أصدقاء القصة السورية

الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | معلومات النشر | كلمة العدد | قالوا عن الموقع | سجل الزوار

 

SyrianStory-القصة السورية

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

للاتصال بنا

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

youtube القصة السورية في

facebook القصة السورية في

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 23/01/2009

دراسات للكاتب: يحيى الصوفي

نور تسأل وبابا يحيى يجيب2

إلى صفحة الكاتب

لقراءة الدراسة

سلسلة تعليمية - كل شيء عن القصة.؟ بقلم: يحيى الصوفي

 

 

 

 

 

 

دراسات / سلسلة تعليمية

كيف اصقل موهبتي - ما هي الثقافة.؟

كيف أصبح كاتب قصة - من أين ابدأ.؟

كل شيء حول القصة - مقدمة

كيف اصقل موهبتي - ما هي البلاغة.؟

كيف أصبح كاتب قصة - كيف اكتب قصة.؟

كل شيء حول القصة - ما هي القصة.؟

كيف اصقل موهبتي - أي كتب أطالع.؟ 

ما هو هدفي من كتابة القصة - لماذا اكتب.؟ 

 كل شيء حول القصة - كيف بدأت القصة.؟

الخاتمة / أدوات وإشارات ورموز

ما هو هدفي من كتابة القصة - لمن أكتب.؟

كل شيء حول القصة - القصة وما يشبهها من السرد.!؟

 

 ما هو هدفي من كتابة القصة - في أي موضوع اكتب.؟

كيف أصبح كاتب قصة - إلى ماذا احتاج لكتابتها.؟

 

الحلقة الرابعة: كيف أصبح كاتب قصة.؟ - 1

 

 

إلى ماذا احتاج لكتابتها.؟

 

 

 

نور: لقد تعرفت من خلال الحلقات الثلاثة الماضية على تاريخ وأصول القصة وتعريفها والفرق بينها وبين الأنواع الأدبية الأخرى كالخبر والحكاية والرواية والمسرح.

 

وعرفت بان الخبر: ( ننقل الأحداث ونؤرخ به )

 

وبان القصة: ( وهي محددة بعناصرها المعروفة من الزمان والمكان والشخصية والحبكة والحوار والسرد والعقدة والحل. )

 

وبأن الحكاية: ( تعتمد بالإضافة لعناصر القصة على الخيال وتعدد الشخوص وعدم محدودية المكان والزمان وتهتم بالتراث. )

 

وبان الرواية: ( هي كالقصة ولكن بفصول وأحداث وشخوص متعددة ولا يحدها زمان ولا مكان. ومنها الرواية التاريخية. )

 

وأخيرا المسرح: ( وهو ينفرد بتكثيف الحوار بالرغم من انه يحتوي كل العناصر الموجودة في الأنواع الأدبية الأخرى )

 

هذا طبعا بالإضافة لملاحظتك بان الشعر -والذي هو أساس كل الأنواع الأدبية عند العرب- يحتملها كلها باختلاف أزمنتها وأمكنتها وشخوصها وواقعيتها أو غرقها بالخيال.؟!

 

وقولك بأننا نستطيع كتابة الخبر والحكاية والأسطورة والملحمة والقصة والرواية والمسرح شعرا إذا أحببنا دون أي حرج.

 

 

وعرفت القصة القصير والقصيرة جدا -بما أنها أحدث الأنواع الأدبية وأشدها تعقيدا وصعوبة - بتعريف شخصي ( بأنها لا تخرج عن خصائص القصة إلا كونها " قصيرة" تضغط كل المقومات والعناصر الموجودة فيها ولا تلغيها وهكذا تكتسب اسمها ومعناها الحقيقي " القصة القصيرة" )

 

وأضفت بان الشطط والتسامح في تجاوز خصائص القصة المتعارف عليها واعتمادها في بعض الأحيان على تحديد الحدث بلقطة عابرة أو وصف لحالة نفسية أو تصوير لموقف خال من المعنى هو الذي وضع -حسب رأيك- القصة القصيرة والقصيرة جدا في اللبس والخلط مع الأجناس الأدبية الأخرى وعدم التوصل إلى الآن لوصف محدد لها فهي تأخذ من الأجناس كلها ولا تنتمي لأي منها.؟

 

وسؤالي الآن كيف يمكن أن اكتب قصة.؟

 

من أين ابدأ.؟

 

والى ماذا احتاج لكي أكون كاتبة للقصة.؟

 

 

بابا يحيى: سأبدأ من حيث انتهيت من السؤال:  " إلى ماذا احتاج لكي أكون كاتبة قصة.؟ "

 

 

وأنا أجيب بأنك تحتاجين -لكي تكوني كاتبة للقصة- إلى امتلاك عامل مهم جدا وأساسي وهو الموهبة.

 

والى وسيلتين مهمتين جدا وهم اللغة والثقافة.

 

 

بالنسبة للموهبة: فبدون الموهبة لا يمكن ولا بشكل من الأشكال أن نصنع كاتبا يتمتع بالبراعة في القص، غزير الخيال، يمتلك ناصية التحكم بالأحداث والشخصيات التي يتناولها بقدر كبير من الحنكة والدهاء والذكاء قادرا على التأثير بالقارئ والسامع دون أي جهد يذكر.؟!

