماً) هذه الأقوال من حيث مفهوم المدة هي لا تنهض بواقع الحدث الذي استغرقه فعلاً في هذا الزمن، فيقفز الراوي لينقل منطقة الصراع إلى حيز مكاني آخر ويجعل تغير الزمن أو مرور مدة ما من الزمن مسوغاً لتغير حدثي ما يخدم دلالة أخلاقية عامة أو صوفية خاصة.

لهذا الاختصار الشديد والقفز الزمني على الحوادث المتضمنة في ردح من الزمن يصرح به الراوي ويحجب عن التفصيل في تفاصيله وحيثياته، لدلالةٍ يمكن الوقوف عليها استنتاجاً من مجمل أهداف الراوي من رواية قصصه على الشكل السردي الذي جاءت عليه أوجزها في الإضاءات الدلالية الآتية:

1-الراوي الصوفي محكوم –موضوعياً- بجملة أهداف أخلاقية وصوفية يكرس فنه القصصي لإزجاء هذه الأهداف وإيصالها إلى المروي له. تحقيقاً لفائدة، وإذاعة لخلق كريم، وأعلاماً عن صحة طريق التصوف. هذه الغايات يوجه الراوي إليها بصره فهو (يتجاوز) التفاصيل ليعلن عن الجوهر. فكأن صورة السرد في القصص الصوفي أشبه بلهاث الراكض خلف هدف يلوح له في الأفق، فهو يتجاوز العثرات الصغيرة وأحجار الطريق، وموانع الطبيعة لأنه يوجه نظرة صوب الأفق.

2-الراوي الصوفي سواء أكان أديباً عربياً أو من ترجم إلى العربية نصوصاً تصوفية غير عربية. هو صاحب لغة عتيدة في متنها اللفظي الثري، وبلاغتها وبيانها، وفصاحتها،... ومن أسباب البلاغة الأسلوبية هي الإيجاز، وحذف فضول الكلام، وما لا يحتاج إليه السامع، وما يقع في دائرة الأمر البديهي الذي لا يحتاج معه إلى ذكر.

3-حركة (الحذف) في الإيقاع الحكائي الزمني –بنيوياً- تتسق مع النأي- وظيفياً- كما مر الحديث على ذلك في الفصل السابق. معنى ذلك إن القصص الصوفية تبدأ بوظيفة النأي والسفر والابتعاد لهدف ما، يتسق ذلك مع حركة الحذف أو القفز على الزمن لأن النأي حين بدأت به القصة، فإنها ألغت الأحداث السابقة عليها وبدأت من لحظة (النأي)، فالقصة الصوفية قصة (حدث) مركز ومكثف، وليست قصة تفاصيل ماتعة.

4-إن الاحتكام إلى هدف يسعى إلى تحقيقه، ووقوفه على ناصية بلاغية ولذلك أدى إلى (قصر) نسبي في القص الصوفي- نستثني من ذلك القصص الفلسفي- هذا القصر صفة ناتجة من الدلالات الثلاث.

أ.2. الحركة الثانية: الوقفة

أو ما يسمى بـ (الاستراحة) التي تقع على النقيض من الحركة السابقة (الحذف) أو القفز. وتتبدى في القص على هيئة قص الراوي (وصفاً) يصبح فيها زمن القص أطول من زمن الواقعة أو الحدث، وحسب رمزية المعادلة التي وضعها (جينيت) هي على النحو الآتي( ):

زمن القول (القص) > زمن الوقائع

ز / ص > ز / ق

وهذه الوقفات الوصفية تختلف من حيث العدد في القصة الواحدة، إذ ينقطع سير الأحداث ليتوقف الراوي عند زاوية معينة فيصف مكاناً أو شخصاً ولا يمكن الادعاء إن هذه الوقفات الوصفية زائدة تشف عن قدرة بلاغية للراوي حسب. كلا فإن الأمر يتعدى ذلك إلى أهداف سردية يعمل الوصف فيها على إضاءة الحدث القادم بعد الوقفة. وهو قريب الشبه من مفهوم (الوضع الأولي)- الذي سبق الحديث عنه في الفصل الأول ضمن الاستهلال القصصي- والحقيقة إن هذه الحركة الزمنية أكثر ما توجد في (فن الرواية)( ) الحديثة التي فيها سعة في التعبير وسخاء بالأوصاف فقد يستغرق وصف شارع أو مدينة أو شخص عدة صفحات من الرواية.

