أصدقاء القصة السورية

الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | معلومات النشر | كلمة العدد | قالوا عن الموقع | سجل الزوار

 

SyrianStory-القصة السورية

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

للاتصال بنا

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

youtube القصة السورية في

facebook القصة السورية في

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 01/02/2009

دراسات أدبية للكاتب: محمد قرانيا
الستائر المخلية

دراسة الملامح الأنثوية في الرواية السورية حتى عام 2000

إلى صفحة الكاتب

لقراءة الدراسات

 
 

الدراسات

 

 

 

 المقدمة

 

الستائر المخملية

دراسة الملامح الأنثوية في الرواية السورية حتى عام 2000 

 

المقدمة

 

كانت الرواية السورية سبّاقةّ في مواكبة النهضة العربية الحديثة، إلى جانب أخواتها العربيات في مصر والعراق وباقي بلاد الشام، والملاحظ أن الرواية السورية، عمدت عبر مسيرتها خلال القرن الماضي إلى تطوير بنيتها الفنية، فقد ابتدأت بقامة جمالية، تميّزت برومانسية عالية على يد " شكيب الجابري " ثم أتت على معظم أشكال التجريب، وجارت أحدث المعطيات الروائية؛ العربية والعالمية.

 

لكن هذه المسيرة النوعية، قياساً إلى الأجناس الأدبية الأخرى، لم تحظ بما يتواءم معها من النقد، على الرغم من جهود كل من " د. حسام الخطيب "و " د. سمر روحي الفيصل " ودراسات " د. عبد الله أبو هيف " و" د. نضال الصالح " و " د. رياض وتّار " و" د. ماجدة حمود " و " د. عبد الرزاق عيد " و" د. محمد عبد الرحمن اليونس " و " د. جهاد عطا نعيسة "و " محمد عزّام " و" محمد كامل الخطيب " و " نبيل سليمان " و " محمود منقذ الهاشمي " و " سلمان حرفوش " و " أحمد المعلم " و" مراد كاسوحة " وعدنان بن ذريل " وسواهم.

 

لقد كان التركيز في هذه الدراسة على (ملامح الأنثى) بوصفها شخصيةً فنية تقوم على حضورها بنيةُ الرواية، فكان الاهتمام بالأبعاد الاجتماعية والجمالية، أكثر من الاهتمام بالأبعاد الأخرى، نظراً لوفرة المعطيات التي تتشكّل من علاقتها بكل من الرجل والمجتمع، ولأن تأكيد ثقافة الجسد يعدّ بؤرة مهيمنة في الخطاب الروائي، أو هو نوع من (التناص الإنساني) الذي تحاول فيه الشخصيات التعبير عن متخيّل المبدع حيال العلاقة الأزلية بين الذكَر والأنثى، التي تتبدّى في ألوان الرغبات الجسدية، والتي تمدّ الكاتب بمادة غزيرة يقف فيها على الاقتناعات التي رسمت علاقاتها وسلوكها، و عكست ما رافق نهوضها الثقافي والعلمي.

 

حرصت الدراسة على الاستفادة من جميع الدراسات التي سبقتها، وأكثرت من الشواهد النصية، بغية تقديم صورة واضحة وحقيقية للأنثى كما هي في مخيّلة الروائي، ورؤيته أحوالها في المجتمع السوري خلال النصف الثاني من القرن العشرين، بصورة خاصة، حيث أخذت الرواية مكانتها اللائقة في نفوس المثقفين من جهة، ورصدت تفتّح وعي المرأة وانطلاقها الاجتماعي، من جهة ثانية، ثم لوحظ بروز (امرأة التسعينيات) بصورة جلية، حيث استمتع الكتّاب بكشف المناطق المحرمة/ المعتمة من جسدها، وأسدلوا الستائرَ المخملية، وباحوا بالمسكوت عنه، وتجرّأ بعضهم على الغمز من القيم الدينية، فأوجدوا شخصيات متحللة، أقامت علاقات جسدية متعددة، بدا فيها جانب من مجتمعاتنا العربية أشبه بمجتمع الروايات الإنكليزية التي خلّدها الروائي " د. هـ. لورانس " في رائعته الشهيرة " عشيق الليدي تشاترلي ".

 

والروائي حين يكشف الجسد، يجد ذلك طبيعياً، تعبيراً عما يحدث في الواقع الاجتماعي، لأنه يدين بذلك مجتمعاً غريباً، يثور ويتظاهر احتجاجاً على رواية تكشف جسد امرأة داعرة، بمبضع جراح خبير، وروائي موهوب وشجاع، ولا يحرّك ساكناً عندما يسمع عن اغتصاب خادمة !.

وهذا يثير تساؤلاً كبيراً:

" لماذا نصمت عن الدعارة في الشارع، و نستنكر على شخصية روائية الخطيئة مع أنها ابنة هذا الواقع، مع فارق كبير بين العهر في الشارع الذي لايعدو مجرّد حادثة، و العهر في الرواية الذي يعدّ قضية ؟!. "

لقد كان من أولى مهامّ الدراسة الرصدُ والمتابعة والكشف عن الجزئيات والتفاصيل التي تسم علاقات الذكورة والأنوثة، فابتعدت عن التنظير قدر الممكن، ولم تلتزم بمذهب نقدي محدّد، لأن غايتها العرضُ (البانورامي) وربما انتهت العروض بإضاءات ختامية، توجز ما ورد في الدراسة، وتضيء جوانب متفرّقة جديدة فيها. ولن تدّعي الدراسة – بأيّ حالٍ – الشمول والكمال، ولكن حسبها أن تلقي حجراً في غدير بدأت حركته تهدأ، بعد انصراف النقاد الأوائل عن النقد، ولعلها تثير الكتّاب الجدد بالمتابعة والمكابدة، بوصف الكتابة لوناً من ألوان المكابدة الجميلة.

والله من وراء القصد.

أريحـا. غرّة عام 2004

 

 

الفصل الأول

أسماء الشخصيات الأنثوية

 

 

رمزية الأسماء:

اعتاد العرب منذ الجاهلية تسمية بناتهم بأسماء فيها معنى الرّقة والجمال، المأخوذ من الطبيعة النباتية ذات الروائح الزكية، والألوان اليانعة كـ " زهرة وريحانة ووردة " أو بأسماء فيها تيّمن بالسعد كـ " سعاد، وسعدى، وفوز، وميمونة، ونُعم " أو فيها معنى الأمن، كـ " آمنة وسكينة " أو بأسماء فيها معنى الحسن، كـ " جميلة ومليحة، وحبيبة وهيفاء و نفيسة وربيعة، ومزنة " أو ذات جرسٍ مستحبّ، كـ " لبنى وليلى، ونغم ودعد " أو فيها صفة الأنوثة، كـ " ميّة وفاطمة وعائشة وخديجة ومليكة، وخولة، وماوية ولبابة وعصماء وشيماء وتيماء وحدراء " (1) وغير ذلك.

 

ونظراً لما للأنثى من موقعٍ محبّبٍ في القلوب، فإن العرب سمّوا بعض ذكورهم أسماء إناث، مثل " أسامة بن زيد " و " أسماء بن خارجة " و " أذينة التعبدي " و" أمية بن أبي سفيان " و " ثعلبة بن حاطب " و" حذيفة بن اليمان "و " جارية بن قدام التميمي " و " جبلة بن الأيهم " و " جنادة بن أبي أمية " ومثلها أسماء: " خزيمة وحمزة وربيعة... "

إن الاسم تحديدٌ للكينونة، ووصفٌ يأخذ لدى الناس طابع التخيّر الاعتباطي، لأنه " يسمّي الأشياء، أو يجترح لها دلالة محدّدة، هي نضحُ تعالقاتِ الرؤية لما في النفس وما حولها "– حسب السكاكي – في حين يأخذ الاسم في الرواية – غالباً - طابع الاختيار المدروس، الذي تتطلّبه الشخصية الروائية. لأنه " تمثّل لقيمةٍ محدّدةٍ تشير إلى مسماها من دون مطالبة مسبقة لها، بأن تدلّ عليه بقوة وجودها... [ لذا ] فإن الاسم توكيدٌ لخصوصيةٍ ذات طابع مترسّخ من الدلالة المتواترة، لما اختير لـه... (دالاً) ينطق بـ (مدلول)(‌2) .

في الرواية العربية نقرأ " أمثلةً كثيرةً على نجاح الروائيين في اختيار أسماء شخصياتهم، ولعل نجيب محفوظ من أبرع هؤلاء، إذ أن لـه طريقةً في اختيار الأسماء، سواء تلك التي تمثّل العزّ والرفعة، أم تلك التي تمثّل الخسّة. فبعض أسماء الشخصيات، كانت تحمل معاني النبل أو السخرية. " (3)

وفي الرواية السورية، وعى الروائيون هذا الدور مبكّراً ، فجعلوا اسم الشخصية متلائماً، ومكمّلاً لجملة التقنيات الفنية التي يتّبعها – الروائي – وهو يقدّم شخصيته، ليتطابق الاسم مع المسمّى، نظراً لاعتماد الروائي، على الاسم الذي يُبرز الشخصية، ويحمل ملامحها الخارجية والنفسية والاجتماعية، كما يحمل العديد من المعاني والدلالات التي تهدف الرواية للتعبير عنها.

و(اسم العلم الشخصي) تكمن مهمته في " التعبير الفعلي عن الذاتية الفردانية لكل إنسان فرداني قائم بذاته، ولقد توطّدت هذه المهمة لأسماء العلم في ميدان الأدب، أول ما توطّدت، وعلى أكمل وجهٍ في الرواية. " (4)

لذلك دُرست الشخصية في مختبر مبدعها – قبل أن تولد على الورق – لـ " تكون متناسبة ومنسجمةً، بحيث تحقّق للنصّ مقروئيته، وللشخصية احتماليتها ووجودها، ومن هنا مصدر ذلك التنوّع والاختلاف الذي يطبع أسماء الشخصيات الروائية. " (5)

- ولكن... هل للاسم كل هذه الأهمية ؟. ومن أين تنبع أهميته؟. .

" - هل تنبع من اسم العلم الأول ؟ وهل يكتفي به الروائي، أم " يقرنه بكنيةٍ أو نسبة ؟ [ أو لقب ؟. ] هل لذلك علاقة بالمعلومات المقدّمة عن الشخصية ؟ ما الحوافز التي دفعت الروائي إلى استعمال هذه الأسماء ؟؟.

إن الإجابة عن هذه الأسئلة تسهم في تحليل بناء الشخصية، سواء أكان اختيار اسم الشخصية مقصوداً أم لم يكن ". (6)

لقد استخدمت الرواية الأسماء ذات البعدين التاريخي والديني، كما استعملت الأسماء المرتبطة بالحياة المعاصرة، التي تحمل دلالاتٍ تنمّ عن طبيعة الشخصية، أو مستواها الاجتماعي، ومكانتها، أو تشي ببعض صفاتها، وميّزت في ذلك بين مستويين:

الأول: يرتبط بالأسماء التراثية السائدة في المجتمعات الشعبية، مثل " عيشة. أم صابر. . "

والثاني: يرتبط بالأسماء الأكثر انتشاراً في الأوساط الاجتماعية عامةً، ولاسيما في الأوساط المتوسّطة والبرجوازية مثل " نورا. . هالة. . رفيف " وقد يلجأ الروائي إلى تسمية بعض شخصياته بأسماء رمزية، دالّة، ومنتقاة بدقةٍ، لتفصح عما يريد أن يقوله من خلالها، وتتكثّف دلالاتها في سياق الرواية وأحداثها...

"إن النظرة الشاملة المتأنية إلى تلك الأسماء ومدلولاتها، وأنواعها من حيث لفظها، يُظهر مدى ارتباطها بحامليها وانسجامها مع الكثير من صفات هذه الشخصيات... " (7)

وعلى الرغم من انجذاب الروائيين نحو الأسماء المستمدّة من التراث، فإن المرء ليلاحظ التحوّل الواضح في الأسماء الأنثوية بين روايات خمسينيات القرن العشرين وما قبل، وروايات ستينياته، وما بعد، فالأولى كانت أسيرة الماضي، إذ اعتمدت على استخدام الأسماء العربية التاريخية " مريم وزينب وليلى... " فبدت استمراراً للموروث الثقافي، و أظهرت رغبة الكاتب في بعث الماضي وتحريكه في الشخصية العربية المعاصرة، بينما نجد الروايات التي صدرت فيما بعدُ، قد بدأت تقلّل من الأسماء العربية المعروفة، وأوجدت أسماءً جديدة، تعبّر شخصياتها عن المجتمع العربي الجديد، الذي بدأت تجد نفسها فيه بزيّ حديث، وفكرٍ معاصر، مع الاعتراف بأن الأسماء التراثية لم تغب عن الرواية، بل توغّلت روايات العقدين الأخيرين من القرن الماضي في التاريخ العربي بصورة ملحوظة، وبحثت عن الرموز الأنثوية المشهورة في التراث العربي، كـ " بلقيس والخنساء وشهرزاد. . " وأضفت عليها الجدّةَ والحداثة والمعاصرة، ولعل الروائي السوري الذي تأثّر بقضايا المجتمع الجديد، والتفت إلى التراث العربي، قد تأثّر أيضاً بمعطيات الرواية الجديدة، وبرؤية " آلان روب غريية " إلى حدّ ما، القائلة " إن نظرة الرواية الجديدة إلى أسماء شخصياتها تختلف اختلافاً واضحاً عن نظرة الرواية التقليدية إليها، فالرواية الجديدة، تنطلق من أن الفرد، فقَدَ أهميته، وهويته في المجتمع المعاصر. لأن ازدهار هذا المجتمع، وانهياره لم يبقيا مرتبطين بازدهار فردٍ أو أسرةٍ، وانهيارهما " (8)

لقد اعتمدت الرواية الجديدة في الغرب على تدمير الشخصية الروائية التقليدية، وطرحت بديلاً لها. فـ " نتالي ساروت " وهي من مؤسسي الرواية الجديدة، تؤكّد في كتابها " عصر الشك " أن الشخصية فقدت شيئاً فشيئاً كل ما يعنيها كتشكيل أجدادها، وبيتها المبني بعناية، والمتنوّع بالأشياء المختلفة، من قبو البيت، مروراً بأدوات الزينة، إلى كل ما يملكه هذا البيت... فقدت ذلك الشيء الذي تتميّز به، وهو (اسمها) فالشخوص كالتكوينات تناهت..."(9)

وعلى الرغم من كل ما تطرحه المدارس النقدية، فإن لاسم الشخصية " دلالة أولية، يمكن أن تكون مهمّة إلى حدّ كبير، إذا أحسن الكاتب انتقاءه. إذ من الممكن أن يقيم الاسم علاقةً مع دلالته الروائية من خلال معناه المعجمي، أو تركيبه الصوتي، أو من خلال رصيده التاريخي، ويمكن للاسم أيضاً أن يوحي بجزء من صفات الشخصية النفسية والجسدية". " بمعنى أن يعبّر الاسم عن دور الشخصية ووظيفتها ".

 

ومع ذلك، فإن الرواية السورية تعاملت مع أسماء الشخصيات برؤى مختلفةٍ، فهناك من الروائيين من اختار أسماء شخصياته، ليمنحها بُعداً دلالياً، أو يجعل العلاقة بين الاسم ومعناه قائمةً على التضادّ والتنافر، كاسم " نعمة " في رواية " الوجه المكسور " لـ " ابتسام شاكوش " ومع أن الرواية السورية حرصت – غالباً – على أن يدلّ الاسم على الشخصية التي تحمله، بمعنى أن الكاتب قد وعى هذا الدور، فعمل قبل البدء بالكتابة على رسم ملامح هذه الشخصية وتأطيرها، لتستمرّ الشخصية بالتحرّك ضمن دائرة المعنى الدلالي للاسم حتى نهاية الرواية، إلاّ إن كتاباً عمدوا إلى تحميل اسم الشخصية الأنثوية دلالتين متضادتين معاً، كاسم " نجوى " في رواية " الأيام التالية " لـ " نصر شمالي " الذي يهدف في الدلالتين إلى معنى النجاة من دون النجوى؛ الأولى دلالة ضدّية: حيث تزفّ " نجوى " إلى " ثروة " رغماً عنها، وهي التي أحبّت " سعد " ثم توالت عليها المصائب، فلا تكاد تنجو من مصيبة، حتى تجد نفسها أمام مصيبة أكبر. إذ ابتليت بالمرض الذي أدّى بها إلى ما يشبه العجز، ولم تتخلص منه إلاّ بالطلاق.

والثانية توافقية: إذ أنها نجت من مصائبها كلها، لكن ذلك كان بالموت الذي أنقذها من الوقوف على هزيمة حزيران 1967 إذ رحلت قبل يومين من النكسة.

 

فيما استخدم آخرون الاسم بصورةٍ اعتباطية، واختيار عشوائي. مندفعين وراء الواقعية الشعبية. من دون أن يحمل الاسم أيّ ترميز أو إيحاء دلالي محدّد.

ووُجِدت شخصيات أنثوية حملت اسمين مفردين معاً، إما للتحبّب والتودّد، كـ " ماري / زارة " في رواية " ثائر محترف " لـ " مطاع صفدي " وإما للتمويه لأسباب اجتماعية تتعلّق بالشرف، كـ " نبيهة ربيع/الحاجة لطيفة " في رواية " دمشق الجميلة " لـ " أحمد يوسف داود " وإما للتمويه لأسباب أمنية، كـ " شمس / شموس " في ثلاثية " الطريق إلى الشمس " لـ " عبد الكريم ناصيف " وإما للانسلاخ عن حالة اجتماعية، كـ " فاطمة / قمر" الغجرية الداعرة، في رواية " الهدس " لـ " إبراهيم الخليل " التي استقرّت زوجةً في كنف " الآغا علي البرادعي " في الرقة، وإما لتحقيق رغبةٍ ثنائية تُرضي نزعتي الأب والأم، كـ " علياء / فالنتينا " في رواية " الماء والأسماء " لـ " محمد أبو معتوق " فهي " علياء " لدى الأب العربي، و " فالنتينا " لدى الأم الروسية . . واقترن اسم " نجوى " في رواية " الشراع والعاصفة " لـ " حنا مينه " بكنية " أم حسن " كما اقترن اسم " هاجر " في رواية " الدوامة " لـ " قمر كيلاني " بكنية " أم غسان "... في حين غيّب آخرون الأسماء عن شخصياتهم. لأن الأسماء (كلامٌ) مجرّد كلام، وأن العيون هي التي تعبّر وفق رؤية الكاتب عن الشخصية، فاكتفوا بمواقعها السردية، أو رمزوا إليها بما ينمّ عن مهنتها أو مكانتها كـ" الخادمة " و " المعلّمة " في رواية " ألف ليلة وليلتان " لـ " هاني الراهب ". . أو درجة قرابتها كالجدّة، والعمة، وابنة العم، والزوجة،. . أو وضعها الأسري والاجتماعي، كالمطلّقة، والأرملة، والعانس، والمومس وامرأة المبغى وامرأة القبو... والجارة. وابنة الجيران. . وقد نجحت الرواية في عدد من نماذجها المتميّزة، في توظيف الاسم للمشاركة في تقديم دلالة الشخصية، من خلال ربط الاسم بدلالته اللغوية والتاريخية، أو من خلال ربطه بتطور الأحداث، أو اقترانه بالمكان كـ" امرأة القبو " في " الشراع والعاصفة " و" فتاة النافذة / دينيز " في رواية " الثلج يأتي من النافذة " لـ " حنا مينه ".

 

وبرز في الرواية جانبٌ من آثار الاسم السلبية على حامله، أو ما تسمّيه الرواية " عقدة الاسم " ليغدوَ أداة فهمٍ للواقع المأساوي لمنطقةٍ مدنيةٍ أو ريفيةٍ دون سواها، أو يصبح عامل تعرية وفضح لبعض الممارسات الغرائبية اللاإنسانية في مرحلة تاريخية معيّنة.

وتطعّمت الرواية السورية بشخصيات أجنبية، إضافة إلى أسماء الشخصيات العربية (المستغربة) كالأمريكية " فيرا " في رواية " ثلج الصيف " لـ " نبيل سليمان " والفرنسية " جانيت " في رواية " الطريق إلى الشمس " لـ " عبد الكريم ناصيف " والروسية " فالنتينا " في رواية " الماء والأسماء " لـ " محمد أبو معتوق " والمجرية " ايرجكا " في " الربيع والخريف " لـ " حنا مينه " وثمة نساء إنكليزيات وصينيات ورومانيات وأمريكيات و.. . إضافة إلى الأسماء المسيحية ذات الصبغة الدينية، أو المعاصرة كـ" مريم وماري و سونيا ومسالينا. . " التي احتلّت شخصياتها أدواراً رئيسة في عدد لا بأس به من الروايات... وتحرّكت بعض الأسماء اليهودية في المجتمع الحلبي بصورة خاصّة كـ" راحيل " في رواية " حالة شغف " لـ " نهاد سيريس " والروايات التي رصدت الأوضاع السياسية والاجتماعية منذ مطلع القرن العشرين، إلى ما بعد نكسة حزيران عام 1967.

 

غياب الاسم:

إن كاتب الرواية يستجمع كل طاقته المعرفية بغية إيجاد اسم لشخصيته، يتناسب مع دورها في الحدث الروائي، فيأتي الاسم معبّراً عن ملامح الشخصية النفسية والجسدية، والمكانة الثقافية والاجتماعية، ويغدو العكس صحيحاً حينما يُغفل الكاتبُ متعمداً اسمَ الشخصية، ليعبّر عن انعكاس الصورة الاجتماعية على هذه الشخصية، ونظرتها إليها في ظل تقاليد راسخة، قوامها التهميش أمام سلطة المادة والجسد والقيم الخلقية التي تعزل الإنسان عن أخيه الإنسان.

 

في رواية " لحظة الفراشات " لـ " محمد أبو معتوق " لا يمنح الكاتب شخصية روايته الأنثوية – على الرغم من أنها محورية – اسماً، بغية التواؤم مع حالتها النفسية والصحية، وربما تكون قد نسيت اسمها، أو تناسته بسبب معاناتها من الشلل العضوي الجسدي، الذي يقابل شلل الذاكرة، وقد كشف هذا النسيان، عن عدم اكتراث الآخرين بها، وعدم مناداتها باسمها، لأن هؤلاء – الآخرين – الأصحّاء، في غفلةٍ عما لا يقع في دائرة اهتمامهم، والأنثى المريضة تظلّ أسيرة مرضها، ونسيانها، مما ولّد في نفسها شعوراً بتفاهة الحياة، لأن الحياة حين أهملتها، سلبت منها الصحة، فتجاهلها المجتمع، وكان وقع ذلك على نفسها أقسى من (الاغتصاب) الذي قابلته – هي – بنسيان اسمها وتغييبه.

 

عندما تقرع البطلة الباب على صديقتها " أوهام " لم تسمع أيّ ردّ، أو كأنها تسمع من الداخل صوتاً يسأل من يقرع الباب ؟. فتنسى اسمها، وتقول:

" - أوهام. . أوهام. . أنا. . أنا. . وتوقّفتُ كأنما نسيتُ اسمي، لأنني لم أستخدمه. الآخرون يستعملونه على طرائقهم وضمن أهدافهم، ولكن هل يعقل أن يغيب الاسم عن معناه وصاحبه لحظة حاجته إليه!.

 - أقصد إنني. أنا. " ص (125)

إن تغييب الاسم، أو إخراجه من حيّز الدلالة اللفظية المباشرة، إذا تمّ في حالة الوعي والتخطيط المسبق، يمكن أن يعطي دلالة الحضور، وفي الفنون النثرية العالمية، ما يؤكّد أن أعظم كتاب الرواية والمسرح، كانوا ينحون هذا المنحى بصورة أو بأخرى، وقد أشار " آلان روب غرييه " إلى أن " صموئيل بيكيت كان يغيّر اسم بطله وشكله، فيما اكتفى " فرانز كافكا " بحرف واحدٍ لتسمية بطل رواية " القصر " أما " فوكنر " فقد سمّى عن عمدٍ شخصين مختلفين بالاسم نفسه، مما يعني أن غياب التسمية، أو غموضها المقصود، هو أيضاً نوع من التشخيص المدروس. [ ولكنه ] يكاد يكون نادراً في الشخصية الأنثوية في الرواية السورية ".

 " وفي مقابل غياب الأسماء عن بعض الشخصيات، تصادفنا ظاهرة الأسماء المتكرّرة في روايات متعدّدة... " (10)

ومع ذلك فإن ظاهرة تغييب الاسم عن الشخصية الروائية السورية لم يأخذ مداه لدى الكتاب، على عكس الرواية الغربية التي قلّصت من حضور الشخصية في السرد، وكادت ملامحها الجسدية والنفسية تتلاشى، وتفتقد اسمها، لدى " أندريه جيد " و " كافكا " التي رمز لها بـ (k) وجعلها " جيمس جويس " حروفاً (h. c. e) .

 

ظاهرة التأنيث الروائي:

من المعهود في الرواية زيادة عدد الشخصيات الذكَرية عن الشخصيات الأنثوية، لكن المسالة قد تنقلب رأساً على عقب في عدد محدود من روايات المرأة، إذ قد يزيد عدد الإناث على عدد الذكور، نظراً لطبيعة الأنثى واهتمامها ببنات جنسها من جهةٍ، ولاعتماد الشخصية المحورية الأنثوية على الاسترجاع – غالباً – واستذكار شخصياتٍ من أترابها من جهة أخرى، وبصورة خاصة عندما تتعرّض لأزمةٍ معينة تستدعي الاسترجاع، كما في روايتي " بنات حارتنا " و " الوجه المكسور ". وتجدر الإشارة إلى أن استدعاء الشخصيات الأنثوية يكاد ينحصر في تعداد الأسماء والسمات المميّزة للشخصية، مع أن هذا لا يشكل ظاهرةً عامةً... فيبقى عدد الذكور طاغياً في الرواية، على عكس ما هو عليه الحال في الواقع الإحصائي المدني، وقد أحصى الناقد " د. سمر روحي الفيصل " في كتاب " بناء الرواية العربية السورية " عدد الشخصيات في رواية " يقظان حياً " لـ " زكريا شريقي " فوجد " بين سبع وخمسين شخصية... . خمس شخصيات نسويّة، الأولى نكرة "امرأة " والثانية منسوبة إلى زوجها " زوجته " والثالثة والرابعة لهما كنية " أم محمود. أم أحمد " والخامسة وحدها لها اسم ونسبة " رؤى السعيد "... " ص (124)

أما أسماؤها ومعانيها ودلالاتها، فقد بيّنت إحصائية لسبع روايات (11) " استمرّ النسق الثقافي العربي القديم حياً فاعلاً. . و. . أطلقت أسماء " هاجر. صفية. خديجة. عائشة. زينب " " وكانت أحياناً تستعمل الأسماء نفسها في كنى " أم أحمد. . أم حسين. . " والظن أن الإقبال الكبير على الأسماء المستمدّة من [ التراث ] يدّل دلالةً على النسق الديني، وهو جزءٌ من الأسماء الشخصية المستعملة في الرواية العربية السورية. .

 

يلي النسق الديني في التأثير، نسق العادات والتقاليد [ ويمكن ] توضيح هذا النسق بالحديث عن اختيار الأسماء النسوية، فقد اختار الروائيون السوريون للمرأة في الغالب الأعم، اسماً من غير نسبةٍ " ليلى. عائدة. زهرة. حنان. مجيدة. رسمية " أو اختاروا لها كنية من دون اسم " أم سليمان. أم أحمد. أم محمود. أم حسان. أم هاني. أم زخريادس" وندر جمعهم بين الاسم والكنية بالنسبة إلى الشخصية النسوية، ويخيل... أن هناك قاعدة تحكم استعمال الاسم، والكنية هنا، هي كون الشخصية النسوية عزباء، أو متزوجة، فإذا كانت عزباء، أطلق عليها الروائي اسماً ليس غير، وإذا كانت متزوجةً، اكتفى بالكنية، ثم إن شخصية المرأة (المتزوجة والعزباء على حدّ سواء) أدنى مرتبةً من شخصية الرجل في الرواية العربية السورية، فأسماء الرجال أكثر عدداً من أسماء النساء، وأغلب شخصيات الرجال تحمل اسمـاً ونسبة في حين يندر ذلك بالنسبة إلى شخصيات النساء " (12) ومع ذلك فهي موجودة، عزباء ومتزوجة، كـ " لبنى آل الأمير" في رواية " رياح كانون " لـ" فاضل السباعي" و" يسرى رمضان " في رواية " الحلقة المفرغة " لـ " عبد الكريم ناصيف " و" سعاد العربجي " في رواية " شهداء عشاق " لـ " ناديا خوست " و " فاطمة الضحى " في رواية " الصخرة " لـ " عبد النبي حجازي " و " ليلى سليمان " في رواية " اللااجتماعيون " لـ " فارس زرزور " و " نجوم الصوان " في رواية " مدارات الشرق " و " صبا العارف، وفاتن طروف " في " مجاز العشق " لـ " نبيل سليمان "...

***

إن التأمل في اسم الشخصية الأنثوية يفضي إلى أن كل أنثى تحمل دلالة مختلفة عن سواها، بمعنى أنها رمز ينمّ عنه الاسم الذي تحمله، وتعبّر عن واقع مثالي (يوتوبي) رسمته الذات المبدعة، بعد أن استحال تحقيقه في الواقع.

 

والأنثى في الرواية مهمةٌ في الفن – كما هي مهمة في المجتمع – وقد أنصف التاريخ الأدبي في هذه النظرة، إذ كانت أول رواية عربية حملت اسم " زينب " لـ " محمد حسين هيكل " (1914) وأول رواية إنكليزية حملت اسم أنثى أيضاً، هي رواية " باميلا " لـ " رتشادسون " ومحور الروايتين - عموماً - المساواة بين الرجل والمرأة.

إن حضور الشخصية الأنثوية بكثافة في الرواية، على المستوى الخارجي يؤكّد أن الكتّاب يميلون إلى اختيار أسماء الشخصيات الأنثوية ليجعلوها عنوانات لرواياتهم. الأمر الذي يجعل حضور الأنثى ذا سلطةٍ قويةٍ، على المبدع نفسه.

 

وقد أولى النقدُ الحديث العنوانَ أهميةً بالغة، نظراً لخصوصيته الجمالية، وفلسفته القائمة على التواصل مع النصّ من جهةٍ، ومع مستقبلات المتلقّي من جهةٍ ثانية " وإذا كان العنوان - فيما مضى – لا يشكّل هماً فكرياً جمالياً للنصّ الأدبي، من أجل استكمال معمارية البناء الأدبي، على الرغم من انطوائه على شيء من هذا بالضرورة، فإنه اليوم أضحى بنيةً ضاغطةً ومركزيةً من البنيات الأسلوبية المؤلّفة لهيكل النصّ وهيأته ونظامه " (13) وهذا ما لفت انتباه كتّاب الرواية السورية منذ بداياتها المبكّرة، فتوسّعوا فيه، وقد سبقوا بذلك الدراسات النقدية البنيوية، التي وصلت إلينا فيما بعد، والتي نبّهت إلى جمالية العنوان، وكشفت عن أبعاده الفلسفية، واتخذت منه أساساً لتوجيه الاهتمام البنائي، نحو مركزٍ باثٍّ / إبداعي، وبؤرةٍ دائمةِ الإشعاع في شعرية النصّ الأدبي من جهةٍ، وتجميل عالم الرواية، وتزيينه بالأبعاد الأنثوية من جهة ثانيةٍ. حيث لم يتوقّف الاهتمام بالعنوان عند حدود الجانب البنائي – بالمعنى الشكلاني الصرف – بل أخذ يستنطق البعد السيميائي في تحليل العلاقة الجدلية بين العنوان كقمةٍ هرمية، وبين البنيات الدالّة المشكّلة لجسم النصّ ومتنه، عبر متابعة العلامات الهابطة من الرأس إلى المتن، أو الصاعدة من المتن إلى القمة، وما تحدثه في تقاطعاتها، في مراكز معيّنة من إيحاءات وصور ومشاهد وأحداث.

 

إن الرواية التي يتربّع على غلافها اسم أنثى، توحي بوضوح أن البطولة فيها للأنثى، أو أن الأنثى فيها شخصية محورية أو رئيسة، فضلاً عن أن القضية المطروحة هي قضية المرأة. لذلك يصير لزاماً على السرد أن يتمحور حول شخصية المرأة، وفي ذلك ملمح ثقافي رؤيوي، يحمل قيماً إنسانيةً وحضارية وأيديولوجية وجنوسية، كما في روايات: " آنا كارنينا " لـ " تولستوي " و" سلوى في مهب الريح " لـ " محمود تيمور " و" ميرامار " لـ " نجيب محفوظ " و " ذات " " و " وردة " لـ " صنع الله إبراهيم " و " رامة والتنين " لـ " إدوار الخياط " و " ليليان " في " قصة حب مجوسية " لـ " عبد الرحمن منيف " و" سلطانة " لـ " غالب هلسا ". .

 

وكانت الرواية السورية سبّاقةً إلى هذا الملمح الأدبي منذ بداياتها، فقد حملت روايات سورية كثيرة أسماء بطلاتها، مثل " الفتاة أمينة وأمها " لـ " نعمان القساطلي " و " فتاة إسرائيل " لـ " عبد المسيح الأنطاكي " و " من المجهول إلى مايا " لـ " ع آل الشلبي " و " عفاف " لـ " خير الدين الأيوبي " و " يوميات هالة " لـ " سلمى الحفار الكزبري " و " فينوس " لـ " محمد حسين شرف " و " فاطمة البتول " لـ " معروف الأرناؤوط " و " كلوديا " لـ " جوزف بيلونه " و" لينا. لوحة فتاة دمشقية " لـ " سمر العطار " و " زينة " لـ " وصال سمير " و " ثريا " و" بدر الزمان " لـ " فاضل السباعي " و " امرأة غامضة " لـ " ياسين رفاعية " و " إنانة والنهر " لـ " حليم بركات " و " رشا والدكتور " لـ " فاديا الشماس " و " زهرة الصندل " لـ " وليد إخلاصي" و " فرات " لـ " مي الرحبي " وقد أسند " عبد الكريم ناصيف " دور البطولة في ثلاثية " الطريق إلى الشمس " إلى " شمس ". كما أسند " د. عبد السلام العجيلي " دور البطولة في رواية " باسمة بين الدموع " إلى " باسمة " وأسندت " وداد سكاكيني " البطولة إلى " أروى " في رواية " أروى بنت الخطوب " كما أسند " خيري الذهبي " البطولة لـ" حسيبة " في " التحولات "... فكانت كل من " حسيبة وأروى وباسمة وشمس. . " وسواهن شخصيات حملن أعباء بطولات رواياتهن وتمتّعن بقدرٍ كبير من التشخيص، فبرزت ملامحهن الشخصية المتفرّدة، وغدت الواحدة منهن بؤرة مشعّةً تتلاقى وتتجمّع عندها، وحولها، خيوط الأحداث.

 

وانجذاباً من الروائي إلى الأنوثة، فقد عمد بعض الروائيين إلى " تأنيث العنوان " فجعلوه تركيباً يحمل بعض ملامح الأنوثة، مثل: " الحب المحرّم " لـ " وداد سكاكيني " و " قصة خاطئة " لـ " حبيب كحالة " و " القلب الذهبي " لـ " بنت بردى " و" عشيقة حبيبي " لـ " جورجيت حنوش " و " خذني بين ذراعيك " لـ " أمل جراح " و " العانس العاشقة " لـ " محمد غازي عرابي " و " بائسة " لـ " بشير العوف " و " ثورة النساء " لـ " عبد الودود يوسف " و" أيام معه، و ليلة واحدة " لـ " كوليت خوري " و" حبيبي يا حب التوت " لـ " أحمد يوسف داود " و " قف أنا دخيلة عليك " لـ " خالص الجابري " و " أحضان السيدة الجميلة " لـ " وليد إخلاصي " و " اعترافات امرأة فاشلة " لـ " صبيحة عنداني " و " امرأة في دائرة الخوف " لـ " ضياء قصبجي " و " امرأة في عيون الناس " لـ" نادرة بركات الحفار " و " دار المتعة " لـ " وليد إخلاصي " و" حمّام النسوان " لـ " فيصل خرتش " و" زهرة في قبر " لـ " محفوظ أيوب " و" امرأة لا تعرف الخوف " لـ " وليدة عتو " و " امرأة من صوان " لـ " محمد حاج صالح " و " امرأة من طابقين " لـ " د. هيفاء بيطار " و " المرأة التي شاهدت وجه الله " لـ " صالح الرحال " و " بنات حارتنا " لـ " ملاحة الخاني "... " و " فتاة القمر " لـ " حسن سامي يوسف ".

***

واقتران الاسم - بالنسبة - أو الكنية أو باللقب غايته تقريب الشخصية من الواقع في ذهن القارئ ومن ثم جعلها متميّزة بالوضوح والتفرّد.

أما الاسم المفرد، والطاغي على غيره في الشخصيات الأنثوية، يغدو رمزاً أكثر مما هو شخصية محدّدة الملامح لأيّ أنثى، نظراً لما يحمله من تأويلات وتفسيرات، وربط الاسم بدلالات معناه الإيحائية، سلبية كانت أم إيجابية.

 

التضادّ:

قد تقوم العلاقة بين الاسم ومعناه على (التضادّ) والتنافر، إذ يلجأ الكاتب إلى منح الشخصية اسماً يتناقض مع ماهيتها، بغية إظهار المفارقة التي من شأنها التركيز على الشخصية وتوضيحها وإظهار خصوصيتها وفرديتها، كما يتجلّى ذلك في اسم " عفاف " في رواية " حمام النسوان " لـ " فيصل خرتش " الذي يعني العفة والشرف والطهارة، ولكنه يناقض شخصيتها وسلوكها، وهي العجوز الشمطاء المتصابية المتعهّرة التي " مرّ على فخذيها كل جنود فرنسا " كما تقول. .

وكما في اسم " نعمة " الشخصية المحورية في رواية " الوجه المكسور " لـ " ابتسام شاكوش " حيث تبدو " نعمةً " منبوذةً، ولعنةً. تلاحقها منذ الولادة، وحتى آخر الرواية بسبب خطأ ارتكبه أبواها من دون أن يكون لها يدٌ أو حيلةٌ في ذلك.

 

لقد شكّت " نعمة " في شرعية نسبها، إذ تكتشف أن أباها رماها صغيرةً، ثم رمتها أمها حين تزوّجت، وحتى الجدّة التي كفلتها كانت تحبسها في القبو، وتتمنّى موتها، وقد نبذها جميع من حولها:

" لا يعترفون حتى بإنسانيتي. أمي لا تطيق رؤيتي. ربما كنت أذكّرها بفشلها مع أبي. وتجربتها التي تودّ أن تنساها. رؤيتي تسبّب لها التوتّر العصبي. جدّتي تأمرني بالتزام القبو. حين تأتي أمي لزيارتها مع زوجها، فهو الآخر لا يطيق ذِكري ". ص (36)

ولم يرقّ لها قلبُ الجدّة يوماً، وإنما ظلّت تعدها لعنةً حتى غلبت صفة اللعنة على الاسم وصارت اسماً لها، فلا تناديها إلاّ:

" تعالي يا لعنة. اذهبي يا لعنة. جدّتي عاشت ما عاشت، ولم أسمعها تلفظ اسمي سوى (لعنة) ما كانت تراني سوى لعنة. صبّت عليها من جحيم الله، على ذنب لا تعرفه " ص (44) .

 

والجميع يقولون:

" نعمة. بنت حرام " ص 43 " – أنا بنت حرام ؟ ثمرة خطيئة ارتكبتها أمي في ثورةٍ من ثورات جسدها العنيد " ص 44 " أفيق على صوت جدتي تزعق مولولةً: لعنة. . أين أنت يا لعنة ؟ " ص (44)

لقد أرادت الكاتبة إظهار المفارقة الاجتماعية والخلقية في اسم البطلة وشخصيتها، فهي من حيث السلوك والفكر أنثى متزنة واعية، تحرص على شرفها وأخلاقها من أن تمسّ بسوء، وهذه (النعمة) الإيجابية التي ارتضتها لسيرة حياتها تتعارض مع رؤية الآخرين، فالرجل المتقدّم في السن، و" صندوق الجدّة " المتزوّج، الذي لاذت بكنفه لأنه قريبها - لم يكفّ عن محاصرتها والتحرّش بها، وإغرائها بالذهب، يقول لها عندما عاد إلى المنـزل ووجدها تعمل وحيدةً:

" ما هذا يا نعمة ؟ تركتك لترتاحي.

 

... مباركة أنت يا نعمة. أفلح من أسماك نعمة. أنت نعمة لا تُقدرين بثمن.

- نعمة أم لعنة. طوال عمري كنت لعنة على نفسي، وعلى من يُسكنني بيته.

- أنت جميلة يا نعمة. "

ومع ذلك فإن النعمة تبقى مفقودة زائلة، فلا توفّق الفتاة في عمل وظيفي، كما لم توفّق في الزواج، فتعرّج على العنوسة، وكأن اللعنة أبت أن تفارقها، وأصرت على ملازمتها حتى اللحظة الأخيرة، حيث أخذت تفكر في نهاية المطاف بالالتحاق بدارٍ للمسنين. تنقطع فيها لرعاية شؤونهم.

***

نلمس مثل هذا التضاد والتنافر في اسم " سلمى " الأنثى المثقفة في رواية " أحلام الربيع " لـ " عماد تكريتي " والذي يوحي بالسلامة من الدنس والأذى، كما أنها تبدو للمتلقي بثقافتها وتوقها للعمل الصحفي، أنها ستكون رمزاً للسلامة والسلام، لكن الصورة ما تلبث أن تتضح حين يرفض أهلها الشابّ " نبيل " الذي تقدّم لخطبتها لأسباب ظاهرها طبقي، لكن جوهرها أخلاقي. مع أن دلالة اسم " نبيل " توحي بالنبل والأريحية والكرم، وهو يلتقي في القيم الخلقية والدلالة اللغوية مع تسمية " سلمى " ورفض النبل يعني الانحياز إلى الاتجاه المعاكس، وهذا ما اتضح من سلوك " سلمى " إذ تزوّجت غيره. لكنها سرعان ما طُردت من بيته، وأعيدت إلى بيت أهلها تحمل ورقة طلاقها، لأنها كانت ثيّباً، ولم تكن عذراء، وهذا ما جعل اسمها يحمل معنى التضاد لسلوكها، ويغدو (استسلاماً) وليس (سلامة أو سلاماً) .

ويمعن الكاتب في إظهار التضاد لهذه الشخصية (الحرباوية) فيقذف بها إلى (المبغى) لتمتهن الدعارة، ثم يجعلها تصحو، وينتقل بها من دمشق إلى القاهرة لتتابع الدراسة في جامعتها، وتلتقي مع " نبيل " هناك، فيعود لطلب يدها، لكنها ترفض، مما يؤدّي به إلى الإحباط، فالانتحار. عندئذٍ تجد نفسها مندفعةً، لتضع باقة زهرٍ على قبره.

 

التواؤم:

اعتاد الروائيون منح الشخصية اسماً مطابقاً لوضعها في الحدث، بما ينسجم مع أبعادها النفسية والثقافية، ولتتماشى مع الشخصيات النمطية ذات الحضور الواسع اجتماعياً. نظراً لأهميتها في تشكيل الخطاب الواقعي، ولما لها من حضور ثقافي ومكانة اجتماعية. إذ تدلّ الشخصية على وضعها ومكانتها ودورها، وانسجاماً مع ذلك، فإن أسماء الإناث حملت مضمونات توحي بالتميّز والغنى الدلالي، مثل (قمر. شمس. أميرة. علياء) حيث قصد الروائي إلى ذلك كمسوغٍ لسلوكها، فـ " أميرة " على سبيل المثال في رواية " أفراح ليلة القدر " لـ " عبد الكريم ناصيف " يوحي اسمها المتوائم مع شخصيتها بتتويجها أميرةً على فتيات الرواية، لأنها عرفت كيف تحفظ نفسها من الزلل، وتصون جسدها من الدنس، وتبقى على نقائها وطهارتها وعذريتها.

 

إن " أميرة " في السياق الروائي شابة مثقفة واعية، لم تتأثّر بمغريات الصبا وفتون الشباب، فلم تخض غمار تجربة عاطفية أو جسدية. لذلك ظلّت شخصيةً جاذبةً متطورة، على عكس أختها " شاهة " الشخصية المنفّرة، التي تشكّل مع " أميرة " ثنائيةً محوريةً هامةً في الرواية، وقد رسم الكاتب لكل واحدةٍ منهما ملامحها التي تتناسب واسمها، وتتطابق مع سلوكها، فـ " أميرة " أميرةُ المجتمع الذي صانت فيه عذريتها، وأميرةُ العلم الذي حصلت فيه من باريس على شهادتها العالية في علم الأدوية، وأميرةٌ على قلب الرجل الطبيب " أمين " الذي حظي بها زوجةً نقية طاهرة، عذبة، شفّافة... بينما كان لأختها " شاهة " نصيب كليّ من اسمها. إذ شوّهت المجتمع بمخازيها، ودنّست الأنوثة بتعهّرها. كانت دميمة الخلقة. تزوّجت ثم طُلّقت، وحاولت أن تجرّب الجنس مع شابّ إنكليزي بلندن، وعملت قوّادة تصطاد لأخيها " فهد " النساء في المحل الذي افتتحته لتجارة الألبسة مع شريكتها الداعرة " سلوى " ثم عملت على استقدام الخادمات من جنوب شرق آسيا، قبل أن تلقى حتفها هناك، حيث اختطفها نمور التأميل في سيريلانكا. لذلك ظلّت، منذ بدء الرواية حتى اختفائها " فتاة مشوّهة خلْقاً وخُلُقاً، واسمها يساعد على فهم التشوّه، وتعيش عالة على الأسرة، وحين يأتيها النصيب لا تتردّد. . وترزق بطفلين، وتطلّق [ أما سلوى فـ ] تغري " شاهة "في سهرات أوربا أن تدخل عالم الخلاعة والجنس " (14)

***

وتثير مسألة الأسماء في عددٍ من الروايات دلالاتٍ متباينة، فهي في رواية " المهزومون " لـ " هاني الراهب "" توحي بشيءٍ من التهكّم لا يخلو من تكلّف. فـ " سحاب " لا تمطر بالنسبة للبطل، و " واحة " تموت في ربيع شبابها، و " ثريا " تعيش في ظلامٍ مع زوجها الكهل الشرس. والملاحظ أن معظم الأسماء لـه علاقة بالطبيعة: سحاب. واحة. ثريا. خزامى". (15)

وعمدت رواية " حسيبة " لـ " خيري الذهبي " إلى إلباس الشخصيات النسوية لبوسها بالدلالات الموحية، حيث يتطابق الاسم مع سلوك الشخصية، ويغدو الاسم رمزاً يزيل شيئاً من غموض الشخصية. فهي صابرة محتسبة من جهةٍ، و تحسب حساب الأيام من جهة ثانية.

 

واختارت " قمر كيلاني " في رواية " الدوامة " أسماء ذات دلالة دينية وتاريخية كما في شخصيتي " هاجر " و " صفية ".

 " ولن يكون غريباً اختيار أسماء الأبطال ذات دلالة عشقية " فؤاد " و " صبا " وقد امتزجت الدلالة المعرفية " صبا العارف " والدلالة الأخلاقية " فؤاد الصالح... " (16) في رواية " مجاز العشق " لـ " نبيل سليمان ". ومثلها في الدلالة العشقية، ارتباط كل من " مسعود " و " فرحة " في رواية " الحفاة وخفي حنين " لـ " فارس زرزور " بعلاقة حب، اقتضت حبكة الرواية ألاّ تكتمل، فلم يسعد " مسعود " بحبيبته، ولم تفرح " فرحة " بالذي توسمّت فيه السعادة، لأنها قبلت، وأهلها، بأن تباع، لتكون الزوجة الثالثة لـ " عواد ".

 

البعد التراثي:

قد يتخذ الاسم مفهوماً تراثياً يجرّد الأنثى من ماديتها، ويضفي عليها حلة أو حللاً جديدة تصبح داخلها رمزاً يشع بدلالات مختلفة ومتعدّدة، لكنها تصبّ في اتجاه واحد، ويتعلّق الأمر بالترميز للحالات والأحداث المعاصرة عن طريق إيجاد معادلٍ موضوعي في الموروث العربي والأجنبي المتعلّق بالمرأة. واستبدال المرأة العصرية بالمرأة التراثية يُمَكّن من الابتعاد عن التقريرية على المستوى الفني، ومن بلوغ الدلالات العميقة على المستوى الفكري، والكاتب يختار الاسم التراثي بدقةٍ متناهيةٍ تناسب الحقل الدلالي المرموز إليه في كل خصائصه وشروطه، إذ يقتصر على النماذج الشرقية والعربية لكونها مشحونة بأبعاد تجعله يزهد في غيرها، وهو يدرك أن في تراثه العربي ما يمكّنه من استحضار شخصية يستطيع شحذها لتنطق بمأساة عصره أو زيفه. (17) فـ" ليلى " في رواية " شتاء البحر اليابس " لـ " وليد إخلاصي " " رائعة يحترمها التاريخ، و"سوزان " أيضاً ابنةٌ لسيدة رائعة " ومثلهما " ليلى " في رواية " نجمة الصباح " لـ " محمد حيدر " الذي حرص أن يترافق اسمها بمجنون عصري:

" أنا ليلى – أكتب. .

سألني مراراً، وفوقها مرّات: " هل تظنيني مجنوناً يا ليلى. . لماذا تحسبينه جنوناً هذا الأمر ؟ " (18)

 و " نجود " في رواية " وداعاً يا أفاميا " لـ " شكيب الجابري " تحمل شخصيتها معاني الصلادة والصلابة، التي لها نصيبٌ من معنى اسمها، ويتداخل المعنى مع السلوك لتبرز منهما شخصية شهمة حرّة، صلبة تصمد أمام الهزّات العاطفية، حتى إن المتلقّي لا يجد فرقاً بينها، وبين آثار بلدها " أفاميا " المنتصبة بكل عنفوان وشموخ أمام عوامل الزمن، من حيث البراءة والطهارة، والبراءة والسمو.

 

و" فرات " الشخصية المحورية في رواية " فرات " لـ " مية الرحبي " تتخذ من اسم النهر اسماً للأنثى، نظراً لما بين النهر والمرأة من قواسم مشتركة في الخصب والنمو والعطاء، وهذا ما أشارت إليه الرواية عندما سافرت " فرات " من مدينة دير الزور، إذ كانت الأنثى تتابع الفرات / النهر " من نافذة السيارة التي كانت تنهب الطريق المحاذية لضفته الغربية، متجهةً إلى حلب. نظرت إليه بحنان. طوقتها الرابطة الخفية، تشدّها إليه كالحبل السرّي، ينقل من روح الأم إلى جنينها سرّ الحياة "

أما اسم " سهام " الذي سمّى به " عبد النبي حجازي " إحدى شخصيات رواية " الياقوتي " ، فقد استعاره لتأثير العيون الأنثوية، نظراً لتجسيده طبيعة الأنثى التي تسعى جاهدةً للإيقاع بالرجل في حبائل مكرها، وهي في الدلالة تحيل إلى السهام بلفظ الجمع كأيقونة بصرية لا تخطئ هدفاً، أي إغواء الرجل، والإيقاع به فريسةً، لأن في شعاع عينيها وبلوغهما ما ترومان إليه دليلاً على أن للمرأة سهاماً قاتلةً تستوقف كل ناظر. إنها العيون، سهام الأنوثة المشتهاة من الذكورة، التي تصنع عالماً متخيّلاً وهمياً للذَكَر، من خلال الفتنة التي تتوهج فيها، كرمز حي للعطاء المادي، أو كسلطة إغراء، وربما اعتقد الكاتب بأن المرأة سهام يرميها الرجل لتحقيق المتعة واللذة.

 

لقد وظّف اسم " سهام " في الرواية توظيفاً حميماً، واءم بين الاسم والسلوك الشخصي، فجعل ولي نعمتها " الياقوتي " يحتضنها، ويقودها بيده إلى الدعارة في القرية، فتألّقت بجسدها، وهذا ما حدا بـ " الياقوتي " إلى توسيع دائرة عمله، فنقلها من قرية (جوخا) إلى دمشق، وقد كان لعملها في الدعارة نصيب من دلالة اسمها الذي حمل معنيين تجسّدا في سلوكها الداعر.

 

الأول: تمثّل في الموروث الأدبي العربي، حيث ترمز السهام إلى جمال العيون من جهة، ويجعل عشاقها أسرى الجمال، فيقعون صرعى حبّها.

الثاني: تمثّل في دلالة الفتك، فالسهام من أدوات القتال، وقد أشارت الرواية إلى أن " سهام " كانت أنثى فاتكة، لأنها عندما ملّت من مهنتها، أرادت التطهّر، فرغبت في الزواج من قوادها " الياقوتي " والخلود معه إلى الراحة وتأسيس أسرة. لكن القوّاد رفض التخلّي عن مهنته، فكانت السهام هي الوسيلة التي تطعن بها هذا الوحش، وتجهز عليه، إذ تحوّلت هذه الشخصية الداعرة إلى قوةٍ طاغية، صوّبت سهامها إلى وليّ نعمتها، حينما وجدته ينصرف عنها إلى غيرها، فتصفي حسابها معه، وتغري به السلطةَ التي تقوده إلى السجن.

 

وحرص " حسيب كيالي " على منح " سهام " دوراً محورياً في رواية " أجراس البنفسج الصغيرة " وذلك بتأثيرها فيما حولها، كتسليط سهامها الجارحة على عمها، وملاحقته فتنتزع منه حق أسرتها في الميراث، وتحرص على تثقيف نفسها، ومتابعة عملها الوظيفي، وكان لعينيها نصيب بارز من اسمها، لفت الأنظار إليها، فأُعجب الشباب بها، وأحبّها " حسين " ووجدها أنثى منفتحة على الحياة، تتعلّم منها، ويعجب من حكمتها: " الخير سينتصر على الشرّ ذات يوم، وسنفطن لكل ما في الوجود من سحر وجمال، سنفطن إلى أن دغل الشوك فيه شجرة الورد. " ص (150) كما أن الكاتب كان واعياً لرمزية الاسم الذي منحه فتاته اليتيمة التي ستسترجل لتقف عند حقها، فتقول لـ " حسين ": " أمي تسمينني السيد سهام. تعتبرني رجل البيت. وما أثار إعجابك من حكمتي يعود إلى أني طعنت في السنّ... "

وقد ينحاز الكاتب – مثل الكاتبة – إلى الأنثى، فيعمد " وليد إخلاصي " في رواية " الحنظل الأليف " إلى الاكتفاء بمنح شخصياته النسوية أسماءً تراثية " ليلى، وعزة " ويحجم عن هذه المنحة لذكور الرواية، ويجعلها تقترن إما بمواقعها الإدارية الرسمية غالباً، فهناك " الأمير، والحاجب، والمدير، ومعلم المدرسة. . " وإما بوظائفها الإبداعية كالشاعر، والرسام، والموسيقي... " ولعل في إطلاق الروائي اسمي: ليلى، وعزّة، على شخصيتيه النسويتين، إنما هو استجابةٌ من نوع ما للمطابقة بين ارتباط هذين الاسمين بالتراث، وبين الوعي لدى كل من معلم المدرسة الذي كان شغوفاً بـ " ليلى " كشغفه بمغاور المدينة وكهوفها، أي بجذورها الضاربة في القدم، ثم آدم الذي وجد في " عزّة " ما يعزّيه عن اقتلاعه من الغابة التي اختار الإقامة فيها، ليس فراراً من قتام المدن فحسب، بل رغبة كما يبدو، في استعادة بدايات الخلق، حيث لم يكن " آدم الأول" يعاني أيّ إحساس بالاغتراب عن الواقع حوله، وغير خافٍ أن ثمة صلة بين " عزّة " واسمها الذي يعني الشموخ، والأنفة، وإباء الذلِّ، والذي تجسّد في أفعالها التي قامت بها لتحرير المظلومين من سجنهم الطويل. "(19) كما يؤكّد ظهور هذه العلاقة تركيز الكاتب على أصالة الاسم حيث خصّ الكاتب الأنثى بالاسم ذي الرمز التراثي العشقي، بينما رمز للذكور بمدلولات أعمالهم وإبداعاتهم، كالمعلم، والحاجب، والمدير، والشاعر، والموسيقي، وذلك لإضفاء الأهمية على دور الأنثى، وإبراز خصوصيتها أمام عمومية الذكورة التي نُسبت إلى مهنها وهواياتها. فـ " ليلى " اسم يعيد إلى الذاكرة العربية، إيحاءاتها العشقية مع " قيس " وتُدخل المتلقّي عوالمها السحرية، وهي في الرواية، تستمدّ من عصريتها ما يتصل بالماضي العريق لأمتها، فكانت ملهمة العلم، ورمزاً للخصب والإبداع، وفي ذلك دلالة على ارتباط العلم بالتراث من جهةٍ، وارتباطه بالحاضر، والمستقبل، فقد مثّلت في الرواية المدينةَ بأسرها " ليلى هي المدينة " ص (138) فاقترن الاسم بالتراث، كما اقترن بالوعي والحداثة.

 

وتحمل " عزّة " البعد التراثي نفسه، بظلاله الحلمية الأسطورية، ويتوافق اسمها الذي يحمل معاني العزّة، والإباء والشمم والأنفة، مع دورها في الحدث الروائي، حيث تكون دليل " آدم " إلى سجن الأمير الذي سيخلّص فيه أبناء المدينة، ويحرّرهم، فيقترن مدلول اسمها (العزّة) بالحرية، واستعادة العبيد حريتهم، وعزتهم.

 

ولا يبتعد المدلول اللغوي عن السلوك الشخصي، كما أن الإيحاءات العشقية لاسم " عزّة " تجسّدت في عشق " آدم " لها حتى غدت ضلعاً منه، في امتزاج صوفي، مثلُها في ذلك مثلُ " ليلى " التي عشقها " المعلم " فملكت عليه حواسه، وغدت كونه الذي هام فيه.

 

وفي رواية " بيت الخلد " لـ " وليد إخلاصي " أيضاً، تعمد " سراب " الشخصية المحورية إلى تفسير دلالة اسمها عبر السياق الروائي، باسترجاع الذكريات، وهي الشابة المثقفة، المجازة في الفلسفة، و مدرّسة المادة، التي بدأت تكتب بعد استشهاد أبيها في تأكيد من الكاتب لتوظيفه دلالة الاسم:

" أنا المدعوة سراب:

ثم مرّت بالقلم على الكلمات تغطيها بالخطوط السوداء، ولكنها رغم ذلك بدأت من جديد.

أنا سراب المولودة أيام الحرب الكونية الثانية...

تساءلت " سراب " لنفسها بعد أن كتبت سطراً ألغته بعد لحظة:

" فقدناهم بصمت. . فقدنا متعة البكاء " ثم كتبت على هامش الصفحة، بحروف دقيقةٍ، وكأنما الكتابة تتمتم، لا تفصح: " وداعاً يا صديقي ".

 

لن أقول إني أدركت سرّ تسميتي، منذ سنيّ الوعي الأولى. إلاّ أن هذا حدث مع بداية التفكير المدقّق، في كل شيءٍ. اسم يبدو وكأنه لفعلٍ قد تمّ فعلاً. والدي هو الذي ابتكر الاسم الذي لم يكن معروفاً بين الناس. كان متميّزاً في كل شيءٍ، وبين الأقارب في الوظيفة. وأهل الحي. كان يُعرف بالتشاؤم وكان لأيّ أمر عنده ما يعادله في الشرّ. وتحدثني أمي دوماً عن تلك الأحاسيس الغامضة السوداء التي كانت جزءاً منه بشيءٍ. بل بكثير من الاعتزاز. حتى باتت مثله. كان يائساً من ماضيه، ومن حاضره، وأما المستقبل، فكان عنده ملوّثاً بالسواد أبداً، وعرفت أنه يمتلك قدرةً على قراءة ما سيأتي. كان يردد مثلاً جملةً لا تنسى.

 

لا فائدة أبداً من أي شيء، فالمدينة مصابة بلعنة الصحراء والجفاف، والاستسلام للمستعمر الذي أراهن على أن بقاءه سيطول.

وكثيراً ما فكّرت بتلك الجملة، بعد أن تعرفت صديقي، هل أقول صديقي العزيز. أم أنه العزيز حقاً على قلبي، والعزيز في بقائه على قيد الحياة."(20)

إن وقوف الكاتب على دلالة الاسم، وتحرّي الأبعاد التاريخية من شأنه أن يظهر مدى المطابقة التي يقيمها بين (الاسم) و( الشخصية) " فالسراب – كما في لسان العرب – يسرب سروباً أي يجري جرياً " وفي المحيط " ما تراه نصف النهار كأنه ماء " ويوحي حرف السين بالسلاسة والاستسلام للدعة والركون إلى السلم، وهو حرف الاستقبال والانسياب والتسلسل بالخفة والهدوء، كما أنه حرف التسويف والتمهّل والوعد الوثيق الصلة بمعاني الرقة والشعور المرهف.

أما الراء فليست بعيدة عن معاني الرقة والرفيف والرعشة والرهافة والرفاهية والرغبة والرَوْم والروعة والرغد والرصانة والرشد والرصد. .

أما الباء المسبوقة بحرف مدّ فهي البعد والبهاء والبدَد والبرّ والبحر والبصر والبكاء.

 

واجتماع الحروف الأربعة، جسّده الكاتب في ذكر سرّ التسمية، ثم في نقل الصحراء إلى قلب المدينة، ووصفها بالجفاف، والتأكيد على أن الحرية في هذه المدينة ليست سوى سراب، وهذا ما وعته " سراب " من معنى اسمها، ودورها، في بداية المقبوس.

والتفتت الرواية السورية إلى التاريخ لتحريك أحداثه، ونبش الغبار عن رموز شخصياته، فـ " هاني الراهب " يستغل في رواية " رسمت خطاً في الرمال " أسماء هذه الرموز، ويعيدها إلى الحياة المعاصرة، فـ " الخنساء " لا تتخلّى عن قرض الشعر، ولكن بأسلوب الحداثة، وتستخدم الهاتف لإيصال صوتها:

 " تدخل الشمس فراشات وتمضي كلمات

ولأيامي في مفترق الماء حنين:

كيف أحيي زهراً يجتاحه الزمن ؟. " ص (72)

وثمة براعة تظهر في استغلال العنوان وربطه بالشخصية التراثية، فالرمال التي وردت في العنوان تستوجب وجود شخصية أنثوية حية مثل " الخنساء " تتحرّك فوقها، بينما اقتضت المعاصرة التعامل الفني بالرموز الشعرية، وقد أخذ الكاتب عنوان الرواية من عبارة وردت في خطاب الرئيس الأمريكي " بوش الأب " ألقاه قبل بدء تدمير العراق الأول بيومين، جاء فيه: " لقد رسمت خطاً في الرمال، وأريد لهذا الخط أن ينفجر عميقاً، ويمتدّ حتى الأناضول والبحر العربي. " ص (188) وقد عبّرت " الخنساء " عن هذا التوجّه الاستعماري بلفظ (الاجتياح) المعاصر، ذي الدلالات الإيحائية الكبيرة.

 

ويقدّم الكاتب شخصية " شهرزاد " المرهونة بزمن معين، ومكان معين، وفنٍ حكائي لم يتكرّر في الأدب عبر التاريخ الطويل، يقدّمها كشاهد ذات اسم متميز لتكون الذاكرة التي تشهد على أحداث العصر العربي الصاعقة. ويجعل اسمها مرهوناً بأنوثتها المشرقية من جهة، وروايتها للحكايات من الطراز الرفيع من جهة ثانية، ويحمّلها وعياً متقدّماً، ويسربلها بحرية تخالف منطوق السيرة الشعبية، فلا تتوانى عن الهتاف: " أنا حرة " ولم يعد همّها محصوراً في محاولة كسب يوم آخر من الحياة، وإنما تظهر شريكةً ندّيةً لـ " شهريار " وتبحث عن حبها الحقيقي مع " مسعود " وتقف في مواجهة الشخصية الأنثوية الأمريكية المعاصرة " بث تمبلر " التي يتعاطف معها الكاتب، للدلالة على أن العرب لا يعادون الشعب الأمريكي، وإنما الإدارة الأمريكية، وتحكي " شهرزاد ": حكاياتها التي تدين زمن النفط المهزوم: " بصراحة: لا أرى نهاية سعيدةً لكم مثل تلك التي كنت أختم بها حكاياتي إلاّ بنهاية الذهب الأسود. جاءكم النفط هادم اللذات، ومفرّق الجماعات. " ص (79)

كما يقدّم شخصية " بلقيس " مستغلاً اسمها وموقعها وموقفها، ومستفيداً من معطى الآية القرآنية الكريمة " يا أيها الملأ افتوني في أمري " في سورة (النمل) " فافتوني " في إشارة إلى أن العرب عرفوا الديمقراطية في الحكم منذ آلاف السنين، وأكّد على أن عهدها اتسم بالعدل، لذلك أعطاها أفضلية الحكم، وربما وجدناها تفضّل " مرغريت تاتشر " عبر دورها في الرواية.

 

وقدّم شخصية " سكينة بنت الحسين " بموقعها الديني، وجعلها إحدى شخصيات القرن الحادي والعشرين الخارقة، فكانت مع باقي الأسماء الأنثوية في الرواية ذات شخصية إيجابية متطورة، وظلّ اسمها يتواءم مع شخصيتها، ويتماهى معه.

.... ...

ويعبّر اسم " غزالة " إحدى شخصيات رواية " حب في بلاد الشام " لـ " ناديا خوست " عما لصاحبته من نعومة توحي بالرشاقة واللدانة وخفة الحركة والالتفات والنفور من الذكََر، وتغدو في نظر " قيس " – والرمز لـه دلالته الذكَريه العشيقة – " ليلى " التي يرصد حركتها ومشيتها، فينتابه شوق عارم يتجسّد في حالته الرومانسية، التي تصل إلى مرتبة التقديس الصامت الحيي.

 

تجسّد معنى اسم " غزالة " في غدوها ورواحها إلى عين الماء، وغدا " علاقة دلالية أخرى عن زمان ومكان محدّدين، فاسم " غزالة " اسم ريفي درج استعماله في فترة الثلاثينيات والأربعينيات، والذهابُ إلى عين الماء هو نشاط يرتبط بالمجتمع الزراعي، وبفترة لم تكن مياه الشرب قد جُرّت فيها إلى البيوت بعدُ، والصبيةُ التي تملأ الجرّة من العين، وتعود عند المساء، هي من الصور المرجعية المثبتة بالأغاني والحكايات عن شكل علاقات الحب والغزل بين الشباب والفتيات، في زمن لم تكن فيه الممنوعات قد ترسّخت، بحيث تُمنع الفتاةُ من الخروج من البيت، ولا زالت تماماً بحيث تتجاوز الفرجة إلى ما هو أكثر. إنها نوع من العلاقة، فيها من القرب والبعد، ومن المناورات العشقية البسيطة ما لن نجده لاحقاً في الخمسينيات، وبين " غزالة " التي كان يتفرج عليها " قيس " من بعيد، وبين بقية النساء اللواتي أمضى الأمسيات معهن وعانقهن وعاش معهن، سينفتح كل فضاء التجربة العشقية التي سيعيشها " قيس " في شبابه وحتى كهولته، لكن " غزالة " التي يتفرّج عليها من شرفته وهي راجعة من العين، ستكون معادلاً دلالياً لـ "ليلى " التي سيسير " قيس " وراءها في طرقات دمشق والتي ستحتلّ قطعةً من قلبه، والتي سيكتفي منها، وهو الذي عرف الكثير من العلاقات المتنوعة، بالنظر من بعيد، فكأن غزالة التي تفتح الرواية، وليلى التي تغلقها، صورتان لنفس العلاقة الشفافة بالمرأة. علاقة تفتح إطلالة " قيس " على الشباب، وخروجه منه. أي أنهما تشكّلان إطار حكاية قيس مع المرأة، ومع المكان " فلسطين ودمشق " ومع الزمان " المراهقة والرجولة ". (21)

بمعنى إن " غزالة " تعيد إلى المخيل العربي جماليات الصحراء، وبراءة طبيعة البادية التي تعني في إحدى دلالتها (الفردوس المفقود) في زمن المدينة المادي المعاصر، وكما هو معهود في طبائع الحيوان، فإن الغزالة سريعة الالتفات، مرهفة المشاعر، ما إن تحسّ بأحد يراقبها أو يقترب منها حتى تنفر وتهرب، وهذا ما حرص عليه العاشق في الرواية، فعلى الرغم من تعدد علاقاته مع النساء، كان يخاف أن يقترب من غزالته فتنفر منه، كما يمكن أن نستشف من العلاقة العشقية الرغبة في امتزاج المحب بمحبوبه، وقد تجسدت رمزية الاسم هذه في بعدها الصوفي الإشاري، فالغزالة في الاصطلاح الصوفي – عند ابن عربي - تعني الوصول إلى الحقيقة، أو الكشف الإلهي، وهي صورة من صور تجلّي المحبوب.

 و" رشا " في رواية " ليلة واحدة " يفصح جمالها عن معنى اسمها، في الحوار الذي يدور بينها وبين الشاب الفرنسي " جورج "

 - اسمي رشا

 - رشا اسم رائع. . ما معناه ؟

 فقال باسماً:

 - غزالة على غزالة... " ص (28)

و " أسمى " في رواية " أيام مع الأيام " رمز السمو والرفعة والعلو، وهو اسم أُطلق على الجدّة " المرأة الذكية التي جاءت إلى هنا. إلى دمشق ذات يومٍ بعيد. حيية مرهفة تحمل في عينيها لون أشجار الزيتون المتسابقة حتى الأفق. هناك في سهول (الرامة) في فلسطين. جدتي أسمى " ص (30)

و" أسمى " الثانية هي (الحفيدة والراوية) معاً: " أنا أحمل أسمها، عندما كنت صغيرةً، كنت أكره هذا الاسم مع الزمن، ابتدأت أتعلّق به، واليوم أنا أحبّ اسمي. ربما لأنه مازال يغمرني، ولو في أوهامي، كصاحبته بالحبّ والحنان " ص (31)

ويتخذ اسم " أسمى " معنى التسامي عن التلوّث الطبقي في رواية " ألف ليلة وليلتان " لـ " هاني الراهب " من دون التسامي عن التمرّد على الأهل، وتلوّث الجسد بممارسة الجنس، فـ "أسمى " الفتاة التقدمية، طالبة الطب، تمارس الجنس مع جارها " مثنى وثلاث " مع الاحتفاظ بعذرية الأنوثة، ولا تجد في ذلك غضاضة، فلها من اسمها ما يوحي به من دلالات السمو والجمال، وتعي ذلك جيداً، تقول للشاب الذي تقدّم لطلب يدها " سمّوني أسمى. اسم حلو. منعوني من الانتساب للجامعة حرصاً على أخلاقي. نفسيتي مضطربة، كما ترى من حَبّ الشباب على وجهي. أحبّ الخنافس من المغنين، وعمر الشريف من الممثلين، وأموت في أم كلثوم بعد منتصف الليل. أدخّن واشرب العرق، إذا صحّ لي. أكره أمي وأبي وأخي، وأحتقر أختي. يكفي ؟ ". ص (73)

.....

وكثر استخدام اسم " زهرة " في الرواية السورية، نظراً لتوافق الأنوثة مع الزهر من حيث الجمال والجاذبية والمتعة أولاً، ولمدلول الكلمة المعجمي وبعدها التاريخي في المخيّلة العربية ثانياً، ويمكن للباحث أن يردّ اهتمام الناس بأسماء الزهر والورد والنرجس إلى طبيعة المجتمع الزراعي الذي يفتح أهله عيونهم كل صباح على أفوافه المتفتحة على حوافّ الشبابيك، وفي الأحواض، إضافة إلى الحقول والأرصفة والحدائق التي تتزيّن به.

 

 وكان " نجيب محفوظ " قد نبّه من قبلُ إلى الطاقة الكبيرة التي يذخر بها هذا الاسم، فـ " زهرة " في رواية " ميرامار " التي تعمل خادمة في " البنسيون " فتاة ريفية تحمل النقاء والطيبة وترمز بأصلها إلى البراءة والطهارة، لذلك غدت رمزاً لمصر كلها.

 

وكما يجدّد الزهر الحياة، فإن (الأنثى) هي الحياة المتجدّدة؛ الطبيعة الحية التي تتجمّل وتتزيّن وتكتحل وتتطيّب، والأرض المعطاء والخصب، فـ " زهرة " في رواية " فردوس الجنون " لـ " أحمد يوسف داود " مجدلية من طراز آخر. عندما اختلى بها " بليغ " أول مرة حسب نفسه أنه مع مهرجان من ألوان الزهر:

 " وحلّقنا مع الفراشات صوب الأزهار: أزهار صفراء ونبيذية، وبنفسجية، وحمراء، وزرقاء، وقرميدية، بما نعرف أولا نعرف من الألوان. . وعددنا تويجات بعضها، وقطعناها لنستكشف: تحبني، لا تحبني، تحبني، لا تحبني، تحبـ. . ثم أحضرنا العبير في أكمامنا إلى الغرفة في حلم عرس: عبير بألف رائحة ورائحة، من ألف حقل وحقل. . لعبنا فوق مروج من زمرّد العشب. . "

 

لقد أحاط الكاتب" زهرة " بجميع مستلزمات الطبيعة التي تمتدّ بصلاتٍ وشيجةٍ إلى إيحاءات الزهر من فراشات وأزهار ملونة وتويجات وعبير وأكمام وروائح وحقول وزمرد عشب:

 " وكان عبيرها الأنثوي يضوع بسحرٍ أجبرني على الشعور بإمكانية الحياة الرائعة " ص (142)

وكما رمزت "زهرة " في " فردوس الجنون " إلى التفتح والعطاء الجنسي، فإنها في رواية " بنات نعش – الأشرعة " لـ " نبيل سليمان " لا تقل أنوثةً وعطاءً، وتعيد إلى الأذهان البعد التاريخي للتسمية الفلكية، ومع ذلك فإن الشخصيتين اللتين تحملان اسم " زهرة " إن كان اسمهما يرمز إلى الزهر، أو الكوكب فثمة ارتباط لغوي بينهما، كما ورد في القرآن الكريم: (وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ) (سورة الرحمن: الآية 6) وفي اللغة " يقال: نَجَم النَّبْتُ يَنجُم، إذا طَلَع. وكلُّ ما طَلَعَ وظَهَر فقد نجم. وقد خُصَّ بالنَّجْم منه ما لا يَقُوم على ساق.. ثم " تبحث الرواية عن أصل اسم زهرة " الست زهرة " إحدى شخصيات الرواية، فتعيده إلى كوكب الزهرة. أحد الكواكب السبعة " عطارد. المريخ. المشتري. زحل. الشمس، والقمر " ومن خلال هذه الاستعادة نحاول الحفر خلف الدلالات التي يجسدها اسمها / اسم الكواكب، وهي في شموليتها، شهوية لباعث الخصب الذي تنماز به كأنثى. ثم للتصوّر المحمول عن المرأة في أثناء مقارنتها بالأرض المعطاء. فهذه الروح الشهوية بمثابة العامل المؤدّي إلى الحبّ، وإلى مراودة الآخر. بهدف استمالته.

 

ويذهب الروائي إلى تسجيل وحدة حكائية صغيرة، يتمّ خلالها تقديم خلاصةٍ عن المظهر الشهوي، الذي يسم كوكب (الزهرة) في التصوّر الأسطوري، ووصف ما ورد عن هذا الكوكب في الإسلام، حيث تتّضح مؤثرات شعوبٍ سابقةٍ في المعاني المستخلصة، لنتأمّل ما جاء في هذه الوحدة:

 " دفعت الزهرة للملكين بالخمرة التي تعرف أن الباشا شكيم يعاقرها جيداً خارج البيت. كذلك عرجت هي أيضاً، ولمّا تشهّت الأرض، من جديد: شلّها ما فعلت بالملكين، فلبست معلقةً، ثمة بين السماء والأرض " ص (102)

" إن ما تجلو عنه الوحدة هو التداخل الحاصل ضمن بنية الرواية، وذلك بين علاقتين " الست زهرة " و" الباشا شكيم " ثم (كوكب زهرة) و (الملكين) والعلاقة الثانية تخفي حسّ المراودة عبر الخمرة، هذه التي يحسوها (شكيم) خارج البيت، والتي تقدّمها الزهرة للملكين، وفي الحالتين، تبدو الدعوة إلى الشهوة بارزة، لكن الزهرة المعلقة بين السماء والأرض، نظير ما اقترفت نفسها الوضيعة التي لبثت عليها " الست زهرة " وهي تحلم بـ " فارس " يرتوي من جسدها. ألم تحلم سابقاً بـ: " المستر بجيت " وتشتهيه، و" الخواجة تابت " و" سليم أفندي " وأطياف ذكورٍ كثيرين، يشرعون أعضاءهم.." ص (107)

 إذن بين كوكب الزهرة، و" الست زهرة " قرائن تختزل الميل إلى

العشق مهما كلف الثمن، وهو ما يشي بنار الخصوبة المتمكّنة منهما على السواء."(22)

لقد وظّف الكاتب المعنى الإسلامي لرمز كوكب الزهرة الذي يتحدّد من مجموع المعاني السابقة، والتي تُختصر في:

1 – المرأة فتنة.

2 – المرأة دعوة دائمةٌ ومفتوحةٌ للإغراء والمراودة.

3 – المرأة خصبة، وهي في خصوبتها تماثل الأرض.

البعد الديني:

قد يتخذ الاسم التراثي في الرواية السورية دلالته التي تتطابق مع حاملها، مراعياً القداسة الدينية والمشاعر الشعبية، وقد يأخذ المعنى المضادّ، حين يتجرأ الكاتب على نقد الموروث، وهو في الحالتين؛ المطابقة والتضادّ، ينمّ عن رؤية الكاتب العقدية والأيديولوجية، التي تعبّر عن مدى تعاطفه مع الشخصية سلباً أو إيجاباً. فاسم " فيضة " الشخصية الأنثوية البارزة في رواية " التلال " لـ " هاني الراهب " يتجلّى من خلال مجموعة الصفات والملامح التي اتسمت بها حيث الحبّ والجمال والسحر والجنون والعبقرية، وقد قدّمتها الرواية منذ طفولتها ذات شطحات صوفية وفيوضات متوالية تتعدد بتعدّد الشخصيات التي تنظر إليها وتتعامل معها؛ إذ كانت رائقةً جميلةً حيناً، و متبرّمة قلقة لا تستقرّ على حال أحياناً أخرى. رأى فيها الشاعر " مصعب السبئي " قصيدةً متمرّدةً، بغير وزنٍ، ووجد فيها " مخيبر " قديسةً حولها هالة ضياء، بينما رآها " الباشا " مجنونةً ملتاثةً، لائثة، أما " الدراويش " فقد كانوا ينادونها: يا مباركة، وثمة أقاويل تهمس بأنها معشوقة (جني) وبذلك يكون الاسم " فيضة " دالاًّ على الشخصية التي تمزج بين الواقعي والرمز، والحقيقة والخيال.

 

واسم " مريم " – على سبيل المثال – في الموروث الديني يعني العذراء البتول؛ رمز الأمومة والحنان والحب والعفة والطهارة والنقاء والشفافية، والمطلق واللامحدود، تعدّ رمزاً لكل سامٍ ونبيل، والمرأة النموذج، وهذا ما لم نلحظه في شخصية " مريم " واسمها، في رواية " المصابيح الزرق " لـ " حنا مينة " حيث ارتبط اسمها بلفظ السواد " مريم السودا " وهذا مؤشّر على أن حياتها ممتهنة، وقد توافق الاسم والوصف مع واقع دورها في الرواية، إذ كانت تذوق ألوان العبودية على يد زوجها، لذلك لم يحمل اسمها أيّ دلالة من اسم السيدة مريم العذراء، وكذلك حال " مريم خضير " في رواية " الوباء " لـ " هاني الراهب " إذ تطابق الاسم مع دور الشخصية الروائي، ولكنه خالف الرمز الديني في طهارته، حيث اندفعت نحو الجنس. ضاربةً عرض الحائط بنقاء الريف الذي انطلقت منه إلى المدينة، ورمزت للمرأة المنفلتة من قبضة القيم، المنطلقة بلا قيود، فـ " خولة ": " بعد أسابيع تكوّن لديها وعيٌ بأنها لن تستطيع طرد الزانية [ مريم ] من ركنها. رأتها لاصقة هناك كالعلق. أقرف من أن تمتدّ إليها اليد. كل ما استطاعته، هو أن تضربها بشواظ الشيخ عبد الجواد [ والد خولة ] حتى تنكمش وتتقلّص فتمسي بحجم النقطة، وعندما تستطيع هي أن تنام. "

ولكن مخالفة رمز العذراء، لا يمنع الباحث من أن يلحظ تلميحاً لـ " المجدلية " التي أشفق عليها السيد المسيح: " من كان منكم بلا خطيئة، فليرجم الزانية بحجر " وذلك من ألفاظ العقوبة التي ترشق بها الزانية / مريم، إذ غدا " شواظ الشيخ عبد الجواد " بديلاً للرجم بالحجارة، كمعطى عصري بديل للخطاب الديني.

 

 واسم " فاطمة " أيضاً، ارتبط في المفهوم الشعبي بالموروث الديني، ويتصل في المخيّلة بأسبابٍ روحية بابنة النبي محمّد التي ضرب بها المثل على شدّة حبّه، حين فضلّ النبي عليها (الحق) في قوله: " والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ".

 

لذا كان اسمها مستخلصاً من رحيق القيم. هذا الاسم المؤنث بتاء التأنيث المربوطة، والمسيّج ببطاقة هويةٍ جاهزةٍ تثبت الانتماء إلى العروبة والإسلام، تتيمّن الأسرة بالتسمية باسمها، وفاءً وبراً وبركة، وذلك مقصدٌ نبيلٌ يسعى إليه الروائي. وهذا ما استدعاه معنى الاسم في رواية " أحلام الرصيف المجروح " لـ " بديع حقي " حيث ارتبطت سيرتها بالوقار والوفاء لزوجها الراحل الذي ظلت تشعر بالحنين إليه.

 

وفي رواية " عرس فلسطيني " لـ " أديب نحوي " ارتبط اسم " فاطمة " باسم أبيها الشهيد، فغدت رمزاً فلسطينياً حياً شاملاً كان مهرها التضحية والبذل والعطاء " إنها كل المشردين. إنها كل اللاجئين. وأيديهم ممتدّة فوق ظلام الهاوية. ألا ترى... ويمسكون بها من هناك... لأولادهم... بكل فلسطين لئلا تسقط مرة أخرى من سحيق أعماق الهاوية ألا ترى ؟؟ فكيف. . كيف أن فاطمة من يد أمها تسقط ".

 

إن " فاطمة " التي استشهد (عريسها) يوم الزفاف، تمسك بندقيتها، وتطلق النار على مصابيح الكهرباء في ساحة العرس، وتترك طلقة واحدة لقتل العدو، فتغدو رمزاً خالداً من رموز الحياة العربية المقاومة.

 

ويتماهى اسم " فاطمة " مع شخصيتها ولا تتحوّل إلى رمز فلسطيني فحسب، وإنما تغدو رمزاً عربياً يحمل قِيم انتمائه في النضال والمثل العربية، والأصالة الاجتماعية ذات الدلالات الدينية : " الليلة عرس بنتنا الحلوة فاطمة.. انظر إليها وهي تمشي قدام نعش عريسها، محمولةً على كتف عمها أبو فهد، بعد أن قبّلت يد أمها ويد أبيها واستأذنتهما ذاهبة إلى حبيبها الفهد في ليلة عرسها، والجبل كله طبل يدق، وفشك يئز، ونار تضيء الكون بالفرح والمسرة " ص (101 – 102)

" يأتي اسم " فاطمة " في الملفوظ متخففاً من أية صفة أخرى، اللهم إلا من ظنها " البنت الحلوة " وهذه البنت منسوبة إلى ضمير الجميع " نا " ذلك كله لا يخلو من دلالة فاطمة التي لم تعد تنتمي إلى نفسها فقط ولا إلى عريسها الذي لم تمسه ولا إلى أبيها أو أمها. إنها بنت الجميع. بنت المخيم. بنت فلسطين، وربما أقول فلسطين كلها " (23) وأيضاً بنت العرب قاطبة.

وفي المعنى المضاد. رُسمت شخصية " فاطمة " في رواية " الهدس " لـ " إبراهيم الخليل " شخصية انتهازية هشة، فقد كانت امرأة غجرية داعرةً، ورمزاً للتشرد والعهر والانتهازية. تزوّجت (الآغا علي البرادعي) بغية الاستقرار عنده والشعور بالأمان معه، لكنها ما إن تعرضت حياتها في كنف الزوج لأول هزةٍ حتى عاودتها هشاشتها التجارية ونزعتها الداعرة:

" - تأمنين لرجل ؟. فالثعلب لا يحمل في أنيابه للدجاجة سوى الموت، وفلسفة الكار تقول:

- من لم تدّخر في شبابها لكهولتها، فلا مكان لها، إلا المزبلة "ص(20)

ثم ما تلبث بعد رحيل الزوج أن تعود - وهي في أرذل العمر - إلى حياتها الأولى، فتغدو رمزاً هشاً بلا عقيدة ولا مبدأ. . ويغدو الاسم الذي حمل معاني القداسة الدينية رمزاً للدعارة والانتهازية والانحدار، وقناعاً زائفاً تضعه المرأة على وجهها، لتخفي خلفه حقيقتها، ولتظهر به بمظهر جديد يناسب الوسط الذي انتقلت إليه في كنف الزوج. لذلك عمد الروائي إلى منحها اسماً ثانياً هو " قمر " في إشارةٍ إلى مهنتها الفنية الداعرة حيث كانت تضيء لياليها الراقصة.