 

( تستطيعين الإطلاع على مقالتي حول هذا الموضوع بالضغط على العنوان (( الموهبة وأثرها في صناعة الأديب )) )

فإذا ما توفرت الموهبة فنحن بكل بساطة نستطيع صقلها وتنميتها وتطويرها بوسائل شتى منها وأهمها

المطالعة. ( سأعود إليها لاحقا )

 

بعد الموهبة تأتي اللغة:

 

فامتلاك الكاتب الموهوب للغة التي يكتب بها بشكل كاف يسمح له بترجمة مشاعره ونقل أفكاره وإيصال رسالته بالطريقة التي يريدها وترضيه، غنية بالمعاني،... متنوعة بأسمائها وأوصافها،... صحيحة وخالية من الأخطاء النحوية والإملائية،... تتصف بقدر كبير من القوة في حبكتها،... تخوله بسلاستها وبساطتها وسهولة مفرداتها من الوصول إلى قلب وعقل القارئ.

 

نأتي الآن إلى الثقافة:

 

فلكي يكون الكاتب الموهوب مالكا لأدواته متحكما بمصير شخصياته قادرا على إقناع القارئ بما يطرحه عليه من قص. يجب أن يكون واسع الثقافة قوي الحجة ملما بعادات وتقاليد المجتمع الذي يتكلم عنه، حافظا لتفاصيل البيئة التي يصفها ثابرا لأغوار الشخصية التي يتناولها. وعلى معرفة كافية بعلوم شتى، كعلم النفس والطب والقانون وحياة النبات والحيوان والطبيعة والدين بما يكفل له معالجة ناجحة للموضوع الذي يحب أن يقصه. ولا يعيبه في كل الأحوال الاعتماد على أي مصدر موثوق ومراجعته حتى يعطي لعمله المصداقية المطلوبة والحل الناجع.

 

 

نور: ذكرت الموهبة كيف أستطيع أن اعرف إذا ما كنت املك منها شيئا.؟

بمعنى أوضح ما هي علامات امتلاكنا للموهبة.؟!

 

بابا يحيى: الموهبة هبة من الله لا يستطيع أي كائن مهما كان من التدخل فيها وهي -حسب اجتهادي- تتمثل بالمهارات التي يلد الإنسان بها -دون وعي منه أو إدراك- وخلاصة للتجارب الإنسانية عبر ملايين السنين من التطور البيولوجي وعلى الكم الهائل من المعلومات التي تختزنها البشرية في ذاكرتها الوراثية.؟!

 

وهي على صلة وثيقة بالوراثة ولكنها لا تخضع إلى أي قاعدة أو اعتبار له علاقة بالنواحي الاجتماعية أو الثقافية أو الدينية للإنسان الموهوب ( المحيط ) إلا بدرجة الاهتمام الذي تحاط به تلك الموهبة منهم في تحفيزها وتنميتها وظهورها.؟!

 

والموهبة على تنوعها ( فنية كانت أو أدبية أو يدوية ) هي التي تعطي لمن يمتلكها ويمارسها متعة انسجامه مع نفسه ومحيطه وتتجلى في أبها صورها بالإبداع.!

 

وقد يمتلك احدنا منها دون أن يدري وقد تظهر فجأة متجسدة ببراعة أو إتقان فيما وهبنا منها، فنثير الإعجاب ويصيبنا النجاح والشهرة بعد أن نكون مهملين لا يلتفت إلينا احد.!.... وقد نحملها ونمارسها سرا خوفا من هزأ المحيطين بنا وقد نحملها ونموت بها دون أن ندري بها أو ينتبه لها أي كان.؟!!!

 

فهي ترتبط في تنميتها وصقلها ونموها وتطورها على المجتمع والبيئة التي يجد صاحب الموهبة نفسه فيها وتكون أما سببا في ظهورها أو اندثارها.؟!

 

وبما أنني أتحدث عن الموهبة الأدبية فانا سأستعير وصفي لها من مقالتي التي ذكرت سابقا ( الموهبة هي تلك النعمة التي يهبها الله لنا لكي تميز البعض منا عن الآخر في مهمة التكليف التي خصها الله لأحدنا وفضله بها على غيره لعلمه تعالى بان من يحملها ويلد بها إن هي إلا أمانة ودين يؤدها بالنيابة عن المجموع.

 

أنها بتبسيط شديد هي تلك المقدرة التي ولد بعضنا بها للإحساس بالكون والتفاعل معه والتأثير به بشكل يفضي إلى مسلمات وركائز وقوانين وشروط تحدد الإطار العام لأي من الإبداعات التي يصنعها الموهوب في مجال إبداعه.

 

فالأديب الموهوب يعي منذ أول إدراك له للعالم المحيط به حاجته لان يتأمل ويسمع ويتساءل ومن ثم يثرثر بوضوح ودون تكلف عما يجيش في داخله من مشاعر على أنواعها وألوانها حزنا كانت أم فرحا، قبل أن يبدأ في تدوينها على ورق وتتبع ما يغنيها من ألفاظ وعبارات وحجة وخيال بمطالعة من سبقه في هذه الموهبة. فيستمتع بما يسمع ويقرا ويمتع بما يقوله ويكتبه دون تكلف أو تمثيل أو تصنع أو إرهاق.؟!.... انه بكل بساطة يمارس بموهبته تلك الفطرة الإلهية التي منحت له فهي لا تكلفه من نفسه أكثر من خفقة قلب أو استنشاق وزفير.

 

ولهذا نجد الفرق الواسع الشاسع بين كاتب موهوب وكاتب تعلم مهنة الكتابة.؟؟؟

 

فالأول إذا ما تكلم أطربك بتسلسل أفكاره وترابطها وسهولة ولوجها للقلب والروح دون تكلف فتحرك لديك المشاعر على أنواعها وتأخذك مهما كنت صلبا وخشنا،... فتسحرك بألحانها وتطربك بأنغامها وتبعدك عن السبيل الذي كنت قد سلكته. وتحول حياتك المرهقة وشجونك وآلامك وقوقعتك التي تسكن فيها إلى فردوس، تحلق في سمائه فتشعر بالحرية وأنت سجين... وبالنعمة وأنت فقير... وبالصحة وأنت سقيم... وبالسعادة وأنت حزين.؟!....أنها بكل بساطة هي صوت الشاعر وعين الفنان وأنامل الموسيقي ويد المهني وقلم الكاتب الذي يصنع هذه المعجزة التي تطرب العامة وتفك القيود وتحرر الشعوب.