تتحدد أهمية الوقفة الوصفية في أن السارد يوقف مجرى الأحداث ليجند طاقاته ليصف منظراً أو شخصاً أو شيئاً، لا يستطيع أي أحد آخر النظر إليه ونقل نعته إلى المروي له. محاولة من الراوي (السارد) أن يصطحب المروي له (القارئ) لمعاينة ما عاين. لفرض خلق حالة مشتركة من التفاعل والموقف والإحساس، على الرغم من هامش النسبية في هذه الأوصاف واضح ووارد، فالسارد ينقل لنا المشهد الوصفي من وجهة نظره هو، التي قد لا تتفق مع رؤية أخرى للمشهد نفسه.

أكثر ما وجدت هذه الحركة الزمنية في النص القصصي الصوفي، في نوع القصص الموضوعي الذي يتسم طابع السرد فيه بالطول نسبياً إذا ما قيس بـ القصص الذاتي الذي يتمحور حول تجربة محددة في الأعم الأغلب تكون شخصية ذاتية ذات مرجعية تاريخية أي أن شخوصها لهم حضور تاريخي وحقيقي.

هذه السمة التي طبعت القصص الموضوعي بالطول، جعلت فيه متسعاً لحركة (الوقفة الوصفية) التي يستغرقها الراوي بوصف الأمكنة والأشخاص والأحوال التي تمر بالشخصيات. ولعل الطابع التخيلي في هذا النوع من القصص يجعل المجال واسعاً أمام الوصف والوقفات الوصفية، كالذي نجده ماثلاً بوضوح في القصص المتضمنة في رسائل أخوان الصفا ذات المعنى الأخلاقي العام والفلسفي، ففي قصة المدينة( )، نجد الوصف يسبق أي حدث في تحديد الإطار العام لمدينة كانت على رأس جبل في جزيرة من جزائر البحر: (مخصبة كثيرة النعم، رخية البال، طيبة الهواء، عذبة المياه، حسنة التربة، كثيرة الأشجار، لذيذة الثمار، كثيرة أجناس الحيوانات...) بعد هذا العرض الوصفي يبين الحال المضادة إذ إن حال هذه المدينة هو ليس مثل البلد التي فيها (تنغيص من الحسد والبغي والعداوة وأنواع الشر، كما يكون بين أهل المدن الجائرة المتضادة الطباع، المتنافرة القوى، المشتتة الأهواء، القبيحة الأعمال، السيئة الأخلاق) وكان يكفي وصفين في جملتين لتعطي صورة بينة عن حالة التضاد هذه بدلاً من هذه المترادفات الكثيرة.

وبعد هذا العرض يكون مستهل الوظائف النأي، بـ إن (طائفة من أهل تلك المدينة الفاضلة ركبوا البحر فكسر بهم المركب ورمي بهم الموج إلى جزيرة) يصفها بـ أنها (في جبل وعر، فيه أشجار عالية، عليها ثمار نزرة، فيها عيون غائرة، ومياهها كدرة، وفيها مغارات مظلمة، وفيها سباع ضارية، وإذا عامة أهل تلك الجزيرة قردة...) وبعد ذلك انسوا المقام فيها وعاشروا القرود... حتى إن بعضهم رأى رؤيا الخلاص في المنام كأنه عاد إلى أهله وذويه، وبعد أن اتفق مع أصحابه على الهرب جاء طائر ممن يخطف القرود ليأكلها وخطف الرجل ولما فطن أنه ليس من الجنس الذي يأكل ألقاه على سطح بيت فكان هو بيت الرجل الذي غادره قبل غرق السفينة، وظل يتمنى لأخوانه نفس المصير، حين كانوا هم هناك يبكون عليه لظنهم أن الطير قد افترسه.

ومن قصة (بيراست الحكيم)( )، نجد أن الوقفات الوصفية أخذت حيزاً أكبر من عملية السرد، فالراوي  فيها يطيل الوقوف عند الأماكن في المملكة التي يحكمها بيراست بـ أنها (طيبة الهواء والتربة، فيها أنهار عذبة، وعيون جارية، وهي كثيرة الريف والمرافق وفنون الأشجار والألوان من الثمار والرياض والأنهار والرياحين والأنوار...) بعد هذا الوصف المسهب لطبيعة هذه المملكة، يقول الراوي إن جماعة من البحارة غرقت سفينتهم على شاطئ هذه الجزيرة فعاش من نجا من الغرق من البحارة على هذه الجزيرة لكنهم بدءوا يثقلون على الحيوانات ويحملونها ما لا تطيق، فشكت ذلك إلى ملكها بيراست، فبعث الملك إلى أهل السفينة من يدعوهم إلى حضرته، فحضر منهم نحو من سبعين رجلاً من بلدان شتى فأكرموا ثم أوصلهم إلى مجلسه بعد ثلاثة أيام) هنا يحدث (قفز) في زمن السرد فحذف الراوي تفاصيل الأيام الثلاثة التي قضاها البحارة في كنف الملك قبل وصولهم إليه.