 

و" فاطمة الضحى " في رواية " الصخرة " لـ " عبد النبي حجازي " خالف اسمها منطوق فعلها بدلالته التراثية، فلم يحمل أيّ معنى من البعد الديني الإسلامي، وإنما اقتصرت دلالته على القدم والتخلّف والطغيان والجبروت الفرعوني والألوهية، إذ كانت تزعم للفلاحين أنها تُنـزل المطر، وقد كثّفت دلالة التسمية للقرية (الصخرة) التي تتربّع على عرشها، ارتباط الشخصية المركزية بالفضاء المكاني، فتغدو الصخرة صخرتين؛ قرية " الصخرة " البيئة بقسوة طبيعتها ومناخها، و" فاطمة " بتحجّر عواطفها، فكانت سلطةً طاغيةً في مجتمع القرية الريفي. سيطرت على الرجال والنساء معاً، وتحكّمت بمصير المجتمع، فادّعت السحر وفعل الخوارق، ووصل بها الأمر إلى الزعم بالتحكّم بالقدر، وإنزال المطر.

 

أما اسم " أمينة " فله من القداسة مثلُ ما لاسم " فاطمة " إذ أن اللفظ يحمل شحنةً عالية من الدلالة الروحية، فالجذر (أ. م. ن) يوحي بمعنى (الأمانة) في علاقة تضادّ مع (الخيانة) كما يوحي بمعنى (الأمن) و (الأمان) وهو ضدّ (الخوف) . . ويوحي بمعنى (الإيمان) أي التصديق، ومعنى (الثقة) فالأمانة تقع على مفاهيم الثقة والشجاعة والرسوخ على المبدأ، و " أمينة " مؤنث (أمين) والأمين صفة من صفات النبي " محمد " فهذا الاسم العربي يحمل ضمن معانيه المذكورة معنى الأمانة على رسالة. هذه الرسالة هي المحافظة على الهوية، والتصدّي لكل محاولةٍ من محاولات المحو أو المسح ". (24)

وقد راعى عددٌ من الكتاب هذه المعاني، ووقفوا شخصياتهم على دلالاتها، بينما ذهب عددٌ آخر بهذا الاسم إلى معانيه المضادّة، لإعادة تشكيل الأسئلة، وخلخلة بعض المفاهيم التي سلّم بها أهل زمانها، ويأتي بعض الكتّاب يلوكونها بدعوى الحداثة، بغية زعزعة الارتباط بماضي الأجداد، لتأسيس ثقافة الاختلاف، التي تجعل الإنسان ينفصل عن جذوره رمزياً، ووأد كل صلةٍ بالماضي، بوصف الأسماء رموزاً، ، كي يخفف من عقدة تضخيم (الأنا) ، أو بسبب النرجسية التي صاحبت أدبنا الحداثي، كما عبّر عن ذلك " حيدر حيدر " في رواية " وليمة لأعشاب البحر " إذ يرى في باب المحرّمات هذا الهمّ الكبير الذي تعانيه الرواية " أن المحرّمات في السياسة والدين والجنس عوائق وتحديات أمام نمو الرواية وتطورها... وهذه الموجة الظلامية لابدّ أن تنحسر"وأن"ما يعتبر أو يسمى المحرمات هو في الحقيقة مصالح أشخاص أو فئات أو طبقات قبل أن تكون ضرورة أو قداسة أو حاجة تعني الجماهير. " فتشوّهت الصورة التي أقامتها الذاكرة العربية في موروثها التاريخي الطويل لهذا الاسم، وجُرّد من قداسته الدينية، ومعانيه الروحية، ففي رواية " الزمن الموحش " لـ " حيدر حيدر " تخرج " أمينة " عن إطار النظرة التقديسية، لتتحوّل في المنظور الحداثي التقدّمي إلى عاهرة، أو شبه عاهرة، فتخون زوجها، وتقيم علاقةً عشقيةً مع صديقها " راني "ثم إنها عندما يغيب تستعيض عنه بصديقه " شبلي " ليحلّ مكانه على جسدها، وتتحول " أمينة " بين أحضان الصديقين إلى مزايدة ثقافية حداثية، فاقدة كل إيحاء موروث، وكل نكهة حقيقية للدعابة أو للجدّ، فالرمز الديني، يتحوّل إلى شخصية حزبية تؤمن بسياسة الجسد المفتوح:

" - ضاجعت أمينة صباح ذلك اليوم.

وزعق فرحاً: معلوم. عوّضت أيها الشبل عن غيابي. أشهد أنك قمت بعمل ثوري عظيم.

وقلت: حدث ذلك صدفة.

نهنه: في علم النفس لا يوجد شيء اسمه صدفة.

- إلى متى ستظل تلاحقني بالرفيق فرويد ؟

قهقه لكلمة رفيق: علم النفس التحليلي يقول ذلك: أنت كذاب. ما سيحدث جاهز في اللاوعي. إحك لنا كيف كانت أمينة ؟.

- لماذا لم تقل الرفيقة أمينة " ؟ (ص 70)

إن " أمينة " التي هجرت بيت الزوجية، لا تقلّ عن صديقيها تقدميةً، وربما كان ذلك عن قصد من الكاتب في تشويه التسمية التراثية الدينية، إذ تسعى وراء حريتها، فترفض الارتباط بالزواج، مفضّلة أن تكون علاقتها بالذكر علاقة وجودية منعتقةً بغير حدود. . وعلى هذا المنوال نسج " نبيل سليمان " في رواية " ثلج الصيف " شخصية " سكينة " ففارق بين معاني التسمية التراثية واللغوية، وبين دورها وسلوكها الروائي " الحداثي " لأن البعد الأول ينطوي على معاني القداسة في التراث الإسلامي، كما ينطوي في اللغة على السكن والأمن والمأوى والملاذ والراحة والطمأنينة والمهابة والوقار. . بينما جعل البعد الثاني ينطوي على عكس ذلك تماماً، فهي على الرغم من أنها مثقفة، فإنها أنثى شبقة، تتعهّر وتعمل على تسليع جسدها، وبيعه لمن تتوخّى فيه الثراء والفحولة، فلا تتوانى عن ممارسة الجنس مع أحد رفاق السفر العابرين، في المقعد الخلفي للسيارة التي انقطعت بها السبيل بسبب تراكم الثلوج على طريق دمشق / حمص. في غفلة عن عيون بقية المسافرين معها في الرحلة.

 

لقد استجابت " سكينة " لدعوة " جلال بك " فـ " سكنت إليه " وتذوّقت نكهة الجنس كما لم تعرفها من قبل، واكتشفت لأول مرّة مع رجل غريب عابر أن جسدها جميل ومثير، ويخبئ أسراراً " إن في جسمي أسراراً كنت أجهلها " ص (103)

وانزلاق " سكينـة " وهي المعلمـة المربية رمز التنوير، إلى هذا الدرك المنحطّ من السلوك السلبي، جعلها " شخصيةّ مسطّحة غير مقنعة – على حدّ تعبير محمد أبو خضور - لا تفاجئنا بأيّ شيء، وهذا الحكم لا يطلق عليها بسبب أقوالها، وإنما نتيجة لمواقفها الكثيرة في الرواية " وقد بدا توظيف اسمها مضاداً لمعانيه الجمالية واللغوية والتراثية.

 

أسماء من الواقع الاجتماعي:

تنبثق شخصية " هالة " في رواية " ثم أزهر الحزن " " لـ " فاضل السباعي " من قاع المجتمع الشعبي الحلبي في بداية خمسينيات القرن العشرين، فتغدو هالةً وسط أسرتها من نورٍ وعلمٍ ونجاح وحبّ، وقد استطاعت بجهودها الشخصية الوصول إلى أرفع الشهادات الجامعية، وتتألق بهالتها فتصل إشعاعاتها إلى أخواتها اللواتي يتجمعن حولها يقبسن من وهجها العاطفي والعلمي.

 

و تتخذ " لمياء " " في رواية " طائر الأيام العجيبة " لـ " خيري الذهبي " من " لمى " الشفة جوازاً للعبور بجسدها إلى الحياة.

 

و يشي اسم " ذكية " – كما شخصيتها – في رواية " أحضان السيدة الجميلة " لـ " وليد إخلاصي " ببعض مفاهيم الخبث الاجتماعي، الداعية إلى اهتبال الفرص وانتهازها.

 

وتثير " ملاحة الخاني " في رواية " بنات حارتنا " مسألة تسمية شخصية الرواية المحورية " سلمى " وما يوحي به اسمها من دلالات اجتماعية وتاريخية، وما يرهص به من رؤى مستقبلية، إضافة إلى معناه اللغوي من سلم وسلامة وأمان، فتحرص على أن تحمل " سلمى " – كما جاء في السرد الروائي – " من اسمها بعضاً من تكوينها النفسي والخلقي، متشوفة نحو المتغيرات التي تحيط بها. توقفت في محطات متلونة، تركت مخيلتها الفنية آثاراً عميقةً، ونمنمات مثيرة، وذكريات ثرّة، كمرتها في فؤادها.

 

إذا أطلّ الماضي بأبعاده الحانية، أو الداكنة. تبسمت رضىً لحياة عاشتها بين أبٍ وأم عاشقين، حاولا أن يرضيا غرورها بعيشٍ هنيءٍ موار " ص (5)

واسم " سلمى " يوحي من خلال ما قيل عنها بسلامة التفكير، وسلامة الجسد من الدنس: " إذا أرادت سلمى. صمّمت. توهّجت كشرارة. لم تنـزلق في وحل. ولم تقف على قدم واحدة، تفتحت في أرض صلبة، مليئة بعروق الذهب.

 

قالت الأم:

- لسلمى نظرة شفّافة تخترق القلب. تقرأ خطوط الزمن في وجوه أناس الحارة. سلمى مزيج من تواشج الضباب والمطر، خلقت في يوم شتائي عاصف، يتلاعب على شاشة الحياة " ص (6)

واسم" ثرى " في رواية " التوق " لـ " أميمة الخش " ذو دلالة غنيةٍ بالإيحاء. ترافق مع ملامح شخصيتها، فهي كريمة معطاء، كـ " ثرى " الأرض؛ رمز الخصب والعطاء والنمو، منح الشخصية بعداً مترفاً من الثرى الثقافي والخلقي في الرواية، وكان الحقّ يظهر على لسانها، مهما كان التصريح به حرجاً وخطراً، وقد بدت جرأتها وثراؤها الخلقي عندما اعترفت بخطئها المهني، حين لم تُجرِ اختبار تحسّس للطفل، قبل إعطائه الدواء، وأنها استخدمت عقاراً مهرّباً، مما تسبّب في موت الطفل، وقد أعلنت للجميع أنها تتحمّل المسؤولية وحدها.

 

كما يظهر (ثراؤها) في عطائها الثقافي، وسلوكها العام، وشفافيتها مع أصدقائها الذين يرافقونها لزيارة المعارض الفنية.

ويبدو اسم " أمل " في رواية " بارقة أمل " لـ " حنان أسد " واضح الدلالة على الرؤية المستقبلية التي تتوخّاها، وتتمنّاها الأنثى في فتى أحلامها، والتي تبرق عبر مجموعةٍ من المشكلات والأزمات التي تمرّ بها " يقولون عني هادئة الطبع، وديعة الملامح. . ألوك مرارتي، وأرسم ابتسامتي الهادئة رسماً يعجز عنه الفنانون، ولئن كنت أتجاهل، وأتصنّع الهدوء، فإن الجراح تفتك في أعماقي. . "

إن " أمل " على الرغم من وضعها الاجتماعي المتفكّك، ولعنة طلاق أبويها، التي تلاحقها، ثم موت جدّتها التي تعيش في كنفها. كل ذلك لم يبعد الأمل عن نفسها، وكان لها من عقيدتها الإسلامية الراسخة نورٌ يضيء دروب حياتها، وينوّر جوانب نفسها، فيبعدها عن اليأس والقنوط، ويجدّد فيها الأمل.

 

أما اسم " نانا " في رواية " الوجه الآخر للسقوط " لـ " حسن صقر " يثير عدة تساؤلات: " هل هو تحوير مقصود لاسم الإلهة الأسطورية (نانا) ؟ أم إنه لقب عاميّ للجدّة ليس أكثر ؟ وهل نستطيع أن ندفع هذا الرمز إلى أبعد من ذلك، كأن نفترض " نانا سعيد " الحاضرة بلا انقطاع في كل وحدات ومستويات الرواية. نفترضها (حواء) (كرم المزرعة) [ قريتها ] ؟ أم هي إشكالية الجمال عندما يتجسّد محسوساً في امرأة، فيجرّ معه ما جرّته " نانا سعيد " على أولادها وأحفادها ؟

.. إن " نانا سعيد " هي المعاني جميعاً، ومما يدعم [ الاستنتاج ] إشارات الراوي المتكرّرة إلى دلالات " نانا سعيد " إلى درجة أنه يقول بصورة مباشرة:

" نانا سعيد جسد وروح متحدان ومنفصلان في وقتٍ واحد، فإذا فكّرتُ في جسدها. حامت من حولي الخطيئة، وإذا فكّرتُ في روحها تجسّد أمامي الشرّ، ولذلك فأنا مضيّع بين الخطيئة والشرّ " ص (97)

***

يلاحظ الباحث " أن النصّ الواقعي يعير أسماء العلم. . اهتماماً كبيراً، فنجد الكاتب الواقعي يلجأ إلى إعطاء أسماء شعبية وفلاحية، لشخوص الطبقات الشعبية، وذلك لتحديد بعدها الاجتماعي " (25) .

" ورواية " الوباء " لـ " هاني الراهب " حافلة بعينات من هذه الأسماء الشعبية، فنجد: زين المها – زهرة – كحلة... . الخ، وتأخذ بعض الأسماء بالإضافة إلى شعبيتها بعداً تاريخياً أو دينياً. مثل: خولة. مريم. كلثوم. زينب. ويبرر الكاتب استخدامه لهذه الأسماء – مع أسماء الذكور – قائلاً: " أحمد سليم أصرّ على تسميتها خولة، تيمّناً بتلك المرأة العربية الباسلة، التي أغارت على جيشٍ، وخلّصت أخاها من الأسر ".

 

" أما الأسماء التي تنضوي تحت لواء الطبقة البرجوازية، فإن الكاتب يوليها عنايةً خاصةً، تماشياً مع خطه الواقعي، فتأخذ زوجة " عبسى " اسم " فدوى " وبنتاه: " سوسن، ورحاب. " (26)

و" شمس " في رواية " الطريق إلى الشمس " رمز للتطهير و الشروق والسطوع وإنارة العالم من حولها، وقد لعبت أدواراً مهمّة في الحياة، فكانت الفارسة البدوية والأم المربية والمناضلة الوطنية. عاشت عاشقة معشوقة، قاومت الاحتلال الفرنسي، وقتلت " الكابيتان جيرار " رمز الشرّ والعدوان، وشاركت في أول مظاهرة نسوية في دمشق، فكانت " الشمس، في مركز الدائرة. هالات حولها ومدارات، تسير عليها الكواكب، وتدور الأقمار، تستمد منها الضوء والحرارة، تأخذ الطاقة والحياة... فماذا يحدث إن انطفأت الشمس؟ ماذا يجري للكواكب والأقمار ؟ " ص (14)

إن " شمس " أيضاً رمز الوهج والصفاء والنقاء؛ المرأة الشريفة التي لا تبيع شرفها ولا تخون زوجها، صدّت الرجال الأقوياء الإقطاعيين والمسؤولين في السلطة، وقدأكّد الكاتب على رمزية اسمها، حتى قال " الكابيتان جيرار " - الذي حاول اغتصابها - لصديقه " القومندان رينو " قبل أن تقضي عليه بطعنات خنجرها: " هذه امرأة مختلفة يا صاحبي. . صعبة. صعبة. كأنها قمة إيفرست. عصية. عصية. " شمس " فكيف يمكن الوصول إلى الشمس ؟ "

ص(246)

وحين مَثُلَت أمام " القومندان رينو " في دمشق، بعد أن غيّرت اسمها وبيئتها (حماة) ربط الضابط بين اسمها الجديد " شموس " والصورة التي رسمها لـه " الكابيتان جيرار " وجابهها بذلك إثر إلقاء القبض عليها، وهي على رأس مظاهرة نسوية، قائلاً: " تراءت أمام عيني تلك الصورة التي رسمها لك جيرار، فاحمة الشعر، بيضاء البشرة، فارعة القامة، وحين قلت إن اسمك " شموس " رنّ صوته في أذني: " اسمها شمس " منذئذ لم يفارقني الشك بأنك أنت شمسه، تلك الشمس التي خلبت لبه " ص (46)

و" صبرية " في رواية " دمشق يا بسمة الحزن " لـ " إلفة الإدلبي " يتطابق اسمها مع سلوكها. إذ تتحلّى بالصبر، لتغدو رمزاً للأنثى التي تحتمل المكاره، ولكن كان لصبرها حدودٌ. إذ تنتفض في وجه أخيها " عادل " الذي وقف في طريق زواجها، ثم عندما تجد نفسها مغلوبةً على أمرها تُقدِم على الانتحار. .

 

واسم " صبرية " " اسمٌ مطابقٌ تماماً لحالة الأنثى بطلة الرواية، التي وجدت نفسها مضطهدةً، لكنها صابرة، غير منهزمة، والاسم مشتق من الصبر، وهو في الموروث الشعبي نبات يُتداوى به " وقرين أشياء كثيرة أقربها إلى الأذهان الاستسلام أمام ظلم ذوي القربى، والرضا بالقضاء والقدر، ويسميه العامة (المكتوب) ، واجترار الأسى أمام الأوضاع التي يصعب تغييرها، وبطلتنا من هذا النوع، وإن كانت قد شاركت بطريقةٍ ما في صنع واقعها بعد أن رفضت أن تتزوّج، بعد اغتيال من كانت تحبّه، بمعرفة شقيقها راغب، فصارت عانساً[ ثم انتحرت ] (27) " مسكينة المرأة التي لم تتزوّج. كم تشعر بالمرارة والمذلّة حين تجد نفسها عبئاً ثقيلاً على إخوتها وأهلها. حقاً ما أتعس المرأة في بلادنا !. . يحرمونها العلم والعمل. يكبلونها بالعادات والتقاليد، ويستثقلون حملها... " وقد وعت الكاتبة دلالة التسمية التي جسّدت معاناة بطلتها فجعلتها تبوح بدلالاتها " هل سموني صبرية لأصبر وأصبر ؟. . وماذا بعد الصبر إلاّ المجرفة والقبر " ص (15) .

 

و" أم المنى " في رواية " ثلج الصيف " لـ " نبيل سليمان " أنثى لبنانية تعمل قوّادة عالمية، والمنى التي هي أمها ليست سوى " المنيّ " الذي أراد الروائي أن يصمها به، وتظهر شخصيتها منذ بداية الرواية، على لسان " فيرا كوهن " الأنثى الأمريكية، التي قَدِمت إلى لبنان، قاصدةً تركيا عن طريق سورية، في جولة سياحية، بدأتها باليونان، وهناك. في أثينا. وصلت إليها أخبار " أم المنى " وحين حطّت في قبرص علمت أنها " سمسارة الشرق الأولى، والقوّادة الأولى في كل هذه، الأنحاء، فكانت أن اتجهت إليها فور ما وطئت قدماها برّ لبنان، مؤمّلة أن تيسّر الصفقة معها ما تنويه في استنبول، وفي سواها، وهكذا انطلقت المرأتان... المغامِرة الشبقة، والعجوز الخبيرة... " ص(12)

إن شخصية " أم المنى " تتواءم مع اسمها حيث تتضح ضخامة ما تستنـزفه من فعل الجنس، الذي زاد في طغيان دورها لفظ الكنية المسبوق بـ " أم " حيث تغدو " أم المنى " أماً لنهر الجنس الذي تسبح فيه مع زُبُنها من الرجال والنساء " لم يبق رجل. ولم تبق امرأة. لقد جعلت أرض بيروت وقبرص واستنبول [ ودمشق ] ساحات جماعٍ لا حصر لها. فلتهدر أنهار الحياة... " ص (120)

وقد يُستشّف من دلالة تسمية " أمّ المنى " معنى المنيّة، تعبيراً عن الحالة التي آلت إليها نتيجةً لدورها المشبوه، فحكم الكاتب عليها بالموت، في أثناء رحلتها مع " فيرا " ودفنها تحت الأرض التي يكسوها الثلج، في الطربق بين دمشق وحمص.

 

ومثلها " فيرا " الفائرة جنسياً، وهو ما يوحي به اسمها في العربية، أو الإنكليزية إن كان من النار (fire) التي تؤجّج سعير الجسد، أو من الحرية

(free) التي تعني الإباحية والتحلّل والتحرّر على الطريقة الغربية، وفي كل من المعنيين تعبير عن السلوك المتمثّل بالتوق الجنسي، والممارسة بغير حدود.

***

وفي رواية " الياطر " لـ " حنا مينة " تبرز شخصية " صالحة " في حيّـزٍ محدودٍ من الرواية، لترمز إلى ضعف الصلاح والإصلاح في المجتمع، والتأثير المحدود جدّاً في محيط الأسرة، فلا تستطيع التأثير على أحد.

إن " صالحة " زوجة عاملة، حاولت الإصلاح، بأدواتها البسيطة، لكنها لم تفلح، وبصورةٍ خاصة مع الزوج المتعملق " زكريا المرسنلي " الذي لمست (عدم صلاحه) وعانت من استمرار اندفاعه وراء الخمر، ومواصلة انغماسه في الجنس مع المومسات، ولكنها لم تيأس، فهي " الصالحة " ومهمتها الأولى إصلاح زوجها، فأعدّت لذلك كل ما تمتلكه امرأة من تودّد وتحبّب، عملت على تلبية طلباته، والاستجابة بحيوية لرغباته، وتهيئة الجو المناسب لطعامه وشرابه ونومه، وجهدت أن تزيل القذارة من نفسه. تطهره ليغدو نظيفاً صالحاً مثلها، لكن ذلك كله كان بغير جدوى، لأن القذارة متمكّنة من جوارحه، وهذا ما كان يعترف به كلما لمس سعيَ زوجته لتنظيفه:

" لا فائدة. دمي ملوّث. لوثته الخمارات والعاهرات. . كم رجتني صالحة أن آتي وأسكر على المصطبة في ليالي الصيف، وآكل، وأقوم معها إلى الفراش، وننام، ولكنه كان ثقيلاً. بغيضاً. رسمياً. ذلك الواجب الزوجي اللعين، وكانت النظافة، والمائدة، والفراش، لا تثيرني، ولا تلذّني، الخمارة وحدها، بقذرها، وبصخبها، والشاطئ برائحته المزنخة، والعاهرات بفجورهن، على الرمل في العراء، لذتي وهواي " ص (276)

إن " صالحة " حاولت بأنوثتها الطاهرة، أن تكون ملاذ زوجها الوحيد، لكن الصلاح يكاد يكون معدوماً في المجتمع، لذلك ظلت عاجزة عن إصلاح البيت، فالزوج لا يجدها (أنثى) كما يتصوّر ويشتهي، وكما شاهد وعاين ولمس من سلوك الشارع الداعر الذي يسير عليه، نظراً لاحتلاله من قبل الداعرات اللواتي يفسدن عليه الخلود إلى فراش زوجةٍ " صالحةٍ " كاسمها، مع ذلك فإن سيرتها في الرواية – على الرغم من محدودية الدائرة التي تتحرّك داخل محيطها – ظلّت في نطاق الصلاح والفضيلة، ومع أنها لم تستطع التأثير في سلوك زوجها، فإنها استطاعت أن توجد منفذاً إلى تفكيره، يذكّره بما هو عليه. يقول " المرسنلي ":

" زوجتي الصالحة. الداية المشغولة بولادات الأطفال. لم يكن فيها شيء يغريني. مجرّد هيكلٍ قليلِ لحمٍ ". ص (78) وهو لا يريد من المرأة (الصلاح) ولا يريد أن تكون زوجة، وإنما هدفه أن تكون تحته (آلة) وفيها (فجوة) " ولو وجدها في الرمل لا ستغنى عنها ". ص (67)

 

ولأن المرأة – في منظوره - خلقت دجاجة للقوقأة، لا للصلاة كـ " صالحة " فإن لم تكن مثلها فإن صلاحها مدعاة للسخرية:

" آه يا صالحة. بدأتْ خيراتُ دعائك تصل. تابعي يا عزيزتي. يا زوجتي التي ستكون آخرتها أفضل من بدايتها. تابعي شفاعتك، واكفليني عند ربك. علاقتك به طيبة. من يوم تزوجتك تصلّين، ولك عليه دالّة. ستُقبل شفاعتك، وإذا فعلها سأصلّي مثلك. أركع أنا الفيل وأصلّي. أتعلّم الصلاة. أنذر نفسي لله.. إذا سمع منك وأنقذني، فسأتوب، ومعك كل ليلةٍ أصلّي. وأغتسل جيداً حتى لا تشمي زنخة السمك، وأنام معك دون عضّ، وأصير زوجاً صالحاً. . " ص (116)

إن اختيار الاسم الروائي لـه أكثر من بُعدٍ رمزي ودلالي، بحسب الاسم، وبحسب ارتباطه، وامتداده في الذاكرة الحضارية والتاريخية والسياسية والاجتماعية والحداثية. وقد كانت " صالحة " الوجه الطبيعي، المعاكس لشخصية" المومس" التي يفضلها " المرسنلي" أي ثنائية التضاد التي تظهرها المفارقة السلوكية واللغوية " التقية الصالحة / المومس " فكانت المومس ذات الصوت الأعلى في منظور ذكورة البطل، في حين لم تكن الزوجة سوى دلالة معارضة ساخرة، تتحوّل من خطابٍ مستنسخ إلى خطاب جاهز. فالوضع الطبيعي لصورة الزوجة الصالحة / الأم يجعل وضعها الرمزي في موقع سخرية ومعارضة، وذلك بالنظر إلى ما تكشف عنه من عجز واستكانة وخنوع وخضوع أمام الزوج، الذي يتنكّر لدورها الفاعل الإيجابي في الحياة، ويؤثِر عليها داعرةًً تغرق في السلبية، وبذلك يصبح الخطاب الجاهز (صالحة) في موضع خلخلة وتدمير. وفعلُ الخلخلة هنا ليس مستغرباً في شخصيات (حنا مينة) داخل المؤسسة الزوجية.

 

لكن دلالة تسمية الزوجة " صالحة " يمكن أن يوحي بشيء من الصلاح الاجتماعي، والنهوض الحضاري في المستقبل، طالما أن المومس عقيمٌ، لأنها ليست سوى بؤرة للجنس، وليس للإنجاب والخصب، وأن عمل " صالحة " في التوليد الشعبي " داية " تستقبل يداها الأطفال من أرحام أمهاتهم يشكل صورةً للانبعاث والتجدّد والحياة، في شبكة من التقابلات الدلالية المتعارضة بين "مومس " سلبية، عقيم وتعارضات مع زوجة "صالحة" إيجابية منتجة بامتداداتها وعطاءاتها المتواصلة، وذلك من خلال لعبة التسمية؛ أي من خلال وضع الرصيد العاطفي للقارئ موضع التساؤل حيث تغدو الأنثى عنصر إثارة للأجواء العاطفية، تتوسّل بالواقعي، وترسم ملامح التمثيلي والاحتمالي والرمزي.

 

وعلى عكس صلاح الزوجة، كان انطلاق " شكيبة " في الرواية من أسر صلاح زوجها إلى عدمية الجنس مع العشيق " المرسنلي " وهذا ما يوحي به اسمها من صلادة وقوة، وهي الأنثى التركمانية المنفلتة في الغابة مع قطيعها، وقد اتسمت ملامحها بالوعي والتمرد والعناد، و أكسبها عملها في الرعي خبرةً ومراساً، إذ كانت تعدّ الرجال ذئاباً، ولا ترى الحياة إلاّ " حياة موت وحرية ووثنية جنسية " وصارت ميزتها بعد أن عرفت الجنس مع " المرسنلي " أنها صنو لذكرها، وندّ لرجلها. لا في الفراش وحده، وإنما في معترك الحياة."(28)

وغدت بشخصيتها وسلوكها مرآةً لـه " تهيّبتُ أول الأمر أن أجذبها إليّ " ص (72) " وجدتُ نفسي أمام لغز اسمه شكيبة، وجدتها مخلوقاً في رأسه عقل " ص (243)

في المنظور النسوي تلاحظ الناقدة " د. ماجدة حمود " أن الروائية السورية تختار لشخصية روايتها اسماً غير اسم الكاتبة " إذ لم نجد كاتبةً تجرؤ على منح اسمها لبطلتها رغم التماهي معها، كما فعل الروائي. . نبيل سليمان" (29)

إن الاسم الذي تختاره المبدعة الروائية لشخصيتها المحورية، ينمّ عن مدى ما يحمل من دلالات تحاول الكاتبة أن تسقط من نفسها على شخصية روايتها، فتكون – هي – البطلة، ولكن باسم مستعار.

 

إن " عليا " في رواية " النعنع البري " لـ " أنيسة عبود " تختصر كل النساء، وتملأ المدينة حضوراً وحياءً وجمالاً. إنها امرأة مختلفة في عينيها القهر العربي، والفرح العربي. لهذا باتت البطلة رمزاً لكل النساء الطموحات، واستمراراً لكل النساء اللواتي تركن أثراً رائعاً في تراثنا / بلقيس. مريم. فاطمة. سكينة. زينب / وقد بدا لنا اسم الشخصية " عليا " جزءاً من رمزيتها. إنها امرأة العلو والتغيير. أحاطتها هالة أسطورية. " (30)

 

 

. وإذا كانت الكاتبة لم تمنح البطلة اسمها. فإن شيئاً من ملامحها لا يخفى في هذه الشخصية الروائية المرهفة الأحاسيس.

إن رمز العلو ومعنى السمو الذي هو عكس واقع الانحدار والوضاعة الذي تتسربل به شخصيات الرواية. يجعل من " علياء " كائناً آخر نظراً لاختلال القيم والمعابير:

" هو المهزوم في هذا الواقع الآخذ بالتفسّخ والفساد [ لذلك نجد ] سعاد نفت نفسها إلى خارج البلاد، في إشارة واضحة إلى نفي السعادة، أو إلى هزيمتها أمام الشرّ المستطير " ص (30) وواضح ما تحمل النهاية لـ " سعاد " من نتيجة عكسية، تدل عن أن الاسم وضع عن عمد ليحمل معنىً تضادّياً للشخصية.

 

واسم " عليا " هو " أكثر من قناعٍ متعارفٍ عليه بين الناس، كما هو الجسد قناع متعارف عليه بين الأرواح، والاسم أيضاً لعنةٌ كالجسد لذلك كانت تتمنّى دائماً:

" لو أنني الآن أقشّر اسمي عن جسدي. كما يقشر الجسد عن الروح، فيكون التراب هو الاسم الأكمل. الاسم الحق. التعيين. الاسم الذي يحقّق المساواة والعدالة... هو البعد في شخصية – حكاية عليا – والذي قد تشي بصوفيةٍ ما. لكن " عليا " الحلولية هي أيضاً، وأولاً امرأة في هذا المجتمع منذ خمسينياته. . " (31)

***

وتتميّز شخصية " بهيرة " من بين جميع شخصيات رواية " حالة شغف " لـ " نهاد سيريس "بإبهارها الآخرين، وإدهاشها المتمثّل في حركاتها وسكناتها وخططها المستقبلية، وواقعها الراهن، وقد ترافق بناء الشخصية مع خصوصية التسمية، فكانت أنموذجاً متفرّداً، إذ خصّها الكاتب بفصلٍ جعل عنوانه " كيف استقبلت الخوجة " بهيرة " وداد، وكيف قبّلتها أول قبلة ".

لقد بهرت " بهيرة " " أمّ وداد / بديعة " فعملت على تهيئتها لتكون معشوقتها المثلية أولاً، وراقصةً في ملهىً ليلي ثانياً. مع غرس كره الرجال في نفسها لتظلّ منجذبةً إليها. خالصةً لها.

 

و " بهيرة " بهرت أباها بتصرفاتها وحيويتها، فعمل على (تذكيرها / استرجالها) وعوّدها على نشأة الصبيان، فكانت تتزعم صبيان الحارة، وينادونها " صبحي " مرّةً و" أبو صطيف " مرّةً أخرى: فقد كانت في حلب " تتزعم أقرانها إلى المبغى حيث تفضح العاهرةُ سرّها كأنثى، فتنفضّ العصابة عن الزعيم، وترث " بهيرة " مقت الرجال، وتتابع حياتها كمغنية للأعراس. لا ترتدي إلاّ ثياب الرجال – وكعاشقة للنساء، وعبر سرد حكايتها تقوم المنافسة للعشق والغناء بينها وبين الخوجة " سماح " كما تقوم حكايات عددٍ من عضوات فرقتي الخوجتين ". (32)

و " بهيرة " استطاعت أن تجذب إليها " وداد " التي بهرت الرجال بجمالها، وتستخلصها منهم لنفسها على الرغم من أنهم كانوا في مواقع المسؤولية. وكما انبهرت " أم وداد " بـ " بهيرة " وجعلتها تابعةً لها، فإن " وداد " تَمْثُل لنفس الدور الذي قامت به " بهيرة " مع " أم وداد " فتكون " وداد " معشوقة " بهيرة " وتغدو اللعبة العاطفية كلها انبهاراً في انبهار، يغذيها التوق المستعر إلى الجنس الطبيعي والشاذّ. . وبذلك تتحوّل مواقف الرواية الأنثوية إلى انبهارات متلاحقة ومتداخلة، عبّر عنها الكاتب بالغرائبية:

" هذه الدنيا غريبةٌ حقاً، وأغربُ شيء فيها حكايتها " ص (7) .

 

لقد حفلت الرواية بالعديد من الشخصيات الأنثوية، وجميعهن لهن من معاني أسمائهن نصيب ينسجم مع ملامحهن الشخصية ودورهن السوسيولوجي: " بهيرة – وداد – بديعة – راحيل – سماح – عائشة – فريدة. . ".

 

ويلاحظ أن الكاتب استخدم " التسمية والبناء الجسدي والنفسي، ونمذجة الشخصيات استخداماً كاريكاتورياً، وواقعياً.

ومن خلال قراءة الرواية، نلمس تعاملاً متمايزاً مع الأسماء، فقد ترد الشخصية دون تسمية:" ابنة المرهج " الراوي الأساسي، وقد تحكي تسميتها شيئاً ما، متغلغلةً حيناً في وجدانه " وداد / وداد الحقيقية " أو في لعبته الفنية، وعندما يصبح اختيار الاسم جزءاً لازماً للحبكة الروائية. نستطيع هنا أن نطالع امتزاجاً بين التسمية، والوصف الجسدي للشخصية، كما نستطيع أن نطالع مثل هذا الامتزاج بين دور الشخصية وعالمها الداخلي " وداد / الشبح " إلاّ أن هذا لا يكون صحيحاً دائماً. إذ تظهر بعض الشخصيات التي تكون قادرةً غالباً على ضبط متغيّرات الأحداث حولها، كما تضبط بهيرة " بنات العشرة " لذلك، فهي بحاجة إلى لهجتها وأسلوب تعاملها مع الأحداث، بوصفها أخت الرجال، مثلما كانت تغيّر اسمها ". (33)

" بهيرة. ليس هو اسمها الحقيقي، ولا يعرف ماذا كانت تسمّى، ولعل البعض أطلق لخياله العنان، فراح يدّعي بأن اسمها الحقيقي، كان على شاكلة حسين أو عبد. . أو أبو اصطيف، وغيره من الأسماء التي تطلق على الرجال بسبب شبهها بهم " ص (35)

 

مزج الأسماء:

قد يلجأ الروائي إلى مزج الأسماء، ويعمد إلى تداخل معانيها تبعاً لمقتضيات منهجه الفني، ورؤيته للشخصية، نظراً لما يمكن أن يقدّمه المزج من دلالات وإيحاءات تغني الحدث، وتثري الشخصية، وقد مزج " أحمد يوسف داود " في رواية " فردوس الجنون " بين المرأة العربية " زهرة "، وبين مثيلتها الأجنبية " روز " من حيث معنى الاسم الأجنبي الذي يعني الوردة وهي زهرة، ومن حيث الشخصية وملامحها وسلوكها، فكلاهما يحب الجنس ويمارسه. ويحب العطر في الزهر والقوارير " وكانت المدموزيل روز تعتبر مصانع العطور أهمّ ما قدمته التجارة لمجد الأوطان والإنسان. كم تشبهين تلك الـ " روز " يا زهرة ! وحتى الآن أوقفتك معها عشر مرات على الأقل. ولولا أنه " يخلق من الشبه أربعين " لأعلنت لك ما أعرفه عنك...

فلنبق الآن مع روز. . مع المدموزيل روز – باللكنة الفرنسية للراء – أيام كانت مؤخرتها في بيروت ورأسها في باريز. . باريز النور والعطاء، والجمال، والحرية، وما شابه ذلك من زعبرات يعلكونها في كل مكان كالشيكلس. " ص (367)

ويبدو " محمد أبو معتوق " في رواية " الماء والأسماء " على جانبٍ كبيرٍ من الوعي لدور التسمية ودلالته على الشخصية. لذلك نجده بعد أن وضع لفظ " الأسماء " في عنوان الرواية، معطوفاً على " الماء " وفي الكلمتين تأنيث وترميز أنثوي، يؤكّد تسمية ابنة السارد من زوجته الروسية " كاتيا " اسماً عربياً هو " علياء " ويوصي به موظف السفارة السورية في موسكو ليثبته في السجل عربياً، في حين يساير زوجته بتسمية المولودة " فالنتينا " وقد قصد إلى ذلك عن سابق تصوّر لدلالة الاسم " علياء "، والمقبوس يوضّح هذه الدلالة: " فعندما ذهبنا بالصغيرة إلى السفارة أنا و" كاتيا " زوجتي. انفردت بموظف السفارة المسؤول، وكان من معارفي، وقلت لـه بالعربية، عندما تسألني عن اسم المولودة، سأقول لك أمام زوجتي " فالنتينا " وعليك أن تقوم بدورك الوطني اللازم، وتسجّلها " علياء ".

 

وهكذا تمّ، وصار لابنتنا اسمان؛ " فالنتينا " بالروسية، و" علياء " بالعربية، وقد فعلت ذلك دون أن أحسب حساباً (لوطأة حرف العين، وصعوبته، وعدم قدرة زوجتي، ولا أية زوجةٍ أجنبيةٍ أخرى على لفظه صحيحاً صريحاً، كما نفعل في بلادنا، وتقصّدت أن أطلق على ابنتنا اسم " علياء " مخلصاً في ذلك لمعاني العلو والارتفاع القريبة كثيراً من غزو الفضاء الذي قامت به " فالنتينا " الأصل، وقد قلص من إحساسي بالذنب تجاه زوجتي. لقد اعتبرتْ " كاتيا " وهذا من حقّها، أن إنجابها أكثر أهميةً من الفضاء كله. ذلك الفضاء الذي قامت بلادها العزيزة بغزوه ".

 

عندما تعلّمت " كاتيا " الحروف العربية، وحاولت قراءة الوثائق. عرفت أنها كانت ضحية مؤامرة، وان ابنتها كائن لا علاقة لـه بالفضاء، ولا بالغزو. لذلك اعتكفت دهراً برمته في المنـزل دامعة العين. تمارس تدريبات شاقةٍ على ضرب رأسها بالجدار، ومحاولة تعلّم لفظ (العين) الذي تفتتح ابنتنا اسمها به " ص (8 – 9)

إن " محمد أبو معتوق " يمعن أكثر من غيره من الكتّاب في تمحيص مدلولات أسماء شخصياته، وخاصة الأنثوية منها، فهو في رواية " شجرة الدر " والشجرة رمز الخصب والعطاء، وذات الظلّ الوارف، يقلّب معانيها على وجوهها المتعدّدة، ويسقط على الاسم إيحاءاته الرمزية والتاريخية، ودلالاته اللغوية، فيحاور التسمية ويداور معانيها بما يخدم الحدث الذي وظّفها لخدمته، فالزوجة " شجرة " غدت في نظر الزوج " نخلة " ولما كانت الحياة لا تسير على حال واحدة من السعادة والحبّ، فإن الملل قد يصيب الزوجين أو أحدهما. لذلك يشعر الزوج أن زوجته تلسعه فيُسقط نقطة الخاء، فتصبح " نحلة " ثم يضيف إليها ياء التملّك فيناديها يا " نحلتي " " عشر سنوات طوال مرّت على زواجها بـ " مختار " الذي طالما داعبته بحذفها نقطة الخاء لتناديه " محتار " وكان يستجيب للمداعبة، ويدرك من خلالها أنها تعيش مزاجاً حسناً، فيضحك لأنه يؤمن أن اسم " محتار " ألصق به، وأكثر تعبيراً عن حالته، وكان بدوره يداعبها فيقول لها يا " نخلتي " وأحياناً يا " نحلتي " مطوّحاً بالنقطة مثلها، وكانت تستجيب للنداء، وتحسّه ألصق بها، وأكثر تعبيراً عن حالتها من اسم " شجرة الدر " الذي كانت تحبّ أن تُسمى به أحياناً.

 

من خصائص النحل أنه كثير الطنين، ومن خصائصه أيضاً أنه يلسع رغم الثمن الفادح، الذي يدفعه مقابل ذلك، وكانت تلسع رغماً عنها أو بإرادتها. من دون النظر إلى الثمن الفادح الذي ستدفعه، مطوّحةً بالعسل الذي اختزنته طويلاً، وكان بيتها شيئاً أثيراً يترنّح دون أن يتمكنا للحظة واحدة من حمايته أو تأخير وقوع الكارثة " ص (18 – 19)

وظلّت معاني الاسم " الشجرة " تنعكس على حالة الزوجين فحين يغضب الزوج يهمّ باقتلاع الشجرة من جذورها:

" هل يمسك شجرته الحبيبة ويقتلعها من جذورها مطوّحاً بها إلى فضاء الشرفة، والفرصة مناسبة والباب مفتوح ؟ هل يفعل ذلك ؟. " ص (32)

وحين تشعر " شجرة الدر " بالإحباط " تذبل وتذوي كشجرة حقيقية، وهي ذات الفروع، قد استعارت من خضرة الشجر لون عينيها " عندما تصمت شجرة الدرّ تذوي أغصانها وتنهدل مثل شيء قاس حزين، رغبتها في الكلام الدائم تغامر بها وبجمالها وبعينيها الخضرواين " ص (33)

وعندما يستكين إليها زوجها " بعد فترة من البكاء تتبدّى الخضرة في عيني شجرة الدرّ كشيء أثير خلاّب " ص (34)

 

خاتمة:

على الرغم من كثرة ما قيل في (اسم الشخصية) فإنه ينمّ عن الاهتمام الذاتي للكاتب، الذي يعبّر عن رؤيته للشخصية التي يرسمها على الورق، لتؤدّيَ دورها المرسوم، ووظيفتها التي وُجِدت من أجلها، فكانت الشخصيات ذات الطابع التقليدي، الذي يحمل بعداً عربياً ودلالات إسلامية، كـ " ليلى وفاطمة وخديجة وسكينة... " أو أسماء معاصرة كثيرة، كـ " سلوى وسميرة وبهيرة... " وهناك أسماء أجنبية، كـ " جانيت و ميسالينا و روز... " وقد ظلّت أسماؤها محصورةً في دور شخصياتها الغربية، التي تسعى غالباً إلى الحب والارتواء الجسدي، وقد تسعى إلى الزواج من الشاب العربي الذي عرفته طالباً في بلادها، ثم سعت إليه في موطنه في الشرق، كما فعلت الفتاة الفرنسية " جانيت " في رواية " الطريق إلى الشمس " لـ " عبد الكريم ناصيف " التي لحقت بـ " الأخضر " إلى دمشق، لعلها تقنعه بالزواج.

وبصورة عامة فإن السمة العامة لأسماء الشخصيات الأنثوية في الرواية السورية هي (الوضوح) الذي ساعد على تحديد ملامح الشخصية العامة من جهة، وتفاصيل خصوصياتها من جهةٍ ثانية، وقد كان الاسم – غالباً - منسجماً مع الشخصية، ومكمّلاً لجملة التقنيات الفنية، فلعب دوراً هاماً في التعبير الفعلي عن الذاتية والتميّز والتفرّد، على الرغم من تنوّع المصادر التي استُقي منها، وقد كان للواقع الاجتماعي الشعبي والطبقي دورٌ كبير في مدّ الكاتب بأسماء شخصياته، كما كان للتاريخ العربي ببعديه القومي والديني وجودٌ في أسماء شخصيات الرواية، ولم تكن الأسماء الأجنبية مبتعدّة عن الأحداث وإنما كان لها مشاركتها، ولكن على استحياء.

 

الإشارات:

1-للاستزادة يمكن الرجوع إلى: د. عبد السلام الترماينني. الزواج عند العرب في الجاهلية والإسلام. كتاب عالم المعرفة. ص 229 الكويت 1984.

2-د. علي حداد. العين والعتبة. مجلة الموقف الأدبي العدد 370. دمشق 2002.

3-د. يوسف حطيني. مكونات السرد في الرواية الفلسطينية. ص 15. اتحاد الكتاب العرب. دمشق 1999.

4-إيان واط. نشوء الرواية. ترجمة عبد الكريم محفوض. ص 91. وزارة الثقافة. دمشق 1991.

5-حسن بحراوي بنية الشكل الروائي. ص 247. المركز الثقافي العربي. بيروت 1990.

6-د. سمر روحي الفيصل. بناء الرواية السورية 1980 - 1990 ص 88 اتحاد الكتاب العرب. دمشق 1995.

7-د. حسان رشاد الشامي. المرأة في الرواية الفلسطينية 1965 – 1985 ص 223. اتحاد الكتاب العرب. دمشق 1998.

8-نحو رواية جديدة. ترجمة مصطفى إبراهيم مصطفى. دار المعارف في مصر.

9-د. محمد تحريشي. أدوات النص. اتحاد الكتاب العرب. دمشق 2000.

10-مكونات السرد في الرواية الفلسطينية. مرجع سابق. ص 15 وما بعد.

11-هي: الأشرعة، لنبيل سليمان، الغرق وراء الأزمنة المرة، لفاروق مرعشي، الدوامة، والأشباح، لقمر كيلاني، صخرة الجولان، لعلي عقلة عرسان، زهرة الصندل، لوليد إخلاصي، والحلم الوردي، ليحيى قسام ص 123.

12-المرجع السابق. ص 123 – 124. ويمكن الرجوع إلى د. نضال الصالح. النـزوع الأسطوري. ص 180. اتحاد الكتاب العرب. دمشق 2001.

13-د. محمد صابر عبيد. جماليات العنوان وفلسفة العنونة. مجلة عمّان. ص 71 العدد 80 شباط 2002.

14-عبد الكريم شعبان. أفراح ليلة القدر. دراسة نقدية. مجلة المعرفة ص 35 العدد 443. دمشق 2000.

15-د. حسام الخطيب. روايات تحت المجهر. ص 170.

16-د. ماجدة حمود. رواية مجاز العشق. جريدة الأسبوع الأدبي العدد 678.دمشق 1999.

17-للاستزادة يمكن الرجوع إلى كتاب البنيات الدالة في شعر أمل دنقل. عبد السلام المساوي. اتحاد الكتاب العرب 1994.

18-مجلة الموقف الأدبي. ص 265 العددان 129 – 130 دمشق 1982.

19-د. نضال الصالح. النـزوع الأسطوري في الرواية العربية. ص 180 اتحاد الكتاب العرب. دمشق 2001.

20-وليد إخلاصي. بيت الخلد. الموقف الأدبي. العددان 129 – 130. دمشق 1982.

21-د. حنان قصاب حسن. أعاصير في بلاد الشام. مدخل إلى العالم الروائي. مجلة عمان ص 51. العدد 51 أيلول 1999.

22-صدوق نور الدين. الشخصية بين الرمزي والأسطوري والبعد الصوفي. مجلة الموقف الأدبي. ص 122. دمشق 1995.

23-د. قاسم مقداد. التواتر في الرواية. عرس فلسطيني لأديب نحوي. نموذجاً. مجلة دراسات اشتراكية. ص 105. العدد 182 - 183. دمشق 2000.

24-فاطمة الأخضر. قراءة في رواية التمثال لمحمود طرشونه. مجلة عمّان. العدد 70 الأردن. نيسان 2001.

25-د. جمال شحيد. في خصوصية النصّ الواقعي. مجلة الفكر العربي. العدد 678. عام 1999.

26-محمد عبد الرحمن يونس قراءة في رواية الوباء. مجلة الموقف الأدبي. دمشق . 1982.

27-د. حلمي محمد القاعود. حوار مع الرواية المعاصرة في مصر وسورية. ص56 دار إشبيلية. دمشق 1997.

28-د. ماجدة حمود. الرواية النسوية وخصوصية الخطاب. جريدة البعث العدد 11211 دمشق 29 / 5 / 2000.

29-المرجع السابق.

30-المرجع السابق.

31-يوسف سامي يوسف. أنيسة عبود والنعنع البري. مجلة دراسات اشتراكية ص 357. العددان 182 – 183. دمشق 2000.

32-نبيل سليمان. الكتابة والاستجابة. ص 67. اتحاد الكتاب العرب. دمشق 2000.

33-د. يوسف حطيني. حالة شغف. حكاية التاريخ. حكاية الحكايات. مجلة عمان ص 57. آذار 2000.

 

 

الفصل الثاني

ملامح الشخصية الأنثوية

 

 

إن ما يمكننا قولـه عن الشخصية بعدَ الكمّ الهائل الذي كُتب عنها في الشرق والغرب، هو أننا – هنا – لا ننطلق من مذهب فني محدّد أو مدرسة أدبية ما لتحديد ملامحها، بل من تكوين هذا العنصر البارز من عناصر التأليف الروائي، وهو مجموع القواعد التي لا بدّ من توافرها في بناء الشخصية الروائية كائناً ما كانت مدرسة الكاتب أو اتجاهه.

تحتلّ الشخصية الروائية مكانةً هامّةً في العمل الروائي، ليس لأنها جزءٌ من مكوّنات السرد فحسب، بل لأن البيئة الزمنية المتعلّقة بموقع السرد، وأبطاله، والزمن العام تتحدّد بها، لذلك كان اهتمام النقاد بها كبيراً، فوضعوها في أطرٍ، وتقسيماتٍ كثيرةٍ وتراتبية، كما فعل " لوكاتش" وسواه، ممن نفخ فيها عوالم جديدةً، تتلاءم مع الرواية الجديدة، فاهتمّ " الشكلانيون الروس " بصورةٍ خاصةٍ، بخصائصها، وتسمياتها، وأنواعها، كالأيديولوجية الازدواجية، والادخارية، والأجنبية، والرمزية , والنامية، والثابتة، والشمسية، والقمرية. . ولقد اجتهد " حسن بحراوي " في تصنيفها من حيث الثبات والتغيير، ومن حيث علاقتها بالحبكة، وموقعها من البطل، ودورها النصّي، ونظر " د. سمر روحي الفيصل " (1) إلى عمارة هذه الشخصية وبنائها، متفحّصاً جميع التصنيفات التقليدية التي درستها بأسلوب تحليلي، وتمثيلي، أو مباشر، وغير مباشر، من حيث البساطة والتركيب، والثبات والتسطّح، والنماء والتطور، والإنسانية، والنموذجية... كما توقّف عند أسلوب تقديم الشخصية، والاسم الشخصي، والتصنيف الشكلي، والمضموني الذي لا تعترف به البنيوية، ثم استبعد الطريقتين المباشرة وغير المباشرة لأنهما: " عامتان جدّاً، لا يستطيع الناقد بوساطتهما مغادرة البناء العام للشخصية الروائية، ومن ثم يبقى عاجزاً عن التمييز بين الروايات لأنها كلها لجأت إلى هاتين الطريقتين في بناء شخصياتها الروائية " (2) وعمد إلى تطبيق المقياسين: الكمي، والنوعي، في أثناء دراسة الشخصية، لأنهما – من وجهة نظره – يقدّمان للناقد إجراءً نقدياً، يستطيع استخدامه في القبض على طريقة الروائي في تقديم شخصياته الروائية، انتهى منهما إلى تصنيف الشخصية الجاذبة، والمنفّرة، والتابعة، الذكرية والأنثوية على السواء.

ولعل من بين شروط نجاح الشخصية في الرواية:

1 - أن تكون الشخصية حيويةً فعالة متفاعلة متطورة.

2- أن تكون مقنعة ومتساوقة مع نفسها.

3- أن تكون قابلة للصراع والاحتكاك مع نفسها أو مع شخصية أخرى.

وأن نجاحها يتوقّف على:

1_ وجوب إضاءة السمات النفسية والمحدّدة لمواقفها تبعاً للأحداث الموضوعية.

2- التمكن من الخفايا المختلفة للشخصية، قصد خلق نموذج إنساني فعلي، يتقاسمه الذاتي والموضوعي.

3- التركيز على المستويات الموضوعية المتحكمة في طباع الشخصية. (3)

وربما كانت هذه الشروط مثالية، ولكنها على أيّ حالٍ تعدّ إغناءًً لأيّ عمل روائي نزيه فنياً وموضوعياً، وما يستحقه من العناية والدرس، وهذه مسألة كثيراً ما ركّزت عليها النظريات النقدية الحديثة والخاصة بعالم الرواية.

 

ولما كانت الحياة ذكورة وأنوثة، فإنه:

لا يمكن دراسة الشخصية الأنثوية بمعزل عن الشخصية الذكرية، نظراً لتشابك العلاقة بين الجنسين من جهةٍ، ولاستحالة الفصل اجتماعياً وخلقياً بين مجتمع ذكور، ومجتمع إناث من جهةٍ ثانية. لكن ذلك لا يمنع من التركيز على الجانب الذي يخصّ الأنثى – وهذا ما سنحاول فعله في هذه الدراسة – من تسليط الضوء على ملامحها من خلال موقعها في الرواية، وموقفها من الأحداث، والتركيز على الصفات النفسية والمظاهر الخارجية، والسيرة السلوكية، مع التعريج على مفهوم (الأنثى / الأنموذج) الذي يبرز طابعها من خلال ما تقوم به، والذي يمثّل طابع الجماعة، عبر تصادمها، بعضها مع بعض، ومع الواقع، من دون الدخول في تفصيلات التناقضات التاريخية والاجتماعية والثقافية، على الرغم من تعدّد النماذج. مع الحرص على الاستشهاد بمقاطع ضافية من السرد الروائي، لإبراز هذه الملامح الشخصية.

 

تعدّ الأنثى (شخصيةً جاذبةً) من أهمّ عناصر الرواية " وهي اصطلاحٌ يصف الفرد من حيث هو كلٌّ موحّدٌ من الأساليب السلوكية والإدراكية المعقّدة التنظيم، التي تميّزه من سواه ".

 

والشخصية الأنثوية، في الرواية السورية، المدنية والريفية على السواء، تعشق حياة الجماعة، ولكنها في مرحلة المراهقة، والتدفّق العاطفي، يخفّ شعورها بالارتباط بالأسرة، وبالذكور في داخلها خاصةً، ويتّجه تفكيرها نحو فتى الأحلام والحبيب والشريك، ونادراً ما تعيش منفردةً معزولة، أو تغرق في فراغ. لذلك كانت حياتها محصورةً – غالباً - ضمن نوعين من العلاقة:

الأولى: أسرية: تقوم على الألفة والمودة والإخاء – وهذه قليلة في الرواية السورية - ثم تتوسّع هذه العلاقة، فتمتدّ وتتفرّع إلى علاقات اجتماعية تقوم على الصداقة والحبّ القائم على الرغبة الجنسية، وهي علاقات الزمالة في الجامعة والمعمل والحيّ، وسوى ذلك من ألوان الحياة العامة، التي لاتزال فيها الفتاة تعيش في كنف أبويها، وتبرز فيها المسحة الرومانسية.

 

الثانية: مهنية، ونضالية: يجمع بينها الحيِّز المكاني، فتنمو علاقاتها في ظلّ الاختيار الحرّ، وتتداخل شبكة هذه العلاقات لتشكّل الهيكل العظمي للحدث الروائي، ثم تكسوه لحماً، وقد تضخّمت في الرواية لدى الكتّاب التقدّميين، وساعد على تضخّمها النـزوع الثوري، الذي يعبّر عن أيديولوجيا تقف في مواجهة كل من الترسّبات الاجتماعية والتراكمات السياسية، وتغلب عليها المسحة الواقعية.

 

لكن ثمة إشكالاً يعترض الباحث، يتعلّق بتصنيف هذه الشخصيات. إذ يصعب الحديث عن ملامح شخصية مركزية، أو هامّة بأسلوب كيفيّ، كالاسم والكنية والملامح الجسدية، والنوازع النفسية، فهي أيضاً بحاجة إلى شخصيات ثانوية، تساعدها على تجسيد ملامحها وأفكارها، التي تنظّم الفضاء الأيديولوجي الذي وضعها فيه الكاتب، لتنقل رؤيته للحياة، مما يعرّض الرواية في بعض الحالات لإشكالية الخطاب الواقعي، الذي قد يقلّصه الإفراط في التركيز على شخصية معيّنة، ويُخرج المتلقّي من عالم الوهم الواقعي، ليدخله في خطاب عجائبي، أو غير عجائبي . لكنه غير مقنع.

 

إن إبداع الشخصية الروائية، يعتمد على انتقاء الروائي، واصطفائه الذي يعبّر عن مكتسباته الثقافية والأيدلوجية، بغية تحميلها رؤيته الفكرية التي يريد طرحها في الرواية، فـ" الكاتب الذي يختار شخصياته من الوسط البرجوازي – على سبيل المثال - تتحدّد مقولته بهذا الاختيار، والكاتب الذي ينتقي شخصياته من العمال والفلاحين، يظهر توجّهه، والكاتب الذي يقتصر على المثقفين في شخصياته، تبدو ملامح أيديولوجيته، وهكذا تكون الشخصية حاملاً أيديولوجياً واضحاً في الرواية، إن لم تكن أوضحها على الإطلاق ". (4)

إن عدم تمكّن بعض الكتاب من رسم الخصوصية التي تتميّز بها شخصيـة أنثوية من أخرى، في الفكر والهيئة والسلوك، أدّت في عددٍ من الشخصيات إلى تداخل الأوصاف الخارجية للأنثى مع مشاعرها العاطفية، وهواجسها النفسية، التي قصد الروائي منها إضفاء الحيوية عليها، لأنه يتخذ سمة المبدع العالم بكل شيء في الشخصية التي يبدعها. فوُجدت الشخصية الأنثوية ذات الملامح العامة والطابع الكلي، كما وُجِدت الشخصية ذات البنية المزدوجة، أو الماهية الازدواجية، كشخصية " عليا " في رواية " النعنع البري " التي صمّمتها " أنيسة عبود " بمقاييسها الخاصة، فجعلتها تضيق– حيناً – وتُهضم حقوقها في مجتمع الذكورة المستفحلة، الذي يرفض مساواتها بأمثالها من الشباب، وتتسع – أحياناً – بمجال طيفها الأنثوي الواسع، بطابعه الكلي الشمولي، فتتمتع بخصائص جوهرية، تحمل معاني تميّزِها الإنساني، وتفرّدِها الأنثوي، وهذا ما يجعلها تتصاعد، وتتسامى، كأنثى روائية، تحمل رؤية بنات جنسها، للتعبير عن ضمير عصرها. .

 

إن ارتقاء الشخصية وتميّزها، والإحساس بقيمتها يتأتّى من شفافيتها، ومعاناتها الصادقة، مما يحيط بها من خراب، واستشعارٍ بالبؤس، والتعبير عن إدانتها لجميع مسبّباته، لأن الشخصيات الأدبية الخالدة، في الرواية والمسرح، كنّ على مرّ التاريخ، من أولئك النساء اللواتي تمتعن بمزايا تفرّدن بها، وعُرفن لدى القرّاء بخصوصياتهن النوعية، كـ " آنا كارنينا " تولستوي " و" مدام بوفاري " فلوبير " و " أوفيليا " " شكسبير " و " كوزيت " في " بؤساء " " فيكتور هيجو ".. ولم يكن خلودهن بسبب الكلية والشمولية، وشَغْلِ الحيّز الزماني والمكاني على خشبة المسرح الاجتماعي، بالبهارج، ودعاوى التحرّر الجسدي. لأن ذلك من شانه أن ينعكس على الفن الروائي، فيبتعد بالشخصية عن نقاط التماس الساخنة بالحدث، فلا يعبّر عن دخيلة الشخصية. التي – هي – بؤرةٌ مستقلة عميقة، وعالم متلاطم من الشهوات والغرائز والقيم والفضائل، وهي صراع دائم بين الخارج والداخل، وبما أن الرواية تحاول أن تقارب الشخصية في تقلّباتها، كما يقول تودوروف، فإنها تؤثّر فيما حولها وتتأثّر به، تغيّره وتتغيّر هي الأخرى، ولكن النصّ الأدبي يجعل الشخصية قابلة للدراسة في وضعها ضمن اللغة، وبذلك تغدو (كائناً ورقياً) أو (دميةً) وإشكاليتُها قبل كل شيء لغوية، وهي لا تكون خارج الكلمات، حيث تتجلّى قدرةُ المؤلف في رسم هذه الشخصية الدرامية، حين تدبّ فيها الحياة، وتغدو كائناً من لحم ودم.

 

لكن هذه المسألة تعيدنا إلى قضايا (الشخصيات) في (الرواية الجديدة) ووجهات نظر (النقد الحداثي) المتعدّدة، التي تنظر إلى الشخصيات نظراتٍ متباينةً، فنجد أن الشخصية الأنثوية في الرواية السورية حافظت - غالباً - على (وجودها الفعلي) بمنظور واقعي، لكنها سعت لدى " مطاع صفدي وهاني الراهب وحيدر حيدر " وسواهم. . إلى التمرّد على الرتوبة، من دون أن تعمل على محاربتها، أو إلغائها، كما لم تعدّها رقماً من الأرقام المبهمة – كما فعلت الرواية الجديدة في العالم – وكأن رؤية الكاتب تتجاوز سمات الشخصية، وأوصافها الخارجية والداخلية، لِتوليَ مصيرَها الأهميةَ القصوى، فتقترب بذلك من رؤية " رولان بارت " الذي رأى أن جانباً من الأدب الحداثي قد حارب الشخصية، ليس من أجل تحطيمها – لأن ذلك مستحيل – وإنما من أجل تجريدها من هويتها؛ بمعنى أن الشخصية النمطية قد تأثّرت بالتغييرات التي طرأت على المجتمع السوري، في النصف الثاني من القرن العشرين، وعصف التغيير بالنظرة التقليدية للرواية، وتحوّل الاهتمام إلى وصف التغيير والتحوّل الذي يتحسّس الكاتب نتائجه، ورصْدِ المستجدّ من أحوال الشخصية، ليجعلها قوام رؤيته، وهذا يعني أن " عمليات الهدم والتحطيم عمليات خارجية، يتولاها الدفق الحداثي بما يسترفد من تحوّلاتٍ على مستوى الشكل والمضمون، تجد رؤاها المستجدّة في الأدب الطليعي الذي يتشوّف إلى المستقبل. "

 

أما التجريد من الهوية، فلا يختلف عن التحطيم في مقصده، ولا في وسائله. بل التجريد من الهوية هو أول الحركات التي يأخذها التحطيم على عاتقه. فإذا جُرّدت الذات من هويتها، فقد تُمسخ إلى شيء يسهل بعدها أن يُصنع به أيّ شيء. فإذا كان " بارت " يجعل التجريد من الهوية مهمةَ الرواية الجديدة، فلأنه يستشعر أن التجريد لم يتجلَّ بعدُ ظاهراً للعيان في الواقع بالقدر الذي يلفت إليه العامة من الناس، وأن مهمة الرواية الجديدة أن ترفعه صارخاً إلى العيان. من هنا يكون التزام الرواية الجديدة التزاماً خارجياً، أي التزامها في اتجاه الذات الإنسانية، وأن رسالتها في فضح هذا التجريد. ولن يكون التزامها بلغتها وشكلها وحسب. . مثلما وُجِد عند " روب غرييه ". بل كما قال " جورج جون": " محاولة لرد الاعتبارات للشخصية المفككة داخل الرواية."(5)

***

تبرز في الرواية السورية نماذج متعدّدة لشخصية المرأة، الريفية والمدنية، التقليدية والتقدّمية بالمعنى الاجتماعي، وليس الأيديولوجي، وقد بهتت ملامح الأولى في الرواية التي انصرفت عنها إلى نساء مجتمع المدينة المعاصرة، والدراسة في الجامعة، حيث المرأةُ الجديدة التي تكثر نماذجها في روايات " هاني الراهب " و " حنا مينة " و " كوليت خوري " و " مطاع صفدي " و" حيدر حيدر " و... سوى هؤلاء، بينما ظلّت واضحة الملامح جمعت جوانب من أصالة الريف والمدينة في روايات " عبد الكريم ناصيف " و" خيري الذهبي " و" فاضل السباعي " و"نبيل سليمان" و" ملاحة الخاني " و" فارس زرزور " وأمثالهم...

إن المرأة التقليدية، كادت تختفي صورتها في العديد من روايات الثمانينيات والتسعينيات وتترك مكانها للمرأة العصرية المثقفة، التي كان من أبرز ملامحها، تخلّيها عن السلبية، وتحلّيها بشخصيةٍ جذابةٍ متطوّرةٍ ناميةٍ، اكتسبتها بفعل التعليم، والعمل، والانفتاح الحضاري على العالم، فعملت على ممارسة حقّها الطبيعي بكل ثقةٍ، وبكل حرارةٍ واندفاع، لكنها اصطدمت خلال هذه الممارسة بعقباتٍ، وعوائق، أغلبها ناشئٌ عن تجاوز الحدود التي لم تهيّئ نفسها لها، ولم يعترف بها المجتمع التقليدي، الذي تنتمي إليه معظم الشخصيات الروائية.

 

لقد قبعت المرأة التقليدية في البيت - على سبيل المثال - في رواياتٍ " ثم أزهر الحزن " لـ " فاضل السباعي " و " بقايا صور " لـ " حنا مينة " و " أجراس البنفسج " لـ " حسيب كيالي " و " بنات حارتنا " لـ " ملاحة الخاني " طائعةً أوامر الذكر إلى حدّ الصَّغار في بعض المواقف، وذوبان الشخصية، لكنها ما لبثت أن تأثّرت – مع الجيل الناشئ – بحركة المجتمع فانطلقت إلى ميادين الدراسة والعمل، ثم في روايات تاليـة، تمرّدت على أوضاعها الاجتماعية، وثارت على العادات والتقاليد، فسافرت، ووقفت إلى جانب الذكَر في البناء، وشاركت في العمل والكفاح المسلح، كما في روايات " أرض البطولات " لـ " عبد الرحمن الباشا" و " دمشق يا بسمة الحزن " لـ " إلفة الإدلبي " و " الدوامة " و " بستان الكرز " لـ " قمر كيلاني" و " صخرة الجولان " لـ " علي عقله عرسان "و" الوطن في العينين " لـ " حميدة نعنع " وسوى ذلك من الروايات التي تفتّحت فيها عينا الأنثى على البنادق و الفنادق، والملاهي، والمقاهي، كما في روايتي " أيام معه " و" ليلة واحدة " لـ " كوليت خوري" وروايتي " ثائر محترف " و " جيل القدر " لـ " مطاع صفدي " ومعظم روايات " هاني الراهب " و " غادة السمان " حيث سهرت ورقصت وسكرت وتعاطت المخدرات، وخانت زوجها، ومارست الجنس كفتاة احتفظت بعذريتها مرّة، وتساهلت بها مرات، فحملت من دون زواج، وتغنّت بحرّيتها وعبّت من متع الحياة، لأن مفهومها للحياة يقتضي أن تكون سيدة نفسها وجسدها، وإلاّ عُدّت متزمتةً حسب الرؤية التقدّمية، متخلّفة عن ركب عصرها، مما ينمّ عن إفراط في مفهوم (التحرّر) الذي انعكست آثاره السلبية على الشخصيات الروائية نفسها، فكان الهروب والضياع، إذا لم تكن النهايات مرضاً وانتحاراً.

 

لقد تشبّعت فتيات الجامعة، والثوريات في روايات " حميدة نعنع " و " هاني الراهب " و"مطاع صفدي " و" حيدر حيدر " بالأفكار التقدّمية التي تحمل شعارات التغيير الاجتماعي والتنوير، لكن هذا التغيير الذي مسّ الأفكار في البداية، قد ملأ حقائب الشابات بعلب السجائر الفاخرة، وعبوات حبوب منع الحمل، ومكّنتها الحياة الجديدة خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات من التنفيث عن رغباتها المكبوتة، وتمادت فيها إلى حدّ أوصلها في كثير من الأحيان إلى الفراغ الممضّ، والملل الصاعق الذي ينتهي بها – في أحسن الأحوال - إلى الضياع، وغدا حالها في ذلك، حالَ ظمآن وسط صحراء قاحلة، يقع على ماء وواحة ظليلة، فلم تستطع كبح جماح شهواتها. بل تفنّنت، وتفنّن الروائيون في تصوير المشاهد المكشوفة، وزينّوها بالألفاظ البذيئة فـ " أسيان " في رواية " شرخ في تاريخ طويل " لـ " هاني الراهب " وهو فوق أنثاه " يضرب بمجذافه في يم لحمها " والقاضية في رواية " فردوس الجنون " لـ " أحمد يوسف داود" تتعرّى، وتعلّق (سروالها) على هوائي التلفاز ليكون رايةً مرفرفة فوق

 

رأسها، وهي تدعو سائقها ليمارس الجنس معها. . وأُهملت الزوجةُ لدى " حنا مينه " كنواة فاعلة في بناء الأسرة / الخلية الاجتماعية الأولى، وحُمّلت المومسُ والعشيقة، أعباء الشخصية الإيجابية المتطوّرة، فكانت رمزاً فجّاً للمرأة الثورية، التي يقتنع بها أصحاب الأيديولوجية التقدّمية. لذا يمكن القول إن أحداث معظم الروايات التي توالت بعد " المهزومون " لـ " هاني الراهب " التي تتشكل من خلالها الكيانات المستقلّة للشخصيات، وتتحدّد ملامحها، تفقد القدرة على التميّز، لأنها نادراً ما تسير نحو هدفٍ واضح معيّن، مما يجعلها أسيرة متاهةٍ عميقةِ الغور. تدور حول نفسها، وحينما تتاح لها الفرصة لمواجهة النفس، فإنها لا تكتشف شيئاً، لأنها تنظر من خلال مرآة تعلوها غشاوة، تتحرّك حبيسةً داخل ذاتها، بدافع تحقيق رغبةٍ ناشزة، أو دخول مغامرةٍ قد تؤدّي بها إلى الجنون أو الانتحار.

 

وكثرت الشخصيات الأنثوية التي سعت خلف نزواتها العاطفية، وهي تظهر فنون الإثارة والدلال، وتتصنّع النعومة والبراءة، وأقدمت بعضهن على الخيانة الزوجية، انتقاماً من الطبقة الاجتماعية، كما في رواية " من يحب الفقر " لـ " عبد العزيز هلال " وانتقاماً من طغيان الزوج. كما في رواية " شرخ في تاريخ طويل " وترفاً وشهوة، كما في " ألف ليلة وليلتان " أو سعياً لتحسين حالة مادية، كما في رواية " بيروت 75 " وسواها، أو انتقاماً من الأهل الذين زوّجوها قسراً، كما في رواية " اعترافات امرأة فاشلة " لـ " صبيحة عنداني".

 

إن ملامح الشخصية الأنثوية، بدءاً من ستينيات القرن العشرين تختلف عن ملامح شخصيات ما قبل هذا العقد، وقد ظهر هذا الاختلاف بصورة واضحة في روايات " حنا مينة "– على سبيل المثال – فالشخصيات التقليدية عبّرت عن مرحلتها الزمنية والمكانية والثقافية، بينما بدت الشخصيات الجديدة، من غير ماض أو حاضر، والأنثى ما وُجدت في الرواية إلاّ لتخدم السرد، وبحسب ما يقتضيه الموقف الأيديولوجي، مما أهّلها لأن تحمل مقولة (الشخصية الورقية) على الرغم مما يُحشد لها من مواصفات لترسيخ واقعيتها وتقدّميتها، وتوظيفها جمالياً، وقد كان ذلك ضرورياً لفنية الرواية الجديدة.

 

لقد وعى الروائي السوري فنية الشخصية الأنثوية، المحورية، والفرعية، الثانوية منها والهامشية، وأجاد رسم ملامحها، فـ " حنا مينة " " يرى أن المرأة مخلوق سويّ، برئ، في الأصل، والرجل هو المذنب، بحكم دوره الذكَري، كسيّد في مجتمعنا [ وقد أفسح لها الروائي ] قوساً واسعاً، تندرج بين نهايتيه أوضاع المرأة في حالاتها المختلفة، من " مريم السودا " التي تتلقّى كل عبودية الأنثى على يد زوجها " نايف الفحل " في " المصابيح الزرق " إلى " أم الفتى " " الدجاجة المباركة " في " الشمس في يوم غائم " إلى " امرأة القبو " في هذه الرواية أيضاً. إلى " زنوبة " المهانة، والمتمرّدة في " بقايا صور ". . بين حدّي هذا القوس، نجد نماذج كثيرة للمرأة، فالأم الطيبة، المتفانية في سبيل عائلتها، الحاملة كل وزر وآثام زوجها. الصابرة على شذوذه العائلي، وكل إدمانه، ولا مبالاته بأسرته، وأطفاله، تقابلها في " الياطر" " شكيبة " الراعية التي لا ترفض سيطرة الرجل العاطفية فقط. بل تروّضه، إلى درجة تحويله من وحش إلى إنسان. في مجابهة تصل حدّ الموت في الصراع الحضاري. " (6)

وانطلاقاً من احترام الأنثى، وتقديساً لدورها الجوهري في الحياة الاجتماعية، ومحاولةً لرسم ملامحها الواقعية، لم يكتفِ الروائيون بأن تقوم بدورٍ هامشي أو ثانوي، إنما جعلوها (بطلة) و" شخصية محورية " فشاركت في بناء حياتها الزوجية كوجودٍ موازٍ للرجل، ولكنه غير مستقلٍّ عنه مع أن " وجودها كان يعبّر عن نفسه في لحظة الأزمة، كما عبّرت " نجوى / أم حسن " عن موقفٍ مستقلّ قوي من مسألة الزواج في نهاية " الشراع والعاصفة " وفي " بقايا صور " كانت الأم هي البطلة. هي الخط الرئيسي. وكان الأب هو الخطّ الثاني. الذي يخدم الخط الأول في إجلاء صورة الأم، والمرأة العربية الشرقية التي تنهض حياتها البيئية على العمل والتضحية إلى حدّ نكران الذات". (7)

إن الشخصية. أيّ شخصية، سواء أكانت رئيسة، أم مركزية، أم محورية، أم فاعلة، هي في الأصل وسيلة لرموز، أو حوامل لدوالّ، فـ " رتيبة " – على سبيل المثال – في رواية " أرض البطولات " و " شمس " في ثلاثية " الطريق إلى الشمس " و " قمر " في رواية " أفراح ليلة القدر " و" ليلى " في رواية " الفتوحات " لـ " وليد إخلاصي " رمز لـ "سورية " المعاصرة تنعكس عليها الأبعاد السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية، وهي – في الرواية الأخيرة – الأنثى الحلبية المثقفة طالبة الحقوق، تُرغم على ترك دراستها الجامعية لتتزوّج " الوجيه عبد الوهاب الشايط " ملك السجاد العجمي، فتكتشف أن بيته في " كاشان " الإيرانية " مقرّ لزواج المتعة، الذي كان الشايط يمارسه بانتظام " ص (124) فتتركه، وتعود إلى حلب لتسوية وضعها في الطلاق، ثم تتزوّج " الشيخ عبد المؤمن الشريف " وسرعان ما تكتشف أن " سقيفة بيته مليئة بالأسلحة وصناديق القنابل اليدوية " ص (163) وهو يعتقد أن " الجهاد في سبيل الله يفتح أبواب الجنة " ص (163) لكنه يهرب من البلاد، وتحصل " ليلى " على الطلاق، ثم تتعرّف في بيت " إحدى صديقاتها أيام الجامعة إلى " خليل البني " القيادي الحزبي، فتتزوّجه، لكنها تفاجأ بعد مدة قصيرة من الزمن أن القضاء الحزبي يلاحقه، فيغادر البلاد سراً، ويطلق لها حريتها، ثم تتعرّف إلى " حكمت الشجاع " الذي " يدير جهازاً أمنياً للحفاظ على مصالح الدولة " ص (184) فتتزوّجه، لكنها سرعان ما تختلف معه. إذ يلحّ عليها ضابط الأمن في الإنجاب، فترفض، وتطلب الطلاق... وبعد هذه النقلات بين أحضان الرموز السياسية التي توالت على الجسد / الوطن. تقرّر " ليلى " الامتناع عن الزواج بعد ذلك. إلاّ أنها سرعان ما تجد نفسها مندفعةً للارتباط بـ " سعد الدين الجابر " الكهل الذي " كان من رجال الدولة البارزين الذين ساهموا في صنع القرار " ص (177) زمن العثمانيين ثم الفرنسيين، فاستقرّت حياتها معه حتى النهاية...

 

والروائي واعٍ لرسم ملامح الشخصية، وانعكاس الأبعاد العامة عليها. إذ يعمد إلى بثّ إشارات عدّة في تضاعيف النصّ تؤكّد أن " ليلى " رمزٌ لسورية، ومن ذلك قول " شاهد " إحدى شخصيات الرواية في الخاتمة: " ابتدأت الفكرة [ فكرة كتابة الرواية ] بتاريخ بلد يمتدّ من ظلام العثمانيين مروراً بقيود الاستعمار الفرنسي، وانتهاء بنـزوعٍ كامل عند الناس لرؤية المستقبل بشكل حرّ يحمل الأمل " ص (262) وقوله إن: " سنين البلد التي اكتست ملامح الحبيبة لا تشيخ " ص (262) ، ويؤكّد ذلك قول " ليلى " نفسها لـ" شاهد " وهي تنتهي من سرد رواية زواجها، ثم طلاقها من الشيخ: " الخط البياني المتعرّج هو حياتي، آمال واعدة، أحزان، لم تنجب سوى انتظار ما سيلي بعد فشل، وقدرة على الاستمرار في الحياة " ص (173) مما يوحي بأن الشخصية الأنثوية التي غدت رمزاً واقعياً للوطن، الذي يرنو للانبعاث والتجدّد والحياة، قد استهلكت شبابها متنقّلة من حالة مضطربة، إلى حالة متذبذبة، يبني الكاتب من خلالها شبكة من التنقلات المهزوزة، والتعارضات بين الماضي بكبواته، والحاضر بامتداداته وتحولاته، من خلال لعبة الزواج / الجسد الأنثوي. أي من خلال تحويل الشخصية الأنثوية إلى رصيد عاطفي يجذب القارئ، ويحمله على التذكير، ومن ثم التحريض، لتغدو الشخصية الأنثوية عنصر إثارة للأجواء العاطفية، وتوسّلٍ بالواقعي في البطولة لرسم ملامح التمثيلي والرمزي والاحتمالي، بغية تعرية مجموع اللحظات التاريخية المتعدّدة الأوجه، ورصد التحوّلات في إشارات على لسان شخصياته، وإبرازها كمواقف أو كيقين تنفتح عليه الرواية في زواج " ليلى " وتنغلق في الطلاق.

 

غير أن الهاجس الروائي، في أغلب الأحيان، عندما يكون ترميزاً للوطن من خلال ما لحق به من أزمات ومآس وفساد، وعلى امتداد مراحل معينة من التاريخ الحديث، واعتباراً من ضرورات المرحلة، فقد جسّدت الشخصية الأنثوية السقوط الاجتماعي الراهن لأن هذا الجانب يحظى بالأولوية تخييلياً وذلك بعد عددٍ من المحطات السياسية التي ميزت تاريخ سورية الحديث فجاءت القضية الاجتماعية كنتيجة حتمية للواقع السياسي والقوى الاقتصادية.

 

ولقد وعى النقاد رموز الرواية، ودقّقوا في ملامح شخصياتها الأنثوية، ومن المفيد أن نتلمّس ملامحها كما تتجلّى لدى القراءة المتأنية مع الاستفادة من الآراء النقدية، والأخذ بعين الاعتبار أن تحديد السمات للشخصيات لا يمكن أن ينحصر ضمن حدود فاصلةٍ معينةٍ؛ لأن ثمة قاسماً مشتركاً بين ملامح شخصيةٍ وأخرى، كما يمكن أن نجد للشخصية الواحدة عدّة ملامح، وعدّة وجوه، وأن بعضاً من هذه الشخصيات قابلٌ للوجود في ملمحين أو أكثر، لأن في تكوينها، وفي الدور المسند لها، ما يتيح لها ذلك، ولأن الإحاطة بالشخصية إحاطة تامة ضرب من الوهم، وقد قالت " فرجينيا وولف " كلمتها الشهيرة في ذلك: " دعونا نتذكّر قلّة ما نعرفه عن الشخصية " ولذلك سنحاول أن نتلمّس أبعاد شخصيتها في الملامح الآتية:

1-ملامح الشخصية الأنثوية الرومانسية.

2-ملامح الشخصية الأنثوية الواضحـة.

3-ملامح الشخصية الأنثويـة الضائعـة.

4-ملامح الشخصية الأنثويـة النفسيـة.

5-ملامح شخصيات أنثويـة متفرّقــة.

 

 

أولاً: ملامحُ الشخصَيةِ الأنـثوية الرومانسية

من النادر العثور على شخصية أنثوية في الرواية السورية، تحمل سمات المذهب الرومانسي الخالصة، وذلك بسبب تداخل ملامح الشخصية بين المثالي والرومانسي والواقعي والفنتازي، ولأن الكاتب لا يلزم نفسه بمذهبٍ محدّد، يجعل شخصيته الأنثوية أسيرة سمات معيّنة، وسلوك مرسوم يعيق حركتها وانطلاقها.

 

إن الرواية السورية لم تُعنَ كثيراً بالأنثى الحالمة، الرافلة بطقوسها الخيالية، التي تتوّحد فيها مع الطبيعة حيث الخضرة والجمال والسكينة، أو تمتزج الأخيلةُ الوردية في دخيلتها، أو تقوم نشأتها على الحلم. نظراً لاتجاه الروائيين إلى الواقعية، ورسم ملامح شخصيات تحمل سمات العصر، مجاراةً للنهضة العلمية والثقافية، التي تخدم أغراض الرواية الفكرية والفنية. لذلك كانت الشخصيات الرومانسية – إذا ما وُجدت - على الرغم من أنها تحمل روح التمرّد والثورة في بعض ملامحها، فإنها سلبية – بعض الشيء - ضعيفة أمام الانفتاح الحضاري، والرؤية التقدّمية، التي تقتضي الخروج من عباءة الحلم إلى مواجهة الواقع. لأن الهروب ليس سوى تعبير عن الشخصية الانهزامية، ومع أننا نفتقد الشخصية الرومانسية، كشخصية محورية تتربّع على عرش الرواية، إلاّ أننا لا نعدم وجود ملامح إنسانية تتجلّى في بعض جوانب الشخصيات الأنثوية، عبر مرحلة معيّنة من مراحل تطور الشخصية، وبصورة خاصة عندما تتعلّق الأنثى عاطفياً بفتى الأحلام / شريك المستقبل. لكن ذلك لا يعني بأيّ حالٍ عدمَ وجود ملامح إيجابية، في الشخصية الرومانسية التي تمثّل انتقالاً اجتماعياً من مرحلة قديمةٍ، إلى مرحلة جديدة، مغايرة في كثير من قيمها الاجتماعية والفكرية. يغذّيها الإيمان بالذات، والحقّ بالحياة الحرّة الكريمة، وانبثاق قيم ومُثُلٍ تشرق في النفس، تقدّس الإنسان، وتمجّد الفرد، فتفتح آفاقاً لعالم إنساني جديد.

 

إن من سمات المذهب الرومانسي، التعبير عن المشاعر العاطفية في مجتمع يمرّ بمرحلة انتقالية، ترقب فيه الشخصية انبثاق فجر جديد بقلق، مع الانشداد إلى الماضي، الذي يمثّل المهد الذهبي للقيم الخلقية، وهذا ما حرص عليه " شكيب الجابري " رائد الرومانسية السورية، في رواياته بدءاً من " نهم " 1937 وانتهاءً بـ " وداعاً يا أفاميا " التي تحمل فيها " نجود " الشخصية المحورية، صفات الأنوثة الرومانسية، المزيّنة بالجمال والعفة وعزّة النفس، فيعجب بها الرسام " سكاربا " وتقوم بينهما علاقة عاطفية، وتلفت " نجود " أنظار معظم أعضاء البعثة الأجنبية الأثرية في أفاميا، ويُعجبون بجمالها الفطري وذكائها الحادّ، حيث أظهرت الفتاة البدوية مقدرة بارعة في تعلّم الفرنسية بسرعة مذهلة.