في حين لا يستطيع الكاتب الذي تعلم الكتابة مهما فعل من أن يحرك -ولو بمقدار شعرة واحدة- المشاعر ؟؟؟ )

 

أما عن سؤالك عن العلامات التي تدل على امتلاكنا لها.؟ فهي وببساطة واختصار شديدين تتمثل برغبة الموهوب للتعبير عما يراه ويسمعه،...يحب المطالعة والكتابة أكثر من أي شيء آخر حتى إذا ما خير بينهم وبين طعامه وشرابه لفضل الأولى، لأنه يعتبر نفسه أسير لها ولموهبته في مهمة كلف بها وليس لمتطلبات جسده.؟!

 

ثرثار بطبعه وإذا ما لاذ الصمت لفترة يتفجر كالبركان الثائر في أول فرصة تتاح له، لتتدفق مشاعره وأفكاره كالحمم الجارفة لا تمنعها الحواجز أو السدود.؟!

حالم وثائر رغم عنه. ولا يرى ما يراه الآخرون مما يحيطه،... فهو يتغنى بالطبيعة ويغازل الطيور ويفرح بتفتح الزهور ويداعب بخياله كل ما يخطر على باله من أمور... فيعطي للسحاب ما شاء من صور الأفاعي والمعارك والنمور.؟!

 

ينصب نفسه معلما حينا أو قاضيا بين المتخاصمين أحيانا فلا يبالغ ولا يجور... ويحفر بخياله للمجرمين -بهمته وحبه للعدالة- القبور.؟!... وينتصر للمستضعفين مهما كلفه من ثمن وقد يقبع في غياهب السجن والنسيان من اجلها لدهور.؟! ... يتتبع العامة في مشوار حياتهم اليومي فيلمس الكبرياء عند كبير مجهد والعنفوان عند صغير مقعد...فهو يهتم بالتفاصيل الصغيرة وينحو نحو الدقة والكمال فيما يعمل.؟!

 

نور: وجدت الكثير في نفسي مما ذكرت.! إذا أنا موهوبة.؟!

 

كيف أستطيع الآن امتلاك ناصية اللغة الصحيحة.؟

 

بابا يحيى: بالمطالعة وأفضل الطالعة هي القرآن الكريم فهو قمة الكمال في اللغة العربية لا يشبهه في اللغة أو الأدب شيء.

من ثم تأتي كتب الكبار من الكتاب وفطاحل الأدب. وبالأخص الشعراء منهم لأن الشعر أساس اللغة والثقافة والأدب عند العرب.

ونحن عندما نهتم بمطالعة كتب الكبار فلأنهم صافيي القريحة في كتاباتهم ويتتبعونها ويكتبونها بالسليقة ولم يتلوث لسانهم ولا مفرداتتهم باللغط أو بالغريب من كلام العجم. هذا بالإضافة إلى ما يمتلكونه من ثقافة وعلم وما يمتازون به من فصاحة وسعة خيال وإتقان لأدوات تعبيرهم.

وأنا أفضل أن يتحاشى الكتاب الشباب الحديث من كتب الأدب في القص أو الشعر حتى يتمكنوا من الأصل والمنبع ولكي لا تتلوث ثقافتهم ولا تتأثر مفرداتتهم اللغوية أو أسلوبهم مما قد يشكل عائقا لهم في اختيار العبارات الصحيحة لكتاباتهم في المستقبل.

 

نور: كيف امتلك ثقافة واسعة.؟

 

بابا يحيى: الثقافة نتوسع بها بالمطالعة ونحن نختار نوعها بحسب ميولنا وهي أصبحت متيسرة ومتوفرة بكثرة عبر وسائلها الحديثة من إعلام وانترنت بالإضافة للكتاب والذي هو أساس كل ثقافة متينة ولا يمكن أن يحل مكانه أي وسيلة أخرى مهما بلغت من الدقة.

----------------------------------------------

والى اللقاء مع حلقة جديدة حول ( كيف أصبح كاتب قصة -2 من أين ابدأ.؟ ) يحيى الصوفي جنيف في 05/12/2004

 

 

نور تسأل وبابا يحيى يجيب

 

الحلقة الخامسة: كيف أصبح كاتب قصة -2   

 

 

من أين ابدأ.؟

 

 

بابا يحيى: نصل الآن إلى سؤالك التالي:  من أين ابدأ في كتابة القصة.؟

 

 

نور: قبل أن تجيبني على السؤال التالي أحب أن أعود قليلا إلى موضوع الموهبة، فبالرّغم من عدم قدرتنا على تفسير بعض الظواهر الإبداعية التي تفاجئنا بإبداعها المتميز قبل أوان النضج مثلاً، إلاّ أنّ هناك اعتقاداً قويّاً بأن كلمة ( الموهبة ) ما هي إلاّ تعبير مجازي عن القدرة الإبداعية، التي تكتسب بالضرورة، ولا تولد مع الشخص، وأنّ العمل الأدبي المتميّز لا يتميّز إلاّ لأنّ وراءه شغلاً وتعباً، ولست أذكر اسم الروائي الغربي الحائز على جائزة نوبل، والذي يقول شيئاً كهذا: (( أنا متعب جدّاً، فقد كتبت منذ الصباح سطراً، ثم محوته !! ))، وهو نفسه يقول في موضع آخر ما معناه: (( يتحدّثون عن الموهبة، وأنا لا أفهمها إلاّ على أنّها العمل ثمّ العمل ثم العمل ))

 

بابا يحيى: كل المواضيع النظرية ومنها الموهبة قابلة للمناقشة والتأويل لأنه لا يمكن إثبات صحتها من عدمه بالتجربة والبرهان كنظيرتها من المواضيع العملية، وهذا ما قد يسبب بالخلط بين ظواهر عديدة مشابهة كالنبوغ مثلا.