بعد ذلك يذهب الراوي إلى وصف الملك فهو العادل، الحاكم المنصف السمح، من يقري الأضياف، ويؤوي الغرباء، ويرحم المبتلى، ويمنع الظلم ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ولا يبتغي في ذلك غير وجه الله تعالى ومرضاته. وبعد ذلك تبدأ المحاكمة بين الملك والبحارة وطرح حججهم العقلية والنقلية على أن الله خلق الحيوانات وسخرها لتكون عبيداً للإنسان وهو ملك عليها. في شكل خطب مسهبة في الحمد والديباجة وذكر الدلائل، ثم يرد عليه (البغل)( ) بخطبة مشابهة يفند فهم الإنسان لمعاني الآيات القرآنية الخاصة بالأنعام والحيوانات... ثم يحكم الملك بعد ذلك بجور الإنس.

ولا يقتصر الأمر على القصص الموضوعي، ففي (قصص الرؤى والمنامات)، تشخص واضحة الوقفات الوصفية كثيراً، وهو أمر مستحب بل ومطلوب في مثل هذا النوع من القصص التي يكون فيها الخيال جانحاً نحو السعة والامتداد ثم الرغبة في كسب قناعات المروي له بما يروى؛ فيكال له الوصف والنعوت ليقترب ذهنه ومخيلته من واقع الرؤيا المتخيلة في ذهن الراوي. وتقريب صورة الحلم التي كان الشاهد الوحيد عليها هو الراوي/ الرائي فقط. ولكون الرائي الصوفي ينقل صورة رؤياوية لا يراها الآخرون فهو معني بتفصيل الأوصاف ونعوت الأمكنة التي شاهدها في رؤياه- سواء أكانت هذه الرؤيا حقيقية أم متخيلة-( ).

هذا وقد نظر التحليل النفسي إلى مسألة (الحلم) عند المتصوفة وارتباطه بالكرامات، فوجد أن (الكرامة والحلم) تخضعان إلى الطرائق عينها لكونهما من طبيعة متشابهة ويقومان بوظائف نفسية متقاربة فالحلم والكرامة لا يخضع لمقولتي المكان والزمان( ) وهما تعبير عن حاجات اللاوعي والقلق والإسقاطات الناتجة من الهموم المستقبلية فينطلق عند الصوفي (تداعي الأفكار) فيعبر بكثافة وبرمزية شديدة عن محتوى ثري من الدلالات النفسية والعقلية والفكرية.

فيحرص الصوفي على رواية الكرامات في شكلها الرؤياوي، ويعيش تفاصيلها وينقلها إلى الناس، لأنها دليل اقترابه من الله، أو إن الله تعالى جعل من هذا الصوفي مجلى لمحبته لعباده المخلصين.

في القصص الاسترجاعي، ثمة تفاوت في حضور الحركة الثانية من الزمن، الوقفة الوصفية؛ ففي القصص الاسترجاعي القصير تكون مساحة النص محدودة والاتجاه فيها يكون مصوباً بشكل رئيس ومباشر إلى الفعل الخارق الذي تنتهي به الرؤيا أو الكرامة. فتقل الحاجة إلى الوصف لأن (الحدث) هنا يعلو على (الوصف) الذي يستدعي استرخاء وفسحة مناسبة للتلقي سيستعرض منها الراوي/ الرائي/ قدراته الأطول فيما تيسر للباحثة من مصادر التصوف.

ففي مستهل الرؤيا التي وجد نفسه فيها في أرض المحشر وعند إحساسه بالهول والتعب والغرق، تمنى أمنية حدث فيها نفسه فقال: (... هذا هو اليوم العبوس القمطرير، وأنا رجل ضعيف النفس خوار الطباع ولا صبر لي على معاينة هذه الدواهي، كنت أشتهي على الله الكريم في هذه الساعة في هذا المكان رغيفاً عقيبياً( )، وزبدية( ) طباهجة( ) ناشفة، وجبن سناري( ) ونعارة نبيذ صيدناني( )، والحافظ العليمي( ) ينادوني عليها بأخبار خوارزم وقمر الدين بن هلال يغني لي:

        يا أهل نعمان إلى وجناتكم

 

تعزى الشقائق لا إلى النعمان...)( )

       

ونجد هذا الاستغراق في تفصيل الأمنية التي تمناها على الله تعالى بالأسماء والتفصيلات. والحقيقة إن هول ما يراه الرائي من مشاهدة يوم القيامة والحساب تجعل المرء في مبعدة عن ذكر الطعام والشراب والشعر والسمر والأصدقاء، فتلك حال يود أن يفتدي نفسه بأمه وأبيه ويتبرأ من أصحابه وذويه. فكيف بالأمنيات وليس هذا المثال اليتيم في الرؤيا، ونما هنالك الكثير من الوقفات الوصفية( ) التي تشتمل على الأقوال والآيات القرآنية وأبيات الشعر بموضوعات شتى لأن الرؤيا تكتنفها انثيالات ذهنية كثيرة يسترجع فيها الرائي الحال السابق قبل مجيئه إلى الآخرة، لأصحابه وشخصيات تاريخية معروفة في تاريخ الإسلام منهم الخلفاء ومنهم القادة ومنهم القتلة ومنهم الأولياء والأئمة والمتصوفة وغيرهم كثير. فهو يرى شكل عذابهم وصيغته في الآخرة فيسترجع حالهم في الدنيا وصنيعهم فيها حتى أهلهم ذلك لهذه الألوان في العذاب الأخروي.

من هنا، أجد إن الوقفات الوصفية، فضلاً عن كونها حركة زمنية فيها ارتداد وفيها استرجاع واستغلال لفسحة الزمن المتداخل بالماضي والحاضر والآتي، أجد فيها مجلى لأسلوبية المؤلف/ الراوي، فهي مسبار جيد يظهر لنا أسلوبية الكاتب وثقافته اللغوية والتعبيرية وكذلك حافظته وخزينه الذهني. وطغيان شخصية الأديب المؤلف، التعبير فيه يعلو على الحدث.

أ.3. الحركة الثالثة: المشهد

المعادلة الزمنية في هذه الحركة تأخذ شكل التعادل، فتتطابق مدة زمن الوقائع مع المدة المستغرقة على مستوى القول، ويكون ذلك في صيغة الحوار بين الشخصيات، وبحسب رمزية جنيت: فإن:

ز / ص = ز / ق( )

زمن القص زمن الوقائع

فالراوي في هذه الحركة الزمنية يتنازل عن مكانه ليترك الشخصيات تتحاور فيما بينها، وهذا المقطع الحواري يأتي في تضاعيف السرد، ويؤكد (جينيت) عدم إغفال الفرق بين مدة الحوار الحقيقي الفعلي والجمل المعبرة عنه في النص القصصي، فالحوار الواقعي الذي يمكن أن يدور بين أشخاص معينين، قد يكون بطيئاً أو سريعاً حسب طبيعة الظروف المحيطة، مع مراعاة لحظات الصمت أو التكرار مما يجعل الاحتفاظ بالفرق بين زمن الحوار وزمن القصة قائماً على الدوام( ). على الرغم من ذلك، فإن درجة الاقتراب من بقية الحركات الزمنية الأخرى، بسبب أنك لا تملك مقياساً ثابتاً تقيس به السرعة السردية للنص مع واقعه الفعلي. ويبقى هذا التقارب افتراضياً لأن الحوار سمة المتحاورين أي هو ذو طبيعة نسبية تختلف من شخص إلى آخر، ومن ظرف إلى آخر عند الشخص ذاته وهكذا. والذي يجعل من المشهد أقرب الحركات إلى التطابق مع الزمن الفعلي، إنه يشتمل على خاصية (التفصيل)؛ فالمشهد المفصل يمعن في تقصي حرفية الحوار المتبادل بين الشخصيات على العكس تماماً مع الحركة الزمنية الرابعة التي سيأتي ذكرها بعد حين، (المجمل) أو الملخص المركز، ويجد بعض الباحثين إن التقابل بين (المشهد) المفصل و(المجمل) المركز، يحيل إلى تقابل مضموني بين ما هو درامي في السرد وما ليس بدرامي( ) بمعنى أن الإيقاع الزمني في السرد بشكله الممطوط المفصل والمجمل المكثف هو تناسب مضموني لواقع القصة أو الحكاية فيجمل ما ليس للسرد به حاجة كبيرة، في حين ينفتح السرد ويطول ويفصل في المشاهد الدرامية التي تقوم بدور فاعل ومؤثر في سير الأحداث.