 

وتتطوّر الشخصية الرومانسية حين يعمد الكاتب إلى إدخال عنصر الصراع، حيث تحبّ " ندى " زوجةُ " أبي نجود " الرسامَ " سكاربا " وتسعى للتقرّب منه، لكنها كلما دنت منه ازداد تعلقاً بغريمتها، وتتسلل " ندى " ذات مرة إلى غرفة " سكاربا " فتراه منهمكاً في رسم لوحة لـ " نجود " لذا تختبئ في المطبخ، لتراقب ما يحدث بهدوء، فإذا " سكاربا " يترك اللوحة، ويلتفت إلى " نجود " ويقترب منها، ويهمّ بتقبيلها، لكنها تمانع، فتحدث معركة بين العاشق، والفتاة العذراء، تبرز في أثنائها " ندى " من مخبئها، وتتخذ ذلك ذريعة لإثارة فضيحة تضطر على إثرها " نجود " إلى الهرب، فتنفتح أمامها آفاق واسعة من العالم الغامض والفطري في منطقة الغاب، ثم في غابات الفرنلق، وتصارع ضبعاً اعترضت طريقها، فتلتجئ إلى صياد ينقذها، ثم تتابع هروبها الطويل الذي يغنيه الروائي بالوصف الإنشائي الجمالي، على غرار الرومانسيين، و تقع أنظار " سعد " على " نجود " ملطخةً بالدماء، فيؤويها ويرعاها، وتنشأ بينهما علاقة حبّ، فيتبادلان العناق، حيث تستجيب الأنثى العذراء لأول مرة للذكر، وربما كان استسلامها وتجاوبها ينطويان على اعتراف بالجميل أكثر مما يعبّران عن حبّ، وقد تمنّعت عليه في أول لقائها به.

 

لقد أثّرت شخصية " نجود " في عاشقها، فـ " سعد " الذي كان لا يقيم وزناً للنساء بسبب وفرتهن لديه، يتحوّل مع " نجود " إلى عاشق عذري، يمنع نفسه عن مراودتها، ويمتنع عن ممارسة الجنس معها عندما يجدها طيّعة بين يديه، مستجيبة لعناقه، ثم تهرب " نجود " من جديد، وتتشرّد عبر الغابة، فيجهد " سعد " نفسه في البحث عنها، وقد أزمع أن يتزوّجها بعقد شرعي، لكنه لم يتمكّن من الوصول إليها، وهنا تتجلّى المسحة الرومانسية التي تتسم بها الشخصية الروائية التي التفتت إلى الماضي، واعتزت بقيمه الخلقية، من كرم وشهامة وعفة وطهارة ونقاء، وارتماء في أحضان الطبيعة، وسط بيئة الغابات الفطرية. وسنلاحظ في آخر هذا الفصل، أن هذه الشخصية الأنثوية الجميلة، التي عبّرت عن عشق مبدعها لها، قبل عشق الآخرين، قد تضخّمت أوصافها حتى غدت – كما رأى أحد النقاد -: " أقرب إلى الشخصية الأسطورية لكثرة ما يبالغ الكاتب في تضخيم صفاتها المختلفة. "

وجمال الجسد الأنثوي، ورقّة صاحبته ورومانسيتها، كان من أوليات اهتمام الرواية السورية، ومن أوضح سماتها الفنية التي تجسّدت في روايات " شكيب الجابري " المبكّرة، التي تبعت مرحلة الرواية المصرية الأولى " زينب " فـ " نجود " مثّلت الأخلاق العربية، بقيمها الأصيلة في النبل والكرم والشرف والبراءة والطهر، وقد هربت من قريتها ومحيطها الريفي ليس بسبب جرم ارتكبته، وإنما لمجرّد الابتعاد عن شبهةٍ يمكن أن تلحق بها، وظلّلت حياتها البراءة المفرطة، التي تضافرت مع جمالها الأسطوري، فأبدعت منها شخصية رومانسية نادرة المثال، قياساً مع الشخصيات الروائية التي سبقتها.

 

وتظهر المسحة الرومانسية على " إيناس " في رواية " الحب والوحل " لـ " إنعام المسالمة " حيث يتجسّد الألم والسوداوية في عالمها، نظراً لخيبتها في جيبها الذي تركها في الجامعة، وسافر إلى الغرب لمتابعة الدراسة، فخانها ولم يحافظ على حبهما، مما دفعها إلى العزلة والانطواء، ومن ثم محاولة الثأر من الرجال الذين تقدّموا لخطبتها، فترفض طلب صديقها " أحمد " الذي انجذب إليها بعد تخرجها طبيبة، وتؤْثر الاستسلام للكآبة والسوداوية والقهر العاطفي والصحي.

 

لقد رسمت " إنعام المسالمة " في رواية " الحب والوحل "صورة رومانسية شفافة لـ " إيناس " الشخصية المحورية، والطالبة الجامعية التي أحبت زميلها، وعاشت معه لحظات ممتعة من الحبّ، وكمعظم روايات الحبّ الرومانسية، يضطر الشاب إلى الابتعاد عنها والسفر لمتابعة دراسته في الغرب، وقد وعدها بالبقاء على العهد، حتى ينتهي من دراسته ويعود ليتزوّجها، فيشتعل الحنين في قلبها، ويظلّ الحب متوهّجاً حتى تأتيَها الأخبار عن مغامراته الجنسية مع النساء، عندئذٍ يتحوّل فتى الأحلام إلى (عاشق شبح) وتتضخم (ثرثرة) الزميلات فتصاب بالإحباط، ويتقدّم إليها شابّ أحبها بصدقٍ، لكنها ترفض الزواج.

 

إن " إيناس " رفضت العادات والتقاليد، ورفضت الشباب الآخرين لأنها وضعت جميع آمالها في الحبيب الأول، وأخلصت له، فلما صُدمت بالخيانة، اعتقدت أن الشاب الذي يصلح لها غير موجود، وكأنها تطلب سراباً، وكانت تعلل ذلك بقولها: " لن أحبّ شخصاً عادياً... لا بدّ لـه من صفة خارقة، من يرغمني على حبه... كان في الخيال السجين صورة لفتى الأحلام..."ص(89) " أنا أكره السراب... لأنه وهم. . وأكره الكذب لأن فيه من أوهام السراب الكثير... " ص (91)

وكعادة الشخصيات الرومانسية، فإن الكاتبة تتعاطف مع بطلة روايتها، فتنتقم من الذَكَر، إذ تعيده إليها معتذراً عما اقترف، ويطلب العودة إلى ما كان بينهما، فترفض " إيناس " ثم يتزوّج العاشق الشبح فتاةً غيرها، لكنه لا يعرف السعادة، حيث يتسلّط عليه المرض، فيصاب بالشلل، ويرحل عن هذا العالم. وهنا تتبدّى إحدى سمات المذهب الرومانسي، حيث تنطوي " إيناس " على نفسها، وتشعر بالذنب العظيم، واليأس القاتل، فقد سيطر عليها شعور فحواه أنها – هي - سبب موته.

 

في رواية " ألف ليلة وليلتان " لـ " هاني الراهب " نطالع صورة رومانسية لـ" سلمى " إحدى الشخصيات الثانوية، وابنة السابعة عشرة، التي تتعلّق بالخاطب الذي تقدّم إليها تعلّقاً رومانسياً قوامه الهوى البريء في أول العمر، وتدعم موقفها العاطفي: " تقول ستي إنه فاتت سنتان على زواجي. . وتضحك بشيطنة متلذّذة، ثم تعضّ على نصف شفتها وتسكن... " ص (38)

لكن التناقض بين الرغبة والقدرة، وبين المثال والواقع كثيراً ما يؤدّي إلى الشعور بالعجز والضياع، ومن هنا يأتي الجانب السلبي من الرومانسية، وتصوير تجارب الحبّ الفاشلة التي تعدّ إسقاطاً يعكس عليه الكتاب إحساساتهم.

 

وفي الرواية تظهر المسحة الرومانسية على" أمية " في مرحلة المراهقة، فتفرح مثل " سلمى " عندما يتقدّم " نواف " الضابط الطيار لخطبتها، فتعيش حالة حلمية، قوامها الشاعرية المجنّحة، تطير من الفرح لأنها " ستنـزع صدرية المدرسة، وتلبس أفخر الثياب، و سيحوم نواف بطائرته بينما هي تلوّح لـه بمنديل أبيض / وعندما يأتي إلى البيت ستتعلّق بعنقه، وترفع ساقيها إلى الخلف، ويسير بها إلى غرفة الطعام حيث سيجد وجبة بانتظاره / وفي المساء يذهبان إلى الكازينو ويرقصان على أنغام التانغو. إلى أن تنبت لهما أجنحة بيضاء ويطيران في غسق السماء البعيدة. . " أشعر كأني أفيق على عالم جديد يا أمي. خائفة ولكن سعيدة. " ص (39)

إن ابتداء حياة " أمية " العاطفية بالحلم ينمّ عن شخصية تذخر بمخزون عاطفي سيكلوجي، زوّدتها به سنوات المراهقة، بما حملته من تهويمات، ورغبات مكبوتة، وأمنيات تحلم بتحقيقها، وستستمرّ هذه الرحلة الحلمية، حتى تصحو على واقع الحياة الزوجية التي ستسلب منها الأخيلة الوردية، ويخبو حلم الستائر المخملية وتبدّلُها بمتطلّبات الزوج والحمل وتربية الأطفال، والواقع ببياضه وسواده.

 

إن رومانسية " أمية " لم تدم طويلاً، إذ تلاشت بانتهاء مدّة الخطوبة، حيث وجدت نفسها إثر الزواج قد ابتليت بزوج أناني، يشك في إخلاصها له، فيعمل على إذلالها، ويسجنها داخل أسوار البيت، ويقفل عليها الباب، يعاملها بعنف، لم تستطع التخلّص منه إلاّ عندما انجرّت مكرهة لإقامة علاقة جسدية عاطفية مع شاب آخر، عوّضت به جانباً من رومانسيتها المفقودة.

 

تقول لـ " علي " العاشق، بعد أن انتهيا من مضاجعة عنيفة: " تركت دراستي لأجله. كان عمري ست عشرة سنة. . " ص (251)

ويمكن أن نلاحظ في شخصية " أمية " ملمحاً بارزاً من ملامح المذهب الرومانسي، يتجلّى في الاهتمام بالطبيعة، والأشجار منها بصورةٍ خاصة، الأشجار المتطاولة التي لا تمثّل الخصب والنماء بقدر ما ترمز إلى الاحتضان في حالات الحبّ الموشّى بالحزن والعزلة، والخيبة الإنسانية، فـ " أمية " على الرغم من المتعة التي حصلت عليها في منأى عن الزوج، تستشعر الأسى في تجربتها العاطفية الجديدة، ولا تجد سوى الشجرة تستدعيها لتسقط عليها حالتها النفسية، تقول لـ " علي ": " حتى الآن. لم أحقّق شيئاً معك . . ولا في المستقبل. يا ضيعة هذا الحبّ... هذه النخلة الجميلة التي ولدت في قبر. . " ص (324)

تعدّ شخصية (أمية) شخصيةً (شمسيةً) تابعة للذكر، تنتقل إليها البرودة واليباس رغم إشعاعها، وتبعيّتها تغدو تابعةً لتابعٍ غريبٍ آخر بعيد نفسياً وفكرياً عنها، وهو غير قادرٍ على الحضور، وبذلك يطمس القمر نور الشمس ويحتلّ مرتبتها، ويُصيّرها ظلاً له، وهذا ما دفع الكاتب ليحمّلها مقولة " رولان بارت " في خطابه الافتتاحي لدرس السيميولوجية الأدبية عام 1977: " إذا أردتُ أن أحيا فإن عليّ أن أنسى جسدي وتاريخي، عليّ أن أقذف بنفسي في وهم أنني معاصرة للأجساد الفتية الحاضرة، ولست معاصرةً لجسدي الماضي. عليّ أن أولد دورياً، وأن أكون أكثر مما أنا عليه " وفي هذا ملمحٌ من ملامح الشخصيةِ الإيجابية التي لم تغرق كلياً في سلبية الشخصية الأنثوية الرومانسية.

 

وترفل شخصية " أليس " الفتاة اللبنانية من أمّ أوربية، في رواية " ثائر محترف " لـ " مطاع صفدي " بشفافية جمالية تعكس عذوبة روحها. لذلك أطلق " كريم " زيرُ النساء عليها اسمَ " لميس " لنعومة بشرتها التي تدخل إلى نفسه المتعة كلما لمس جسدها، وكانت ذات حضور اجتماعي آسر، كجمالها الآخّاذ، الذي يشبه جمال " موديل " ارستقراطي جميل وعذب، وقد استجابت لرغبة " كريم " فأسلمته جسدها، بعد أن كان قد شبع من جسد أختها " زارة ".

 

إن جمال جسد " لميس " ورقتها، واستجابتها الجنسية استنـزفت طاقة " كريم " حتى جعلته عاجزاً عن ممارسة الجنس معها، مما أوقعها في الإحباط، وأسلمها إلى الحزن. لكنها لم تيأس، وبدأت تحاول شفاءه مما أصيب به، وظلّت تشجعه على الفعل الجنسي، وتحضّه عليه، بغية الوصول إلى الرعشة، فتتشبّث به، وتسعى إلى تخليصه من العنّة التي آل إليها حاله: " أودّ أن أساعدك. إنني أرثي لحالك، فإنك تبدو لي أحياناً، إنساناً جدّ تعيس، وإنك منعزل أكثر مما يطيق البشر ؟. " ص (188)

لقد تجلّت براعة الكاتب الذي وقف على المكنونات النفسية في شخصية " لميس ". كأنموذج حيّ لأنثى القرن العشرين، في المجتمع المترف، بكل ما تحمله من خفايا النفس، من صراعات، وتخبّطات تحملها من دون التفات إلى الخلف، وتقذف بنفسها نحو المستحدث، فتجد نفسها تارةّ في أوج الحداثة، وتارةً أخرى في حضيض الواقع.

 

وتتألّق " ابنة العم " في رواية " الشمس في يوم غائم " لـ " حنا مينة " في رومانسيتها، وبكل ما تحمل الرومانسية من معانٍ، فهي أنثى رقيقة الحاشية، سليلة أسرة برجوازية، عذبة المعشر، نحيلة الجسد، تضع على عينيها نظارتين تضفيان عليها كثيراً من الرهافة. تحبّ الموسيقا، وتجيد العزف على (البيانو) . وتحلم، وتحبّ بهدوء...

لكن أنوثتها الحالمة، اصطدمت بالواقع، وتلاشت أمام التقاليد التي تطغي فيها الذكورة على ما سواها، فيعتريها شعور بالضعف أمام تضخّم ذات الذكر / الفتى ابن العم /، على الرغم من محاولتها تبديد عزلتها الاجتماعية والعاطفية، بتطلّعها للانطلاق بحرية، بغية الوصول إلى حالة نفسيةٍ واجتماعية تناسب مكانة أسرتها المرموقة، لكنها لم تفلح في الخروج من ربقة الشعور بالضعف والدونية، لأن " ابن العم " عاملها باحتقار، حتى إذا ما تاقت فيها الأنوثة إلى الوصال، وقرأ الذكَرُ ذلك في ملامحها، استجاب لها على مضض، ومارس معها الجنس من قبيل الصدقة والشفقة، وإسداء المعروف: " نظراتها التي لا أراها، والتي حجبتها بعويناتها الطبية كي لا أراها تهتف بي: أنهضني. أنهضني. قل لي ! امشي. فأمشي، وإلاّ أنا هالكة. أنا كسيحة. وهالكة ". ص (176)

وألفاظ (هالكة. وكسيحة. وأنهضني) من صميم المعجم الرومانسي، نمّت عن الاستحياء والتلاشي، التي تقترب فيه من (المازوخية) أمام (سادية) الذكر، حيث تغدو الأنثى مثيرةً للعطف والإشفاق: " وقفنا متقابلين، أعرف ما بها، وتجهل ما بي، لقد منحتها (الحكمة) في ساعة إشفاقٍ عابرة. طبيب أعطى مريضة زرقة مورفين. انتهى مفعول المورفين، وعاد المريض يصرخ طالباً زرقةً أخرى. . صار الدواء معروفاً. صار مطلوباً. صرت مطالباً. . والمريضة أمامي تنتظر: أعطني دوائي " ص (262)

لقد غدت شخصية " ابنة العمّ " أمام ابن عمها " مثل قطّ اصطاد فأراً، وأخذ يناورها، ويلهو بها، يدور حولها، ويقفز، وهو منتشٍ فرحاً. يمعن في تعذيبها، حتى تزداد شهيته قبل التهامها مع فارقٍ واحدٍ، هو أن الفتى يلتهم (فأرته) في نهاية الاحتفال السادي. بل سيلقي بها جانباً، بعد أن يصبّ عليها كل ازدرائه، ويعلّمها (الحكمة) على الطريقة الهندية، كمهمةٍ أملتها عليه واجباته الكهنوتية " (8) .

 

ولم تكتفِ هذه الشخصية المسحوقة بامتهان الآخر لها، وإنما غدت تحتقر نفسها على الرغم من أن القارئ يتعاطف معها كأنثى رومانسية في مجتمعٍ إقطاعي موبوء بالفساد الاجتماعي والطبقي، في مطلع القرن العشرين، ويرثي لأحلامها المجهضة أكثر مما يتعاطف مع " الفتى " الذي لم يتعاطف معه سوى المؤلف، لأنه حاملٌ لخطابه الأيديولوجي، ولأن هذا الفتى تتفاقم إنسانيته أمام أنوثة " ابنة العم " التي لا يرى فيها إلاّ حيواناً ضعيفاً: " ابنة العم كانت دجاجة، بعكس (المومس) امرأة القبو التي كانت أنثى نسر " (9) .

 

 وإمعاناً في تضخيم الذكورة وتضاؤل الأنوثة، فإن الروائي يصمّم على سحقها فتهتف: " مستغيثة ضارعة: لا ترحمني. أنهضني " والذكر يرفض التماسها، وقد صممّ: " سأدعها كسيحة ! ". ص (175) .

 

انتبه " حنا مينه " إلى ملمحين هامّين من ملامح الأنثى الرومانسية، يتجلّيان في اختيار إناثه من الطبقة الاجتماعية المتوسطة، ومن ثم إضفاء مستلزمات هذه الطبقة على بناتها كنـزوع الأنثى إلى (الموسيقا) و( المطالعة) تعبيراً عن الحالة الاجتماعية والثقافية في المرحلة التي رصدتها شخصياته الروائية، فـ " ابنة العم " تجيد العزف على البيانو، بينما تظهر شخصية " راجعة " في رواية " مأساة ديمتريو" مرهفة الأحاسيس، عشقت منذ نعومة أظفارها المطالعة، والموسيقا، فصقلت نفسها، ورقّت عاطفتها، وحلمت بمشروع حياةٍ يقوم على الشفافية والصدق، والنقاء والبراءة.

 

وقد تحلّت " راجعة " بسلوك رومانسي، مذ كانت طالبة في المدرسة، فعُرفت بتهذيبها، وعذوبتها كأنثى مدلّلة، بادلت أباها الحب والصداقة بعد رحيل أمها المبكر، وأخذت عنه هواية المطالعة، فقد كان أبوها " فهيم " أديباً نهم القراءة، تشرّبت منه مثاليته وشفافيته التي أضافت إلى شخصيتها كل ما يجعلها أنثى جذّابة محبوبة. .

 

لكن جمال " راجعة " ورومانسيتها لم ينعكسا على حياتها بالسعادة، وإنما كانا وبالاً عليها، لأن طبيعتها المجبولة على الصدق والشفافية، جعلتها تعتقد ببراءة جميع الناس، وهذا ما دفعها لتصديق الرجل / الذكر، الذي سعى لخطوبتها مجذوباً إليها بسحر جمالها، إذ لبس لبوس العاشق الرقيق الحاشية، وادّعى عشق الموسيقا، وحبّ المطالعة، وهذا كل ما كانت تصبو إليه، وتؤمّله في شريك العمر، فاندفعت إليه بلا هوادة. لكنها ما إن صارت داخل أسوار منـزلـه، حتى وجدت أنها دخلت سجناً، واكتشفت متأخرةً كذبه وخداعه، إذ لم يكن يملك ذوقاً موسيقياً، ولا يقرأ كتاباً أدبياً، وإنما كان تاجراً (عاشق ملايين) تغلّف حياته الصفقات التجارية واللهاث خلف المادة.

 

هذا التفاوت الكبير بين شفافية الأنثى، ومادية الشريك / الذكر، صبغ حياة الأنثى بالاكتئاب، وتحوّل الزوج في نظرها إلى شيطان: " سنة الحياة هذه التي أذعنت لها، أسلمتني لرجلٍ لفّ أصابعه الشيطانية على شعري، مجرّد أنه بحكم مؤسسة الزواج الملعونة، قد صار مالكي. " ص (32 – 33) .

 

وتبعاً لملامح الشخصية الرومانسية التي تبدأ بالهدوء والشفافية، وتمر بأوقاتٍ شاعريةٍ لابد أن تركن إلى العزلة والحزن، والهروب من الواقع، والتأمل في المصير المأساوي، الذي حرمت فيه من الحب، فتتشبّث بموقفها وترفض التفاعل مع الذكر المادي، وصفقاته وأوراقه المالية. " المارد الذي كنت أتوقع أن تنفجّ عنه مغارة أحلامي السحرية، انقلب بعد الزواج إلى كيس نقود، وحقيبة سفر، ليس وراءها سوى الاتّجار ببيع القمر نفسه... لكنني. أنا " راجعة فهيم المتبحّر " لم أخلق لأكون زوجة شاه بندر التجار نفسه. إنني أكره اصطياد الغمامة لتحويلها إلى ورقة نقدية ". ص (71-72)

إن من صفات الشخصية الرومانسية، الانطواء، والتأمل والحزن، وهذا ما رسمته" هذه الصورة . . الاستعداد للموت، بالإضافة لما تنطوي عليه من وظيفةٍ شعريةٍ [ يتداخل ] فيها الواقعي بالأسطوري بالخيالي. فهي تنطوي على وظيفة دلاليةٍ تؤمن إلى الموات الذي يفوح من مسامّ عالم المرحلة. عالم أولئك المهمّشين الذين يعيشون في النسيان.

 

إنهم يتعايشون مع الموت بوصفه الخيار الوحيد لحياةٍ على هذه الدرجة من فقدان المعنى، وفقدان القدرة على الفعل خارج الوقت الاجتماعي

المعمم."(10) .

إن قلم الروائي بما حشد لوصف الأنثى من ألفاظٍ وصورٍ تعبّر عن حالتها، كالألفاظ التي حفل بها المقبوس السابق (سنة الحياة هذه التي أذعنت لها– أحلامي السحرية – حقيبة سفر – القمر – الغمامة) وعشرات الصور والألفاظ التي تحفل بها الرواية، والتي تعبّر عن وضع الأنثى الرومانسية التي صعقتها مادية الحياة الجديدة. إذ " بقيت محصورة في داخلها، فسببّت لها التمزّق النفسي والعطالة والعجز عن الإتيان بأي حركة. في الوقت الذي كانت فيه شاهدةً على عصر، أخذت فيه قضايا الإنسان الجوهرية، بل حتى إنسانية ذاتها، تزاح إلى هامش الوجود، لتحل محلها قيم الاستهلاك، المتفشية كالوباء". (11)

إن "راجعة " ظلّت تحمل رومانسيتها حتى النهاية، على الرغم من كل ما عانته من زوجها المتحجّر الطباع. إذ دفع القدر إليها ذكراً شفافاً لا يقلّ عنها رومانسية، فالفنان الموسيقي" ديمتريو "دخل بيتها بمعرفة الزوج، ليعلّم صغيرَها الموسيقا، فكان – لمدة زمنية – سلوى، وعزاءً لعواطفها المكبوتة.

 

لقد اكتملت اللوحة الرومانسية، لأن الشابّ كان المتمّم لحلقة الروح المفقودة في السلسلة الروحية، والصوت المنفرد في عالمها الفني الموسيقي المهدور، وكان بدوره يعيش مغموراً، كعازف كمان، يعلّم العزف لقاء تأمين لقمة الخبز، ويعاني من غربة روحية مثلها، وقـد هالـه أن ينتبه – ذات مرّة – وهو يدخل هذا المنـزل، إلى المشهد الإنساني العذب، إذ رأى أم الطفل / راجعة، جالسةّ بوداعة تقرأ كتاباً، والأب يعالج طيراً أليفاً. . فيلقي التحية، في البداية. لكنه ما إن يسمع عزْفَ السيدة البارع على الكمان، وهو مع الصبي، حتى يُفيق من غفلته، وينظر إليها، فتطالعه ابتسامتها الساحرة، التي تشبه ابتسامة الجيوكندا، فيتغيّر – فجأةً - كل شيء في حياة الاثنين معاً.

 

لقد تسرّبت نظرات الحبّ بين القلبين، فبادرت الأنثى بالخطوة الأولى باتجاه اللقاء الروحي، إذ دعته إلى لحظة دفءٍ، وكوب من الشاي، ثم ما لبثت إن تبادلت معه المشاعر العاطفية، وعاشت أحلاماً ملوّنة عذبة. . لكن الحبّ ظلّ في إطاره الرومانسي، بعيداً عن اللقاء الجسدي، لأن الخيانة الزوجية ليس لها مكان في نفسها، إضافة إلى أنها أمّ، وهو متزوّج... فآلت على نفسها أن تظلّ نقية شفافةً طاهرةً. .

 

إن المعلم الشاب لم يكن أقل رومانسية من المرأة الجميلة، فهو ما إن فوجئ ذات يوم بعزف السيدة حتى رأى فيها الأنثى الساحرة، وعندما غادر المنـزل ذات مرة " ارتسمت صورتها وابتسامتها الفاتنة في ذاكرته ومحت ما عداها، وأيقظت هذه اللحظة كل مشاعر ديمتريو وغدت الابتسامة مطبوعة في عقله وقلبه كصورة روحية علوية فاتنة.. . "

" لقد التقط حنا شخصية معذبة تعاني من الغربة الروحية، وتعيش حياتها في رتابة دون تذمر ظاهر، غير أن توق الروح إلى الحب والامتزاج، التقى بحدث ابتسامة الأنثى الحبيبة وتعاطفها معه، ففجر كل عالمه المظلم الممتلئ بالكوابيس والكهوف والسراديب، وقد عنيت القصة بتصوير هذه اللحظة بما حفلت به من الصراع الروحي، ويقظة الشخصية وتنبهها لواقعها السيئ، وعلى أهمية وجود السيدة والأسرة فلم تشغل بواقعها غير سطور قليلة، ولكن تداعيات الحدث ظلت تتوالى وتتفجر وتدور في داخل الشخصية التي صورها حنا مينة منقسمة ومتصارعة بين شخصية أصيلة وصورة في المرآة. " (12)

وكما تنتهي قصص الحبّ الرومانسية عامة، يهرب الشاب، ثم تسوء حالته النفسية فيلجأ، إلى الانتحار، بينما تنطوي " راجعة " على نفسها، تجترّ ساعات الحلم الجميل، وتغدو أنموذجاً فنياً جميلاً للمرأة الحزينة الناعسة، تعيش حرمانها الشديد، واغترابها النفسي والاجتماعي في كنف زوج وصولي، تعجز عن تحقيق سعادتها، وظلت صورتها المرسومة بظلال رومانسية محبّبة تستقطب قضيةً واحدة هي الحرمان العاطفي.

***

إن الشخصيات الأنثوية الرومانسية عرفتها الروايات الأولى عند " شكيب الجابري " و" وداد سكاكيني " و"فاضل السباعي " و"إلفة الإدلبي " و" ملاحة الخاني " و" خالص الجابري " و " قمر كيلاني ".. . لكن رومانسيتها لم تكن كرومانسية " راجعة " التي أعطاها الروائي دور البطولة، ليدين من خلالها العصر الذي أتى بعد مرحلة الرومانسيات الروائية الأولى.

 

مثلُها في ذلك، مثلُ " أمّ خالدية " الشخصية الثانوية في رواية " التحوّلات/ حسيبه " لـ " خيري الذهبي " إذ حملت الملامح الرومانسية الكاملة للشخصية الأنثوية، التي تمثّلت في الخاتمة الحالمة التي رسمتها لنهاية رحلة عمرها، مع ابنتها العانس " خالدية " (13) فطرّزت لموتها ثلاث مائة ذراعٍ من الأكفان " طرّزتها بكل الرسوم التي أحبتها في حياتها. طرّزتها بكل الأزهار التي عرفتها ولم تعرفها. بكل الطيور التي رأتها والتي لم ترها. بالحدائق التي تمنّت العيش فيها، بالبساتين التي تنـزهت فيها. بالأنهار التي اشتهت السباحة فيها، ولم يسمح لها. بالأشجار المحمّلة بالثمار تتدلّى فوقها. . كأنها كانت تعد نفسها للعرس. لا للموت " ص (23 – 24) وكأن الدلالة تضع أيدينا على تعويضٍ جميل لامرأة حُرمت من كل شيء بهيج، وهاهي بالحلم والتفاؤل تستعد لاستقبال عالمها الآخر الجديد.

 

ومثل هذا التعويض الرومانسي الحزين للحبّ المفقود، جسّدته المرحلة الرومانسية المتقدّمة للرواية السورية، التي مثّلتها " إلفة الإدلبي " في رواية " دمشق يا بسمة الحزن " في شخصية بطلتها " صبرية" التي تعدّ أنموذجاً جاهزاً، ومرسوماً بعناية للفتاة السورية، في زمن الانتداب الفرنسي حيث تبرز فيها جميع خصائص الأنثى الرومانسية من الأمل والحلم والحب والحرية والتعليم. تنطلق كعصفورة الربيع، فتتفوّق في المدرسة وتبز أخاها " راغب " في الدراسة. لكنها ما إن تشب عن الطوق وتتجاوز مرحلة الطفولة حتى تصطدم بالواقع الاجتماعي، وتقف السلبيات عثرةً أمام اندفاعها، وتبرز الذكورة والعادات الاجتماعية لتحول دون تكملة دراستها، لأن البنت للبيت، فتحرم من دفق العلم الذي يجوز في معادلة الذكورة للأخ ويحرّم على الأخت، ويحظر عليها الشعور بسعادة الحب التي كانت تستمدها من علاقتها الشرعية بحبيبها " عادل " الذي دبّر شقيقها " راغب " مؤامرة اغتياله من قِبل الفرنسيين. كي يحول بينه وبين الزواج منها.

 

لقد سُجنت " صبرية " في البيت وتلاشى الحلم، ومات الحبيب، واسودّ المستقبل، فانقطعت لرعاية أبيها المقعد بعد أن تخلّى عنه الجميع، وكانت تتأمل شجرة الليمون في باحة الدار، وتبثّها أحزانها الصامتة. . فغدت " صبرية " مرآةً عاكسةً لآمال الأنثى الصابرة، التي تحاول جاهدةً أن تتجلّد وتتماسك. لكن " أعصابها أصبحت كأوتارٍ مشدودةٍ، وإنها الآن أشبه ما تكون بقنبلة قد سحب منها صمام الأمان. ما تكاد تمسّ حتى تنفجر. " ص (46)

ثم ما تلبث أن تنهار، فتجترّ ضعفها الإنساني، وتستكين إلى قدرها: " أصبحت كخرقةٍ بالية مبتلّة ملقاة على الأريكة. " ص (51)

هذه الحالة التي سكنت روحها جعلتها لا ترى مخرجاً من بؤسها سوى شجرة الليمون التي شهدت نجواها، فأتت إليها ونصبت أرجوحتها على أحد أغصانها، وكما تتأرجح فتاة في أول العمر وتحلم بالاقتراب من النجوم، تأرجحت " صبرية " وتدلّت منها كفتاةٍ بغير هموم: " كانت لا تزال مدلاةً من الليمونة رايةً سوداء منكسةً. رفعت احتجاجاً صارخاً على الجور والظلم. "

إن ما آل إليه أمرها من اتخاذ قرارها بالانتحار لم يكن تعبيراً عن شخصيتها الضعيفة بقدر ما كان احتجاجاً على القهر والظلم الذي عانت منه، وقد كانت ترى نفسها شخصية أنثوية دونية، لا ترقى إلى مصافّ الحالة الإنسانية التي يتمتّع بها إخوتها داخل الأسرة: " أشعر أحياناً أنني كلبة جموح. مربوطة من عنقها بسلسلة مشدودة إلى وتدّ مغروس في هذا البيت العتيق، وكلما حاولت الكلبة الجموح من الإفلات من قيدها. ازدادت السلسلة انطباقاً عليها. حتى انغرزت في لحمها، فكانت كلما تحرّكت يسيل دمها، ويشتد ألمها " ص (78)

ويضخّم من مأساتها تصوّرُها لأنوثتها المجهضة، التي لا ترقى فيها عن المرتبة الدونية الحيوانية، فبعد شعورها بأنها (كلبة جموح) تجد أن هذا الجموح مكبوت، وإن كان التشبيه هنا لتضخيم حجم المعاناة: " أنوثتي تئن في قفصها كحيوان جريح " ص (82) ، وأنها استسلمت كنعجة بليدة لطغيان ذكورة الأسرة.

 

لقد رسمت شخصية " صبرية " من الخارج بصورة أفضل مما رسمت من الداخل على الرغم من محاولة الكاتبة استبطان الأعماق، وسبر الأغوار النفسية التي أجادت فيها الكشف والإبانة، لكنه ظلّ رسماً عاطفياً رومانسياً متسربلاً بشيء من السطحية والتعميم، ولعل مرد ذلك عائد إلى اعتماد أسلوب (المنولوج) و (المذكرات) و (السرد بضمير المتكلم) ومع ذلك فإن شخصية " صبرية " كانت جاهزة في مخيلة الكاتبة، على الرغم من تحولاتها النفسية، لكنها تظلّ الشخصية المرسومة بعناية وصلت بها في بعض المواضع إلى حدّ الإسراف.

 

وجنوح الكاتبة إلى رسم ملامح " صبرية " بهذه الألوان القاتمة، الموشّاة بالحزن والسواد، والنهاية المفجعة، هو جوهر المذهب الرومانسي، الذي حاولت الكاتبة أن تدين فيه الواقع الاجتماعي المتخلّف، وأن تتجاوز واقع الألم من أجل احتمال الحياة، والوصول إلى أسلوب متوازن في التعامل الإنساني مع الواقع.

 

في رواية " بروين " لـ " عبد الباقي يوسف " تخلد الشخصية الأنثوية التي أخذت الروايةُ عنوانها من اسمها – إلى العزلة، فيحلّ السكون محلّ الحركة، كردّة فعل الذات تجاه الواقع، مما ولّد في روح الممرّضة الجميلة / بروين الحزنَ مرّةً، والتمرّد، تمسّكاً بالحياة، مرةّ ثانية، ودفعها للهوس والتخلي عن العقل أخيراً.

 

لقد مُنعت " بروين " من لقاء الشابّ الذي بادلته المشاعر العاطفية، وأراد الأهل أن تتزوّج ابن خالها، فرفضت، وتركت العمل، وحبست نفسها في غرفتها، تجترّ أحلامها الوردية، تبكي، وتصمت وتفكّر، وتناجي طيف الحبيب الذي لا يفارقها.

 

لقد هيّأ الكاتب لبطلة روايته جميع مستلزمات الشخصية الرومانسية التي عهدناها في الروايات الفرنسية، وبدايات الرواية العربية، فوظّف (الأغاني) للتعبير عن حالة الأنثى النفسية:

"عندما أستمع إلى أغنية جميلة

أودّ أن أتجه إليك. . لتسمعها معي. " ص (118)

واستخدم (الحلم) للكشف عن الحالة الإنسانية التي تنوس بين الحسي واللاحسي، بين الذات المعذّبة، والواقع:

" أحلم الآن بأخذك إلى قمة جبل مرتفع نقف هناك ولا يصلنا أحد. . " ص( 119)

" انتفضت الآن من حلم. . لم أنم للحظة إلاّ واستفقت أنادي باسمك " ص(112)

واستخدم تقنية (الاغتراب) التي تعبّر باللفظ عن عدم فهمها لما يدور حولها:

" أشعر باغتراب عن عقلي وجسدي وتنفسي وصوتي. . " ص (135)

ولجأ إلى (الرحيل النفسي، والهرب) إلى أحضان الطبيعة الحزينة:

" الأزهار التي كانت تزهر على شرفتي كل ربيع

ما عادت تزهر.

والعصافير التي كانت تزقزق على شجرة بيتنا

كل صباح

ما عادت تزقزق.

و ديك بيتنا الذي كان يملأ الصباحات بندائه، فقد صوته الذهبي."

ص(110)

كما التفت إلى (العزلة، والإحساس بالفراغ والوحدة الموحشة) التي تحسّ أنها تدمر روحها:

" أيّ فراغ مدمّر خلّفه غيابك الذي لم يخطر ببالي ذات لقاء " ص (109)

ويكثر (تداعي الذكريات) :

" أتذكر يوم قلت لك: اعمل لأجل الآتي... أتذكر ؟. " ص( 110)

كما كثّر (أسلوب المناجاة) :

" كنت منذ الولادة على موعد معك. . أحس أنني بانتظارك في أيّ لحظة بكامل خجلك وحضورك وتردّدك. " ص (115)

لقد أخضع الكاتب شخصيته للرومانسية بصورة أشدّ حدّةً من سواها، فلجأ إلى المبالغة في التعبير لتجسيد الحالة، حين ألحّ على مسائل الحرية والانعتاق، والرفض والألم والعاطفة، والثورة والفناء، والانفصال عن المجتمع، وانتفاء التواشج الاجتماعي الذي يستوحي البنية الأسرية من منظور جديد ومغاير، وعدوانية البطل، الذي عبّرت عنه " بروين " في النهاية، بالثأر، والحرق والقتل، من دون أن تتخلّى عن وعيها لحظةً واحدةً. وقد تجلّى وعيها بإنقاذ القطة؛ الرمز الرومانسي المتألّق الذي رشحته وحده للحياة من بين جميع أفراد أسرتها.

 

إن الشخصية الأنثوية الرومانسية، وجدت لها حيّزا محدوداً في الرواية السورية، وقد سعى كتّاب الرواية الجديدة - بسبب مذاهب العصر الفنية - إلى تجاوز مرحلة الرواية الرومانسية السلبية التي قال عنها غوته ": إنها فن الأدب المريض " واقتربوا من رؤية " سانت بوف " الذي ميّز بين نوعين من الرومانسية هما: (أدب المرض من أجل المرض) و (أدب المرض للتحرّر من المرض) ولكنهم لم يستطيعوا تجسيد أنموذجٍ أنثوي رومانسي متميّز، يتكشّف عن رؤية مثالية، وأهواء شخصية لها تفرّدها الفني، وكان جلّ اهتمامهم منصبّاً على الشخصية الأنثوية التي تتسلّح بوعي المرحلة المعيشة، ولم تكن بصورة عامةٍ سلبيةً، فتمرّدت، ورفضت الاستسلام، وتاقت للحياة بمفهومها العصري، ولم تتعلّق بالماضي، وأوهامه، على الرغم من النهايات الحزينة، أو المأساوية التي انتهت إليها. ويمكن انطلاقاً من هذه الرؤية أن نعدّها – على الرغم من مقاربتها الواقعية – شخصيةً شبه فنية، لأنها نتاج فردٍ، وذاك الفرد المبدعُ لها هو نتاجُ مجتمع. لذلك بدت وليدة إبداعٍ مزدوج، من جهةٍ، وغير مباشر من جهة أخرى، وهي تملك معايير دراستها في داخلها، وفي امتلاكها لصراعاتٍ ما زالت قائمةً في الزمن الراهن، ولم تحسم اجتماعياً بعدُ، ولا تزال حيّةً تملكُ رؤيةً مستمرةً متوالدةً. لأنها شخصية ذات صراعات كونية، لا تستطيع التغييرات الوضعية على أرض الواقع حسمها، أو إيجاد حلولٍ لها.

 

لكن بعض الشخصيات التي بدا خضوعها الرومانسي لسلطان العاطفة مرغوباً لما فيه من أبعاد إيجابية، كان ينأى - غالباً - عن كل ما يقرّبه من سلطان العقل، لأنه لا يحقّق غير الثبات والجمود، ولما كان هذا الجمود يحدّ من الحرية الفردية في التعبير، فإن الإيمان بالحرية يزداد عمقاً، وبالقيود رفضاً وتصدّياً، وبالقواعد التي تحدُّ من انطلاقه ازدراءً.

 

غير أن الخضوع للعاطفة جعله رهيناً بانفعلاته الوجدانية إلى حدّ التلذّذ أحياناً بآلام النفس، وحزنها الدفين حين يلتفت لذاته. كاشفاً بعض ما في أعماقها من ألم ممض.

ورغم ذلك فقد نقلت الشخصية الأنثوية بعضاً من ملامح الأنثى الغربية، في رومانسية الموت، والاعتماد على العاطفة المبالغ فيها أسلوباً للتعبير عن حجم المأساة، والتركيز على ذات الأنثى، والوقوف على مشاعرها الداخلية، بما تختزنه من آلام وأحاسيس. ولا يخفى ما ترمي إليه الروايات من الوقوف على الحقيقة، لتغيير الواقع، والوصول إلى عالم تنعم فيه الأنثى بالأمن والعدل، وهذه من أولويات المذهب الرومانسي ومنطلقاته. على حدّ تعبير " محمد غنيمي هلال " في كتابه " الرومانتيكية " الذي رأى " أن الرومانسية، تهتمّ بالفرد وتقدّر حقوقه، لبناء مجتمع تستقرّ فيه مبادئ الحرية والإخاء والمساواة ".

ص(197)

 

ثانياً: ملامحُ الشخصيَّةِ الأنثوية الواضحة

تجمع صفة (الوضوح) عدداً من الملامح التي هدف منها الروائيون إلى إظهار حيوية الأنثى، وجاذبيتها، وبلورة الدور المنوط بها في الرواية، بغية الفوز بإعجاب الشخصيات الأخرى. ولا يعني الوضوح سلامة الأنثى من الانحراف والضياع، كما لا يعني سداد الرأي، وسلامة الرؤية، بقدر ما يعني وضوح جوانب فكرية وثقافية معيّنة في الشخصية، التي تتسم بالجرأة في الاندفاع بغير مواربة، والصراحة في التعبير، ، وجلاء أمورٍ كانت الأنثى تخشى من الإفصاح عنها.

 

إن محدودية الشخصيات أو تعددها في الرواية، تتدخل فيها عدة متحكّمات؛ منها الموضوع وطبيعة الأدوار، وهذه مسألة تعطينا انطباعات عن المستوى السردي لهذا الروائي أو ذاك على أساس " أن شخصيات الأعمال الأدبية، ومنها الرواية تبدو أكثر وضوحاً من شخصيات التاريخ، أو من شخصيات أصدقائنا."(*) فوضوحها يستقي وجوده من تلك العلاقات الديالكتيكية بين الرواية وشخوصها، فهي بذلك أنواع وأنماط، تبعاً للأدوار المسندة إليها، وأدوارها في الريادة والقيادة، وسوى ذلك.

 

والانجذابُ للأنثى لن يكون بسبب جمالها الجسدي فحسب، وإنما بسبب جدّية أفعالها الجوهرية، وإبداء آرائها، وإعمال عقلها، وقد تتعاون الصفات الجسدية، وتتعاضد مع الأفعال السلوكية لتضفيَ جماليةً فائقة على الشخصية، يمكنها بها التأثير في الشخصيات الأخرى، والأحداث الروائية، لأن الصفات الجسدية وحدها، قد تجعل الشخصية نمطيةً أو تقليدية، مهما كانت صاحبتها تتمتّع بأنوثة وجمال. فإذا اقترن الجمال بالسلوك، أمكن طرح أمثلةٍ جمالية جيّدة، يمكن أن تكون عناصر جذبٍ، بسبب حالات اجتماعية أو نضالية أو أيديولوجية أو إنسانية أو عاطفية حادّة، تنمّ عن مواقف فكرية متزنة، أو غير متزنةٍ تؤمن بها.

إن شخصية " شمس " المحورية في ثلاثية " الطريق إلى الشمس " لـ " عبد الكريم ناصيف " ارتبطت بها أحداث الرواية، فأثّرت عاطفياً في زوجها، وظلّ طوال حياته أسير جمالها وحيويتها، كما أثرت في الوسط الاجتماعي الأنثوي (الحموي) بسلوكها وسيرتها، والأهمّ من ذلك تأثيرها

 

في الوسط النضالي المقاوم للانتداب الفرنسي، ومن ثم التأثير التربوي والقومي، في ابنها الطبيب " الأخضر " العائد من فرنسا، ومنعه من الاقتران بصديقته الفرنسية" جانيت" التي لحقت به إلى دمشق.

ويتجلّى الوضوح المصحوب بالجاذبية، والحيوية، والابتعاد عن النمطية في شخصيتها، بجمعها بين ملامح الشخصية الفذّة (المتكاملة) بجمالها الأنثوي الآسر، وبين الشجاعة، وقوة الإرادة، والصبر، واحتمال المكارة.

 

وإطلاقُ هذا النعت على الشخصية الأنثوية يميّزها من باقي الشخصيات الروائية، لأنها على الرغم من معاناتها من مقاومة الانتداب، واحتمالها الأزمات النفسية والاجتماعية والعاطفية، فقد كانت عامل جذبٍ لجميع الشخصيات التي عرفتها، بسبب جمالها، ووعيها وشجاعتها. حيث انبثقت عن زوجها " عزيز " مواقف عاطفية نمّت عن ولهٍ بها لا حدود له، لم يخبُ يوماً واحداً على امتداد العمر.

 

لقد جذبت " شمس " العديد من الذكور بجمالها، فاشتهوا جسدها، وساوموها عليه بالذهب حيناً، وبحياة زوجها إثر هربه من السجن، واعتقاله أحياناً أخرى.

وكما جذبت أنوثتُها الصارخةُ الذكورَ على اختلاف مشاربهم؛ من عرب وأجانب، فإن وعيها، ووضوحَ شخصيتها، قد جذبا إليها المناضلين الشرفاء للتشاور ورسم الخطط المستقبلية، فكانت ذات رؤية وطنية، ترفض الخنوع والاستسلام، كما ترفض الخيانة الوطنية، لأنها كالخيانة الزوجية. وبذا تميّز معدنها الذي ما إن تصهره الأزمات المتلاحقة، حتى يخرج أشدّ صقلاً ونقاءً.

 

لقد رفضت مساومة " الكابتان جيرار " الذي أراد جسدها مقابل الإفراج عن زوجها، وصار لزاماً عليها آنئذٍ، أن تؤدّيَ دورها - وهي رهينة منـزل الضابط الفرنسي – (كامرأة مسترجلة) لتخلص من الترنح تحت ثقل الضغوطات الأمنية، والمضايقات الجنسية والنفسية، فخططت للقضاء على الضابط / الرمز الاستعماري، ونجحت قي قتله لتحرّر نفسها بصمت يُبعد عنها كل شبهة، وتعمل مع المجاهد " فوزي القاوقجي " لتهريب زوجها من السجن، ومن ثم معاودة النضال، حتى يتمّ تحرير الوطن.

 

إن وضوح شخصية " شمس " التي رضعت ألبانها في البادية السورية، رمز الصفاء والنقاء والفروسية، تطلبت منها (الاسترجال) تعويضاً لها عن أشياء كثيرة، أقلُّها أنها تتصرّف مثل رجلٍ، في قوة البأس والشجاعة، فـ" شمس" ابتدأت حياتها متخفّيةً في زيّ فارس ملثّم في البادية، وتكاد هذه الحالة الاسترجالية تنحصر في المواضع والحالات التي تقتضيها المواقف التي تُحسَرُ فيها المرأة كرمز أنثوي، ثم تنتهي بانتهاء الموقف، لتعود الأنثى إلى إنسانيتها الأولية، فلا تجد نفسها إلاّ في أوج عطائها الأنثوي كجسدٍ مستعرٍ مع الزوج، وأمومة هي امتيازٌ، ومنحةٌ إلهية خُصّت بها.

 

إن " شمس " تكاد تكون شخصية نادرة، لأنها على الرغم من أنوثتها الصارخة، استطاعت المحافظة على عاطفة الأمومة، ووازنت بينها وبين العاطفة الوطنية، وسواها من العواطف الإنسانية، وظلتّ حتى الرمق الأخير مثالاً للأم الغيور على وطنها وأسرتها ومستقبل ابنها، إذ فرضت على الطبيب " الأخضر " العائد إلى الوطن احترامَ رأيها، وهبّت كعاصفة تذرّ الرماد في العيون، فتختلط الأمور على ابنها، وتجعله يقتنع برفض زواج صديقته الفرنسية " جانيت " التي لحقت به إلى دمشق بعد تخرّجه من فرنسا، فتعود إلى باريس تجرّ أذيال الخيبة، وقد ميّزت " شمس " بين فرنسا التي احتضنت ابنها، ومنحته العلم والحضارة وشهادة الطب، وبين فرنسا التي استعمرت وطنها، وهذا عملٌ لا يقلّ شأناً عن إرغام جنود الاحتلال على الرحيل عن أرض الوطن، واستمرار الروح المقاومة التي نشأت عليها، فتتألق " شمس " وتظلّ رمزاً وطنياً، حتى يرفل الوطن باستقلاله وحريته.

 

ولا تقلّ شخصية " أميرة " في رواية " أفراح ليلة القدر " وضوحاً عن شخصية " شمس " لأنهما رسمتا بقلم كاتبٍ واحد، ولكن على الرغم من أن " أميرة "شخصية ثانوية، فإنها رُسمت بعناية فائقة. إذ تمحورت حولها عدّة شخصيات، فكانت الأنثى / الأنموذج، جمالاً وعلماً وسلوكاً خلقياً، ووعياً - كما سيتبيّن في الملامح الأخرى - امتلكت زمام أمرها، على الرغم من إقامتها في عوالم إباحية، في باريس، تتيح لها ممارسة جميع أنواع المتع في الغرب والشرق على السواء. لكنها ظلّت الأنثى الواعية لحقيقة دورها في الحياة، إذ تجاوزت الثلاثين من العمر، منقطعة للدراسة العلمية في فرنسا، محتفظة بنقائها وطهارتها وعذريتها حتى ليلة الزفاف، ورفضت الملايين التي أغراها بها الآخر، كما رفضت ملايين أبيها، واختارت العمل، والكسب بعرق جبينها، لتمارس اختصاصها العلمي، مواطنةً صالحةً، ورمزاً لسورية الأصيلة والمعاصرة معاً، وقد كان لوضوح شخصيتها أثرٌ كبير في نجاحها، وصمودها في وجه الخلاعة والتهتّك والأمية والفساد، فكانت " الشخصية الإيجابية، والتي تتشكّل بهدوء، وجهدٍ وتأنٍ، وسوف نحبها لأنها استطاعت أن تقف في وجه الزيف، وحيدةً مناضلةً بعناد وصبر، معتمدةً على أفكار عمّها المثقف. . مُشعلاً في أعماقها جمرة طموح لا تنطفئ... وتصرّ أن لا تتزوّج بأجنبي محتفظةً بجسدها طاهراً... وبقلبها خالياً، إلاّ من حبّ العلم والوطن والإنسانية". (14)

وفي رواية " الأشباح " لـ " قمر كيلاني " تظهر شخصية " ليلى " واضحةً، جليةً أيضاً، في حركاتها وتصرفاتها وعلاقاتها على جميع الأصعدة، في محيط الأسرة، والمجتمع، والوطن، وقد ذكرت الكاتبة ذلك صراحة في سياق السرد، ووصفتها بأنها تقف على أوضاع جميع أفراد الأسرة والمحيطين بها، وتتغلغل إلى جوهر القضايا التي تشغلهم، فهي " فتاةٌ حيويةٌ تبرق عيناها بالتحدي " ص (13) " عنيفة متمردة " ص (15) " أسرتها محافظة "ص(18)" وحدها تشعر بالديون التي تراكمت على أسرتها بعد الحرب نتيجة غياب الصهر والأخ، ومن ثم تنوي العمل، وتعلن ذلك. " (15)

وقد ظهرت روح التمرّد لديها نتيجة الشعور بالبؤس، ومعاناة الظلم، مما دفعها للثورة على واقعها، وحمل مشعل الريادة في الأسرة، والتصدّي لما يدور حولها، والوقوف بحزم في وجه " ياسر" الذي أوقع أختها " سميرة " في شباكه، وكشفت زيفه، واستغلاله لها، وفضحت نشاطاته الخارجية المشبوهة.

 

لقد عانت " ليلى " كثيراً بسبب شخصيتها الواضحة، إذ لم تهادن الآخرين، لذلك وجدت نفسها أخيراً، وحيدة، لأنها أرادت أن يكون العالم واضحاً، تشكّله حسب منظورها الفكري الجميل، لكنها عندما وجدت نفسها غير قادرة على تنظيف العالم، وتنقية من حولها، انتابتها مشاعر الخواء، لعدم قدرتها على التغيير على الرغم من امتلاكها أدوات الوعي والإرادة.

***

ثمة نماذج واضحة متعدّدة في شخصيات الرواية السورية، خدمت أفكار كتّابها وحققت الأغراض الفنية للعمل الأدبي. فـ " ياسمينة " في رواية " أزاهير تشرين المدماة " لـ " د. عبد السلام العجيلي " الشخصية الأنثوية الوحيدة في رواية ذكور بسبب طبيعة حدثها، قد حملت في جوانحها بذوراً إنسانية، باعتبارها العنصر النسائي البارز في الرواية، وربما يعود السبب في ذلك إلى أنها تمثّل البعد الإنساني لحدث الحرب. فتتطوّر وتتفاعل مع الأحداث، وتبتعد عن نمطية الشخصيات الأخرى، وتجريديتها.

 

لقد تعمّد الروائي إظهار الممرضة على هذه الدرجة من الوضوح، فسلّط الأضواء على شخصيتها لتكون عمقاً لحدث الحرب بأبعاده الوطنية والقومية، فتطالعنا منذ البداية امرأةً في أواسط العمر تشرف على علاج الضابط. ذات وجه يتسم بالحزن الممتزج بالغموض، والتجهّم الدائم، مع الإيحاء بالصلابة الكامنة.

 

ومن خلال أحاديثها مع الملازم " سامي " وتأثّرها بأحداث الحرب التي تتسقّط أخبارها من مرضاها الضباط، تكتشف - في لعبة درامية - أن زوجها السابق استشهد في الحرب، فتتحوّل تدريجياً، وبصمتٍ إلى امرأة قادرةٍ على مواجهة الحياة بإرادةٍ قويةٍ، وأملٍ كبيرٍ " (16)

ويسم الوعي والوضوحُ شخصيةَ " هالة " في رواية " ثم أزهر الحزن " لـ " فاضل السباعي " فتبدو أنثى متفتّحة على الحياة، تتطوّر حسب تدرّجها في مراتب العمر، وتساير التيار العصري، وتخالف أنماط الحياة التقليدية في الحيّ الشعبي الذي تسكن فيه مع أسرتها الفقيرة المكافحة، حتى تقترب من ملامح فتاة عصرية جديدة من خارج بيئتها، فتتساهل في مسألة الشرف التي غرستها فيها أمها، وقد رُسمت أبعادها الأنثوية العاطفية والفكرية بدقّة وعمق. لذلك " لم تكن نمطاً اجتماعياً فقط، واستطاعت بما توافر لها من الحيوية الداخلية، و أصالة الإدراك، وتنوّع التجربة أن تكون جيلها ونفسها في وقت واحد. إنها الصورة الحلبية لـ " إليزابيت بينيت " في رواية (الكبرياء والهوى) ليس لها ما للطالبة الإنكليزية من قوة الشكيمة، وعمق النظرة، والإباء الداخلي، ولكن لها من الاستقلال والشخصية، وذكاء الفطرة، وصفاء النفس ورشاقة الحركة، ما يجعلها شخصية لا تنسى. وهي بعدُ، مثل (إليزابيت) كانت أوعى فتيات الأسرة، رغم أنها لم تكن كبراهن، وكانت أكثرهن تأثيراً بأحداث حياتها، وكانت قصة حبّها أكثر تعقيداً من أخواتها، وأبطأ نتيجةً " (17)

إن " هالة " عانت من اليتم والفقر. عاشت مع أم أرملةٍ وأربع أخوات وأخ قدِم بعد رحيل الأب. لكنها اتخذت سبيلها إلى التعليم بدأبٍ وكفاح، فلما حصّلت شهادةً تؤمّن لها مكانةً في العمل، نزلت إلى القاع الميداني، وأوجدت مصدر رزقٍ، هدّأ من روع الأسرة بعض الشيء.

 

وفي غمرة العمل. لم يهمل الروائي عواطف قلبها، فقاد إليها " سميراً " الذي التقته به في إحدى المكتبات العامة في مدينة حلب، ومالت إليه لأنها تجمعها به هواية المطالعة الأدبية، ثم توطّدت العلاقة بينهما، وكانت النقلة الأولى المميّزة في العلاقة العاطفية اصطحابها لـه إلى دمشق، بعد نجاحها في الثانوية، بغية مساعدتها على التسجيل الجامعي.

 

لم تشذّ " هالة " عن مرحلتها، إذا كانت قد شذّت عن أعراف مجتمعها المحافظ الغارق في محلّيته، وقد أتاحت لها الدراسة، والمطالعة أن تزداد ثقتها بنفسها، وتتقمّص شخصية البطولة، فعاملت صديقها بندّيةٍ. . تحفظّت في البداية في علاقتها معه، ثم بعد السفر، سمحت لـه بلثم يدها، وكما تنقّلت في مراحل الدراسة خطوةً خطوةً، فإنها اتبعت في توطيد حبّها لـ" سمير " سياسة المراحل، فلم تندفع إليه كليةً، لتجاري شخصيات الروايات الأنثوية، وبطلات الأفلام، في المرحلة الرومانسية التي وجدت فيها، مع أنها كانت تتوق إلى الدخول في مثل تجارب فتيات مرحلتها، وظلّت خائفة من الإقدام، لأن جذوراً للماضي ما زالت تمور في أعماقها، فهي ابنة المجتمع الشعبي التقليدي في خمسينيات القرن العشرين.

 

ثم في مرحلة لاحقة صعّدت من جرأتها، وهي ترى نفسها منجذبة إلى صديقها بجواذب لا تقدر على كبحها، فسعت إليه بقدميها، ودخلت عرينه، لتتوّحد معه في قُبَلٍ محمومة، تركت مياسمها على روحها إلى أمد طويل.

 

ثم في مرحلة أخرى، كانت الخلوة الثانية لأنثى وذكَر (عازبين) شبقين، وجدا نفسيهما يتعرّيان، فتمكّنه "هالة " من نفسها، ولكن بوعي وحرصٍ شديدين، خرجت من التجربة اللّذية محتفظةً بعذريتها.

و (العذرية) في منظورها شيءٌ لـه قدسية وطهارة ونقاء، وفقدانُها دنسٌ، لكنه لا يصل إلى مرتبة (فقدان الطهارة) لذلك ظلّت تعتزّ بأنها عذراء، وأنها ابنة الأرملة " كوثر " التي توّجتها حلب (أمّاً مثاليةً) في حفل رسمي وشعبي بمناسبة عيد الأم. والشيء الذي حرص عليه الروائي في شخصيتها الواضحة، هو: نقلها تفاصيل علاقتها العاطفية مرحلةً بعد مرحلة إلى أخواتها المراهقات، اللواتي تثيرهن مثل هذه العلاقة، وتدهشهن في مرحلةٍ اجتماعية، كانت فيها حلب تحاسب الفتاة على النظرة، وتذبحها إذا تجاوزت النظر بقليل.

***

وعمدت " كوليت خوري " إلى رسم شخصية " ريم " المحورية في رواية " أيام معه " بريشة الناقد الفنان، وجعلت منها لوحةً صارخة الألوان، تألّقت فيها الأنثى السورية لأول مرّة في الرواية بعد مرحلة " شكيب الجابري " بوعي وجودي، جسّدت من خلالها خفايا المجتمع البرجوازي الشامي، وعبّرت عن رؤى أبنائه وبناته، لقد سعت الكاتبة إلى تخليص الشخصية المحورية في الرواية (ضمن مجتمعها) من النمطية والرتوبة والانصياع الأعمى للناموس الوضعي مستندة – في تلك الغاية - على ذكائها وفرادتها ومقدرتها الأدبية، حيث دفعها تمكنها إلى التقاط المفارقات التي تزخر بها حياة الشرق خصوصاً والحياة الإنسانية بصورة عامة , فكانت الصراحة والوضوح سمةً بارزة من سمات الشخصية، تبرز في مواضعها المناسبة من الرواية، في مقابل الجوانب النفسية التي تطلّبت الإخفاء، وعدم الكشف.

لقد صرخت " ريم " في وجه الرتوبة، المتمثّلة بكل المؤسسات الاجتماعية والثقافية، وتطلّعت إلى ثورةٍ في انطلاقة الأنثى لبلوغ حريتها، وثورةٍ في التعليم، وثورةٍ على العادات والتقاليد التي تعيق الانفتاح على العصر. . وثورة في المساواة بين الجنسين، فترتفع نبرة احتجاجها، لتدين النظرة التي تفرق بين تصرف الرجل وتصرف الأنثى، ولتؤكد على أن المجتمع يكيل بمكيالين: " هذه هي الحال في بلدي، يقولون: ريم أو هدى أو حنان كانت مع شاب، ولا يقولون أبداً: زياد أو حسن أو يوسف كان مع فتاة. . عيون الناس تراقب الفتاة دائماً لا الشاب. " (ص 105)

ولأنها شخصية حيوية " ديناميكية " لم تكن تستقرّ على حال، وليس معنى ذلك تطوّراً في شخصيتها، وإنما هي - كشخصيةٍ - تمثّل التطوّر نفسه منذ السطور الأولى في الرواية وحتى الأخيرة، وعلى الرغم من كل ما تمتّعت به من مزايا تفتقر إليها أنثى الخمسينيات السورية، فقد ظلّت تشكو من الملل والفراغ، مع أنها جميلة، وجذابة، ومفرطة العاطفة " أنا امرأة، يعرف أنها دوماً بانتظاره " ص (212)

إن " ريم " تطلب الحبّ، لأنها ظنت أنها ستجد نفسها وشخصيتها فيه، لكنها ما إن خاضت غماره حتى اتضح لها أن العالم ليس حباً فحسب، وإنما هو عطاء ومشاركة وتكامل، لذلك ازداد فراغها، وتضخّم قلقها، وانتابها الشعور بالاغتراب، وبصورة خاصة بعد أن خاب سعيها في امتلاك " زياد " الموسيقي الكهل. .

إن شخصية " ريم " على جانب من الوعي والوضوح حتى إنها تبدو واضحة في حالات قلقها ومللها، وإذا رحنا " ننظر إلى شخصيتها من الداخل، ونأخذ بعين الاعتبار البعد النفسي في هذه الشخصية، ينتفي لدينا الاعتقاد بأن هالةً من الظلمة المصطنعة، تحيط بشخصية " ريم " وتتضح أمامنا هذه الشخصية، ذات الأبعاد المتعدّدة، والمركّبة، وبالتالي تستحوذ تلقائياً على اهتمامنا الجدّي " (18)

لقد أثارت شخصيةُ " ريم " النقادَ الذين احتفلوا بميلادها في الرواية السورية، فصنعوا لها مهرجاناً نقدياً لم تحظ بمثله روايةٌ سورية من قبلُ، وربما من بعدُ، شارك فيه نقاد من سورية وفلسطين والأردن ولبنان والعراق ومصر..

***

وقد لا يكون الوعي والثقافة دائماً سبيل الأنثى إلى جاذبية الشخصيات الأخرى، فالجمال الأنثوي، والحالة النفسية للذكَر تلعبان دورهما في العلاقة بين الجنسين، مصداقاً لمقولة الحبّ من أول نظرة، فاجتماع الجمال مع الوعي ذو أثر كبير في وضوح الشخصية ووضوح أهدافها، فإذا غاب الوعي عن الأنثى غدت دميةً أو شخصية نمطية، وانعكس ذلك على صديقها أو شريكها سلباً، كما يتضح في شخصية " دينيز " فتاة النافذة في رواية " الثلج يأتي من النافذة " لـ " حنا مينه " والنافذة في بعدها الرمزي كشف ورؤية وانفتاح على العالم، حيث أطلّت الفتاة من نافذتها بجسدها البضّ وذراعها العارية - وتعرية الجسد لون من ألوان الوضوح في الرواية الجديدة - على " فياض " الملاحق سياسياً والمختبئ في منـزل صديقه في بيروت، فكانت شخصيتها رمزاً للحرية والحب والأمل، استطاعت أن تغرسه في نفسه، وتخرجه من عزلته القهرية، وقد أضفت بحيويتها وجرأتها وصراحتها على الرواية بعداً جمالياً تزيينياً، كان لازماً لتطرية الأجواء الأمنية القاتمة، والتي أصابت " فياض " بالخواء والجفاف.

وقد تعاطف الروائي " حنا مينة " مع شخصية " دينيز " " كعادته مع كل أنثى تبيح نفسها للآخر، وسلّط عليها الأضواء حتى لم تبق زاوية داخلية أو خارجية فيها إلاّ كشفها وعرّاها، فتضخّم لديها الإحساس بقيمة الجمال وأنوثة الجسد على حساب الوعي.

***

إن القارئ يمكن أن يلحظ شبهاً لبعض الملامح الأنثوية التي اتسمت بها شخصية " دينيز " لدى " هيفاء " في رواية " جيل القدر " لـ " مطاع صفدي - إذ اندفعت الاثنتان نحو الذكر، مع فارق في قوة الاندفاع لدى الثانية، ورومانسية البعد العاطفي لدى الأولى، وتشترك الاثنتان في تحويل الذكَر عن وجهته، وإغراقه في الحب، فإذا كانت " دينيز " قد جعلت بريق النضال يخمد في عيني " فياض " فإن " هيفاء " ذات الشخصية القوية، والجاذبية الأنثوية الكبيرة " كان تأثيرها على " نبيل " صاعقاً " وهذا من مستلزمات الشخصية الوجودية التي برع الكاتب في ترسيخ ملامحها في الرواية السورية. إذ استطاعت أن تقلب حياته رأساً على عقب. وتثنيه في غمرة جسدها عن تفكيره الجادّ، وخطط نضاله، ومشروعه الحزبي، وتصرفه عن القراءة، وتشغله عن الإبداع، وتغرقه في متاهة الجنس. بعد أن كان يفكر في تنظيمها معه في صفوف الحزب.

إن " هيفاء " قبل أن تنخرط في حمأة الجنس، وتصير إلى حالة مرضية - كما سيتبيّن في دراسة الملامح النفسية للشخصية - كانت ذات رؤية فكرية، أو مشروع مستقبلي، وكان سبيلها إلى ذلك، الوضوح والكشف، وقد توهّمت أنها من خلال " نبيل " وهي سليلة الثراء، ستحقّق ما تصبو إليه، وتخرج من تقليدية المجتمع، لكنها لم تكن مسلحةً بالأدوات اللازمة من الوعي الطبقي. شأنها في ذلك شأن " باسمة " في رواية " باسمة بين الدموع " التي اتخذت من جسدها مطية تريد بها الوصول إلى هدفها، فآل حالها إلى الإخفاق والخيبة، ومن ثم الانتحار؛ النتيجة المأساوية والطبيعية لمعظم شخصيات " جيل القدر ":

" - أرأيت يا نبيل - يجب أن يكون (الحبّ) شيئاً آخر. يجب أن نكشفه معاً. " ص (15)

" - إنك تفتش عن الأصالة. أليس كذلك يا حبيبي... إنك لا تعلم على وجه التحديد. ماذا تعني الأصالة ؟. . " ص (263)

 " نبيل: إشارة كبرى لنا. إشارة نسميها البعث. أتفهمين هذه الكلمة ؟ "

" هيفاء: أفهمها. ولكن. هناك ما يشبه الصدى المستمر الداوي لها في النفس... . إنها كلمة تُفهم بإيقاعها، ككل الألفاظ الكبرى... ". ص (174)

إن رؤية " هيفاء " كانت واضحة، وقد تجلّت في تصميم مخططها السياسي، الذي وضعته مع " نبيل "، ومن ثم حين الإقدام على تنفيذه، وجدت رجال المخابرات واقفين لها بالمرصاد. .

" لقد سرقوا فرصتنا الوحيدة. . لقد قضوا علينا. لقد أضاعوا حياتنا ". ص (269)

إن " هيفاء " هي الشخصية الثانية – طباق " نبيل " - شخصية الرواية المحورية- سليلة أسرة شديدة الثراء. ترتبط مع " نبيل " بعلاقة حبّ. أرادها الاثنان مختلفة. لكنها كانت مغامرة محفوفة بالمخاطر. نظراً للفوارق الاجتماعية التي تفصل بينهما " (20)

لقد كان من أهمّ سمات شخصية " هيفاء " الصدقُ، وقد عوّلت عليه في بداية بناء علاقتها مع " نبيل " التي تتجاوز فيها طبقتها:

 "... تجربتي معك هذه لأصدق دليل على أنني أستطيع أن أكون أنا، ولا أكون طبقتي، أن تكون لي ميزاتي الخاصة ".

 

وتستأنف:

" وألاّ أستقي كل ذلك من شيء أعم مني، خارجي عني " ص (165)

إن سمة الصراحة والوضوح لم تفارق " هيفاء " حتى في أخطر المواقف التي مرّت بها، فتعبّر عما في داخلها، وتكشف عن خبايا نفسها، وتعترف لـ " نبيل " تعبيراً عن حبّها وأحلامها، وولائها .

لقد تعمّد الكاتب أن تظهر " هيفاء " بهذه الصورة الواضحة، التي تستلزمها الشخصية الوجودية، لإظهار أبعاد المفارقة الأيديولوجية، التي تعيشها شخصيات الرواية، على الرغم مما يتطلّبه العمل الحزبي من سرية، بغية تضخيم الصورة المظلمة لرجال الأمن، وهو بذلك يوظّف صفة الوضوح، للتعبير عن مواقف الشخصية الروائية التي تحمل مشعل الثورة، للتنوير والتغيير.

وقد حاول الكاتب أن يربط بين شخصية " هيفاء " وبين شخصية أنثوية ثانية في الرواية هي " ليلى " لإظهار الفروقات الاجتماعية والشخصية، مع أن الاثنتين عاشتا أحلام مرحلة سياسية واحدة، إلاّ أن القارئ يدرك بيسرٍ، أن " ليلى " ليست سوى تنويع أنثوي لـ " نبيل " مع أنها أشدّ حدّةً، وربما دراميةً، على الصعيد البنيوي – كل ذكاء وفعالية المرأة – كان يمكن أن يلعب دوراً كبيراً. " (21) .

ومثل " هيفاء " و" ليلى " " تلجأ " نادية " الشخصية المحورية في رواية " الوطن في العينين " لـ " حميدة نعنع " إلى البوح، لجلاء دخيلة نفسها. حين تلوذ بالنضال والكفاح المسلّح، لكنها حين تخفق مساعيها في المنظمة، ويخيب أملها في الرفاق والقادة. تنكص إلى الجنس، مُنتحيةً إلى " نبيلٍ فرنسي عجوز تتخيّل في أحضانه ماضيه البطولي، و سرعان " ما تكتشف زيف أخيلتها في نرجسية مرضية، تنمّ عن شخصيةٍ متمرّدة، شديدة التفرّد (22) : " إن العالم ينبثق من داخلي، ويتوزّع على خيوط النور، في الوقت الذي أشاء. هذا ما منحني لفترةٍ طويلة إحساساً بالتفرّد، يقترب من النرجسية المطلقة في لحظات خطرة من عمري. " ص (9)

***

وتتميّز شخصية " ندى " في رواية " المغمورون " لـ " عبد السلام العجيلي " بشدة الوضوح، فهي شابة " عبلة القد، قوامها فوق القصير ودون الطويل، حنطية البشرة في تورد ذات شفتين حسنتي الارتسام على دقتهما. . بيضاء البشرة، بوجه ممتلئ ومورد وبعينين شهلاوين " وهي على الرغم من منبتها البرجوازي، تعمّدت النـزول إلى القاع الاجتماعي الميداني، الفلاحي والعمالي، فتركت مجتمعات المدن الصاخبة في دمشق وبيروت، وانجذبت للإقامة في منطقة سدّ الفرات، ثم اندفعت في حبّ سائقها، وظهرت معه بمظهر الأنثى الوجودية، فتطلب إليه صراحةً أن يقبّلها، وحين تجده جاهلاّ في فنّ التقبيل تعلّمه أصولَه.

 

ويظهر جلاء شخصيتها على أشدّه في حوارهما، وهما يفكّران في شراء بيت السكن الذي سيضمهما بعد الزواج، إذ تعارض " عثمان " في الموقع الذي اختاره، لأنه قريب من المسجد، ولأن المؤذّن يمكن أن يراها عندما ستتعرّى على سطحه، كلما أرادت أخذ حمام شمس.

 

إن " ندى " أنموذج للأنثى التواقة للعطاء، تدفعها إليه نزعةٌ إنسانية خيّرة، لكنها بسبب جذورها الطبقية تنشدّ للانعتاق، والعودة إلى عالم الترف والثراء والسهر، فتعيش ردحاً من الزمن نهباً لمشاعر التقدّم والتقهقر كي " تجسّد نموذجاً جهيراً للوعي الناقص، والمدجّج بأوهام ممثليه، عن لا طبقية المجتمع، والذي يحمل في داخله تناقضات كثيرة، ما تلبث أن تسفر عن أقنعتها حين ترتطم بالحقيقة. أو حين تجد نفسها في مواجهة الاختيار بين ما تقول، وما تفعل. لقد كانت علاقتها بـ " عثمان " [ الفلاح / البدوي / السائق] تعبيراً عملياً عن رغبتها في التحدّي، في المغامرة فحسب. ولم تكن صادرةً عن وعي بجدوى ما تفعل. بل عن ضيق بقيم الطبقة التي تنتمي إليها. ضيق غير مزوّدٍ بمرجعياتٍ فكرية. " (23) وهذا ما حوّلها من شخصيةٍ جاذبةٍ عندما كانت تقيم علاقتها العاطفية والمنطقية مع " عثمان " ابن منطقة السد، إلى شخصية مدنية وصوليةٍ من منظار القارئ، تعود بها إلى وسطها الثري، وطبقتها الاجتماعية التي هزّتها جذورها منذ أن اقترب منها ابن المدينة، المتعهد " أنيس " وقد أدانها المؤلف بصورة غير مباشرة، عبر السرد، ويمكن أن يعدّ تقلّبها من طبقة إلى طبقةٍ ثم عودتها إلى ما كانت عليه، وسيلةً قصدها المؤلف، بغية إلقاء الضوء على هذا النموذج الاجتماعي المثقف، الواضح والمتطوّر، لأن انقلابها من حال إلى حال مغايرة من شأنه أن يغني الحدث، ويؤثّر على الشخصيات المرتبطة بها.

لقد رُسمت شخصية " ندى " بملامح مجتمعها، ونمّت تصرفاتها عن التقلّب الواضح، وظهور سمات الاسترجال.

 

وكما نشذت شخصية " هالة " لدى " السباعي " عن تقاليد مجتمعها الشعبي المحافظ، واتبعت أسلوب المصارحة والمكاشفة مع أخواتها في علاقتها مع صديقها، كذلك نشذت شخصية " ندى " لدى " العجيلي " عن معطيات وسطها المترف لتجرب حياة الكدح، لكن ثمة شخصيات أنثوية في الرواية السورية كنّ واضحات من دون تغيير جلودهن، فالشخصية الأنثوية المحورية " أمل " في رواية " بارقة أمل " لـ " حنان أسد " تختلف عن بقية الشخصيات الأخرى بشدة وضوحها وشفافيتها المرسومةٌ بملامح بيئتها الواقعية العادية جدّاً، النقية الوجه من دون أصباغ، ولا تسريحات شعر، ولا صرعات أزياء، ولا عروض مفاتن الجسد، وهي شخصية نادرة في الرواية السورية، نظراً لخصوصيتها الأنثوية، وعدم احتفاء الكاتبة، الغضّة الأدوات، بالصورة المثالية للأنثى التي يحرص عليها معظم الكتاب، وتتجلّى واقعية الشخصية وعاديتها المغرقة في البساطة، والبعيدة عن التسجيلية (الفوتوغرافية) في التعبير عن الأحاسيس والمشاعر التي تنتابها بحلوها ومرّها، كما نحيا فيها في الحياة اليومية (بغير رتوش) ، وكما نقرؤها في الروايات الواقعية أو نشاهدها في البيوت المستورة.

 

إن ظروف " أمل " الأسرية والاجتماعية والعاطفية والعلمية كثيرة الشبه بأحوال مواطنتها " هالة " في " ثم أزهر الحزن " فالفتاتان من بنات مدينة حلب، نشأتا في أسرتين محافظتين وحيين شعبيين، وكلتاهما عانى من الحرمان الأبوي، إلاَ أن حرمان " هالة " كان بسبب اليتم، بينما كان حرمان " أمل " بسبب تفرّق الأبوين بالطلاق، ومن ثم زواج كل منهما بعيداً عن البنت، وكما سعت الأولى إلى العلم والجامعة، فقد سعت الثانية إلى الجامعة أيضاً، أما في مجال العلاقة العاطفية، فإن كلا الفتاتين شادت علاقة مع شاب يماثلها في السن والتوجّه العلمي، أو الأدبي، واتبعت أسلوب المصارحة مع أهلها، وكما كما كانت " هالة " تنقل أخبارها العاطفية بأمانة إلى أخواتها، كذلك كانت " أمل " تزور أمها بين حين وآخر، لتطلعها على مدى علاقتها بالشاب الأول الذي رغبت بالارتباط به، وتسمع نصائحها " أنصحك ألاّ تنحرفي بمشاعرك. تريّثي قليلاً وضعي في ذهنك حساباً لكل شيء كيلا تصدمي يوماً بحقيقة لم تخطر ببالك. . " ص (59)

كانت " أمل " ابنة واقعها الاجتماعي المرن على الرغم من شدة محافظتها، فقد أقامت علاقة عاطفية مع زميلها " علاء " في الجامعة، حيث توسّمت فيه الخير، وربما انجذبت في البداية إلى ثرائه أو طبقته، فتمنّت أن يكون شريك حياتها، ومنحته قلبها، ولكنها حينما لمست طيشه، أدركت أنه لا يريد منها سوى اللهو والمتعة والانسياق وراء نزوات الجسد العابرة، وتركته، فساق إليها القدر " غيث " شقيق صديقتها " علا " فبادلته حباً بحب، لكن " أم غيث " حالت دون الزواج لأنها لا ترغب في أن يكون ابنها زوجاً لامرأةٍ أمها مطلقة.

 

إن " أمل "" مثل أيّ فتاةٍ في بداية تفتّحها على تجربة حبّ تكتشف بعدها أنها مخدوعة، فالشاب الغني، لم يكن يريد من هذه العلاقة سوى التسلية، وأن يفوز برهانٍ مع صديقه، في حين كانت تحلم مثل غيرها من الفتيات بالزواج، وبناء أسرةٍ، لا تعرف التمزّق الذي عانته. لذلك يتعاطف المتلّقي مع هذه الشخصية التي تبحث عن كل ما هو أصيل في الحياة، وترفض الزيف والعبث، برغم شبابها الغضّ.

 

[ وهي ] تنتمي إلى البيئة الشرقية في لغتها، وفي معتقداتها وسلوكها. إذ لم نجد المرأة اللاهثة وراء حريتها، وفق النمط الغربي، ولم تبدُ شخصية المرأة العربية في مفاهيمها وسلوكها، صدى لشخصية المرأة الغربية. (24) .

 

وهي بانتمائها المحافظ، تجد المفارقة شاسعة بينها وبين الشاب الأول الذي أراد أن تكون العلاقة بينهما قائمة على تحقيق رغبات الجسد ونزواته، التي بدأت تسود المجتمع الجديد في نهايات القرن العشرين، ولكن على الرغم من مرونة " أمل " في العلاقة العاطفية عبر بيئة الانفتاح الجامعية، فإنها ظلت مقيمة على مبادئها التي نشأت عليها، فلم تتخلخل رؤيتها للشرف والأخلاق، وما تلبث أن تشعر بالندم حين تكتشف أن علاقتها مع الشاب الذي أحبته علاقة ضدية، وأنها خدعت بمن توسّمت فيه الخير: " كلما تذكرته وتذكرت الأحداث أسفت على ضلاله، وتراءت لي حقيقة كل تصرفاته. . لقد حاول استجراري على مهل كيلا أشعر بتغيّر في تصرفاتي. أغواني بالخروج معه إلى المطعم، وللأسف فعلت. . وكانت هذه فاتحة مآربه. . تظاهر لي فيها بكل حب عذري، أوقعني في شراكه، ثم بدأ يطلب مني التنازلات. . لكنني عملت جاهدة أن أردع نفسي عن كل رذيلة، وأن أستبعد النار بتجنّب مستصغر الشرر. . وأحمد الله أنني نجحت في ذلك. . " ص (128)

تحرص الكاتبة الشابة على صياغة (أنثى معاصرة) ولكن وفق الأنموذج المحافظ على قيمه، لذلك تبدو شخصية بطلة الرواية نموذجية، أو مثالية، تمتعت بجميع صفات البطولة للشخصية الروائية التقليدية التي يريد المجتمع المحافظ تحقيقها في بناته، وينظر إلى سلوكهن وعلاقاتهن بوصفها جزءاً من الموروث الديني والثقافي، ولذلك ربما لمس القارئ أسلوب الوعي والتوجيه الذي يسم أقوال هذه الشخصية الشابة التي يمكن أن يتلفّظ بها شيخ طاعن في السن، كأن تقول: " ولشدّ ما يعوز الشباب الكوابح (الفرامل) لا ليضعها تحت قدمه، بل ليضعها في جمجمته، وبين أخلاقه... أخلاقه التي تتهافت، وتتراكض، وتكبر وتنضج وتسبح في بحر السماء... تصبح أشجاراً يانعةً، وأسراباً من الطيور مغرّدةً، وأشياء كثيرة، قد لا ترى منها على أرض الواقع إلاّ القليل... "

ص(54)

لقد ركّزت الكاتبة الشابة على جانب الأمل لدى شخصيتها المحورية، وسارت بها في دروب الواقع، من دون مبالغة أو تكلّف. معتمدة على تطلعاتها الذاتية، ومنطلقة من فرديتها المتميّزة، التي تناهض الزيف، وتحارب المغالطات التي يراها شباب الجيل أشياء صغيرة، وعنواناً للحضارة، بينما هي تراها من منظورها الصحي السليم أشياء كبيرة، والتفريط بها يؤدّي في الحقيقة إلى الضياع، لذلك كانت تميّز بين القيم الأصيلة الموروثة، وبين المستحدث من العلاقات، التي لا تنطوي على أدنى حدود المسؤولية.

لقد جسّدت " أمل " موقف الأنثى المثقفة الواعية، المتزنة من الحياة، التي عارضت أن تكون الفتاةُ فيها انعكاساً لمعطيات الثقافة الأوربية المتحرّرة بغير ضوابط، ورفضت نظرة المجتمع الإنكليزي التي جسّدها" شكسبير " في شخصية " أوفيليا " ذات الجسد الشهي، والذي حفظته من الدنس، فطالب الذكور بموتها، لأنها تمثل البراءة والفضيلة، التي لا حياة لها في مجتمع الزيف والخديعة. ولتحاول الكاتبة أن تثبت في السنوات الأخيرة من القرن العشرين ملامحَ الفتاة العربية المسلمة في المجتمع السوري، وتؤكّد وجودها، على الرغم من طغيان وجود الأنثى ذات النـزعات التقدّمية التحرّرية في الرواية والمجتمع.

 

لقد عشقت " أمل " الوضوح، ووضوح شخصيتها كان تتويجاً لسلوكها المتوازن، وقد وظّفته الكاتبة كي يكون المعادل الموضوعي للشخصيات الأنثوية الساقطة الأخرى، التي تتسم تصرفاتها بالسرية، فتُظهر في واقعها المكشوف عكس ما تخفي من أفعال اقترفتها في الخفاء (والضدّ يُظهر حسنه الضدّ) .

***

في كثير من النصوص الإبداعية " عزفت الرواية السورية عن أن يكون جمال المرأة عنصر الجذب فيها، وتشبّث [ الكُتّاب] بعنصر الوعي، وجهدوا في ترسيخ استقلالية الشخصية النسوية "(25) لأن هذا الوعي يعدّ من أهم عناصر الجذب وهو لازم، لوضوح الشخصية وتميّزها، وتفرّدها، ولأنه يتغلّب " على الأنوثة والجمال - لذلك - تشبّث الروائيون به " وجهدوا في استقلالية المرأة النسوية، فرواية " الخروج من دائرة الانتظار " لـ " ملك حاج عبيد " حرصت طوال صفحاتها على أن تجعل من النضج الفكري عنصر الجذب لدى " ناديا " التي تنافس أحمد وعلاء وطارق وسامي، وتشاركهم الطعام والسهرات، وتزور طارق وسامي في منـزليهما، وتنجح في إقناع أصدقائها باتزانها ووعيها وقدرتها على إقامة علاقات طبيعية معهم، مما يجعلهم ينجذبون إليها، ويحترمونها. بل إن الحبّ الذي ربطها بطارق لم ينهض على جمالها، وإنما نهض على نضجها الفكري نفسه... .