وقد رصدت حالات كثيرة منها لأطفال ولدوا وهم يتمتعون بمقدرة عجيبة على القراءة والرسم والعزف والحساب دون تعلم -ولا يشترط فيها الذكاء- وهي اقرب إلى الحالات المرضية منها إلى الصحة وتنطفئ في سن مبكرة جدا من عمر الطفل وقد تكون سببا في وفاته باكرا أيضا.

 

أما الموهبة وهو ما يحتاجه كل صانع ماهر في أداء أفضل لمهنته ومنها الكتابة فهي شيء آخر تماما. وهي تصقل بالممارسة والمتابعة والعمل وقد يرفدها صفات موروثة عن الأهل كالذكاء أو الطباع ( السيئة أو الحسنة ) وهو ما يميز بعضنا عن الآخر في الأداء والأسلوب ودرجات النجاح.

وهذا يتفق مع ما قلته ( بأنّ العمل الأدبي المتميّز لا يتميّز إلاّ لأنّ وراءه شغلاً وتعباً )

وإذا أخذنا قول الروائي الغربي الذي ذكرت فهو لا يتناقض مع حديثي عن الموهبة ( إذا كانت هي المقصودة فعلا ) لان الكتابة دون حافز أو الهام ( موضوع الإلهام سأتناوله بشكل منفرد ) لا يفضي إلى نتيجة وكذلك ( العمل ثم العمل ثم العمل) لا يمكن أن يقوم به ويتابعه ويتحمس له إلا شخص موهوب لان الموهبة هي المحفز له ( الموتور ) وليس العكس.؟!

 

نور: لهذا السبب إذا ترقص ابنة عمي لمجرد أن تسمع الموسيقى وتدندن بالألحان وتجيد العزف على أكثر من آلة موسيقية دون أن يعلمها احد.؟

وهذه حال أختي الصغرى تصنع من المعجون العجائب ( دمى وشخصيات كاملة الهيبة دقيقة المعاني معبرة وتبدو مع تفاصيل ثيابها المنمقة وكأنها تنتظر أن تدب الروح فيها لكي تتحرك وتتكلم.؟!... إنها تشبه أعمال النحات الكبير ( ميكائيل انجلو ).؟!

أما أنا فإنني أهوى الكتابة واعشق الكتاب.!

 

بابا يحيى: يبقى ألا نترك تلك المواهب تضيع عبثا بين أدراج الخجل وانتقاد المحيطين بنا ودسائس الغيورين والحاسدين ونتوقف عن إبداعنا من أول نقد أو ملاحظة أو توبيخ.

فلقد اتفقت المجتمعات العربية على عدم احترام المواهب ذو السمعة السيئة ( كالفنون ) أو تلك التي لا تفي بالأغراض المطلوبة منها في تبوء المراكز الاجتماعية ورغد العيش ( كالكتابة ) ولهذا نجد هذا الكم الهائل من الفنانين والكتاب ممن امتهنوا الطب أو المحاماة أو الهندسة وكثير غيرها نزولا عند رغبات الأهل والمجتمع.؟!

 

نور: لنعود الآن إلى موضوع الكتابة وسؤالي من أين ابدأ.؟

 

بابا يحيى: هناك الكثير من الاجتهادات حول الطريقة التي يجب أن يتبعها الكاتب  للبدء في ممارسة فن الكتابة ( اختيار المكان أو وقت الكتابة أو الموضوع ).

أو الأدوات التي يستخدمها لذلك ( كالورقة والقلم ومطالعة الكتب واستعارته لعبارات معينة خاصة به ).

وأنا لا أحب هذه التصنيفات وأميل أكثر إلى أن يكون لكل كاتب شخصيته المميزة في التعامل مع موهبته وإتباع حدسه في تصيد اللحظة المناسبة والمكان المناسب والموضوع المناسب وكذلك الحال في استخدام أدواته الخاصة بما يخدم مبادئه ونظرته للحياة وفهمه لها وهدفه منها.

وبما أنني أتحدث عن فن كتابة القصة وليس أي فن أخر ( كالكتابة الصحفية مثلا ) فان توفر عامل الخيال والخلق والبلاغة في التعبير مهمة جدا للحصول على نص يتمتع بقدر كبير من التأثير ذو حبكة متينة وممتعة بنفس الوقت.

 

نور: هلا شرحت لي بتفصيل أكثر.؟

 

سأبدأ بأدوات الكاتب وهي عديدة ومتنوعة وتختلف من كاتب إلى آخر ومنها:

 

1- يبدأ الكاتب دائما باستحضار ورقة وقلم؟!.  وقد يروق له الكتابة بأي قلم يقع بين يديه أو على أي ورقة وقد لا يستطيع الكتابة إذ لم تكن ورقته مسطرة ونظيفة وقلمه يؤدي الغرض المطلوب منه من حيث اللون وسماكة الخط والنوعية وهو ما يعكس شخصية الكاتب وخصوصيته. فلا تجعلي نفسك رهينة لها وعودي نفسك على الكتابة على أي ورقة وبأي قلم يقع بين يديك حتى لا تخسري اللحظات الذهبية التي من الممكن أن تجتاحك لحظة الإلهام، لأن خسارتك لتلك اللحظات قد لا تعوض أبدا.