من هنا كان الشكل رهين المضمون، والإيقاع الزمني استجابة لقانون الفائدة والغاية من ذكره أم عدم ذكره، وذلك يعني أن توافر هذه الحركات الزمنية غير إلزامي في النص القصصي، فالحاجة- التي تقررها ذهنية المؤلف وأهدافه وقدرته التعبيرية وذكاؤه الأدبي- هي التي تفرض وجود حركة أو الاستغناء عن أخرى. أو إن تتجاور حركتان في فقرة نصية واحدة. من هنا، كانت نسبة هيمنة بعض الحركات الزمنية في القص الصوفي، ذات طغيان واضح من نمط قصصي إلى آخر بسبب التعلق الدلالي بين (شكل) الحركة الزمنية و(مضمون) الحدث والغاية منه. بناء على هذه الفرضية الدلالية، نجد أن حركة (المشهد) الحواري في القصة الصوفية تشغل حيزاً مهماً وكبيراً في الأنماط القصصية الثلاثة، الذاتي والموضوعي والاسترجاعي.

في القصص الصوفي الذاتي، تطغى فيه صورة مقطع مكثف لقصة طويلة، أو ما يطلق حديثاً بمصطلح (المشهد) بلغة أهل الدراما والمسرح( )، أي لقطة أو مجموعة لقطات مكثفة الدلالة، ووفية أيضاً لنقل تفاصيل تلك اللقطة بحوارها وكلماتها، وشخوصها وحركاتهم وانفعالاتهم... وهي قائمة كذلك على قدرة أسلوبية تعبيرية تسجل ما بقي في الذاكرة من واقعية الحوار ذاته كما جرى في الحكاية، وتتخيل ما لم يصمد في الذاكرة، ولا سيما إذا مر على الحكاية- من حيث هي حدث واقعي فعلي- زمن وتواتر عليها رواة ونقله متعددون، فكلما بعد الزمن وكثر الرواة، ضعفت الثقة بالنقل الأمين الدقيق لواقعية الواقعة الحكائية.

فيعتمد هنا الراوي على مخيلته القصصية- بعد أن أمسك بخيوط الفكرة والمضمون والفحوى- في صياغة حوار قصصي بين شخوص الحكاية.

من هذا الجانب، أجد (حركة المشهد الحواري) واحدة من أهم المظاهر (القصصية) للفن الحكائي؛ فضلاً عن أنها دليل مضاف إلى (قصصية) الحكاية الصوفية، رداً على من يقولون بـ(حكائية) القصة الصوفية ولم تبلغ درجة القصة من حيث التقنيات البنائية والفنية والدلالية.

وفي الآتي بيان تطبيقي على قصص صوفية تنبني على أهمية الحوار في صياغة الحدث وتوجيهه وبلورة إيقاعه بحيث يتناسب مع واقعية حدوثه. ونشير هنا إلى مسألة سبق الكلام عليها في الفصل الأول حول الراوي والمروي له، هو ذلك الاقتراب الكبير بين شكل رواية القصص الصوفي ورواية الأخبار والأحاديث من حيث مراعاة الدقة في النقل والحرص على مصداقية الناقل ومعرفته وذكره بالاسم. وتلك من ملامح التوثيق الروائي والدقة العلمية. في مجال العلوم الدينية والأخبارية والأدبية. فالتزم الراوي الصوفي- قدر المستطاع- بالنقل الصحيح القريب من الواقعة الفعلية. فكثرت عبارات قال، وقلت وقيل وروي عن وسمعت ورأيت... ففي قصة صوفية ذاتية محبوكة البناء وكثيرة الأحداث في فسحة زمنية قصيرة (يوم واحد فقط) وهي قصة (السمك والصبي)( ) عن عبد الواحد الورثاني يقول سمعت محمد بن علي المقري بطرسوس يقول: سمعت أبا عبد الله بن الجلاء يقول: اشتهت والدتي على والدي يوماً من الأيام سمكاً فمضى والدي إلى السوق وأنا معه، فاشترى سمكاً ووقف ينتظر من يحمله فرأى صبياً وقف بحذائه فقال: يا عم، تريد من يحمله؟ فقال: نعم فحمله ومشى معنا، فسمعنا الآذان، فقال الصبي: أذّن المؤذن وأحتاج أن أتطهر وأصلي فإن رضيت وإلا فاحمل السمك، ووضع الصبي السمك ومرّ، فقال أبي: فنحن أولى أن نتوكل في السمك، فدخلنا المسجد فصلينا وجاء الصبي وصلى، فلما خرجنا فإذا بالسمك موضوع مكانه فحمله الصبي ومضى معنا إلى دارنا فذكر والدي ذلك لوالدتي فقالت: قل له حتى يقيم عندنا ويأكل معنا، فقلنا له، فقال:

-إني صائم، فقلنا:

-فتعود إلينا بالعشى، فقال:

-إذا حملت مرة في اليوم لا أحمل ثانياً، ولكني سأدخل المسجد إلى المساء ثم أدخل عليكم.