 

ولم يمنع " رعدية " في رواية " أصوات الليل تمتدّ بعيداً " لـ " عبد النبي حجازي " من الرضوخ لمشيئــة " الدوســري " غير وعيها بالأثر المدمّر لظلمه، وقدرتها على تحمّل المشاق، في أثناء مواجهته " (26)

ويؤكّد " د. سمر روحي الفيصل " أن " قمر كيلاني " في روايتي " الأشباح، و الدوامة " حرصت على (وعي) الشخصيتين " سامية، وليلى " ولم تهتمّ بمظهريهما، على الرغم من جمالهما الواضح للعيان، وركّزت على (الوعي) و (الفكر) وجعلت منهما عنصر الجذب في الشخصية " وفي هذا تعزيز روائي للموقع الحقيقي للمرأة. هو موقع التأثير في الآخرين بوعيها، وليس بجمالها. كما جرى العرف الروائي القائل: إن جمال المرأة هو العنصر الوحيد الذي يجذب شخصيات الذكور. مما يشير إلى أن " قمر كيلاني " حرصت في الروايتين على مخالفة الاهتمام بمظهر المرأة ، وسعت إلى توسيع الاهتمام بفكرها ووعيها، وقدرتها على الإسهام في المجتمع. "

ولا يقلّ عن ذلك موقف " نعمة " في رواية " الوجه المكسور " لـ " ابتسام شاكوش " التي قاومت وحشة غياب الأبوين، والفقر والحاجة، وتحرّشات الرجال، وإغراءات المال، ونزوات الجسد، ولم يكن الوعي والنضج الفكري وحده، هو الذي حفظها من التهوّر والسقوط، وإنما كان الوازع الديني معيناً للأنثى لا ينضب، يمدّها بأسباب الصبر والصمود، والقوة التي تجابه بها فساد المجتمع، وشهوة الذكورة , فتحاور قريبها الكهل الذي يغريها بالمال:

" - تزوجني إذا كنت حقاً تحرص على حمايتي.

- الشرع أباح لك الزواج بأربع.

- الشرع ؟ ذلك الوهم الذي يتكئ عليه ضعاف النفوس. ومن يحذو حذوهم.

- نعم الشرع. نحن مسلمون.

- مسلمون ؟ هه ! بالهوية فقط. حتى البطاقات الشخصية الحديثة ما عادت تذكر الدين.

- لكننا مسلمون شئنا ذلك أم أبينا، والمجتمع الذي تتحدّث عنه تحكمه أعراف مستمدّة من الإسلام. قد يستنكرون زواجك الثاني. لكنهم سيسلّمون بالأمر حين يجدونه واقعاً. لأنه ليس حراماً. " ص (27 - 28)

إن شخصية " نعمة " وقف فيها الإيمان داعماً قوياً للوعي، فلم تتهاون، ولم تنخدع، ولم يزلزل المال قيد شعرةٍ من ثقتها بنفسها، وقد أوضح المشهد الحواري مدى إيمانها الذي ينمّ عن شخصية واقعية، واضحة، تسمّي الأشياء بأسمائها، فترفض العهر، وتقبل الزواج، وتختار الفقر مع الشرف، وتفضّله على المال مع السقوط، ولهذا كانت شخصية غير نمطية، وأنموذجاً أنثوياً فريداً في روايات الأيام الأخيرة من القرن العشرين، نظراً لتمسّكها بالأخلاق، وتشبّثها بالإيمان، والتفاتها إلى الجذور الإسلامية التي نبتت منها، ولعل تفرّدها، وندرتها يتّضحان في موقفها النهائي من الانحدار الخلقي الذي فضّلت عليه السلوك الفاضل، ولو أدى بها إلى العنوسة، والانقطاع لخدمة المسنين في دار العجزة.

***

أن موقف " نعمة " من الرجل، ينمّ عن شخصيتها، وتصوّرها العقلي المتزن لطبيعة العلاقة بينها وبينه، وهذا يأخذ بيدنا إلى وضوح الأنثى الذي يتجلّى في الصدق في التعبير عن المشاعر، أو التعبير عن حرية الرأي، وقد توقفّت الرواية السورية عند هذه المسألة، وأولتها أهمية بالغة، فلا تكاد تخلو رواية من شخصية أنثوية أو أكثر من شخصية واحدة، تثير مسائل الحرية الشخصية والعامة، وهموم التحرّر الجسدي. التي آلى الروائيون على أنفسهم أن يطلقوا الأنثى من عقالها، ويحلّوا عقَد لسانها، لتعبّر عن معطيات عصرها، وتمارس حقّها في الحياة العامة.

 

لكن ما يلفت النظر، في حرية التعبير، هو (الصراحة) الممتزجة بشيء من الجرأة في بعض الأحيان، التي تحاول أن تدخل بها الشخصيات الأنثوية إلى العصر، أو إلى الحداثة، ولكن من مدخل وحيد، يتكثّف في التعبير عن الأسلوب الذي تريد اتّباعه، في تعاملها مع (الذكر/ الفحل) خارج المؤسسة الشرعية، من جهة، وتعاملها مع (الرجل / الزوج) من جهة أخرى. . ومن الطبيعي أن يكون وجود الفئة الأولى، التي تصرّح بالتعامل مع (الذكورة / الفحولة) طاغياً، تجاه وجود الأنثى التي تنشد الستر والاستقرار، بعيداً عن الأضواء.

 

إن الشخصية تعبّر عن فكر مبدعها، ولمّا كان جلّ كتّابنا تقدّميين، أو يلبسون أزياء التقدّم، فإن مواصفات الحياة الاجتماعية تطلّبت منهم وجود الأنثى المتمرّدة الباحثة عن الحرية والتحرّر، والجري وراء متعة الجسد، فبلغت الجرأة بكثيرات منهن - في مجتمعات الرواية - أن يتحرشن بالذكور، نظراً ولمساً وتلميحاً، إذا لم يبحن بذلك تصريحاً، وليست (مومسات) روايات " حنا مينه " بدعاً، أو نسيجاً متفرّداً، وإنما غدا عدد كبير من إناث الرواية، وسيدات المجتمع الروائي، صريحات كامرأة العزيز التي تراود فتاها، حتى ليصحّ القول: إن عَرَق الدعارة يقطر من أردانهن. ونادراً ما نعثر على الأنثى النظيفة التي تحمل طهارة السيدة العذراء، كما يتبيّن في بحث حرية الجسد.

في رواية " ألف ليلة وليلتان " لـ " هاني الراهب " تختزل " أسمى " الطالبة الجامعية جميع مواصفات الأنثى الجديدة الواضحة، التي انعكست عليها مأساة النكسة الحزيرانية، فتمتلك الوعي الفكري التقدّمي، والجمال الذي يجذب الذكور إلى حلاوتها، والجرأة على المواجهة، والتحرّر الجسدي، فتتعرّى في غرفتها بكل بساطة، وهي تعلم أن ذكَراً من الجيران يختلس النظر إليها، ثم بالبساطة نفسها تدلف إليه في خلوةٍ شاعرية، وبهذه البساطة تقتحم الفتاة العذراء / طالبة الطبّ عليه غرفته، لتمارس الجنس معه أول مرّة " مثنى وثلاث " وتتوّج مواصفاتها بـ (الصراحة) النادرة، التي لا تنتمي صاحبتها للواقع المعاصر، بقدر ما تنتمي إلى عالم شهرزاد السحري، الذي استعارت الرواية عنوانها من لياليها الأسطورية.

 

تأخذ الصراحة لدى " أسمى " أساليب متعدّدة؛ منها صيغة الاعتراف الاحتجاجي الساخر، كأن تقول للشاب " علي " الذي حثّه أخوها " إمام " على التقدّم لخطبتها، فبعث من يفحصها:

" أعجبتك البضاعة ؟ "

". . أم خلف فحصتني جيداً. أسناني قوية ورائحة فمي لطيفة. جسمي جميل، خال من العيوب. ليّن في المحلات اللازمة، وصلب في المحلات اللازمة. أهلي سيوافقون - طالما تقبض راتباً ثابتاً. أمي سعيدة جداً لأنك أوصيت على غرفة النوم. سيكونون كلهم بالإجمال سعداء. من قبل باعوا أختي أمية، الآن يبيعونني أنا. الصفقة الأولى رابحة. أنت مدرّس. نواف ضابط". ص (72)

وتهزأ من تصرّف أهلها الذين منعوها من الانتساب إلى الجامعة، فتغافلهم وتنتسب:

" سمّوني أسمى. اسم حلو. منعوني من الانتساب للجامعة حرصاً على أخلاقي. نفسيتي مضطربة، كما ترى من حَبّ الشباب على وجهي. أحبّ الخنافس من المغنين، وعمر الشريف من الممثلين، وأموت في أم كلثوم بعد منتصف الليل. أدخّن واشرب العرق، إذا صحّ لي. أكره أمي وأبي وأخي، وأحتقر أختي. يكفي ؟ ". ص (73)

وتلجأ إلى المنطق الطبقي، والتهكّم الفاضح، في حوار الشاب البرجوازي:

" لماذا تريد أن تتزوّج. أستاذ علي ؟ ".

 

" أريد أن أعيش تجربةً مباشرة في هذه الدنيا، يا آنسة أسمى ".

" وهل الفتاة فأر تجارب ؟ ألا يخطر لك أن لها أفكاراً، أو رغبات خاصة، أو أن تجرّبك مثلما تجرّبها ؟ ". ص (74)

ولا تشعر بالخجل، وهي تنشر غسيل واقعها البائس:

" أهلي لا يعرفون أني طالبة. طالبة طب أسنان. سنة ثانية. ولكن يجب أن تعدني. انتهى ؟ وعد شرف ؟ أي. حالتنا تعبانة. . باختصار، ما عندي ولا كتاب، ولا أمل لي بشراء. . أي كتاب ". ص (77)

ثم تزداد جرأة وصراحة، إذ يعرض عليها نقوداً، فتأخذها، وتصارح أخاها بتفاصيل اللقاء والنقود، فلا يعجبه تصرّفها، لكنها لا تأبه:

" طالما أنه عرض ماله فسأقبله. لماذا لا أقبله ؟ رفضته هو. أنا ارفضه.. ولن أسمح لـه بأن ينظر إلي وكأنه متفضّل عليّ، ولكن من حقّي أن أكون شيئاً. . أرفض هذه. . أنا بلا عمل ولا أقبل أن أكون عالة على أحد". ص (80)

ولا تتورّع عن التصريح بفقرها لطبيب الأسنان، عندما قصدت عيادته لإصلاح أسنانها:

" تقول ببشاشة وبلا خفر: أنا أسوأ زبونة تدخل هذه الورشة. تصوّر أنك ستعالجني دون أن تأخذ مني أجرة. " ص (179)

وتعترف لـه بفقرها:

" بنت آدم من الدرجة العاشرة. أنا أعرف الفقر. خلقت بين الفقراء. . " ص (217)

" أنا بنت فقيرة، جائعة. وأنت شبعان. . " ص (241)

ولا تخاف من مغبّة الإقدام على خوض التجربة الجنسية، وتحذّر الذكَر:

" انتبه. أريد أن أبقى عذراء " ص (238)

ولا تواري في رفضها عرض الطبيب في زواجها، بعد أن مارست معه الجنس، وانتشت " مثنى وثلاث ":

" نحن مارسنا الحب. فلماذا نتزوّج ؟ " ص (240)

" أنا لن أتزوّج. سأتابع دراستي في الجامعة. سأشتغل وأكسب عيشي بنفسي. سأكون مستقلة في علاقاتي. وعندما أجد من يعجبني العيش معه أكثر من العيش وحدي، أتزوجه وأمره إلى الله ". ص (216)

" أصلاً الزواج عندنا مؤسسة عفنة فاسدة، لا تحقّق لأحد شخصيته، ولا حريته. خاصة حريته الداخلية ". ص (241)

وتصل الصراحة بعض الأحيان إلى حدّ الوقاحة، عندما تكون معه في نزهة، إلى جانب أخيها وخطيبته في الغوطة:

" إذا أردت بوسة منك. أنا أعرف كيف أدبّر حالي. دبّر حالك أنت. "

ص(217)

هذا الكيان الحرّ، والمستقل، في الأنثى التي أفرزتها النكسة الحزيرانية، هو الشرط المادي الذي أسّست عليه " أسمى "خياراتها وحركتها، ولكن باتجاه الحياة، وليس بالدوران حول الرجل، وليس بانتظاره الأبدي، وقد اكتشفت بممارسة الجنس - على الرغم من الحفاظ على عذريتها - أنها تمتلك (كنوز فرح) .

 

لكن هذا الأنموذج الحداثي، الذي لا يتوانى عن الإقدام على ممارسة كل ما يقتنع به، بصراحة ووضوح، من شانه أن يصادر واقعية المجتمع، ويعطّل دور الأنثى الوجودي. نظراً للاستغراق في الحرية غير المنضبطة، التي تُفقدها خصوصيتها وشفافيتها التي تزيّن بها الحياة، خفراً وحياءً ورومانسيةً. إضافة إلى أن في هذا التمادي في خلع ثوب الحياء، تجاوزاً على الفنّ، وتغريباً لجوهر الأنثى السورية، التي لا تزال مرغوبة لجمالها وحيائها وطهرها.

 

ويلف الوضوح المطلق الذي لا لبس فيه شخصية " المعلمة " في الرواية نفسها، وتهبط إلى الحضيض الخلقي. إذ تعرض جسدها على المحافظ لقاء نقلها، بأسلوب مبتذلٍ سوقي رخيص. وتدعوه إلى بيتها في غياب زوجها:

" أيّ واحد يفكّرني شرموطة "... " الجسد ليس مصدر قيمة. . هذا جسم. أنسجة. لـه وظائف يقوم بها... بلادنا متعوّدة على نسج أخلاقها من الجهاز التناسلي. . الشيء الوحيد الذي يخلّصني من ذلّي، جسمي. ليكن. وجعة ولا مئة وجعة. هذا الجسم لن يلقى الذي يحبّه؛ فقط الذي يشتهيه. خلّه على الأقلّ يقدّم لي خدمة. " الآن - مثلاً - أرغب في أن أنام معك. . "ص (185-186)

وبابتذالٍ برجوازي تعلن " غادة " للمحافظ، في الرواية نفسها أيضاً، بعد أن مارست الجنس معه في بيتها، أن زوجها مقصّر جنسياً " في الشهرين مرّة " ص (171)

ومثلها " أمية " - شقيقة " أسمى " في الرواية نفسها - تعتذر لعشيقها عن ممارسة الجنس على الديوان " ليس على الديوان. تطلع أصوات من هنا. "

تقوم ترتّب اللحاف والشرشف. يحملها ويستلقيان. ." ص (255)

وبفرحٍ ينبو عن أدنى شعور بالمسؤولية. تقتحم " ثريا " غرفة صديقها " بشر " في رواية" المهزومون " لـ " هاني الراهب " فتنـزع الجريدة من يده، وتزفّ إليه خبر حملها منه:

"... - مرّ (الميعاد) لم يحدث معي (طمس) .. .

"... - معنى هذا أنني (حبلى) يا أستاذ. . " ص (273)

لقد كثرت النماذج الواضحة في الرواية السورية، وأكدت الأنثى وجودها، بوعيها ونضجها الفكري تارة، وبابتذالها وجرأتها تارةً أخرى، فجذبت بجمالها الشخصيات الأخرى وربطتها بها، وطوّرت الحدث، وكانت بينها شخصيات متطوّرة، وأخرى نامية ومتفرّدة، ومتمرّدة، قوية مسترجلة، وإنسانية، رسمت ملامحها بريشة مرحلتها، وأثبتت رؤية مبدعيها الروائيين الشمولية، وعبّرت عن مدى اهتماماتهم بها، وتمثّلِ تطلّعاتهم وتبنّي آرائهم، التي تتماشى ودورها الذي وُجدت من أجله، فقلّد بعضها الأنماط الغربية في المظاهر الاجتماعية البراقة، وكان وضوح شخصيتها جرأةً وتحرّراً، وارتاح بعضها الآخر إلى معطيات المجتمع العربي، فكان وضوحها اتزاناً، وقيماً أصيلة وتمسّكاً بالأخلاق والشرف، وثوابت المؤسسة الزوجية الشرعية.

 

ثالثاً: ملامح الشخصية الأنثوية الضائعة

 

آ- ضياع اجتماعي:

يشكّل الضياع الأنثوي في الرواية السورية ظاهرةً بارزة، لأن طبيعة حياة الأنثى في المجتمع التقليدي، تُلزِمها أن تعيش – غالباً، منذ نعومة أظفارها – حياة القطيع، تأكل وتطبخ، وتنام، لتتحوّل إلى آلة تفريغ وتفريخ، برتوبةٍ مملّة، بصورةٍ عامة. وليست حياتها في المجتمع الجديد بأفضل، فآفاق الحرية، وميادين العمل، وتقليد الغرب أدّى بها في حالات كثيرة إلى نهايات مأساوية، لم يكن يعرفها المجتمع التقليدي المحافظ.

 

تصوّر رواية " بنات حارتنا " لـ " ملاحة الخاني " الأنثى الضائعة في منتصف القرن العشرين، في مجتمع دمشق. إذ تكاد تغيب ملامحها الشخصية في ظلّ مجتمع الذكورة، فالصغيرة ما إن تتفتّح أكمامها، وتدخل مرحلة المراهقة حتى تزفّ إلى زوج لا تجمعها به إلاّ أنظمة المؤسسة الزوجية، فتضيع معها أحلامها، وتتلاشى رؤاها في غمرة الحياة الجديدة التي لا تقيم أيّ وزنٍ لاعتباراتها الإنسانية.

 

إن " سلمى " الشخصية المحورية، على الرغم من وعيها وتفتّحها، وحصولها على الشهادة الثانوية، تجد نفسها حائرة، متردّدة أمام تفكيرها في مسائل مصيرية، فهي ترغب في متابعة التعليم من جهةٍ، والعمل في الوظيفة الرسمية من جهة ثانية، وحبّ " أحمد " الشابّ الفنان، الذي تخلّى عنها، وتزوّج غيرها، وبقيت مقيمة على حبّه من جهة ثالثة. وبين الزواج من شيخ عشيرةٍ، متعدّد الزوجات، ولكنه يملك الأموال والأطيان من جهة أخرى...

تعود " سلمى " بذاكرتها قليلاً إلى الماضي، فتطفو على سطح تفكيرها صورُ أترابها من الفتيات في الحارة، وفي المدرسة، فتستعرض أحوالهن، وما آل إليه مصيرهن، فلا تجد بينهن واحدةً برزت شخصيتها، كأنثى لها كيانُها الإنساني، واستقلالُها الشخصي المؤثّر فيما حوله، والمعترف به على صعيد الأسرة والمجتمع، وترى الزيف والخداع يغلّف العلاقات العاطفية والاجتماعية من خلال حشد كبير من الشخصيات الأنثوية التي تحضر في ذهنها، فتسترجع سيرتهن وأنماط علاقاتهن ، ومدى الاستلاب الذي يشلّ حياتهن، وتضيء عالماً لا يستطيع الكتّاب الذكور إضاءته مثلها، لأنهم لا يمتلكون مفاتيح الجسد الأنثوي، تقول:

" استعرضت وجوهاً محبوبةً في الوسط الاجتماعي. لمياء دفعت باسمها إلى التقوّل، ثم انتحرت. عفاف هربت إلى أحضان عجوزٍ يسدّ جوعها إلى الملابس الأنيقة، والسيارة الفارهة بعد أن تحطّمت، وحطّمت. ناديا التي خرقت تقاليد بلدةٍ، ساخرةً من أم عجوز، وعانسٌ تاهت خلف الغبار. هيامُ التي وضعت النظارات السوداء على عينيها، ولم تخلعها حتى ماتت. نورس التي أفنت صباها وموهبتها في العمل من أجل مُثُلٍ لإخوةٍ صغار.

 

أمي التي أُطّرت بالعادات، والأعراف، وتأمين رغبات زوجٍ. ازدادت سنةً بعد سنةٍ، مع التغيّرات الفيزيولوجية المنهارة. مها التي أضحت نقطةً ضمن غبار يعجّ بقذارة المال، والحياة التافهة الدنيئة، المخبوءة في خفايا زوجها الوجيه، من ؟ من التي استطاعت أن تنتشل نفسها حقيقةً وحدها دون كفٍّ رقيقةٍ يملؤها الحنان ؟. دون رجلٍ حرّ انتزع من أعماقه جذور الأنانية التي تقبر الحبّ، وأدرك تماماً أن المرأة ليست ضلعاً هشّاً، خرج من خاصرة الرجل، ولا هي لرغباته، إنها سرّ الدنيا " ص (105) .

يضع هذا المقبوس بين يدي الباحث ثماني شخصيات أنثوية، ضاعت كلها في متاهة الحياة، فلم تكن بينها حالةٌ واحدة لها دور إيجابي في الحياة الاجتماعية، وقد عبّرت فيها الكاتبة عن معاناة بنات جنسها اللواتي لم يكنّ سوى هوامٍ هامشية، تتمثّل في ضلع هشّ، ونقطة غبار، ونظارات سود، وعنوسة، وانهيارات فيزيولوجية، وانحرافٍ، وانتحارٍ، وبيع العمر لكهلٍ مقابل ثياب وسيارة.

 

وتبرز أسباب هذا الضياع بوضوحٍ في (العماء الاجتماعي) الذي يظهر في طغيان الذكورة، وضعف الأنوثة، كما في حالة " أم سلمى " التي تتحوّل إلى وعاء تفريغ وإنجاب، ثم ينهار جسدها فلا يجد مسعفاً حتى ممن أنهكه، لأنه منصرف إلى ملذّاته، كما تتجلّى في الفقر الذي تضطر الأنثى أمام ضغوطاته للمتاجرة بجسدها، وعندئذٍ لا يرحمها المجتمع فتنتحر، أو في أحسن الأحوال تمنح نفسها لزوج كهلٍ يتيح لها المأكل والملبس والمركب، أو لشيخ عشيرةٍ يضمها إلى القطيع.

 

ويلاحظ أن مجموع هذه الحالات في الرواية الواحدة، لم يكن فيها لونٌ واحد من الوعي الفكري، أو الاحتكام إلى أعراف أصيلة وقيم واضحة، وإنما هي حالات أفرزتها الحياة الاجتماعية الراكدة، والتزمت شخصياتها بها، وقد انطلقت من عقدة واحدة في الأصل، هي أن الأنثى تحمل إرثاً عريقاً من الخنوع، فاستكانت إلى المعايير السائدة، من دون أن تفكّر في الخلاص من استضعافها، أو الشروع في إيجاد وسيلة إيجابية سليمة، تبدأ فيها أولى خطوات الخلاص من وهدة الذلّ التي فُرض عليها البقاء فيها.

 

وكثيراً ما رسمت الرواية السورية شخصية الأنثى، وعلاقتها بالآخرين، من خلال إحساسها بازدواجية كيانها، كإنسان حرٍّ عادي من جهة، وكأنثى تحمل إرثاً عريقاً من الخنوع والاستسلام من جهة ثانية، ولم تهمل الروايات تجسيد القناعات النفسية التي تؤمن فيها الأنثى بتبعيّتها المطلقة للذكَر، واستكانتها التامّة لحياة القطيع. وبسبب من كل الاختزالات والاستلابات، فإن الكتّاب وقفوا على الجانب الذي يصوّر المرأة في المجتمع التقليدي بأنها " تتبنّى كل ما نسج حولها من أساطير وأوهام، وتقبل بها على أنها قدرها / طبيعتها. وبما هي كذلك، فإنها ترفض تغيير وضعها لأنه خروج على كل إرثها التاريخي الذي هو بالنسبة لها خروج على طبيعة الأمور وعلى تقديرات الكرامة والشرف، فهي تقدَّم لنا بأنها فعلاً مؤمنة بأنها كائن قاصر جاهل عاطفي غير مسؤول. وأن عالمها هو البيت، والأسرةُ حدوده، والرجل سيده، وأن كل دوروها هو أن تكون أماً وخادمة، وأن جسدها فعلاً عورة يجب ستره وحمايته، وأن الشرف هو في الحفاظ عليه. وأنها في دور الأم يجب أن تكون تلك المتفانية التي تتلخص سعادتها في استنـزاف ذاتها تحت شعار العطاء، وأنها تحقق سعادتها من خلال الأدوار التي تناط بها. وأن ما عليها سوى الطاعة للزوج والأب، وأن لها عليهما الستر والحماية والأمان، وأن طبيعتها تتحدّد في جسد يلبس ، وقوام يجذب، ورحم ينجب، ولسان يشكو ويطلب، ويد تطهو وتمسح. ولا يقف الأمر عند هذا الحدّ، بل نجدها تفتخر بمظاهر قهرها وتعرف نفسها من خلالها، وعبر وعي زائف يصوّر لها أنها تدرك طبيعتها وماهيتها على حقيقتها، لا بل نجدها تفتخر بعزلها في البيت كدلالة على سمو منـزلتها الاجتماعية. " (27) .

 

إن " أخت البطل " الثوري في رواية " الشمس في يوم غائم " لـ " حنا مينة " سلبيةٌ إلى أبعد الحدود، وهي – على عكس أخيها، الذي تمرّد على تقاليد طبقته البرجوازية، وشذّ عن شروطها الاجتماعية – تستكين إلى الموروث الذي رضعته مع حليبها، على الرغم من نشأتها البرجوازية المسيحية، في جوّ منفتح على العالم الواسع، وتظلّ ممثّلةً أمينة للرواسب الاجتماعية، متشبّثة بجذور التقاليد الضاربة في أعماق طبقتها، تسوّغ ظلم والدها (حفيد القنصلاتو الفخري) للفلاحين، وهي على الرغم من شخصيتها النمطية، إلاّ أنها تبدو في بعض الأحيان ضائعةً متردّدة " ضائعة بين التشبّث بالماضي " والوثوب مع الحاضر، فتسهر في الكازينو وتنطلق على سجيتها، لكنها سرعان ما تجد نفسها مشدودةً بسلاسل الماضي، فتتلبّسها حالة الطبقة الفوقية، وتقف إلى جانب أبيها مع الظلم، وتشيد بمواقف الإقطاع وتصرّفات سدنته، فالوكيل الذي يرى أنه: " بدون العصا و( الجفت) تتسيّب الأملاك. يسرقها الفلاحون. " ص (147) تبارك تصرّفه، لأنها " وجدته مصيباً. " ص (148)

واستكمالاً لرسم ملامح الأنثى التي لا تجد لها صوتاً غير صدى صوت طبقتها، فقد جعلها الكاتب – في حياتها الشخصية - تنساق بعاطفة القطيع، وقناعتها التامّة بأنها كما يقول أخوها: " ستتزوّج كما تزوّجت أمها، وأم أمها من قبلها، وتعيش في بيت كبيتنا. على جداره صورة جدّ كجدّنا، وفيه غرامافون يدور على أسطوانة " التانغو " مثل غرامافوننا، وعلى مائدته تتكرّر الأحاديث ذاتها عن خبث الفلاحين. . وضرورة تأديبهم... [ وستُشبه أمها ] في كل شيء: الحَبل. الولادة. تربية الأطفال. التطريز على المشغل... والموت حين يأتي الموت. . أفكارها يصنعها جدودُنا. . ونحن في بلادنا نؤثِر أفكار جدودنا. " ص (229)

وإمعاناً من الكاتب في رسم ملامح الشخصية، وإدانة السكونية والنمطية والتقليد فإنه يرهص إلى إمكان ضياع هذه الأنثى / الإمّعة، بعد الزواج من خاطبها ذي المكانة الإدارية المرموقة، وقد توقّع أخوها البطل الثوري أن تخون زوجها في المستقبل: " وربما دخلت في مغامرة صغيرة. انتقاماً من رئيس القلم. " ص (229)

 

ب - ضياع فكري:

ومهما بلغت الأنثى العربية من شأو ثقافي، فإنها لن " تستطيع التخلّي عن المخزون النفسي القابع في زوايا عقلها، والذي تحسّ به يشدّها إلى الظلّ، وأن شعوراً خفياً يدفعها للاستسلام للمصير المرسوم، وأن مثل هذا الاستسلام مطلوب منها. . وتجاه ذلك. فإنها تتطلّع دائماً إلى تجاوز هذا الواقع، فإنْ أتيح لها ذلك، غلت الدماء في عروقها رغبةً في التحرّر والاستقلال عن طريق العلم أو العمل أو السفر، أو المشاركة في النضال الوطني. منفصلةً عن أسرتها ضمناً، لكن التحرّر قد يؤدّي بها إلى الضياع على الرغم من علمها وثقافتها، ومن ثم لابدّ من وجود العوائق والمثبّطات الاجتماعية، كالخوف من الوحدة والعزلة، واعتراض ذكور الأسرة، وفي كثير من الحالات تنوء تحت إحباطات الواقع العربي الذي لا يتوانى عن مواصلة سلبياته الصاعقة". (28)

لقد لعبت النهضة الثقافية دورها في تنوير الأنثى، وغذّتها بأفكار جديدة للنهوض من كبوات الماضي، لكن هذا النهوض تحوّل إلى لون من الغزو الثقافي، الذي انعكس سلباً في عددٍ من النصوص على المرأة، حتى بتنا نسمع من تصرخ في رواية " ليالي عربية " لـ " خيري الذهبي " " أنتم الرجال الشرقيون أكبر مدّعين في التاريخ. حشوتم أذهاننا بحرية المرأة وعدالة قضيتها، ووجوب تحريرها، فلما فعلتْ ذلك أخذتم تسعون وراء تعهيرها، وتشييئها وتحويلها إلى واسطة متعة تلقونها، بمجرد أن تنتهوا ". ص (155)

ولقد هيأت الحياة الجديدة للأنثى المثقفة ميادين عامة كثيرة، دخلت رحابها حتى تتخلّص من تبعيتها للذكّر، بعد أن تخلّصت من أميّتها، فأفسحت لنفسها حيّزاً من الحرية الفكرية والحركية، تقف فيه جنباً إلى جنب مع الرجل، لأنها لا تقلّ عنه عطاء واندفاعاً، حتى في القضايا التي تتطلّب جهوداً شاقة، فتتضخّم (الأنا الأنثوية) لذلك وُجد لدى بعضهن نزوع أيديولوجي ثوري، جسدنه بالممارسة الميدانية، لكن الحسابات والمشاريع الثورية السياسية العربية لم تتطابق مع الواقع وما تمخّض عنه، فكان التشتت والضياع.

 

في سيرة " نادية " الفدائية، في رواية " الوطن والعينين " لـ " حميدة نعنع " يخال الباحث أحياناً أن الكاتبة تتعمّد (تذكير) أنثاها و (استرجالها) لأن الأعمال القتالية القاسية تبعدها عن طبيعتها الأنثوية، وكثيراً ما تصطدم الرؤى الفكرية بالواقع؛ الأمر الذي يثقب البالون المنفوخ، فتصاب الأنثى بالإحباط، مما يؤدي بها إلى الانسحاب من الحياة العامة .

 

و يتحوّل هذا النـزوع الثوري، إلى ثيمة، أو (تقليعة) عصرية لدى " قمر كيلاني " في عدد من رواياتها، ففي " بستان الكرز " تشارك " سونيا " في الحرب الأهلية اللبنانية، وفي " الدوامة " ترسم عذابات الأنثى المثقفة بقلم غامق اللون، فـ " سامية " الشابّة المثقّفة الوحيدة في الأسرة، تعيش إلى جانب أمها في منـزلٍ دمشقي برجوازي، وهذا يؤهّلها لأن تكون مدللّة مترفةً، لكن الكاتبة عمدت إلى تحميلها أبعاداً فكرية نضالية، جعلتها تنـزع نزوعاً ثورياً، نظراً لطبيعة المرحلة التي كُتبت فيها الرواية، وقد ترتّب على ذلك – تبعاً لدور البطولة الروائية – أن تتمرّد على أعراف الأسرة، فتتزوّج " كريم السعدي " لدوره النضالي في المقاومة اللبنانية، ولأنه صورةٌ عن أبيها الذي استُشهد في فلسطين عام 1948؛ غايتُها من ذلك تغيير مسيرة حياتها الرتوبة " ولعل دماً جديداً يسري في جسد أسرتها البارد، الذي أخمدته العادات والتقاليد. لعل حياةً من نوع آخر تسحبها إلى عوالم يرعش فيها الصدق، ويتألّق الحبّ "ص(15).

 

وانتماء " سامية " إلى الطبقة البرجوازية، وثقافتُها، ثم انتحاؤها النضالي الثوري، كل ذلك قد أوقعها في مفارقات نفسية واجتماعية، نتيجةً لعدم توافق رؤاها مع الواقع، فالزوج المناضل طال غيابه، ولم يعد يسأل عنها، مما أدخل في روعها أنها غدت أشبه بالأرملة. فخبت المبادئ الثورية في نفسها، وبهت لهيب النضال.

إن أزمة الأنثى المثقفة، تبدو أكثر إشكالية من غيرها. وبصورة خاصة أن " سامية " لا تبحث عن مالٍ أو موقعٍ للشهرة، وإنما هي أنموذج حيادي، أرادت لها الكاتبة أن تشارك في تحرير الوطن، فاصطدمت بالواقع، ولم تستطع تجسيد شيء من طموحاتها، لذلك تصارعت في نفسها عوامل الشكّ والحيرة، فتأرجحت بين معطيات النظرية والتطبيق، وبدت جميع مكتسباتها الثقافية والعلمية الجامعية، وثروتها وموقعها في الأسرة فراغاً واغتراباً وإفلاساً.

 

إن " سامية تشعر بخواء داخلي نتيجة الطوق البرجوازي الذي كبّلها بعاداته وتقاليده، وتبعاً لاكتشافها أن زواجها من كريم السعدي لم يفلح في اختراق شرنقة هذا الخواء. . " (29) .

 

وكردّة فعل على الإحباطات الحادّة، حاولت الخلاص من حالتها النفسية، وملء الفراغ الكبير الذي يلفّها، وذلك باستغلال معطى الحرية الذي تتمتع به، فسعت إلى إقامة شبكة علاقات، الواحدة تلو الأخرى، مدفوعة ببواعث طبقتها وثقافتها، ووحدتها الموحشة، فابتدأت بالخروج من موقعها، وزيارة بيت خالتها مع أمها، ثم وسّعت الدائرة، فاتجهت إلى عواطف قلبها، وتوّهمت أنها قادرة على الحبّ، كما توهّمت من قبلُ أنها قادرة على النضال، لذلك قادتها خيبتها إلى الرجل تستعيد فيه ما تبقى لها من روح، فلم تجد أمامها سوى جارها، المتقاعد الكهل (جابر) الذي كانت تكرهه وتشمئز منه في البداية، ولكن ليس لها خيار آخر، فتخلصت من قشرتها الطبقية، وأقدمت على إغرائه، وشجّعته بأنوثتها على الاقتراب منها، على الرغم من أنه متزوّج، وأب، حتى إذا ما وجدته يستجيب لها، وقد رنّحه الحبّ، صحت من غفلتها، واستيقظ ضميرها، وانتبهت إلى أنها بلعبتها القذرة التي تلعبها معه، أنها تهدم بقايا روحها، كما أنها ستهدم أركان أسرته المطمئنة، فتراجعت، وانتابها شعور بالندم، حاولت بعده إصلاح ما أفسدته، وأدّت دورها كشخصية فنية مثقّفة، جسّدت خصوصية (عنوان الرواية) (الدوامة) لأن الدوامة ترميز حيوي لمصطلح (الضياع) ولأن " نمو شخصيتها لم يكن سليماً، وليس صحيحاً، ومادام الفعل الدرامي غائباً عن ساحة الرواية، فإن الوعي المبثوث، أو المأمول يظلّ في حيّز الحلم. بعيداً عن الواقع. " (30)

 

ج - ضياعُ ترفٍ طبقي:

إن الأنثى في الوسط الموسر، الذي عرفه المجتمع السوري بعد انفتاحه على العالم بدءاً من خمسينيات القرن العشرين، أتيح لها ما لم يُتح لغيرها، وكثيرة هي الشخصيات الأنثوية التي حاولت الاستفادة من أجواء الحرية التي ترفل بها، فتمرّدت على الرتوبة الأسرية، واخترقت شروط المجتمع الخلقية، وانطلقت الزوجة تبحث عن ملذاتها في وقت انصراف زوجها عنها إلى أشغاله اليومية، أو إلى ملذاته الخفية، فعرفت المتعة، واستطابت الخيانة. لكنها في النهاية تدرك حقيقة ما تغرق فيه من دنسٍ، وأن ما تنـزلق فيه ليس فيه سوى الخراب.

 

إن الشخصيات الأنثوية اللواتي يحمن حول المحافظ، في رواية " ألف ليلة وليلتان " يعشن " حالات خواء تامّة، لأنهن ملأن بطونهن بأشهى الأطعمة، وكسون أجسادهن بأجمل الألبسة، وصبغن وجوههن بأصبغةٍ باريسية، ثم لا شيء، لا هدف ولا رقيب إلا رقابة الضمير، والضمير نائم. " (31) .

إنهن الخفة والرشاقة والجمال، شخصيات " ثابتة " تسير حياتهن على وتيرةٍ واحدةٍ، لا تتطوّر الواحدة منهن، ولا " تتفاعل مع الحياة، وبالتالي تكون هذه الشخصيات، وهي نماذج، وليست أنماطاً مرسومةً على هذا النحو، بقصد الإشارة إلى عالم محدود " خاويات الفكر، ليس لهن أهداف سامية، أو غايات نبيلة، أو مشروعات مستقبلية، هن " دائماً مشغولات بأمور أخرى كالجنس (أمية – أسمى – غادة) أو بالطعام والثرثرة (عائدة) أو بالتعبير عن ماضٍ معين (أم خلف. أم إمام) . . يضاف إلى أن المرء، لو بحث في الرواية، لوجد الشخصيات النسائية ضائعةً ممزقةً، لا تعي وضعها، ولا تعرف ماذا تريد، ولا كيف تحقّق ما تفكر به " (32) لأنها جُبلت على تنفيذ ما يُطلب منها داخل نطاق الأسرة، فأتقنت " عائدة " تنظيم موائد الطعام لضيوف زوجها المحافظ، واستكانت " أمية " إلى رغبات زوجها الضابط الطيار، وظلت مستمرةً معه على الرغم، من كرهها له، ونظرته السادية، حتى تسنى لها أن تخونه مع أحد معارفه، ثم مع رجل سويسري حملت منه. . مع أنها أم لطفلين.

 

و حلمت" غادة " بالغنى، فوجدته في زواج " طلعت بك " لكنها سرعان ما ملّت منه بسبب طبيعة جسدها الحار الذي قتله ببرودته، فانصرفت عنه إلى سواه وبمعرفته، وهي ككل واحدة خانت زوجها من نسوة الرواية، كانت تعبّر عن تحللها من ربقة الرباط المقدّس، وتمرّدها على شريعة المؤسسة الزوجية، والانفلات من أسر القيود الخلقية، باستثناء " أسمى" الفتاة العازبة التي لا تملك أمرها داخل بيتها، فتتصاغر أمام رغبتها الجنسية، وتندفع لممارسة الجنس، لأنها اكتشفت أنها تملك في جسدها كنوزاً من المتعة، مع الحفاظ على عذريتها. وأنها ستعوّض عن واقع أسرتها المدقع، بالدخول إلى " كنوز الفرح ".

 

و" شاهة " في رواية " أفراح ليلة القدر " شخصية سلبية مهزوزة خَلْقاً وأخلاقاً، وقد انعكس ذلك على حياتها العامة والخاصة. وقد كانت لحالة أسرتها المادية الدور الكبير في مصير حياتها، إذ تزوجتْ، وقبِل بها الزوج لا لأخلاقها، وإنما لثروة أبيها، وأنجبت طفلين، ثم حاول الزوج الوصولي ابتزازها طوال هذه المدّة، فلما انكشف أمره، وتجاوز جشعه الحدّ، اشترت وثيقة طلاقها منه بعد مساومة مريرة. . اندفعت بعدها إلى تجارة الألبسة مع صديقتها " سلوى " التي كادت أن تقودها إلى الضياع، قبل أن تضيع بنفسها، فتتهافت على العمل بقصد الربح الفاحش، وتتهالك على الجنس لإرواء رغبات جسدها، حتى غدت شخصية مهووسة " تمثّل حالة ضياعٍ نتيجة زواجها المنفعي، وطلاقها، وهجومها على الغنى واللذة، فتفشل في كليهما، وتموت في مكان بعيد، فهي لم تنجح أن تكون إيجابية وقد حاولت، ولم تنجح في أن تكون سلبيةً داعرةً مثل صديقتها سلوى، وقد حاولت وأخفقت في إحدى سفراتها، بعد أن أدّت دورها في الرواية. . " (33)

إن ضياع " شاهة " كان نتيجة طبيعية لشخصيتها التي حرص المؤلف على أن يكون لها من اسمها نصيب، والتي انعكست على تصرفاتها. كأن تذهب إلى لندن مع شريكتها " سلوى " فتسهر وترقص وتشرب الخمر، ثم تدفعها " سلوى " ذات الخبرة، لممارسة الجنس مع شاب إنكليزي يؤدّي خدمات سياحية، فتستجيب، وتصحب الذكَر إلى غرفتها، فتجده على أحسن ما يكون عليه من المداعبة والإثارة، حتى إذا بلغت بها الشهوة حدّاً لم تعد تطيق معه المداعبة، تاقت إلى الممارسة الفعلية، فتعرّت هائجةً ودعته للولوج في جسدها، لكن " طوني " ظلّ مرتدياً ثيابه:

" مالك لا تخلع ؟ " ص (196)

عندئذ تدرك من تمهّله، أن خدماته السياحية لا يؤدّيها إلاّ لقاء أجرٍ مادي، وهذا ما أصابها بالإحباط، بعد أن كانت كل جوارحها تنتظر الذكورة، لذلك تنتفض بعريها، وتنقضّ عليه، ثم:

 " تدفعه بيدها، وبرجلها ترفسه. . ثم تفتح الباب، وتقذف به خارجاً بكل ما تملك من قوة " ص (197)

" وهكذا تفشل في أن تكون زوجة صالحة، وأماً صالحة، وامرأة عاشقة منحلّة، وتضيع في زحمة الحياة والأحداث. . وهي بلا شكٍّ، تمثّل شريحةً اجتماعيةً ضاعت في زحمة السطو الحضاري المادي، ولم تستطع أن تلحق بالركب المسرع في تهاويه وانحداره، ولا تستطيع أيضاً أن تُبقي الخيط معلّقاً بالماضي الأصولي، وتبقى معلّقة بين المرحلتين بثقافةٍ ضحلةٍ، ولا يحميها من الضياع دخولها في عالم المال والتجريب والتهريب " (34) وتنتهي نهاية مأساوية شنيعة تختم بها ضياعها الذي صنعته بنفسها بعد الطلاق، فتُقتل على أيدي رجال " نمور التاميل " في " سيريلانكا " عندما كانت تعقد فيها صفقةً للرقيق الأنثوي، تأتي به للمتاجرة والخدمة في الشرق العربي.

 

وتتوجّه الرواية السورية لدى تجسيد الضياع الفكري، نحو الأنثى المثقّفة في المجتمع المدني - مقابل الريفي - وتركّز على بنات الطبقة الوسطى، لأنههن يحققن – غالباً - الغرض الفني لرؤية الكاتب المعاصرة، فيعرّي من خلال شخصياتهن فساد المجتمع، أو المجتمع والسلطة معاً.

 

إن " لبنى آل الأمير " في رواية " رياح كانون " لـ " فاضل السباعي " رمز للأنثى المترفة الضائعة فكرياً، ولا تستطيع قشور طبقتها تغطية هذا الضياع، وهي ابنة صاحب الوزارتين، وذات الجسد الشهي، والأفكار الجنسية المتحرّرة، التي تؤيّدها بالممارسة الفعلية. تسعى للشهرة الزائفة عن طريق الأدب، وتجعل من جسدها سلّماً للوصول إلى هدفها، وقد شكّل الشاب المثقف " رامي " قناعاً لها، وفضاءً تمارس فيه ردّة فعلها بتغطية ضعفها الأدبي، فكان القناع الذي تستر حقيقتها خلفه، ويشكّل أصدقاؤها الآخرون في بيروت توقها إلى الحرية بمفهومها الطبقي، الذي يمكن أن تحقّق فيه ذاتها بصورة واقعية، وهذا يعني توزّع شخصيتها بين الانفتاح الاجتماعي، والأدب الذي تطمح أن تجد فيه كيانها بصورة متعالية عبر اسم " رامي " ذي الحضور الأدبي الكبير والمهم في الساحة الأدبية، وهي حين تتحدّث عن انطلاقها مع أصدقائها في بيروت إنما تعبّر عن امتلاء فكري مترف، متشبّع برؤية برجوازية واضحة تهدف إلى الحفاظ على موقعها في القمة الاجتماعية التي تتمتّع باعتلائها.

 

لقد وعى الكاتب جيداً أبعاد هذه الطبقة، وهذا ما مكّنه من رسم ملامح الشخصية بدقة بالغة، غدت " لبنى " فيها " وسيلةَ إيضاح، تشرح فساد الحياة الثقافية، بسبب اعتمادها على معايير غير ثقافية، وهي في سن العشرين، ممشوقة جميلة، شقراء، تحاول أن تكون أديبة، وتعترف بأنها لا تستطيع التعبير بلغة قومها... وهي في سلوكها متحرّرة، تدخن وتشرب الخمر، ولا تجد غضاضة في التعامل مع المجتمع من دون قيود أو تقاليد، وتعتمد على تسامح والدها " عزمي بك ومثلُه لا يهتمّ بسلوك ابنته ولا سمعتها، فهذه من مخلّفات الماضي فيما يبدو، ولا يعنيه أن تتعرّى في مهجع " رامي " أو غيره، بل إنها فوق ذلك شاذّة ـ مازوشيه ـ تعشق من يضربها ويقسو عليها. إنها امرأة متسلّقة، الغاية تبرر الوسيلة، وفي سبيل هدفها لا تعبأ بشيء من أخلاق أو عِرض أو سمعة. " (35)

 

د- ضياع جنسي:

إن الحياة العادية في كنف الزوج غير المكافئ للزوجة في معايير الشراكة، نوعٌ من الظلم الاجتماعي الذي كثيراً ما يكون سبباً في دفع الأنثى للتعويض عن هذا الظلم بالاستغراق الجنسي مع الآخر، المكافئ في السن والعاطفة الذي يشعر بها – تبعاً للعلاقة العشقية – بقيمتها الاعتبارية روحاً وفكراً وجسداً ومكانةً إنسانية واجتماعية.

 

لكن الزوج لا يغفر لها، ولا يمكن لأحد أن يسوّغ لها فعلتها، وإذا وُجد من يغفر ويسوّغ، فإنما ينمّ ذلك عن خلفية سلبية لأن جميع الذين يتعاطفون معها، لا يسوّغون الخطيئة، وإنما يعللون الأسباب التي دفعتها لاتّباع هذا النهج غير القويم.

 

إن " لبنى " في رواية "شرخ في تاريخ طويل " لـ " هاني الراهب " شخصية أنثوية ذات مواقف متعدّدة، بعدد وجوهها التي تُظهرها في سلوكها، وقد بدت لنا غير سويةٍ خلقياً منذ نعومة أظفارها، إذ اعتادت سرقة البرتقال من دكان البقال في فلسطين، فلما كبرت وشبّت، مارست السرقة بما يتناسب مع سنها، وتابعت فعلتها التي اعتادت عليها، فسرقت السعادة والمتعة من رجل آخر غير زوجها. مندفعةً إلى ذلك بدافع التعويض النفسي عن الحبّ المفقود في حياتها الزوجية.

 

إن علاقتها غير المتكافئة مع زوجها العسكري، الضابط / قائد الموقع، لم يمنحها الحبّ الذي حلمت به في حياتها الماضية، لذلك سعت إليه في أحضان صديقها " أسيان " " تعطي نفسها بلا شروط، وتقبل بهذه التجربة، وهي بذلك ترمز للحرية – على حدّ قول أسيان. . لكنها في الحقيقة تسرق سعادةً مفتعلة، وتسقط في وسَطٍ " يُعَدّ بمثابة استمرار لماضيها، يوم كانت تسرق البرتقال، كونها تعاني حالةً من التوتر الانفعالي، تدفعها للبحث عن تلبية احتياجاته، وهو يعزّزه انعدام الطمأنينة، والحنان في بيت زوجها. " (36)

إن الجنس لدى " لبنى " خارج السرير الزوجي كان ذا نكهة خاصةٍ، أسكرها أكثر مما أمتعها. وهذا ما دفعها للتعلّق بالعشيق" أسيان " والاتفاق معه على طلب الطلاق من زوجها. لكنها باستكانةٍ ذليلةٍ، وبشعورٍ من الذنب بالخطيئة نكصت عن مفاتحة زوجها في المسألة، إذ استعمرها الخوف: " كنت وحدي عندما جاء. رأيته قوياً، رئيس دولةٍ. السلطة معه. بل هو السلطة. رأيته سدّاً يطوقني من جميع الجهات "

وقد يُخيّل للأنثى أن الفقر يمكن أن يكون دافعاً قوياً كي تنـزلق في الخيانة، ظناً منها بأن الغنى يحقّق لها السعادة، ويبعد عنها شبح الحرمان، وقد تعددت الشخصيات الأنثوية اللواتي حاولن تغيير جلودهن، ولكن نادراً ما نعثر على واحدة حققت ما تصبو إليه بالجنس.

 

إن شخصية " ظفيرة " في رواية " من يحبّ الفقر " لـ " عبد العزيز هلال " كانت شخصية سوية في البداية، قانعةً بزوجها وبواقعه الفقير، في الحي الشعبي، لكن بريق الثروة، وحياة البذخ زلزلا قناعاتها، وجرّاها إلى مستنقعهما الآسن، فتشظّى جسدها بالشهوة المسروقة في غفلة من الزوج الحارس مع صاحب المبنى الذي يقوم زوجها بحراسته، وانتشت بالمال، وتحوّلت إلى امرأة ساقطة خاصةٍ لذكَرٍ ثري يعمل زوجها عنده، ذاقت معه ما لم تعرفه مع زوجها البسيط. حتى إنها باتت تكره ممارسة الجنس مع الزوج، وتنـزعج. بل تثور عندما يقترب منها يريد ممارسة حقه الشرعي، نظراً لإشباع جسدها من الآخر " منير بك " وانصرافها إليه كلياً.

حين اقترب منها زوجها ذات ليلة، أظهرت نفورها من مداعباته السمجة، وألفاظه الممجوجة، فهتفت متذمّرةً بامتعاض:

" يا حمدي. اتركني أنم. هذا الأمر لا يتمّ بالإجبار. أليس عندك ذوق ؟ " ص (139)

فلما ساوره الشك في طهارتها، أراد الوقوف على حقيقة أمرها، وعمد إلى التمادي معها، لكنه سرعان ما وجدها " بلحظةٍ خاطفةٍ، خلعت ما عليها من ثياب داخلية، وتمدّدت على ظهرها - قائلةً -:

- تفضل. اقضِ شهوتك.

نظر إليها مرتاعاً. بدت لـه بعيدةً كل البعد عن ظفيرة التي أحبّها. بدت لـه امرأة أخرى، وهي متمدّدة على هذا النحو. نظر إليها نظرةً ساخرةً، وبدا عريُها وقحاً قذراً، مثل عري امرأةٍ ساقطة. " ص (141)

إن شخصية " ظفيرة " تعبّر عن مدى الضياع الذي أوقعها به التناقض والتباين، بين ما هي عليه مع زوجها من فقر مدقع، وما تطمح إليه، وتتطلّع نحوه من دعة وحياةٍ اجتماعيةٍ وثروةٍ، مخالفةً بذلك النظرة الاجتماعية السائدة في البيئة الشعبية التي تعيش فيها، والتي لا ترتضي لها أن تشذّ عن شروطها الخلقية الطبقية، وقد بات - بعد أن أدرك زوجها حقيقة أمرها - من الصعوبة عليها بمكان أن (تتعايش) معها بعد أن ذاقت النعيم في عالم السقوط المظلّل بالرفاهية والترف، وهذا ما جعل لـ " ظفيرة " شخصيتين متباينتين؛ واحدة مشمئزة نافرة مع الزوج، والثانية متدفقة دافئة مع العشيق.

 

ومن الملاحظ أن الشخصيات الأنثوية في بعض الروايات يشكّلن ظاهرة جنسية متكاملة، قائمة على المنفعة المادية والمتعة الجسدية، كما في رواية " ثلج الصيف " لـ " نبيل سليمان " ومعظم روايات " هاني الراهب " و" حيدر حيدر" و" حنا مينة " وشخصية " ياسمينة " في رواية " بيروت 75 "لـ " غادة السمان " كان جمالها جواز سفرها إلى الذكَر، و " باسمة " في رواية " باسمة بين الدموع " لـ " عبد السلام العجيلي " وجدت في جمال جسدها جواز مرور لا تنتهي مدة صلاحية العمل فيه، وهي حين ترى انصراف الزوج عنها بالطلاق تدخل بجواز جسدها إلى دولة العشق، فإذا ملّ منها العشيق، وانصرف إلى جسد أختها " هيام " لا تقلق، ولا تثور لأن جواز سفرها لا يزال صالحاً لاجتياز الحدود إلى ممالك الرجال، ويبعث جمالها في نفسها الثقة التي لا حدود لها: " أنا مازلت فتية. ما زال جسدي مثيراً. " ص (157)

في رواية " البحث عن الظلام " لـ " حسن صقر " أثارت شخصياتها الأنثوية حفيظة الناقد " سليمان حرفوش " فكتب في الموقف الأدبي العدد 344 ص 133، متسائلاً:

" وماذا عن الشخصيات الأنثويه ؟ إنهن جميعاً عواهر باستثناء زهرة رنجوس زوجة الآغا، فتلك قوّادة حقيقية وباستثناء سميرة، حبّ الراوي الغضّ التي تمرّ مرّ السحاب، وكان أحمد على وشك أن يطبع على ثغرها قبلة التواصل الإنساني. رمز الحبّ والحرية في الوقت نفسه لولا حملة السلاطين المباغتة. لكنها جميعاً شخصيات باهتة، ولا يمكن التعرّف عليها إلاّ من خلال جمال الجسد، الذي استحوذ على أحلام الراوي. دون أن نعرف شيئاً عن عالمها الذهني والنفسي. فهل تجرّدت المرأة من كل شيء، سوى الجسد ؟ !."

وقد نجد أمثلةً، ونماذج أنثوية، قلّدت الحياة الاجتماعية الغربية، فكان الجو الذي اعتادت فيه الخلاعة والمجون، حاضناً طبيعياً لنـزواتها وشهواتها. من رقص وخمر ومخدرات وجنس، كالأجواء التي وُجدت فيها شخصيات رواية " ثائر محترف " حيث رفلت فيها الأنثى بكل الشهوات والمحرّمات، ولم تتجاوز محور اهتمام الذكر حتى وصلت إلى مرتبة غير عادية من الانحلال، تعبّر عن أزمة الجيل الشاب المترف. حتى فغدا لكل من شخصيات الرواية " طابعه الخاص الغريب الذي يضفي على الرواية جوّاً غريباً مُتمايزاً، ربما كان انعكاساً لطبيعة الحياة الغريبة المختلّة المقاييس في بيروت نفسها. إن القسم الأكبر من هذه الشخصيات يمثّل شعب المدينة الشبح الذي (لا يظهر إلاّ بين منتصف الليل والفجر). (37)

لقد استأثرت" مادلينا " إحدى شخصيات الرواية الرئيسية باهتمام رئيسي من الجميع. مع أنها كانت مدمنةً على المورفين، مريضةً نفسياً، داعرةً تخلع ملابسها للرجال جميعاً من غير استثناء، وترفض أن تخلع صليبها من عنقها " وتمارس نوعاً من عبادة الجنس، ومن التشبّث بعذريةٍ غامضةٍ موهومةٍ، وهي بنت حرام، ومنبوذةٌ، وتعتبر مجنونة... تقرّر أخيراً التخلّي عن هذا العالم وتكريس نفسها (للباليه) أي الحلم الأبيض " ص (149 _ 153)

 

وتبرز بين شخصيات الرواية " أم ماري " التي انتحرت بالسم، وابنتاها الغربيتان (ماري، وأليس) ، إن " ماري " قريبة السلوك والنـزعة من " مادلينا " تظلّ " معتكفةً مريضة شاذّة، تعالج نفسها بالسمّ الأسود، ومثلها " أليس " مدمنة مخدرات وجنسية، تقيم في منـزلها حفلات الصخب، والجنون والعدمية لشباب وشابات بيروت. " (38)

إن " ماري / زارة " التي انفتحت على الجنس، فتعلّقت بـ " كريم " وارتوت منه، وروته حتى أحسّ بالملل من جسدها، فتركها واتجه إلى أختها " أليس " التي ذاقت معه الجنس حتى التلاشي، وأذاقته من متع جسدها ما لم يعرفه، فاستنـزفته حتى القطرة الأخيرة، و أسلمته إلى العطالة والعجز، ثم أسفت لما آلَت إليه حالته، ليس شفقةً عليه، وإنما لأنه لم يعد بمقدوره أن يوصلها إلى الذروة، على الرغم من مساعدتها لـه بكل ما تملك من أنوثة.

 

هذه الشخصيات الأنثوية، وسواها في الرواية تغرق في وجوديتها التي رسمها الكاتب، لتعبّر عن ضياع الجيل الجديد أولاً، وعن تلوّث المجتمع العربي بالجنس، والمخدرات والانحلال ثانياً، وعن عدم نقاء المجتمع العربي ثالثاً، حيث احتلّت الأضواءَ فيه شخصياتٌ مثقفة غريبة لها قيمها الخاصة، وسلوكها الذي حملته معها من أوربا، وجاءت به لتنشره في مجتمعنا، ومن ثم لتقلّده الشخصيات الأنثوية الشابّة في مجتمع لبنان، المنفتح على كل شيءٍ، في زمن الحرب الأهلية الأولى عام 1958 إذ ليس في رواية " ثائر محترف " أنثى واحدة لم تستجب للجنس، ولأهواء الحياة الصاخبة، ولجاذبية البطل " كريم " على اختلاف مشارب هؤلاء الإناث، وطبائعهن، وكثرة عددهن، وتعدد انتماءاتهن ومنابتهن. "

إن " ماري " الزاهدة، تعلّقت به، وأختها " أليس " لاحقته وأسلمته جسدها، وتبعته كالقطة الجائعة " ص (174) و " مارغريت " الصغيرة ارتمت عليه مستسلمة، و" مادلين " الراقصة التي أماتت جسدها عادت فأحيته، وقدّمته إلى " كريم " مع خالص حبها، وكامل وفائها (ص318) "وغير هؤلاء من فتيات، ما إن يرينه حتى ينجذبن إليه " (39) حتى يغدو ديكاً بين سرب دجاج، أو كأن المتلقّي يخال أنه يقرأ رواية عن مدينة غرائبية في الشرق، لكن أهلها غربيون، يلفّها الضياع، ثم تحلّ بها اللعنة فتنتهي معظم شخصياتها نهايات مأساوية.

 

أن الشخصيات النسوية في الرواية يواجهن (الجبرية القديمة) بأفكار لقّحتها الوجودية، فاندفعن يطلقن لأنفسهن العنان، من دون أهداف سامية، أو أفكار نبيلة، وقد عبّرن عن توقهن غير المحدود إلى الحرية، أسوة بالمجتمع الأوربي، ليندمجن كلياً مع معطيات العصر الجديد. بنـزوع إنساني منفلت، وبفردية وتميّز، وبثورة جديدة. كي يمحين الحكمة القديمة التي أوجبت عليهن (جرّ الذيول) ولكنهن في هذه الفردية والثورة لم يستطعن الإفلات من شباك الذكَر، الذي تهافتت عليه جميلات المجتمع اللبناني، ولم يتركنه إلاّ بعد أن أوصلنه إلى العطالة والعنّة، ولينتهين إلى عزلةٍ، أو متاهةٍ، أو ديرٍ، أو مصحّةٍ نفسية، أو انتحار.

 

لقد مثّل الغرب القيم الجديدة لهذه الفئة الاجتماعية المثقفة، فكان الأنموذج، والمثل الأعلى لها، وقد عمل بعض الكتّاب على الاندفاع مع هذه النقلة التي يبدأ نهارها مع منتصف الليل، لأنهم وضعوا نصب أعينهم إيجاد أدب روائي عربي يضارع ما يستجدّ في الغرب من صراعات فنية، وكانت " السمة الغالبة على أدب الشباب منذ أواخر الخمسينيات حتى حرب حزيران سنة 1967 هي التعلّق بأدب الضياع عامة لا بالوجودية خاصة، وإن كانت الوجودية بالطبع جزءاً لا يتجزأ من هذا الاتجاه، والتعلّق بها على أي حال لم يتوقف في الستينيات، ولكنه اتخذ شكلاً أوسع، وذلك نتيجة تعدّد النماذج والمؤثرات في مرحلة الستينيات."

إن كتّاب هذا النوع من الأدب هم جيل من الشباب فقدوا " العلاقة الأساسية " مع الحياة. وهم ثوار على كل شيء، ولكن في سبيل لا شيء تقريباً. إنهم لا يؤمنون بالأسرة ولا بالمجتمع ولا بالمؤسسة، وربما كانوا يؤمنون بشيء واحد فقط هو أنفسهم، ولكن ذلك غير مؤكّد على أيّ حال؛ وحتى هذا الإيمان بالنفس يمكن أن ينتهي إلى لا شيء، لأنه يتمّ في إطار محدّد من الشعور بالضياع والتفتّت، والاغتراب عن العالم.

 

ونتيجة لذلك يصبح الحلّ الوحيد أمام أبطال الضياع الاستسلام للشرب والجنس وأحلام اليقظة. هذا النوع من الأدب معروف جداً في الغرب، وهو يحمل أسماء مثل أدب التفتّت أو الضياع أو الأدب الطليعي أو اللامعقول أو غير ذلك. " (40)

 

رابعاً: الملامحُ النفسيَّة للشخصية الأنثوية

تعدّ الأنثى أفضل البؤر الاجتماعيـة، التي تتجمّع عندها الموروثات البيولوجية، وأنماط السلوك الاجتماعي، بالإضافة إلى أنها وسطٌ اجتماعي حسّاس، يجتذب إليه إشعاعات الشعور الجمعي، ومن ثم يعكسها في جوّ الرواية، وسط اهتماماتها، بتاريخها الأنثوي المليء بالمظالم وعبء التقاليد، كما سنتبيـّن في النماذج المعروضة، التي تضاف إليها ألوان أخرى من العلاقات القائمـة على النـزعات: المسترجلة، و الدونية، والتغريبية، التي تنتهي غالباً نهايات، لا تكون- عادةً – في صالح الأنثى.

وقفت الرواية السورية على جوانب من الحالات النفسية للشخصية الأنثوية، ولامست مشاعر الخوف والضياع والقلق والاغتراب والخواء والعقد النفسية، والصراع الداخلي، والغرور، وموت الروح قبل موت الجسد، وسوى ذلك من الحالات التي تحلّ بالنفس الإنسانية، والتي – غالباً – ما تنتهي بالأنثى إلى تشتتٍ وضياع ومآس متنوعة من مرض ورهبنة وانتحار.

 

إن رواية " في المنفى " لـ" جورج سالم " أوجدت شخصيات اكتئابية، تغرق في طقوس عدمية، ووُسِمت شخصيات روايتي " مطاع صفدي": "جيل القدر" و" ثائر محترف " بالحياة الوجودية الشبحية، وجسّدت العقد النفسية المرضية، واختار " صدقي إسماعيل " في رواية " العصاة " للأحداث، شخصيات ذات أبعاد فلسفية وجوديةٍ، على الرغم من شعبيتها، وتميّزت شخصيات أنثوية في روايات متعدّدة بالاسترجال.

 

" إن دارسة الشخصية الروائية، من خلال السمات النفسية، والشخصية التي تؤثر في حركة السرد، والوقائع والأحداث، والشخصيات الأخرى، يمثّل اعترافاً بالقيمة التي تنطوي عليها هذه الشخصية، داخل بنية العمل

الروائي."(41)

ويكاد يكون " وليد إخلاصي " في رواية " شتاء البحر اليابس " متفرّداً في خوض غمار التجريب الفني، لذلك جاءت معظم الشخصيات الأنثوية تحمل مشكلاتها النفسية، ولكن إغراقها في الجنس – كما في روايتي " مطاع صفدي " - يستعبد أفكارَ الكاتب، فـ "يتحلّل السرد والتحليل، ليركض وراء شطحات اللامعقول. . إنها في الأدب العابث. الذي يخاطب اللاوعي، ويُحرّك

الخيال "(42) لذلك تبدو الشخصيات إشكالية، تعيش حالات نفسية غير طبيعية، يقترب بعضها من حالات المرض النفسي، وعقده، فـ " عزيز " يحبّ " طفلةً " هي ثمرة حبّ مدنّس.

و" الغادة الإيطالية " تحبّ شاباً حلبياً لكنها تُفجع بمقتله في الحرب.

و" الأم " تشاكس ابنها بسبب العقر والعقم.

و" شابّة جامعية " تزلّ بها القدم بسبب لهاثها المتواصل وراء الأضواء الملوّنة، فتهجر الجامعة والعلم، وتمتهن الرقص.

و" سوزان " تتحوّل إلى دمية يلهو بها " عزيز ".

لقد اهتمّ " وليد إخلاصي " برسم السمات الداخلية للشخصية، التي جاءت تجريبية جديدة في الرواية السورية، حتى قال عنها أحد النقاد إنها " لم ترسم رسماً كافياً، ولهذا لم تتضح ملامحها الخارجية بصورة مقبولة، وإذا كان من الصعب علينا أن نجد موقفاً عاماً مشتركاً تتحرّك من خلاله الشخصيات، من الناحية الظاهرية، فإن الحركة النفسية الداخلية للشخصيات تنبع من حقيقة المأساة الإنسانية، وتعاسة الحياة الإنسانية " (43)

تقول " ليلى" للرجل الذي قَبِلت بحبّه: " كذبت عليك، ليكن الصدق أساساً لنا، نبني عليه زواجنا، لم أتزوّج من قبل. ولم يُقتل أبو سوزان في معركة كما ذكرت. رأيته. أحببته. أعطيته كل شيء. ثم لما تركني، تركت بلدي، وبدأت هنا. كان للإسكندرية قلب كبير فاحتواني. صاح الرجل فجأة، كله كان يصرخ: " كذبّتِ عليّ ؟ ! " ص (45)

وفي لون قريبٍ من الأجواء النفسية التي رسمها " وليد إخلاصي " وأكثر قرباً لأجواء " مطاع صفدي " تتحرّك شخصيات رواية " العصاة " لـ " صدقي إسماعيل " بملامح وجودية في " ذهنيتها، ومنطلقها، وتحليلاتها لأشخاصها. كلها في الأساس وجودية، ولكن من دون أن تتوهّم لها مواقف (ذروات) أو (أشباح أبطال) .

 

إن اهتمام الكاتب بهذه الملامح، يعود إلى اختصاصه في التربية وعلم النفس، ولجوئه إلى التحليل والوقوف على النوازع الداخلية [ التي تساعد على ظهور ] بعض العقد النفسية التي اكتسبتها الشخصيات في مرحلتي الصغر والفتوة، وقد عمد إلى ربط الشخصية " بعقدة أو بأكثر من عقدةٍ تحكم سلوكها. " (44)

فـ " هدى " " متكبرة ومتعالية " و " أميرة " التي سخرت من حبّ ابن عمها " إبراهيم " تتزوّج من أحد أثرياء المدينة، فتنجب أولاداً صماً، و" أم سامي " يضربها زوجها البائع المتجول، فيقلع عينها، فتهرب، وتتعاطى الدعارة، و" وداد " خالة سامي قاسية القلب، و" عشيقة " " ن. أيوب " حملت منه، فأراد أن يقتلها قبل أن تتخلّص من الجنين، لأن " أيوب " يعاني من عقدةٍ سبّبها لـه معلم اغتصبه في صغره، و " زوجة هاني " تعاني من خللٍ في العلاقة مع أهلها، كما أنها على خلافٍ مع زوجها، كاد يؤدّي بهما إلى الانفصال، و" مديحة " ابنة عباس، فتاة متحررة، ينتهي بها تحررها إلى الطلاق، والانتقام من زوجها الغيور " عدنان ".

 

إن هذه النماذج البشرية، المريضة، والمعقدة، والمأزومة. عبّر فيها الكاتب عن صدق الاختبار، فتغلغل في أغوار نفسياتها، ووقف على معاناتها الإنسانية، بطريقة (بيسيولوجية) استقى مضموناتها مما يدور في مجالات الشعور من تجارب (حياتية) أو صدمة من الصدمات، أو معاناة آلام، أي من مصير هذه الشخصيات بصورة عامة، مما يدركه الشعور العادي أو يمكن تحسّسه على الأقلّ، ومما انطبع في نفس الكاتب، ورفعت من (وتيرة) الحياة اليومية إلى صعيد المعاناة لتسكب في قالب تعبيري، يزخر بقوة الإقناع، دافعة إلى ذهن القارئ الواعي بما هو مألوف بحدّ ذاته، وبصورة خاصة إن جميع الشخصيات منتقاة من القاع الاجتماعي الشعبي.

 

وتسيطر فكرة (الشبحية) على شخصية " هيفاء " في رواية " جيل القدر " التي تظهر من خلالها بلا موقف: " إنني بدون قيمةٍ. بدون مقياسٍ. بدون الآخرين. حتى أنت – يا نبيل – أنت. من أنت ؟ لا سلطة لك عليّ بعد الآن. إنك شبح " ص (265)

" أنا أدري ما معنى شبح. إنه وهم غير موجود على الإطلاق. . توحّدت يا نبيل. إن ذروتي بدأت تنبت من صحرائي، هاهي ذي ترتفع إلى جانب الهوّة. إنني أناظرك يا نبيل، وبيننا الهوة " ص (266) وهذه الأخيلة والأوهام الشبحية، تضخّمت حتى غدت حالةً مرضيةً أدّت بها إلى الانتحار.

ووهم الشبحية (45) يجعله الكاتب يسيطر على بعض شخصياته في الرواية الثانية " ثائر محترف"، فـ " زارة " تصف حالتها النفسية: " كنت دائماً أرغب أن أحيا بعنف، ولكن ما الفائدة ؟. . كنت مجرّد فتاة غريرة، ظننت أني أقبض على سرّ الوجود، بالفلسفة والتصوّف، ثم أتيت أنت - يا كريم - فكشفت لي عن حياة أخرى... لم أستطع أن أحبّ " ص (378)

وحين تشتد حالتها النفسية تأزماً، وينتهي بها الأمر إلى الدير، يعترف عاشقها الأول " كريم " الذي استنـزف طاقتها الجنسية بأنها كانت بمنـزلة الشبح بالنسبة إليه: " رحت أفتقدها، وحواسي تتابع ملامحها، وعجزت عن الإحاطة بها. كانت تفلت من حصاري لها. كأنها شبح. كأنها فيض غمامٍ، يمكن أن يكون موجوداً في ذات اللحظة. " ص (280)

لكن شخصية " زارة " كظلٍّ أو شبحٍ، تبدو شخصيةً إشكالية، نظراً لما تميّزت به من حساسية مفرطة، فهي ابنة أم أوربية، وقد عاشت - هي - في الغرب خمس سنوات تدرس الفلسفة، كفتاة متحضّرة متحرّرة من العقد الشرقية، لكنها عندما حطت رحالها أخيراً في بيروت، آلت على نفسها أن تعمل على تغيير القيم الاجتماعية، فنـزلت إلى أقبية المدينة. سهرت ومارست الجنس حتى ملّت منه، فاكتشفت أن أدواتها ضعيفة لا تقوى حتى على مجرّد التفكير بالتغيير، وانتابتها مشاعر اغترابية حادّة آثرت معها الانسحاب من مجتمع المدينة الصاخب، والانزواء بهدوء في الجبل، مكتفيةً بخادم صيني، وكتب وموسيقا " تعيش أفكارها الحضارية بعيداً عن الواقع الخارجي المعادي لإنسانيتها ومطامحها. لقد انصرفت إلى عالمها الخاص، فوُصمت من قبل الآخرين بأنها (غير مفهومه) ومن هنا إشكاليتها، لأنها ليست نسخة طبق الأصل عن الآخرين في تصرفاتهم وسلوكهم الذي تقوده مصالحهم الأنانية، وقد بادلوها العداء، لأنهم لم يستطيعوا جرّها إلى ضحالتهم، واكتفت بالانصراف إلى عالمها الداخلي، وهواياتها المفضّلة، ولم تجد في الجنس أو الخمرة أو الرقص لذّتها المنشودة. كما كانوا يجدون.

 

 ... السبب الأساسي في إشكاليتها هو مثاقفتها، وإيمانها بموقف حضاري، لم تجد تجسيداً لـه في واقعها المتخلّف. فنكصت إلى عالمها: " أنا أبحث عن المطلق، ولن أعثر عليه. لا لشيء إلاّ لأنه المطلق. أنا أبحث عن الفراغ هنا وحدي. إن أختي تسخر مني، وأبي يعجب لي، ولكنه يظلّ أبله تلقائي. وهنا أنت تنضمّ إلى القافلة يا كريم. إذا حدثتك عن مأساتي، فلن تدرك شيئاً. ربما شككت بعقلي. وقد أكون ضحية تربية الراهبات، ولكنني لا أشعر أنني ضحية لأيّ خطأ " ص (45)

وبمنظور تغريبي، غير واقعي نجد أن " هذا النص الثمين يوضح إشكالية المثقّفة التي عاشت في أوربا، وعادت إلى بلدها، فأحبطت كل مشاريع حياتها بما جوبهت به من عدم فهم وعداء، ويوضح الفرق بين المثقف الإشكالي الذي عاش في أوربا، وعاد بقيمٍ إنسانية. " (46)

لكن قارئ هذا التعليق لا بدّ أن يتساءل عن ماهية هذه القيم الإنسانية، التي تنبع من معاقرة الخمرة، وممارسة الدعارة، وتعاطي المخدّرات، وكلُّ همّ الأنثى المثقّفة التي تربّت في مدرسة الراهبات، فرضُ هذه الخلاعة التي تزيّنها بمصطلح (القيم) ؟.

 

فكيف يتأتّى لابن البيئة العربية، أن يقبل مفاهيمها المنحرفة في التغيير الوجودي، والتحويل الاجتماعي، والثورة التي جعلت عدّتها الجسد ؟!.

يسعى الكاتب – أكثر من الكاتبة في بعض المواقف - إلى اختيار الشخصية الأنثوية التي تتيح لـه التغلغل إلى أغوارها النفسية، وكلما أحسن رسم الأبعاد، وأجاد في التصوير، ارتفعت صورة الشخصية، واكتسبت قيماً إنسانيةً متميّزة على الرغم من تحرّكها عبر واقعٍ معيشي يومي، يزيد من نصاعة القالب التعبيري، الذي يزخر بقوة الإقناع، دافعةً إلى ذهن المتلقّي بما هو مألوف بحدّ ذاته، وبما لا يشعر به، إلاّ بشقّ النفس، وبصورةٍ مبهمة، والكاتب بذلك يضفي على شخصيته هالةً أوسع من الإنارة والوضوح، ودرجةً أسمى من الإنسانية، لأن الخلق الفني الأولي، يبدأ من أعماقه الشخصية، من معقد أتراحها وأفراحها التي لا تنفكّ عن الدوران في الأعماق، مشكلّة مضمون شعورها الإنساني.

 

ومعاناة الشخصية في اليومي الرتوب، كثيراً ما يوقعها في الحيرة، والتردّد. خاصةً عندما تكون من ذوات الأحاسيس المرهفة، والذكاء المتوقّد، التي تصطدم أحاسيسها المرهفة، بغباء القطيع، وعقلية الذكورة الطاغية في المجتمع الريفي بصورة خاصة.

 

إن شخصية " خولة " في رواية " الوباء" لـ " هاني الراهب " اختصت بالقسم الثاني " الخبز والحرية " من الرواية الضخمة حجماً، وقد استطاع الكاتب بخبرته العالية إضاءة هذه الشخصية من الداخل، راصداً حركتها منذ طفولتها في قرية (الشير) إلى إقامتها في دمشق مع زوجها " شكيب الغفري " وحتى بعد طلاقها واستقرارها في اللاذقية مع ابنها " حيان " ووقف على أحوال جموحها وكبح زمامها، وإقدامها وتردّدها، واضطرابها وخطل رأيها، وسوى ذلك من الحالات النفسية التي غدت في الرواية لا تعبّر عن حالات بنات جيلها فحسب، بقدر ما غدت أشبه بمرآة تعكس حركة المجتمع في أربعينيات القرن الماضي، كما يعكسه سلوكها، وتعبّر عنه دلالات انتمائها الطبقية.

لقد امتلك " الراهب " ناصية فنه، فتعامل مع هذه الشخصية بأسلوب الروائي الفنّان الذي عرف كيف يصنع تمثاله الحي، ويضيء جميع جوانبه النفسية في توقها الشديد للحرية، مستخدماً لذلك (المنولوج الداخلي) والحوار المشهدي، والتنويع في العرض الفني للحوادث المحيطة بها.

 

و" قد استطاع تيار الوعي السماح لـ" خولة " بتقديم نفسها للقارئ من الداخل إلى الخارج، وعرض الحوادث من خلال انعكاسها فيها وحدها.

ولو حاولنا إبعاد تيار الوعي، وإعادة ترتيب الحوادث التي مرت بخولة ترتيباً زمنياً للاحظنا أنها تعيش في قرية الشير حرة مستقلة... .

وتتحلّى بشيء، غير قليل من المرح والصدق، لكن المجتمع حولها (أسرتها. القرية) لم يسمح لإمكاناتها بالانطلاق الحرّ، نحو تكوين شخصية مستقلّة. " (47)

لقد عانت " خولة " من (عقدة الحريم) منذ نعومة أظفارها، ولم تنسَ العقوبة التي أوقعها أبوها بها لأنه رآها تلعب مع الصبيان بالحبل وتقودهم، ولا يزال وقع الصفعة بالكفّ يتردّد صداه في نفسها، طوال عمرها، فعانت من الشلل العاطفي .

 

وبين الكبت الاجتماعي، والتطلّع إلى الحرية تشكّلت شخصية " خولة " المتردّدة، الحائرة، لقد ضيّق أبوها عليها الخناق منذ طفولتها، فحاسبها على أقوالها وتصرّفاتها، وازدادت حيرتها وقلقها عندما بلغت مبلغ النساء، فوجدته يضربها، وأحست بقبضة الذكورة تضيق حول عنقها، خوفاً عليها من الضياع. كما ضاعت ابنة قريتها " مريم خضير " حين اندفعت نحو الجنس، ضاربةً عرض الحائط بتقاليد المؤسسة الزوجية، ولم يكن الأب ليدرك أن رغبة " خولة " الإيجابي البنّاء الذي يُخرجها عن إطار التقليدي الرتوب للبنت الريفية المكبّلة بالعادات، سيجعلها تشعر بالتناقض:

" بعد أسابيع تكوّن لديها وعيٌ بأنها لن تستطيع طرد الزانية [ مريم ] من ركنها. رأتها لاصقة هناك كالعلق. أقرف من أن تمتدّ إليها اليد. كل ما استطاعته، هو أن تضربها بشواظ الشيخ عبد الجواد [ والد خولة ] حتى تنكمش وتتقلّص فتمسي بحجم النقطة، وعندها تستطيع هي أن تنام. "

ص(184) .

 

لقد حيّرتها حياةُ الأنثى، فهناك توقٌ وانطلاق، وهناك كبتٌ ونكوص، وحين تقدّم " يونس الملحم " لخطبتها لم تجد فيه سوى رجل يصرخ بغية " إيقاظ جسدها لأجل صلاة الجنس " ص (183) ومع ذلك فقد غمرها فرح دام عاماً، اكتشفت بعده أنها لا تحبه، وتكره الاقتران به، وتشبك الحيرة أصابعها على عقلها بسبب المفارقات المتتالية من الحبّ والكره، وإرادة الأهل في الزواج، التي لا تجد مناصاً في معارضتها، لكن القدر يتدخّل لصالحها في الوقت المناسب، فيموت الخاطب، الأمر الذي يوقظ وعيها الباطن، فتبكي، ويصل بها الأمر إلى حافّة الجنون. لأنها اعتقدت أن موته كان بسببها، شأنها في ذلك شأنُ " إيناس " في رواية " الحب والوحل " وتمادت حالتها سوءاً، حتى جاء " عبسي " الشاب الثوري الذي أنقذها من الجنون، وقد أقنعها أن شعورها بالإثم نابع من التخلّف الاجتماعي الذي يحيق بها:

" نحن مسؤولون فقط عن حياتنا. عن هذا الشقاء الذي نرسف فيه. الموت الذي نحياه... أنت يلزمك عشرون سنة لتخلّصي عقلك من الخرافات، وتَصِلي إلى القرن العشرين " ص (197)

إن حيرة " خولة " انبثقت من التناقضات المتعدّدة التي اكتنفت حياتها من حرية وكبت، وانطلاق ونكوص، وحب وكره، وحياة وموت، وخرافة وحقيقة، وحزن وفرح... . ولعل هذه الثنائيات المتناقضة ستظلّ تسم حياتها حتى النهاية، إذ أنها تزوجت فيما بعد من " شكيب الغفري " وقنعت بالعيش في كنفه، ثم اكتشفت بعد عشرين عاماً من الزواج أنه لا يلائمها، فطلبت الطلاق، وحصلت عليه: " قبل عشرين سنة كنت مثل القالب. مثل ما يريد أبوك – الله يرحمه – والمجتمع. صنعوني على هواهم، وأنا قبلت بكل شيء ".

 

إن " قضية الحرية تبرز من جديد لتعيد الأمر إلى البدايات الأولى، وكأن الرواية تستعيد ما سبق لها قوله عن أن البناء غير السليم للأسرة يجرّ وراءه تبعاتٍ تمتدّ طوال حياة الأبناء، وبخاصة البنات، وهذا البعد الإنساني الذي تفتقر إليه شخصية "خولة " عمّمه الروائي على الحاضر كله فيما بعد، فجعله حاضراً قمعياً لأنه لا يؤمن برأي آخر غير رأيه. " (48) .

 

في رواية " حبيبي يا حب التوت " لـ " أحمد يوسف داود " صوّر الكاتب " سعدى " من عدّة وجوه، أظهر فيها حالات نفسيةً متعدّدةً، ومتقلّبة. إذ ظهرت في البداية محبوبة، نشيطة، صريحة، عاملة، سواء في تربية دود القز، أم في حاكورة الدخان، وذكية ذات حسّ مرهف، وحدس رقيق، وملامح رومانسية، ولكن هذه المميّزات جميعاً، سرعان ما تتناقض مع رضاها السريع بـ " نادر " زوجاً لها، إثر استمالة شقيقته " كوثر " بقلب " الأستاذ أحمد ".

 

إن انطواء " سعدى " وكبتها لمعاناتها، جاء منسجماً مع سماتها العامة، لكن انهيارها السريع، وقبولها المتهافت بالزواج، خرج على منطق تلك السمات، ولم يستطع أن يكسبها طابع الصلابة والتماسك، والانتقام من الحبيب الغادر " الأستاذ أحمد ".

 

على أن هذا ليس علّةَ شخصيةِ " سعدى " الوحيدة "، فلقد سبق أن ظهرت في السهرة التي رقصت فيها، ولعب أبوها بالزمر، حتى وقع أرضاً، ظهرت هي وأبوها مقادَين إلى تلبّس زخم الانفعالات، التي أراد الكاتب أن يشحن بها جوّ تلك السهرة القروية، عائداً بنا إلى جوّ قصته الشهيرة (رقصة الشمس) وإلى جوّ (رقصة الخنجر) في رواية " حنا مينة " " الشمس في يوم

غائم" (49) ...

***

في رواية "الشراع والعاصفة" تثير " ابنة العم " مسألة ارتباط السلوك بنوع الطبقة الاجتماعية التي ترتبط بها، وقد بدت ابنة طبقتها، موشاةً بخجلٍ وحياءٍ. حتى إنها تبدو شبحاً، أو ظلاً لفتاة هادئة ناعمة، فهي سليلة أسرة برجوازية فرنسية الأصل. على عكس " الفتى " الذي ينتمي إلى وسط شعبي تقدّمي، وهذا التفاوت الذي اصطنعه الكاتب أظهر مدى التفاوت بينهما، والذي نجم عنه منح " الفتى " - على حساب الفتاة - قوةً اجتماعية ونفسية ونضالية، ومن ثم فإن هذه القوة تتسبب بمزيد من طغيان الذكورة.

 

لقد بدأت العلاقة بين " الفتى " و " ابنة العم " برؤية فوقية، قنعت فيها الأنثى باستغلالها لقاء شيء محسوس، لم تمنع صاحبها من التلاعب بعواطفها وجسدها، حتى ينعم – هو – بتفوّق الفحولة المتضخّم الذي يصل به إلى مرتبة (الديكية) الحيوانية، فلا ترتفع مكانتها في نظره عن مرتبة الدجاجة الدونية.

 

لقد جسّد " حنا مينة " في شخصية " ابنة العم " ملامح الأنثى الضعيفة المستلبة، التي يتناسب دورها في الرواية مع ملامحها النفسية، وتصرفاتها مع الذكر، صاحب (رقصة الخنجر) الذي أحبّته، ولم يحبّها قط، لأنه أحبّ المومس " امرأة القبو " التي تمثّل الوجه المادي للحياة، على عكس " ابنة العمّ " الفتاة الرومانسية، الحالمة، عازفة البيانو، التي لم تستطع جذب الذكورة المجسّدة أمام ناظريها، إلى جسدها، لافتقارها إلى قوة الجنس الفعّالة التي تمتلكها الداعرة.