 

2- بعض الكتاب من يضع ملخص للعمل الذي يحب التطرق إليه أو معالجته ( مسودة ) وهي طريقة ناجحة ممكن استخدامها إذا ما كانت لدينا مشاريع قصصية أو روائية طويلة تتعدد فيها الأحداث والشخصيات ولها طابع تاريخي حيث من المهم تدوين الشواهد والأمثلة والتواريخ والأسماء.

أما ما يخص القصة القصيرة فهي لا تحتمل الانتظار لأنها هي بذاتها لا تتجاوز أكثر من لحظة عابرة علينا التقاطها وتسجيلها وقد نحتاج ونحن نكتبها إلى تسجيل بعض الملاحظات أو العبارات أو المفردات لمساعدتنا في الحصول على حبكة دقيقة ونهاية منطقية.

 

3- ( الكاتب في العادة هو قارئ جيد ) وهو لا يترك كتابا دون أن يدون رأيه فيه وموقفه من أحداثه وهذا يفيده بإقامة علاقة متينة بينه وبين النص وكاتبه وقد يفيده ما يتركه من حاشية على بعض الصفحات في التذكير بما أعجبه وأفاده وأطربه منها.؟!

وقد يلتجئ إلى تلخيص الكتاب -خاصة التاريخية أو العلمية أو الفلسفية منها- والتي لا يستطيع الاحتفاظ بها، ( كالاستعارة من المكتبات العامة ) مما يمنحه فرصة دائمة للإطلاع على عبارة قوية أو حكمة أو تحليل.

ولهذا عودي نفسك أثناء مطالعتك للكتب على تسجيل الملاحظات وكتابة الحواشي حول المواضيع التي قد تفيدك في معالجة أي موضوع في المستقبل، خاصة وانك تحتاجين لمطالعة الكثير من الكتب لكبار الأدباء ومن شتى الأجناس الأدبية حتى يتكون لديك عددا مهما من المفردات والمصطلحات اللغوية تساعدك على التعبير بشكل قوي ومميز عما تريدين قوله وكتابته.

 

4- الأفكار والمواضيع التي نرغب في معالجتها قد تهبط علينا فجأة وفي أماكن لم نتوقعها ولم نكن جاهزين لها ( أثناء الطريق، في الأماكن العامة، في الحمام، أو بكل بساطة في السرير ) وعادة ما تكون تلك الأفكار ثمينة ومهمة جدا لنا وفقداننا لها وعدم مقدرتنا على تسجيلها في الوقت المناسب قد تحرمنا من فرصتنا في التعبير وبطريقة مثالية عن أفكارنا.؟! ولهذا فقد اعتمد البعض على التزود بقلم وورقة -بشكل دائم- لتسجيل الكثير من الملاحظات والعبارات والأوصاف والهوامش ( هناك من يدرب ذاكرته على الحفظ.؟ وأنا واحد منهم حيث أكون في حالة من التحدي في استرداد المعلومات التي عبرت ذهني فجأة باستذكارها بعد ربطها بعلامات معينة وقد أوفق في ذلك وقد افشل وفي أحيان كثيرة تسعى إلي لتضع نفسها بين جمل وسطور لا مكان لها فيها فانقلها إلى حيث يجب أن تكون.؟! )

 

5- يستعمل كتاب القصة وبشكل متفاوت بعض العبارات والاصطلاحات والتشبيه والأسماء الخاصة بهم تشكل بمجموعها أدوات الكاتب الخاصة، تصبغه بعلامتها المميزة ويكفي أن نتعود على مطالعة أعمال كاتب ما لنتعرف ومن خلال أسلوبه وأدواته عليه.

ولكي تكوني قريبة للقلب سهلة الإقناع بعيدة عن التكلف حاولي قدر المستطاع الاعتماد على عبارات بسيطة وقوية في نفس الوقت ( ما يعتمد منها على البلاغة سأعود إليها ) ولا تجنحي للرموز واستخدام الألغاز والكلمات التي تحتاج للقواميس لتفسيرها لان القارئ ينفر من العبارات الثقيلة والتي تعترض متعته بمتابعة العمل وتعرضه للإجهاد والتعب.؟! 

 

6- أن يتمتع الكاتب بالثقة بالنفس فيكتب دون خوف وان يقرا على أهله وأصدقاءه ومقربيه ما يكتب دون تردد بعد أن يكون قد نقح ورتب موضوعه بالشكل الذي يلاءم طرحه.

 

 

 

 

نور وماذا عن اختيار المكان والوقت والموضوع

 

بابا يحيى: بالنسبة للمكان فلقد شرح واستعرض عدد لا بأس به من الكتاب والأدباء طريقة اختيارهم للأماكن التي يكتبون فيها فمنهم من لا يضيره الكتابة في الأماكن العامة ووسط الضجيج كنجيب محفوظ.؟!

في حين نرى كاتب آخر يسعده كتابة أعماله بعد أن يأخذ دفقا كبيرا من النقاش والمطالعة والمراجعة في أي مكان تحط به أفكاره، في الحانة أو في القطار أو الحديقة أو في المنزل أو خلف المكتب كتوفيق الحكيم. وهذا ما لا يتفق مع طه حسين حيث ألزمته الحاجة بتواجد مساعدته إلى جانبه في خط أفكاره وطرح مشاعره على مقعد صلد في مكتبه.

أما هيكل فلقد اعتاد على كتابة أعماله في وقت محدد خلف مكتب مرتب ونظيف في مكان هادئ.