فمضى فلما أمسينا دخل الصبي وأكلنا فلما فرغنا دللناه على موضع الطهارة ورأينا منه أنه يؤثر الخلوة...) وتستمر القصة حتى يقوم الصبي بكرامة يشفي فيها بنتاً مصابة بالحمى المزمنة ويذهب من دون فتح أبواب ويختفي.

أوردنا قصة كاملة، لحاجتنا إلى الحوار الذي جرى في هذه القصة القائمة على حوار الشخصيات فيما بينها ويكاد لا يخلو سطر من هذه القصة ليس فيه حوار متبادل وسؤال وجواب يعبر عن سرعة زمنية متساوية مع سرعة الحدث ذاته الذي يستغرق بضعاً من الكلمات، هذا على الرغم من وجود حركات زمنية أخرى تكتنف القصة سابقة أو لاحقة للحوار، وبخاصة (الحذف)؛ فثمة حذوفات كثيرة مثل (فذكر والدي ذلك لوالدتي) فقالت له قل له حتى يقيم عندنا... (فقلنا له، فقال،...) وبعد الحوار مباشرة يدخل زمن جديد بدون تمهيد (... ثم أدخل عليكم. مضى فلما أمسينا...) فدخول وقت المساء لم يستغرق إلا كلمتين في حين أن الزمن يستغرق ساعات من وقت الغداء حتى المساء مروراً بالعصر.

ولا يعني الباحث هنا، صحة الحوار المنقول وصدق ناقله، لأننا نعاين نصاً أدبياً يحمل فكراً صوفياً، وليس نصاً فكرياً بحتاً. لما كان الأمر كذلك، فإن في القصص الموضوعي فسحة للتخيل وعرض المقدرة البلاغية والتعبيرية، لأن الأمر لا واقع له إلا الحكمة والهدف والمخيلة. وليس حياة شخص بعينه أو سيرة متصوف معين، فالشخصيات في القصص الموضوعي (مرسلة) لا راوي لها سوى المؤلف، ويخصص الشخصيات بذكر دينها أو اعتقادها أو صفة مادية فيها، أما قصص الحيوان والطير، فلكل حيوان أو طير اسم يتسمى به. ففي قصة (اليهودي والمجوسي) مثلاً، نجد أن الحوار الذي يسود في هذه القصة محاولة حثيثة لإقناع المتلقي بواقعية هذه القصص الخيالية. حتى إن الراوي يلح في هذه المحاولات فنجد أسلوب النداء ذا حضور بين في هذه القصص، فاليهودي يخاطب المجوسي بـ: يا مغا، والمجوسي يخاطبه بـ(يا خوشاك)، فكثرة ورود أسلوب النداء تدل على القرب والحضور والواقعية. وفي قصص الطير كذلك، فإن الراوي يسلم زمام الرواية للشخوص لتقول ما عندها ليكون هو ناقلاً فقط، وبعد انتهاء الحوار يتدخل اختزال الزمن ومتابعة تطورات الحكاية.

أما قصص الرؤى والمنامات، فالحدث أمسى ماضياً وليست القصة فيه إلا استرجاعاً لما جرى في المنام، ودقة رواية الرؤيا أكثر ما تحتاج إلى (الوقفة)، والوقفات الصوفية التي تقرب صورة المنام في مخيلة المروي لهم. وهذا لا يعني انعدام صورة المشهد في الحلم والمنام، إنما يأتي تقصي المشهد والحوار ونقله أشكالاً لهيئة الرؤيا وشخوصها وأحداثها وأجوائها.

فزمن المشهد الحواري متقاطع مع زمن الرؤيا والمنام، فالأول متطابق مع حدثه، والثاني متقاطع مع زمن الحاضر واليقظة.