 

إن " ابنة العم " بتهذيبها ورقتها، ورومانسيتها تاقت إلى الخروج من دائرة الرتوبة والنمطية، وتبديل الهدوء والسكون بالحيوية والحركة، فطلبت من " الفتى " أن يصحبها إلى " الخياط " لتتعلّم بدورها الرقص؛ رمز التطهّر والحيوية والتحرّر والثورة والانطلاق بعيداً عن جمود المحيط من حولها، وخرق العادي المملّ في القيود التي كبلتها بها تقاليد الأسرة، لكنها لم تجد استجابة لأنها لم تكن تساوي لديه أكثر من " دجاجةٍ، أو أرنب مذعور" أو سلحفاة، أو نملة " أو قبّرة، أو دمية " وهذا ما كان يجعلها تخلد إلى ضعفها الأنثوي، لكنها عندما تحاول الخروج من قوقعتها، تسعى إليه بأنوثتها المهملة، وتستجديه بنظراتها من دون تصريح، ليعطيها شيئاً من عطفه، فيتنازل قليلاً من عليائه، ويتطامن فيمارس الجنس معها من قبيل الصدقة، والشفقة والرثاء، مع عدم تنازله عن اعتداده الذكري:

" كان لي اعتداد الصياد، ولم يكن لها اعتداد الطريدة " ص (169)

" ظلّت جالسة ً على السرير، منكمشة، مذعورة، كالأرنب، فاجأها ضوء باهر. " ص (170)

ثم بعد ممارسة الجنس، لا ترقى بالشعور إلى أكثر من " سلحفاة انسحبت إلى صدفتها ".

إن علاقة " الفتى " مع " ابنة عمه " علاقة تغريبية تتحوّل فيها الفتاة إلى أنثى عاجزة عن الفعل وردّة الفعل، لا تملك شيئاً من أمر العلاقة، فتظلّ هي الأنثى ويظلّ هو الذكر، خصمان لا يلتقيان، وإن التقيا كان اللقاء عابراً لا ينمّ عن حبّ، ولا يترتّب عليه أي شيء من أواصر العلاقة التي تربط بينهما.

إن عنصر الشفقة بالنسبة للأنثى، في الحبّ، يزيد من انطوائها وعزلتها، لأنها عندما تجده يقترب منها تنسى أزمتها، لكنها ما إن ينفضّ عنها حتى يعاودها الشعور بالخواء، وأنها منفية، معلّقة في الهواء بلا جذور ولا رعاية، من دون أن تحسّ أن أحداً يشعر تجاهها بالذنب أو التقصير.

 

***

 

إن عدداً من كتاب الرواية، حالفهم الحظ في تجسيد الحالات النفسية لشخصياتهم الأنثوية، فجاءت صورها النفسية متطابقة مع مظاهرها الخارجية، وهذا ما نلحظه في الصورة (الكاريكاتيربة) الحية التي رسمها " حسيب كيالي " لـ " دلال " في رواية " مكاتيب الغرام " "من خلال التطوّر الزمني، بعد أن انفضّ عنها المعجبون، وراحت تحلم بالزواج، والأسرة والأطفال، لكنه حمّلها فوق ما تطيق، [ كعادته في أسلوب السخرية ]. بغية إظهار اللوحة متناسبة الأبعاد، بغير نفور، وكأنه يقول: إن مثل هذه الحالة النفسية في مرحلة العنوسة، تحتاج إلى مثل هذه الصورة المنفّرة.

 

كما حاولت الرواية أن تقدّم تطوّراً في رسم الشخصية، فنجد صفات " نعمة حمدي " أقرب ما تكون إلى الخصوصية التي لا تخلو من غمزات الكاتب الساخرة، في تضخيم العيوب الخِلقية، لرسم صورة كاريكاتيرية " كانت مقبولة الخلقة، لولا قصر مفرط، وشاربان حقيقيان، لا ريب فيهما، وذقن غير كاملة، تبدأ من السالفين، وتغيب تحت الوجنتين، أما ذراعاها فكأنهما ذراعا رجلٍ، وكذلك ساقاها " ص (22)

واسترجال "نعمة حمدي" الذي أدّى بها إلى الاسترجال والتهميش والعزلة، تقابله أنوثة " إيلزا " في رواية " قوس قزح " لـ "شكيب الجابري" إذ اندفعت بهذه الأنوثة نحو " علاء " وتعلّقت به تعلّقاً صوفياً، جعله يقترب منها إلى حالة من التوحّد والاندماج، تقول: " إيلزا " لا دين للمرأة إلاّ دين من تهوى. آمنت بذلك كما آمن تشيكوف، فقد لبست بطلةٌ من بطلاته ثياب أزواجها ثوباً بعد آخر، فكان لها شخصية التاجر، فالمهندس، فالبيطار. ولم يبق لها سوى ربيب صغير يدرس في كتّاب القرية، لبست لبوسها الجديد، فأصبحت تلميذاً، قلباً وقالباً، ولساناً. أجل يا علاء، أنا اتلبّس شخصيتك"ص(79)

إن شخصية " إيلزا " تجسّد حالة نفسية متقدّمة في الرواية العربية، صُنعت على غرار الشخصيات الغربية، ولكن بمنظور شرقي، فتتلبّس شخصية الذكَر، بهدف الالتحاق به، والتماهي معه بما يحمل من قيم وآداب، لأن الأنثى الألمانية التي تبنى علاقتها مع ذكر من موطنها كثيراً ما تؤول علاقتها معه إلى حالات من القلق والضياع، ترغمها عليه طبيعة الحياة الغربية المادية، بينما وجدت في " علاء " تجسيداً للروحانية المثالية التي يذخر بها الشرق، وبخاصة (العروبة والإسلام) التي تاقت للوصول إليهما كحالة نفسية، وتجربة روحانية تخوض غمارها عن كثب، ولذلك تمنّت تلبّس شخصية زوجها وتركت موطنها، ولحقت به إلى الشرق.

 

وعلى الرغم من أن المثاليين الرومانسيين، يصرّون على أن إخضاع النفس، أو إذلالها – أو التلاشي فيها والذوبان – لا غنى عنه في الحبّ الأنثوي الحقيقي، فإن " إيلزا " تحدوها الرغبة في البذل، بغية الاحتفاظ بـ " علاء " حتى النهاية، للوصول إلى ما يحقّق لها – برأيها – السعادة، ولو كانت على حساب الانمحاء و التوحد بالهوية.

في رواية " اللا اجتماعيون "لـ " فارس زرزور " يجد المتلقي نفسه أمام " رواية تحليلية نفسانية، نسبة إلى التحليل النفسي، وعلى الخصوص، أنها (فرويدية) تريد أن تكشف أثر الجانب النفسي، في الحياة الاجتماعية، وكان فرويد، قابل بين الجنس والمجتمع وجعلهما نقيضين، ولكن عندما يتمعّن – الناقد – في أحداث الرواية، ويحلّل شخصياتها، يجدها بالأحرى (ماركسية) تحاول أن تفسّر. [ أو ] بالأحرى، أقرب إلى (الأدلرية) التي تقرّر أن الاجتماعية هي عمود الحياة الإنسانية ". (50)

ترصد الرواية حياة " ليلى سليمان " وسلوكها وحبّها غير المتكافئ للضابط " خالد جعفر " الأمر الذي يوقعها في أزمات متلاحقة تنتهي بها إلى شعور بالمهانة والإحباط، الذي يسلمها إلى المرض.

 

إن إخلاص " ليلى " في الحبّ، جعلها تعلّق مستقبلها على الإنسان الذي أحبته، وربطت مصيرها به، لكنها تكتشف أنها وضعت ثقتها فيمن هو ليس أهلاً لها، حين تزور صديقتها القابلة " سميرة " في السجن، التي تقضي فيه عقوبةً، لقيامها بعملية إجهاض، وتخبرها أن " خالداً " تزوج، فـ " يغمى " عليها، وتتزلزل رؤيتها للعالم، ثم تجد نفسها مندفعةً للرضوخ لرغبة خالها في الزواج من تاجر، لا تميل إليه، وزاد من خيبتها معه أنها وجدته يعلن إفلاسه، ثم يُقدِم على طلاقها، فتعود إلى البؤس والكآبة، وتسوء حالتها الصحية، فتنقل إلى المستشفى، حيث يأتي " خالد " الحبّ الأول والوحيد لزيارتها.

 

تطرح الرواية تأثير التربية المنـزلية على الأنثى، وتشكيل حالتها النفسية وسوداويتها. فأبوها موظف سكّير، قاسي الطباع، وخالها استولى على حصة أمها من الإرث، وزوّجها للتاجر الذي تلتقي مصالحه معه.

 

وزادت الحالة الاجتماعية والعاطفية من قتامة نفسها حين قطعت علاقتها بـ " خالد " ثم زواجها وطلاقها، مما جعلها تعيش في خواء كبير، أدّى إلى مرضها... إنها حالات، وليست حالة واحدة صاحبت التعبير عن الغرائز الأبوية، والاجتماعية والعاطفية، لم تكن مستقلة عن الظروف الخارجية التي من شأنها أن تستتبع التعبير المتوافق عن الانفعالات الغريزية، ورغم ذلك فإن الأزمات التي مرّت بها لم تستطع أن تحبس خيالات الحبّ في نفسها.

تقول " ليلى " عندما تركها " خالد " في الشارع بغير وداع:

" - آه يا إنساني المعذّب يا طائري الشريد. لماذا لم تلتفت ؟. لماذا ؟. . قل لي. ألا تدري أني كنت أُخفي في أعماقي صرخة عاتية. لو أنك التفتّ، لكنت أطلقتها في جنون: قف. سأكون لك ما شئت... وربما أطلقت هذه الصرخة، ولكنك لم تسمعها، ولم يسمعها أحدٌ أبداً " ص (31)

 

إن " ليلى " أنموذج واضح للشخصية السوداوية المريضة، نتيجة للظروف الحالكة التي مرّت بها. وكما يراها " ابن ذريل ": " عاقة، ثم سَلَتْ، ثم وقعت في الضياع، ثم تزوجت، ثم طُلّقت، ثم ارتبطت بزوجٍ جديد، ولكنها ظاهرة المرض، ظاهرة (الهلوسة) السمعية والبصرية، والإغماءات والذهول، فهي شخصية مريضة، وتجربتها صارت إلى حالة مرضية ظاهرة من الهلوسات والضياع والشعور بالاضطهاد. " ص (193 - 194)

لقد تضخّمت حالة الصَّغار في نفسها. حتى كرهت معها أنوثتها، وكفرت بحتمية العلاقات والمواقف، وحقدت على شرطها الأنثوي، وما كان في حدود الواقع ، فتمنّت لو كانت ذَكَراً، لها ما للذكور:

" لكم تبدو مثيرة للسخرية، هذه السيدة البائسة. إنها تهمّ أحياناً بالركوب، ثم تتراجع، وكأنها نسيت شيئاً ذا قيمة، وتعود فكأنها كانت السخرية والدهشة، ولربما الاشمئزاز، هي التعبيرات الشائعة من حولها، ولكنها لم تكن لتعبأ بشيءٍ. . خاصةً أن مخلوقاً ذا نمطٍ فلسفي لا يمرّ الآن في هذا المكان (لو أن لي ما للرجال لوقفت إلى الحائط. الأطفال يبلّون خرقهم ويضحكون) . .

 

ولا تكون السيدة ليلى شديدة القبح إلاّ عندما يعتريها الذهول. . السعادة تخلّت عنها منذ أمدٍ بعيدٍ. . ولم يبق في بئر حياتها العميق إلاّ القليل من الماء الآسن. إن إحساسات الحزن، والغبطة التي في أعماقها قد ضجرت في وجدانها في حيّز محدودٍ، ويبقى أنها أصبحت تعاني حالة من تلك الحالات التي تُسمى بالإعياء العاطفي (وحدي على الدرب بلا وداع، يغيب ويرجع دون أن يغيب ولا يرجع. " ص (17)

إن بداية الأزمات كانت تربوية منـزلية، ارتبطت بما بعدها ربطاً محكماً فكانت حكاية حبّ خالد، ثم خيبتها فيه قد تركت البصمات الواضحة على نفسيهما، وهذا يذكرنا بمقولة " بايرون " " الحبّ بالنسبة للرجل أحد المشاغل فقط، أما بالنسبة إلى المرأة فهو حياتها بالذات "

***

تتبّع " عدنان بن ذريل " في كتابة " الرواية السورية " (دراسة نفسية) الملامح النفسية للشخصية الروائية بصورة عامة، ووقف على كثير من الحالات الأنثوية المرضية، فلاحظ – مثلاً – أن (الخوف) من الفضيحة، قد أرغم " نجود " في رواية " وداعاً يا أفاميا " على الهرب من محيطها الذي نشأت وترعرعت فيه، فانتهت إلى التشرّد في رحلة عذاب إنسانية عرفت فيها العاطفة، وتخلّت عن التمسك ببراءتها وطهارتها التي كانت تستميت من أجلها في (أفاميا) وتمنّت لو أن " الشابّ " الذي لاذت بكنفه يفضّ بكارتها، بعد أن " كانت صارمةً عنيفةً، وحشية الانفعال، وكان إباؤها مرضاً أكثر منه خلّةً، وكانت أنفتها ضعفاً خطيراً، وعلّةً مخفيةً، قد تقودها إلى الموت لكلمة واحدةٍ، يأباها طبعها الحساس " (51) ويبدو أن أمنيتها في إقدام " سعد " على فضّ بكارتها كان بدافع التعبير لـه عن جميله، والاعتراف بفضله، بعد أن آواها من التشرد والضياع، وسكّن روعها من الخوف، ولم يكن بدافع رغبتها الجسدية في متعة الجنس، لأن هربها ما كان إلاّ خوفاً من الفضيحة، مع أنها لم تكن قد اقترفت إثماً كبيراً، يستحق الهرب من الأهل والبلد إلى المجهول.

***

وتكثر الشخصيات الأنثوية في رواية " ثم أزهر الحزن " لـ " فاضل السباعي " أو هي بالأحرى رواية (إناث) ، فكانت لكل واحدة ملامحها النفسية ضمن الأسرة الواحدة، فالأم " كوثر " أرملة ذات شخصية قوية، وإرادة صلبة، ذات " جلد وكفاح يعززهما في نفسها، حبّها لزوجها الراحل، وأيضاً ما في نفسها من عزّةٍ وأنفة. " (52)

و" نورة "، البنت الكبرى التي يخطبها ضابط، وتحلم معه بمستقبل سعيد، لا يرحمها القدر، فيفجعها باستشهاده في الجبهة مع العدو الإسرائيلي، فتعيش حزينةً كئيبة، وتقع فريسة الوهم، ثم تموت بالسرطان.

و" هالة " شخصية طورت نفسها بنفسها، ولكنها " أكثر تعقيداً، وأكثر ثراءً أيضاً، من حيث أنها تنمّ عن شعور بالنقص يدفعها إلى الطموح والكدّ، وربما حبّها هو العامل الحاسم في تكوين شخصيتها " (53) وكانت على جانبٍ من " الأنانية " و" الطموح " لكنه طموح طبيعي، وليس مرضياً، و " حالةٌ سويةٌ لفتاة تعيش عقدة نقصٍ ظاهرة تتلافى آثارها بالعمل والكدّ، وبالفعل أدّى التحاق " هالة " بالجامعة المصرية من أجل التخصص العالي، ومجاراة " سمير " حبيبها [ وشريكها في المتعة الجنسية المسروقة ] في تخصصه نوعٌ من التعويض المسترجل، ينمّ عن ضعف شخصيتها " (54)

***

في رواية " باسمه بين الدموع " يطالعنا المظهر الخارجي لشخصية " باسمة " فهي رائعةٌ جميلة " شفتاها موارتان " بلون كلون الجوري " و شعرها ينسدل على كتفيها، و عيناها كانتا " واسعتين يبدو اتساعهما غريباً في امتدادهما عرضاً كأن ملتقى أجفانهما كائن في الصدغين لا في الوجه، طويلتي الأهداب، يزيدهما غرابة وسحراً حاجباهما اللذان يبدوان في كثافتهما كأنهما حاجبا رجل لولا دقة خطيهما ونظام استدارتهما " ولها قدٌّ يوحي " بتناسق بديع في الجسم " و " عنق مستقيم يملأ نقرته زغب خفيف الشقرة " " تزوجت من عجوزٍ سرعان ما انفصلت عنه. متحرّرةٌ تملك جسداً شاباً، يضجّ بالأنوثة، والشهوة. ساعدتها نشأتها المترفة على التحلّل، تبادلت الإعجاب مع الشاب (سليمان) ثم اندفعت إليه بكل شبقها، لأنه " نموذج للبطولة الجسماني والثقافي والسياسي الذي تتوق إليه، فأسلمت لـه قيادها، وسقطت معه في جحيم الشهوة. . ولكنها ملّت في النهاية تلك العلاقة الجسدية، فانصرفت عنه، لأنها لم تجد فيه تلك الشخصية التي تاقت إليها، ولم تصادف فيه البطل الذي حلمت به " (55) .

ورسمُ الشخصية الخارجي لم يمنع الروائي من الوقوف على بعض ملامحها الداخلية، وأهوائها النفسية، وقد ساعده أسلوبُ السرد بضمير الغائب على " أن يعطينا تصوراً لما يدور في أعماق " باسمه " حول (البطولة) و (الحبّ) و (الزواج) ويقدّم لابنة المدينة الأرستقراطية التي التقت بابن القرية الإقطاعي الطموح، فحسبت أنه سيحقق (مثاليتها) ولكن آمالها سرعان ما خابت، فكان الواقع بالغ القسوة، وعلى هذا النحو رسم المؤلف شخصيتي [باسمة، وسليمان ] من شخصيات المجتمع الأرستقراطي الإقطاعي، المتحلل بما يتصارع في نفسي كل منهما من قيم، وأهواء وشهوات، من خلال رؤية واقعية انتقادية، تصف العيوب، وتحلّل مظاهر الزيف والفساد والتحلّل "(56.

 

على الرغم من أن شخصية " باسمة " قوية إلاّ أنها أخطأت كثيراً في حساباتها، لأنها اعتمدت، لتنفيذ مشروعها، على طرف واحد من دون مشاركة الآخرين الذين سيقوم عليهم المشروع، وسيطر عليها (الاعتقاد) الذي وصل بها إلى مرتبة (الوهم) أنها بجمالها، وجسدها المثير، وحده ستحقق أحلامها، وأنها في كل التفافها الأفعواني الجنسي حول " سليمان " لم تطلب منه الزواج، وظلّ تفكيرها محصوراً في (تفرّدها) التي ستستغلّ (بطولته) حاملة فكر طبقته، مع أنها حتى ذلك الحين " لم تزهد بالزواج، ولكنها زهدت بنماذج الرجال الذين تعرّضوا لها، وحين تجد رجلها القوي ذلك الذي أسكنته المحراب الذي بنته له، وناجته عمرها، فإن القضية تأخذ وجهاً آخر " ص (152- 153) .

إن الإخفاق الذي مُنيت به من انصراف " سليمان " عن جسدها بعد أن شبع منه، أدخلها في حالة نفسية من (المكابرة) الخاسرة، هي ربيبة النـزعة الطبقية، التي لا ترتفع عن التفكير بالوصول إلى الهدف عن طريق الجسد، لذلك لا تبدي أسفها على هجر " سليمان ":

" أنا ما زلت فتية، ما زال جسدي مثيراً، وما زالت في عروقي رغبات تتأجّج، وتريد من يطفِئُها، ولا يزال لي كذلك عشاق، لذلك فلا تظن أني سأدخل الدير، أو أعمل ممرضة في مستشفى الجذام... إن لي أنا أيضاً حياتي التي أرمي أن أحياها يا سليمان... " ص (324)

وتتجلّى النوازع الطبقية بصورة أوضح حين يثبت المؤلف أن وصولية هذه الطبقة لا تنفك تسيطر على معظم أفراد الطبقة، وكما كان شأن " كريم " بعد أن شبع من جسد " زارة " في رواية " ثائر محترف " كذلك كان شأن " سليمان " إذ ما إن ملّ من جسد " باسمة " حتى انتقل إلى مائدة جسد أختها، وقد اكتشفت " باسمة " ذلك حين شاهدت عقد أختها على سرير نومه، لكنها تظلّ مصرّة على (مكابرتها) و (وصوليتها) معاندةً، ومتجاوزةً حقيقتها الأنثوية، إلى الحدّ الذي اقتربت به من مرتبة (الاسترجال) (57) بمعناه النفساني الذي قادها في النهاية إلى الهروب من الوسط الذي عاشت فيه، من دون أن تعترف بأن حياتها الجنسية السابقة " زيف وعبودية وابتذال، وأن سليمان سمّم حياتها، وأورثها التشرّد والصراعات النفسية، يضاف إلى ذلك أن دعاوى (معاناة الحياة) تلك الدعوى التي انتشرت في الخمسينيات، وما تلاها، راحت تزيّن لها بهرج أفعالها الحرّة كما تدعي، ومنها الدعوى الوجودية التي ساعدت على هذا الفجور الذي عبّر عن فجور الطبقة، أكثر مما عبّر عن تطلّعات جيل، وهذا ينفي صفة (البراءة الساقطة) التي وصفها بها الناقد " عدنان بن ذريل".

أما رؤية " باسمة أن سليمان بطلها، أو أنه بطل على العموم فهي (براءة) . . ولكنها (براءة) سقطت...

هذه الرؤية في نهاية الشوط، أمر شخصي ذاتي. إنها حبّ عادي، سرعان ما اصطدم بالمتناقضات، فذاق الهوان والضياع، وذاق العدم، عدمه الشخصي الذاتي.

إنها ليست استرجالاً. . لأنها ليست تعويضاً عن نقص. . وإنما هي توقٌ إرادي لخلق الحبيب، توق غذّاه أنها امرأة اجتماعية، ومدرّسة للتاريخ، وتريد أن تخدم مجتمعها، ولكنّ تيار الفساد يجرفها وتسقط... " (58) .

 

وإذا كان صحيحاً أنه لم يكن في سلوكها (استرجال) مرضي بالمعنى الذي حدّده علم النفس؛ فإن السلوك المتفرّد الذي نمّ عن نزعة القوتين الطبقية والجسدية، أكدت عليه بعض ملامح مظهرها التي تقترب من ملامح الرجال، إذ ثمة غرابة في (عرض عينيها، وشكل حاجبيها) على الرغم من جمالها، فعيناها كانتا " واسعتين يبدو اتساعهما غريباً في امتدادهما عرضاً كأن ملتقى أجفانهما كائن في الصدغين لا في الوجه، طويلتي الأهداب، يزيدهما غرابة وسحراً حاجباهما اللذان يبدوان في كثافتهما كأنهما حاجبا رجل لولا دقة خطيهما ونظام استدارتهما " وهذا ما يفسّر نزعة الاسترجال التي سلبتها خاصية الشفافية الأنثوية، فغرقت في (غرورها) و (مكابرتها) و (عنادها) وجميع سمات العهر الطبقي، لاعتقادها بقدرة الجسد على التأثير، والتغيير، علماً بأن عملها كمدرّسةٍ لمادة التاريخ لم يخطر على بالها مرةً، ولم يظهر مرّة واحدة أثرُ ثقافتها وعملها التربوي في سلوكها، وإنما انحصر الهمّ الكبير في (الوهم) بأن (فحل السرير) هو (البطل) الذي سينهض عليه بناء مشروعها الحيوي.

***

تعمل المرأة الكاتبة على تنمية عناصر الأنوثة في شخصية البطل الذكَر، وذلك تعبيراً عن توق الكاتبة إلى تحقيق حلم المساواة، وهجاء الذكورة أيضاً، في حين يسعى الرجل من خلال محاولة التكفير عن ذنبه التاريخي، إلى نقل المرأة من الهامش إلى المركز. ومساواتها بالرجل من خلال إبراز عنصر الذكورة فيها مما يكشف عن حقيقة الدافع اللاشعوري لتذكير العالم، انطلاقاً من رؤية ترسيخ قيمة الذكورة، وتجعل منه المثال، الذي على المرأة، لتحقيق وجودها أنها تتساوى وتتماهى به، وهذا ما يتعارض مع وهم المساواة، الذي يحاول أن ينجزه الرجل الكاتب، من خلال هذا الموقف، لأنه يلغي مبدأ التعدّدية في الحياة، ويحرمها من حالة الثراء الذي يمكن أن ينشأ من تكامل الوجودين الإنسانيين للمرأة والرجل. " (59)

في أديبات الأنثى ما يصدق عليه ذلك، ومنه ما يشذّ، كأن يطغى الضعف الإنساني الأنثوي على الشخصيات والأحداث.

إن " ليلى " الشخصية المحورية في رواية " ذهب بعيداً " لـ " جورجيت حنوش " لا تستطيع التخلّص من الخوف الذي سكنها إثر مقتل حبيبها " كمال " في حادث سيارة فتنهار، وتركن إلى البكاء والانطواء، تبدّد بهما وطأة أيامها " لم يعد يثير اهتمامي سوى حديث المصائب، وكأنني أتعزّى بمصائب الناس... كنت أبكي بحرقة، وكان البكاء يبدّد بعض الكلام في نفسي، ويخفّف عني بعض اليأس، فانطويت على نفسي، ورفضت الدعوات، ورؤية الأصدقاء ". ص (68)

وتعيش " نوال " في رواية " عشيقة حبيبي " للكاتبة نفسها، حالات صراع نفسي متواصلة، إذ خاب سعيها في الارتباط بمن أحبته، ورأته يهجرها، مفتوناً بأنثى غيرها. . كما لم توفّق في الارتباط بأكثر من رجل، طلب يدها، حتى إذا ما وافقت على خطوبة " فريد " اكتشفت أن لديه عشيقة / عجوزاً فرنسيةً، تعيش معه، فتعتمل (الغيرة) في نفسها، ثم تهجره، فيلحق بها، ويطلب منها الموافقة على عقد الزواج للتو، عندئذٍ تنتابها حالة حادّةٌ من الصراع النفسي، والحيرة:

" - فريد. دعني أفكر. . سأعطيك جوابي غداً، هيا نتمشى...

وسرنا في خطا وئيدة، وسحابة من الحيرة تطوف حول نفسي. كنت أفكر بقلبي أكثر مما أفكر بعقلي، ورغم ذلك كنت أحسّ أنني بحاجةٍ إلى أن أقطع مسافة طويلة، فصلت بيننا. إن حبي لـه مجروح، وأنا بحاجةٍ إلى أن أضمد جرحه حتى يصبح سليماً صافياً...

هل حقاً أريد أن أفسخ الخطوبة ؟. وداهمني شعور بالخوف من الحياة القاحلة، التي تنتظر في حلب !

[ وبعد أن تستعرض مخاوفها. تصل إلى قرار لا تحدّثنا عنه ]

- مرّت الساعات إثر بعضها، وأنا في عراك مع نفسي، ولكنني قبل أن أغفو، توصلت إلى قرارٍ عزمت أن أنقله في غدٍ إلى فريد. . وغفوت وأنا أنتظر بزوغ الفجر، وولادة الصباح. . " ص (85)

***

وإذا كانت بطلتا " جورحيت حنوش " " ليلى " و " نوال " لم تستطيعا تنمية عناصر الأنوثة في شخصيتي بطليهما الذكرين " كمال" و " فريد " فإن " ريم " في " أيام معه " شأنها شأن " باسمة " استطاعت أن تحقّق هذه المعادلة، ولكن من خلال تجسيد قيم المجتمع الطبقي المتخم. إذ لجأت الكاتبة إلى تكلّف هذه المعاناة الأنثوية من الادّعاء بلا أخلاقية الذكر، ثم تكلّف الشعور بالملل والفراغ، وحبّ العمل، وظهرت (المكابرة) و (العناد) و (النظرة الندّية) للذَكر، والثورة على كل شيء، الساكن والمتحرك، في نطاقي الأسرة والمجتمع، حتى يمكن عدّ ذلك نوعاً من (التهوّر) في فرض الشخصية " مع أن الموقف والحدث لا يتطلّبان كل هذا الزخم من العناد، وهذا التهوّر الذي تتصنّعه الكاتبة لتصوّره في حالة نفسية مثالية من الأنانية، وحبّ الذات الذي يقترب من (النرجسية) التي تعكس تناقضاتُها صراعات الواقع المتدنّي، والرغبة في السمو بالذات، والمجتمع على السواء " (60) فتقمّصت شخصية (الضائعة) و (الخائفة) و (التائهة) و (المستوحشة) ولكن ذلك كله لا يصل بالمتلقي إلى الإقناع:

" كنت سأبوح. كنت سأعترف لـه بأنني (أخاف الوحدة) وكنت سأقول إنني بحاجةٍ إلى شخص حبيب يبقى إلى جانبي، و( يدلّني على طريقي) ويدفعني فيه شخصٌ (يبدّد ضياعي) و (خوفي) ويعطي معنى لوجودي، فأجد في ظلّه (الأمان) ثم أكتب، وأكتب، وأكتب " ص (118)

ولا تفارق " كوليت خوري " أجواء الرواية الوردية والستائر المخملية في روايتها الثانية " ليلة واحدة " وإنما تواصل العزف على الألـحان الرومانسية التي تتضخّم فيها الذات الأنثوية، ويبدو الذَكر / الزوج في مملكته القاحلة باهتاً، يغرق في برودة جنسية قاتلة، مما يهيّئ نفسية أنثاه التي ترتبط معه بعقد رسمي، لتقبّل الخروج من القوقعة الاجتماعية، فـ " رشا " ما إن تلتقي " كمال " وهي في طريقها إلى باريس حتى تجد فيه فتى أحلامها، وتقضي معه ليلة لذة واحدة تعادل عمرها كله، وتبعد عن جسدها سأم عشر سنوات كانت تخون نفسها فيها مع زوج لا تحبّه.

 

إن " رشا " شخصية متفتحة، لكن الكبت الذي خزنته في أعماقها طوال هذه المدة، قد تجد لـه الكاتبة مسوّغات فنية في العمل الروائي، فهي ابنة مجتمع شرقي على الرغم من انتمائها إلى طبقة البرجوازية، وقد تزوّجت صغيرة، رجلاً كهلاً، لم تعرف معه سوى الرتوبة المقيتة، تؤدّي معه عملها الجنسي أداءً ميكانيكياً، من دون أن تشعر يوماً بمتعة، أو تحسّ بوجودها الإنساني، وكيانها الذاتي، لذلك اقتضت فنية الرواية أن تجد لها بعض الملامح النفسية، التي تسوّغ لها نفورها من السرير الزوجي:

" بلى. . لقد قضيت عمري وحيدة " ص (153)

لقد أثارت شخصية " رشا " النقاد. . ورغم كثرة المعجبين بـ " رشا " فإن بعضهم رأى فيها شخصيةً انهزامية، ودعوة صريحة للإباحية، وتزيين الخيانة، كما حلّل كثير منهم هذا الشخصية التي تمرّدت على أعراف المجتمع، وشذت عن قوانين المؤسسة الزوجية، ولم تشعر بالندم على اقترافها المحرّم، فكانت – كما رأى أحد المعجبين – أنها شخصية " مثيرة وممتعة، وأجمل ما فيها دخولها المتدرّج، نصف الواعي في عملية التحوّل، من خلال تفاعلها التدريجي أيضاً مع شخصٍ غريبٍ تلتقي به للمرة الأولى، ثم إن هذا التحوّل بحدّ ذاته مثير للاهتمام... أتاحت لها تجربة ليلة واحدة، غير متعّمدة، وغير متوقّعة، أن تكشف عن بصيرتها الحجاب، لتكتشف أن حياتها كانت زيفاً كلها، و " خيانةً نفسيةً " و " لا سعادة " وأن الحياة الحقيقية هي شيء آخر غير الذي تمارسه. " (61)

واندفاعاً من نقّاد المرحلة الأولى الذين أحبّوا مداورة الرواية، وتجريب أدواتهم النقدية في عمل فني رائج، هؤلاء الذين حوّلوا (العماء) بالخيانة الزوجية إلى (بصيرة انكشف عنها الحجاب) كما في المقبوس السابق، أو (اعتبار " رشا " شخصية قصصية ناميةً وحيةً) كما في المقبوس الآتي، لتمرّدها على الشرائع والأعراف، هؤلاء النقّاد حاولوا إيجاد " ظواهر أخرى لشخصية " رشا ". . وربما كانت (النرجسية) أقوى هذه الظواهر. إن النرجسية متمكّنة من رشا تماماً، والعالم من حولها خيوط عنكبوت منبثقة من ذاتها، وهي ليست تمركّزاً (حول الذات) على نحو ما نتوقّع لدى ملايين الزوجات العاديات القابعات في البيوت، إنها نوع من (الأنا) المتضخّم الذي يتشكّل عادةً لدى الفنانين والعظماء، ولم تكن رشا فنانة ولا عظيمة، وقد كانت انفجارات (الأنا) لديها أقوى من مواصفاتها الشخصية ".

" أما أنا

أنا موضوع البحث. . والاهتمام

أنا سبب الفرحة. . " ص (28) .

" إن هذه الانفجارات ليست انفجارات البطلة المتواضعة " رشا " إنها مسقطة من فوق. .

ومن الناحية الفنية الخالصة يمكن اعتبار " رشا " شخصية قصصية ناميةً وحيةً، فالقارئ يعرف الأمور المتعلّقة بها، وهو يتابع التغييرات التي تطرأ على موقفها العقلي والعاطفي، كما يستمتع بتحليلها الخاص بطبيعة مواقفها النفسية، وتطورات هذه المواقف. " (62)

تقول بعد أن عرفت معنى الجنس الحقيقي:

" لقد قضيت عمري وحيدة، ولكن وحدتي الآن معناها أنه هو ليس جانبي. " ص (152)

***

وتلعب المعايير الاجتماعية إلى جانب التربية المنـزلية دوراً هامّاً في إصابة الأنثى بالعقد النفسية، فـ " بروين " إحدى الشخصيات الرئيسة في الرواية التي تحمل عنوانها، لـ " عبد الباقي يوسف " تصاب بالإحباط لمنعها من الزواج ممن تحبّ، وتؤدّي بها الحالة النفسية إلى ما يشبه الجنون، فتندفع لارتكاب جريمتها الكبرى، إذ تقدم على حرق المنـزل وأهلها في داخله.

وفي رواية " قصة خاطئة " لـ " حبيب كحالة " تندفع الفتاة إلى الإجرام، لشدّة معاناتها من أبويها، سيئي التربية، فتقع ضحية ذكور غرّروا بها، وتسقط في الرذيلة، لكنها عندما تنهض من عثرتها، وتستعيد وعيها، تثأر لنفسها، فتُقدم على قتل أحد غرمائها، وتدخل السجن، ثم تتطهّر، بتشويه وجهها بماء الفضة، ثم تنقطع للرهبنة في الدير، لقناعة الكاتب الوعظية: " أن الإنسان في هذا المجتمع، لا يولد مجرماً، و شريراً، ولا يُخلق والجريمة في عنقه، أو الشرّ في عينيه، وإنما يُدفع إلى ارتكاب الجرم والشرّ دفعاً، يدفعه إليه المجتمع هذا الفاسد... وليس من الإنصاف أن نجازي المرأة إذا زنت قبل أن نُطَهّر طريقها من الذئاب، أو أن نهذّب، ونصقل أخلاق الرجل. " ص (51)

وتظهر حالات نفسية أخرى بسبب سوء التربية، في رواية " جفون تسحق الصدر " لـ " بديع حقي " تجسّدها " صبرية " التي تبدو فيها منفّرة، حيوية، وصولية " غدارةً، نّمامة عاهرة، فاسقة، تخون زوجها في السر، مما دفعه إلى ضربها، ضرباً كاد يقتلها " لكنها، حين يمرض ويشتدّ مرضه تقوى عليه، ولم تعد تطيق صبراً على خدمته، فتطلب الطلاق، وترغمه على ذلك، ثم تتزوّج من " أبي حسني " ثم ما تلبث أن تتشاجر مع (ضرّتها) ، وتصبّ جام غضبها على الزوج الجديد، فتنهال عليه ضرباً، مما يزعج ابنها " عبدو " ويصيبه بما يشبه الجنون، فيقدم على شنق نفسه. عندئذ تنهار " صبرية " وتتمنّى الموت كما تمنته لزوجها الأول:

" آه ليتني أستطيع أن أعرف متى سيأتي عزرائيل، ليحمل عني هذا العبء ". ص (126)

***

هذه الإشكالية نلمس ما يشبهها، ولكن بأسلوب واقعي (حرباوي) – نسبة إلى الحرباء – وليس من منطلق فلسفي وجودي كما في إشكالية " زارة ". فـ " سلمى " في رواية " أحلام الربيع " لـ " عماد تكريتي " أنموذج للأنثى المتقلّبة، ذات الوجوه المتعدّدة، شخصية حيّة متطوّرة، تكثر عقدها النفسية، تستجيب لحبّ " نبيل " فيتقدّم لخطوبتها، لكن أهلها – لأمرٍ في نفوسهم – يعارضون ذلك، بدعوى شعورهم بالدونية تجاه ثراء الخاطب:

" وقالت أم سلمى: أنتم تعلمون حقيقة حالنا. فنحن جماعة بسطاء، وفقراء تماماً، ولم أرد أن أقول لكِ أمام سلمى، لكي لا تأسى على خاطرها... إننا لا نستطيع مساعدة البنت. لا نستطيع أن نقدّم لها شيئاً " ص (44) .

 

إن " سلمى " أنثى توّاقة للحبّ، منفتحة على الحياة، والحرية، حرية الحركة والتعبير والسلوك، إلاّ أنها لم تكن سوية الخلق، على خلاف ما تظهر به لأعين الآخرين. إذ أنها امتلكت قدرة عجيبة على خداع الذكور، بجمالها وزيف أخلاقها، فما إن ابتعد " نبيل " عنها حتى جاءها خاطب آخر أكثر ثراءً، سرعان ما وافق عليه أهلها، وزفّوها إليه، وهنا تتبدّى (حرباوية) الأنثى التي سرعان ما عادت إلى بيت أهلها تحمل ورقة طلاقها لأنها كانت ثيّباً، ولم تكن عذراء.

 

ولعل شخصيتها النامية، وحيويتها الطاغية استمدّت من هذه المشكلة، قوةً ومضاءً، وهي القادرة على تبديل جلدها، حسب المقام الذي تكون فيه... فقد شاهدها " نبيل " ذات مرة في (المبغى) فتوهّم، أو أنها أوهمته بأنها تقوم بزيارة بيت الدعارة للاطّلاع، وكتابة تحقيق صحفي عن حياة البغايا، لأنها أديبة كاتبة، تريد أن تتعرّف إلى الحياة العملية، وتقف على خفاياها، مع أنه شاهدها تعرض جسدها في سوق اللذة، كأيّ واحدة من داعراته. . وربما وقع " نبيل " في اللبس، فيما ترى عيناه.

 

وكخطوة أخيرة للابتعاد عن محيطها، التحق بالجامعة المصرية لمتابعة الدراسة، ولكنه ذهل، وعقدت المفاجأة لسانه حين وجد " سلمى " طالبة في الكلية نفسها التي التحق بها. . وإذ ذاك انبجس الحبّ من جديد في كل جارحة من جوارحه، وتقدّم من جديد إليها يطلب يدها، لكنه جوبه برفضها القاطع.

 

إن شخصية " سلمى " " أنموذج سيكوباتي " عجيب، إنها عديمة الشعور بالقيم الاجتماعية أو اللياقة واللباقة، وربما بفعل تستّرها على الفاحشة. كما هو أكيد عليها... ومن هنا ظلّت ترفض طلب هذا المحبوب المتشبث بها، فانهارت القيم في نفسه وانتحر" (63) فما يكون من هذه الشخصية (الغُرابية والغرائبية) الاصطناعية إلاّ أن تقف على قبره، وتضع إكليل زهر يحمل اسمها.

 

وتلتفت " وداد سكاكيني " إلى خبث المرأة وخداعها الذي جُبلت عليه، فترسم في رواية " الحب المحرّم " معاناة الأنثى من الحرمان، نتيجة سوء تصرّفٍ ينعكس على الأنثى الأضعف في المعادلة النسوية، فالجانية أمّ لا ترغب في أن يقترن ابنها الشاب بـ " نديدة " على الرغم من تبادلهما الحب الجارف، لذلك تلجأ " أم سهيل " إلى الخديعة والكذب لوأد هذا الحبّ، وهو في أوج تأجّجه، لغرضٍ في نفسها، فادّعت أن " سهيلاً " و " نديدة " أخَوان في الرضاعة، مما دفع الحبيبين لاجترار آلام نفسيّة، ظلّت تلاحقهما حتى آخر العمر، فاغترب الشابّ في فرنسا، ودرس الطبّ ثم تزوج، وهربت الأنثى من مدينتها مع أخيها إلى دير الزور، ثم تزوّجت منطويةّ على نفسها.

ويبرز دور الكاتبة في رسم الحالة النفسية على هذه الصورة الهادئة التي اقتربت من حالات الحبّ العذري، في التراث العربي، وهذا طبيعي لأمرين الأول: ثقافة الكاتبة التراثية، والثاني: طبيعة المجتمع السوري المحافظ الذي كتبت الرواية في زمنه، ولو أن الكاتبة سلّطت الضوء على شخصية الأم التي حالت دون الزواج، لكانت الدراسة النفسية خرجت منها بحصيلة غنية، ليس أقلها عقدة (ألكترا) .

 

ومع ذلك فإن نفسية " نديدة " جعلت عاطفة الحب، تبعث في نفسها رغبة غير متعارضة، مع الرغبة في الإخلاص للزوج والأمومة، فطوت جوانحها على أجمل طائفة منها، وأبدع ضروبها وصنوفها، فكانت الروح مع " سهيل " والجسد للزوج.

***

وعلى عكس " نديدة " التي اجترّت آلام حبّها صامتة، لم تصمد " أمية " في رواية " ألف ليلة وليلتان " لـ " هاني الراهب " أمام الاندفاعات الاجتماعية، لأنها باتزانها وشفافيتها أثارت حفيظة الذكور، فنعتوها بصفات التخلّف، ولصقوا بها العقد المرضية، وأدانوها لسيرتها المحافظة، وسلوكها النقي، وإخلاصها للزوج على الرغم من معاناتها منه، وصبرها على قسوته وعنفه.

 

لقد اتهمت " أمية " بالانغلاق على نفسها، وأنها تقبع داخل بيتها كعصفور في قفص، مع أنها تمتلك المفتاح، الذي هو جسدها، تستخدمه ثأراً من الزوج، وتعويضاً عما تفتقده من حبّ، ومشاركة وجدانية.

عندما كانت في زيارة صديقتها " عائدة " حاول زوجها (المحافظ) التحرّش بها فزاغت عنه، مما عرّضها لنقده الجارح، فوصفها بالتقوقع والانزواء، وعدم الانفتاح على الآخر، وأنها تحمل قيم المجتمع العثماني، فقد غاظه أن تدلف مع زوجته " عائدة " إلى الغرفة، وتغلقان عليهما الباب، لأخذ الزينة:

" تنسحب المرأتان لإتمام زينتهما، يقول عباس:

" عجبت لماذا هذه النوافذ مغلقة كلها ! منذ أيام وأنا أراقبها. تصوّر ! لا أحد يفتح نافذة "

" هذا تعبير عن النفسية. نفسية خُلْدية "

" خُلدية، قلت لي ؟ "

" نعم "

" وماذا يعني كلامك يا ضوء عيني ؟"

" يعني نفسية انغلاقية. نفسية الخوف الموروث من العصر العثماني الذائب كالملح في شخصيتنا " ص (28) .

إن إدانة سلوك " أمية " الزوجة المعذّبة الرقيقة، أدّى برأس السلطة الإدارية إلى وصمها بالعُقد النفسية التي تحمل موروث القرون الماضية، وظلّت نظراته الشهوانية لها، ولمساته الشبقية على امتداد الرواية تلاحق التي تتمسك بشرفها، حتى جاء " علي " صديق المحافظ، فتحرّش بها في منـزل المحافظ، وعلى مرأى من خادمته، ثم كان الوصول إلى الجسد في بيت الزوجية، حيث خرجت " أمية " من قوقعتها المغلقة مرغمةً، وانفتح الجسد على عالم الرجل، فمارست الجنس، مع " علي " وحملت من رجل سويسري، ثم وجدت نفسها متعهّرة، فجابهت زوجها بوقاحة بعد أن خرج من السجن، وأعلمته بأنها حامل من شابّ أجنبي، وأنها تخلّصت من عقدها.

***

وفي رواية " الحبّ والوحل " لـ "إنعام المسالمة " نقف أمام أنموذج أنثوي مثالي في العواطف والتفكير، مرهف الحساسية، لأن " إيناس " اعتقدت أن الشراكة بين الذكر والأنثى، لا تقوم إلاّ على الصدق والشفافية، لكن ثمة من يجد في هذا الموقف " صلفاً وشذوذاً ظاهراً – وحالتها – نموذج حيّ ونادر لعقدة النقص، حين تتخذ مظهر (الاسترجال) أي مظهر نقيضها الذي يعوّضها، فتهيمن على سلوك الإنسان وفكره [ وتبدو " إيناس " ] عقدة من جهنم، تظهر في تصرّفاتها بكل عتوّها " (64) .

لكن هذا الرأي فيه شيء من الظلم والقسوة على " إيناس " لاستغراقه في التحليل النفسي، وتجاهله الجوانب الإنسانية السوية في شخصيتها، فهي الأنثى المثقّفة الصادقة في حبها، والمخلصة لمبادئها الخلقية، لأنها تطلعت إلى حياة تقوم على الصدق والعدل والمساواة، توخّت في الشابّ الذي سيتقدّم لخطوبتها الشفافيةَ والاتزان والحب الذي يقوم على الندية والتفاهم.

 

تقول لأهلها عندما أرادوا موافقتها على طلب ابن عمها لها:

" إذا كان يحرص على الفوز بقلبي، لابدّ لـه أن يصبح كالصورة، كالصورة تماماً. " ص (9) ومع ذلك فإن (ابن ذريل) – عفا الله عنه - يصّر على أن " كل شيء في حياة " إيناس " العصامية الفاضلة، يساعد على تغذية هذه المثالية المموّهة التي تشبّهها بالرجل. ولادتها وحيدة لأبويها طفولتها المضطهدة رجولياً. تحصيلها، ثم عملها، ثم خيبتها في فتاها الأول، الذي كانت صنعته بنفسها، وإذا به يعود إليها فاسقاً. كاذباً.

 

إن من طبيعة المسترجل إيمانه الصارم بالقيم والمعايير الخلقية، والذي يعتقد أنه يمكن أن يعوّض من نقصه، ويعدلّ من أسلوب عيشه في عالم خاصّ به، وقد صدم هذا الإيمان " إيناس " بواقع فتاها [ الأوّل ] وزيفه، ثم بفقدها فتاها [ الثاني ]الذي جاء يطلب يدها برفضه، وعندما وجدت نفسها خاوية بغير حبّ انطوت على أحلامها الهاربة تعيش معها في عالمها الخاص. حيث الوحدة والعزلة. . " ولم يقوَ " أحمد " رغم كل مطاردته لها، على اقتحام دنياها، وعالمها. لأنها أحبت أن تعيش في مثالية، مموّهة مع أوهامها، ومفاهيمها، غير واثقة بالزواج، وكذلك هجرت الصديق، وهجرت الوطن كافة " (65) .

 

وقريب من هذه الرؤية النفسانية، يرى الباحث " محمود منقذ الهاشمي " أن " إيناس ": " فتاة سلبية لم تجد لنفسها الرافضة تقاليد مجتمعها سوى أن تقبع في سجن ذاتها مع الوهم والعالم المثالي فراراً من مواجهة الواقع... وحيدة. منعزلة. مكتئبة. ترفض الحلول الأبوية. دون أن تكون لديها حلول واقعية بديلة...

إن الكاتبة كانت مطلقة التعاطف مع البطلة، وكانت لا ترى أخطاءها البتة، وتضفي عليها دوماً هالة قدسية هائلة. مما يجعلنا نعتبر هذه الرواية تندرج تحت ما يسمى " الرواية المقنَّعة " (بتشديد النون المفتوحة) ... وهي الرواية التي تصور حياة كاتبتها بأسلوب روائي مقنّع. يتخلله بعض التصرف. والرمانتيون عموماً شديدو التعلّق بذواتهم والروايات الشخصية كثيرةٌ عند الرومانتيين. تضج بالعواطف الصارمة، والأحلام الهاربة، واليأس القاتل، وإن كان لا بدّ للعديد من الأحيان، من بعض الأقنعة التي يظنونها كافية للتمويه. وهكذا فإن البطل في الرواية الرومانتية الشخصية هو الكاتب ذاته، وإن كان هذا الأمر ليس وحده هو الجانب الجوهري للرومانتية الذي ينكشف عن طبيعة الموقف الرومانتي من الحياة. " (66)

***

وتلعب الغربة المكانية دوراً في زرع الخوف في نفس الأنثى، وبصورة خاصة إذا كانت غير متزوجة. فـ " سمر " في رواية " أيام مغربية " لـ " قمر كيلاني " تبدو إيجابيةً تارةً، سلبيةً أخرى، فهي إيجابية معطاء في عملها التعليمي ومشاركتها في مساعدة الثوار المغاربة ضد الفرنسيين، وهي سلبية " تنمّ عن انطوائية ظاهرة، صريحةٍ عندها، وربما كان تفسير سلوكها هذا – هو – خشيتها على نفسها، أو (عذريتها) في بلاد الغربة، ومع ذلك ظلّت ودودةً لأصدقائها حتى عودتها إلى وطنها " سورية. (67)

وجسّد الروائي " خيري الذهبي " في رواية " طائر الأيام العجيبة " حالة الوهم التي تسيطر على " لمياء " فتسلخها عن طبقتها، وتصنع منها أنموذجاً طريفاً للشخصية الأنثوية، التي تنطبق عليها نظرة " أشعب " ليس من حيث الطمع، وإنما من حيث أنها اخترعت كذبة " الطبقة الجديدة " وصدّقتها، حتى تحوّل (الوّهم) إلى (اعتقاد) راسخ، أنساها أنها من أسرة الخدم الفقيرة، لأن السيد الذي تبنّاها، قد أوصى لها بثروته بعد أن جعلها عشيقته الصغيرة، ثم وجدت نفسها بعد أن تثقّفت، تلمّ بالإنكليزية والفرنسية، فكتبت القصة والسيرة الذاتية.

 

وزاد توقَها واعتقادَها بالطبقة البرجوازية رحيلُ (سيدها) فآلت إليها ثروته، لذلك نهجت نهج بنات الطبقة، وهي تجد نفسها سيدة أمرها وجسدها، وانفتحت على المجتمع جاعلة الطريق إلى ذلك يمرّ عبر جسدها.

 

لقد عانت " لمياء " في البداية من عقدة الدونية، وحينما ابتسم لها الحظ تحوّلت، وصارت الأوهام الكبيرة هاجساً نفسياً ساحقاً، تجلّى في محاولتها إقناع أصدقائها الذين تمارس الجنس معهم بأنها صاحبة الثروة، متخذةً الكذب وسيلةً لإثبات حججها. إذ ادّعت أنها وريثة القصر، وابنة صاحبه، وليست عشيقته، إلاّ أن صديقَيها " هاني " و " خالد " كانا يعرفان حقيقة منبتها، فلم ينخدعا بزيف المظهر.

 

إن مما زاد سيطرة الوهم على " لمياء " أن الثروة جعلتها تتصوّر أنها منقطعة الصلة عن طبقتها الفقيرة، وسهّل ذلك عليها تقمّص شخصية الأنثى البرجوازية المثقفة، التي تكتب وتسهر وتمارس الجنس، لا ينقصها شيء مما يتمتّع به أبناء هذه الطبقة. لكن الزيف الذي سربلت به نفسها، ما لبث أن انكشف حين وجدت نفسها تعاني من فراغ وضياع كبيرين، انتهيا بها إلى العزلة في بيتها الجبلي، ولكنها لم تتخلّ عن تصديق كذبها، إذ زعمت أنها انقطعت عن الأصدقاء بغية التفرّغ للتأليف الأدبي، وهي في الحقيقة ما انتهت إلى هذه القناعة بالعزلة، إلاّ لأنها ، في قرارة نفسها، بدأت تشعر ببوادر أزمة فكرية ونفسية.

 

إن من أهم سمات الشخصية المأزومة، الإحساسُ المضخّم بالذات، حيث تتصور نفسها بما تمتلكه من جمال وجسد وتحرّرٍ ومال وثقافة، أنها محور اهتمام الشباب من حولها، إذا لم تستطع أن تكون محور اهتمام الكون، بل أصل الأشياء وغايتها. إلاّ أن ذلك عندما لم يتحقّق لها، تنسحب من الوسط الاجتماعي الذي عرّاها بهدوء، من دون أن تتخلّى عن مكابرتها، وبنفسية الطبقة البرجوازية التي اصطبغت بألوان مواصفاتها، كما اصطبغ الغراب بألوان البلابل، فلما بلّله المطر تداخلت الألوان.

 

لقد وقر في قرارة نفس " لمياء " – في النهاية - أنها ليست ظاهرةً إنسانيةً قائمةً بذاتها ضمن قوانين الطبيعة، في الوقت الذي عزّ عليها أن تتخلّى فيه عن كذبها البرجوازي، فكان لا بدّ لها – بعد ما أفلست من الآخرين، الذين جعلت منهم مرآة محدّبة، تري فيها ذاتها المتضخّمة، لتصديق الكذب من جهةٍ، والسعي لتحقيق توازنٍ نفسي، تستوفي به حاجاتها إلى التواصل مع الآخرين من جهةٍ أخرى – كان لا بدّ لها من إيجاد البديل الذي يحفظ لها القشرة الهشّة المزيّفة، التي أحاطت بها نفسها، فاختلقت بدعة التفرّغ للتأليف، سوّغت به انسحابها، بمنطق الهروب الانعزالي. وقد فرض عليها ذلك أن تعيش حالةً نفسيةً معلّقةً من الحضور مع ذاتها وعوالمها الداخلية، والغياب عن دائرة الآخرين، الذين أحبّت أن تكون منهم، فوجدت نفسها منفيةً عنهم بعد أن انكشف سرابها.

***

إن الرواية السورية أتت على العديد من الحالات النفسية التي مرّت بها الشخصية الأنثوية، وقد لامس الروائيون أصداءً لانعكاسات اجتماعية وتربوية، وخلقية، وغربية، عملت على جلاء نزعات صاحباتها، وإضفاء الملامح الإنسانية عليهن، وتأكيد النتائج التي آلت بالأنثى إلى الانكفاء والانطواء والعزلة، فتفاقمت حالات بعضهن وانتهين إلى العزلة، والرهبنة في الدير، إضافة إلى مصائر مأساوية انتهت إلى الجنون والمرض والانتحار.

 

ولم تلاقِ جميعُ الحالات التي جسّدت الملامحَ النفسية النجاحَ الفني اللائق بالشخصية الأنثوية، نظراً لاستغراق عددٍ من الكتّاب في التحليل، الذي من شأنه أن يسلب الحيوية من الشخصية، ولكن ذلك لم يمنع من وجود الشخصية التي رُسمت بعناية الأديب المتمكّن من كتابات علم النفس، كما في شخصيات رواية " العصاة " حيث تبدّى حرص الكاتب في " إبراز الشخصية المعنية عن طريق مقارنتها بنقيضها، أو ما يشبه نقيضها، فهو يعتمد على عنصر المفارقة

(contrast) كثيراً... فقدّم لنا " هدى " الزوجة المدنية المعقّدة اجتماعياً وجنسياً، في تماسّها مع " سعدى " الأرملة القروية الساذجة... ووضع " أميرة " الفتاة المدنية التي صاغتها التربية في إطارات معيّنة، وجهاً لوجه أمام ابن عمها " عمران " الريفي المراهق. .

 

وفي الرواية " هناك دائماً جيل مقابل جيل، ومدينة مقابل ريف، وثورية وانحلال مقابل تخلّف وجهل، وحقّ مقابل ظلم، وعفوية مقابل تعقيد. هناك صراع مستمرّ لا يتخذ دائماً أشكالاً عنيفة... وأحياناً يتخذ طابع القطيعة الدائمة. كما بين " سعاد " ووالدها. . وأحياناً طابع التعايش على مضض. كما كان شأن " هدى " و " سعدى "

" ومن الملاحظ أن الشخصيات النسوية تحتلّ حيّزاً ضخماً من التحليل النفسي، ابتداءً من " سعدى " حتى " هدى " حتى " مديحة " حتى " عالية " ويُظهر الكاتب عند الكلام عنها براعةً واضحةً لا تدلّ فقط على عمق قراءاته حول سيكولوجية المرأة، بل تدلّ على تعلّقه الشخصي بشخصياته النسوية، وعنايته بإعطائها نصيبها من الحياة. . ولعل شخصية " مديحة " مثالُ الشخصية الروائية الحقيقية، فقد أتاح لها الكاتب فرصة التصرّف بحرية / فمارست مشاعرها تجاه زوجها " سليم " بهدوء الزوجة التقليدية، ولكنها لم تلبث أن استثيرت بدخول " راجي " في حياتها، وتفتّحت فيها طاقاتٌ كانت مكبوتة بفعل رتابة الحياة اليومية، فإذا بالوهم ينكشف عن عينيها

(disillusioned) وإذا بها تنقلب على زوجها وأسرتها، وتكتشف أن أخلاقها (نصف الحضرية) لا يمكن أن تتفق مع أخلاق برجوازية العاصمة القائمة على النفاق والتظاهر والمواربة، وبعد أن حصلت على الطلاق لم يكن لها بدٌّ من أن تقع فريسة العقد النفسية التي تنتاب المرأة المطلقة، فإذا بالتعقيد يتسرّب إلى نفسيتها رويداً رويداً. حتى تبدأ بممارسة سلطانها، وإضفاء عقدها على أختها " عالية " وهي في كل ذلك شخصية حية قوية جميلة تفرض مهابتها حيثما حلّت. " (68)

 

خامساً: ملامحُ شخصيَّاتٍ أنـثويةٍ متفرّقة

كثيراً ما تتحوّل الشخصيات الأنثوية في الرواية السورية إلى شخصيات خاضعة لقوانين الخيال الروائي، حتى يمكن القول إن بعض (الإناث) في روايات (الرجال) شخصيات ورقية من صنع الكتاّب أنفسهم، يضفون عليهن كثيراً من مكوّنات ذواتهم، أياً كانت طبيعتها وألوانها. كما يمكن أن نلاحظ أن شخصياتهن لدى الكاتبات لا تبتعد كثيراً عن النماذج التي رسمها الذكور. حيث تقلّد الأنثى عقلية الذكر في كثير من الحالات الإنسانية، وقليلاً ما اختبرت الروائية الكاتبة بنفسها طريقة فهمها التي تنتحي - بسبب طبيعتها الأنثوية - إلى الفن أكثر من الذكَر.

 

وفي معظم الأحوال، فإن عدداً قليلاً من الشخصيات الأنثوية كانت شخصيات ورقية مجرّدة، أو ناشئة اصطنعها خيال الكاتب، من دون أن يكون لها شأن مؤثّر في الأحداث أو الشخصيات الروائية الأخرى، حتى بدت شخصيات هامشية ناشئة، غير فاعلةٍ. كما وجدت شخصيات أنثوية أخرى ملفّقة، ومبالغ في واقعيتها أو تغريبها، ومرضها وجنونها، وحريتها الجسدية. في حين تكثر الشخصيات المؤثّرة، التي اقتربت من الواقع المتخيّل الذي أبدعه معظم الكتّاب الذين تمرّسوا في الفن الروائي. (69)

و" الورقية " التي أوجدتها مخيّلة الكاتب، على الرغم من وجود بعض الملامح الواقعية فيها، تبدو في بعض الأحيان غير مقنعة، كبعض الملامح التي لاحظها أحد النقاد على الشخصيتين الأنثويتين في رواية " مجاز العشق " لـ " نبيل سليمان " " فاتن وصبا " الأولى فلسطينية، والثانية سورية من الرقة، ويمكن عدّهما شخصيتين ملفّقتين، إذا حاكمنا الرواية في ضوء عدّها تسجيلاً ميكانيكياً للواقع بسبب انفلاتهما من القاعدة، يعني تأكيداً للاستثناء من الناحية الواقعية، بالإضافة إلى أن الواقع أغنى مما يُنظر إليه في العادة، والأهمّ من ذلك، أن الرواية بوصفها عملاً تخيّلياً لها أن تبتدع ما تشاء من أحداث وشخصيات، وخصوصاً إذا ترافق ذلك مع الرغبة في تحميل الشخصيات رسائل أيديولوجيا وسياسية، وما شابه ذلك. " (70) وقد وجدت شخصيات هامشية في الرواية، بدت هامشية لم تخدم الحدث أو الشخصيات الأخرى التي وجدت في مجالها كشخصية " وحيدة " و " غادة " وقد مرت في الرواية مروراً سريعاً لم تترك خلفها أي أثرٍ دلالي. . ومع ذلك فإننا سنجد – بعد قليل - رأياً نقدياً آخر، يؤكّد تبعية " صبا " ولكن بشيء من الإيجابية الفنية.

 

وقد لاحظ " د. سمر روحي الفيصل " أن عدداً من شخصيات الروايات السورية الأولى بصورة عامة " لم تنل عناية كافية من الرسم، سواء من الداخل أم من الخارج، فقد غلبت النمطية على رسم الشخصيات، فالشخصية عبارة عن " نموذج " تكاد تنطبق على من يمثّلهم النموذج " كما في بعض شخصيات " وداد سكاكيني، وشكيب الجابري " لأنها اتصفت بالسطحية و" أنها شخصيات نماذج تحقّق قيماً مطلقة، فالشخصيات في رواية " الحبّ المحرم " مثالية لم تحسن المؤلفة الإفادة من تحليل الشخصيات، والربط بين صفاتها وأفعالها، فتتورّط في تناقض واضح، فتجعل " نديدة " مثلاً تفزع إلى المنجّمة، ولكنها تجعلها تعود وتقول: " لا أعبأ بأضغات الأحلام " ص (68) فالشخصيات كما تبدو في الرواية مسطّحةً. ليست ذات ملامح مركّبة، لا تتطوّر، ولا تفاجأ، ولا تحيا في صراع ".

 

إن نكوص"نديدة " عن النتجيم يعدّ صحوة وتطوراً لفكرها، وحالتها النفسية، حين عزمت على اعتبار المسألة أضغات أحلام. لكن ذلك لا يمنع من أن الشخصية ساكنة، وغير متفاعلة مع العالم الذي يمور بالحركة.

 

ويلاحظ على شخصيات " شكيب الجابري " الأنثوية، في رواياته الثلاث الأولى، بصورة خاصة، أنها " مجرّد أحجار شطرنج يستخدمها [ الروائي ] في لعبته الفكرية الفنية. إنها لا تستطيع أن تتحرّك، أو تتنفّس إلاّ وفاقاً لرغباته، وهذا الذي يرسم لها قانونها الأخلاقي، ويملي عليها التصرف ضمن مفهومه الخاص للخطأ والصواب، وهو كذلك يصنفها ويقرّر خطّ تطوّرها. من دون أن يسمح لأيّ منها ببادرة تمرّدٍ أو احتجاج " (71) " وبرزت شخصية " نجود " في الرواية، حتى قال عنها " د. حسام الخطيب " إن " وداعاً يا أفاميا " " رواية نجود ". وهي الفتاة الريفية الضالّة، لكنها البريئة الموهوبة، جعل منها الروائي شخصية " أقرب إلى الشخصية الأسطورية لكثرة ما يبالغ الكاتب في تضخيم صفاتها المختلفة، وهي خالية من التناقضات التي نعرفها في تركيب الناس، ونموذج ثابت للصفات التي يقدّسها الرومانتي، وأهم هذه الصفات:

آ – البراءة المفرطة: فهي طيبة القلب. طهور أنوف. لا تخالجها نزعة جسدية، أو رفّةٌ من شهوة. إنها " غالاتيا " التمثال لا الإنسان.

ب – القوة: فقد خلقت " نجود " والمناعة معاً. خلقت أصلاً في الحقل، ووجب أن تكون أمها بالذات بدوية، لتمثّل صفاء الفطرة، ومتانة الجسم، وقوة النفس.

جـ – الاستقامة: فهي لا تعرف وجلاً، ولا التواءً، ولا اختيالاً، ولا كذباً.

د - الطيبة والذكاء. . طيبة إلى أقصى حدّ. تحبّ الناس، ويحبونها، وهي ذكية قادرة على التعلّم، وذات شعور مرهف وحساس.

هـ – وقبل ذلك طبعاً جمالها الأسطوري...

وهذه – على حدّ تعبير " د. حسام الخطيب " جعلت كلاً من " سكاربا " و " سعد " يقفان منها موقف بجماليون من " غالاتيا ". (72)

وترسم " ضياء قصبجي" في رواية " اختياراتي والحب " صورة مبسطة لـ " غالية " الفتاة الجامعية التي تخرج عن إطار عادات الحي التقليدية، ورتوب حياة الأسرة الشعبية المحافظة إلى مجتمع الجامعة المنفتح، شأنها في ذلك شأن مواطنتيها "هالة " و " أمل " بطلتي " ثم أزهر الحزن " و " بارقة أمل " وتضفي على شخصيتها ألقاً خاصاً تدخل به حرم الحياة الجديدة ، فتندفع نحو الشباب بجرأةٍ تناقض ما نشأت عليه في أسرتها، وتتنقّل من شاب لآخر، مما يوحي بأنها شخصية لم تستطع أن تثبت على موقف واضح، وهذا ما حدا بـ " محمد كمال " إلى القول " إنها شخصية فارغة " تقودها الحياة أنى تشاء، على الرغم من محاولة الكاتبة التأكيد على أنها تعتزّ بشخصيتها " وكينونتها المتفرّدة. واستقلالها الشخصي الذاتي " مع أنها " الأنثى التي ورثت التبعية للرجل والاحتماء بخيمته، كما تؤكد تبنّيها لكل ما هو ثابت من القيم المغروسة في الطبيعة الإنسانية، كالإيمان بالله، وحب الخير، بدءاً من الأسرة وانتهاءً بالمجتمع، وليس غريباً أن تكون خفقات الحب الأولى بداية تعرف الإنسان إلى ذاته وإلى الآخرين وإلى العالم، فمنذ المحاضرات الأولى للدكتور ماجد مدرّس إحدى المواد في كلية الحقوق، يثب في دخيلتها شيء غامض يتوهج وينطلق، ولم تتأخر في فهم أنه الحب، ولم تتردد في أن تغرق في لججه الساحرة، وكأنه أول حق من حقوقها، أو لنقل من اختياراتها... " (73)

 ... . وهكذا تبدو " غالية " منذ خطواتها الأولى جريئة في سلوكها، صريحة مع نفسها، لا يعتريها شك ولا تحفّظ، ولا تحاول أن تتساءل عما إذا كان ما تنقاد إليه نزوة أملاها جموح المراهقة، أم خياراً راسخاً أملاه الوعي والعقل، لاسيما وقد حدث أن تعرفت إلى زميل لها في الجامعة اسمه " علاء " تقرأ في عينيه وفي تصرفاته ميلاً عاطفياً إليها، وتأنس به، وتصفه بأنه (الشاب الذي لا يخلو من جاذبية وذكاء وفتوة) ... "

إن " غالية " فتاة مسالمة هادئة واعية، وكما يرى " محمد كمال " أيضاً: " ليس في بنيتها النفسية أية رغبة في التصادم أو المشاكسة، مع أن الرواية قد توهمنا بأنها شخصية فعالة إيجابية ضمن واقعها الأنثوي ومجتمعها التقليدي، وكيف يتأتى لها أن تصطدم أو تشاكس وهي موضع حب وإعجاب من قبل كل شخوص الرواية؛ ماجد وعلاء ورأفت وزميلتها هيام وابنة جارتها دوحة وغيرهم، وهي بالمقابل تبادل جميع من حولها الحب والإعجاب، وتهب كل حبها للحياة في حبها لماجد وانجرافها إليه، كما أنها لم تواجه أية عوائق اجتماعية أو موانع أسرية في سعيها إلى إنجاز طموحاتها العملية والأدبية، ومهما اتخذت من قرارات ومواقف واختيارات، فإن ذلك كله وليد تسرّع وتعجّل، ونتاج لحظة آنية عابرة، فلا عجب إذا رأينا في تصرفاتها شيئاً من التناقض والتعارض، فهي لا تشعر بالارتباك أبداً حين تدعو أستاذها إلى جلسة في مقهى عام، بينما نراها في انتظار زميلها علاء تراقب ساعتها خفية كي لا يشاهدها أحد في ساحة الجامعة وهي في لقاء مع شاب. "

إن شخصية " غالية " تشكلت ملامحها وبنيتها، من خلال رؤية الكاتبة الفنية أكثر مما تشكّلت من الواقع الاجتماعي والثقافي، لذلك تراوحت شخصيتها بين المدّ والجزر، تبعاً لأهواء مبدعتها... . فكانت " مساحة روحها أوسع من أن يحدّها إنسان أو يطوّقها قيد. إنها لا تستطيع القبض على حقيقة ذاتها، فهي تسأل نفسها: لمَ أهوى المستحيل والصعب ؟ أو كثيراً ما تفلسف الأمور بعقلها الواعي، ولكنها سرعان ما ترتدّ إلى طبيعتها العاطفية المضطربة، ومن هذه النقطة أيضاً كان رفضها السفر مع ماجد بعيداً عن الإقناع، مع ما جرّه هذا الرفض من اتهامه بالتنكّر للحبّ والسعي وراء رغباته الشخصية.

 

وهذا التعنت منها لم يُصب شخصيتها فحسب، وإنما أصاب البنية الدرامية للرواية بشيء من التفكك و الالتواء. . " (74) لأن هدف الكاتبة كان تقريب سلوك بطلتها من سيرتها الذاتية، ولذلك أضفت عليها بهارج الفتاة العصرية المنفتحة على العالم من حولها، فسلطت الأضواء على سلوكها خارج المنـزل، لتكشف ملامح الشخصية التي تحكم تصرفاتها - وكلها عاطفية رومانسية - وتسير معها عبر مراحل دراستها الجامعية من جهة، وتدرجها العاطفي مع معجبيها من جهة أخرى، لذلك ارتبطت النقلة التعليمية بالنقلة العاطفية، ففي حرم الجامعة أباحت لنفسها اللقاء مع بعض من أحبوها، وسمحت لبعضهم بالقبل، وسافرت بحرية، وكما حصلت في النهاية على الشهادة الجامعية، فقد حصلت على الزوج المناسب، وهنا يتبدّى لنا اشتغال الكاتبة على موضوع المرأة حصراً، المرأة المتعلمة في المجتمع الحلبي خصوصاً، التي تحاول أن تحقق وجودها في مجتمع أبوي بحت، وتحصل على شيء من استقلالها الذاتي، وحريتها الشخصية في العلم والعاطفة والتعبير والسفر واختيار شريك العمر، وقد كان التعليم بداية انطلاق " غالية " الذي أسقطت فيه الأغلال التي كانت تعوق حريتها قبل الجامعة، لتدخل الحياة العملية بوعي وإيجابية، وهذه صورة نموذجية للسلوك الأنثوي الذي يحب ويكره ويتفاعل مع الآخرين، من دون أن يخسر شيئاً من الشرف، كما كان عليه حال " هالة " في رائعة " فاضل السباعي " " ثم أزهر الحزن " وهذه نتيجة طبيعية تقترب من الواقع الاجتماعي كثيراً، وتكاد تشكّل الرؤية المثالية التي تجسّد أقصى ما ترغب الفتاةُ السورية المثقفة في الحصول عليه، في المجتمع المحافظ، في النصف الثاني من القرن العشرين.

 

إن " غالية " شخصية عاطفية مرسومة بريشة أنثوية، بالألوان التي تظهرها جميلة الجسد والروح، اعتمدت على إبراز الجانب الإنساني في هذه الشخصية الوادعة، وجعلتها - على الرغم من رأي " محمد كمال " الصائب - تنمو عبر خصوصيتي الزمان والمكان، فزيّنتها الكاتبة بالفضيلة؛ سمة المجتمع الشرقي، وتوّجتها بالشهادة الجامعية؛ جواز السفر المؤهل لدخول العصر. لذلك كانت مرغوبةً محبوبة، واعيةً لحركة المجتمع المنفتح من حولها، وليست حركتها داخل الجامعة، وفي منتجعات المدينة، وسفرها العملي والعاطفي إلى دمشق، إلاّ دلالة على أنها شخصيةً نامية، لذلك حرصت الكاتبة على عدم تقديمها بتقرير وصفي، وإنما تركتها تتحرك بقدرٍ، لتكشف مع كل موقفٍ عنصراً من العناصر المكوّنة لشخصيتها. لذلك حملت أبعاد شخصيتها جوانب كبيرة من معطيات العصر، ولكن من دون أن تتخلى عن بعض ثوابتها الشرقية المحافظة، وهي بذلك تقترب كثيراً من شخصية " هالة " في رواية " ثم أزهر الحزن " وتبتعد كثيراً عن ملامح شخصيات" كوليت خوري " اللواتي خصّتهن مبدعتهن بنظرة تكاد تكون متفردة، إذ حاولت في جميع شخصياتها الأنثوية، أن توجد أنموذجاً أنثوياً متميّزاً، يأخذ من الحضارة الغربية بعضاً من ملامحه، ومن بيئته الشرقية بعضاً آخر.

***

في رواية " حبيبتي يا حب التوب " لـ " أحمد يوسف داود "" استطاع عددٌ قليل من الشخصيات أن يظفر بحكم غنى عناصره الأولية، بحرية نسبيةً، وأن يبرهن بالتالي على الفارق الشاسع بين الشخصية الروائية المصطنعة الهيكلية، والشخصية الروائية الناضجة، المستقلّة، التي يحس بها القارئ أمامه كياناً حياً... . ولعل شخصية " كوثر " هي أنضج مثال، تقدّمه الرواية على معنى اصطناع الشخصية الروائية، وفقدانها لعالمها الداخلي، ومنطقها الخاص، المستقلّ في إرادة الكاتب العلنية، عن علاقة " كوثر " بالأستاذ أحمد، أو بشباب القرية عموماً، بعد زواج " سعدى" في دمشق، و بـ " عزام " الذي يساعدها في بعض الدروس، كل هذه العلاقات لم تستطع أن تخفي تسطيح هذه الشخصية، ولم تخرج التحوّلات الإيجابية التي طرأت عليه أخيراً، عن ذلك. " (75)

وتغرق شخصيات " آن لـه أن ينصاع " في متاهة السرد، الذي " يضعف قناعة القارئ بالنصّ الروائي... [ الذي ]... يجعل الشخصيات تبهت وتتضاءل، ويضعف دورها في الحدث الروائي، فإذا كان الموقف موجوداً بحدّةٍ في روايةٍ لحدث لها أساساً كروايتنا هذه، فإن المصيبة تعظم على المرء، بحيث يرى قراءة النص مشقةً. لأن الشخصيات المرسومة على الورق، لا تتضمّن حس الإيهام بالحياة، ولا تصنع الأحداث، ثم تتفاعل معها، ويتعدّل سلوكها تبعاً لهذا التفاعل، إن أمامه دمى تتحرّك بإرادة المؤلف؛ دمى كسيحة ليس غير ". (76)

ويلاحظ على الشخصية الأنثوية في رواية " خطوات في الغربة " اـ " ملاحة الخاني " أنها كانت – بصورة عامة - ذات خصوصيات نسوية ملتصقة بذاتها " ولا توغل. . في قضية المرأة على طريقة الأدب النسائي، والتمرّكز حول ذات المرأة وقضية تحرّرها، وغالباً ما كان هذا التناول معزولاً عن المجتمع، وهي لا توغل في التربوي والمثالي على حساب الفني. " (77) .

 

ويلمس الباحث أن مجتمع رواية " ألف ليلة وليلتان " هو مجتمع رجال، والمرأة فيه ثانوية أو هامشية، وقد غرقت في " ترهلات السياق الروائي " وبصورة خاصة تحركاتهن وتصرفاتهن " من نحو ذهاب " أمية " إلى الرجل السويسري، مما يُعَدّ تفصيلاً زائداً في بنية المضمون، لأن السياق الروائي لا يدعو إليه، ومن نحو عديد من تصرفات " أسمى " وبخاصة مع " شيش بيش " و " علي " حين قابلته، وبدت متحلّلة من كل القيود الأسرية وغيرها ".(78) مما يمكن معه القول: إن اضطرار الكاتب لإيجاد العنصر الأنثوي في روايته الذكَرية، كان من نسج الخيال الذي أراده لتجميل فضاء الرواية، وإضفاء شيء من الزينة عليه، وليس من أجل أهداف أخرى تقوم عليها الأحداث، حيث اقتصر دورهن على الجنس والطبخ.

 

وقد أجمع عدد من النقاد على أن الشخصيات الأنثوية، بصورة خاصة في روايتي " مطاع صفدي " شخصيات مصطنعة، وهن في " جيل القدر " " أدوات تتشكّل من موقف المركزية [ المؤلف / الذكر ] وتبدو خدماً لأفكاره، وتَبَعاً... " (79) الفتاة " مرسومة على نحو لا يتّسق ومتطلّبات حدث رئيس مهيمن. بل تتمرّد في إشكاليتها ووحدتها وتناقضاتها على أطر مخطط روائي معدّ سلفاً، فليس ثمة عقدة مركزية تتحرّك الشخصيات بهدف تحقيقها، وحتى عندما تتطوّر مواقف الشخصيات، فإننا نكتشف أن تطوّرها كامن في عناصرها الأساسية. أكثر مما هو نابع من نموٍ عضوي، صادرٍ عن بؤرةِ حدثٍ رئيسٍ في الرواية " (80) لذلك اتّسمت بالسطحية، والتبعية للشخصية الذكرية المحورية، فـ " نبيل " امتلك القدرة على تحويل أي فتاة فقيرة، أو أرستقراطية كـ " هيفاء " إلى فتاةٍ أخرى تابعةٍ له، و" ليلى " ما وجدت نفسها مندفعةً في حبه إلاّ لأنها " تحب عظماء بلدها وأبطالها " أما " حنان " في رواية " ثائر محترف " فإنها ترى الشخصيات المتعلّقة بالبطل كلها مرضى. لذلك " تقول بعنفٍ أنثوي متأجج: " -. . أنتم مرضى لأنكم لا تحيون مع الناس، ولا تعرفون مكانكم من العالم ". ص (134)

وقد تبدّت " سيطرة المؤلف سيطرة مباشرة على فكر الشخصيات وآرائها، على نحو لم تقنعنا بمستوى الحوار الذي جاء على لسانها. بل إن قراءةً متأملةً. . تقنعنا بأن " زارة " تتكلم باسم المؤلف، وهي تعبّر عن حاجتها إلى الاستسلام " (81) " لا نفع لي. لقد حاولت. حاولنا معاً. لا أستطيع. لا أستطيع يا كريم. إنني لم أولد كيما أصبح امرأة حقيقية. أنت تعلم جيداً أنني لم أستسلم، ولكن يبدو لي أنه لا شيء يجبرني على اصطناع القوة". ص (387)

وبدت " هيفاء " ساذجة حيناً " كنت مهمومةً بهمومي الذاتية. كنت أقاوم البيت التقليدي الذي ولدت فيه... " مع أنها فتاة مدلّلة من أسرة غنية، ولم يكن بيتها تقليدياً بالمعنى الحرفي للكلمة. . وبدت حيناً آخر فيلسوفةً من دون أن تدري، كما وُصفت " أوديت " بالجهل حين جعلها الكاتب تسأل " كريم ": " هل تدرسون الفلسفة في سورية ؟ " الأمر الذي دفع بـ " مسيو بول " ليتدخّل مندهشاً من جهلها: " أنتِ تُضحكين السيد كريم بجهلك الفاضح هذا يا أوديت. أين تقع سوريا ؟ أتكون في مجاهل أفريقيا ؟ " ص (361)

ويظهر أثر الصنعة في رسم ملامح الشخصية الفكرية والفلسفية والنفسية، لأن الروائي جرّب عليها كل طاقاته الفكرية والتعبيرية، فكانت " مزيجاً من الفلسفة والسياسة وعلم النفس والتشريح الاجتماعي، ورصد السلوك الجنسي. إنها معرض عامر بكل ما توصّلت إليه ثقافة الكاتب الفنية، وملاحظته القوية، فيما يتعلّق بالعناصر السابقة، ولكن يصعب اعتبارها عالماً إنسانياً حياً مقنعاً ومسلياً. لأن معظم ما عرض فيها من نماذج بشرية، ولا سيما البطل المركزي، لا يوحي بان الشخصيات تتصرّف بحريةٍ، باعتبارها مخلوقات حية فاعلة منفعلة، وإنما نماذج لمعانٍ معينةٍ في النفس الإنسانية، يرهق الكاتب نفسه في سبيل التنويه بها، والتعمق في مراميها.

 

إن جانب المعلومات والأفكار الثقافية هو الذي يطغى على الرواية، ويجعل الأشخاص أشبه بدمى، لا في يد المؤلف فحسب، بل في يد الشخصية المركزية، التي تحمل ما عداها. في تحرّك تعسفي، مُتعمّد غير مقنع... [وهذا ما جعل " حنان " ] تستسلم للمخدرات، وتمارس " مارغو " البغاء المنظّم، وتخفق أيّ شخصية في تحقيق أيّ حلمٍ من أحلامها. إنه " ظلام مزيف يلف البلاد، والظل يفترش الشمس، والنور مصعوق مجدور ". ص (389) وليس من قضيةٍ أبداً. هناك " لا شيء سوى أنها قضية جرباء، لدى قضية الكآبة "

(82) - كما يقول كريم -" ص (308) لذلك بدت هذه الشخصيات في المحصلة غير عادية، مفهومها للحياة لذة تغتنم، وليس حلماً يراودها، أو خيالاً يهز نفوسها ويرتقي بها إلى ما فوق الواقع المحسوس.

إن الشخصية الأنثوية التابعة التي تدور في فلك الذكر، تبهت ملامحها، ويغدو وجودها كظلٍ. لأن من أُوليات سمات الشخصية الأنثوية التابعة، عدم اتزان شخصيتها، أو عدم وضوحها، والتراخي في استقلالها، فـ " فايزة " في رواية " الخروج من دائرة الانتظار " لـ " ملك حاج عبيد " و " رحمة " في " صخرة الجولان " لـ " علي عقله عرسان " و " حسنا " و " أم حسان " و " الأم " في رواية " الأشباح " لـ " قمر كيلاني " وربما وجد الباحث خللاً في تقديـم الشخصيات، يتضح كثيراً في الشخصيات التابعة، فهي تبدو أسماء ليس لها في الرواية غير رأيٍ تدلي به، أو سلوكٍ تعزّز به الشخصية الجاذبة أو المنفرة ". (83) ومع ذلك فإننا لا نعدم وجود شخصيات أنثوية تابعة، لكنها فاعلة ومنفعلة، تتأثّر بالأحداث كما تؤثّر فيها، فـ " صبا " في رواية " مجاز العشق " لـ " نبيل سليمان " على الرغم من الحالة المتوحّدة، التي ظهرت فيها في بداية الرواية، من الاستقلال والندّية للرجل، كانت " شخصية موازية لشخصية " فؤاد " المستقلّة، لكن حين تقع في حب البطل فؤاد، نلاحظ أنها باتت أقرب إلى التبعية؛ بمعنى آخر، تفقد المرأة خصوصية صوتها لصالح صوت البطل [ الذكورة ]... لهذا بدا لنا مشهد الإجهاض مشهداً غير مقنع، لأن يجسّد لنا أعماق المرأة، وطبيعتها التي تتجلّى في حرصها على الأمومة. خاصة أنها عانت من العقم في زواجها السابق.

إن لإجهاض الجنين، ورفض الزواج من فؤاد يعني أن تتخلّى عن حلم يراود كل امرأة. أعتقد أننا في هذا المشهد أمام منطق الرجل وصوته. لنسمع هذا المقطع، حين تكتشف أنها حامل من فؤاد[ صديقها ]الذي يكاد أن يكون المقطع الوحيد الذي يبرز صراعها الداخلي، قبل أن تقرّر الإجهاض"

وقد نجد بعض الشخصيات الأنثوية، تنساق خلف الذكر (الأيديولوجي) تقليداً لنـزعةٍ واقعية أو تقدّمية، كما نلاحظ ذلك على " امرأة القبو " في رواية " الشمس في يومٍ غائم " لـ " حنا مينة " و" نهاد رمزي " في رواية " قلوب على الأسلاك " لـ " د. عبد السلام العجيلي " التي هربت للحاق بعشيقها إلى القاهرة، و" أم حامد / خديجة " في رواية " الخيول " التي تحمل راية الصراع الطبقي، وتأخذ على عاتقها مهامّ التمرّد والتغيير.

 

وتبدو تبعية " سميرة " في رواية " الأشباح " لـ " قمر كيلاني " الشخصية الثانوية الضعيفة، على الرغم من جمالها، وقد برز ضعفها جلياً وسط الأسرة، والمجتمع، و تجدر المقارنة بينها، وبين شخصية أختها " ليلى " المتمرّدة الواعية الحيوية. فنجدها خانعة تستسلم لـ " ياسر " وتنجذب إليه، على الرغم من توعية أختها لها، وتحذيرها منه، لأنه شخصية مشبوهة، مشكوك في إخلاصها للوطن، ومع ذلك فقد ظلّت مندفعةً خلفه، من دون " أن تحاكم اندفاعها وراء عاطفتها، ولا تفكّر في أسباب إقبال ياسر عليها، وسميرة في هذه الحال تفتقر إلى سلطة معنوية، هي تماسك الشخصية واستقلالها، مما يجعلها شخصية منفّرة " (85) متردّدةً، ضائعة تخاف من منـزلها المهجور، لأن الأشباح تقيم فيه، وإذا جاز لنا القول، فإننا يمكن أن نصفها – نظراً لجمالها – بأنها " شخصية كرتونية " ولا ترقى لأن تكون ورقية فنية.

***

إن الروائي قد يأخذ دور المخرج المسرحي أو السينمائي، فيوزّع أدوار شخصياته حسب رؤيته، لأحداثه، وطبيعتها الاجتماعية والسياسية والفكرية... فيعطي الأنثى دوراً ثانوياً وهامشياً، لا لشيءٍ إلاّ لأنها عامل تطريهٍ وجذبٍ وإثارة وتشويق، من شأنه أن يعمل على تجميل الحيّز الروائي، بإضفاء اللمسات الأنثوية عليه. كما في دور " نشمية " في رواية " النهر " لـ " جان ألكسان " التي جاءت علاقتها بـ " محمود " " مقحمة لتزيين الأحداث بحرارة عاطفة الحب النافعة للسينما والتلفزيون، وكذلك علاقة الأرملة " نوفا " بـ " البائع الجوال " الحواج " ثم بالفلاح الميسور " حسين " (86) وقد جاءت في لوحات سردية سريعة الإيقاع أحياناً، تقليداً لأسلوب السيناريو في تصميم المشاهد.

 

لكن عدداً محدوداً من الروائيين، قد أغفل هذا الدور الحيوي الأنثوي، وأصرّ أن تظل تابعة، هشّةً غير فاعلة، فالشخصيات الأنثوية في رواية " ألف ليلة وليلتان " – كما مر قبل قليل – كانت أدواتٍ طيّعةً في أيدي الرجال، ليس لها أهداف فكرية، أو مشروعات مستقبلية، تعيش خواء ترفها الاجتماعي، لا تنمو ولا تتطوّر " أو تتفاعل مع الحياة، وبالتالي تكون هذه الشخصيات، وهي نماذج وليست أنماطاً مرسومة على هذا النحو بقصد الإشارة إلى عالم محدود " مشغولات بأمور أخرى. . " بمعنى أن وجودهن في الرواية من قبيل الرأي الشائع بأن الحياة لا تكتمل بغير وجود الأنثى ". (87)

ومع أن الكاتب رسم شخصياتهن بعناية فائقة تتناسب مع الحياة الفاسدة التي يعشنها إلاّ أن أدوارهن بسيطة، تميل فيها الواحدة منهن إلى السقوط في حمأة الجنس، أكثر مما تميل إلى السلوك السوي، وهي متـزوّجة، تأكل وتنام وتلبس وتسهر وتمارس الجنس، غارقة في مجتمع المدينة الصاخب القائم على الوساطة والرشوة والدعارة والمقامرة، يعيد بأجوائه ملامح ألف ليلة وليلة بشخصياتها الخيالية والأسطورية، وما تحركت شخصيات " هاني الراهب " إلاّ " ضمن أزمات نفسية مصدرها، وضعها الاجتماعي وكونها نتاج مرحلةٍ انتقالية. " (88) تسبّبت بها نكسة حزيران عام 1967.

 

إن تأنيث الرواية دفع بعض الكتاب إلى إبداع شخصيات عابرة، أدّت دوراً هامشياً، لكن عبر خيوط أمسك بها الكاتب، وحرّكها كما تحرّك الدمى، وتحكّم بوجودها وعواطفها ورحيلها، مما جعل وجودها عابراً كمرور نسمة صيف، استلزمته الشخصيات الأخرى لإضاءة بعض جوانبها، كما في شخصيتي " هيرتا " و " فينوس " في رواية " قدر يلهو " لـ " شكيب الجابري " – على حدّ رأي د. سمر روحي الفيصل - حيث أحبّ المتلقي وجودهما، ولكنه افتقدهما سريعاً، وكأن الكاتب قد نسيهما.

 

و شخصية " سلمى " في رواية " وردة الصباح " لـ " عادل أبو شنب " تحتل موقعاً هاماً يرتبط بها عدد من الشخصيات، وتتفرّع عنها مجموعة من الأحداث، لكنها على الرغم من ذلك لم ترقَ عن كونها أنثى عادية جداً، مما دفع الناقد " الفيصل " إلى وصفها في " ملامح الرواية السورية "بأنها " غير مرسومة بعناية لأنها شخصية هامشية ثانوية. والحقيقة أن خط القهر لا يكفي وحده تفسيراً لشخصية سلمى في الرواية لأنها نموذج للشخصية، مع أنها نموذج للشخصية النسائية التي تتطور من داخلها بفعل عقدة الذنب التي تلاحقها وتسوغ تصرفاتها كلها، ومن المؤسف أن عادل أبو شنب سيعامل على أساس إهماله لهذه الشخصية، مع أن التحليل المتأني يظهر عنايته الكبيرة بها. إن الشعور بالذنب يلاحق سلمى، ولهذا تبقى صامدة أمام الأحداث المتلاحقة بغية الوصول إلى الانتقام المأمول من صاحب الذنب نفسه، وبهذه المشاعر الشخصية وتأثيراتها فيما حولها يمكن الرأفة بهذه الشخصية وإخراجها من هامشيتها، واعتبارها شخصية فاعلة ومؤثرة. " ص (250)

وهذا الرأي الذي قد تناقض نهايتُه مبتدأه، فيه شيء من الصحة، لأن الكاتب، كان معبأً بزخم التغيير الاجتماعي الذي اقتضته طبيعة المرحلة في الستينيات من القرن المنصرم، لذلك انصبّت عنايته على شخصيات الذكور العمالية الكادحة، فأضفى عليها كثيراً من فضائل الطبقة المتطلّعة للوصول إلى الحكم، أكثر مما التفتت إلى الإناث، اللائي كانت الواحدة منهن تسدّ فراغاً جاذباً في السرد - وفي ذلك تسويغ لرؤية الناقد" الفيصل " - مع أنها تذخر بحمولة فكرية وأيديولوجية، بسبب منبتها الطبقي في الريف، وعملها الخِدمي في المدينة.

 

ويلاحَظ أن " أرملة "" حنا مينه " في روايته الأولى " المصابيح الزرق " حيث رُسمت بنـزقِ الكاتبِ الثوري الشاب، فعبّرت عن بداية مخاض إبداعي، ولم تكتسب مصداقية القارئ وإقناعه، فالأرملة، صاحبة العمل، تؤوي إليها " فارس " بطل الرواية، لإرواء شبقها، مقابل لقمة الخبز التي تقدّمها إليه، ثم لا تتوانى عن بذل جسدها لكل شابّ طالب متعة من (الفرنسيين والشوام) " ولسنا نعرف منها غير هذا الوجه، ولا نرى سواه ".

 

ومثلها في الرواية " أم فارس " التي بدت شخصية هامشية جداً. هوّمت " في النصف الأول من الرواية كطيف لا وجود له، ثم نعرف فجأة أنها تعمل في معمل للدخان (كي يقول لنا الكاتب شيئاً عن قسوة شروط العمل في هذا المعمل) حتى " رندة " الفتاة التي تعلّق بها " فارس " لم تكتسب وجودها الخاص. كل ما عرفناه عنها لا يتجاوز ملامحها الخارجية، وجمالها الآسر، ثم موتها غير المبرّر – مصابة بالسل – وفي الصفحات الأخيرة من الرواية... " مع أن الرواية حفلت بتفاصيل زائدة، لا ضرورة لها. روافد لا تصبّ في المجرى الرئيسي للرواية. نتوءات على سطحها، يمكن استبعادها دون إخلال. وفيها بعد هذه السمة التي ميّزت أدبنا حول منتصف الخمسينيات: أن معظم أحداث الرواية تدور حول الصراع على الخبز – الخبز بالمعنى الحرفي – ومن أجل أن تصوّر قساوة الواقع على الفقراء، تمتلئ بفواجع لا مبرر لبعضها:

لماذا تموت رندة ؟ !. ألأن ظروف العمل القاسية أصابتها بالسل ؟.

ولماذا تموت امرأة الصفتلي ؟ ألأنها تعيش في قبوٍ لا تصله الشمس ، أو ضوء النهار ؟...

بعض هذه الفواجع يكفي كي يحسّ القارئ ببشاعة الحرب، وقساوة الفقر. أما مراكمتها على هذا النحو في الصفحات الأخيرة من الرواية، فلعله يؤدّي إلى شيء آخر. "

إن "حنا مينه " الذي جعل ديدنه تصوير العلاقات الوردية مع المومسات والعشيقات، وحشد الجزئيات والتفصيلات المثيرة. قصّر بعض الأحيان عن إيفاء رسم ملامح الشخصية، كما في رواية " الشراع والعاصفة " حيث منح البطل جميع الفضائل البشرية " ومن أجل أن تكتمل فضائله، يجعله يعقد زواجاً شرعياً على عشيقته، قبل أن يرحل، في الوقت الذي يحلم فيه بلقاء عشيقته الأخرى في الميناء البعيد.

 

إن " حنا مينه" " لا يرى في بعض شخصياته أحياناً إلاّ ما يعنيه منها، وهذا ما يُفقر الشخصية، أو يحكم عليها بالإدانة، أو لها بالتكريم من دون أن يمنحها فرصةً كي تعيش لحسابها. " (89) فقد شكّل شخصية " شكيبة " في رواية " الياطر " من رؤيته الذاتية التقدّمية، لا من الواقع الذي تعيش فيه، أو من مراعاة الوضع العام للمرأة الريفية المتزوّجة خلال النصف الأول من القرن العشرين، ولا يسوّغ لـه إخراجها على هذه الصورة من الاندفاع الجنسي الجريء أنها تركمانية، وأنها راعية، وعملُ (الرعي) رمز للحرية والانطلاق وعدم الوقوف عند حدود وحواجز، وأن اللقاء كان في (الغابة) رمز البراءة والفطرة وطفولة العالم.

 

لقد شحن الكاتب شخصية " شكيبة " بقوى داخلية، وحمّلها مهامّ خارجةً عن إطار زمنها، فكانت " السوبر وومان " الجنسية التي سبقت زمنها، إذ لا يجد غضاضة في الكشف عن الرؤى التي شكلّها بها من نفسية واجتماعية وتاريخية منفصلة، وجعلها تضرب عرض الحائط بكافة القيم السائدة، فتنفصل عن الزمن، وتنفصل عن الأعراف والتقاليد، وتنفصل في الرؤية والممارسة عن الزوج، كما تنفصل عن عالم الرعي والقطيع، فلا تجد لها أيّ اتصال مع العالم إلاّّ من خلال ما كثّفه الكاتب في شخصية (الفحل) الذي لا يكتفي بأن تستسلم لـه مرات في الغابة، وإنما يُقدم على اغتصابها في لحظة شبق متفرّدة، فتمانع في البداية، لكنها ما تلبث أن تتفانى في العطاء الجسدي.

لقد امتزجت في شخصية " شكيبة " القوة والصرامة والجرأة بشفافية الأنوثة ودفء الجسد، والقدرة على تفجير المتعة، التي أسهب الكاتب كعادته في تصوير جزئياتها الصغيرة، وتفصيلاتها المثيرة، متجاوزاً كثيراً من كوابح معاصريه الروائيين العرب.

 

سادساً: إضاءة ختامية:

إن الشخصية الأنثوية من أبرز العناصر الفنية في الرواية السورية، أقام عليها الروائيون أساس معمارهم الفني، من خلالها توالت الأحداث، وتكوّنت صور الأمكنة، وتشكّل الفضاء الروائي، وتحدّدت البيئة الاجتماعية، والبنية الزمنية المتعلّقة بموقع السرد، وغدت – إلى حدٍّ ما – جزءاً من العالم الذي تعيش فيه، بخيرها وشرّها، وكأنها المرآة التي تعكس عصرها وقيمها وآمالها وأحلامها. بصعودها وتساميها، وبانحدارها وسقوطها، لذلك اختلفت شخصيات النصف الأول من القرن العشرين عن شخصيات النصف الثاني، من مسطّحة تقليدية نمطية ثابتة، إلى نامية متطوّرة متحوّلة ومدوّرة وحيوية، متأثّرة بالمدّ العصري، حيث شاركت المرأة في الحياة العامة، وتشبّعت فتيات الجامعة، والتقدّميات ذوات الأيديولوجية بأفكار التنوير و التثوير والتغيير، فامتلأت رؤوسهن بالشعارات والمبادئ، وامتلأت حقائبهن بلفائف التبغ الفاخرة، وعبوات منع الحمل، وأقبلن على الحياة بكل متع الجسد.

 

وكما تألّقت العديد من الشخصيات الأنثوية بملامحها المرسومة بوعي وعناية، فإن عدداً آخر يمكن القول عنها: إنها شخصيات أدبية، أكثر منها شخصيات تحمل قيماً فكرية، أو تعبّر عن مواقف أيديولوجية، لأن مشكلات استقلال الأنثى، وأزمة حريتها، في التعبير والعمل والجنس، والانفلات من المعايير الاجتماعية والنظر إليها كأنثى، أو كجسد، لاتزال تعاني من أزمة الصراع " بين عقليتين، ونمطين من التفكير والسلوك في بيت واحد، واصطدامُها المستمرّ، نقطةٌ فقدت ما فيها من عناصر الدهشة والكشف. إنها انعكاس لوضع (اجتماعي) صار عادياً، وهي من هذه الناحية تصوّر الواقع أكثر مما تفهمه أو تعلّله أو تتخطّاه وتنفعل به، دون أن تغوص [ في بعض المواقف ] في أبعاده الإنسانية.

 

صحيح أنه يمكن للروائي أن يقدّم أثراً عظيماً من مواد الواقع العادية المعروفة [ وهذا موفور في الرواية السورية ] لكنه يوفّق في ذلك بفضل فنه الروائي، وطريقة تحليله لهذا الواقع، ورؤيته إياه من زاوية جديدة... " (90)

" ولعل الإطار الفني قد تحكّم في رسم صورة المرأة، فالذي يتأمّل رسم الشخصيات ذكوراً أم إناثاً، يلاحظ بانورامية الحياة الصادقة الصحيحة التي تؤثّر في رسم الشخصيات، وتعطيها فرصة الظهور بدقّة، من حيث صفاتها النفسية والمادية، أو من حيث أثرها في غيرها من الشخصيات والأحداث."(91) .

 

ومع ذلك، وعلى الرغم مما كُتب عن تقنية الشخصية، وفضلاً عن محاولة الروائي الحثيثة لكي تكون شخصياته معبّرة عن أدوارها ووظائفها وواقعها ومجتمعها، فإن الشخصية تظلّ كائناً ورقياً، يبدعه الكاتب للتعبير عن موقف، أو لتجسيد رؤية، أو- حسب البنيوية - " لغاية فنية محدّدة، وتخلط القراءة الساذجة بين (الشخصية التخييلية) و (الشخصية الحية) في حين أن الشخصية التخييلية (كائن من ورق) كما يرى " بارت تودوروف " وأنها ليست أكثر من قضية لسانية، وبهذا فإن " تودوروف " يجرّدها من محتواها الدلالي، من أجل إبراز وظيفتها النحوية. حيث يجعلها (فاعلاً) في السرد بخلاف التحليل البنيوي الذي يعتبر الشخصية (دليلاً) ذا وجهين. أحدهما (دالّ) والآخر (مدلول) ولمّا كان القارئ هو الذي يحدّد الشخصية الروائية من خلال أقوالها وأفعالها، فإن هذه (الشخصية) الروائية، يمكن أن تتعدّد بتعدّد القرّاء، ومستويات قراءاتهم، واختلاف تحليلاتهم، ويتجلّى إسهام التحليل البنيوي في الاهتمام بالشخصية الروائية، من حيث وظيفتها وأعمالها أكثر من اهتمامه بصفاتها الخارجية، ومظاهرها السطحية. " (92)

 

وبمنـظـور واقعي:

ظهرت في الرواية السورية شخصياتٌ أنثوية، حملت قضاياها الذاتية، كما حملت قضايا مجتمعها ووطنها، فكانت ثمة شخصيات أنثوية متنوّرة ، يمكن أن نميّز فيها:

 

1 - شخصية المثقفة العاملة في الدولة: رمز الجيل الجديد، من أمثال " ليلى سليمان " في رواية " اللااجتماعيون " التي يطرح " فارس زرزور " من خلالها قضية المرأة من وجهة نظر نقدية، فيدين الانغلاق والانقياد لسلطة الذكورة، والرغبة في التحرّر والانعتاق من إطار المجتمع الريفي الضيق، والخروج عن قيمه الخلقية، ويجعل منها رمزاً للفتاة التي ترغب في الانفتاح على عالم المدينة، ومن ثم الوصول إلى دنيا الرجل / الشريك، فترفض حياة الريف وتعدّ مجتمعه مشلولاً، وذلك بسبب استعباد المرأة، واستضعافها المزمن، وإلزامها بقيودٍ وتقاليد يرفضها العصر، لكن ما افتقدته في الريف لم تستطع الحصول عليه في المدينة. لأن الأحلام شيءٌ، والواقع شيءٌ آخر. لذلك ظهرت شخصية مضطربةً، ومما زاد في توتّر حالتها النفسية، خيبتها في الزواج من حبيبها " خالد " واستجابتها لرغبة خالها التاجر في الزواج من شخص لا تحبّه، ولكنه يحقّق لها الخروج بصورة ما من دائرة الوصاية البطريركية، ويخلّصها من الظلم والبؤس الاجتماعي الذي يطحنها، ويبعد عنها أشباح الحرمان العاطفي الذي يقضّ مضجعها، كما يحقّق لخالها المنفعة والمصلحة، والخال يحمل أخلاق التجّار، لا يعرف لابنة أخته حقاً في الحرية والاختيار.

 

وتتلاقى " بروين " المقيمة في (الحسكة) أقصى الشمال الشرقي، بعد أربعين عاماً، مع " ليلى سليمان " ابنة (حوران) في أقصى الجنوب الغربي السوري، في أخلاق المجتمع الريفي، ومنع الفتاة من الاقتران بمن تحبّ، وأخذها بالشدة والعنف، وفرض الاستسلام والطاعة، وإكراهها على قبول ابن خالها ليكون زوجها، تحقيقاً لمنفعة مادية، ولهذا تصاب بعطالة فكرية وجسدية، وتتضخّم أطراف الصراع في نفسها، وتزداد رغبتها في الحرية مسايرة لمعطيات عصرها، وترفض الوصاية، والمتاجرة بعواطفها، ولهذا تمتّعت بميزات الشخصية النامية، التي حاولت – على الرغم من ضعفها – تحطيم القيود المفروضة على الأنثى، وكسر الحاجز النفسي بين سدنة التقاليد، ورغبات الجيل.

 

لقد جسّدت الرواية غياب الروابط الشعورية واللاشعورية، بين الجيل القديم الذي تمثّله معظم الأمهات والآباء، وبين الجيل الجديد الذي تمثله " بروين" و" راوية " في رواية " شموس الغجر " وسواهما من الإناث العاملات، والمثقفات اللواتي يغلب عليهن تفجّر المشاعر بالقلق الوجودي، والغربة، والوحدانية، داخل المجتمع الجديد، حيث (الأنا الأنثوية) تغامر في سبيل اكتشاف العدم الذي تحسّ أنه يذيب شخصيتها، مما يولّد لديها الشعور بفشل التواصل الخارجي، الذي يضعها في مواجهة القلق والعدم والموت، فتنتهي إلى حالات مأساوية، هي أقرب إلى الأزمات والضياع والتيه، وأبعد ما تكون عن الأمل والعطاء والتفاعل الإيجابي المثمر.

 

إن " بروين " ومجموع الشخصيات الأنثوية التي تتشابه معها في الأحوال الاجتماعية والثقافية، تعبّر من خلال سيرتها الروائية عن تطلعات في الخلاص من القيود الأسرية التي تعيق من انطلاقها إلى جيلها وعصرها، وتبرز معها ثلة رافضة (لميكانيزمات) الركود الاجتماعي الموروث، ومعبّرة عن احتجاجها وسخطها على الوضع الراهن.

 

2 – الشخصية العاملة في الأرض: التي تمثّل البيئةَ، والمرتبطة بالأرض الزراعية، وهي كثيرة في الروايات الأولى، لدى" عبد الرحمن الباشا " و " حنا مينه " و " إلفة الإدلبي " و " وهيب سراي الدين " و " فارس زرزور ".. . حيث ارتبطت لقمةُ عيشِ الأنثى بالأرض التي تعمل فيها، فكانت ملامح شخصيتها موشّاةً بخضرة الأرض وترابها، تتجلّى من خلال توصيفها الفني خصوصيةُ المكان وجمالياتُه، فـ " زينب " في رواية " صخرة الجولان " لم يرسم الكاتب " علي عقله عرسان " أبعاد ملامحها الشخصية، وإنما لجأ إلى الوصف المختصر، مكتفياً بالتلميح إلى بعض سماتها الذاتية، كي يدع للمتلقّي إمكانية تخيّل ملامحها الأخرى، التي يمكن استخلاصها من طبيعة ارتباطها بعملها في الأرض، بصورةٍ تذكّرنا بـ " زينب " " محمد حسين هيكل " فقد بدت " زينب " " صخرة الجولان " لعيني السارد، متراقصةً أمام ناظريه " وهي تعود من الحصاد، ثوبها مغمس بالعرق، والتراب يكسوها حتى أخمص قدميها، وفمها ممتلئ بالغبار حتى لتغص به، ولا يكاد وجهها الحبيب يظهر من بين طبقات التراب المتراكمة عليه، ورائحة الشقاء البشري تفوح منها. الخ. . " وهذا الوصف يكاد يخلو من إشارة واحدة إلى شخص " زينب " أهي طويلة أم قصيرة ؟ سمراء أو شقراء ؟ ما لون عينيها ؟ ما شكل أنفها ؟ هل تقاطيع وجهها متسعة أم لا ؟ هل وجهها بيضاوي أو متطاول أم مستدير ؟. الخ. . وبعد صفحات قليلة يضيف النصّ إشارةً توحي بأكثر مما تُظهر:

" وعلى صفرة الأسى في الوجه النحيل تطفو بقعة ربيعية كواحة ترتفع لظامئ في الصحراء " إن " زينب" الفقيرة التي تكافح في أثناء غياب زوجها لإطعام عائلتها الصغيرة تهمّ راوي " علي عقلة عرسان " أكثر مما تعنيه صفاتها الجسدية. وعلى القارئ بلا ريب أن يستكمل ملامحها. وهي ستبدو لأغلب القرّاء امرأة ناحلـة، سمراء أو قمحيـة اللون، وذات عينين واسعتين سوداوين ترتدي ثوباً طويلاً غابت ألوانه. . الخ.

 

فالإطار الجغرافي (حوران) التي تشير إليه الرواية يفرض على القارئ مجموعة من الصفات العامة التي يعرف بثقافته أو يعتقد أنها تميز هذه المنطقة من سورية. " (93) إضافة إلى ما توحي به شخصية " زينب " من دلالاتٍ اجتماعيةٍ طبقيةٍ، و بيئيةٍ، ونفسية. .

 

3 – الشخصية المناضلة، الريفية والمدنية، من أمثال: " رتيبة " في " أرض البطولات " المرأة المتطورة التي تجاوزت ضعفها وهامشيتها داخل المجتمع المحافظ، فنقلت الرسائل بين ثوار هنانو في الشمال، وثوار الميدان في دمشق وغوطتها، وقادت النساء للجهاد ضد الفرنسيين.

 

والفدائية " ناديا " في " الوطن في العينين " و" شمس " في ثلاثية " الطريق إلى الشمس " الشخصية الموّارة بالحيوية، والنابض قلبها بحب الوطن، كانت واعية لأهدافها، ولحركة المجتمع، فقتلت الحاكم العسكري الفرنسي في حماة، ورفضت أن يتزوّج ابنُها صديقتَه الفرنسية. . وكذلك جميع الشخصيات المحورية في روايات " قمر كيلاني " كـ " سونيا " في " بستان الكرز " الشخصية المثقفة، غير العابئة بالأوهام والتقاليد التي تعيق مسيرتها النضالية، الأنثى العاملة في التمريض، والمقاتلة العنيدة في الجبل بين الرجال، و " سامية " في رواية " الدوامة " التي تحاول أن تثبت أن المنبت الطبقي يمكن تجاوزه بالعلم والثقافة، ولن يحول دون رغبة الفتاة في حمل فكرٍ تقدّمي، فتشذّ عن عاجية طبقتها، وتتجاوز ضعفها الأنثوي، وتندفع لتشارك الرجل في الرأي والمشورة، ومن ثم النضال. مما أضفى عليها الحيوية، وأبعدها عن النمطية الطبقية، وجعل منها شخصية ثورية، تمثّل فئة من بنات جيلها، بجميع نوازعهن الوطنية وميولهن العاطفية، والكاتبة لم تقدّمها بسرد وصفي عاطفي، بقدر ما رسمت ملامحها من خلال حركتها الدائبة، وتصاعد خطّ حياتها الدرامي، المتأرجّح بين الصعود والارتقاء، في الرؤية النضالية المثالية، وبين الهبوط والانحدار، في الحبّ والزواج والطلاق والرغبة في ممارسة الجنس، في المنظور الواقعي. وهذا ما ساعد على إضاءة جوانب شخصيتها، وكشف - مع كل موقف - عن عنصر من العناصر المكوّنة لهذه الشخصية الطبقية المناضلة، فكانت واعية لأهدافها، مدركة لحركة المجتمع من حولها، رابطة بين حرية الوطن، وحرية الفكر، تبعاً للرؤية التي سادت الفترة التي وُجدت فيها.

 

4 – الشخصية الواقعيـة، التي ظهرت على استحياء. نظراً لندرة الكتاب الذين عزفوا على أوتار القيم العربية الأصيلة، التي تغذّيها العقيدة الإسلامية بنسغ الحق والخير والجمال، بعيداً عن معطيات الرؤية الغربية، في الحرية المطلقة، واستقلال الأنثى برأيها، وارتيادها المقاصف والمسابح، والرقص والتدخين وشرب الخمور.

 

لقد تجسّدت في روايات " أرض البطولات " لـ " عبد الرحمن الباشا " " الوجه المكسور " لـ " ابتسام شاكوش " و" بارقة أمل " لـ " حنان أسد " شخصية الفتاة العربية المسلمة في المجتمع المعاصر، الرافضة للتحلّل والخلاعة، وأوهام العصر العاطفية المبتذلة، وأثبتت بطلات الروايات الثلاث أنهن أمثلة أنموذجية للفتاة الجديرة بالعيش متحررّةً من عبودية الرغبة، أهلاً للنضال والدراسة الجامعية والبحث العلمي، رابطةً بين طهارة الأنثى وطهارة المجتمع، واعتبار عفافه من عفافها. مؤكّدةً أن العكس صحيح، وما انحدر المجتمع إلاّ لانحدار جيله. وليست الحرية في الابتذال والتهتّك والتفكّك والتفرّد، وإنما في التفاهم الأبوي، والتكافل الأسري، والمساواة بين الجنسين. وأن الأنثى ليست إلاّ جزءاً من كل... وعلى ذلك تبرز ملامح شخصيات كل من " رتيبة " و" نعمة " و " أمل " واضحةً مرسومةً بريشة الوعي والعفّة والرؤية المستقبلية الجادّة، لتؤكّد أن الوعي والإيمان هما سلاح الأنثى المعاصرة، لحمايتها من السقوط، أو بالأحرى هما سلّمها الثابت للصعود والارتقاء، لأن مفهومها للحياة أنها ليست لذّة عابرة تُغتنم، ولا حلماً وردياً يراود الخيال، ولا أوهاماً تهزّ النفس، وتحملها إلى ما فوق الواقع المحسوس، وإنما هي شراكة وتفاهم وأمومة وبناء، وما كان لـ " رتيبة " أن تبرز على صعيد الكفاح الوطني، وقتال المستعمر الفرنسي، وأن تكون " أم الشهيد الحي" الذي عرفته سورية بأسرها، والذي نجا من مذبحة البرلمان الفرنسية بمعجزة إلهية، لولا قوة العقيدة التي نتج عنها نقاؤها الخلقي والوطني، وما كان لـ " أمل " أن تنجح وتتألّق لولا صدقها في مواجهة المجتمع بوعيها المتفتّح، وعقيدتها الإسلامية الراسخة، وما كان لـ" نعمة " أن يسلم شرفها الرفيع من الأذى، وتحفظ نفسها من السقوط، لولا تزوّدها – في غابة الظلم - بسلاح الوعي والعقيدة.

 

5 –الشخصية البرجوازية الـتـافهة: التي برزت – في المعيار الفني ، الذي يعدّ صدى للمعيار الاجتماعي – و تكاثرت تكاثراً ملفتاً للنظر. مما يوقع المتلقّي في وهم شمولية المجتمع الذي يلبس الأقنعة، من دون أن تكون لهذه الشخصيات رؤى مستقبلية واضحة، وهي على الرغم من أنها شخصيات مثقفة، فقد جعلت هدفها في الحياة ينحصر في الحفاظ على ترفّع الطبقة، وتقليد المجتمع الغربي من سهرٍ ورقص ٍ، وشرب الخمور، أو تعاطي المخدّرات، أو ممارسة الجنس بحرية إباحية لا تقف عند حدود، فلا تقيم وزناً للمعايير الخلقية، وليس لها اهتمامات منـزلية بأمومة أو أُخُوّةٍ أو أُبوّة، حتى بدت منقطعة الأصول والروابط، متفرّدة ترى الحياة حريةً شخصية، واستقلالاً ذاتياً، وثقافتها تُسقط كافة الأغلال التي تعوق حركتها الحرّة، ونزواتها الجسدية. مثّلتها " لمياء " في " طائر الأيام العجيبة " و" غادة " في " ألف ليلة وليلتان " و" لبنى " في " رياح كانون " و" باسمة " في " باسمة بين الدموع " ومعظم شخصيات " مطاع صفدي " فـ " زارة. لميس. و ليلى... " برزت كنماذج أنثوية وجودية ضجرة حائرة مريضة، سلبية في جميع مواقفها. مما أدّى بها إلى الهروب والجنون والانتحار.

 

إن (التقاطبية) في سلوك شخصيات " جيل القدر، و ثائر محترف " تظهر أن تصرفاتها لم تصدر عن أرضية محدّدة، أو مبدأ معين فيه التزام أو تناسق، وإنما صدرت عن فوضى لا يجمعها جامع ولا يربط بينها رابط، لذلك يمكن اتهامها بالتناقض في سلوكها، من تربية الراهبات الصارمة، إلى إباحية الأقبية، بين التعصب والتقليد والمحافظة من جهةٍ، وبين التحلّل والانطلاق والتحرّر الجسدي من جهةٍ ثانية، وبين الاستقلال والتبعية / والتقاطبية، تظهر العلّة الحقيقية لهذا السلوك الذي لا يمكن ردّه إلى واقعه وأصله.

 

لقد كانت الشخصيات الأنثوية صدى لأفكار الكاتب الفكرية فظهرت في علاقاتها وسلوكها بوهيميةً مرةً ووجوديةً مراراً، و( راديكاليةً) في بعض المواقف ومنفلتةً في مواقف أخرى، مقلّدةً الأنثى الأوربية في حيويتها وحريتها، التي يستشفّ الباحث منها (غياب المؤلف وليس موته) من حيث عدم الاهتمام بالبعد القومي – مع ادعائه – وهذه رؤية متقدّمة لما أصبح يطلق عليه بعد أكثر من ثلث قرن مصطلح (العولمة) .

 

وازدحمت الرواية بالشخصيات الخلية البال من الهموم، فبدت ببرجوازيتها المثالية الماجنة شخصياتٍ صغيرةً استهلاكية. من دون تطلّعاتِ نزاعٍ باطنٍ مع البرجوازية الاقتصادية، أو رؤيةٍ للتكيف مع الأوضاع الاجتماعية التي نتجت عن الحرب الأهلية اللبنانية الأولى، ومن بعدها نكسة حزيران عام 1967 التي عاشت في أجوائها، على الرغم من حشوها بالأفكار الوجودية، وظلّت تتكيّف مع عالمها الأسطوري، إذ أضفى عليها الكاتب الصفات التي يتطلّبها مثل هذا التكيّف، كي يوفّر لها القوة الشاعرية، ويجعلها تشعّ ببريق اجتماعي أنثوي، هو في حدّ ذاته بريق خُلّبي، لا يظهر لمعانه إلاّ داخل أقبية المتعة، وهذا يعني عدم المطابقة مع النور الخارجي، حيث الشارع الذي يصخب بالحركة، ويذخر بالخير والعطاء، ويملك حياته العامة الغنية، المتعدّدة والمتنوّعة.

 

6 - الشخصيـة المستـلبـة: التي بدت كالدمى بأيدي الذكور، بمختلف مراحل أعمارها:

آ – المتقدّمة في السنّ : كالأم في كل من روايتي " ثم أزهر الحزن " و " بقايا صور " رمز المرأة الضعيفة المضطهدة المتشبّثة بكل سلبيات الماضي وإيجابياته، إذ أُلقي على كاهلها أمرُ إعالة الأسرة، لموت الأب في الرواية الأولى، وانصراف الزوج- في الرواية الثانية - إلى سكره، ومعاناته من إفلاسه نتيجة خيباته المتواصلة في العمل، مع صبر الأم على الخدمة والضرب والجوع، وإهانات الزوج والإقطاع معاً.

 

 ب – والشابة: كالزوجتين: " صالحة " في" الياطر " و" راجعة " في " مأساة ديميتريو " حيث التبعية واستلاب الحرية، التي تعني تحطيم الزوجة، وإبراز صورتها الباهتة التي عمل الزوج على محو شخصيتها، إرضاءً لنـزواته، وكأن قوته وفحولته، لا ترتويان إلاّ من استكانتها وخضوعها، فبدت وحيدةً منعزلة، لا أحد ينظر إليها، أو يلتفت إلى مشاعرها العاطفية، أو يقاسمها همومها. وقد شكّلت " راجعة " نسيج الرواية بلحمتها وسداها. بينما جسّدت " صالحة " في جانب من الرواية الثانية فطرة الخضوع المطلق، والاستكانة إلى عبوديتها، المتمثّلة بالخنوع التام، والرضوخ لرغبات سيدها الداعر السكّير، وكان عليها – مع ذلك - أن تتمسّك بفضيلتها وصلاتها، وأن تواصل عملها في توليد النساء.

 

وكـ" ابنة العم " في " الشمس في يوم غائم " التي انصبّ عليها الظلم الذَكَري، فكانت رمزاً للأنوثة المستلبة، التابعة للذَكَر، التي كُتب عليها الشللَ، والعطالة العاطفية، وقد رُسمت ملامحها مظلّلةً بألوان رومانسية محبّبة، بدت من خلالها عاجزة عن تغيير مجرى حياتها، وتجاوز واقعها السلبي، وغدت رمزاً للمرأة المحبطة، وهي في قمة إحساسها الرومانسي بسلبيات المجتمع الذي تعجز عن التصدّي لها. مما جعلها تعاني من عقدة نقصٍ بسبب تربيتها من جهةٍ، وتكوينها الفيزيولوجي من جهةٍ ثانيةٍ، فبدت غير واثقةٍ من نفسها، ترزح تحت وطأة الإحساس بالضعف والقصور. .

وبصورة عامة، فإن جانباً من شخصية الأنثى شارك في تشكيله الذكر، لأن الذكور - على حدّ تعبير " هاني الراهب " " عاجزون عن الحبّ، لأنهم ورثوا منذ قرون نفسية جماعيةً تنظر إلى المرأة باعتبارها شكلاً وحسب. جسداً شهياً، وليس كائناً لـه شخصية ورؤية وموقف ومشاركة. . المرأة في نظر الرجل العربي ملكية، وشهوة، وضرورة معيشية. أما المرأة فقد بلغ الاستلاب بها حدّاً أقعدها عن معرفة الحبّ. " (94)

وتشكيل الروائي للشخصية، على الرغم من كثرة ما قيل فيه، لا يخرج عن كونه لعبةً فنية، وشخصيةً رقية، هي نتاج مبدعٍ فرد، والفرد المبدع هو نتاج مجتمع، لذلك تبدو شخصية الأنثى الفنية إشكاليةً، لأنها وليدة خلْق مزدوج، من جهةٍ، وغير مباشر من جهةٍ أخرى، وهي تملك معايير دراستها في داخلها، نظراً لامتلاكها صراعات مازالت قائمةً في الزمن الراهن، لم تحسم، ولن يتمكّن أحد من حسمها، لأنها صراعات حيّة. تملك فيها الأنثى رؤيتها المستمرّة، والمتوالدة، التي تجعل علاقاتها مع الذكورة في إطار الصراعات الكونية، التي يستحيل على النظم الوضعية تغييرها على أرض الواقع، أو حسمها، أو إيجاد حلول سحريةٍ لها، ترضي الجميع. وقد ظهرت مثل هذه الإشكالية لدى النقاد أنفسهم، واختلفوا في شخصية المرأة الورقية وفنيّتها، فقد رأى " د. سمر روحي الفيصل – على سبيل المثال " أن بروز شخصيتي " ندى وعثمان " في رواية " المغمورون " لـ " د. عبد السلام العجيلي " قد أدّى إلى تقليص " دور الشخصيات الثانوية الأخرى تقليصاً كاد يجعلها صوراً باهتةً لشخصيات روائية، تبعاً لضآلة دورها في الحدث المراد تصويره " (95) بينما أخذ " د. نضال الصالح " على الناقد " الفيصل " قوله: " إن القارئ لا يجد في الرواية جزئية واحدة لا تخدم سير الحدث في حاضره أو مستقبله " وإن " شخصيات فريال، وجورجيت، وسليم، يبدو فائضاً على جسد [ الرواية ] وينفي ما ذهب إليه. . الفيصل " (96) على الرغم من اتفاق الناقدين - ضمنياً - على هامشية هذه الشخصيات وثانويتها.

 

إلا أننا - مع وجاهة الرأيين – نجد الشخصية الهامشية، أو الثانوية، أو الناشئة، مهما كانت نسبة (ورقيّتها) من الواقع والفن، لا بدّ أن تؤديَ دوراً ما، من شأنه أن يخدم – بصورةٍ من الصور – الحدث الروائي، أو يخدم الشخصية الرئيسة في الرواية، وهذه الشخصيات الأولية ذات الأدوار الصغيرة، لا يمكن أن تقلل من دور الشخصية الرئيسة، إذا لم تخدمه، لأن شخصية البطل تنمو من خلال مجموعة العلاقات الاجتماعية والفكرية مع تلك الشخصيات من حولها، وبذلك تكون هذه الشخصيات عاملاً مساعداً على تكامل العمل الفني والدرامي، يتكئ عليها الكاتب لتوضيح شخصية بطله أو بطلته، وقد يجدها تثور عليه، وتؤدّي أدوارها من خلال افتراض عكسي مفاده: إذا لم تكن هذه الشخصيات موجودة، فكيف سيكون عليه مسار الحدث الذي تتفاعل معه وتنفعل به ؟. ومن هذا المنطلق تغدو الشخصية الثانوية لازمةً، مهمـا كان دورها هامشياً.

 

الإشارات:

1-د. سمر روحي الفيصل. بناء الشخصية الرواية العربية السورية. ص 73 وما بعد. اتحاد الكتاب العرب. دمشق 1995.

2-المرجع السابق. ص 91

3-د. بدري عثمان. بناء الشخصية الرئيسية في روايات نجيب محفوظ. دار الحداثة للطباعة و النشر. بيروت . 1986 ص 95.

4-د. فادية مليح حلواني. الحامل الأيديولوجي في الرواية. مجلة المعرفة. ص 109 العدد 42 دمشق 1998.

5-د. حبيب مؤنسي. مصير الشخصية، وشخصية المصير في الرواية الجديدة. مجلة عمّان. ص 78 العدد 62 عمّان 2001

6-حنا مينة. حوارات وأحاديث. ص 131 دار الفكر الجديد بيروت 1992.

7-المرجع السابق. ص 135.

8-مراد كاسوحة. الرؤية الأيدلوجية والموروث الديني في أدب حنا منية. ص 176 دار الذاكرة. حمص 1991.

9-المرجع السابق.

10-من مقالة صحفية. نقلاً عن مراد كاسوحة. المرجع السابق. ص 177

11-الرؤية الأيدلوجية والموروث الديني في أدب حنا منية. مرجع سابق. ص 276.

12-محمد أحمد عطية. قراءة جديدة لحنا مينة. مجلة الموقف الأدبي. ص 202 العدد10 – 11 دمشق 1973.

13-للاستزادة يرجع إلى عبد الرزاق عيد. التحوّلات (حسيبة) مجلة دراسات اشتراكية. ص 108 العدد 182 - 183. دمشق 2000.

14-عبد الكريم شعبان. أفراح ليلة القدر. قراءة نقدية. مجلة المعرفة. ص 235 العدد 443. دمشق 2001.

15-د. سمر روحي الفيصل. بناء الرواية العربية السورية. ص 97 – 98 اتحاد الكتاب العرب. دمشق 1995.

16-رجاء طايع. قراءة في رواية أزاهير تشرين المدماة. مجلة المعرفة ص 133 العدد 86. دمشق 1995.

17-د. حسام الخطيب. ثم أزهر الحزن. مجلة الثقافة العربية. العدد 9 السنة الثانية. طرابلس 1975.

18-رجاء طايع. ماذا بقي من المرأة. مجلة المعرفة. ص 194 العدد 167. دمشق 1976.

19-محمد كامل الخطيب وعبد الرزاق عيد. عالم حنا مينة. الروائي. ص 174. دار الآداب. بيروت 1979.

20-بدر الدين عرودكي. الحركة القومية والإبداع القصصي. محاولة لدراسة سوسيولوجية للرواية العربية. مجلة المعرفة. ص 122 العدد. دمشق 1980.

21-المرجع السابق. ص 131.

22-للاستزادة في دراسة شخصية " نادية " يمكن الرجوع إلى نبيل سليمان. اللحظة الروائية للانطفاء في مواجهة العالم والذات. مجلة المعرفة. ص 15 العدد 265. دمشق 1984.

23-د. نضال الصالح. التجربة الروائية في أدب عبد السلام العجيلي " المغمورن " نموذجاً. مجلة عالم الفكر. ص 247 العدد 28. الكويت 2000.

24-د. ماجدة حمود. مقاربة نقدية لرواية بارقة أمل. جريدة الأسبوع الأدبي. ص 12 العدد 720. دمشق 25 / 8 / 2001.

25-بناء الرواية السورية. مرجع سابق. ص 132 - 133.

26-المرجع السابق. ص 132 - 133.

27-حجازي. سيكولوجية. ص 227. ومي الصايغ. وفاطمة المرنيسي.

28-بناء الرواية السورية. مرجع سابق. ص 98.

29-المرجع السابق. ص 101.

30-المرجع السابق. ص 101.

31-المرجع السابق. ص 252.

32-المرجع السابق. ص 252.

33-سمر روحي الفيصل. ملامح في الرواية السورية. ص 347 اتحاد الكتاب العرب. دمشق 1979

34-عبد الكريم شعبان . أفراح ليلة القدر. قراءة نقدية. مجلة المعرفة. ص 251 العدد 343. دمشق 2001.

35-أحمد المعلم. التقليد والطموح في أربع روايات. الموقف الأدبي. العدد 239. دمشق 1991

36-د. حلمي محمد القاعود. حوار مع الرواية المعاصرة في مصر وسورية. ص 178. دار أشبيلية دمشق 1997.

37-د. حسام الخطيب. دراسات في الرواية السورية. ثائر محترف لمطاع صفدي. مجلة الموقف الأدبي ص 23 العدد 7 - 8. دمشق 1975.

38-المرجع السابق.

39-المرجع السابق.

40-المرجع السابع.

41-مفيد نجم. المرأة في مرايا الذات. مجلة الموقف الأدبي. ص 65 العدد 334. دمشق 1999

42-عدنان بن ذريل. الرواية السورية. دراسة نفسية. وقد استفدنا في الرؤية النفسية للشخصيات الأنثوية التي أتت عليها الدراسة في هذا الكتاب.

43-المرجع السابق.

44-المرجع السابق.

45-المرجع السابق.

46-المرجع السابق.

47-د. إبراهيم السعافين. تطور الرواية العربية الحديثة في بلاد الشام 1870- 1976-

ص 355 دار المناهل. ط 2. بيروت 1987.

48-المرجع السابق.

49-عدنان بن ذريل. الرواية السورية. دراسة نفسية. دمشق 1982

50-المرجع السابق.

51-المرجع السابق.

52-المرجع السابق.

53-المرجع السابق.

54-المرجع السابق.

55-المرجع السابق.

56-المرجع السابق.

57-المرجع السابق.

58-المرجع السابق

59-د. حسام الخطيب. سبل المؤثرات الأجنبية وأشكالها في القصة السورية. ص 111. دمشق 1974.

60-إبراهيم السعافين. تطور الرواية العربية الحديثة في بلاد الشام. مرجع سابق.

61-د. حسام الخطيب. سبل المؤثرات الأجنبية وأشكالها في القصة السورية. مرجع سابق.

62-المرجع السابق.

63-عدنان بن ذريل. الرواية السورية. دراسة نفسية.

64-المرجع السابق.

65-المرجع السابق.

66-يرجع إلى محمود منقذ الهاشمي. الرومنتية في الرواية السورية. مجلة الموقف الأدبي. كانون الثاني 1982.

67-عدنان بن ذريل. الرواية السورية. دراسة نفسية.

68-المرجع السابق.

69-تطور الرواية العربية في بلاد الشام. ص 307 وما بعد.

70-د. صلاح صالح. مجاز للعشق والعطش. مجلة البيان. العددان 358 - 359 الكويت 2000.

71-د. حسام الخطيب. وداعاً يا أفاميا بين التألق الرومانتي. والتأنق الكلاسي. مجلة المعرفة ص 65 العدد 146. دمشق. 1974.

72-وداعاً يا أفاميا. المرجع السابق. ص 65.

73-محمد كمال. خطوات نقدية مع رواية اختياراتي والحب. مجلة الموقف الأدبي. ص 184 العدد 383 دمشق. آذار 2003

74-. المرجع السابق.

75-نبيل سليمان. الرواية السورية. ص 157 –158، وينظر: سمر روحي الفيصل. ملامح في الرواية السورية، والرواية العربية السورية. مرجع سابق.

76-ملامح الرواية السورية.

77-المرجع السابق.

78-المرجع السابق.

79-دراسات في الرواية السورية " ثائر محترف " لـ " مطاع صفدي " مجلة الموقف الأدبي ص 23 العددان 7 – 8 دمشق 1975.

80-المرجع السابق.

81-المرجع السابق.

82-دراسات في الرواية السورية " ثائر محترف " لـ " مطاع صفدي " مجلة الموقف الأدبي ص 23 العددان 7 – 8 دمشق 1975.

83-ينظر: ملامح الرواية السورية.

84-الرواية العربية السورية. مرجع سابق.

85-ملامح الرواية السورية. ص 348.

86-بديع بغدادي. النهر. رواية جان الكسان مجلة الموقف الأدبي. ص 116. العدد 129 – 130 دمشق 1982.

87-ملامح الرواية السورية. ص 348.

88-د. حسام الخطيب. سهرة مع ألف ليلة وليلتان. ملحق جريدة الثورة. العدد 34. دمشق 3 / 11 / 1977.

89-فاروق عبد القادر. قراءة في روايات حنا مينه. مجلة الهلال. ص 56

90-سنية صالح. البطلة في الرواية النسائية اللبنانية. مجلة الموقف الأدبي ص 151 السنة الثالثة العدد 30 دمشق.

91-المرجع السابق.

92-محمد عزام. البطل الروائي. مجلة الموقف الأدبي. العدد 346 دمشق 2000.

93-د. حسن مصطفى سحلول. نظريات القراءة والتأويل الأدبي وقضاياها. ص 59. اتحاد الكتاب العرب 2002.

94-وجهاً لوجه. حوار طالب الرفاعي، و د. هاني الراهب. مجلة العربي ص 66 العدد 443 الكويت 1995.

95-تجربة الرواية السورية. ص 67 اتحاد الكتاب العرب. دمشق 1985.

96-المغامرة الثانية في الرواية العربية. ص 26 اتحاد الكتاب العرب. دمشق 2000.

 

 

الفصل الثالث

الجسد الأنـثوي

 

الروايةُ أنثى...

والأنثى جسد...

والجسدُ الأنثوي في الرواية يتجاوز حدوده العضوية الذاتية، ويغدو في معظم مواقعه رمزاً، وحالةً يستخدمها الروائي لإثارة المخيّلة، وتطرية السرد، وتجميل عالم الرواية... بنى عليه الروائيون هياكل رواياتهم، ثم كسوه بالمواقف العاطفية، وظلّلوه بالرغبات، وكتبوا عنه النصوص الإبداعية، التي تكسر حدود الزمان والمكان، وتزيح عنه الحدود، والأغلال، وتتجاوز المحرمات الاجتماعية والدينية، وتمنحه صفة الخلود، فيسمو فوق الموت والحياة، يقاوم بشهواته جبروت الفناء، والقهر. . وجعلوه ترميزاً فنياً يبوح بالمكبوت، ويشبع النهم، بحيث يغدو الجسد المحجوب مكشوفاً، لأن الكشف – في العرف الروائي التقدّمي – لم يعد خطيئةً، أو عيباً، بمقدار ما صار حريةً وعطاءً، وبذلك تتناسى الرواية – إلى حدّ ما – وظائفه الإنسانية في الكدح والعطاء والخصب، بينما تلتفت إلى كل كبيرة وصغيرة في جغرافية أعضائه وأجزائه ومسامّه وخلاياه، بما يرضي الذَكر. " أما الوجه الذي كان، ولا يزال قبلة الشِعر والفنون، بما يُشعّ من حنان، وألفةٍ، وأما الأنامل التي طرزت الكون، ووشّت الآفاق بالمحبة، والتي عزفت على أوتار القلوب بالأمل، أما الأكفّ التي ما عرفت غير العطاء، والأذرع والسواعد التي خُلقت لعناقٍ أبدي مع الأمومة والحبّ، فلا نكاد نجد لها صدىً إيجابياً وفاعلاً " (1) في الفن الروائي.

 

استثمر كثير من نصوص الأدب الروائي عالمَ المرأة بمكوناته الكثيرة والمتداخلة، ونهض التمثيل السردي بمهمة تركيب ذلك العالم فنياً، مانحاً جسد المرأة مكانة بارزة، بوصفه هوية أنثوية خاصة.

وقد وقف النقاد عند هذه الظاهرة، التي أولتها الرواية عنايتها الفائقة، ووجدوا " بعد انقطاع طويل عن تراثنا الأيروتيكي "النفرواي. التيفاشى. الجاحظ. الأصفهاني. ألف ليلة وليلة... " شرعت الرواية العربية تشتغل على ذلك الحرام العتيد المتصل بالجسد واللذة، ومما يتصل من ذلك بأصناف (الشذوذ) توالت روايات (رشيد بوجدرة) (التفكّك) ، ومحمد ديب (هابيل) وغادة السمان (بيروت 75) وصنع الله إبراهيم (بيروت) وغالب هلسا (سلطانة) وعزت القمحاوي (مدينة اللذة) وسواها " (2) فدخلت المخادع المستورة، وكشفت أدق خفايا الجسد، وعرّت أعضاءه كلها بلا استثناء، وفجّرت طاقاته الغافية التي لم يقف فيها الروائيون عند حدود.

إن الجسد الإنساني يشغل العقل بقضاياه ووظائفه، في كل زمان ومكان على سطح المعمورة، فلا غرابة أن ينشغل به العقل العربي، ويصبح مدار حديث الشباب، في السرّ والعلن، وقد يبدو متضخّماً في بعض الأحيان، بسبب الحدود التي يقيمها المجتمع العربي السوري المحافظ. إذ يفصل بين الذكر والأنثى لاعتبارات دينية، واجتماعية تقليدية، فيتضخّم الآخر، وتقيم لـه المخيلة عشرات الصور المثيرة. كما في حال " حمدو " في رواية " بداية كل الأشياء " لـ " بسام سرميني " الذي يقول لصديقه " جمال ": " لا أحلى من امرأة تعرّيها بيديك، وتقف أمام عينيك كما ولدتها أمها، امرأة تقشّرها مثل الموزة، ثم تلتهمها من رأسها حتى كعب قدميها. "

[ يقول جمال ]: كلام " حمدو " عن المرأة والموزة المقشرة هزّ كياني، تخيّلت " غانية " تقطر شهوة وفتنة، تتعرّى أمام ناظري، وتتلوّى مثل أفعى ملساء ناعمة، تسقط في حضني وقد هدتها الشهوة، فلا تنهض أبداً. ."

ص (135 – 136) .

 

إن الجسد لا يقف عند وظيفة الظهور البصري وما يساويه أو يقلّ عنه، من ثباتٍ لظهور حواس أخرى كالسمع والشم واللمس، نظراً لحضوره الذهني الذي يتيح لـه الامتداد إلى مجالات أخرى قد لا تدركها الحواس، ولكنها تتعامل معها من خلال القدرة على التخيّل ورسم الملامح بمقايسة التجربة الحاضرة بما يغيب عنها.

واستقراء أفانين الجمال في الأدب والرواية يأخذ القارئ عبر مستويات متعدّدة، منها:

1 – مستوى التراث الصوفي: الذي يتجاوز المحسوس من أجل بنيةٍ معنوية لها عالمها الدلالي وأبعادها الجوهرية في محاكاة الروح. ففي تجربة العلاقة بالجسد نلمس في جانب اللذة ما يفتح أفقاً للمتعة بعيداً عن الرغبات الزائلة المحصورة بالجسد، مع أن الجسد هو المجال المدرك لتحقيق هذه العلاقة القائمة على الاقتضاب والإيحاء بين طرفين: المحبّ المستغرق فيمن أحب حتى ضياع كل الموجودات واختصارها فيه، والمحبوب الثابت المقصود مع اتّسامه بقدرة العطاء والإغناء وجوهره السامي البعيد عن الإدراك حتى الذوبان بقطبه الآخر.

2 – مستوى التأثير الأسطوري: ويكمن في تمثّل النموذج الفني (بجماليون) ودلالاته الأنثوية التي يبدعها الذكر في (حضرة) الجسد.

3 _ مستوى التأثير الثقافي: وفيه إعادةٌ لمكوّنات النموذج الأسطوري الذي استقرّ في ذات الكاتب، وهو دلالة سيسيولوجية على ثقافة واسعة، يمكن إعادة صياغتها إبداعياً في صور جديدة، أفرزتها العلاقة العشقية بين المثقفين في تقديس المتعة، والتي لا تترفّع عن الطينية الأرضية، فلا ترتقي إلى الحالة الروحية التي ترتفع بالإنسان إلى المرتبة الصوفية التي يكون فيها العشق بغير دنس، والحبّ يخترق ناموس العاطفة، ويشكّل البُعد الإنساني للعلاقة في عملية اكتمالٍ ذاتي بين قطبي الوجود في خصوبة الأنثى، وعطاء الذكر، بغية إيقاظ الروح عبر جماليةٍ فنيةٍ خالصة.

4 – مستوى الولـه الإنساني بالجمال: لدى الذكر والأنثى على السواء، حيث ينتقص كمال الجسد بالعلاقة الجنسية.

 

ويستغلّ الكاتب حشداً من الألفاظ الوجدانية، لمدّ المشهد بطاقات إيحائية، قد تستفزّ المتلقي، نظراً لحدوث ارتباطات وجدانية تثيرها تلك الألفاظ. الأمر الذي من شأنه أن يؤدّي إلى تكثيف اللحظة الجمالية التي يسبغها على هذه البنية الحلمية، ويجعل الفضاء منفتحاً وواسعاً أمام الكاتب، ليصبّ ملامح عالمه الفني عبر تفاعل الذوات، لتأكيد سطوة الجسد في الحضور الملموس، وقدرته على تمثيل المعنى، والإيحاء بالمغزى.

وقد ارتبط الجمال الجسدي بالجمال الخلُقي لدى بعض الكتّاب الذين حرصوا على سلوك شخصياتهم السوي، تبعاً للنظرة العربية الأصيلة، التي تترافق فيها قيمة الجمال مع قيمتي الحق والخير، لأن (الجمال) لغوياً مشترك لفظي يعني الحسن في الفعل والخَلْق والخُلُق، فقيل: جمُلت المرأة إذا حسن خَلْقها أو حسن خُلُقها، والجميل هو الفعل الحسن وهو المعروف أي الخير، فـ"رتيبة " بطلة رواية " أرض البطولات " (*) لـ " عبد الرحمن الباشا " " في الخامسة والعشرين من عمرها. ريا الشباب، وضيئة الوجه، وسيمة الملامح، وكانت إلى جانب ذلك ذكية الفؤاد، كريمة الشمائل شديدة الإيثار، دافئة اللسان، وقد امتازت على أترابها من نساء القرية بأنها قرأت القرآن الكريم يوم كانت صبية صغيرة، وأتيح لها من خلال هذا أن تتعلّم مبادئ القراءة من غير قصد إلى ذلك. " ص (25)

 

أولاً: لغة الجسد

وهل للجسد لغة ؟!!!..

إن 60 % من حالات التخاطب بين الناس تتم بصورة غير شفهية، أي عن طريق الايماءات والإيحاءات والرموز، لا عن طريق الكلام واللسان، ويقال إن هذه الطريقة ذات تأثير قوى، أقوى بخمس مرات من ذلك التأثير الذي تتركه الكلمات، ويأخذ الجسد في لحظات الحب، وموران الرغبة دوره الفعّال في تجسيد هذه اللغة التي يصمت فيها اللسان عن الإصاتة لتبوح باقي الأعضاء بلغتها الإنسانية التي يفهمها جميع أبناء المعمورة على اختلاف مشاربهم وتعدد لغاتهم.

 

إن الأنثى ابنة الطبيعة البكر، والطبيعة هي الجسد الفطري للحضارة والجمال، لذلك أخذ الجسد الأنثوي في النص الروائي – كما الشعري - معنى أوسع مما هو متداول ليصبح معياراً معادلاً للطبيعة، بتشكيلها البكر، من دون أن تغيّر فيها الثقافات المتواضع عليها. والطبيعة كأم رؤوم يفيض حنانها ويتسع عطاؤها، ليست إلاّ جسداً زاخراً بالمخبوءات، بالكنوز الدفينة. فبين الحديث عن الجسد، و الحديث عن الطبيعة، تقوم بلاغة جديدة، ويتشكّل صرح لغة حداثية. تقابل الأشياءُ بعضها بعضاً، ويكنّي المبدع عن الموجودات من دون أن يسميها بأسمائها الحقيقية. فالجسد ليس إلاّ تلك الطبيعة الأولى المفتقدة، ذلك الفردوس الذي خرج منه الإنسان عندما تعلّم الكلام وانطلق لسانه يصف ويسمي الأشياء، وفي جوف كل اسم حقيقة غير مدركة، لأن التسمية ليست إلاّ قناعاً يخفي تحته ما لا يقال. الجسد طبيعة تلوذ إليها الأرواح المتحرّقة، والأرواح الشغوفة. وكلما اشتدت وطأة الخارج كانت الطبيعة ملجأ حانياً حميماً.

 

فهل للجسد لغته ؟.

إن كل حركة من حركات الجسد تعبّر عن معنى، ولكل حركة دلالة، وكل عضو من الجسد لـه حركاته الخاصة وإيحاءاته، ففي إغماضة العين، ولمسة اليد، وبسمة الثغر وانتفاضة الرأس بالشعر. . إشارات رمزية واضحة وإيحاءات، كما أن للجسد في استقامته والتفاتته واستلقائه من يفهمه، وكل شيء في الجسد الإنساني يعبّر عن أمر أو موضوع، وقد يتحوّل إلى شيفرة، وُجد من الكتّاب من يهتمّ بها، ويحاول فكّ رموزها.

 

إن " الجسد معطى ولود، محمّل بأفق التأويل. . وهو ما يحدّد أطر العلاقة، في ثنائية الكتابة/ الجسد. . فبينهما ثم تواطؤ أساسي. أدرك القدماء خطورته، فصارعوه، وإن لم يصرعوه. فالكتابة كدالٍّ، وكحرفٍ. تشكيلٌ وتصويرٌ، وظلٌّ ماديّ وعينيّ لمتعالٍ، يكون هو المعنى والصورة والمثال، وبما أن الهامشي " مجنوناً أو مجذوباً أو صوفياً " جسدٌ يخيب فيه المعنى والمثالية، وبالتالي يخيب فيه العقل، والمعقولية، فإن هذه العلاقة بين الدالّ الخطيّ، والجسد، تتأجّج وترتبط بكل الدلالات البَدئية التي يفترضها مسرح الكتابة. " (3)

وتأكيد خصوصية اللغة التي تتناول (الأنوثة) وجسدها بإيحاءاتها اللذّية والشاعرية أفضى إلى جعل جسد المرأة محوراً، وموضوعاً؛ استأثر باهتمام الكتاب والكاتبات على اختلاف مشاربهم، وغدا لهم ملهماً للتعبير الأدبي، تنكّبوا من أجله الطرق المتعدّدة لاكتشاف هذه القارة الغامضة / الواضحة، ومن ثم تسويق أيديولوجيا خاصة بتوصيف الجسد من خلال عزله عن الشبكة الإنسانية المتواشجة والمتداخلة، وظهر ذلك جلياً في روايات المرأة أكثر من روايات الرجل، وربما كان ذلك تعويضاً وردّة فعل، خلافاً لما رمت إليه "الناقدة " لوس إيغاري " التي رأت أن الأسلوب النسوي يُعرف من " خلال ارتباطه الحميم بالتدفّق واللمس " لأن المرأة " تربط لغة المرأة بالجسد الأنثوي وباللذة الجسدية " ومن الواضح أن الثقافة التي أقصت المرأة، وحجبت جسدها، جعلتها " ترى نفسها جسداً مثيراً، وصارت تسعى إلى إبراز هذا المعنى " بوصفها مصدراً للشعور بالتفوق، وليس بالنقص.

 

إن الرواية السورية منذ بداياتها الفنية الأولى على يد " شكيب الجابري " وأترابه من بعده، أثارت مجموعةً من الأسئلة حول الإبداع والجسد والشذوذ، والجمال والقبح، وتجرأت عهدئذٍ على تناول المحرّم المسكوت عنه، لأنه أهون الشرور الثلاثة، بوصف الإبداع الفني في الجنس لا يعرّض مبدعه لما يمكن أن يتعرّض لـه في المحرّمين الآخرين: الدين والسياسة، فتمادت الرواية في التعبير عن كل ما يتصل بالجسد الأنثوي ورغباته السوية والمنحرفة، والشاذة، مروراً بممارسة العادة السرية لدى الجنسين – كما قرأنا عند إحدى شخصيات " د. هيفاء بيطار " فيما بعد – ومن قبلها شذوذات ذكور " غادة السمّان " و" عادل أبو شنب " في " وردة الصباح " و نساء " نهاد سيريس " في " حالة شغف " و " صبيحة عنداني " في " اعترافات امرأة فاشلة " التي تجاري الاختراقات الجريئة للروائيين العرب، مما يثير مجموعةً من التساؤلات تتواتر عن " الاشتغال الفكري والنقدي في أمر الجسد، واللذة، و... عمّا إذا كان الانكفاء على الجسد، وعلى ما يلذّ الذات، يؤدّي إلى الشذوذ، أو إلى تفاقمه ؟ وهل الإبداع شذوذ مثل أيّ شذوذٍ جنسي ؟ وهل يعبّر الاهتمام بالجسد والجنس عن جمالية ؟ وهل تكون هذه الجمالية قيمة أخلاقية ؟ هل القيمة الأخلاقية للنصّ إذن مستقلة عنها، خارجه ؟.

 

بالعودة إلى " حالة شغف " سنرى أنها جعلت جل همها في جسد المرأة عبر شخصياتها المحورية: " بهيرة، وداد، بديعة، راحيل " وعبر شخصياتها الثانوية: " سماح، عائشة، فريدة " وسواهن" (4) . وأن الجسد قد استغلّ إلى أقصى حدّ، فلم يقتصر على الجنس، وإنما أخذ حظه في المتعة بالرقص والغناء والغيرة، والتشبّه بالذكورة.

يلاحظ الباحث، لدى دراسة الجسد الأنثوي اختلاف اللغة وتقاربها بين كاتب وآخر، فالجسد في عطائه لدى " غادة السمان " و " كوليت خوري " لـه مواء وأنين، وهو عند " هاني الراهب " بوح تجسّده الممارسة الفعلية بين الذكورة والأنوثة، فيعبّر كل جزء من الجسد بما يذخر به من رغبة، ففي رواية " شرخ في تاريخ طويل " حين يأتي " حبيب " إلى القبو – والقبو رمز الحضيض والدونية، وقد غدا مصطلحاً لأدب الجسد السفلي – ليمارس الجنس مع صديقته، تهوي به على السرير، تشدّه، وتدخله (جنة) جسدها، فتصرخ الشهوة، ويصخب الجسد معلناً بلغته الفوزَ بالمطلق: " أرادته أن يجامعها حتى يموت أحدهما أو كلاهما في الغرفة. . ووضعت أصابعها حول عنقه، بدّلةٍ وابتسام، ثم قفزت إليه تطوّقه. إذ ذاك دخل في السباق القاتل، ومضى فيه، فتزايد الفخر بكل من جسمه، وقوته الجنسية، حتى جاءت لحظته " جاء المطلق. هل تفهم ماذا أعني ؟ هل مررت بهذه التجربة ؟ الحصول على المطلق ؟ " وبدورةٍ لولبيةٍ لذهنه المتعدد السلالم. اعتبر أن العملية، عمليته هو، وأن الفتاة التي تحته، صارت جنّةً حقاً، لكنها التقطته من حوضه بعارِ رجاءٍ مشمئزٍ. ولأنه شعر برجولةٍ وثنيةٍ لهذا الطلب، العبد، المتوّسل. لأنه رأى فيه تتويجاً لكل الفخر الذي أحسّه بنفسه، طوال حياته. استمرّ يضرب بمجدافه في يم لحمها حتى تعب، وعندما انحسر عنها، وضعت وجهه بين راحتيها، ولاعبته لوهلةٍ. لم تقهقه، ولم تتهاوَ على السرير. عادت إلى ابتساماتها الدائمة، وشرود عينيها الأبله. لبست ثيابها في غفلان تامّ عن كل شيءٍ، وقبل أن تمضي خائبةً، وضعت بين شفتيه سيجارةً، وإلى جانبه ثيابه. "

و" حنا مينة " – مثلاً – في " ثلاثية البحر" يرى " أن صورة المرأة، تجمع بين اكتمال الأنوثة الجسدية، والتمرّد على المواصفات الاجتماعية، أنوثة سعت بها إلى السيطرة على الرجل الفرد، فكان لها ذلك، وتمرّدت بها على المجتمع الرجولي، ولكن تمرّدها الفردي لم يحقق الهدف المنشود، مما جعل قطب العلاقة بين المرأة والرجل، هو جوهر العلاقة بين الأنوثة والرجولة، ممارسةً (وأدلجةً) عبر ما نعته النقد بـ " لغة الجسد " لكن لغة الجسد في ثلاثية البحر ليست إباحيةً في غايتها. بل هي لغةٌ تسعى إلى تجاوز الجسد بصفته مكاناً تشكّله الكلمة داخل البنية السردية، لتصل به إلى كونية الإنسان في دلالتيها: الاجتماعية، والنفسية، وبتعبير آخر: إن لغة الجسد هذه، تقسم الإنسان عبر خطٍ وهمي إلى نصفين: أعلى وأسفل، من موقع السرة، لكن مع الأخذ بنظر الاعتبار، لا يمكن لجسدٍ أن يكون أعلى بدون أسفل." (5)

وهذا الذي رآه النقد لغةً غير جنسيةٍ في ثلاثية البحر، رآه صاحبه كتابةً واقعيةً عكست الحياة، وسجلت وقائعها وأن الأدب يغطي البنية التحتية، التي تؤخذ بحرفيتها، ولأن الأدب واقعٌ، فقد دافع " حنا مينه " عن لغته، لأن " المهمّة الرئيسية الملقاة على عاتق عصرنا هي الدفاع عن المشاعر الإنسانية، ضدّ البرغماتية، والعقلانية ". (6)

لكن ثمة من يخالف ذلك، فيرى أن لغة " حنا مينه " في ثلاثية البحر لغةٌ جنسيةٌ " تخالف بيولوجية طبيعة الإنسان. . موضوع الجنس كان مسخراً لخدمة الرجل فقط، في حين أن إنسانية المرأة (الإنسان) كندٍّ لـه " كانت غائية.(7)

ومع ذلك فإن " حنا مينه " لا يخرج في معظم اهتماماته الروائية عن نطاق لغة الجسد، الذي يحوّله إلى لغةٍ حيويةٍ حركيةٍ عضويةٍ، تجسّدها غالباً الممارسة، كتوصيفه لـ " شكيبة " في رواية " الياطر ": " كعباها حفرا الأرض. مهرتي في جموحها، وهي تضغط بالكعبين، لترفع وسطها، وتحركه، سحقت العشب، وحفرت الأرض، ونهشت كتفيّ فكادت تحفرهما... طفقت تلال أربع من فوق، ومن تحت، تتقلّص وتتمدّد، وعضلاتها تتموّج في توترٍ متلاحقٍ، وتنكمش، وتتراخى، تدور على بعضها، لتطحن بعنفٍ. بشراسةٍ. بزمجرةٍ كلبيةٍ شيئاً لا يطحن. " ص (78 – 79)

 

وبذلك ينطق الجسد بلغةٍ يغيب فيها العقل والمعقولية، ودالّ خطيّ، وجسدٍ يتأجّج، ويرتبط بكل الدلالات الأولية التي تفترضها الشخصيات الروائية.

ومع ذلك، فإن " حنا مينه " الذي استنفد معجم الجسد، ما يلبث أن ينفي بأنه كاتب جنسٍ، لمجرد الإثارة، ودغدغة أحاسيس القرِّاء، إنما يأتي عليه، باعتباره فعلاً إنسانياً، ووجوده في الرواية " يصبح فاعلية اجتماعية " و "المرأة أكرم من هذه النظرة الجسدية القاصرة " (8) .

 

والذي نفاه " حنا مينة " قليلاً، واشتغل عليه كثيراً، يلحّ عليه " نبيل سليمان " الذي يرى أن طبيعة الرواية، والعلاقة بين الذكر والأنثى تتطلّب لغةً، تصرّ على البذاءة " التي " لا تعني شيئاً في معجمه " " ولا حدّ لها إلاّ سطوة الرقيب الاجتماعي، والسياسي، وخوفي. . أن تسميَ حالةً، أو حاجةً، أو علاقةً، أو عضواً، من جسدك - غذائيةً كانت أم جنسيةً - فليست بالنسبة لي بذاءة. أليس هذا ما يفعله الجميع في مطارحاتهم، أو همساتهم ؟ " (9) .

 

 إن للجسد لغته الخاصة في التفاهم والتناغم والانسجام، ومدّ جسورٍ للعناق الحسي، فالتماس الجسدي، وهنا تقول لنا العلاقة الجسدية بتحليل واعٍ؛ إذا كان الكلام هو الإفصاح أو التعبير عما في النفس بأجهزة النطق في الحلق واللسان والشفتين، فإن الجسد عندما ينطلق للعطاء لن يكون بحاجة إلى ذلك الكلام الذي يخرج من الفم، لأن للجسد أسلوبه في التعبير عما يضج في داخله بصدق لا يكذب، ولا يخفي ما به لأنه يكون خارج العقل، وخارج الإرادة وخارج الحدود والحواجز التي تكبح الرغبات، إنها لغة للجسد تشبه لغة الأحلام ولغة الأساطير التي تنطلق فيها أهواء الجسد بغير عوائق، فتعبّر بلغة العيون وفحيح الأنفاس، ورياضة الأعضاء، وموران المنخفضات والمرتفعات والمنحنيات بما تذخر به. وهل يستطيع أحد أن يمنع حركة هيجان الأرض وصوت عصف الريح، وقصف الرعد، عند شرارة البرق التي تنطلق من قطبين في لحظات الالتحام والاحتواء ؟. ثم هل يستطيع أحد أن يحبس إيقاع المطر إلاّ صاحب المطر ؟ !. إنها اللغة؛ لغة الجسد الذي تبوح فيه العيون والشفاه والنهود والأطراف والجذوع والمشاعر والأحاسيس ، فتصدر عن احتكاكها موسيقا وتنغيمات يستوي فيها الإنسان الغرّ، وصاحب الخبرة، الذكر والأنثى.

 

أما بدايات اللغة الروائية، فتشير إلى أن " شكيب الجابري" أول من "شق الطريق إلى لغة الجسد، عبر فسحة جنسيةٍ باطنية" رغم أنها اتهمت بأنها أدبٌ فاحشٌ، بسبب لغتها الصريحة الاستفزازية، وغالباً باللهجة المحلية "(10).

 

لقد عبّرت لغة الجسد بالمحسوسات، فتشظّى شهوةً في ظلّ العلاقات الاجتماعية المتفككة، حتى ليخال المرءُ – في بعض المشاهد – أنه أمام مجسدّاتٍ جنسيةٍ، من الأدب المكشوف، كما في رواية " مجاز العشق " لـ "نبيل سليمان " حيث " تهجّى الجسد لغةً جديدةً، لكأن المرحوم " مازن " لم (يفضّ بكارةً) ولا " فؤاد " (ضاجع) " فاتن " ولا " صبا " فرّت من أصابع " أبو كريم " ولا ظفر بـ " ثدي " لها مرّة. ولا " فؤاد " عطّرَ رابيةً لـ " نوال الشيخ " أو تشمّم أو" استمنى " ولا " صبا " ألطفت إلطافاً على سيف الفرات. لذا هما الآن آهة، و" حواء " وفحيح وعواء، وزقزقة، وحفيف أوراق. مرضعة جاهلة، وصديق جاهل، وجع وعراك فضول وحبور، حقائق وأخيلة، مثل وحشٍ وإنسان، وزلزلة وخلود، وشهقة تتفجرّ ماء. الماء سيغدو مشيماً، والمشيم سيغدو علقةً، والعلقة ستغدو مضغةً. مبروك يا عروس. مبروك يا حبيبي. " ص (155) .

في رواية " بروين " لـ "عبد الباقي يوسف " يغدو الجنس هدفاً. فتنـزاح روح الكاتب الشرقي، لتحلّ محلها أرواح " جين جينيه " و " البرتو مورافيا " و" لورانس " مبدع " عشيق الليدي تشاترلي " وتبرز أمامنا على البياض أشكال الأعضاء التناسلية غافية ومهتاجة. لكل من " هالة " و " السارد " الفحل الذي يفحّ: " تمدّ يدها إلى عضوي. تقول: هذا لي. لهالة، هاهو ينهض على هالة مثل حصان كما اعتدته. دعه يخترق معدتي وكبدي. دعه يقبّل زهرةَ هالة، ويمزّقها. ألم يحنُّ لزهرتي ؟. . تأخذني في حضنها. تمسك برأسه، وتدسّه في عتمة الوردة.. . " ص (22)

إن إدمان الكاتب على دراسة الجسد ولغته، ووظائفه، جعله يستغرق في البحث عن مواطن الإثارة، والوقوف على خفايا العلاقة الطبيعية والشاذة، والشرعية منها والناشزة، فـ " هالة " ارتبط وجودها في الرواية بالجسد، والهوس الجنسي، وقد واجهت العنت في جميع علاقاتها الذَكَرية. ليس على صعيد الأسرة فحسب، وإنما على الصعيد الاجتماعي بأسره. بدءاً من الطبيب الذي تعمل ممرضةً في عيادته، حيث اغتصبها، فحملت منه، ثم ساعدها على إسقاط الجنين " وأصبح الطبيب يداوم على هذه الممارسة معي... لقد أحالني إلى عاهرة " ص (90) . ومروراً بالأب الذي أرغمها على الزواج ممن لا تعرف ولا تحبّ:

" ولكني لم أره.

قال: عندما يتزوّجك سترينه جيداً " ص (93)

وانتهاء بالزوج والعشيق، حيث عاملها الأول معاملة غير إنسانية. أذهلها عن نفسها حين أخذ يمارس معها الفعل الشاذّ منذ لحظة الزفاف الأولى، وحتى نهاية العلاقة، فغدت مجرّد بؤرة لتفريغ الجنس، ولكن بطريقة شاذة، تُرضي نزعة الذَكَر الذي لم يعبأ بمشاعرها العاطفية:

 " احتضنني من ظهري ورفع ثوبي.

 قلت: لا يا بشير. . ستؤلمني...

 ولم أحسّ إلاّ بحيوانه بين فخذي...

 - يا بشير مثل كل الناس.

 وأعلمني بأنه لا يستطيع إلاّ هكذا. . هربتُ من الفرشة، و نمت في المطبخ. . لكنه جاء في اليوم التالي، وضاجعني في المطبخ بذاك الأسلوب الشاذّ. . " ص (92)

إن قوة الذَكَر تتصاعد. إذ يتمادى في شذوذه، فلا يكتفي بالممارسة مع الزوجة، وإنما " يجلب الذكور ويضاجعهم على سريرنا الزوجي " ص (92)

وفي مقابل تمادي الزوج في طغيانه، تجد الزوجة نفسها منبوذة مستصغرة، لأن " بشير " يرى: " النسوان مثل الأحذية بالنسبة للرجل. كلما اهترأت، وجد البديل. " ص (20) لذلك تحافظ على علاقتها السرية بالطبيب، وتتعاطى - من أجل ذلك – حبوب منع الحمل. .

 

إن علاقةً زوجيةً تقوم - من أول يوم – على الشذوذ، بعد إرغام الأنثى على الاقتران بمن لا تعرف، ولا تحبّ، من الطبيعي أن تكون نتيجتها التفكّك، فتغدو علاقة ذَكَرٍ عبدٍ لشذوذه، بأنثى مستضعفة، تستكين إلى قدرها .

والثاني العشيق الذي توخّت أن تعوّض بعلاقتها معه ما افتقدته في الزوج، لكنها ما إن أنست إلى جسده، حتى وجدته يميل إلى غيرها، فيملّ من جسدها، ويطردها، مستعملاً معها القوة، لذلك أخذت تتذلّل إليه، وتسترضيه. تريق أمامه ماء وجهها، بعد أن أراقت، في أحضانه، كرامة جسدها:

" – أنتِ الآن. ماذا تريدين مني ؟. . كفى. لقد ضاجعتك في الأيام الماضية وانتهى كل شيء. هل كُتب عليّ أن أضاجعك إلى الأبد ؟ " ص (20)

 " أيّ شيء آخر تريد وسأقدّمه لك. . سأسرق. . سأتسول. . سأعمل. . سأبيع ثيابي وأغراض بيتي. . أرجوك كن لي. . اضربني. . اشتمني. . شدّ شعري بقسوة. . اصفعني بعنف. . ضاجعني. . أنا كلبتك. . " ص (21)

 " - اخرسي يا هالة.

 -... .

 - قردة وابنة (قردة) ...

 " – كنت أعرف بأنك تعاملني كزانية. لكن لن أتركك. سأفضحك وأنتحر.. "

 ... رفعت رأسها تنظر إلي بعينين دامعتين والدم الأحمر ينـزف من فمها. . " ص (22)

 تبدو " هالة " أنثى مهزوزة الشخصية، تجسّد همّها الكليّ بجسدها، ولكن من خلال امتهان وابتذال أكّد أنها كانت بغير مشروع، مما أوقعها في مشكلات لانهاية لها، فهربت لعلها تجد خلاصاً، لكنها لم تكن تحسب ما يمكن أن يؤول إليه هربها، وأنها لم تهرب إلى من يساعدها على رفع الظلم البطريركي عنها. الأمر الذي جعل منها أنموذجاً حادّاً للضياع الأنثوي بسبب استضعافها من جهةٍ، واستكانتها من جهة ثانية، إذ تتكالب الذكورة المستفحلة على جسدها، حتى إذا ما شبعت منه نبذته، وهذا ما شعرت به، حين وجدت العشيق يعاملها كزانية، وهذا من شأنه أن يحوّلها إلى جسد ممتهن منبوذ (قردة، وابنة قردة) تفقد فيه قيمته (اللّذية) بعد أن فقدت قيمتها الإنسانية لدى الزوج، الذي (يبدّلها كما يبدّل حذاءه المهترئ) .

 

لقد حاولت " هالة " أن تتخلّص من ضعفها أمام الذكورة، وأن تخلّص جسدها من امتهان جديد، وذلك بالاحتجاج الواهي على قرار أبيها بأنها لا تعرف الزوج الذي سيربطها به، لكنه كان احتجاجاً سلبياً يائساً، وهي إذ أبدت اعتراضها على نعتها - من قِبَل العشيق - بالقردة، إلاّ أن ذلك أيضاً لم يرقَ إلى مستوى الاحتجاج والتمرّد، مما جعلها تنهار أمام جبروت الذَكَر، وتلخّص رؤيتها الحيوية كلها في (بؤرتها الجسدية الجنسية) فتنبري تستجدي العشيق بدموعها، وتستعطفه بعبارات مبتذلة، انهالت بعدها عليه تقبّله في كل موضع من جسمه، وتتوسّل:

". . أنسيت كيف كنت أمنحك جسدي، وتفعل به ما تشاء ؟. " ص (21)

 وهي بهذا التذلّل للعشيق. تظهر مدى الضعف الأنثوي المستحكم في نفسها. إضافة إلى معاملة الاستضعاف والدونية التي عاملها بها كل من الذكر/ الزوج، والعشيقان: الأول والثاني. ومن ثم. . تحرّش عمها / والد زوجها بها، كما سيمرّ في العلاقة الزوجية المتفككة – كل ذلك أدى بها إلى الهروب والضياع واختفاء الأثر، غدت معها لغة الجسد غير ذات جدوى.

 

 إن احتفاء عددٍ كبير من الكتّاب بالجسد، والوقوف على اندفاعاته العاطفية؛ سلباً وإيجاباً، جعل النصوص تفيض بوصف لحظات الإثارة والمتعة والنقاء والدنس والحب والابتذال والثرثرة، فبدت الشخصيات منتشية حالمةً، وهلعةً مهزوزةً ، فـ " هالة " بدت منقسمةً بين جسدها وحياتها الزوجية، كما انقسم جسدها قسمين؛ قسم للزوج من دبُر، وآخر للعشيق من قبُل، وهي في كل انقساماتها منحازة إلى الجسد، لاعتقادها بأنه الوسيلة الوحيدة لتحقيق الذات.

 

 وتقترب هذه الثرثرة، أو اللغة الصريحة من قاع الواقع، حتى تصل إلى لون من البذاءة السوقية، في رواية " المسلة " لـ " نبيل سليمان " من خلال التعبير عن هواجس عددٍ من الشباب المثقفين، الذين يؤدّون الخدمة العسكرية، في أثناء جلسة يدور حديثهم فيها حول الجنس:

 " سمعت فوزات أن ظهره الليلة مهدود، وأنه لن يستطيع أن يركبها غير مرّةٍ واحدةٍ، فقلت دعها تركبك إذن [... ].

 - رجولة بني عثمان لا ترتضي إلا إن تأتي من علٍ !

 ودعَك بشار عضوَه وخاطبنا جميعاً:

 - يا أولاد الزواني: لو كنت متأكّداً من هربكم الليلة، لما قضيت ليلتي بين الاستحلام والاستمناء [... ]

 أحسست بتوتّر بين فخذي، وأشفقت على بشار العازب، الذي بين سوق العاهرات ويديه وأحلامه [... ] مراهقون وصور عارية وكيلوتات ملطخة بالمني اليابس، وأحاديث لا تنتهي في فنون المضاجعة [... ]. وعمر الحشاش المهندس الزراعي يهمس بنوادره مع الجحشة العتيقة، فتتلع الرقاب وتتشنّف الآذان، ونجد في سيرته تعليلاً، لما يقسم بشار أنه درج في حوران من وضع الزفت على [... ] الأتانات، لقد تحدّاهم فوزات منذ يومنا الأول في مطعم المعسكر:

 - ضعوا كافور الدنيا في طعامكم، فلن تزيدوا العضو إلاّ صلابة. وهاهو يهتف [... ] يا عجوزي الحمقاء: سوف آتي أرطالكِ من خلفٍ ومن قدامٍ. من فوق ومن تحت. " ص (32 - 33)

 إن لغة الجسد إحدى مجسّدات العمل الفني. لذا كان من أهمّ تأثيراتها خدمة النصّ. بوصفها أهمّ عناصر البناء، بحيث لا يغدو الجنس بها هدفاً في حدّ ذاته فحسب، وإنما تحوّله إلى تقنيةٍ تدخل صميم العملية الإبداعية (لغة تخدم الحدث المفهوم) وهي – على الرغم من انكشافها، وإثارتها في كثير من الحالات – تظلّ بعيدة عن الشبقية السوقية، وقد تقترب من اللغة الإنسانية الشفافة، بحسب المقام. وهذا ما اقتضى إيجاد لغة تعبيرية استدعتها حالات الوجد الجسدي، فكما وُجدت في تاريخ الأدب العشقي العربي أسماء، مثل " صريع الغواني، والشاب الظريف، والمجنون " كذلك وُجدت في الرواية أسماء مثل " المجنون " كما في رواية " نجمة الصباح " لـ " محمد حيدر " " مجنون " إلى جانب " ليلى " حرص على أن يكون مجنوناً عصرياً:

 " أنا ليلى – أكتب. .

 سألني مراراً، وفوقها مرّات: " هل تظنينني مجنوناً يا ليلى. . لماذا تحسبينه جنوناً هذا الأمر ؟ "

 وفي رواية " المغامرة الأخيرة " لـ " حنا مينه " " مجنون " آخر. إلاّ أن " مجنون ليلى " و " مجنون لبنى " يختلفان عن المجنون المعاصر، في أن العاشق القديم عذري، اختزل حياته العشقية في أنثى واحدة، لم يبنِ بها. بينما ينقلب المجنون العصري إلى (ديكٍ (بلغة البلد – يتهافت عليه الدجاج، و( دون جوان) بالمصطلح الغربي، تتهافت عليه الغواني. فـ " زبيد الشجري " الذي يعيش في الصين ويعمل في الترجمة من الصينية إلى العربية، يطلق عليه الكاتب لقب " المجنون " بكل ما تعني الكلمة من الدقة اللغوية والمجازية، وهو بذلك يجعل الشخصيات الأجنبية تتقمّص بُعد الثقافة العربية، فتنعت " زبيد " بها. كأن تتعمّد " مارلين " أن تقول لـه: " أنت مجنون حقيقي " فيردّد العبارة خلفها ترديداً ببغاوياً، و " مارغريت " في لحظة متعةٍ تقول " حبيبي مجنون " و " تشين لاو " تخاطبه " أنت مجنون " و" زبيد " نفسه يتيه بهذه النعوت، لأنه لا يجد لذّته إلاّ في جنون الجسد، ويعدّ جميع العشاق مجانين. لكن الكاتب قد يحمّل اللفظ معنى مضادّاً، عندما يتعارض مع رغباته، فيصف " مارلين " بأنها مجنونة لأنها تريد تحويل العلاقة بينهما إلى علاقة زواج. وقد يحمّل الجنون معناه اللغوي، عندما تراه " مارلين " يتبرّع بأجره لبناء النظام الاشتراكي الصيني، فتقول: " أنت إنسان سخيف وغبي. "

وكثيراً ما تلجأ الرواية إلى لغة الترميز عند ذِكر أسماء الأعضاء الجسدية المذكّرة والمؤنّثة، فـ " نبيل سليمان " يصف عملية الممارسة بين " فاتن " و" فؤاد " في رواية " مجاز العشق " بـ: " باب يحكم انغلاقه: باب يشرع على بياض يتشرّب بزهوةِ جسدٍ: ضوءٌ نشوان مثل السرير. . الساقان العبلتان الناعمتان تلتفان على عنق تتمعج: فؤاد يساقط على الحلمتين الناشبتين: فاتن تترقرق. " ص (51)

ثم يصف عملية اللقاء والممارسة بين " فؤاد" و " صبا العارف " من الألف إلى الياء:

" تلاعب الضباب بالضوء الذي تلاعب بالغيمة التي تلاعبت بالسرير الذي نضا عن صبا قميص النوم الرافل بالبياض ونضا عن فؤاد ورقة التوت؛ تهجّى الجسدان لغةً جديدة. . هما الآن آهةٌ ومواءٌ وفحيحٌ وعواءٌ وزقزقةٌ وحفيف أوراق: مرضعة جاهلة ورضيع جاهل، وجعٌ وعراك وفضول وحبور: حقائق وأخيلة مثل وحشٍ وإنسانٍ وزلزلةٍ وخلود وشهقة تتفجّر ماءً."ص(155).

 

كما ألزم الشبقُ وحضورُ الجسد الطاغي على المخيلة ما يمكن أن نسمّيَه (لغة الجنون العشقية) أو ما اصطُلح عليه بـ " تقنية المحارفة، أو الإصاتة " أي " استخدام الحرف بصورة متكرّرة " فابتدعت الشخصيةُ لغتها ومجازها ودلالاتها وترميزاتها، كما فعل " نبيل سليمان " في " مجاز العشق " عندما عمد إلى تفجير اللفظ، وجعله يتشظّى، كقوله: الماء، منتجة: التكرار والإبدال والتنويع، إيقاعاً دالاً على بلوغ فؤاد صالح ذروة ظمئه إلى الأنثى: " ماء بل ما ماه بل ماءة: أمواه بل أمواء بل مياه: مائي وماوي وماهي: ميهة كنت يا صبا وماوية والموهة وأنا أذوب: امرأة رواية وأنا سأكتب. " ص(99).

 

ويستخدم اللغة الصريحة المباشرة، عندما تسرد " صبا " حلمها على مسمع " فؤاد " الذي رأت فيه أنها تمسك قلم حبر وتنفضه لتكتب به على دفترٍ بحجم كفّ اليد، فيفسره " فؤاد " لها بصراحة:

 

" القلم في الحلم هو الذكَر، والمدادُ نطفته، وما يُكتب فيه منكوحة."

ص(183)

وقد يحجم الكاتب عن ذكر اللفظ الصريح، ويدع ذلك للقارئ كي يتمّ المعنى أو الصورة بنفسه حسب نظرية القراءة والتلقي كقول " فاتن " لـ " فؤاد " وهو فوقها على السرير يمارس معها لعبة الجسد، عندما وجدته حذراً حريصاً على عدم تجاوز حدود معينة من جسدها:

" أنا أقسّمُ [ جسدي ] لكَ و لـ " غسان الوهبي " و " أنيس أسعد " ولغيره وغيره: أنزل: السواد يقدح شراره " إذا كثر الزنا كثر المطر".ص(51)

إن النصّ الروائي عالم موازٍ للعالم الحقيقي، والمبدعُ واعٍ لجوهر عمله الإبداعي، وهو بعد الفراغ، أو الصمت الذي أغلق به النصّ المشهدي بلفظ " السواد " المثير، ثم بفعل الأمر " أنزل " يترك المجال أمام المتلقّي كي يتخيّل ويتصوّر بقية المشهد، بمعنى أنه يجعل عالمَ النصّ في مواجهةٍ مباشرةٍ مع المتلقّي الذي يُتوخّى أن يكون محيطاً بهذا العالم، وأن يكون مستعداً لتكملة معناه، والوقوف على مغزاه ودلالاته، وإلاّ انتفى هذا العالم، وبذلك يتميّز عالمُ هذا المشهد على مستوى التلقّي بأنه زاخرٌ بمعيارٍ يُعدّ خروجاً سافراً عما ألفناه في البوح الأدبي التقليدي، فيبتعد عن المقدس والمحرّم، ويدخل شارع المدنّس المغيّب. إذ لم يعتد القارئ العربي على أن تُسرد أمامه عوالم القاع الاجتماعي بهذا الكشف والوضوح.

 

كما أن تدنيس المقدس في التتمّة: " إذا كثر الزنا كثر المطر " من شأنه الازدراء بالديني كالربط الدلالي المستقبح بين ماء الرجل وماء السماء، وفي ذلك تطاولٌ على المقدّس، لصالح المدنّس، خدمةً للنصّ الفني. واستخدامُ اللفظ القرآني (أنزل) ذي البُعد العميق في الموروث الثقافي، في لغة الجسد، مع إصرارٍ على اختراق المحرّم، لا بدّ أن يخرج القارئ منه بدلالة أخرى، غير الدلالة التصريحية للنصّ الروائي، تتعارض مع معاني الحياة التي يوحي بها التعبير ا لقرآني (فإذا أنزلنا عليها الماءَ اهتزّتْ ورَبَتْ، وأنبتتْ من كلِّ زوجٍ بهيجٍ) . سورة الحج (5)

وقد كثرت معطيات الممارسة الجنسية، وظهرت في ألفاظ متعدّدة، تجسّدت بالتنهّدات والتأوهات والهزّ والرهز، والفحيح والزقزقة، وبرزت لدى"حنا مينه " ألفاظ معينة كالقوقأة، كما عرفت " غادة السمان " بكثرة استخدام لفظ المواء للتعبير عن حالة الشبق.

 

إن نظرة الكتّاب إلى الجسد في جمالياته قد أوصلت بعضهم إلى مرتبة الوجد به وتقديسه، فاندفعوا يبدعون لـه لغة شاعرية وصوفية، ويرفعونه من عالمه المادي إلى عالم شفاف يقطر عذوبة وسحراً، عالم ذاخر بالرؤى الملوّنة، يغدو فيه سراباً ورمزاً مجازياً، ربط بين الجسد الأنثوي والأرض، والجسد والغربة، والجسد والبحر والمطر، والجسد والوطن، تعبيراً عن شدة الانفعال، وقوة الإحساس بالتجربة، والترابط الدلالي القائم بين الجسد وهذه الأشياء الحية التي تؤكّد حقيقة الذات، وحقيقة الحياة.

 

 إن اللحظات التي تبوح فيها لغة الكاتب الشاعرية أمام جمالية الجسد تتكثّف وتتفجّر لتُنطِق أعضاء الجسد بدلالات وظائفها اللذّية المطلقة، وتنحت ألفاظاً وعبارات تستدعيها الحالة النفسية، كقول " عبد الكريم ناصيف " في رواية " الطريق إلى الشمس / الجوزاء " أحست " شمس " بحدس الأنثى أن المغناطيس الذي يشدّ " نوافاً " إلى " دملجة " أشدّ قوةً وتأثيراً. . " و"دملجة.. ترمي بكل ما في جعبتها من سهام الأنوثة والجاذبية لتصرعه أرضاً.. لكن. . زهور. . هي الأخرى ترمي بشباكها لنواف. . " ص (73- 74)

 إن الألفاظ التي عبّرت عن لغة الجسد، التي هي لغة الحب، في هذا المقبوس القصير، هي ألفاظ عادية، فالعرب استخدموا لفظ " السهام " لنظرات العيون " ومثلها ألفاظ " الشبكة " و " الصرع " و" الجاذبية " للإيقاع بالمحبوب، وليست كلمتا " الحدس " و " المغناطيس " بغريبتين عن الاستخدام، وإن كانتا أقلّ وروداً لدلالتهما العلمية.

 وقد كثرت في الرواية المواقف التي يعبّر فيها الرجل عن افتتانه بجسد الأنثى، ينطقه بلغة التوق والشوق والنشوة، لكن ما يمكن أن يستوقف المتلقي تلك الحالات التي تقف فيها الأنثى؛ فتاةً ومتزوجةً ومتقدمةً في العمر، أمام المرآة، تستنطقها عن المعايير الجمالية التي يحفل بها جسدها، وسط نسق ثقافي واجتماعي عاطفي، من خلال دوافع ورغبات متعدّدة، تتركّز حول تزيين الجسد بالألبسة والأصبغة، والترغيب به استناداً إلى ثنائيات معروفة، كالحجب والإظهار، والمنع والإباحة، والإحجام والغيرة، والحياء والبوح، كي يظلّ مثار الرغبة، وملء الخيال، لأن ثمة استراتيجية تنظّم العلاقة بين الجسد والناظر إليه، وبمقدار ما يتم اختراق حواجز الجسد لامتلاكه، فإن ثمة رغبة باستكشاف غموضه، وهنا تتفاقم لغة الجسد، بحسب الرغبة، فتأخذ بعداً حسياً مجرّدا، عبّر عنه " جورج باتاي " في كتاب " الجسد " بقوله: " إن الرغبة الأيروتيكية، هي رغبة لتجاوز المحرمات، ورغبة إلى ما يبقى خفياً من الجسد. "

 إن " ريم " بطلة رواية " أيام معه " لـ " كوليت خوري " ابنة التاسعة عشرة، حين تحبّ، تجد جسدها يبوح بأسراره، فتسحب جسدها إلى المرآة لتتيقّن من سماع بوح كل عضو فيه، فتتوالى الأعضاء بعفوية تنمّ عن الحالة التي تريد أن تقدّم بها جسدها إلى الذَكَر: " رفعت يدي أردّ خصلات الشعر المنسابة على جبيني. . جمدت يدي قبالة وجهي، وفاحت منه رائحة أعرفها جيداً. . رائحة يد زياد. .

 أحسست بنشوة تسري في أعصابي. . وأخذت أنبش بين الأصابع. .

 

 وانعكست صورتي في المرآة. وقفت، واقتربت منها أسائلها: هل أنا جميلة ؟ وتفحصت صورتي بعين التساؤل ونفسية الناقد: ما لون عينيّ ؟ ما لون بشرتي ؟ هل يحب زياد البشرة الحنطية ؟ ولماذا أهمل شعري الطويل الأسود ؟

 ودرت أمام المرآة؛ إن جسدي أصبح يميل قليلاً إلى السمنة، كيف لم أنتبه لذلك حتى الآن ؟ وكيف اعتقدت أن الأكل هو أكبر لذة في الحياة ؟

 ويداي ؟ لقد قال زياد إنهما تقطران أنوثةً، لم يشعر بأنهما خشنتان ؟

 لماذا أهملت نفسي في الماضي ؟

 وفتحت خزانة الملابس , وبدت لي الأثواب مساجين تستعطفني، وتطلب مني الإفراج عنها... لقد أقبل الصيف يزهو بشمسه، وسأزهو أنا كل يوم بلون جديد. . " ص (131)

 إن نظرة متأنيةً لهذا المقطع الذي يحمل سمات الكتابة النسوية، برقته وأنوثته وتدفّقه، تظهر أن روابط النص الإشارية من أدوات وضمائر، عملت على بروز لغة ذات خصوصية تناسب حالة الوصف الدالّ على عالم جديد، حاولت الكاتبة فيه التعبير عن مشاعر لأنثى التي تريد أن تتحرّر وتنطلق، لتعيد إلى الأذهان مسألة المقدّس والمدنّس في الجسد والعلاقة مع الآخر، وحدّي المثال والواقع؛ المثال القابل للمحاكاة، الذي تريد الكاتبة ترسيخه، لإعادة إنتاج رمزيته من حيث المعنى، كلما خرج من سياق ثقافي جمعي ودخل في آخر، والحدّ الواقعي الدنيوي الذي يرمز إلى الغواية، التي عبّرت عنه الثياب السجينة، وما تحيل إليه من إحالات عن مظاهر الحياة الاجتماعية الطبقية والثقافية التي تعيش فيها الشخصية الأنثوية المترفة، في محاولتها تحديث المجتمع، واللحاق بركب المدنية، وهذا ما يمكن أن نلمحه من دلالاتٍ لمظاهر حضارية تبدو زائفة قياساً إلى ما هو جوهري وحقيقي. إضافة إلى نرجسية الإعجاب بالجسد.

 

 ومثل هذه النظرة لم تكن تغيب عن " شمس " أيضاً في " الجوزاء " من ثلاثية " عبد الكريم ناصيف " فقد كانت معجبةً بجسدها وهي صبية – كما سيأتي – وتنتشي بنظرات الإعجاب التي تسمعها من الرجال والنساء وهي متزوجة، وظلّت مقيمة على ذلك عندما تقدّم بها العمر وغدت أماً للطبيب الأخضر. . لكنها عندما انتبهت إلى أن جسدها فقدَ وهجه، وتجاهله الرجال، تعجّبت وأخذت التساؤلات تأكل رأسها " لم يعد الرجال يتلمّظون حين يرونها، ولم يعودوا يدورون ويلفّون لإغوائها. . أهو السن ؟ كثيراً ما كانت شمس تتساءل، وهي تنظر إلى وجهها في المرآة. إلى صدرها، إلى جسدها، فيخيّل إليها أنه لم يتغيّر شيء. . ما يزال الوجه مشعاً كالشمس توهجاً وألقاً، الشعر أسود فاحم يحيط بوجهها كما تحيط الهالة بالبدر، الصدر كاعب كصدور العذارى. . جسدها حين تتأمله في الحمام الدافئ، أو في سريرها العريض يجعلها تتنفّس الصعداء راحةً وطمأنينة، وهي تراه لا يزال مشدود العضلات، متماسك الجلد، أهيف الخصر، أملس البشرة، لا تجاعيد فيه ولا تغضّنات. . تماماً كما يقول لها عزيز " أنت المرأة التي لا يجرؤ الزمن على الاقتراب منك". . هل ذهبت " الكوكيت " اللعوب مني إلى الأبد ؟ . . "

 إن الجسد قد تداخل كموضوعٍ وفكرةٍ ولغةٍ ورمزٍ ضمن نسيج الحدث الروائي، في حالات " الاسترجاع الأنثوي " كما في موقف " شمس " أو " الاستباق " الذي وُظّف بصورة جيدة، في موقف " ريم " إذ شكّلت أعضاء الجسد كلها بلا استثناء – في روايات أخرى - أبجدية البوح، فكانت لغته وسيلة تشحن الذكر والأنثى بالعاطفة والانفعال، وتعبّر عن رؤية الكاتب الفكرية والجمالية، التي تُخرج فيها اللغةُ الجسدَ الأنثوي من إطار المادة، وتدخله في" عالم الفن " أو " شعرية اللغة " الذي يعدّ بؤرةً مهيمنةً تتحكّم في مسار السرد الروائي، كما سيمرّ في بحثي " جمال الجسد " و" تقديس الجسد ".

 

ثانياً: تقديس الجسد

عرف العربي تقديس الجمال، وقد بلغ افتتان العرب القدماء بالجسد الأنثوي، أنهم عبدوا في وثنيتهم أصناماً لنساء جميلات، مثل " عشتار" و"اللات " و " العزى " وتغنى الشعراء، بجمال الوجود، وأظهروا افتتانهم به، كقول " ابن الشبل البغدادي ":

            خلقت الجمال لنا فتنــةً                    وقلت لنا يا عبادي اتقون

             وأنت جميل يحب الجمال     فكيف عبادك لا يعشقون؟

تنهض الرواية السورية – فيما تنهض – كغيرها من الروايات العربية والعالمية – على فكرة (الفناء) في الجسد البشري، بوصفه مغزى الحياة، وسرّها المنطوي في بواطن الرغبة، التي تشعل في الإنسان قدرة التواصل، والخلق، والإبداع، والممارسة الحضارية، والنـزعة الإنسانية، والرؤية التقدمية، فضلاً عن فعل اللذةٍ الحسيّةٍ.

 إن فكرة عشق الجسد إلى درجة الوله، أو التقديس، والفناء فيه ليست جديدةً، لأن لها أبعاداً ميثيولوجية عديدة في التراث العالمي، غير أن عدداً من الكتّاب، لم يحاول الاتكاء على أيّ من هده الأبعاد، وإنما حاولوا أن يبدعوا من الجسد نفسه أسطورة من الأساطير. لذلك نجد بعض المواقف لا تُظهره جسداً مجرّداً، بقدر ما تُظهره كائناً نابضاً بكل طاقات الحياة وقدراتها، وفعالياتها، ويصبح الفناء فيه فناءً في الحياة نفسها؛ بمعنى الامتزاج في كل ذرات الحياة، والتنفس الحرّ من خلالها. .

 ففي الأصل... كانت " رموز المرأة مولودة بدءاً من خوف الإنسان من العدم، فالمرأة التي تهب الحياة، أصبحت ممثّل الحياة ورمزها، وممثل الموت ورمزه، قياساً على ذلك. والمرأة بصفتها ترمز إلى هذين الوجهين من العدم كانت محسوسةً " في الوقت نفسه، بصورةٍ فعّالةٍ إيجابياً وسلبياً " ولعل استغراق [ الروائي ] في حفر جسد المرأة، ومعانيه الحسية الكبيرة، والفنية، يعبّر عن هذه الرؤية الجدلية، لأن " تمجيد الجسد، والاعتراف بمستطاعه اللامحدود، يمثّلان تغافلاً عن سلطة القدر، وصمّية الموت، بل هوساً به، وذعراً منه " (11)

***

لقد رعت الديانات السماوية جسد المرأة وأوصت بحجبه عن الأنظار، فاحتضنت المجتمعات الإسلامية هذه النظرة، عن وعي في البداية، ثم عن وعي وتقليد وعرفٍ فيما بعد، فتحوّلت المرأة في المنظور الاجتماعي إلى جسد، تتلخّص وظيفته في القيام بدوره الجنسي المحضّ الذي يُختزل في الإنجاب والمتعة. لذلك حظر على المرأة في القاع الاجتماعي إبداء الرأي فيمن تحب، واستعمرتها المخاوف من أن لا يحوز جسدها الإعجاب، أو يحقق المطلوب منه، وهذا التركيز المفرط على الجسد يقابله قمع أقصى لـه يتجسّد في قائمة الممنوعات التي تفرضها عليه سلطة المجتمع الأبوي، مما يحوّل الجسد إلى آلة من دون حياة " إنه أداة للجنس، لكن لا يجب أن يعبّر عن أيّ رغبة. فهو عورة تُستر وتصان وتحمى. ملكيةٌ للرجل والأسرة، وليس لها سلطة عليه. إنه محجوب مصمت مقموع، ومادة غنية للتشريع عبر تحديد المسموح والممنوع تبعاً للأنماط المقبولة. وهو بالتالي مثقل بقيود الخطيئة ومشاعر الإثم. إنه مقيد تاريخياً كأساس معنى الشرف. " (12)

كثيراً ما تشعر الأنثى باختزال الذكر لها، وطمس شخصيتها، وإقصائها، لذلك، لم تتوان عن تغذية " عوامل خفية لمقاومة ذلك الإقصاء، ومن ذلك، السلوكُ الجسدي الاستعراضي الذي يهدف إلى لفت الأنظار، كمعادل لغياب التوازن، الذي يشعر به، ففي ثقافةٍ تراتبيةٍ توقّر القيم البطرياركية، وتقدّسها، ليس أمام المرأة إلاّ الانخراط في دورٍ يؤدي إلى لفت الأنظار إليها، وخير إشارةٍ تلوّح بها، هي (جسدها) فسيكولوجية المقهور، تتوّزع إلى انتزاع إعجاب الآخر... وإنتاج صورة إغرائية للذات، بهدف النظر، ونيل الإعجاب. والجسد هو الوسيلة التي تنظم العلاقة بين الذات / المرأة. والآخر / الرجل. وهذا هو الذي يعلل سخاء السرد، في الإكثار من أوصاف الجسد الأنثوي إلى عالمٍ ينتهكه، هو عالم الذكور، وعالم يحتفي به، هو عالم الإناث ". (13)

 لقد عرفت " شخصيات " شكيب الجابري " الأنثوية، الغربية والعربية على السواء، ملامح تقديس الجسد، فهي نادرة المثال، فاتنة الجمال، وقد رأى " سعد " في رواية " وداعاً يا أفاميا " في جسد " نجود " – كما سيأتي لاحقاً - المثلَ الأعلى للجمال الأسطوري... ولعل شخصية " نجود " قد بدت بميلها الفطري إلى تقديس الجسد، أقرب إلى " إيلزا التي قررت أن تهب جسدها لعلاء" (14)

ووجدت ملامح التقديس في شخصيات " حنا مينة " فـ " زكريا " في رواية " الياطر " قدس جسد " شكيبة "، حيناً، لكنه ما لبث أن انقلب عليه بشهوته فدنسه، وتعبّد " صالح حزوم " في محراب جسد " كاترين الحلوة " لكنه سرعان ما حطّم التمثال على سرير الملذات قطعةً قطعة: " لفّ ذراعيه حول خصرها، وضغط بقوةٍ وهو يرفعها إلى الأعلى، فطقطت عظامها، وندّ عنها صوتٌ مبحوحٌ، والتمعت عيناها، فتراخت على صدره... وأمسك بالقميص من ياقته عند النحر، ومزّقه حتى نهايته السفلى... " ص (195)

والباحثون عن الحب، اللاهثون خلف الجمال، عندما لا يجدون الجسد / الأنموذج فإنهم يتعاملون مع الجمال الفطري تعاملاً صناعياً، يضفون عليه لمسات الجمال التي تجعله مثيراً، فقد " كانت شقة " نيشان " السرية (جاسونيرة) – في رواية " بيروت 75 " لـ " غادة السمان " – صدفة من جنون وخمرة وموسيقا وزعيق، وكان كل شيء يرتجف، ويرقص حتى الأضواء.

 

كانت هناك فتاة عارية، يرسم أحدهم على جسدها بدهانٍ ملوّنٍ، وبأصابعه، بينما تتعالى صرخات الاستحسان للرسم المناسب في الموضع المناسب ". ص (75)

وقليلاً ما نظرت الرواية إلى الجسد الأنثوي في الإطار الزوجي السليم، وتعاملت معه من منظورٍ إنساني نظيف، لا يخرج عن إطار الإخلاص، والتفاني في الحبّ. خلافاً لما هو سائد من برودة الحب بعد الزواج، أو على حدّ تعبير أحد النقاد، أن " المرأة ذلك الظل الهارب للحياة، ما الذي يمكن أن يفعله العشاق في حضرة الجمال ؟ منهم من يكون محايداً إزاءه فيتزوج المرأة التي أحبها، وهكذا ينتهي به عند حدود الأسرة والأطفال. إنهم ينسحبون أمام الجمال من أول جولة، ويخسرون المعركة، وهؤلاء ربما كانوا مرتبطين بطينتهم الأرضية أكثر من الآخرين. إن المرأة لا تعني لهم في النهاية أكثر مما يعنيه لهم وضعهم الوظيفي، وتلك المكتسبات الصغيرة التي يعثرون عليها في ثنايا الأيام.

 

النوع الثاني هم أولئك العشاق الحقيقيون الذين يحتفلون بالجمال احتفالهم بالحياة. بل إن الحياة عندهم ما هي إلاّ لحظاتُ وجدٍ قليلة. أو لحظات انخطاف عبرها ينتقل الكائن من إطار صورته الترابية إلى ذورة المطلق، إن هذا النوع من العشاق هو ذلك الذي يشقى بالجمال ويقضي حياته بحثاً عن ألغازه المثيرة ". (15)

 ولكن ليس الجميع يرون في جسد الزوجة آلة وفجوة كما قال أحد أبطال " حنا مينة " لأن عدداً من الروائيين ينظر إلى الجسد نظرةً مخالفةً، فـ " عزيز " في ثلاثية " الطريق إلى الشمس " يمدّه جسد زوجته " شمس" برؤى جمالية لا حدود لها، تجعل الحبّ يتدفق في أعطافه بغزارة لا تعرف التوقّف مدى العمر، ويثير في نفسه لهفة لا تهمد ولا ترتوي – كما سيأتي - وتمدّه بطاقاتٍ جبارة لمواصلة كفاحه في الثورة السورية ضد الانتداب الفرنسي.

 

وقد تنتهي جمالية الجسد لدى عدد من الروائيين إلى حالة من التقديس الذي يرتقي فيه العاشق – وليس الزوج - إلى مرتبة الوجد الصوفي، تكشف عن كون الروائي ليس عاشقاً فحسب، وإنما هو فنان يبحث عن مشروع إبداعي، يغذي خياله المتحفّز، فتكون هذه الشقراء الجميلة، أو تلك السمراء الفاتنة مدار القضية، بحيث يتوحّد جمال المرأة وجمال الحياة، وفلسفة الكاتب تقول " الحسن والكتابة ندّان لا ثالث لهما، وكلاهما النهلة الصافية من نبع الجمال الأسمى " نهلة الكتابة هي أن تغدو الكلمة الرشيقة والصورة المبتكرة ريشةً وفرشاة ألوان بيد الروائي، يتفنن في الرسم والتخييل والتصوير، وليس ثمة أشد إثارة لمخيّلة الفنان من جسد المرأة، يتغزل بأوصافه، ويبدع في استجلاء معانيه، التي تقوده إلى الاستغراق فيه، وتقديسه.

 

لقد ظلت عبادة الجمال في تجلياته الجسدية تفرض نفسها على الكتّاب والفنانين منذ أمد بعيد، ولكن هل استطاع الكاتب العربي أن يجسد الخواطر والأحاسيس والمشاعر التي تخامره وتعبّر عن رغبته في امتلاك هذا الجمال والفناء به، وخلقه إبداعياً كما حدث لبجماليون ؟ وهل جمالية الأديب هي صياغة فنية في صميم الحقيقة النفسية - على حدّ تساؤل " مفيد نجم " في دراسته لشعر علي الجندي - وقد سكنت الفكرة وسكنت النفس إلى طريقة التعبير ؟ تقف أمام المشهد الفني الروائي ولا تعلم هل خلقت الفكرة الصورة، أم خلقت الصورة الفكرة، هل الحسن والإبداع ندان ؟.

 

اختلفت نظرة تقديس الجسد الأنثوي، في الحب، عن نظرة المؤسسة الزوجية المثالية، ووجدت حالات عاطفية أكثر جماليةً وارتقاءً من حالات ذكور " حنا مينة " الذين حطّموا تماثيل معبوداتهم، بعد أن دنّسوها بالشهوة، فقد تنبّهت " كوليت خوري " بعد " شكيب الجابري " إلى مسألة (الجسد / التمثال / الأنموذج) وشقّت دروباً بكراً للكتابة الأنثوية العربية، جسّدت فيها رؤية ناقدة الأدب النسوي " لوس إيغاري" التي وجدت " أن كتابة المرأة عن الجسد الأنثوي اتسم بارتباطه الحميم بالتدفق واللمس. ومن الواضح أن الثقافة التي أقصت المرأة، وحجبت جسدها في مجتمع الذكورة، يطلب منها أن تجيد لعبة المسكوت عنه الذي رسّخه التاريخ منذ القديم، والذي جعلها في منظورها ومنظور الآخرين جسداً مثيراً، تسعى مع غيرها إلى الإحساس بقيمته وإبراز معانيه من خلال طرح أسئلة خاصة / عامة تمسّ وجودها " رغم أن الناقد " رامان سلدان " حذّر من ظاهر التغنّي المبالغ فيه بالجسد، وذهب إلى أن بعض الكاتبات الراديكاليات تغنين بالسمات البيولوجية عند المرأة بوصفها مصدراً للإحساس بالتفوق، وليس النقص، وكل تناول متطرّف للطبيعة الخاصة بالنساء عرضة لخطورة أن يحتلّ - وعلى نحو مغاير- الموقع نفسه الذي يحتلّه المتعصبون الذكور " على أن هذه الاحتجاجات وغيرها لم توقف أمر الاحتفاء الصريح بتكوين الجسد الأنثوي وجمالياته الخارجية، فالناقدة " هيلين سيكسوس" تعلن ضرورة انصراف الكتابة النسوية إلى الجسد، بل والاقتصار عليه، وتدعو النساء إلى وضع أجسادهن في كتابتهن ". وكان " روبرت شولز " قد خصّص فصلاً في كتابه " السيمياء والتأويل " عن " جسم المرأة نصاً " تعقّب فيه تجليات الجسد في الرواية النسائية، وكما أكد " فايثر ستون " فإن الثقافة الاستهلاكية تحتفل بالجسد بوصفه حاملاً للذة، لأنه جسد يُشتهى من جانب، ومحلّ رغبة الآخرين، فكأن العلاقة بين الجسد وما يحيط به هي علاقة عرض وطلب قائمة على الحاجة والإشباع والعرض والوفرة والندرة والإنتاج والاستهلاك، فالمتعة أو الرغبة فقدت بعدها التواصلي العميق والإنساني، واستبدلته بنوع من الشغف الاستعراضي المثير الذي يهدف إلى إثارة مجموعة مترابطة من المشاعر المتبادلة بين المرأة والرجل، تخضع لضرب من المقايضة، ومن الطبيعي، وسط نسق ثقافي يرى الجسد من هذا المنظور، ويتعامل معه وفق هذه القاعدة، أن تظهر حاجة ماسة إلى الترغيب بالجسد استناداً إلى ثنائية الحجب والإظهار، المنع والإباحة، حسب الطلب، لكي يظل مثار رغبة وبحث، فثمة استراتيجية – كما يرى "عبد الله إبراهيم "- تنظّم العلاقة بين مانح الجسد ومستعمله، وبمقدار ما يتمّ اختراق الحواجز لامتلاك جسد المرأة، فان ثمة رغبة لاستكشاف غموض الآخر الذي هو جسدها، وهنا تتفاقم الرغبة، وتأخذ بعداً حسياً مجرداً، عبّر عنه "جورج باتاري" – كما مرّ قبل قليل - بقوله: " إن الرغبة الإيروتيكية هي رغبة لتجاوز المحرمات، ورغبة إلى ما يبقى خفيا في جسد الآخر ".

 

إن (الجمالي) في الوعي الحديث ينبثق من مفهوم الحرية المطلقة، التي تنتج متعةً جمالية (لذّية) تختلف عن لذة الإحساس بالكمال والاعتدال التي رسّختها الثقافة التقليدية، وتفتح أمام مخيّلتنا آفاقاً جديدة تحيلنا إلى وجودنا المتجدّد الذي جسّده في الأدب العربي الحديث " توفيق الحكيم " في مسرحية " بجماليون " وقد وعى " شكيب الجابري " و " هاني الراهب " و " كوليت خوري " وسواهم قيمةَ الجسد الأنثوي ومعانيه الإنسانية الجمالية، فعملوا – في بعض المواقف - على الارتقاء به من دونيته الأرضية إلى المرتبة الفنية التي عرفها الفن التشكيلي، في مقاربةٍ تجسيديةٍ، جعلت من الجسد الأنثوي مثالاً ورمزاً وموقفاً جمالياً، نأوا به عن محاكاة الواقع، شأنهم في ذلك شأن الشعراء الرمزيين الذين يتخذون من الجسد مثالاً هو المطمح، والجمال وحده هو الموضوع، وقد نقلت " كوليت خوري " شخصياتها من جمال إلى جمال، كما هو الحال في مذهب الفن للفن، تدفعها الرغبة الجامحة للوصول إلى الجمال المثالي المطلق الذي لا يتدنّس بوحول الأرضي، وقد نبّهت إلى ما للدنس الجنسي من تأثير على جمالية العمل الفني، مستفيدةً من معطيات علم الجمال، ورؤية أصحاب المذهب الرومانتيكي الذين انقسموا حول الموقف من المرأة؛ فرأى فريق فيها رمزاً للعطاء والخصب والحياة والحب والجمال والأنوثة الخالدة والخلاص الإنساني، وحاول رفعها إلى مرتبة التقديس والعبادة، واصفاً إبداع النساء مع " كروتشه " بعبارة موحية " على الناقد أن يقف أمام مبدعات الفن موقف المتعبد لا موقف القاضي ".

 

ورأى فيها فريق ثانٍ رمزاً للعدم والسقوط والرذيلة، وربما وجد فيها فريق ثالث يمثّله الشاعر الفرنسي " بودلير " تجسيداً لحكمة (ثنائية القداسة والخطيئة، والطهارة والرذيلة) وعلى ذلك صدرت بعض رؤى كتّاب الرواية السورية، فمن الفريق الأول نجد " كوليت خوري " قد حامت حول الجسد الأنثوي بالتعبيرات المشهدية، متجنبةً تدنيسه بألفاظ الشهوة. فألبست " حبيباً " في رواية " أيام مع الأيام " لبوس الفنان، وجعلته يقف أمام جسد " أسمى" التمثال، خاشعاً، متأملاً، ومتبتلاً، في (حضرة) الجمال الخالد، يتملاّه لحظة يخرج عارياً من الحمام، فلا يملك إلاّ أن يأخذه بين ذراعيه. . يرفعه عن الأرض. .

 

 ويدرك الباحث دلالة الارتفاع بالجسد عن الأرض، وما في ذلك من ترميزٍ للسموّ به عن حمأة الطين الأرضي، والارتقاء نحو العلاء، ولكي تكتمل المعادلة الفنية، بين الفنان والتمثال، يتلبّس " حبيب " خشوعٌ صوفي، فيبتهل، في ملكوت الفنّ، ويحلّق معه، يسبحان في عالم سحري الجمال.

تقول " أسمى ":

" هو الليل قد خيّم ؟ أم عينيّ هما اللتان غامتا. . ؟ ما عدت أعرف.

سوى أن نفسي كانت تحترق بكلمات الحبّ الصادقة، فتتصاعد بخوراً. .

وسوى أن جسدي بدا لي، وكأنه يعود بعد سنوات، وفجأة إلى الحياة. . ليمرجحني بين الآهات المتصاعدة. . حتى السماء. . حتى اللانهاية. . والهابطة حتى الأغوار. . حتى العدم.

ثم ليحملني إلى هناك في القمة. . على مهل. . أتلاشى. . " ص (305 – 304) .

***

 وفكرة (العدم) و (صورة الفنان والتمثال) تتكرر في رواية: " ومرّ صيف " للكاتبة نفسها، إذ يتوق " إيتالو " إلى جسد الأنثى العربية السمراء، في دلالة إلى عشق الغرب لسحر الشرق / شهرزاد، فالشاب رمزٌ فني إيطالي / دافنشي، مركز إشعاع الإبداع التشكيلي، والتجسيد الجمالي، لذلك لم يحدّ في نظراته إلى جسد " سهير " عن موقف الفنان المسحور أمام تمثالٍ، آية في الفنّ الإلهي المعجز. . وكما فعل " حبيب " بتمثاله، فقد ارتفع " إيتالو " بالتمثال عن أرضيته، ثم ركع بقامته الفارعة، في محرابه، في طقس احتفالي تعبّدي (عدمي) وتبتّل كما يتبتّل عبدٌ أمام وثنٍ يعبده في لوحةٍ مشهدية قلّ نظيرها في الرواية السورية.

" حين انحنى إيتالو على الكنـز الأسمر الممدّد، أحسّ بأنه عاجز سوى عن الخشوع له، فراح يمرّر شفتيه في تعبّد... من على مرمر القدمين حتى ارتعاشة الجفنين المسدلين، لكنها مدّت إليه ذراعيها، وجذبته في أنوثةٍ صوبها...

... تسرّبت لمساتها في جسده ارتعاشة حبّ...

فحضنها في لهفةٍ، وشوقٍ. في جنونٍ. . في يأسٍ. . وتمنّى...

تمنّى لو يتجمد الزمن في تلك اللحظة. . ولو يفنى هو على مهلٍ. . في الزمن المتجمد " ص (226) .

 

إن فنية الموقف المشهدي تطلّبت من مبدعته، الوصول إلى الجسد / الجنس، ونظراً لأن أسلوب " كوليت خوري " على درجةٍ عاليةٍ من الشفافية والترميز الموحي، فقد استطاعت به، أن تنقل قرّاءها، ورسّاميها، وتماثيلها إلى عوالم جمالية. إلاّ أنها أبقت التمثال يحتاج إلى اللمسات النهائية، التي يتطلّبها العمل الفني، ليخرج في حلّته الأخيرة مكتملاً متألّقاً، ولو أنها تخلّت عن الإيماء بالفعل الجنسي، واكتفت بشاعرية المشهد السحرية، لتركت في الرواية السورية (تمثالاً / جسداً / أنموذجاً) جمالياً يمكن أن نطلق عليه مصطلح (بجماليون) الرواية السورية بلا دنس، يرعاه الخلود الروائي، ويحقق النظرة الأوربية تجاه عاطفة الحب والتقديس الشرقية للجسد، التي عبّر عنها " جيروم " بقوله: " إن الاستجابة الجمالية تتمثّل بشعور الخوف المقترن بالتسامي، لأن الموضوع الإنساني الجليل يتسم برحابةٍ وروعةٍ تطغى علينا، وهو يذكّرنا بالعرب، ويزيدنا سموّاً. "

إن براعة التوصيف لم تهدف لأن يكون الوصف المشهدي تزييناً لشيء ما موجود مسبقاً، وإنما احتلّ الجسد هنا مكانةً تكوينية، شكّلَ النصّ، وجعله فيزياء قائمةً بذاتها، قاطعاً حبل التشويق القائم على التوالي الحدثي، ومُحِلاً محلّه حبل التشويق القائم على جمال الكتابة التي تخلخل توقّعات القارئ المعتاد على أنماط جمالية تقليدية، ليجد نفسه أمام نصّ متميّزٍ يستخدم اللغة الشاعرية، غير المخاتلة، اللغة الحلمية على الرغم من أن الصورة المشهدية مثيرة.

 

" إن لحظة الإبداع الفني، هي البرهة التي تكون فيها الذات الفنية، في ذروة وعيها وانفعالها وفعاليتها. إذ أن الوعي الفني هو أرقى وعي يمكن أن يصل إليه الإنسان في تلقيه لجمال الواقع. حيث إنه لا يتلقى الظاهرة وحسب، وإنما ينتج أيضاً موضوعات جمالية تختلف نوعياً عن جماليات الواقع. . إن الذات هي التي تستلهم موضوعها، مما يجعله يتكشف لها بحسب وعيها الفني الذي هو تعبير مكثف عن تجاربها الجمالية والاجتماعية "

 " إن أهمّ ما تتميّز به العلاقة الجمالية هو استغراق الذات في موضوعها الجمالي، استغراقاً كلياً، حيث تترك للموضوع الحرية في أن يتملّكها ويستوعبها – إن صحّ التعبير – في محاولة لتملّكه واستيعابه جمالياً، ومن دون حالة الاستغراق تلك، لا وجود لتجربة أو علاقة جمالية ناجحة، إذ أنها تقتضي التأمل والتملّي والانفعالية... وتنقل من الانفعالية أثناء التلقي الجمالي إلى الفاعلية، وذلك في أثناء التقويم الجمالي. " (16)

وتزداد لهفة الرجل لتقديس جمال المرأة، بصورة خاصة عندما تكون بعيدة عنه، عزيزة المنال من يديه وصدره، فـ " شيش بيش " طبيب الأسنان الثلاثيني الذي ترمّل منذ أربع سنوات، في رواية " ألف ليلة وليلتان " يكاد يصعق وهو يرى ابنة الجيران " أسمى " من خصاص نافذته تتمدّد بثياب النوم الصيفية فيتوهّج ويشتعل، ويحلّق معها في جواء أسطورية من الخدر والحب والجمال الذي يصل إلى مرتبة العوالم السحرية التي عرفتها شخصيات ألف ليلة وليلة !. وهو كلما شاهدها في غرفتها تتعرّى وتتمدّد، يرتفع من طينته الأرضية ويرتقي معها عالماً مسحوراً ملوناً، يسجل لـه الكاتب نصاً جمالياً طويلاً يمتدّ على ثلاث صفحات من الرواية يجدر أن ننقل شطراً منه بغية إعطاء اللوحة الفنية شيئاً مما تستحق: " أنا أطير فرحاً، وأقول لك ما أجملك. ما أجمل روحك الشفافة ونفسك الصافية وما أجمل العالم لأنك وجدت فيه، وما أجمل هذا البيت الطيني المعشش بالبق لأنك تعرين فخذيك. عفواً في إحدى غرفه، لك تقام صلاة الحب، ولملمس جسدك الحريري تهفو الخلايا، وتتأطر في الخاطر المتهور صور أبدعتها رخاوة ألف ليلة وليلة. يا جسد الغور الممسوس بالشبق، ويا حرم الصبوات المضطهدة، يا عريشة اللحم المزهر طيباً وطعماً ولوناً ولمساً، يا غبوق المساء وصبوح الفجر. ينهض إلى الستارة يتجشأ فيحسو بعض الويسكي. يفتح في الستارة فرجة. تدخل عينه في الفرجة. تتكتك رقاع الستارة. يمتدّ الساعد العاري على الخصر الغائر. يمتد الفخذ العاري على السرير الغائر , تمتد عينه العارية عبر الشباك الغائر يدخل في الغور. يغور في الغور. يغور في الغور / أسمى لا تخافي إنما جئتك متعبداً، وتزجره عيناها القاسيتان اللافحتان. لماذا لا تضعين ستارة كثيفة على نافذتك. كل ما أملكه وسأملكه رهن إشارتك / تتحرك تسحب القميص فوق البحر / أنا ذو الربطة النفيسة والنظارتين المهيبتين أتضع على جلدك وأقرأ فيه سفر التكوين، يا ماء زهر الجسد المسفوح على ترابه تنمو فيه أزهار الموتى وتعلو فنشم رائحتها بغبطة ونتشوق فيها خوالج الحياة والموت ؟ ". ص (51)

إن هذا الجمال الذي شغل طبيب الأسنان الأرمل، ورآه من خلف الستائر المخملية يؤرقه في ليلة ونهاره، ويتعبّد في محرابه كلما لمح صاحبته تتعرّى أو تتمدّد أو تمدّ ذراعها أو ساقها. يجعل منه فناناً كأمهر فناني النحت في العالم، فتصور لـه تهويماته إحضار مطرقة وإزميل ليصنع تمثاله " بيجماليون " دمشق، والأنموذج متمدّد أمامه، ليعمل فيه فنه وإبداعه " يتناول كتلة خشبية مقمطة وإزميلاً ومطرقة وورقة برداخ. يضع أشياءه على الطاولة ويسدل الستائر. يقف أمام الستارة، فيما تصله أصوات المدينة الحيادية الخافتة. يضع يده في راحة يده الأخرى. وفي رأسه تساؤل مبهم بلا كلمات، حيرة كدرة، تلوح أسمى في ركن من مخيلته، في مكان ما من المدينة، ثم تنتقل إلى ركن آخر، تلوح كخطوط أولية لرسمة انشغل الفنان عن متابعتها بالتهجد لها فبقيت في خاطره الولوع. لكنها ليست أبداً في البؤبؤ من عينه الداخلية لسبب ما، لخوف أو شغف أو تعب، تبقى بعيدة عن مرمى البصر، تظل في تلك الزاوية مرئية وغير مرئية، ويظل خاطرة راشحاً بوجودها ممتنعاً عن التوجه إليها.

 

 ينـزع القماط ويبدو رأس ارتسمت منه المعالم. وجه مؤنث وعنق ممدود وصدر عارٍ. في البداية فكر أن يضع عليها وشاحاً نصف شفاف يكسبها خفراً وغموضاً. ثم سقطت الفكرة. قال لنفسه أن الخفر هو الاسم الطلي للعبودية، والغموض ليس الأحب للحياة. لأن أسمى هي الحياة والعري والحرية، والريعان والعنفوان، وهي البراءة، أسمى ستظل فراشة رداؤها جناحاها، وحقيقتها ألوان بشرتها الزاهية وملمسها الوردي.

تحمل يداه الأزميل والمطرقة وتقتربان بثبات من كتلة الخشب. تقتربان فتتوالد فيها شدة متوترة ويهم بهما الارتعاش إلا قليلا. ببطء يمتد رأس الإزميل الحاد نحو الكتف المغطى بشعر مبهم. ببطء يلمسه ويستقر عليه "

ص(.7 – 71)

إن مبدأ تقديس الجسد وعبوديته مذهب فني، قال به " كروتشه " منظّراً للنقد، فرأى إن فتون الجسد الأنثوي يجب أن " يقف الناقد أمامها موقف المتعبد، لا موقف القاضي ". وقد سيطر هذا الهاجس على كتاب الرواية السورية، فأغنوه من خلال استخدامهم تقنية " النحت والتمثال " فـ " هاني الراهب " يجعله هاجس نفوس ذكور رواية " ألف ليلة وليلتان " تعبيراً عن افتنان الذكر بجسد الأنثى، وسعياً لتخليد جمالها الآسر. و " علي " ما استطاع أن يصل إلى جسد " أمية " إلاّ لقناعةٍ بذَرَها زوجُها " نواف " في نفسها، إذ كان يعيّرها دائماً بشدة نحولها الذي لا يمكن لرجل في دمشق كلها أن يقبل به لامرأة. لذلك ما استجايب لرغبات " علي " ألاّ لدحض افتراء زوجها، وقد وجدت نفسها مرغوبة. بل إنها تمتلك جسداً جميلاً جذب إليه أنظار " العاشق " فجلس بعد المضاجعة يثني على محاسن جسدها ص (25) " في الشهيق والزفير، يحس بأضلاعها تنأى عن موضع أصابعه وتعود: " أعجبك ؟ " تسأله. يقول: ممتاز. لا زيادة ولا نقصان. " " نواف يقول لي: ليس في دمشق رجل ينظر إليك كامرأة، أنت كتلة عظام. " " في بلادنا يحب الرجال اللحم ". الجمال عندهم مقيس بكمية اللحم. إحساسهم بالجمال ضامر. وبالشهوة متورم. أنت جميلة بالميلميتر. بتناسق الأعضاء كأنك منحوتة بالأزميل. "

" أنا تمثال يعني ؟ "

" أنت أجمل. أجمل من جميع البنات والنساء. " ص (25)

***

وإذا كان " إيتالو " " كوليت خوري " يعبر عن نظرة الغربي إلى جسد الأنثى الشرقية، فإن" حنا مينه " يقلب المسألة، فينقل لنا موقف الشاب العربي "كرم المجاهدي " بطل رواية " الربيع والخريف " أمام الأنثى الأجنبية، فيرفض الواقع المتمثّل في جسد الأنثى المجرية " بيروشكا " المتمدّد أمامه في بيتها، ويطمح في الجسد / الحلم، أنموذج الأنثى / الجسد / المثال، وينتظره بلهفة: "غداً ستأتي جنية القمر وتخطفه... ستأتي ومعها شعلة صغيرة، تضعها في صدره... هذا هو سر القمر، سرّ جنية القمر، التي يوماً، يوماً قريباً أو بعيداً ستجسّد على شكل امرأة، ومثلما بيروشكا الآن، تتعذّب لأجله، سيتعذّب هو لأجل تلك، لكنه سيكون عذاباً لذيذاً... وعلى ركبته كالمتعبد سيسجد للآتية من درب لم يطرقه بشر بعد. " ص (201)

إن السطر الأخير من النص الذي يصوّر تعبّد الرجل في معبد الجسد الأنثوي، يسترجع جانباً من ثقافة الشرق الأسطورية، التي جسّدها " إيتالو " مع " سهير " و " كرم " مع " بيروشكا " و " علي " مع " أمية " و" شيش بيش " مع " أسمى " في رواية " ألف ليلة وليلتان " و " زكريا المرسنلي " مع " شكيبة " في رواية " الياطر " ومن قبلهم " سكاربا، و سعد " مع " نجود " في رواية " وداعاً يا أفاميا " أن المرأة تبرز من خلال النماذج العليا التي تستقرّ أنماطها في اللاوعي بروزاً جمعياً متوارثاً، المرأة المثال والرمز الخارق التي صاحبت الذهن البشري منذ امتلاكه اللغة، كانت في (التأليه) كلية القدسية، وعبر تقنية الخفاء والتجلّي، تصبح المرأة الدنيوية رمز الغواية، لتكون علاقتها بالرجل (عسلاً وسمّاً) حسب حالات التقديس والتدنيس، والخصب والخيانة، وهذا ما يدفع بالكتاب إلى إقامة نصبٍ وتماثيل لمعبوداتهم، ومن ثم تحطيم التماثيل التي صنعوها، شأنهم في ذلك شأن ذلك الجاهلي الذي صنع إلهاً من تمرٍ، عبده في حالة الشبع، فلما أحسّ بالجوع أكله.

 

لقد مثّل الجسد الجمالي لدى " كوليت خوري " في وقتٍ مبكر من عمر الرواية السورية، معْلَماً بارزاً، في السرد الروائي، فكان بأسلوبه ولغته تحدّياً للتقليد الكتابي، كما كان بموضوعه كسراً واختراقاً لجانبي التابو الثلاثي (الدين والجنس) تبعها من بعدُ كثيرون، ففي رواية " يروين " لـ " عبد الباقي يوسف " يتعلق الشاب / السارد بـ " بروين " الأنثى القريبة البعيدة، ولا يصل إليها، فتسيطر عليه بكيانها، وتجثم في مخيلته ليصوغ منها أنموذجاً فريداً من الجمال العلوي المقدس الذي لا يرتقي إليه جمال إنساني، فيناجيها وهي مكتسية، لا عارية، كل لحظة من لحظات العمر.

" إذن لماذا لا تشبهين نساء العالم، أأنهض وأطفئ الضوء. أتحبين الألوان الخمرية الخافتة ؟. أتستحمين بنور مخملي. . حدّثي الأشياء. . حدّثي الباب. . النافذة. . الستائر. . الجدران. . يأتي العاشق...

انهضي أيتها القديسة، ودوسي بقدمك المباركة على عضلة قلبي. . دوسي كما تدوس القديسات في زوايا الكنائس الصامتة... . أي صمت برويني ثري يملأ الغرفة. .

.. . أبدعي أيتها المرأة الرحيمة. أبدعي يا طفلة الذئاب الجبلية بروني دمى. . دعيني أنظر إلى بنطالك الأسود الفاقع. . إلى قميصك الأبيض. . انهضي. . مارسي كل حركات عارضة أزياء خجولة. . وأنظر. . وأنظر... إلى ما لا ارتواء. . وأنت واقفة سأنظر. . وأنت جالسة سأنظر. وأنت غائبة سأنظر. . وينساب شلال النظرات من قمة جبل مرتفع. .

بروين أتحبين الرقص ؟. " ص (96)

 وتمادى بطل رواية " الزمن الموحش " لـ " حيدر حيدر " في الاستغراق في قدسية الجسد / الجنس، حين لم يجد شيئاً مقدساً في الكون سوى جسد حبيبته، لذلك لا يفتأ يهتف " جسدكِ كعبتي " ص (231) وتستهزئ معظم شخصيات الرواية بالقيم الدينية " ولا تتورّع عن التجديف على الله، وتنفي وجود خالق للإنسان، وتسخر من الأنبياء والرسل، ولا تقيم وزناً " لتشريعات كانت تصلح للأعراب القدامى. . " ص (137)

لقد عبّر الإنسان الأوربي عامة، والعربي بصورة خاصة، من خلال الكتابة الشبقية، عن تمرده على الفكر النسقي، وأظهر يأسه من النظريات المثالية، ووجد أن لا منطقية الحياة قتلت فيه الإحساس بالحياة الحمالية الخالصة، فكان بدهياً أن ينساق إلى الشهوانية والشبقية، ويسرف في المتع، لاعتقاده بأن الشهواني / الشبقي – خلافاً لعقيدة الصوفي، والمسلم بصورة عامة - يحب الاستعراق في المتع لكي يصل إلى أقصى ملكاته، فيستنفدها في السكر والآداب والفن بغية تحقيق المطلق، كما يجرب ما يشاء من أنماط المتع حتى يصل إلى تلبية غرائزه التي قد يصل فيها إلى حالة من العطالة الجنسية.

 

إن التقديس للجمال الأنثوي – عندما لا يكون الفنان صوفي النـزعة، والتمثال أصيلاً – ينحدر من مرتبته الإنسانية إلى المرتبة الشبقية الحيوانية، ويصل بصاحبه، ومريديه إلى درجة الكراهة والاحتقار والدونية، فينحدر إلى الحضيض، مع شعور صاعق بـ (العدمية) الحقيقية، لا الفنية، كنهاية طبيعية، أماتها التقديس المدنّس. وأحال الاستغراق في عبادة الجسد إلى حالةٍ مَرَضيةٍ، يكذّب فيها الذَكَرُ الحقيقةَ، ويصدّق وهمه الشبقي، فـ " راني " في رواية " الزمن الموحش " للكاتب نفسه، تتضخّم رغبته إلى درجة تختلّ لديه القيم الإنسانية، فيتجرّأ على القول: " قتل طفلٍ، ولا قتل رغبة " ص 185 ويدعو الراوي إلى فكّ قيود الجسد لإنجاز الحضارة " لو قلت لأمينة إنني أشفى على تخوم جسدك، لأنطلق بعد ذلك إلى الحضارة التي توقفت منذ المماليك ".

ص(120)

 وفي المحصلة: لقد انصبت اهتمامات الكتاب والفنانين حول الجسد / المنطقة الأكثر غموضاً في الفن، وحاولوا الاقتراب منه، والإحاطة به، بوصفه الأرض الحلمية الخصبة الذاخرة بالشهوات.

 

ولكن. .لجأ عدد من سدنة الجمال إلى تشويهه بدنس الممارسة !. ربما لأنهم اكتشفوا في لحظة شبق، أن ما أنجزوه ووصلوا إليه من عبادة وتقديس لم يكن سوى مجرّد طيفٍ حلمي للّوحة الأجمل، حيث يتموّج الجسد ويهتزّ محدثاً زلازلـه وانفجاراته ؟ !. فاندفعوا يفجّرون رغباته، ولم يحافظوا على شفافيته التي حافظ عليها الشعراء الذين افتتنوا بالجمال الأنثوي، فبدوا تجاهه عذريي الهوى، وقد فهموا لغته وإشاراته منذ القديم، ووصفوا بوح العيون، وحفيف الشعر وهمسات الأنامل.

 

ثالثاً: جمال الجسد

الجمال، هو غاية ما ينشده الفنان في فنه، من راحة نفسية غامرة، وتمثّلٍ للقيم الإنسانية الكبرى، في الحق والخير والجمال... وهو ما يبعث في النفس نشوة الإعجاب مما تستكشفه هذه النفس من تجليات الحقيقة الجوهرية للوجود، عبر الحواس الخمس ومدارك النفس والضمير.. . وقد اختُصر الجمالُ كله بكلمات ثلاث تؤلف إطاره الفكري والنفسي العام فقيل: الجمال شعورٌ غامض بالارتياح... بمعنى أن في الجمال غموضاً يحيط بالشيء الجميل، أو يبعث عليه، أو ينشأ عنه. . يجعلنا نبحث ونتأمل فيه، وننظر ونفكر، من غير أن نهتدي إلى شيء من أسرار ينابيعه. ونحن عندما نقول إنّ الأدب فنّ، نكون قد حرّرناه من كل قيد يحول دون التعبير الحرّ عن الجمال.

 

 لقد فطر الله الإنسان على الشعور بتوق دائم لمعاينة الجمال ومعايشته. لأن الجميل إشعاع باهر أو رسالة تبثّها المادة للروح بواسطة المرئيات، أو كأن الكون بأسره يحاول أن يتجلّى على هيئة جسد إنساني أُفعم بالوسامة والرقة والجاذبية والتأثير، وقد عشق الإنسان العربي في جاهليته المرأة ذات الجسد المكتنـز الممتلئ، وعدد أوصافه الجمالية " كحلاء، عيناء، زجاء، بلجاء، بيضاء، شماء، مأسورة، فلجاء، لمياء، لعساء، جيداء، أثيثة الشعر، مشرقة النحر، مضمرة الخصر، والمقصود بذلك أن تكون المرأة واسعة العينين مع شدة سوادهما، دقيقة الحاجبين مع طولهما، وأن يكون هناك تباعد ما بين الحاجبين، وهذه المسافة ما بينهما يجب أن تكون خالية من الشعر، دقيقة الأنف مع استواء قصبته في علو، دقيقة أسنانها، محززة وحادة أطرافها، سمراء الشفاه واللثاث، طويلة العنق في حسن ودقة، طويلة الشعر مع غزارة واسترخاء، رقيقة الخصر عما يحيط به. " (*)

 ثم تبّدلت معايير الجمال الأنثوي قليلاً في العصر الإسلامي فالعباسي، إذ مال الناس إلى المرأة المجدولة التي يشبه قوامها الخيزران، المتناسقة الأعضاء المكسوّة العظام، وقد تفنّن الشعراء في وصف مفاتن المرأة الجسدية حتى صار بالإمكان استخلاص معجم لجمالية جسدها عندهم، وقد تحدث الجاحظ في (رسائله) ص (163) عن شيء من ذلك حين قال: " قالوا: مدمجة الخصر، لذيذة العناق، طيبة النكهة، حلوة العينين، ساحرة الطرف، كأنها سرتها مدهن، وكأن فاها خاتم، وكأن ثدييها حقان، وكأن عنقها فضة " وقد تبدّلت بعض هذه المعايير في العصر الحديث فأصبح الجمال يقوّم بتناسق الأعضاء ورشاقة القدّ، وبما تبتدعه دور التجميل من أدوات وأساليب لضبط التناسق وإحكام الرشاقة الملائمة لكل ذوق، فتغيّرت ألوان الشعر، وألوان العيون وما حولها، والوجوه، والشفاه التي لم تعد حمراء كرزية دائماً، وإنما اصطبغت بجميع الألوان.

 إن التطوّر الذي ألمّ بالمجتمع السوري بعد الاستقلال، أحدث تغييرات متنوعة، وتبديلات متعدّدة أثّرت على الذائقة الجمالية للطبقة المثقفة، فوعى الكتّاب معنى الجمال ومغزاه، وربطوه بتنامي الحاجات الجمالية للأدب المعاصر، مما أدّى إلى إغناء التجربة الإبداعية، التي اتسمت بالتنوّع والتمرّد والاتّساع، بغية مواكبة المستجدات الطارئة على المجتمع بوعي حداثي، يحاكي التجارب العالمية.

 

إن مهمة النصّ الأدبي تكمن في تحّسسه الحياة أو تقرّيها، وسرد صلتها بالشعور والتأثير على الروح قبل كل شيء آخر. والأدب " لا يقل عن كونه محاولة جلّى تبذلها الروح بغية السمو فوق الواقع الذي لا يملك أن يكون إلا ساقطاً ومنحطاً على الدوام؛ أي أن الفن لا يسعه إلاّ أن يكون ذا وظيفة أخلاقية لا مباشرة بكل تأكيد. . ففي صلب الحق أن علم الجمال أخلاق، والأخلاق جمال حيثما راح الإنسان يتحسس الجمال ويتذوقه، ومما هو بدهي أن تأمل الجمال والفن والأدب من شأنه أن يدفع النفس إلى الأعلى. بل لعله أن يكون قادراً على أن يصقلها ويجعلها كياناً خالصاً من كل سوء. " (17)

إن " في اكتشاف ورقة التوت أداةً لستر العري الإنساني، تتقدّم الوظيفة النفسية الجمالية التي تعبّر عن حرص الكائن العاقل على مداراة أعضائه الجنسية، وما يتصل بها من وظائف ولعل في ارتقاء شكل مخادع النوم عبر ارتقاء نمط حياة الإنسان وتطوره الحضاري. ما يؤكد الصلة المطردة بين التطور الحضاري وحرص الإنسان على مداراة هذه الوظائف، ولا نظن أن بوسع أحد أن يحيل كل هذا المسار المتنامي للكائن البشري على هذا الصعيد إلى قيم بورجوازية تحاول أن تموّه القيم الحقيقية، وتحرف النظر عنها."(18)

ولكن في مواضع كثيرة من الرواية لا تتجلّى جمالية الجسد الأنثوي إلاّ عبر منظور الآخر، خارج دائرة المؤسسة الزوجية، وذلك بسبب ما يدغدغ فيه من مشاعر عاطفية ممنوعة، ويفجّر من أحاسيس غافية، فينتشله من وهدة الجمود الراكدة الساكنة، ليبعث فيه رواء الحياة، ويصل به إلى قمة الإثارة والانفعال والنضج. كما هي عليه حال " سكينة " في رواية " ثلج الصيف " لـ " نبيل سليمان "و" رشا " في رواية " ليلة واحدة " على سبيل المثال.

 

وغالباً ما تجعل الرواية من شخصيتها الأنثوية أنموذجاً خالداً للجمال البشري , يتمّ تشكيله، واستيعابه والتعامل معه عبر حمل الحواس جميعها من سمع وذوق ولمس وشم ونظر وإحساس وشعور وصوت وبحة وتنهيدة وملمس ومداعبة ونظرة وغمزة وشهقة.

 

 هذه الأنوثة الخالدة التي تجذبنا إليها - على حدّ تعبير غوته - تظلّ مقيمة في الوجدان، تتراءى في الموجودات والأفكار والأخيلة والعوالم المحسوسة والمنشودة، والمستقاة من بدايات الحضارة وحكايات التاريخ، تبسط سلطانها الجمالي المحلّق في حقلي الملموس المنشود، وتستجرّ الكتّاب قبل القراء إلى أنوثتها. ليشكّل الجسد الأنثوي موضوعاً خصباً للسرد الروائي، وملهما للتعبير الأدبي، فاستكشاف هذه القارة شبه المجهولة، شكّل بحدّ ذاته تحدّيا أمام الأدب، وهذا ما حدا بعدد من كتّاب الرواية إلى إيجاد أيديولوجيا خاصة تعمل على تسويقه، وذلك بتوصيف الجسد من خلال عزله عن الشبكة المتداخلة التي قد يُخرج الاهتمامُ الزائد بالمرأة كجسدٍ جميل، وبؤرةِ جنسٍ، من دائرة الشخصية العادية التي تساعد على نمو الحدث، ويدخلها في رحاب القضية الجمالية ليصبح الحدث منبثقاً عنها، ومن ثم تحويلها إلى دلالات ورموز قريبة وبعيدة، تغرقها في حمى العلاقة الجسدية الاستهلاكية، كأن تشير إلى مسألة الحرية والإنجاز الحضاري، وانكماش القيم، والغربة والهزيمة بكل أشكالها، الفردية والجمعية، كما هي نظرة الذكورة الشبقة إلى جسد " أمينة " في رواية " الزمن الموحش " لـ " حيدر حيدر ".

 

حرص الروائيون على اختلاف مشاربهم، على أن تتمتع شخصياتهم الأنثوية المحورية والرئيسة – وحتى الثانوية في معظم الأحيان - بجمال أخاّذ، فلا توجد بطلة قبيحة، أو شخصية برجوازية غير جميلة، وتألّقت المومسات، والعاشقات اللواتي يخن أزواجهن بجاذبية لا يمكن ردّها، مما شكّل ظاهرة تشير إلى الهوس الجمالي، والرغبة في إظهار المرأة جسداً جميلاً، وربما بالغ بعضهم في الطلب من الجميل بأكثر مما يحتمل، فإذا لم يستجب الجسد لمواصلة الإشعاع والتألّق والإبهار، خبا في نظر الرجل، وانقلب يبحث عن الجمال في جسد آخر، عبّر عنه " نزار قباني " في كتاب " الشعر قنديل أخضر" بقوله: " نحن نطلب من الجميل فوق ما يحتمل. . لم يعد يقنعنا طيب الزنبق. . نريد أن نأكل ورقه الأبيض، والأدباءُ، والأدباء الملتزمون - على اختلاف دعاواهم وقضاياهم – ليسوا سوى أكلة زنبق. . هنا نختلف، لأن الجمال يجب أن يبقى بمعزل عن " التصنيع " و " التأميم " و " مراكز الخدمات الاجتماعية.". . ومع ذلك يمكن القول إن العشق يعمي ويصمّ، وتنقلب المرأة المتوسطة الجمال في نظر المحب امرأة ذات حسن وجمال، لأنه يشعر تجاهها شعوراً " خاصاً " مغايراً للمألوف، وهذه " الخصوصية " في الشعور هي التي تجعل العادي – من ثم – جميلاً، لأنه آخر الأمر يرتبط بحقيقة جوهرية وصل إليها عن طريق الاندماج والتجربة والمعاناة، وعلى هذا، فالتعبير – على حدّ تعبير د. عز الدين إسماعيل - " لا يمكن أن يكون جميلاً إلاّ إذا ارتبط أساساً بشعور جميل. . فالجمال يتجدّد بخصوصية نظرة صاحبه إليه. "

عندما تتفرّد الشخصيات الأنثوية بجمالها الخارق، وتتميّز بأنوثتها الصارخة، التي تقتضيها متطلّبات الفن الروائي، تتشكّل منها نماذج نادرة المثال في الخَلق والخُلق، وقد كثر ذلك، كشخصيتي " أميرة " و " شمس " في " الطريق إلى الشمس " و شخصية " سعدى " المحورية في رواية " حبيبتي يا حب التوت " التي أضفى عليها " أحمد يوسف داود " صفات النبالة والبراءة والذكاء والتكيّف " و حسن التصرّف، والجمال الطبيعي والأمومة والوفاء الزوجي والتضحية والإيثار والانفتاح على الآخرين ورحابة القلب الإنساني والسماحة والنبل. . ويظلّ طوال صفحات الرواية يبنى هذا النموذج وينقّحه ويصقله ويصلح تقاطيعه على طريقة الدأب البيغماليوني الذي لا يكلّ، وفجأة حين تكتمل الصورة ويستوي التمثال ناضجاً شامخاً ناطقاً، يُقدم – دون واعز – على استذلال روحه بسرعة وتلاحق، ثم يسدل الستار عليه بسرعة، ولسان حاله يقول: أنا بيغمالون، صغته صوغ خالق مبدع ومن حقي أن أنهيه في لحظة دون أن أعطيه فرصة المقاومة أو المدافعة أو الاحتجاج، وعبثاً يبحث المرء عن معنى معقول لأكبر حدث في الرواية، بل للهيكل الذي لولاه لما قام بنيان الرواية !!. " (19)

وأمام إعجاب الآخر، تبهت جمالية الجسد في منظور الزوج، ويغفو مع صاحبته في إطار العلاقة اليومية الآلية، فـ " سكينة " في رواية " ثلج الصيف " لـ " نبيل سليمان " التي نسيت مايختزنه جسدها من طاقات مع الزوج، تجد نفسها مرغوبة مشتهاة، لأن جسدها يذخر بجماليته اللافتة للأنظار، فتندفع أمام نظرات الإعجاب، وهمسات الغزل لممارسة الجنس مع أحد المسافرين الذي شُغف بجمال جسدها وتناسقه، في المقعد الخلفي للسيارة التي انقطعت بها السبيل بسبب تراكم الثلوج في طريق دمشق حمص. وتتذوّق نكهة المتعة كما لم تعرفها من قبل، وتكتشف لأول مرة مع رجل غريب عابر، أن جسدها جميل ومثير، ويخبئ أسراراً " إن في جسمي أسراراً كنت أجهلها " ص (103)

و" رشا " الشخصية المحورية في رواية " ليلة واحدة " لـ " كوليت خوري " تلتقي في القطار، في أثناء سفرها إلى باريس "كمالاً" " فيسقط جسدها [ الأنثوي ] على ذكورته [ فلم تتمالك نفسها، إذ سفحت ] أنوثتها على صدره، وسافرت معه حتى (آخر الدنيا. . .) وترى ببساطة أن هذا الذي تنساق إليه هو الذي انتظرته طويلاً، وهو وحده الذي يُقدّر قيمة جسدها، ويقف على ما يكنـزه من معطيات تبعث المتعة والسعادة في نفسها " ولا تعتبر وجودها معه في غرفةٍ واحدةٍ حادثاً غريباً، إذ بدا لها الأمر طبيعياً للغاية "(20) . "وفي صمت الليل. كانت ذراعان قويتان تزنران سمرة سكرى بأمل العطاء، ويتمزّق السكون فجأة، بحشرجة حذاء ارتطم بالأرض، وبتنهيدات قضبان سرير حديدية. وينطوي الليل على طيفين، احتواهما الدفء فوحّدهما في خيالٍ واحدٍ، ترنّح طرباً. واحترق شوقاً. وذابَ همهمةً وأنيناً". ص (189)

ويبدو أن اكتشاف جمال الأنثى لجمال جسدها، لا يكون إلاّ عبر الرجل الآخر من جهة، وممارستها الجنس معه من جهة ثانية، فاللحظة المتحفزة في حياة " رشا " تفتح أقرب العوالم إلى نفسها، وتنبهها إلى جمال جسدها، وقيمة هذا الجمال " لأول مرّةٍ في حياتي، فهمت قيمة جسدي. [ بعيداً عن الزوج ]. . لأول مرة فهمت أن هذا الجسد ليس فقط أداةً. . ليس فقط غديراً بارداً ينهل منه عطشان فيطفئ رغبته. . ويروي شهوته، ويسرق منه لذةً مؤقتةً، لأول مرةٍ، فهمت أن جسدي دنيا جميلة يصل إليها من استطاع أن يسبر أغوار نفسي، فتغمره بالدفء، وتغرقه بالحنان، وتنثر تحت أقدامه الأزاهير، وتمنحه شيئاً من اللذة، وأغلى من الفرح، وأعذب من النشوة... نعم فهمت أن هذا الصنم – جسدها – يستطيع أن يكون نبعاً يفيض حناناً وحباً. . ويستطيع أن يمنح. . السعادة ". ص (192)

 إن ربط الكاتبة بين الجسد والروح، والأنوثة والجمال والمتعة المحرّمة، من شأنه أن ينبّه الباحث إلى أنّ بداية الكتابة النسوية - كما يقول محمد برادة - " هي بداية استحياء المرأة لجسدها والإفراج عن أحاسيسه المخبوءة، واكتشاف لغته المغايرة للغة الإسقاطات والاستيهامات التي كفّن بها الرجل حيوية المرأة وتلقائيتها. "

إن " رشا " اكتشفت أن العابر الآخر، قد عرف ما يختزن جسدها من طاقات، وما يتمتع به من جمال، على خلاف الزوج الذي لا يرى فيه سوى جهاز استقبال صنمي، يؤدّي وظيفة بيولوجية رتيبة رهينة داخل جدران المنـزل، وبأسلوب تقليدي يبعث على السأم، وفي إطار العمل المتكرّر المألوف، يظهر باهتاً مملاً، لكنه بمجرد ظهور من يقدّر قيمته، ويكشف عن تشكيلاته الحسية الداخلية، والظاهرة الجمالية، تتبدّى أنوثة أخرى وجمال جديد، لا يبهر الذكر المكتشف فحسب، وإنما يصيب صاحبته بالانبهار، و تجده ينبوعاً لا صنماً، وكأنها تتعرّف إليه لأول مرة في حياتها.

 

 وشأن "رشا " هو شأن العديد من الزوجات الساكنات في الرواية السورية، فـ " لبنى " في رواية " شرخ في تاريخ طويل " لـ " هاني الراهب " تنصاع لالتفاتة زميلها الجامعي " أسيان " الذي أثاره جمال جسدها، فتدخل معه رحاب العالم السحري الذي نقلها إليه، وتنسى أنها كانت مع الزوج وعاء تفريغ، وآلة تفريخ، وهي مع الشاب العابر أنوثةٌ وجسد جميل، يزيح عنه غلائله ويثبت أنه مريح، مترع " بكل تلك الحلاوات والفتون، منشقةً إلى آلاف الصور. في استلقائها المستقيم، كالحورة في مشيتها. في وقوفها وجلوسها، في وهب نفسها للعناق، والحركة والنقاش، في الحيوية والخوف والحزن والاهتمام، في العاطفة الجائعة التي مسّها غيبٌ من الاندفاع، فلم تعرف أين تنحدّ.

 

 كيف يمكن تصوير الجمال ؟ وكيف تغني العبارة عن وظيفة الحواس المتفوّقة. ثمة شعورٌ يمكن دائماً رصده. الرهبة الممتزجة بالضعف أمام جسد يملأ العين كمالُه، طوله، تكوينه، متعرّجاته، تلاوينُه... تمدّدت هناك، كأنها الحياة بعد الموت، وقد تناهت إليها جميع الخطوط، كأنها المرأة الأولى. لم تهن، ولم تزلّ، ولا عكّر شفافيتها التفاح والزمن. براءة بيضاء. لم تعد موضوعاً للجنس إلاّ بمقدار ما تتحد بآخرها. ولا لحزازات الأخلاق، لأنها هناك. خارج ساحة الخير والشرّ " ص (182) .

إن " لبنى " المرأة الفلسطينية المفجوعة بوطنها، وبطغيان زوجها الضابط، تجد نفسها فجأةً كنـز جمال إنساني يغترف الآخر من لآلئه، ويقف خاشعاً على عتباته. يدغدغ بلمساته الذكرية مشاعره فيفجر فيه الجمال الساكن، ويبعث في جوانحه الحبّ الخامد، ليصل به إلى الهدف النهائي / الرعشة. فيذوب الجسد بالجسد، وفيه.

لقد غدا الجسد المهمل المهجور، محطّ اهتمام الآخر الذي وقف على أسراره، فأجاد إزاحة اللثام عن لوحته التذكارية: " تمدّدنا جنباً لجنب، وضعت يدي تحت ظهرها. وفي السكون الحار، تسللّت إلينا أحاسيس العري اليافعة. كأننا في ساحة المدينة ولا حرج. بعض الأنسام مرّت من فوقنا، وأيقظ شريان البرد العابر هزيجاً مستسرّاً في الجسمين اللذين –ربما لأول مرة – ارتعشا في مجدهما العضوي، وجرّبا في الغسق. وآنئذٍ ولجت مدينتها السرية. "

ص (185) .

***

 قدمت الرواية السورية – كغيرها – الجسد الجميل مرفقاً بوظيفته الجنسية، مما يعبّر عن الرغبة التي تقتضيها فنية الرواية الجديدة " القائمة على الحاجة والإشباع التي تفقد البعد التواصلي الإنساني، واستبداله بنوع من الشغف، والإثارة الاستعراضية التي تهدف إلى إثارة مجموعة مترابطة من الاستبهامات المتبادلة بين الرجل والمرأة... ومن الطبيعي، وسط نسق ثقافي، يرى الجسد من هذا المنظور، ويتعامل معه حسب هذه الرؤية، أن تظهر الحاجة إلى تفجير طاقات الجسد، وبمقدار ما يعبّر الروائي عن اختراق الحواجز لامتلاك جسد المرأة، فإن ثمة رغبة باستكشاف غموض الآخر، الذي هو جسدها، وهنا تتفاقم الرغبة، وتأخذ بعدها الحسي المجرّد، حسب تعبير " جورج باتاي " السابق: " إن الرغبة الأيروتيكية، هي رغبة لتجاوز المحرمات، ورغبة إلى ما يبقى خفياً في جسد الآخر. " (21) لكن جسد الأنثى الآخر، الذي يأسر الذَكَر بفتنته، قد ينبهه إلى قيمٍ جمالية لم يكن يدركها في جسد الشريك، مما يدفعه للتأمّل والتفكّر والتطهّر، كما حدث لـ " زكريا المرسنلي " مع " شكيبة " في رواية " الياطر " لـ " حنا مينة " حينما بادلها الحبّ، فتغيّرت نظرته للمرأة، التي لم تكن تعني لديه – من قبل – إلاّ وعاءً لإفراغ الشهوة الذكرية، فجعلته بعد أن تعرّت أمامه وعرف جسدها ناسكاً مبهوراً في محراب الجمال، إذ تملّى من جمالياتها حتى خال نفسه أمام لوحةٍ فنية، ما وُجدت إلاّ ليتطهّر أمامها من الذنوب والآثام: " يا رب السماء. . عاريةً وممدّدة، والنهدان منفرجان. يميلان. في أعلاهما نقطتان جوريتان، كما حول منقار الحجل. والبطن أملس. سرة بيضاء. " ص (78)

 لكن هذا التولّه بمفاتن الجسد الذي كان تمثالاً فنياً، ما يلبث أن يتلاشى حين يراها ثانية تسبح عاريةً فتتـزلزل الصورة، ويتحوّل الجمالي إلى شهواني، ويتكسّر التمثال في عنف الاغتصاب. ويتلوّث المقدّس بدنس الغريزة.

 

 إن الجسد الجمالي الذي يأتي مترافقاً مع وظيفته الجنسية، ومعبّرا عن الرغبة التي تقتضيها فنية الرواية الجديدة، القائمة على الحاجة والإشباع، يفقد كثيراً من أبعاد التواصل الإنساني، عند استبداله بنوع من الشغف، والإثارة الاستعراضية، ثم الممارسة الجنسية التي تتمّ تتويجاً لمشاعر الإعجاب، وهذا من شأنه أن يسقط التمثال / الرمز من شفافيته، وجماليته، ويفقده ما كان لـه من حلاوة وشاعرية وأحلام رومانسية، وينقله إلى مرتبة دونية كأيّ مرتبة يصل إليها إنسان جائع بعد شبع وارتواء. وبصورة أدقّ؛ إن تدمير الرمز يبتعد بالقارئ عن العالم المجنّح الذي يتمنّى أن يظلّ محلّقاً معه في عوالمه السحرية، ولا يسقط معه إلى حضيض الشهوة.

 

 إن الشخصية الروائية تستجيب إلى حدّي العلاقة بين الذكورة والأنوثة، في صورتها الجندرية، التي تجعل الإنسان يأخذ موقعه في الحياة، في الغابة والمدينة على السواء، مستنداً إلى مسألة النوع الاجتماعي، حيث تكون الرجولة اكتمالاً وإيجابيةً، تتضرّع لها المرأة في صورة ميثيولوجية، تحاكي صورة أمومة المرأة في التراث الإنساني، فهي المقدّسة، التي يتضرّع إليها الرجل، ولكن هذا المقدّس ما يلبث أن يهوي من عليائه، ويهبط إلى فضاء دنيوي مدنّس، ليظهر حقيقة الضعف الإنساني.

***

 

 إن في جمال الجسد سرّاً إلهياً لا يتجلّى في انجذاب الذكر إليه للحب والإنجاب فحسب، وإنما تمتد الجاذبية إلى الأنثى، فقد تُعجب امرأة بجسد امرأة، كما يمكن أن تعجب امرأة بجمال جسدها، ففي رواية " خرائب الأزمنة " لـ " سليمان كامل " كثيراً ما تفتتن المرأة بجمالها قبل أن يفتتن به الرجال، وقد توقّفت الرواية عند جماليات الجسد الأنثوي، والنظرة التقديسية له، فالراعية الحسناء " كوثر " ذات الستة عشر ربيعاً تتعرّى في الوادي قرب عنـزاتها، لتفلّي قميصها، فتجد نفسها مأخوذة بروعة عريها وجمال جسدها " اختلت بجسمها. تركت عنـزاتها على هواها. غدت تتأمل عريها الغاوي في غبطة تحت وقدات شمس أيار الدافئة " ص (18)

 ويميّز الكاتب في أحاسيس المرأة ومشاعرها في الرواية بين نظرتين، نظرة العربي إلى الجسد الأنثوي، ونظرة الأجنبي إليه، فـ " رشيد بك " الذي يضاجع " هلوك الغاوية " لا يهمه من جسدها سوى إفراغ شهوته على الرغم من كثرة النساء من حوله، لأنه من علية القوم، وهو لا يختلف عن غيره من الرجال الفقراء والمحرومين الذين ضاجعوها، لذلك " ملّت [ هلوك من ] الرؤية الواحدة والتشنجات الجنسية الرتيبة " ص (30) لكنها وجدت لجسدها شأناً آخر حين قدمها " رشيد بك " إلى صديقه " الضابط الفرنسي الأشقر الشعر ذي العينين الزرقاوين " فعرفت لأول مرة في حياتها قيمة الجمال الجسدي الذي يتحوّل في نظر الفنان إلى لوحة فنية، يطيب لـه التملّي منها، ويطيب لها أن تحسّ بوقع نظراته عليها، فتستثار المتعة في نفسيهما أكثر مما تستثار بالممارسة الجنسية. " الضابط الفرنسي الأشقر أمرها أن تتعرّى كما ولدتها أمها. لم تفهم ما عناه بكلماته الأجنبية. هاجمها في عنف. مزّق (منتيانها) الأحمر، بمرآها في عز الشتاء. أجلسها على أريكة وثيرة. نار الوجاق تلقي ظلالها الدافئة على المكان. لم يقترب منها في البداية. بل جلس قبالتها، وغدا يشرب الكأس ويشير إليها، وينقر على حلمتي ثدييها النافرين نقرات موقّعه، ويغمس فمه في دائرتهما محاولاً أن يمتصّهما. كأنه طفل يلوب ظمأً إلى ثدي أمه. أجّج فيها ما لم يؤجّجه غيره. لم يحاول أن يضاجعها. بل اكتفى بالتفرّج على عري جزيرتها. أشارت إليه أن ينغمس في رملة جزيرتها اللاهبة. ولكنه رفض في نفور، وأبقاها ساعة على هذه الحال. تحترق بنـزوها الداخلي. وأخيراً أجبرها على أن تنبطح على صدرها، وراح يمرر بكفين ناعمين على عجيزتها. حاول أن يمتطيها من الخلف. لم تتعود على هذا النمط من قبل فامتنعت، ولبست ثيابها. وخرجت لا تلوي على شيء... " ص (31)

إن اللوحة التي تألقت جمالياتها في النظر، قد أشبعت الرجل والمرأة في البداية، وعملت على إثارة رغبة الأنثى واشتهاء الذكر. . ولكنها ما لبثت أن تحطّمت في النهاية حين هبطت مشاعرهما، فتاقت الأنثى إلى الممارسة الطبيعية، ورغب الضابط في الشذوذ، ولم يرتقيا برؤيتهما إلى مصاف مشاعر " سعد " و " نجود " في رواية " وداعاً يا أفاميا " لـ " شكيب الجابري " – كما سيأتي بعد قليل - التي تصاعدت نحو الأسمى، تصاعد فنانٍ يسمو عن الواقع إلى التمثال، ويرتفع عن اللحظة الراهنة إلى ما هو مطلق، فخلدت اللوحة، على عكس لوحة " هلوك " التي تخلخلت جماليتها، وتزلزلت حين انحرفت عن طريقها الطبيعي، وفقدت فنيتها التي عاش فيها الاثنان لحظات متعة حقيقية، فانتهت كتمثال حطمه مبدعه، ولم تكتمل دارته الفنية لإبراز معانيه الجمالية الخالصة، بسبب اتصاله بالحواس المتدنية، وخرج عن حالة المشهدية الفنية، ليسقط في نطاق الرغبة المتضاربة.

 

وتقف ثلاثية " الطريق إلى الشمس " لـ " عبد الكريم ناصيف " مطوّلاً في رحاب الجسد الأنثوي، المرغوب والمطلوب ذَكَرياً ونِسوياً. إلاّ أن الرواية تنبّه إلى خطورة ما يلحق بصاحبة الجسد، بسبب جمالها، الذي ينقلب وبالاً عليها، ويكون ذلك مصدر قلق " شمس " وشقائها، نتيجة للمضايقة والتحرّش ومحاولات الاغتصاب.

 إن جسد " شمس " المرأة البدوية، التي سكنت مدينة حماة في عهد الانتداب الفرنسي، جذب الأنظار بجماله الآسر، وجعل الآخرين، ذكوراً وإناثاً يدورون في فلكه دوران فراشات حول نار حارقة. فالأرملة " أم عمر " العاملة في حمام السوق العام، ذوّاقة الجسد الإنساني، ذات الخبرة الجنسية الواسعة، على الرغم من كثرة ما تشاهده في الحمام من أجسادٍ، بحكم طبيعة عملها، فإنها تقف مذهولة أمام جسد " شمس " الثرّ المفاتن، تتملّى منه. تتقرّاه يداها باللمس، وكأن الكاتب أراد أن ينقلنا إلى مسابقة ملكات جمال الأجساد النسوية، فيفككها ويجعلنا ننظر إلى كل جزء من أجزاء اللوحة الآسرة قبل أن نوليَها النظرة الكلية، فـ " عيناها لا تشبعان منها. . هي تعشق جسدها. . كلما جاءت إلى الحمام، تكون متعة أم عمر أن تعرّيها بيديها... لتمتّع ناظريها بذلك الجسد المتناسق الجميل، أم عمر ذوّاقة. . تعرف النساء جميعاً، والأجساد جميعاً، لكنها مع شمس لا تملك إلاّ أن تقف مبهورةً، تنظر إلى العنق، الصدر بانبهارٍ. تلامس البطن. الفخذين بنوع من التعبّد، ولا تخجل من إبداء إعجابها بجسد شمس، وأنوثتها وسحرها... البطن الضامر الخميص، بسرّته الفائرة، المختبئة كفتاة خجول. كان يسحرها على نحو خاصّ... الصدر الناهد في شمس، يثير إعجاب أم عمر. . ثدياها الممتلئان المكوران، حمامتان جاثمتان منكمشتان. . الحلمتان تبدوان، وكأنهما لم يلمسهما طفل... الكتفان مرمران صقيلان. . لكن الخصر. . الخصر وحده يصيب أم عمر بالانشداه. . هو ملتقى سفحين الأول نازل من الكتفين، والثاني صاعد من الإليتين، وفي نقطة الالتقاء، تتجسّد الرقة، السحر، حتى لكأنه ذوب من فضة.

 

تقلّب أم عمر الجسد الجميل أمامها، على الوجه، على الظهر، فيسحرها كل شيء فيه، لكن أكثر ما يسحرها الإليتان: شراعان أبيضان، قبت بهما الريح، ليدفعا بالزورق في بحرٍ ساكن الموج. . " ص (128 – 129) .

 

وانبهار الأرملة بالجسد، دفعها للتعبير عن انبهارها أمام النساء، وإثارة اهتمامهن، فأخذن يلتففن حولها في الحمام، وصارت " الجارات كلهن يأتين لرؤية الجسد الجميل، لتلمّس الخصر، والتفرّج على النهدين. . " ص (130)

وأنموذج الأرملة مع الجسد يتكرر في الرواية السورية، وتتكرر انبهارات النساء بأجساد النساء، كما في " اعترافات امرأة فاشلة " لـ " صبيحة عنداني " ورواية " حمام النسوان " لـ " فيصل خرتش " حيث يتحوّل جسد المرة إلى كتلة من الجمال والشهوة، تتشظى شبقاً، لـ " تفصح الأجساد النسوية بعريها عن عريها، عن مكامنها الفائرة، ومكنوناتها الانحرافية. فالنساء يحتضن النساء، والنساء يفرجن عن النساء كربهن، واحتقاناتهن، ومنحهن في مناخ اللاطبيعي، تتفتح بصيرة الراوي. ليس على الرواية فقط، إنما على إمكانية تحقق متطلباته، وأول من يقوده إلى تحقيق ذلك هو الشخصية الاستثنائية في الرواية، أو الشخصية البؤرة... " (22)

و " ياسمينة " في رواية " بيروت 75 " كان جمالها جواز سفرها إلى الذكَر، و " باسمة " في رواية " باسمة بين الدموع " لـ " عبد السلام العجيلي " وجدت في جمال جسدها جواز مرور لا تنتهي مدة صلاحية العمل فيه، وهي حين ترى انصراف الزوج عنها بالطلاق تدخل بجواز جسدها إلى دولة العشق، فإذا ملّ منها العشيق، وانصرف إلى جسد أختها " هيام " لا تقلق، ولا تثور لأن جواز سفرها لا يزال صالحاً لاجتياز الحدود إلى ممالك الرجال. ويبعث جمالها في نفسها الثقة التي لا حدود لها: " أنا مازلت فتية. ما زال جسدي مثيراً. " ص (157)

 والتي ولغت فيه " لبنى " في " شرخ في تاريخ طويل "و" شاهة وسلوى" في " أفراح ليلة القدر " و" ياسمينة " في " بيروت 75 "و" نادية " في " الوطن في العينين "و" باسمة " في " باسمة بين الدموع " وبقية الشخصيات الأنثوية. الطويلة في قائمة الرواية السورية... هذا الذي ولغن فيه، ووقعن في حمأته، هن وأمثالهن، لم تقع فيه " أميرة " في " أفراح ليلة القدر " فظلّت على امتداد الرواية الزمني المتطاول سيدة جسدها. وارتبط جمال الجسد لديها بجمال الروح، فلم تتدنّس أو تتشوّه، كأختها " شاهة " مثلُها في ذلك مثلُ " شمس " – صنيعة الكاتب نفسه - أنموذج الرواية في الجمال المادي والمعنوي، جمال الجسد وجمال الروح.

 

 وإذا كان جسد " شمس " مثار إعجاب النساء، ومثار غرائزهن، فإن من البديهي أن يكون محطّ إعجاب الرجال، وبصورة خاصة الأغنياء منهم وأرباب السلطة، الذين يتوهّمون أنهم يملكون كل ما يمكنهم الوصول إليه. فقد جذب جمالها " أنظار " حسني " الغني، وشريك زوجها في تجارة السمن والجبن، فاندفع للتحرّش بها، وحين تمنّعت، لم يتمالك إلاّ أن يعرض عليها الطلاق من زوجها، لتكون جسداً شرعياً له، وقد أغراها بصفائح الذهب. فلما لم يفلح في زحزحتها عن موضع الحشمة أو الخيانة، اكتفي منها بالنظر والحديث، يسعى إلى مضافتها المنـزلية في غياب الزوج ليمتّع نفسه برؤيتها، وقد رآها خلسةً ذات مرة " عبر الباب بقميص داخلي هفهاف، كشف عن نصف ساقيها، فأحسّ برعشة تسري في جسده كله... [ وظلّ ] في مكانه !. أينظر إلى سحر الساقين ؟ أم إلى فتون البدر...

 ... أمسك بيدها متوّسلاً. ركع عند قدميها مترجياً أن تشفق عليه، ترثي لحاله، فهو سيموت لا محالة، إن ظلت هكذا قاسيةً، لا ترحم. . " ص (231)

 وأثار جسد " شمس " الإقطاعيَ " خالد آغا " على الرغم من كثرة النساء المبذولات بين يديه. . إذ لا تزفّ عروس إلى زوجها، في ضياعه المتعدّدة، إلاّ بعد أن تقاد إليه في أحد قصوره، ليفضّ بكارتها بنفسه.

 

 لقد تزلّف الإقطاعي إليها، فأغراها بالمال، واقتطاع الأراضي، وتحرّش بها. ثم سعى إليها عن طريق الداعرة والقوادة " أم عمر " ودفع لها ذهباً كي تليّن عريكتها، فاستدرجتها بخبث إلى دارها، وجعلت منها طريدة سهلة تسير بقدميها لتقع بين يديه، حيث حاول أن يغتصبها، وانقضّ " عليها انقضاض الباشق على عصفور، ممسكاً يدها بيدٍ، مطوّقاً خصرها باليد الأخرى، مندفعاً إلى شفتيها. . " ص (217)

لكن الجسد الجميل لا يمثّل الضعف الأنثوي، لأن تناسق أعضائه، منحه الفتوة والقوة، وقد كانت في الماضي فارسةً بدوية في قومها، فما إن أفاقت من هول المفاجأة حتى تصدّت لـه " مستندةً بإليتيها ويديها، زاحفة القهقرى. . و. . في اللحظة التي همّ فيها بإلقاء نفسه عليها. . سدّدت شمس ضربةً من قدمها، بكل ما تملك من قوةٍ. . إلى ما بين فخذيه. ضربةً جعلته يصرخ:

- ذبحتني ملعونة الوالدين " ص (217 – 218)

ولم يكن الضابط الفرنسي " الكابيتان جيرار " ثالث أضلاع المثلث الساقط في الرواية، وصاحب السلطة المطلقة في مدينة حماة، أقلّ إعجاباً وإثارة بجسدها من صاحبيه، فساومها طويلاً، حتى أتيحت لـه الفرصة السانحة، عندما هرب زوجها المناضل من السجن، فأخذها رهينةً، وحبسها في منـزله، ومنّى نفسه بارتواءٍ جنسي، حلم به منذ أمدٍ بعيد. . لكنه حين شدّها إلى السرير " تحوّلت إلى لبؤة مفترسة. . اللبؤة تنشب أظافرها في وجهك. .

- لبؤة ؟!. هيّأ اخلعي ثيابك !. اخلعي ثيابك ويحك... " ص (486)

ولم ينجُ الجسد الجميل من الدنس إلاّ بعد أن طعنت الوحش بخنجر كانت قد خبأته في ثيابها، لهذه اللحظة، أدت إلى مصرعه.

 

وإذا كانت " شمس " قد فتنت الآخرين بجسدها، فإن زوجها أولى بالافتنان، ولم تتحوّل علاقته معها إلى الرتوبة الآلية التي تسم علاقة الأزواج الشرعية في الرواية المعاصرة، إذ كان دائماً الصوفي الممسوس تجاهه، تفجّر في أعطافه الحب والشبق، حتى إذا أتاها ذات ليلة ليبترد من سعيره، ووجدها باردةً خامدة الجسد، ثارت ثائرته، وأصيب بالإحباط، ولكنه حين فكّر في السبب الذي أدخلها عالم الصقيع، وهو يحاول أن يبعث في أوصاله الحرارة والحيوية، ووجد أن عذراً صحياً ينغّص عليها متعة الجسد، توقّف عن سعيه المادي، ولبس لبوس الفنان، ليعوض بالأحاسيس والمشاعر متعته منها، وجعل وسيلته إليها النظر واللمس والمداعبة " وحين انقلب إلى الجانب الآخر، لم يملك إلاّ أن يمرّ بأصابعه على الجسد الرشيق الريان صباً. الناضج أنوثة. . والجسد الجميل الرائع بين يديه، لكنه بعيد. . لا يستطيع معه شيئاً، إلاّ أن يتأمله عبر الظلمة، يتلمسه بأطراف أصابعه، يستعيد في ذهنه ليالي سابقات، كان يعبّ من ينابيعه عباً، يسبح في مياهه حتى الأعماق، يتمرّغ في حرير رماله... يتأملها عبر الظلمة، يتلمّسها برقةٍ وحنان، وهو يشتدّ إحساساً بأنه لن يعرف النوم أبداً. . فيخرج من الفراش، وكل ما يتمناه: لو أن امرأته أكملت الأربعين " ص (206 – 207) لتتخلص من شوائب (النفاس) وتتطهر من عاديات الدورة (الشهرية) وتعود سويةً صالحة للوطء.

 

إن جمال الجسد ذو تأثير قوي يثير الرغبة فيمن حوله، فهو في جمالياته ذو لون وطعم ورائحة، وخلافاً لمعظم العلاقات الزوجية الروائية التي تتسم بالبرودة والرتابة والميكانيكية، فإن " عزيز " ظلّ على امتداد زمن الرواية، أسير جمال الزوجة الوفية " شمس " التي كان جسدها " يتثنى ليناً ولطافةً، رقةً ورهافةً، كأنما هو جسد أفعوان يتراقص انتشاءً وشهوةً في دفء الربيع. ذلك يسرّه. يشدّه إليها أكثر. يريد أن يتملى أدق تفاصيله. يتشرّب أصغر قطراته. . " أنت لي. . نفساً. جسداً. أنت لي. . كلك لي. . دعيني أتلمسك. . دعيني أتشممك. . دعيني أنظر إليك " ص (89)

إن شخصية " شمس " على الرغم من جمالها، وكل ما تعرضت لـه بسبب هذا الجمال، ظلت الشخصية الواعية لقيمة الجمال، محافظةً على القيم الأصيلة التي نشأت عليها في بيئتها البدوية النقية، ويلمس الباحث، وهو يتّتبع تطوّر شخصيتها في الرواية، نجاح المؤلف في رسم ملامح هذه الشخصية التي تميّزت بالعفة والاحتشام والروح الوطنية والنـزعة الإنسانية، ليس في علاقتها مع زوجها الذي كان يتوق لرؤية جسدها عارياً، مع أنها كانت تخجل من التعرّي أمامه، وإنما في علاقاتها مع الآخرين. إذ كانت أنثى حييّةً، تتجمّل بالحلم، وتتجنّب الإثارة بتصرفاتها ولباسها، فتحاسب نفسها، وتحترم مشاعر الآخرين، لأن الجمال في قناعتها، منحةٌ إلهية، لا يجوز العبث به، ولا تدنيسه. لذلك ظلت أنثى " الثلاثية " الرواية السورية الجميلة، التي تقيم توازنات متكافئة، بين جمالها، ومواقفها من المبهورين به. تحافظ من خلالها على شرفها وكرامتها وعفويتها، فتتواءم في شخصيتها جمالية الجسد، مع جمالية الروح، وتتعانق الجماليتان معاً عناقاً حميماً لتظهر من خلالهما الـ " شمس " بطلةً روائية جميلة ونظيفةً، بلا منازع.

***

وثمة لوحات فنية كثيرة في الرواية السورية تجسّد جمالية الجسد الأنثوي، لعل من أبدعها فنياً تلك اللوحة الأولى التي صاغها " شكيب الجابري " لـ "نجود " في رواية " وداعاً يا أفاميا " والتي وقف عندها النقاد طويلاً، وحكموا على الرواية بأنها (رواية نجود) الفتاة الريفية الضالة، البريئة الموهوبة، وقد وجدوا أن الروائي جعل منها " شخصية أقرب إلى الشخصية الأسطورية، لكثرة ما بالغ الكاتب في تضخيم صفاتها المختلفة، وهي خالية من التناقضات التي نعرفها في تركيب الناس، ونموذج ثابت للصفات التي يقدّسها الرومانتي، وأهم هذه الصفات التي وقف عندها مطولاً "د.حسام الخطيب":

آ - البراءة المفرطة: فهي طيّبة القلب. طهور. أنوف. لا تخالجها نزعة جسدية، أو رفّةٌ من شهوة. إنها (غالاتيا) التمثال لا الإنسان.

ب - القوة: فقد خلقت " نجود " والمناعة معاً، خلقت أصلاً في الحقل، ووجب أن تكون أمها بالذات بدوية، لتمّثل صفاء الفطرة، ومتانة الجسم، وقوة النفس.

ج- الاستقامة: فهي لا تعرف رجلاً، ولا التواء، ولا احتيالاً، ولا كذباً.

د- الطيبة والذكاء:... طيّبة إلى أقصى حدّ. تحبّ الناس، ويحبّونها، وهي ذكية. قادرة على التعلّم. وذات ذوقٍ مرهف وحسّاس.

هـ - وقبل ذلك. طبعاً جمالها الأسطوري...

وهذه جعلت كلاً من (سكاربا) و (سعد) يقفان منها موقف (بجماليون) من (غالاتيا)... . " (23) .

 إن جسد " نجود " كان محطّ أنظار الجميع. التناسق. والرشاقة والجمال الذي اصطبغ بالحياء فأضفى على صاحبته الجاذبية التي لا تقاوم بدءاً من الأب الذي " كان يعبدها عبادة... لم يكن يجد أحلى منها مبسماً، وأرقّ قلباً "

ص (47) .

وانتهاء بالمعجبين الإناث والذكور، الذين سنقف معهم لننظر بمنظار كلّ منهم إلى جسدها وجمالها.

 

إن " جوزيت " عضو البعثة البلجيكية، كانت مأخوذة بجسد " نجود " ومشيتها " ولو كان لها أن تبوح – ولن تبوح قط بمثل هذا – لعلم أصدقاؤها والمعجبون بما حباها الله من محاسن الأنوثة. إنها هي الأوربية المترفة. بنت الحضارة العريقة، والمجتمع القديم الراقي، تحاول منذ أيام بعيدةٍ، منذ خطرت بنت هذه الأرض الوعرة أمامها لأول مرة، تحاول أن تقبس منها أسرار مشيتها، فباءت بالفشل. لا تدري أن التكوينين يختلفان. قد أفرغت طبيعة كل بيئة في أبنائها من ذاتها ". ص (61)

أما الرجال، فحدّث ولا حرج، ولن نلتفت إلى نظرات العاديين منهم، وإلى شهواتهم، وتحرشاتهم للجسم الصارخ الإثارة، وإنما سنقف عند المثقفين منهم والفنانين، وحسبنا أن نشير في لفتة عابرة إلى دهشة " مايانس " رئيس البعثة الأثرية ، والمتقدم في السن، إذ كان يعبّر عن افتتانه بهذا الجسد البدوي: " فإذا دنا من الفتاتين أشرق وجهه، وأقبل على " نجود " فملأ منها ناظريه بحنان، وتمتم بنبرة مشوّقة: نجود ! فطفر الدمع بعينيها.

وتهمّ بيده تريد أن تلثمها، ويودّ لو سمحت لـه تقاليد هذا البلد، فيأخذ الوجه بين كفيه، ويطبع على جبينه قبلة حنان طويلة، فقد ألف أن ينظر إلى نجود منذ هبوطهم أفامية نظرته إلى ربيبته.

 ويلتفت إلى رفيقتيه الغريبتين، ويقول للآنسة جوزيت برونتير:

 - هذه نجود

 مشيراً بحماسة إلى صديقته العربية. كأنه يقول:

 - أكنت مغالياً ؟

 ويرتفع حاجبا الحسناء المترفة إعجاباً. .

 وإعجاب " جوزيت " بـ " نجود " يتحوّل إلى ولهٍ ينم عن توقٍ جنسي مثليّ، لذلك أخذت تهتمّ بها، مما يثير انتباه " نجود " فتسألها:

 " – مالك ؟

 وتبسم جوزيت ابتسامة غامضة. ويستقرّ نظرها على نجود. . لون هذه الفتاة شهي، شهي. لون حيّ. فيه دفء من قبلات الشمس.

 وتكررّ نجود بصوتٍ يذوب رقّةً:

- مالك ؟

- لا شيء. اقعدي جنبي.

وتأخذ نجود بيد صديقتها الأوربية تلمس مخملها الذي تحبّ نعومته...

أما جوزيت فلا يسعها إلاّ أن تسترسل في خواطرها تلك الطارئة، تاركةً يدها لنجود، وفي عينيها نظرة حالمة:

" وهذه البنت البسيطة. أيّ العوامل التي اجتمعت لصياغتها على هذا الخلق الشهي ؟. "

 من صاغها ؟ من أبدع محاسنها ؟ من مدّ يد التنسيق إليها فجاءت على فقرها... أروع مني تكويناً. وأكاد أقول: في كل شيءٍ. أجل. في كل شيء." ص (85 – 59)

إن " نجود " ابنة أفاميا، وأفاميا الطبيعة البكر، هي الجسد الفطري للحضارة والجمال، لذلك أخذ الجسد الأنثوي في النص الروائي – كما الشعري - معنى أوسع مما هو متداول ليصبح معياراً معادلاً للطبيعة، بتشكيلها البكر، من دون أن تغيّر فيها الثقافات المتواضع عليها. والطبيعة كأم رؤوم يفيض حنانها ويتسع عطاؤها، هي ليست إلاّ جسداً زاخراً بالمخبوءات، بالكنوز الدفينة. فبين الحديث عن الجسد، و الحديث عن الطبيعة، تقوم بلاغة جديدة، ويتشكّل صرح لغة حداثية. تقابل الأشياءُ بعضها بعضاً، ويكنّي المبدع عن الموجودات من دون أن يسميها بأسمائها الحقيقية. فالجسد ليس إلاّ تلك الطبيعة الأولى المفتقدة، ذلك الفردوس الذي خرج منه الإنسان عندما تعلّم الكلام وانطلق لسانه يصف ويسمي الأشياء، وفي جوف كل اسم حقيقة غير مدركة، لأن التسمية ليست إلاّ قناعاً يخفي تحته ما لا يقال. الجسد طبيعة تلوذ إليها الأرواح المتحرقة، والأرواح الشغوفة. وكلما اشتدت وطأة الخارج كانت الطبيعة ملجأ حانياً حميماً.

 

هذه الملاحة الآسرة، كان لها شان آخر مع الفنانين والعشاق، إذ نادراً ما يعجب الفنان بأنموذج متميّز يخلّده في أحد أعماله الفنية. فـ " سكاربا " ما إن تقع عيناه عليها حتى يجد فيها حلمه الفني متجسّداً بأجلى معانيه، لأن " نجود " " رمز للطبيعة، والغاب، بما فيها من النقاء والصفاء، والسمو، والبراءة، وهي ملك للجميع، وليست ملكاً لفرد، وإن كان كل فرد يطمح إلى عناقها، وبذلك، فهي أعظم من أن يمتلكها فرد، وأكبر من أن يقيّدها مكان أو زمان، وبذلك تظل نشيداً يتردّد، وحلماً يراود الجفون، ولا يتحقّق، ليعلّم الناس معنى الفنّ والسموّ والبراءة " (24) .

 

لقد افتتن " سكاربا " بهذا الأنموذج الفريد، الذي لم يعرف لـه مثيلاً بين إناث الشرق والغرب على السواء. وعزم على تخليده. فبدأ الرسم " نصفياً لبنت من بنات الريف " وجلس الساعات " في هالة من نور مصابيحه، وأمامه لوحةٌ سهمت فيها عيناه " ص (94) فلما دخلت عليه صاحبتها، مالت على اللوحة وقبّلتها.

إن الفنان يمتزج بعمله إحساساً وفكراً وتوقاً، فلما وقف أمام اللوحة يتفحصها خالجته أحاسيس الصوفي "لو أن يد ميشيل أنجلو امتدت إلى ناحيته بتاج الخلود، أمام حشدٍ من عباقرة الرسم، لما خفق قلبه، ورضيت نفسه، كشأنهما أمام هذه القبلة العفوية التي طبعتها شفتا نجود على لوحته. "ص(99)

وعشقُ الفنان لعمله يفوق كل عشق، فـ " سكاربا " الذي صعقه جمال "نجود " فأراد تخليده أولاً، وممارسة الجنس مع صاحبته ثانياً. يجد نفسه يتراجع أمام الشهوة الجسدية، وينحاز للفن " ولعله لو خيّر بين اللوحة وصاحبتها التي تيّمته حباً، لآثر اللوحة. إنها هي ما يجمع كيانها وروحه، ويخلّد صباها وفنّه. " ص (99) .

لقد استغرق الفنان في عمله، فلم يعد يشغله عنه شيء في العالم، ملك عليه تفكيره وحواسه، حتى إنه لم ينتبه لدخول عاشقته " ندى " عليه، كما لم ينتبه لدخول " نجود " نفسها، على الرغم من صرير الباب "لم يبال الرسام لانصرافه إلى لوحته، يمسّها بفرشاته مسّاتٍ خفيفة، كأنه قلّ اصطباره، فلا جلد عنده لينتظر انبلاج الصبح، فيتمّ عمله على نوره الواضح. وكلما أضاف شيئاً في لوحته، عاد القهقرى خطوات إليها مغاضناً، قد زمّ أجفانه، وحسر بصره، وقد يحمل قبضته إلى عينيه، ينظر من خلالها كأنها المنظار، فيرى من أمر اللوحة، ما لا يراه بالعين المجردة، ثم يعود إلى قماش لوحته، يكاد ينقشه ويمسّه بشفتيه. ولو رأته ندى في غير هذا الظرف لظنت بعقله الظنون. "

ص (97) .

 

إن لوثة الفن أصابت الفنان، إذ ما إن انتهى من لوحته التي صبّ فيها جميع ملكاته، حتى التفت إلى صاحبة اللوحة، فلم يتمالك نفسه، وجمع لباقته وشهوته العارمة ثم اقترب منها " باسطاً كفيه كفارس من البندقية يقبل على حبيبته، وفي عينيه نظرة غامضة وجف لها قلبها، وقبل أن تدري أي شيء تفعل، خرّ على ركبتيه، وأخذ يديها في كفيه يبثهما فرحة قلبه. " ص (100)

إن الرسام الذي عشق لوحته، لم يعد يستطع منع نفسه من الوصول المادي إلى جسد صاحبتها، فترك التمثال، ونهض إلى الجسد راكعاً يتعبّد في محرابه، فلما لم توصله العبادة إلى مبتغاه، آثر التخلي عن رهافة الفنان وإنسانيته، وتحوّل إلى ذئب متوحش أعمته الشهوة، فرمى اللوحة الشفافة وراء ظهره، وألقى فرشاته جانباً، " وتبهنس، واحتدم، ولم يلبث أن انقلب من حمل إلى ذئب جائع، وتشبث بها أعنف ما يكون التشبّث، وهصر خصرها بذراعه، بينما ذهبت كفه الطليقة تعيث في مواطن حيائها. " ص (100)

إن الروائي أخذ على عاتقه إظهار جمال " نجود " لذلك نجده يجمع الحالات التي يتوحّد فيها الفنان مع مادته وفنه بأسلوب الناقد الفني المتمرّس، فإذا كانت " جوزيت " قد أعجبت بـ " نجود " إلى درجة الشبق المثلي، وإذا كان " سكاربا " قد أبدع اللوحة التمثال، ثم قام ليضاجعها قبل غيره، فإن "الآنسة بارونيان " الفنانة التشكيلية الحلبية " حين لقيتها أول مرةٍ جنت بها. ودّت لو قضت معها سنةً كاملةً. لا عمل لها إلاّ أن تخطف منها كل يوم خمسين مشروعـاً فنياً لخمسين صورة، أو لوحة تشكيلية. ودّت لو أخذتها إلى مرسمها الجاثم على سطح بناية أنيقة في شارع الجميلية، وهناك في زاويةٍ من زوايا مرسمها الفوضوي، تنفرد بها كما تنفرد الرتيلاء بصيدها، في انعزال تام، واستغراق مطلق، فإذا حال الحول خرجت على العالم بنتاجٍ قد يضعها في قرنٍ واحدٍ مع مشاهير الرسامين.

 قالت " بارونيان " أول ما لقيتها. لسنةٍ خلت:

 " حين أراها تخطر في سلابها الأسود المعلم بخطوط الفضة، وزينتها التي لا ينال من أناقتها شيء، يخيّل إليّ أن سليلة ملكة من فاتنات التاريخ تسير أمامي، لم تنقص القلّة من روعتها شيئاً.

 

 بل أصبحت لا أتخيل سمير أميس، وكيلوباترة، وزنوبيا، إلاّ على صورة هذه الأعرابية الفاتنة، الشامخة دون أن تدري ". ص (47)

لقد رُسمت ملامح " نجود " الجمالية بعنايةٍ فائقة، وجذبت اهتمامات الفنانين والمثقفين العرب والأجانب على دراسة هذا الأنموذج، و توضيح أبعاد هذا النمط الأنثوي الروائي الخالد، وإخراجه بالصورة النهائية المتكاملة، فارتبط الجمال الجسدي المادي بجمال الروح ونقاء السريرة، وعفة الجسد وطهارته، وعمد كل من عاينه إلى الارتقاء به إلى عالم مترفّعٍ عن شهوات البشر، فـ"نجود " ما إن تجد " سكاربا " يتحرّش بها، حتى تهرب من أفاميا إلى غير رجعةٍ، خوفاً من الفضيحة، وتجتاز أدغالاً موحشة، وتقع بين أيدي ذئاب حيوانية وبشرية، تصل بعدها منهوكة الجسد إلى المهندس " سعد " عالم المعادن، الغارق في المباذل الجسدية، الذي يتخذ لنفسه كوخاً في الغابة يبحث فيها عن معدن نادر، وقد وصل إليه المعدن الأنثوي الفريد، والمثال النادر، فيسعف " نجود " ويداوي جراحها، ولأول مرة ينشغل الاثنان كلٌ بالآخر، حتى وقد رآها ذات مرةٍ تغتسل في غدير ماء ثم تتمدّد على صخرة، يقف يتأمل الجسد النقي، من بعيد، ليرى فيه كل ما كان يطمح إليه في الجمال الأنثوي: "فوق تلك الصخرة السعيدة جثم تمثال رشيق، يضجّ بألف معنى من معاني الأنوثة التي تُسكر اللب، وتأسر البصر. . هانئاً بعزلته، مطمئناً إلى أنه وحده لا يستكشف خباياه سوى أحداق السماء الصافية الزرقة، المنبثّة بين هامات الشجر، وعدد من الحساسين، كان يصرفها عن مفاتن التمثال ما انصرفت إليه من مفاتن غزلها...

وإن كان الجسم الجميل قد كشف محاسنه لعيون السماء والنبات والعصافير، وأباح آفاقه لحزم الشعاع، وكتل الظلال تتماوج فوقها، وتتبارى، وللينبوع الضاحك يرشها بمنعش لثماته. فإن قطعة صغيرة كالقميص الفضفاض، كانت لا تزال تغمر بعض ذاك الجسد، وتلحف في الالتصاق به، فتفضح منه شيئاً، وتدع للخيال شيئاً.

فإذا برم الجو بتلك القطعة الدخيلة التي كانت تشوّه الطبيعة في انسجامها العاري، زاد في حره، وصب في جمره، وهمس للتمثال الخجول المتردّد:

- أنت وحدك. . ليس من يراك. . قد كفلت لك العزلة، فانطلقي. تجردي. تمتعي. إنك لجديرة بالحرية.

 

وتنساب الأنامل إلى القميص تتحسّسه...

وينـزلق الكتان رويداً رويداً. . وتظهر " نجود " كما هي. مثلما كانت تبرز وهي طفلة على شاطئ بحيرة أفاميا، سعيدة بعريها الذي يعيدها إلى أحضان أمها الطبيعة، وما أبرّ " نجود " بتلك الأم.

ويجرّض الرجل بخانق رغباته. قد ضجت عيناه بالصور. أرسل بصره بألف ذراعٍ شره، يلملم من على التمثال. من ساحاته، ودروبه، وواحاته، وشامخ أبراجه، لما بات يرى فيها بريق الكنوز. " ص (226 – 227)

إن " سعداً " لم يعد يرى المنظر أمامه بعين العاقل الواعي، وإنما بعيون المسحور الممسوس، وهو لا يرى جسداً إنسانياً، وإنما يرى تمثالاً من الجمال الحي الذي يتحرّك أمامه، فيزداد سحره، ويُقبِل على مسّه، وقد حاول الكاتب أن يصفه وصفاً جماليا، يبتدئ بالأجزاء والتفصيلات، ثم يلقي عليه نظرة كلية أخيرة كما يفعل الفنانون، ففي النظرة الكلية: " كان جسداً عبقرياً. فصّل تفصيله الخاص. ونُسّقت أعضاؤه تنسيق الحياة الطليقة الهانئة، واستداراته متعالية. شامخة الكبرياء. ذات شخصية يزيد في عنفوان حسنها ذلك الانسياب الريان الذي يصل ما بينها، وبين مواطن اللين والرقة.

 

 وكأن أعضاءها أنجزت إنجاز عيش الفلاة الذي يضفي على الظباء دقة معاصمها وحسن أكفالها، وحلاوة الخوف في لحاظها، ورشاقة القفز، وحنين اللفتات. ". ص (227)

إن " سعداً " " يرى في الفن شكلاً أسمى من أن يحاط به، أو يتحقق بيد، بل لا بدّ لـه من معجزة. وعلى هذه الشاكلة نظر سعد إلى نجود، قبل أن يراها وهي تستحم في الغدير، ومن بعد، كان يقدّس جمالها، ويراها أسمى من أن تدنس.

وهو يراها تستحم، كان يرى في عريها سمواً ونقاءً، وكان سعد ما يفتأ يشبهها بتمثال، ويشبه نفسه بنحات مرات كثيرة، وفي مواضع كثيرة، وهو يؤكد أنه يأبي أن يهين تمثاله ". (25)

إن جميع الذين افتتنوا بجمال " نجود " من الرجال والنساء كانوا يمزجون في نظرتهم بين الفن والمادة، بين الروح والجسد، وبين الجمال والشهوة، مع أنهم كانوا فنانين ولم يكونوا شهوانيين، باستثناء " سعد " الشهواني الفنان في إغواء النساء، فإنه لم ينظر إلى جسد " نجود " إلاّ نظرة الفنان إلى تمثاله المقدس وكانت نزعة الشرّ تنـزاح عندما ينظر إلى " نجود " لتحل محلها نزعة الخير: " ولكم من مرةٍ كان شيطان الغواية يلقيه على أقدام تمثاله مشتت الصبر مهدور الرجولة، ولكن شيئاً أقوى من نهم الأحاسيس، وأطيب أنفاساً من شهقات الغلمة، كان يأخذ بلجامه، ويدير خياشيمه نحو نسمة الخير القريرة، فيرضى الرجل، وهو سعيد، غير ناقم. بانطفاء نار الغواية في أعماقه، لينطلق مكانها نور وعيه الجديد ". ص (256)

أما في الأجزاء والتفصيلات، فقد وقف فيها الكاتب عند تضاريس الجسد الأنثوي موقف الخبير بجيولجيا الأرض، وربط مابين الطبيعة الأم، والأنثى، في الجمال والعطاء والخصب، وأشرك فيها الحواس الست " فيحلو لـ " نجود " أن تنعم بجلدها الحنطي الصافي النسيج، بما فيه من مخمل الصخرة، من برودة رطبة، ونعومة الملمس فتسترخي للصخرة المبتلة، ممطوطة الحركات، فاترة التثني، خفيفة الاضطجاع. . " ص (227)

وبعد الجلد ولونه، والجسد وحركته، ينتقل إلى القدم والساق والعينين والأهداب والثغر والوجه: " ثم يبدو لها فتدلي بقدمها إلى الغدير، ثم تتبعها بنصف ساقها، ثم تعابث الساقان الغدير، وتحتدمان. كلما زادها الماء ابتراداً أوسعتاه خضاً وهزاً. . وبينما كانت القدمان في عراك ضاحك مع الغدير، كان باقي الجسم لا يزال متمدداً على حضن الحجر، فاتراً، ساكن الحركات.

 

أما الأهداب المكحلة الوطفاء فمطبقة، بينها وبين الثغر سر. تكاد تقرأ حكايته على أسلاك البسمة الفائقة الغامضة التي غمرت وجهها الحالم. . "

ص (227)

ويمعن الكاتب في الكشف عن جماليات الجسد الأنثوي، فلا يكتفي بتشخيص الظاهر منه، وإنما يتغلغل إلى أغوار النفس الإنسانية التي يشفّ عنها هذا الجمال، التي يقف " سعد " تجاهها مبهوراً: " تلك هي مشاعر " سعد " المصعّدة نحو الأسمى، وهو تصعيد فنان، يسمو عن الواقع إلى التمثال، ويرتفع عن اللحظة الراهنة إلى ما هو مطلق، مؤكّداً بذلك نزعةً رومانتيكية حالمة، بل مؤكّداً روحاً صوفية مشرقة " (26) وهو على خلاف غيره من الشخصيات الروائية التي لم تطق صبراً على مثيرات الأنوثة الجمالية، وهذا ما توحي به الدلالة المستخلصة من استقراء جماليات الجسد في العلاقة بين الذكورة والأنوثة، حيث تتجاوز الوصف المشهدي المدرك إلى إيحاءات تنتمي إلى حيّز تشخيصي (إنساني) تارة، وإلى عناصر الطبيعة في ارتباطها بالجسد عن طريق التلازم... فغياب كل عناصر الوجود يشير إلى الاستغراق بذاتٍ تستوعب كل الحواس والأفكار، والمشهد الجامع بين الحضورين، حضور الذات المذكرة، والأخرى المؤنثة الذي يوحي بإيجابية الذات تجاه الآخر، أي تقديم الذات بما تبدعه بإيجابية فعلية ظاهرة تبطن رغبة تجاه فعل الآخر من خلال المشهد الجمالي، وينتقل مجال التعبير إلى أفق يغادر فيه العلاقة المشخّصة إلى العلاقة الطبيعية المرتبطة بفعل الجسد، وممارسة الجنس .

 

لقد عبّر الكاتب في رسمه لجمال " نجود " عن رؤية فلسفية تراوحت بين (الجميل) و (الجليل) لا تكون فيها الشخصية الأنثوية تراجيدية إلاّ إذا كان الجمال من صميم تكوينها الاجتماعي فهي جميلة بالضرورة، بمعنى أنه لو لم يكن " التراجيدي " جميلاً لما تعاطفنا معه من خلال سقوطه الذي يولّد فينا إحساساً بالأسى والشفقة، والعلاقةُ تنهض هنا في أن البطل التراجيدي حامل للمثل، وهو يمّثل القيم اجتماعياً بحمله لهذه المثل، ودفاعه عنها " ونحن نشعر بالأسف عند سقوط البطل، لأن بسقوطه تسقط تلك القيم التي يمثّلها، فالبطل جميل بسلوكه وأفعاله، وفي أهدافه، حتى إننا لا نبالغ إذا قلنا إنه جميل بسقوطه، فالبطل التراجيدي هو نفسه البطل الجميل قبل أن يسقط. " (27)

وفي المحصلة، يظل الجسد الأنثوي، يشع بالجمال، الذي يخطف أبصار الرجال، فيلوذون به، مما يبعث في نفوس صويحباته الخدر والمتعة، وقد برزت نسوة كن باهرات الجمال، ومعظمهن من المثقفات، المتمردات على المعايير الاجتماعية، وهن إما برجوازيات، كـ " ريم ورشا وأسمى " في روايات " كوليت خوري " و" لبنى " لدى " فاضل السباعي " في رواية " رياح كانون " وسيلةَ الإيضاح التي تشرح فساد الحياة الثقافية، بسبب اعتمادها على معايير غير ثقافية، وهي في سن العشرين، ممشوقة جميلة، شقراء، تحاول أن تكون أديبة، فتدفع جسدها ثمن تأليف روايتها، وإما تقدميات، كـ " أسمى و لبنى وأمية " في روايات " هاني الراهب " وإما بريئات ريفيات، كـ " شمس و نجود وشكيبة " في روايات " عبد الكريم ناصيف " و" شكيب الجابري " و" حنا مينة ".

 

وقد برع الروائي السوري في توصيف الجمال الأنثوي، لكن هذه البراعة أنسته – في كثير من الأحيان - الأدوار الأخرى للمرأة العاملة الكادحة، والتي تشكّل البنية الأساسية لنهوض المجتمع، حتى بدت بعضهن أشبه بدمى، جل غايتها في الوجود إظهار زينتها، وتحويل جسدها إلى كنـز جمالي، تستمتع حين تجد الرجل يغترف من كنوزه، فـ" عبد السلام العجيلي " - على سبيل المثال – اهتم بتناسق الأجزاء الجسدية، ورسم "باسمة " في رواية " باسمة بين الدموع " نرجسية في عشق جمال جسدها، الذي يتميّز " بتناسق بديع في الجسم " تزيّنه شفتان موارتان " بلون كلون الجوري " و شعر ينسدل على كتفيها، وعينان كانتا " واسعتين يبدو اتساعهما غريباً في امتدادهما عرضاً كأن ملتقى أجفانهما كائن في الصدغين لا في الوجه، طويلتي الأهداب، يزيدهما غرابة وسحراً " و " عنق مستقيم يملأ نقرته زغب خفيف الشقرة " وقدٍّ ممشوق اتخذت منه جواز مرور لا تنتهي مدة صلاحية العمل فيه، حين ترى انصراف الزوج عنها بالطلاق، فتدخل بجواز جسدها إلى دولة العشق، فإذا ملّ منها العشيق، وانصرف إلى جسد أختها " هيام " لا تقلق، ولا تثور، لأن جواز سفرها لا يزال صالحاً لاجتياز الحدود إلى ممالك الرجال، ويبعث جمالها في نفسها الثقة التي لا حدود لها: " أنا مازلت فتية. ما زال جسدي مثيراً. " ص (157) وأختها " هيام " لها تلك الفتنة الجمالية التي تستطيع بها استدراج " سليمان " عشيق أختها إلى جسدها، فهي " فارعة الطول، رشيقة القد، خداها ورديان، وصدرها ناهد، وشعرها مائل إلى الشقرة . . " و" سوزانا " " بيضاء البشرة فيما عدا وجهها المورد ذات عينين عسليتين واسعتين وشعر قليل الميل إلى الشقرة " وجسدها متناسق التكوين، ولـ " نازك " ثغر امرأة متوقد الأنوثة، ونهداها مشرئبان مثيران متكاملان مع قامتها الطويلة . . " ونحر أرجواني شفاف، وجمال عبقري بتعبير نديم، وهي بتعبيره أيضاً " وردية اللون، نبيلة الملامح، كستنائية الشعر، خضراء العينين، مستقيمة القامة " ولـ "بارعة " " عينان خضراوان، ووجهها وردي، وشعرها كستنائي " و "هدى " فتاة طويلة القامة سوداء الشعر دقيقة تقاطيع الوجه " ولـ " نهاد " كف " حارة، رخصة، مشيقة الأصابع " وهي تمتلك " جمالاً ذكياً كان يملأ عينيها فيبعث فيها فتنة لا تنقص عن الفتنة التي تنبعث من سائر تقاطيع محياها وأعضاء جسدها الكاملة المحاسن ". و " ماجدة " أخت " هدى " " واسعة العينين طويلة الأهداب. " و " شعرها كستنائي " ولـ " صفية " " شعر أسود غزير " وكف " لدنة دافئة حريرية اللمس. . "

و" ندى " في رواية " المغمورون " شابة " بيضاء البشرة، بوجه ممتلئ ومورد وبعينين شهلاوين " " عبلة القدّ، قوامها فوق القصير ودون الطويل، حنطية البشرة في تورّد، ذات شفتين حسنتي الارتسام على دقتهما " أما " حورية " صديقتها اللبنانية، فهي " سمراء طويلة القامة، ذات شفتين رائعتي الاستدراة " وإلى جانب القامة الطويلة، فإن لـ " شاهناز " " وجه صبوح لم تتسلل إلى بشرته التجاعيد " و هي " سيدة رائعة الحسن " " بيضاء البشرة، ولها منكبان حسنا الاستدارة " و "سوزان " " مليئة الجسم ملاءة تناسب طول قامتها. . ووجهها المدور يتفجر صحة تحت بشرة بين الوردية والبرونزية " ولها " عينان واسعتان، عسليتان، في محيا أزهر، أميل إلى الشقرة، يحيط به شعر كستنائي طويل يضرب إلى كتفيها وتنفرج خصلاته عن عنقها الأغيد الطويل " وسوى ذلك كثير. . (28)

وهكذا جميع نساء " العجيلي " يتوحّدن في الجمال، ويتمتعن بالفتنة والإثارة، كأنهن مرسومات ليدخلن مسابقات ملكات الحمال، متناسقات الأعضاء الجسدية ، ممشوقات القوام، تفيض وجوههن بالبياض أو بالسمرة الساحرة، والعيون السوداوات الواسعات. . والعجيلي ليس الوحيد الذي افتتن بتوصيف الجمال الأنثوي، لأننا نجد لدى غيره، افتتاناً أشدّ، ونساءً أجمل، إلى حدّ يخيل للقارئ أنهن خلقن من فتنة خالصة، وأنهن نماذج مكتملاتٍ للأنوثة الخالدة، ضارعن نساء روائع الروايات العالمية.

 

وإذا كان بروز الجمال لدى معظم نساء الرواية على حساب أدوارهن القيمية، فإن عدداً من الكتاب قد التفت إلى هذه الناحية، فربط بين جمال الشخصية، ودورها التي تجسده في الرواية، فقد امتلكت – على سبيل المثال - شخصيات روايتي " حب في بلاد الشام " و " أعاصير في بلاد الشام " لـ " ناديا خوست " جمال المظهر وجمال الروح، ورفلت المرأة العربية والأجنبية على السواء، برومانسية عذبة شفافة، فتزيّنت ببشرة بيضاء نقية، وشعر أشقر، ووجه ينضح بالوضاءة والنعمى، ولعل الكاتبة أرادتها كذلك، على غير لون بشرة نساء بلاد الشام الحنطية، المائلة إلى السمرة، لكي تكون قريبةً من ملامحها الشخصية، فـ " عائشة " ابنة منطقة الجليل الأعلى " بيضاء، ممتلئة، بضة، في وجهها رضى السعادة " والمرأة الدمشقية التي يتردّد عليها " أبو قيس " " بضة، رخية، وكل مافيها نعمة " و " أميرة " أيضاً " شقراء في وجهها الأبيض ضوء " ومثلها " لوبا " " فتية شقراء " ويتساءل " قيس " واصفاً " غولروخ " بقولـه: " من أيّ أسطورةٍ حطت تلك الشقراء، رائقة ناعمة؟ " ونازك العابد " " جميلة شقراء " شاركت في معركة ميسلون، في جيش " يوسف العظمة " و المعلمة " لورا " " بيضاء، شقراء، رائقة،

ناعمة".

 

رابعاً: وظيفة الجسد

على الرغم من انتشار الثقافة، فإن ثمة تعارضاً يظلّ قابعاً في أعماق الشخصية الأنثوية، بين كل من الطبيعة، والثقافة. فالطبيعة ظهورٌ وشغفٌ ورهبةٌ، والثقافة، تغييبٌ وطمسٌ وإقصاء.

"في الطبيعة يتباهى الجسد بوضعيته الأصلية، وفي الثقافة باستعارةٍ من " شتراوس " ملتبس وممهورٌ بالعبودية، ومطبوعٌ. إنه ثانوي، مجرّد ملحق، أو ذيل. . في الطبيعة كان الجسد فاعلاً، وفي الثقافة أصبح مفعولاً. " (29)

وفي غياب الوعي، الاجتماعي والديني، تغرق الأنثى في متاهة وظيفتها الإنسانية المطلقة، وقد استغلّت الرواية هذه المسألة، ووقفت على بعض جوانبها وقاربت بين أجزاء منها، ووجدت أن وظيفة الجسد الروائي تتجلّى – غالباً – في العلاقة الزوجية الطبيعية، التي تنحصر في الأداء التقليدي للزوجة آلة الطبخ والإنجاب، التي تحرص على أداء الواجب الليلي السريري كأيّ عمل ملقىً على عاتقها، داخل جدران المنـزل، وكثيراً ما التفتت الرواية إلى هذه الناحية، التفاتة نفور وهجاء، لأنها حوّلت الزوجة إلى جسد بلا روح، موظفةً / عاملةً في دائرة الزوج، حسب التقليد والعرف والعادة. . مما شجع الكتاب على إيجاد مسوّغات لاندفاعها نحو الخيانة، حفاظاً على مشاعرها الإنسانية، ورعاية لحقها الجسدي.

إن " مرين " الشخصية الثانوية، زوجة " أبي روكز " في رواية " الثلج يأتي من النافذة " لـ " حنا مينة " – على سبيل المثال – يزيحها الروائي عن شرطها الإنساني، وهو يرسم جانباً من واقعها الوظيفي، لأنها في نظر الزوج، ليست أكثر من " كيس من اللحم " ولا تزيد وظيفتها في الحياة عن جعل هذا اللحم / الجسد، يستجيب لرغبة الزوج، ويغور بـ " ماء غير مقدّس " ملقى بلا مبالاة على " النار التي تلهب زوجها " ص (93) وهذا ما يأذن لـ " أبي روكز" أن يعبّر عن قناعةٍ في وظيفته قائلاً: " بقرة عندي لا زوجة".ص (334)

في غياب المعاييـر الصحيحة، تغدو المرأة في المنظور النهائي " شيئاً " وعرضاً منقولاً، لا وظيفة لـه إلاّ ما يملي عليه البطريرك، فـ " إلهام " في رواية " اعترافات امرأة فاشلة " لـ " صبيحة عنداني " أُكرهت على الزواج من رجلٍ يكبرها كثيراً، فلم تشعر نحوه بجاذبية، وإنما ظلّ ينتابها شعور بالكره لم يفارقها منذ الخطوبة حتى الطلاق، وتعترف:

" كانت حياتي الزوجية، تتراءى لي فاشلة تمام الفشل، فأنا لم أوافق على هذا الزوج، وكنت أتحقق كل برهةٍ أن التفاهم بالانسجام مفقودان بيني، وبين زوجي، وأهله. " ص (79)

" كنت لا أجد أية لذة، أو متعة في أحاديث هذا الرجل الذي يقال لـه زوجي . " " كنت أعيش بدون قلب. " ص (85)

إن تخلّي الأهل عن ابنتهم بعد إكراهها على الزواج، وعدم التوافق والتفاهم بين الزوجة وزوجها، جعلها تشعر أنها وحيدة في عالم موحش، غريبة في غابة الظلم، ومع قناعتها الشديدة بالرضوخ لوظيفتها التي أُرغمت عليها إلاّ أنها لم تتمالك نفسها: " كنت أقع فريسةَ حالةٍ عصبيةٍ، كلما خلوت إلى زوجي...

ترى. هل كنت أبكي لأنني كنت أشعر، وأنا أعيش معه، أنني عبارة عن امرأةٍ تقدّم للرجل جسداً، يتمدّد إلى جانبه كل مساءٍ بغية إنجاب الأطفال ؟.

كنت أبكي شفقة عليه، ورحمة به، فهو كان في نظري زوجاً مخدوعاً، يحسب أنني أحبه، وأحبه... " ص (87)

و"لبنى" في رواية " شرخ في تاريخ طويل " لـ " هاني الراهب " لا تختلف في نطاق الوظيفة المنـزلية كثيراً عن " إلهام " مع بعض الفوارق الثانوية، إذ انتهت الثانية إلى الطلاق ثم الجنون، بينما انتهت الأولى إلى الخيانة، والنتيجتان: الطلاق والجنون، والخيانة، تردّهما الرواية إلى الملل الوظيفي الذي يلقيه المجتمع على عاتق المرأة، عندما تُكره على تأدية دور، لم تكن راغبة في تأديته.

 

إن " لبنى " تتحوّل في ظل العلاقة الزوجية إلى جسدٍ بغير روحٍ، وتجد الأنثى الفلسطينية، أنها تؤدّي وظيفتها كزوجة عبر حلقات متوالية من الخيبات الملاحقة، من نكبة فلسطين التي أضاعها العسكر، حتى زفافها إلى ضابط عسكري أضاع ما تبقى لها من أمل الحياة، وقبعت في حماه تطبخ وتنجب في علاقة باردةٍ، متفككة، لا ترتقي إلى أكثر من شعورها بأنها جسدٌ يغتصبه كل مرة، ضابطٌ قميءٌ، قصير القامة، رسمي الزّيّ، خاملٌ معها، نشيطٌ ساخنٌ في اندفاعه نحو الخادمة التي يضاجعها بلا خوفٍ أو خجل.

تزداد مشاعر الفجيعة لدى " لبنى " ويراودها إحساسٌ بأنها تعيش في حالة اغتراب متواصلٍ، لذلك تسعى إلى تبديده، والتسامي في الوظيفة، والانطلاق بها إلى رحاب أوسع، فتنتسب إلى جامعة دمشق، تدرس الآداب، وتكتب القصص، ويتحلّق حولها الأصدقاء الذين نسيت بينهم اغترابها النفسي والاجتماعي، وأنِست لعبارات الثناء والمديح، ثم الغزل البريء فالصريح، الذي نبهها إلى قيمة جسدها، مما بعث في جسدها الدفء والإثارة، ومن ثم الاندفاع في علاقة عاطفية، فجنسية، تجد فيها زميلها " أسيان " يعوضها عن برودة الزوج بحبٍ دافئ، يباركه أخوها " مجد " وزوجته " شجن "، والتي تسمح لـه على مرأى منها أن يسحبها جانباً ليمارس الجنس معها: " أتناولها من إبطيها، وأسحبها فوق السرير. أمد يدي إلى البلوزة، أفك أزرارها. توقفني بعنف. " ص (180)

"أقول: - ألا تثقين بي فقط هذه المرة ؟ افعلي ما أقول لك، وأعدك ألاّ أتجاوز شيئاً، وتنظر باستفهامٍ، وتوقّع. أحلّ الأزرار برغم تأبيها، ويتحرك وجهها بقنوط، ونفور مثل من يقبل على عملٍ كريهٍ، لا يريد رفضه. يتمدّد جسمها الرائع على السرير. تصرّ ؟ وتنهض نحو ثيابها، والباب. فأوقفها، وتقول بمكرٍ: " لا أريد. . شجن هنا " وأجيبها: " هذه المرة فقط. ثقي بي هذه المرة. " ص (180)

"قلت باضطرابٍ مستترٍ: - مهما كانت تجاربك السابقة. انسيها الآن. العري يفيدنا معاً. جسم الرجل والمرأة مجهول بالنسبة لنا سويةً. تأمليه، وتعرفي عليه. . مع أنه ليس شيئاً استثنائياً. تذكري: أنت تعيشين بحريةٍ تملكينها... "

إن " أسيان " لا يدعها تفلت إلاّ بعد أن " يلج إلى مدينتها السرية " ليؤكّد لها أن ما تفعله هو حياة وحضارة وحرية، ويجمّل لها الخيانة الزوجية التي تنسيها شدّة الضغوطات النفسية، وفي ذلك انتحاء بالمسألة يبعد فيه الأنثى عن الوظيفة الطبيعية التي أنيطت بها.

وتبدو مبالغة الروائي في هذه العلاقة التي تسلخ الزوجة عن واقعها سلخاً تاماً، وتنسيها أنها على ذمة رجل، وأم لابنتين صغيرتين، وقد تتحول كأمثالها في بعض الروايات إلى داعرة أو ما يشبه الداعرة، فتعرّيها، وتغرقها في الجنس، وتقلبها أنثى أخرى لا تصلح للمجتمع الذي وجدت فيه.

وتعرية الجسد، لغير الزوج يحمل دلالات عدة، فهو إضافة إلى بعده الجنسي الصارخ، يرمز إلى جرأة الأنثى، وتمرّدها على الراكد الساكن، كما يعبّر عن السعي الحثيث لبلوغ الحرية التي اعتقدت أن المجتمع حرمها منها، فقررت حيازتها، وممارستها، في حضور ذكَرٍ تتوهم معه أنها تحقق ذاتها، فتدمر في (حضرته) مجموعة المعايير التقليدية، التي سربلها بها الزوج، بتجاهله أسلوب التعامل الصحيح مع جسدها، ووظيفتها البيولوجية (الروتينية)

إن الوظيفة الجسدية للمرأة المغلوبة ثقيلة على كاهلها، و" الممنوع مرغوب " و " الهوى العابر. العلاقة العابرة. أكثر شاعرية، ونقاوة، من القبل بلا حب. المتبادلة بين زوج وزوجته. إن القبل العادية من الحب – التي يتبادلها الزوج والزوجة – في المنظور الغربي – (عادة دنسة) . . " (30) وقد انتقلت عدوى هذا الدنس إلى روايتنا العربية، فباركته، ووجد فيه بعض الروائيين حلية جذابة يطلبها القارئ.

 

إن ما كانت " لبنى " تمقته في وظيفتها الزوجية، يغدو فيه الحب والجسد شاعرياً ولذيذاً في أحضان الغريب.

ولأن العلاقة مع الزوج ممجوجة، كذلك كانت العلاقة مع الزوجة أكثر من ممجوجة ودنسة في نظر " زكريا " في رواية " الياطر " لـ " حنا مينه "بعد أن مارس الجنس، وعرف لذته مع مومس، وبمقارنة سريعة، تبدو زوجته في مخيلته، ومن خلال العلاقة الرتيبة " مزبلةً " يلقي عليها أوساخه، يغتصبها كل مرةٍ، ليسدّ فم غريزته المفتوح، من غير أن يعيرها أيّ اهتمام، لأنها الطرف الآخر، و " الطرف الآخر – كما يقول – لا يعنيني إلاّ كجسد. كآلة. كفجوةٍ ذات حرارة !. " ص (67)

***

إن ممارسة الجنس مع الزوج، على الرغم من كرهها له، لا تدفع الزوجة دائماً للتعويض عنها مع العشيق بالخيانة، وإنما قد تظلّ العلاقة في إطارها التقليدي المحدّد وظيفةً يؤديها جسدٌ ميت، كما في حالة " راجعة " في رواية "مأساة ديمتريو " لـ " حنا مينة " والتي كانت تصاب بالغثيان كلما اقترب منها زوجها " واصل ": " إذا كان لا بدّ بحكم الواجب الزوجي أن ينال جسدي، فهو لن ينال سوى جسد ميت. " ص (90) .

وكما أن الممارسة الرتيبة ليست دائماً بحاجة إلى التعويض، إلاّ أن عدداً من نساء الرواية، ينـزلقن في مهاوي الخيانة، ليس بدافع الجنس والحب فحسب، وإنما لنـزعات وأهواء متعدّدة، تسعى إليها الأنثى المتزوجة. فـ " ظفيرة " في رواية " من يجب الفقر " لـ " عبد العزيز هلال " تحاول أن تبدّد فقرها وهي في كنف الزوج الفقير، بين أحضان " منير بك " لا لتجعل جسدها سلعةً، وإنما لتعطيَ جسدها حقّه من النعيم المفقود، ولتنتقل إلى أجواء من الترف لم تحلم بمثلها، وحين عرفت الترف في شهوات الجسد والمعدة واللباس، أخذت تقارن بين فقر الزوج والجنس (الروتيني) المملّ معه، وبين العاشق الذي نبّهها إلى ما يختزنه جسدها من طاقات المتعة، مع السيارة الفخمة، والدار الأنيقة، والأثاث الفاخر، واللباس والطعام اللذين أظهرا لها اتساع الفجوة بينه وبين أهل حيّها الذين يحيون " حياة البهائم " ص (107)

وتفجير شظايا الجسد بالشهوة دفعها للنفور من زوجها " حمدي " الذي تؤدّي واجبها الزوجي معه كوظيفة بيولوجية رتيبة بلا روح. دفع الزوج للشك بخيانتها، إذ أنها بهذه البرودة والامتعاض لابدّ أنها ترتوي من غيره. . لذلك أكل الشك رأسه، وصار في لقائهما الجنسي " لم يعد يريد إشباع نهمه إلى جسدها، بقدر ما كان يريد اليقين. لهذا تشبّث بجسدها أكثر، فراح يمرغ وجهه على صدرها، ويتحسس بكفيه عنقها وظهرها وخاصرتيها، وكل مكان يعرف انه يثير شهوتها، متغزلاً بها بكل كلام أوحاه لـه جنونه بها، وظلّت ساكنة لا تتكلّم، فبذل محاولةً أخيرة، أراد بها أن يعرّيها تماماً. حينئذ هتفت ضجرةً:

- يا حمدي اتركني. ! إن هذا الأمر لا يتمّ بالإجبار. أليس عندك ذوق؟!. " ص (139)

إن الجسد الذي استطاب الخيانة مع البذخ، وملّ من الجنس مع الفقر. ماتت فيه المشاعر الإنسانية، وانجذب إلى الجسد للآخر، فلم يعد يكترث بالرباط المقدس، ، ولم يعد يستجيب للزوج، حتى إذا ما أكرهت " ظفيرة " على تلبية رغبته، امتعضت " وبلحظةٍ خاطفةٍ خلعت ما عليها من ثياب داخلية، وتمدّدت على ظهرها:

- تفضّل. اقض شهوتك.

نظر إليها مرتاعاً. بدت لـه بعيدةً كل البعد عن ظفيرة التي أحبها. بدت لـه امرأة أخرى، وهي ممدّدة على هذا النحو. تنظر إليه نظرة ساخرةً. بدا عريها وقحاً قذراً. مثل عري امرأة ساقطة. ص (139 – 140)

 

خامساً: اغتراب الجسد

ينعكس الاغتراب النفسي على الجسد الأنثوي، فتعاني منه الأنثى أكثر مما يعاني منه الذكر، نظراً لشفافيتها، ورهافة مشاعرها، التي لا تتواءم مع طبيعة النظام البطريركي الفوضوي، الذي لا يكفّ عن ملاحقتها بشتى صنوف القهر الإنساني، وقد التفتت الرواية إلى حالات اغترابية، متعدّدة، انتابت الشخصية الأنثوية.

ويلاحظ الباحث أن مظاهر الاغتراب الأنثوي تتجلّى في روايات المدينة، وبصورةٍ خاصة، تلك التي عرف كتّابها المجتمع الغربي، أو أتقنوا لغة أجنبية، أو تأثّروا بالرواية العالمية الجديدة.

 

 لكن الشخصية الأنثوية التي جسّدت الظاهرة، لم تتصدَ للظاهرة بصورة علمية ثقافية، وإنما واجهتها مواجهةً سلبية، بالهروب، وتغيير البيئة، فتساوت لديها الأحاسيس بالغربة والاغتراب معاً. وفي أحيان أخرى لجأت الأنثى إلى الجنس تسبح فيه، تعويضاً عن شعورها المحبط بالظلم، والقلق، والقهر. الأمر الذي انتهى بها - غالباً - نهايات مأساوية.

 

 إن النظرة الجنسية التي أولتها الأنثى لنفسها، كأسلوبٍ للخلاص من ضغوط الاغتراب، أو تلك التي تقبل أن يجعلها الرجل كاستراحة المحارب، ينظر فيها الذكر إلى الأنثى، على أنها ملاذ يرتاح معه من القلق والحزن واليأس، هذه النظرة تتلخّص في أن الأنثى تتحوّل في النظريتين الأنثوية و الذكَرية إلى بؤرة جنسيةٍ، تمتصّ اغتراب نفسها بجسدها، وهذا هيّنٌ أمام اغتراب الذكَر، الذي يتخفّف من اغترابه، بصبّ قذارته في جسدها، مما يخرج بالاغتراب عن النـزعة الإنسانية، التي عرفته بها الآداب العالمية.

 لقد أوجدت الرواية تعالقاً اغترابياً مشتركاً جمع بين الجنسين فكانت لهما حالات متشابهة، نزعا للخلاص منها بالغرق في لذاذات الجسد، لذا يمكن الوقوف عند نماذج لثلاثة اغترابات، تصبّ جميعها في جسد المرأة: اغتراب مشترك، واغتراب ذكورة، واغتراب أنوثة. (31)

 

1 – اغترابٌ مشترك:

إن تفريغ الشحنات الانفعالية من النفس، وصبّها في الجسد يكشف عن النـزعة الإنسانية الأزلية في الهروب من الألم إلى اللذة " فإذا كانت بعض الأعمال الروائية العربية، قد تكشفت أبعادها الإيروتيكية، في علاقة لذة الجسد بلذة النصّ، فإن الروائي " أحمد يوسف داود " في " فردوس الجنون " وبلغة "زهرة " يقول: " أنا وأنت وحيدان هنا. قد تقتلنا الوحشة، والاشتهاءات "

ص(291) ويبدو أن علاقة الرجل تتحد بمقاومة الخراب والجنون " هنا فقط أحسّ أنني أخلع الخراب عن روحي، وألقيه إلى الخارج، تعرف ما فائدة الجسد؟ ويأتي الجواب من المرأة ذاتها: حين تعيد اكتشافه كل يوم بلا مخاوف تستطيع روحك أن تقاوم كل ذلك الغدر الذي يفسد الهواء، بعفنه الملعون " ص (399) وتضيف المرأة: " لكنني دائماً في حربٍ مع هذا الجسد، رغم أنه الشيء الوحيد الذي أعرف أنني قادرة على امتلاكه " ص (400)

وفي تعبير المرأة عن الحاجة الدائمة للارتواء، تقول: " أنا ألعنه لأنه الشاهد الدائم على عار حريتي معه. وأحياناً أباركه كمنقذ من الخراب. لكن مشكلتي الحقيقية معه هو أنه صار لا يرتوي من هذه التفاهات القذرة. إنه دائماً يطلب المزيد. " ص (400) وحين اقتربت من " بليغ " وصارت أمامه بعريها الفاضح، قالت: " انظر. كل شرف الضعفاء ينبثق من هنا. "ص (403)

إن الوحشة التي وجد الاثنان أنهما يعيشان فيها، تجعلهما يتوحّدان أمام الحالة، باتحاد الجسدين، ولكنهما يكتشفان في النهاية تفاهةَ الجسد الذي يقودهما إلى الخراب.

إن الذكَر يطمس في الرواية الحديثة " جميع جوانب البشرية والشخصية الأصيلة " (32) في اغترابه، وقد تجلى ذلك واضحاً في الرواية السورية لدى الشخصيات المثقفة بصورة عامة، لأن معظمها شخصيات مأزومة ومعطوبة، تخدم الغرض الفني للعمل الروائي، أكثر مما تعبّر عن الواقع الاجتماعي والشخصية المثقفة الحقيقية، وتتجلّى مظاهر اغتراب الشخصية في اللهاث خلف الأنثى لأنها " وجدت المرأة / الجسد تعويضاً لها عن بؤسها وغربتها، ومحاولة للخروج من الأزمة. لقد فشل " سعد أمين " بطل رواية " الأيام التالية " لـ " نصر شمالي " في إثبات رجولته في مضمار الحرب والدفاع عن الوطن، ولم يجد مجالاً يثبت فيه رجولته سوى جسد المرأة: " أنا الإنسان البائس الأعزل الذي لا يستطيع أن يبرهن على رجولته إلاّ في هذا المضمار " ص (3) . [ واهتمام الرجل " أحمد " بجسد الأنثى " نوال " ] في رواية " قارب الزمن الثقيل " لـ "عبد النبي حجازي" [ يعدّ ] تعويضاً عن [ غربتهما عن العالم، وعجزهما ] عن تفسير ما يحدث فيه. إن جسد " نوال " هو المأوى الوحيد الذي هرع إليه " أحمد شهاب" خوفاً من العالم المترامي الأطراف.

 

إن تمسك " أحمد شهاب " و " نوال " بالعلاقة الجنسية على الرغم من أن كل منهما مرتبط بغيره، وجريهما وراء محاولات الارتواء هو تمسك بمسرات الحياة وإرادة إثبات الذات والوجود في واقع مشبع بالحرب ومثخن بالجروح النفسية " إنها آلية شبيهة بالدعوة السريالية إلى أخذ الحب الشهواني الجسدي عقيدة جديرة بالتبني والاعتناق بعدما وشمت آلة الحرب أعمق نقطة في جسد الإنسان وشماً مؤلماً، ومن ثم دعت التنظيرات السريالية التي تبني الحب الشهواني ضداً على مظاهر الحياة المعاصرة المثخنة بجراح الحروب، لما يكلفه هذا الحب من التحام جسدي، ودفء إنساني أكثر حميمية " (33)

" ووقفت الرواية السورية عند شخصية المرأة المثقفة، فصورت علاقتها بالرجل وموقفها من قضية تحرّرها، وعرضت لموقف المثقف من المرأة، فبيّنت استغلاله لها من خلال ما مارسه عليها من استلاب اقتصادي تحدّد بتجنيسٍ لجهدها، وغرس عدم الثقة بنفسها وإمكاناتها في موقف " أحمد " من المرأة – نوال - واستلاب جنسي، تحدّد باختزال المرأة إلى حدود جسدها، واختـزال هذا الجسد إلى بعده الجنسي مما أدّى إلى تضخيم البعد الجنسي للمرأة بشكل مفرط على حساب بقية أبعاد حياتها...

 إن المثقف قد مارس استلاباً اقتصادياً وجنسياً على المرأة، واختـزلها إلى جسد يفيض لذةً ومتعةً، وغرس في نفسها عدم الثقة، واعتقد بأن إمكاناتها لا ترقى إلى مستوى إمكانات الرجل وقدراته ". (34)

هنا تنبثق لغةٌ خاصة للاغتراب الإنساني، تتجسّد في خوف الشخصية المثقفة من هذا الاستلاب نتيجة الظروف الحادّة التي أحاقت بها، فاحتدم الصراع النفسي بين الواقع والمتخيّل، بين ما هو كائن، والحلم بما يمكن أن يكون.

 

إن الإطار الزمني للحدث ولقاء الذكورة المحبطة، مع الأنوثة المهجورة عاطفياً، يحيل على واقع اغترابي قوامه القلق من المصير الإنساني الذي تهدّد به الذكورة استقرار المرأة، كما تهدّد الحرب حياة الإنسان/ الرجل، مما يدفع هاتين الشخصيتين إلى التمسك بالحياة، والدفاع عن النفس بالحب أو الجنس، حيث النـزوع نحو الرغبة في الاستمرار والبقاء البيولوجي والثقافي، فينشأ بذلك الصراع الدرامي، الظاهر أو الرمزي، المؤسس للحبكة الروائية، فيما بين إرادة الموت التي تفرضها سلطة عليا حاضرة في الذهن، غائبة في الرواية، وبين إرادة الحياة التي تتمسّك بها الشخوص الروائية على الرغم من التناقض الحاصل بين أهدافها وغاياتها في هذه الحياة أو منها.

"فإذا كانت مؤسسة التسلط العليا هي مصدر الأوجاع والموت وضامنهما المادي والرمزي بالحروب، فإن حماسة الشخصيات المتزايدة في الحب والتمسك بمسراته في الوقت ذاته، أو ما ينتج عنها فيما بعد، هي ضامن الدفاع ضد الموت، ودافع التحدي ضد الفقد والتلاشي "

إن آلية الأحداث الصاعقة التي تعصف بالمنطقة تدعو الشخصية إلى مناهضتها بدافع إرادة الحياة والحب (الجسدي) " فآلية الرغبة الجنسية المرسومة باندفاع شديد هي آلية مضادة ومناوئة للأحداث القاتلة. "

***

منذ بدء الوجود، ظلت المرأةُ المنطقةَ الأكثر غموضاً في الأدب والفن، لقد انصبّت مشاغل المبدعين عبر كل العصور على محاولة الإحاطة بجسدها، تلك الأرض الحلمية الذاخرة بالشهوات، لكأن المرأة هي المأثرة الوحيدة المتبقية من أثر الوجود الفائض بالحروب والفضائح، أو لكأنها الأم الكونية التي تحدب علينا، وتبث فينا العزيمة والشجاعة بغية مواصلة الحياة.

 

لكن الاحتفاء بالحياة والتمسك بشهواتها في زمن الحرب يعبّر عن مستوى من التفكير والسلوك الجسدي المادي والرمزي الثقافي، الذي يتمثّل في تعالي الشخصية على مواصفات المؤسسة الاجتماعية الشرعية، وعدم الأخذ في اعتبارها سوى الاندفاع الكلي نحو الارتواء الجسدي، خصوصاً حين يتنامى في داخلها الإحساس بالخوف من الموت والضياع وفقدان القيمة الذاتية (الاعتبارية)... فيغدو الفعل الجنسي آليةً دفاعية غايتها الممانعة ورفض الخوف والضياع، أو هو محاولة للتمسك بقشة النجاة.

لقد عانت شخصيات رواية " قفار رمادية " لـ " سليمان كامل " من حالات اغترابية جسّدتها الغربة الموحشة عن الأهل، والوطن، وغذاها الكبت الجنسي في المجتمع المغلق، فلم تجد منفذاً تنقذ نفسها من اختناقاته، للتنفيس عن رغباتها المكبوتة سوى الجسد الأنثوي " أحد البدائل الموضوعية الفاعلة ضدّ وحش الغربة واليأس...

.. [لقد صار ] الاحتفاء بجسد الأنثى، وإعطاؤه أولوية جدّ مهمة في بنية الفضاء الروائي. إذ يحضر هذا الجسد في الحزن والخمرة والأحلام والهذيانات والتخيّلي، وعلى حافة الموت، فقلما يخلو فضاء من فضاءات الرواية من هذا الجسد، سواءٌ أحضر بشكل رمزي، أم بشكل رمادي، وحسيّ شهواني. إذ تتأثر فضاءات رواية قفار رمادية على اعتبار أن المرأة معادل موضوعي ليأس الرجال، وخيباتهم، فيندفعون مسعورين لاحتواء جسدها. فالرجال في القفار والصحارى التي انفتحت عليها أحداث الرواية، يتعرّضون لحرمان، وضغط جنسي شديدين، عندها تندفع شهوانية الجسد ضاجة خلال الفضاء الروائي، وذلك عبر تأملاتٍ، وخيالاتٍ جامحة لإقامة طقوس الجنس الاحتفالية " (35)

لقد ألحت الرواية على تبديد الاغترابات النفسية بالسباحة الجنسية في بحور الجسد، وعزفت على أوتاره اللقاءات الجنسية بين " ديالي " و " الشرطي " في ظل غياب الزوج الملاحق سياسياً، فتحوّلت المرأة من سيدة فاضلة إلى بغي محترقة بالشهوة، محترفة بالجسد، لا تجد ضيراً في العودة عند الملل من "الشرطي " إلى الارتماء في أحضان العشيق " قدامة " حبيبها الأول، الذي عرف نكهات عشرات الأجساد الأنثوية قبلها، لكنه ظل يعترف بأنه لم يذق مثل نكهة جسدها " لم أفهم حتى الآن. لماذا أنا غريب بنكهة مشاعري وسلوكي ؟! افترست عشرات الأجساد، وتلظيت بوهج البرازخ الدافئة، ورنوات العيون المغمضة، واكتويت بتشنجات الجنس، ولم يمت مني هذا النـزوع البكر إليها." ص (50) إلى " ديالى " الجسد، وليس الروح.

 

إن الجسد في الرواية " معادل موضوعي للغربة واليأس والأخلاق المدنية الزمنية الطاحنة، بأعرافها وقيمها وسلطانها. " (36) وقد نجح في استقطاب الشخصيات، أضعاف ما نجحت الخمرة والدخان والفعل الثوري. إذ أنساها في لحظات الممارسة قلقها وحزنها...

"إن المرأة كرمزٍ للجنس، هي أول وسائل قهر الاغتراب، حيث نرى الأبطال الذين ملّوا الحياة والأحياء، يريدون أن ينأوا بأنفسهم عن هذا الكون، وشروره، فيتجهون إلى المرأة، مغرقين همومهم في صدرها، كما يغرق المحزون آلامه في الخمر...

بعد أن يُمنى البطل بالإحباط، على صعيد الواقع، نراه يلتمس عزاءه في الجنس والمرأة، وبذلك تصبح المرأة، وسيلةً إلى اكتشاف ذاته الحقيقية".(37)

 

 2 – اغتراب أنثوي:

إن القراءة الأولية لبعض الأعمال الروائية، تبدو فيها الشخصية الأنثوية للوهلة الأولي اغترابية بصورة حادّة، ولكي تبعد عنها حدّة هذا الشعور، تجد نفسها بوعي أو بغير وعي متمردة على شروطها الفيزيولوجية والاجتماعية، هاربة من واقعها، ومحملة بوطأة الاقصاء والتهميش، غارقة في الجنس، فروايات " حنا مينة "على سبيل المثال كلها من دون استثناء تجعل من الجنس وما يدور حولـه موضوعاً رئيسياً فيها، وبذلك تقترب من الرؤية الفرويدية التي تستأثر بقضايا الجنس وتجلياته، لثبات موقفه وانسجامه معه، وبسبب التعامل مع هذا التابو بصدق مطلق يكاد يكسر الحدود الفاصلة بين ما تستطيع " الأنا " أن تظهره، وما يفترض أن يظل دفيناً في أعماق " الهو " السحيقة المعتمة. شأنه وأمثاله في ذلك شأن الروائي " غالب هلسا " الذي جعل عالم الجنس في رواياته هوساً شبقياً جميلاً، أو ولعاً بتلك المرأة - الأنيما، كما يعنيها " يونج " الأنثى المثال والأنموذج، ويبرع " هاني الراهب " بلمح نافذ الذكاء، عميق اللحظ في تقصّيه ليس للتقنيات الشبقية فحسب، بل لما وراءها من دلالات سيكولوجية وسوسيولوجية معاً. وتطبيقاً على هذا يري " فارس زرزور " أن لحم المحارم، المعيب القاتل للشهوة، هو مرغوب على نحو ما، وأن هذه الرغبة ليست مجرد نزوع أيروتيكي - فيما هو ذلك بلا شك - ولكن فيها أيضاً وأساساً أكثر من مجرد تماس فيزيولوچي جسداني بحت، يتحدى فيها أبطال الروايات الرعب السياسي والاغتراب الاجتماعي والنفسي، بمواجهته ومجالدته لا بالنشوة الحسية فحسب، بل ربما بما هو صرخة الفناء النازع نحو نفي الفناء.

و" إذا كان اغتراب الرجل في الرواية يطمس الجوانب البشرية، والشخصية الأصيلة، فإن اغتراب المرأة يكون مضاعفاً بسبب طبيعة الضغوطات المختلفة التي تتعرّض لها. لا لشيءٍ إلاّ لكونها أنثى، وبذلك ينفصل العالم الداخلي عن العالم الخارجي الذي تكمن فيه كل مساوئ البشرية. إن العالم الخارجي عالم مخيف. فيه الآخر المتمثل في الرجل الذي يحاول عبر ذرائع مختلفة، إبقاء المرأة ضمن هيكلٍ خاصّ، أُعدّ لها بعناية، وتحت هذه الذرائع. يأخذ الاستلاب شكلاً صريحاً من خلال مروره بقنوات التقاليد والأعراف. هذه التقاليد والأعراف تفرض قتل المرأة إذاً بتلبية نداء جسدها، أو روحها. وبذلك يؤكد الرجل ملكيته لها لأن القاتل سواء أكان فرداً أو جماعةً، يمتلك الضحية بصورةٍ نهائية من خلال فعل القتل " (38)

في رواية " قفار رمادية " – كما رأينا - تتعاون الغربة مع الاغتراب على شخصية " ديالى " في مغتربها الجغرافي، وتزداد وحشتها بسبب غياب زوجها الملاحق أمنياً، حتى إنها تحس بالاختناق، فيجعل لها الكاتب متنفّساً قدَرياً، إذ يأتي بحبيبها الأول ويجعله يقيم بجانبها، لا يفصلها عنه في مغتربها الصحراوي سوى جدارٍ خشبي، لذلك ينبثق الحلّ وتنفرج الأزمة، وسرعان ما تعمد إلى إسكات نداءات الجسد التي تضجّ في أعماقها. فتلبي رغباتها، وليس من شيءٍ أحبّ إلى النفس من العودة إلى الحبيب الأول، وهاهو بقربها. فلا بدّ من الارتماء بين أحضانه. .

إن " قدامة " الذي أحبّ " ديالي " وأمل معها بالزواج، وتأسيس بيت سعيد. وجد – في الماضي - من يفرّق بينهما، فينطوي كل منهما على نفسه، وهاهي الأيام تذخر بكل رائع وممتع.

 

لقد تحوّل الاثنان إلى عاشقين من الطراز الأول، يبدّدان اغترابهما بمتعة الجسد، فتتعرّى " ديالي " وتذيق حبّها الأول ما انتظره سنين طويلة، وقد توهمت أن الجنس يخدّرها، وينأى بها عن عذابات الاغتراب، لكنها ما لبثت أن أفاقت – بعد لأيّ - على الواقع غير الرومانسي، لتغدو أنموذجاً أنثوياً قلقاً ضائعاً، منحدراً إلى الحضيض، حين تأكّدت أن الجنس يخرجها عن الشرط الاجتماعي السائد، وتستبدل فيه السقوط بالعفة والشرف، وهذا لم يكن إلاّ من قبيل معالجة الواقع المرّ، بما هو أدهى وأمرّ.

لقد توهمت " ديالي " - تيمّناً بالمرأة الأوربية - أن تمرّدها على معايير مجتمعها، للخلاص من تشتتها، وقهرها. هو الذي يمكّنها – عبر منفذ الجسد الواقعي - باختلاق عوالم جنسية رومانسية، مع " الشرطي " رمز السلطة القاهرة، و " قدامة " رمز الأمل، ولكن الحقيقة التي عاشتها، لم تحقق لها الحرية، ولم تخرجها من اغترابها إلاّ بمقدار ما تحقّق لجسدها من مجال حيوي في حضن الذكر.

 

إن العالم الذي لفّ حياة " ديالي " كان عالماً اغترابياً راسخاً. لذلك عندما سكنت مع زوجها في المبنى الذي يقيم فيه " قدامة " كانت تعمل على إرسال رسائل ليلية إليه كلما ضاجعت زوجها، تبعثها إليه عبر ثقبٍ في الجدار الخشبي (اللعين) الذي يفصل بينهما، متعمّدةً الصخب والضجيج الزائد، وقد كان الحبيب يتابع "... نداء الغريزة، ودغدغات الجنس، تتصاعد آهاتها إلى مسمعه. . النداء الوحشي يتسرّب إلى كيانه، فينفجر في الصورة المقبورة. " ص (35) وما كانت تدري أنها بصخبها الجنسي كانت تشرع بقتل جسدها، بعدما قتلت منه الروح.

 

وقتلُ الجسد والروح اغتراباً بالجنس، هو ما أقامت به " غادة السمان " الحدَّ، على بطلة روايتها " بيروت 75 " حين تعمدّت – الكاتبة – تجسيد الاغتراب، وتضخيم الإحساس به، بصورة جريئة، لافتة للنظر " وهي بذلك تقترب من الكتاب الوجوديين، من أمثال " سارتر " و " كامو " (39) فقد سعت " ياسمينه " الأنثى الاغترابية، التي سقطت في متاهة الجنس، إلى صنع نعشها بيديها، فانتهت نهاية مأساوية، مذبوحةً بمدية أخيها.

 

وساعد على الشعور بالاغتراب ما آلت إليه حركة النهوض القومي من إحباط، وبروز الأجهزة الأمنية، بعد اتسام السلوك العام لجيل الخمسينيات والستينيات بالتمرد والثورة، ومن وقدة هذا الشعور انطلق الكتاب يعبّرون عن رؤيتهم وفكرهم التقدّمي، فالتقى سلوكهم (الحياتي والجنسي) مع المعطى اليومي للشارع المعبأ بالنـزوع الثوري، لذلك تشكّل في السرد الروائي خليطاً من التحرر الوطني، والمحرّم الديني والاجتماعي، في نصوص جديدة تتصف بالعمق والشمول وحرارة التعبير وقوة الإيحاء.

إن إنسان الثلث الأخير من القرن العشرين الذي لم يعد يثق بالموضوعية، والثورية التي كانت سبباً في تعاسته، تحوّل إلى إنسان اغترابي آخر، لا يؤمن إلاّ بلغة المتعة، واستنفاد كل طاقاته ليصل إلى أقصى ممكناته اللذّية، على حدّ تعبير " جورج باتاي ".

 

وكما وقعت الشخصيات المثقفة المأزومة المعطوبة في متاهة القلق والغرق الجنسي، في الرواية السابقة وسواها، وقعت " نادية " في رواية "الوطن في العينين " لـ " حميدة نعنع " نتيجة خيباتها المتلاحقة في ضياع وطنها الفلسطيني، وضياع الزوج بالطلاق، وضياع الكفاح الفدائي المسلح بالتناحر والأيديولوجيا، فهل من مخرجٍ ينتشلها من وهدتها واغترابها غير الجنس ؟. ولكن " ولما كانت الموسيقا والجنس، وعيون النساء، ورائحة الياسمين، وفظاظات الحلم غير ذات نفعٍ للعمل الثوري، فأنت مغتربة، وستبقين مغتربة. " ص (58) .

 

ولابدّ من العودة إلى الحالة الطبيعية " لكن الطبيعية في جوّ غير طبيعي تجعلنا نبدو مضحكين بطبيعتنا. . " ص (147) ومع ذلك فهناك " فرانك " لتعد إليه، ولكن هل العودة لممارسة الجنس مع رجل كهل بعمر والدها، هي عودة روح، أو ممارسة حرية ؟ وهل تجدي نفعاً ممارسة الحرية على الطريقة الباريسية ؟ أم أن ذلك كله كان وهماً تعلقت به، وتعبيراً عن موت الروح، قبل موت الجسد ؟! وليس الكهل الذي يمارس الجنس مع أنثى بعمر ابنته، سوى تعبير عن إرواء غليل عقدة (إليكترا) في جوانح الأنثى ؟!.

ومثل " ناديا " تتألّق " فلة أبو عناب" في رواية " وليمة لأعشاب البحر "

لـ "حيدر حيدر " الفتاة الثورية الجزائرية، رفيقة " جميلة بو عزة " في النضال، حملت السلاح وقاتلت الاستعمار الفرنسي فكانت تزرع القنابل في فنادق الضباط الفرنسيين. لكن الثورة حولتها بعد انسحاب الاستعمار الفرنسي إلى سلّة مهملات جنسية، أو حسب تعبير " ألبرتو مورافيا " غدت " دورة مياه تقذف فيها شهوات الرجال الشبقة " غدت حطام امرأة خائبة تلوذ بجسد مسعور بنار الشهوة والشبق الجنسي، كرد فعل على موتها الروحي، وكمعادل موضوعي عن إقصائها من مكانتها التي يجب أن تكون فيها بعد الاستقلال !. وانجرفت معها أيضاً صديقتها " آسيا " إلى المتعة، وهي ابنة المناضل " سي الأخضر العربي" الذي سجل صفحات بطولية في الدفاع عن الجزائر، والذي قُتل وهو يهرّب الأسلحة إلى الثوار في الجبل. ورثت عن والدها روح التمرد والشجاعة وبقيت تحلم بعودته !. فكانت المرأة الجديدة المليئة بالحياة والجمال، تعشق البحر والرقص والشواطىء البعيدة والسفر، تتعلم اللغة العربية وتدخل الجامعة، وحين " تتوثّق العلاقة أكثر بين " آسيا " و" مهدي " ولا يجدان لهما ملاذاً إلاّ البحر، ينسيان عنده اغترابهما، حيث توحي الأشياء بفطرتها وبدائيتها. واتساع البحر يضم الروح المتشظية، وفي خرابها الممتد منذ ألف عام، وهي الحالمة بأن الأب سيعود يوماً حاملاً الشوكولا والحليب، إذ كانت ترى فيه الأب المفقود، والحلم المفقود: " هاربان إلى البحر، من شوارع الخراب والدم والمحرمات، إلى الطبيعة الأم بعيداً عن رائحة العفونة والعبارات المهترئة منذ سالف الأزمان. " (الرواية)

و" زارة " في رواية " ثائر محترف " لـ "