إذا اختيار مكانا معينا للكتابة ووضعنا ضمن جو عام خاص بنا للبدء في الكتابة ليست وسيلة ناجعة خاصة إذا ما كان الهدف منها التقليد لخلق محيط مشابه لمحيط بعض الأدباء والكتاب الكبار فلكل منا أسلوبه وشخصيته وطريقته في الكتابة. والبيئة ومكان الكتابة الذي نختاره لا يفيدنا إلا بالقدر الذي نحتاجه ونشعر بأنفسنا فيه.؟

فقد أجد حاجتي خلف طاولة بسيطة في مقهى أو في ظل شجرة في الحقل أو على شاطئ البحر أو في الجبل أو وبكل بساطة في المطبخ أو الحمام أو في السرير.؟!

وقد يوحي المكان والأشخاص المتواجدين فيه ببعض الأفكار والصور للمواضيع التي نحب مناقشتها وقد نكتفي بما تعكسه الأشياء الجامدة حولنا سواء بها أو بظلالها أو بالأصوات التي تصدرها على أنواعها.؟! ( كحفيف أوراق الشجر أو صرير الباب أو هدير الأمواج أو صفير الريح )

 

أما الوقت: فإن أي وقت من الليل أوالنهار يشكل اللحظة المناسبة للكتابة والفرق الوحيد هو ما يناسب الكاتب كل حسب ظروفه وشخصيته وطباعه.؟

المهم آلا نؤجل الكتابة عندما تطرق بخواطرها عقولنا فلحظة الإلهام قد تكون عابرة وما تحمله من هدية لازمة لنا قد لا تتكرر كثيرا ولهذا فالكاتب الناجح هو في حالة صيد مستمر للأفكار والمشاهد والمواقف لا يتركها تمر دون أن يأخذ منها مراده ولو على قطعة بسيطة من ورق.؟!

ولا زلت اذكر إلى الآن كيف كنت أسجل بعض الأفكار والخواطر والكثير من الفصول لأعمال -كانت تهبط علي فجأة في المقهى- على أوراق الدعاية أو المحارم وان لم أجد قلما فقد يكون رأس عود ثقاب مطفأ كاف لذلك.؟!

 

أما الموضوع: فان اختياره يعتمد على إيمان الكاتب به.

فهو يعالج بلا شك موضوعا يحبه أو يرغب التطرق إليه لأنه يلامس بعض من نواح حياته العاطفية أو الاجتماعية ( طفولته، أحلامه، آماله وأمانيه، أو علاقته مع أهله أو أصدقاءه ) أو يخدم مبدأ ما يؤمن به ويرغب في إظهاره وعرضه والدفاع عنه.؟!

إذا فالموضوع هو الابن الشرعي الوحيد لبنات أفكار الكاتب يجسد موهبته وبراعته في القص وتحكمه في النص بكل ما يحويه من عناصر متسلحا بقوة الحجة واثقا بأنه قادرا على إيصال القارئ إلى الجهة التي يريدها والى النهاية التي خطها وهو مزعن لما يسمع مستسلما ومسلما لما يقرأ.؟!

---------------------------------------------------------

والى اللقاء مع حلقة جديدة حول ( كيف أصبح كاتب قصة -3 كيف اكتب قصة.؟ ) يحيى الصوفي جنيف في 08/12/2004

 

 

 

نور تسأل وبابا يحيى يجيب

 

 

 

الحلقة السادسة: كيف أصبح كاتب قصة -3

 

كيف اكتب قصة.؟

 

 

 

نور: بعد جولتنا حول اختيار مكان ووقت كتابة القصة والموضوع هلا أخبرتني عن مراحل كتابة القصة.؟

 

بابا يحيى: نحن اتفقنا بان الكاتب الموهوب لا يحتاج إلى إتباع مراحل معينة للكتابة فهو يسخر العوامل الخارجية له ولموضوعه ولا يخضع لها.

ويلزمه في ذلك الثقة التامة بنفسه وإيمانه العميق بالموضوع الذي يطرحه وهو لذلك قد يتبع أساليب عدة للوصول إلى نفس الهدف.؟!

1-   فإما أن يبدأ باختيار الشخصية ( البطل ) ثم يضعها في محيطها العام ويدخلها في الموضوع الذي يريد أن يعالجه.

2-   أو يبدأ من الموضوع ذاته ( القصة ) ثم يتناول من خلالها الشخصيات ويرسم المحيط ويصف المكان والزمان.

3- أو يدخل مباشرة في وصف المحيط العام ( الأسرة أو المجتمع ) ومن ثم يدخل الشخصيات ضمن سياق القصة ببراعته في حبك الموضوع وصولا به إلى النهاية التي يريدها.

 

نور: هل وضحت لي أكثر.؟

 

بابا يحيى: إذا سلمنا جدلا بتعريف " أرسطو " للقصة واشتراطه أن يكون لها بـداية ( الموضوع ) ووسط ( العقدة أو لحظة التنوير ) ونهاية ( وتشمل الحل ) فعلينا آلا نغفل عن وجود عناصر مهمة -متعارف عليها- وعلى صلة بها تتضمن وصفا أكثر شمولا ودقة للحدث والشخصيات ( حالتها النفسية ) والحبكة ووصف للزمان والمكان والبيئة وصولا بها إلى النهاية.

وهكذا نكون قد أعطينا القصة حقها من الوصف ولا يبقى لنا سوى تناولها بتفصيل اكبر لنستعين بها في كتابة قصة كاملة المواصفات والشروط.؟!