أ-4- الحركة الرابعة: المجمل

في هذه الحركة الزمنية وتسمى (الإيجاز) أحياناً( ) تبدو السرعة السردية على الضد تماماً من حركة (المشهد)، ففيه تختزل بضع سنوات ببضع كلمات أو أسطر فيجمل ما لا حاجة للسرد فيه تفصيلاً وإمعاناً في المفردات. وغالباً ما تكون هذه الحركة هي (وسيلة انتقال كثيرة الشيوع بين مشهد وآخر، والنسيج الذي يشكل اللحمة المثلى للحكاية الروائية التي يتحدد إيقاعها الأساس بتناوب المجمل والمشهد)( ) لهذا فهي حركة متغيرة السرعة غير محددة لأنها في الغالب، تشغل الحيز ما بين المشهد والحذف، فتختصر أو توجز الأحداث أو المتغيرات الواقعة بينهما( ). ولإيضاح الفرق بين المجمل والحذف، نقيم المعادلة الآتية:-

الحذف    يجعل زمن السرد أصغر من زمن الحكاية (الوقائع).

المجمل    يجعل زمن السرد أقصر من زمن الحكاية.

فالفرق بين الاثنين يتحدد بـ(الصغر) و(القصر)؛ أي هو الفرق بين (الحجم) و(الامتداد)، فالراوي يقص في بضعة أسطر ما مدته سنوات أو أشهر أو أيام من دون تطرق إلى التفاصيل. لهذا كانت معادلته الرمزية:

ز/ص < ز/ق- زمن القص (السرد) أصغر من زمن الوقائع. والفارق الدقيق بين (المجمل) و(الحذف)، إن الحذف يلغي سنوات أو أشهراً من عمر الأحداث فيقول (ومرت ثلاث سنوات) أما في (المجمل) فإن الراوي لا يحذف ولا يلغي وإنما يجمل ولا يفصل بذكر الحدث ولا يقول كيف حدث كان (البطل يذهب إلى سفرة ويعود ويتزوج وينجب أربعة أولاد...) في جملة وسطر واحد ما مدته سنوات من عمر الإنسان.

وتهيمن على هذه الحركة الزمنية صيغة السارد العليم، الذي يرى الأحداث من الخارج فيجمل لنا المهم منها بحسب اعتقاده. وهذا الإجمال لا يأتي عفو الخاطر أو استجابة لرغبة تعبيرية ذاتية أو مفروضة. إنما ثمة دلالات ووظائف سنلقي عليها الضوء كاشفين في ذلك عن غايات الراوي، فهو كما (حذف) لأسباب ودواع سردية وموضوعية، وأطال (الحوار) وتقصاه، و(وصف) واقفاً عند بعض المشاهد أو الشخصيات. فهو هنا (يجمل) لأسباب ودلالات سنبينها من خلال التطبيق على نماذج صوفية.

ففي قصة (الخواص والنصراني صاحب الزنار)( ) التي مر لها ذكر في حركة (الحذف) لذكره في موضوعين (فمشينا سبعة أيام...) من دون تفصيل ما حدث في الأيام السبعة من السفر، وبعد انقضاء المدة التي تصاحبا فيها وتبينت كرامة الاثنين على الله عز وجل التي على أثرها أسلم النصراني وشهد الشهادتين وحل الزنار، أكمل الراوي سرد القصة بعد انتهاء الوقائع الرئيسية فيها (... فأكلنا ومشينا وحج وأقمنا بمكة سنة ثم إن النصراني مات ودفن بالبطحاء)( ) فجمع في هذه الجملة ما يستوعب زمنه سنوات من عمر البطل فالأكل والمشي والحج والإقامة بمكة سنة وموته ودفنه. كل هذا أجمل في جملة.

وكذلك قصة (الزجاجي والجنيد)( ) حين خرج إلى الحج وأعطاه الجنيد درهماً صحيحاً فلم يحتج إليه طول مدة حجه وحين عودته رغب في إعادة الدرهم إلى الجنيد، فيروي الراوي القصة على النحو الآتي: (... ولم أحتج إلى الدرهم فلما حججت ورجعت إلى بغداد دخلت على الجنيد فمد يده وقال هات...)، فمدة الحج وهي أشهر وطريق العودة من مكة إلى بغداد بحسب وسائط النقل القديمة هي طريق شاقة وسفرة طويلة مرهقة، لم تستوعب من الراوي إلا جملة ببضع كلمات فقط. لاغياً فيها تفاصيل الأحداث والوقائع التي من المحتمل أن تقع لأي مسافر وحاج في هذه الطريق الطويلة. والقصة الثالثة التي أجد الاستشهاد بها ذا مغزى وفائدة في هذه الفقرة من البحث. قبل أن نتطرق إلى الجانب الدلالي والوظيفي لحركة (المجمل) في زمنية القص الصوفي. القصة هي (الصبي والسمك)( ) والتي مر بنا تحليلها على موضوعة (المشهد) وتحمل هذه القصة ميزة كونها حكاية مجملة كثيرة الأحداث تتم في غضون يوم وليلة (من آذان الظهر حتى فجر اليوم الآتي) وكل هذه الأحداث جرت في مساحة عشرة أسطر كتابية صغيرة، فبعد ذهاب الأب والابن (الراوي)، لشراء سمك من السوق ولقائهم بالصبي الذي وقف في منتصف المسافة ليصلي في المسجد ويتبعه الولد وأبوه للصلاة وبعد الانتهاء حمل الصبي السمك ووصلا إلى البيت وقص الوالد خبر الصبي للوالدة فقالت: قل له حتى يقيم عندنا ويأكل معنا فقلنا له: فقال: إني صائم، فقلنا فتعود إلينا بالعشى، فقال: إذا حملت مرة في اليوم لا أحمل في اليوم ثانية ولكني سأدخل المسجد إلى المساء ثم أدخل عليكم فمضى فلما أمسينا دخل الصبي أكلنا فلما فرغنا دللناه على موضع الطهارة ورأينا أنه يؤثر الخلوة فتركناه في بيت فلما كان في بعض الليل كان لقريب لنا بنت زمنة فجاءت تمشي فسألناها عن حالها، فقالت: قلت يا رب بحرمة ضيفنا أن تعافني. فقمت فمضينا لنطلب الصبي فإذا الأبواب مغلقة كما كانت ولم نجد الصبي فقال أبي: - فمنهم صغير ومنهم كبير.

ثمة ضرورة دعت إلى إيراد القصة بأكملها لكي يتبين للقارئ مقدار كثافة الأحداث التي اشتملت عليها القصة وسرعة إيقاع توالي الأحداث، وتشذيب الثانوي واستخدامه لخدمة الحدث الرئيس والبطل القصصي الرئيس، فعبارة (قلنا له) عوضت عن حرفية قول الأم ودعوتها للصبي للأكل عنده. وعبارة (فلما أمسينا) دخول إلى زمن متقدم من دون تقديم تفصيلي للمدة الفائتة أو مجرياً أحداثها، أما قصة الفتاة المريضة ودخولها في أحداث القصة جعل مجرى الأحداث يميل إلى الكثافة أكثر والتوتر، فضلاً عن توجيه العناية والاهتمام لمركز الأحداث في القصة ألا وهو (الصبي) فيتم توظيف الأحداث الثانوية لخدمة حدث رئيس وماهية هذا الصبي الذي هو في هيئة فتى فقير وهو في الحقيقة ولي صالح وذو مقام وخطر.

فحاول الراوي في هذه القصة تكثيف عناصر السرد والسرعة لتوتير إيقاع الأحداث الكثيرة في مدة زمنية قصيرة. وهذه الصفة تسم النماذج الثلاثة التي اخترنا أن تكون تطبيقاً على مقولة الحركة الرابعة في الإيقاع الزمني في القصة الصوفية، أما في القص الاسترجاعي، فإن المنامات تكثر فيها صيغ السؤال والجواب سواء أكان الرائي شخصية في الرؤيا أم أنه الراوي الشاهد على مجرى أحداث رؤياوية فقط ينقلها المروي إليهم، كما مر ذلك في الحركة الزمنية الثالثة، لحاجة يجدها الراوي لإقناع سامعيه أما في قضية الإجمال فنجد حضورها ضئيلاً في الرؤى والمنامات ولهذا الأمر دلالة ومغزى أجدها في رغبة الرائي في كسب ثقة المروي له وتصديقه لمجرى أحداث غيبية جرت في عالم الرؤيا. فلا ينفع هنا الإجمال والتكثيف الذي يضفي على السرد سمة الغموض والمجهولية التي تؤول طبعاً إلى عدم التصديق فرواية الرؤى تستلزم البسط والإطالة وتقصي التفاصيل بوصفها وسائل إقناعية يجد الحاجة إليها الراوي ماثلة ومطلوبة على الصعيد السردي.

من هنا، نجد أن عنصر التفاوت له حضور في هيمنة الحركات الأربع للإيقاع الزمني في القصة الصوفية، وهذا التفاوت طبيعي لأن دلالية القصص فرضت وجوده، ودعت إليه حاجة السارد الفكرية والنفسية من خلال احتساب وقع هذه الآليات في ذات المتلقي والعمل على استيفاء شرائط تأثيرها ووصولها.

ب- التّواتر