 

نور: كيف.؟

 

أولا: اختيار شخصية البطل يحتم على الكاتب أن يكون مقتنعا بها ملما بكل عاداتها وتصرفاتها بما يتلاءم مع دورها بالحياة ( كبير أو صغير السن مكانته في الأسرة والمجتمع، الخ ) قادرا على إعطاءها اللغة التي تناسب ثقافتها ومركزها الاجتماعي ( طبيب، عامل، مدرس، فلاح، الخ ) ولا يمنع أبدا من أن ينتحل الكاتب شخصيته فيقوم بدوره في الصراع الدرامي الذي يكلفه به مبرزا وجهة نظره وموقفه مما قد يتعرض له من قبول أو رفض من الآخرين.! فيكون الطفل الساذج والفتاة الخجولة والشيخ الحكيم والشاب العاشق الحالم ذو طموح والعابث المتمرد الجسور وقد يضطر لان يتسلل إلى ورشته التي يعمل بها، أو حقله وربما بيته الذي يسكنه،... يحزن لحزنه ويفرح لفرحه، أو يتعرض للتحقيق والضرب والإهانة ويدخل سجنه وينام في فراشه مثله تماما. ولا يضيره -إذا ما كان متمكنا- من أن تكون شخصية بطله تخالف جنسه فهو القادر دائما على التأقلم مع الحدث والمحيط والأفراد.؟

وممكن جدا أن يكتفي الكاتب من دور المشاهد يتصرف كالراوي راصدا القلق في العيون والحيرة والتساؤل في حركات الأيدي والتعب والإرهاق في ترنح الجسد،... والمرض في اصفرار الوجه،... والتعبير عن الألم والخوف من خلال العويل والصراخ.؟!... أو السرور والفرح بالابتسامة التي تطفو على الوجه أو رنين الضحكة الخارجة من بين الشفاه.!ّ الخ....فهو لا يقترب من شخوصه إلا بالقدر الذي يمتعه ويرضيه.؟

 

ثانيا: الموضوع وهو أساس القصة فنحن نختاره ونستجلب مادته الخام من الحياة والمجتمع المحيط بنا وقد يكون نقلا عن حادثة أو خبر أو قضية قد شغلت عقل وتفكير الكاتب فيجعله في مقدمة القصة ويبدأ في توزيع الأدوار فيها بما يتناسب مع تصوره،... وقد يضيف الكثير عليه وقد يختلقه كله،... وقد يضطر لان يصادق حيوانات الغابة ووحوشها وطيورها ونباتاتها فيحلق بأجنحتها كالعصافير ويسافر على ظهر السحاب كالفراشات ويتسرب بين حبات الرمل والحصى مادا جذوره في الأرض كالنباتات فيتعرض للدهس والصيد والمطاردة والاختناق والموت مثلها تماما.؟! فهو يريد بكل الأحوال أن يكون لسان حالهم يعيش بينهم ومعهم يحلم مثلهم ويموت مثلهم وقد يتعرض للانقراض مثلهم.!

 

ثالثا: المحيط العام أو البيئة وهو المكان الذي يختاره الكاتب لعرض قصته وتحرك شخوصه سواء كان عاما أو خاصا ( المنزل أو المصنع،  في الشارع أو الحقل،  في الطائرة أو على ظهر مركب في بحر. الخ ) وهنا تكمن أهمية إظهار حدود المكان والزمان في القصة.

 

فمن ناحية المكان: فالكاتب لا يرى الأمور كما يراها غيره من الناس فهو يمتلك عين ثاقبة في رصد التفاصيل الدقيقة للمكان الذي يحيط به ولهذا نراه شديد الانشغال بها حد الهوس ( تفاصيل الغرفة وألوان الستائر ونوع العفش، الأنوار والظلال، روعة الغيوم وهي تحتضن التلال وهيبة الوديان السحيقة وما يرتفع فوقها من جبال ورقة النجوم وهي تزين السماء. الخ ) حتى انه لا يتوانى من نقلها ونقل الأصوات ( كصرير الباب أو خشخشة سنابل القمح اليابسة أو طقطقة الأخشاب وهي تحترق في الموقد أو صفير الريح وهدير الأمواج. الخ.؟ ) إلى قصصه ليجعلك تعيش اللحظات تلك وكأنك حبيس المكان بأضوائه وضوضاءه.؟

 

وأما الزمان: فيكفي أن يحدد الوقت ليشعرك به وبدلالاته فإذا ما كان في الصباح فانك تدرك مباشرة ما يحمله من صفة ( صياح الديك وشروق الشمس، زقزقة العصافير، حركة الناس وهم يهمون بالذهاب إلى أعمالهم والأطفال إلى مدارسهم،... حتى انك تشمم رائحة الخبز وهي تتسرب من الفرن وصياح الباعة في سوق الخضار. الخ )

ويكفي أن يذكر الظهيرة حتى تعج الشوارع بالمارة ويملا المكان ضجيج الحافلات وقد اختلط بأصوات الباعة وتشعر باختفاء الظلال فالشمس مستقيمة فوق الرؤوس والفلاحين في الحقول المجاورة مالوا للراحة تحت فيء شجرة يتبادلون الحديث أو يتناولون الشاي. الخ

وهكذا فترة المساء أو ذكر ساعات محدد من الليل توحي للقارئ بالهدوء والسكينة العامرة بالخشعة والإيمان.

أو قد توقظ لديه حاسة الخوف مما قد يواجهه من مجهول في الظلام، ( وقد يرصد عيون لامعة تختبئ بين حاويات القمامة أو ضوء من نافذة ينبعث منها صوت موسيقى حزينة تدل على وجود عاشق متيم،.... أو يذهب بك الخيال حد تصور اللصوص وهم يتسلقون الجدران أو أنين مخمور يترنح تحت وطأة ثقل رأسه وتعثر لسانه.؟! )

فالليل يخبئ المفاجآت ويستر شذوذ الخلق والكائنات ويملأ الخيال بقصص بنات الهوى المظلومات منهن أو الفاجرات.؟!!!

وعلى هذا فالزمان والمكان يعكس -حسب البيئة التي يختارها الكاتب- صورة المجتمع الذي يريد التحدث عنه. وما عليه إلا أن يعمل في تلك الصور خياله وقلمه وبأسلوبه المميز ليصنع قصته المطلوبة.؟!

 

رابعا: اختيار الحبكة المناسبة للقصة وهي تشبه الإخراج عند العاملين في السينما وعلى هذا ولكي تكون القصة مشوقة وناجحة في نقل الأحداث يجب أن تكون ذو حبكة موفقة تربط بين عناصر القصة جميعها بشكل يبدو وكأنها حدثت فعلا.

وهي في العادة تتناول العقدة التي تكون قد تطورت من خلال الأحداث وتداخل الشخوص لتكشف عن اللحظة الحاسمة من مواجهة الحقيقة وهذا ما يسمونه ( لحظة التنوير ) قبل الشروع بتناول الحل.

وقد تستطيع بمهارتك الغير عادية من إقناع القارئ باحتمال حدوثها حتى وان كانت مشبعة بالخيال وغير منطقية،...فالمنطق يفقد مبرراته عندما يستمتع القارئ بنص يرضيه ويرضي أحلامه وطموحاته ( كاستخدام طاقية الإخفاء بحيث نفعل ما نريد دون أن يرانا احد أو استحضارنا لجني ليحضر حبيبة لنا من أقاصي الأرض أو ليخلص لنا من السجن صديق أو قريب عزيز على قلوبنا،... أو ليعيد إلى الحياة من نرغب برؤيته وإقامة حوار معه.؟!!!...الخ )   

 

خامسا: العمل من خلال القصة على نقل الأفكار التي تحب إيصالها للقارئ ( الدفاع عن المظلومين، كشف عيوب المجتمع وظلمه ومحاربة بعض العادات الشنيعة كالأخذ بالثأر أو تسلط الذكور على إخوتهن البنات وزواجهن المبكر أو حرمان الأطفال من التعليم وتسخيرهم في الأعمال الشاقة أو ببساطة طرح قصة حالمة تجمع بين قلبين مشاعر الحب وصراعهم مع ظروفهم القاهرة وغيرها الكثير وقد يضطر الكاتب إلى استخدام الرموز إذا ما كان الموضوع الذي يتناوله يتطرق إلى المحرمات أو التصدي للسلطة السياسية في مجتمع يفتقر إلى الحريات العامة.؟!...الخ )

 

سادسا: وأخيرا اختيار النهاية وهي لا تقل أهمية عن أي من العناصر الأخرى بالقصة بل قد تفوقها أهمية خاصة إذا ما كانت تتركز فيها جميع الخيوط بحيث يصبح لزاما على القارئ متابعتها وحتى طرح الأسئلة حولها.؟

وقد يشارك من حيث لا يدري بالبحث عن الحل وقد يفاجأ بما لا يتوقعه بحيث يتركه الكاتب رهن لتفسير خاص به يتناسب مع ثقافته وفهمه ووضعه الاجتماعي.

فنجد الأسى وقد نال من قارئ مثقف ومتسامح لنهاية تعيسة لعاشقة متيمة.؟...في حين نشعر بابتسامة النصر بادية على ثغر رجل بسيط لعدالة أرادها جوابا عن عشق محرم. وهكذا يستقبل كل قارئ القصة ونهايتها الوحيدة بالقدر الذي يمتلكه من ثقافة وحكمة وما ناله من تربية.؟!

وخير وأقوى القصص من امتلكت في نهايتها عبرة وهدف وحكمة تفضي إلى ما هو مطلوب منها.

 

نور: طالما تحدثت عن الأساليب التي يمكن للكاتب أن يتبعها في كتابة القصة هل يمكن أن تخبرني كيف نميز إذا ما كانت الفكرة تحتمل أكثر من قصه قصيرة.. كقصه عاديه أو رواية هل هناك محددات معينه أم أن الأمر بيد الكاتب في أطاله القصة أو تقصيرها ؟

 

بابا يحيى: قصدك أن يكون ضمن القصة عدد غير محدد من الأحداث.؟

إذا كان الأمر كذلك فجوابي هو أن يأخذ كاتب القصة حريته في القص دون أن يتقيد بأي من الشروط.!.... فطالما أن خياله خصب وينتج الأحداث والشخصيات ويستطيع أن يديرها بمهارة ويرسمها بدقة ويصف محيطها بريشة فنان -حالم أو ثائر- تبعث وتثير المشاعر في النفس دون أي صعوبة حتى يصل بها إلى النهاية المطلوبة فانا لا أجد سببا في التوقف واختصار الحدث والزمان والمكان لتحويل قصة كاملة أو رواية رائعة إلى مسخ قصصي خال من المعنى لمجرد تحويله إلى قصة قصيرة.؟!

وأفضل بدلا من ذلك أن نكتب قصصنا القصيرة بحياد مطلق من الرأس حتى أخمص القدمين.؟!

وإذا وقعنا في الفخ مرة ثانية واطلنا في الوصف لننتج قصة طويلة أو رواية فلنتابع ذلك حتى يستوي لنا الأمر بمفرده وتحثنا الرغبة في كتابة عمل قصير يناسب القصة القصيرة.؟! لأن القصة القصيرة لا تحتمل أكثر من لحظة عابرة وحدث واحد وشخوص محددة تتكاثف معها كل خصائص القصة المعروفة.( سأتناول موضوع القصة القصيرة -على انفراد- لاحقا )

---------------------------------------------------------------------------------------------------------

والى اللقاء مع حلقة جديدة حول ( ما هو هدفي من كتابة القصة-1.؟ لماذا اكتب.؟ ) يحيى الصوفي جنيف في 10/12/2004

 

 

أضيفت في 02/12/2004/ خاص القصة السورية / المصدر: الكاتب

 

 

كيفية المشاركة

 

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية