أصدقاء القصة السورية

الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | معلومات النشر | كلمة العدد | قالوا عن الموقع | سجل الزوار

 

SyrianStory-القصة السورية

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

للاتصال بنا

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

youtube القصة السورية في

facebook القصة السورية في

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 31/01/2009

دراسات أدبية للكاتب: د. سمر روحي الفيصل

الرواية العربية البناء والرُّؤيا

 إلى صفحة الكاتب

لقراءة الدراسات

 

 

الدراسات

خطاب الحكاية وافتتاحية الرواية

المقاربات النقدية

البناء الروائي

المقدمة 

 منظور الرواي والروائي

بناء الفضاء الروائي

بناء السرد الروائي

علاقات الشخصية الروائية

مفهوم الرؤيا الروائية الشخصية واساليب البناء الشخصية والرحلة الروائية الشخصية والراوي

المقاربة النقدية

الرومنتية السوداء

الرؤيا السوداء

الخاتمة

 

الرواية العربية البناء والرُّؤيا

 

مقدّمة

 

 

ليست (التقليديّة) في عالم الرّواية العربيّة سُبَّةً ؛ لأن هذه الرواية لم تغادر التقليديّة طوال حياتها العربيّة إلا قليلاً. بل إننا لا نملك غير عدد قليل جدّاً من الرّوايات العربيّة التي يصحُّ وصفها بالحديثة. وهذا النوع الروائيّ الحديث قتل الحكاية والحبكة، ودفع الشّخصيّات إلى الغموض، وجعل الحوادث غير سببيّة ولا منطقيّة. ليست لدينا رواية حديثة تقول إن الحياة لا معنى لها ؛ لأننا ما زلنا مؤمنين بأن لحياتنا معنى عميقاً جميلاً، نستحقُّ العيش فيه، ونجاهد لنجعله مفيداً لنا وللآخرين من حولنا، ونسعى إلى أن تُعبِّر الرواية عن هذا التوق فلا نعثر على غير النوع التقليديّ الذي يُقدِّم لنا عالماً محدَّداً، فيه حكاية ذات حوادث واضحة، وشخصيات تعرف لنفسها هدفاً اجتماعياً وسياسياً ونفسياً وتسعى إلى تحقيقه، وحبكة تأريخيّة أو مختلطة، ولكنّها حبكة تجعل الحوادث مترابطة سببيّة تنتهي إلى خواتيم ذات معنى ومغزى. وقد أصبحت الرّواية العربيّة التقليديّة، نتيجة ذلك، ذات وظيفة اجتماعيّة سياسية في الحياة العربية، ولذلك تشبَّث الروائيون العرب بها، وما زالوا متشبِّثين بها ؛ لأنهم رأوها مفيدةً لمجتمعهم وأمّتهم، وقادرة على أن تُعبِّر عن مشكلاتهم تعبيراً فنيّاً راقياً، فضلاً عن إقيال القرّاء العرب على قراءتها لإيمانهم بوظيفتها وقدرتها على الإقناع والإمتاع والتّأثير.

   

ولقد مضى حينٌ من الدّهر اختلط فيه الفنيّ بالسياسيّ، وأصبح الجنوح إلى حكم القيمة المعياريّ دليلاً على تفوُّق الناقد وحسن نيّته وانتمائه. ولكنّ تحليل البناء الروائيّ الذي شرعتْ صورته تتضح في بدايات تسعينيّات القرن العشرين، دلَّ على أن البناء الذي استعمله الأضداد من القرّاء والروائيين والنقّاد نوع واحد ليس غير هو النوع التقليديّ، وأن هؤلاء جميعاً، أصدقاء وأعداء إنْ صحَّ التعبير، كانوا يستعملون البنية التّقليديّة للدِّفاع عن آرائهم والدّعاوة لها، ومن ثَمَّ بقي الاختلاف بينهم مقصوراً على الأفكار ولم يجاوزها إلى تحديث البناء الرّوائيّ، وإنتاج الرّواية الحديثة. 

 

وأزعم هنا أنني حاولتُ غيرَ مرّةٍ توضيح الاتجاه التقليديّ انطلاقاً من تحليل البناء الروائيّ ؛ لأنّني لاحظتُ سيادة هذا البناء في الإنتاج الرّوائيّ العربيّ، حتى أصبح تحليل بناء الرواية التّقليديّة هاجساً من هواجسي، وحافزاً إلى التجريب عندي. وقد لجأتُ فيه إلى المنهج الشّكليّ، وجرَّبتُ صلاحيته لتحليل المتن الروائيّ العربيّ السوريّ في كتابي (بناء الرّواية العربيّة السّوريّة)، وهأنذا أجرِّبه ثانية معتمداً مفهوم التحليل الجزئيّ بدلاً من مفهوم المتن، فحدَّدتُ مرادي من (الروايـة التقليدية العربيّة) و (المقاربة النقدية) لها، وأساليب (بناء العناصر الفنية)، وعلاقة هذه العناصر (بالرؤيا الروائيّة السوداء). وقد سمّيتُ كتابي (الرّواية العربيّة، البناء والرّؤيا) ؛ لأنّني قصرتُ الكتاب على فصلين، جعلتُ الأول منهما خاصاً بتحليل البناء الروائيّ، وانصرفتُ في الثاني إلى الرؤيا الروائيّـة السوداء وحدها. وعلى الرغم من أنني حلّلتُ بعض جوانب الرؤيا الرومنتيّة السوداء تحليلاً جزئيّاً، فإن هذا التحليل لم يشغلني في الفصل الثّاني عن هدفي الأساسيّ، وهو تحليل البناء الروائي، بما فيه من خطاب وشخصية ومنظور وفضاء.

ومن المفيد القول إنني تجنَّبتُ أحكام القيمة، سواء أكانت سلبيّة أم إيجابيّة ؛ لأنني أرى هذه الأحكام بعيدة عن لغة الناقد واهتمامه، فضلاً عن أن التحليل، في هذا الكتاب، لم يكن شاملاً النصوص الروائية العربية حتى يصحَّ إطلاق حكم قيمة على الرواية العربية كلّها. وإذا لم يكن تعميم أحكام القيمة ممكناً، فلا أقلَّ من آراء خاصة في العناصر الفنيّـة الروائيّـة وعلاقاتها داخل المجتمع الروائي، ختمتُ بها التحليل مرّة بعد أخرى، وجعلتها نتيجة خاصة تُعبِّر عن جهدي، ولم أجعلها نتيجة مطلقة حفاظاً على آراء الذين سيُحلِّلون النصوص نفسها استناداً إلى جهدهم التحليليّ.

د. سمر روحي الفيصل العين / أيار (مايو) 2002

 

 

 

الفصل الأوّل البناء الرُّوائيّ

 

 

مفهوم البناء الروائي

 

 

أعتقد أن البناء الفني للرواية العربية تقليديّ محدَّث ؛ أي أن طابعه العامّ هو طابع الرّواية التّقليديّة التي أفادت من الوسائل الفنّيّة الجديدة ووظَّفتها لخدمتها. ويُخيَّل إليَّ، وأنا ألاحظ سيادة البناء التقليديّ المحدَّث، أن الرواية العربية لم تعرف النّموذج التقليديّ الصّرف الذي عرفته الآداب الأجنبيّة، تبعاً لنشأتها المتأخِّرة ولأن الترجمة لم تكن منظَّمة بحيث تُعرِّف المتلقّي العربيّ بتاريخ الرواية الأجنبيّة. بيد أن هناك عاملين آخرين أسهما إسهاماً واضحاً في سيادة البناء التقليديّ المحدَّث، هما التّناصّ والشُّعور الثّقافيّ الجمعيّ. 

 

1 / المعروف أنّ التّناصّ مصطلح دالّ على أنّ نسيج أيّ نصّ جديد اختزن نصوصاً كثيرة تأثُّر صاحب هذا النّصّ تأثُّراً غير مباشر بها، بوساطة القراءة، وكأنّ النّصّ الجديد غير بِكْر ؛ لأنّه مزيج من نصوص عدّة. وإنّني أقصد بالتّناصّ هنا علاقـة النّصّ الرّوائيّ العربيّ اللاحق بالنصّ الروائي العربيّ السّابق. ولهذا التناص سلسلة تبدأ أولى حلقاتها في القرن التاسع عشر، دون أن يضمّ القرن العشرون ما يدلُّ على انقطاعها. فقد حاكى الروائيون العرب، أوّل الأمر، روايات معرَّبة وملخَّصة ذات بناء فنيّ تقليديّ. غير أن محاكاتهم لم تكن دقيقـة لأسباب كثيرة، أولها أنهم لم يحـاكوا الأصل، بل حاكوا الفرع المعرَّب والملخَّص، وثانيها أنهم لم يتقيَّدوا بمنطق السّرد الروائي الغربيّ ؛ لأنهم لم يكونوا بمنجاة من السرد العربيّ الحكائيّ الذي نشؤوا في أحضانه ورُبِّيتْ أذواقهم الأدبيّة عليه. وهذا يعني أن البناء الفني للرواية التقليدية لم يدخل الأدب العربيّ كما قدَّمته الرواية الأجنبيّة، بل دخل هذا الأدب وقد حمل بعضاً من التعديلات(1)، أو قُلْ إن البناء الفنّيّ دخل الأدب العربي وهو يحمل بعض البصمات العربيّة(2)، ورسخ فيه على هذا النحو، بحيث أصبح اللاحق من الروائيين ينسج على منوال سابقه وهو يشعر بأنه يواجه جنساً أدبيّاً لا تُقيّده القواعد الصّارمة.

 

هل يُعلِّل هذا الأمر محافظة الروايات العربية التي صدرت حتى خمسينيات القرن العشرين على البناء الفنيّ التقليديّ المحدَّث تحديثاً طفيفاً ؟. لعلّه يُعلِّل ذلك، وخصوصاً إذا أضفنا إليه ما نعرفه من أن الروائيين العرب لم ينصرفوا إلى الرواية وحدها ؛ لأنها لم تكن سيّدة الأجناس الأدبيـة آنذاك، كما أنها لم تكن تملك القدرة والرصيد  اللذين يساعدانها على منافسة القصة القصيرة.

 

يصدق ذلك على محمد حسين هيكل وعباس محمود العقَّـاد وإبراهيم عبد القادر المازني وطه حسين وتوفيق الحكيم ومحمود تيمور.

ولكنه، في الوقت نفسه، لا يصـدق على نجيب محفوظ الذي قرأ في بداياته الروايات  (البوليسيّة) المترجمة بتصرف(3) كما فعل سابقه محمود تيمور(4)، كما قرأ المنفلوطي قبل أن يقرأ ما كتبه طه حسين والعقّاد والمازني وهيكل والحكيم(5). ولم يلتفت محفوظ قبل عام 1936 إلى قراءة الروايات الجديدة لكافكا وبروست وجويس(6) باللغة الانكليزيّـة غالباً وبالفرنسيّـة قليلاً(7). ولهذا كله، فضلاً عن موهبته واستعداده الشخصيّ، ضمَّ البناء الفني التقليديّ في رواياته قدراً من التحديث لم يُحقِّقه سابقوه. فرواياته (من الثلاثيّة، وهي قالب جديد لم يعرفه البناء الفنيّ للرواية التقليديّة لدى سابقيه(8)، إلى ميرامار، وهي تضمُّ بناءً فنياً ذا تقنية حديثة لم تعرفها الرواية التقليدية هي تقنية الأصوات وتعدُّد الرواة) تكاد تشمل التنويعات الفنيّة التي ما زالت سائدة في البناء الفني للرواية العربية التقليدية المحدَّثة. ولكنْ، هل يعني ذلك أن الروائيين الذين برزوا بعد نجيب محفوظ خرجوا بطريقة أو بأخرى من معطفه بوساطة التناص ؟. وما مدى تأثُّر هؤلاء الروائيين بنجيب محفوظ ومحاكاتهم نصوصه الروائية(9) ؟. ألم ينتج بعض الروائيين العرب، كعبد الكريم ناصيف وخيري الذهبي ونبيل سليمان وخيري شلبي وأحمد إبراهيم الفقيـه وإبراهيم الكوني وعبد الرحمن منيف، ثلاثيات ورباعيات وخماسيات وسداسيات تعالج جوانب في مجتمعات بلدانهم تداني ما عالجه نجيب محفوظ في ثلاثيته مما يخص المجتمع في مصر ؟.  ألم ينجح روائيون عرب آخرون في توظيف تقنية تعدُّد الأصوات بعد نجاح ميرامار في هذه التقنية ؟.

 

إن التناص الروائي العربي يحتاج إلى باحثين ذوي معرفة وموهبة وقدرة على تحليل العلاقة بين النصوص العربية الروائيّة السابقة واللاحقة. ومسوّغ هذا الاقتراح هو اعتقادي بأن التناص عامل من عوامل استمرار الروائيين العرب في إنتاج نصوص روائية ذات بناء فني تقليديّ محدَّث، وفي إبقاء هذا البناء التقليديّ حياً متألِّقاً في أحايين كثيرة، وفي تشجيع الروائيين الجدد على التقيُّد بنهجه والإبداع في حدوده، تبعاً لتوافر الوضوح والتماسك فيه، وهما عاملان يستجيبان للذائقة العربية الراغبة في الفهم والتواصل مع المقروء، فضلاً عن الإيمان بوظيفة الرواية في المجتمع. وهذا الشعور الثقافيّ الجمعي ليس هيِّناً ؛ لأنه أعاق انتشار الرواية الجديدة، وقصر الإفادة منها على تقنيات عزّزت البناء التقليديّ وقوّت جذوره، وساعدته على أن يستمر في الحياة زمناً لا يعلم مداه أحد.

 

2 / بيد أن البناء الروائيّ العربيّ التقليديّ لا يتضح إذا لم أُشر، ولو إشارة موجزة، إلى المفهوم الغربي للروايـة التقليدية كما قنّنه النقاد ابتداءً من فورستر في كتابه (أركان الرواية) الصادر عام 1927. ذلك أن المفهوم الغربيّ للرواية التقليدية ينبع من منح الروائيّ صفة (الخالق) وحقوقه وامتيازاته، فيسمح له بانتقاء الحوادث التي يؤمن بقدرتها على تمثيل (الواقع) والتعبير عنه. كما يسمح له بخلق الشخصيات التي تتفاعل مع هذه الحوادث وتقود حركتها إلى الخاتمة حيث الدلالة النهائيّة المعبِّرة عن رؤيا محدَّدة أو مغزى معيَّن. وتشترط الرواية التقليديـة على هذا الخالق الاتصاف (بالموضوعيّة) و (الصدق) في (التعبير) عن (الواقع). والموضوعية في عرفها لا تعني (الحياد) أو منع الروائي من طرح رأيه الخاصّ، بل تعني (الصدق) في التعبير، وإشراف الروائي من علٍ على ساحة الرواية دون تدخُّل مباشر يجعل المتلقي يرى الروائي أو يشعر بوجوده. ومن ثَمَّ يبقى الروائي والمتلقّي معاً في موقع الملاحظ والمحلِّل والحَكَم(10).

 

هذا يعني أن الرواية التقليدية تحتاج إلى بناء روائي (متماسك) أو (شكل عضويّ) تلتحم فيه الأجزاء الفنيّة بغية إبراز المضمون على نحو يُمتِّع المتلقّي ويقنعه بما يقرأ ويؤثِّر في سلوكه ويُوسِّع رؤيته للواقع الذي يعيش فيه. وللروائي التقليدي، قبل ذلك وبعده، حرّيّة اختيار الوسائل التي تجعل عالمه الروائي جميلاً مقنعاً متماسكاً. فقد يختار بناء شخصياته من الخارج أو من الداخل، يتحدَّث عنها أو يتركها تتحدَّث عن نفسها. يلجأ إلى التسلسل التاريخيّ للزمـن أو يتلاعب به قليلاً(11). يسرد حوادث الرواية ضمن حبكة تعتمد التسلسل التاريخي أو يسردها ضمن حبكة تعتمد التقديم والتأخير والإزاحة. يختار الروائي التقليدي ما يشاء من الوسائل الفنية، ولكنّـه يجد نفسه دائماً في مواجهة مقياس يتيم هو (الفن) ؛ أي أنه مطالب بتقديم عمل فني. وكلُّ اختيار غير صحيح، أو استخدام منحرف للوسيلة، يؤثِّر في إبعاد العمل الروائي عن الفن. وإذا كان تحديد لفظة (الفن) صعباً لارتباطها بالإبداع، فإن نقّاد الرواية الذين حلّلوا الروايات المتَّفق على جودتها الفنية خرجوا بمقاييس يصحُّ اعتمادها معياراً للاستخدام السليم للوسيلة الفنية، على الرغم من أن الاستخدام السليم الدقيق للوسائل الفنية كلها غير قادر على أن يصنع وحده رواية فنية إذا لم يكن الروائي موهوباً ؛ لأن الإبداع يرتفع فوق المقاييس معلناً تمرُّده عليها، مشيراً إلى خصوصيّة المبدع وتفرّده.

 

ثم إن الرواية التقليديّة تعتمد اعتماداً رئيساً على السرد في نقل الحوادث الروائية إلى المتلقي. وعلى الرغم من أن الحوار يسهم أيضاً في نقل الحوادث إلى المتلقي، فإن الرواية التقليدية تحتفظ للسرد بمكانة خاصة لا ترقى إليها وسيلـة فنيّة أخرى، حتى إنه يصحُّ وصف الرواية التقليدية بأنها (فنّ سرد الحوادث). ولعلَّ إيثار السرد عائد إلى أن الروائي التقليديّ نفسه يقف من روايته موقف الخالق الراغب في الإشراف على خلقه، فضلاً عن الضرورات الفنيّة، كتلخيص الحوادث وتقديم الأخبار والوصف … وهذه الصفة السرديّة لا تعني(12) في الحالات كلّها أيَّ حكم معياريّ بالصـواب والخطأ، بالمدح أو الذَّم، بل تعني ضرورة (السّرد) للرواية التقليدية ليس غير.

 

ومن البديهيّ أن تكون الحوادث أهمَّ مكوِّنات السرد ؛ لأن الرواية التقليديـة تنقل إلى المتلقي  (حكاية) ما، بل إنه ليس هناك روايـة تقليديـة دون حكاية واضحة محدَّدة تُعبِّر عن الواقع تعبيراً رمزياً. واستناداً إلى أن الحكاية تتألَّف من حوادث عدّة يجب نقلها إلى المتلقي، فإن السرد مطالَب بمهمّة إيصال الحوادث إلى هذا المتلقي. وناقد الرواية التقليدية يهتمّ في العادة بمنظور الروائيّ أو بالزاوية التي نظر منها الروائيّ إلى حوادث حكايته، لمعرفـة كيفيّة سرد الحوادث على القارىء المتلقي. والمعروف أن الرواية التقليدية لا تُقيِّد الروائي بطريقة محدَّدة يعرض الحوادث بوساطتها، ولكنّها تُفضِّل طريقة السرد التأريخيّ ؛ لأن هذه الطريقة تحافظ على عرض الحوادث من بدايتها إلى نهايتها دون تقديم أو تأخير، أو ما اصطلح النقّاد على تسميته بالنسق الزمني الصاعد. ولو كانت الرواية التقليدية تُقيّد الروائي بطريقة واحدة في السرد لما تعدّدت حبكاتها، ولما قبلت التقنيات السرديّة الحديثة، كالتلاعب بالأنساق الزمنية وتنويع الضمائر واللغة وخلخلة وحدة الحدث وما إلى ذلك من إزاحات فنية. 

 

كذلك الأمر بالنسبة إلى تنويع طرائق سرد الحوادث، فهو تابع لمشيئة الروائي التقليدي وللزاوية التي ينظر منها إلى حوادث روايته، أو بتعبير أكثر حداثـة : قد يختار الروائي التقليدي موقعاً محدَّداً، أو يختار اللاموقع، أو يلجأ إلى الإفادة من تعدُّد المواقع. ويفضحه في ذلك كلّه راويه. فإذا حلَّ الراوي في إحدى الشخصيات كان راوياً ممثَّلاً ينمّ على أن الروائي اتخذ مـوقع المشارك المنحاز وموقفه. وإذا اختار راوياً عالماً بكلّ شيء دلَّ ذلك على أن الروائي اختار اللامـوقع، وترك لراويه العالِم فرصة السياحة في الرواية والانتقال من شخصية إلى أخرى. أما اختياره عدّة رواة، وتركه كلّ راو يحلُّ في إحدى الشخصيات ويُعبِّر عن وجهة نظرها، رغبةً منه في الإشارة إلى حياده وتعدُّد مواقعه، فطريقة لم تعرفها الرواية التقليدية بادىء الأمر ولكنّها استعملتها في تطوراتها التحديثيّة اللاحقة. ومن المفيد القول إن سرد الحوادث لا علاقة له بالحيل الأسلوبيّة التي يلجأ إليها الروائي التقليدي ليضفي شيئاً من المصداقيّة على ما يرويه، أو ليعلن انفصاله عمّا يرويه(13)، كإيرادها في شكل الترجمة أو الترجمة الذاتيّة أو أسلوب الرسائل أو المذكِّرات أو غير ذلك من الحيل التي لا تُؤثِّر في الطريقة التي يسرد بها الروائي حوادث حكايته. ويبدو أن هذه الحيل الأسلوبيّة بلغت من الشيوع في تاريخ الرواية التقليدية حدّاً دفع بعض النقاد إلى إدراجها في عداد طرائق عرض الحوادث(14).

 

إن الروائي التقليدي معنيّ بسرد (حكاية) ما، ذات حوادث محدَّدة واضحة، تحافظ على منطق روائي مقبول من القارىء، مقنع له لأنه مستمدّ من منطق الحياة نفسها(15). وهذا يعني أن الروائيّ التقليديّ (يُعْلِم)(16) القارىء (ليؤثِّر) فيه. ولا يكون التأثير سليماً إذا لم يكن الإعلام دقيقاً. ولهذا السبب تتشبّث الرواية التقليدية بالشكل العضويّ الذي ينبع من تماسك الحوادث الروائية وارتباطها ببيئتها الزمانيّة والمكانيّة وبالشخصيات التي تخلقها وتتفاعل معها. ومن ثَمَّ كان ناقد الرواية التقليدية مطالباً بالالتفات إلى تماسك الحوادث ووحدتها وجريانها نحو التعبير عن رؤيا معيَّنـة، أو تفكّكها ومجافاتها منطق التسلسل والسببيّة وعزلتها عن الشخصيات وغرابتها وبُعْدها عن المألوفيّـة وتعدُّد مراكزها، وأثر ذلك كله في منح الحوادث التماسك المرغوب فيه للإسهام في صنع الشكل العضويّ للرواية. والناقد، عادةً، يتساءل : ما المنطق الذي يُسيِّر حوادث الرواية ؟. وما مدى الارتباط بين هذه الحوادث ؟. وما صلتها ببيئتها الزمانيّة، وبالمكان الذي تتحرّك فيه ؟. هل تطغى الحوادث فيها على الشخصيات أو الشخصيات على الحوادث أو أن هناك اتحاداً بينهما ؟. وهل هناك ارتباط بين معطيات المكان ومنطق الحوادث ؟. إن الإجابة عن هذه الأسئلة جزء من مهمة ناقد الرواية التقليدية ؛ لأن هذه الرواية تعتمد التماسك مبدأً، وتعير المرتكز الواحد شيئاً غير قليل من اهتمامها، وتُدقِّق في البيئة الزمانية والمكانيّة. بل إن البناء الدراميّ للرواية التقليدية قائم على ارتباط الحوادث بالشخصيات ضمن بيئة زمانيّة ومكانيّة محدَّدة، من بداية الحوادث إلى تعقُّدها وخاتمتها.

 

ودون شكّ فإن الأمور السابقة مكوِّنات العالم المتخيَّل المغلق الذي يحاول الروائي التقليدي إقناع القارىء بوجوده وقدرته على احتواء العالم الخارجيّ وكأنه ينقله أو ينسخ منه شيئاً. وإن الحادثة في هذا العالم متخيَّلة، ولكنّ العنصر التخيُّليّ فيها لا يعني أنها منفصلة عن الواقع الحياتي الخارجيّ، أو أنها من كوكب آخر غير كوكب القارىء. إنها في إطارها العامّ وتفصيلاتها الصغيرة مستنبطة من الواقع، ولكنّها مؤلَّفة بوساطة الخيال لتؤدّي دلالة محدَّدة. فالحياة الحقيقيّة ذات الحوادث المتفرِّقة التي تتعذَّر ملاحقتها ومعرفة مصائر أفرادها، لا تسمح للإنسان بالإمساك بها ورؤيتها على نحو سليم. وقد تنطَّعت الرواية التقليدية لمهمّة تكثيف حوادث الحياة وعرضها متماسكة مقنعة تؤول إلى خواتيم طبيعيّة، حتى إذا قرأ الإنسان رواية ما، واقتنع بما قدَّمته له، انفعل بها وكان انفعاله مقدّمة لتغيير سلوكه وتعديله، أو ما نقول عنه عادةً : توسيع حساسيّته تجاه الحياة، أو تغيير نظرته إليها. ثم إن الروائي التقليديّ يرى الحياة الحقيقيّة منطقيّةً، ولهذا السبب يحرص على أن يُدقّق في هذه الحياة ليخلق عالمـاً روائياً مشابهاً لها في أطره العامة وتفصيلاته الصغيرة، وعلى اختيار الشخصيات التي تتفاعل منطقياً مع هذه الحوادث، وعلى الزمان والمكان لأن الحوادث لا تقع في الفراغ.

 

3 / إن الحديث السابق عن مفهوم الرواية التقليدية ينطلق من مفهوم محدَّد للنص الروائي، هو أنه نصّ تخييليّ مغلق على نفسه، يُعبِّر بلغته عن معناه ودلالته دون حاجة إلى مرجع خارجيّ ؛ أي أنه نصّ مكتف بقوانينه الداخليّة، يُقدِّم مجتمعاً متخيًّلاً يُحيل إلى نفسه. والروائيّ، تبعاً لهذا المفهوم، مبدع خالق يُطلُّ من علٍ ولكنّه لا يتدخَّل في خلقه. وهذا يعني أن الروائي يبدع الرواية ولكنّه يوهم القارىء المتلقي بابتعاده ابتعاداً كاملاً عنها. ولو دقّقنا في البناء الفني للرواية العربية استناداً إلى مفهوم النص والروائي في الرواية التقليدية لاكتشفنا أن الجيد من الروايات العربيّة هو الذي جسَّد المفهوم السابق للنصّ المغلق والروائيّ الخالق، وأن المتوسط والضّعيف منها هما اللذان خرقا هذا المفهوم، ووضعا الرواية العربية في مشكلات (المطابقة) و (السيرة) و (التاريخ). ومن المفيد أن نتعرَّف البناء الفني لهاتين الفئتين لنعي الطبيعة الفنيّة للرواية العربية التقليدية المحدَّثة التي نُحلّل نصوصاً منها في هذا الكتاب.

 

تشير الرواية العربية إلى أن الروائيين مختلفون في تحديد مواقعهم من رواياتهم. فهم نظرياً يعترفون باستقلاليّة نصوصهم، ويبتعدون عن التدخُّل فيـها، ويبقون خارجها يُحرِّكون خيوطها بوساطة الراوي. ولكنّهم – كما تدلُّ نصوصهم الروائية – فريقان : فريق يُجسِّد ما آمن به نظرياً فيروح يستخدم الراوي المشارك المنحاز الممثَّل، وفريق لا يُطبِّق ما آمن به ويروح يستعمل الراوي الحياديّ العالم بكل شيء. ولا بأس في أن أُقدِّم هنا تدقيقاً في عمل هـذين الفريقين، عماده التفريق بين الروائيين الذين اتخذوا اللاموقع ستاراً للسيطرة على المجتمع الروائي، والذين اتخذوه وسيلة لخلق هذا المجتمع ؛ لأن هذا التفريق ضروري للناقد الراغب في التمييز بين روايـة فنية استخدمت الراوي الحيادي العالم بكل شيء، وأخرى ضعيفة استخدمت الراوي نفسه. وإلا فإن الظن سيذهب إلى أن استعمال الراوي العالم بكل شيء سيِّىء دائماً لا يُخلِّف وراءه غير النصوص الضعيفة، وهذا أمر يجانب واقع الرواية العربية. ذلك أن الروائيين العرب استعملوا الراوي العالم بكلّ شيء، وأنتجوا بوساطته نصوصاً انعقد الإجماع على دقتها الفنية، كما هي حال غالبيّة روايات نجيب محفوظ(17) وعبد السلام العجيلي(18) والطاهر وطّار(19) وأحمد إبراهيم الفقيه(20) وغيرهم.

 

ولا أشكُّ في أن استعمال الراوي العالم بكلّ شيء يعني أن الروائي متشبِّث باللاموقع. بيد أن هذا التشبُّث ينمُّ حيناً على الرغبة في السيطرة على المجتمع الروائي، ويدلُّ أحياناً على أن الروائيّ راغب في خلق مجتمع روائي. ومعيار التمييز بين هذين الأمرين ينبع من الروايات العربيـة نفسها. فناقد روايـة (الدّوّامة)(21) لقمر كيلاني و( ريح الجنوب)(22) لعبد الحميد بن هدوقة و (نداء الصفصاف)(23) ليحيى قسام و (سلاماً يا ظهر الجبل)(24) لوهيب سراي الدين و(البحر ينشر ألواحه)(25) لمحمد صالح الجابري قادر على أن يحكم على هذه الروايات بتوافر الحدّ الأدنى من المستوى الفني، وقادر أيضاً على أن يحكم على (ليلة المليار)(26) لغادة السّمَّان و (سلام على الغائبين)(27) لأديب نحوي و(الأسماء المتغيرة)(28) لأحمد ولد عبد القادر و (العودة من الشمال)(29) لفؤاد القسوس و (فياض)(30) لخيري الذهبي بالجودة الفنية على الرغم من أنها كلها استعملت الراوي العالِم بكل شيء. وإذا رغب الناقد في أن يكون حكمه موضوعياً فإنه مطالب بالالتفات إلى أن الروايات المتوسطة الجودة أعطت الراوي العالِم بكل شيء سلطات واسعة فجعلته ينقل إلى المتلقي دخيلة الشخصيات وحركتها الخارجية، دون أن يترك لها فرص التعبير عن نفسها، ومن ثَمَّ بدت الشخصيات في هـذه الروايات جامدة أو أقرب إلى الجمود. لا يشعر القارىء أنها حية في المجتمع الروائي، بل يشعر أنها مقيَّدة، ويلاحظ في مقابل ذلك الحرية الواسعة الممنوحة للراوي. والقارىء، عادةً، يُحبُّ أن يرى الشخصيات تُعبِّر بملفوظها وسلوكها عن نفسها، ولا يحبُّ أن يُحدِّثه شخص آخر عنها. أما الروايات الأخرى التي يمكن الحكم عليها بالجودة الفنية فقد قيَّدت الراوي العالِم بكل شيء، وحدّت من سلطاته، فقصرته على أمكنة رأى الروائيُّ نفسَه عاجزةً عن التعبير عنها دون وساطة الراوي. وهذا الراوي المقيَّد موضوع في هذه الروايات في خدمة الشخصية، لا يطغى عليها، بل يخدم سعيها في عالم الرواية، وتبدو معرفته محدودة بالقياس إليها.

 

بيد أن الروائيين العرب الذين أساؤوا استعمال الراوي العالِم بكل شيء أكثر عدداً من الروائيين الذين نجحوا في توظيفه لخدمـة الشخصيات في رواياتهم. والنوعان معاً دليل على أن الروائيين العرب ما زالوا يؤثرون (اللاموقع) موقعاً، ويجعلونه الدليل على رغبتهم في التحكُّم المباشر بعالم الرواية، سواء أكان تحكُّمهم شاملاً أم محدوداً. وهذا التحكُّم يجافي الموقف الديمقراطيّ من عالم الرواية، كما يجافي تصريحات الروائيين النظرية باستقلاليّة نصوصهم الروائيّة. وإذا كان لكلِّ شيء سبب فإنني أعتقد أن الولوع بالراوي العالِم بكل شيء نابع من الأمرين الآتيين :

 

أ – مأزق الروائيّ العربيّ في التعبير عن دخيلة شخصياته. ذلك لأن هذا الروائي يعي جيداً أن إضفاء الحياة على الشخصية الروائية يحتاج إلى رصد سلوكها الخارجيّ وأفكارها وأحاسيسها الداخليّة وردود أفعالها على الحوادث الخارجيّة، ولكنّه يجد نفسه عاجزاً عن التعبير عن دخيلة الشخصية بوساطة الحوادث، فيلجأ إلى الراوي العالم بكل شيء ليُقدّم بوساطته العبارات التي تنمّ على هذه الدخيلة، كفكَّر وتمنّى ورغب وفرح … وإذا أحسنا الظنّ قلنا إن هناك تناصاً ؛ أي تأثُّراً بالروايات التي قرأها الروائي وكانت تضمُّ راوياً عالماً بدخيلة الشخصيات، عاملاً على نقلها إلى القارىء المتلقي بوساطة الأفعال السابقة. والدليل على ذلك أنني عثرتُ على العبارات نفسها لدى عدد كبير من الروائيين العرب. من أمثلة ذلك في سورية روايتا حسن جبل (1969) وآن له أن ينصاع (1978) لفارس زرزور. ففي هاتين الروايتين عبارات استعملها الراوي العالم بكل شيء لا تكاد تختلف عن العبارات التي استعملها في رواية (الدوامة) لقمر كيلاني.

حسن جبــل : ضحك في سرّه – فكّر – يردّد في نفسه – قال في نفسه – تذكَّر – تساءل .

آن له أن ينصاع : فكّر – شعر – قرّر بينه وبين نفسه – تذكّر – أحسّ – تمنّى – قال في نفسه .

الدوامـــة  :  تفكّر – تتذكّر – تشعر – تتمنّى – تحسّ – تقول في نفسها – لنفسها تردّد .

وليس استعمال الراوي الأفعال السابقة خاصاً بسورية وحدها، بل هو عام شامل الدول العربية. رأيتُـه عند غالب هلسا في (الخماسين)، وفيصل حوراني في (المحاصرون)، وشريف حتاتـة في ثلاثيته (العين ذات الجفن المعدنية – جناحان للريح – الهزيمة). فقد أكثر غالب هلسا في الخماسين من الأفعال الثلاثة الآتية : قال لنفسه – قالت لنفسها – فكّر(31). كما أكثر فيصـل حوراني من فعلي : فكّر وتذكّر(32). أما شريف حتاتة فقد بالغ في استعمال الأفعال الدالة على دخيلة شخصياته على الرغم من اختلاف الأزمنة والأمكنة وبُعْد الشخصيات أو قربها من الراوي(33).

 

ب – رغبة الروائي العربي في التعبير المباشر عن أيديولوجيته. ذلك لأن الروائي الجيّد يُعبِّر عن أيديولوجيته تعبيراً غير مباشر، فيخلق عالماً روائياً يضجُّ بالصراعات والآراء التي تُقـدّم للقارىء ما يرغب الروائي في التعبير عنه. ولكنّ الروائي المتوسِّط الجودة لا يملك القدرة على الخلق السوي، فيحتال على ضعفه باستعمال التعبير المباشر الذي يُقدّمـه الراوي العالم بكل شيء. وهذا الأمر يتصل بموضوع طرح (الرؤيا) في الرواية، تلك الرؤيا التي آثرتُ الحديث عنها في الفصل الثاني من هذا الكتاب. ذلك أن الرؤيا في الرواية الجيدة تنبع من النصّ، وفي المتوسطة تتحكّم فيه، وفي الضعيفة تُفرض عليه. ولعلَّ الروائيين(34) متوسطي الجودة هم الذين أكثروا من استعمال الراوي العالم بكل شيء ستاراً للسيطرة على رواياتهم ووسيلة لتحكُّم الرؤيا فيها أو فرضها عليها.  

 

أما الراوي الممثَّل فيختلف اختلافاً واضحاً عن الراوي العالم بكل شيء. وينبع هذا الاختلاف من موقع الروائي ويؤثِّر تأثيراً كبيراً في بناء الرواية. ذلك أن الراوي الممثَّل يدلُّ على أن الروائي راغب في أن تُعبِّر إحدى الشخصيات عن وجهة نظره، ولهذا السبب يترك راويه (نائبه) يتماهى بهذه الشخصية مكتفياً بما تراه وتسمعه وتفكّر فيه. إنه راو محدود المعرفة، مشارك في حوادث الرواية ومنحاز إلى إحدى شخصياتها. وهذا يعني أن الروائي اتخذ لنفسه موقعاً محدَّداً وترك للشخصية التي تماهى راويه بها فرصة التعبير عن نفسها بنفسها. ولو أنعمنا النظر في بناء الرواية العربية استناداً إلى هذا الراوي الممثَّل لاكتشفنا ما اكتشفناه في أثناء الحديث عن الراوي العالم بكل شيء من أن هناك استعمالين للراوي الممثَّل، التزم الراوي الممثَّل في أولهما بشخصيـة واحـدة ولم يجاوزها إلى غـيرها، كما هي الحال في (صوت الليل يمتد بعيداً)(35) لعبد النبي حجازي و (هزائم مبكِّرة)(36) لنبيل سليمان و( أنت منذ اليوم)(37) لتيسير سبول. فالراوي الممثَّل في الأولى يتماهى بعرندس، وفي الثانية بخليل، وفي الثالثة بعربي، ويبقى في الروايات الثلاث ملتزماً بدقة بهذه الشخصيات، ولا يمتدُّ علمه إلى شيء خارج ما تراه وتسمعه وتشعر به. بيد أننا نرى الراوي نفسه مختلفـاً في (الحـلم الوردي)(38) ليحيى قسّام و (الأشرعة)(39) لنبيل سليمان. ففي الرواية الأولى يتماهى بشخصية أحمد سعيد ولكنه لا يقصر علمه عليها، بل يهيمن على الشخصيات الأخرى ويروح يعكس أفعالها ويخفي أفعاله، ومن ثَمَّ لم يؤدّ الوظيفة التي اصطُنع من أجلها وهي الإسهام في خلق شخصية أحمد سعيد. وفي روايـة (الأشرعة) نرى هذا الراوي لا يكتفي بشخصية واحدة، بل ينتقل من شخصية إلى أخرى، وحين يحلُّ في إحدى الشخصيات يتماهى بها، حتى إذا غادرها إلى غيرها نقل تماهيه معه، وبالتالي جسَّد وظيفة لم يُصْطَنع لها أيضاً، هي الإسهام في خلق عدد من الشخصيات. وراوي (الأشرعة) في هذه الحال أشبه بالراوي الحيادي العالم بكل شيء في رواية (ليلة المليار) لغادة السمّان، وخصوصاً التشابه بينهـما في بناء الرواية استناداً إلى الراوي الرَّحَّالة، وكأنّ اللاموقع طابق الموقع في هاتين الروايتين، وأسهم مثله في بناء رواية درامية تبدأ بالحديث عن نقاط عدّة مختلفة متباعدة ثم تترك الخيوط تلتقي في بؤرة مركزيّة تتعقّد قبل أن تؤول إلى الحلّ.

 

وإذا كانت روايتا (الحلم الوردي) و (الأشرعة) تُمثِّلان خرق السائد في استعمال الراوي الممثَّل فإن هناك روايتين أخريين استعملتا الراوي نفسه والتزمتا بشخصيـة واحدة، هما (صوت الليل يمتد بعيداً) و (هزائم مبكّرة). فقد التزمت الشخصية في هاتين الروايتين (ووراءها الراوي الممثَّل) بالتعبير عن نفسها بضمير المتكلّم، ولكنّ بناء الرواية الأولى أشد إحكاماً وتماسكاً وقدرة على خلق شكل عضوي من الرواية الثانية. وربّما علّل التفاوت بين الروايتين ما هو معروف عن خبرة عبد النبي حجازي في بناء رواية الشخصية(40)، ولكنّ هذا التعليل يجب أن يُرَافق بمأزق بناء الرواية العربيّة استناداً إلى الراوي الممثَّل. ذلك أن الروائيين العرب شعروا بأن الراوي الممثَّل يوفِّر لهم فرصة خلق إحدى شخصيات الرواية، ولكنه لا يعينهم على خلق مجتمع روائي يضجُّ بالحياة والصراع وإنْ وفَّر لهم فرصة الغوص في إحدى الشخصيات. وعبد النبي حجازي نفسه لم ينجـح في رواياتـه السابقـة كما نجح في (صوت الليل يمتد بعيداً) على الرغم من أنه استعمل فيها كلها الراوي الممثَّل ذاته. وأعتقد أن انتقال راوي (الأشرعة) من شخصية إلى أخرى، وهو راو ممثَّل، لم يكن غير حلٍّ فنيّ ارتآه نبيل سليمان للتخلُّص من مأزق الانصراف إلى شخصية واحدة على حساب المجتمع الروائي.  

 

ولا أشكُّ في أن تعدُّد الرواة والمواقع مؤهَّل أكثر من الراوي الممـثَّل والراوي العالم بكل شيء لتقديم بناء روائي مقنع مؤثِّر. ذلك أن الراوي في هذه الحال يختفي ويترك النصّ لعدد من الرواة، لكلِّ راو وجهة نظره في الحكاية الروائيّة. وإنني أفضِّل تسمية الشخصية في هذه الحال صوتاً، وأعتقد أن الرواية التي تنصرف إلى تعدُّد الأصوات تُعبِّر عن أن القصة، وهي الشيء الذي يُحْكَى في الرواية، ليست مطلقة بل هي نسبيّة تختلف باختلاف الراوي القائم بالقصِّ (الحكي). وقد لاحظتُ أن مظهر التحديث في الرواية التقليدية العربية انطلق من تعدُّد الرواة. وأبرز الأمثلة هنا الثلاثية وميرامار لنجيب محفوظ ومصرع ألماس(41) لياسين رفاعية. ففي هذه الروايات التزام تامّ بمنظـور الشخصية وابتعاد كامل عن تدخُّل الراوي(42). ولكنّ تحديث الرواية التقليدية لم يقتصر على تعدُّد الرواة، بل قدَّم استعمالات أخرى للراوي القديم. ففي رواية (رحيل البحر)(43) لمحمد عز الدين التازي راو غير مشارك في الحوادث ولكنّه يُوهم القارىء بأنه مشارك(44)، ومن ثَمَّ كان هنـاك ضميران : هو – نحن. وفي رواية (تلك الرائحة)(45) لصنع الله إبراهيم بطل ليس له اسم ولا عنوان على الرغم من أننا نراه راوياً منحازاً يستعمل ضمير المتكلم(46). كما أننا في رواية (موسم الهجرة إلى الشمال)(47) للطيِّب صالح نرى الراوي شخصية من شخصيات الرواية، تصف، كما يقول سامي سويدان، وتُوصف(48). وهذه الأمثلة الروائية تدلُّ دلالة لا يرقى إليها الشّكُّ على أن الرواية التقليديـة لم تتردّد في قبول التقنيات الحديثة وإنْ جهدت في توظيفها لخدمتها، وكادت الخيوط تفلت منها لصالح الرواية الجديدة في عدد من الروايات كرحيل البحر وموسم الهجرة إلى الشمال وتلك الرائحـة والمجوس(49)  لإبراهيم الكوني.

 

4 / مهما يكن الأمر فإن البناء الفني لعدد لا يُستهان به من الروايات العربية أُصيب بالخلل نتيجة سيطرة المفهومات غير السليمة على النقَّاد والروائيين، وخصوصاً مفهوم المطابقة الذي يعني التطابق بين الواقعين الروائي والخارجي، ومحاكمة الأول استناداً إلى الثاني. ذلك أن مفهوم المطابقة أثَّر في مخيِّلة الروائيين العرب فأبعدها عن أن تُنْشِىء عملاً تخييلياً يكتفي بقوانينه الداخلية ويحيل إلى نفسه، ودفعها إلى التشبُّث بالمرجع الخارجيّ وتفصيل العالم المتخيَّل على مقاسه. ومن ثَمَّ لم تكن المطابقة مجافاة لمفهوم الرواية التقليدية فحسب، بل كانت، قبل ذلك وبعده، خرقاً للفنّ نفسه. ففنُّ الرواية التقليديّة يؤمن بخلق الشخصية الروائيّة المتخيَّلة، ويعدُّها مكوِّناً روائياً مهماً جـداً. ولكنّ العاملين في حقل علم النفس أثروا في النقاد والروائيين، فصرنا نرى الروائي نتيجة ذلك يُقدِّم ذاتاً فرديّة خاصّة أو استثنائيّة بغية الحديث عن جوهرها السيكولوجيّ الذي يتـفق وما قدَّمه المحلّلون النفسانيّون. والروائي، في هذه الحال، يقيم مطابقة بين المحتوى النفسي للإنسان في الواقـع الخارجي، والمحتوى نفسه للشخصية الروائية داخل المجتمع الروائي، غافلاً عن أنه يكفي داخل الرواية أن تنسجم الشخصية وطبيعتها النفسيّة والمزاجيّة وعلاقاتها الاجتماعيّة.

 

وهناك نوع آخر من المطابقة يتجسَّد في العلاقة بين الشخصية الروائيّة وخالقها الروائي. إذ انطلق بعض الروائيين العرب من أن الشخصية داخل المجتمع المتخيَّل انعكاس للتجارب المعيشة للروائيّ، وخصوصاً في الروايات التي تستعمل ضمير المتكلِّم(50)، وكأنّ الرواية سيرة ذاتيّـة لمؤلِّفها، أو هي سيرة إنسان آخر رغب الروائي في نقلها إلى القارىء. والمعروف أن الرواية التقليدية لا تقرُّ المطابقة بين الشخصية والروائي لسبب مهمّ هو أنها تعدُّ الشخصية ابتداعاً من الخيـال جسَّده الروائيّ ليحقِّق بوساطته غاية فنيّة محدَّدة(51). وليس ببعيد عنا ما فعله الروائيون ذوو العقائد السياسيّة من نقل الصفات التي يرونها صحيحة في الواقع الخارجي إلى شخصيات رواياتهم في نوع من الإسقاط يرضي نزوعهم الأيديولوجيّ. ولهذا السبب أصبحنا نلاحظ في البناء الروائي العربي نوعين من الشخصيات : شخصيات خيِّرة وأخرى شِرِّيرة، الأولى في القاع الاجتماعيّ الروائي والثانية في أعلى السُّلَّم الاجتماعيّ، بغية إقامة صراع بينها تستند إليه حركة الرواية الدرامية التي تنتهي في الغالب بانتصار العامل والفلاح والمظلوم على البرجوازي والإقطاعي والظالم. إن ثنائيّة الخيِّر والشِّرِّير، وهي ثنائيّة ضدّيّة، إحدى الثنائيّات التي نبعت من مفهوم المطابقة وربطت الروائي بالفكر وأبعدته عن رؤية الواقع الموضوعيّ للمجتمع العربي، وبالتالي أصابت البناء الفني للرواية العربية بالخلل لأنها جعلت مخيلة الروائيين مقيَّدة بالتعليمات الأيديولوجيّة، لا تملك القدرة على التحليق في الخيال لبناء عالم فني مقنع بقوانينه الداخلية وشرطه الإنسانيّ، وماتع ببنائه، ومؤثِّر بقدرته على فضح الدميم وترسيخ النبيل.

 

 

المقاربات النّقديّة للبناء الرُّوائيّ

 

 

حاولتُ في الحديث السابق توضيح مفهوم الرواية التقليدية العربية التي اخترتُ بعض نصوصها للتحليل في هذا الكتاب. ولاحظتُ في أثناء التدقيق في هذا المفهوم أن بناء الرواية التقليدية مغلق مكتفٍ بقوانينه الداخليّة، ينهض استناداً إلى السرد والشخصيّة والحكاية والزمان والمكان. وقادني ذلك إلى الاعتقاد بأن المنهج الشّكليّ صالح للمقاربة النقديّة لأيّ نصّ من نصوص هذه الرواية ؛ لأنه منهج يهتمّ بأسلوب الروائي في بناء عناصر روايته، وفي إقامة العلاقات بينها داخل المجتمع الروائي. فهو يملك إجراءات واضحة محدَّدة في بناء الشخصية والزمان والمكان والفضاء والسرد، وهي إجراءات تلائم مفهوم الرواية التقليدية، وتصلح لتحليل نصوصها وبيان طبيعتها.

 

ولكنّ اختياري المنهج الشكلي لم يكن نتيجة تحليل النصوص العربية التي اخترتُها للتحليل في هذا الكتاب فحسب، بل كان متابعة لجهدي التحليلي البنيوي الذي شرعتُ فيه قبل عقدين. إذ رحتُ أستعمل هذا المنهج في بدايات ثمانينيات القرن العشرين، وعزَّزتُ استعماله في بدايات التسعينيات حين كتبتُ رسالة الدكتوراه، وعنوانها (بناء الرواية العربية السورية). ولم يكن غريباً بالنسبة إليَّ، في أثناء ذلك كله، أن أرى هذا المنهج وريثاً شرعياً للبنيوية، والشيء الوحيد الباقي منها بعد زوال زبدها. ذلك أن إجراءات هذا المنهج وفّرت، لي ولغيري من الذين عملوا فيه، فرصاً ثمينة للإجابة عن السؤالين النقديين الأساسيين، وهما : كيف يبني الروائي هذا العنصر الروائي أو ذاك ؟. ثم كيف يُقيم العلاقات بين هذه العناصر في المجتمع الروائي ويُقدِّمها للقرّاء في شكل نصّ روائيّ ؟. وأزعم هنا أن الإجابة عن هذين السؤالين هي التحدي الحقيقيّ لناقد الرواية البعيد عن التَّستُّر وراء الأيديولوجيات، القريب من الإيمان بأن الرواية نصّ لغويّ لا يمكن تحليله إذا لم يملك الناقد المهارات التحليليّة التي تجعله قادراً على تحليل لغة النص الروائي لمعرفة العلاقة بين الرمز اللغويّ والمرموز إليه. بل إنني لا أشكُّ في أن نقد الرواية لا يكمن في المعرفة النظرية بالمنهج الشكلي وحدها، بل يكمن، قبل ذلك وبعده، في التحلِّي بالمهارات التطبيقيّة التي تجعل الناقد بصيراً بمواطن البناء الضعيفة والقوية. ولعلَّ ذلك هو الحافز إلى الاهتمام بالمقاربة النقدية للنصّ الروائي دون غيرها من أشكال النقد الروائي.

 

أقصد بالمقاربة النقدية هنا التحليل الجزئيّ وليس الكلّيّ للنصّ الروائيّ. وهـذا التحليل الجزئيّ ينطلق من فرضيّة نقدية هي الحاجـة إلى تحليل الجانب الفنيّ البارز في النص الروائي وإغفال العناصر الأخرى فيه. والمسوِّغ النقديّ المقبول لهذه المقاربة هو أن تحليل النص من جوانبه كلها مفيد جداً، ولكنّ ربط النصوص المحلَّلة ببعضها بعضاً غير ممكن إذا رغب الناقد في توضيح الصورة الفنيّة الكلّيّة للرواية العربية. قُلْ مثل ذلك بالنسبة إلى مفهوم المتن الروائي الذي يُفتِّته الناقد ثم يُعيد تركيبه. فهذا الشكل مفيد جداً، ولكنّه يجعل كلَّ رواية من الروايات التي تُشكِّل المتن الروائي مجرد رقم دال على جزئيّة فنية، دون أن يسمح للرواية التي تملك هذه الجزئيّة بإبراز جوانبها الفنية الأخرى التي ساعدت الجزئية المتألقة على البروز. وقد جرَّبتُ، على أية حال، شكل الاعتماد على المتن الروائي غير مرة، ورأيتُ من المفيد أن أجرِّب المقاربة النقدية أيضاً ؛ لأنني اعتقدتُ بأنها تُحلِّل الرواية تحليلاً جزئياً مقصوراً على العنصر الفني البارز في هذه الرواية، بحيث تتضح الصورة الكلية بإيجاز في أثناء هذا التحليل، فلا تفقد الرواية تميُّزها ولا صورتها الكلية، فضلاً عن عدم فقدانها الارتباط بغيرها في الدلالة على البناء الروائي. وحرصتُ، تجسيداً لهذه المقاربة، على أن أقسم الفصل الأول خمسة أقسام. أولها لخطاب الحكاية وافتتاحيّة الرواية، وثانيها لمنظور الراوي والروائي، وثالثها لبناء الفضاء الروائي، ورابعها لبناء السرد والمشهد، وخامسها لعلاقات الشخصية الروائية. كما حرصتُ على الإيجاز في المقاربة النظرية الممهِّدة والخاتمة لكلِّ قسم من الأقسام الخمسة ،منعاً لتكرار الأفكار التي ذكرتُها في كتابي السّابق. 

 

 

خطاب الحكاية وافتتاحية الرّواية

 

 

ينطلق التحليل هنا من أن (الحكاية) مجموعة من الحوادث المتخيَّلة التي يسردها سارد، أو راو، متخيَّل. ولكنني لن ألتفت إلى تحليل الحدث المسرود، بل سألتفت إلى فعـل السرد نفسه على أنه خطاب ذو علاقتين : الأولى بين الخطاب والفعل الذي ينـتجه، والثانية بين الخطاب والحوادث التي يسردها. وقد نبع اختيار المنهج للخطاب السرديّ، أو خطاب الحكاية، من أن النموذج المحلَّل – وهو رواية (كريمة)(1)  للدكتور مانع سعيد العتيـبة – اصطنع سارداً، ووكل إليه مهمّة الفعل السرديّ، وجعله وحده مسؤولاً عنه، دون أن يُشْرك فيه أيّاً من الشخصيات الروائية.

 

ولاشكّ في أن علاقتي الخطاب السرديّ هما اللتان سمحتا لي بتحليـل (الحكاية الروائية) بادىء الأمر، ثم تحليل العلاقة بين (الروائي والسارد)، لأخلص بعد ذلك إلى تحليل العلاقة بين (السارد والمسرود). ومن ثَمَّ كانت رواية (كريمة) نموذجاً لتحليل الفعل السرديّ، وليست مناسبة لتحليل محتوى الحوادث المسرودة .ذلك لأن هذه الرواية في المنظور المنهجي لخطاب الحكاية نصٌّ سرديّ أنتج فعلاً تخييلياً، وليست محتوى أو مضموناً صالحاً للتلخيص والتفسير.

 

والظّنُّ بأن منهجي الشكلي يسمح، في أثناء تحلـيل العلاقة بين الروائي والسارد، بتقديم وجهة نظر في السؤال الآتي : (ما علاقة مانع سعيد العتيـبة بسارد رواية كريمة ؟). وهذا السؤال ليس جديداً في النقد الروائي، ولكن طبيعة التحليل تجعلني أتشبّث بالنصّ الروائي دون أن أخرج عنه، على الرغم من المقارنة الشكلية التي أجريتها بين المستمَدّ من سيرة مانع سعيد العتيـبة والمستمَدّ من سيرة أبي يوسف الشخصية الروائية المحورية في (كريمة). فالمقارنـة لا تهدف إلى أن يتحكّم ما هو خارج النّصّ (سيرة العتيـبة) بما هو داخله، بل تهدف إلى الإفادة مما هو غير أدبيّ في تعليل الأدبيّ، وكأنّ السؤال النقديّ عن العلاقة بين الروائي والسارد موظَّف لخدمة تحليل النص الروائي السردي، وليس موظَّفاً لمجرّد معرفة الصلة بين مؤلِّف الرواية وساردها.

 

أوّلاً : الحكاية الرّوائيّة

ليس غريباً أن تستند رواية (كريمة) إلى حكاية ذات حدث رئيس وحوادث فرعية، بل الغريب أن تحافظ هذه الحكاية على مستوى أفقي من التوتّر الدّرامي طوال (624) صفحـة من القطع الكبير. وإذا كانت الحكاية سرداً خبرياً لحوادث مترابطة تقود إلى نهاية محدّدة، فإن المألوف في حوادث أية حكاية أن تنمو باتجاه ذروة تتشابك فيها الحوادث وتتعقّد وتتأزّم، بحيث يبلغ التوتر الدّراميّ الذي ينـتج عنها أقصى درجات الارتفاع، مما يجعله في حاجة إلى الانحدار ببطء، أو بسرعة ،حاملاً معه خواتيم الحوادث، وحلولاً لتعقيداتها، ونهاية لعلاقات الشّخصيات بها. تلك طبيعة البناء الحكائيّ : عرض فأزمة فحلّ. وهذه الطّبيعة هي العقدة في مصطلحات الرواية التقليديّة، وهي السّبيل إلى الإمساك بالقارىء من بداية الرواية إلى نهايتها.

 

بيد أنّ الحكاية الروائية في (كريمة) عافت العقدة الملازمة لطبيعة البناء الحكائيّ، وراحت تبدأ بالعرض، وتستمرّ فيه إلى نهاية الرواية، ملتزمـة في أثناء ذلك بالارتفاع إلى مجموعة من الرّوابي، بحيث توفّر الرّابية توتراً ما، ولكنّ هذا التوتر سَرْعان ما يتلاشى، ويستمرّ العرض بعده كما كان قبله دون أي تغيير .وبعد صفحات قليلة، أو كثيرة، يرتفع الحدث إلى رابية أخرى، محدثاً توتراً جديداً ،ثم زوالاً لهذا التوتر وعودة إلى العرض. وهكذا تبدو رواية (كريمة) مجموعة من التوترات المصاحبة للعرض، لا يتميّز فيها توتر من آخر، لأن التوتر لا يضيف جديداً إلى سابقه، ولا يسهم في أي تقدُّم للحدث الروائيّ، ولا يغيِّر شيئاً في الشخصيات ،وكأنّ التوترات كلّها غير موجودة.

ولكنّ القارىء الذي يعتقد بأن هذه التوترات ذات وظيفة فنيّة جوهرية في رواية  (كريمة) لا يخدعه الشكل الحكائي الممتدّ، ومن ثَمَّ يسعى إلى تفكيك الحكاية بغية معرفة الوظيفة الفنية لهذه التوترات، وعلاقتها بالحدث الروائيّ، بعيداً عن المفهوم التقليديّ للعقدة، قريباً من المفهوم البنيويّ للحوافز الحكائيّة .

 

حوافز السّرد الحكائيّ :

الحوافز عوامل محرِّكة للسّرد، تدفعه إلى الأمام، وتُسوّغ حركته وابتداعه الحوادث. وحين يتمّ تفكيك السّرد في رواية (كريمة) تتضح ثلاثة حوافز مسؤولة عن استمرار العرض طوال هذا العدد الكبير من الصفحات (624 ص). أوّل هذه الحوافز وأقواها حافز الانتقام، وثانيها حافز الحبّ، وثالثها حافز الكراهية.

 

تبدأ الحكاية الروائيّة بحادث مرور يموت فيه والد كريمة، وتُصاب فيه أختها نزهة. ويتمّ التمهيد لهذا الحادث بإعجاب كريمة – وهي فتاة في الخامسة عشرة من عمرها – بأبيها، وتعلُّقها الشديد به، ومن ثَمَّ صدمتها بموته، حتى إنها لم تصدّق موته أول الأمر، ثمّ صبّت جام غضبها على الفاعل/السائق – واسمه عليّ – وقرّرت الانتقام منه ثأراً لأبيها. وحين اكتشفت أن هذا السائق (عليّ) يعمل حارساً شخصياً لرجل أعمال خليجيّ اسمه أبو يوسف، وأن نفوذ هذا الرجل أنقذ السائق من المحاكمة والعقاب، قرّرت أن يمتدّ انتقامها إليه. وحين جاء مجاهد، مدير مكتب أبي يوسف وساعده الأيمن إلى أسرة كريمة ليخفّف من وقع مصيـبتها، وينفحها مبلغاً من المال يساعدها على حياتها بعد وفاة عائلها، امتدّ الانتقام إليه هو الآخر. وهكذا شملت رغبة كريمة في الانتقام ما سمّته  (عصابة أبي يوسف)، وتركّز هذا الانتقام في ثلاثة أشخاص هم : أبو يوسف ومجاهد وعليّ.

 

إنّ حافز الانتقام هو المسؤول عن الحلقات السّرديّة المتوالية في رواية كريمة. إذ إنه دفع كريمة إلى مغادرة منـزلها في بني ملال لتطلب عملاً لدى أبي يوسف في الرباط، منطلقة من أن هذا العمل سيسمح لها بالانتقام مادامت قريـبة من المسؤولين عن موت والدها. وقد تحقّـق لها ما أرادت، لأن أبا يوسف تكفّل برعاية أسرتها، فأنفق على أختها في المستشفى، وقدَّم لأمها مبلغاً كبيراً من المال، ووعد بتقديم أية مساعدة يطلبها أيّ فرد من أفراد هذه الأسرة. ومن ثَمَّ كان الانتقام حافزاً إلى العمل، أو قل إنه حفز إلى تشكيل الحلْقة السّرديّة الأولى، حلْقة دخول كريمة ساحـة المسؤولين عن موت والدها. وإذا كانت الحكاية سرداً خبرياً فإن حوادثها المترابطة تعني اتصال الحلقات السّرديّـة، بحيث تنبع اللاحقة من سابقتها، وتُمهِّد لنشوء حلْقة أخرى. وهكذا تُعبِّر الحلقات السّرديّة عن ترابط الحوادث وتُجسِّد في الوقت نفسه الحكاية التي يقدّمها السّرد. كما يُقاس تماسك الحكاية بقدرة الحلقات على الترابط المقنع للقارىء .وتوفير الإقناع عمل فنيّ جليل يحتاج إلى حوافز قادرة دائماً على دفع السّرد إلى الأمام، والمحافظة على حيويّته في أثناء حركته. ولهذا السّبب ضمّ حافز الانتقام وهو يُشكِّل الحلْقة السّرديّة الأولى توتراً ناشئاً من أن كريمة لا تستطيع التصريح برغبتها في الانتقام وهي مقبلة على طلب العمل لدى أبي يوسف، ولا تستطيع التّنصُّل من تصريحها أمام مجاهد، عقب وفاة والدها، بأنها ستنـتقم من القاتل. وقد أسهم التعديل الذي أجراه مانع سعيد العتيـبة على تصريح كريمة في إذكاء التوتر وفي جعله مقبولاً لدى مجاهد .

 

ذلك لأنّ كريمة صرّحت برغبتها في الانتقام مرّتين، مرّة أمام والدتها قائلة: (أعرف كيف أنتقم، وكيف آخذ ثأر أبي من قاتله وحتى من الذين يدافعون عن القاتل)(2). وهذا التصريح – كما هو واضح – شامل، لا يخصّ القاتل / السائق وحده، بل يشمل الذين يدافعون عنه. وهؤلاء الذين يدافعون عنه –كما سنفهم من السياق اللاحق للرواية – يقتصرون على أبي يوسف ومجاهد. ولكنّ مانع سعيد العتيـبة عدَّل هذا التصريح حين حضر مجاهد لتعزية الأسرة. ففي أثناء التعزية قابلته كريمة بالتصريح الآتي المعدَّل عن سابقه : (بل اعلم جيداً ما أقول. لا يمكن أن نقبل ثمناً لحياة أبي إلا رأس ذلك القاتل المجرم)(3) . وموطن التعديل هو تخصيص الانتقام بقصره على عليّ/السائق وحده. وهذا تخفيف من حدّة التصريح الأول ومن شموله، ولكنه تخفيف مقبول في المنطق الروائي ،لأن الانتقام معلَّل فيه مادامت كريمة المعبِّرة عنه فتاة فقدت حديثاً أباها الذي يعيل أسرتها. بل إن إعالة الأسرة هي المسوّغ الذي قدَّمته كريمة لطلبها العمل لدى أبي يوسف(4). ونستطيع أن نلاحظ أن موافقة أبي يوسف على عمل كريمة لديه أزال التوتر، وشكَّل نهاية الحلْقة السّرديّة الأولى، وزرع الحاجة إلى حافز إضافيّ.  

 

يُوسِّع حافز الحبّ الدّائرة التي يتحرّك فيها الانتقام. فأبو يوسف يقبع في الوسط وحوله دائرتا حبّ تتجاذبانه، حبّ الأميرة زوجته، وحبّ سلمى عشيقته. وحين يوافق على عمل كريمة لديه يُنْشِىء دائرة حبّ ثالثة تقبع فيها كريمة. وتُشكِّل الدّوائر الثلاث الحلْقة السّرديّة الثّانية في الرواية، وهي حلْقة ممتدّة لأن حافز الحبّ فيها دائم الانتقال من دائرة إلى أخرى.

 

أمّا دائرة كريمة فتبقى أول الأمر بعيدة عن الفعل المنظور، هامشيّة لا يعيرها أبو يوسف اهتمامه. وهذا واضح من مخاطبته عليّاً (السائق) بعد موافقته على عمل كريمة لديه وملاحظته تجهُّم وجه عليّ تعبيراً عن خشيته منها، فقال له : (اسمع يا عليّ. البنت طيبة، ولا يمكنها أن تشكل أي تهديد لك، ونحن بطريقة أو بأخرى مسؤولون عن تأمين حياة هذه الأسرة بعد أن غاب عنها عائلها. وأن تظل هذه البنت في رعايتنا أفضل بكثير من تركها تتسكع في الطرقات وتتعـرض لمختلف الأخطار والأضرار خاصة وأنها جميلة كما يقول مجاهد. وقد يجر عليها جمالها الكثير من المتاعب)(5) .

 

ينمّ هذا الخطاب الذي جرى قبل رؤية أبي يوسف كريمة على أن التوتر الذي صاحب التهديد الذي صرّحت به كريمة أمام مجاهد قد تلاشى نهائياً، وحلَّ محلَّه اعتقادٌ بأن الفتاة طيـّبة لا يمكن أن تُشكِّل أيّ تهديد لعليّ تبعاً لصغر سنّها. كما يُعبِّر الخطاب نفسه عن هامشيّة كريمة في بداية الحلْقة السّرديّة الثّانية. وقد انطلقت كريمة من هذه الهامشية، بل إنها كانت تدرك أنها لا تستطيع إعلان رغبتها في الانتقام مادامت هامشيّة. ولهذا السّبب جعلت الحبّ قناعاً للانتقام، ووجَّهته إلى أبي يوسف،وبدأت تعمل بتأن وروية لإيقاع أبي يوسف في حبائلها بعد إيهامه بحبّها له. وهكذا شرع حافز الحبّ يوجِّه سلوكاتها الروائية، ويجعلها تفيد من ذكائها وجمالها.

 

ولا تختلف دائرتا سلمى والأميرة عن دائرة كريمة في أن حافز الحبّ يُوجِّه سلوكات القابعين فيهما، وهم أبو يوسف والأميرة وسلمى. ولكنّ الروايـة لا تعرض بداية علاقة الحبّ ولا تطوّراتها، بل تعرض خواتيمها المتمثّلة في انصراف أبي يوسف إلى عشيقته سلمى وإهماله زوجته، وفي محاولة سلمى الزّواج منه بادّعاء حملها وخوفها من الفضيحة. والواضح أن الرواية اختارت خواتيم العلاقة في هاتين الدّائرتين لتُعجِّل في قيادة دائرة كريمة إلى صدارة الحدث الروائيّ. ومن ثَمَّ أعلنت التنافس الحادّ بين الأميرة وسلمى على أبي يوسف، وغضب الأميرة من زوجها أبي يوسف لإهماله لها، واقتراب سلمى من النجاح في الزّواج من أبي يوسف لأنه راغب في الاحتفاظ بطفله منها. ههنا يبرز الحافز الثّالث، حافز الكراهية ليفضح ادّعاء سلمى بالحمل، وخيانتها أبا يوسف مع عشيقها (محمود)، ثمّ استبعاد دائرتها، وعودة الصّفاء إلى علاقة أبي يوسف بزوجته الأميرة، واكتمال الحلْقة السّرديّة الثانية.

 

تبدأ الحلْقة السّرديّة الثّالثة، وهي الأخيرة في الرواية، ببروز دائرة كريمة وهي تضمّ الحوافز الثلاثة معاً : الانتقام والحبّ والكراهية. أمّا الانتقام فهو الهدف المستتر الذي يـبقى طيّ الكتمان إلا في النجوى الذّاتيّة لكريمة وفي أثناء تدوينها مذكّراتها. وأمّا الحبّ والكراهية فقد جسّدتهما الرواية في صورتين: صورة معلنة، بدأت بمحاولة كريمة إغراء أبي يوسف، وانتهت بإيمان أبي يوسف بأنه يحبّ كريمة ويرغب في الزّواج منها وإنْ كانت صغيرة. وصورة ثانية هي ازدواجيّة شخصيّة كريمة، إذ تشعر حيناً بأنها تحبّ أبا يوسف، وتشعر حيناً آخر بأنها تكرهه. وتعلّل الرواية هذه الازدواجيّة بأن كريمة أحبّت أبا يوسف لأنها لم تر في سلوكه ما يدلّ على صدق ظنّها السيّىء فيه، وبأنها كرهته لأنه أنقذ علياً (السائق) من العقاب. وعلى الرغم من أن غالبية الرواية انصرفت إلى الحلْقة السّرديّة الثّالثة، وكانت الحوافز الثلاثة توجِّه سلوك كريمة فيها، وتعلن محاولاتها الإيقاع بين الناس المحيطين بأبي يوسف ، إضافة إلى زيادة الشّكوك لدى مجاهد وعليّ في نيّاتها، فإن التوترات كانت تنمو ثمّ تخبو دون أن تُخلِّف أثراً، لأنها غير مصحوبة بفعل يجسِّد الانتقام والكراهية، أو فعل يلغيهما ويعلن الحبّ الحقيقيّ. 

 

من ذلك محاولة كريمة دسّ بعض المساحيق التي حصلت عليها من إحدى السّاحرات في طعام أبي يوسف(6) ، مما جعله يحسّ بالاختناق، ويضطر إلى السّفر إلى الولايات المتحدة للعلاج بعد عجز الأطباء عن معرفة سبب

 

اختناقه(7). فقد صحب هذه المحاولةَ توترٌ شديدٌ يجعل القارىء يعتقد بأن كريمة شرعت تنجح في الانتقام من أبي يوسف، أو بأن محاولتها ستنكشف بعد شكّ مجاهد في أنها دسّت سمّاً لأبي يوسف في الطعام(8)، ولكنّ هذا التوتر سَرْعان ما تلاشى ولم يبق منه أثر، وكأنّ حَدَثَ دسِّ السّمّ عرضيّ في الرواية لا يستحقّ أن يشكّل أزمة فيها. تلك أيضاً حال محاولات كريمة زرع الشّكّ في نفس زوج سلمى بعد ابتعاد سلمى عن أبي يوسف واستقرار حياتها الزوجية، وتحريضها الأميرة على الشّكّ في زوجها، واتصالها بزوجة مجاهد للغاية نفسها، إضافة إلى محاولتيها المباشرتين الانحراف بسيارتي مجاهد وعليّ. فقد كان التوتر ينشأ إثر كلّ محاولة من هذه المحاولات، ولكنّ أثره يتلاشى لتستمرّ الرواية بعده كما كانت قبله. وهذا يعني أن التوترات لم تُوظَّف لإنهاء قضية الانتقام في الرواية، بل وُظِّفت لإحيائها كلّما خبت وابتعد السياق الروائيّ عنها. وكأنّ مانع سعيد العتيـبة راغب في أن يستمرّ عرض الحوادث إلى نهاية الرواية، ولكنه يعلم أن الاستمرار في هذا العرض يحتاج إلى منشِّطات روائية ، بحيث يبقى القارىء يتذكّر أن حافز الانتقام هو الدّافع الأساسيّ للحوادث، وأن إنهاءه سيعني إنهاء الرواية. ولهذا السّبب ختم الرواية باقتراب كريمة من النجاح في دسّ السّمّ لأبي يوسف ومجاهد وعليّ، وعدولها عن هذه المحاولة، وتخلّيها عن الانتقام نهائياً، وعودتها إلى أهلها وحياتها الطبيعيّة، بعد اكتشافها أن حادث المرور يمكن أن يقع دون قصد من سائق السّيّارة، وبأن علياً الذي افتداها بنفسه بعد دعسها الرجل في الشارع دون قصد منها لم ينو دعس أبيها، أو يرغب في ذلك. ومن ثَمَّ زال مسوّغ انتقامها منه، كما زال مسوّغ انتقامها من أبي يوسف ومجاهد اللذين دافعا عن عليّ، وأبعدا العقاب عنه لإيمانهما بأن حادث السيّارة قضاء وقدر. ولابدَّ من أن تنتهي الحكاية الروائية بزوال المسوّغ الذي ابتدع حلقاتها وربط بين حوادثها .

 

ثانياً : الرّوائيّ والسّارد

اهتمَّ نقّاد السرديّات ،ولاسيّما البنيويون ،بالعلاقة بين الروائي (مؤلِّف الرواية) والسّارد (الذي يتولّى مهمّة سرد الحكاية داخل الرواية). ونتج عن هذا الاهتمام اجتهادات كثيرة، ومناقشات مستفيضة، ذهب بعضها إلى موت المؤلِّف (بارت) ومسؤولية السارد عن الرواية كلّها. واعترف بعضها الآخر (تودوروف) بالمؤلِّف وسمّاه المؤلِّف الضمني، وخصَّ السارد بمهمّة تقديم الحكاية، أو سردها على المسرود له. ودمج بعض ثالث (جنيت) بين المؤلِّف والسارد ،فعدَّ المؤلِّف صاحب الرواية، وعدَّ السارد شريكاً له فيها. وما من شكّ في أن هذه الاجتهادات وغيرها أسهمت في ترسيخ مفهومات سردية جديدة، وحفزت على مناقشتها(9). بيد أن القضيـة، في أثناء تحليل النصوص الروائيـة، لا تكمن في الانحياز إلى اجتهاد من هذه الاجتهادات  (الغربية مولداً ونشأةً)، ولا في تلفيقها، أي الجمع بينها، بغية الإفادة منها كلّها، بل تكمن في طبيعة النصّ المحلَّل، وفي قدرة المحلِّل على تفكيكه وإعادة تركيبه بعد تمثُّله المفهومات السردية. 

 

ولاشكّ عندي في أن الروائي هو الذي يبدع روايته، ولكن طبيعـة الإبداع السردي التخييلية تدفعه إلى بناء مجتمع روائي يُوهِم بالمجتمع الخارجي الحقيقي، وتجبره على ألا يُحرِّك هذا المجتمع بنفسه ،بل يتركه للسارد ليتصرَّف فيه كما يشاء الروائي، مما يجعل السارد جزءاً من اللعبة الروائية التخييلية، ويُحدِّد مستوى الرواية الفنيّ تبعاً للمكان الذي وضع فيه الروائي سارده، واستناداً إلى قدرة هذا المكان على الإيهام باختفاء الروائي وبمحدودية عِلْم السارد.

 

يمكنني القول، بعد هذا كلّه، إن الروائي مانع سعيد العتيـبة لا يختلف عن الروائيين العرب الآخرين في أنه لم يرغب في إدارة دفّة روايته (كريمة) بشكل مباشر، ومن ثَمَّ اصطنع بوساطة اللغة سارداً ذا مهمّة محدّدة، هي تنظيم تقديم الحكاية الروائية للقارىء. وهـذا السارد جزء من اللعبة الروائية التخييلية، ولكنه ليس جزءاً من الحكاية الروائية. والمشكلة الرئيسة التي سأتحدّث عنها في الفقرة القابلة هي علاقة هذا السارد بالمسرود، أي الحكاية الروائية التي انتدب مانع سعيد العتيـبة السارد لتقديمها للقارىء. وسأسعى ههنا إلى تقديم وجهة نظر في قدرة مانع سعيد العتيـبة على الاختفاء وراء السارد الذي ابتدعه، بغية التمهيد للحديث القابل الذي سيتكفَّل بالإشارة إلى مدى عِلْم السارد.

 

لا يغيب عن قارىء رواية (كريمة) أن شخصية أبي يوسف هي البؤرة المحورية للرواية كلّها، على الرغم من أن عنوان الرواية (كريمة) يوحي بأن البؤرة المحورية هي كريمة. ولستُ، ههنا، في معرض تحليل الشخصيات الروائية، ولكنني ما أفتأ أعتقد بأن إبعاد أبي يوسف عن عنوان الرواية، وهو بؤرتها، لا يعني شيئاً غير محاولة مانع سعيد العتيـبة الاختفاء وراء السارد الذي يروي حكاية انتقام كريمة. ولا يتحقّق هذا الاختفاء لو حملت الروايـة عنواناً يدلّ على أبي يوسف، تبعاً للتشابه بين الروائي (مانع) وشخصية أبي يوسف. والظن بأن هناك تشابهاً شكلياً وآخر فلسفياً بين مانع وأبي يوسف .أما التشابه الشكلي فيوضِّحه التطابق في الجدول الآتي بين أبي يوسف والمعروف من سيرة مانع العتيـبة :

أبو يوسف                                                           مانع

    1-خليجي                                             1-خليجي

    2-من دولة الإمارات                              2-من دولة الإمارات

    3-غني                                               3-غني

    4-شاعر                                             4-شاعر

    5-ذو صلة قويّة بالمغرب                         5-ذو صلة قويّة بالمغرب

يشير الجدول السابق إلى التطابق بين مانع وأبي يوسف، فكلٌّ منهما خليجيّ شاعر ذو صلة قويّة بالمغرب. وهذا التطابق الشكلي ليس مستمداً من إشارات سريعة، كما هي حال الإشارتين في ص 573 وص 617 إلى أن أبا يوسف من دولة الإمارات. أو من إشارات مضمونية متأنية، كما هي حال اهتمام أبي يوسف بالشعر إبداعاً وروايةً، إذ قدَّم في الرواية خمسة وسبعين بيتاً من إبداعه في الشعر الفصيح(10) ، وبيتين من الشعر النبطي(11)، وروى خمسة أبيات لشعراء آخرين(12) .أو حال دولة المغرب التي تدور فيها الحوادث الروائية، فحسب. بل إن التطابق الشكلي مستمدّ أيضاً من خارج رواية كريمة. إذ إن مانع سعيد العتيـبة أصدر عدداً كبيراً من دواوين الشعر، ولديه عادة في هذه الدواوين هي تدوين اسم المكان الذي ألَّف فيه القصيدة، وتاريخ تأليفـه لهـا. وقد راجعتُ ديوان  (ضياع اليقين)(13) ،وهو الديوان التاسع عشر للشاعر العتيـبة، بغية تتبُّع أسماء الأمكنـة والتواريخ الخاصة بقصائد الديوان، وهي أربع وعشرون قصيدة. فلاحظتُ أن عشر قصائد أُلِّفت في الرباط وغنـتوت، خمس في الرباط(14)، وخمس في غنـتوت(15) (قرب تطوان). وهذا يدلّ على صلة العتيـبة القوية بالمغرب، وإنْ كانت تواريخ إبداع هذه القصائد تدلّ على الأمر نفسه على نحو أكثر عمقاً. فالقصائد مؤرَّخة في :

1 /2 /1987    - 13/3/1987 - 8 /5 /1987  - 28/7/1987

 8 /9 /1987    - 9 /9 /1987  - 10/9/1987  - 25/12/1987

- 8 /1 /1988 - 11/3/1988

تدلّ التواريخ على أن العتيـبة حلَّ في المغرب في الشهر الثاني والثالث والخامس والسابع والتاسع والثاني عشر من عام 1987، وفي الشهرين الأول والثالث من عام 1988، وأن وجوده في المغرب لم يكن عابراً، لا يسمح له بالاستقرار الكافي لإبداع قصيدة، بل كان وجوداً يتمتّع بشيء من الاستقرار الزمني والنفسي بحيث يتمكّن من الإبداع الشعري. وهذا كلّه يعني أن صلته بالمغرب كانت قوية متكرّرة راسخة، وهي الصلة نفسها التي رأيناها في سارد رواية (كريمة) ،إذ كانت إشاراته وأوصافه للأمكنة في المغرب تدلّ دلالة واضحة على أنه لا يعرف المغرب معرفة زائر أو سائح، بل معرفة خبير مدقّق. ولاشكّ في أن معرفة العتيـبة بالأمكنة المغربية تسرَّبت إلى رواية (كريمة) بوساطة السارد الذي فضح نيابته عن الروائي العتيـبة باستخدامه معارف الروائـي الذي يختفي وراءه. ولو اختير عنوان (أبي يوسف) للرواية لافتُضح أمر المختفي ،وابتدأ خيط جديد من التحليل يتعلّق بالرواية السيريّة، أو الرواية التي تضمّ قدراً من سيرة صاحبها ،كما هي حال الروايات الأولى للروائيين في الغالب الأعم.

 

أما التشابه الفلسفي بين الروائي (مانع) وأبي يوسف فواضح من رؤيا كلٍّ منهما للعالم. فأبو يوسف شخصية روائية لا تتصف بكتابة الشعر فحسب، بل تملك رؤيا الشاعر للعالم، وهي رؤيا تنطلق من أن الإنسان خيِّر، يستحقّ أن يعيش بأمان بعيداً عـن الظلم وضرورات الحياة المادية، حالم بالحب والحنان، لا يتنصّل من مسؤولياته، ولا يكفّ عن مساعدة الآخرين. وتطيف بهذه الرؤيا مكوِّنات رومانسية عامة في رواية (كريمة)، كالبكاء والموت والانتقام والكراهية والغيرة والمبالغة والانصراف إلى علاقة الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل والعفو والتسامح وما إلى ذلك. تلك أيضاً رؤيا سعيد مانع العتيـبة الشاعر كما تُعبِّر عنها دواوينه، وإنْ لبست – إضافة إلى ما سبق – اللبوس القومي العربي، وتخلّت عن بعض المكوّنات الرومانسية المبثوثة في رواية (كريمة). ولعلّ دراسة مستقلّة عن رؤيا العتيـبة تضفي مزيداً من التحديد على قضية التطابق الفلسفي بين رؤيا الشاعر ورؤيا الشخصية الروائية، وتفضح الروائي المختفي وراء السارد في حال اعتماد (أبي يوسف) عنواناً للرواية.

 

إن العلاقة بين الروائي والسارد حتمية، ولكنها علاقة إبداعية تخضع لشروط الإبداع الروائي وإجراءاته. وقد حرص مانع سعيد العتيـبة على أن يُبْعِد القارىء عن التشابه بينه وبين شخصية أبي يوسف، باختيار كريمة عنواناً للرواية. بيد أن تفكيك نص الرواية يحيل إلى أن الرغبة شيء وتجسيدها شيء آخر، ومن ثَمَّ يفتح كوّة الرواية السيرية، ويزرع الصوى أمام ملامحها في رواية (كريمة). 

 

ثالثاً : السّارد والمسرود   

تبدو العلاقة بين السارد والمسرود في رواية (كريمة) واضحة أول وهلة. ولكن إنعام النظر فيها يشير إلى أنها شائكة، أو أقرب إلى أن تكون ملتبسة، كما هي حالها دائماً في السرد الروائي التقليدي. ذلك لأن السارد في رواية (كريمة) اتخذ وضعية السارد العالم بكل شيء. وهذا السارد هو صاحب الرؤيا من خلف بحسب مصطلح بويون، والرؤيا غير المبأّرة، أو التبئير في درجة الصفر، بحسب مصطلح جنيت(16) . بيد أن تودوروف اهتم به أيضاً، وحرص على توضيح طبيعته التي تبدو مقبولة في أثناء تحليل رواية (كريمة) .فهو يعدُّ هذا السارد أكثر علماً من الشخصية الروائية، بل إنه يقول أكثر مما تعلمه هذه الشخصية. وقد دلّتني تجربة تحليل النصوص الروائيـة على أن هذا السارد العالم بكلّ شيء مراوغ، لا يخلص لطبيعته وحدها، بل يتلوّن أحياناً فيبدو سارداً مساوياً في علمه لما تعلمه الشخصية، ويـبدو في أحايين أخرى أقلّ علماً مما تعلمه الشخصية. ويخيَّل إليَّ أن السارد في رواية  (كريمة) مراوغ جداً، لا يكتفي بالتلوُّن، بل يسعى إلى أن يشمل علمه الشخصيات الروائية كلّها، سواء أكانت رئيسة (كريمة – أبو يوسف – مجاهد) أم ثانوية (الأميرة – سلمى – علي …). ولاشكّ في أن المسرود تأثّر بهذا التلوُّن، فبدت الحكاية الروائية المسرودة متلوّنة بألوانه، ومتّصفة بصفاته، ومتأثّرة بطبيعته. ومن المفيد توضيح هذا الأمر انطلاقاً من المقطع الروائي الآتي :

(رغم كل ساعات العمل الطويلة التي كان يقضيها أبو يوسف سواء في مقر الشركة أو في المنشآت نفسها .. إلا أنه كان دائم الابتسام والرضا .. يذكر التعب ويتظاهر بالارتياح. وكانت كريمة مواكبة لهذا التطور الجديد الذي حدث ومساهمة إلى حد ما في جعل ساعات الراحة لأبي يوسف أشبه ما يكون بالمهرجان .. سواء بتنوع المشروبات التي تعدّها أو الوجبات التي تطلب من الطباخ أن يجهزها .. ولكنها بدأت تلاحظ  أن أبا يوسف لم يعد ذلـك المهتم بها والمتأثر بجمالها .. وهي ترفض بكل تأكيد أن ينظر إليها كخادمة أو جارية. إنها كريمة عبد الرحمن التي يجب أن تحمل اسمه وتصبح زوجته ثم بعد ذلك تقوم بتدميره انتقاماً لأبيها .. ولم تتورع وهي تحاول إيقاعـه في مصيدتها من الظهور أمامه بملابس النوم الشفافة .. بل وأحياناً بملابسها الداخلية حينما كانت تترك باب غرفتها مفتوحاً بحيث لا مفر لديه من رؤيتها وهو يصعد إلى غرفته المجاورة أو ينـزل منها. كانت كريمـة تدرك خطورة سلاح الإغراء على أبي يوسف .. وتعرف أيضاً أنها سيدة هذا السلاح الأولى.. فهي ذات جسم رياضي متناسق .. وأنوثتها لا تقاوم .. وتعجبت كيف لم تستطع رغم مرور أكثر من سنة على معرفتها بالرجل من الإيقاع به. صحيح أنه مصر على النظر إليها بعين الأب، ولكنها لم تفهم كيف يبقى على إصراره وهي تصارحه بأنه لن يكون أباً ولن تكون هي ابنته …)(17) .

 

يدلّ المقطع السابق على أن السارد انتقل من أبي يوسف إلى كريمة، وآثر في خواتيم المقطع أن يمزج بينهما. وما فعله السارد في هذا المقطع يمكن عدُّه نموذجاً لما فعله في الرواية كلّها. فهو غير راغب في التّستُّر وراء إحدى الشخصيات الرئيسة الثلاث (أبو يوسف – كريمة – مجاهد)، بغية سرد الحوادث من وجهة نظرها، بل هو راغب في الانتقال من شخصية إلى أخرى لينقل للقارىء وجهات نظر الشخصيات جميعها في الحدث الروائي. وهذا الانتقال حدَّد علاقته بالحكاية المسرودة، إذ بدا مشرفاً مسيطراً على تنظيم تقديمها للقارىء، يحجب منها ما يرغب في تأخيره وإخفائه، ويُقدِّم منها ما يرى وجوب تقديمه. ولهذا السبب لم ير في المقطع السابق أية ضرورة لتفصيل القول في ساعات العمل الطويلة التي قضاها أبو يوسف في شركته ومنشآته، لأن هذا التفصيل لا يخدم الحكاية الروائية، تبعاً لدورانه حول جانب العمل عند أبي يوسف، وهو جانب لا تلتفت إليه رؤيا رواية (كريمة)، على الرغم من إشاراتها الكثـيرة إلى أهمية مشروعه في المغرب، وترجُّح هذا المشروع بين الربح والخسارة، وإسهام أبي يوسف ومجاهد وغيرهما في الحديث عنه وإعلان الاهتمام به. ذلك لأن الروايـة مهتمّة برصد جوانب العلاقات العاطفية والإنسانية والأدبية عند أبي يوسف ليس غير، وما الإشارات الغزيرة إلى العمل إلا المسوّغ الروائي لوجود أبي يوسف في المغرب بعيداً عن وطنه الإمارات(18). ولهذا كلّـه قدَّم الساردُ المسرودَ في بداية المقطع في هيئة (التلخيص)، تلخيص ساعات العمل الطويلة المرهقة في عبارة واحدة. ولعلّ هذا التلخيص خدم غرض السارد في منح أبي يوسف صفة جديدة فوق صفاته الروائية، هي صبره على العمل الطويل دون أن يشعر الآخرون المحيطون به بإرهاقه وقدرته على أن يُبْعِدهم عن تعبه الخاص بإظهار الارتياح، نقيض التعب.

 

ثم إن هذا التلخيص خدم السارد في شيء آخر له علاقة أساسية بالحكاية المسرودة، هو موقف كريمة من انصراف أبي يوسف إلى العمل ساعات طويلة بغية إنقاذ شركته ومنشآتـه. ولهذا السبب انتقل إلى كريمة مباشرة، وراح ينص على أنها واكبت انصراف أبي يوسف إلى العمل، من خلال تأمينها الطعام والمشروبات له عندما كان يعود إلى (فيلا الراحة). بيد أن هذه المواكبة ليست غير محاولة شكلية من محاولات شكلية كثيرة في الحكاية المسرودة للتقرُّب من أبي يوسف، في حين كانت محاولاتها الجوهرية تكمن في إيقاعه في حبائل جسدها، بغية السيطرة عليه ثم الانتقام منه. وهذا هو مسوّغ انتقال السارد بسرعة من المحاولة الشكلية لتأمين الطعام والشراب لأبي يوسف إلى المحاولة الجوهرية وهي إيقاعه في حبائل جسد كريمة. ولاشكّ في أن حديث السارد، في المقطع السابق، عمّا فعلته كريمة للإيقاع بأبي يوسف يتسم بالحرص على التفصيلات والأمثلة والنـتائج ،حتى إذا انتهى ذلك كله أعلن السارد استمرار المشكلة الروائية، وهي بقاء أبي يوسف ينظر إلى كريمة نظرة أب، وبقاء كريمة ترفض هذه النظرة منه. ومن البديهي القول إن المزج في آخر المقطع خدم الحكاية المسرودة، فأبقاها في حاجة إلى الاندفاع إلى الأمام، وأبقى السارد مستمراً في تنظيم تقديمها للقارىء. 

 

بيد أن علاقة السارد بالمسرود في المقطع السابق لا تقتصر على الانتقال من شخصية إلى أخرى، بغية السيطرة على المسرود، وتقديمه للقارىء بحسب الهدف الروائي … بل تمتدّ إلى أن هذا السارد يعلم الحركة الداخلية للشخصيات التي يتنقَّل بينها، ولا يكتفي بمعرفة حركتها الخارجية. ومن ثَمَّ برزت في المسرود ألفاظ تدلّ على دخيلـة شخصيتي أبي يوسف وكريمة، وهي :

أبو يوسف : يتظاهر – مصرٌّ على .

كريمــة : تلاحظ – ترفض – تدرك – تعرف – تعجبت – لم تفهم.

تشير الألفاظ السابقة – وهي أفعال في الغالب الأعم – إلى أن السارد لم يكتف بالحلول في دخيلة أبي يوسف، أو كريمة، بل حلَّ في دخيلة الشخصيتين معاً ،وكان في أثناء حركته الخارجية بينهما يلج إلى دخيلتهما بالتناوب ،ويعرض ما يتظاهران به، أو ما يلاحظانه، أو يعرفانه، أو يفهمانه … دون أن يترك لهما فرصة التعبير عن ذلك بأنفسهما في المقطع. وهذا ديدنه أيضاً في الحكاية الروائية كلّها، مما يعني أن علمه أكبر من علم شخصياته منفردةً ومجتمعةً ،وأنه مسيطر على حركتها الخارجية والداخلية، معبِّر عن وجهات نظرها بلغته نفسها، وهي لغة غير قادرة، بداهةً، على أن تمنح الشخصيات تمايزاً أسلوبياً في المسرود.

 

وما من شكّ في أن سيطرة السارد على المسرود في رواية (كريمة) تُعبِّر عن شكل من أشكال الرواية العربية التقليدية مازال سائداً رائجاً، تبعاً لإيمانه بأن الرواية ليست شيئاً غير الحكاية التي تروي خبراً مفصَّلاً عن شيء محدَّد، وأن الشخصيات التي تنهض بهذه الحكاية تتمايز بصفاتها وأنواعها ليس غير، وتخضع فيما عدا ذلك لهدف الرواية ومغزاها، وتتحرّك داخل الحكايـة بإرادة السارد، فتبدو دمى أو أشبه بالدمى بين يدي سارد صارم. ويبدو المسرود في هيئته العامـة حكاية أفكار وليس حكاية أفعال، لأن الشخصيات تتكلّم ولا تفعل ،وحين ينتهي كلامها ينتقل السارد بها إلى موقف آخر لتتكلّم من جديد، أو يهملها لينـتقل إلى شخصية أخرى كان أهملها، فيجعلها تنطق وتحاور الآخرين … وهكذا بدا المسرود في رواية (كريمة) في حاجة إلى شيء من الحرية الفنية، بحيث يبدو فعل الشخصية نابعاً من آرائها ومواقفها ودخيلتها ونظرتها إلى الحياة، وتبدو لغتها، تبعاً لذلك، خاصة بها وحدها، معبِّرة عن مستواها الفكري، عاملة على تمييزها من الشخصيات الأخرى.

 

افتتاحية الرواية :

تُقاس افتتاحيّة الرواية استناداً إلى وظيفتها، وهي إدخال القارىء عالم الرواية التخييلي بأبعاده كلها، من خلال تقديم الخلفيّة العامة لهذا العالم والخلفيّة الخاصّة بكل شخصية ليستطيع ربط الخيوط والأحداث التي ستُنسج بعدُ(19). وهذا يعني أن الافتتاحيّة وحدة وظيفيّة أساسيّة من وحدات الرواية، تُمهِّد لما سيأتي بعدها وتفعل فعلها فيه، فضلاً عن أنها تُقدِّم للقارىء المسوغات التخييليّة للحوادث اللاحقة في المجتمع الروائي. وتشير الروايات ذات البناء المتماسك إلى أن الاكتفاء بفقرة صغيرة في عدد قليل من الأسطر لا يستطيع تجسيد وظيفة الافتتاحيّة، ما يعني أن الافتتاحيّة تحتاج إلى شيء من التفصيل يتيح للروائي فرصة بناء نص ذي وحدة وظيفيّة أساسيّة. فافتتاحيّة (بين القصرين) لنجيب محفوظ بلغت تسعاً ومائة صفحة في خمسة عشر فصلاً(20)، في حـين اكتفى فلوبير في (مدام بوفاري) بأربعين صفحة. وإذا كان هذا كله يدلُّ على أن افتتاحيّة الرواية ليست واحدة في الروايات وإن كانت لها وظيفة مشتركة، فإنه يُشجِّع على تعرُّف أساليب الروائيين العرب في بناء الافتتاحيّة الروائيّة. وسأحلِّل هنا افتتاحية الرواية في ثلاثة نصوص لعبد الكريم ناصيف ونص واحد لكوليت خوري ؛ لأنها نموذجات فنية تستحق إنعام النظر.

 

يمكنني القول، بادىء الأمر، إن الطابع العام لروايات عبد الكريم ناصيف طابع رمزيّ، يتيح للمناهج النقدية المعنيّة بالتأويل فرصاً ذهبيّة لتفسير دلالاتها ومعرفة صلاتها بالواقع العربيّ. ولكنّ هذا الطابع لا يمنع من تحليل هذه الروايات من وجهة نظر المنهج البنيويّ ،بعيداً عن أي تأويل أو ربط للنصوص بمرجع خارجيّ. صحيح أن هذا المنهج لا يخدم الناقد الولوع بأحكام القيمة وبالوظيفة الاجتماعيّة التربويّة للنص الروائيّ، ولكنّ الصحيح أيضاً أنه يصف بناء الرواية، ويخدم القارىء في تعرُّف أدبيّتها. ولا تشكو روايات عبد الكريم ناصيف من القدرة على مواجهة المنهج البنيويّ، بل إن الناقد البنيويّ سيلاحظ فيها تدقيقاً ينم على أن صاحبها معني أساساً ببناء رواية فنية، وأن الرمز لديه ليس بديلاً من الواقع أو خشية من تسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقيّة، بل هو سعي فني إلى تخليص هذا الواقع من آنيته والارتقاء به إلى عالم التخيُّل، ذلك العالم القادر على التعبير عن جوهر الواقع وآلية حركته. ولا أشكّ في أن تحليل الافتتاحية في روايات ناصيف  يؤكد هذا الأمر، ويعزِّز اهتمام النقد العربيّ بهذه الافتتاحيّة(21)، وينبّه على أنها وحدة وظيفيّة رئيسة في النصوص الروائيّة المعترف بجودتها. فما أمر هذه الافتتاحيّة في ثلاث روايات لعبد الكريم ناصيف هي: البحث عن نجم القطب(22)، المد والجزر _ الصعود(23)، المخطوفون(24) ؟.

 

حرص عبد الكريم ناصيف في رواياتـه الثلاث على أن تقتصر الافتتاحيّـة على الفصل الأول من الرواية، مع اختلاف واضح في عدد صفحات كل فصل.

ففي : البحث عن نجم القطب             استغرقت الافتتاحيّة اثنتين وعشرين صفحة

وفي : الصعود                  استغرقت الافتتاحيّة ثماني عشرة صفحة

وفي : المخطوفون                         استغرقت الافتتاحيّة ثلاثاً وثلاثين صفحة

فإذا تذكَّرنا تواريخ انتهاء عبد الكريم ناصيف من كتابة رواياته الثلاث (البحث عن نجم القطب : 1980، الصعود : 1985، المخطوفون : 1987)، لاحظنا ذلك الميل إلى إطالة الافتتاحية داخل الفصل الأول من الرواية. والسؤال هنا : ما مسوِّغات إطالة هذه الافتتاحية ؟. أزعم أن هذه الإطالة نابعة من الحاجة الفنية إلى جعل الافتتاحيّة وحدة وظيفيّة أساسيّة في الرواية .

 

ذلك أن نقاد الرواية والعاملين في الحكايات الشعبيّة والأساطير(25) لاحظوا أن النصوص التي حلّلوها تتشبَّث بعدد من الوحدات الوظيفيّة الأساسيّة والفرعيّة. و( كلمة " وظيفيّة " تشير هنا إلى وظيفة هذه الوحدات على نحو مباشر في إطار بناء العمل)(26)، دون أن يكون القصد من التحليل الانتهاء إلى أن  (لكل عمل أدبي وحداته المستقلّة عن الأعمال الأدبيـة الأخرى)(27)، بل القصد هو (الوصول إلى وحدات وظيفية أساسية يمكن استخدامها في تحليل الأعمال الأدبية قديمها وحديثها على السواء)(28). وقد اجتهد البنيويون في هذا الاتجاه ،وانتهوا إلى أن العمل القصصي يضمُّ أربع وحدات وظيفيّة، هي : الخروج والعقد والاختبار والانفصال عن المجتمع والاتصال به(29). ويهمني القـول هنا إن وحدة الخروج تبرز بجلاء في افتتاحية الرواية الجيِّدة، وتغيم أو تتلاشى في الروايات الضعيفة. وكنتُ لاحظتُ ذلك في أثناء تحليلي رواية (المتألق) لعبد النبي حجازي، كما لاحظته سيزا قاسم ونبيلة إبراهيم في الثلاثية وحضرة المحترم لنجيب محفوظ. ويمكنني ترسيخ هذه الملاحظة إذا قلتُ إن عبد الكريم ناصيف عُني بوحدة الخروج في رواياته الثلاث.

 

ففي رواية (البحث عن نجم القطب) ثلاث شخصيات رئيسة، تبرز كلها في الافتتاحيّة راغبة في الخروج من أسر المرحلة السابقة إلى رحاب مرحلة جديدة. فراضي بن طالب الغفران خرج من مرحلة الفقر والكفاح، وتاج الملك خرجت من مرحلة الحريم، وأبو صفوان خرج من مرحلة الصراع بين الإبقاء على زوجه القديمة التي شاركته أيام الفقر والزواج من أخرى تلائم حياة الغنى والرفاه. تتباين الأسباب والخروج واحد تعرضه الكلمات الأولى في الافتتاحية : (لم يعد ثمة ما يخيـف. المستقبل مشرق زاه، السماء تفتح أبوابها على مصاريعها)(30).

 

وفي رواية (الصعود) شخصية رئيسة هي حاتم سعد الدين، تخرج في الافتتاحية من الحياة المدنيّة إلى الحياة العسكريّة، كما تخرج من دفء المنـزل ورعاية الأم إلى مشكلات الحياة السياسية والعسكريـة. ويخرج أدهم وخلدون والحزب من مرحلة الاضطراب إلى مرحلة الانقلاب، وتخرج الأم من مرحلة الاعتماد على ابنها حاتم إلى مرحلة الاعتماد على نفسها.

 

وتتعدَّد شخصيات رواية (المخطوفون)، لكنّها كلها تخرج مـن مدنها وقراها إلى الشاطـىء الآخر. فقبطان السفينة ومساعده رستم يخرجان من مرحلة الحِلِّ والتَّرْحال حالمين بالشاطىء الآخر. والشاعر هايل يخرج من عالم المستنقعات والأوحال إلى عالم الأحلام الجميلة. ورشيقة المحامية تخرج من أرض الظلم والجور إلى أرض الحلم، أرض العدالة. وسماح تخرج من ماضيها التعس إلى حاضر تحلم به. كما يخرج حازم من خيبة آماله في الاستقلال إلى الحلم ذاته. ويخرج زيد شيخ الشباب من معاناته من البطالة إلى الحلم بالعمل. كذلك الأمر بالنسبة إلى عوض الشاوي وصديقه مصباح والعريس. ولذلك يبدو تعميم الافتتاحية المذكور على لسان مصباح صحيحاً : (عوض. اسمع. الناس هنا مثلنا. كلهم مثلنا. رحلوا على أمل الخلاص من الفقر.. الجوع .. الحرمان.. كلهم يحكون عن الحياة الأفضل .. المستقبل الأحسن الذي ينتظرنا هناك على الشاطىء الآخر)(31). والصحيح أيضاً أن الشخصيات المذكورة في افتتاحية (المخطوفون) تتباين في الأسباب التي دفعتها إلى الخروج من مرحلتها السابقة، لكنّها تشترك في تحديد الهدف من الخروج، وهو الوصول إلى الشاطىء الآخر. وهي بذلك تختلف عن افتتاحيتي (البحث عن نجم القطب والصعود). ففي هاتين الروايتين خروج ،لكنّه خروج من مرحلة معروفة إلى مرحلة لم تحدّدها الافتتاحية. أما رواية (المخطوفون) فقد حدّدت ما قبل الخروج وذكرت الهدف. بل إنها جعلت الخروج رحلة، وأكّدت هذه الكلمـة إلى أن أصبحت لازمة إيقاعيّة للافتتاحيّة كلها، كما غدت السفينة وسيلة هذه الرحلة – الحلم. بذلك بدأت الافتتاحية : (رفعت السفينة مراسيها وبدأ الجسر الخشبي بالتحرك فاصلاً السفينة عن رصيف الميناء)(32)، وبه نفسه اختتمت هذه الافتتاحية : (السفينة للجميع، والرحلة حق لكل من يرغب فيها)(33) .

 

إن الخروج نقطة انطلاق من مرحلة سابقة تتصف بالاستقرار إلى مرحلة جديدة تكتفي الافتتاحية بالتمهيد لها أو الإشارة العامة إليها. وإذا كنتُ عددتُ الخروج في الافتتاحية وحدة وظيفيّة أساسيّة فلأن مسار الرواية يعتمد عليها ويتحدَّد تبعاً لها. إذ لا بدَّ للشخصيـة من أن تنطلق من نقطة ما باتجاه نقطة أخرى، وإلا فما معنى وجودها في الرواية ؟.

 

والواضح أن وحدة الخروج الوظيفيّة تتحكَّم في بناء الافتتاحية، فتدفع السرد إلى أن يعلنها في الحاضر ثم يتركها ليوضِّح مسوِّغاتها في الماضي. وهذا ما جعل وظيفة الافتتاحيّة مقصورة على إدخال القارىء عالم الرواية التخييليّ وتوضيح الخلفيّـة العامّـة لهذا العالم والخاصّة بكل شخصية لـه. وليست هذه الخلفيّة العامّة والخاصّة غير تحديد مرحلة الاستقرار السابقة على الخروج. ولهذا السبب اعتاد الروائيون أن يبدؤوا افتتاحياتهم بالحاضر، (في لحظة من لحظات حياة الشخصيات، ثم يعودون إلى الوراء لإعطاء القارىء الخلفيّة اللازمة وإدخاله عالم الرواية الخاص)(34). وليست لذلك ترجمة غير تركيز السرد على الماضي، ماضي الشخصيات قبل إعلان الخروج. وإذا كان الروائيون يشتركون في التركيز على الماضي في افتتاحياتهم(35)، فإنهم يختلفون في بناء هذه الافتتاحيات تبعاً لعدد الشخصيات التي يذكرونها وللرواة الذين يختارونهم للنهوض بالسرد في الحاضر والماضي .

 

ويمكنني القول إن عبد الكريم ناصيف اختار نوعاً واحداً من الرواة في افتتاحيات رواياته الثلاث، هو الراوي المهيمن ؛ ذلك الذي يسرد بضمير الغائب (هو) ويُسْقِط المسافة بينه وبين الحوادث والشخصيات، فيبدو مطَّلعاً على أحوالها في الماضي والحاضر، في سلوكها الخارجيّ وأفكارها وانفعالاتها الداخليّـة. كما يبدو وسيلة نقل ما يعرفه إلى القارىء دون أن يتدخل أو يبدي رأياً فيما يسرد، وكأنه راو شاهد ليس غير. وهذه قائمة بالأفعال التي تدل على اطِّلاع الراوي المهيمن / الشاهد على دخيلة الشخصيات في افتتاحيات الروايات الثلاث :

 

الرواية

البحث عن نجم القطب

الصعود

المخطوفون         الشخصية

راضي بن طالب الغفران

تاج الملك

أبو صفوان

حاتم سعد الدين

أم حاتم

خلدون

مزيد بك

القبطان

رستم

حازم

سماح

رستم

حازم

عوض

ضرغام (العريس)

            الأفعال

يفكِّر ممتعضاً – كانت تراوده أحلام – يتساءل في سرّه – يتذكّر – ظن أنه اكتشف جواباً – يفكّر – يفكّر حالماً – المغطس اللـذيذ يُذكِّره بمغطس آخر.

فكّرت – تُعقِّب في سرّها – تُغمغم لنفسها – تقول في نفسها.

أدرك أن .. – يود لو أن الصدور – يتذكَّر رجلاً أعمى – ينفرج شيء في داخله – يتساءل في سرّه – يتذكّر الآن ليلة قرّر.

فكّر حاتم والحسرة تملأ قلبه – هكذا كان يُفكِّر – ردّد في نفسه – ضحك في سرّه – حاتم يذكر الآن – يشعر لأول مرة – يبتسم في سرّه – قال في سرّه – قال لنفسه – هكـذا شعر حاتم – فجأة يشعر أن. 

في قرارة نفسها تود لو يظل نائماً .

يتساءل في سرّه – يُردِّد لنفسه – شعر خلدون بعدها – تنطلق فكرة في دماغ خلدون.

فكّر مزيد بك .

أحس بها – يدرك أن الطريق – هو يعلم – قال في نفسه – يذكر جيداً – كان معجباً – يشعر في نفسه بعض الضعف – يعلم جيداً – فكّر.

هو يعلم – رستم يشعر.

وهو يستعيد في ذاكرته .

أعجبت – أحست – قالت في سرّها – تزداد قناعة وإيماناً – فكرت أخيراً .

يتذكّر جيداً – سأل نفسه – يُحدِّث نفسه .

صاح في سرّه – كان يكره تلك العادات – وكان في قرارة نفسه يودّ.

تشير القائمة بعد جمع الأفعال ذات الأسرة الاشتقاقيّة الواحدة  في فعل واحد إلى أن هناك خمسة وعشرين فعلاً، لجأ الراوي المهيمن إليها في إعلانه الولوج إلى دخيلة الشخصية. وهذا العدد قليل إذا تذكَّرنا أن عدد صفحات الافتتاحيات الثلاث ثلاث وسبعون صفحة. ويزيد هذا العدد القليل وضوحاً حين نُنعم النظر في النقاط الآتية :

أ – هناك ثلاثة أفعال، هي : فكَّر – يذكر – ودَّ، يُكرِّرها الراوي في افتتاحيات الروايات الثلاث. ويبدو هذا الراوي تبعاً لذلك متشبِّثاً بعدد ضئيل جداً من الأفعال .

ب – تنفرد كل رواية بعدد من الأفعال، هي : يتساءل – أدرك – شعر – قال. وهذا الاشتراك ينم على المرتبة الثانية في سلَّم الأفضليّة لدى الراوي.

ج – إذا قرنا الأفعال بالشخصيات لاحظنا أن هناك ميلاً لدى الراوي إلى التخفيف من تدخُّله في رواية (المخطوفون). فقد تدخَّل خمس عشرة مرة في أثناء حديثه عن ست شخصيات، بينما تدخَّل عشر مرات في حديثه عن ثلاث شخصيات في (البحث عن نجم القطب)، ومثلها في الحديث عن أربع شخصيات في (الصعود). 

 

أما النموذج الثاني للافتتاحيّة الروائيّة فهو نموذج كوليت خوري، وهو نموذج يتمتع بقدرة حكائية تجعل القارىء يتابع النصوص القصصية والروائية من غير أن يشعر بالملل، أو يترك النص قبل الفراغ من قراءته. وعلى الرغم من أن هذه القدرة الحكائية تعبير عن الموهبة، فإن هناك إمكانية لمعرفة قوانينها ومفاتيحها لدى كوليت خوري وغيرها من المبدعين والمبدعات. وههنا،  أعتقد بأن هناك ثلاثة مفاتيح تقود إلى وعي جانب من هذه القدرة الحكائية في رواياتها، هي : الضمير والزمن وافتتاحيـة الروايـة. وقد اخترتُ للحديث عن هذه المفاتيح رواية (أيام مع الأيام)(36)، وجعلتُ تحليل مفتاحي الضمير والزمن جزءاً من تحليل افتتاحية هذه الرواية.

 

بَنَتْ كوليت خوري غالبيّة رواياتها استناداً إلى ضمير المتكلّم. ولم تخالف رواية (أيام مع الأيام) هذه القاعدة الحكائية. فهي مبنية استناداً إلى ضمير المتكلّم لأسمى بطلة الرواية. وليس استعمال ضمير المتكلّم جديداً أو خاصاً بكوليت خوري، بل هو ضمير مألوف في الروايات العربية والأجنبية. وهذا يعني أن القاعدة الحكائية في (أيام مع الأيام) لا تنطلق من اختيار ضمير المتكلّم، بل تنطلق من استعمال هذا الضمير وتوظيفه لخلق المتعة الروائية. ذلك أن ضمير المتكلّم في الرواية يدل على أن الراوي أصبح راوياً ممثَّلاً حين حلَّ في إحدى شخصيات الرواية، وراح يُعبِّر من خلالها عمّا تراه الشخصية وتعرفه وتشعر به، من غير امتداد إلى دخيلة أية شخصية روائية أخرى. وميزة افتتاحية (أيام مع الأيام) تكمن في اعتراف الراويـة بامتلاكها المعرفة الخاصة بعلاقة أسمى بحبيب، ورغبتها في سردها على المتلقِّين، قبل تصريحها باسم الشخصية التي حلّت فيها. بل إن هذه الراوية لجأت إلى صيغة السارد الذي يواجه المسرود لهم، فجعلت رواية الحكاية نابعة من إلحاح المتلقّين وفضولهم البادي في عيونهم :

( سأرويها لكم مادمتم تلحّون، ومادام الفضول يغلي في عيونكم)(37)

 

يلح المتلقّون على الراوية بأن تروي لهم، ويغلي الفضول في عيونهم شوقاً إلى سماع الحكاية. والإلحاح والفضول أثران من آثار الحكاية الشعبية التي تُرْوى مشافهة، تسرَّبا إلى افتتاحية (أيام مع الأيام) ليكونا مسوّغ الرواية .ولكن الراوية سرعان ما قفزت من الحكاية الشعبية إلى الحكاية الروائية، فاستدعت بطلة الرواية في هيئة (ياء المتكلّم) لتحلَّ فيها، وتطرح على لسانها مسوّغاً آخر للرواية هو أنه يلذُّ للبطلة أن تروي شيئاً من أيامها وتاريخها. وهكذا كان هناك مسوّغان للرواية، مسوّغ نابع من إلحاح المتلقّين وفضولهم، وآخر نابع من رغبة البطلة الذاتية في رواية جزء من تاريخها وأيامها. وهذان المسوّغان يثيران شوق القارىء إلى معرفة الحكاية ،ويجعلانه يتهيّأ نفسياً لدخول مغامرتها من وجهة نظر البطلة وحدها. ولا أشك في أن هذا الأمر مهمة من مهمات افتتاحية الرواية، يعافه كثير من الروائيين ظناً منهم بأن السياق يعلّل نفسه أمام القارىء، ومن ثَمَّ يزجون القارىء في الفعل الروائي من غير أن يمهّدوا الطريق الروائية أمامه.

 

وقد عُنيت افتتاحية (أيام مع الأيام) في مقطعها الأول بحافز الراوية إلى الرواية، وجعلت خواتيم هذا المقطع يمهّد للمقطع الثاني الخاص بطبيعة السرد الروائي. ذلك أن الراوية، كما سبق القول، قفزت من المتلقّين إلى الحلول في شخصية البطلة. ولم يكن هذا القفز خالياً من أية وظيفة روائية. إذ إنه سمح للراوية الممثَّلة بالقول إن الحكاية الروائية التي ستسردها جزء من أيامها وتاريخها. وهذا القول يعلّل عنوان الرواية (أيام مع الأيام)، ويبرز الذاكرة على أنها مرجع الحكاية. فالأيام الماضية مختزنة في الذاكرة، ولابدَّ من استرجاعها منها لتوضيح بداية العلاقة بين البطلة وحبيب. ويعني ذلك أيضاً أن الراوية تتحدّث في الزمن الحاضر، ولكنها ستستعيد الزمن الماضي، ومن ثَمَّ يعرف القارىء المتلقّي أنه مُقْبِل على عالم رواية مستمدّ من ماض خاص ببطلة الرواية. وهذه المعرفة تـثير شوقه مرّة أخرى إلى معرفة الحكاية، لأنه شغوف بمعرفة الأسرار التي يملكها الآخرون، وخصوصاً أسرار العلاقات بين الجنسين. 

 

والظّنُّ بأن الراوية الممثَّلة قبضت على ناصية القارىء المتلقّي في نهاية المقطع الأول من افتتاحية الرواية. وهذا ما سهَّل عليها العدول في بداية المقطع الثاني عن تصريح سابق لها برغبتها في أن تروي حكايتها مع حبيب بسرعة، فتقرِّر عدم إيجاز الرواية لطولها. وتطرح في الوقت نفسه شيئاً مهمّاً، هو أنها لن تروي الحكاية تبعاً لتسلسلها الزمني، بل ستنـتقي وتختار. وعلى الرغـم من أن تعليلها للانتقاء كامن في أن الحياة هي الرابط بين أجزاء الحكايـة، وليس للزمن أثر في ذلك، فإن التعليل الضمني لهذا الانتقاء هو التمهيد لطبيعة السرد الروائي، وهو سرد متقطّع، يعتمد على استرجاع الماضي غالباً، ولكنه يقطع الاسترجاع أحياناً ليضع المتلقّي في الحاضر. فضلاً عن رغبة الراوية الممثَّلة في التركيز على حوادث ماضية ذات دلالة وأهمية، وإهمالها ما كان عرضياً هامشياً في علاقتها بحبيب .

 

بيد أن المقطع الثاني من الافتتاحية لا يُبْقي زمن الاسترجاع غائماً، بل يحدّده بثماني سنوات أول الأمر، ثم يزيده تحديداً فيجعله عام 1969. وغرض الرواية من هذا التحديد التمهيد للحديث عن المناخ السائد في سورية في ذلك الزمن، وهو مناخ كابوسي. أو قل :  إن الرواية جعلت المناخ الكابوسي مسوّغ ما أصاب شخصيتها من إحساس مبكّر بالهرم. إذ إنها حُرمت من العمل في التعليم، وأُغلقت مجلة أسرتها فحرمت من العمل الصحفي، وسُجن أخوها، فضلاً عن أنها مطلَّقة، لها طفلان بعيدان عنها يعيشان في مدرسة داخلية في بيروت. ولم يكن تحديد المناخ الكابوسي في هذا المقطع من افتتاحية الرواية غير مهمّة أخرى من مهمّات الافتتاحية، تهدف إلى وضع القارىء في العالم الروائي الذي ما زال مجهولاً بالنسبة إليـه، وهو عالم تخييلي ولكنّ كوليت خوري أوحت إلى القارىء بأنه عالم حقيقي. 

 

وأمر الإيحاء يحتاج هنا إلى وقفة قصيرة. ذلك لأن استعمال ضمير المتكلّم في الرواية يقرِّب المسرود من التعبير عن الشؤون الخاصة. وهذا التقريب شيء آخر غير المطابقة. إذ إن الرواية المسرودة بضمير المتكلّم لا تعني أنها سيرة ذاتية لكاتبها. ولا تختلف رواية (أيام مع الأيام) عن هذا الأمر. إذ إنها ليست سيرة ذاتية لكوليت خوري، بل هي عمل تخييلي ابتدعته مخيِّلة هذه الروائية. بيد أن كوليت التي أَلِفت استعمال ضمير المتكلّم في رواياتها السابقة تعرف أن هناك إمكانية لتوظيف فضول القارىء، بزجه في العمل، وشدِّه إليه،من خلال الإيحاء لـه بشيء أو أشياء مما هو معروف عنها في الواقع الحقيقي. وههنا، في رواية أيام مع الأيام، شيء غير قليل من الإيحاء، منه إهداؤها الرواية لجدّتها أسماء جبرائيل عيد، ثم تسمية بطلة الرواية بأسمى، وهي قصر الاسم الممدود (أسماء)، وتسمية جدّتها بالاسم نفسه في الرواية، والتطابق بين المعلومات التي ذكرتها عن الجدّة في الروايـة(38) والمعلومات التي قدَّمـتها عن جدّتها حـين أهدت لها الرواية (39) . فهما معاً : جدّة بطلة الروايـة وجدّة كوليت خوري، قَدِمتا إلى دمشق من زمن بعيد، قَدِمتا من سهول الرّامة في فلسطين وهما تحملان في قلبيهما هدير بحر عكا. ولاشك في أن هذا التطابق ليس مصادفة، بل هو عمل مقصود للإيحاء بأنّ كوليت خوري تسرد في الرواية حقيقة ما جرى معها. وقد استعانت بشيء آخر يوهم بالمطابقة، هو تحديد الزمن بعام 1969، وقَرْنه بما كان سائداً في سورية آنذاك من انغلاق واتهام. وهذا كله يجعل القارىء يقع أسير كوليت خوري لأنها خدعته بأشياء خاصة وعامة، ودفعته إلى الاعتقاد بأنه مُقْبل على قراءة حوادث حقيقية وضعتها كوليت خوري في قالب روائي ليسهل عليها إيصالها له.

 

وهذا العمل جزء من اللعبة الفنية في افتتاحية رواية (أيام مع الأيام). فهذه الرواية عمل تخييلي في شخصياتها وضميرها وزمنها ،وما الإيهام بالواقعية أو المطابقة إلا حيلة أسلوبية أتقنتها كوليت خوري، وأصبحت جزءاً من افتتاحيات رواياتها عموماً، وافتتاحية رواية (أيام مع الأيام) خصوصاً.

 

وإذا أنعمنا النظر في افتتاحية رواية (أيام مع الأيام) فإننا سنقع على أركان أخرى للافتتاحية لدى كوليت خوري ،هي تحديد المكان والشخصيات .أما المكان فلاحق بالمطابقة السابقة نفسها. إذ إنه يحمل في الرواية أسماء حقيقية للمدن (دمشق – بيروت)، والمقاهي (الهورس شو)، والشوارع (شارع الحمراء) … وما إلى ذلك. واللجوءُ إلى التسميات الحقيقية للأمكنة في الرواية شائع لدى كوليت خوري وغيرها، ولكنه لا يعني غير محاولة الإيهام بواقعية الرواية، لأن المكان الروائي مكان مجازي وإنْ حمل اسماً حقيقياً معروفاً في الواقع الخارجي. إنه مكان تخلقه الكلمات، ويـبنيه الوصف، وتتضح علاقاته حين تخترقه الشخصيات. ولا فرق في ذلك بين مكان يحمل اسماً مختلقاً، وآخر يحمل اسماً حقيقياً. بيد أن افتتاحية الرواية لا تهتمّ باختراق المكان، بل تهتمّ بالتمهيد لهذا الاختراق من خلال تسمية الأمكنة التي ستجري فيها حوادث الرواية. وقد لبـت افتتاحية (أيام مع الأيام) هذه الحاجة، فذكرت مسرح الحوادث، وسوَّغت انتقال بطلة الرواية من مكان إلى آخر. وكان الانتقال نفسه رحلة من دمشق إلى بيروت، بما تتيحه الرحلة الروائية من إمكانية وصف الأمكنة بعد انتهاء الافتتاحية.

 

وأما الشخصيات فهي العناصر التخييلية التي تخلق الحوادث الروائية وتتفاعل معها. ومن مهمّات الافتتاحية الروائية تحديد هذه الشخصيات، والتمهيد لحركتها داخل المجتمع الروائي. ولم أعثر في افتتاحية (أيام مع الأيام) على شيء يخالف هذه المهمّة. إذ كان هناك تحديد للبطلة الرئيسة أسمى، ولحبيب وكمال وفاتن وسعيد ويولاند ونديم، وبيان عام بصفات كل شخصية من هذه الشخصيات، سواء أكانت الصفات خاصة بالمهنة أم المعتقد السياسي أم الطبائع والأمزجـة. والشيء اللافت للنظر هو استعمال (الاستباق الزمني) في أثناء تحديد هذه الشخصيات. فهي تذكر – على سبيل التمثيل لا الحصر - شخصية كمال، وتتحدّث عنها، ثم تستبق الحوادث الروائية بالقول إنها ستتحاشى قدر إمكانها ذكره في أثنـاء سردها قصتها مع حبيب، ولكنه سيطلّ على القارىء من خلال حديثها. وقارىء الرواية سيجد أن هذا الاستباق صحيح، لأن كمالاً لم يغب من الرواية، ولم يكن حاضراً فيها دائماً، بل كان يطل بين حدث وآخر .

 

وما هو أكثر أهمية من الاستباق الزمني لجوء كوليت خوري في أثناء بناء الافتتاحية الروائية إلى المقياس الكمي في تحديد الشخصيات الروائية. وهذا المقياس يعني تحديد الشخصيات من خلال المعلومات التي تبثّها الراوية حين تذكر شخصية من الشخصيات. والواضح أن هناك تدقيقاً في استعمال المقياس الكمي، لأنني لم أعثر على شخصية روائية ذكرتها الافتتاحية دون معلومات توضِّحها. فنديم صديق قديم للبطلة، حرٌّ كريم أديب حزبيّ وفيٌّ، عمره ثلاثون عاماً، سوري لاجىء في لبنان. كذلك الأمر بالنسبة إلى جبران ويولاند وفاتن وسعيد وحبيب. بل هو نفسه بالنسبة إلى البطلة التي وضّحت للقارىء اسمها وسنّها وحالها النفسيـة وزواجها وطلاقها واهتماماتها وعلاقـاتها بالحزب والحزبيـين وما إلى ذلك. وهذا كله إخلاص للمقياس الكمي الذي يدل على أن تحديد الشخصية الروائية لا يتمّ من خلال الاسم الشخصي وحده، بل يحتاج إلى قدر وافر من المعلومات يوضّح طبيعتها العامة أمام القارىء قبل الولوج في الحوادث.

 

أخلص من ذلك كله إلى أن افتتاحيات الروايات التي تحدَّثـتُ عنها تدلّ على أن عبد الكريم ناصيف وكوليت خوري يعيان أهمية الافتتاحية الروائية، وقدرتها على أن تكون مدخلاً لما سيجري في الرواية، فضلاً عن  إدراكهما مكوِّنات هذه الافتتاحية، وتوظيفهما لها في بناء محكم قادر على أن يشدّ القارىء إلى القراءة. ولعلَّ أهمية هذه الروايات تكمن في أنها دلّتنا على أن توافر الوحدة الوظيفيّة دليل على جودة افتتاحيّة الرواية وتماسكها، وأن بناء هذه الوحدة يحتاج إلى عدد وافر من الصفحات الروائية. وليس شكل الوحدة مهمّاً بعد ذلك، سواء أكان رحلة روائية أم كان انتقالاً من موقع إلى آخر. ذلك لأن الوحدة الوظيفيّة، مهما يكن شكلها، قادرة على تحديد مسار الرواية، وطبيعة السرد فيها، فضلاً عن إثارتها شغف القارىء وحفزه إلى القراءة، والتمهيد لبناء الشخصيات واختراق الأمكنة الروائيّة.

 

 

منظور الرّاوي والرّوائيّ

 

 

استقلّت الرواية بنفسها، وشكَّلتْ مجتمعها الفنيّ الخاصّ بها وحدها، ولبست اللبوس الحديث، حين نجحتْ في التمييز بين الأحداث الحقيقيّة والحوادث المتخيَّلة. فكلُّ حدث يدخل الرواية يصبح متخيَّلاً وإنْ كانت أصوله حقيقيّة ؛ لأنه خضع للصوغ اللغويّ والمخيّلة الروائية. ومن ثَمَّ أصبح من اليسير التمييز بين روايـة مبنيّة استناداً إلى (منظور الراوي)، وأخرى مبنيّة استناداً إلى (منظور الروائيّ). فالمنظور الأول تخييليّ والمنظور الثاني حقيقيّ. الأول يبتدع ويُحلِّق بأجنحة الخيال، والثاني ينسخ ويجهد في إحياء الواقع الحقيقيّ والتاريخيّ. ولكلّ منهما شؤون وشجون، يحسن تحليلها والإفادة من نتائـجها في التمييز بين الروايات. وقد اخترتُ، هنا، روايتين لعبد الكريم ناصيف وسلطان القاسمي، تُمثِّلان المنظورين المذكورين (الراوي والروائي)، وتستطيعان، بمستواهما الفني، الدلالة على جانب آخر من بناء الرواية العربيّة.

 

منظور الرّاوي :

إذا أنعمنا النظر في رواية عبد الكريم ناصيف (الطريق إلى الشمس، تشريقة آل المرّ)(1)، انطلاقاً من أنها نصّ مغلق على نفسه ،مكتف بقوانينه، لاحظنا الهيمنة المطلقـة للراوي العالم. وإذا كان السرد هو الفعل الذي ينـتجه الراوي عادةً، فإننا نغامر من البداية بالقول إن السرد يطغى على العرض – وهو كلام الشخصيات – في رواية (الطريق إلى الشمس) .وقد نتج من هذا الطغيان فقدان التوازن داخل نصّ الروايـة بين السرد والعرض. فالكـثرة الكاثرة من النصّ سردية، والجزء القليل الباقي كلام مباشر للشخصيات الروائية، اعتدنا تسميته حواراً تمييزاً له من كلام الشخصيات ونجواها داخل السرد نفسه. والأمل أن تُفهَم الإشارة إلى فقدان التوازن على أنها إشارة وصفية وليست حكم قيمة سلبياً أو إيجابياً. إنها وصف يُحدِّد الطابع العام لرواية (الطريق إلى الشمس)، ويعلن أهمية تحليل السرد لفهم منظور الراوي والتبئير، وما يرتبط بذلك من مظاهر سردية.

 

إن الهيمنة المطلقة هي منظور الراوي في (الطريق إلى الشمس)، أو نظرتـه المتحكِّمة في صياغة السرد. ففي السرد علامات كثيرة تدلّ على أن الهيمنة المطلقة هـي الشكل الذي يُدرك الراوي بوساطته العالم الروائي. أولها الإخبار عن الحوادث. فهو محيط بالحوادث كلها، عالم بتفصيلاتها، حريص على أن يُقدّمها للمرويّ لـه، سواء أتمت في زمن واحد أم في أزمنة مختلفة، وفي بيئة واحدة أم بيئات عدّة. وثانيها معرفة حاضر الشخصيات وماضيها، سلوكها الخارجي وأفكارها ونجواها الذاتية. وفي السرد أفعال كثيرة تدل على معرفة الراوي بدخيلة الشخصيات، أبرزها : (يعلم – يشعر – يتساءل)(2). وتُسْتَعمَل هذه الأفعال منفية أحياناً، فعزيز لا يعلم أو لا يدري أو لم يكن يتساءل، وما إلى ذلك(3)  من الدلالات على أن الراوي أكثر معرفة من الشخصيات .وثالثها التعليق والتوضيح والشرح والتفصيل. وقد استعمل الراوي لفظة (الحقيقة) مدخلاً إلى التعليـق على أمر ذكره في السرد. وعلى الرغم من أنه أهمل هذه اللفظـة أحياناً، فإن هذا الإهمال لم يحجب وظيفة التعليق التي تبدو أثيرة لدى الراوي. فقد استعملها في الصفحة الأولى من الرواية مرتين، حين ذكر آذار والمصاطب الجبلية. واستمر يستعملها بعد ذلك، ويُخصّص لها في الغالب الأعم مقاطع سردية مستقلة.

 

وليس لتعليق الراوي في (الطريق إلى الشمس) مناسبة محدَّدة .ويُخيَّل إليَّ أنه يُعلِّق على الأمور ليعطي ما يجري في الحاضر امتداداً في الماضي. تلك حاله في أثناء سيطرة المجاعة على سكان أم العيون. فقد اهتدى السكّان إلى حلٍّ لهذه المجاعة هو (جني النباتات)، فعلَّق الراوي على هذا الحل قائلاً : (فالمرأة تمضي إلى الأرض تجمع من خيراتها نباتات تغذي، درنات، حبوباً، ثماراً، بعضها يؤكل وبعضها الآخر يطهى .في البداية حين لم يكن الإنسان قد اكتشف النار لم تكن المرأة تطهو شيئاً مما تجمعه، كما لم يكن الرجل يفعل ذلك بما يأتي به من صيد، كله نيء يؤكل ليرد غائلة الجوع، تماماً كما يفعل أخوتـه من الحيوانات الأخرى. لكن الإنسان تطور، اكتشف النار، صنع الأواني، اخترع الأدوات التي يطهى بها الطعام، وراح يشق طريقـه المختلف بما ميزه عن سائر الحيوانات الأخرى، وجعلـه سيد الكون بلا منازع)(4) .

 

والراوي، في أحايين أخرى، يُعلِّق ليُوضِّح شيئاً. فقد نصّ على أن  (الأعشاب الطويلة) تحول أحياناً بين النساء وبحثهنّ عن (الفطر والكمأة والعكّوب). ولكنه لم يكتف بذلك لاعتقاده بأن حيلولة الأعشاب دون عثور النساء على الفطر والكمأة قضية غير واضحة وغير مسوّغة لدى المرويّ له، ولهذا السبب راح يشرح الفروق بين الفطر والكمأة والعكّوب في التخفي داخل التربة(5). وربما علّق الراوي على شيء ليُعلّل حدوثه، كما هي حال إشارته إلى أن سكّان أم العيون لا يملكون المال. فقد علّل ذلك بأنهم أبناء الطبيعة(6). ومهما يكن الأمر فإن تعليقات الراوي نوع من التدخُّل في المحكيّ، ينم على رغبته في التوضيح والشرح والتعليل، انطلاقاً من أنه يَعْلم ويُعلِّم. ومن ثَمَّ لجأ في عدد غير قليل من مواضع التعليـق إلى افتتـاح تعليقه بلفظة  (الحقيقة)(7)، وهي الدليل على أنه ينظر إلى العالم الروائي نظرة العالم الذي يملك وحده الحقيقة، ويستطيع البوح بها في المكان الروائي الذي يراه مناسباً .وادّعاء الحقيقة إرث قديم يسعى الراوي في  (الطريق إلى الشمس) إلى التذكير به، وإحياء استعماله.

 

العلامات الثلاث السابقة (الإخبار عن الحوادث – معرفة أحوال الشخصيات – التعليق والشرح) واضحة في السرد، تدل على أن الراوي يدرك عالمه الروائي إدراك هيمنة مطلقة، ويجعل هذه النظرة، أو المنظور، تتحكَّم في صياغة السرد كله، من بداية الرواية إلى نهايتها. ولابدّ من أن نقبـل الراوي على هذه الصورة، بعيداً عن أي حكم قيمة سلبي أو إيجابي. ذلك لأن هذه الصورة تدلّ على طبيعة الراوي في السرد الروائي التقليديّ. وقد اختار راوي (الطريق إلى الشمس) أن يُقدِّم سرداً تقليدياً ،وسمح لنفسه أن يتحكّم بصياغته. وهذا الاختيار معروف شائع، يُشكِّل جزءاً من أسلوبية الرواية التقليدية. وليس من النقد مضاهاته ومقارنته باختيارات أخرى، كالراوي الممثَّل وتعدُّد الرواة … بل يكمن النقد في الاعتراف به أسلوباً، له جمالياته وروّاده في الرواية العربية، ومن ثَمَّ تحليله لتحديد خصائصه وتباينه بين الروائيين.

 

أعتقد، انطلاقاً مما سبق، بأن منظور الراوي في (الطريق إلى الشمس) يمتاز من المنظور السائد في الرواية التقليدية بخمس سمات، هي :

 

1 – إنه منظور واسع وليس ضيِّقاً ذاتياً. ذلك لأن الراوي لم يقتصر على وجهة نظر عزيز، وهو الشخصية المحورية، بل امتدّ إلى وجهات نظر الشخصيات الأخرى، وهي كثيرة في الرواية. كما أنه لم يقتصر على حدث النـزوح من الريحانة إلى أم العيون، بل امتدّ إلى حياة القبائل العربيـة في بادية الشام، راصداً عاداتها وتقاليدها وطبيعة الحِلِّ والتَّرحَال عندها. كما امتدّ إلى ثورة الشريـف حسين على العثمانيين، ورافق الجيش العربي من العقبة إلى دمشق، وتوقّف عند بعض المعارك التي خاضها ،وطبيعة علاقاته بالانكليز. ولم يكتف منظور الراوي بهذا كله، بل راح يشمل العلاقات العاطفية بين عدد من شخصيات الرواية، ويُصوّر أفراح النازحين وأتراحهم، ويلاحق حياتهم الجديدة في أم العيون من جوانبها الاقتصادية والاجتماعية. وباختصار، فقد اتسع منظور الراوي اتساعاً كبيراً، فبدا شاملاً الجوانب الأسرية والاجتماعية والإنسانية والوطنية والقومية، راغباً في أن يُعبِّر السرد عنها كلها من خلال حكاية عزيز وأسرته .

 

2 – إنه منظور ذو معرفة مطلقة متعدّدة الزّوايا. ذلك لأن الراوي في السرد التقليديّ يعرف الحوادث والمشاعر والأفكار ،ويُقدّمها للمرويّ له بعد حدوثها. أما الراوي في (الطريق إلى الشمس) فتبدو معرفته الكلية متعدّدة الزوايا، لأنه يُقدّم الحوادث والمشاعر والأفكار مباشرة كما تعيها الشخصيات. ويحرص من أجل ذلك على التّدرُّج ؛ أي تقديم هذه الحوادث والمشاعر كما تعيها إحدى الشخصيات، ثم تقديمها كما تعيها شخصية أخرى. وأبرز الأمثلة على ذلك تفكير عزيز في شمس في أثناء مشاركته في القتال، ثم تفكير شمس في عزيز في الزمن نفسه، وما لقيته من صعوبات في سبيل الاستمرار في انتظار عودته إليها . وتشمل المعرفة المطلقة زوايا أخرى كثيرة، كالزراعة والصيد والعادات والتقاليد والقتال والمناخ والشِّعر الشعبي والفصيح والأمثال، وما إلى ذلك مما يشير إلى الذاكرة الثقافية للراوي، وهي ذاكرة يمتاز بها الرواة في روايات عبد الكريم ناصيف الأخرى. ويتصل بهذه الذاكرة الثقافية إيرادُ أبيات من الشعر الفصيح والشعبي تُعبِّر عن موقف أو تُعزِّز حدثاً، وذِكْرُ وثائق تاريخية كالرسالتين المتبادلتين بين سليم الأطرش وسلطان الأطرش، واستعمالُ نصوص من مذكِّرات صبري البديوي مع النص في الهامش على ذلك(8)، وكأن الراوي دارس منهجي يعرف أسس البحث وما تقتضيه من أمانة علمية. 

 

3 – إنه منظور منحاز في لبوس حياديّ. فالراوي في السرد التقليدي حيادي أو منحاز إلى قيم إحدى الشخصيات الروائية، ولكنه لا يكون حيادياً ومنحازاً في الوقت نفسه. أما الراوي في (الطريق إلى الشمس) فيتخذ لنفسه لبوس الحيادي ،ويروح يُصوّر المواقف ويُقدّم الشخصيات من غير إيحاء بموافقته عليها أو اختلافه عنها. تلـك حاله في أثناء تصوير أبي شعيب وهو يُعذِّب عزيزاً ويهينه في المخفر. فهو لا يبدي في هذا التصوير انحيازاً إلى أبي شعيب أو عزيز، بل يسرد الموقف وهو بعيد عنه، مرتفع فوقه، وكأنه شاهد عليه ليس غير. ولم يختلف الأمر في موقف سابق معاكس، تمكّن عزيز فيه من إهانة أبي شعيب أمام سكّان الريحانة بإيقاعـه أرضاً. فقد صوّر الراوي الحـدث بحيادية لا أثر للانحياز فيها. كذلك الأمر حين غزا البدو قرية الصابرة، وحين عضَّ الجوع سكّان أم العيون، وحين اكتشف عزيز أن الفارس الملثم بنت وليس ذكراً. ففي هذه المواقف كلها يبدو حياد الراوي أصيلاً لا يغمز من قناته شيء.

 

 

ولكن إنعام النظر في الرواية يقودني إلى أن هذا الحياد لبوس يخفي وراءه انحيازاً كاملاً للقيم التي يمثّلها عزيز ومَنْ يتصل به من أهل وجيران وأحبة وأصدقاء. فللشر في الرواية مصدر واحد هو المستعمر التركي. وأبو شعيب في الرواية واحد من ممثّلي هذا المستعمر. فهو يلاحق عزيزاً ويُعذّبه ويحرق منازل الريحانة ويقود شبابها إلى حرب (الترعة). والدرك في شوارع (سَلَمْيَة) هم الذين قادوا (عمران) أخا عزيز إلى حرب الترعة حيث مات وهو ضعيف البنية غير صالح للقتال. أما عزيز وأهله وجيرانه وأصدقاؤه فهم في الرواية مصدر الخير. لا يصدر عن أحدهم شرّ أو ظلم أو فعل قبيح. وإنْ شذَّ بعضهم، كعليا زوج عمران، عاد إلى رشده سريعاً ولم يُخلِّف وراءه أذى. لا يختلف في هذا الطِّيْب مَنْ بقي في الريحانة ومَنْ هاجر منها إلى أم العيون ،كما لا تختلف فيه الصابرة عن قبيلة أبي نوّاف … وهذا كله جعل الرواية تطرح قيمتين متناقضتين : الخير والشرّ، وتُشجِّع المروي لـه بشكل غير مباشر على أن ينحاز إلى الخير. وهذا – في رأيي – هو موقف الانحياز لدى الراوي، وهو موقف غير مباشر يتخذ من الحياد وسيلـة للتعاطف مع الطّيّـبين الصابرين الذين هاجروا بأموالهم وأنفسهم دفعاً للشرّ عنهم.   

 

4 – إنه منظور موضوعي متعدِّد التبئيرات. فالراوي يسرد الحوادث ويُقـدِّم الشخصيات بضمير الغائب، وهـذا السرد موضوعي لأنه لا يُحيل إلى أي متكلّم، ويجـعل الخطاب غير مباشر. وهو، بذلك، يختلف عن الحوار الذي يتصف بالذاتية لأنه يحيل إلى متكلّم محدَّد وخطاب مباشر. وقد استند السرديون إلى هذا التقسيم في أثناء حديثهم عن التبئير أو الزاوية التي يرى الراوي منها الحوادث والشخصيات. ومن ثَمَّ نصُّوا على أن السرد الموضوعي لا يضم أي تبئير ،أو هو – حسب مصطلحاتهم – تبئير في درجة الصفر. أي أنه سرد لا يُحدّد الراوي فيه زاوية ينظر منها إلى الحوادث والشخصيات. بيد أنني لاحظتُ أن المنظور الموضوعي للراوي في (الطريق إلى الشمس) لا ينصاع لما قرّره السرديون، بل يخالفهم في أنه متعدِّد التبئيرات. فيه تبئير في درجة الصفر، وتبئير خارجي، وتبئير داخلي ثابت ومتغيِّر ومتعدِّد .ومنطلق الملاحظة عندي هو أنني لم أجعل الضمير النحوي معياراً وحيداً للكشف عن التبئير في السرد، بل أضفتُ إليه الضمير اللساني، أي المبئِّر الذي يُقدَّم المحكيُّ أو الموضوع المبأَّر من وجهة نظره أو زاوية رؤيته. وهذه ثلاثة مقاطع سردية تُوضّح ما قلتُه :

 

أ – (أكثر من مرة كانوا قد تداولوا فيما بينهم أمر الرحيل إلى الشرق. فالسهول هناك واسعة يمكنهم أن يزرعوها مئات الأمداد من الحنطـة والشعير، يمكن أن يربوا فيها الماعز والأغنام ..)(9). هذا المقطع السردي غير مبأَّر، لأن الراوي فيه لم ينظر إلى الحدث المحكيّ من زاويـة أيـة شخصية من شخصيات الرواية، بل تركه عاماً موضوعياً.

ب – (كان زي الرجلين الغريب، بذلك السروال الأسود والكوفية السوداء والعقال الثخين قد لفت نظر الدرك. وحين أجابهم أبو خليل عن سؤالهم " من أنت ؟ " لفت انتباههم أيضاً لهجته الغريبة. وإذ طلبوا الهويات ولم تقدم لهم فرح الدرك لوقوعهم على صيد ثمين ..)(10). هذا المقطع مبأَّر تبئيراً خارجياً، لأن الراوي سرد المحكيَّ من وجهة نظر الدرك، وقصره على السلوك الخارجي لهم ولم يُقدِّم للمرويِّ له أيَّ شيء يتعلّق بدخيلتهم.

ج – (كان يعلم أن المعركة صعبة وغير متكافئة، لكنه لم يكن قادراً على التراجع، فالاستسلام يعني الذل، والذل هو الموت بعينه : " إذن مت عزيزاً رافع الرأس " .وأحس بدفقة هائلة من القوة تملأ صدره، رأسه، ذراعيه.)(11). هذا المقطـع مبأَّر تبئيراً داخلياً ؛ لأن الـراوي سرد المحكيَّ من وجهة نظر عزيز وحدها، راصداً دخيلته في أثناء مواجهة الحدث الخارجي. والتبئير الداخلي هنا ثابت لأنه رصد دخيلة شخصية واحدة، ولكن السرد في (الطريق إلى الشمس) ضمَّ أمثلة أخرى للتبئير الداخلي المتعدِّد رُصِد الحدثُ المحكيُّ فيها من دخيلة شخصية ثم أخرى ثم ثالثة : (فالمصاب الجديد أنسى نرجس مصابها القديم. بل لم تعد تحس أن لها ركبة توجعها، فأطلقت العنان ليديها تلطمان وجهها ولفمها يولول ولعينيها تسكبان الدموع. أبو خليل حاول تهدئتها، لكنه لم يستطع. هو نفسه كان ممزق القلب، يجيء لمداواة الفتاة فيفقد الفتى)(12). لقد انتقل التبئير الداخلي المتعدّد في هذا المقطع من نرجس إلى أبي خليل، ولكنه كعادة التبئيرات في (الطريق إلى الشمس) جَمَعَ بين التبئير الخارجي والداخلي.

 

 

ومهما يكن أمر هذه التبئيرات فإنها كلها واضحة في السرد الموضوعي بضـمير الغائب. وهذا يقودنا إلى أن الدلالة النحوية لضمير الغائب ليست معياراً وحيداً للتبئير، لأنها وحدها تدلّ على اللاتبئير أو التبئير في درجة الصفر. ومن المفيد أن نضيف معياراً آخر يراعي الضمير اللساني أو زاوية نظر المبئِّر إلى الموضوع المبأَّر .فهذا الضمير يدلّ على أن الراوي في (الطريق إلى الشمس) نوَّع الصيغ السردية من خلال تعدُّد التبئيرات، فقدَّم سرداً موضوعياً خالياً من التبئير، وآخر من زاويـة نظر إحدى الشخصيات، سواء أكان التبئير خارجياً أم داخلياً، ما يشير إلى أن منظور الراوي موضوعي يستعمل في السرد ضمير الغائب وحده، ولكنه يصوغ السرد يحيث يؤدي ضـمير الغائب ما يؤديه ضمير المتكلّم من تبئير. 

 

5 – إنه منظور ملتحم بوجهات نظر الشخصيات. ذلك أن الراوي، كما سبق القول، منحاز للقيم التي تمثِّلها الشخصيات الخيِّرة في الرواية، ولم تكن حياديته في أثناء تصوير المواقف المناهضة لهذه القيم غير لبوس لا يُخفي انحيازه لعزيز وأهله وأصدقائه. وقد عبَّرت الرواية عن هذا الانحياز بتخصيص جزء قليل من مساحتها للحوار الذي قدَّمت الشخصيات من خلاله بعضاً من وجهات نظرها في الحوادث والشخصيات. وتركت للسرد، وهو المهيمن، فرصاً وافرة للتعبير عن جوانب من وجهات نظر الشخصيات لم يتح للحوار التعبير عنها. إضافة إلى أن الرواية سمحت للسرد بتقديم التفصيلات الخاصة بوجهات نظر الشخصيات وأبعادها وخلفياتها، فبدا السرد المعبِّر تعبيراً مباشراً عن منظور الراوي ملتحماً بوجهات نظر هذه الشخصيات. يدلّ على ذلك أمران : أمر واضح هو عزوف الراوي طوال الرواية عن التعبير عن وجهات نظر الشخصيات العثمانية المناهضة لعزيز وأهله. وأمر يحتاج إلى توضيح هو جَعْل الشخصيات تُعبِّر عن تفصيلات وجهات نظرها وأبعادها في السرد بوساطة كلامها ونجواها الذاتية.

 

وههنا أميّز بين الحوار وكلام الشخصيات ونجواها بالقول إن الحوار يحتاج إلى متحاورين. فإذا تكلّمت الشخصيـة دون أن يكون هناك مَنْ يحاورها أُطلق على ذلك مصطلح (كلام الشخصيات). وإذا حدَّثت الشخصيـات نفسها حافظت على المصطلح الشائع (النجوى الذاتية). ويمكنني القول بعد هذا التمييز إن الحوار في (الطريق إلى الشمس) استقلّ بنفسه. أما كلام الشخصيات والنجوى فقد حرص الراوي على أن يدمجهما في السرد، ويجعل الشخصيات تُقدِّم تفصيلات وجهات نظرها من خلالهما، معبِّراً بوساطة ذلك عن التحام منظوره بها.

 

ومن المفيد أن نلاحظ هنا تنوُّع الصيغ السردية الدالة على التحام منظور الراوي بوجهات نظر الشخصيات. من ذلك مثلاً المقطع الآتي : (أحس بالاستغراب، لكن استغرابه زال وهو يعيد التفكير فيرى أن سلوكهن ينسجم مع ذواتهن  " أليست المرأة كائناً أنانياً ؟ إذن لماذا يفكرن به إن كان لا يريد الزواج أبداً ؟ لماذا يهتممن به وهو غير ذي نفع لهن ؟ " وحل محل الاستغراب نوع من الراحة والاطمئنان)(13). يضمّ المقـطع السابق كلاماً لعزيز ميَّزه الراوي من السرد بوضعه بين علامتي تنصيص. ولابدّ من أن نلاحظ في هذه الصيغة السردية التي يُميَّز كلام الشخصية فيها من السرد إمكانية نسبة الكلام إلى عزيز بتحويل الضمير من الغائب إلى المتكلّم من غير أن يتغيّر شيء في المعنى. وقد توافرت هذه الإمكانية هنا، بحيث نستطيـع تجسيد التحويل على النحو الآتي : (أليست المرأة كائناً أنانياً ؟ إذن لماذا يفكِّرنَ بي إن كنتُ لا أريد الزواج أبداً ؟ لماذا يهتممن بي وأنا غير ذي نفع لهنّ ؟). هـذه الإشارة إلى التحويل ضرورية، لأن السرد قدَّم كلام الشخصيات بصيغتين أخريين : ذكر في الأولى كلام الشخصيات بضمير المتكلّم مع المحافظة على تمييزه بعلامتي تنصيص .وذكر في الثانية نصَّ كلام الشخصية بضمير الغائب أو المتكلّم من غير علامتي تنصيص. وفي هذه الصيغة الأخيرة يكثر اللبس، ويبدو التحويل معياراً لتمييز كلام الشخصية من كلام الراوي، كما هي الحال في المثالين الآتيين : الأول منهما قابل للتحويل فيُعَدُّ كلاماً لعزيز، والثاني غير قابل للتحويل فيُعَدُّ كلام الراوي.

 

- (أحس عزيز برغبة شديدة في البكاء. أين أم يونس تستقبله بذراعيها المفتوحتين ؟ أين أبوه بجلاله ومهابته ؟ أين نرجس ؟ الإخوة، الأطفال ؟ ماذا حل بهم، أين أراضيهم ؟.)(14) 

- (لا يملك عزيز إلا أن يقف بارد الجسم، موهن الأطراف، كأنما يحمل على ظهره أثقال الأرض كلَّها. أمسكه حامد بيد وأمسكته سعدى باليد الأخرى. دفء ما تسرَّب إلى راحة يده عبر مسام الكف التي أطبقتها سعدى على يده. حنان ما .. راحة ما ..)(15)

إن تنوُّع الصيغ السردية، وخصوصاً تلك التي خلت من علامتي التنصيص، يدلّ على اقتراب منظور الراوي من كلام الشخصيات، حتى إنهما يلتحمان فيعسر تمييز أحدهما من الآخر. يُعزِّز ذلك ما لاحظتُه من غزارة النجوى الذاتية في السرد، ومن حرصٍ على التنوُّع نفسه في الصيغ السردية، وعلى الإتيان بفعلٍ دالٍّ على النجوى، هو في الغالب الأعم : (تساءل)، وأحيـاناً : (فكَّر)، يمنع التداخل بين النجوى وكلام الراوي .على أن مقاطع النجوى تشير إلى أمر آخر، هو عناية منظور الراوي بمنظور عزيز. إذ إن هذه المقاطع انصرفت – غالباً – إلى نجوى عزيز الداخلية، فدلّت على أن منظور الراوي واسع، يشمل الشخصيات الروائية كلَّها تقريباً، ولكنه يركِّز في أثناء ذلك تركيزاً واضحاً على وجهة نظر عزيز، ويبدو أكثر التصاقاً بها وقرباً من قيمها ونظرتها إلى العالم المحيط بها، حتى إنه سما بها فجعلها مثالاً للتمرُّد على الظلم والظالمين، وللشجاعـة والمـغامرة والتوق إلى المعالي، وللبراءة، ولعفة النفس حتى إن النساء يتهافتنَ عليه، فضلاً عن صفاته الخَلْقية التي جعلت بنيته قوية قادرة على تحمُّل الصعاب.

 

أخلص مما سبق إلى أن (منظور الراوي) مفهوم فنيّ يشير إلى التحكُّم في السرد. وقد دلَّ هذا المنظور في (الطريق إلى الشمس) على راو مهيمن ذي منظور واسع ومعرفة مطلقة، فضلاً عن موضوعيته وتعدُّد تبئيراته والتحامه بوجهات نظر الشخصيات الروائية. ولا بدَّ من أن نتابع التحليل لنلاحظ اختلاف (منظور الروائي) عن (منظور الراوي).

 

منظور الروائي :

ليست العلاقة بين الحقيقيّ والمتخيَّل جديدة، ولا خاصّة بالرواية التاريخية. فقد عرف النقد الواقعيّ ذو الاتجاه الاجتماعيّ ضروباً من محاولات تقنين الحقيقيّ في الرواية عموماً، والرواية التاريخية خصوصاً. ولم يكن غريباً أن يبذل أتباع هذا النقد الوقت والجهد في تعديل النظرة إلى التاريخ خارج الرواية وداخلها، وأن يهتموا – كما هي حال جورج لوكاتش في كتابه : الرواية التاريخية  – بالتبئير التاريخي، دون أن يستعملوا هذا المصطلح، تبعاً لاهتمامهم المباشر بصانعي التاريخ الحقيقيين، ونبذهم التاريخ الرسمي وتشكيكهم في تمثيله الماضي. ولكن الغريب أن تتطوّر الروايـة التاريخية خارج الحقل الواقعيّ، وأن تنمو في اتجاه تفسير الحاضر وفهم آلياته من خلال الماضي نفسه، مكوِّنةً جماليتها الخاصة، وردود أفعالها على الحاضر، وكأنّ الروائيين أصبحوا راغبين في قراءة ما لم يقله التاريخ بأكثر من رغبتهم في إعادة إنتاج ما سطَّرته كتب التاريخ.

 

وقد تعقَّدت العلاقة بين الحقيقيّ والمتخيَّل نتيجة ذلك كله، وبرزت الحاجـة إلى قراءات روائية وتحليلات ترجع إلى المفهومات الواضحة المحدَّدة التي تُعين على فهم أساليب الرواية في هضم التاريخ وتحويله إلى التاريخيّ، وتقنين ألوانه وتبئيراته. وقد رأيتُ من المفيد أن أستند هنا إلى نموذج محدَّد،هو رواية (الأمير الثائر) للشيخ الدّكتور سلطان بن محمّد القاسميّ، دون أن أتنازل عن الضبط المنهجيّ وما يستدعيه من دقّة في استعمال المصطلحات.

 

بداية التاريخ، نهاية الرواية  : 

كتب الدّكتور سلطان بن محمّد القاسميّ المقدمـة الآتيـة لروايته (الأمير الثائر)، وذيَّلها بتوقيع (المؤلِّف) : (إن قصة الأمير الثائر هي قصة حقيقيّة، فإن كل مـا جاء فيها من أحداث وأسماء شخصيات ومواقع موثّقة توثيقاً صحيحاً في مكتبتي، ولا يوجد بها أي نوع من نسج الخيال أو زخرف الكلام. أقدِّمها للقارىء العربي ليطَّلع من خلالها على جزء من تاريخه في الخليج العربي)(16).

 

لاشكّ في أن الرواية، أية رواية، لا تحتاج إلى مقدمة، لأنها تُقدِّم نفسها بنفسها للقارىء، فتضعه في مجتمعها، وتستطيع التأثير فيه من خلال قدرتها على إمتاعه وإقناعه .ولكنّ الروائيين يخالفون السائد أحياناً، فيكتبون لرواياتهم مقدّمات تشي، عادةً، بما يعتمل في دخيلتهم حول الموضوعات التي يرغبون في تقديمها(17) .وما رواية (الأمير الثائر) إلا نموذج لهذا الأمر. فقـد كتب سلطان بن محمّد القاسميّ لهذه الرواية مقدّمة تشي بمجموعة من رغباته التي تخصّ العلاقة بين الرواية (وهي الجنس الأدبي الذي اختاره شكلاً للتعبير) وتاريخ الأمير مهنا (وهو الموضوع الذي رغب في تقديمه للقارىء). ولابدَّ من تحليل المقدّمة لتوضيح الرغبات الكامنة وراءها ،وما يرتبط بهذه الرغبات من دلالات العلاقة بين الرواية والتاريخ، أو بين الشكل والمضمون .

 

يستطيع القارىء بسهولة ملاحظة الهدف الأساسي من كتابة هذه المقدمة، وهو القول إن رواية الأمير الثائر (قصـة حقيقية). وهذا الهدف هو جوهر الخطاب الذي وجَّهه سلطان بن محمّد القاسميّ لقارىء روايته. فهو يرغب في أن يزوّده بمعرفة محدّدة تلزمه في أثناء قراءة الرواية، هي أنه مقبل على قراءة (قصة حقيقية) وليس مقبلاً على قراءة (قصة متخيَّلة). ولهذه الرغبة مسوّغ معروف، هو أن القارىء يطالع على غلاف الكتاب كلمة (رواية)، فيهيّىء نفسه لقراءة أحداث متخيَّلة ابتدعتها مخيّلة الروائي، ووظّفت من أجل دلالاتها شخصيات معيّنة. في حين أن سلطان بن محمّد القاسميّ كتب أحداثاً حقيقية غير مبتدعة، اعتقد أنه من المفيد  – كما سنرى لاحقاً – أن يطَّلع القارىء عليها. وإذا تحرّرنا من الضغط الأسلوبي الذي سلَّطه سلطان بن محمّد القاسميّ على قارىء نصّه، فإننا سنكون قادرين على الشروع في توليد الأسئلة واقتراح الإجابات لتفسير هذا العمل. ذلك لأن القول إن روايـة الأمير الثائر (قصة حقيقية) يعني أن سلطان بن محمّد القاسميّ يوحي لقارئه بأنه مجرّد سارد للأحداث التي سيطالعها القارىء بعد فراغه من قراءة المقدمة. والإيحاء نفسه يعني التّنصُّل من مسؤولية المسرود، والاكتفاء بمهمّة السارد، وكأننا أمام صوغ آخر للعبارات الحكائية العربية القديمة. فحين يبدأ راوي الحكاية بالقول : (كان أو ما كان)، فإن هذه العبارة التي افتتح بها السرد تعني قولـه للقارىء المتلقّي: (إن الأحداث التي سأسردها عليك حدثت في الماضي أو لم تحدث). وكأن هذا السارد بدأ سرده بتشكيك المتلقّي بوقوع الأحداث .وهذا التشكيك هو سبيل السارد إلى إقناع المتلقّي بأنه ليس مؤلّف هذه الأحداث، ومن ثَمَّ فهو غير مسؤول عن صحتها لأنه مجرد راو لها. وفي إحالة الأحداث إلى الماضي فائدة أخرى للسارد، هي منحه حريّة السرد، لأن المتلقّي لا يعرف هذا الماضي، ولا يستطيع إنكار ما يسرده الراوي عليه. ولهذا السبب لم تختلف دلالة العبارة الحكائية العربية الأخرى : (في قديم الزمان وسالف العصر …). فهي تعني أن سارد الحكاية يقول لمن يستمع إليه، من بداية السرد، إنني سأروي لك شيئاً حدث في الزمن الماضي، وعليك أن تفهم الأحداث المروية في ضوء هذا الماضي، ولا تمتدّ بها إلى الحاضر. والراوي، بتلك الإحالـة الصريحة إلى الماضي ،يتنصَّل من مسؤولية ابتداع الأحداث، ويفوز بحريّة السرد حين يعلن أنه مجرد وسيط بين الأحداث والمتلقّي.

 

هل يختلف عمل سلطان بن محمّد القاسميّ عن دلالات العبارات الحكائية؟. لا أعتقد ذلك. فقد كتب مقدمة توازي العبارة الحكائية العربية القديمة، وقال فيها للقارىء المتلقّي : (انتبه قبل القراءة إلى أن الأحداث التي ستقرؤها بعد فراغك من المقدمة هي أحداث حقيقية، لم أبتدعها لك، بل اكتفيتُ بنقلها إليك من كتب التاريخ إلى الصفحات القابلة).  وهو يعزّز مهمة الوسيط بين كتب التاريخ والقارىء المتلقي حين يدوِّن بعد العبارة السابقة ما يلي : (إن كل ما جاء فيها من أحداث وأسماء شخصيات ومواقع موثّقة توثيقاً صحيحاً في مكتبتي). فهذه العبارة الجديدة تُعزّز قوله السابق للقارىء المتلقي إن القصة التي سأسردها عليك حقيقية، وتضيف إلى هذا التعزيز شيئاً آخر، هو النص على مصدر الأحداث المسرودة. ذلك لأن القول إن هـذه الأحداث موثّقة توثيقاً صحيحاً في مكتبتي يعني أن سلطان بن محمّد القاسمي يبيّن لقارئه أن السماع ليس مصدر الأحداث المسرودة، بل التدوين هو مصدرها. وهناك فارق بين السماع والتدوين، فالسماع لا يوحي بالثقة، في حين يوحي التدوين بالثقة، لأن القارىء قادر على الرجوع إلى الكتب التاريخيـة للتأكـد من صحة المسرود. ولاشكّ في أن هدف سلطان بن محمّد القاسمي ليس دفع القارىء إلى كتب التاريخ ليتأكد بنفسـه من صحة الأحداث المسرودة، بل هدفه هو مجرد الحصول على ثقة القارىء بصحة المسرود. وهذه الثقة ضرورية للإمساك بتلابيب القارىء في أثناء القراءة ،بحيث لا يحيد عن الاقتناع بأن الأحداث حقيقية، وعليه أن يصدّقها على أنها شيء من تاريخ الخليج. ومن ثَمَّ كانت هناك رغبة أخرى وراء العبارة الجديدة، هي تقديم الحقيقة التاريخية في حدود المسرود في النص، بحيث يتحوّل هذا النص إلى مصدر آخر لتاريخ الخليج. وعلى الرغم من أهمية هذه الرغبة وخطرها فإنني سأؤجّل تحليلها ومناقشتها، تبعاً لارتباطها بنص الرواية وخوفاً من أن ينحرف التحليل الراهن للمقدمة عن قصده.

 

لا أظن بأن القارىء سيرجع إلى كتب التاريخ ليتأكد من صحة الأحداث المسرودة في النص. وهذا الموقف من القارىء لا علاقة له بوجود هذه الكتب التاريخيـة في مكتبـة سلطان بن محمّد القاسميّ، و هو حاكم الشّارقة ومكتبته خاصّة به وحده. أي أن عدم عودة القارىء إلى الكتب التاريخية للتأكُّد من صحة الأحداث لا يحكمها كونُ السارد في موقع المسؤولية السياسية، ولا كونُ مكتبته خاصّة به وحده وليست مكتبة عامّة يستطيع القارىء ارتيادها إذا رغب في تنفيذ التأكُّد. بل يكمن عدم العودة في شيء آخر، هو أنها عودة مستحيلة تبعاً لكون الأحداث المسرودة في النص غير مجموعة في كتاب من كتب التاريخ. ولو كانت الأحداث المسرودة في  (الأمير الثائر) موجودة في أيّ كتاب من كتب التاريخ لما كانت هناك حاجة إلى أن يُتعب سلطان بن محمّد القاسميّ نفسه بنسخها ثانية، وتقديمها للقارىء ليطَّلع عليها .وعلى الرغم من أن هذا الأمر سيكون موضع تحليل لاحق، فإنني لا أستبق النتائج ولا التحليل حين أقول إن نص الرواية شيء وكتاب التاريخ شيء آخر، سواء أكان هناك كتابُ تاريخٍ يسرد ما ضمّته الرواية أم لم يكن، وسواء أكان المسرود في الرواية موجوداً في كتاب واحد من كتب التاريخ أم لم يكن.

 

أما العبارة التي تلت العبارة الثانية، وهي القول :  إن الأحداث (لا يوجد بها أي نوع من نسج الخيال أو زخرف الكلام) فعبارة صحيحة إذا ربطناها بالأحداث وأسماء الشخصيات والمواقع، وغير صحيحة إذا ربطناها بنص الرواية بما فيه من أحداث وشخصيات ومواقع. وسأؤجّل الحديث عن جانبها غير الصحيح إلى تحليل نص الرواية، وأكتفي هنا بجانبها الصحيح .ذلك لأن سلطان بن محمّد القاسميّ لم يبتدع هذه الأحداث، ولم يُسمّ الشخصيات، ولم يُعيّن الأمكنة، بل وجد ذلك كله مبثوثاً في كتب التاريخ، فجاء به إلى الرواية، وصرَّح بذلك اعترافاً بالحق. وهذا الكلام لا يناقض ما سبق قوله في أثناء تحليل العبارتين السابقتين، ولا يمسُّه في شيء، لأن استمداد المادة التاريخية شيء، وتقديمها شيء آخر. فالمادة صحيحة تاريخياً ،والرواية التي ضمّت هذه المادة صحيحة فنيّاً لا تاريخياً .ولابدَّ من التمييز بين هذين الأمرين في أي حديث عن الرواية التاريخية، أو عن أية علاقة بين الرواية والتاريخ، فحين تبدأ الرواية ينتهي التاريخ. وإذا كان المؤرخون يتحدثون عن  (التعليل التاريخي)، فإن الأدباء والنقّاد يتحدثون عن (التعليل الفنّي)، وليست هـناك إمكانية – في رأيي – لتبادل المواقع، وتوظيف الخبرات. وإذا كان سلطان بن محمّد القاسميّ يختم مقدّمته ببيان الغرض الذي يهدف إليه، وهو خدمة القارىء العربي، وتحفيزه بوساطة تقديم جزء من التاريخ إليه، فإنه يوقِّع هذه المقدّمة بالمؤلّف، ولا يوقّعها بسلطان. فهو مؤلّفٌ بين الأحداث الحقيقيـة، وليس مجرّد مقدِّم لها. وفي كلمة (المؤلِّف) تكمن بداية الجانب غير الصحيح في العبارة، فنحن أمام (رواية) و (مؤلِّف) أو روائي، ولسنا أمام مؤرِّخ وكتاب تاريخي. ومع كلمة (المؤلِّف) التي ذُيّلتْ بها المقدّمة تبدأ الرواية، وينتهي التاريخ. وهذا  – أيضاً – شأن القصص والروايات الواقعية التي ظهرت في الثلاثينيات والأربعينيات، وهي تُدوِّن عبارات من نحو : من ملفات القضاء – من محاضر الشرطة … فحين كان القاص والروائي ينتهي من تدوين هذه العبارة أو تلك يبدأ يكتب قصة أو رواية ليس لها معيار غير الفن، سواء أكانت مستمدّة من ملفات القضاء أم من ملفات التاريخ.

 

لعبة الرواية، ذوبان التاريخ : 

تبدو العلاقة بين الرواية والتاريخ شائكة أوّل وهلة، ولكنّ إنعام النظر فيها يقود إلى سؤالين أساسيين : أوّلهما سؤال التخييل، وثانيهما سؤال الحقيقـة. وهذان السؤالان يسيران في خطّين متوازيين، ويملكان إجابتين مختلفتين. فسؤال التخييل يستبعد سلطان بن محمّد القاسميّ، ويضع الروائي (المؤلِّف الذي وقَّع المقدّمة) بدلاً منه. والمراد، هنا، أن سلطان بن محمّد القاسميّ لبس لبوس الروائي من اللحظة التي رضي فيها باستعمال الشكل الروائي في تقديم المادة التاريخية الخاصة بالأمير مهنا. وهذا الشكل الروائي شكلٌ تخييلي إبداعي، يُقدِّم حقيقة فنية احتمالية، تُعبِّر عن صدقها الفني بأساليبها الثلاثة المعروفة : الإمتاع والإقناع والتأثير، وهي وسائل أسلوبية كما هو معروف في النقد الأدبي. أما سؤال التاريخ فيستدعي أن يلبس سلطان بن محمّد القاسميّ لبوساً آخر، هو لبوس المؤرِّخ. وهذا اللبوس يفرض الأمانة العلمية في تقديم الحقيقة الموضوعية، وسرداً مباشراً لا أثر للتخييل فيه. وإذا كان المؤرِّخ مضطراً، أحياناً، إلى استعمال مخيّلـته في ترميم بعض الثغرات في الحقائق التاريخية، فإن مخيّلته تستند إلى سياق تاريخي، بحيث يبدو الترميم الذي تنهض به مخيّلته منسجماً والدلالات العامّة والخاصّة للمرحلة التاريخية. ومن ثَمَّ تبدو مخيّلته مقيَّدة وليست مطلقة كما هي حال مخيّلة الروائي.

 

هكذا تبدو العلاقة بين الرواية والتاريخ علاقة بين حقيقتين فنية وموضوعية. وهاتان الحقيقتان لا تجتمعان مادامت كلٌّ منهما تسير في خطٍّ موازٍ للآخر. وترجمة ذلك بالنسبة إلى روايـة الأمير الثائر هي : إذا لبس سلطان بن محمّد القاسميّ لبوس الروائي فالواجب الأدبي يحتم عليه أن ينصاع لمرجعية الرواية، وهي التخييل. والتخييل في أبسط صوره هو ابتداع مجتمع روائي ذي حوادث وشخصيات وعلاقات في زمن معيَّن ومكان محدَّد. وإذا لبس سلطان بن محمّـد القاسميّ لبوس المؤرِّخ الراغب في تقديم حوادث فترة زمنية برز فيها الأمير مهنا، وكان له تأثير فيها، فالواجب التاريخي يفرض عليه أن ينصاع لمرجعية التاريخ، وهي الحقيقة الموضوعية للواقع الذي يؤرِّخ له. ولا أعتقد بأن هناك إمكانية للجمع بين اللبوسين، والإخلاص لمرجعيتهما، فالتاريخ تاريخ، والروايـة رواية، ولا مجال للإبقاء على نقاء عنصريهما دون جور على أحدهما. 

والمشكلة في هذه النتيجة التي تبدو لي دقيقة هي أننا لا نستطيع  – إذا آمنا بها وصدَّقناها – أن نُصنِّف رواية (الأمير الثائر) بين الروايات التاريخية، على الرغم من أن رائحة التاريخ تفوح منها، وتُشكِّل بنيتها، شأنها في ذلك شأن سلسلة الروايات الممتدّة من جرجي زيدان إلى أمين المعلوف. بل إن المشكلة في هذه النتيجة تبدو أكثر خطورة في عالم النقد الأدبي، لأنها تقول صراحة إنه ليس هناك رواية تاريخية، وإن المفهوم السائد لهذه الرواية يطرح إشكالات لا حلَّ لها. وما فعله المعترضون على كتابة جرجي زيدان سلسلة روايات (تاريخ العرب والإسلام) لا يخرج عن اللجوء إلى المرجعية التاريخية، وملاحظة اختلافها كليّاً أو جزئيّاً عمّا ورد في بعض الروايات، ما سمح لهم بالحكم على هـذه الروايات بمخالفة التاريخ، والإساءة أحياناً إلى العرب والإسلام. ومَنْ يرجع إلى الأعمال الكاملة لزكي الأرسوزي في المواضع التي تحدَّث فيها عن لواء اسكندرون في نهايات الثلاثينيات سيكتشف شيئاً مغايراً لما سجَّله حنا مينة في روايته (بقايا صور). ولا يختلف الأمر إذا لجأنا إلى المرجعية التاريخية في النظر إلى روايـات نجيـب محفـوظ التاريخيـة : عبث الأقدار (1939) – رادوبيس (1943) – كفاح طيبة (1944)، أو الروايات التاريخية لنجيب الكيلاني (قاتل حمزة /1971 مثلاً)، ومحمّد فريد أبو حديد (زنوبيا ملكة تدمر /1941 – صلاح الدين الأيوبي /1946 – أبو الفوارس عنترة /1947)، وكرم ملحم كرم (لويس الرابع عشر /1936 – صقر قريش /1948 – أبو جعفر المنصور /1954)، ومعروف الأرنـاؤوط(18)، وعلي الجارم(19) ، وعلي أحمد باكثير(20)، وغيرهم. وهذا كله يدفعنا إلى القول إن الإبقاء على مفهوم المرجعيتين المختلفتين، أو الخطّين المتوازيين، سيحافظ على الإشكالية، ويرسِّخ مفهوماً غير سليم للرواية التاريخية، ويدفع القرّاء إلى الاعتقاد بأن التاريخ انتقل إلى الرواية، وبأنه هدف في الرواية التاريخية، وبأن الرواية مجرّد وسيلة لبلوغ هذا الهدف. وفي ذلك إهانة للرواية، وإساءة للتاريخ، واستمرار للخلل في مفهوم الرواية التاريخية. 

 

تبدو نتيجة المشكلة التي عددتُها دقيقة منطقيّةً من وجهـة نظر الخطّين المتوازيين والمرجعيّتين المختلفتين، فإذا نفينا المرجعية التاريخية، وأبقينا المرجعية الروائية وحدها، بدت المشكلة زائفة، وزال الخلل عن مفهوم الرواية التاريخية. ولاشكّ في أن الإبقاء على المرجعية الروائية وحدها يطرح قضية الحدود، حدود الرواية وحدود التاريخ، مادامت المادة الروائية تاريخية وليست مادة مختلقة. وأفضِّل، ههنا، استعمال عبارة: لعبة الرواية، ذوبان التاريخ ؛ لأنها – في رأيي – دالة على قضية الحدود، مفسِّرة لها، عاملة على ترسيخ معيار نقدي للرواية التاريخية في ألوانها كلها.

 

2 – 1 : يلاحظ قارىء رواية (الأمير الثائر) أن المادة التاريخية الخاصة بالأمير مهنا مسرودة سرداً واضحاً مباشراً .وهذا الشكل من السرد الواضح المباشر لون من ألوان الرواية التاريخية، وليس تاريخاً للأمير مهنا. ذلك لأن خمس عشرة سنة من حياة مهنا، أمير بندر الرق، اختُزلتْ في مائة صفحة تقريباً(21). وهذا الاختزال ليس تلخيصاً، بل هو تبئير(22). إذ إن الراوي (النائب عن الروائي داخل نصّ الرواية) لم يلاحق حياة الأمير مهنا من جوانبها كلها، بل اكتفى بحياته السياسية  – العسكرية،  وهي حياة تُبْرز نزوعه العربي، ورغبته في الاستقلال عن الفرس وحلفائهم الأتراك، ومصالحهم التجارية مع الهولنديين والانكليز. ومن ثَمَّ كانت هناك متابعة متلاحقة طوال الرواية لمحاولات الأمير مهنا السيطرة على التجارة في الخليج، ومحاربته الفرس، ومقاومته النفوذ التجاري للهولنديين، حتى تمكَّن الباشا التركي في بغداد من شنقـه ، وإرسال رأسه إلى (كريم خان زند) حاكم الفرس. ولو لم يكن هناك تبئير لما اختار الراوي طريقة تقديم الحوادث في الرواية، ولما انتقى المعلومات التي رسّخت وجهة نظره في النزوع العربي عند الأمير مهنا. ولا بأس في أن نمتدّ إلى خارج التبئير لنثبت التبئير نفسه.

 

أشار الراوي إشارات سريعة إلى أمور تخصّ الأمير مهنا، أبرزها : مقتل والده ووالدته ووفاة ابنته. فقد غضب الأمير مهنا حين علم بأن والده ناصر، أمير بندر الرق، سيشارك في الحملة على البصرة. وكان يعلم أن شباب المنتفق الذين تسربلوا بالنـزوع العربي، وبينهم صديقه الشيخ ثامر، سيضطرون إلى الدفاع عن البصرة، ومواجهة والده. ولهذا السبب حاول منع والده من المشاركة في الحملة بالقوة، فاستلَّ سيفه كما استلَّ أبوه سيفه، وحين وقع سيف الأمير مهنا على الأرض إثر ضربة من سيف أبيه، وتظاهر أبوه بأنه سيهوي بسيفه على ولده، طعن أحد أتباع الأمير مهنا الأمير ناصر والد مهنا في خاصرته، فخرَّ صريعاً. وشاهدت والدة الأمير مهنا الحدث، فدفعها ابنها إلى المنـزل ليبعدها عن المشهد فاصطدم رأسها بحجر، وماتت(23) . أما ابنة الأمير مهنا الوحيدة، حديثـة الولادة، فقد نسيتها أمها على الرمال عندما دهمت المكان مجموعة من رجال الأمير حسين أخي الأمير مهنا، (وقد اتُّهـم الأمير بأنه تركها هناك متعمداً لأنه أراد ولداً بدلاً من البنت)(24). هذه الإشارات الثلاث إلى مقتل والد مهنا ووالدته وابنته الوحيدة، تكملها إشارة رابعة إلى أن الأمير مهنا قتل أخاه الأمير حسين الذي تولّى إمارة بندر الرق بعد أبيه، وتبع أسلوبه في التحالف مع الفرس والهولنديين والانكليز. كما قتل الأمير مهنا أيضاً، في أثناء هجومـه على منـزل أخيه حسين، بعضاً من أقاربه وأتباعه وحرّاسه(25).

 

تحتاج هذه الإشارات، في نصّ الرواية، إلى متابعة لمعرفة أثرها في شخصية الأمير مهنا ؛ لأنها أحداث جسام في أسرته، مرتبطة به، مؤثِّرة في سلوكه. ولكن الراوي لم يلتفت إليها بغير الإشارات العابرة، ولم يسع إلى توظيفها في بناء شخصية مهنا، وفي ترسيخ صورته الروائية لدى أتباعه وأعدائه. والأحداث نفسها  – من جانب آخر – جزء مهم من التاريخ الحقيقي للأمير مهنا. فهل يعني ذلك أن الراوي اختار بعضاً من التاريخ ولم يختر التاريخ كله ؟. إن التبئير هو زاوية تقديم الحوادث التي اختيرت من جانب دون آخر من التاريخ. فالأحداث الأسرية الجسيمة غير مرغوب فيها، لأن الراوي يريد التركيز على الجانب السياسي – العسكري في منطقة الخليج، وعلى اللمعـة العربية التي بزغت في وسط التهافت الأجنبي التجاري على المنطقة، وضعف السيطرة الفارسية والتركية عليها. ولهذا السبب اكتفى الراوي بإشارات سريعة عابرة إلى الحوادث الأسرية، وراح يتابع أحداثاً أخرى سياسية  – عسكرية تُجسِّد التركيز وتُعلنه. وهذا كله يعني أن تاريخ الأمير مهنا ومنطقة الخليج خلال خمس عشرة سنة لم ينتقل كله إلى الرواية، بل انتقل بعضه إليها. وحين انتقل هذا (البعض) اختير جانبه السياسي – العسكري وحده وسُلِّط الضوء الروائي عليه انصياعاً لرغبة الراوي، وكأن التاريخ يذوب ويصير في الرواية تاريخياً تبعاً للعبة الروائية التي تنصاع لرغبة الروائي ويجسّدها الراوي.

 

2 – 2 : إن التاريخ غير التاريخيّ(26). التاريخ أحداث تـمّت في الماضي، وشخصيات حقيقية نهضت بهذه الأحداث وأصبحت عنواناً عليها. أما التاريخيّ فهو أحداث اختيرت من التاريخ حسب تبئير الروائي، ووظِّفت في الرواية تجسيداً لغرض روائي ماض أو راهن أو مستقبلي. بل إن الأحداث التي اختيرت من التاريخ حسب تبئير الروائي لم تُنْسخ من كتب التاريخ، ولم تنتقل إلى الرواية بقضّها وقضيضها، بل قام الروائي بتفكيكها وإعادة تركيبها بما يلائم الغرض الذي يرمي إليه، أو بحسب دواعي التخييل إذا أردنا الدقة في التعبير النقدي. وتبعاً لذلك نفينا المرجعية التاريخية وحافظنا على المرجعية الروائية ؛ لأننا لا نملك خطّين متوازيين، أو مرجعيتين مختلفتين، بل

نملك مرجعيـة واحدة، هي المرجعية الروائية التي يُشكِّل التخييل عمودها الفقري(27). 

 

أما الهيكل الخارجي لهذا التخييل فيتشبَّث بالإيهام، إيهام القارىء بأنه يقرأ تأريخاً حقيقياً. ووسيلة هذا الإيهام حوادث وشخصيات تاريخية حقيقية، ينثرها الراوي بشكلها ومضمونها، أو بمضمونها وحده في الغالب الأعم. ومن ثَمَّ يصعب أحياناً، ويستحيل غالباً، أن يطابق القارىء بين ما ورد في كتب التاريخ وما ورد في الرواية. فالتاريخي في الرواية يؤخذ بدلالاته العامة ورؤياه وقيمه، والتاريخ يؤخذ بحقيقته الموضوعية وزمنه. التاريخي في الرواية احتمالي فني، والتاريخ خارج الرواية حقيقي موضوعي. ومن ثَمَّ فالرواية لا تنوب عن التاريخ، ولا ينوب التاريخ عن الرواية، لأنهما حقلان مختلفان، جمالي ومعرفي. بل إن التاريخ لا يُسْتَقى من الرواية ؛ لأنها نصّ فنيّ يطرح رؤيا ولا ينسخ معرفة. فالنـزوع العربي لدى الأمير مهنا لا نصَّ عليه في تاريخـه الحقيقي كما أعتقد، ولكن مجمل سلوكه في أي تعليل تاريخي ينم على هذا النـزوع. وقد التقط الروائي سلطان بن محمّد القاسميّ هذا النـزوع ضمن اهتمامه بالتعليل التاريخي لسلوك الأمير مهنا، ورغب في تسليط الضوء عليه لأن ظروف منطقة الخليج في الحاضر واحتمالات المستقبل لا تختلف عن الظروف التي عاش فيها الأمير مهنا. وهذه الظروف تحتاج إلى نزوع عربي أصيل يتمرّد على محاولات الهيمنة الغربية والإقليمية كما تمرَّد الأمير مهنا في القرن الثامن عشر.

 

وإذا كانت تلك رؤيا رواية (الأمير الثائر)، فإن الروائي سلطان بن

محمّد القاسميّ لم يترك أمر استنباطها لذكاء القارىء، بل راح ينصّ عليها صراحة(28)، ويُدوِّن في عنوان الرواية كلمة معاصرة دالة، هي : (الثائر)، لتأكيدها في وجدان القارىء قبل دخوله الرواية. وإذا افترضنا بأن تاريخ الأمير مهنا ينصّ على نزوعه العربي، فإن أمر الرؤيا لا يختلف لأن الروائي سلطان بن محمّد القاسميّ رغب في التركيز على شيء في تاريخ هذا الرجل يخدم الحاضر والمستقبل، ولم يكن راغباً بأية حال من الأحوال في نسخ تاريخ هذا الرجل، أو نقله من كتب التاريخ إلى الرواية. ومن ثَمَّ فإن رواية (الأمير الثائر) رواية تاريخية، تُقدِّم رؤيا فنيّة تخصّ الحاضر والمستقبل، ولكنها تتوسّل إلى هذه الرؤيا باعتماد شيء من تاريخ منطقة الخليج العربي، تراه أكثر فاعليّة في وجدانات القرّاء من كتب التاريخ نفسها. وما قدَّمته الرواية مما يخدم الرؤيا المذكورة هو حدود التاريخ، أو هو التاريخي في الرواية بعد ذوبان التاريخ الحقيقي وانصياعه للعبة التخييل الروائية. وسواء أكان هناك تاريخ مكتوب للأمير مهنا أم كان هذا التاريخ مبثوثاً في تضاعيف كتب التاريخ الخاصة  بمنطقة الخليج، فإن رواية (الأمير الثائر) تكتب هذا التاريخ بأسلوبها، وتطرحه برؤياها، وتعدّه التاريخ الفنيّ للأمير مهنا.

 

2 – 3 : إن الرواية التاريخية ليست تاريخاً، ولكنها تتعامل مع التاريخ. وهذا التعامل يفرض عليها حدوداً، هي قيود لها، لا تعرفها الرواية الفنية. أوّل هذه الحدود والقيود أن تبقى الرواية مخلصة لطبيعتها الفنيّة ولا تتحوّل إلى كتاب من كتب التاريخ، وثانيـها أن تستعير من التاريخ دون أن تحوِّر فيه، وثالثها أن تنتقي من التاريخ دون أن تتلاعب بسياقه وحقائقه ودلالاته. ولا أظنّ بأن الأمور الثلاثة السابقة كافية وحدها لترسيخ مفهوم دقيق للرواية التاريخية. ذلك لأن الروائيين يملكون إمكانات كثيرة للاستعارة من التاريخ الحقيقي دون أن يخرجوا عن الأمور الثلاثة. وكلّ إمكانية تطرح أمام القارىء لوناً من ألوان الرواية التاريخية، بحيث تبرز الحاجة إلى نوع من تقنين هذه الألوان، وتحويلها إلى معيار يُقاس به اللون أو درجته في الرواية التاريخية. فرواية (الأمير الثائر) لسلطان بن محمّد القاسميّ مختلفة عن رواية (أرض البطولات) لعبد الرحمن الباشا، وعن رواية (حسن جبل) لفارس زرزور، وعن رواية (خطط الغيطاني) لجمال الغيطاني، على الرغم من أن هذه الروايات كلها روايات تاريخية. وهذه السلسلة من الروايات التاريخية المختلفة عن رواية  الأمير الثائر مقترنة بسلسلة أخرى من الروايات التاريخية تتفق مع رواية الأمير الثائر، كروايات نجيب محفوظ ومحمّد فريد أبو حديد ونجيب الكيلاني وكرم ملحم كرم ومعروف الأرناؤوط وعلي الجارم وعلي أحمد باكثير .فما معيار الاتفاق والاختلاف الذي يسمح للمحلّل والقارىء بالتمييز بين كل لون منها مادامت كلها تنتمي إلى دوحة واحدة، هي دوحة الرواية التاريخية ؟. 

 

يبدو لي أن الروائيين مختلفون أو متفقون بحسب قدراتهم الفنية وعلاقتهم بالمادة التاريخية وموقفهم من الحاضر :

أ – علاقة الروائيين بالمادة التاريخية :

تحدَّثتُ، سابقاً، عن علاقة الروائي بالمادة التاريخية، ويمكنني أن أضيف هنا كثافة الحضور التاريخي في الرواية أو توسُّطه أو ضعفه. فكلما ارتفعت نسبة المادة التاريخية اضطر الروائي إلى التقيُّد بالأحداث الحقيقية والشخصيات والأمكنة والأزمنة، وضعفت في الوقت نفسه قدرته التخييلية الروائية. وهذا ما فعله سلطان بن محمّد القاسميّ وجرجي زيدان ومعروف الأرناؤوط، إذ قدَّموا المادة التاريخية واضحة مباشرة، وجعلوها تشمل نصوصهم الروائية، وقيَّدوا أنفسهم بالأحداث والشخصيات والأمكنة والأزمنة. ومن ثَمَّ كان سلطان بن محمّد القاسميّ  – على سبيل التمثيل لا الحصر – مضطراً إلى تحديد السنوات كلما تقدَّمت الأحداث في روايته، من نحو قوله : (في بداية سنة 1753 – الخامس من يوليو 1754 – الحادي عشر من ديسمبر سنة 1754 – مارس من سنة 1755 – يونيو 1755 – 8 يونيو 1756 – اكتوبر سنة 1756 – نوفمبر سنة 1756 – يناير 1757 – نهاية سنة 1758 – منتصف 1761 – السادس من أبريل سنة 1762 – نهاية سنة 1762 – فبراير 1763 – منتصف 1763 – في الثلاثين من ديسمبر 1764 …)(29). وعلى الرغم من أن هذا التحديد للسنوات والأشهر والأيام يُذكِّرنا بكتب التاريخ التي رصفت مادتها بحسب السنوات، فإنه في الرواية تعبير عن التقيُّد بالأحداث الخارجية، والالتزام بالأمانة العلمية، والدقة في استخدامها، دون أن يكون الروائي سلطان بن محمّد القاسميّ مجبراً على التقيُّد والالتزام ؛ لأنه روائي في (الأمير الثائر) وليس مؤرِّخاً. 

 

يمكنني القول، بعد ذلك، إن الالتزام الدقيق بأحداث التاريخ الحقيقية، وشخصياته، وأمكنته وزمانه يشير إلى لون من ألوان الرواية التاريخية ذي معيار محدَّد هو الالتزام والأمانة والدقة في التعامل مع المادة التاريخية. ولا يكتمل هذا المعيار دون أن نلاحظ أثره في فنيّة الرواية، وهو أثر سلبي غالباً، لأن تغليب الحقيقي سيضيّق الخناق على المتخيَّل، فلا يترك له فرصة ابتداع الأحداث والأزمنة والأمكنة والشخصيات الرئيسة (على أقل تقدير). وإذا استُلَّتْ هذه العناصر الفنيـة من التخييل فلن يبقى غير الهيكل العام للرواية، وهو تقسيم النص إلى فصول، والإفادة من الفراغات (البياض) بين الفصول للقفز الزمني والانتقال من حدث إلى آخر، وابتداع بعض الشخصيات الثانوية والهامشية. وهذه كلها أمور مشتركة بين الروائيين الذين يغلِّبون الحقيقي على المتخيَّل. وعلى الرغم من ذلك فإن هؤلاء الروائيين سيقدّمون ألواناً متباينة من الرواية التاريخية. ويرجع سبب تباينهم إلى أمرين يُعبِّران عن قدراتهم الفنيّة، هما : التبئير واللغة الروائية.

 

ب – قدرات الروائيين الفنيّة :

إذا اختارت مجموعة من الروائيين الأحداث نفسها فمن المتوقَّع أن يُقدِّمها كلُّ واحد منهم من منظور أو وجهة نظر أو تبئير مختلف. وهناك على الأقل ثلاث درجات للتبئير(30)، هي اللاتبئير (أو : التبئير في درجة الصفر)، والتبئير الخارجي، والتبئير الداخلي. ففي اللاتبئير يكون الراوي أكثر علماً من الشخصيات، وفي الخارجي أقل علماً منها، وفي الداخلي مساوياً لما تعلمه. فإذا كان الروائيون يختلفون بحسب التبئير الذي اختاروه فإنهم يختلفون أيضاً حين يختارون تبئيراً من هذه التبئيرات. ففي اللاتبئير الذي اختاره الروائي سلطان بن محمّد القاسميّ تقديم للأحداث تقديماً تصاعدياً، يبدأ بمقدّمة تُعرِّف بالموقع الجغرافي والزمني والاقتصادي والتاريخي السياسي لبندر الرق، وبأسرة الأمير مهنا، ثم تترك الأحداث تتوالى إلى قتل الأمير مهنا في آخر صفحات الرواية. ولكن فارس زرزور الذي اختار التبئير نفسه في رواية (حسن جبل)، وكان لديه تغليب للحقيقي على المتخيَّل، قدَّم الأحداث بعد زمن نهايتها، ثم استدعاها شيئاً فشيئاً. ولهذا السبب يلاحظ قارىء روايته ورواية (الأمير الثائر) أنه أمام روايتين تاريخيتين مختلفتين من زاوية تقديم الحوادث. وهما مختلفتان أيضاً في اللغة الروائية، لغة السرد بمكوّناته كلها. فلكلٍّ منهما قدرة على السرد تنبع من موهبتهما وتمرُّسهما في الكتابة. وليس هناك شكّ في أن الحوادث المبأَّرة تُقدَّم بوساطة السرد، وترتفع بالإمتاع، أو تنخفض فيه، بحسب قدرة الروائي السرديـة، سواء أكان يصف أم يُصوِّر أم يعرض الحوادث أم ينمِّي الشخصيات أم يخترق الأمكنة، وما إلى ذلك مما لا سبيل إلى تفصيله في هذا المقام.

 

ج – موقف الروائيين من الحاضر :

يرغب الروائي أحياناً في الالتزام بالمادة التاريخية وتغليب الحقيقي على المتخيَّل، ولكنه يُقدِّم الحوادث تقديماً يضمن له إبراز الرؤيا التي يريدها كما فعل سلطان بن محمّد القاسميّ. وقـد يلتزم روائي آخر بالمادة التاريخية وتغليب الحقيقي على المتخيَّل ولكنه لا يملك رؤيا، كما هـي حال فارس زرزور في (حسن جبل)، فتبدو روايته مختلفة عن سابقتها. وإذا كانت الرؤيا تعبيراً عن موقف، فالموقف نفسه متباين بين الماضي والحاضر والمستقبل. وقد يلجأ الروائيون في أثناء تعبيرهم عن مواقفهم إلى أمور أخرى إضافة إلى ما سبق الحديث عنه. فمنهم مَنْ يُبْقي المادة التاريخية بمضمونها وهيكلها الخارجي، ولكنه يُقدِّمها بوساطة منظور يضمن إيحاءها بالحاضر، كما فعل الغيطاني في خططه. ومنهم مَنْ يهمل التاريخ الرسمي، ويلتفت إلى حركة المجتمع في الماضي، أو حركة (الذين تحت) بحسب تعبير جورج لوكاتش(31) ، ليُعبِّر عن صانعي التاريخ، ويطرح رؤياهم الاجتماعية السياسية. ومنهم مَنْ يلتزم بالمادة التاريخية دون أن يُغلِّب الحقيقي على المتخيَّل، أو المتخيَّل على الحقيقي، بغية تقديم رؤيا تخصّ الماضي وحده، كما فعل نجيب محفوظ في (رادوبيس). وقد يغلِّب الروائي المتخيَّل على الحقيقي، فيذوب التاريخ، ويبرز الفنّ ومعه رؤيا تخصّ الحاضر وحده دون المستقبل، كما فعل نجيب محفوظ في الثلاثية والقاهرة الجديدة، وعبد الرحمن الباشا في (أرض البطولات). وهذا كله يُعلي من شأن الرؤيا، ويُقرِّبها من درجة المعيار المعبِّر عن موقف الروائي مما يرويه.

 

**

تلك، في رأيي، الملامح العامـة لمنظور الراوي ومنظـور الروائي. الأول فنيّ داخليّ ذو معرفة مطلقة، والثاني خارجيّ يبحث عن علاقة الرواية بالتاريخ. وقد آثرتُ الحديث عن هذين المنظورين  دون الخوض في الموازنة الدقيقة بين النصوص الروائية، رغبة في تقديم الإطار العام لقضايا هذين المنظورين. وقد انتهيتُ من محاولتي إلى الاعتقاد بأن التحليل النقدي يجب أن يميِّز بين ألوانٍ من الرواية التاريخية، ويضع لكلّ لونٍ منها معياراً وصفياً يكفل التمييز، ويعين على التحليل، ويوضِّح الموقف، ويُعرّي الوظيفة. كما انتهيتُ إلى أن الروايـة التاريخية تحافظ على قدرتها التخييلية، أو تتنازل عن بعضها، بحسب المادة التاريخية التي استعارتها من التاريخ، وتبعاً لتقيُّدها بها وتعاملها مع شكلها ومضمونها. كما سعيتُ، استناداً إلى رواية (الأمير الثائر)، إلى تقديم نموذج لتحليل مقدّمة الرواية، ولتجسيد العلاقة بين الرواية والتاريخ. ونبَّهتُ من خلال النموذج نفسه على أن الرواية التاريخية ذات مرجعية فنيّة، وأنها ليست مصدراً لمعرفة التاريخ، بل هي مصدر للرؤى الفنيّة الخاصة به. ولم تكن نتائج تحليلي رواية (الطريق إلى الشمس) تخص هيمنة الراوي المطلقة وحدها، بل كانت توضيحاً لإدراك الراوي العالم الروائيّ وطبيعة تدخُّله في المحكيّ.

 

 

بناء الفضاء الرّوائيّ

 

 

الفضاء الروائي والمكان الروائي مصطلحان بينهما صلة وثيقة وإنْ كان مفهومهما مختلفاً. فالمكان الروائي حين يُطلَق من أيّ قيد يدلُّ على المكان داخل الرواية، سواء أكان مكاناً واحداً أم أمكنة عدّة. ولكننا حين نضع مصطلح المكان في مقابل مصطلح الفضاء بغية التمييز بين مفهوميهما فإنـنا نقصد بالمكان المكانَ الروائيَّ المفردَ ليس غير، ونقصد بالفضاء الروائي أمكنةَ الرواية جميعها. بيد أن دلالة مفهوم الفضاء لا تقتصر على مجموع الأمكنة في الرواية، بل تتسع لتشمل الإيقاع المُنظِّم للحوادث التي تقع في هـذه الأمكنة، ولوجهات نظر الشخصيات فيها. ومن ثَمَّ يـبدو مصطلح الفضاء أكثر شمولاً واتساعاً من مصطلح المكان.

 

ولاشكّ في أن هناك تبايناً بين الروائيـين العرب في بناء الفضـاء الروائي. فقد أخفق بعضهم في ربط الأمكنة بالحوادث ومنظور الشخصيات أو وجهات نظرها. والنتيجة الواضحة لهذا الإخفاق هي الاكتفاء بتقديم مكان جامد لا حياة فيه. ونجح روائيون آخرون في أن يجعلوا الأمكنة الروائية متكاتفة تؤثّر في الحوادث وتتأثّر بها، وتسهم في تطور الشخصيات التي تحلُّ فيها أو تخترقها. والروائي، في حالي الإخفاق والنجاح، يُقدِّم المكان الروائي بوساطة الوصف في الغالب الأعم، لأن هذا الوصف هو  وسيلة اللغة في جعل المكان مُدْرَكَاً لدى القارىء. وقد يلجأ الروائي إلى وسائل أخرى غير الوصف في تقديم المكان الروائي. بيد أنه في الوسائل كلها مطالب بأن تُفضي أمكنته الروائيـة إلى فضاء يحيط بها ويُنظِّم حركتها ويجعلها أكثر عمقاً وإيحاء من دلالاتها المكانيّة الضَّيِّقة. وسأُقدِّم، هنا بغية توضيح أساليب الروائيين في بناء الفضاء الروائي، تحليلاً لروايات برز فيها الانتقال من المكان إلى الفضاء ، وأخرى اخترقت المكان وسعت إلى تشكيل الفضاء الروائيّ، وهي أربع روايات لأحمد زياد محبّك ونبيل سليمان وعبد الفتاح صبري وفاضل السباعي .

 

أوّلاً : من المكان إلى الفضاء

المعروف أن المكان الروائيّ هو المكان اللفظيّ المتخيَّل ؛ أي المكان الذي صنعته اللغة انصياعاً لأغراض التخييل الروائيّ وحاجاته. وهذا يعني أن أدبيّة المكان، أو شعريّته، مرتبطة بإمكانات اللغة على التعبير عن المشاعر والتصورات المكانيّة، مفضية إلى جعل المكان تشكيلاً يجمع مظاهر المحسوسات والملموسات، ومكوِّناً من مكوِّنات الرواية يؤثِّر فيها ويتأثَّر بها. وإذا كان الوصف قادراً على تقريب المكان من القارىء، تبعاً لرسمه صورة بصريّة تجعل إدراك المكان بوساطة اللغّة ممكناً، فإن هذا الوصف مجرد تمهيد لاختراق الشخصيات المكان بوجهات نظرها الخاصة، ومحاولتها بناء فضاء روائيّ يضبط إيقاع الأمكنة الروائيّة التي اخترقتها الشخصيات وتفاعلت معها.

 

والواضح بالنسبة إليَّ أن بناء المكان في رواية (الكوبرا تصنع العسل)(1)  لأحمد زياد محبّك يحتاج إلى إنعام نظر ؛ لأن الأمكنة تبدو أول وهلة موزَّعة لا يضبطها ضابط روائيّ. فهناك غرفة الآلة الكاتبة، وهي غرفة العمل التي تجمع الشخصيتين الرئيستين رياض ووداد. وهناك أيضاً غرفة المدير، والمقصف، والقبو الذي يضم ثلاجة الموتى، والشارع والرصيف والحافلة الكهربائيّة وما إلى ذلك. وهذه كلها متناثرة في الرواية، لا يشير ظاهرها إلى شيء لافت لنظر القارىء. ولكن إنعام النظر فيها مجتمعة يقود القارىء إلى أن أحمد زياد محبّك معني في أثناء بناء المكان بالمكان المغلق، فإذا انتقل إلى مكان مفتوح نظر إليه من مكان مغلق غالباً، ومن موقع المكان المفتوح نادراً. ويقود إنعام النظر أيضاً إلى أن محبّك لجأ إلى الوصف في أثناء تقديم المكان والانتقال إلى الفضاء الروائيّ. 

 

أ – المكان المغلق :

اختار أحمد زياد محبّك المكان المغلق ميداناً لحركة شخصياته الرئيسة والثانويّة. فمكان عمل الشخصيات هو المديريّة، وهي مكان مغلق آثر أحمد زياد محبّك تضييقه، فقدَّم غرفتين منه فحسب، هما غرفة الآلة الكاتبة حيث يعمل رياض ووداد، وغرفة المدير. أما غرفة الآلة الكاتبة فقد كان هناك وصفان لها، ورد أولهما على لسان رياض قبل انتقال وداد إلى هذه الغرفـة : (هناك صفّان من الطاولات، أربع على طول الجدار الأيسر ،وثلاث على طول الجدار الأيمن ،والطاولات كلها أمامي، بعضها وراء بعض، في رتلين متوازيين)(2). وورد الوصف الثاني لغرفة الآلة الكاتبة على لسان رياض أيضاً بعد انتقال وداد إلى الغرفة : (طاولتي في عمق المكتب، كما هي، في موضعها، ولكن أصبح وراءها غابة عميقة ممتدّة، هي لوحة جدارية كبيرة لصقتها على طول الجدار، من يرها يحسب نفسه في غابة. وعلى طاولتي وضعت أصيصاً ترتفع فيه شجرة لبلاب، تلتف حول جذع أخضر، في حلقات ودوائر صاعدة ،أوراقها زاهية الخضرة .أمام الجدار المواجه للداخل إلى المكتب وزعت أربع طاولات، ووضعت مقابلها، وأمام الجدار الآخر، ثلاث طاولات، وعلى كل طاولة وضعت إلى جوار الآلة الكاتبة أصيصاً فيه زهر الهوى، وقد تدلّت أغصانه الرقيقة الناعمة، وهي من اللطف بحيث تكاد تدعوك إلى احتضانها إشفاقاً عليها من الانكسار)(3).

 

إن الاختلاف بين صورتي غرفـة الآلة الكاتبـة لا يكمن في استعمال الوصف الموضوعيّ في المرة الأولى، والوصف الذاتيّ في المرة الثانية، بل يكمن في الدلالة على أن الغرفة التي بقيت سنوات طويلة دون أي تغيير وتبديل انتقلت إلى حال جديدة بعد حلول وداد فيها. وليس التغيير ههنا تغييراً في ترتيب الطاولات، ولا زيادة في الجوانب الجماليّة النابعة من الصور والأصص، ولكنه تغيير في طبيعة العلاقات المكانية، لأن وداداً لم تُبدّل شكل الغرفة فحسب، بل أضفت على وجود رياض فيها بهجة ومتعة لم يعرف لهما طعماً من قبل. كما غيّرت وجهة نظر منى وهيام وسناء ودلال فيها، وفي الدوام الإضافي لطباعة التقرير السنويّ، وفي الموقف الإنسانيّ من صالح الموظف المريض الذي توفّي بعد ذلك. ولهذا كله بدا تغيير شكل الغرفة دالاً على بداية التغيير في العلاقات المكانيّة، أو العلاقات بين المكان والشخصيات والحوادث، تبعاً للخوف الذي صاحب الموظَّفات في الغرفة من التحاق وداد ذات السمعة السيئة بغرفتهنَّ، والقلق الذي ساور رياضاً من المشكلات المحتملة الناجمـة عن تقاعس وداد في العمل، أو عن الأقاويل التي يُروّجها إسماعيل عن وداد وما ستفعله بعد انتقالها إلى غرفة الآلة الكاتبة. وليس غريباً أن يكون الوصف الثاني إرهاصاً بالحوادث القابلة في السياق الروائي ؛ لأنه تجسيد لاختراق شخصية وداد غرفة الآلة الكاتبة، وإحيائها العلاقات المكانيّة فيها تمهيداً لبناء الفضاء الروائيّ.

 

أما غرفة المدير، وهي المكان الذي يلي غرفة الآلة الكاتبة في الأهميّة الروائيّة، فقد ورد وصفها منجَّماً ثلاث مرات في الصفحات 13 / 14 / 16 على الرغم من أنها مكان مغلق لم يدخله رياض طوال الروايـة غير مرة واحدة. قال في المرة الأولى : (المدير في عمق المكتب، قابع وراء طاولته الكبيرة، نظارته على عينيه، يبدو منهمكاً في كتابة شيء ما. خمسة مقاعد موزّعة في شبه قوس أمام طاولته، وداد في المقعد الأول على الطرف الأيسر من الطاولة. وداد تنفث الدخان، وسيكارتها بين أناملها، وليس أمامها على المنضدة الصغيرة وسط المقاعد سوى منفضة سكائر، وضعت إلى جوارها حقيبة يدها. بيني وبين عمق المكتب مسافة أجدها شاسعة ،أطأ خلالها السجاد الفاخر ،وأنا أدخل في جو دافىء دفئاً زائداً لا ضرورة له)(4). وبعد سرد وحوار تابع الوصف فقال : (المدير ما زال يكتب. هو من غير شك قاعد على حشية فوق الكرسي، أو لا بد أن يكون قد رفع الكرسي الدوّار، أو لعله قصَّ أرجل الطاولة التي أمامه. مع ذلك يبدو جذعه، وهو مكبّ على الطاولة، مثل زورق صغير تائه في لجة من الأوراق والملفات والمصنفات والأقلام والهواتف الثلاثة، بالإضافة إلى جهاز استدعاء السكرتيرة. تظن نفسك الحوذي الذي يقود العربة، وما أنت إلا كمسمار صغير في عجلتها أيها الغر الذي ما يزال دون عمر ابني عماد)(5). وبعد سرد وحوار أكثر طولاً من سابقـه ورد القسم الثالث من الوصف : (المكيف البارز من الجدار في زاوية المكتب وراء المدير ينـز، ينـز. وداد تنفث دخان سيكارتها بصمت. الستائر على النوافذ مسدلة، الدفء الزائد يخنق الأرجاء)(6).

 

ورد وصف غرفة المدير على لسان رياض، كما ورد الوصف السابق لغرفـة الآلة الكاتبة على لسانه أيضاً، ولكن موقع رياض ووجهة نظره في أثناء الوصف مختلفان جداً. فغرفة الآلة الكاتبة مكان أليف بالنسبة إليه ؛ لأنه مكان عمله طوال ثلاثين سنة. أما غرفة المدير فهي مكان معاد بالنسبة إليه ؛ لأنه كان قدَّم طلباً للاستقالة من وظيفته، وافق الوزير عليه ولكن المدير ربط تنفيذ الاستقالة بالعثور على بديل لرياض. وقد دخل رياض غرفة المدير وهو يحمل موقف النفور، ولذلك اصطبغ وصفه الغرفة بصباغ دال على موقفه. ولم يكن من المفيد أن يُقدِّم وصفه الغرفة دفقة واحدة، ثم يفرغ للحديث مع المدير ؛ لأنه يعلم ما يريده منه قبل دخوله الغرفة. ومن ثَمَّ لجأ إلى حيلة روائيّة تُطيل مدّة بقائه في غرفة المدير بحيث يُقدِّم موقفه من خلال وصف المكان دون أن يبدو هذا الوصف متصلاً. وكانت الحيلة هي تفرُّغ المدير لصياغة قرار نقل وداد إلى غرفة الآلة الكاتبة، وقطع هذه الصياغة مرات لمحادثة رياض حول قضية وداد، ودعوته إياه للانتظار ريثما يفرغ من إعداد القرار الخاص بها. والواضح أن الوصف بدأ بالإشارة نفسها إلى الجو الخانق والدفء الزائد، ما يوحي بطبيعة الموقف النفسي لرياض في أثناء اختراقه غرفة المدير.

 

غير خاف، بعد ذلك، أن وصف المكان المغلق يتسم بالتركيز على الأشياء المبصَرَة في غرفة الآلة الكاتبة وغرفة المدير على حدّ سواء ؛ لأن الأشياء المبصَرَة واضحة دائماً، بل إن جزئيّاتها محدَّدة تبعاً لقرب المبصِر الواصف منها. ومسوِّغ ذلك كلّه معروف، هو الرغبـة في تقريب موجودات الغرفتين من إدراك القارىء. ولكن الإدراك المرغوب فيه هنا إدراك ذاتي وليس موضوعياً ؛ أي أنه إدراك معبِّر عن وجهة نظر معيَّنة يريد الواصف (الراوي / رياض) نقلها إلى القارىء ليُمهِّد للحوادث القابلة، ويعلن موقفه من الشخصيات في الحاضر الروائيّ .

 

ب – المكان المفتوح :

ليس هناك اهتمام كبير بالمكان المفتوح في رواية (الكوبرا تصنع العسل)، ولكنّ الراوي عرض بعض الأمكنة المفتوحة، كالشارع ومُتَنَزَّه السَّبيل ومدينة حلب، مؤثراً تقديم هذه الأمكنة من خلال أمكنة أخرى مغلقة. فقد قدَّم الشارع من داخل السيّارة مرة، ومن داخل المقصف أخرى. كما قدَّم مُتنَـزَّه السبيل من داخل منـزل أخت وداد، ومدينة حلب من داخل بهو المديرية. قال في وصف مُتنـزَّه السبيل : (من وراء زجاج النافذة تتألّق مصابيح متنـزه السبيل، مرسلة أضواءها الزاهية إلى أشجار الصنوبر والسرو الباسقة، وهي مندَّاة برذاذ نيسان الناعم، فتتألق خضرتها، وتسكب الأضواء على البِرْكة، وهي تتوسط المتنـزه، فتشارك الأمواج تراقصها البهيج. أطياف الرواد من الرجال والنساء والصبايا والشباب تتهادى في دروب المتنـزه، خلال مروج مزهرة، تتراكض فوقها خيالات أطفال يمرحون ويتنادون، نسمات نيسان تنعش أرواحهم)(7).

لقد بدأ الوصف، كما هو واضح، بتحديد موقع الواصف (الراوي / رياض)، وهو موقع مرتفع بعيد عن المتنـزَّه. وتحديد الموقع ضروريّ لأن الراوي سيصف ما يقع تحت بصره من عل، ما يسمح بتقديم الجزئيّات المبصَرَة أطيافاً (أطياف الرواد من الرجال والنساء والصبايا والشباب)، ولا يُقدِّمها مجسَّمة كبيرة كما فعل في أثناء وصف غرفتي الآلة الكاتبة والمدير، تبعاً لقرب الجزئيّات الموصوفة من عين الراوي الواصف. والملاحظ أيضاً انه كرّر في وصف المكان المفتوح ما فعله في المكان المغلق من تقديم وصف ذاتي غير موضوعي، تخالطه مشاعر الراوي الواصف وأحاسيسه ليُعبِّر بوساطـة هذا الوصف عن الحال الشعوريّـة له، وهي حال السعادة والاطمئنان في أثناء وجوده في منـزل أخت وداد.

 

الفضاء الرّوائيّ :

سعى أحمد زياد محبّك في أثناء تقديم أمكنة روايته المفتوحة والمغلقة إلى بناء الفضاء الروائي استناداً إلى مجموعة من الأمكنة في روايته، واتسم تبعاً لذلك بالسمات الآتية :

أ – التشبُّث بالعلاقات المكانيّة :

اتضح من خلال الحديث عن الأمكنة المغلقة والمفتوحة حرص الراوي على الوصف الذاتي، وابتعاده عن الوصف الموضوعيّ. أو، إنْ شئنا الدقّـة، الوصف الموضوعيّ الذي يخالطه وصف ذاتي، ويمتزج به، ويبدو عنصراً من عناصره. ذلك لأن رواية (الكوبرا تصنع العسل) لم تُقدِّم رواة واصفين، بل قدَّمتْ واصفاً واحداً هو رياض، ومن ثَمَّ لم يكن هناك تعدُّد في وجهات النظر الروائية من خلال وصف الأمكنة، بل كانت هناك وجهة نظر واحدة، وحال شعوريّة تتغيَّر وتتبدَّل بحسب وضعها الروائي النفسيّ. فالراوي يشعر بالضيق في المقصف(8)، فيُقدِّم وصفاً معبِّراً عن هذا الضيق، يضم الرعد المقعقع، والمطر الذي يضرب الزجاج، والبروق التي تقدح. وحين كان الراوي يشعر بالسعادة قدَّم وصفاً لمدينة حلب يضج بالحب. فهي رائعة، تشمخ بقلعتها التي تضم البيوت حولها كالأم. بيد أن تبدُّل الحال الشعوريّة للراوي الواصف ليس خاصاً، بل هو عام معبِّر عن تبدُّل الحوادث المحيطة به، وتغيُّر علاقاته بالشخصيات عموماً، وبوداد خصوصاً. وليست العلاقات المكانيّة شيئاً آخر غير العلاقة بين الأمكنة والشخصيات والحوادث، مصبوغةً بصباغ المشاعر.

 

ب – التشبُّث بالحال الشعوريّة :

إن الحال الشعوريّة للراوي الواصف تُعبِّر من جانب آخر عن وجهة نظر محدَّدة كما لاحظتُ غير مرة. وهذا الحرص على وجهة نظر واحدة طوال الرواية نوع من تضييق المجتمع الروائي ؛ لأن الحياة الروائيّة المتسعة تضم تعدُّداً في وجهات النظر، وصراعاً بينها، يقود إلى شيء غير قليل من المتعة ونمو الشخصيات. وليس في رواية (الكوبرا تصنع العسل) شيء من ذلك كله. فالراوي واحد، والشخصيات الأخرى تنضوي تحت لوائه الروائي لولا بعضٌ من التمرُّد تبديه وداد، وتتضح من خلاله وجهة نظرها التي بدت مطابقة وجهة نظر رياض الراوي، وغير مخالفة لها في شيء، ما فوَّت على القارىء مرة ثانيةً فرصة ملاحقة صراع روائي توافرت أسبابه ولكنها وئدت حين لجأ الراوي إلى  المطابقة بين وجهتي نظر الشخصيتين الرئيستين، وحين عثر على حل سريع لقضية وداد المرتبطة بإسماعيل والمدير.

 

ج – خلق الامتدادات المكانيّة :

لم يكن المكان المفتوح ضمن الاهتمامات الأساسيّة لرواية (الكوبرا تصنع العسل)، ولكن الراوي رغب في الانتقال من المكان إلى الفضاء، ومن ثَمَّ سعى إلى خلق نـوع من الامتداد المكاني في ذهن وداد، فحدَّثها عن الحافلة الكهربائيّة (الترومواي) التي كانت إحدى وسائل المواصلات داخل مدينة حلب. وهذا الحديث لم يكن وصفاً للحافلة فحسب، بل تحديداً للأمكنة التي تمر فيها(9)، من وراء القلعة إلى حي الجميليّة. وقد استند الراوي في هذا الحديث إلى الذاكرة الروائيّة بغية تثبيت هذا الشكل من أشكال المواصلات في ذهن وداد، وهذا ما منح المكان نوعاً من الامتداد من المكان المغلق الأثير لدى الراوي إلى المكان المفتوح الهامشيّ لديه. والواضح أن الرغبة في خلق الامتدادات المكانيّة لم تكن عرضيّة ؛ لأن الراوي عاد إلى الحافلة نفسها وذكر من خلالها شارع القوتلي ومحتوياته (سينما حلب وسينما فؤاد وسينما الشرق التي أضحت الكندي ،ومقهى النجمة ،ومحلات الألبسة والمرطبات والصحف …). ولم يكن رجوع الراوي إلى أمكنة أخرى ليست لها وظيفـة روائية غير خلق الامتداد المكانيّ في ذهن وداد ؛ لأنها من الجيل الذي فاتته معرفة هذه الأمكنة. 

 

هذا ما فعله أحمد زياد محبّك في رواية (الكوبرا تصنع العسل) في أثناء سعيه الجادّ إلى بناء الفضاء من مجموع الأمكنة المفتوحة والمغلقة. فقد وفَّر رباطاً واحداً نظَّم حركة هذه الأمكنة وإيقاعها، فأضفى على المكان طابع الحزن حين كان الراوي حزيناً، وطابع الفرح حين كان الراوي فرحاً، وطابع الامتداد حين كانت وداد بعيدة عن معرفة المكان، وطابع العلاقات حين كان الراوي راغباً في تحديد صلته بالشخصيات والحوادث من خلال المكان نفسه. ولكنَّ هناك سعياً آخر إلى الانتقال من المكان إلى الفضاء قدَّمه نبيل سليمان في رواية (جرماتي)(10)، ووضَّح بوساطته أسلوبه في توظيف التقنيات في بناء المكان والفضاء. ولا بأس في تحليل هذا السعي لتعزيز أساليب الروائيين العرب في بناء الفضاء الروائيّ.  

 

في رواية (جرماتي) عنوانان : رئيس هو (جرماتي)، وفرعي هو (ملف البلاد التي سوف تعيش بعد الحرب). والتدقيق في هذين العنوانين يخدم القارىء في تعرُّف هدف الرواية وهو الحديث عن شيء يخصّ مكاناً محدَّداً. ذلك أن جرماتي، كما سيكتشف القارىء، قرية ؛ أي مكان جغرافيّ، ولكنها قرية غير محدَّدة جغرافياً. وما يُقدِّمه سياق الرواية عن قرب هذه القرية من (دمشق) لا يعني شيئاً في العرف النقديّ ؛ لأن استعمال اسم (دمشق) لا يُحدِّد القرية، بل يخدع القارىء الذي يطابق بين الواقع الخارجيّ والواقع الروائيّ، فيجعله يظنّ بأن جرماتي مثل (دمشق) مكان حقيقيّ، في حين أنهما ليسا كذلك في العرف النقدي والروائيّ معاً. إن (جرماتي) مكان روائيّ لا يتحدَّد قبل فراغ القارىء من قراءة الرواية، وما استعمال هذا المكان في عنوان الرواية إلا تمهيد نفسيّ للقارىء المتلقّي، يقول له إنكَ مُقبِل على قراءة شيء محدَّد عن مكان اسمه (جرماتي). ومن العبث أن يعتقد القارىء بأن العنوان الفرعيّ للرواية تكرار لا فائدة منه. ذلك لأن هذا العنوان يضمّ شيئين لا يُعبِّر عنهما العنوان الرئيس :

أوّلهما : عبارة (بعد الحرب). فهذه العبارة تدلُّ على أن الحديث عن جرماتي سيكون خاصاً بزمن معيَّن، هو زمن ما بعد الحرب. ولكنّ (الحرب) غير محدَّدة ؛ لأن (ال) الجنسيّة فيها تفيد العموم لا الخصوص. وعلى الرغم من ذلك فإن عنوان الرواية (جرماتي) يوحي بشيء من التحديد ؛ لأن القارىء قادر على أن يفهم منه أن الحديث عن هذا المكان سيكون مقصوراً على فترة محدَّدة من تاريخ جرماتي هي فترة ما بعد الحرب. 

 

وثانيهما : كلمة (البلاد) التي تناقض صيغة (جرماتي) ؛ لأنها جَمْعُ بلدٍ، ولا علاقة لها بجرماتي القرية الواردة بصيغة المفرد. ولو جاء العنوان على النحو الآتي : (ملف البلد أو القرية التي ستعيش بعد الحرب) لما كان له معنى ومغزى، إذ إن معناه ومغزاه كامنان في تلك المغايرة بين القرية – وهي مكان له اسم محدَّد مُخصَّص – والبلاد وهي جمع يفيد التعميم. وسيكتشف القارىء الذي يُنعم النظر في العنوان الفرعيّ أن هدف الرواية النهائيّ هو تعميم دلالة (جرماتي) وليس تخصيصها، بنقل التسمية  من مكان جغرافيّ محدَّد إلى وطنٍ أكثر اتساعاً. وتلك، في رأيي، مهارة نبيل سليمان في الانتقال من المكان إلى الفضاء الروائيّ في هذه الرواية ؛ تلك المهارة التي جعلته يختار عنوانين دالين على ما سيتكفَّل السياق الروائيّ بتقديمه للقارىء. وهذا تحليل موجز لهذه المهارة يوضِّح تفصيلاتها على نحو أكثر جلاء.

 

أ – اختراق جرماتي :

تبدأ الرواية بالإشارة إلى صباح جديد في (جرماتي)(11). أي أنها تبدأ بإشارتين : زمنيّة ومكانيّة. وإذا قصرتُ الحديث على الإشارة المكانيّة قلتُ إن الرواية تُسمّي المكان الأساسيّ (جرماتي)، ثم تنتقل إلى تسمية الأمكنة الفرعيّـة فيه، وهي : الشارع الإسرائيليّ – جرن النبُّوعة – مربض الدّبَّابة – ساحة المدرسة. وإذا كانت التسميـة خطوة أولى باتجاه تحديد المكان الروائي فإن اختراق هذا المكان يحتاج أول الأمر إلى وصفٍ يجعل إدراك المكان بوساطة اللغة ممكناً. والواضح أن نبيل سليمان لم يغفل عن ذلك، فقدَّم بعد التسمية وصفاً للمكان، هو : (جرماتي تسقط في الحرب الماضية. البلدوزرات تمسح كرم تامر صبح وبيت أبي سميّة، تشقّ الشارع الإسرائيليّ. السكّة تمر بجرن النبّوعة على مطلّ جرماتي. حفرة كبيرة ترتقي في زاويتها الشرقية إلى السكة عبر خمس درجات. تكسو أرض الحفرة بلاطة صخرية واحدة ملساء. يتصدر البلاطة النبع المتفجِّر في فتحة كهف غائر في بطن التلّة .تتحدّر التلة بقسوة عن يمين السكة من النبوعة إلى سنديانات الشيخ إبراهيم الثلاث. تتلو السنديانات فسحة سهلية يسيرة يقتسمها كرم تامر صبح والمقبرة. تضيق السكة بعدئذ كثيراً قبل أن تفضي إلى المئذنة المضلّعة المقصوفة منذ يوم القتال الأول. انصبَّت على المئذنة من كبد السماء ثلاث كتل من جهنم أتت كل كتلة على قسم من المئذنة)(12).  

 

لا شكَّ في أن صورة المكان التي قدَّمها الوصف بصريّة، تجعل القارىء يدرك محتويات الشارع الإسرائيليّ وتفصيلات جرن النّبُّوعة والسّاحة، وما يُحيط بهذه الأمكنة ويطيف بها. والمسوِّغ الروائيّ لهذا الوصف هو القول إن (البلدوزر) الإسرائيليّ في أثناء الاحتلال شقَّ شارعاً في جرماتي. ولكن نبيل سليمان وظَّف هذا المسوّغ لغرض آخر هو الإشارة إلى الدمار الذي خلَّفه الاحتلال. ولهذا السبب مهَّد للوصف بسرد عن الدمار، وذيَّله بسرد مماثل عن الدمار. أيْ أن الصورة الوصفيّة لجرماتي قدَّمت مكاناً خارجاً من الاحتلال، مملوءاً بالدمار، بغية تحديد البدايـة الزمنيّة للرواية (صباح الانسحاب الإسرائيلي) والموضوع الذي تدور حوله، وهو الدمار.

 

ولو اكتفى نبيل سليمان بالصورة البصريّة لقدَّم وصفاً للمكان الجامد ليست له دلالة روائيّة، ولكنه لم يفعل ذلك، بل جعل وصف المكان مقدّمة لاختراقه. إذ إنه طرح قبل الوصف الشخصيات التي بقيت في جرماتي ولم تغادرها، وراح بعده يعرض تباينها وتناقضها ووجهات نظرها، وقدَّم من خلال ذلك تحديداً آخر ينقل صورة المكان الجامدة إلى مكانٍ روائيّ متحرِّك. ذلك أن الباقين في جرماتي فريقان : فريق تعاون مع المحتل، وفريق قاوم المحتل. ولكل فريق من الفريقين وجهة نظر خاصة به. أما الفريق الأول فينتظر ما ستؤول إليه الأمور، وهو خائف من تعاونه السابق مع المحتل. والفريق الثاني ينتظر أن يقوم في جرماتي حكم جديد مغاير لما كان قبل الاحتلال. وتحديد هذين الفريقين هو أول اختراق لجرماتي يُحيي المكان ،يأتي بعده اختراق ثان ينهض به العائدون إلى جرماتي ،وهم فريقان أيضاً : فريق الهاربين (عبد السّتَّار – البرزغل …)، وفريق المقاومين والمهجَّرين. وسَرْعان ما انتمى الفريقان العائدان إلى الفريقين المقيمين. فالفريق المقاوم والمهجَّر انتمى إلى الفريق الراغب في جرماتي جديدة، وانتمى الفريق الهارب إلى الفريق الذي تعاون مع المحتل. وبذلك اخترقت الشخصيات المكان وحدَّدته تحديداً نهائيّاً. والمراد بذلك أن نبيل سليمان خلق جرماتي من خلال اختراق الشخصيات الروائية لها. والاختراق هنا هو دخول الشخصيات المكان، وتحديد انتماءاتها الروائية فيه. وقد وفّر هذا الاختراق فهم الشخصيات الروائية، ووضَّح حوافز الفعل لديها، وهي هنا موقفها من الدمار.  

 

ب – إحياء جرماتي :

إذا كانت قدرة نبيل سليمان على الانتقال من المكان إلى الفضاء من الميزات الفنيّة الأساسيّة في رواية جرماتي، فإن هذه الميزة هي التي عبَّرت عن أن جرماتي / القريـة هي المكان الروائي الذي اتضح حين اخترقته الشخصيات الروائية. فقد وفّر هذا الاختراق، كما سبق القول، فرصة فهم الشخصيات وتحديد انتمائها إلى فريقين لهما موقفان متناقضان من الدمار الذي حلَّ في جرماتي. ولكنّ الروايـة لم تكتف بتحديد هذين الفريقين، بل راحت ترصد العلاقـات بينهما، وهي علاقات ذات صفات مكانيّة. فقبلان والسكماني وعبد الستّار في أعلى الهرم الاجتماعيّ، ورافع وجبر ونايف في أدنى درجات السُّلَّم الاجتماعيّ. والتقابل بين الأعلى والأدنى هو تقابل بين صفتين مكانيتين واضحتين. كذلك أمر التقابل بين الفلاحين والسلطة، وبين عمّال الورش ومستغلِّيهم. وهذه كلها علاقات مكانيّة تنمّ على ثنائيّات ضدّيّة نابعة من الثنائيّة الرئيسة التي وضّحها الاختراق، وهي ثنائيّة : التدمير – التعمير. وهذا يعني أن الاختراق أحيا جرماتي، وعرَّى التراتبيّة السياسيّة والاقتصاديّة والأخلاقيّة بين الفريقين، بحيث كان الفريق الأول راغباً في الإفادة من التدمير في استغلال التعمير لصالحه. أما الفريق الثاني فكان راغباً في تعمير جرماتي جديدة مغايرة لجرماتي السابقـة على الاحتلال في علاقاتها وسلطتها وأصحاب المصلحـة فيها، ولكنه فوجىء بعودة السلطـة القديمـة (قبلان – السكماني – عبد الستّار) إلى جرماتي، ومحاولتها الإفادة من التدمير في بناء (الفيلا) والمقصف والمستودعات بدلاً من المدرسة وبيوت الفلاحين المدمَّرة. وفي أثناء المواجهة بين الفريقين تعدَّدت الأمكنة بتعدُّد العلاقات، فجرى الانتقال من علاقات جبر بالجرماتيين إلى علاقة ناهض بهم، وهي علاقة ضدّيّة كفلت طرح موضوع (الفيلا) المشرفة على جرماتي، وبناء المقصف والمستودعات، بغية تحويل جرماتي إلى منتجع سياحيّ. وكفل أيضاً الكشف عن التحولات الداخليّة التي طرأت على الشخصيات، كتردُّد زاهي، ومغادرة نايف جرماتي إلى لبنان … وهكذا أحيا الاختراق جرماتي، فبدت قضيّتها أكثر اتساعاً من مكانها الجغرافيّ الروائيّ المحدود بحدود قرية انسحب الإسرائيليون منها. كما دلَّ اتساع القضية على أمر آخر، هو الفضاء الروائي، بحيث بدأ القارىء يلاحظ أن ما جرى بين الفريقين في جرماتي كان انعكاساً لوضعهما خارجها. أو قُلْ إن جرماتي تحوّلت من مكان جغرافيّ إلى مكان رمزيّ دال على فضاء لا تخرج المواقف فيه عما جرى في جرماتي. ومن ثَمَّ لم تكن هناك حاجة إلى أن ينفي نبيل سليمان في بداية الطبعة الثانية من الرواية(13) المطابقة بين الواقع الحقيقيّ والواقع الروائيّ في روايته ؛ لأن الفضاء الروائيّ الذي نجح في تحديده فنيّاً أوحى بالمماثلة، وعبَّر عن أن الرواية ليست جرماتي، بل هي البلاد التي سوف تعيش بعد الحرب كما عاشت قبلها.

 

ثانياً : اختراق المكان وتشكيل الفضاء

ما انتهى إليه نبيل سليمان يحتاج إلى توضيح طبيعة الاختراق وتشكيل الفضاء ؛ لأن الرواية العربيّة احتفت بالفضاء الروائيّ، وقدَّمتْ نموذجات فنيّة له، بعد إهمال المكان الروائيّ كثيراً، وبعد عناء طويل في معالجة ملامحه العامة. والواضح، استناداً إلى النموذجات  الروائيّة السابقة، أن هناك روائيين عرباً جسَّدوا ما انتهى إليه النقد الروائي من تمييز بين المكان الحقيقي والمكان الروائي أولاً، وبين المكان الروائي والفضاء الروائي ثانياً. فقد لجأ هؤلاء الروائيون إلى الوصف الذي يرسم صورة بصرية تجعل إدراك المكان بوساطة اللغة ممكناً، وحرصوا في أثناء ذلك على تصوير المكان وبيان جزئيّاته وأبعاده. ولكنهم أدركوا أن وصف المكان غير كاف للقول إنهم قدَّموا مكاناً روائياً، لأن هذا الوصف مجرّد تمهيد لاختراق الشخصيات المكان بما تحمله من وجهات نظر متباينة في الحوادث الروائية. ومن ثَمَّ ميَّزوا بين صورة المكان والمكان الروائي، وجعلوا الوصف خطوة إجرائية أولى، تلتها خطوة ثانية هي اختراق الشخصيات المكان، وتحرُّكها في جزئيّاته، وتشكيلها الفضاء الروائي من العلاقات المكانية أو العلاقات بين الأمكنة والشخصيات والحوادث، ثم الارتفاع فوق هذه العلاقات بغية توفير الإيقاع المنظِّم لها. وكان نجاحهم في ذلك دليلاً على أن الفضاء الروائي لا يتشكَّل إذا لم تخترق الشخصيـة المكان حاملة وجهة نظرها الخاصـة في علاقاته، وإذا لم تكشف عن حالها الشعورية وتسهم في رصد تحولاتها الداخلية.

 

ولا أشكّ في أن بنية رواية (الغربان لا تختفي أبداً)(14) للروائي القاص عبد الفتَّاح صبري نموذج تستحق إنعام النظر في قضية الفضاء الروائي. فهي نموذج حديث لا يعتمد الحكاية والحبكة، ولا ينصرف إلى بناء الشخصية، ولا يهتم بالنموّ الخطّيّ للزمن الروائي كما يفعل النمـوذج الروائي التقليدي. فهذه الرواية نموذج حديث يعتمد الراوي الممثَّل ذا التبئير الداخلي والسرد الذاتي، ويسعى طوال النص إلى تفتيت الحدث وخلخلة البناء اللّغويّ. والظن بأن هذا النموذج صالح للتحليل من ثلاث زوايا : زاوية الكاتب الضمني الذي حلَّ في الراوي الممثَّل وراح يُوجِّه السرد تبعاً للشخصية التي حلَّ فيها، وهي هنا شخصيـة البطل المحوري (صبحي عثمان) الذي سرد الحدث الروائي بضمير المتكلّم، وحاول إيهام المتلقّي بأنه يسرد حكايته الخاصة، بغية قيادته إلى الاعتقاد بأن هناك مزجاً بين العناصر المستمدّة من السيرة الذاتية والعناصر المتخيَّلة، ومن ثَمَّ بدت الرواية وكأنها نوع من الرواية السيرية. وزاوية اللغة الروائية المعنيّة بالاستبطان الداخلي، وتفتيت الحدث، والحرص على وجهة نظر واحدة هي وجهة نظر الشخصية المحورية (صبحي عثمان)، وتقديم ذلك في هيئة بناء لغويّ ذي جمل قصيرة، ليس فيه اهتمام بأدوات الربط التي تجعل السرد متصلاً، بل فيه حرص على أن يُعبِّر هذا السرد عن حدث مُفتَّت يرصد دخيلة صبحي عثمان، ويهتم بخلخلة البناء اللغوي لمواكبة الخلل في المجتمع الروائي. أمّا الزّاوية الثّالثة فهي زاوية المكان والفضاء الروائي التي سأهتمّ بها، دون أن يعني ذلك أن الزوايا الثلاث منفصلة، أو يمكن فصلها لغير الأغراض التحليلية. ومن البديهي، تبعاً لذلك، أن أستعين في أثناء التحليل بإشارات إلى الزاويتين السابقتين، وأن أسعى إلى رؤيتهما من خلال الفضاء الروائي. 

 

– اختراق المكان :

بدأت رواية (الغربان لا تختفي أبداً) بتحديد المكان الروائي : (من هنا، من القرينين، القرية الصغيرة جداً، القابعة في إحدى زوايا الدلتا الواسعة)(15). وهذا التحديد لافت للنظر لأنه يدلّ بوضوح على أن المكان الروائي ضيِّق. فقرية القرينين  (صغيرة جداً) قابعة (في إحدى زوايا الدلتا الواسعة). ولكن (الضيق) هنا لا علاقة له بالمساحة التي يتحرّك فيها الحدث الروائي، بل له علاقة بما توحي به القرية  (والريف عموماً) في الرواية بالإقبال على موضوعات ذات علاقة بالأرض والفلاح والمالك والعمدة (المختار) والمرأة في المجتمع الريفي، وما إلى ذلك من أمور بعيدة عن التنوُّع والامتداد وتعقُّد الحياة التي يوحي بها المكان المدينيّ (والرواية المدينيّة عموماً). وليس ذلك تصنيفاً ولا تفضيلاً للمكان الذي يتسم بالاتساع، بل هو إيحاء بالضيق بدأت به الرواية تمهيداً لما سيفعله صبحي عثمان عندما يخترق هذا المكان الضَّيِّق ويبعث الحياة في علاقاته، فيجعله واسعاً شاملاً مصر كلّها، متنوّعاً لا تنفصل علاقاته الاقتصادية عن علاقاته الاجتماعية والسياسية، ولا يختلف ريفه عن حضره.

 

أشار الراوي الممثَّل صبحي عثمان إلى اختراقه قريته بعد التحديد مباشرة ،فقال : (لفظتني ذات يوم وإليها أعود)(16). وقد تكفَّل السرد اللاحق باسترجاع الماضي الذي قاد إلى هرب صبحي عثمان من قريته القرينين. وحين انتهى من ذلك في نهاية القسم الأول من الرواية(17) رجع في بداية القسم الثاني إلى الحاضر الروائي بادئاً بعبارة مماثلة للعبارة الافتتاحيّة، هي : (أعود إليك يا بلد)(18) .وهذا يعني أن الرواية بدأت بالحاضر الروائي ثم اعتمدت على النسق الزمني الهابط في تجسيد الاسترجاع. ولما فرغت من الاسترجاع عاد الزمن إلى الحاضر ثانيةً وبدأ النسق الزمني الصاعد، وهو زمن أكثر طولاً وتنوُّعاً، لأنه استمرّ حتى نهاية الرواية (بين ص 29 – 76) ،وهي نهاية مفتوحة تُوحي باستمرار المأزق الروائي. بيد أن القضية لا تكمن في التلاعب بالأنساق الزمنية وحدها، بل تكمن في الوقت نفسه بتجسيد الاختراق من خلال الاسترجاع، وتشكيل الفضاء من خلال الحاضر.

 

والظن بأن دخول صبحي عثمان قرية القرينين عبَّر عن اختراق المكان بإحياء علاقاته التي كانت مستورة قبل الاختراق. أو قل إن قرية القرينين كانت ساكنة لا يعلم المتلقّي شيئاً عن العلاقات التي تحكمها وتسيطر عليها، وعندما اخترقها صبحي عثمان تخلخل سكونها وشرعت العلاقات التي تحكمها تتضح. وكلّما أوغل صبحي في الاختراق زاد وضوح العلاقات المكانية، فبدت قرية القرينين مكاناً (معادياً) لأن السرد الاسترجاعي أماط اللثام عن أن (صميدة شعبان) ذا الأصل الوضيع قتل بديعة  (المجنونة) لأنها فضحت أسراره النسوية المخزية، وكشفت عمله في تهريب المخدِّرات. ولـمّا كان صبحي عثمان هو الوحيد الذي سمحت له بديعة بالاقتراب منها والتواصل معها فقد اتهمه صميدة بقتلها وأدخله السجن، ثم وفّر له فرصة الهرب من القرية. فبدا (صميدة شعبان)، نتيجة ذلك، بؤرة إشعاع العداء في القرينين، وهي بؤرة جعلت المكان الروائـي المعادي (طارداً) بدلاً من أن يكون  (جاذباً)، تبعاً لنجاحها في القضاء على بديعة رمز التحرُّر من الرضوخ، وإبعادها صبحي عثمان المؤهَّل من خلال قبول بديعة له لأن يكون رمزاً ثانياً للثورة على سيطرة صميدة على القرية، ونشره الفساد فيها.

 

وإذا كانت جماليّة المكان لا تـتجسّد من خلال تحديد اسمه وأبعاده وصفاته فحسب، بل تتجسّد من خلال الطريقة الفنية التي قُدِّم بها، فإن الواضح بالنسبة إليَّ أن حرص الراوي الممثَّل على اختراق المكان وإحياء العلاقات السائدة فيه هو الطريقة الفنية التي قُدِّم فيها الراوي الممثَّل مقهوراً، وصميدة قاهراً، وبديعة موضوعاً للقهر. وبالتالي ارتبـط المكان بعلاقات محدَّدة بين الشخصيات القاهرة والمقهورة، ولكنه ارتباط مُقدَّم من وجهـة نظر الراوي الممثَّل ليس غير. فهو السارد مالك السرد الذاتي، ومن خلاله نعرف بديعة كما نعرف صميدة، ونقرأ عن القهر والسيطرة والعداء كما نقرأ عن دخيلة الراوي المضطربة الهائمة التي لا تعرف الاستقرار على حال واحدة. ويمكنني القول باختصار إن السرد الذاتي قدَّم، في أثناء الاسترجاع، مكاناً معادياً طارداً ذا علاقات قهر تراتبيّة(19)، يقبع في قمّتها صميدة شعبان الفاسد المفسد تاجر المخدّرات، وفي أدناها أناس يجب أن يرضخوا ويستكينوا أو يغادروا القرية ويتغرّبوا. مَنْ يتكلَّم يُقتَلْ، ومَنْ يتعاطفْ ويتهيّأ للتَّكلُّم يُتَّهمْ ويُسجن ويُطرد. وهذا الذي يحدث في قرية القرينين يحدث في مصر كلّها حسب التصريح المباشر للراوي الممثَّل(20). تلك هي طبيعة المكان الروائي، ولكنها طبيعة أراد لها الراوي الممثَّل أن تكـون تمهيداً للفضاء الروائي، ولذلك قصرها على القسم الأول من الرواية، وهو قسم استرجاعي.

 

– الفضاء الرّوائيّ :

إذا لم يكن الفضاء الروائي يتشكَّل من مكان واحد، بل يحتاج إلى أمكنة عدّة ذات بنية نابضة بالحركة والفعل، متماثلة في علاقاتها وطبيعتها ودلالتها، بحيث يبدو الفضاء إطاراً لحوادثها وصراعاتها ووجهات نظرها. فإن حرص الراوي الممثَّل صبحي عثمان على تشكيل هذا الفضاء منطلقاً من المكان الروائي بعد توضيح طبيعته. ولهذا السبب رجع في بداية القسم الثاني إلى عبارة كان القسم الأول بدأ بمثيل لها، ولكنها عودة إلى العبارة بعد تشبُّعها بمشاعر قهرٍ لم تعرفها العبارة الافتتاحيّة التي بدأ بها اختراق المكان الروائي.

 

بدأ القسم الثاني بعبارة (أعود إليك يا بلد)، وهي عبارة مشبعة بمشاعر القهر النابعة من طبيعة العلاقات المكانية المعادية في قرية القرينين، ومن تلك الغربة القسرية التي امتدّت سنوات دون أن تخلع من قلب الراوي الممثَّل صبحي عثمان حبَّ القرية والرغبة في العودة إليها. بدأ القسم الثاني بعبارة مؤذنة بحال شعورية جديدة هي مواجهة القهر الذي استكانت له القرية، والانتقام من الرأس القاهر المسيطر. وهذا يعني أن عودة الراوي الممثَّل مدفوعـة بالعلاقات المكانية المعادية التي قدَّمها الاسترجاع، وبقرار فرديٍّ بعدم الرضوخ لقرار الطرد، وبعزم على الانتقام من صميدة الرأس المدبّر. ولكن السرد الذاتي اللاحق سرعان ما كشف عن شيء جديد أضافه الراوي الممثَّل إلى العلاقات المعادية، هو نجاح القهر في اغتيال الطبيعة الجميلة، وفي الامتداد من تجارة المخدِّرات إلى تجارة النقود المزيَّفة، ومن مصر إلى إسرائيل، ومن حاكم قاهر محلّيٍّ إلى دوائر سيطرة مركزية. وإذا كان ذلك كلّه إيذاناً بتشكيل الفضاء الروائي، وهو إطار الأمكنة والشخصيات والحوادث والعلاقات ،فإن الحاجة الروائية تقضي بتجسيد الفضاء من خلال نموّ الحدث الروائي. وقد لجأت الرواية إلى تنمية حدثها مستعينة بوسيلة (التّسلُّل)، فجعلت الراوي يتسلّل إلى منـزله، ويقابل أمه خفية، ثم يستعين بصديقه (زكريا إسماعيل) المقرَّب من صميدة في التسلُّل إلى بؤرة الفساد في صـورة النادم على ما مضى، الراغب في أن يعمل لدى صميدة.

 

ومن الواضح أن (التسلُّل) المعبِّر عن عدم توافر الإمكانية للمواجهة المباشرة مع الفساد أتاح الفرصـة الروائيـة للانتقال من المكان العام (القرية) إلى المكان الخاص (منـزل صميدة) الواسع  (الحقول والبراري والمدن والنهر). ومن العلاقات المحدودة (علاقات صميدة بالقرية) إلى العلاقات المتشعِّبة (علاقات صميدة بدوائر النفوذ في مصر، وإسرائيل، وتهريب النقود المزيّفة إلى جانب المخدرات). وهذا الانتقال جعل الأمكنة تتعدَّد (القرية – المنـزل – الجسر – النهر – المدرسة الزراعية – شاطىء الرياح – الجبل – القبو – طنطا – البحيرة – الاسكندريـة – الشرقيـة – المنصورة …)، والشخصيات يزيد عددها (زكريا إسماعيل – متولي بقر …)، والحوادث تتشعَّب (نقل الحقائب السوداء – علاقة صبحي بزوجة صميدة ثم قتلها معه). وبرزت، ضمن هذا الفضاء الروائي الجامع لذلك كله، الحال الشعورية لصبحي عثمان، تلك الحال التي بدأت تتغيّر من الاضطراب والتردُّد إلى الاستقرار على رأي محدَّد، هو قتل صميدة دون توجيه تهمة لأحد. وقد نفّذ قراره، ولكنه اضطر إلى قتل زوجة صميدة أيضاً، وظن بعد نجاته وإعلانه الحزن على مقتل صميدة أنه قضى على رأس الفتنة ومصدر الفساد، ولكنه اكتشف في العزاء ابناً لصميدة مؤهَّلاً لخلافتـه دون أن يعلم بأمره لسكنه بعيداً عن القرية، وهذا ما يوحي بدلالة محدَّدة، هي أن الانتقام الفردي لا يحلّ مشكلة الفساد، ولا يقضي على جذوره وامتداداته.

 

ومن الواضح بعد ذلك كلّه أن الفضاء الروائي في (الغربان لا تختفي أبداً) لم يعرف تعدُّد وجهات النظر، بل بقي محكوماً بوجهة نظر واحدة، هي وجهة نظر صبحي عثمان، ما جعله فضاءً أحادياً، فضلاً عن حاجته إلى الاتساق. إذ إن الشخصيات المعادية (وخصوصاً صميدة ومتولي) مدانة في سلوكها الجنسي، ولكن شخصية صبحي عثمان غير مدانة على الرغم من ممارستها السلوك نفسه. كما أن الحل الوجودي للقهر باغتيال القاهر حلٌّ فرديٌّ. وهذا الحلّ الذي تردَّد بطل مطاع صفدي في جيل القدر (1960) وثائر محترف (1961) في تنفيذه ،نضج لدى عبد الفتَّاح صبري ،فدفع بطله إلى تنفيذه دون أن يناقشه أو يتردّد في شرعيته، ثم جعله يوقن بعدم جدواه بعد معرفته بأن هناك ابناً لصميدة، وانتهى في آخر عبارات الرواية إلى أن (يولول) ويندب حظّه وحظّ قريته، موحياً مرة أخرى بأن الاغتيال ليس حلاً للفساد. 

 

ثالثاً : بناء الفضاء

أما رواية (الطبل)(21) لفاضل السباعي فلا نتعرّف من خلالها طريقة السباعي الفنية في بناء فضاء روايته فحسب، بل نسعى في الوقت نفسه إلى تلمُّس الجديد في هذا البناء قياساً إلى السائد في الرواية العربية. ذلك أن قارىء رواية (الطبل) يعتقد بأن فاضل السباعي لم يُعْنَ بالمـكان الروائي. ومصدر هذا الاعتقاد خلو رواية (الطبل) من مقاطع وصفية تحيط بالأمكنة التي تُشكّل الفضاء الروائي، وهي : مبنى الهلال  – مبنى الإدارة المركزية – منـزل عثمان العطّار – الحديقة العامة – الشـوارع المجاورة لمباني الوزارة. وهذا الاعتقاد غير صحيح، لأن عناية فاضل السباعي ببناء الفضاء الروائي في رواية (الطبل) تبدو متميّزة قياساً إلى ما قدَّمه في روايتيه الضخمتين (ثم أزهر الحزن) و (رياح كانون).

 

ويمكنني توضيح ذلك بالقول إن فاضل السباعي أدرك أن الوصف هو الوسيلة الرئيسة لتقديم المكان الروائي. وقد اعتاد استعماله في تصوير المكان، والتعريف بأشكاله وأحجامه وجزئياته، وتفنّن في ربطه  بعد ذلك بالحوادث والشخصيات ،حتى إن الوصف أصبح لديه مكوّناً من مكوّنات الرواية ،أو عنصراً من عناصر بنائها. وهو محقّ في ذلك، لأن المكان الروائي ليس زينة، بل هو خالق للمعنى داخل الرواية(22). ومن ثَمَّ لم يكتف بمكان واحد في رواياته، بل راح يُعدِّد الأمكنة ليـخلق فضاءً روائياً، دون أن يتخلّى عن الوصف، لأن اللغة وحدها هي التي تجـعل إدراك المكان الروائي ممكناً.

 

وليس هناك ما يشير إلى أنه خرج عن المألوف الروائي في روايته (ثم أزهر الحزن). فقد قدَّم فيها وصفاً موجزاً للدار العربيـة التي سكنتها الأسرة، قائلاً : (ففي دارنا العربية صحن وسيع وبركة وليوان. وفي صحن الدار حوض مزهر يوازي حائط الغرفة الكبرى التي كنا نسمّيها بالقاعة. كان أبي، يوم وُلدتْ لـه أختي البكر، قد قام إلى هذا الحوض، وغرس فيه عوداً من الكرمة. ثم انثنى يقول لأمي وهو ينفض التراب عن يديه :

 

- هذه الدالية لصغيرتنا نورة.

وغرس، بُعيد ولادة سليمى، شجيرة ياسمين. ثم كان من نصيبي شجيرة ورد. فلما أقبلت رابعة كان الحوض قد ضاق بشجيراته الثلاث الناهدات، فوسّعه وأضاف إليه شجيرة رمان)(23).

 

يدلّ هذا المقطع بوضوح على أن الوصف مجمل بالنسبة إلى الدار، ومفصَّل بالنسبة إلى الحوض. فقد ذكر موضع الحوض (يوازي حائط القاعة)، ومحتوياته من الأشجار. ولم يكن وصـف الحوض في الرواية هدفاً، بل كان تعبيراً عن وضع الأسرة، مرتبطاً بأفرادها، دالاً عـلى طبيعة حياتها. فهي تنتظر ابناً ذكراً يزرع له الأب شجرة تفاح تدين لها شجيرات البنات بالطاعة(24). ويبدأ الأب ييأس بعد إنجاب البنت الخامسة، ثم ما يلبث يعتقد بأن ابنه الذكر لن يأتي إلى الدنيا وهو على قيد الحياة. وتتحقّق نبوءته، فيموت قبل ولادة زوجته بعلاء، وتروح (أعراف الشجيرات الخمس تترنح جزعاً)(25)، مشاركة الأسرة حزنها على الأب الذي قضى قبل رؤيته ابنه علاء. وحين يولد علاء تفرح الأسرة ويعود إلى (الشجيرات صداح العنادل والعصافير)(26).

 

إن الحوض مكان روائي يُعبِّر عن أحلام الأسرة وتطوراتها، فلا يبدو مكاناً جامداً، بل يـبدو معادلاً لمشاعر الأسرة، يفرح حين تفرح ويحزن حين تحزن. وعندما وُلد علاء انتهت مهمـة هذا المكان الروائي، وبدأت مهمة مكان روائي ثان هو الغرفة التي أجَّرتها الأسرة للمعلمة زينب. وقد تجلّت هذه البداية في وصفٍ مجملٍ لغرف المنـزل، ومفصَّلٍ للغرفـة  (المربّـع – العلّيّة)(27) التي تنوي الأسرة تأجيرها للمعلمة.

 

هكذا تشكَّل الفضاء الروائي في (ثم أزهر الحزن) من أمكنة عدّة، بعضها في الدار العربية، وبعضها الآخر في الدار الحديثة التي اشترتها الأسرة(28)، وبعضها في الشوارع والمكتبة والجامعة. وكلّ مكـانٍ يحمل معه تطوراً من تطورات الأسرة وحياتها، حتى يغدو الفضاء الروائي دالاً على حركة الحوادث والشخصيات وعلاقاتها. أي أن تعدُّد الأمكنة في رواية (ثم أزهر الحزن)، وارتباط كلّ مكان منها بحدث من الحوادث الروائية، وإسهامه في الدلالة على جانب من طبيعة الشخصيات وعلاقاتها داخل الأسرة وخارجها، موظَّف للتعبير عن الحكاية الروائية التي ترصد تطورات أسرة تُوفّي عائلها وخلَّف وراءه زوجة وابناً وبُنيّات خمساً صغاراً. وكأن تعدُّد الأمكنة لبَّى الحاجة الجمالية الخاصة برصد تطورات الأسرة، وكان وصف كلّ مكان منها، مجملاً أولاً ومفصَّلاً بعد ذلك، سبيل الراوي إلى جَعْل القارىء يرى البيئة المختارة وهي تتغيّر وتتبدّل.

 

هذه، بإيجاز، عناية فاضل السباعي بالفضاء الروائي في رواية (ثم أزهر الحزن). إنها عناية تدلّ بوضوح على أنه استند إلى الوصف في بناء فضاء روايته. وسبق القول إن الروائيين اعتادوا اللجوء إلى الوصف في بناء فضاءاتهم الروائية. ولم يختلف فاضل السباعي عنهم في شيء غير رغبته في إيجاز الوصف وتوظيفه. وعلى الرغم من ذلك كله فإنني أعتقد بأنه بنى فضاء رواية (الطبل) على نحو آخر جديد مغاير لمـا فعله في (ثم أزهر الحزن). وأولُ ما نلاحظه في هذا البناء الجديد خلُّوه من الوصف وهو الرجبة الأساسية التي يُشاد عليها الفضاء الروائي. ولئلا يكون هناك لبس أقول إن رواية (الطبل) خالية من المقاطع الوصفية للأمكنة الخمسة التي شكّلت فضاءها، وهي : مبنى الهلال – مبنى الإدارة المركزية – منـزل عثمان العطّار – الحديقة العامة – الشـوارع المجاورة لمباني الوزارة. وسنلاحظ، بعد، أن فاضل السباعي استعاض عن المقاطع الوصفية بالأرقام والصفات المفردة ودلالات الألفاظ. ولا بأس، بادىء ذي بدء، من توضيح الفضاء الروائي في رواية الطبل استناداً إلى الإجراءات الثـلاثـة الآتية : اختراق المكان وتراتبيته وتعدُّد الرؤى فيه. 

 

يختلف المكان الروائي عن المكان الطبيعي الخارجي في أنـه لا يتضح إذا لم تخترقه الشخصيات الروائية. فلا استقلاليـة له عنها، لأنه لا يظهر إلا من خلال وجهات نظرها(29) وشبكة علاقاتها ورؤياها. والفضاء الروائي لا يُشاد إذا لم تتضامن وجهات النظر وشبكة العلاقات والرؤى مع بعضها بعضاً، تبعاً لارتباط هذا الفضاء  بالحوادث والشخصيات. فالمكان جامد، ولكن اختراق الشخصيات له يجعله نابضاً بالدلالات والحوادث. وليست هناك وسيلة واحدة لاختراق الشخصية الروائية المكان. ولكنني لاحظتُ أن فاضل السباعي استند إلى الثنائيات المُبرزة للتراتبية وتعدُّد الرؤى، مستخدماً الأرقام والصفات المفردة ودلالات الألفاظ بدلاً من المقاطع الوصفية.

 

لننعم النظر، الآن، في ثنائية : الإدارة المركزية ومبنى الهلال. ففي الرواية كلها صفة واحدة خلعها الراوي على مبنى الهلال، هـي كونـه مبنى (ملحقاً)(30) بالإدارة المركزية. وهذه الصفـة المكانية التي وردت عرضاً في رواية الطبل جوهرية، يستند إليها بناء الفضاء الروائي كله. ذلك أنها تعني أن هناك مبنيين (مكانين) : أولهما أصل وهو الإدارة المركزية، والثاني فرع وهو مبنى الهلال. والفرع في رواية الطبل تابع دائماً للأصل. وهذه التبعية تبدو مكانية أول الأمر، ولكنـها سرعان ما تنبض بالدلالات الفكرية، فيكرّر المكان / الفرع صورة المكان / الأصل.

 

الإدارة المركزية هي المكان / الأصل. وفي هذا المكان مكانان يدلان على الأصل، هما : مكتب الأمين العام، ومكتب الوزير. وقد غيَّب الراوي مكتب الوزير في بدايات الرواية، وسمح لمكتب الأمين العام بالسيادة في السياق الروائي، وجعل الوصول إليه يحتاج إلى الصعود على الدرج، وهذه صفة مكانية تدل على العلو. كما جعل للأمين العام مكتباً آخر يحلّ فيه السكرتير، وهذا المكتب الثاني يدلّ على الأهمية. ورغب الراوي أخيراً في أن يضفي صفة الضخامة على مبنى الإدارة المركزية، فجعله في خمسة طوابق ومائة غرفة. أي أنه استخدم الأرقام للدلالة على ضخامة المكان.  

 

أما مبنى الهلال فهو المكان / الفرع. والفرع أصغر من الأصل، ولكنه في رواية الطبل متماه بالأصل. فقد نُدِب عثمان العطّار لمراقبة الدوام في مبنى الهلال ،كما نُدِب الأمين العام لمراقبة الدوام في مبنى الإدارة المركزيـة. ومكتب العطّار في الطابق الثاني، كما أن مكتب الأمين العام يُرْتَقَى إليه بالدرج. وقد ألحق العطّار بمكتبه مكتباً آخر للسكرتيرة شادن، كما ألحق الأمين العام بمكتبه مكتباً للسكرتير هشام رمضان. وهذا كله يوضّح التماهي المكاني بين المبنيين، بما في هذا التماهي من علو وفخامة. وقد أضاف الراوي تماهياً آخر بين شخصي الأمين العام وعثمان العطّار، هو أنهما رُكِّبا على (مزاج واحد في السهر على تطبيق النظام، وضبط دخول الموظفين والزائرين إلى المباني وخروجهم منها بأسلوب يرضي نوازعهما الخاصة)(31). أي أنهما مشتركان في الحزم في تطبيق النظام ومراقبة دوام الموظفين.

 

ويستطيع قارىء رواية (الطبل) بعد الاطلاع على طبيعة المكانين السابقين ملاحظة شيء مهم، هو أن الأزمتين الرئيستين في الحكايـة الروائية، وهما أزمة هاني النبهاني مدير البحوث، وأزمة الشجار بين الموظفتين إكرام ونسرين، لا يمكن إقناع القارىء بهما إذا كان المكانان المذكوران يحملان ثنائية ذات صفات مغايرة لتبعيـة الفرع للأصل وتماهيه به، واشتراك شخصيتي الرئيس والمرؤوس في التشدُّد بتطبيق النظام ومراقبة الدوام. فأزمة هاني النبهاني تتعلق بمراقبة الدوام، وأزمة إكرام ونسرين تتعلق بتطبيق النظام. أي أن المكانين (المبنيين) أسهما في خلق المعنى في الحكاية الروائية عندما اخترقتهما شخصيات هاني وإكرام ونسرين وعثمان العطّار والأمين العام، وهي شخصيات متناقضـة في مفهومها للنظام والدوام.

 

بيد أن الفضاء الروائي لرواية (الطبل) لم يكن مقصوراً على مبنى الهلال ومبنى الإدارة المركزية، بل امتد إلى أمكنـة أخرى تُبرز ثنائيات جديدة :

أول هذه الأمكنة منـزل عثمان العطّار الذي لم يقدِّم له فاضل السباعي شيئاً مما قدَّمه لمبنيي الهلال والإدارة المركزية. ولكنه جعل عثمان العطّار يخترقـه دائماً، ويعكس في اختراقه له ما كان يلقاه في مبنى الهلال. فحين يزهو بنصره وتحقيقه وإخضاعه هاني النبهاني يرجع إلى منـزله مسروراً، فيداعب أولاده ويتباسط معهم، وحين تضيق به سبل التحقيق وينجو هاني النبهاني من الخضوع يرجـع إلى منـزله قلقاً، فيتشاجر مع زوجته ويصيح في وجه أولاده. ولم يكتف منـزل عثمان العطّار بعكس حاله غمّاً وسعادة، بل جعل موقف الزوجة والأولاد تعبيراً عن موقف الموظفين في مبنى الهلال. فقد تضايقت الزوجة ونفر الأولاد من أبيهم عثمان، كما تضايقت أم وليد منه في المبنى وسخر الموظفون من مبالغاتـه في تطبيق النظام ومراقبة الدوام. وهكذا شكَّل مبنى الهلال ومنـزل عثمان ثنائية أخرى تُرسِّخ دلالة الحكاية الروائية. 

 

كذلك الأمر بالنسبة إلى الشوارع. فقـد خلع عليـها الراوي صفـة (المجاورة) لمباني الوزارة. ولم تكن هذه الشوارع أمكنة هامشية، بل كانت رئيسة لأنها موطن مخالفة النظام، ومنبع أزمة إكرام ونسرين. تلك أيضاً حال الحديقة. فهي (عامة) في الرواية من حيث الصفة المفردة، ولكنها مكان مخالفة النظام لأنها الموضع الذي التقى فيه قصي نسرين .ومن ثَمَّ شكَّلت الشوارع المجاورة لمباني الوزارة ومبنى الهلال ثنائية ضديّة، وشكَّلت الحديقة العامة ومبنى الهلال ثنائية ضديّة أخرى. وهاتان الثنائيتان تنمان على موقفين أخلاقيين متغايرين، لم يكن باستطاعة فاضل السباعي إبرازهما لولا حرصه على جعل الشخصيات بأفكارها وآرائها تخترق هذين المكانين وتجعلهما تسهمان في تقديم أبعاد أخرى لمعنى الحكاية الروائية ودلالتها.

 

وقد اكتمل الفضاء الروائي في (الطبل) حين أعلن الراوي مكاناً جديداً هو مكتب الوزير. ذلك أن تراكم اللامعقول الروائي في حكاية هاني وإكرام ونسرين لم يكن ممكناً لو لم يغفل الراوي الوزير ومكتبه. وحين اكتملت التحقيقات في قضية إكرام ونسرين، وبلغـت حدَّ اللامعقول الذي يُنفِّر القارىء من مفهوم النظام لدى الأمين العام وعثمان العطّار، وحين كاد الأخير ينجح في إخضاع هاني النبهاني، أبرز الراوي الوزير الجديد، وسمح للشخصيات الرئيسة الثلاث : الأمين العام وعثمان وهاني باختراق مكتبه. وقد دلَّ هذا الاختراق على أن الوزير يحمل مفهوماً آخر للنظام مغايراً لما اعتاده الأمين العام وعثمان العطّار. ومن ثَمَّ شرعت  الحكاية الروائية نتيجة هذا الاختراق تتجه نحو الانحدار، وبدأت أمور الموظفين ترجع إلى وضعها الطبيعي. فهذا الاختراق هو الذي هدم سطوة عثمان فمرض ومات، وهو الذي سبّب إحالة الأمين العام إلى التقاعد، وهو الذي رفع مكانة هاني النبهاني، وفرَّج الكرب عن إكرام ونسرين.

 

إن الجديـد في بنـاء الفضاء الروائي عنـد فاضل السباعي في روايـة (الطبل) هو عدم الاستناد إلى الوصف. ذلك أن ضوابط المكان كما لاحظنا في روايات محبك وسليمان وصبري متصلـة بلحظات الوصف، وهي لحظات متقطِّعة تتناوب في الظهور(32) كلما رغب الراوي في طرح مكان جديد. ذلك أن راوي رواية  (الطبل) طرح الأمكنة من غير افتتاحها بمقاطع وصفية تُعين القارىء على إدراكها، ولكنه لجأ إلى وسائل أخرى غير الوصف، كالصفات المفردة والأرقام والتراتبية ودلالات الألفاظ، وهي وسائل لا تلفت انتباه القارىء، ولا تعوق حركة السرد، ولا تضع الروائي الكاتب أمام مأزق اتصال السرد بعد الفراغ من المقطع الوصفي، بل تبدو عرضية للقارىء العجل، وجوهرية لمن ينعم النظر في النص ليكتشف خلفيات التشويق فيه.

 

ويقودنا إنعام النظر إلى أن خلفيات التشويق في رواية (الطبل) تكمن في أن الراوي ربط الأمكنة الروائية، وهي مكوِّنات الفضاء الروائي، بوجهات نظر الشخصيات في الحدث الروائي، فغدا ما يفعله الموظفون والموظفات في الشوارع المجاورة لمباني الوزارة وفي الحديقـة العامـة خاضعاً للمساءلة والتحقيق، ومرتبطاً بشرف الوظيفة، تبعاً لوجهة نظر عثمان العطّار ورئيسه الأمين العام. كذلك الأمر بالنسبة إلى عثمان وهاني، فهما متفقان في الحرص على النظام، ولكن كلاً منهما يحمل وجهـة نظر في تطبيقه وفهمه. وقد خلق الاختلاف في وجهتي النظـر الحدث الخاص بإذن الخروج، ولكن هذا الحدث مرتبط أيضاً بوجود مكانين / مبنيين. ولو لم يكن هناك مبنيان لما كان لهذا الحدث معنى في الحكاية الروائية. وهذا ما يؤكد ارتباط الأمكنة بوجهات نظر الشخصيات في الحدث الروائي، ويجعل الفضاء المكوَّن في هذه الرواية من خمسة أمكنة أكثر شمولاً واتساعاً بحيث يضمها بما فيها من حوادث وشخصيات. 

 

أخلص من ذلك كله إلى أن الروائيّ العربيّ حرص على الوصف في أثناء تشكيل المكان في روايته، وراح يسعى إلى جعل هذا الوصف ذاتياً ليوظِّفه في اختراق المكان. ذلك أن الوصف الذاتي هو المعبِّر عن الحال الشعوريّة للشخصيّة الروائيّة، وهو يخدم الروائيّ في أثناء اختراق المكان في تحديد العلاقات المكانيّة، أو العلاقات بين المكان والشخصيات والحوادث. وقد لاحظتُ أن الروائيين لجؤوا إلى إحياء العلاقات المكانيّة، واخترقوا المكان، بغية التمهيد لتشكيل الفضاء الروائيّ. كما لاحظتُ أن بناء الفضاء لديهم لا يتشكَّل ولا يُصبح مكوِّناً من مكوِّنات الرواية إذا لم تخترق الشخصيات المكان حاملة وجهة نظرها الخاصة، وإذا لم تعمل على تحديد انتمائها فيه. ولاحظتُ أخيراً أن الروائيين قد يختلفون في الوصف البصريّ، أو في اعتمادهم رواة أو راوياً واحداً، أو في الاستناد إلى الثنائيّات الضدّيّة والصفات المفردة واستعمال الأرقام ودلالات الألفاظ، ولكنهم لا يختلفون في شيء إلا بعد اشتراكهم في القاعدة الأساسيّة  اللازمة لبناء الفضاء الروائيّ. وهذه القاعدة المشتركة هي تحديد الأمكنة الروائيّة، واختراق الشخصيات لها بغية إحيائها وجعلها عاملاً من عوامل فهم الشخصيات والحوادث الروائيّة. 

 

 

بناء السَّرد الرّوائيّ

 

 

لا يجادل أحد في أن الرواية نصّ سرديّ، وأن السرد هو الطريقة التي يروي بها الراوي القصة للقارىء. ولكن الجدال النقديّ الخصب يكمن في تحليل طريقة الراوي في رواية القصة ؛ لأن مهارة الروائي وخصوصيّة الرواية تنبعان من الراوي المختار، ومن علاقته بما يرويه، ومن الكيفيّة التي يروي فيها الحوادث الروائيّة، ولا تنبعان من الحوادث نفسها أو من الأفكار التي تضمّها الرواية، تبعاً لتوافر إمكانيّة تقديم أفكار معيَّنة وحوادث محدَّدة بمئات الطرق، بل إن جيمس جويس قال إن : (هناك خمسة ملايين طريقة لحكي حكاية واحدة حسب الأهداف التي نقصد إليها)(1). ولا أشكُّ في أن جيمس جويس لا يقصد هذا الرقم حرفيّاً، بل يقصد الإشارة إلى الإمكانات الكبيرة المتاحة أمام الرواة لرواية حكاية واحدة، وهذا ما يجعل كل طريقة من طرق سرد الرواية تعبيراً عن القدرات الفنية للروائيّ كاتب الرواية ودلالة على تفرُّده.

 

وإذا كان الكلام السابق يُعضِّد القول إن السرد فنٌّ، فإنه لا يعارض استناد الرواة الساردين إلى تقنيات محدَّدة في بناء سردهم الروائيّ ؛ أي في تقديم عالم الرواية المتخيَّل إلى القارىء، على ألا يُعْزَى نجاح السرد إلى التقنيات ليس غير ؛ لأنها وسائل أو مبادىء عامة مُتاحة للروائيين كافّة، يختلفون في توظيفها لإحداث الأثر الجماليّ في القارىء، ويحكم النقاد على نجاحها أو إخفاقها لدى الروائيين تبعاً لنجاحهم أو إخفاقهم في توظيفها في التعبير الجماليّ عن مقاصدهم الروائيّة. وقد آثرتُ، بغية تخصيص الحديث، تحليل بناء السرد في رواية (فيّاض)(2) لخيري الذهبي، بادئاً بالراوي، منتهياً إلى مظهري السرد، عاملاً على توضيح التقنية التي تنفرد هذه الرواية بطريقة استعمالها.   

 

1 – الرَّاوي والشّخصيات :

الرّاوي في رواية (فيّاض) راو عالم بكل شيء، أو قُلْ إنه ذو معرفة مطلقة بالحوادث والشخصيات في ماضيها وحاضرها ومستقبلها، وفي حركتها في الزمان والمكان. ولكنه راو حياديّ غير منحاز إلى أية شخصيّة، وإن كانت شخصية فياض تستأثر باهتمامـه تبعاً لتعبيرها الضمنيّ عن القيمة الوطنيّة والقوميّة وتحولاتها المعاصرة. وتتجلّى حياديّة الراوي أيضاً في عدم تدخُّله في السرد(3)، وفي اكتفائه بمهمة الملاحظ العاكس القادر على التوسُّط بين الحدث والقارىء بوساطة ضمير الغائب.

 

أقام الراوي علاقات متباينة بشخصيات الرواية، وهي ثلاث وسبعون شخصية. اهتم بشخصيّة فياض وحدها فجعلها بؤرة السرد ومحور الحدث. أما الشخصيات الاثنتان والسبعون الأخرى فقد وظَّفها صراحةً أو ترميزاً لإضاءة أبعاد شخصيّة فياض وتحوُّل علاقتها بالفرنسيين والسلطة بعد الاستقلال، وخصوصاً شخصيّتي روجيه لوبلان وإياد الجوقدار. والواضح أن الراوي حريص على التقليد الروائيّ العريق، وهو جَعْلُ شخصية فياض واضحة أمام القارىء. أما طريقته في بناء هذه الشخصيّة الواضحة فتستند إلى ثلاثة أمور، هي تقديم شخصية فياض، ومنحها اسماً، وبيان تحوّلها.

 

ويمكنني تحليل طريقة الراوي في تقديم شخصية فياض استناداً إلى مقياسين كمّيّ ونوعيّ. إذ لجأ أول الأمر إلى نثر معلومات عنه. فهو راع كان عمره عشر سنوات حين التقطه ضابط فرنسيّ اسمه روجيه لوبلان من قلعة شيزر، وتبنّاه وعلَّمه وطوَّعه لطبيعة الحياة الفرنسيّة، فأدخله مدرسة السان جوزيف في بيروت، وأرسله بعد نيله البكالوريا (الثانويّة العامة) إلى باريس ليتلقى علومه العالية. ولم يكتف الراوي في أثناء استعماله المقياس الكمّيّ بهذه المعلومات، بل راح يُقدِّم وصفاً لهيئة فياض، فهو ذو وجه أبيض وعينين خضراوين واسعتين وشعر كستناوي(4)، خُيِّل إلى ماتيلد حين رأته أوّل مرّة أنه قادم من البلاد الاسكندنافيّة، ولكنّ روجيه أخبرها أنه شركسيّ(5). وعلى الرغم من أن الراوي قدَّم هذه المعلومات الشخصية عن فياض في افتتاحيّة الرواية، فإنه لم يُقدّمها في مكان واحد، بل جعلها منجَّمة، بحيث يتيح للقارىء المتلقّي فرصة المشاركة في جمعها ليكوِّن معرفة أوّليّة بالشخصيّة المحوريّة في الرواية .ولكنّ التراكم الكمّيّ للمعلومات المقدَّمة صراحةً عن شخصية فياض لا يؤدّي وحده إلى رؤية هذه الشخصية من جوانبها كلها، ومن ثَمَّ نحتاج إلى المقياس النّوعيّ لندقِّق في مصدر المعلومات وفي الطريقة المختارة لعرضها في السرد(6). فقد عزّز الراوي، بادىء الأمر، المعلومات الشخصية بإعادتها على لسان الشخصيات، كما هي حال عُمْر فياض حين التقطه روجيه من القلعة(7)، إذ ذكره الراوي وبعد أربعين صفحة ذكره فياض نفسه  كذلك الأمر بالنسبة إلى صفات فياض الخَلْقيّة، فقد ذكرها كما رآها روجيه(8)، وبعد أربع وعشرين صفحة ذكرها الراوي نفسه ثانية(9)، وترك حسيبة بعد تسعين ومائتي صفحة تذكرها ثالثة(10). وهذا التكرار يؤكِّد الصفات الخَلْقيّة لدى القارىء، وهي صفات خارجيّة توحي بانتماء صاحبها إلى الأجانب لا العرب. ولكنها، أيضاً، تساعد الراوي على التّدرُّج في عرض شخصية فياض، بالانتقال من شكلها الخارجيّ إلى دخيلتها، ومن العامّ إلى الخاصّ في علاقاتها بالحوادث الروائيّة. وقد اتضح ذلك من خلال التركيز في البداية على أن فياضاً يأكل بهدوء كالفرنسيين(11)، ويتحلى بسلوكهم، ويتزيّا بزيّهم، ويتقمَّص أفكارهم. والفرنسيون، في الرواية، مختَزَلون في شخصية روجيه الذي تبنّى فياضاً وحاول أن يُشكِّله على مثاله، ولكنه اكتشف أنه خلق شخصاً ضعيفاً يخاف من منظر الدماء بدلاً من أن يخلق شخصاً قوياً يساعده على تحقيق حلم أجداده الصليبيين : (يا إلهي، أي فتى صنعت. لا. ليس هذا ما أريد)(12). لقد خلـق إنساناً لطيفاً لا يعرف من حاضره غير العادات والتقاليد الفرنسيّة، ومن ماضيه غير قلعة شيزر، ما جعل إياداً يسألـه مراراً: (أأنت سوري حقاً)(13)، ويخاطبه في أخريات الرواية قائلاً: (ربما كانت مشكلتكَ الحقيقيّة أنكَ لم تعايش أباكَ معايشة حقيقيّة ليربيكَ على قيمه ونظرته إلى العالم والناس والحياة. وحين انتزعكَ روجيه من عالمكَ الشيزريّ ليجعل من نفسه أباً لكَ يحمّلك قيمه ونظرته إلى الحياة انفصلت عنه رافضاً قيمه دون أن تستطيع العودة إلى قيم أبيك الشيزري. والأنكى من

هذا كله أنك لم تستطع تشكيل قيم معاصرة خاصة بك بعيداً عن الكتب والتاريخ)(14). 

 

لقد خلق روجيه إنساناً ضعيفاً لا تجربة لديه، وحين اضطر في حفل التعارف الذي أقامه الطلبة في الجامعة لإلقاء كلمة يُعرِّف فيها بموطنه لجأ إلى الخيال، وقدَّم لزملائه الطلاب عالماً لا يمت إلى الحقيقة بصلة، عالماً يسوده الغزو وخطف النساء، ما جعل زميلاته يتهافتن عليه حباً بهذا العالم الغريب. لقد اضطر إلى إلقاء كلمة في الحفل ولم يستطع الرفض لأنه غير قادر بحسب تكوينه على أن يقول (لا) كما وصفته حسيبة بعد ذلك. وللسبب نفسه اعتنق رأي روجيه في أن الثُّوَّار مجرد أشقياء، وانصاع كثيراً للحب الذي أغدقته ماتيلد عليه. ولم يكن ذلك كله غير محاولة من الراوي لزيادة الوضوح في شخصية فياض الروائية ؛ وهو وضوح ينتقل بتدرُّج من مظهر فياض إلى علاقاته الروائيّة، وتبدو خلال ذلك الصلة العضوية بين صفاته الشخصية والحوادث الروائية. فليس له، وهو الذي لا يعرف وطنه، غير الخيال يبني به وطناً يُرضي مستمعيه. وليس له، وهو الشاب الجميل، من فخر غير تهافت النساء عليه. والظن أن التدرُّج الذي وفَّره المقياس النوعيّ أسهم في جعل شخصية فياض واضحة، ومهَّد لتحوُّلها بطريقة التدرُّج نفسها.  

 

شرع فياض يتحوَّل حين تعرَّف إياداً في باريس. فقد اكتشف إياد براءة فياض وسذاجته ومعرفته بأسامـة بن منقذ والحروب الصليبيّة، وجهله التام بما يجري في سورية(15)، حتى إنه شكَّ في كونه سوريّاً. ولكنه لازمه، ودعاه إلى حفل أقامته رابطة الطلاب السوريين، وتجاهل رغبته في العزلة، وراح يناقشه في الثورة السورية على الفرنسيين، ويعرض على مسامعه أسماء الثوّار ومسوِّغات الثورة، وجعله يواجه السؤال الحاسم : من أنتَ ؟، ذلك السؤال الذي حيَّر فياضاً ودفعـه إلى البحث عن إجابة. ولم يتركه إياد، بل حفزه إلى السفر إلى الوطن ليعرفه معرفة حقيقيّة(16)، وصحبه في رحلته إلى سورية، وقاده إلى مقهى النًّوْفرة ليسمع الحكواتي يروي سيرة الملك الظاهر والمقدَّم معروف وابنه عرنوس، وزار معه المساجد والأحياء الشعبيّة، ساعياً من وراء ذلك كله إلى تعريفه بهويته الوطنيّة والتاريخيّة، وزجِّه في أتونها. ولم يكن فيّاض بعيداً عن التفاعل مع محاولات إياد. إذ بدأ يكتم أمر روجيه وماتيلد عن إياد. وحين قبل، بعد ذلك، فكرة صنع لغم وتفجيره في طريق إحدى الدوريات الفرنسيّة، اشترط أن يضمن ابتعاد روجيه عن مكان الدَّوريّة. وشيئاً فشيئاً بدأ فياض يشعر بانفصاله عن روجيه، حتى إذا جاء الكرنفال تزيّا بزيّ أسامة وهو يعرف أن روجيه سيتزيّا بالزِّيّ نفسه، وهذا الأمر أعلن انفصاله التام عنه والتحاقه بهويته الوطنيّة وتاريخ بلاده. ههنا اكتمل تحوُّل فياض من غير أن تنتهي حكايته، فقد تابع طريقه كاتباً في جريدة الصرخة، ومُنْشئاً جريدة خاصة بالاشتراك مع إياد، وهارباً من اتهامه بقتل الشهبندر، ومشاركاً في حرب فلسطين، ويائساً من استقلاله الهشّ، منعزلاً عن أسرته التي كوَّنها في أثناء اختبائه، عاكفاً على تدوين مذكراته.

 

إن شخصية فياض هي بؤرة السرد، ولهذا السبب عُني الراوي بتقديمها للقارىء المتلقّي، وجهد في توضيح ماضيها وحاضرها ومآلها إلى العزلة بعد تجربة مريرة طويلة. ولم يكرِّر هذه العناية حين قدَّم الشخصيات الأخرى، وعددها اثنتان وسبعون شخصية، انطلاقاً من أن هذه الشخصيات موظَّفة للتدقيق في أبعاد شخصية فياض، وليس لها كيان روائيّ مستقلّ. ولا شكَّ في أن تصنيف هذه الشخصيات يُحدِّد المجال الذي تحرَّكتْ فيه شخصيّة فياض :

أ – الشخصيات الأجنبيّة / الحاضر

روجيه لوبلان – رومل – هتلر – ماتيلد – ايفون – صوفي – مادلين – مدام توماسيني – إبراهام ليفي

ب – الشخصيات الأجنبيّة / الماضي

غليام لوبلان – أندرونيكوس – بوهمند – طوروس الأرمني – فيليبا – هيلينية – ثيودورا – دسبينا – ستيلا.

ج – الشخصيات العربيّة : الحاضر

حسيبة – زينب – مريم – أم إياد – أم منير – أم سعيد – وداد – نجدت – إياد – حسن – عبد الله – علي – مصطفى – حمدان الجوقدار – صياح المسدي – الشيخ عبد العزيز – أبو مسعود – أبو محمود – عبد الكريم الجوقدار – منصور الأحمد – سعيد – أبو كاعود الفوّال – حاج سعدو – وحيد بك – صلاح بك – عبد الرحمن الشهبندر – خليل بك – نبيل حمدان – [عز الدين ] القسّام – سعيـد العاص – نسيب البكري – سمعان – أبو منير – أبو سعيد – الشيخ عبد الكريم – الشيخ يوسف – رشيد عالي الكيلاني – عبد المجيد.

د – الشخصيات العربيّة / الماضي

صلاح الدين الأيوبي – نور الدين – هارون الرشيد – أسامة بن منقذ – سلطان – مسعود الكردي – ثابت – معين الدين – الغسياني – محمد علي.

هـ – الشخصيات العربيّة / السِّيَر الشَّعبيّة

السُّندباد – إبراهيم الحورانيّ – جمال الدّين شيحة – معروف – عرنوس. 

يشير التصنيف السابق إلى أن الراوي دفع فياضاً إلى أن يُقيم علاقات معرفيّة ثقافية أو اجتماعيّة بشخصيات أجنبيّة من الحاضر والماضي، ، وأخرى عربيّة من الحاضر والماضي والسِّير الشعبية، بغية الإشارة بشكل مباشر إلى خمسة أبعاد متقابلة في شخصية فياض، هي :

-الشخصيات الأجنبية في الحاضر (ويمثلها روجيه لوبلان من الرجال وماتيلد من النساء) تقابل الشخصيات العربية في الحاضر (ويمثلها إياد من الرجال وزينب من النساء).

-الشخصيات الأجنبية في الماضي (ويمثلها أندرونيكوس) تقابل الشخصيات العربية من الماضي  (ويمثلها أسامة بن منقذ).

-الشخصيات الأجنبية في الماضي (ويمثلها غليام لوبلان) تقابل الشخصيات العربية الرسمية (أسامة بن منقذ) والشعبية (يمثلها عرنوس). 

يُخيَّل إليَّ أن حركة السرد كانت تهدف إلى بيان مآل الأبعاد الخمسة في شخصية فياض. فقد وضَّحت في البداية أن روجيه لوبلان (الممثِّل للاحتلال الفرنسي لسورية) حفيد غليام لوبلان (الممثّل للحروب الصليبيّة). ولكنها وضعت أسامة بن منقذ نقيضاً لغليام، ودافعاً له إلى مغادرة بلاد الشام خائباً. كما وضعت إياداً نقيضاً لروجيه ودافعاً له إلى مغادرة سورية بعد نجاحه في شدِّ فياض إلى العمل الوطنيّ. وقد أُعجب فياض بعرنوس ؛ لأنه البطل الشعبي المقابل للبطل الرسميّ أسامة بن منقذ، واستمرَّ معجباً به طوال الرواية. ولكنه أُعجب في البداية بإياد ثم انفضَّ عنه لأنه لم يره ممثِّلاً لأحلامه في استقلال الوطن. وفي المقابل أُعجب أسامة بن منقذ بأندرونيكوس لأنه رآه ينتقد الصليبيين ويعزف عن مشاركتهم في أعمالهم، وبقي معجباً به طوال حياته، ولكنه انتهى إلى العزلة والكتابة كما انتهى منتقد الحروب الصليبيّة أندرونيكوس إلى العزلة والكتابة. ويشير مآل فياض إلى العزلة والكتابة إلى أن التاريخ يكرِّر نفسه، فيجد النقيُّ المخلصُ لوطنه نفسه وحيداً في كهولته، لا يملك شيئاً غير التعبير عن سخطه بكتابة مذكِّراته. وقد جسَّد السرد هذا الأمر بإبعاده غليام لوبلان فروجيه فإياد، ومحافظته على أسامة وأندرونيكوس وفياض إلى نهاية الرواية.

 

على أن تصنيف الشخصيات يشير إلى أمر آخر، هو أن الفعاليّة الروائيّة مقصورة على الرجال. فماتيلد تابعة لروجيه، وزينب تابعة لفياض، وثيودورا تابعة لأندرونيكوس. ويمكن أن يتضح ذلك على نحو أكثر جلاءً إذا حلّلنا الأسماء الشخصيّة. ذلك أن الأسماء محكومـة باختيار الراوي، سواء أكانت متخيَّلة أم تاريخيّة، ولهذا الاختيار دلالات معيَّنة يحسن التنبيه عليها. وحين نُدقِّق في اختيار الراوي أسماء شخصيات الرواية نلاحظ استناده إلى المبادىء العامة الآتية :

أ – الحرص على تسمية الشخصيات الأجنبية المتخيَّلة بأسماء أجنبيّة : روجيه – ماتيلد – ايفون …

ب – الحرص على قرن الاسم بنسبة تزيده وضوحاً إذا كانت الشخصيـة مدار اهتمام الراوي : روجيه لوبلان – إياد الجوقدار – فياض الشيرازي – منصور الأحمد …

ج – إبقاء الاسم من غير نسبة إذا كانت الشخصية عارضة : نجدت – زينب – ماتيلد – ثيودورا …

ولو دقَّقنا في اختيار الأسماء الشخصية العربية لاكتشفنا ميل الراوي إلى الاختيار من أسماء الرسل والصحابة والتابعين (يوسف – إبراهيم – زينب – مريم – علي – حسن – سعيد)، ومن التقليد العربي الإسلاميّ القاضي بأن خير الأسماء ما عُبِّدَ وحُمِّدَ (محمد علي – عبد الرحمن – عبد الكريم – عبد المجيد – عبد الله)، أو أُضيف إلى (الدين) كصلاح الدين ونور الدين ومعين الدين وجمال الدين، أو المستمدّ من الصفات بإسقاط (ال) كمصطفى وخليل بدلاً من : المصطفى والخليل، أو من القبائل العربيّـة (إياد) أو من الأسماء المنسوبـة إلى قبائل وأشخاص (الكردي – الأيوبي – البكري)، أو من المهن (الفوّال). وقد يتخلّى الراوي عن إطلاق اسم شخصي على الشخصية الروائيّة مكتفياً بالكنية (أبو مسعود – أبو محمود – أم إياد – أم منير)، أو يجعل الاسم مسبوقاً بصفة تشير إلى المكانة الدينيّة، أو لاحقة تشير إلى المكانة الاجتماعيّة (الشيخ يوسف – الشيخ عبد الكريم – صلاح بك – وحيد بك). واللافت للنظر أن تُقدِّم الاختيارات السابقة دلالة واحدة، هي سيطرة الماضي على الحاضر. ذلك أن الأسماء والنِّسب مختارة من الماضي، وليست بينها أسماء لم تعرفها الثقافة العربيّة. فهل عكس الراوي استمرار الثقافة العربيّة القديمة حيّةً من خلال اختياره الأسماء الشخصية ؟. إن اختيار الأسماء النِّسَويّة يؤكِّد هذه الدّلالة. فالشخصية النّسويّة في روايـة (فياض) تحمل اسماً أحياناً (حسيـبة – زينب – مريم)، ولكنّ اسمها لا يُقرن بنسبة. كما أنها في الغالب الأعمّ تُسمَّى بكنيتها (أم منير – أم إياد – أم سعيد)، وكأنَّ الراوي يعتقد أن هذه الكنية كافية لوضوح الشخصية النسوية، ولا يدري أن ذلك امتداد للأعراف التقليديّة القاضية بعدم التصريح بأسماء النساء.

 

2 – الرّاوي وحركة الشَّخصيّات :

الراوي في رواية (فياض) عالم بكل شيء، فهو يتنقَّل بين الشخصيات بحرّيّة راصداً أحاسيسها وأفكارها وأقوالها وأعمالها وحركتها في المكان والزمان وعلاقتها بالحوادث الروائيّة. وهذا الراوي المعروف جيِّداً في الرواية الواقعيّة يبدو هنا ميالاً إلى أن يكون عاكساً لما تظهره الشخصيات من أقوال وأعمال أكثر من ميله إلى ردود أفعالها الداخليّة عليها. يشير إلى ذلك العدد المحدود من الأفعال التي تنمّ على معرفة الراوي بدخيلة الشخصيات قياساً إلى ضخامـة الرواية. فهناك نحوٌ من ثلاثين فعلاً في  (486 صفحـة من القطع الكبير). والكثرة الكاثرة من هذه الأفعال ورد مرة واحدة في الرواية ليس غير، وما تكرَّر في الرواية أكثر من ثلاث مرات لا يجاوز ستة أفعال، هي على التوالي : فكَّر – تذكَّر – تمنّى – سمع – أحسَّ – تمتم. وهذا العدد الضئيل من الأفعال التي تشير إلى دخيلة الشخصيات هو الدليل على أن رؤية الراوي لشخصياته خارجيّة أساساً، وأن الرؤية الداخليّة شيء مكمِّل للرؤية الخارجيّة وليست هدفاً للراوي. كما أن الأفعال نفسها موزَّعة على شخصيات الرواية وليست خاصة بشخصية فياض، وهذا يشير إلى أن معرفة القارىء بدخيلة كل شخصية على حدة ضئيلة لا تعينه على تصوُّر طبيعتها الداخليّة وردود أفعالها على الحوادث الروائيّة. 

 

 

يدلّ تشبُّث الراوي بالرؤية الخارجيّة على أنه راغب في الانصراف إلى سرد علاقة الشخصيات بالحوادث الروائيّة. ومن ثَمَّ لم يقتصر على علاقة فياض بهذه الحوادث، بل شملت رؤيته الخارجية الشخصيات الأساسيّة كلّها، وخصوصاً روجيه وماتيلد وإياد ونجدت وحسيبة. كما أنه لم يجعل معرفته أكبر من معرفة الشخصيات أو أصغر منها، بل جعلها مساوية لها أو ما يُسمَّى بالرؤية (مع)، ليتمكَّن من أداء مهمّة الملاحظ العاكس. وما هو أكثر أهمية من ذلك كله أنه لم ينحز إلى أية شخصية، بل ترك كل شخصية تُعبِّر عن وجهة نظرها وأفكارها من غير أن يُعلِّق عليها أو يتدخَّل لتفسيرها وتوضيحها. وهذا الأمر هو الذي سمح بوصف رواية (فياض) بأنها روايـة متعدِّدة الأصوات  (ديالوجية) وليست رواية صوت واحد (منولوجيّة) كما يتبادر إلى الذهن أوّل الأمر من تسمية الرواية باسم (فياض). ولا شكَّ في أن حياديّة الراوي لا تنفي اهتمامه بفياض وتعاطفه معه. فالاهتمام يتضح من انطلاق الحوادث من فياض ودورانها حولـه ومآلها إليه. والتعاطف بادٍ من العناية بتقديم شخصية فياض وبيان تحوّلها والتذكير طوال الرواية بمستقبلها. وإذا كان تعدُّد الأصوات يشير إلى المنظور التعبيريّ للراوي، فإن تعاطفه الضمنيّ مع قيم فياض يشير إلى منظوره الأيديولوجيّ.

 

يمكنني استناداً إلى ما سبق تحديد علاقة الراوي بما رواه من خلال مظهرين أو حركتين للسرد، أوّلهما الترتيب الزَّمنيّ للحوادث الروائيّة، وثانيهما حركة السرد من حيث السرعة والبطء. وقد آثرتُ الحديث عن هاتين الحركتين لأنهما تُقدِّمان تصوُّراً كليّاً للسرد في رواية (فياض)، وهو الشيء الرئيس في شكل التعبير فيها، فضلاً عن أنه يسمح بتحليل عدد من التقنيات الفنيّة التي استعملها في بناء علاقته بما رواه.

 

أ – التّرتيب الزّمنيّ للحوادث الرّوائيّة :

من المفيد أن نتذكَّر، هنا، مصطلحين معروفين في نقد السرد الروائي، هما زمن الحكاية(17) وزمن السرد. يُراد بالأول الترتيب الزمني الطبيعيّ المنطقيّ للحوادث الروائيّة، ويُراد بالثاني الترتيب الزمني الذي قدَّمه السرد لهذه الحوادث. والمعروف أن الروائيـين يلجؤون، في الغالب الأعمّ، إلى بثِّ إشارات زمنيّة في نصوصهم تساعد القارىء المتلقّي على إعادة ترتيب الحوادث ليتمكَّن مـن فهمها والتواصل معها. والواضح أن خيري الذهبي جعل عُمْرَ فياض إشاراتٍ زمنيّةً. إذ التقطه روجيه من قلعة شيزر وعمره عشر سنوات، وانتهت الرواية بفياض كهلاً منعزلاً في البادرائيّة. وقد جرت الحوادث الروائية بين هذين الحدّين، أو قُلْ إن زمن الحكاية بدأ بالتقاط روجيه فياضاً من قلعة شيزر، وانتهى بعزلة فياض في البادرائيّة كهلاً. أي أن التقاط فياض هو الحدث الأول في زمن الحكاية، وأن عزلته في البادرائيّة هي الحدث الثالث عشر. وبين هذين الحدثين توالت الحوادث متسلسلة على النحو الآتي :

-الحدث الثاني : تربية فياض وإدخاله السان جوزيف في بيروت، وزيارته مع روجيه قلعة شيزر  (هناك إشارة زمنية يمكن استنتاجها تنص على أن عمر فياض في أثناء الزيارة تسعة عشر عاماً).

-الحدث الثالث : زيارة روجيه وفياض منـزل نجدت، وسفر فياض إلى باريس بعد نيله البكالوريا  (يمكن الاستنتاج بأن عُمْر فياض عشرون عاماً). 

-الحدث الرابع : ما فعله فياض في باريس (حفل التعارف)، ولقاؤه إياداً، ومتابعته تحصيل العلم إلى الصف الجامعيّ الثالث.

-الحدث الخامس : زيارة فياض دمشق أول مرة بعد سفره إلى باريس صحبة إياد، ونزهاته مع ماتيلد. 0 هناك إشارة زمنيّة صريحة إلى أن عُمْر فياض ثلاثة وعشرون عاماً).

-الحدث السادس : جولات فياض وإياد في أحياء دمشق ومقهى النوفرة والبستان.

-الحدث السابع : إعداد اللّغم وتفجيره وما يتعلّق بذلك.

-الحدث الثامن : اكتشاف أمر فياض وإياد وسجنهما.

-الحدث التاسع : انتهاء علاقة فياض بروجيه وماتيلد، وعودتهما إلى باريس.

-الحدث العاشر : كتابة فياض في جريدة الصرخة، وتأسيسه جريدة خاصة به.

-الحدث الحادي عشر : اختفاء فياض في منـزل حسيبة بعد حرق الجريدة واتهامه بقتل الشهبندر، وزواجه من زينب. 

-الحدث الثاني عشر : مشاركة فياض ومنصور الأحمد في حرب فلسطين، وما تلاها من سجن.  

هذا هو زمن الحكاية أو الترتيب الزمني الطبيعيّ المنطقيّ للحوادث الروائيّة، ولكنّ الراوي لم يعرض الحوادث على النحو الطبيعيّ المنطقيّ، بل عرضها على نحو مخالف يُدعى زمن السرد، بادئاً بالحدث الثالث فالثاني فالأول فالخامس فالرابع، متقيِّداً بعد ذلك بالتسلسل الطبيعي المنطقـي للحوادث الباقية من السادس إلى الثالث عشر. والرسم الآتي يُوضِّح زمن الحكاية وزمن السرد :

                        1   2    3   4     5    6    7    8     9    10    11    12  13

زمن الحكاية  

زمن السرد 

                        3   2    1    5    4    6    7    8     9   10    11   12  13

 

إن التباين بين زمن الحكاية وزمن السرد يشير إلى أن الراوي اعتمد المفارقة الزمنيّة. فالحدث الذي بدأ به زمن السرد، وهو الحدث الثالث، يثير عدداً من الأسئلـة : مَنْ هـو روجيه ؟ وفياض ؟ ونجدت ؟. وما معنى هذا السرد عن العصافير الطليقة في الطبيعة والحبيسة في الأقفاص ؟ وما أهمية التركيز على الحسُّون ؟. إن هذه الأسئلة تثير فضول القارىء المتلقّي وتدفعه إلى القراءة بحثاً عن إجابات عن هذه الأسئلة. ولهذا السبب نرى الراوي يلجأ هنا إلى تقنية (الاسترجاع)، فيذكر الحدث الثاني الخاص بزيارة قلعة شيزر موضِّحاً من خلاله أهداف روجيه وأحلامه، ثم يعود ثانية إلى الحدث الأول ليوضِّح التقاط فياض من قلعة شيزر. وهكذا تبدو تقنية (الاسترجاع) موظَّفة لغرض جماليّ هو تلبية حاجة التشويق لدى المتلقّي ؛ تلك الحاجة التي لا تتحقّق كاملة لأن هناك أسئلة بقيت معلَّقة، وأخرى أبرزتها العودة إلى الماضي، وثالثة أثارها توالي الحوادث الروائيّة في الحاضر، وهذا ما خلق الحاجة إلى تقنية أخرى تستشرف المستقبل، وتتمكّن من الإجابة عن الأسئلة القديمة المعلَّقة والجديدة الطارئة، فتربط الماضي بالحاضر بالمستقبل. وقد اختار الراوي تقنية (الاستشراف)، ووظَّفها لشدِّ القارىء المتلقّي إلى مستقبل الحوادث في نوع من الاستباق الزمني.

 

وإذاً، فالترتيب الزمنيّ للحوادث الروائيّة محكوم بعد تحديد نقطة الانطلاق بتقنيتين : تقنية الاسترجاع التي تستعيد الحوادث التي وقعت قبل نقطة الانطلاق، وتقنية الاستشراف التي تعلن الحوادث التي ستقع في المستقبل قبل وقوعها زمنيّاً. ويوضح الرسم الآتي التَّصوُّر العامّ لحركة السرد استناداً إلى هاتين التقنيتين : 

 

 

 

 

                            بداية زمن السرد

1       2   3               5

 

 4        6   7   8    9 10 11   12    13

   

 

                                                   استرجاع

 

 

 

 الماضي                                     الحاضر                          المستقبل

 

إن حركة زمن السرد، كما يوضِّح الرسم، تشير إلى أن الحوادث الروائية التي وقعت في الماضي قليلة، ولهذا السبب كان عدد الاسترجاعات في رواية فياض قليلاً لا يصل إلى عشرة استرجاعات. ولو نسبنا هذه الاسترجاعات إلى أمكنتها في السرد لاكتشفنا أن نصفها يغطي ماضي الحدثين الأول والثاني، وأن المفارقة الزمنيّة بين زمن الحكاية وزمن السرد تضيق في بعض الاسترجاعات لتغطِّي ما وقع قبل الحاضر بيوم واحد، وتتسع أحياناً لتغطّي تسع سنوات. وقد لجأ الراوي إلى استرجاع ماضي القصة مستنداً إلى ذاكرة روجيه، ملماً في أثناء ذلك بتعرُّفه ماتيلد وزواجه منها وقدومهما إلى سورية، وظنّ روجيه أن حياة هذه المرأة في الجزائر وقدومها معه إلى سوريـة، نبوءتان تدلان على قرب تحقيقه الأحلام التي غذّتها فيه قراءته مذكِّرات جدِّه غليام لوبلان.

 

غير أنه من الخطأ الظن بأن الراوي غطَّى في ستين صفحة ماضياً استغرق تسع سنوات ابتداءً من التقاط فياض من قلعة شيزر وعمره عشر سنوات، وانتهاءً بزيارة نجدت في منـزله وعمر فياض تسع عشرة سنة. والظنّ بأنه شمل في تغطيته بوساطة ذاكرة روجيه ماضياً أكثر بعداً، يمتـدّ إلى نحو من ثلاثين سنة، هي الفارق بين روجيه الضابط الشاب الذي لم يتخرّج في الكليّة العسكريّة، وروجيه  (مناطح الخمسين) في أثناء زيارة نجدت مع فياض له في الحدث الثالث الذي ابتدأ به زمن السرد. أقول إن من الخطأ الظّنَّ بأن هذه الصفحات الستين انصرفت إلى الماضي وحده، ؛ لأنها ضمّت سبعة وعشرين استشرافاً، وهي ربع الاستشرافات في رواية فياض. أي الراوي كان دائماً يوقف الاسترجاع إلى الماضي ليستشرف المستقبل، وهذا يشير إلى أن حركة زمن السرد في هذه الصفحات الستين محكومة بالاسترجاع والاستشراف معاً، ما يجعل المفارقة الزمنية فيها أكثر حيويّة وقدرة على التشويق.

 

صحيح أن السيادة في الصفحات الستين الأولى للماضي، تبعاً لرغبة الراوي في تقديم الشخصيات الأساسيّة وبيان خلفياتها كما تفعل افتتاحيّات الروايات غالباً، إلا أنـه من الواجب طرح السؤالين الآتيين : كيف تمكَّن الراوي في ستين صفحة من تغطية ماض طوله تسع سنوات ؟. وكيف جعل هذه التغطية تسترجع ماضياً بعيداً عمره ثلاثون سنة تقريباً ؟. إن الإجابة عن هـذين السؤالين تُقدِّم فكرة أكثر وضوحاً عن استعمال تقنية الاسترجاع في حركة النسق الزمني الهابط، وتفيدني في الوقت نفسه في الإجابة عن السؤال الخاص بتغطية الحاضر الممتدّ إلى الأمام نحواً من ثلاثين سنة أخرى.

 

يشير السرد في الصفحات الستين إلى أن الراوي استعمل تقنية (الخلاصة) في أثناء استرجاع الحوادث. والخلاصة في المصطلح هي اختزال الحوادث الروائيّة في كلمات وأسطر ومقاطع، والابتعاد عن التفصيلات(18). ولكنّ الراوي كان دائماً يختزل الحوادث العاديّة في كلمات وأسطر، ولا يذكر شيئاً من تفصيلاتها ؛ لأنه يراها غير مهمّـة. أما الحوادث ذات الدّلالـة فكان يلجأ فيها إلى تقنية  (المشهد)، وإذا تخلّلها شيء غير عاديّ اختزله في كلمات وأسطر. فلقاء روجيه بماتيلد في الغابة ذو دلالة ؛ لأنه  اكتشف أن ماتيلد عاشت في الجزائر، في الشرق الذي حلم ببناء إقطاعيّة جديدة فيه متأثِّراً بقراءته مذكِّرات جدِّه غليام لوبلان الذي حاول ذلـك في أثناء الحملة الصليبيّة فأخفق وعاد إلى فرنسة (أشلّ الساق اليسرى، متقفِّع أصابع اليد اليمنى)(19). وكان اكتشافه حياة ماتيلد في الجزائر دافعاً إلى تجسيد حلمه، فانتسب إلى الجيش، وحين حملت ماتيلد قبل تخرُّجه بشهور قليلة لم يكن قادراً على الزواج منها انصياعاً للقوانين العسكرية التي ترفض زواج الضابط قبل ترقيته إلى رتبة الملازم الأول(20) . وقد حُلَّت قضيّة الحمل بالإجهاض، وحُلَّتْ قضيّة الزواج بتأجيله إلى ما بعد ترقية روجيه إلى رتبة الملازم الأول. وحين زال المانع من الزواج بعد ترقيـة روجيه، تزوّجا ورحلا إلى الجزائر فسورية. إن هذا الحدث ذو دلالة ولذلك استرجعه الراوي بوساطة المشهد الذي نصَّ على اللّقاء الأول بين روجيه وماتيلد، وأحاديثهما عن  (الشرق والصحراء والعرب والنخيل والجِمال)(21)، تلك الأحاديث التي ذكَّرته بحلمه، وجعلت من ماتيلد نبوءة دافعة له إلى تجسيد هذا الحلم. هذا هو الجانب المهمّ من الحدث ذي الدلالة، وهو الجانب الذي جعله الراوي مشهداً حوارياً. ولكن لقاء روجيه بماتيلد حدث قبل انتسابه إلى الكليّة العسكريّة، وامتدّت علاقته بها من اللقاء إلى الزواج، ورافقتها معارضة من أسرته ووالد ماتيلد تتعلّق بانتسابه إلى الجيش، كما رافقتها قضية الحمل والإجهاض. وهذه الحوادث العاديّة استغرقت، في رأيي، زمناً لا يقل عن أربع سنوات، ولكنّ الراوي استعمل تقنية الخلاصة في نقلها إلى القارىء المتلقّي، مفتتحاً هذه التقنية بعبارة تنصُّ على القفز الزمني : (وكانت سنوات انقضت على لقاء الأرض بالسماء في الغابة، أصبحت فيه ماتيلد جزءاً من حياتي، وكانت قد ازدادت فتنة وجمالاً حتى أصبحت حديث الضاحية كلها. وكان الجميع يعرفون أنّا زوجان مؤجّلان لا ننتظر إلا تخرجي من الكلية العسكرية لإتمام مراسيم الزواج)(22). 

 

مهما يكن الأمر فإن السرد اتجه ابتداءً من الحدث السادس إلى المستقبل، وشكَّل ما يُعرف بالنسق الزمني الصّاعد، وضمَّ في حركته إلى الأمام استرجاعات أخرى، لا تُجاوز ثلاثة استرجاعات متباعدة(23) لم يكن الغرض منها استعادة شيء يتعلّق بالماضي(24)، بل كان الغرض استعادة جزء من حدث روائي كان السرد قفز فوقه. وتكاد هذه الاسترجاعات تنضوي تحت التقديم والتأخير، وهما أمران لجأ إليهما الراوي قليلاً ليتلاعب بحركـة السرد، كما هي حاله في أثناء سرده الحدث الخاص باللّغم. وما عدا هذه الاسترجاعات القليلـة فإن السرد حافظ على النسق الزمني الصاعد حتى نهاية الرواية، وشرع يُكثر من الاستشرافات التي بدأ يستعملها من بدايـة زمن السرد حتى أربى فيها على المائة.  

 

إن الاستشراف هو ذكر الحوادث والأقوال والسلوكات قبل وقوعها. ومن ثم فهو استباق زمني يخبر القارىء بما سيقع صراحةً بالنصِّ عليه ،أو ضمناً بالإيحاء من خلال السياق بما ستؤول إليه الحوادث والشخصيات. ويُخيَّل إليَّ أن النقاد الذين اعتقدوا أن تقنية الاستشراف (تتنافى وفكرة التشويق)(25) اعتادوا أن يحافظ الترتيب الزمني للحوادث الروائية على عبارة (ثم ماذا ؟)، تلك العبارة التي تحرص على التسلسل الزمني المنطقي، وتجعل القارىء يتوقَّع ويتخيَّل ويُفاجأ بما يجري. ورأى هؤلاء النقاد الاستشراف مقبولاً حين يلجأ الروائي إلى شكل السيرة الذاتية أو يستعمل ضمير المتكلم. بيد أنني أعتقد أنهم مؤمنون بأن القارىء مطمئن إلى أن الراوي في هذين الشكلين يعلم ما سيقع، ولا غرابة في أن يشير إلى شيء مما يعلمه من غير أن يُخلَّ (بمنطقيّة التسلسل الزمني)(26).

 

على أن الكثرة الكاثرة من النقاد تَعُدُّ الاستشراف تقنية من تقنيات السرد، وترى أنه، على المستوى الوظيفيّ، (تمهيد أو توطئة لأحداث لاحقة يجري الإعداد لسردها من طرف الراوي، فتكون غايتها حمل القارىء على توقُّع حادث ما أو التكهُّن بمستقبل إحدى الشخصيات)(27). كما يرى هؤلاء النقاد أن أبرز خصيصة من خصائص السرد الاستشرافيّ هي (كون المعلومات التي يقدِّمها لا تتصف باليقينيّة)(28)، ومن ثَمَّ يُعَدُّ (شكلاً من أشكال الانتظار)(29) . وقد ميَّز بعضهم بين التطلعات المؤكَّدة ؛ أي التي ستتحقّق فعلاً، والتطلُّعات غير المؤكَّدة مثل مشاريع الشخصيات وافتراضاتها التي يكون تحقُّقها في المستقبل أمراً مشكوكاً فيه(30) .   

 

ويُخيَّل إليَّ أن خصوصيّة شكل التعبير في رواية (فياض) ترجع إلى استعمال الاستشراف استعمالاً مغايراً لما أعرفه في الروايات وما قرأتُ عنه في الكتب النقديّة وإن التقى أحياناً الاستعمال المألوف للاستشراف. فهناك، قبل أي شيء آخر، غزارة في الاستشرافات تبلغ مائة استشراف ونيِّفاً ،وقلّةٌ في الاسترجاعات لا تصل إلى عشرة استرجاعات. وهذا مخالف لما هو معهود في الرواية من أن الاستشرافات أقلّ تواتراً في السرد من الاسترجاعات(31) ؛ أي أن رواية (فياض) عكست المألوف فاستدعت من المستقبل عشرة أضعاف ما استدعته من الماضي، من غير أن يؤثِّر ذلك في التشويق وفي الحفاظ على توقُّعات القارىء وتكهناته.

 

ذلك أن الراوي بدأ يحيل القارىء إلى المستقبل من بداية الرواية(32) في صورة استباق زمني، فقال : (بدأ نجدت محاضرته عن العصافير، تلك المحاضرة التي سيذكرها ويستعيدها طويلاً، سيذكرها حين يقرأ سيرة الملك الظاهر، وسيذكرها حين يلبس المعطف المحكمجي محاولاً الدخول في إهاب الدكنجي في بيت حسيبة، وسيذكرها طويلاً طويلاً حين سيلجأ أخيراً إلى غرفته في البادرائيّة)(33). لقد قدَّم الراوي للقارىء في هذا الاستشراف ثلاثة أمور، محيلاً إلى مستقبل غير محدَّد في هيئة الفعل المضارع المقترن بحرف الاستقبال، مؤكِّداً ذلك من خلال تكراره (سيذكرها) خمس مرات، وقَرْن هذا المضارع بصفةٍ لمصدره المحذوف، وتكرار لفظيّ لهذه الصفة مرتين بالنسبة إلى الأمر الثالث. وهذا كله يهيِّىء القارىء لاستقبال الأمور الثلاثة، ويجعله ينتظر وقوعها. وسيكتشف القارىء بعد ثلاثين ومائة صفحة أن الأمر الأول الخاص بقراءة سيرة الملك الظاهر هو المُؤْذن بتحوُّلٍ فياض. كما سيكتشف بعد عشرين ومائتي صفحة أخرى أن الأمر الثاني مُؤْذن بتحوُّل ثان في شخصية فياض .وسيكتشف بعد مائة صفحة أن الأمر الثالث مُؤْذن بعزلة فياض في البادرائيّة. أي أن الأمور الثلاثة التي ذكرها الاستشراف في بداية الرواية تغطّي المفاصل الرئيسة في شخصية فياض، بؤرة السرد المركزيّة. ولكنّ القارىء سيكتشف أيضاً أن نصَّ الاستشراف لا يتحقّق منه شيء. فقد تمنّى فياض قراءة سيرة الملك الظاهر وليس هناك تصريح بأنه قرأها. كما أنه أعاد فتح

دكان حمدان الجوقدار ولكنّ نص الرواية لا يشير إلى أنه لبس المعطف المحكمجي(34). واعتزل في البادرائيّة ولكنه لم يذكر محاضرة نجدت عن العصافير فيها ،كما لم يذكرها في الأمرين السابقين. أي أن الأمور الثلاثة وردت في الاستشراف في صورة الاستباق الزمني الخاص بتكرار محاضرة نجدت عن العصافير، ولكنّ ذكر المحاضرة لم يتحقّق في الأزمنة الثلاثة التي ذكرها الاستشراف، بل تحقّق شيء آخر هو تحوُّل فياض، وكأنَّ نصَّ الإعلان الاستشرافيّ خادع لا يشير ظاهره إلى المراد منه.   

 

إن هذا الاستشراف حيلـة أسلوبيّة ؛ لأن محاضرة نجدت عن العصافير وردت بعد الاستشراف مباشرة. كذلك الأمر بالنسبة إلى عدد غير قليل من الاستشرافات في الرواية، وخصوصاً الاستشراف الذي تكرّرت صيغته كثيراً، وهو (سيكتب فياض على دفتره جريدي الورق)(35). فبعد النصِّ على الصيغة يذكر الراوي ما سيكتبه فياض في دفتره جريدي الورق. ويبقى القارىء المتلقّي يتابع هذه الصيغة وتعديلاتها : سيكتب فيما بعد على دفتره جريدي الورق – سيكتب فياض في دفتره الجريدي الأصفر – سيكتب فياض على الدفتر المصْفَرِّ دون شمس – سيتساءل فياض في دفتره الجريدي فيما بعد – سيكتب فياض – وكتب فياض في دفتره الجريدي الورق – سيعود إلى هذه الصورة وهو

يكتب …). إن القارىء يقرأ بعد الصيغة وتعديلاتها نصَّ ما سيكتبه فياض في دفتره، ويتولَّد لديه من تكرار العبارة شوق لقراءة ما كتبه فياض كاملاً، ولكنه يكتشف في نهاية الرواية أن ما قرأه بعد الصيغة وتعديلاتها هو ما كتبه فياض في دفتره، وأنه لم يبق شيء جديد غير الوصول إلى زمن الكتابة ومسوّغها. وكأنّ نصوص الاستشرافات في الصيغة وتعديلاتها تمهيدات خادعة أخرى، وأن التكرار بالنسبة إلى هذه الصيغة وتعديلاتها سيشكِّل في السرد نوعاً من الإيقاع الروائيّ يضبط حركة الحوادث في زمن السرد ويُنظِّمها ويرصد تغيُّرها ودلالاتها(36). 

 

والواضح أن الراوي غير راغب في أن تتحوَّل أية صيغة إلى لازمة تتكرّر وحدها، فيألفها القارىء ويستريح إليها. ومن ثَمَّ لجأ إلى التنويع الذي حافظ على حيوية الاستشرافات وقدرتها على التشويق وإثارة فضول القارىء وتوقُّعاته. فهناك، فضلاً عن صيغة الفعل المضارع المقترن بحرف الاستقبال، وصيغ الدفتر الجريدي الورق، صيغ أخرى كثيرة أذكر منها :

1 – كان على فياض أن ينتظر يومين طويلين حتى

             =    =   =    =   =  شهوراً طويلة حتى

             =    =   =    =   =  عامين آخرين حتى

             =    =   =    =   =  سنوات وسنوات طويلة

2 – كان على فياض أن يذكر هذه الأيام

             =   =    =    = يعيش ليرى

             =   =    =    = يذكر هذه الجملة

             =   =  روجيه أن يكتشف

3 – ولكنه فيما بعد وبعد سنوات

              =    =   =

              =    =   = وبعد فوات الأوان

              فيما بعد وبعد سنوات طويلة طويلة

              سيقول لفياض فيما بعد

              وفيما بعد سيُحدِّث فياضاً

              وفيما بعد وفي الأيام التالية  

4 – سيجيبه بعد سنوات

5 – وفي مرة أخرى وبعد شهور طويلة

6 – ولكنه بعد أيام قليلة 

تختلف هـذه الصيغ عن الصيغتين السابقتين في الشكل الـذي يضم حرف استقبال آخر غير السين، هو (أن)، وعبارة (فيما بعد)، وجملاً اسميّة بدلاً من الجمل الفعليّة. ولكنّ أبرز ما تضمّه هذه الصيغ المختلفة تحديد الزمن الذي سيتحقّق فيه الاستشراف، سواء أكـان أياماً أم شهوراً أم سنوات. وبتعبير آخر : تُقدِّم هذه الصيغ استشرافات ذات مدى قصير ومتوسط البعد وبعيد فضلاً عن الاستشرافات الخالية من التحديد الزمنيّ. كما تلجأ إلى تنويع آخر على المستوى الوظيفيّ، فتجعل بعض الاستشرافات تتحقّق وتترك أخرى من غير تحقيق، وهذا ما يجعل القارىء المتلقّي يترجَّح طوال السرد بين توقُّع تحقيق الاستشراف وتجسيده إثر النَّصِّ عليه مباشرة .والتَّوقُّع في هذه الحال إثارة لذاكرة القارىء وتنبيه دائم له على ضرورة احتفاظه بالمقروء ليربط بين أجزائه، وهذا يجعل الاستشرافات وسيلة لتلاحم السرد وتماسكه وقدرته على التشويق، كما يجعله يخالف ما قيل من أن المعلومات التي يُقدِّمها لا تتصف باليقينيّة عادة. 

 

إن خصوصيّة استعمال الاستشرافات في رواية فياض نابعة في رأيي من مهارة الراوي في جعلها تلتحم بالسرد، وتقوده إلى الأمام من غير التنازل عن التشويق والتَّوقُّع والانتظار. ومن ثَمَّ أصبح الاستشراف وسيلة أساسيّة من وسائل تحريك السرد وخلخلة النظام الزمنيّ لحوادث الرواية. ولا شكَّ في أن قَرْنَ بعض صيغ الاستشراف بالزمن (بعد أيام – بعد شهور – بعد عامين – بعد سنوات …) خدم حركة السرد خدمة كبيرة، هي جَعْلُ القارىء يتابعه من غير إحساس بالقفز الزمنيّ، وهو إحساس سلبيّ في العادة. ويُخيَّل إليَّ أن الراوي وظَّف الاستشرافات المقترنة بالزمن لغرض جماليّ آخر هو تغطية الامتداد الزمنيّ الطويل الذي يبدأ من فياض وعمره عشر سنوات وينتهي به كهلاً في البادرائيّة. ولو استعمل الراوي القفز الزمني في صيغه المألوفة لحدث انقطاع في السرد يؤثِّر في جماليته، ولكنّه بوساطة الاستشرافات المقترنة بالزمن حقّق مضمون القفز من غير انقطاع في السرد.  

 

ب – حركة السَّرد من حيث السُّرعة والبطء :

أعتقد أن تتبُّع حركة السرد من حيث السرعة والبطء يُعين على توضيح جانب آخر من علاقة الراوي بما يرويه. ذلك أن هذا الراوي رغب في تغطية حياة فياض من طفولته إلى كهولته، ورغب في الوقت نفسه في التّوقُّف عند المفاصل الرئيسة في تحوُّله وعلاقته بوطنه. أي أن هذا الراوي مضطر إلى تسريع السرد حيناً، وإلى تعطيله حيناً آخر. أما تعطيل السرد فيعني إيقاف الزمن لرسم المشاهد الحواريّة وتقديم المقاطع الوصفيّة. ولعلّ كثرة المشاهد تدلّ على أن التعطيل غزير جداً في رواية فياض. وأما التسريع فالمراد به زيادة حركة السرد إلى الأمام من خلال إيراد مقطع يغطي زمناً طويلاً من القصة(37). وقد استند الراوي في روايـة فياض إلى تقنيتي الخلاصة والحذف في أثناء تسريعه حركة السرد. أما تقنية (الخلاصة) فقد ساعدته على اختزال حوادث جرت في أيام أو شهور أو سنوات بأسطر معدودات تُلخِّص هذه الحوادث. فبعد روايته الأسلوب الذي جعل (ايفون) تتعلّق بفياض في باريس، وهو تغذية الخيال الأنثويّ الغربيّ بحكايات مختلفة عن الشرق وسبي الحسناوات، قال الراوي ملخِّصاً حياة فياض في الجامعة : (وانتشر السر، وفاحت الحكاية، وخلف ايفون صوفي ،وخلف صوفي مادلين، وتناثرت الحكايات في أبهاء الكلية فالجامعة عن الأمير الشرقي صانع الأحلام)(38). إن هذه الخلاصة ضروريّة لأنها تختزل طبيعة حياة فياض في الجامعة. كما أنها تُغني عن تكرار ما فعله فياض مع صوفي ومادلين وغيرهما. أو قُلْ إن الراوي لجأ إلى الخلاصة حين أصبح السلوك عادة ولم تبق فائدة من تكرار الحوادث المتماثلة. ولا شكَّ في أن هذه الخلاصة اختزلت الزمن الروائيّ إلى حدوده الدنيا ؛ لأن الزمن في مستوى القصِّ الأوّل طويل كما يفترض القارىء استناداً إلى علاقات فياض النسويّة المتجدِّدة. وعلى الرغم من أن هذه الخلاصة لم تُحدِّد الزمن المختزل، فإن هناك خلاصات أخرى أشارت إلى الزمن ،من نحو : وتوزّعت الأماسي بين الباحثات عن(39) – فقد انتقل إلى الصف الثالث محافظاً على تقاليد الأمير البدوي(40) – إفلاس متكرر(41)  - يوماً بعد يوم وأسبوعاً إثر أسبوع(42) – أخذت الأيام تنقضي(43).

 

أما تقنية الحذف فقد لجأ الراوي إليها ليسقط مرحلة كاملة من زمن القصة، كما هي حال السنوات التسع التي تلت التقاط فياض من قلعة شيزر وتربيته وتلقيه العلم في السان جوزيف في بيروت. إن الراوي لم يتحدَّث عن هذه المرحلة من زمن القصة ؛ لأن الحديث عنها لا يُقدِّم معرفة جديدة بشخصية فياض. ولكنّه بهذا الإسقاط سرَّع حركة السرد، فجعلها تقفز تسع سنوات من زمن القصة. ولا شكَّ في أن اختزال الزمن في الخلاصة وإسقاطه في الحذف يلبيان حاجة الروايـة إلى الامتداد الزمني من غير أن يضطر الراوي إلى ذكر ما حدث ساعة فساعة، وسنة بعد أخرى. والواضح أن الراوي لجأ كثيراً إلى الحذف، ولكنه لم يُخْفِ في الغالب الأعم المدة الزمنيّة التي حذفها، سواء أكانت يوماً أم شهراً أم سنة أم سنوات. وقد أحصيتُ الحذف المحدَّد بمدة زمنيّة فكان لديَّ ثلاثة وثلاثون حذفاً، في حين لم يجاوز الحذف غير المحدَّد سبع مرات. ويُخيَّل إليَّ أن الحذف غير المحدَّد بمدّة أَدْخَلُ في باب الخلاصة في رواية فياض.  

**

تلك حال السرد في رواية (فياض). ويمكنني تعزيز هذه الحال الفنيّـة بالإشارة إلى السرد في رواية (البحث عن نجم القطب)(44) لعبد الكريم ناصيف، وخصوصاً استناد بناء المشهد إلى السرد والحوار والوصف.

 

أ – السَّرد :

يكاد السرد في رواية (البحث عن نجم القطب) يقتصر على بيان الحركة المادية للشخصيّات في المكان، والتعليق على هذه الحركة. واللافت للنظر أن حركة الشخصيات في المكان محدودة جداً في هذه الرواية، فهي تنتقل من منـزل إلى آخر، أو إلى ملهى أو حفل بوساطة سيّارة في الغالب الأعمّ. وقد حمل الراوي على عاتقه عبء ملاحقة هذه الحركة البسيطة بوساطة السرد. أما صور هذه الشخصيات داخل المكان فأمرها متروك للوصف .ذلك أن الراوي لا يلاحق نموّ الحدث داخل المكان، بل يصف ما فعلته الشخصية فيه، ثم يُعلِّق على هذا الفعل بمقاطع سرديّة صغيرة تشير دائماً إلى تدخُّل الروائيّ في سياق الرواية. ففي الفصل الرابع التقى أبو صفوان عصاماً في منـزل حكمدار ،وعاتبه على تأخُّره في إنجاز وعده، ثم اتفقا على الإنجاز بسرعة وشربا (كأس النجاح). وقبل أن يستكملا الحوار تدخَّل الروائيّ قائلاً : (يشرب الاثنان كأس النجاح كما يشربه في أمكنة أخرى أناس نجاحهم فشل لأناس آخرين. فالفريسة ملقاة لا تملك حولاً ولا طولاً، والكل يحاول الفوز بها، يصارع الآخرين كي يبعدهم، وفي كل الحالات تبقى هي الفريسة). وبعد هـذا التعليق استأنف أبو صفوان وعصام حوارهما إلى آخر المشهد. 

 

على أن عبد الكريم ناصيف الذي استطاع التخلُّص من هيمنة الراوي على البناء الروائيّ باللجوء إلى تقنية المشاهد، استطاع أيضاً، داخل كلِّ مشهد، التخفيف من الأثر السلبي لتدخُّل المؤلِّف باللجوء إلى تطرية الأسلوب الذي يستعمله في التعبير عن هذا التدخُّل. فهو يُبَطِّن التعليق بالسخرية مما يجري أمامه نثراً أحياناً، وباستخدام بيت من الشعر في أحايين أخرى، أو يروح يستخدم الأمثال، أو يلجأ إلى أساليب الاستفهام والتعجُّب وتأكيد الذَّمِّ بما يُشبه المدح، وكثيراً ما يُضمِّن هذا التعليق نصَّ النجوى الداخليّة لهذه الشخصيّة أو تلك في نوع من وصف وعيها أو حياتها الذهنيّة. والتعليق الآتي نموذج صالح لبيان أسلوب عبد الكريم ناصيف في استعمال الصفات في السخرية المبطَّنة، ووصف وعي شخصية صفوة الدر : (في السيارة الجرداء المحدودبة الظهر تلقي صفوة الدر بنفسها على المقعد بينما يربض صافي خلف المقود ويهدر المحرِّك أن " زلزلت الأرض زلزالها ". تدب السلحفاة الكئيبة بين مئات السلاحف الأخرى بينما تدب إلى رأس صفوة الدر جيوش زاحفة من ديدان القرف والاشمئزاز تعمل فيه قضماً وقرضاً. " كل ما في هذا العالم ملوَّث دنس " . تدمدم الجيوش الزاحفة في داخل الرأس الجميل " حتى الثلوج لم تعد بيضاء، حتى الأطفال غدوا كهالاً مترهلي الجلود متغضِّني الجباه .. رباه !! لِمَ فَسَدَ حتى الملح !؟).

 

وغير خاف على قارىء رواية (البحث عن نجم القطب) أن المشاهد المبثوثة في الفصول ذات عناية واضحة بالتعليقات التي يمتزج تدخُّل المؤلِّف فيها بالنصِّ على وعي الشخصية أو حياتها الذهنيّة. وليس بغريب في هذه التعليقات أن يكثر استعمال عبارات الراوي العالم بدخيلة الشخصية وأفكارها، من نحو العبارات الآتية المستخدمة في مشاهد الفصل الخامس : يفكِّر صافي متألماً هو الآخر  - يغمغم صافي لنفسه – يسأل نفسه – يسأل صافي نفسه – يسائل صافي نفسه – يُقرِّر في نفسه – يُحدِّث صافي نفسه – يتمتم الرجل لنفسه – يفكر الرجل في نفسه – يقول لنفسه – تُحدِّث لورا نفسها – يفكر الرجل – يقرّر في داخله – يقول أبو صفوان في سره – يأمر صافي نفسه – يندم في سره – تُحـدِّث شاهناز نفسها – يفكر صافي سريعاً – يفكر عصام متعجِّباً – تفكر تاج الملك – يتساءل في سره.

 

والراوي، حين يستعمل العبارات السابقة أو ما يشبهها، يجعلها تالية على ما فكرت به الشخصية أو تساءلت أو غمغمت أو تمنَّتْ، ويضع العبارة بين علامتي تنصيص تمييزاً لها من السرد ولكي يتيح للراوي متابعة التعليق. وإذا كانت العبارات المذكورة تعبيراً عن الراوي الكلّيّ المعرفة وعن الرغبة في بيان حركة أفكار الشخصيات مما يخدم هدف التركيز على البؤرة السرديّة بغية تقديم الصورة الداخليّة للشخصيات، فإن هذا العمل قدَّم للرواية عامةً، وللمشاهد خاصةً، خدمة أخرى جليلة هي تضييق حدود السرد على الراوي السارد. فالسرد، أيّ سرد، يُسرِّع حركة القصِّ. وإذا كانت الرواية لا تضمُّ حوادث متتالية متشابكة فلا حاجة إلى تسريع حركة القص فيها. وتلك حال رواية (البحث عن نجم القطب). فلو سرَّع الراوي حركة القصّ لانتهت الرواية بعشر صفحات بدلاً من عدد صفحاتها الحقيقيّ، وهو خمس وثمانون ومائتا صفحة.   

 

وسأذكر، بعد قليل، أن الحوار والوصف يبطئان حركة القصّ، ولو كان هناك متَّسع للسرد الذي يعتمد على الخبر لأصيبت الرواية بالخلل نتيجة التنازع بين سردٍ يُسرِّع حركة القص، وحوارٍ ووصفٍ يبطئانه. لكنّ السرد في المشاهد كلها يعتمد على الصورة، وهو في العادة أكثر بطئاً من السرد الذي يعتمد على الخبر، كما أنه مفيد في نقل المشاعر وبيان الملامح الداخليّة، ومن ثَمَّ كان أقرب إلى الرسم والقوانين العامة للوصف على حد تعبير بيرسي لوبوك.

 

ب – الحوار :

يكاد ذِكْرُ الحياة الذهنيّة للشخصيّة يلتبس بالحوار الداخلي أو النجوى الذاتيّة. غير أنني آثرتُ استعمال مصطلح (وعي الشخصية) أو حياتها الذهنيّة ؛ لأنني مؤمن أن النصّ على هذا الوعي اقتصر في كثير من الأحيان على كلمة أو جملة، ومن ثَمَّ لم يبلغ مرتبة الحوار الداخليّ. ذلك أن القارىء المتلقّي لا يقرأ طوال الرواية مقاطع تناجي الشخصية فيها نفسها أو تحاورها، وهذا ما رسَّخ عندي الإيمان بأن عبد الكريم ناصيف لا يبالي بهذه الوسيلة الفنيّة تبعاً لعزوفه، في هذه الرواية، عن خلق الشخصيات لذاتها، وتركيزه على جعلها معبِّرة عن قيم الانحلال الاجتماعيّ السياسيّ. ولم يكن الحوار الخارجيّ أوفر حظاً من الحوار الداخليّ. فقد امتلأت الرواية به، لكنّه لم يُقدّم أيّاً من خِدْماته للشخصية كما هي عادته. فالقارىء لا يستطيع من خلال الحوار الخارجيّ تعرُّف خصائص الشخصيات المتحاورة ما لم ينصّ السياق على اسمها، فضلاً عن أنه لا يُسهم في نمو الحوادث المتشابكة المصطرعة .بيد أن الحوار لم يكن شكليّاً في الدلالة النهائيّة للرواية، إذ عبَّر عن تماثل قيم الشخصيات وطموحاتها، كما أسهم في تبطيء حركة القص ومهَّد للوصف تمهيداً حسناً فرسم إطاره ومنحه شيئاً من الحيوية. 

 

ج – الوصف :

احتلَّ الوصف مكانة مرموقة في بناء المشاهد الروائيّة، وخصوصاً وصف الشخصية داخل المكان. ذلك أن عبد الكريم ناصيف وصَّاف ماهر، يرسم بالكلمات صوراً للأمكنة التي ترتادها شخصيات روايته. والواضح أن الصور التي قدَّمها الوصف لم تكن شكليّة تلبِّي النـزوع الوصفيّ لديه، بل كانت وظيفيّة توضِّح الأفعال المعبِّرة عن طموحات الشخصيات (السلطة – الجنس – المال) .ولهذا السبب قلَّ الوصف التصنيفيّ لديه وكثر الوصف التعبيريّ. فمنـزل جوليا (قصر منيف، شاسع واسع، دافىء شفيف، تدخله فتحسب أنك داخل إلى قصر فرساي : تحف، تماثيل، لوحات، ثريات. وتنظر إلى الأرض فتظن شيراز انتقلت إلى جمادى الثانية، وتبريز احتلت قصر جوليا). هذا الوصف، كما هو واضح، تصنيفيّ، يُقدِّم للقارىء تفصيلات عن ضخامة منـزل جوليا وسعته ورياشه، ويسعى في أثناء تصويره إلى اعتماد أسلوب التشبيه بغية نقل الصورة إلى المحسوس المدرَك لدى القارىء. فهو يُشبِّه محتوياته بمحتويات قصر فرساي، وكثرة سجّاده بما في تبريز وشيراز. وينتسب هذا الوصف التصنيفيّ إلى الواقع ويحاول نقل محتوياته إلى الرواية ليحدِّد من خلالها الإطار التفسيريّ للشخصيات. فمنـزل جوليا الموصوف يُفسِّر حياة جوليا الباذخة وثراءها وأرستقراطيتها، لكنّ عبد الكريم ناصيف لا يُعير هذا الوصف التصنيفيّ شيئاً كثيراً من اهتمامه على الرغم من قدرته الإيهاميّة. وهذه صفعة أخرى للراوي التقليديّ الذي نعرف ولوعه بهذا النوع من الوصف في الروايات التقليديّة، حتى إنه ما كان يترك جزئيّة تغرب عنه دون أن يلاحقها بالوصف.

 

أما الوصف التعبيريّ فغزير في رواية (البحث عن نجم القطب). ويُخيَّل إليَّ أنه ميدان عبد الكريم ناصيف المفضَّل. فهو يصف المكان ويمزج الوصف بأحاسيس الشخصية، أو قُلْ إنه يُقدِّم وصفاً للمكان كما تراه الشخصية، أو وصفاً للحال النفسيّة كما تشعر بها صاحبتها. وأمثلة هذا النوع كثيرة جداً لا يخلو منها مشهد، كوصف تاج الملك أمام المرآة(45)، وحكمدار عند الحلاق كوكو(46)، وتاج الملك أمام فيللا أبي صفوان(47)، وكوكو النائم إلى جانب حكمدار(48)، وعصام في الأرض التي اشتراها(49) … وليس غرضي استقصاء النموذجات الدالة على غزارة الوصف التعبيريّ ،بل غرضي هو القول إن هذا الوصف يُعبِّر تعبيراً جيداً عن الحياة النفسيّة للشخصيّة : كيف ترى الأمور وتحسُّ بها وترنو إليها. ومن ثَمَّ كان الوصف التعبيريّ عند عبد الكريم ناصيف إيحائياً يجعل القارىء يتجاوز الصور المرئيّة إلى باطن الشخصية، فيفهم نزوعاتها ويفسِّر سلوكها استناداً إليه. وقد نجح عبد الكريم ناصيف في تصوير هذا العالم الحسّيّ لشخصياته، لكنه مرة أخرى جعله عالماً حسياً متشابهاً إنْ لم أقل متماثلاً، وهذا ما سمح له بتشجيع القول بتشابه الشخصيات في عالمه الروائيّ، كما سمح له بتقديم مشاهد روائيّة تتسم بقدر كبير من العلاقة الوثيقة بين المشهد والراوي الذي خلع لبوسه القديم وتزيّا بزي جديد.

*

أخلص من تحليل روايتي (فياض) و (البحث عن نجم القطب) إلى أن بناء السرد يحتاج إلى روائيّ فنّان قادر على توظيف تقنيات حركة القصّ ورسم المشاهد في بناء الشخصيّة المقنعة الماتعة المؤثِّرة في القارىء المتلقّي. ولعلَّ الاستشراف عند خيري الذهبي، والوصف التعبيريّ عند عبد الكريم ناصيف، دليل على أن هناك نكهة لكلّ رواية تصنعها قدرات صاحبها الفنيّة.

 

 

علاقات الشّخصيّة الرّوائيّة

 

 

وقفتُ، في أثناء تحليلي الروايات السابقـة، وخصوصاً روايات عبد الكريم ناصيف وسلطان القاسميّ، عند منظور الرّاوي والرّوائيّ وما بينهما من تباين. ثم توقّفتُ في أثناء تحليلي رواية (فياض) لخيري الذهبي عند علاقة الرّاوي بالشخصيات، وتصنيفها وتسميتها في حدود بناء السرد والمشهد. وسأسعى هنا إلى التركيز على العلاقات وحدها، فأحلِّل علاقة الشخصية بالزّمن فالرّاوي فالرّحلة الرّوائيّة، وأجهد في بيان علاقة الشخصية بأساليب البناء دون غيرها من العلاقات الرّوائيّة. 

 

الشّخصيّة والزَّمن :

تثير رواية (العصفوريّة)(1) للدكتور غازي القصيبي شيئاً غير قليل من الحوار النقديّ ؛ لأنها تطرح أوّل مرّة ذلك المزيج من التخييل والخيال الجامح والواقعيّة، فتبدو للمتلقّي غريبة عمّا هو سائد في الرواية العربية، سواء أكان بناء الشخصية الروائية مصدر الغرابة أم كانت لغة السرد هي المصدر. يُضاف إلى ذلك أنها رواية (حمَّالة أوجه)، تأخذ بيد المتلقّي إلى مستوى واقعيّ، ولكنّها سَرْعان ما تزجُّه في الترميز أو تخرج به من الواقعيّـة إلى الخيال الجامح الذي يتعامل مع الأشياء التي تُشبه الخرافة، أو هي هي. ويُخيَّل إليَّ أن هذه الرواية تحتاج إلى حديث خاص يسبر أبعادها، ويضع غازي القصيبي حيث يجب أن يُوضع بين الروائيين العرب. والظّنّ بأن التمهيد لهذا الحديث يحتاج إلى توضيح الزمن الروائيّ في (العصفوريّة)، تبعاً لأهميته في الإشارة إلى جوانبها المختلفة، فضلاً عن أنه يُمهِّد لتحليلي علاقة الشخصية بالزمن في رواية (ثم أزهر الحزن) لفاضل السباعي.

 

في رواية (العصفوريّة) قسمان : مدخل ومخرج. أما المدخل فيمتدُّ ثلاثاً وتسعين ومائتي صفحة، في حين يقتصر المخرج على صفحتين. يبدأ المدخل بالبروفسور في العصفورية، ويدور المخرج حول اختفاء هذا البروفسور من العصفوريّة. وما بين البدايـة التي يستدعي البروفسور فيها الدكتور سمير ثابت، والنهاية التي يكتشف فيها الدكتور نفسه اختفاء البروفسور، حوار طويل يمتدّ إحدى وتسعين ومائتي صفحة، يتحدَّد في نهايتها الزمن الذي استغرقه الحوار بينهما، وهو عشرون ساعة(2). وتحديد زمن الحوار لم يكن غير حيلة أسلوبيّة تُوهم بالزمن الروائيّ، وتسعى إلى إضفاء صفة المعقوليّة على الحوار الطويل بين الشخصيتين الوحيدتين في رواية العصفوريّة.

 

بيد أن قارىء رواية العصفورية يدرك بسهولة أن الزمن الروائي طويل جداً قياساً إلى زمن الحوار المحدَّد بعشرين ساعة. ذلك لأنه يلاحظ أن الراوي (البروفسور) في أثناء حواره مع الدكتور سمير ثابت يستعيد سيرة حياته كلها، وهي حياة ممتدّة في الزمن، مملوءة بالحوادث. بل إن هذا القارىء يعتقد بعد فراغه من قراءة الرواية أن الحوار، وهو الحاضر الروائي، وسيلة لاستعادة الماضي الروائي، وتعليل لاختفاء البروفسور في خواتيم الرواية. وهذا يعني أن الزمن الروائي في (العصفوريّة) يضمّ الحاضر والماضي الروائيين، ولكنّ الحاضر المحدَّد بعشرين ساعة يحتوي الماضي الطويل بوساطة تقنية الاسترجاع دون أن ينفصل عنه. والمراد بذلك أن البروفسور يسرد في الحاضر الروائيّ حكايته على الدكتور سمير ثابت، وفي أثناء هذا السرد يسترجع شيئاً من ماضيه ثم يتركه إلى الحاضر. وهكذا ينتقل الزمن الروائي من الحاضر إلى الماضي، ومن الماضي إلى الحاضر، بحيث يبدو الحاضر منطلق الزمن وقاعدته ومنتهاه، كما يبدو على مستوى المضمون وسيلة لتقديم حكاية البروفسور وتثبيتها عند الدكتور سمير ثابت ليكون شاهداً على مسوّغ الاختفاء في نهاية الرواية.

 

إن حكاية البروفسور هي الوسيلة الوحيدة لتحديد زمن استرجاع الماضي أو مداه. ذلك لأن الراوي (البروفسور) يعترف في بداية حواره مع الدكتور سمير ثابت بأن عمره خمس وأربعون سنة. وهذه الإشارة الزمنية توحي بأن البروفسور في الحاضر الروائي يبلغ الخمسين من عمره على أقل تقدير. أما الحوادث التي يسردها الراوي (البروفسور) فترجع بداياتها الأولى إلى تلقّيه العلم في أمريكا، وكان آنذاك شاباً لا يجاوز العشرين أو الخامسة والعشرين من عمره في الحدِّ الأعلى. وعلى الرغم من أن حوادث الحكاية لا تُحدِّد زمن تلقّي العلم بدقة، فإنها تُصرِّح من خلال علاقة البروفسور بسوزي بأن الراوي البروفسور كان آنذاك شاباً تملؤه الحماسة. كما يُصرِّح الراوي نفسه من خلال حكايته مع فرحة ربيع(3) بأنه رآها قبل سفره إلى أمريكا، وكان آنذاك فتى، فأحبَّها، ثم بعد عودته من أمريكا وفجيعته بسوزي لقي فرحة ربيع ثانية واقترن بها. وعلاقة البروفسور بسوزي وفرحة ربيع تدلُّ دلالة واضحة على أن مدى الاسترجاع يمتدُّ من الشّباب الأول للبروفسور في أمريكا إلى الحاضر الروائيّ والبروفسور في الخمسين من عمره على أقلِّ تقدير. وهذا يعني أن مدى الاسترجاع طويل يبلغ نحواً من ربع قرن.

 

ههنا تتضح اللّعبة الرّوائيّة الدّقيقة في رواية (العصفوريّة). فقد رغب الروائي في أن يسرد حكاية شخصيّته لأنها تملك تجربة طويلة مريرة على المستويين الخاصّ والعامّ. فهذه الشخصية تنتقل – على المستوى الخاصّ – من مصحّة مونتري إلى العصفورية في لبنان، ثم مصحّة بلاكبول في انكلترة، فمصحّة جنيف. وهي – على المستوى العامّ – تنتقل من تجربة تقديم العون للثورة في عربستان 48 إلى تقديم العون نفسه للثورة في عربستان 49، فعربستان 50، وأخيراً عربستان 60. وتجربة البروفسور – في مستوييها العام والخاص – مريرة، قادته بعد ذلك إلى الاختفاء من الدنيا والسّياحة في الفضاء الخارجيّ .

 

والواضح أن البروفسور يسرد تجربته الخاصّة بانتقاله بين المصحّات. وقد قادته هذه التجربة الخاصّة إلى ما بدأ به من ضرورة تقديم العون للأمّـة العربيّة لتنهض من تخلُّفها وتتمكّن من اللّحاق بالأمم المتقدِّمة، ومن القضاء على إسرائيل. وهذا الأمر جعله ينتقل من التجربة الخاصّة بالمصحّات إلى التجربة الخاصّة بالانقلابات. فقد قدَّم العون (نصف مليار دولار) لصلاح الدين المنصور في عربستان 48، ولكنّ هذا الضابط تحوَّل بعد نجاحه في الانقلاب إلى دكتاتور. ثم قدَّم عوناً ماليّاً مماثلاً لمناضل من عربستان 49 هو برهان سرور، فإذا بهذا المناضل يتحوَّل بعد نجاحه في الانقلاب إلى دكتاتور أيضاً. ثم التقى ضياء المهدي الذي بدا رجل دين محافظاً راغباً في نشر العقيدة في عربستان 50، فإذا به يتحوَّل بعد نجاحه في الانقلاب إلى راغب في نشر العقيدة بقوّة السّلاح، ويروح يتلهّى بمحاربة عربستان 49 المجاورة له بدلاً من الانصراف إلى محاربة أعداء بلاده. وقد خلص البروفسور من تجارب الانقلابات الثلاثة إلى أن الديمقراطيّة هي الحلّ النهائيّ للأمّة العربيّة، فساعد عربستان 60 على تجسيد هذه الديمقراطيّة، ولكنّه اكتشف بعد نجاح التجربة أن ضابطاً تمكَّن من الانقلاب على الحكم الديمقراطيّ، وتسنّم الحكم في عربستان 60، فيئس الرّاوي البروفسور، وهجر الدُّنيا مختفياً في الفضاء الخارجيّ .

 

إن مدى الاسترجاع طويل في رواية العصفوريّة كما هو واضح من سرد وقائع المصحّات والانقلابات. ولكنّ الحوادث المرويّة بوساطة الاسترجاع هي الغرض الأساسيّ من الرواية، بل إنها المعبِّرة عن رؤيا غازي القصيبي لواقع الأمة العربية. ولو لجأ القصيبي إلى الزمن الحاضر وجعله خطّياً لما كان لرواية العصفورية ذلك الرونق والتشويق والقدرة على مزج الخاص بالعامّ في تجربة الراوي البروفسور. وما فعله الروائي غازي القصيبي هو البدء بالمزج بين الخاص والعامّ، فافتعل موضوع الحوار في العصفورية، وجعل زمنه بطيئاً (عشرون ساعة)، وسمح للراوي البروفسور في أثناء ذلك باسترجاع ماضيه ثم العودة إلى الحاضر في نوع من التناوب بينهما، بحيث يبقى القارىء المتلقّي يتابع الحاضر ويتلقَّى من خلاله الماضي الذي سيُعلِّل النهاية نفسها، وهي نهاية تضمُّ مغزى الرواية ورؤيا الروائيّ.

 

ومن المفيد أن نلاحظ أن التناوب بين الماضي والحاضر لم يعرف قطع أحدهما للبدء بالثاني. أو قُلْ إن القَطْعَ لم يكن وسيلة الرّاوي لتجسيد التناوب. ذلك لأن هناك وسيلتين أساسيتين حلّتا محل القطع، ونجحتا في مزج الماضي بالحاضر، وإضفاء التماسك الفنّيّ على الرواية كلّها. أما الوسيلة الأولى فهي الاستشراف الحقيقيّ، وأما الثانية فهي الاستطراد.

 

أمّا الاستشراف – وهو تقنية زمنيّة كما هو معروف(4) – فيعني الإشارة إلى حوادث ستقع في مستقبل السرد، أو في الزّمن اللاحق للسرد. وهذا الاستشراف غير متداول في الرواية العربية بكثرة، ولعلّ رواية (فياض) التي حللتُها في أثناء حديثي السابق عن بناء السرد، أكثر الروايات العربية استعمالاً لهذا الاستشراف. وربّما رجع عدم اهتمام الرواية العربية بالاستشراف إلى أنها، في الغالب الأعمِّ، ما زالت رواية  خطّيّة، تسرد الحوادث من بدايتها إلى نهايتها، أو تتلاعب قليلاً بهذه الحوادث تقديماً وتأخيراً، دون أن تشير  عموماً إلى حوادث لم تقع بعدُ. وما فعله غازي القصيبي هو اللجوء إلى عبارة تدلّ على الاستشراف، بحيث تُهيِّىء هذه العبارة القارىء لتلقّي حادثة ستقع في السرد اللاحق. وهذه العبارة الاستشرافيّة هي – غالباً - : (سوف أحدّثك عن ذلك فيما بعد)(5). ووصْفُ الاستشراف بأنه (حقيقيّ) نابع من أن الراوي يُجسِّد هذا الوعد، فيُحدِّث الدكتور سمير ثابت بعد العبارة الاستشرافيّة بصفحات تطول أو تقصر بما وعده به. والاستشراف الحقيقيّ في هذه الحال نقيض الاستشراف الكاذب الذي يُقدِّم الراوي فيه عبارة استشرافية، ولكنّه لا يُحقِّق مضمونها في السرد اللاحق. والراوي يستفيد من الاستشراف الكاذب في شدِّ القارىء إلى النّصّ، وتشويقه إلى الحوادث اللاحقة فيه. أما الاستشراف الحقيقي فلا يهدف إلى التشويق أساساً، بل يهدف إلى تهيئة المتلقي للحوادث اللاحقة، ومزج المروي في الماضي بالمروي في الحاضر بغية ربط حلقات السرد، وجعل الرواية مترابطة تُجسِّد التماسك الفني. فالعبارة الاستشرافيّة المذكورة قبل قليل وردت في الصفحة العشرين من رواية العصفورية، ومفاد هذه العبارة الاستشرافية أن الراوي سيُحدِّث الدكتور ثابت عن تعيينه وزيراً للشؤون الهامّة في عربستان 49. وبعد مائتي صفحة(6) يُجسِّد وعده، فيحدِّثه عن تعيينه وزيراً للشؤون الهامة في عربستان 49، وما فعله في أثناء تولّيه الوزارة وبعد تخلّيه عنها. وتجسيد العبارة الاستشرافية يدلُّ على أن ذاكرة الروايـة جزء من تقنيتها الزمنيّة ؛ لأن الراوي لا ينسى شيئاً وعد بتنفيذه، وهذا ما يضفي على النص المصداقيّة الداخليّة، ويجعل المتلقي أكثر انتباهاً للعبارات الاستشرافية، وأكثر دقة في تتبُّعها، ومن ثَمَّ يربط حاضر الحوادث بالسابق واللاحق منها.

 

ولم يكن الاستطراد غير وسيلة أخرى تكمل مهمّة الاستشراف الحقيقيّ. والاستطراد هنا هو الخروج من سرد الحوادث إلى قضايا ثقافيّة ذات لبوس تخييليّ حيناً، وخرافيّ أحياناً. والقضايا التي ذكرها الراوي في أثناء الاستطراد كثيرة جداً، كعلاقته بالمتنبي والزعماء السياسيين، وزواجه من جنّيّة ثم من فراشة من الكائنات الفضائيّة، وزيارته عبقر الشعراء وموطن الكائنات الفضائية، وما إلى ذلك. وتبرز في أثناء الاستطرادات السُّخرية العلنيّة والمبطَّنة من قضايا المجتمع والإنسان. ويعتمد الراوي في استطراداته على شعر المتنبي كثيراً، ويغوص أحياناً في نقاش فقهيّ وطبّيّ، أو يتلاعب بالألفاظ ويتفنّن في تفسير الأمور وإحالتها إلى مراجعها. وذلك كله جعل رواية (العصفورية) متميِّزة في استعمال الإشارات الثقافيّة، وتضمينها، وإحالتها إلى شيء أساسيّ في بنية الرواية. ولولا الاستطراد الذي لجأ إليه الراوي لما كانت هناك إمكانية لتقديم هذا التنوُّع في الإشارات الثقافيّة. بيد أن الشيء اللافت للنظر هو استعمال الاستطراد بين الاسترجاع والاستشراف، بحيث بدا عاملاً رئيساً في المزج بين الماضي والحاضر، وفي التمهيد للحوادث في السرد اللاحق. ومن ثَمَّ انتفى القطع من نصِّ الرواية، فبدت متماسكة مترابطة الحلقات. 

 

ومن المفيد القول إن  علاقة الشخصية بالزمن الروائيّ في رواية (العصفورية) تُنبىء عن مهارة في ضبط الزمن الروائي، وتُقدِّم شكلاً فنياً أشبه بالسيرة الفنية للشخصيّة الروائيّة. صحيح أن هذا الضبط ساعد القصيبي على تقديم رؤيا سوداء لحال الأمة العربية، وأن رواية (ثم أزهر الحزن) لفاضل السباعي التي سأتابع من خلالها تحليل علاقة الشخصية بالزمن، تُعبِّر أيضاً عن رؤيا اجتماعيّة رومنتيّة تختلف عن مثيلاتها الأوربيات في احتجاجها على الواقع ومطالبتها بحقوق القلب وارتباطها بالطبيعة(7). ولكنّ الصحيح أيضاً أن اهتمامي بتحليل علاقة الشخصية بالزمن في روايـة (ثم أزهر الحزن) لا يرجع إلى رؤيتها الرومنتيّة، بل يرجع إلى ريادتها(8) في (اللاشخصية) ؛ أي في قدرة فاضل السباعي على إخفاء  (أناه)، وابتعاده عن التغنّي بعواطفه الخاصة، بغية الانصراف إلى خدمة المجتمع الروائيّ. ويمكن أن أضيف، بالنسبة إلى (ثم أزهر الحزن) والرواية العربية السورية قبل عام 1967، ما كان معروفاً عن ضعف الاتجاه الواقعيّ وسيادة المجتمع المحافظ الآخذ بالتحرُّر الاجتماعيّ، وما نجم عن ذلك من صراع بين القيم التقليديّة الرّاسخة والجديدة الوافدة. ففي ظلال هذه الدلالة العامة نستطيع فهم (ثم أزهر الحزن) على نحو أكثر دقة، فضلاً عن تحليل علاقة الشخصية بالزمن فيها.

 

الواضح أن فاضل السباعي انتصر لقيم المجتمع الجديد ؛ قيم العمل والاعتماد على النفس والحب والتماسك الأسريّ والعلم. ولكي يُجسِّد انتصاره لهذه القيم جعل خاتمـة رواية (ثم أزهر الحزن) مغلقة، وانتقل بالشخصيات من الحزن إلى الفرح، ومن الخوف إلى الأمن. ومهما يكن أمر الجانب المضموني في هذه القيم، فإن السؤال الفني الذي يهمّني هنا هو : كيف عبَّر فاضل السباعي عن القيم، أو : ما طبيعة الشكل الفنيّ الذي اختاره للتعبير عن القيم التي انتصر لها في بداية الستينيات ؟. ذلك أنه اختار أسرة من حيّ شعبيّ، وراح يمنحها ما يعتقده المجتمع المحيط بها ضعفاً، وهو وفاة عائلها مخلِّفاً وراءه خمس بُنيّات، كُبراهنَّ في الخامسة عشرة، وصغراهنَّ لم تُكمل السابعة. كما خلَّف جنيناً في بطن زوجه الشابة ذات الثلاثة والثلاثين عاماً، وراتباً تقاعديّاً بسيطاً لا يُقيم أود الأسرة. ثم عدل بمنظاره من رصد الأسرة كلها إلى رصد فرد منها، هو (هالة) البنت الثالثة التي توفّي والدها وعمرها أحد عشر عاماً. وجعل خاتمة الرواية خاتمة للأسرة عموماً وهالة خصوصاً، مُطلقاً على القسم الأول الخاص بالأسرة عنوان (الحزن)، وعلى الثاني الخاص بهالة عنوان (الحب)، وعلى الثالث الخاص بهما معاً عنوان (الفرح)، منطلقاً في اختيار العنوان من طبيعة الحوادث المعروضة في كلّ قسم من الأقسام الثلاثة، محافظاً في أثناء ذلك على ارتباط الحوادث الروائيّة وسببيّتها. 

 

وميزة فاضل السباعي الفنية هنا كامنة في مخالفته السائد آنذاك في الرواية العربية السورية. إذ لم يلجأ إلى الحبكة التأريخيّة التي تضمن عرض الحوادث من بدايتها إلى نهايتها مروراً بأزمتها وتعقُّدها، بل لجأ، أول مرة في الرواية العربية السورية، إلى جعل الرواية تبدأ من الثلث الثاني للرواية ؛ ذلك الثلث الذي عنونه بالحب، ثم رجع إلى البداية التأريخيّة وراح يعرض الحوادث مرتَّبةً ترتيباً زمنياً وسببيّاً، حتى إذا غطّى ما وقع في الثلثين المذكورين ووصل إلى الحاضر الروائي تابع النسق الزمنيّ الصّاعد إلى نهاية الرواية المغلقة على تتويج الأم كوثر أمّاً مثلى، وفوز هالة بسمير بعد حبّ وفراق ولوعة. وهكذا كان في (ثم أزهر الحزن) نسقان : صاعد وهابط

 

وفاة الأب  النسق الزمني الهابط   الحاضر الروائي   النسق الزمني الصاعد    خاتمة الرواية

 

ولم يكتف فاضل السباعي بالنسقين الهابط والصاعد في أثناء تقديمه الحوادث الروائيّة، بل ابتعد عن الرواية تاركاً لإحدى شخصياتها فرصة سرد الحوادث سرداً مباشراً بضمير المتكلّم بدلاً من ضمير الغائب الأثير لدى الروائيين السوريين آنذاك. ولو دقّقنا في شخصية هالة، وهي الراوية المختارة لسرد الحوادث، للاحظنا أن (أناها) الروائيّـة نوعان أو نمطان : نمط الأنا الشاهدة ونمط الأنا المشاركة. فبوساطة الأنا الشاهدة سردت هالة الحوادث التي راحت تترى على أسرتها، وبوساطة الأنا المشاركة راحت تسرد علاقتها بسمير ودراستها وعملها وكلّ ما يتعلّق بأحاسيسها ومشاعرها. وقد بدأت الرواية بالأنا الشاهدة، واستمرّت هذه الأنا قويّة طوال القسم الأول (الحزن)، ولكنها بدأت تضعف في القسمين الثاني (الحب) والثالث (الفرح) لتحلَّ الأنا المشاركـة محلَّها، وكأنّ مرتكز الرواية انتقل من الأسرة إلى فرد واحد فيها، كما انتقلت الأسرة نفسها من البيئة الشعبيّة ودار الأحزان إلى بيئة حديثة ودار ممهِّدة للأفراح.

 

على أن هذا الانتقال كان كبيراً بالنسبة إلى أسلوب عرض الحوادث. ذلك أن الأنا الشاهدة رصدت الأسرة في القسم الأول (الحزن) ضمن بيئتها الشعبيّة، مشيرة إلى تعدُّد الزوجات وصراع الضرات وعلاقات الجوار والموقف الاجتماعيّ العامّ من الأسر التي لا عائـل لها، فضلاً عن عادات الأسرة وتقاليدها الخاصة بالإنجاب والعمل والعلم. ولكنّ أسلوب العرض في القسم الثاني (الحب) أضعف الأنا الشاهدة حين قصرها على الأسرة دون عادات البيئة الحديثة وتقاليدها، وكأنّ الأسرة سكنت  (طابقاً) في بناء خال من السكَّان بعيد عن العمران. ومسوّغ الرواية في ذلك واضح، هو التركيز على (هالة) انطلاقاً من أنها موئل التغيير في المجتمع الروائي، المعبِّرة عن حقوق القلب وعمل المرأة وصورتها الداخليّة، بدلاً من حقوق المجتمع وصورته الخارجيّة.

 

ومهما يكن أمر الأنا الروائيّة فإنها بنمطيها صوت واحد وحيد في الرواية، هو صوت شخصية هالة الذي رافق القارىء المتلقي ابتداءً من السطر الأول وانتهاءً بالسطر الأخير، وقدَّم له الحوادث في شكلها الخارجيّ وانعكاساتها الداخليّة. والميزة الفنيّة التي أتاحها استعمال نمطين للسرد نهضت بهما راويـة واحدة، هي الاكتفاء بالرصد الخارجيّ في أثناء استعمال الأنا الشاهدة، ومزج الرصد الخارجيّ بالداخليّ في أثناء استعمال الأنا المشاركة، تبعاً لكون هالـة تعرف عن نفسها ما لا يعرفه الآخرون عنها ؛ ولأنها ترى ما يحدث لأسرتها وتشارك فيه. ومن ثَمَّ توسَّل أسلوب العرض برؤيتين : رؤية من الخارج اصطنعتها الأنا الشاهدة، ورؤية (مع) اصطنعتها الأنا المشاركة لتسرد الحوادث التي تخصُّها وحدها.   

 

وعلى الرغم من أن هالة، وهي الشخصية المحوريّة في (ثم أزهر الحزن)، كانت فرداً من أفراد الأسرة في القسم الأول، فإن رصدها كان عاماً شاملاً أفراد أسرتها ولم يكن مقصوراً على فرد دون آخر. وقد عكست الأمر في القسم الثاني، فسلَّطت الضوء الروائيّ على نفسها وجعلته باهتاً في الأمور المتعلِّقة بأسرتها. وإذا كان اعتماد الأنا الشاهدة والأنا المشاركة اعتماداً وظيفيّاً وليس مجرّد تقنية روائيّة شكليّة، فإن الفرصة التي ضيَّعها فاضل السباعي هي تعدُّد الأصوات الروائيّة القادرة باختلافها وتباين وجهات نظرها ورؤاها على خلق عالم روائيّ يوازي العالم الحقيقيّ ويُوهم به. أما اختزال الأصوات الروائيّة في صوت واحد فقد وفَّر له فرصة خلق شخصية هالة، ولكنّه في الوقت نفسه ترك القول السرديّ يتنازل عن ديمقراطيته وانفتاحه على الشخصيات الروائيّة الأخرى بغيـة معرفة منطوقها وآرائها(9)  وعلاقاتها، فضلاً عن أفكارها وأحاسيسها وما يقود إلى تناقضها وصراعها مع بعضها بعضاً أو مع المجتمع المحيط بها. وهذا هو السبب الذي جعل المرء يلاحظ أن رواية (ثم أزهر الحزن) لا يميزها الصراع، بل تميّزها الحكائيّة التي تُعبِّر عن وعي هالة، وهو وعي ذاتي للمجتمع الروائيّ وليس وعياً موضوعيّاً له.

 

ولا أشكُّ في أن جوهر الصوغ الروائيّ يكمن في طبيعة علاقات الراوي بالشخصيات(10). ولأن رواية (ثم أزهر الحزن) تضمّ علاقة اتحاد بين الراوية وشخصية هالة، فإن البناء الزماني فيها ارتبط بتطور وعي هالة لذاتها. فقد بدأت تسرد حوادث الرواية وعمرها اثنان وعشرون عاماً، بعد تخرُّجها في الجامعة وتطوُّر علاقتها بسمير وزواج أختيها سليمى ورابعة. فزمن القصّ، إذاً، هو الحاضر الروائيّ، ولكنّه حاضر مجمَّد ؛ لأن الراوية تركته عائدة إلى ما قبل أحد عشر عاماً لتسرد الحكاية من بدايتها. وكان تقديم الماضي نوعاً من المذكِّرات المسرودة بوعي الحاضر ونضج هالة فيه، ولم يكن تقديمه بالوعي الذي كانت الشخصية نفسها تملكه وهي، بعدُ، صغيرة لا تجاوز أحد عشر عاماً. ولا تعليل لذلك غير الاهتمام بالتعاقب التاريخيّ لحوادث الحكاية، وهو تعاقب واضح جداً مؤرَّخ بالأعوام والشهور وفصول السنة تأريخاً دقيقاً ينم على تصميم زمنيّ محكم .

 

صحيح أن البناء الزمني عصي على التحديد الدقيق في الغالب الأعمّ، إلا أن طبيعة تصميمه في (ثم أزهر الحزن) مريحة، تجعل المتلقي قادراً على ربط أسلوب عرض الحوادث به. ذلك أن أسلوب عرض الحوادث كما قدّمتُه يشير إلى استعمال المفارقتين الزمنيّتين المعروفتين، وهما :

 

1 – استرجاع الماضي:

أو ما جرى خلال أحد عشر عاماً. وهذا الاسترجاع ألَّف نوعاً من الذاكرة الروائيّة التي ربطت الحاضر بالماضي، وفسَّرته وعلّلته وأضاءت جوانب حوادثه. وإذا تذكّرنا، هنا، الأنا الشاهدة التي سردت ما جرى في هذا الماضي، لاحظنا أن التعاقب التاريخيّ للزمن الروائيّ رافق تطور وعي شخصية هالة بنفسها ضمن أسرتها. وكان اختيار هذا التعاقب ملائماً اختيار الصوت الواحد ؛ لأن تعدُّد الأصوات سيفرض التخلّي عن الترتيب الخطّيّ للحوادث بغية الانتقال من شخصية إلى أخرى، ومن ثَمَّ يفرض تقنيات زمنيّة كالتزامن والتركيز وغيرها ليلبّي حاجة البناء الجماليّ المرتبط بأسلوب عرض الحوادث من وجهات نظر مختلفة ومتباينة. على أن اختيار الصوت الواحد والتعاقب التاريخيّ يحتاج إلى معالم زمنيّـة تظهر في النصّ، كاستعمال ظروف الزمان والإشارات إلى تواريخ محدَّدة. وقد حفلت الذاكرة الروائيّة في أثناء استرجاع الماضي بهذه المعالم الزمنيّة. ففي الصفحة الأولى من الرواية حُدِّد الحاضر وزمنه (قبل أحد عشر عاماً)، كما استُعمل الفعل الماضي، ثم شرعت المعالم الزمنيّة تترى مؤرَّخةً بالأيام والشهور وفصول السنة، قليلاً في الفصول الخمسة الأولى وكثيراً بعد ذلك. والسؤال هنا : ما طبيعة الزمن الذي طرحته الذاكرة الروائيّة في أثناء استرجاع الماضي ؟. أعتقد أن هذه الذاكرة طرحت زمنين، زمناً طبيعياً وزمناً نفسياً.

 

أ – أما الزّمن الطّبيعيّ فله جانبان :

تاريخيّ وكونيّ(11). وقد أشرتُ قبل قليل إلى بعض جوانب الزمن التاريخي، وخصوصاً الحرص على التعاقب والحركة الخطّيّة وتأريخ الرواية بالفصول والأيام والشهور والسنوات. ومن البديهيّ بعد ذلك أن تتجه حركة الزمن في (ثم أزهر الحزن) إلى الأمام دائماً، فإذا خلَّفت وراءها الحزن لم ترجع إليه ثانية ؛ لأنها تتجه إلى مستقبل يحمل الفرح والزواج وإنجاب الذكور وإنهاء مرحلة الكفاح بتتويج كوثر أماً مثلى. وعلى الرغم من أن هذه الحركة رافقت نموّ بنات الأسرة، وتقدُّمهنَّ في الدراسة، واكتسابهنَّ التجارب، فإن عنصر الزمن فيها بقي محايداً لا أثر له في التغيير والتبديل. وخير دليل على ذلك أنه كان في أثناء استرجاع الماضي ذا طابع تدميريّ اتخذ من القدر وسيلة للقضاء على الأب وابنته نورة وخطيبها عمر، وحكم على هالة باللوعة وتبكيت الضمير بعد مغادرة سمير الوطن إلى فرنسا. ولكنّ الزمن نفسه حمل بعد ذلك الفرح إلى الأسرة، فتزوّجت سليمى ورابعة وأنجبتا الذكور، وتفوَّقت عالية وعلاء الدين في دراستيهما، وتُوِّجت كوثر أماً مثلى، وعاد سمير إلى هالة نادماً خاطباً وُدَّها. ولو كان الزمن عنصراً غير محايد في الرواية لما خلَّف تأثيرين متباينين. ويُخيَّل إليَّ أن فاضل السباعي الذي لم يُول أثر الزمن التاريخيّ في الحوادث ما يستحق من اهتمام، سعى إلى تعويض هذا النقص باستخدام الحوادث التاريخيّة الحقيقيّة خلفيّة للرواية ليزيد من نسبة إيهام القارىء بالحقيقة الروائيّة المعروضة فيها. والمراد بالحوادث التاريخية الحقيقية هنا الوحدة بين مصر وسورية. فقد غذَّى فاضل السباعي النصَّ بشخصية زينب المدرِّسة المصريّة التي وفدت إلى حلب معلِّمةً للتدبير المنـزليّ، كما ترك هالة تزور مصر لتتابع دراستها العليا. ومهما تكن علاقة هذا الأمر بتجربة فاضل السباعي نفسها، فإن المهم بالنسبة إليَّ هو محاولته عكس الواقع الخارجيّ في النصّ المتخيَّل بوساطة الزمن التاريخيّ، بغية الإيهام بأنه حقيقيّ مضموناً ومطابق شكلاً. ذلك أن الزمن الروائيّ، في هذه الحال. مطابق للزمن الخارجيّ وما جرى فيه. وزاد فاضل السباعي من نسبة الإيهام والمطابقة حين استخدم لتأريخ الزمن الروائيّ الوحدات نفسها التي تُستَعمل في تأريخ الزمن الخارجيّ، وهي الأيام والشهور والأعوام وفصول السنة. وهذا يقودنا إلى الجانب الكونيّ في الزمن الطّبيعيّ. 

 

إن الزمن الكونيّ أو الفلكيّ هو إيقاع الزمن في الطبيعة(12)، وهذا الإيقاع يمتاز بالتكرار واللانهائيّة عادةً. وقد لفت انتباهي إليه تدوين الزمن الطبيعيّ بفصول السنة أكثر من تدوينه بالأيام والشهور والأعوام. حتى إن قارىء رواية (ثم أزهر الحزن) لا تفوته ملاحظة الحركة الدائريّة في العبارات الزمنيّة الآتية المنتزعة من صفحات متوالية من الرواية : صيف جديد يُقبل(13) – الصيف يتولى وبشائر الخريف تعبر السماء(14) – مع دخول الخريف(15) – أيام الشتاء(16) – بدت أشعة الشمس دافئة في مطلع هذا الربيع(17) – ولما تنصف فصل الصيف(18). والملاحظ أن العبارات بدأت بفصل الصيف وانتهت به، ومرّت في أثناء ذلك بالفصول الثلاثة بحسب تواليها الفلكيّ. وكأنّ فصول السنة أكثر ارتباطاً بالشخصيات الروائيّة من الأيام والشهور والأعوام، تبعاً لدلالة هذه الفصول على تجدُّد الحياة ونمائها. ولعلَّ الإشارة إلى الولوع بالطبيعة تكتسب هنا قدراً أكبر من الأهميّة ؛ لأن الأب من بداية الرواية كان يُؤرِّخ ولادة كلّ طفل من أطفاله بغرس شجيرة له في الحوض، فضلاً عن أن مظاهر الطبيعة، من مطر وثلج وسماء، احتلّت مكانة مهمّة لدى الراوية هالة، إذ جعلت هذه المظاهر الطبيعة تواكب في الغالب الأعمّ حالتها النفسيّة. 

 

ب – الزّمن النّفسيّ :

هذا الزمن ذاتيّ غير خاضع للمعايير الزمنيّة الخارجيّة. وهو في الرواية خاصّ بشخصية هالة، إذ عبَّر عن الصدى الداخليّ لتجربتها العاطفيّة مع سمير فرحاً وحزناً وقلقاً ولوعة وفراقاً. أو قُلْ إنه امتزج بدخيلتها وحياتها النفسيّة، ولم يكن له مقابل خارجيّ غير الطبيعة. ولهذا السبب ترى الطبيعة في أثناء الفرح جميلة، وفي أثناء الحزن كئيبة، وكأن هالة تخلع ذاتها عليها وتلبس لبوسها. ومن البديهيّ القول إن الزمن النفسيّ بطيء جداً لأنه ممتزج بتصوير الأحاسيس والمشاعر. فإذا انتقلت هالة إليه ضؤل الزمن الخارجيّ وصغرت وحداته، وإذا تركت هالة تصوير دخيلتها اتسعت رقعة الزمن الخارجيّ وبدأت المعالم الزمنيّة الخاصّة بالأيام والشهور والسنوات تبرز من جديد. وخير دليل على ذلك هو أن الزمن الخارجيّ المقدَّر للقسمين الأولين واحد تقريباً (خمس سنوات للأول وست سنوات للثاني). ولكنّ القفز الزمنيّ ظهر في القسم الثاني أكثر من ظهوره في القسم الأول، تبعاً لانصراف هذا القسم إلى تصوير دخيلة هالة، في حين قلَّ عدد القفزات في القسم الأول الذي رصد الأسرة كلها. ومن ثَمَّ اختلف إيقاع الزمن بين القسمين كما اختلف عدد الصفحات بينهما.

 

2 – استشراف المستقبل :

كنا لاحظنا هذا الاستشراف للمستقبل على نحو جلي في رواية (فياض) لخيري الذهبي، ونلاحظه هنا ثانيةً عندما فرغت الراوية هالة من استرجاع الماضي ؛ أي أن الاستشراف هنـا بدأ من الحاضر الروائي متجهاً إلى المستقبل. وإذا كانت الراويـة تعلم ما جرى في الماضي فإنها تجهل ما سيحمله المستقبل. وقد ضمنت هذه المفارقة الزمنيّة التشويق تبعاً لهذا الجهل ولعودة الضوء الروائيّ إلى الراوية وأسرتها معاً. ولا يختلف الاهتمام بالتعاقب التاريخيّ هنا عما رأيناه في استرجاع الماضي، فهو محدَّد بالمعالم الزمنيّة ذاتها، فضلاً عن أن الفصول حملت عنوانات زمنيّة بدلاً من الأرقام التي عُنونت بها فصول القسمين الأول والثاني. وإذا كفل استرجاع الماضي تغطية أحد عشر عاماً، فإن استشراف المستقبل استمر ثلاث سنوات، واضطر فاضل السباعي من أجل تغطيتها في سبع وثلاثين صفحة إلى استعمال تقنيتي الخلاصة والحذف، بحيث تُلخِّص الأولى ما جرى في أيام أو أسابيع أو شهور في مقاطع أو صفحات قليلة، وتُقدِّم الثانية عبارات زمنيّة تقفز فوق حوادث لا ترى الراوية ضرورة لسردها، سواء أكانت العبارات ضمنيّة كقول سليمى لهالة : (عاد يا هالة، أراه قد عاد)(19)، وقول هالـة : (فترة التدريب مرّت)(20)، أم ظاهرة كقول سمير : (لم يكن بدّ من سفري ومن ذلك الهجران الموقوت الذي كلفني راحة قلبي طوال السنين الخمس)(21).

والواضح أن العدد القليل من الصفحات المخصّصة لاستشراف المستقبل، أو للسير من الحاضر إلى المستقبل، هو الذي أبرز تقنيتي الخلاصة والحذف، في حين أبرزت كثرة عدد صفحات القسمين الأول والثاني تقنيتين زمنيتين أخريين، هما الوقف والمشهد. الأولى حين أوقفت نموّ الحوادث إلى الأمام لتأمُّل شيء ما، مثل لقاء هالة بسمير في المكتبة أو حوارهما حول الكتاب الذي قرأته هالة أو نزهتهما في الحديقة. وبرزت الثانية التي تُعَدُّ نقيضاً للخلاصة حين أتيحت للحوادث فرصة التوالي بتفاصيلها وأبعادها ؛ لأن وظيفة المشهد هي تسليط الضوء على حوادث رئيسة مؤثِّرة في سياق الرواية، كولادة كوثر ابنها علاء، وتعرُّف هالة سميراً في المكتبة، وما إلى ذلك.

 

 

الشّخصيّة والرّاوي :

 

عُني النقّاد العرب برواية (أنت منذ اليوم)(22) لتيسير سبول لأنها تُعبِّر عن رؤيا المثقّف العربي لهزيمة حزيران/يونيو 1967، وخصوصاً القمع الذي خلق مواطنين يشعرون بالاغتراب عن مجتمعهم وأمتهم. ولاشكّ في أن هؤلاء النقّاد درسوا رواية سبول في سياق حديثهم عن أسباب هزيمة حزيران(23)، ومن ثَمَّ كان تحليلهم مضمونياً يُعْنَى بأفكار رواية سبول ويعاف بناءها الفني. وقد أضاء تحليلهم المضموني الجانبين الأساسيين في (أنت منذ اليوم) : القمع والغربة، ووضَّح أثرهما في الإنسان العربي، وقدَّم الدليل على ريادة تيسير سبول في النـزوع الانتقادي للأمة العربية : تربيةً ونظاماً وسياسةً. وعلى الرغم من ذلك كله فإنني أعتقد بأن قيمة رواية سبول وريادتها الحقيقية تكمنان في (تحديث) الرواية العربية، وخلخلة الأرض الصلبة التي تقبع فوقها الرواية التقليدية العربية. وتحديد هذا التحديث يحتاج إلى المنهج الشكلي الذي استندتُ إليه، وهو منهج بدأت طلائعه(24) تغزو رواية سبول .

 

1 – في المنهج والمصطلح :

استندتُ في تحليل الشخصية والراوي في (أنت منذ اليوم) إلى المنهج الشكلي، وهو منهج لغوي يملك إجراءات نقدية ملموسة قادرة على توضيح الطريقة التي قدّم تيسير سبول بوساطتها نوعين من الرواة، وبنى استناداً إليها روايته. وإذا كان المنهج الشكلي يخدمني في تحليل بناء الشخصية والراوي في رواية (أنت منذ اليوم) فإن الواجب النقدي يدعوني إلى القول إنني لم أختر هذا المنهج لرغبتي فيه فحسب، بل اخترتُه لإيماني بقدرته على تحليل الشخصية في رواية سبول، وهو تحليل لم يلتفت إليه أحد في حدود ما أعلم. ولكنّ المنهج الشكلي، كما هو معروف ،ليس واحداً بل هو مناهج عدّة كنتُ اخترتُ منها المنهج البنيوي الشكلي، ولم أختر المنهج البنيوي التكويني، منهج لوسيان غولدمان، لأن الدراسات النقدية التي حلّلتْ رواية (أنت منذ اليوم) – وهي غالباً ذات منهج اجتماعي – نابت مناب المنهج البنيوي التكويني حين عُنيت برؤيا المثقفين العرب لهزيمة حزيران، وعدّت (عربي) – بطل رواية سبول – ممثّلاً لها وكأنه يُعبِّر عن رؤيا شريحته الاجتماعية المثقفة ولا يُعبِّر عن رؤياه الفردية. أما اختياري المنهج البنيوي الشكلي فقد نبع من قدرة هذا المنهج على أن يُحلّل جوانب من (الشخصية) في رواية (أنت منذ اليوم) لا يلتفت إليها – في العادة – المنهج البنيوي التكويني (أو : التوليدي). ولئلا يكون هناك لبس في استعمالي هذا المنهج فإنني أرغب، بدايةً، في توضيح المصطلحات الثلاثة الآتية : النص – الراوي – الشخصية ،وهي المصطلحات الرئيسة في التحليل.

 

أقصد بالنصّ نصَّ رواية (أنت منذ اليوم) لتيسير سبول. والنصُّ الروائي عندي مستقلّ عن صاحبه، مغلقٌ على نفسه، مكتف بقوانينه الداخلية، تسمح لغته بمعرفة العناصر الفنية التي أسهمت في بنائه. أما الراوي فهو (الصوت الخفي الذي لا يتجسّد إلا من خلال ملفوظه)(25). وربما صحّتْ تسميته (الكاتب الضمني)، لأن الروائي لا يسرد حوادث الرواية بنفسه، بل يبتدع راوياً أو رواة لأداء هذه المهمة. ومن ثَمَّ يصبح الراوي مسؤولاً عن سرد حكاية الرواية وبناء عالمها المتخيَّل تبعاً لحلوله داخل نصِّ الرواية، في حين يبقى (الروائي)  – تبعاً لمفهوم النصّ لديَّ – خارج الرواية يـبني ولكنه ينسب هذا البناء إلى الراوي. ويختلف الراوي حسب الموقف الذي يرتضيه الروائي لنفسه، سواء أكان الموقف موقف الاختفاء التام أم موقف المشارك المنحاز أم موقف الحياديّ العالم. ففي موقف الاختفاء التام هناك تعدُّد في الرواة، وفي موقف المشارك المنحاز هناك راو ممثَّل يحلّ في إحدى الشخصيات الروائية ،وفي موقف الحياد هناك راو عالم بكلّ شيء يتحرك بحرية داخل الرواية. ولسوف أحدِّد الراويين اللذين نهضا ببناء رواية (أنت منذ اليوم)، وأُحلّل نوعهما وإمكانية تعديلهما، وأسعى بعد ذلك إلى تحقيق هدفٍ يخـتزله السؤال الآتي : أين يقف الراوي مما يرويه ؟.   

 

أما مصطلح الشخصية فالمراد به :الشخصية داخل المجتمع الروائي، في حين أقصد (بالشخص) : (الإنسان الفرد كما هو موجود في الواقع، أيْ ذلك الإنسان الحيّ الذي يعمل ويعيش ويفكّر.)(26). ولقد خلقت لغة الروائي الشخصية الروائية(27) بوساطة الخيال، مما جعل مفهومها تخييلياً لسانياً .فهو تخييلي لأن الشخصية تُخْلَق بوساطة الخيال الإبداعي للروائي، وهو لساني لأن اللغة هي التي تُجسّد الشخصية المُبْدَعَة. وقد حدّدتُ هذا المفهوم التخييلي اللساني لأنه أساس الإجراءات النقدية المعتمدة لديَّ في تحليل بناء الشخصية الروائية. ذلك أن الشخصية تركيب أبدعته مخيِّلة الروائي وجسَّدته اللغة. ولا سبيل إلى معرفة التركيب إذا لم ننطلق من اللغة التي جسَّدتْه وجعلتْه الشيء الوحيد الملموس بالنسبة إلى الناقد والقارىء على حدٍّ سواء. أيْ أن الشخصيـة وحدة دلالية ذات دالّ ومدلول كأية علامة لغوية. أو فَلْنَقُلْ إن الرواية تبدأ تطرح الشخصيات بيضاء من حيث الدلالة، ولكنها شيئاً فشيئاً تروح تملؤها بالنعوت والمعلومات والأسماء والتصنيفات مما يجعلها ذات مدلول محدَّد تابع لاختيار الروائي وأهدافه. فإذا لاحقنا هذا الدال (البياض الدلالي) وهو يمتلىء بالمعلومات ويُحدَّد بالأسماء والصفات ويصبح لـه مدلوله الخاص، استطعنا معرفة بنائه .

 

وقد سبقني حسن بحراوي إلى تحليل بناء الشخصية في الرواية المغربية استناداً إلى ذلك(28)، ولا أرى مانعاً من متابعتـه في اعتماد الإجراءات النقدية الثلاثة الآتية:

 

أ – تقديم الشّخصيّة :

المراد هنا الطريقة التي قدَّم بها الروائي شخصيته الروائية. وقد اقترح فيليب هامون (ph. hamon) مقياسين لمعرفة هذه الطريقة، هما المقياس الكمّيّ والمقياس النّوعيّ. (ينظر الأول إلى كمية المعلومات المتواترة المعطاة صراحة حول الشخصية، ويحدّد الثاني مصدر تلك المعلومات : هل تُقدّمها الشخصية عن نفسها مباشرة، أو بطريقة غير مباشرة عن طريق التعليقات التي تسوقها الشخصيات الأخرى أو المؤلِّف، أو فيما إذا كان الأمر يتعلّق بمعلومات ضمنيـة يمكن أن نستخلصها من سلوك الشخصية وأفعالها)(29).

 

ب – الاسم الشّخصيّ :

يُحدّد الاسمُ الشخصيةَ داخل الرواية ويجعلها معروفة. ولكنْ، هل يكتفي الروائي بالاسم أو يقرنه بكنية ونسبة ؟ هل لذلك علاقة بالمعلومات المقدَّمة عن الشخصية ؟ ما الحوافز التي دفعت الروائي إلى استعمال هذه الأسماء ؟. إن الإجابة عن هذه الأسئلة تُسهم في تحليل بناء الشخصية الروائية، سواء أكان اختيار اسم الشخصية مقصوداً أم لم يكن. ذلك لأن هناك رابطاً منطقياً بين الشخصية واسم العلم الذي يدلّ عليها(30)، ولهذا الرابط دلالة تتضح لدى التحليل.

 

ج – تصنيف الشّخصيّة :

هناك تصنيفان شائعان للشخصية، هما التصنيف الشّكليّ الذي يُركِّز على مهمّة الشخصية في النصّ وعلاقتها الشكلية الخالصة بالشخصيات الأخرى. والتصنيف المضموني الذي يعتمد على الصلة الوثيقة بين الشخصيات والحوادث. وهذان التصنيفان يعتمدان على تقسيم النص إلى شكل ومضمون، وهو تقسيم لا تعترف البنيوية الشكلية به. ومن المفيد أن أقول هـنا إن النقد التقليدي اعتمد هذين التصنيفين حين قدَّم ثنائياته المعروفة (تحليلية/ تمثيلية – بسيطة/مركَّبة – مسطَّحة/نامية) ،وهي تصنيفات تخدمنا في فهم الشخصية داخل الرواية ولكنها لا تُعيننا على معرفة بنائها. بيد أن هناك تصنيفاً آخر ثلاثياً يساعدنا على تحليل بناء الشخصية الروائية. وهذا التصنيف (يستند إلى الجانب الشكلي في تحديد مراتب الشخصيات داخل الرواية)(31)، كما يستند إلى إمكانية العثور على الشيء المشترك بين مجموعةٍ من الشخصيات قبل تعرُّف خصوصية كلٍّ منها(32).

 

2 – الشّخصيّة :

تضمّ رواية (أنت منذ اليوم) أربعاً وخمسين شخصية(33) إضافة إلى بطل الرواية (عربي). وقد ميّزتُ شخصية (عربي) من الشخصيات الأخرى استناداً إلى تمييز نص الرواية له واهتمامه به، ولأن بناء الشخصيات الأربع والخمسين لا يتضح بمعزل عن شخصيته.

 

من الواضح، بادىء ذي بدء، أن تيسير سبول خرق التقليد الروائي العريق القاضي بتوضيح الشخصية أمام القارىء ليتمكّن من متابعة حياتها الروائية. وتتضح الشخصية عادة في بدايات الرواية من خلال المعلومات التي يُقدّمها الروائي عنها، سواء أكانت المعلومات وصفاً لمظهرها الخارجي وطبيعتها ومزاجها أم كانت تحديداً لعلاقاتها الروائية. ويُقاس وضوح الشخصية استناداً إلى (كمية) المعلومات التي قدَّمها الروائي عنها ،ولذلك يُعدّ (المقياس الكمّيّ) إجراءً نقدياً صالحاً لتحديد نسبة الوضوح في الشخصية الروائية .وليس في الرواية التقليدية قانون صارم للمقياس الكمّيّ، إذ إن الروائي حرٌّ في أن يطرح المعلومات كلها في بداية الرواية، أو يجعلها منجّمة بحيث يتعرّفها القارىء شيئاً فشيئاً. ولكن الروائي التقليدي في الحالات كلها مطالب بقدر كاف من المعلومات يضمن وضوح الشخصية أمام القارىء. وقد خرق تيسير سبول هذا التقليد الروائي فطرح شخصية  (عربي) من غير معلومات توفّر لها الوضوح. ذلك أن القارىء لا يعرف عن (عربي) غير كونه طالباً جامعياً انتسب إلى حزب من الأحزاب. ليس هناك شيء عن مظهره الخارجي، وعن دراسته في الجامعة، وعن الحزب الذي انتسب إليه .والرواية تنص صراحة على أن (عربي) من أصل ريفي، ولكنها لا تُقدّم للقارىء أية معلومات عن قريته أو بلده(34)، ومن ثَمَّ تركت قارئها يتساءل : ما اسم الدولة التي قَدِم عربي منها ؟ ومَنْ الذي يمدّه بالمال في أثناء دراسته ؟ وماذا يدرس ؟ وما علاقة مخابرات الدولة التي يدرس فيها بتعيينه بعد تخرُّجه في الجامعة ؟ وهل انتسب إلى الحزب بعد دخوله الجامعة أو قبل ذلك عندما كان صغيراً ؟(35). لقد طرح تيسير سبول شخصية عربي من غير أن يقرن هذا الطرح بمعلومات تجعل الشخصية واضحة، مما يدلّ على أنه كان راغباً في أن يُقدّم للقارىء شخصية يكتنفها الغموض.

 

ولكن المقياس الكمي لا يستطيع وحده أن يمدّنا بما نحتاج إليه لفهم تكوين الشخصية ومقوّمات بنائها. (فالاعتماد على المعلومات الكمية وحدها لا يؤدي إلى رؤية متكاملة للشخصية من جميع جوانبها، وإنما يخبرنا عن بعضها ويحجب بعضها الآخر. لهذا يأتي المقياس النّوعيّ ليُدقّق في مصدر المعلومات المقدَّمة عن الشخصيات والطريقة المختارة لعرضها في السرد)(36). وقد عُني تيسير سبول بالمقياس النوعي على نحو مغاير لما هو مألوف في الرواية التقليدية، فلم يستعمله في التدقيق في مصدر المعلومات لأنه لم يُقدِّم عن شخصية (عربي) معلومات تحتاج إلى تدقيق، بل استعمله في تقديم ما يحيط بعربي مع تعزيز الغموض في شخصيته. وبتعبير آخر أقول إن تيسير سبول سلَّط الضوء على الأمور المحيطة بعربي محاولاً في الوقت نفسه زيادة نسبة الغموض في شخصيته الروائية، وكأنه سعى إلى نوع من التناقض بين غموض الشخصية ووضوح العالم الروائي المحيط بها. 

 

وأستطيع توضيح هذا الأمر من خلال الإشارة إلى المبدأين الأساسيين في المقياس النوعي، وهما التَّدرُّج والتَّحوُّل. فالتّدرُّج أساساً هو الانتقال من العامّ إلى الخاصّ، أي الانتقال من مظهر الشخصية إلى صفتها الاجتماعية ووظيفتها الروائية. ويحرص الروائي في أثناء ذلك على إقامة علاقة عضوية بين صفات الشخصية والحوادث الاجتماعية يُمهّد بها للتحوُّل الذي يطرأ على الشخصية في خواتيم الرواية. وهذا كله ينطلق من أن الشخصية تملك صفات يعرفها القارىء من خلال المعلومات التي قدّمها الروائي عنها (المقياس الكمي)، ولكن علاقة الشخصية بالحوادث المحيطة بها تدفعها رويداً رويداً (بتدرُّج) إلى تغيير موقفها، مما يجعل تحوُّلها في نهاية الرواية مُسوَّغاً أمام القارىء لأنه نتيجة طبيعية لتفاعلها مع الحوادث. غير أن تيسير سبول لم يستعمل مبدأ التدرُّج لإقامة علاقة ما بين (عربي) وما يحيط به من حوادث روائية، بل استعمل هذا المبدأ ليرسم صورة شاملة للمجتمع الذي يعيش عربي فيه .

 

أما عربي نفسه فجعله ثابتاً لا يبالي بما حوله، مكتفياً بالرؤية

والسماع(37) ، بعيداً عن المشاركة والتأثُّر. فخطباء الحزب الذي انتسب عربي إليه مشغولون بتحديد أعداء الأمة ورسم معالم الوحدة العربية الصحيحة(38)، وشعراؤه يضربون الأرض بأرجلهم مستنكرين الاستعمار(39)، ومذيعوه يندّدون بصانعي المؤامرات(40)، و( كرّاساته) مضجرة (متشابهة لا معنى لتوزيعها كل أسبوع)(41) لأنها تُسْقِط الاستعمار ولا تقول كيف يتم إسقاطه. وحين يستاء الناس من حكّامهم ويخرجون إلى الشوارع مندّدين بهم يتصدى لهم الجنود ويطلقون عليهم النار(42)، وتستمر الأناشيد الثائرة في المذياع تُندّد بالاستعمار والمخرِّبين والشعوبيين. هذا جانب من فوضى السياسة في المجتمع، وهناك جانب آخر هو ظهور الزعيم والمخابرات وتلاشي الاجتماعات الحزبية، ثم الانقلاب على الزعيم وبقاء المخابرات وعودة الحزب إلى نشاطه مع عودة الحياة البرلمانية. تلا ذلك انقلاب آخر عاد فيه الحزب إلى الحكم وبقيت المخابرات نشطة .وقد تُوِّج هذا التاريخ المملوء بالشعارات والانقلابات والفوضى السياسية بهزيمة حزيران. 

 

لا يختلف المجتمع عن السياسة. فأبو عربي قاس يضرب القطة حتى تموت، ويتّهم ابنه (عربي) بالسرقة من غير برهان، ويضرب زوجتـه فيجعلها مستاءة كثيرة البكاء. وأم علي تدفع ابنـتها  (عائشة) إلى غرفة عربي لتنال أجراً إضافياً يعينها على الحياة. التاريخ أيضاً مثل الحاضر. فقد استدعى الخليفةُ ابنَ القاسم القائدَ الذي فتح البلاد ونصر الإسلام ،فوضعه في جلد بقرة وخاطه عليه ثم رماه في النار.

 

تلك الفوضى السياسية والتدنّي الأخلاقي ومخازي التاريخ وانحطاط التربية قُدِّمتْ بتدرُّج واضح بحيث تداخلت أمور السياسة بأمور المجتمع والتاريخ والتربية، وحدث الانتقال من مكان إلى آخر، ومن الحاضر إلى الماضي بالتدرُّج نفسه من غير ربط المشاهد والمقاطع بعضها ببعض. فالصور المختلفة تتوالى على هيئة مشاهد أو حوارات أو أخبار. وعربي وسط ذلك كله ثابت لا يتغير : يعاقر الخمرة، ويلاحق النساء، ويبقى في الحزب والجامعة، ويستمر في رؤية الكوابيس المزعجة. وحين تقع الحرب يشعر بضرورة التحرُّك ولكنه لا يفعل شيئاً، حتى إذا حلّت الهزيمة ورأى آثارها  (دفن رأسه في الفراش وبدأ ينـتحب)(43). وكان نحيبه تعبيراً عن تحوُّل موقفه تحوُّلاً بسيطاً ينمّ على نوع من الاهتمام بما يجري حوله. وقد مهّد تنوُّع الحوادث وتدرُّجها للهزيمة كما مهّد للتغيُّر في شخصية عربي.ولكنْ، ما طبيعة هذا التغيُّر ؟.   لا يخبرنا النص بشيء مكتفياً بأثر الهزيمة في خلخلة اللامبالاة التي اتصف بها موقف عربي من المجتمع المحيط به. لقد شعر عربي عند قيام الحرب بضرورة التحرُّك ولكنه لم يتحرك، بل بقي في منـزله منتظراً ما ستؤول إليه الحرب. وحين حلّت الهزيمة اكتفى بالبكاء والاستنكار ولا شيء غير ذلك. ولا شكّ في أن هذا التحوُّل البسيط لا يوضِّح شيئاً ذا بال في شخصية عربي المغتربة عن مجتمعها من غير مسوِّغ روائي لهذا الاغتراب، مما جعل الروايـة تنتهي بما بدأت به من غموضٍ في شخصية عربي. 

 

بيد أن غموض شخصية عربي لم يصنعه إهمال المقياس الكمّيّ وتحويل المقياس النّوعيّ عن اتجاهه التقليدي فحسب، بل أسهم فيه اسم (عربي) أيضاً. فقد ورد هذا الاسم بصيغة الإفراد، وهذه الصيغة مألوفة لدى الروائيين(44) ولكنها ليست مألوفة في الواقع الخارجي الحقيقي. ففي هذا الواقع يحمل الشخص اسماً ونسبة، وربما حمل لقباً يُحدِّد مهنته أو وضعه الاجتماعي ويؤكّد فيه سمة معيّنة(45). ويُقرَن الاسم في الواقع الحقيقي بالنسبة دائماً وباللقب أحياناً لتمييزه من الأشخاص الآخرين .وقد حاكت الرواية التقليدية الواقع فأطلقت على شخصياتها أسماء مقرونة بنسبتها وألقابها بغية الإيهام بواقعيتها وللإسهام في جعلها واضحة أمام القارىء من غير أن يختلط أمرها عليه. فإذا اعتقد الروائي بأن اسم شخصيته غامض سرد ما يزيل غموضه، واتخذ السرد في هذه

الحال (شكل الحكايات أو يكون تطويراً لملفوظات حكائية لصيقة بدلالة ذلك الاسم)(46). والواضح أن تيسير سبول أطلق على شخصيته اسم (عربي) من غير أن يقرن هذا الاسم بنسبـة توضّحه ولقـب يزيده وضوحاً. ذلك أن (عربي) ليس شخصية هامشية في النص، ولو كان كذلك لاكتفى القارىء باسمه الشخصي. إن (عربي) شخصية محورية، بل إنه بطل الروايـة، ولابدّ من أن يسهم اسمه ونسبته في وضوحه أمام القارىء. ولكن تيسير سبول حجب عنه النسبة، ومنحه اسماً غامضاً هو (عربي). ويرجع غموض اسم عربي إلى أنه ليس من الأسماء الروائية العربية الشائعة، بل هو صفة. كما أنه في رواية (أنت منذ اليوم) نكرة (عربي) وليس معرفة (العربي). فهل رغب الروائي في أن يجعل اسم شخصيته رمزاً لأي عربي لتكون التسمية منطلقاً لتأويلات القراء وتفسيراتهم وربطهم الاسم بدلالات الفوضى والهزيمة في المجتمع الروائي، أو أنه لم يقصد ذلك ؟. إنني ميّال إلى أنه أراد (الرمز)، ولكن منهجي بعيد عن التأويل، ومن ثَمَّ فإنني أعتقد بأن اسم عربي غامض لأن النص لم يقدّم ما يجعله واضحاً.  

 

وإذا غادرنا الاسم الشخصي إلى تصنيف شخصية (عربي) لاحظنا الغموض نفسه. ذلك أن الروائي التقليدي يُسمّي شخصياته ويطرحها مقرونة بمعلومات، ثم يروح في أثناء تحديده علاقاتها بالحوادث يُصنّفها ليوضّح آراءها ومواقفها وطبيعتها، لأن وضوح الشخصيات مقترن بتصنيفها، كما أن التصنيف مرتبط بالصراع. فهذا الصراع يسمح بتصنيف الشخصيات إلى خيِّرة وشرِّيرة، أو ذات مواقف متناقضة من الحوادث الروائيـة. وكلما نما الصراع وتعقّدت الحوادث زادت الشخصيات وضوحاً، لأن صراعها مع الشخصيات الأخرى كفيل بتوضيح آرائها ومعتقداتها ومواقفها. وليس هناك شيء من ذلك كله في رواية (أنت منذ اليوم). ففي شخصية عربي جوانب إيجابية وأخرى سلبية، ولكن الرواية لم تطرح (عربي) مقابلاً لأية شخصية أخرى، ولم تجعله ينخرط في أي صراع، ولم تتركه يتفاعل مع المشاهد والمقاطع الروائية ليؤثّر فيها ويتأثّر بها،  بل وضعته على هامش المشاهد والمقاطع يرى ويسمع ويتكلم وكأنه غريب عن المجتمع الذي يعيش فيه. إنه يمثّل نفسه كما تمثّل الشخصيات الأخرى أنفسها من غير احتكاك أو حوار أو لقاء روائي. لا تجذب شخصيته الآخرين إليها وتفرض عليهم سلطتها المعنوية النابعة من ثقافتها وقدرتها الخطابية، ولا تقف في مواجهة شخصية أخرى منفِّرة تخالفها الرأي والمزاج والموقف، فليس في النص صراع أو اختلاف أو نمو في الخط الدرامي. ولهذا السبب لا يعثر القارىء على أية محاولة لتوزيع الشخصيات وتصنيفها، مما حافظ على غموض شخصية عربي طوال النص.

 

أخلص من الحديث السابق إلى أن بناء شخصية (عربي) يختلف اختلافاً جذرياً عن بناء الشخصية في الرواية التقليدية. ففي بناء شخصيته عزوف عن (الوضوح) الذي يُعَدّ المعيار الأساسي للشخصية في الرواية التقليدية، واهتمام جلي (بالغموض) الذي يُعَدّ معياراً أساسياً في الرواية الجديدة. وقد دلّتني طريقة تقديم شخصية عربي بمقياسيها الكمي والنوعي على الأسلوب الذي اتبعه تيسير سبول لتوفير  (الغموض) لشخصيته الروائية، سواء أكان هذا الأسلوب إهمالاً للمعلومات أم تـثبيتاً لصفات عربي في مجتمع روائي يمور بالفوضى السياسية والاجتماعية والأخلاقية. كما دلّني الاسم الشخصي لعربي على محاولة أخرى لتعزيز الغموض في شخصيته. وقادني إهمال تصنيفه إلى الرغبة في نفي (الصراع) الذي يُعَدّ عاملاً حاسماً في توفير (المقروئية) والتشويق للرواية التقليدية .وإذا تذكّرنا هنا ما سبق قوله من أن هناك أربعاً وخمسين شخصية غير شخصية عربي وجب علينا تقديم تحليل آخر لبناء هذه الشخصيات لمعرفة موقعها من بناء شخصيـة عربي خصوصاً، ومن بناء الشخصية في الرواية التقليدية والجديدة عموماً.

لاحظتُ أن الشخصيات الأربع والخمسين تنضوي تحت ستة أنواع من الشخصيات، هي :

أ – الشخصية المعرَّفة بأل العهدية :

وهي ثماني عشرة شخصية : الجنرال – الزعيم – المؤذّن – الإمام – المعلّم – الشعراء – الطالب – المحارب – الخادمة – الديكتاتور – المجنون – الأدباء – الأديب – المعتقل – الأم – الأب – الابن – الخطيب.

ب – الشخصية المعرَّفة باسم علم أو كنية :

وهي ثلاث عشرة شخصية : هولاكو – صابر – أبو معروف – عائشة – عبد الكريم – حمد – ابن القاسم – عليّ – أم علي – أبو زهير –حمزة – عيسى.

ج – الشخصية المعرَّفة بالإضافة إلى معرفة :

وهي تسع شخصيات :خطباء الحزب – أعداء الأمة – مجلس الساهرين – صانعو المؤامرات – أعداء الشعب – أحد اللاجئين السياسيين – ضابط المخابرات – أمي – أبي.

د – الشخصية المعرَّفة الموصوفة :

وهي ست شخصيات : الإمام الأعظم – الرفيق المسؤول – الرفيق الكبير – الطلاب المؤمنون – الرجل الممتاز – الجنرال التتري.

هـ – الشخصية النكرة الموصوفة :

وهي خمس شخصيات : صبية سمراء – فتاة نظيفة الوجه – طالبة شعوبية – صديق قديم – مذيع غاضب.

و – الشخصية النكرة :

وهي أربع شخصيات : امرأة – مذيع – واحدة – رجل.

 

تشير الأنواع الستة إلى أن تيسير سبول ميّال إلى أن تكون الشخصية معرفة. فشخصيات الأنواع الأربعة الأولى معرفة، وهي خمس وأربعون شخصية. أما الشخصيات التسع الباقية فنكرة، ولكن خمساً منها نكرة موصوفة مما يُقرِّبها من المعرفة، والأربع الأخرى نكرة محض .بيد أن الاتجاه العام إلى إيراد الشخصيات معرفةً يُجَابه بسؤال مهم، هو : هل كانت الشخصيات معرفة بالنسبة إلى القارىء ؟. الواضح أن هناك شخصيتين معرفتين بالنسبة إلى القارىء، هما الشخصيتان التاريخيتان : هولاكو وابن القاسم. وقد أوردهما تيسير سبول ليعطي حاضر المجتمع الروائي امتداداً تاريخياً، وكأنه يرغب في القول إن القمع تاريخي في المجتمع العربي وليس ابن الحاضر وحده. وإذا أخلصتُ لمنهجي قلتُ إن شخصيتي هولاكو وابن القاسم لا تختلفان عن الشخصيات الأخرى في رواية (أنت منذ اليوم) لأن النص لم يُقدِّم ما يجعلهما معرفتين. والإشكال الخاص بهما لا يخرج عن أن الروائي يريد إيهام القـارىء بإحالته إلى مرجع تاريخي خارج النص الروائي، في حين يعدّهما مفهومي للنص ملفوظين يحيلان إلى دلالتهما النصية ليس غير.

 

مهما يكن الأمر فإنني استعملتُ المعرفة والنكرة بالمعنى النحوي لأصل إلى أن الشخصيات الأربع والخمسين نكرات بالنسبة إلى القارىء ومعارف بالنسبة إلى (عربي) بطل الرواية. فـ( أل) في شخصيات النوع الأول عهدية، ولكنها عهدية بالنسبة إلى عربي وحده. أما القارىء فلا يعرف مَنْ هو الجنرال أو الزعيم أو المؤذّن أو الإمام … ولهذا السبب لم تستطع الصفات تحديد الشخصيات في النوع الرابع، لأن عربي وحده يعرف مَنْ هو الإمام والرفيق والرجل … ولا يختلف الأمر بالنسبة إلى شخصيات النوع الثالث. فالمضاف لم يكتسب التعريف من المضاف إليه لأن (عربي) وحده يعرف المراد بالحزب والأمة والساهرين والشعب. كذلك الأمر بالنسبة إلى شخصيات النوع الثاني. فعربي وحده يعرف (صابراً وأبا معروف وعائشة وعبد الكريم وحمد …) وإنْ سُمِّيت الشخصيات هنا بأسماء علم أو قُدِّمتْ لها كنى محدّدة.  

 

أخلص من الملاحظة العامة السابقة إلى أن خمسين شخصية(47) من الشخصيات الأربـع والخمسين معرفة مرتبطة بعربي وهو شخصية غامضة في النص، مما يشير إلى أن تيسير سبول راغب في تعميم الغموض. وهذا استنتاج عام يمكنني تخصيصه بتحليل الشخصيات نفسها استناداً إلى الإجراءات النقدية الثلاثة التي لجأتُ إليها في تحليل بناء شخصية عربي.

 

إذا أنعمنا النظر في النص استطعنا تمييز الشخصيات الآتية :أبي – أمي – المحارب – صابر – عائشة – ضابط المخابرات. وقد استند تمييز هذه الشخصيات من الشخصيات الأخرى إلى أن النص قدَّم بعض المعلومات عنها ،في حين لم يُقدِّم أيـة معلومات عن الشخصيات الأخرى وعددها ثمان وأربعون شخصية. أما السلوكات الروائية فقد جعلها النص شاملة الشخصيات كلها. وهذا يسمح لي، ولو جزئياً، بالحديث عن طريقة تيسير سبول في تقديم الشخصيات الست التي ميَّزها من غيرها، ثم الحديث عن أسمائها وتصنيفها، على أن أفيد من هذا الحديث في الإشارة إلى السلوكات الروائية المشتركة بين الشخصيات كلها. 

 

التفت تيسير سبول في أثناء تقديمه كل شخصية من الشخصيات الست إلى المعلومات، فوصف الشكل الخارجي للشخصية أو طبيعتها الداخلية أو الاثنتين معاً على تفاوت في ذلك بين الشخصيات. وقد ركّز على (أبي)، فقال إن

لحيته الصغيرة بيضاء، ووجهه ناشف مدبّب(48). وهو نحيل ذو عينين كعيني الصقر(49). كما أنه قاس، ينهر ابنه(50) ويضرب زوجه كثيراً(51). هذه المعلومات المقدَّمة صراحةً عن (أبي) معزّزة بثلاثة مشاهد(52) يستمد القارىء منها ما يؤكد عنده الملامح الخارجية والداخلية الخاصة بقسوة (أبي) وسيطرته، وكأن هذه المشاهد تبث معلومات ضمنية تكشف عن مزاج (أبي) من خلال سلوكه الروائي، وتدل دلالة واضحة على أن العنف وسيلة تربية الأبناء. والمراد هنا تربية أبي عربي لابنه عربي، لأن (عربي) يستخدم لفظة (أبي) محيلاً إلى نفسه بضمير المتكلم. والواضح أن تيسير سبول رغب في تعميم أسلوب (أبي) في التربية، فقدَّم مشهد أبي علي(53) وهو يضرب ابنه لأنه اعترض على صعود أخته عائشة إلى غرفة عربي.

 

إن شخصية (أبي) كما دلنا المقياسان الكمي والنوعي واضحة. بل إنها أكثر وضوحاً من شخصية عربي، ولكن هذا الوضوح موظّف لتعميم دلالة الشخصية على اتخاذ العنف أسلوباً في التربية، وليس موظّفاً لتخصيصها بـ

(أبي). يشير إلى ذلك أن تيسير سبول لم يُسمّ هذه الشخصية باسم علم مقترن بنسبة، بل ربطها بعربي وهو شخصية غامضة في النص. كما أنه لم يذكر لفظة (أبي) على نحو آخر هو الكنية (أبو عربي) ليبعدها عن أي تخصيص. ونلاحظ، أخيراً، أن تيسير سبول لم يُصنّف شخصية (أبي) لرغبته في إبعادها عن الصراع ومواجهة الشخصيات وإبقائها في حدود دلالتها العامة على اتخاذ العنف أسلوباً في التربية .

 

ليست هناك معلومات كثيرة عن (أمي)، فهي كثيرة البكاء(54)، تحفظ عدداً كبيراً من الأقوال المكربة(55). يضربها زوجها (أبي) بحزام جلدي عريض(56). لقد قدَّم تيسير سبول هذه المعلومات عن (أمي)، ولم يجاوزها إلى المشاهد التي تُدقّق في مصادرها، ولكنه حرص على أن يذكر  (أمي) في المشاهد التي خصّصها (لأبي) .توضّح المعلومات استلاب (أمي) الفكري ،ويؤكد ذكرها في المشاهد الخاصة بأبي وعدم تخصيص مشاهد لها وحدها هذا الاستلاب والتبعية لأبي. وما ذكرتُه عن عدم تسمية (أبي) باسم علم أو كنية، وعدم تصنيفه، يصدق أيضاً على (أمي) ولا حاجة إلى تكراره ثانية. وكنتُ لاحظتُ تعميم أسلوب (أبي) في التربية بذكر أسلوب أبي علي، وههنا ألاحظ تعميم استلاب (أمي) الفكري بذكر الاستلاب الجنسي لعائشة. فعربي يمارس الجنس معها بمعرفة أبويها لقاء زيادة في أجر الغرفة. 

 

أما (المحارب) فقد شارك في قتال اليهود، وحين صدرت الأوامر بوقف الرماية لم ينصع لها فكادوا يعدمونه(57) .وقد انصرف بعد عودته إلى معاقرة الخمرة مع زميليه في الجندية(58) .وما إنْ توفي  (أبي)(59) ودُفن حتى استولى المحارب على البيت والفرس والبارودة ضارباً عرض الحائط بحقوق أمه وأخواته وأخيه .هذا الانتقال في شخصية (المحارب) من الإخلاص في الحرب إلى الانصراف للخمرة ثم التدني الأخلاقي والأنانية يضفي بعض الوضوح على (المحارب)، ولكن هذا الوضوح – شأنه شأن الوضوح في شخصية أبي وأمي وعائشة – موظّف لتعميم الدلالة، ولهذا السبب لم تُمْنَح هذه الشخصية اسماً ولم تُصنَّف. ويصدق الأمـر نفسه على ضابـط المخابرات. فهو (رجل وسيم ناعم الشعر أسوده)(60)، ولكنه يُعذِّب المعتقلين(61) ويُهدّد (عربي) بمنع توظيفه إذا لم يُقدّم له قائمة بأسماء أعضاء الحزب(62). وقد وردت في النص عبارة تُعمِّم دلالة ضابط المخابرات ولا تُخصّصها، هي : (إنه مثل زميله في المهنة هناك ،ورغم عداوتهما الظاهرة. إنهما معاً يتدخلان في شؤوني الخاصة)(63).

 

تُمثّل الشخصيات الست تعميماً لحالات تربويـة ونفسية وعسكرية وقمعية سائدة في المجتمع الروائي. وقد لجأ تيسير سبول في بنائها إلى تقديمها بوساطة المعلومات والمشاهد ،ولكنه حجب عن أربع منها الاسم الشخصي، وحجب عنها كلها النسبة والتصنيف ليجعلها عامة غير خاصة بأصحابها. وزاد في غموضها حين ربطها بعربي الغامـض من غير أن يسمح له بالتأثّر بها أو التأثير فيها. أما الشخصيات الأخرى، وعددها ثمان وأربعون شخصية، فلم يُقدّم تيسير سبول حولها أية معلومات، ولكنه جعل سلوكاتها الروائية تلتقي سلوكات الشخصيات الست. تلك حال المذيع وخطباء الحزب والرفيق المسؤول وغيرهم. كلُّ شخصية تُعمّم بسلوكها الروائي شيئاً يُعزّز الفوضى في المجتمع الروائي ،وتبقى غامضة لا يعرفها أحد غير عربي الغامض.

 

ومن المفيد، في خواتيم حديثي عن الشخصيـة، الإشارة إلى دلالة اختيار أسماء العلم في النوع الثاني. ففي هذا النوع اثنتا عشرة شخصية سُمِّيت كل شخصية منها باسم علم أو بكنية. ولاختيار هذه الأسماء والكنى دلالة واضحة هي استمرار النسق الثقافي القديم حيّاً فاعلاً مؤثّراً. ذلك أن أربعة أسماء مستمدة من الرسل والصحابة (عيسى – حمزة – علي – عائشة)، واسمين مستمدين من التاريخ  (هولاكو – ابن القاسم)، واسماً عُبِّد (عبد الكريم)، وثلاث كنى (أم علي – أبو زهير – أبو معروف) بينها كنيتان فيهما اسم صحابي (علي) واسم شاعر جاهلي (زهير) … ولم يختر تيسير سبول في مقابل ذلك غير اسمين من الحياة المعاصرة له (صابر – حمد)، مما يدل على أن النسق الثقافي العربي القديم تسرَّب إلى التحديث الذي حرص عليـه تيسير سبول معبّراً عما يعتمل في الواقع الخارجي الحقيقي من سيطرة الماضي على الحاضر.

 

3 – الرّاوي :

يرتبط الحديث عن الراوي بالعالم المروي نفسه(64). وقد اعتدنا أن تضم الرواية التقليدية مكوّنين أساسيين هما : الشخصية والحدث، وأن تنهض استناداً إلى علاقة الشخصيات بالحوادث، وإلى ترابط الحوادث وتماسكها. ولكن تيسير سبول قدَّم في روايته (أنت منذ اليوم) أول خرق حقيقي لهذا التقليد الروائي السائد. ذلك أنه بنى روايته استناداً إلى المشاهد والمقاطع السردية والحوارية التي انفصل بعضها عن بعض .ولسنا قادرين في هذه الحال على تسمية المشاهد والمقاطع حوادث ،لأنها ليست أفعالاً روائية مترابطة تخلقها الشخصيات وتتأثر بها وتتغيّر نتيجة تفاعلها معها، بل هي مشاهد تصويرية لحالات اجتماعية متباينة ينتمي بعضها إلى الماضي وبعضها الآخر إلى الحاضر، من غير أن يرتبط السابق باللاحق بغية بناء خط درامي يقود إلى نهاية محدّدة. وقد نهض الراوي بمهمة بناء رواية (أنت منذ اليوم) على هذا النحو، ومن ثَمَّ يُعدّ تحليل علاقته بما رواه تحليلاً للبناء الروائي نفسه.

 

تضم رواية (أنت منذ اليوم) راويين : الأول راو ممثَّل، سمّاه واين بوث (الأنا الثانية للكاتب) أو (الكاتب الضمني)(65)، وسمّاه عبد الله إبراهيم (المصاحب)(66). وقد نبعت هذه التسميات من أن موقف الروائي هو موقف المشارك المنحاز الذي اتخذ لنفسه موقعاً محدّداً فجعل راويه يحل في شخصية عربي ويروي بضمير المتكلم. والراوي الثاني راو عالم بكل شيء ينم على أن الروائي رغب في موقف الحياد التام واللاموقع، فأطلق في الرواية راوياً ينقل إلى القارىء ما يرغب الروائي في نقله إليه. والحق أن تحديد الراويين على النحو السابق ينسجم والتحديد النقدي للرواة، ويدل على شيء شائع في الرواية العربية التقليدية هو الجمع بين نوعين من الرواة ينمان على موقفين مختلفين للروائي، هما موقف المشارك المنحاز وموقف الحيادي، كما ينمان على الموقع واللاموقع في الوقت نفسه. ولكن إنعام النظر في علاقة هذين الراويين بالمشاهد والمقاطع سيقودنا إلى تعديل تسمية الراوي العالم، وإلى خرق الموقفين والموقعين  المتباينين للروائي مما يُعدّ خرقاً للرواية التقليدية نفسها. وقد آثرتُ، بغية تحقيق هدفي، تحليل المشهد والمقطعين السرديين الآتيين :

 

أ – مشهد قتل القطّة :

( رأيته من النافذة واقفاً بباب المطبخ وبيده العصا، ينظر شمالاً من حيث أتت، بيضاء منسابة الخطو، وفمها يتلمظ. خشيت أنها قد تدخل الصالون فقرّرت أن أخرج .رآني أنسحب فأشار واضعاً إصبعه أمام فمه، وبيده الأخرى أمرني أن أبقى حيث أنا. سار نحونا فعرفت أن القطة قد دخلت وأن العمليّة ستبدأ. لا أريد أن أراها. سمعته يصفق الباب فعبرت إلى الصالون وهناك التقينا الثلاثة ولا مجال للخروج. تلمّستِ الزّوايا وهي تموء بخوف. تبعها وضربها قاصداً الرّأس فأصاب الظّهر. تدحرج جسدها مرّتين ولاذت بالنافذة. وسمعتُ صوت مخالبها المحتكة بالزجاج. قفزتْ، فضربها وأصاب الرّأس، فنفر دمها ورشّ الأرض .ارتدّتْ إلى النافذة الثانية تموء عالياً، واحتكّتْ مخالبها بالزّجاج. وعاجلها على الرّأس بضربة أخرى. سمعتُ صوت تنفّسها المختلط بسائل الدّم. وانتفضت نفضات سريعة واستلقت وجنتها على الأرض. ونفض أنفها مزيداً من الدّم، ثم سكنت .. عيناها ظلتا مفتوحتين.)(67)

 

قدّم الراوي الممثَّل بعربي هذا المشهد مستخدماً ضمير المتكلم. وقد افتتحه بفعل (رأيته) للدلالة على أن ما سيرويه مرئي بالنسبة إليه وليس بعيداً عنه، مما يمنح القارىء ثقة بالمروي. ثم نصَّ على أن أباه أمره أن يبقى حيث هو، وأن الثلاثة (الأب والراوي والقطة) اجتمعوا في (الصالون) ولا مجال لخروج أحدهم، بغية توكيد ثقة القارىء بأن المروي نابع من رؤية الراوي. والواضح أن الراوي الممثَّل لم يتدخّل في عملية قتل القطة، بل كان شاهداً على ذلك ليس غير. ومعنى ذلك أنه لا يروي شيئاً يخصُّه، ولا يُحلّله ،بل يروي شيئاً يخصّ أباه وينم على قسوته من غير أن يُحلّله ويذكر رأيه فيه. إنه يكتفي بفعلي (رأيتُ وسمعتُ) لأنه شاهد يرى ويسمع ليس غير. وقد عوّدنا الراوي الممثَّل أن يروي ما جرى له ،ويحلله ليقدّم رأيه فيه، ولكن الراوي الممثَّل لم ينهض هنا بوظيفته المعتادة، بل راح يصطنع وظيفة جديدة هي الشهادة ليوضّح للقارىء طبيعة أبيه، محافظاً في الوقت نفسه على المسافة بينه وبين المشهد.

 

ب – المقطع السّرديّ الأوّل :

( أدّى الولد صلاة العشاء وجلس مثقلاً. سمع صوت أبيه آتياً من صحن الدار يحدّث مجلس الساهرين بقصة زواجه. قصة سمعها عربي مرة بعد مرة تُروى للساهرين. فضجر وخجل منها. قرأ في كتاب الدين صفحات لم يشرحها الشيخ بعد، وفهم أنّ ما من امرىء مؤمن ذكر الله وحيداً فبكى من خشية الله إلا وأدخله الله الجنة. لقد أدّى فريضة العشاء وهي واضحة محدّدة، إلا أنه لم يكن يشعر برغبة في البكاء فأسف)(68).

قدّم الراوي العالِم بكل شيء هذا المقطع السردي لينقل إلى القارىء شيئاً عن طبيعة عربي عندما كان طفلاً. هذا الراوي لا يُسْأل عن مصدر معرفته، فهو عالم بكل شيء ،يعرف أن الولد جلس مثقلاً بعد أدائه صلاة العشاء، وأنه سمع أباه وهو يحدّث الساهرين عن قصة زواجه، وأنه سمع هذه القصة مرات فضجر وخجل، ثم قرأ صفحات في كتاب الدين لم يشرحها الشيخ بعد وفهم المراد منها ولكنه لم يشعر برغبة في البكاء فأسف لذلك … إن هذا المقطع السردي قصير ولكنه يضم سبعة أفعال واسمين لا يعرفها إلا صاحبها عربي. كما أن عربي وحده يعرف أن الشيخ لم يشرح الصفحات التي قرأها. بيد أن عربي لم ينقل إلى القارىء ما يعرفه لأن الراوي العالم نهض بهذه المهمة التي تمرّس بها في الرواية التقليدية مُسقِطاً المسافة بينه وبين ما يرويه.

 

ج – المقطع السّرديّ الثّاني :

( فيما كان خطباء الحزب يحدّدون أعداء الأمة ويرسمون معالم الوحدة العربية الصحيحة، جلسا يشربان العرق في البار الصغير الذي ليس أكثر من غرفة شحيحة الضوء. لغير ما سبب واضح يفضّل عربي هذا البار. أبو معروف أقلّ أصحاب المهنة اكتراثاً بالزبائن. مازاته قليلة .إذا استزدته قدّم لك القليل ووجهه واضح الاستياء. لكنه مكان مناسب. تحدّث عربي عن مصرع القطة. وتحدّث عن أماسي رمضان في القرية، وعن أبيه النحيل ذي العينين كعيني الصقر. سرد قصة الخناجر الست، والحزام الجلدي العريض الذي يثنيه عندما يضرب زوجاته به ليكون أشد وقعاً. رآه عربي يستعمل الحزام الجلدي كثيراً. لم يره في الهجيج إبّان رحيل بني عثمـان، إلا أن الرواة أكدوا أنـه رجل بندقيـة ممتاز)(69).

 

الراوي في هذا المقطع السردي هو الراوي العالِم نفسه ،ولكن وظيفته تغيّرت تغيُّراً واضحاً. فهو يسرد، هنا، شيئاً يتعلق بعربي من غير استعمال للأفعال التي تنم على معرفته بدخيلته، ومن دون أن يحلّل ما يرويه ويبيّن دلالته على طبيعة عربي. بل إنه أبقى على المسافة بينه وبين ما يرويه، وشرع ينقل إلى القارىء معلناً جهله (لغير ما سبب واضح يفضّل عربي هذا البار) ونقله المرويّ عن آخرين (الرواة أكدوا أنه رجل بندقية ممتاز) … ومن ثَمَّ بدا راوياً محدود المعرفة، شاهداً على ما حدث في البار .فعربي هو الذي تحدّث وهو الذي رأى وهو الذي سرد. وما فعله الراوي لا يجاوز نقل ما فعله عربي إلى القارىء، أيْ أنه راو شاهد ليس غير.

 

لا تخرج علاقة الراويين بما يرويانه عمّا ذكرته في أثناء الحديث عن المشهد والمقطعين السرديين. فالراوي العالِم بكل شيء العريق في الرواية التقليدية حاضر في رواية (أنت منذ اليوم)، ينقل إلى القارىء ما يتعلق بعربي وما يدور حوله، ويجاوز ذلك إلى دخيلتـه، فينصّ على أنه (سمع وفكّر وشعر وسُرَّ ولاحظ وأحبَّ وسئم …). كما ينصّ على حركته في الزمان والمكان. ولكن الجديد في رواية (أنت منذ اليوم) هو تقليص معرفة هذا الراوي بدخيلة عربي، حتى إنني لم أعثر في النص على أفعال كثيرة تشبه ما ذكرته هنا وفي المثال (ب)(70). وهذا التقليص في معرفة الراوي العالِم ليس هيِّناً إذا تذكّرنا حرية الحركة التي تمتّع بها في الرواية التقليدية. ولابدّ من أن نلاحظ شيئاً آخر جديداً أصاب الراوي العالِم ،هو تغيير وظيفته من سرد الحوادث وتحليلها والاندماج بها إلى وظيفة الشاهـد الذي يكتفي بالنقل من غير اندماج بالمروي أو تحليل له. ومن ثَمَّ نراه يُكثر من استعمال فعل  (قال). وهذه أمثلة على استعماله هذا الفعل :

-           قال عربي إن أمه (ص 10)

-           قال عربي إنه يذكر (ص 11)

-           قال عربي إنها فتاة ممتازة (ص 12)(71)

-           قال صابر إن هذه (ص 12)

-           قال صابر إنه يؤمن (ص 15)

-           قال المذيع (ص 23)(72)

-           قال الرفيق المسؤول (ص 23)

-           قال الأديب (ص 27)

-           قال الزعيم (ص 33)

هناك استعمالات أخرى للفعل (قال) من نحو :قالوا – قلتُ – قالتْ … ليس من المهم إيرادها كلها، بل المهم دلالتها على أن الراوي صرّح بوساطتها بأنه مجرد ناقل للقول وشاهد عليه. كذلك الأمر بالنسبة إلى الأفعال الأخرى التي استعملها الراوي الشاهد (رأى – سمع – قرأ …)، فهي كلها تؤكد حرصه على وظيفة النقل والشهادة على ما يجري في العالم الروائي، من غير تحليل للمنقول أو أية محاولة للاندماج به. ولو دقّقنا في الأمكنة التي مارس الراوي العالِم مهمته القديمة فيها لاكتشفنا أنها خاصة بعربي وحده تقريباً، مما قادني إلى استنـتاج محدّد هو أن الراوي استعمل وظيفته القديمة ليعزّز حياد عربي تجاه ما يجري حولـه. وإذا كان هذا الاستنتاج سليماً بدت وظيفة الشاهد أساسية ووظيفة العالِم فرعية ،ولكنني آثرتُ عدم الاستسلام لهذا الاستنتاج تبعاً لملاحظتي أفعالاً تنم على شخصيات أخرى غير عربي استعملها الراوي العالِم على قلّة. 

 

على أنه من المفيد أن نلاحظ طريقة النقل التي لجأ إليها الراوي الشاهد. ذلك أنه في رواية (أنت منذ اليوم) لم ينقل مشاهد ومقاطع يأخذ بعضها برقاب بعض، بل راح ينقل مشهداً من هنا وآخر من هناك، ويرصف المشاهد والمقاطع في سياق لا ينم ظاهره على الترابط ولكن جوهره يدل دلالة واضحة على الفوضى. وهذه الطريقة في النقل جديدة في الرواية العربية، تسعى إلى تجريب شكل غير مألوف، وتستدعي راوياً شاهداً ينثر المشاهد والمقاطع من غير أن يربط بينها ومن غير أن يُفْقِدها الإيحاء في الوقت نفسه، إضافة إلى أن هذا الشكل يحتاج إلى قارىء يُعْمِل فكره في المقروء ليقع على دلالته.

 

مهما يكن الأمر فإن الراوي العالِم حاضر في النص، ولكنه مقيّد الحركة. وقد اقترن هذا التقييد بوظيفـة الشاهد الجديدة، مما يسمح بتعديل المصطلح القديم فيصبح (الراوي العالِم الشاهد) بدلاً من (الراوي العالِم بكلِّ شيء)، من غير تعديل في موقف الحياد الذي اختاره الروائي.

 

ثم إن تحليلي المشاهد دلّني على أن الراوي الممثَّل بشخصية عربي راو شاهد أيضاً .فهو يروي ما يراه وما يسمعه من غير اندماج فيه أو تحليل لـه. فعربي شاهد على ما يجري حوله وليس مشاركاً فيه. وقد لاحظتُ في مشهد قتل القطة استعماله فعلي (رأيتُ وسمعتُ). ويمكنني القول هنا إن هذين الفعلين هما الفعلان السائدان في الأمكنة التي رواها عربي بضمير المتكلم.

 

فقد استعمل فعل (رأيتُ) ثلاثين مرة، وذكر صياغات أخرى للفعل نفسه ستاً وعشرين مرة(73). كما استعمل فعل (سمعتُ) عشر مرات، ولكنه نوَّع صياغاته عشرين مرة(74). إنه راو شاهد ينقل ما يسمع وما يرى، ونادراً ما استعمل فعل (قلتُ) لأنه لا يرغب في المشاركة. وهذه الوظيفة، وظيفة النقل، مغايرة للوظيفة المعروفة للراوي الممثَّل وهي رواية الحوادث من وجهة نظره. صحيح أن عربي مشارك ولكنه ليس مشاركاً منحازاً كما هي حال الراوي الممثَّل في الرواية التقليدية، بل هو مشارك حيادي ناقل شاهد ليس غير. وهذا خرق واضح للتقليد الروائي العربي، لا ينم على تغيير وظيفة الراوي الممثَّل فحسب، بل ينم على تغيير في موقف الروائي نفسه، فهو حيادي وليس مشاركاً. أو فَلْنَقُل إن شكله ينم على أنه مشارك ووظيفته تدل على أنه شاهد. وقد لاحظتُ الأمر نفسه في أثناء حديثي عن الراوي العالِم، فهو راو شاهد غالباً وعالِم أحياناً، والروائي حيادي دائماً. وهذا يعني أننا لسنا أمام موقفين متغايرين للروائي تيسير سبول، بل نحن أمام موقف واحد هو موقف الحياد. كما أننا لسنا أمام راويين مختلفين في الوظيفة بل نحن أمام راويين يؤديان وظيفة واحدة هي وظيفة الشاهد.

*

وبعد، فقد دلّني تحليل الشخصية والراوي على طبيعة البناء الروائي في (أنت منذ اليوم). فهو بناء جديد بالنسبة إلى الرواية العربية، لا ينهض استناداً إلى مجموعة من الحوادث المترابطة والشخصيات المتباينة وما ينتج منها من صراع ومغزى وتشويق، بل ينهض استناداً إلى مجموعة من المشاهد والمقاطع يدل كلّ منها على جانب من جوانب الفوضى في الحياة السياسية والاجتماعية والأخلاقية. وقد شكّلت هذه الفوضى طبيعة المجتمع الروائي، وكان انفصال المشاهد والمقاطع عن بعضها بعضاً، وتجاورها من غير ارتباط أو نظام محدّد، تعبيراً عن فوضى في الشكل الروائي منسجمة والفوضى في المضمون الاجتماعي والسياسي والأخلاقي للنص. وقد سعى الروائي تيسير سبول إلى جعل المشاهد والمقاطع واضحة الدلالة ،وحرص في الوقت نفسه على أن تنهض بهذه المشاهد والمقاطع شخصيات تتصف بالغموض، لا يعرفها غير البطل المحوري عربي، وهو شخصية غامضة أيضاً. وكأن السعي كله متجه إلى تعميم الدلالة لا تخصيصها. 

 

ولاحظتُ أيضاً أن هناك مكوّنين روائيين أساسيين في (أنت منذ اليوم)، هما الراوي الممثَّل الذي حلَّ في شخصية (عربي) ودفعها إلى الحديث بضمير المتكلم، والراوي العالِم الذي يتحرك في الأمكنة وبين الشخصيات. وقد بدا الراويان أول وهلة متعارضين لأنهما يدلان على موقعين وموقفين متباينين للروائي تيسير سبول، ولكن تحليل علاقتهما بالمشاهد والمقاطع دلّني على أنهما يؤديان وظيفة واحدة هي وظيفة الشاهد، ويدلان على أن الروائي تيسير سبول آثر موقع الاختفاء التام وموقف الحياد. واستنتجتُ من تحليل الراويين أنهما متكاملان في أداء وظيفة الشاهد. فالراوي الممثَّل المختفي وراء شخصية عربي قدّم مروياته من خلال تحييد عربي وتثبيت صفاته وتسليط الضوء على الأمور المحيطة به، من غير أية محاولة لدفع عربي إلى التأثُّر أو السماح للمشاهد والمقاطع بنقل شخصيته من الغموض إلى الوضوح بغية المحافظة على التناقض بين غموض شخصيته ووضوح المجتمع الروائي المحيط به. أما الراوي العالِم فقد قلّص تيسير سبول معرفته وأفاد من حريته في الحركة. فهو راو عالم بما سمع عربي ورأى غالباً ،وبما فهم وفكّر وظن أحياناً من غير أن تمتد معرفته إلى دخيلة أية شخصية أخرى .والراوي العالِم، من هذه الناحية، يكاد ينصرف إلى عربي وحده. بيد أن تيسير سبول عدَّل وظيفة الراوي العالِم من المعرفة الشاملة الخارجية والداخلية إلى وظيفة الشاهد الذي يقتصر على نقل ما تقوله الشخصيات الأخرى من دون أية محاولة للاندماج في مروياته أو تحليلها أو الإيحاء بدلالاتها. واتضح لي أن وظيفة الشاهد أكثر وضوحاً وامتداداً من وظيفة العالِم ولكنها لم تقض عليها، مما جعلني أعدّل تسمية (الراوي العالِم بكلّ شيء) فأجعلها  (الراوي العالِم الشاهد). كما اتضح لي أن الراويين متكاملان، لأن الراوي الممثَّل عُني بما سمع عربي ورأى وحده، في حين عُني الراوي الشاهد بما قال الآخرون وفعلوا. واتضح لي أيضاً أن دلالة المشاهد والمقاطع الحوارية الخاصة بعربي لا تختلف عن دلالة المقاطع السردية الخاصـة بالشخصيات الأخرى، بل هي دلالة واحدة على انهيار المجتمع الروائي وفوضاه.

 

وقادني التحليل إلى أن رواية (أنت منذ اليوم) خرقت الرواية التقليدية واتجهت إلى الرواية الجديدة، فاستبدلت بالوضوح الغموض في الشخصيات، وبالحوادث المقاطع والمشاهد، وبالصراع الدلالة. كما قدّمت الراوي الشاهد، وقلّصت الراوي العالِم بكل شيء، ونجحت في إخفاء الروائي، وعبّرت بوساطة ذلك كله عن ريادتها في تحديث الرواية العربية.

 

 

الشخصية والرّحلة الروائيّة :

 

لا يلتفت تحليل الحكاية الروائيّة هنا، في رواية (المسافرة)(75)، إلى كونها حقيقيّة أو غير حقيقيّة، بل يجاوز ذلك إلى أن الرواية نصّ متخيَّل وإنْ ضمَّ حديث الراوي إشارات إلى الأستاذ  تطابق بعضاً مما عرفته حياة شوقي بغدادي مؤلِّف الرواية، وخصوصاً ما أشارت مقدمة الرواية إليه(76). ذلك لأن شكل هذه الرواية، وهو شكل الرِّحلة، يُغري بالتحليل. فكتب الرحلات تنهض استناداً إلى ثبات الشخصية وتغيُّر الأمكنة، ولكنّ رواية (المسافرة) تُوهم القارىء بتغيُّر الشخصيات والمكان معاً، حتى إذا فرغت من إيهامها كشفت عن مغزى آخر يرجع بالنصّ إلى مثل ما بدأ به. وهذا ما يُشجِّع على تحليل بناء الرحلة الروائيـة فيها، وإنْ لم يتسع لمقارنتها بمثيلاتها، كرواية (السفينة) لجبرا إبراهيم جبرا، وروايات عبد الكريم ناصيف (المخطوفون – الصعود – البحث عن نجم القطب). 

 

1 – البناء العامّ للرِّحلة : 

من المفيد، بادىء الأمر، الإشارة إلى أن بناء رواية (المسافرة) يضمُّ قسمين : الأول (رفاق السَّفَر)، والثاني (السَّفَر). أما القسم الأول فيضم ستة أقسام فرعية، لكلِّ قسم عنوان محدَّد. وهذه العنوانات هي : الأستاذ – عريفة – أحمد – ناظم – سليم – الفتى الحلبي - الفتى الحوراني. وأما القسم الثاني فقد خلا من الأقسام وبدا نصاً سردياً متصلاً. وهذا الأمر يحتاج إلى تعليل فني ؛ لأن الأقسام الفرعيّة في القسم الأول من الرواية تبدو غير مترابطة إذا لم ينعم القارىء النظر في الرواية. فكلُّ قسم يسرد سيرة إحدى الشخصيات، وليس هنـاك من رابط بين السِّيَر الروائية غير رحلة كلٍّ منها إلى بيروت. أما لقاء هذه الشخصيات فيتحقَّق في القسم الثاني من الرواية المعنون بالسَّفَر. ففي أثناء السفر على متن إحدى الشاحنات العسكرية تُقام علاقاتٌ بين شخصياتٍ لم تكن تعرف بعضها بعضاً في القسم الأول من الرواية. وقد يعتقد القارىء أن القسم الأول من الرواية فضلة، يمكن التنازل عنه لأنه لم يخدم النص الروائي تبعاً لفقدان العلاقة بين سير الشخصيات فيه.

 

على أنني أعتقد بأن فهم بناء روايـة (المسافرة) استناداً إلى شكل (الرحلة) يُعلِّل الجزئيّات الروائية، ويضعها في مكانها الملائم من الجسد الروائي، ويُوضِّـح الأمر الجوهري الخاص بدلالة الشكل الروائي للرحلة على أمر إنساني، هو أن الناس الذين يجتمعون في ظرف استثنائي يسلكون سلوكاً استثنائياً. فإذا تحرّروا من هذا الظرف الاستثنائي رجع سلوكهم إلى طبيعته. وتتجسَّد دلالة هذا الشكل الروائي، أو المغزى العام للرواية، في القسم الثاني من الرواية، وتضفي على النص التماسك وتُفسِّر تأثيره الجماليّ في القارىء. ذلك أن القسم الأول بأقسامه الفرعية الستة المتباينة في موضوعاتها يضم شيئاً واحداً هو رحلة الشخصية إلى بيروت. وكلُّ رحلة تحتاج إلى حوافز تبـدو متناقضة بين الشخصيات، ولكنها تُعلّل أسباب الرحلـة، وتُقدِّم الدوافع الخاصة لها. فالحافز لدى الأستاذ هو إلقاء كلمة في ذكرى أحد زعماء لبنان الوطنيين الراحلين، ولدى عريفة وأحمد والفتى الحوراني العمل في لبنان، ولدى ناظم دخول مستشفى الأمراض العقليـة، ولدى الفتى الحلبي السياحة وملاحقة النساء، ولدى سليم تهريب المخدرات.

 

وإذاً، فهناك حوافز للرحلة إلى بيروت وليس هناك حافز واحد. ذلك لأن شوقي بغدادي لا يرغب في أن تكون الرحلـة الروائية مجرد انتقال جسديّ للشخصيات إلى بيروت، فهذا الانتقال بديهي، ولهذا السبب لم يتحدّث عنه مكتفياً بإشارة في كل قسم فرعيّ إلى أن الشخصية رحلت إلى بيروت، بل يرغب في تقديم حافز روائي تَعُدُّه الشخصية قراراً تتخذه استناداً إلى حياتها السابقة كلها، وهي تأمل في أن يؤدي ذلك إلى تغيير ما في حياتها. ويعني ذلك أن هناك حاجة روائية إلى توضيح ماضي الشخصيـة، ففي هذا الماضي تعليل للحافز وبيان لحاضر الشخصية بعد ذلك. وإذا حلّلنا الأقسام الفرعية الستة استناداً إلى هذه الحاجـة الروائية لاحظنا أن بناءها واحد على الرغم من اختلاف مضامينها. فكل قسم منها يسرد ثلاثة أشياء : ماضي الشخصية الذي بلور حافز الرحلة إلى بيروت، وحاضرها في بيروت أو ما فعلته فيها بعد وصولها إليها، ثم نهايتها في بيروت بالقبض عليها وزجّها في السجن تمهيداً لترحيلها عـن لبنان. وهناك، في كل قسم، ارتباط بين الأشياء الثلاثة : ماضي الشخصية وحاضرها في بيروت ونهايتها في السجن. فحافز الرحلة ينبع من الماضي، والماضي يُقرِّر حاضر الشخصية ويُمهِّد لنهايتها ؛ أي أن هناك ارتباطاً بين ماضي الشخصية وحاضرها ونهايتها يحكمه الحافز ويُحدِّد سلوكـه الروائي. وإذا بدا الحافز واحداً، كما هي حاله لدى عريفة وأحمد والفتى الحوراني، فإن التحليل يُفضي إلى غير ذلك، وهذا شيء بديهي في الرواية لئلا تتعدَّد الشخصيات الروائية وتتّفق وظائفها.

 

فالعمل هو حافز عريفة وأحمد والفتى الحوراني إلى الرحلة إلى بيروت. ولكنّ عريفة سيقت إلى بيروت وهي فتاة صغيرة في الثامنة من عمرها لتعمل خادمة ؛ أي أن حافز العمل يكمن وراء رحلتها إلى بيروت، ولكنّ أباها ساقها إلى بيروت مرغمة، وشرع يُبدِّل مكان خدمتها حسب مشيئته إلى أن نضجت عريفة وتمرّدت على واقعها وبدأت تُوظِّف عملها لحسابها الخاص مستعينة بجسدها. وحين بدأت تفعل ذلك قبضت عليها شرطة الآداب وزجَّتها في السجن تمهيداً لترحيلها عن لبنان. أما أحمد فقد كان يرنو إلى بيروت ؛ لأنها مدينة كبيرة تُحقِّق طموحاته. وقد زارها مرة فبقي حلم العودة إليها يراوده طوال ثلاث سنوات، وهو الفتى القوي الذي شجَّعه رفاق السوء على استعمال عضلاته في حلِّ مشكلاته وفي السيطرة على الآخرين، حتى إذا توفِّي أبوه وأمّه لم يبق لديه ما يربطه بمدينته حمص فرحل إلى بيروت وراح يجعل من عضلاته وسيلة عيشه. وحين تمادى في التباهي بقوته والاستهانة بمنافسيه من القبضايات زلّت قدمه، فاصطدم برجل من أتباع زعيم سياسي كبير، وكاد الصدام يودي بحياته لولا الشرطة التي قبضت عليه وزجّت به في السجن تمهيداً لترحيله عن لبنان. وأما الفتى الحوراني فقد رحل إلى بيروت ليعمل ؛ لأن العمل قيمة، وليس من المفيد بالنسبة إليه أن يضيع وقت الإنسان سدى، أو في البحث عن عمل معيَّن. وعلى الرغم من أن نظرته إلى العمل جادّة فإنه أخطأ في الاختيار ، إذ راح يبيع الدخان المهرَّب، فوقع بين يدي الشرطـة المكلَّفة بمكافحة التهريب، وسيق إلى السجن تمهيداً لترحيله عن لبنان.

 

وإذا كان الحافز الذي بدا واحداً ينمّ على التنوُّع والاختلاف، فمن البديهي أن تدل حوافز الشخصيات الأخرى على التنوّع والاختلاف ذاته. فقد رحل الأستاذ إلى بيروت ليلقي كلمة في حفل خطابي، ولكنّه قدَّم كلمة عنيفة، فقبض عليه رجال المباحث وزجّوه في السجن تمهيداً لترحيله عن لبنان. والفتى الحلبي مراهق رحل إلى بيروت ليتمتَّع بملذاتها ويُلاحق نساءها، وحين تحرَّش بإحدى الفتيات قبضت الشرطة عليه وزجّت به في السجن تمهيداً لترحيله عن لبنان. وناظم فتى أُصيب في مدينة حماة بمرض عصبي نتيجة الاعتداء عليه، فسيق إلى لبنان مرغماً ليقيم في مشفى تابع لأحد الأديرة، ولكنّه تمرّد على إرغامه على البقاء في المشفى فهرب فقبضت الشرطة عليه وزجّت به في السجن تمهيداً لترحيله عن لبنان. وسليم شاب انحرف وهو فتى، فهرب من منـزل أسرته وعاقر الخمرة وتعاطى المخدِّرات، ثم رحل إلى لبنـان بغية الاتساع في بيع المخدّرات، فقبضت عليه الشرطة وزجّت به في السجن تمهيداً لترحيله عن لبنان.

 

إن تنوّع الحوافز واختلافها لا يلغي اتفاقها في الدلالة على أن الماضي يصنع الحاضر، ولكنّ مصير الحاضر غير مرتبط ارتباطاً حتمياً بطبيعة الماضي. فقد رحل الأستـاذ إلى لبنان ليحقّق غرضاً ثقافياً، ورحل الفتى الحوراني إلى لبنان ليكسب مالاً يستعين به على أمور معيشته. وقد نبع هذان الهدفان الإيجابيان من ماض نقيّ ولكنّ صاحبيهما انتهيا إلى السجن. وفي مقابل ذلك رحلت عريفة إلى لبنان مرغمة وانتهت إلى السجن، ورحل ناظم إلى لبنان مرغماً وهو مريض وانتهى إلى السجن، ورحل أحمـد وسليم إلى لبنان وهمـا سلبيان ولكنهما انتهيا إلى السجن  أيضاً. كما رحل الفتى الحلبي المراهق إلى لبنان للحصول على المتعة فانتهى إلى السجن. ولو كان الماضي الذي يصنع الحاضر دليلاً على المصير الذي ينتهي إليه الإنسان لما كانت نهاية الشخصيات الروائية واحدة. هل رغب شوقي بغدادي في القول إن الإنسان الذي لا يتقيَّد بقوانين الدولة التي يحلُّ فيها ينتهي نهاية سيئة مهما يكن الحافز الذي دفعه إلى الرحلة إلى هذه الدولة ؟. إن القسم الأول من رواية  المسافرة يشير إلى هذه الدلالة، في حين يُشكِّل القسم الثاني حاضرها ؛ حاضر ترحيل الشخصيات من لبنان على متن إحدى السيارات العسكرية. 

 

يختلف بناء القسم الثاني من الرواية (السَّفَر) عن بناء القسم الأول اختلافاً واضحاً. فهو دفقة سردية واحدة تتكفَّل بتوضيح العلاقات بين الشخصيات السبع (ستة ذكور وفتاة) المبعدة من لبنان، فضلاً عن العلاقات بين أربعـة من الدرك توزّعوا في الزوايا الأربع للسيارة الشاحنة، وجلس رئيسهم (العريف) إلى جانب السائق. انطلقت الشاحنة في رحلة تُقلُّ الشخصيات الروائية من بيروت إلى الحدود السورية. ومن البديهي أن تضم الرحلة الجديدة حافزاً واحداً مشتركاً بين الشخصيات الروائيـة، هو حافز الإبعاد الإجباري من بيروت. ولكنّ هذه الشخصيات كانت تعلم من البداية أن حجز حريتها سينتهي عند وصول الشاحنـة الحدود السورية، واستلام السوريين المبعدين وقيادتهم إلى دمشق حيث يُطلَق سراحهم. ولهذا السبب تحلّت الشخصيات بالطاعة وبعدم المغامرة بأي سلوك يُعطِّل نيلها حريتها، فضلاً عن أنها – ما عدا الفتاة – مقيَّدة بالسلاسل، ومعها حرّاس يرقبون حركاتها ويجلسون إلى جانبها في الشاحنة. وقد وفّر ذلك للقسم الثاني من الرواية فرصة الاهتمام بالعلاقات بين الشخصيات الروائية، والكشف عن جوهر كل شخصية في أثناء هذا المأزق الاستثنائي. والواضح أن شوقي بغدادي اختار لهذا المجتمع الروائي الصغير محرِّكاً واحداً، هو الفتاة ابنة السادسة عشرة ذات الملامح الجميلة والسمعة السيئة، بحيث عرَّى الطمعُ في هذه الفتاة طبيعـةَ الشخصيات، وشكَّل حافزاً داخلياً لمتابعة السرد الروائي. فالأستاذ يأمل في أن يقود الفتاة بعد الوصول إلى دمشق إلى منـزله، معلِّلاً نفسه بالشفقة عليها والحرص على حمايتها وتأمين العمل المناسب لها. ولا يُخفي أحمد وسليم طمعهما في الفتاة، ورغبتهما في اصطحابها معهما. بل إن أحد الدرك خطّط للنيل من الفتاة بعد الوصول إلى الحدود السورية، ولكنه أخفق في ذلك. وحين وصل المبعدون إلى دمشق بعد تسليمهم إلى الشرطة السورية زال المأزق الاستثنائي، وعادت كلُّ شخصية إلى سابق عهدها، وقصدت المكان الذي أتت منه ما عدا الفتاة التي لا تملك مكاناً تذهب إليـه بعد انفصالها عن أبيها الذي رماها في بيروت. ولذلك ركبت سيارة عامّة بعد إطلاق سراحها في دمشق، وطلبت من السائق أن يقودها إلى المكان الذي يرغب فيه، كناية عن أنها ستتابع في دمشق ما كانت تفعله في بيروت، ما يوحي بأنها (المسافرة) التي لم تنته رحلتها بعد .

 

أخلص من الحديث السابق إلى أن بناء رواية (المسافرة) هو بناء الرحلة. ولا بدَّ في كل رحلة من حافز، سواء أكان خاصاً أم عاماً. وقد استند بناء رحلة (المسافرة) إلى هذين النوعين من الحوافز، بحيث عُني القسم الأول بالحوافز الخاصة، وعُني القسم الثاني بحافزين عامّين هما الإبعاد والطمع. ولكنّ الحافز في الرواية يُحرِّك السرد الروائي ويدفعه إلى الأمام، كما أن الرحلة تعني الانتقال من مكان إلى مكان آخر، ومن زمن إلى زمن آخر، وتعني أيضاً تغييراً أو ثباتاً في الشخصيات الراحلة. وهذا كله يحتاج إلى تحليل للعناصر الفنية التي تآلفت في إطار الرحلة، أو قدَّمتها فنياً للقارىء المتلقي.

 

2 – بناء شخصيّات الرِّحلة :

إذا دقّقنا في قسمي الرواية لاحظنا أن شوقي بغدادي استعمل المقياسين الكمّيّ والنوعيّ في تقديم شخصياته الروائية، وهما مقياسان اقترحهما فيليب هامون (ph. hamon  (، بحيث يعني المقياس الكمّيّ (كمية المعلومات المتواترة المعطاة صراحة حول الشخصية، ويُحدِّد الثاني مصدر تلك المعلومات : هل تُقدِّمها الشخصية عن نفسها مباشرة، أو بطريقـة غير مباشرة عن طريق التعليقات التي تسوقها الشخصيات الأخرى أو المؤلّف، أو فيما إذا كان الأمر يتعلّق بمعلومات ضمنيّة يمكن أن نستخلصها من سلوك الشخصية وأفعالها)(77). وقد دلّتني التجربة على أن الروائي يجعل المعلومات التي يُقدِّمها من خلال المقياس الكمّيّ تمهيداً للتحوّل الذي يطرأ على الشخصية في النص الروائي. ولم أر في رواية  (المسافرة) ما يعزِّز هذه التجربة ؛ لأن شوقي بغدادي لم يُعن بتحوُّل شخصياته الروائية، بل حرص في كل قسم من الأقسام الفرعية على تقديم معلومات عن إحدى الشخصيات، محدِّداً مدينتها وأسرتها وعلاقاتها. فالأستاذ دمشقيّ، درس في الجامعة وعُني بالنضال الوطني منذ نعومة أظفاره. ولم تكن رحلته إلى بيروت غير استمرار لإخلاصه للعمل السياسي الذي ندب نفسه لـه. وناظم حَمَويٌّ طالب مجتهد اعتُدي عليه ففقد اتزانه وتعطّلت صلاته بالمجتمع حولـه، فاقتيد إلى بيروت للمعالجة. وعريفة فتاة من ريف حمص، قادها أبوها وهي في الثامنـة من عمرها إلى بيروت ليضعها خادمة في المنازل ويفيد من أجرها. وأحمد حمصيٌّ شعر بقوّته البدنيّة، وزاده رفاق السوء ثقة بنفسه وبقدرته على السيطرة على الآخرين، وقد رحل إلى بيروت ليوظِّف قوته البدنية. وسليم فتى ترك المدرسة وعمل لدى أحد الحلاقين ثم هجر منـزل ذويه وراح يتعاطى الخمرة والمخدِّرات، وسافر إلى بيروت ليُكمل ما بدأ به. والفتى الحلبي مراهق رغب في تلبية نوازعه في بيروت ليتباهى أمام رفاقه بفحولته. والفتى الحوراني راغب في العمـل ولا شيء آخر، وقد سافر إلى بيروت من أجل ذلك.

 

هذه المعلومات التي نثرها شوقي بغدادي في الأقسام الفرعيّة أسهمت في وضوح الشخصيات الروائية، ولكنه لم يكتف بها، بل راح يصف هذه الشخصيات خَلْقيّاً وخُلُقيّاً بغية تعزيز الوضوح الذي قدَّمه المقياس الكمّيّ. وسبق القول إن شوقي بغدادي جعل حاضر الشخصية في بيروت مرتبطاً بطبيعة ماضيها، ولكنّه لم يجعل مصيرها فيها مرتبطاً بهذا الحاضر، إذ انتهت الشخصيات كلها إلى السجن تمهيداً لترحيلها عن لبنان. والواضح أنه لجأ إلى الراوي العالم بكل شيء في تقديم شخصياته، وجعله راوياً ممثَّلاً يحلُّ في الشخصيـة وينقل ما تراه وتسمعه وتحس به. وقد استعان هذا الراوي الممثَّل بالذاكرة، أو قل إنه جعل ذاكرة الشخصية حيلة روائية قدَّم بوساطتها المعلومات التي رغب في تقديمها للقارىء. ولهذا السبب كثرت في الأقسام الفرعية أفعال الذاكرة وما هو قريب منها. وهذه عبارات مستمدّة من الفصل الخاص بالأستاذ تُوضِّح الأفعال والأسماء المستعملة في تقديم المعلومات :

-ذكرى تلك الخطبة التي لن ينسى مناسبتها.

-ذكرى الموت الحقيقي الأول.

-ذكرى الأربعين.

-الذكرى الأكيدة الباقية.

-لعلَّ من أجمل ذكرياته.

-عندما كان طالباً مراهقاً.

-كان يجد لذة لا تعادلها لذة في كتابة مواضيع الإنشاء.

-لن تمّحي تلك المناسبة من ذاكرته طوال حياته.

-كان العمل في التعليم في تلك السنوات أكثر ضماناً.

-استقر في منتصف الخمسينات في إحدى أشهر صحف العاصمة.

-كان ما يزال طالباً عامراً قلبه بالطموحات الرومانسية.

-لم يشعر وقتها أنها تلومه.

تكفّلت الذاكرة الروائية بتقديم المعلومات عن شخصيات الرواية كلها. وكانت هذه المعلومات تعليلاً مقبولاً لحاضر الشخصية في بيروت، أو مسوِّغاً لما فعلته فيها. غير أن وضوح الشخصية عند القارىء يحتاج إلى شيء آخر، هو الإيهام بانتمائها إلى مجتمع روائي يماثل المجتمع الخارجي الحقيقيّ. ولهذا السبب حرص الروائيون على منح شخصيات رواياتهم اسماً وأسرة وتاريخاً. وهذا واضح عند أحمد وسليم وناظم وعريفة. أما الأستاذ والفتى الحوراني والفتى الحلبي فقد اكتفى شوقي بغدادي بالنسبة إليهم باللقب (الأستاذ) فالمنطقة (حوران) فالمدينة (حلب). ولا شكّ في أن اللقب والنسبة إلى المنطقة والمدينة لا يسهمان في وضوح الشخصية، وليس هناك تعليل مقبول لإغفال تسمية شخصيات الأستاذ والفتى الحوراني والفتى الحلبي. وما هو قريب من القبول انتماء الأستاذ والفتى الحوراني إلى العنصر الإيجابي، وعدم ابتعاد الفتى الحلبي عن هذا العنصر وإنْ تحرَّش بالفتاة في بيروت. وربما قيل هنا إن  (الأستاذ) يحمل بعضاً من سيرة شوقي بغدادي نفسه، ولكنّ تحليل بناء الشخصية لا يُعير هذا الأمر أيَّ اهتمام تبعاً لاعتقاده بأن الشخصية عنصر متخيَّل وإن استمدت بعض ملامحها من سيرة صاحبها. وفي مقابل ذلك تبدو الشخصيات التي منحها شوقي بغدادي اسماً محدَّداً أكثر قدرة على الإسهام في وضوح الشخصية الروائية عند القارىء. غير أنه من المفيد أن نلاحظ أن الاختيار العشوائيّ(78) للأسماء ذو دلالة وإن كان عشوائياً. فاسم (أحمد) ينتمي في دلالته إلى الثقافة الدينية، واسم (سليم) ينتمي إلى الدلالة الاجتماعية التراثيّة(79). واسم (عريفة) ينتمي إلى الدلالة الاجتماعية، إذ إنه شائع في الريف السوري، كما أنه ذو أصل تراثي عربي ؛ لأنـه مؤنث عريف القوم ؛ أي القيِّم بأمرهم الذي عُرف بذلك واشتهر. واسم (ناظم) ينتمي إلى الدلالة الأدبية التراثية ؛ لأنه مستَمَدّ من (نَظَم الكلام) ؛ أي رصفه رصفاً جيِّداً، فضلاً عن أن الناظم يدل في اللغة العربية على السمكة التي امتلأت بيضاً. وهذا كله يدل على أن الاختيار العشوائي لا يخلو من دلالة على أن شوقي بغدادي لم يخرج في اختيار أسماء شخصياته عن الثقافة العربية بجوانبها الدينية والاجتماعية والأدبية. وهناك شيء آخر يتعلّق بالأسماء في رواية (المسافرة)، هو إغفال الاسم والاكتفاء بالعمـل، كما هي حال الدرك الذين صحبوا المبعدين في السيارة. فالدَّركيُّ عملٌ الشخصية داخل الرواية، وللتمييز بين شخصيات الدَّرك في الرواية وهي تعمل عملاً واحداً، منح شوقي بغدادي المميَّز منها رتبـةً عسكريّة (عريف)، أو عملاً محدَّداً (سائق الشاحنة).

 

ولا يختلف تسمية الشخصية باسم عملها عن تسميتها  بنسبتها إلى المكان الجغرافيّ (الحوراني – الحلبي)، أو استعمال اللقب (الأستاذ) في تمييزها. فالشخصية في هذه الحالات كلها تبدو أقلَّ وضوحاً، دون أن يوحي ذلك بأي تصنيف لمكانتها الروائية ؛ لأن (الأستاذ) و (الدَّركيّ) الذي خطّط للإيقاع بعريفة يحتلان مكانين بارزين في الحدث الروائي، ولكنهما لا يحملان اسماً محدّداً.

 

3 – بناء زمن الرّحلة :

ليس هناك زمن روائي ممتدّ في رواية (المسافرة). وسبب ذلك اختلاف قسمي الرواية. ففي حين لم يمتدّ الزمن الروائي في القسم الثاني (السفر) غير ساعات قليلة من بيروت إلى الحدود السورية فدمشق، امتدَّ الزمن في القسم الأول امتداداً لا يضبطه شيء غير سيرة الشخصية. وسأنطلق، بغية معرفة زمن القسم الأول، من التحديد الروائي لزمن رحلة الشخصية إلى بيروت. وهذا جدول يوضح ذلك : 

1 – الأستاذ : في حدود الثلاثين من عمره – بقي يوماً روائياً في بيروت.

2 – عريفة : عمرها ست عشرة سنة – بقيت ثماني سنوات في بيروت.

3 – أحمد : عمره إحدى وعشرون سنة – بقي في بيروت عشر سنوات.

4 – ناظم : عمره سبع عشرة سنة – بقي في بيروت عاماً وبعض العام.

5 – سليم : عمره ثماني عشرة سنة – بقي عاماً في بيروت.

6 – الفتى الحلبي : فتى – بقي أسبوعاً في بيروت.

7 – الفتى الحوراني : فتى – بقي أشهراً في بيروت.

يدلُّ الجدول السابق على أن الترتيب العمريّ للشخصيات حين رحلت إلى بيروت هو الآتي من أكبرها في السِّنِّ إلى أصغرها فيه :

الأستاذ (30 سنة) – أحمد (21 سنة) – سليم (18 سنة) – ناظم (17 سنة) – عريفة (16 سنة) - الفتى الحلبي (فتى) – الفتى الحوراني (فتى) .

 

يشير الترتيب العمريّ للشخصيات في أثناء رحلتها إلى بيروت إلى أن (الأستاذ)، مركز الوعي في الرواية، هو أكبر الشخصيات سناً حين قدم إلى بيروت، وأن الفتيين أصغر الشخصيات سناً حين قدما إلى بيروت. بيد أن الجدول السابق نفسه يشير إلى ترتيب مغاير إذا استندنا إلى مدّة بقاء الشخصيات في بيروت، والجدول الآتي يوضِّح هذا الترتيب:

أحمد (بقي في بيروت عشر سنوات)– عريفة (بقيت في بيروت ثماني سنوات)

ناظم (بقي في بيروت عاماً وبعض العام) – سليم (بقي في بيروت عـاماً واحداً)

الفتى الحوراني (بقي في بيروت أشهراً)    – الفتى الحلبي (بقي في بيروت أسبوعاً)

الأستاذ (بقي في بيروت يوماً).

 

يشير الجدولان السابقان (جدول الترتيب العمري للشخصيات الروائية، وجدول مدة بقاء الشخصيات في بيروت) إلى الزمن الروائي الطويل لرواية (المسافرة)، فضلاً عن دلالتهما الخاصة. فقد كان الروائي مضطراً إلى تغطية ماضي كل شخصية قبل رحلتها إلى بيروت ليسوِّغ الرحلة نفسها. وهذا يعني أنه غطى السنوات التي قدَّمها الترتيب العمريّ، وأكثرها طولاً هو ثلاثون سنة. وسبق القـول في أثناء الحديث عن بناء الرحلة إن شوقي بغدادي لجأ إلى الذاكرة ليغطّي ماضي كل شخصية، وههنا نلاحظ أن الذاكرة استعملت تقنية التلخيص، بحيث اختزلت ما جرى في سنوات طويلة في أسطر أو صفحات معدودات. والتلخيص لا يسمح بالامتداد لأنه معني بتقديم فكرة موجزة عن الماضي يلمّ فيها بالخطوط الرئيسة في حياة الشخصية. ولا يختلف الأمر بالنسبة إلى الجدول الثاني، جدول مدة بقاء الشخصيات في بيروت، فهو يدلّ على أن الروائي مضطر إلى تغطية السنوات التي بقيت فيها كل شخصية في بيروت (أو : حاضر وجودها فيها). وأكثر هذه المدة طولاً هو عشر سنوات، وأقصرها يوم واحد. ولم يكن الروائي قادراً على تغطية حاضر الشخصيات في بيروت لولا لجوءه إلى تقنية التلخيص نفسها. وهكذا بدا البناء الزمني للقسم الأول من رواية (المسافرة) طويلاً ومتبايناً بين الشخصيات، ومتشبثاً بتقنية واحدة هي التلخيص.

 

إن الخلاصة (أو : التلخيص)(80) تقنية روائية عريقة في الرواية الأجنبيّة والعربيّة على حدّ سواء. والمعروف أن هذه التقنية تختزل الزمن وتُسرِّع حركة السرد، ولكنَّ اختزال الزمن ليس هدفاً لشوقي بغدادي ولا لغيره من الروائيين، بل هو وسيلة تُحقِّق بعضاً من الأغراض الجماليّـة، وهي – هنا – تقديم نبذة عن سيرة الشخصية تُسوِّغ رحلتها إلى بيروت. وهذا الهدف الجماليّ لا يحتاج إلى تفصيلات حياة الشخصيـة، ولهذا السبب اقترنت تقنيـة الخلاصة عند شوقي بغدادي بتقنية أخرى هي  (الحذف)(81) ؛ أي حذف زمنٍ لا تخدم الحوادث التي وقعت فيه الهدف الجماليّ. ومن ثَمَّ كان الحذف قفزاً فوق مدة روائية طويلة أو قصيرة من غير إشارة إلى ما جرى فيها من حوادث ووقائع. وقد استعمل شوقي بغدادي عبارات تدلُّ على الحذف أو القفز، من نحو : (سنتان مرّتا – أربع سنوات مرّت – مرّت ثلاث سنوات – ساءت أحواله بعد مضي عام كامل – ظلّت الأمُّ عامين تقاوم – خاض طوال هذين العامين تجارب)، ليدلَّ على أنه غير راغب في تقديم الحوادث التي وقعت خلال هذه المدة. وهو، كما تدلُّ عبارات القفز المذكورة، يؤثر تحديد مدّة القفز أو مداه، بغية إعلام قارئه بأن ما جرى في هذه المدة المحذوفة لا أهميّة له لأنه لا يختلف في شيء عمّا يُلخِّصه .

 

ولا شكَّ في أن الزمن الروائي في القسم الثاني من رواية المسافرة قصير جداً لا يُجاوز ساعات قليلة، ولكنّ عدد الصفحات كثير قياساً إلى القسم الأول ذي الزمن الطويل. وهذا يعني أن شوقي بغدادي استعمل في القسم الثاني من الرواية تقنية زمنية أخرى، هي تبطيء الزمن بغية السماح للسرد بالامتداد والاتساع. وتبطيء زمن السرد هو الذي سمح بذكر حوار الشخصيات الخارجيّ والدّاخليّ على متن الشاحنة، وبرسم المشاهد في أثناء الطريق ووصفها. ولهذا السبب امتدَّ السرد، واتضح المأزق الذي عبَّر عن دخيلة الشخصيات حين واجهت فتاة جميلة في السادسة عشرة من عمرها، وظنّت أنها سهلة المنال. 

 

4 – بناء مكان الرِّحلة :

ليست العناية بمكان الرحلة هدفاً جمالياً لرواية المسافرة، ولكنّ الواضح بالنسبة إليَّ أن كل قسم من قسمي الرواية ضمَّ مكانين : مكاناً طارداً ومكاناً جاذباً، وأن هناك تبادلاً بين الأمكنة يكاد يكون مقصوداً. فالأمكنة التي رحلت منها الشخصيات يمكن اختزالها في مكان جغرافيّ واحد هو سورية. وهذا المكان مكان طارد ؛ لأن الشخصيات كانت ترغب في الانتقال منه إلى مكان آخر جاذب هو بيروت. ومن ثَمَّ كان في القسم الأول مكانان طارد وجاذب. وقد استمرَّ هذان المكانان في القسم الثاني من الرواية، ولكنّهما تبادلا المواقع فأصبحت بيروت مكاناً طارداً بعد أن كانـت مكاناً جاذباً، وصارت سورية مكاناً جاذباً بعد أن كانت مكاناً طارداً. وكأنَّ القسم الأول من الرواية عكس القسم الثاني. هل يعني ذلك أن الرواية تريد الدلالة على أن وطن الإنسان هو المؤهَّل لتحمُّله، سواء أكان سلبياً أم إيجابياً ؟. قد تكون هذه الدلالة سليمة إذا تذكّرنا ذلك التعاطف بين الشخصيات على متن الشاحنة، في مقابل نفورها من الدرك.

 

على أن مكان الرحلة لا يغادر التسمية في رواية المسافرة إلى الوصف، ولا يهتم باختراق الشخصيات له، بل يبقى تسمية، لا تختلف حمص عن حماة و دمشق و بيروت فيها. والتسمية لا تصنع مكاناً وإن كانت حقيقيّة في الواقع الخارجي. بل إن الشاحنة كانت تُمثِّل الانتقال من مكان إلى آخر، ولكنّ الروايـة اكتفت بالإشارة إلى تغيُّر الأمكنة في أثناء سفر الشخصيات إلى الحدود السورية، دون أن تلتفت إليها أو تنعم النظر فيها.

 

إن بناء رواية المسافرة هو بناء الرحلة الروائية، ولا يتوقَّع أحد من رواية قصيرة أن تُقدِّم بناءً متكاملاً تعجز عنه الروايات الكبيرة، وخصوصاً في المكان والسرد الزمني. وعلى الرغم من ذلك فإن الرحلة في هذه الرواية مختلفة عمّا عهدناه في الرحلات الروائية العربية، ومن ثَمَّ كان فيها جديد في الشكل يعرفه المعنيون بالرواية عموماً وبالرحلات الروائية خصوصاً.

 

 

الشّخصيّة وأساليب البناء :

 

هناك نقّاد ركنوا إلى أن الشخصية الروائية إنسان حقيقي، وراحوا يحاكمونها كما يحاكمون الإنسان في الواقع الخارجي، وكأنهما شيء واحد. ولعل ذلك نتيجة من نتائج المطابقة بين الواقعين الروائي والخارجي(82) ،تلك المطابقة التي جنت على الرواية فجعلتها – في أحسن الأحوال – انعكاساً للواقع الخارجي ومحاكاة لـه. وقد ضاعت في غمرة المطابقة حقيقة لا ينكرها إلا الجاهل، هي أن الشخصية الروائية إنسان من ورق، يخلقه الروائي ليحقّق بوساطته هدفاً جمالياً ما، و يطرح رؤيا للعالم يؤمن بها … ومن المفيد للنقد الأدبي أن يُحلّل بناء هذا الإنسان الذي خلقته كلمات الروائي ليضع يده على الصنعة الفنية في العالم الروائي التخييلي.

 

يمكن القول، في بداية الأمر، إن التحليل سيدور هنا حول روايتين لقمر كيلاني كُتبتا في زمن واحد تقريباً، الأولى هي رواية (الأشباح) التي كُتبت في حزيران/يونيو 1969، والثانية رواية  (الدّوّامة) التي كُتبت في تشرين الأول/اكتوبر من العام نفسه. كما أن هناك وجوه شبه أخرى بين الروايتين، منها الخارجي كتأخُّر طباعتهما إلى عام 1981 بالنسبة إلى الأشباح، وعام 1983 بالنسبة إلى الدوامة. ومنها الداخلي كسيطرة مناخ هزيمة حزيران عليهما، وتعبيرهما عن موقف روائي من هذه الهزيمة التي خلخلت أفكاراً وقناعات راسخة.

 

تبدو الروايتان، أول وهلة، مختلفتين. ولكن إنعام النظر في بناء الشخصية الروائية فيهما يقود إلى أن قمر كيلاني لجأت فيهما إلى طريقة واحدة ،هي الطريقة غير المباشرة في تقديم الشخصية الروائية إلى القارىء. ذلك أن المظهر الخارجي لهاتين الروايتين يوهم بالاختلاف. فرواية  (الأشباح) تعتمد الحوار وتكاد المقاطع السردية تُختَزَل فيها إلى جملتين غالباً وإلى ثلاثة أسطر في بعض الأحيان، مما يشير إلى أن الحوار هو الوسيلة التي استندت إليها قمر كيلاني في تقديم شخصياتها إلى القارىء. أما رواية  (الدوامة) فيقتصر الحوار فيها على الجزء الأول من الفصل الأول، وتنصرف الرواية في بقية هذا الفصل وفي الفصول الأخرى إلى السرد، مما يجعل القارىء يعتقد بأن الوسيلة التي استندت إليها قمر كيلاني في هذه الرواية هي السرد.

 

هذا المظهر الخارجي الذي يبدو حوارياً في رواية وسردياً في الأخرى ينجلي في أثناء تحليل النصين عن طريقة واحدة غير مباشرة ذات مقياسين كمّيّ ونوعيّ، واهتمام خاص بالأسماء والتصنيفات، عملت مجتمعة على بناء الشخصية الروائية في الروايتين المذكورتين.

 

1 – الطّريقة غير المباشرة والمقياس الكمّيّ : 

الطريقة المباشرة في تقديم الشخصية الروائية إلى القارىء هي لجوء الروائي إلى تقديم مقاطع وصفية في الفصل الأول من الرواية يرسم فيها ملامح الشخصية وطباعها بوساطة الراوي، أو يَكِلُ هذه العملية إلى شخصيات أخرى في الرواية، أو يترك الشخصية نفسها تقوم بهذا العمل. ولكن قمر كيلاني لم تلجأ إلى هذه الطريقة المباشرة، بل لجأت إلى طريقة غير مباشرة لم تستعمل فيها مقاطع وصفية تُحدِّد بوساطتها ملامح الشخصية وطباعها، بل تركت أمر استنباط هذه الملامح والطباع للقارىء نفسه في أثناء قراءته الحوادث الروائية، أو عبر أحاديث الشخصيات الأخرى في المجتمع الروائي عن الشخصية. وإذا كان الناقد قارئاً فإن ذلك يعني أنه مضطر إلى ملاحقة تصرفات الشخصية الروائيـة وأقوالها ليتمكّن من تحديد بنائها .وهذه الملاحقة تُجبره على جمع ملامح الشخصية وصفاتها المتناثرة في النص الروائي، وكأنه يجمع المعلومات فوق بعضها بعضاً ويصنِّفها ليفيد من هذا (الكم) في تعرُّف جانب من طريقة قمر كيلاني في بناء الشخصية الروائية. أو قُلْ إن الناقد مضطر إلى اللجوء إلى (المقياس الكمي)(83) الذي يعني كمية المعلومات التي تُقدَّم صراحةً حول الشخصية.

 

لو سلَّطنا المقياس الكمي على (سامية) بطلة رواية (الدّوّامة) لخرجنا بملامح وصفات تُحدِّد المظهرين الخارجي والداخلي لها. وهذان المظهران هما القاعدة التي انطلقت منها سامية إلى علاقاتها بالشخصيات والحـوادث في الروايـة. فهي البنت الوحيدة في أسرتها، لها أخوان ذكران مهاجران، الأول في الكويت والثاني في حلب. مثقّفة، شبه أرمل لأنها متزوجة من  (كريم السعدي) المنصرف إلى النضال في لبنان. وهي امرأة غريبة الأطوار، مقيمة لدى والدتها المريضة في دمشق. أسرتها البرجوازية لم تكن راضية عن زواجها من كريم اليساري الفقير، ولكنها تحدّت أسرتها وتزوّجته لأنه صورة من أخيها الذي استشهد في فلسطين عام 1948، لعل (دماً جديداً يسري في جسد أسرتها البارد الذي خمدتـه العادات والتقاليد .لعل حيـاة من نوع آخر تسحبها إلى عوالم يرعش فيها الصدق ويتألق الحب)(84). ولكن التجربة كانت صعبة. فقد (تجاهلت ذاتها وظلت تحلم طوال سنوات خمس بأن تمزق الحجب عن هذه الذات لتطير فراشة زرقاء)(85). ثم ترك كريم ساحة نضاله في دمشق وانهزم إلى لبنان وبقيت سامية لدى أمها، وشيئاً فشيئاً بدأ ضياء مبادىء كريم يخبو، كما خبا أبوها ومات، وراحت (تريد أن تكشف حقيقتها للناس وتكشف حقيقة الناس لنفسها)(86) .إنها (امرأة ذات عدة وجوه، أو بلا وجه على الإطلاق)(87)، فهي لا تعرف لنفسها هدفاً ولا لحياتها معنى على الرغم من أنها خريجة كليـة الحقوق، ولا ينقصها المال والجمال.

 

إن المعلومات السابقة عن مظهر سامية وصفاتها مبثوثة في فصول الرواية وليست مجتمعة في مكان واحد، وإن كانت الكثرة الكاثرة منها مبثوثة في الفصل الأول المؤلَّف من اثنـتين وثلاثين صفحة. والمعروف أن الفصل الأول في الرواية التقليدية يُشكِّل افتـتاحية الرواية والتمهيد الضروري للسياق الاجتماعي والأيديولوجي لها. وسنلاحظ، بعد، أن قمر كيلاني كانت تعي جيداً أن هذا السياق الاجتماعي والأيديولوجي مرتبط بمظهر سامية ونفسيتها، وأنه لا يُفهَم بمعزل عن ذلك. بل إن القارىء لن يملك القدرة على ربط الحوادث الروائية بعضها ببعض، ولن يفهم مغزاها، ولن يتمكن من العثور على إجابة منطقية عن طبيعة علاقات سامية بها، إذا لم يقبض على مظهر سامية ونفسيتها. وسيـبدو هذا الأمر أكثر وضوحاً حين ننـتقل إلى المقياس النوعيّ وإلى تصنيف شخصية سامية وأسماء الشخصيات. وعلينا، قبل هذا الانتقال، أن نلاحظ أن (ليلى) بطلة رواية (الأشباح) تختلف عن  (سامية) بطلة (الدوامة) في المظهر الخارجي والصفات، ولكن بناء الاثنـتين واحد في الروايتين. فليس في رواية الأشباح مكان واحد يضم المعلومات الخاصة بليلى، بل هناك شذرات مبعثرة يمكن جمعها استناداً إلى المقياس الكمي على النحو الآتي :

ليلى فتاة حيوية، تبرق عيناها بالتحدّي(88). عنيفة، متمردة(89) تحب أمها المريضة ولكنها لا تُبدي عواطفها، ولا تخلط بين الحب والشفقة(90). أسرتها محافظة(91). أخوها غائب، وزوج أختها سميرة أسير في إسرائيل، لا يعرف أحد مصيره، وليس هناك بحث جاد عنه(92). أختها سميرة جميلة، غير متعلمة، مترددة، سيطر عليها ياسر ووعدها بالزواج. وأختها هدى موظفـة تحب زميلها (وائل) وتتزوج منه. ليلى وحدها تشعر بالديون التي تراكمت على أسرتها بعد الحرب نتيجة غياب الصهر والأخ، ولهذا السبب تنوي العمل وتعلن ذلك.

 

هذه المعلومات عن (ليلى) ضرورية كالمعلومات السابقة عن (سامية)، لأنها مفاتيح هاتين الشخصيتين الروائيتين .بثـتها قمر كيلاني هنا وهناك، بوساطة الراوي، أو على لسان الشخصيات، أو من خلال أفعال سامية وليلى وتصرفاتهما. وليس من المهـم في الرواية، أية رواية، غزارة المعلومات عن الشخصية، بل المهم قدرة هذه المعلومات على تلبية حاجة الشخصية إلى إبراز تجربتها. صحيح أن هذه المعلومات لا تُقدّم للقارىء انطباعاً كافياً عن وضوح الشخصيتين وتماسكهما، ولكنها تكفي لتأطير جانبهما الأساسي والتمهيد لشبكة علاقاتهما بالشخصيات الروائية الأخرى. وما قدّمته المعلومات السابقة لا يخرج عن إشكالية الوجود بالنسبة إلى سامية وليلى معاً .هذه الإشكالية التي تعني الطوق البرجوازي الذي يُكبِّل سامية، وتمرُّد ليلى على انصراف كل فرد في منـزل أسرتها إلى أموره الخاصة. فسامية تشعر بالخواء الداخلي نتيجة الطوق البرجوازي الذي كبَّلها بعاداته وتقاليده، وتبعاً لاكتشافها أن زواجها من كريم السعدي لم يفلح في اختراق شرنقة هذا الخواء. أما ليلى فتشعر بالخواء الذي يلف الحياة في منـزل أسرتها، وتعي أن حيويتها الداخلية تدفعها إلى التمرُّد على هذا الوضع الاستـثنائي.

 

2 – الطّريقة غير المباشرة والمقياس النّوعيّ :

لاشكّ في أن الاعتماد على المعلومات المبثوثة في فصول الرواية عموماً، والفصل الأول خصوصاً، يخدمنا في معرفة أسلوب الروائي في تقديم الشخصية الروائية بطريقة غير مباشرة، ويُوضِّح خرق قمر كيلاني النسق التقليدي الذي يُكثِّف المعلومات عن الشخصية في بداية الرواية بطريقة مباشرة، سواء أكانت متصلة بالحوادث اللاحقة أم لم تكن. بيد أن المقياس الكمّيّ غير كاف وحده لتقديم تصوُّر متكامل عن الشخصية، لأنه يكتفي ببعض جوانبها ويحجب بعضاً آخر منها. ولم يكن هناك بدٌّ من الاستعانة بالمقياس النوعي لتجنُّب هذا القصور في بناء شخصيتي سامية وليلى، فهو أداة لا غنى عنها لمعرفة مصدر المعلومات حول الشخصية ونوعية الجهات التي بثتها. 

 

ولقد أشرتُ إلى أن قمر كيلاني اعتمدت الطريقـة غير المباشرة في تقديم شخصيتي سامية وليلى. وهذه الإشارة تتضح على نحو أكثر جلاء إذا لاحظنا أن الراوي هو مصدر المعلومات المقدَّمة صراحةً عن سامية، وأن شخصيات (سميرة وهدى والأم) هي مصدر المعلومات المقدَّمة صراحةً أيضاً عن ليلى. وعلى الرغم من أن مصدر المعلومات عن الشخصيتين مختلف، فإن اختلافه يلائم وضع الشخصية داخل الرواية. فسامية تشعر بالخواء الداخلي، وليلى تشعر بالخواء الخارجي، ولا سبيل إلى تقديم المعلومات عن مظهر سامية ونفسيتها غير الراوي الذي يبتعد عن الشخصية ويرصدها ويسعى إلى التقاط جزئياتها. أما الخواء الخارجي الذي تشعر ليلى به فلا بدَّ من أن يتضح من خلال حوار الشخصيات، فهذا الحوار هو فرصة الشخصيات الأخرى لتقديم آرائها في ليلى.

 

ومن المعروف أن اللجوء إلى الراوي لتقديم الشخصيات تأكيد للموقف الجمالي الذي رسّخته التقاليد الروائية الغربية والعربية. وقد استثمرت قمر كيلاني موقف الراوي في رواية (الدوامة)، وفسحت له المكان ليُقدِّم المعلومات التي ذكرناها عن شخصية سامية. ولكنها – في رواية الأشباح – خرقت هذا الموقف الجمالي، ولجأت إلى بناء الشخصيات كلها بوساطة الحوار، وكادت تقضي على الراوي الذي أفادت من معرفته الكليـة وعينه الراصدة وكونه وسيطاً بينها وبين القارىء في رواية الدوامة.

ويمكنني القول هنا إن مصدري المعلومات عن سامية وليلى (الراوي والشخصيات الأخرى)، وهما مصدران غير مباشرين، لجأا إلى مقياس نوعي يفيد من المعلومات المقدَّمة عن الشخصيـة بوساطة المقياس الكمي، ثم يروح يحرص على توضيح نوعية تقديم هذه المعلومات. ولعلنا قادرون على معرفة نوعية هذا التقديم من خلال مبدأي التّدرُّج والتّحوُّل.

 

المراد بمبدأ التدرُّج الانتقال من العام إلى الخاص، أي أن الشخصية تبدو عامة أول الأمر ثم تتضح رويداً رويداً في السياق. وكلما زادت المعلومات عنها وعن علاقاتها بالشخصيات الأخرى زاد وضوحها. ولعل هذا المبدأ يساير الإدراك الإنساني حسب نظرية الجشتالت المعروفة. والمهم بالنسبة  إلينا عمومية هذا المبدأ وقدرته على التّحكُّم في بناء الشخصية الروائية ودلالتها. ذلك أن الفصل الأول من رواية الدوامة ينتهي باصطحاب سامية أمها إلى منـزل خالتها صفية وعودتها إلى المنـزل. وكان الفصل الأول اقتصر على سامية وأمها، وقدَّم غالبية المعلومات عن سامية .وإذا كان ذلك مفيداً في توضيح مظهر سامية وصفاتها فإن مصداقية هذا المظهر وهذه الصفات تحتاج إلى سياق اجتماعي وأيديولوجي قدَّمته الفصول من الثاني إلى الثامن. ففي كل فصل من هذه الفصول شخصية جديدة لها علاقة ما بسامية، ولكنها كلها لا تُشكِّل شبكة علاقات روائية. ويكاد القارىء أول وهلة يتساءل : لماذا لا تُؤثّر هذه الشخصيات وما رافقها من حوادث في شخصية سامية ؟ ولكنه حين يلتفت إلى أن قمر كيلاني لا ترغب في جعل شخصية سامية تنمو، بل ترغب في جعلها ثابتة الصفات لتتمكن من إحكام الصلة بين الدوامة النفسية الداخلية والدوامة الاجتماعية الخارجية ،فإنه سيكتشف أن إبقاء الشخصية ثابتة مقصود لذاته. ولعله يلاحظ بعد ذلك أن قمر كيلاني لجأت إلى التدرُّج في إقامة صلة ما واهية لساميـة بإحدى الشخصيات الروائية. ففي الفصل الثاني جعلت (جابر)

جارها– وهو رجل متقاعد – يطرق بابها، وتركتها تُبدي قرفها من اهتمامه بها. ولكنها في الفصل الثالث دفعتها إلى أن توهمه بأنها ذات علاقات بالرجال، وتلاطفه ليعتقد بأنها تغريه. وحين وقع في شباكها، واهتزّت حياته الرتيبة، وساءت علاقاته بزوجته وأولاده، تركت سامية تشعر بالندم لما فرط منها، وتحاول التخفيف من آثار ذلك بمحاولة إعادة جابر إلى أسرته. وحادثة جابر لا تُغيِّر في سامية شيئاً، ولكنها توضّح طبيعتها اللامبالية وتزيدها جلاء. كما توضح حادثة زواجها من كريم شيئاً آخر. فقد تشبّثت بكريم اليساري المناضل الفقير، وعارضت أسرتها للزواج منه، ولكنها سرعان ما آمنت بأنها لم تحبه وأن بريق مبادئه أعشى عينيها. وهذه الحادثة تكشف عن رغبتها الدفينة في التحلُّل من طبقتها البرجوازية دون استعداد للتخلي عنها، وكأنها تترجّح بين الإقدام والإحجام لعدم توافر النضج النفسي لديها. 

 

هكذا تتوالى بتدرُّج واضح شخصيات عدة، لا تُغيِّر منفردة ومجتمعة أيَّ شيء في سامية، بل تروح توضّح رغبتها الدائمة في الانطلاق ثم إحجامها عن ذلك وانصرافها إلى شيء آخر، وكأنها تدور داخل دوامتها الخاصة وتجذب الآخرين للدوران فيها دون فائدة أو نهاية.

 

وليست (ليلى) في رواية (الأشباح) على هذا النحو، لأنها لم تُقدَّم  بوساطة الراوي بل قُدِّمت بوساطة الشخصيات الأخرى والحوار الروائي. ومن ثَمَّ نلاحظ شُحّاً في المعلومات عنها بالقياس إلى غزارة المعلومات التي قدّمها الراوي عن سامية في الدوامة. ولكن المعلومات القليلة عن ليلى قُدِّمت أيضاً بتدرُّج اتضح فيه غضبها من تردُّد سميرة وضعفـها ،وحنقها من استغلال ياسر لها، وانشغال أختها هدى بخطيبها عن أمور أسرتها ،وتفاقم مرض أمها. وعلى الرغم من أن رواية الأشباح تعتمد تبعية الحوادث للحبكة، فإن هذه الحوادث التي تُرسِّخ لغز الأشباح في منـزل سميرة المهجور لا تُؤثّر في ليلى فتجعلها تنمو روائياً، بل توضح صفات التمرُّد والحفاظ على السر وضبط النفس لديها .

 

ومهما يكن الأمر فإن مبدأ التدرُّج الذي استعملته قمر كيلاني في روايتي الأشباح والدوامة سمح بعرض الجانب العام من الشخصية الروائية أولاً، ثم الجانب الخاص .وكان في الوقت نفسه انتقالاً من المظهر الخارجي إلى الطبيعة الداخلية، إضافة إلى أنه اختبر مصداقية المظهر والصفات بدمج الشخصيتين في السياق الاجتماعي والأيديولوجي للروايتين.

 

ولاشكّ في أن مبدأ التدرُّج قدَّم شخصيتين ثابتتين ،وكان بناؤهما على هذا النحو مقصوداً للوصول بهما إلى الهدف الذي تريده قمر كيلاني ،وهو تأثير هزيمة عام 1967 في العرب. ولهذا السبب عملت جاهدة على أن تُرسّخ بوساطة مبدأ التدرُّج ثبات الشخصيتين على صفاتهما وطبيعتهما، حتى إذا حقّقت هدفها راحت تطرح مبدأ التحوُّل الذي يُعَدُّ محكاً لاختبار قدرة الشخصية على التغيُّر نتيجة التحولات الكبرى في المجتمع الروائي.

 

وقد قدَّمت قمر كيلاني تمهيداً للتحوُّل يكاد يكون إنهاء للمرحلـة السابقة من حياة الشخصية الروائية. وتحقّق هذا التمهيد بالنسبة إلى سامية عندما قرّرت الذهاب إلى جابر في (دوما). يقول الراوي : (في الطريق تشعر أنها تخرج من سرداب ذاتها. كم أصبحت تنغلق حول هذه الذات وكأن العالم كله هي. كيف السبيل لأن تحطم هذه الصلابة التي تغلفها ؟ صحيح أنها حاولت، لكنها حتى الآن لم تصل إلى نتيجة .لعلها لم تفشل، لكنها لم تنـتصر على شيء في الوقت ذاته. وهذه الزوابع الصغيرة التي أثارتها في الأشخاص الذين حولها ماذا حصدت منها ؟ بل ماذا خلفت لها هي نفسها ؟ لابد من عاصفة كبيرة ... كبيرة.. من أجلها ومن أجل الآخرين. لابـد من هول يهز شجرة حياتهم الضخمة، يملأ آذانهم وعيونهم، وينفض عنهم هذا التقوقع والتبلد والتمحور حول الذات)(93).

 

تسمع سامية، بعد هذا التمهيد، إعلان الحرب، وتروح تنخرط فيها ممرضة وعاملة على مساعدة الآخرين، فتجد ذاتها الحقيقية. وقد جعلتها قمر كيلاني تسقط على الدرج وتفقد ذاكرتها لتوحي بقطع صلتها بماضيها. ومن الواضح أنها استعادت ذاكرتها، ولكنها بعد هذه الاستعادة رفضت الاستمرار زوجة شكلية لكريم، وأنهت علاقة حبها البعيدة بناجي، وبدأت (تشعر أنها تولد من جديد)(94). وكأن الحرب كانت تحوّلاً في حياتها كما كانت بالنسبة إلى حيوات الشخصيات الأخرى في الرواية.

وإذا نشبت حرب حزيران/ يونيو في خواتيم رواية الدوامة، فإنها نشبت قبل بداية رواية الأشباح، وكانت الرواية تصويراً للمرحلة التي تلت الهزيمة مباشرة. أما التحوُّل في شخصية ليلى فقد تحقّق إثر انتسابها إلى المنظمة الفدائية واكتشافها أن أخاها – وهي به معجبة – سبقها إلى هذه المنظمة وأصبح عضواً فعّالاً فيها. وكان التمهيد لهذا التحوُّل رسالة أرسلها أخوها مع صديقه سعيد إلى أمه. ومن ثَمَّ غدا سعيد وسيط ليلى إلى المنظمة، ورفيقها في خطواتها الأولى، وزميلها في العمل الفدائي، وبقي ملازماً لها إلى نهاية الرواية.

ومن الواضح أن التحوُّل لم يكن مفاجئاً في شخصيتي سامية وليلى. فقد كانت صفاتهما مناخاً مواتياً له. ولكن الحرب،وهي حدث خارجي، استطاعت تجسيد هذا التحوّل، وجعلته مصحوباً بتغيير في علاقات الشخصيتين بالشخصيات الأخرى في الروايتين. وهذا كله يشير إلى أن بناء الشخصية الروائية عمل متكامل تُقاس جودته بالتحام عناصره وقدرتها على الدلالة، ولا تُقاس بأهميتها الفكرية المجردة أو بمحاكاتها شيئاً في الواقع الخارجي. وقد بُنِيت الشخصية الروائية عند قمر كيلاني على هذا النحو من الالتحام، من المعلومات المبعثرة عن المظهر الخارجي والصفات إلى التدرُّج في اختبار مصداقية الصفات لبيان ثباتها قبل تحوُّلها بفعل حدث خارجي كبير.

 

ولكن قمر كيلاني انسجاماً مع التقاليد الجمالية للرواية العربية، وتأثُّراً بطبيعة المجتمع العربي، أضافت إلى عناصر بناء الشخصية عنصرين آخرين، هما : الشخصية الجاذبة والاسم الشخصي.

 

أما الشّخصيّة الجاذبة فهي التي تشدّ الآخرين إليها داخل المجتمع الروائي، وتجعلهم يتخذونها محوراً لهم، نتيجة مظهرها الخارجي (الجمال) أو وعيها. وقد عزفت قمر كيلاني عن المظهر الخارجي على الرغم من أنها قرّرت في الروايتين جمال سامية وليلى. والواضح أنها لم تجعل من الجمال عنصر جذب للشخصيات الأخرى، وخصوصاً الذكور، كما أنها جعلت سامية تنفي محاولتها استعمال جمالها في إيهام جابر بقدرته على إغوائها. إن وعي الشخصية الروائية هو عنصر الجذب عند قمر كيلاني .وقد توافر هذا العنصر في سامية وليلى، وجعل الآخرين يدورون حولهما ويمتحون منهما. ويستطيع القارىء أن يلاحظ وجود شخصيات كثيرة في الروايتين، ولكن الشخصيتين الجاذبتين تقعان في مركز هذه الشخصيات، لأن الروايتـين راحتا، طوال صفحاتهما، تسلّطان عليهما الضوء وراء الضوء لإبقائهما بارزتين، في حين حرصت الروايتان على إخراج الشخصيات الأخرى من المجتمع الروائي لدى انتهاء دورها فيه، دون أن تُسلِّط عليها المقدار نفسه من الأضواء .والملاحظ أن الشخصية الجاذبة الواعية عند قمر كيلاني امرأة في الروايتين وليست ذكراً. وفي هذا تعزيز روائي للموقع الحقيقي للمرأة، وهو موقع التأثير في الآخرين بوعيها وليس بجمالها كما جرى العرف الروائي القائل إن جمال المرأة هو العنصر الوحيد الذي يجذب شخصيات الذكور. مما يشير إلى أن قمر كيلاني حرصت في الروايتين على مخالفة الاهتمام بمظهر المرأة ،وسعت إلى ترسيخ الاهتمام بفكرها ووعيها وقدرتها على الإسهام في المجتمع.

 

وأما الاسم الشّخصيّ فالحديث عنه طويل، ولكنْ من المفيد الإشارة إليه لأنه عنصر مهمل في نقد بناء الشخصية الروائية. وعلى الرغم من أنني لا أملك معرفة بالأسباب التي دعت قمر كيلاني إلى استعمال الأسماء الشخصية في روايتيها الأشباح والدوامة، فإن قائمة هذه الأسماء قادتني إلى اتباعها الأعراف الروائية السائدة في الرواية العربية، وإضافتها إليها شيئاً يتعلّق بها. ذلك أن هناك عرفاً في الرواية العربية يستمد أصوله من الأديان السماوية ،هو تسمية بعض الشخصيات الروائية بأسماء الأنبياء وزوجاتهم، أو أسماء الصحابة، أو التابعين، أو الفقهاء … واتباع هذا العرف واضح عند قمر كيلاني في استعمالها اسمي (هاجر وصفية) في رواية الدوامة، و (يوسف) في رواية الأشباح. وهناك عرف آخر مستمد من أن المجتمع العربي ما برح يتشبّث بالأسرة. وقد تجسّد هذا العرف في نسبة الأسماء الشخصية إلى أسر محدَّدة، كآل الجابر في رواية الأشباح، والشامي في رواية الدوامة. وهكذا نرى : كريم السعدي – فادية توفيق – بشير العون – ناجي المهدي – مازن النجار – يوسف الأسمر – ياسر الفرحان … لكل اسم نسبة يُعرَف بها، ويندر أن نرى شخصية لا تُعرَف بنسبتها ،كجابر وسالم ورنا في الدوامة. بيد أن العرف الروائي الذي يفرض تحديد الشخصية يُعوِّض عن النسبة المفقودة بشيء آخر جغرافي أو مهني أو غير ذلك .فجابر جار سامية، وسالم دكتور، ورنا فلسطينية. وليس هناك مقياس ثابت لاختيار النسبة في الرواية العربية، ولكنني أعتقد بأن الروائيين العرب يتحاشون النسب المعروفة في الواقع الخارجي ،حرصـاً على ألا يذكروا اسماً له شبيه في المجتمع المحيط بهم، ولهذا السبب تراهم يلجؤون إلى النسب المستمدة من المهن أو المدن أو غير ذلك، فمازن (النجَّار) ومجيد (الشامي). كما يهربون من الأمر نفسه باستعمال الكنى في تسمية النساء : أم هاني – أم حسّان.

والواضح أن قمر كيلاني لم تخالف الأعراف الروائية السائدة بالنسبة إلى الاسم الشخصي، ولكنها أضافت إليها شيئاً يخصّها وحدها. فالأم عندها في الروايتين مريضة في بداية الرواية، ثم تموت نتيجة مرضها. والأب في الروايتين متوفَّى. وعلى الرغم من أن الأسرة في الروايتين تحمل نسبة الأب، فإن الأم تنهض وحدها بمهمة تربية الأولاد. ولذلك لم تُطلق عليها قمر كيلاني في رواية الأشباح أيّ اسم شخصي، انطلاقاً من أن لفظة (الأم) كافية. وقد سمّتها في رواية الدوامة (هنية)، ولكنها استعملت لفظة (الأم)  بأكثر مما استعملت الاسم الشخصي، ونادراً ما قرنت لفظة الأم بالاسم الشخصي. أما نسبة الأم فمجهولة في الروايتين. وربما قصدت قمر كيلاني من نسبة (الشامي) في رواية الدوامة تخصيص البرجوازية التي تحدّثت عنها بدمشق وحدها، ولكن هذا الأمر من قبيل الاستنـتاج والتأويل على الرغم من أن الروائيين العرب لجؤوا كثيراً إلى إضفاء صفاتٍ على الشخصيات تُجسِّدها أسماؤهم أو نسبتهم.

 

الأبعاد والمستويات :

هناك أسلوب آخر في بناء الشخصية الروائية، نراه واضحاً في (صخرة الجولان)(95) لعلي عقلة عرسان، هو بناء شخصية ذات أبعاد ومستويات عدّة ، تتضافر جميعها في الكشف عن طبيعتها الاجتماعية والإنسانية والأيديولوجية والنفسية داخل الرواية . وتحتاج مثل هذه الشخصية إلى تحليل مغاير يلاحظ العناصر والأبعاد والمستويات وهي تتكامل داخل النص وتبني الرواية. إنه تحليل يزعم أن هناك تداخلاً بين أيديولوجية الرواية والمستوى النفسي لشخصياتها، فضلاً عن محاولته الفنية تحليل الضمائر على أنها عنصر فني ضمن بنية واحدة هي النص الروائي.

 

سعت رواية (صخرة الجولان) إلى إقناع القارىء برؤيا علي عقلة عرسان، القائلة إن مصلحة الوطن فوق مصلحة الفرد، دون أن يكون هناك تعارض بينهما. وقد تجلى سعيها إلى إقناع القارىء برؤياها في بنية روائية مقنعة بشخصيتها المحورية محمد المسعود . وإذا رحتُ أحلِّل هذه البنية بحثاً عن أسلوب بناء محمد المسعود، الشخصية المحورية المقنعة، لاحظتُ أن (صخرة الجولان) تضم اثني عشر فصلاً، انصرفت ستة فصول منها إلى ضمير المتكلّم (1-3-4-7-9-12)، وستة أخرى إلى ضمير الغائب (2-5-6-8-10-11). وعلى الرغم من التعادل الشكلي بين الفصول الخاصة بضمير المتكلم (محمد المسعود) والفصول الخاصـة بضمير الغائب (زينب والآخرون)، فإن اهتمام السياق الروائي بمحمد المسعود لم يفتر طوال الفصول الخاصة بضمير الغائب. بل إن هذه الفصول موضوعة أساساً لتكملة الجوانب التي تحدَّث عنها محمد المسعود، وبيان خلفياتها وواقعها الروائي. وفي الحالات كلها انصرفت فصول ضمير الغائب إلى زينب زوجة محمد المسعود، وحالها في القرية بعد ذهاب زوجها إلى الخدمة العسكرية الاحتياطية، ما عدا فصلاً واحداً (هو العاشر) انصرف إلى الجنود الأسرى الذين قابلهم محمد المسعود. وهذا يدل على أن محمد المسعود مركز الرواية ومحورها. وحين دقّقتُ في الفصول التي تحدّث فيها بضمير المتكلّم، لاحظتُ وجود ثلاثة أبعاد في شخصيته، هي :

 

1 – البعد الإنساني :

عاش محمد المسعود حياته فقيراً، يركض وراء حاجاته اليومية فلا يبلغها إلا بشقِّ النَّفْس. وهو، في ذلك، صورة عن أبيه الفقير الذي عرف ألـواناً من الاستغلال طوال حياته. إنه فقير معدم ابن فقير معدم، سعى للحصول على وظيفة في وطنه تدفع عنه غائلة الفقر والجوع فلم يُوفَّق. طرق أبواب المسؤولين فلم يستمع إلى رجائه أحد. وعلى الرغم من أنه لم ينل أيّاً من حقوقه في الوطن الذي يحبه، فقد طولب  بأداء واجبه الوطني، وسيق إلى الخدمة العسكرية الاحتياطية.

 

2 – البعد الاجتماعيّ :

حين رغب محمد المسعود في الزواج من زينب اضطر إلى العمل في الكويت ليجمع المهر، وليتمكّن من الإنفاق على أسرته الجديدة. وكأن المجتمع الذي حرمه من حقوقه هو الذي فرض عليه الرضوخ للعادات والتقاليد، فلم يعفه من المهر الكبير، ولم يسمح له بالركون إلى زوجته، بل دفعه إلى الهجرة إلى الكويت ليعيل هذه الزوجة، ثم فرض عليه واجباً آخر هو الخدمة الاحتياطية، دون أن يكون لديه مال يتركه لزوجته وأطفاله بعد التحاقه بهذه الخدمة.

 

3 – البعد الوطنيّ :

تترك الرواية محمد المسعود يتحدث داخل البعد الوطني ؛ أي بعد سوقه إلى الخدمة الاحتياطية، ووجوده في الجبهة لقتال العدو. تتركه يتحدَّث عن قهره الإنساني والاجتماعي، وكأنها تتساءل بشكل غير مباشر عن موقف هذا المقهور من وطنه. أو إن القارىء يتوقع أن تكون الرواية راغبة في طرح هذا السؤال بعد أن وضَّحتْ بعدي محمد المسعود الإنساني والاجتماعي. ولكنه يُفاجأ بأن الرواية تؤكّد حبَّه وطنه، وتتركه يُشخِّص الصخرة ليناجيها وتناجيه، حتى تصبح هذه الصخرة في عيني القارىء وطناً يحتاج إلى حماية، وأسرةً تحتاج إلى مدافع عنها، وأناساً لا يخلدون إلى النوم ولا يعرفون للسعادة طعماً ما لم يكن هناك رجال يدفعون عنهم العدو. ومن ثَمَّ يلاحظ القارىء أن حبَّ الوطن عند محمد المسعود يرتفع فوق القهر الإنساني والاجتماعي دون أن يلغيه. وفي الظن أن رؤيا علي عقلة عرسان تكمن في هذه النقطة، في أن مصلحة الوطن فوق مصلحة الأفراد، دون أن يعني ذلك أي إلغاء لحقوق الفرد الإنسانية والاجتماعية. ومن المفيد القول إن  مصلحة الوطن في (صخرة الجولان) ليست عاملاً خارجياً، وليست شيئاً مفروضاً، بل هي شيء نابع من الذات، وحب أسمى من العواطف العابرة والحاجات الآنية. فقد ناجى محمد المسعود الصخرة وشخَّصها بدافع داخلي صرف. وحين اشتبك مع العدو فرّت من مخيّلته صورة بكاء زينب ومعاناتها، ونسي نفسه وآلامه، وراحت زوجته تلتحم بأمه ووطنه وأولاده، حتى خُيِّل إليه أنه – بقتاله العدو – يحمي أمه وزوجته وأولاده، ويوفِّر الأمن والسعادة للآخرين. أحسَّ أن (الوطن بكل ما فيه، أرضه وصخره وناسه كلهم يقفون معه، ويحرصون على سلامته، ويدفعونه إلى مواصلة الرمي)(96)، وشعر أن أمراً كبيراً يُحرِّكه من الداخل(97)، فأشياء الوطن كلها تحتاج إلى حماية وتضحية(98).

 

وما يكاد قارىء (صخرة الجولان) يستقر إلى البعدين الإنساني والاجتماعي في كشفهما عن جانب جديد من شخصية محمد المسعود، حتى يواجه أمراً آخر. فقد تابع الحدث الروائي تقدُّمه وحمل معه امتحاناً جديداً للبعدين نفسيهما في مواجهة البعد الوطني. ذلك أن محمد المسعود جُرح في أثناء القتال، وأُسر، واقتيد إلى المستشفى أول الأمر، ثم دفع العدو إليه محقِّقاً من أصل عربي ليفاوضه على حياته وعودته إلى أولاده وزوجته في مقابل الإدلاء بالمعلومات العسكرية التي يعرفها عن جيشه. وفي ظن المحقّق أن العجز الجسدي الذي نتج عن مضاعفات الجروح في جسد محمد المسعود، سيساعده في الحصول على المعلومات العسكرية، ولكنّ محمد المسعود تناول قضية الاعتراف من زاوية أخرى.   

 

 1 – المستوى الأيديولوجي :

سبق القول إن رؤيا علي عقلة عرسان في (صخرة الجولان) هي أن مصلحة الوطن فوق مصلحة الأفراد، دون أن يعني ذلك أي إلغاء لحقوق الفرد الإنسانية والاجتماعية. وليست القضية هنا في القول إن الرُّؤيا تُوجِّه الرواية، بل القضية في أن هذه الرؤيا تُشكِّل قيمة عامة لرؤيا العالم، تدعو الرواية إليها وتُحبِّذها وتدافع عنها وتجعلها بناءها التحتي الشامل. وهذا هو معنى المنظور أو المستوى الأيديولوجي في رواية (صخرة الجولان) ؛ معنى لا نجده في فقرة دون أخرى من فقرات الرواية، وإنما نعثر عليه مبثوثاً في أجزاء الرواية وبنائها العام ورؤيتها العالم. وليس هذا بغريب، فقد كتب علي عقلة عرسان روايته ليوظِّف هذه الرؤيا توظيفاً جمالياً. ومن ثَمَّ لا فائدة من رفض الرؤيا أو قبولها، تأييدها أو توهينها، انطلاقاً من رؤيا مغايرة أو من الرؤيا نفسها. ذلك لأن الروائي يكتب رواية ؛ أي أنه يرغب في استخدام لغة الفن ليقنع قارئه بالرُّؤيا التي يؤمن بها، وكلما كبر نصيب الرواية من الفن كان الروائي أقدر على توفير هذه القناعة عند القارىء.

 

وهنا، في رواية صخرة الجولان، نقع على قيمة عامة يؤمن بها علي عقلة عرسان، ويدعو القرّاء إليها، هي أن مصلحة الوطن فوق مصلحة الأفراد. لكننا نقع، في الوقت نفسه، على نص روائي لا يطرح أفكاره طرحاً مباشراً، بل يجعلها منطوق محمد المسعود ووعيه وصوته الخاص في الرواية. وبتعبير آخر، فإننا لا نعثر في صخرة الجولان على طرح مباشر للقيمة العامة بأفكارها المتنوِّعة، بل نعثر على إخلاص للفن الروائي تجلّى في بثِّ القيمة في ثنايا الحوادث ودلالاتها، وفي وعي محمد المسعود وسلوكه الروائي. بل إن هناك دليلاً على فنّيّة الرواية، هو ذلك الخيط من الأسى الذي يشعر به القارىء خلف هذه القيمة العامة. ومفاد هذا الأسى أن الوطن لا يهتمُّ بأفراده كما يهتمُّ أفراده به. فهو يُهمل أُسَرَهم ويتركها عرضة للحاجة والاستغلال والخوف، وفي الوقت نفسه يضعهم على الحدود ويطلب منهم أن يدفعوا الأعداء عنه. وهذا الاستنتاج شيء من القصد الفني لا الفكري للرواية، عبَّر الروائي عنه وإنْ كانت القيمة / الرؤيا خالية منه. أي أن النص لم يُوضِّح انحياز علي عقلة عرسان إلى الأفكار الوطنية فحسب، بل وضَّح في الوقت ذاته خلفيّة حامل القيمة والراغب فيها ومؤيّدها، وهي خلفيّة لا ينقصها البعد الإنساني الاجتماعي المؤثِّر في البعد الوطني سلباً وإيجاباً.

 

ثم إن علي عقلة عرسان كان واضح الانحياز إلى رؤياه. ويمكنني التذكير هنا بالإيحاء الدائم بالنفور من استغلال أحمد الحسن، ومن تقاعس الدولة في تأمين حاجات جنودها الإنسانية والاجتماعية، ومن التعذيب الذي ينهض به المحققون الإسرائيليون. فهذه اتجاهات ثلاثة طرحها النص وكان حريصاً دائماً على أن يشعر القارىء بالنفور منها. ومسوّغ هذا النفور أنها تحمل قيماً مناقضة للقيمة الإيجابية التي حرّكتْ سلوك محمد المسعود وشكَّلتْ رؤيته العالم. ولم يُخف علي عقلة عرسان توهينه هذه الاتجاهات وإيحاءه بسلبيتها ومجانبتها الحقَّ والمنطق على الرغم من انتساب بعضها إلى الصديق وبعضها إلى العدو. وكان قادراً على توفير قدر أكبر من قناعة القارىء لو تمكّن من الابتعاد عن مناهضة الاتجاهات التي تخالف القيمة التي يؤمن بها ويدعو الآخرين إليها، ومن السماح للنص بالإيحاء بالقبول والنفور، وبالتالي السماح للقارىء باتخاذ موقف معيَّن مما يفرضه النص عليه.

 

2 – المستوى النّفسيّ :

غير خاف على أحد أن محمد المسعود شخصية محورية في (صخرة الجولان)، وأن عرض الحوادث التي جرت في القرية موظَّف لخدمة الخلفيّة الإنسانيّة والاجتماعيّة له، أو تقديم براهين صادقة على ما توقَّع حدوثه. وقد استخدم علي عقلة عرسان ضمير المتكلم في تقديم شخصية محمد المسعود، وضمير الغائب في تقديم ما جرى في القرية. والظن أن البعد النفسي هو النافذة التي أطلَّ منها على هذه الأمور. ففي الفصول الخاصة بضمير المتكلِّم لا نعثر على شيء خارج ما تراه عينا محمد المسعود أوما يفكِّر فيه. أي أن هذه الفصول تنطلق من المنظور الذاتيّ لشخصيّة محمد المسعود، ثم تُعْنَى بما يفكِّر فيه ويستدعيه ويحاوره ؛ أي أن المنظور الذاتي داخليّ وليس خارجيّاً. ولهذا السبب لا نعثر على أي وصف لهيئة محمد المسعود الخارجيّة، بل نقرأ دائماً نجواه الذاتيّة وحواره الداخلي وعواطفه ورغباته وذكرياته. لا نرى جبل الشيخ أو الطبيعة الصَّمَّاء كما تتجلّى في الواقع، بل نرى الجبل والطبيعة كما يتجلّيان في عيني محمد المسعود. كذلك الأمر في الصخرة. فقد كثر الحديث عنها، ولكننا لا نقرأ وصفاً لها بل نقرأ تشخيصاً وترميزاً وتجريداً لها. وهذا المنظور الذاتيّ الدّاخليّ يوفِّر للقارىء شيئاً غير قليل من القناعة ؛ لأنه يقرأ ما تُقدِّمه الشخصية وما تعرفه عن نفسها وما تحبّه وتنفر منه، ومن ثَمَّ يشعر بأنها قريبة منه أليفة لديه.

 

أما الفصول التي استخدم فيها ضمير الغائب فقد كان مضطراً فيها إلى استخدام تقنية  (الراوي العالم بكل شيء). فهو ،في هذه الفصول، لا يكتفي بعرض ما تُفكِّر فيه زينب وتتمناه، بل يعرض أيضاً ما يفكّر فيه أحمد الحسن وغيره، كما يعرض الهيئات الخارجيّة لزينب وأولادها وأحمد الحسن والمختار، ويلاحق ردود أفعال هذه الشخصيات وما تهمس به في دخيلتها، وينتقل إلى الزنزانة الجماعيّة في إسرائيل ليعرض ما فعله الأسرى السوريون بعد أن اكتشفوا خلو زنزانتهم من محمد المسعود، ويُدقّق في إضرابهم عن الطعام ومطالبتهم بحقوقهم. ولا عجب في هذا كله، فالراوي عالم بكل شيء، يعرف دخيلة الشخصيات وهيئاتها الخارجية وحركاتها في الزمان والمكان. وهذا هو الشيء الذي جعل المنظور النفسي موضوعيّاً، يسمح للراوي بالنيابة عن الشخصيات في عرض نفسها. لكنّ هذه النيابة تخنقها فلا تتمكَّن من الظهور حيَّةً أمام القارىء فتبدو غير مقنعة لديه.

 

إن تقسيم (صخرة الجولان) بين المنظور النفسيّ الذّاتيّ والموضوعيّ جعل النص يترجَّح في ضمان قناعة القارىء. ففي حين ارتفع نصيب فصول ضمير المتكلّم من هذه القناعة، ضعف هذا النصيب في الفصول الخاصة بضمير الغائب. ولو راح علي عقلة عرسان يجعل زينب والآخرين يُقدِّمون أنفسهم من خلال المنظور الذاتي وبضمير المتكلّم لاستطاع تقديم رواية تخلو من هذا التّرجُّح، وتدخل حرم تعدُّد الأصوات، وتغامر بتقديم وجهات نظر متباينة في الحدث الروائي، بحيث تُقدِّم كلُّ وجهة نظر جانباً من الحدث وتجهل الجوانب الأخرى. أما القارىء فهو وحده الذي يعلم الجوانب كلها ويحيط بالحدث ويستطيع اتخاذ موقف نابع من معرفته الكليّة. 

 

يقودنا التحليل السابق إلى ملاحظتين، تنصُّ الأولى على أن الفصول الستة التي استخدمت ضمير المتكلّم أدّت مهمّة التعبير عن الأبعاد الثلاثة (الإنساني والاجتماعي والوطني) في شخصية محمد المسعود، وأن خمسة فصول من الفصول التي استخدمت ضمير الغائب لم تنقل شيئاً جديداً عن هذه الأبعاد، ولكنّها قدَّمت براهين صدقها. فقد عانت زينب من هجرة زوجها إلى الكويت، ثم عانت ثانيةً من ذهابه إلى الخدمة الاحتياطيّة، وإن اختلفت المعاناة في الحالين. ففي أثناء غياب زوجها في الكويت كانت تعاني ألم الفراق والوحدة، ولكنّها في أثناء غيابه في الخدمة الاحتياطيّة كانت وحيدة ومضطرة إلى العمل ؛ لأنها أم لثلاثة أطفال يحتاجون إلى الطعام والشراب دون أن يكون لديها مال يسدُّ هذه الثغرة كما هي حالها حين سافر زوجها إلى الكويت وترك لها ما يُقيم أودها وأود أولادها. إنها ،هذه المرة، موزَّعة بين العمل عند عمِّها جابر ورعاية أولادها. وهذا دليل على أن القهر الاجتماعي الذي أشار إليه محمد المسعود صحيح. فمعاناة زينب نابعة من سوقه إلى الخدمة الاحتياطيّة، ومعاناة محمد المسعود نابعة من سوقه إلى الخدمة ذاتها. كذلك الأمر في القهر الإنساني. فمحمد المسعود وزينب يعانيان الفقر ؛ لأن محمداً لا يملك عملاً يدفع عن أسرته غائلة الجوع. وغير خاف على أحد أن المعاناة الإنسانية هي معاناة اجتماعية، والعكس صحيح أيضاً، وكأنّ البعدين الإنسـانيّ والاجتماعيّ متَّحدان، يؤثِّر كلٌّ منهما في الآخر. فهل يعني ذلك أن علي عقلة عرسان بنى شخصية محمد المسعود بوساطة الأبعاد والمستويات، بحيث وظَّف فصول الرواية كلها لخدمة هذه الأبعاد والمستويات ؟. نعم، هذا ما فعله علي عقلة عرسان في أثناء بنائه شخصية محمد المسعود في صخرة الجولان، ولكنني أنظر إلى هذه الأبعاد والمستويات من جانب آخر هو قدرتها على تقديم الشخصية الروائية ؛ لأن تقديم الشخصية الروائيّة المقنعة التي تحمل في تضاعيفها حسَّ الحياة يحتاج إلى بناء أبعاد الشخصية ومستوياتها كلها، وهذا ما فعله علي عقلة عرسان في أثناء بنائه شخصية محمد المسعود.

 

أما الملاحظة الثانية فهي توافر إمكانية التشكيك في قدرة الأبعاد والمستويات وحدها على ضمان قناعة القارىء المتلقي بالشخصية الروائية ؛ لأنه سرعان ما يسأل الروائي عن المصدر الذي استقى منه معلوماته. ذلك لأن الأبعاد داخليّةٌ، تعتمل في نفس صاحبها، وليست أشياء خارجية ماديّة. والواضح أن علي عقلة عرسان سدَّ هذه الثغرة بسماحه لمحمد المسعود بأن يُقدّم نفسه للقارىء بوساطة ضمير المتكلِّم. وغير خاف على أحد أن ضمير المتكلم أدى هنا مهمّتين، الأولى هي أن الشخصية الروائية أكثر دراية بعواطفها وأحاسيسها وأفكارها من أي إنسان آخر ؛ لأن هذه الأشياء خاصة بها وحدها. ويستطيع الروائي ضمان قدر أكبر من قناعة القارىء بالشخصية إذا تركها تعرض أفكارها بنفسها، وتُحلّل أمام القارىء أحاسيسها وآراءها وتأثير واقعها في حياة أسرتها. فإذا قدّمت ذلك كله ضمنت للروائي موضوعيّة عرض الشخصية دون تدخُّل منه. أما المهمّة الثانية فهي قدرة ضمير المتكلم على ضمان تقديم الشخصية من الداخل إلى الخارج وليس العكس. وهذا الأسلوب في التقديم يبني شخصية متكاملة حيّةً لا يستطيع الناقد العزوف عن تحليلها في مقارباته النقدية للنصوص الروائيّة، ولا يملك غير تخصيص فصل يخصُّ الرُّؤيا الرّوائيّة وحدها.

 

إحالات الفصل الأول

( مفهوم البناء الروائي ):

1 – انظر ما كتبه روشين في كتاب (بحوث سوفييتيّة في الأدب العربي)، ترجمة : خيري الضامن، دار التقدم، موسكو، 1978، ص 277

2 – نصَّ الدكتور منصور إبراهيم الحازمي على تأثُّر أحمد السباعي في روايته (فكرة) الصادرة عام 1948 بجبران خليل جبران، وعلى أن الروائيين السعوديين عرفوا الأدباء الغربيين عن طريق الأدباء العرب، ولم يعرفوهم عن طريق القراءة المباشرة لهم. انظر : د. منصور إبراهيم الحازمي : فن القصة في الأدب السعودي الحديث، دار العلوم للطباعة والنشر، الرياض، 1981، ص 21   

3 – فؤاد دوّارة : عشرة أدباء يتحدثون، كتاب الهلال 172، القاهرة، 1965، ص 267. أما مترجم الروايات البوليسية التي قرأها نجيب محفوظ فهو حافظ نجيب .

4 – صرّح محمود تيمور بذلك في مقالته (كيف أصبحتُ قصصياً) المنشورة في مجلة (المجلة) عام 1962. راجع المقالة نفسها في : محمد كامل الخطيب : نظرية الأدب، وزارة الثقافة، دمشق، 1990، ص 268 وما بعد. وانظر تصريح تيمور في ص 269. 

5 – المرجع السابق، ص 268

6 – المرجع السابق، ص 270

7 – المرجع السابق، ص 274

8 – المرجع السابق، ص 270 و : د. سيزا قاسم : بناء الرواية، دار التنوير، بيروت، 1985، ص 26

9 – نصَّ محمد أبو خضور في كتابه : دراسات نقدية في الرواية السورية (اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1981) على أن حنا مينة احتذى في روايته : المصابيح الزرق (1954) رواية نجيب محفوظ : زقاق المدق (1947). انظر ص 16 وما بعد. وأكَّد الدكتور سيّد حامد النسّاج في كتابه : بانوراما الروايـة العربية (دار المعارف، القاهرة، 1980) أن الرواية العربية في مصر كانت تُوضع دائماً موضع المثال الذي ينبغي أن يُحتـذى من طرف كتّاب الرواية في سورية. انظر ص 110

10 – تُشكِّل الأمور السابقة أسَّ الرؤيا الواقعية. لمزيد من التفصيـل انظر : ر. م. ألبيريس: تاريخ الروايـة الحديثة، ترجمة : جورج سالم، دار عويدات، بيروت، 1967، ص 88 وما بعد. 

11 – المراد هنا التلاعب التقليدي بالزمن (القفز والتلخيص مثلاً) وليس التلاعب به حسب مفهوم الرواية الجديدة.

12 – ولا توحي أيضاً.

13 – اوستن وارين ورينيه ويلك : نظرية الأدب، ترجمة محيي الدين صبحي، المجلس الأعـلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية، دمشق، 1972، ص 290

14 – د. محمد يوسف نجم : فن القصة، دار بيروت للطباعة والنشر، بيروت، 1955، ص 73

15 – هذه النظرة نابعة من نظرة الروائي التقليدي إلى (الواقع)، أو مفهومه عنه إنْ شئنا الدقة. ومفاد هذا المفهوم قدرة الروائي على الإمساك بخيوط الحياة ونقلها إلى العالم الروائي المغلق، ومن ثم التأثير في القارىء وجعله يرى، من خلال الرواية، ما لم يكن يراه على نحو واضح دقيق في الحياة حوله.

16 – الروائي التقليدي الجيد يُري القارىء (الصورة البصرية)، والأقل جودة يخبره عنها.

17 – وخصوصاً الثلاثية : بين القصرين (1956)، قصر الشوق (1957)، السكرية (1957)

18 – عبد السلام العجيلي : قلوب على الأسلاك (1974)، المغمورون (1978)

19 – الطاهر وطار : اللاز (1974)، عرس بغل (1978)

20 – أحمد إبراهيم الفقيه : حقول الرماد (1985)

21 – قمر كيلاني : الدوامة (1983). وسأحلل هذه الرواية في أثناء حديثي عن الشخصية وأساليب البناء .

22 – عبد الحميد بن هدوقة : ريح الجنوب، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، الط 4، 1980

23 – يحيى قسّام : نداء الصفصاف، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1990  

24 – وهيب سراي الدين : سلاماً يا ظهر الجبل، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1989

25 – محمد صالح الجابري : البحر ينشر ألواحه، الدار العربية للكتاب، ليبيا / تونس، 1975

26 – غادة السمان : ليلة المليار، منشورات غادة السمان، بيروت، 1986

27 – أديب نحوي : سلام على الغائبين، دار الوحدة، بيروت، 1981

28 – أحمد ولد عبد القادر : الأسماء المتغيرة، دار الباحث، بيروت، 1981

29 – فؤاد القسوس : العودة من الشمال، وزارة الثقافة والشباب، عمَّان، د.ت (أرجِّح : 1977)

30 – خيري الذهبي : فياض (1990). سأحلل هذه الرواية في أثناء حديثي عن بناء السرد والمشهد.

31 – غالب هلسا : الخماسين، دار الثقافة الجديدة، القاهرة، 1975، ص 3 – 5 – 14 – 24 – 32 – 34 – 36 – 38 – 48 – 52 – 54 – 55 – 56

32 – فيصل حوراني : المحاصرون، دمشق، 1973، ص 5 – 6 – 9 – 12 – 17 – 18 – 30 – 40 – 42 –   48 – 59.

 

33 -  شريف حتاتة : العين ذات الجفن المعدنية، ص 34 – 40 – 48 – 53 – 54 – 56 – 58 – 60 – 61 – 62 – 72 – 73 – 76 – 106 – 146. ولمزيد من التفصيل انظر : سمر روحي الفيصل : السجن السياسي في الرواية العربية، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1983، ص 208 و 247

34 – قرن توماشفسكي الراوي العالم بكل شيء بالمؤلف. انظر (نظرية الأغراض) ضمن كتاب (نظريـة المنهج الشكلي، نصوص الشكلانيين الروس)، ترجمة إبراهيم الخطيب، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، 1982 ص 189

35 – عبد النبي حجازي : صوت الليل يمتد بعيداً، دار الأهالي، دمشق 1990

36 – نبيل سليمان : هزائم مبكرة، اتحاد الكتاب العرب، دمشق 1985

37 – تيسير سبول : أنت منذ اليوم (1980). سأحلّل هذه الرواية في أثناء حديثي عن الشخصية والراوي .

38 – يحيى قسّام : الحلم الوردي، دار إيبلا، دمشق 1989

39 – نبيل سليمان : الأشرعة، دار الحوار، اللاذقية، 1990

40 – عُني عبد النبي حجازي برواية الشخصية في رواياته كلها : قارب الزمن الثقيل

(1970) - السنديانة (1971) – الياقوتي (1977) – المتألق (1980) – المتعدد

(1982).

41 – ياسين رفاعية : مصرع ألماس، الأهلية للنشر والتوزيع، بيروت، 1981

42 – أستثني من هذا الحكم مكاناً واحداً تدخَّل فيه نجيب محفوظ في (بين القصرين)، هو ص 30 انظر أيضاً : د. سيزا قاسم : بناء الرواية، ص 191

43 – محمد عز الدين التازي : رحيل البحر، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1983

44 – سعيد يقطين : القراءة والتجربة، دار الثقافة، الدار البيضاء، 1985، ص 263

45 – صنع الله إبراهيم : تلك الرائحة، دار الثقافة الجديدة، القاهرة، 1970

46 – د. أحمد الزعبي : في الإيقاع الروائي، دار الأمل، عمان، 1986، ص 13

47 – الطيب صالح : موسم الهجرة إلى الشمال، دار العودة، بيروت، الط 2، 1969

48 – سامي سويدان : أبحاث في النص الروائي، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، 1986، ص 145

49 – إبراهيم الكوني : المجوس، الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلان / دار الآفاق الجديدة، ليبيا / المغرب، 1990 

50 – حسن بحراوي : بنية الشكل الروائي، المركز الثقافي العربي، بيروت / الدار البيضاء، 1990، ص 212

51 – المرجع السابق، ص 213

 

خطاب الحكاية وافتتاحية الرواية :

1 – د. مانع سعيد العتيبة : كريمة، الإمارات العربية المتحدة، أبو ظبي، 1999

2 – المصدر السابق، ص17

3 – المصدر السابق، ص 31

4 - قالت كريمة لمجاهد وهي تُسوّغ طلبها العمـل : (لو أعطيتني هذه الفرصة فإنك تنقذني وتنقذ أسرتي من الضياع). انظر الرواية، ص 89

5 – المصدر السابق، ص 99

6 – المصدر السابق، ص 339

7 – المصدر السابق، ص 343 و 349

8 – المصدر السابق، ص 345

9 - قدَّم الدكتور عبد الملك مرتاض في : في نظرية الرواية، بحث في تقنيات السرد (عالم المعرفة 240 – الكويت 1998) مناقشة جادة لافتة للنظر لعلاقة المؤلف بالسارد. انظر ص 258 وما بعد

10 - وردت الأبيات في الصفحات الآتية من رواية (كريمة) : 93-161-162-163-197-379-383-395-396-410-428-429-430-505-506-554-555

11 - ورد البيتان في ص 242 من : كريمة

12 -  انظر الرواية ص : 151-408-482-521-547

13 - الاعتماد هنا على الطبعة الرابعة من ديوان (ضياع اليقين)، الصادرة في كانون الثاني/يناير 1998

14 - القصائد التي أُبدعت في الرباط هي : تحت المطر – آخر ما لديّ – لأني أحب ابتسامة ثغرك – زهور الحب – عويل الذكرى. انظر ديوان : ضياع اليقين (ط4/1998) ص : 14-72-78-84-88 على التوالي.

15 - القصائد التي أُبدعت في غنتوت هي : بكاء السماء – صوتها والهوى – صورة ورسالة – من وزير البترول إلى شركات البترول، سري وعاجل – أحبك. انظر ديوان : ضياع اليقين (ط4/1998) ص 22-40-100-105-110 على التوالي.

16 - لمزيد من التفصيل انظر : جيرار جنيت : خطاب الحكاية، بحث في المنهج،  ترجمة : محمد معتصم – عبد الجليل الأزدي – عمر حلي، المشروع القومي للترجمة، القاهرة، الط2، 1997، ص 201 وما بعد

17 – مانع سعيد العتيبة : كريمة، ص 311-312

18 - ورد ذكر الإمارات مرتين في الرواية على أنها وطن أبي يوسف. انظر ص 573 و 617 من : كريمة.

19 - د. سيزا قاسم : بناء الرواية، ص 40

20 - الاعتماد هنا على طبعة مكتبة مصر، القاهرة، د.ت

21 - من الدراسات البنيوية التي عُنيت بافتتاحيّة الرواية العربية :

-نقد الرواية من وجهة نظر الدراسات اللغوية الحديثة – د. نبيلة إبراهيم سالم، النادي الأدبي،   الرياض 1980.

-بناء الرواية، د. سيزا قاسم .

-النقد البنيوي والنص الروائي، محمد سويرتي، دار أفريقيا الشرق، المغرب، الدار البيضاء  1991

-الاستهلال، فن البدايات في النص الأدبي، ياسين النصير، وزارة الثقافة، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد 1992

22 - عبد الكريم ناصيف : البحث عن نجم القطب، دمشق 1985

23 - عبد الكريم ناصيف : المد والجزر، الصعود، دمشق 1986

24 - عبد الكريم ناصيف : المخطوفون، دمشق 1991

25 - هناك ما يشير إلى أن البنيويين اقتفوا أثر كلود ليفي شتراوس الذي استنبط الثنائيات من الأساطير، ولكنهم لم يكتفوا مثله بالأساطير، بل أضـافوا إليها القصص الجمعي واستخلصوا منها الوحدات الوظيفيّة الأساسيّة. انظر : محمد سويرتي : النقد البنيوي والنص الروائي، ص 30

26 - د. نبيلة إبراهيم سالم : نقد الرواية من وجهة نظر الدراسات اللغوية الحديثة، ص 57

27 – المرجع السابق نفسه

28 – المرجع السابق، ص 58

29 - المرجع السابق، ص 76

30 - سمر روحي الفيصل : تجربة الرواية السورية، اتحاد الكتاب العرب، دمشق 1985، ص 231

31 – عبد الكريم ناصيف : البحث عن نجم القطب، ص 7

32 – عبد الكريم ناصيف : المخطوفون، ص 36

33- المصدر السابق، ص 9

34 - المصدر السابق، ص 41. الواضح أن الافتتاحيات الثلاث تتشبَّث بالرحلـة على اختلاف بينها في ذلك. فراضي في (البحث عن نجم القطب) يرحل في الافتتاحية إلى جمادى الثانية، ولكن هدفه عادي هو ملاحقة بعض أعمال أبي صفوان. وحاتم في (الصعود) يرحل إلى دمشق، ولكن هدفه عادي أيضاً، هو معرفة المكان الذي سيعيَّن فيه بعد عودته من الاحتياط. ولهذا السبب لم تكن الرحلة في الروايتين سبيلاً إلى تحقيق الهدف من الخروج كما هي الحال في رحلة السفينة في (المخطوفون).

35 - د. سيزا قاسم : بناء الرواية، ص 40

36 - كوليت خوري : أيام مع الأيام، دمشق 1980

37 – المصدر السابق، ص 16

38 - المصدر السابق، ص 30

39 - المصدر السابق، ص 7

 

منظور الراوي والروائي:

1 – عبد الكريم ناصيف : الطريق إلى الشمس، تشريقة آل المر، دمشق 1992. وقد صدر جزء ثان من الرواية بعنوان : الطريق إلى الشمس، شرق غرب – دمشق 1996. والحديث، هنا، عن الجزء الأول (تشريقة آل المرّ).

2 - الأفعال التي تنم على معرفة الراوي بدخيلة الشخصيات في رواية (الطريق إلى الشمس) كثيرة، منها : ردّد في سره – يتمنى – تتمنى – يتعجّب – يسأل نفسه – سمع – يخشى – يحلم – تذكّر – تتذكّر – أحس – يُحدِّث نفسه – يشك – قال في نفسه – قال في سره – تُصمّم – تشعر – يشعر – يحس – أدرك – حزّ في نفسه –تقول لنفسها – يفكّر – تفكّر – علم – أدركت – تتساءل في سرها - دعت ربها في السر – شيء ما في نفسه يقول – يقول في نفسه – الحزن ملء قلبه  –قلبها يتفتّت ونفسها تتمزّق – يوبّخ نفسه – يخاطبها سراً – قلب عزيز يتفطّر حزناً ونفسه تتمزّق حسرة – أقسم أبو يوسف في سره – يخاطب نفسه – آلاف الأسئلة تدور في رأسه – حدَّث نفسه – ضحك في سره – كان يود في قرارة نفسه – راح يتساءل علناً بعد أن تساءل سراً – في صدرها تفجّر ينبوع فرح دائم – في نفسه مزيج من حزن وفرح  –يرغب – قرّر عزيز في سره – تابع مخاطبة نفسه – يشحذ زناد أفكاره – لمعت في ذهنه فكرة – عادت إلى ذهنه صورة امرأة أخرى.

3 - الأفعال المنفية الدالة على معرفة الراوي بدخيلة الشخصيات ليست كثيرة في رواية (الطريق إلى الشمس)، وهذه هي مقرونة بالصفحات التي وردت فيها : لا يعلم 262/458 – لا يدري 305/406 – لم يكن يعلم 391 – دون أن يعلم 391 – لا يشعر 317 – لا يتألم 293 – لا يعرف 280 – لم يعرفها 261 – لم يدرك 242.

4 -  عبد الكريم ناصيف : الطريق إلى الشمس، ص 200

5 – المصدر السابق، ص 201

6 – المصدر السابق، ص 206

7 - انظر هذه اللفظة في الصفحات الآتية من الرواية : 221 / 229 / 299 / 300 / 343 / 357 / 372 / 379/ 386/ 405/406 / 410/ 430/ 441 / 448 / 450/ 515 .

8 – عبد الكريم ناصيف : الطريق إلى الشمس، ص 457

9 – المصدر السابق، ص 88

10 – المصدر السابق، ص 97

11 – المصدر السابق، ص 217

12– المصدر السابق، ص 97

13 – المصدر السابق، ص 241

14 – المصدر السابق، ص 59

15 – المصدر السابق، ص 60

16 - د. سلطان بن محمد القاسمي : الأمير الثائر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة  1998، ص 7.

17 - من المعروف أن هناك روائيين يكتبون مقدمات مضلِّلة للقارىء والناقد، وهم يقصدون من عملهم دفع القراءة في اتجاه معيَّن، كما فعل نبيل سليمان في روايته (هزائم مبكِّرة).

18 - منها : سيّد قريش/1928 - عمر بن الخطاب/1936 – طارق بن زياد/1941

19 - منها : فارس بني حمدان/1945 – الشاعر الطموح/1947 – مرح الوليد/1948

20 - المراد : وا إسلاماه/1945 – الثائر الأحمر/1949

21 - بدأ الحديث عن الأمير مهنا في الصفحة الخامسة عشرة، وانتهى في الصفحة 112

22 - مصطلح التبئير تطوير لمصطلحات (وجهة النظر) و (المنظور) و (زاوية الرؤية). انظر : جان هيرمان : السرديـات، ص 11 وما بعد. و : جيرار جنيت : المنظور، ص 55 وما بعد. (الدراستان السابقتان ضمن كتاب : نظرية السرد من وجهة النظر إلى التبئير، مجموعة من المؤلفين، ترجمة : ناجي مصطفى، منشورات الحوار – الدار البيضاء 1989). و : د. سيزا  قاسم : بناء الرواية، ص 175 . و : سعيد يقطـين : تحليل الخطاب الروائي، المركز الثقافي العربي، بيروت/الدار البيضاء 1989، ص 292 وما بعد.  

23 – سلطان بن محمد القاسمي : الأمير الثائر، ص 20/21/22.

24 – المصدر السابق، ص 25

25 – المصدر السابق، ص 34

26 - عبد الفتاح الحجمري :  (هل لدينا رواية تاريخية ؟) – مجلة (فصول)، المجلد 16، ع 3 – القاهرة، 1998، ص 61

27 - ذكر الدكتور نبيل راغب أن الرواية (بدأت في اتخاذ الشكل الحديث المعروفة به حالياً عندما انفصلت عن سرد الحقائق التي وقعت بالفعل، وتحوّلت إلى تشكيل فني يعتمد على خيال الروائي بالدرجة الأولى). انظر : دليل الناقد الأدبي – مكتبة غريب – القاهرة 1981 – ص 82

28 - انظر على سبيل التمثيل لا الحصر ص : 15/16/17/25/26 من  (الأمير الثائر).

 

29 - انظر على التوالي ص : 19 /20 /25 /29 /31 /33 /37 /43 /60/64/70/71 من (الأمير الثائر).

30 - للتفصيل انظر : د. سمر روحي الفيصل : بناء الروايـة العربية السورية، اتحاد الكتاب العرب، دمشق 1995، ص 299

31 – جورج لوكاتش : الرواية التاريخية، ترجمة : د. صالح جواد الكاظم، دائرة الشؤون الثقافية العامة، بغداد 1978

 

بناء الفضاء الرّوائيّ

1 - د. أحمد زياد محبك : الكوبرا تصنع العسل، دار القلم العربي، حلب  1996

2 – المصدر السابق، ص 25

3 – المصدر السابق، ص 34

4 – المصدر السابق، ص 13

5 – المصدر السابق، ص 14

6 – المصدر السابق، ص 16

7 – المصدر السابق، ص 77

8 – انظر المصدر السابق، ص 55

9 – انظر المصدر السابق، ص 104 / 105

10 – نبيل سليمان : جرماتي، دار الثقافة الجديدة، القاهرة 1977

11 – انظر بداية المصدر السابق

12 – المصدر السابق

13 – صدرت الطبعـة الثانية من جرماتي عن دار الحوار، اللاذقية . انظر الإشارة إلى المطابقة في مقدمة الطبعة الثانية. 

14 – عبد الفتّاح صبري : الغربان لا تختفي أبداً، مركز الحضارة العربية – القاهرة 2000

15 – المصدر السابق، ص 8

16 – المصدر السابق نفسه

17 – المصدر السابق، ص 28

18 – المصدر السابق، ص 29

19 – اهتم باشلار كما اهتم لوتمان بمفهوم التراتبية في علاقات المكان المعادي.

20 – انظر : عبد الفتاح صبري : الغربان لا تختفي أبداً، ص 21 – 25

21 – فاضل السباعي : الطبل، دار إشبيلية، دمشق 1992

22 – د. حميد لحمداني : بنية النص السردي من منظور النقد الأدبي، المركز الثقافي العربي، بيروت / الدار البيضاء 1991، ص 70

23 – فاضل السباعي : ثم أزهر الحزن، دار إشبيلية، دمشق، الط 2، 1990، ص 10 - 11

24 – انظر المصدر السابق، ص 12

25 – المصدر السابق، ص 19

26 – المصدر السابق، ص 38.

27 – انظر المصدر السابق، ص 61

28 – انظر المصدر السابق، ص 163

29 – حسن بحراوي : بنية الشكل الروائي، ص 32

30 – فاضل السباعي : الطبل، ص 9

31 – المصدر السابق نفسه

32 – د. حميد لحمداني : بنية النص السردي، ص 62 / 63.

 

بناء السرد الروائي :

1 – واين بوث : المسافة ووجهة النظر، محاولة تصنيف، ترجمة : ناجي مصطفى، ضمن كتاب : نظريـة السرد من وجهة النظر إلى التبئير، ص 38

2 – خيري الذهبي : فياض، اتحاد الكتَّاب العرب، دمشق، 1990

3 – يُستثنى من ذلك تدخُّله الآتي في ص 89 من الرواية : (لماذا ؟ وهل يستطيع فياض أن يخبره لماذا ؟ هل يستطيع أن يحدّثه عن روجيه وماتيلد، عن سرّه الخفي).

4 – خيري الذهبي : فياض، ص 18 و ص 339

5 – المصدر السابق، ص 41

6 – حسن بحراوي : بنية الشكل الروائي، ص 232

7 – ورد عُمْر فياض (عشر سنوات) في ص 35 على لسان الراوي، وفي ص 79 على لسان فياض نفسه

8 – خيري الذهبي : فياض، ص 18

9 – المصدر السابق، ص 42

10 – المصدر السابق، ص 339

11 – المصدر السابق، ص 18

12 – المصدر السابق نفسه

13 – وردت العبارة مرات عدّة في الرواية. انظر ص 70 مثلاً.

14 – خيري الذهبي : فياض، ص 390

15 – المصدر السابق، ص 79

16 – المصدر السابق، ص 82 

17 – آثرتُ استعمال مصطلح (زمن الحكاية) بدلاً من المصطلح الشائع (زمن القصة) لأنني أعتقد أنه أكثر دلالة على مفهومه. 

18 – د. حميد لحمداني : بنية النص السردي من منظور النقد الأدبي، ص 76

19 – خيري الذهبي : فياض، ص 25

20 – المصدر السابق، ص 34

21 – المصدر السابق، ص 32

22 – المصدر السابق، ص 33

23 – انظر المصدر السابق، ص 65 و 241 و 427

24 – يُستثنى من هذا الكلام استرجاع قصير ورد في ص 62

25 – د. سيزا قاسم : بناء الرواية، ص 61

26 – المرجع السابق نفسه

27 – حسن بحراوي : بنية الشكل الروائي، ص 132

28 - المرجع السابق نفسه

29 – المرجع السابق، ص 133

30 – التمييز بين التطلعات المؤكَّدة وغير المؤكَّدة للناقد لنتفلت. انظر المرجع السابق نفسه

31 – نصَّ جينت وحسن بحراوي على هذا الأمر. انظر المرجع السابق نفسه .

32 – ورد الاستشراف الأول في ص 10

33 – خيري الذهبي : فياض، ص 10

34 – الإشارة إلى أن فياضاً لبس المعطف المحكمجي لم ترد في رواية (فياض)، بل وردت في رواية (حسيبة) لخيري الذهبي، ص 213 (اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1987)، ورواية حسيبة هي الجزء الثاني من ثلاثيّة خيري الذهبي (فياض – حسيبة – هشام) .

35 – وردت الصيغة على هذا النحو إحدى عشرة مرة في الرواية .

36 – د. أحمد الزعبي : في الإيقاع الروائي، نحو منهج جديد في دراسة البنيـة الروائية، ص 8 وما بعد

37 – حسن بحراوي : بنية الشكل الروائي، ص 144 وما بعد

38 – خيري الذهبي : فياض، ص 68 و 69

39 – انظر المصدر السابق، ص 69

40 – انظر المصدر السابق، ص 70

41 – انظر المصدر السابق، ص 367

42 – انظر المصدر السابق، ص 429

43 – انظر المصدر السابق، ص 452

44 – عبد الكريم ناصيف : البحث عن نجم القطب، دمشق 1985

45 – المصدر السابق، ص 15

46 – المصدر السابق، ص 62

47 – المصدر السابق، ص 65 – 66

48 – المصدر السابق، ص 69 – 70

49 – المصدر السابق، ص 177

 

علاقات الشخصية الروائية

1 – د. غازي القصيبي : العصفورية، 1996

2 – المصدر السابق، ص 301

3 – المصدر السابق، ص 136

4 – للتفصيل انظر : حسن بحراوي : بنية الشكل الروائي، و : سمر روحي الفيصل : بناء الرواية العربية السورية.

5 – غازي القصيبي : العصفورية، ص 20

6 – المصدر السابق، ص 222

7 – لمزيد من التفصيل حول الرواية الرومنتيّة انظر : بول فان تييغيم : الرومانسية في الأدب الأوربي، تر: صياح الجهيّم، 2/285، وانظر خصوصاً : 2/292 حيث يقول تييغيم إن الروايات التي يُطلق عليها عموماً صفة (رومانسية) هي الروايات التي تنطق فيها، على شكل ترجمة ذاتية أو على شكل رسائل في الأغلب، الاحتجاجات على المجتمع والأخلاق الاجتماعية، والمطالبات بحقوق الحب والمرأة، وتمجيد الفرد والهوى مقترناً في الغالب بتمجيد الطبيعة.  

8 - كُتبت رواية (ثم أزهر الحزن) عام 1962، ونُشرت أول مرة في شباط / فبراير 1963 ، ثم نُشِرتْ ثاني مرة عام 1990.

9 – د. يمنى العيد : الراوي، الموقع والشكل، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، 1986، ص 11

10 – د. سيزا قاسم : بناء الرواية، ص 180

11 – المرجع السابق، ص 64

12 – المرجع السابق، ص 70

13 – فاضل السباعي : ثم أزهر الحزن، الط 2، ص 173

14 – المصدر السابق، ص 227 

15 – المصدر السابق، ص 228

16 – المصدر السابق، ص 236

17 – المصدر السابق، ص 249

18 – المصدر السابق، ص 261

19 – المصدر السابق، ص 381

20 – المصدر السابق، ص 382

21 - المصدر السابق، ص 396

22 – صدرت الرواية عن دار النهار ببيروت عام 1968، والاعتماد هنا على النص المنشور ضمن الأعمال الكاملة – دار ابن رشد – بيروت 1980 

23 – للتفصيل انظر : الياس خوري : تجربة البحث عن أفق، مقدمة لدراسة الرواية العربية بعد الهزيمة، منظمة التحرير الفلسطينية، مركز الأبحاث، بيروت، 1974، ص 75 وما بعد. و: د. شكري عزيز ماضي : انعكاس هزيمة حزيران على الرواية العربية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1978، ص 53 وما بعد 

24 – أقصد هنا دراسة سعيد يقطين : تحليل الخطاب الروائي، المركز الثقافي العربي. ومن المفيد الإشارة إلى أن دراسة سعيد يقطين حلّلت تحليلاً شكلياً ناجحاً ثلاثة أمور في رواية (أنت منذ اليوم)، هي : الزمن وصيغة الخطاب والرؤيا السردية.

25 – د. عبد الله إبراهيم : المتخيل السردي، المركز الثقافي العربي، بيروت / الدار البيضاء، 1990، ص 61

26 – محمد سويرتي : النقد البنيوي والنص الروائي ،ص 70

27 – لهذا السبب عُرِّفت الشخصية الروائية بأنها مجموعة من الكلمات أو كائن من ورق.

28 – انظر : حسن بحراوي : بنية الشكل الروائي، ص 214 وما بعد

29 – المرجع السابق - ص 224

30 – يعتقد إيان واط بأن مهمة أسماء العلم هي التعبير عـن الذاتية الفردانية لكل إنسان فرداني قائم بذاته. ويؤدي الاسم هذه المهمة في الحياة الاجتماعيـة وفي الرواية معاً. انظر : إيان واط : نشوء الرواية، ترجمة عبد الكريم محفوض، وزارة الثقافة، دمشق، 1991، ص 18 - 19

31 – د. حسن بحراوي : بنية الشكل الروائي، ص 267

32 – المرجع السابق نفسه .

33 – اللافت للنظر أن يطابق عددُ الشخصيات عددَ صفحات رواية (أنت منذ اليوم)، ولكنني أعزو ذلك إلى المصادفة وحدها.

34 – في الرواية إشارة إلى أن مدينته هي (مدينة الغبار الكثير والشمس الحارة)، وهي (مدينة فريدة على أطراف الصحراء قامت على مخيمات اللاجئين والمعسكرات. بيوتها من الطوب الطيني، تسفيها الرياح الخماسينية صيفاً بلا هوادة). وقد سمّاها في مذكراته (هجير). انظر ص 16 من : أنت منذ اليوم.

35 – نصت الرواية على أن (عربي) خجل من بنطالـه القصير وهو يقابل (المعلم) أول مرة حين انتسب إلى الحزب. انظر ص 13 من : أنت منذ اليوم. إلام يشير البنطال القصير؟ هل يشير إلى أن (عربي) طفل أو يشير إلى أنه فقير ؟. إن النص لا يُقدّم إجابة حاسمة. 

36 – حسن بحراوي : بنية الشكل الروائي، ص 231-232

37 – سنلاحظ، بعد، أن فعلي (سمعت ورأيت) أكثر الأفعال استعمالاً في رواية (أنت منذ اليوم). 

38 – انظر ص 9 من : أنت منذ اليوم

39 – انظر ص 10 من : المصدر السابق

40 – انظر ص 17 من : المصدر السابق

41 – المصدر السابق، ص 18

42 – انظر ص 21 من : المصدر السابق

43 - المصدر السابق، ص 60

44 – انظر ص 19 من : إيان واط : نشوء الرواية

45 – انظر ص 252 من : حسن بحراوي : بنية الشكل الروائي 

46 – المرجع السابق، ص 254

47 – استثنيتُ هنا الشخصيات الأربع التي يضمها النوع السادس، وهي نكرة محض .

48 – تيسير سبول : أنت منذ اليوم، ص 8

49 – المصدر السابق، ص 10

50 – المصدر السابق، ص 8

51 – المصدر السابق، ص 10

52 – هي : مشهد قتل القطة – ص 7، ومشهد الطعام – ص 8 ،ومشهد النقود – ص 13/14.

53 – المصدر السابق، ص 28

54 - المصدر السابق، ص 10

55 – المصدر السابق، ص 19

56 – المصدر السابق، ص 19

57 – المصدر السابق، ص 11

58 – المصدر السابق، ص 16

59 – المحارب أخو عربي.

60 – تيسير سبول : أنت منذ اليوم، ص 25

61 – المصدر السابق، ص 26

62 – المصدر السابق، ص 42

63 – المصدر السابق، ص 43

64 – د. يمنى العيد : تقنيات السرد الروائي في ضوء المنهج البنيوي، دار الفارابي، بيروت، 1990، ص 93

65 – انظر دراسة واين بوث (المسافة ووجهة النظر، محاولة تصنيف)، ص 41، ضمن كتاب : نظرية السرد من وجهة النظر إلى التبئير .

66 – د. عبد الله إبراهيم : المتخيل السردي، ص 119

67 – تيسير سبول : أنت منذ اليوم، ص 7

68 – المصدر السابق، ص 11- 12

69 – المصدر السابق، ص 9 -10

70 – في الرواية – غير ما ذكرته في المتن – فعلان ينمان على معرفة الراوي بدخيلة عربي، هما : أذهلته (ص 12) – يبتئس (ص18)، وعبارة تنم على الأمر نفسه، هي: امتلأ بشعور غير واضح لكنه رائع (ص13).

71 – انظر أيضاً ص 15/18/23

72 – انظر أيضاً ص 31- 32

73 – استعمل عربي فعل (رأيتُه) أربع مرات، و(أراها) ثلاث مرات، ولم يجاوز استعماله الصياغات الأخرى مرتين : أرى – أراهم – لم أر – لم أرها.

74 – من هذه الصياغات : سمعته – سمعتها – سمعتهم – أسمعه – أسمعها.

75 – شوقي بغدادي : المسافرة، دار الآداب، بيروت، 1994

76 - قرأتُ مقدّمة رواية (المسافرة) مرتين بعد فراغي من قراءة متنها. ذلك لأنني أعتقد بأن النص الإبداعي - أي نصّ – يُقدِّم مسوغات حياته وبقائه، فإذا خلا من هذه المسوّغات الفنية لم يشفع له شيء. وهذا لا يعني أن المقدمات ضارّة دائماً، ولكنه يعني أن هناك روائيين يُضلِّلون الناقد / القارىء، فيوجِّهون قراءته في اتجاه معيَّن من خلال المعلومات والتفسيرات التي يملؤون بها مقدّمات رواياتهم. والتوجيه، سواء أكان مقصوداً أم لم يكن مقصوداً، يُعطِّل القراءة كلّها أو بعضها، وخصوصاً القراءة الأولى التي تُخلِّف لدى الناقد / القارىء انطباعات معيَّنة عن النص الروائي. ولهذا السبب عوَّدتُ نفسي أن أقرأ مقدمة الرواية - إن وُجدت – بعد فراغي من القراءتين الأولى والثانية، اعتقاداً مني بأن ذلك يُبعد عني الضغط الأسلوبي الذي تمارسه المقدّمة عليَّ. ولم أكن في حال رواية (المسافرة) مضطراً إلى تغيير عادتي القرائيـة. بيد أنني اكتشفت أن شوقي بغدادي القاص الشاعر لا يمارس الضغط الأسلوبي المعتاد، بل يُعلِّل سبب تأخّره في نشر هذه الرواية نحواً من ثمان وعشرين سنة. وهو تعليل لا علاقة له بالقراءة وإنْ قدَّم لنا شيئاً معروفاً في الحياة الأدبية، هو طموح القاصين إلى كتابة الرواية. والواضح من مقدّمة رواية المسافرة أن شوقي بغدادي كتب روايته عام 1966 بعد تجربة قاسية مرَّ بها. ودلَّه إحساسه الفنّي على أن الانفعال الشديد لا يؤدي إلى نص روائي جيِّد ؛ لأنه حال نفسيّـة غير مواتية لإبداع الرواية وإنْ كانت الحال نفسها ملائمة للشعر أحياناً. وقد أحسن إلى نفسه وروايته حين أهمل النص ست سنوات ثم أعاد صوغه. وهذه السنوات كافية للتحرُّر من انفعال التجربة، وللتعامل مع النص الروائي على أنه عالم متخيَّل وليس نسخاً لوقائع عرفها الروائي أو مرَّ بها. والواضح من المقدمة نفسها أن نص (المسافرة) لم يُعدَّل بعد ذلك وإنْ بقي حبيساً نحواً من عشرين سنة قبل نشره. ولا أشك في أن بقاء نص الرواية دون تعديل عقدين من الزمن يدلّ على أن شوقي بغدادي راض عنه. ولعل الجانب الإنساني الواضح في مغزى الرواية هو الذي جعل الرواية تحافظ على جدتها ولا تتأثّر بالزمن الذي كُتبتْ فيه. ولو لم يكتب شوقي بغدادي مقدمة لهذه الرواية لما شعر القارىء بأنها ترجع إلى ستينيات القرن العشرين.

77 - د. حسن بحراوي : بنية الشكل الروائي، ص 224  

78 - المراد بالاختيار العشوائي ألا يقصد الروائي إلى اسم معيَّن على سبيل الترميز أو الإيحاء. وقد نبعت العشوائية من أن الروائي مضطر عادة إلى تسمية شخصياته، وأمامه آلاف الأسماء، ولكنه يختار من هذه الآلاف أسماء معيَّنة. واختياره في هذه الحال عشوائي لأن هناك إمكانية لاختياره أسماء أخرى ما دام عازفاً عن تحميل الاسم المختار شيئاً من الترميز والإيحاء.

79 - كانت العرب تُسمّي اللَّديغ سليماً على سبيل التفاؤل .

80 - يُؤْثر بعض النقاد البنيويين مصطلح (التلخيص) بدلاً من (الخلاصة). وقد آثرتُ استعمال المصطلحين معاً لأن مفهومهما واحد يوحي بالقصد. 

81 - يُؤْثر بعض البنيويين مصطلحات أخرى غير (الحذف) كالإسقاط والقفز والثُّغرة. وقد آثرتُ استعمال مصطلح (الحذف) كما واضح، وسأشير بعد قليل إلى مصطلح (القفز) ؛ لأنني أرى هذين المصطلحين أكثر دلالة على المفهوم الكامن وراء المصطلح.

82 – نصّ حسن بحراوي على أنه (من أبرز التفاهمات التي أبعدت النقد عن تلمُّس حقيقة الشخصية الروائية هو ذلك الخلط الذي درج القراء والنقاد على إقامته بين الشخصية التخيلية كمكوّن روائي والشخصية بوصفها ذاتاً فردية أو جوهراً سيكولوجياً). انظر : بنية الشكل الروائي، ص 210

83 – المرجع السابق، ص 224

84 – قمر كيلاني : الدوامة، وزارة الثقافة، دمشق، 1983، ص 15

85 – المصدر السابق، ص 16

86 – المصدر السابق، ص 13

87 – المصدر السابق نفسه

88 – قمر كيلاني : الأشباح، الجماهيرية الليبية، 1981، ص 13

89 – المصدر السابق، ص 15

90 – المصدر السابق، ص 16

91 – المصدر السابق، ص 18

92 – المصدر السابق، ص 14

93 – قمر كيلاني : الدوامة، ص 252 

94 – هذه آخر جملة في رواية الدوامة، انظر ص 347

95- علي عقلة عرسان : صخرة الجولان، اتحاد الكتاب العرب، دمشق 1982

96- المصدر السابق، ص 22

97- المصدر السابق نفسه (بتصرف)

98- المصدر السابق نفسه (بتصرف)

 

 

الفصل الثّاني - البناء والرؤيا

 

 

مفهوم الرؤيا الروائيّة

 

حين نُنعم النَّظر في الأدبيات العربية الخاصّة بحقل الرؤيا التي يراها الإنسان في منامه، نكتشف بسهولة إخلاص العاملين في هذا الحقل لما

ندبوا أنفسهم لـه، سواء أكانوا قدامى، كابن سيرين في كتابه (تفسير الأحلام الكبير) (1)، وابن شاهين في كتابه (الإشارات في علم العبارات)(2)، وعبد الغني النابلسي في كتابه (تعطير الأنام في تعبير المنام)(3)، أم محدثين كمحمود سليمان ياقوت في كتابه (اللغة والرؤيا والحلم)(4)، وسميرة قمري في كتابها (الحلم والرؤيا في الفلسفة والعلم والدين)(5). فهؤلاء جميعاً انطلقوا من الأساس الدينيّ في تفسير (الرؤيا والحلم) اللذين يراهما الإنسان في منامه، ثم راحوا يميزون بين (الرؤيا) بمعنى رؤية الإنسان في منامه ما يحبُّ، و (الحُلُم) بمعنى رؤية الإنسان في منامه ما يكره. ولم يكتفوا بذلك، بل شرعوا يضعون أسساً لتأويل الرؤى والأحلام، ويُجسِّدون هذه الأسس في أمثلة تطبيقيّة ومعايير واضحة محدَّدة يمكن للإنسان العاديّ، بله الاختصاصيّ، الاستناد إليها في تفسير المنامات وتأويلها.

 

وليست القضيّة التي أهتمُّ بها هنا هي الإيمان بالمعايير التي وضعها العاملون في حقل تأويل المنامات وتفسيرها، بل القضية في التنبيه على أن إخلاص هؤلاء العاملين في حقل المنامات في عملهم جعلهم ينجحون في ابتداع إجراءات تفصيليّة محدَّدة لتفسير المنامات وتأويلها. وهذا الإخلاص هو الأمر الذي افتقر إليه نقَّاد الأدب العربيّ عموماً، ونقّاد الرواية خصوصاً. فقد اكتفى هؤلاء بالتمييز الإملائيّ بين  (الرؤية) بتاء التأنيث المربوطة، و (الرؤيا) بالألف اللّينة الممدودة. وقالوا إنه يحسن استعمال الأولى في ما يراه الإنسان في منامه، واستعمال الثانية في ما يتوق إليه الأديب والفيلسوف والمبـدع عموماً، وفي ما يتطلّعون إلى تحقيقه انطلاقاً من معرفتهم بالواقع الحقيقيّ وخبرتهم فيه. وكان العاملون في حقل المنامات أكثر ثقـة بأنفسهم من الأدباء والنقّاد. فقد استعملوا (الرؤيا) بالألف اللّينة الممدودة بدلاً من (الرؤية) بتاء التأنيث المربوطة للدلالة على المنام، مستندين في ذلك إلى رسمها الإملائيّ في

القرآن(6). وقد رسخ استعمالهم (الرؤيا) بالألف اللّينة، كما رسخ استعمالهم كلمتي (الحلم والمنام) أيضاً، مستندين إلى ورودهما في القرآن أيضاً(7). وحين جاء اتفاق الأدباء متأخِّراً زمنيّاً، مفتقراً إلى سند وأناس مؤمنين به، بقي هامشيّاً خاصاً بالكتابات الأدبيّة وحدها.

 

وعلى الرغم من أنني واحد من هؤلاء الأدباء والنقاد، أستعمل (الرؤيا) مثلهم في الدلالة على التَّطلُّع المعنويّ والماديّ إلى الحال الفضلى الشاملة للمجتمع والأمة، فإنني لم أعثر لديهم على اتفاق نقديّ على تحويل (الرؤيا)

إلى إجراءات نقدية ملموسة واضحة محدَّدة قابلة للتطبيق على النصوص الروائيّة. ولولا العملان الرائدان لجبرا إبراهيم جبرا في (ينابيع الرؤيا، دراسات نقدية)(8)، ومحيي الدين صبحي في (الرؤيا في شعر البياتي)(9) ، لما ضمَّ النقد الأدبيّ العربيّ الحديث محاولات ذات شأن في قضيّة الرؤيا الأدبيّة العربية. والمعروف أن محاولة محيي الدين صبحي أكثر وضوحاً وتحديداً مما قدَّمه جبرا إبراهيم جبرا، وأكثر ارتباطاً بالمفهوم الأدبيّ العربيّ، ولكنها محاولة خاصة بتحويل الرؤيا الشعريّة إلى إجراءات نقدية قابلة للتطبيق على الرموز الشعرية ذات الخلفيات الأسطوريّة والفلسفيّة والمعرفيّة العامة. صحيح أنها محاولة جادة لاستخراج نموذج بدئيّ مستمد من الحضارة والحياة العربيتين، وسعي لاكتشاف أثر تقنية القناع في الكشف عن حلم الجماعة العربية، ولكنها محاولة للغوص في الشعر أولاً، وفي إنتاج رجل صاحب رؤيا ثانياً. إنها ليست محاولة للغوص في النثر العربي، بله الرواية والروائي. وإذا كان لمحاولة محيي الدين صبحي من خلفيات عند نورثروب فراي ومود بودكين، فإننا في حقل الرواية نفتقر إلى أية محاولة لابتداع رؤيا تنطلق من الحضارة العربية، وتشمل الحياة العربية في ماضيها وحاضرها ومستقبلها، بل إننا نفتقر إلى الإفادة من المنجز النقديّ في حقل الرؤيا الشعرية. ومن ثَمَّ نشعر، في أحايين كثيرة، بأننا لا نملك رؤيا كونيّة أو اجتماعيّة أو سياسيّة أو اقتصاديّة ؛ لأننا لا نملك فلاسفة أصحاب رؤى، أو أن الفلاسفة والمصلحين العرب، كالجابـري والتيزيني والأنـصاري وغيرهم، لم يتفقوا على رؤيا عربية واحدة موحِّدة، وإنْ كان القول المعلن مغايراً لذلك.  

 

وليس المهم أيضاً أن أُقرِّر فقرنا إلى الرؤيا العربية، فهذا الفقر ليس بالشيء الجديد، وليست معرفته بعيدة عن أذهان العاملين في الأدب والفكر والاجتماع والاقتصاد. إن المهم في رأيي أن أقرِّر هنا تقمُّص الروائيين العرب الرؤى الأجنبيّـة، سواء أكانت تلائم أمزجتهم الفرديّة أم كانت تلائم عقائدهم السياسيّة. ولعلَّ الرؤيتين الرومنتية والماركسيّة أكثر شهرة، هنا، من أن نشير إلى تاريخهما وأعلامهما. فقد سادتا في الأدب العربيّ، وبدت أولاهما (الرومنتية) أقرب إلى النفس العربية البسيطة المقهورة التي لم تُعقِّدْها المدنيّة الحديثة. وبدت ثانيتهما قريبة من حاجات المجتمع العربي ومشكلاته لولا محاولات إسقاطها بقضِّها وقضيضها على السياسة والاقتصاد والأدب والنقد، وعدم مراعاة حامليها ومروِّجيها طبيعة المجتمع العربي المحافظة، وتشبُّثهم بالأسس النظريـة للنقد الواقعي(10). ولسوف نلاحظ في المقاربة النقدية نموذجين للرومنتية التي لاءمت مزاج أحد الروائيين، وللماركسيّة التي أسقطها روائيّ آخر برفق على المجتمع الروائي دون أن يجافي كثيراً حاجات التخييل الروائي. ولكننا سنلاحظ أيضاً ذلك التوق إلى رؤيا روائية تُعبِّر عن أوجاع العربي وآماله وبنية تفكيره وأحلامه. 

 

على أنه من المفيد القول إننا، في حال امتلاكنا رؤيا عربيّة وحال اعتمادنا الرؤى الأجنبيّة، لا نقصد إسقاط الرؤيا على النص الروائي، بل نسعى إلى أن تنبع الرؤيا من الرواية، بحيث نسميها ونحن مطمئنون : الرؤيا الروائيّة. وهذا الأمر يحتاج إلى توافر رؤيا عربية واضحة محدَّدة يهتدي بها الروائي، ويعتنقها، ويؤمن بجدواها، ويسعى إلى تجسيدها. كما يحتاج إلى روائي موهوب قادر على أن يجعل الرؤيا العربية التي يؤمن بها تنبع من النص ولا تُفرض عليه. فهل نملك هذا النوع من الروائيين ؟. وإذا كنا لا نملك رؤيا عربية فلا أقلَّ من ملامح عامة لهذه الرؤيا في الحقل الاجتماعيّ، يحملها روائي ذو خلفيّة فلسفيّة، كنجيب محفوظ وعبد الرحمن منيف، ويتمكّن بموهبته من ابتداع مجتمعات روائيّة تُعبِّر عنها وكأنها تنبع منها. 

 

 

المقاربة النّقديّة

للبناء والرؤيا الروائيّة

 

تحتاج المقاربة النقديّة للرُّؤيا الرّوائيّة العربيّة إلى أمرين : أمرٍ يبدو إنجازه شائكاً، وأمرٍ يرجع إنجازه إلى مهارات الناقد التحليليّة. أما الأمر الأول فهو السعي إلى لـمِّ شتات الرُّؤى الروائية في رؤيا كونيّة واحدة، تتسم بالتماسك وعدم التناقض، وتُعبِّر عن أحلام العرب وتطلعاتهم في الحاضر، وتستوعب تاريخهم الماضي، وتُسهم في صناعة مستقبلهم المنشود. ذلك لأن غالبيّة الروائيين العرب لا تملك رؤيا روائيّة واحدة متَّسقة، بل تملك خليطاً غير متجانس من الرؤى الكبرى، رؤى الأديان السماويّة وغير السماوية، فضلاً عن الرؤى المستمدّة من الفلسفات الدّنيويّة من رومنتيّة وماركسيّة ووجوديّة وطبيعيّة وغيرها. وهذه الحال الروائيّة العربية تحتاج إلى تحليل يُحدِّد أسباب عزوف الروائيين العرب عن امتلاك الثقافة العامة، الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة، التي تؤهِّلهم للخـوض في بناء مجتمعات روائية متخيَّلة ذات خلفيات فلسفيّة واضحة وهدف محدَّد، فضلاً عن أسباب جمعهم نتفاً من رؤى الأديان والفلسفات الكبرى، دون أن يعتنوا بتنسيق ما جمعوه، وتنظيمه، قبل أن يدَّعوا توظيفه في رؤاهم الروائية. بل إن هذه الغالبية من الروائيين لا تفكِّر أساساً في شيء اسمه (رؤيا روائية)، وليس من همِّها ولا اهتمامها التعبير عن شيء خارج الحكاية الروائية. ولهذا السبب تفاوتت النصوص الروائية العربية تفاوتاً عجيباً. فنورة محمد المحيميد لا تهتمّ في روايتها (أنثى فوق أشرعة الغربة)(1) بطرح رؤيا نسويّة متماسكة. فبطلة الرواية (مي) روائيّة غنيّة يتهافت عليها رجلان دون مسوِّغ روائيّ مقنع، وهي تعيش في أسرة منفتحة متحرِّرة لا تُعبِّر عن طبيعة الأسرة السعوديّة خصوصاً، والعربية عموماً. تسافر وحدها، وتقيم في الفنادق وحدها، وتركب الزورق الآليّ وحدها، وتغرق وتُنْقَذ وتدخل المستشفى وتتعافى دون أن يعلم أحد من أهلها(2). وإذا غضضنا الطَّرْف عن ذلك كلّه قلنا إن رواية (أنثى فوق أشرعة الغربة) ترغب في أن تقول إن الفتاة العربية الخليجيّة محل ثقة، فهي واعية مثقَّفة منفتحة على الحياة. وما تقوله هذه الرواية تخالفه رواية محمد نور الدين (احترس من الدولار)(3)، حين تطرح عدم الثقة بالمرأة عموماً ما عدا الأم، فهي تخـون زوجها إذا ما اغترب ليُحسِّن المستوى المادي لأسرته، وتحتجن ما ادَّخره من مال، وتُؤلِّب عليه الناس، وتُسيء إلى سمعته، وتُخلِّفه وراءها معتوهاً يُكلِّم نفسه(4). ولا ترتبط رؤيا المرأة في رواية (لمن هذا البياض ؟)(5) لأنور رجا برؤيا المرأة في الروايتين السابقتين. فالمرأة في هذه الرواية (أم) حنون، وأخت (نظمية) متزنة واعية وفيّة، وزوجة(ميرنا) أجنبيّة مخلصة، وزوجة عربيّة (صفية) شريرة.

 

إنّ عدم التجانس في صورة المرأة في الروايات الثلاث السابقة شيء بديهيّ في غياب الرؤيا الواحدة للمرأة في المجتمع العربي، تـلك المرأة المقـهورة التي رسم لها الـدكتور مصطفى حجازي في كتابه  (التخلف الاجتماعيّ، مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور)(6)، صورة مغايرة للصور الثلاث المذكورة في الروايات السابقة. ويرجع عدم التجانس إلى رؤى فردية صرف، تتأثَّر بما تعرف وترى حولها في المجتمع، وإلى أنها تلجأ إلى التأويل بحسب ثقافتها وعقيدتها السياسية ليس غير .

 

ولكنْ، من الظلم للروائيين العرب، وللروايات العربية، أن نحكم على الرؤيا الروائية استناداً إلى جوانب معيَّنة، كالمرأة مثلاً. ذلك أن المقاربة النقديّة لا تتحقَّق إذا لم ينظر الناقد المحلِّل نظرة كليّة إلى البناء الروائي ليُحدِّد علاقة هذا العنصر (الشخصية النسوية مثلاً) أو ذاك (الفضاء أو الزمان مثلاً) بالعناصر الأخرى المكوِّنة للبنية الروائية. وهذا يعني أن الأمر الثاني الذي تحتاج إليه المقاربـة النقديّة للرؤيا الروائيّة هو تحليل البناء الروائيّ لمعرفة طبيعة الرؤيا الروائيّة. وهذا التحليل الذي ينبع مستواه من مهارات الناقد التحليليّة هو الإجراء النقديّ الذي أقترحه لتحديد الرؤيا الروائيّة. ذلك أن الرؤيا تتجلّى في الشكل والمضمون معاً، ولكنّ البنية اللّغويّة للرواية هي التي تُعبِّر عنها. فإذا حلّلنا البناء الروائي استطعنا معرفة طبيعة الرؤيا في إحدى روايات الروائيّ، أو في رواياته كلها. ولسوف أحاول ذلك في الصفحات القابلة، فأحلّل روايات بديع حقي الثلاث كلها، وأكتفي من روايات هاني الراهب برواية واحدة هي (بلد واحد هو العالم). على أنني سأكتفي هنا بالإشارة العامة إلى الأمر نفسه في روايات المحيميد ونور الدين ورجا، تجسيداً لاقتراحي الخاص بتحليل البناء الروائي بغية استنباط الرؤيا الروائية منه .

 

يشير بناء روايات رجا ونور الدين والمحيميد إلى أمر ذي بال، هو ضرورة مراعاة رقي المستوى الفني في أية محاولة للمقاربة النقديّة للبناء الروائي والرؤيا الروائيّة. فالمتلقي يدرك أن رواية (أنثى فوق أشرعة الغربة) تفتقر إلى التماسك في البناء الروائي، وتفتقر في الوقت نفسه إلى الرؤيا الروائيّة. ولا يحار المحلّل في تفسير هذا الأمر ؛ لأن الضعف الفنيّ لدى نورة محمد المحيميد هو الذي جعل التماسك في بناء روايتها يبدو في حدوده الدنيا. وهذا الضعف يرجع إلى هلهلة نسيج الحبكة الروائيّة (7)، وسطحيّة الحوادث، وتناقض سلوك الشخصيات(8)، وهلاميّة المكان، وغياب التحديد الزمنيّ. وفي المقـابل فإن بناء روايتي رجا ونور الدين يدلُّ على جودتهما، ويُعلّل في الوقت نفسه القدر الكبير من التماسك في رؤياهما الروائية. فرواية (لمن هذا البياض؟) لأنور رجا ذات رؤيا انتقاديّة للمجتمع العربي، لا ينفصل فيها انتقاد (القمع)(9) عن انتقاد (العادات والتقاليد). ورواية (احترس من الدولار) لمحمد نور الدين ذات رؤيا انتقاديّة لتهالك المصريين على الاغتراب من أجل المال دون مراعاة أحوال أسرهم في غيابهم، وخصوصاً أحوال زوجاتهم. ولا ينفصل انتقاد (المغتربين)(10) عن انتقاد (المقيمين)(11)، ولا انتقاد (تأثير المال والشهوات في تدني الأخلاق) عن انتقاد (الحرص والبخل) فيها.

 

إن روايات رجا ونور الدين والمحيميد تؤكّد عندي الاقتراح الخاص باستنباط الرؤيا الروائية من البناء الروائي ليس غير. فلا رؤيا دون بناء روائي متماسك ذي مستوى فني راق، وليس هناك بناء فنيّ جيّد يخلو من رؤيا روائية متماسكة.

 

 

 

البناء والرؤيا الرُّومنتيّة السوداء

 

الدكتور بديع حقّي روائيّ مُقلّ، نشر طوال حياته (1922 - 2000) ثلاث روايات، هي : جفون تسحق الصُّور(1) – أحلام على الرصيف المجروح(2) – همسات العكّازة المسكينة(3). ولكنني أعتقد بأنه كتب رواية واحدة ليس غير. ومرادي من ذلك أنه غيَّر مضمون رواياتـه الثلاث وعنواناتها، ولكنه حافظ فيها كلّها على بنية واحدة محكومة برؤيا رومنتيّة(4) سوداء. وقد اعتدنا ملاحظة الثبات في الرؤيا لدى الروائيين، ولكننا اعتدنا في الوقت نفسه ملاحظة التغيير في البنى الروائية، بحيث تكون لكلّ رواية بنية تتغيَّر بتغيُّر الرواية وإنْ كانت الرؤيا ثابتة. أما روايات بديع حقي فتُقدِّم نموذجاً لم نألفه، تثبت فيه البنية والرؤيا، وتتغير الأثواب الخارجيّة وحدها. والقارىء المتلقّي حرّ في أن يُفسِّر هذا الأمر تفسيراً سلبياً، ولكنني غير معني بهذا التفسير السلبيّ ؛ لأن هدفي هو تحليل هذه الحال الروائيّة الخاصة وتوضيح دلالاتها.  

 

1 – مكوِّنات البنية والبناء :

تتكوَّن البنية عند بديع حقّي من بطل محوريّ يعيش في مجتمع شرِّير ؛ أي أن كلَّ رواية من رواياته الثلاث تطرح بطلاً محورياً واحداً وتتركه عرضة لمجتمع شرير يُحيط به، دون أن تحاول دفعه إلى أية مواجهة مع هذا المجتمع. ولم يكتف بديع حقي بهذا التحديد العام للبنيـة الروائية، بل راح يضع شروطاً لاختيار البطل المحوري، وصفات خاصة به وحده. فالبطل المحوريّ لا بدَّ من أن يكون واحداً من أفراد الشريحة الدُّنيا في المجتمع. أما الشخصيات الروائية الأخرى فتُختَار على النحو الآتي : غالبيّة الشخصيات من شريحة البطل المحوري، وقليل منها من شريحة أخرى تتوسَّط السُّلَّم الاجتماعيّ أو تتسنَّم ذروته. ولا يتوقَّف الاختيار هنا، إذ يحتّم على البطل المحوريّ أن يكون فقيراً. وهذا أمر بديهيّ بالنسبة إلى انتمائه الاجتماعيّ، ولكنّ اختياره يمتدّ إلى شرط آخر أكثر تحديداً، هو أن يكون عليلاً، وأن يرتبط بعلَّة أحد أفراد أسرته، وأن يكون بعد ذلك كله خيِّراً نقيَّ السريرة اجتماعياً يُقدِّس الحياة الأسرية والصداقة. أما المجتمع الشِّرّير فيتجسَّد دائماً في شخصيات روائيـة تحمل صفات مناقضة لصفات البطل المحوري، سواء أتوافر فيها الانتماء إلى شريحته أم لم يتوافر. وتحرص البنية الروائية على التضاد في الصفات بين البطل المحوري والمجتمع، كما تحرص على أن تجعل الفرد المجسِّد للمجتمع الشّرّير يهاجم البطل المحوري ويكيل له الضربات واحدة تلو الأخرى وهو خانع مستسلم لا يردُّ الصاع صاعاً ولا صاعين.

 

وقد وضع بديع حقّي ناظماً للعلاقة بين البطل المحوري والمجتمع الشرير، هو الاحتجاج على الأخلاق الاجتماعيّة السائدة، والدعوة إلى حقِّ الفرد في الحياة الإنسانيّة الكريمة ؛ أي أن العلاقة بين البطل المحوري والمجتمع الشرير داخل المجتمع الروائي يجب أن تؤدي إلى هذا الاحتجاج وتلك الدعوة. 

 

وإذا كانت البنية تتحكَّم في بناء الرواية فكرياً فتُوجِّه حوادثها وترسم ملامح شخصياتها وتقودها إلى دلالات محدَّدة، فاللغة هي التي تحمل عبء تجسيدها. والبناء الروائي، كما هو معروف، بناء لغويّ. وقد قيَّد بديع حقي هذا البناء الروائي بقيود تجعله معبِّراً عن البنيـة المقيَّدة. وأول القيود التي وضعها بديع حقي إخضاع الرواية لسيطرة الراوي، وثانيها غزارة الصور والأوصاف والمبالغة فيهما، وثالثها العناية بالجزئيات وتضخيم آثارها، ورابعها ابتداع حكاية بسيطة لا تعقيد فيها، وخامسها تقديم إيقاع معيَّن. وأستطيع ردَّ ذلك كله، بنيةً وبناءً، إلى بروز شخصية بديع حقي والرؤيا الرومنتيّة التي نظر من خلالها إلى المجتمع. 

 

2 – تجلِّيات البنية الروائيّة :

2/1 : الأبطال المحوريون والحكايات

كثر الأبطال المحوريون في الروايات الثلاث، ولكنّ أيّاً منهم لم يخالف الشروط والصفات. فمصطفى هو البطل المحوري في (جفون تسحق الصور)، ومحمـد (أبو أحمد) هو البطل المحوري في (أحلام على الرصيف المجروح)، وحمُّود هو البطل المحوري في (همسات العكازة المسكينة). والروايات الثلاث تدور حول هؤلاء الأبطال المحوريين الثلاثة وتعالج علاقة المجتمع بهم. وقد توافرت في هؤلاء الأبطال الشروط كلها. فهم فقراء ينتمون إلى الشريحة الدنيا في مجتمعاتهم الروائية : مصطفى لا يعمل، ومحمد ماسح أحذية، وحمُّود مُقْرىء. وهم جميعاً مصابون بعلة جسديّة ومرتبطون بعلة أحد أفراد أسرهم : مصطفى مصاب بالفالج، قعيد الفراش لا يتكلم ولا يتحرك فيه شيء غير ذراعه اليمنى، وابنه عبده أبله. ومحمد أعرج وابنته زينب مصابة بالشلل. وحمود أعمى وأخته عيشة منحرفة. وكلُّ واحد من هؤلاء الأبطال المحوريين عطوف خيِّر نقي السريرة اجتماعي يُقدِّس الحياة الأسريّة والصداقة. فمصطفى يحب ابنته زينب وابنه عبده ويرنو إلى العيش في أسرة سعيدة، لم يؤذ أحداً ولم يفحش على جار. ومحمد لم يتزوج بعد وفاة زوجته فاطمة خوفاً على ابنته زينب(5) من امرأة الأب، وهو دائم الحنين إلى حياته السابقة قبل أن تموت زوجته فاطمة. وحمود يحب أخته عيشة ويسعى إلى لـمِّ شمل الأسرة من خلال سعيه إلى إعادة أخته إلى قريته، قرية (جوبر).

 

لكلِّ واحد من هؤلاء الأبطال المحوريين حكايـة بسيطـة، هي حكاية علاقته بالمجتمع الشرير المحيط به. فقد أُصيب مصطفى بالفالج إثر اصطدام سيارته بعمود كهربائي، وغدا قعيد الفراش غير قادر على الحركة والكلام. ولم تكن زوجته صبريّة عوناً له على مصيبته، بل كانت وبالاً عليه. إذ عزلته في إحدى الغرف، وراح لسانها السليط يفري سمعه بالشتائم المنتقاة، وانصرفت في الوقت نفسه إلى ملذاتها و (السمسرة) بالنساء. ولم تكتف بذلك، بل شرعت تعامل ابنها عبده الأبله بقسوة وتفاوض حمدي أفندي تاجر السُّجّاد على زينب ابنة زوجها مصطفى من زوجته الأولى لطيفة. واستمرّت صبرية على هذه الحال إلى أن غدا المنـزل جحيماً، فهربت زينب إلى منـزل جدّها، ويئست صبريـة من موت مصطفى فقادته إلى المحكمة ليطلقها حتى تغدو قادرة على الزواج من أبي حسني. 

 

أما محمّد ماسح الأحذية فله ابن صغير اسمه جميل دعسته حافلة مسرعة. وقد نصحه صديقه أبو صبحي بتوكيل محام قدير يضمن له الحصول على تعويض ماليّ كبير قد يرتفع فوق ثلاثة آلاف ليرة، وسمَّى له المحامي الذي يؤثره، وهو عصام حمصاني. انصاع محمد للنصيحة، فذهب إلى المحامي عصام وبدأت حكاية التعويض تترى. فقد ظنَّ أبو صطيف، صاحب المنـزل، أن محمداً قبض ستة آلاف ليرة، فزاد إيجار الغرفة، وحاول الادِّعاء في مخفر الشرطة أن محمداً سرق محفظته وفيها ألف وخمسمائة ليرة. ولكنّ رئيس المخفر كشف كذبه وطرده. كما طمعت أمُّ شحادة، الخاطبة، بالمبلغ فسعت إلى محمد تعرض عليه خدماتها بأن تنتقي له عروساً حلوة صغيرة، فرفض محمد ذلك. ثم جاءه موفد من صاحب الحافلة يعرض عليه ستمائة ليرة لقاء التنازل عن الدَّعوى، فرفض. وأخيراً، بعد محاكمات عدّة وأحلام كثيرة، اتفق المحامي سرّاً مع صاحب الحافلة، وخدع محمداً فأوهمه بضرورة المصالحة لقاء

(1300) ثلاثمائة وألف ليرة. وبعد أن وافق محمد حسم المحامي أجره فبقي لمحمد سبع وستون وأربعمائة ليرة ليس غير.  

 

وحمُّود الأعمى يؤرِّقه كلام الناس بأن أخته عيشة انحرفت ولجأت إلى الدعارة. وما كان راغباً في أن يُصدِّق الشائعات، ولهذا السبب غادر قريته (جوبر) إلى دمشق ليعيد أخته التي تعمل خادماً. وهناك، في دمشق، تعرَّف عبد الغني اللص، ودخل السجن بجريرته، كما اكتشف حقيقة انحراف أخته وخداع مخدوميها لها. وقبل أن يتمكَّن من إقناعها بالعودة معه إلى القريـة قُتِلت خطأ واتُّهَم بقتلها ودخل السجن ثانية. ولولا المحامي القدير واعتراف القاتل بجريمته لما نجا حمُّود من الإعدام.

هذه هي الحكايات الثلاث. لكلِّ رواية حكاية بسيطة يستطيع المرء اختزالها في أسطر معدودات ؛ لأنها حكاية خالية من أي تعقيد. وعلى الرغم من التباين بين الحكايات الثلاث، فإن جوهرها واحد لم يتغيَّر فيه شيء. فالبطل المحوريّ (مصطفى – محمد – حمود) مُعتَدَى عليه دائماً. يلاحقـه المجتمع الشرير المجسَّد في صبرية والمحامي عصام وأبي صطيف(6) وعدنان بك الأزعري(7) وتوفيق بك عوني(8)، ويشرع يكيل له الضربات ويستغله ويجعله يفقد أحبابه وأحلامه. والبطل دائماً خيِّر، لا يظنّ بهؤلاء الأشرار الظنون ولا يعاملهم بالمثل. كما أنه يستمرّ في سعيه إلى الاستقرار والحياة الهانئة، ولكنّ الأشرار يحولون دون ذلك. لهذا السبب قلتُ إن الروايات الثلاث رواية واحدة هي رواية الاحتجاج على المجتمع الشرير الذي لا يردعه رادع عن مهاجمة الفقراء العاجزين واستغلالهم، رواية الدعوة إلى حقِّ هؤلاء الفقراء في الحياة الحرّة الكريمة.

 

إن تعاطف الروائي مع الفقراء وهجاءه العريض للشرّ والاستغلال في المجتمع، خير دليل على ثورة بديع حقي على الأخلاق السائدة في المجتمع العربي. ولكنّ هذه الثورة محكومـة بالرؤيا الرومنتية السوداء. فقد انتقى أضعف العناصر الاجتماعيّة، وراح يبالغ في بساطتها وعفويّتها ونقائها حتى إنه منعها من مجابهة الشرّ، وفرض عليها تلقيه والاكتواء بناره ليضمن تعاطف القارىء معها ونفرته من مجتمعها. كما أن الحلول الروائيّة عند بديع حقي تنمّ على الرؤيا الرومنتية السوداء نفسها. فالقدر هو الذي أوقع صبرية في شرِّ أعمالها، ولم ينل المحامي ولا الغنيّان عـوني وعدنان أيَّ حساب على جرائمهما، شأنهما في ذلك شأن أبي صطيف الذي سبَّب العمى لحمود، وأبي صطيف الآخر الذي اتَّهم محمداً بسرقة المحفظة. لا عقاب اجتماعياً في روايات بديع حقي، وإذا كان هناك عقاب فالقدر صاحب الفضل فيه. أما البطل المحوري فلا يُحرِّك ساكناً. فقد قبض محمد مبلغاً زهيداً (467 ليرة سورية) دون أن يحتجَّ، وخرج حمود من السجن بعد مقتل أختـه عيشة وهو راغب في العودة إلى القرية ليس غير، وبقي مصطفى قعيد الفراش فلم تمت صبرية ولم ترجع زينب إلى المنـزل وشنق عبده نفسه. الرؤيا سوداء في الروايات الثلاث، في اختيار صفات البطل، وفي الحوادث الروائية، وفي خواتيم الحكايات. سوداء ولا أمل. هناك احتجاج على الأخلاق الاجتماعيّة السائدة في المجتمع العربي، ودعوة حارة إلى حقِّ الفرد في الحياة الهانئة، ولا شيء غير ذلك، فالأفق الرومنتيّ مسدود دائماً.

 

ولكنْ، لماذا كان الأبطال المحوريون خيِّرين ؟. ولماذا كان المجتمع حولهم مملوءاً بالشّرّ ؟. لا تُقدِّم الروايات الثلاث أية إجابة، وإنما تكتفي برسم ملامح شخصياتها على هذا النحو دون أن تهتمّ بتعليلها بأسباب اقتصادية أو اجتماعيّة أو نفسية. وأستطيع الاستناد إلى الروايـات الثلاث في استنباط تعليل يُعزِّز ثوريّة الرؤيا الرومنتية، هو أن الفقير طيِّب يملك الصفات النبيلة كلّها، والغني شرير ذو صفات سلبيّة أبرزها استغلال الفقير. أي أن المال مصدر الشر، والفقر مصدر النبالة. وهذا التعليل مقبول، له في الروايات الثلاث شواهد وأدلة، ولكنني أشعر أنه لا يُحيط بما تضمّه الروايات. فصبريـة في  (جفون تسحق الصور) تنتمي إلى شريحة زوجها مصطفى، ولكنّ صفاتها تناقض صفاته وتخالفها. ولطيفة زوجة مصطفى الأولى الميتة من الشريحة ذاتها، فلماذا تناقضت صفات الزوجتين وانتماؤهما واحد ؟. قبل الإجابة عن السؤال نلاحظ أن الأغنياء في (همسات العكازة المسكينة) لا يختلفون عن هذا الأمر. فعدنان وعوني غنيان شريران، والتاجر الحلبي غني طيِّب مسكين(9)، فكيف يستقيم تعليل النبالة بالفقر والشر بالغنى ؟. أعتقد أن التعليل يستقيم إذا تذكَّرنا التناقض في الرؤيا الرومنتيّـة : الفقير نبيل والغني شرير، تلك هي الرؤيا الرومنتيّـة في الغالب الأعمّ، ولكنّ هذه الرؤيا تناقض نفسها في كثير من الأحيان، فتجعل الفقير شريراً والغني نبيلاً. ولديها تعليل معروف لهذا التناقض، إذ إنها لا تسمّيه تناقضاً بل تعدّه جزءاً من الطبيعة البشريّة التي تضمّ الخير والشر في آنٍ معاً، وتكاد ترفض السؤال عن مصدر الشر والخير في النفس البشرية. وسواء أكنّا نسمّي الأمر تناقضاً أم نقبل التفسير الرومنتيّ، فإننا لا نستطيع التغاضي عن المرأة وهي أبرز صور هذا التناقض. 

 

2/2 : صورة المرأة

تحمل المرأة في روايات بديع حقي إحدى صورتين : السموّ إلى مرتبة القداسة، أو الانحطاط إلى الدرك الأسفل. وليس في روايات بديع حقي صورة ثالثة للمرأة. وهذه قائمـة بالنساء في رواياته الثلاث :

أ – جفون تســــحق الصور :- الطّيِّبات   : فاطمة – زينب

            - الشّرّيرات : صبريّة  – أم شحادة

ب – أحلام على الرصيف المجروح   - الطّيِّبات : لطيفة – زينب

                 - الشّرّيرات : أم شحادة

ج – همسات العكازة المسكينــة  : - الطّيِّبات : أم حمود

                - الشّريرات : عيشة  – ياسمين

حين نربط نساء القائمة بصورهنَّ في الروايات الثلاث نلاحظ بوضوح ثنائيّة العالم النِّسويّ في روايات بديع حقّي. وتتعزَّز هذه الثنائيّة حين نلاحظ تكرارها في عالم الرجال في الروايات نفسها. و هناك ملاحظات أخرى تقبع في ثنايا الثنائيّة النسويّة، منها كون النساء الطيِّبات ينتمين إلى أسرة البطل المحوري : لطيفة – فاطمة – أم حمود – زينب. غير أن التناقض الملازم للرؤيا الرومنتيّة يُقلِّل من سيادة هذا الأمر. فصبرية وعيشة الشريرتان تنتميان إلى البطل المحوري، ولكلٍّ منهما مشكلة : الأولى زوجة ثانية للأب، والثانية فتاة ريفيّة غِرَّة تعمل خادماً. ويبدو الاحتجاج الاجتماعيّ واضحاً في هاتين الصورتين النسويتين. فهو في الأولى احتجاج على أخلاق زوجات الأب، وفي الثانية احتجاج على عمل الفتيات خادمات في المنازل. والأمر السائد في انتماء النساء إلى النبالة والشر يطلُّ برأسه ضمن التناقض نفسه. فعيشة طيِّبة عطوف خيِّرة ولكنّ ظروف عملها الموضوعيّة دفعتها إلى الشر، حتى إن رواية (همسات العكّازة المسكينة) ليست إلا نشيداً يتغنّى بنبالة عيشة، وبسعي حمود إلى إعادتها إلى هذه النبالة المجسَّدة في القرية. وصبرية نشيد آخر تعلنه روايـة (جفون تسحق الصور)، ولكنه نشيد ينعى الشر الأصيل في زوجة الأب، ويُعرِّي الآلام التي يُخلِّفها في الزوج وابنته من زوجته الأولى لطيفة. وأضيف إلى ذلك أن صورتي عيشة وصبرية هما الاستثناء الذي يثبت قاعدة النبالة الأسريّة. تُؤيِّد ذلك صفة القداسة التي تتمتَّع بها الأمّ والزوجة الأولى في الروايات الثلاث (أم حمود – لطيفة – فاطمة). وقد كانت صبرية في (جفون تسحق الصور) أماً، ولكنها شريرة. ولهذا السبب نفى عنها بديع حقي صفة القداسة، ثم جعل ابنها عبده يشنق نفسه خوفاً منها ؛ أي أنه نفى عنها صفة الأمومة أيضاً وعاقبها بفقدان الولد.

 

ويتساءل المرء بعد هذا كله : هل كان بديع حقي يحبّ الأم والأخت ويكره انحراف المرأة ؟. ربما كان ذلك صحيحاً. فالأمّ والزوجة تحتلان في الروايات الثلاث مكانة لا ترقى إليها امرأة أخرى. هل يطرح بديع حقي في رواياته ما يحبّ ويكره ؟. ربما كان ذلك صحيحاً أيضاً، ولكنني أؤثر الحديث عن البناء الروائيّ لأستكمل من خلاله الإشارة إلى بروز شخصية بديع حقي في رواياته .

 

3 – البناء الروائيّ :

نهض بناء الروايات الثلاث على أكتاف الراوي النائب عن الروائيّ. ولكنّ بديع حقي الذي يعي جيِّداً الخطر الذي يجرُّه الراوي العالم بكلّ شيء الذي يتقمّص الشخصيات الروائيّة كلها ويروح يتحدَّث عنها مهما تتغيَّر حركتها في المكان والزمان، جعل الراوي يكتفي بتقمُّص شخصية واحدة هي شخصيّة البطل المحوريّ، وتركه يصبح عالماً بكل شيء يتعلق بها وجاهلاً بكل شيء خارج عن عيونها ومعرفتها. وهكذا حلَّ الراوي السارد في شخصية حمود ومصطفى ومحمد، وشرع يسرد حكاية كلٍّ منهم. وحين نعرف، في الروايات الثلاث، شيئاً عن شخصية أخرى غير البطل المحوري فإن هذه المعرفة تأتينا من حديث الشخصية نفسها مع البطل المحوري. فنحن، على سبيل التمثيـل لا الحصر، نعرف قصة حرشو مع التاجر الحلبي في رواية (همسات العكازة المسكينة) من حرشو نفسه. فهو الذي قصَّ حكايته على حمود. ولولا ذلك لما عرفنا شيئاً عنها ؛ أي أن الراوي السارد للحكاية الروائية نقل من خلال عيني البطل المحوري وأحاسيسه وجهة نظر واحدة ليس غير هي وجهة نظر البطل المحوري. وكان بديع حقي يعي جيداً قصور الراوي في التعبير الناجز عن وجهة نظر البطل المحوري، ولهذا السبب قدَّم عوناً آخر حين اعتمد على الحوار الداخليّ، وميَّز كلماتـه في السياق بوضعها بـين قوسين وطباعتها بحرف أسود، فضلاً عن أنه جعل الحوار الداخلي يُكرِّر إيقاعاً صوتياً ولغوياً معيَّناً بغية إضاءة المؤثِّرات الرئيسة في البطل. وسأتحدَّث عن هذا الإيقاع في فقرة قابلة، وأودُّ هنا متابعة القول إن الحوار الداخليّ رمّم النقص في عمل الراوي السارد للحكاية، فأبرز ما يفكِّر فيه البطل المحوري، ووضَّح ردود فعله الداخليّة على الحوادث والأشياء. أما وجهات نظر الشخصيات الأخرى في الرواية فلا يعرف القارىء المتلقّي شيئاً عنها ؛ لأن بديع حقي لم يلتفت إليها. وإذا كان ذلك كله تدقيقاً إيجابياً في عمل الراوي فإنه في الوقت نفسه يحرم القارىء من الشخصيات الروائيّة الحيّة ؛ لأن الشخصيات الأخرى أضحت هامشيّة سواء أكانت قريبة من البطل المحوريّ أم بعيدة عنه. وليس لهذا كله تفسير غير بروز شخصية المؤلِّف. ولا يُستَنبَط هذا البروز من الراوي وحده، بل يُستنبط من الحكاية الروائية أيضاً. فقد صرَّح بديع حقي في مقدّمات رواياته بالأصل الواقعيّ لحكاياته. وفي هذا الأصل نلمح صلته الشخصيّة بالحكاية.

 

-قال في مقدّمة (جفون تسحق الصور) : (كانت داره لصيقة بدارنا في حارة قولي، وكان يعمل قبل أن يدهمه مرض الفالج بائع لبن … وكانت حجرته التي ينام فيها – مضطجعاً دوماً، بعد أن شدّه الفالج إلى الفراش – مطلّة على حديقتنا، فكنت ألمح أحياناً يده الوانية النحيلة … وكانت زوجته – فيما يبدو لي – شرسة، صخَّابة، عاتية. وقد ضاقت ذرعاً به، فسعت به ذات يوم إلى المحكمة الشرعية ليحكم القاضي بينهما بالتفريق …)(10)

-وقال في مقدّمة (أحلام على الرصيف المجروح) مخاطباً الشاعر شوقي بغدادي : (ولعلك تذكر أنني قد نسلت خيوطها من قصة واقعيّة جلوتُ لكَ تفاصيلها. أما قصة العصفورين في الرواية فقد شرى ابني الصغير عماد من (خرجيّته) عصفوراً من الكناري …)(11) 

-وقال في مقدّمة (همسات العكّازة المسكينة) : (إن قصة حمود وشقيقته معروفة مكرورة في ريفنا. فما زلتُ أذكر الصبي الأعمى الذي قصَّ عليَّ في طفولتي كيف استلَّ حلاق القرية نور عينيه، وأذكر الخادم الصبيّة المشرّدة في متاهات المدينة الكبيرة. أما قصة حرشو اللص فهي صحيحة في جلّ تفاصيلها، وقد قُدِّر لي أن أدافع عن حرشو هذا (اسمه في الواقع عبيدو فيما أذكر) بعد أن ندبتني نقابـة المحامـين – في بدء عهدي بالمحـاماة – للدفاع عنه منذ ثلاثين عاماً …)(12)

إن الحكايات الثلاث ذات أصول في الواقع، ولبديع حقي صلـة مباشرة بهذه الأصول سماعاً أو رؤية أو معاناة. وفي مقدّمات رواياته تصريحات أخرى بتأثير هذه الحكايات في نفسه، فهو إذ يُسوِّيها روايات بعد أن يضيف إليها، ويُعْمِل الخيال في تفصيـلاتها يُقدِّم برهاناً على المؤثِّرات التي فعلت فعلها فيه طوال سنوات كثيرة، حتى إنه لم يجد خلاصاً منها غير كتابتها قصة ثم رواية. ذلك أن بديع حقي كتب قصـة حرشو اللص ونشرها في مجموعتـه القصصيـة (حين تتمزق الظلال) بعنوان (اللص والعكّازة)(13)، ولكنه شعر – فيما يبدو لي – أن ضغط الذكريات ما زال قوياً يحتاج إلى فسحة من القول. ولهذا السبب شرع يكتب رواية (همسات العكازة المسكينة) ويضع فيها قصة (اللص والعكازة) بعد تحوير بعض ألفاظها(14). ولو قال قائل إن بديع حقي كتب روايته عام 1975 كما تشير مقدمتها، وإنه نشر جزءاً منها في مجموعته القصصية ؛لأن هذا الجزء حكاية صغيرة متكاملة فنياً، ولكنْ شاء سوء حظه أن تُطبَع المجموعة قبل الرواية بنحو من سبع سنوات. أقول : لو قُدِّم هذا التعليل  لما تغيَّر في دليلنا شيء، فنحن لا نبحث عن أسبقيّة الكتابة والنشر، بل نبحث عن صلة بديع حقي الشخصية بالحكايات التي يسردها. وما ذكرتُه يؤكِّد هذه الصلة، وتؤكِّدها أيضاً الإشارة إلى الأمر نفسه بالنسبة إلى رواية (جفون تسحق الصور). فقد نشرها بديع حقي، أوّل الأمر، قصة قصيرة في مجلّة الأديب بعنوان (في الوحل)، ثم عاد إليها بعد عشرين عاماً ليكتبها رواية(15). ولو لم تكن حكاية الرواية مؤثِّرة فيه لما احتفظت ذاكرته بها طوال هذه السنوات. وقبل ذلك كله كان بديع حقي نفسه المحامي الذي دافع عن حرشو اللـص (واسمــه في الواقع : عبيدو) كما صرَّح في هامش قصة (اللص والعكّازة) وفي مقدمة (همسات العكّازة المسكينة). وكان ابنه عماد صاحب الكناري ثم صارت زينب صاحبة هذا الكناري في رواية (أحلام على الرصيف المجروح). أي أن بديع حقي ترجم في رواياته شيئاً من حياته، وهذا ما عزَّز القول بصلته الشخصية بالحكايات الثلاث. ولعلَّ الأسماء التي تكرَّر ذكرها في روايتين من رواياتـه الثلاث (كأم شحادة والمحامي عصام حمصاني وزينب وأبي صطيف) تدلُّ هي الأخرى على شخصيات حقيقيّة كانت لبديع حقي صلات بها.

 

مهما يكن الأمر فإن هناك دلالات كثيرة على بروز شخصية بديع حقي، سواء أكانت الدلالات خارجيّة أم من داخل النصوص الروائيّة نفسها. وبروز شخصية بديع حقي هي المسوِّغ لانتقائه راوياً واحداً ؛ لأن هذا الراوي يسرد ما يعرف من حكايات الأبطال المحوريين. كما أن خلق أبطال محوريين وإهمال خلق الشخصيات الثانويّة  دليل داخليّ تُقدِّمه بنية الرواية على بروز شخصية بديع حقي في رواياته. وإذن، فأمر الراوي في الروايات الثلاث ليس أمراً تقنياً اعتاد الروائيـون اللجوء إليه في رواياتهم فحسب، بل هو قبل ذلك وبعده أداة وظيفيّـة أدّت مهمّة ترجمة حياة المؤلِّف أو بعض ذكرياته، وهذا الأمر يشير بوضوح إلى خصيصة بارزة من خصائص الرومنتيّة(16). وليست ترجمة الروائيّ شيئاً من حياته في روايته عيباً. فالروائيون، في الغالب الأعم، يترجمون حيواتهم كلها أو بعضها في رواياتهم. ولـكنّ المشكلة تكمن في أن الرواية (فن موضوعيّ في جوهره، فن ينبغي للمؤلِّف فيه أن يـمّحي ما وسعه الامّحاء، وأن يؤدي عواطف غريبة عنه كلياً، وذلك لكي يوهم القارىء بأنه إزاء الواقع)(17). وبتعبير آخر، فإن نقل الحكاية من الواقع إلى الرواية لا يكفي لإيهام القارىء بواقعيتها، فالخاص يجب أن يصبح عاماً في الرواية ليضمن قناعة القارىء والتأثير فيه، وذلك أمر لم تستطع الروايات الثلاث توفيره، ومرجع هذا الإخفاق هو بروز شخصية المؤلِّف.

 

3/1 : تقنية الجزئيّات بين الصُّور والوصف

أشرتُ إلى أثر واحد من آثار بروز شخصية بديع حقي في رواياته، هو اكتفاؤه بسرد الحكاية التي التي تلحُّ عليه دون السعي إلى خلق عالم روائيّ متعدِّد الشخصيات والعواطف والاتجاهات والحوادث. ولكنّ لغة رواياته التي نهضت بالبناء الروائي تُقدِّم لنا آثاراً أخرى، أبرزها غزارة الصور والأوصاف والمبالغة فيهما، والعناية بالجزئيّات وتضخيم آثارها.

 

ذلك أن الحكايات الثلاث بسيطة، يستطيع الراوي سردها في صفحات معدودات. غير أن بديع حقي لم يكتف بسرد الحكايات، بل راح يوجِّه اهتمامه إلى الجزئيات الصغيرة(18) التي تحيط بالبطل، فيشرع يصفها أو يُقدِّم صوراً لها، مبالغاً في الوصف أيَّ مبالغة، ومضخِّماً الآثار أيَّ تضخيم. أي أن الراوي في رواياته لم يتقمّص شخصية البطل المحوري فحسب، بل راح قبل الحكاية وبعدها وفي أثنائها ينفصل عن البطل المحوريّ ليتحدَّث عمّا يُحيط به من جزئيات ماديّة، وما يعتمل في دخيلته من أفكار وأحاسيس، منطلقاً من الرغبة في توضيح الإطار الذي يتحرك فيه هذا البطل المحوري، سواء أكان هذا الإطار مادياً أم معنوياً. بل إن الراوي كان يبالغ في ذلك، فلا يكتفي بوصـف ما له تأثير في البطل، بل كان يصف ما يحيط به سواء أكان مرتبطاً به أم لم يكن. وقد جرَّه ذلك إلى تضخيم الجزئيات المادية، والمبالغة في وصفها وتصويرها. ومن ثَمَّ كبر حجم الحكاية، فغدت رواية (جفون تسحق الصور) في سبع وثمانين ومائة صفحـة، ورواية (أحلام على الرصيف المجروح) في ست وسبعين ومائة صفحـة، ورواية (همسات العكازة المسكينة) في أربع وأربعين ومائتي صفحة. وما كانت الحكايات الثلاث في حاجة إلى هذا العدد الكبير من الصفحات، إلا أن بديع حقي الوصَّاف الماهر والملاحظ الذكي رغب في أن يجعل (من الحبَّة قُبَّة) كما يقول المثل الشعبي. فقد حطَّت ذبابة على يد مصطـفى فلم يشعر بدبيبها على جلده(19)، ولكنّ بديع حقي لا يترك هذا الحدث العادي يمرُّ بسهولـة، ولهذا السبب رأيناه يضيف إليه حديثاً عن علاقة مصطفى بالذباب ووصفاً للذبابة التي حطَّت على يده، وربطاً بين ما تفعله الذبابة وما تفعله صبرية. وكان قادراً من البداية على الربط بين الذبابة وصبرية والتخلي عن علاقة مصطفى بالذباب وهي جزئيّة لا أهميّة لها، وعن وصف الذبابة وهو وصف لا يؤثِّر في قليل أو كثير في سياق الرواية. ويتابع بديع حقي بعد الربط سرد الحكاية في عدد قليل جداً من الأسطر، ثم يترك هذه الحكاية ثانية إلى الصور والأوصاف : صورة الجفنين والديك والشمس والقط الأسود عنبر والفأرة، قبل أن يعود إلى سياق الحكاية من جديد. 

 

وعلى الرغم من أنني غير ميَّال إلى هذه الطريقة في ملاحقة الجزئيات وصفاً وتصويراً، فإنني لا أملك غير الاعتراف بقدرة بديع حقي الفائقة على جعل (الحبَّة قبَّة). حتى إن العكازة في (همسات العكازة المسكينة) تدبُّ فيها الحياة وفق مبدأ التشخيص في البلاغـة العربية، فتروح تفكّر وتفرح وتتألم، فتغدو شخصية قريبة من القارىء، تبوح له بأفكارها ومخاوفها وتردُّدها وتاريخها وصيرورتها عين حمود العمياء وصديقته الصدوق ومستودع أسراره. وباختصار، فقد تمكّن بديع حقي بوساطة التركيز على الجزئيات وصفاً وتصويراً من جَعْل الحكاية البسيطة تتسع إلى حدود الرواية. أي أن البناء الروائي لم يكتف بالحكاية وحدها، بل اعتمد أيضاً على حشد من الجزئيات الصغيرة، وشَّى الحكاية وبرقشها وزيَّنها ومنحها تأثيراً أقوى في القارىء. وقبل الخوض في تقنية وصف الجزئيات وتصويرها أقف عند دلالة هذا الوصف على بروز شخصية بديع حقي، وأستند هذه المرة إلى دليل من خارج الروايات الثلاث، هو القصص القصيرة التي كتبها بديع حقي ونشرها في مجموعاته : التراب الحزين(20) – حين تتمزق الظلال – الشجرة التي غرستها أمي(21). فأسلوب قصص هذه المجموعات هو نفسه أسلوب وصف الجزئيات وتصويرها. ولا أحتاج هنا إلى أيّ مثال يؤيِّد كلامي، ففي كل قصة من قصص مجموعاته الثلاث شاهد ينطق ودليل يُعزِّز الشاهد ويُرسِّخه، وهذا يعني أن الوصف سمة رئيسة في أسلوب بديع حقي، بل إنه عماده وركنه المكين. ويعني ذلك أيضاً أن بديع حقي لا يُنوِّع أساليبه بحسب المواقف التي يتحدَّث عنها، بل يتعامل مع المواقف كلها بأسلوب واحد يُنوّع فيه ويبدِّل وشيه ويُعدِّل اتجاهه. أسلوب يحكمه الخيال لا الواقع الموضوعيّ للشيء الموصوف المصوَّر. ولهذا الخيال أثر واضح في الوصف عند بديع حقي. فهو خيال خالق، يجعل الصغير كبيراً والأمر العادي عظيماً، يُجسِّم ويُشخِّص ويُضخِّم ويخلق علاقات جديدة بين الأشياء.

 

وإذا دقَّقنا في الجزئيات لاحظنا أنها غزيرة جداً، ولكنّ بنيتها تكاد تكون واحدة. فهي عناصر المكان، أو العالم الخارجيّ المحيط بالبطل  المحوريّ، كالأحياء والغرف والمقاعد والنوافذ والنباتات والأشجار والحشرات والحيوان وما إلى ذلك من أشياء دخلت العالم الروائيّ وأسهمت في خلق مناخه العامّ، (بالإضافة إلى دور هام وخطير هو تحولها من مجرد عناصر من العالم الخارجي إلى رموز)(22). والحقُّ أن عالم بديع حقي الروائيّ مملوء بجزئيات العالم الخارجيّ وأشيائه، وأن البناء الروائيّ عنده يعتمد عليها اعتماداً كبيراً يُمكِّنه من جعل الحكاية البسيطة تتسع إلى حدود الرواية. وهكذا عرف قارىء رواية (جفون تسحق الصور) تفصيلات غرفة مصطفى من النافذة العليا الصغيرة والسفلى الكبيرة إلى القطّ عنبر والباب والحبل وشجرة الليمون، كما عرف قارىء رواية (أحلام على الرصيف المجروح) تفصيلات الشارع الذي يجلس محمد على رصيفه، والغرفة التي يسكنها وابنتـه زينب. ولا تختلف معرفة قارىء رواية (همسات العكازة المسكينة) عن معرفة قارىء الروايتين السابقتين، فهو يعلم تفصيلات شوارع دمشق والسجن وغرفة النوم ودكان الحلاق.  

 

غير أن الجزئيات في الروايات الثلاث ترتبـط بأصحابها حيناً فتغدو رموزاً لهم ووسائل تُعبِّر عن الحنين إليهم، وترتبط حيناً آخر بالوصف، وصف المكان، بغية تجسيده في الرواية. أما النوع الأول فيندرج في الحنين إلى الماضي البهيج، ويكاد يشكِّل طرف ثنائيّـة : الماضي البهيج والحاضر التَّعس. ومن أمثلة هذا النوع من الجزئيات شجرة الليمون في رواية (جفون تسحق الصور)، فهي مرتبطة بلطيفة زوجة مصطفى الأولى التي غرستها في أيام زواجـها الأولى. وهذه الشجرة في حاضر الرواية رمز للأيام البهيجة، يعود مصطفى إليها كلّما زاد حاضره تعساً. وصورة فاطمـة وهي تدقُّ سقف القبر في روايـة (أحلام على الرصيف المجروح) مرتبطة ظاهريّاً بالوفاء للزوجة الميتة وبالحب الذي جمع الزوجين، ولكنّها تغدو رمزاً للماضي البهيج في فلسطين وتعبيراً عن الحنين إليه. أما الحاضر التعس فهو حاضر محمد الفلسطيني اللاجىء بعد النكبة والنكسة. والمسبحة في رواية (همسات العكازة المسكينة) تعبير عن الحنين إلى حياة الأسرة قبل وفاة الأم، ثم تغدو رمزاً للقاء حمود بأخته عيشة. وحين ترتبط الجزئيات بأصحابها في روايات بديع حقي يتألق السياق وينبض بالحيوية ؛ لأن هذه الجزئيات تعبير عمّا يُفكِّر فيه أصحابها ويحسّون به ويحلمون ويتمنون ويأملون. كما أن الجزئيات نفسها ضمنت للقارىء معرفة الإنسان في الروايات الثلاث، واستطاعت التخفيف من الأثر السلبيّ للراوي المنصرف إلى سرد حكاية البطل المحوريّ وحدها.

 

أما النوع الثاني من الجزئيات فيشارك النوع الأول في إيجابياته، ولكنه مرتبط بوصف المكان، راغب في تجسيده في الرواية. فقد راح بديع حقي يصف جزئيات المكان و يصنع منها صوراً. وليس المراد هنا أنه يصف الجزئيّة كما هي في الواقع الخارجيّ، بل المراد أنه كان يُعْمِل خياله في صنع لوحة من هذه الجزئيّة عمادها الكلمات، شأن الرسَّام حين يصنع لوحته من الألوان(23). وقد أشرتُ، قبلُ، إلى اللوحة التي رسمها بديع حقي للذبابـة التي حطَّت على يد مصطفى، وهذا نصُّها : (ها هي ذي ذبابة، تمدّ ذراعيها الأماميتين لتغسلا رأسها في خفّة، كأنهما راحتان مدرّبتان قد أمسكتا بصنارتين دقيقتين لتحوكا نسيجاً من لفيفة صوت خفية، ثم تتكىء على طرفيها الأوسطين وتمدّ رجليـها الخلفيتين إلى جناحيها، تحكُّهما، تمسحهما، تدلكهما …)(24). وهذا نـصّ وصفـيّ آخر مستمدّ من رواية (همسات العكازة المسكينة) : (رفعت العكازة رأسها الدقيق وسرت في أوصالها رعدة خفيفة. كان خوفها يماثل خوف فتاة صغيرة تهمُّ يَدٌ عتيّة أن تختطفها من بين ذراعي أمها

الرؤوم)(25). هذان النصان يشيران إلى أن بنية الوصف واحدة بين أوّل روايات بديع حقي وآخرها. فالوصف فيهما ليس وصفاً للجزئيّة كما تتجلّى في الواقع الخارجيّ الموضوعيّ، بل هو وصف بالصور. ثم إن هذا الوصف لم يُقدِّم صوراً جامدة، بل قدَّم صوراً شعريّة متحرِّكة(26). والملاحظ أن هذه الصور الشعرية تستند دائماً إلى التشبيه باستعمال حرف التشبيه (كأنهما)، أو الفعل الدال على التشبيه (يماثل). وقد يلجأ بديع حقي إلى توظيف الصورة الشعريّة المتحرِّكة في توضيح شيء معنويّ، كخوف العكازة في النص الثاني. فقد أراد بديع حقي توضيح هذا الخوف، فلجأ إلى تشبيهه بصور مادية يمرّ فيها القارىء، هي صورة الخوف الذي يعتري الفتاة الصغيرة حين تهمُّ يد بانتزاعها من حضن أمها.

 

ويبقى المرء، بعد توكيد الإيجابيات، يشعر بأن هناك مبالغة في الصور وتضخيماً لآثار الجزئيات. ومصدر هذا الشعور ضعف ارتباط كثير من الجزئيات بالسيـاق الروائيّ، حتى إن حَذْفَ هذه الجزئيّة أو تلك من السياق لا يؤثِّر في نموّ الحكاية ولا يُخلِّف غموضاً في أيّ جانب من جوانبها. ولا علاقة لهذا الحكم بجمال الصور والوصف. ذلك أن روايات بديع حقي تنتمي إلى الرواية التقليديّة. والتقليدية تقتضي، كما وضَّحتُ في بدايات الفصل الأول، أن تكون للجزئيّة وظيفة أو معنى يخدم الحكاية الروائية، في حين تجعل الرواية الجديدة الجزئيات هدفاً لا وسيلة. بل إنها تعمل على تراكم الجزئيات لتبني من هذا التراكم معمار الروايـة. والواضح أن بديع حقي متأثِّر بالرواية الجديدة في قضية التفصيلات، إلا أنه جسَّد هذا التأثير في رواية تقليدية لا يستطيع جسدها حمل التفصيلات كلّها. ولا أشكُّ في أن بساطة الحكاية أسهمت هي الأخرى في جعل جسد الرواية عند بـديع حقي ينوء بما ضمَّ من تفصيلات.

 

3/2 : الإيقاع الصَّوتيّ واللُّغويّ

لعلَّ بديع حقي الفنَّان المرهف كان يُحسُّ بأن البناء الروائيّ يحتاج إلى الإيقاع بغية إكمال التوازن بين الراوي والجزئيات. وقد وضَّح هذا الإحساس في (أحلام على الرصيف المجروح) و (همسات العكازة المسكينة). إذ ضمَّت هاتان الروايتان إيقاعاً وفَّر التوازن بين الراوي والجزئيات. وقد بدا الإيقاع فيهما صوتياً ولغوياً. أما الأول فهو تكرار أصوات معيّنة بين أقسام الرواية، كالأصوات (تيك تيك تيك) المنبعثة من الفرشاة في (أحلام على الرصيف المجروح)(27). وقد تكرّرت الأصوات نفسها في رواية (همسات العكازة المسكينة). بل إن الرواية بدأت بها(28). وأما النوع اللغوي فهو إيراد عبارات محدَّدة بين مقاطع الرواية، كالعبارة الآتيـة التي تكرّرت في رواية (أحلام

على الرصيف المجروح) : (إذا عدت إلى بيتنا في حيفا فلملم عظامي وادفنها هناك)(29). كما تكرّرت العـبارة الآتية في رواية (همسات العكازة المسكينة) : (كنتُ فيما مضى من الزمان غصناً من الرُّمَّان رطيباً أخضر)(30).

 

وعموماً، فالإيقاع اللغـويّ أكثر وضوحاً من الإيقاع الصوتيّ. وهو في (همسات العكازة المسكينة) أكثر عدداً، إذ لم يكتف بديع حقي بعبارة العكازة المذكورة قبل قليل، بل أضاف إليها عبارة أخرى هي : (كل عين بليرة). ومهما يكن الأمر فإن الإيقاع لم يكن وشياً من الوشي، بل كان تنسيقاً لجسد الرواية وموسقة له. فهو لازمة تتكرّر وتُذكِّر القارىء في أثناء تكرارها بالمؤثِّر الرئيس في البطل المحوري، كما هي حال العمى الذي أُصيب به حمود إثر مداواة أبي صطيف الحلاق له ونيله ليرتين أجرة عمله، كلّ عين بليرة. فالعمى شيء رئيس في حياة حمود في الحاضر الروائي، وهو العائق الذي حال دون حصوله على أشياء كثيرة أبسطها رؤية العالم الذي يُحيط به. ولهذا السبب ما يفتأ يتذكَّر السبب الذي أطفأ نور عينيه. وقد جسَّد بديع حقي هذا التّذكُّر باللازمة التي راح يكرّرها. وفي ثنايا التذكير شيء من الحنين إلى الماضي ؛ الماضي السابق على العمى في (همسات العكازة المسكينة)، وماضي الحياة مع الزوجة الجميلة في فلسطين في (أحلام على الرصيف المجروح). ومن المفيد أن نتذكَّر هنا أن بديع حقي حرص في الروايتين المذكورتين على إيراد الإيقاع الصوتيّ واللغويّ ضمن مقاطع الحوار الداخليّ التي وفَّرها لترميم النقص في عمل الراوي السارد.

 

3/4 : سمات لغويّة أخرى

إذا دقَّقنا في لغة الروايات الثلاث لاحظنا أنها تعتمد على الإنشاء كثيراً والخبر قليلاً. وهذه نتيجة بديهيّة لغزارة الصور والوصف وبساطة الحكاية. إذ إن لغة الصور إنشائيّة دائماً، ولغة الحكاية خبريّة دائماً. وقد رغبتُ في الإشارة إلى هذا الأمر لأحدِّد ماهيّة اللغة في الروايات الثلاث، ولأتمكَّن من القول إن هذه الماهيّة نابعة من مفهوم بديع حقي للغة الرواية، كما أنها دليل آخر على بروز شخصيّته في الروايات الثلاث. فالإنشاء عماد اللغة الروائيّة عنده، والخبر مقصور على سرد الحوادث الروائيّة التي تضمّها الحكايات. ولأنه يفضِّل دائماً الحكاية البسيطة فقد ضمر الخبر في اللغة التي يستعملها وطغى الإنشاء. وإذا تذكَّرنا أن الأمر نفسه صحيح بالنسبة إلى قصصـه القصيرة رسخ لدينا الاعتقاد بتبعية اللغة الروائية لمفهوم بديع حقي وتعبيرها عن شخصيّته. وغير خاف على المدقِّق في لغة الروايات الثلاث بشقّيها الإنشائي والخبري أن هناك سمات لغوية أخرى، كألفة الأصوات (زيء زيء زيء / قه قه قه) والاستعارات (ظلَّ المعول يلعب / الفرشاة تبوح / وثبت الضحكـة من الفم إلى الصدر ثم عادت فنطّت إلى الفم) والصفات. وتكاد الأخيرة تكون خصيصة في لغة الرواية عند بـديع حقي، إذ يندر أن يذكر كلمة دون أن يردفها بصفة كالضحكة المجلجلة والحضرة الصغيرة والعينين الذاهلتين والسِّكين المشرعة. إلا أن هذه السمات تحتاج إلى وقفة مستقلّة لمعرفة آثارها في البناء الروائي.

 

أخلص مما سبق إلى أن بروز شخصيّة بديع حقي في رواياته الثلاث أبرز دليل على إخلاصه للرؤيا الرومنتيّة، ولكنه لم يكن ذلك الرومنتيّ المهوِّم في الفضاء، بل كانت رؤياه مرتبطــة بآلام فقراء مجتمعه. ومهما يكن ارتباطه بهؤلاء الفقراء عاماً، وحركته في الزمان الاجتماعيّ بطيئة، فإن احتجاجه على الأخلاق الاجتماعيّة السلبيّة السائدة، ودعوته إلى الحقوق الإنسانيّة للفرد، ما كانا أبداً ضعيفي النَّبْرَة وإنْ خاطبا عواطف القارىء أكثر من مخاطبتهما عقله، وقدَّما له لوحة سوداء قاتمة.

 

 

الرؤيا السوداء وتعدُّد المستويات

في البناء الروائيّ

 

 

استند بناء رواية (بلد واحد هو العالم)(1) لهاني الراهب، في أثناء تعبيره عن المضمون، إلى رجبة فنيّة رئيسة هي (التَّعدُّد)، شكَّلت هيكل الرواية وجزئياتها وأسلوب الراهب فيها. والتعدُّد لا يعني خلوَّ الرواية من العناصر الفنية ؛ لأن هذه العناصر تصنع القاعدة والمسوِّغ المضمونيّ كالحكاية والحبكة. غير أن القارىء المتلقّي يلاحظ عزوف هاني الراهب عن التلاعب بحكاية الرواية. فقد اختار حكاية بسيطة لا تعقيد فيها، شأنه في ذلك شأن بديع حقّي. ومفاد حكاية الراهب هو انتقال علوان وزوجته من سكنهما في القبو  إلى حارة قديمة للسكنى المؤقَّتة فيها ريثما ينتهي بناء بيتهما في الجمعية السكنيّة. إلا أن إقامتهما المؤقتة في الحارة تطول كثيراً، ويحول علوان دون اعتداء الفلسطينيين المجاورين له في السكن على أم اللولو وزوجها المجاورين له في السكن من الجانب الآخر من الحارة. وحين غدت صلته بأم اللولو قويّة شعر زوجها سلطان أن علواناً منافس له، فحذَّره ونصح له بمغادرة الحارة، فلم يرعو علوان فأوحى سلطان إلى رئيس البلدية بأن يهدم المنـزل الذي سكن علوان إحدى غرفه تنفيذاً للمخطَّط العمرانيّ.

 

هذه الحكاية بسيطة جداً، حوادثها قليلة، والصراع فيها ضعيف. والملاحظ أن هاني الراهب لم يكتف بالحكايـة البسيطة، بل ترك الحوادث تسير سيراً تاريخيّاً من البداية (الإقامة في القبو) إلى الوسط (الإقامة في الحارة والتحالف مع أم اللولو) وانتهاءً بالخاتمة (التنافس وخسارة علوان). أي أن هاني الراهب لجأ إلى الحبكة التأريخيّة، وهي أبسط أنواع الحبكة وأكثرها شيوعاً ؛ لأنها تجعل الحبكة تُرافِقُ الحكايةَ، فيسيران في خطين متوازيين يُوضِّحهما النسق الزمني الصاعد. وهذا النسق يعني، كما هو معروف، أن الحوادث تتبع قاعدة السبب والنتيجة. كلُّ حادثة وردت في هذه الحكاية كانت نتيجة للحادثة التي سبقتها وسبباً في تشكُّل الحادثة التي تلتها. على أنه يصعب القـول إن هناك تلاعباً بالأنساق الزمنيّة في رواية (بلد واحد هو العالم) كما هي حال التلاعب في روايـة (ألف ليلة وليلتان)(2). ففي هذه الرواية كان التلاعب بالأنساق الزمنيّة الثلاثة (الصاعد والهابط والمعترض) عنصراً فنياً رئيساً، ولكنه هنا في (بلد واحد هو العالم) عنصر فنيّ هامشيّ جداً. كذلك الأمر في الحكاية التي كانت رئيسة في رواية (الوباء)(3) فغدت هنا (في بلد واحد هو العالم) هامشيّة.

 

ولئلا يكون هناك لبس أُكرِّر القول إن رواية (بلد واحد هو العالم) سردت حكاية علوان، وصنعت لهذه الحكاية حبكة ذات نسق زمني صاعد، وتركت للشخصيات فرصة خلق الحوادث ثم التأثُّر بها. ولكنّ ذلك كلّه على أهميته في بناء الرواية لا يبدو الشيء الرئيس في هذا البناء. إذ آثر هاني الراهب الاعتماد على أسلوب لم يطرقه من قبل، هو التعدُّد، انطلاقاً من أن هذا الأسلوب يلبّي حاجة مضمونيّة تخصُّ الرواية (بلد واحد هو العالم) دون غيرها. 

1 / ما التَّعدُّد في رواية (بلد واحد هو العالم) لهاني الراهب ؟. إنه التنويـع والبعد عن الأحاديّة في البناء الفنيّ. فلا مستوى واحداً في الرواية بل هناك تعدُّد في المستويات، ولا صوت واحداً فيها بل هناك تعدُّد في الأصوات الروائيّة. كذلك الأمر في اللغة، فهناك تعدُّد في اللُّغات وليست هناك لغة واحدة. وهذا بيان بالتَّعدُّد يُوضِّح، أوّل ما يُوضِّح، ذلك التناسق والانسجام بين الشكل والمضمون.

 

1 – تعدُّد المستويات :

يلاحظ أيُّ قارىء لرواية (بلد واحد هو العالم) أن هذا النصَّ لا يسير على مستوى واحد. فهو مرّة ذو مستوى واقعيّ، وأخرى ذو مستوى أسطوريّ، وثالثة ذو مستوى رمزيّ، ورابعة ذو مستوى سياسيّ. كما يلاحظ القارىء في الوقت نفسـه أن هذه المستويات تتداخل في شبكـة العلاقات الروائيّة، وتمتزج، مكوّنةً البناء الفنيّ للرواية. 

 

أ – المستوى الواقعيّ :

الحكاية التي أشرتُ إليها قبل قليل ترافق القارىء المتلقي طوال النص، فيشعر أنه يفهم ما يسرده الراوي عليه ويتواصل معه. إن الراوي يسرد حكاية علوان في الحارة القديمة، وهذا السرد واضح جداً يتلقَّفه المتلقي ويتعامل معه إلى أن تنتهي الحكاية في خاتمة الرواية. إن حكاية علوان هي حكاية معلِّم(4) اشترك في جمعيّة تعاونيّة سكنيّة، وقبض مبلغاً من المال ليتخلّى عن القبو الذي يسكنـه، ثم انتقل إلى  (حارة) قديمة وسكن إحدى غرفها منتظراً استلام بيته الجديد. ألا يضمُّ الواقع المحيط بالروائيّ والمتلقي آلافاً من المعلِّمين والموظَّفين الذين اشتركوا في جمعيات تعاونيّة سكنيّة، وقبضوا أموالاً لقاء تنازلهم عن المنازل المؤجَّرة لهم !!. وإذاً، فالقارىء يجد هذا المستوى من الحديث واقعياً، يسرد عليه حكاية مستمدَّة من الواقع الاجتماعيّ الذي يعيش فيه. كما يزيد الحكاية وضوحاً تسمية الشخصيات بأسماء يعرف مثيلاً لها، ويُقيم علاقات بينها مناظرة للعلاقات بين الناس في المجتمع الخارجيّ الحقيقيّ. وهذه العلاقات تجعل المستوى الواقعيّ أكثر وضوحاً لدى المتلقي، وخصوصاً علاقات الجوار، والموقف التقليديّ من المرأة، والعلاقات الاجتماعيّة والعاطفيّة بين الجنسين.

 

على هذا النحو يتحرَّك المتلقي ضمن مستوى واقعي لا لبس فيه. ربَّما كان صَوْغُ الحكاية جديداً بالنسبة إليه، أو يضمُّ بعض المبالغة، ولكنه في الحالات كلها نمـوذج لما يجري في الواقع الذي يعرفه، أو في الإمكان حدوثه في هذا الواقع. ويمكن أن أخلص من ذلك إلى أن هاني الراهب في هذا المستوى الواقعيّ قدَّم لقارئه إطاراً مرجعيّاً يعرفه، ضماناً لتواصل المتلقي مع الحكاية التي يسردها الراوي. وهذا ما تفعله غالبيّة الروايات العربية، إذ تعتمد الواقع الذي يعيش فيه المتلقـي إطاراً مرجعياً لحكايتها لتضمن تسلية هذا المتلقي وإمتاعه، وتُحقِّق وظيفتها الاجتماعيّة من خلال ذلك. صحيح أن هذه الروايات تتلاعب بالإطار المرجعيّ تقديماً وتأخيراً (الإزاحة الفنية)، تبسيطاً وتعقيداً ومبالغة، ولكنها لا تغادر مبدأ الانعكاس، أو تنظيم معرفة المتلقي بواقعه. 

 

ب – المستوى الأسطوريّ :

لا ينفرد المستوى الواقعيّ وحده بنصِّ الرواية، فالمتلقي يشعر أن (الحارة) التي انتقل إليها علوان ونازك ليست عاديّة بل هي أسطوريّة. يجري الحديث فيها عن الرعاع الموالين لأم عبُّودة، فإذا هم مخيفون معتدون لا يحكم عملهم أيّ منطق. فإذا تحدَّثت الرواية عن علـوان لاحظ المتلقي أنه بطل خارق للعادة، يُخيف وحده عشرات الشبان، ويغدو مصدراً للقوة والنفوذ. تسعى إليه سيِّدة الحارة الثرية وزوجها ليكون درعاً يحميهما. وحين لجأ بعض الرعاع إلى مهاجمة قصر سلطان وأم اللولو جرت معركة لم تتدخل الشرطة فيها، ولم يتنازل علوان عن أفعاله الخارقة في أثنائها. ليس هذا فحسب، بل إن (الحارة) لا تنتمي إلى مكان معيَّن وكأنها مفصولة عن العالم، تصنع أسطورتها الخاصـة كما تصنع الشخصيات (الأصوات) أساطيرها في الرواية. فأم اللولو أسطورة بجمالها وجاذبيتها وقـوة نفوذها وثرائها. وسلطان أسطورة بقدرته وتسامحه ونفوذه. وعلوان أسطورة بجبروته وحبِّه وقوته. كلُّ شخصية تصنع أسطورتها الخاصة، والمتلقي لا يشعر بأن هناك إرادة وعقلاً وراء أية أسطورة تصنعها هذه الشخصيات / الأصوات، بل يُخيَّل إليه أن البطل غير واع، يمرُّ بتجربة العبور حسب تعبير أحمد كمال زكي. 

 

إن المستوى الأسطوريّ مخيِّم على الرواية كلّها، يجعلها حكايـة رمزية بسيطة ومؤثِّرة تتيح للمتلقي إدراك العلاقات الثابتة وتنظيم الفوضى السائدة في المجتمع الروائي. وليس من هذا المستوى التصريح باستخدام أسطورة فاوست ؛ لأن هذا التصريح أَدْخَلُ في باب المستوى الترميزيّ المجازيّ. إن المستوى الأسطوريّ شيء آخر. إنه عالم من اللامعقول يلفُّ المتلقي في أثناء القراءة. عالم لا منطق فيه ولا عقلانيّة، وليس في وسع المتلقي نسبته إلى زمان تاريخيّ معيَّن، أو مكان جغرافيّ محدَّد ؛ لأن له منطقاً خاصاً ينهض على اللامنطق واللامعقول واللازمان واللامكان.

 

ج – المستوى التّرميزيّ :

يزيد المستوى الترميزيّ المتلقي يقظة، ويتركه حائراً. ففي مقدور هذا المتلقي تفسير استخدام أسطورة فاوست على أن علوان متحالف مع الشيطان الذي تُجسِّده أم اللولو. ولكنه في الوقت نفسه يحار في تفسير أم اللولو. هل هي امرأة عادية أو هي البرجوازيّة الرأسماليّة الطفيليّة الجديدة التي اكتشف علوان في نهاية الرواية دمامة جسدها (قبحها الداخليّ) ؟. وعلوان نفسه ترميز يحار المتلقي في تفسيره. أهو الرجل المعلِّم أو هو ترميز للشريحة البرجوازيّة الصغيرة التي ينتمي إليها ؟. وإذا كان ترميزاً فإلام ترمز نازك، وإلام يرمز سعدون، وهما من الشريحة نفسها ؟. وإذا كانت زينب ترميزاً للحبِّ ولسطوة العادات والتقاليد البالية في المجتمع التقليديّ، فهل نستطيع عدَّ ذبحها في الرواية مجرّد انصياع لهذه العادات والتقاليد أو هو شيء آخر ؟. وما تفسير تيسير ؟. أهو الرجل الأمّيّ البسيط المصاب بالصرع كما يمكن الاستنباط من المستوى الواقعي، أو هو ضمير علوان ووجدانه ؟.

 

إن رواية (بلد واحد هو العالم) تعجُّ بالأشياء الرامزة التي تحثُّ المتلقي على التأويل. إنها حقل من المجازات، فيه الواضح والقريب من الوضوح، وفيه أيضاً المبهم والغامض. والمتلقي وسط هذا الحقل مضطر إلى اليقظة وإعمال الفكر. فقد تُمثِّل أمُّ عبودة في هذه الرواية حال الفلسطينيين في لبنان. وقد يُمثِّل علوان مَنْ حاول القضاء على هؤلاء الفلسطينيين أو ساعد على إضعافهم. وقد يكون سعدون ترميزاً للدوغمائيين الذي يغفلون عن الواقع ويروحون يتشدقون بالشعارات. وربما كان الحبّ بين سعدون وزينب، وزواج خلدون من زينب، ترميزين لتلك الحال التقليدية التي ما زالت مسيطرة على المجتمع العربي، وربما كانا أيضاً ترميزين للتباين الثقافي والفكري بين الرجل والمرأة في هذا المجتمع. كلُّ شيء في المستوى الترميزيّ قابل لتفسيرات عدّة ما دام غامضاً ومبهماً. ومن ثَمَّ يُضطر المتلقي إلى التأويل بحسب خلفيته الثقافيّة، فيرى في شخصية تيسير نموذجاً للرجل الدرويش، أو يرى في نوبات الصَّرع التي يُصاب بها طوال الرواية تعبيراً عن الخلل العضويّ في جسد المجتمع العربيّ، أو يرى في النوبات نفسها احتجاجاً على قهر الفلسطينيين، أو لا يرى ذلك كلّـه فيعدّ تيسيراً صوت علوان الداخليّ.

 

وميزة هذا المستوى الترميزيّ أنه في الغالب الأعمّ لا يُقدِّم نفسه للمتلقي بسهولة. ولعلَّ هاني الراهب لم يرغب أساساً في تقديم تفسير محدَّد، بل رغب في دفع المتلقي إلى المشاركة الوجدانيّة في العمل واتخاذ موقف منه. ولهذا السبب اعتمد على هذا المستوى الترميزي كثيراً لإتاحة الفرصة للمتلقي للتنفيس عن همومه وأفكاره المكبوتة. فلفظة الفلسطينيين في الرواية ذات هالة ترميزيّة يستطيع المتلقي إسقاط كثير من الأحداث السياسيّة والعسكريّة عليها، وهو بذلك يشارك في المقولات الأخلاقيّة السائدة بعد أن أسقط عليها ما كبته الواقع وحرَّمه. وعلى الرغم من أهمية هذا المستوى الترميزيّ من الناحية الفنية، وإتاحته الفرصة أمام هاني الراهب للهرب من الشرطيّ الخارجيّ من الناحية الموضوعيّة، فإنه لم يكن راغباً في الاعتماد عليه وحده.

 

د – المستوى السياسيّ :

رواية (بلد واحد هو العالم) رواية سياسيّة، ولكنها سياسية بأسلوبها الفني الخاص. وما المستوى السياسيّ الذي أشير إليه هنا إلا الدّمّ الذي يجري في عروق المستويات الثلاثة السابقة. ذلك أن هاني الراهب في هذه الرواية لم يستعمل الخطاب السياسيّ المباشر تحليلاً ونقداً كما فعل في رواية (الوباء)، بل رسم بناءً روائياً ذا مستويات واقعيّة وترميزيّة وأسطوريّة، وسمح للمستوى السياسي بالتغلغل فيها والاستقلال عنها في آن معاً. التغلغل فيها من خلال الحدث (أم عبودة  علوان   أم اللولو)، واستقلَّ عنها ووازاها من خلال البيت الاشتراكيّ.

 

يلاحظ المتلقي أمرين في قضية البيت الاشتراكيّ. الأمر الأول هو كونه حلماً عند علوان ونازك، يُقتِّران على نفسيهما في سبيله، ويعتصمان طوال فترة انتظاره بمبادئهما الثوريّة التي لا تقبل المهادنة ولا التقاليد والأعراف السائدة في المجتمع ] المراد هنا : تخلّي نازك عن أبيها الرجعيّ في سبيل الزواج من علوان المعلِّم ذي الدخل المحدود، وعزوف علوان عن زيارة أخويه وأقاربه رغبة في الاقتصاد من أجل البيت الاشتراكيّ [ .

البيت الاشتراكيّ يعني هنا :  أ – تجربة الجمعيات التعاونيّة السكنيّة .

 

ب - الاعتماد على جزء من الدخل الشهريّ في شراء المنـزل .

ج– أيديولوجيّا المجتمع الاشتراكيّة .

الأمر الثاني انتقال البيت الاشتراكيّ من مركز التفكـير والاهتمام إلى النسيان واللامبالاة عند علوان، ومجرد التذكير عند نازك. وانتقال البيت نفسه في المجتمع الروائيّ من التجربة التعاونيّة الاشتراكيّة إلى قضية الاختلاسات والغشّ في البداية، وقضية التصفية والبيع بالمزاد العلنيّ في النهاية.

البيت الاشتراكيّ يعني هنا :

أ – إخفاق تجربة الجمعيات التعاونيّة السكنيّة.

ب– التخلّي عن الدخل الشهري المحدود إلى الدخل غير المحدود.

ج– الأيديولوجيا البرجوازيّة للمجتمع.

هذان الأمران يلاحظهما المتلقي في الرواية دون أن تفوته دلالتهما السياسيّة (حركة المجتمع العربي من الاشتراكيّة إلى البرجوازية الرأسماليّة الطّفيليّة). ولكنّ المتلقي نفسه يلاحظ في أثناء ملاحقته هذين الأمرين أن الروائي لم ينصرف إلى المعالجة الروائيّة لهما، بل اكتفى بعد أن جسَّد الحلم بالبيت الاشتراكيّ في بداية الرواية بملاحقة التراجع الاجتماعيّ، وراح ينثر بين الصفحات إشارات سريعة إلى هذا البيت الاشتراكيّ موضِّحاً فيها ما آل إليه. وقد تجسَّد هذا التراجع في (الحارة) القديمة، وانصرف إلى ملاحقته من خلال المستويات الثلاثة (الواقعيّ والأسطوريّ والترميزيّ). وهذا يعني أن قضية البيت الاشتراكيّ ليست قضية الاختلاسات أو قضية تغلغل التجَّار في هذه التجربة، بل هي قضية مجتمع بدأ ينهار ويتراجع إلى قيم القوة والمال والاستغلال والاضطهاد. ولا مسوِّغ في الروايـة لهذا الانهيار والتراجع غير انتهازيّة البرجوازية الصغيرة التي اعتمد عليها توازن المجتمع العربي وتقدُّمه، فإذا هي تقود الانحراف وتتماهى بالبرجوازيين الرأسماليين الجدد فتعمل في التجارة (تجارة علوان في أشرطة الفيديو) وتغدو تابعة للبرجوازيّة الكبيرة، ناقلة للقيم السلبيّة التي تُفسد المجتمع بها (أشرطة الفيديو تدور كلها حول الجنس، وقد أرشدته إليها أم اللولو ومدّته بها). 

 

2 – تعدُّد الأصوات الرّوائيّة :

تضمُّ رواية (بلد واحد هو العالم) مجموعة من الشخصيات المحوريّة (علوان) والرئيسة (أم اللولو – نازك – أم عبودة – سعدون – أم تيسير – تيسير) والهامشيّـة (أبو حسن – أبو خليل – خالد – خلدون – عادل …). على أن شبكة العلاقات الروائيّة تشير إلى أن الرواية لا يهمها تصنيف الشخصيات على هذا النحو، بل يهمها أن تطرح أصواتاً روائيّـة تؤديها الشخصيات وتُعبِّر من خلالهـا عن رؤيا مجتمعيّة معيَّنة. صحيح أن السياق الروائي أبرز علوان وجعل صوته واضحاً، وترك الحوادث تدور حوله وتنطلق منه، ولكنّ الصحيح أيضاً أن هاني الراهب لم يكن يقصد بناء روايـة تعتمد على شخصية محوريّة، تعينها الشخصيات الرئيسة والهامشيّة على الوضوح والتبلور، وتُحدِّد مكانتها الاجتماعية في العالم الروائي. بل قصد جَعْلَ صوت علوان، الممثِّل للبرجوازيّة الصغيرة، عالياً في الرواية كحاله في المجتمع المحيط بالروائي والمتلقي. وقصد أيضاً أن يكون هذا الممثِّل متطرِّفاً في صفاته كي يكون تعبيره عن الشريحة الاجتماعيّة التي ينتمي إليها ذا دلالة على جوهرها. ولهذا السبب ضمَّت الرواية ممثلين آخرين للبرجوازية الصغيرة، ولكنهم لم يكونوا متطرفين في صفاتهم، أو كانوا يُعبِّرون عن العرضيّ في الشريحة الاجتماعيّة التي ينتسبون إليها، كما هي حال نازك وسعدون.

 

ولعلَّ المتلقي يلاحظ أن القضية لا تنتهي هنا. فخلدون ينتمي إلى البرجوازيّة الصغيرة نفسها، ولكنه يُوظِّف موقفه الطبقيّ لخدمة الشريحة البروليتاريّة التي تنتمي إليها أم عبودة، شأنه في ذلك شأن خالد المحامي الذي وظَّف موقفه الطبقيّ للأمر نفسه. وهذه الأمثلة (سعدون – خالد – نازك – علوان) تشير إلى أن السياق الروائي لا يطرح ممثلاً وحيداً للشريحة الاجتماعيّة، بل يطرح أصواتاً تتعالى منها. وهذه أيضاً حال الشريحة العليا من البرجوازية في السياق الروائي. فأم اللولو كسلطان في الانتماء إلى الشريحة العليا من البرجوازية، ولكنّ وحدة المصالح بينهما في الرواية جعلتهما غير متطابقين في تمثيل هذه الشريحة، بل أبقتهما صوتين مختلفين.

 

وإذاً، فلكلّ شخصية في (بلد واحد هو العالم) صوتها الخاص داخل الرواية، تُعبِّر من خلاله عن موقفها الفني وتسهم بوساطته في رؤيا الرواية للعالم. وقد حرص هاني الراهب على بناء الأصوات كلها بناءً واحداً تُوضِّحه الفقرات الثلاث الآتية :

 

أ – ابتعد كلُّ صوت روائيّ مسافات عن الشخصية الروائية التقليدية. فلكل صوت اسم علم يميزه من غيره، ورأي يعلنه، ولكنه صوت مبتوت الذاكرة، لا علاقة لماضيه بحاضره، ولا حركة له في الحاضر خارج دائرة الحدث الذي يعتمل في (الحارة) بين الأطراف الثلاثة : أم عبودة – علوان – أم اللولو. له رأي يعلنه، ولكنّ المتلقي لا يقرأ شيئاً عن تاريخ هذا الرأي.

 

ب – لا يستطيع المتلقي الاطمئنان إلى أن هذا الصوت شخصية روائية تشبه أو تداني الشخصية في الواقع الموضوعي المحيط بالروائي. فهو، أحياناً، يـرى صورة هذا الصوت كما طرحها المستوى الواقعي، ثم يراها بعد صفحات ترميزاً محضاً، أو أسطورة صرفاً، أو تعبيراً سياسياً خالصاً، فيحار في نسبتها إلى هذا المستوى أو ذاك. والواضح أن الراهب بناها على هذا النحو المتشابك ليصوِّر عطالتها الاجتماعيّة ويُبقي على صوتها الذي ينطق دون فعل. ولعله أراد جَعْلَ هيكلها يناظر الهيكل الاجتماعيّ العربيّ في تعدُّد أصواته وعطالتها، ولكنه استثنى منها ثلاثة أصوات منح كـلاً منها فعلاً محدَّداً، هي : أم اللولو – أم عبودة – علوان. ولم ينقضْ هذا الاستثناءُ قاعدةَ بناءِ الهيكل الروائي المناظر للهيكل الاجتماعيّ الخارجيّ. ففي الواقع الموضوعي للشرائح الاجتماعيّة العربيّة تعلو أصوات فتغدو موئلاً للصراع أو بؤرة للفساد أو للخير. وفي الرواية ارتفعت من الشرائح الثلاث ثلاثة أصوات (أم عبودة – علوان – أم اللولو)، اتضح الصراع بين شريحتين وكاد يُحسم لولا توسُّط علوان وانحيازه إلى هذه الشريحة مرة وإلى تلك مرة أخرى. وعلى الرغم من التميُّز الذي منحه الروائيّ لهذه الأصوات الثلاثة، فإنه لم يُخرجها من قاعدة بناء الصوت الروائي، فهي كلها سواء في البعد عن الشخصية الروائية التقليدية، وفي تداخل المستويات في صورتها الروائية.

 

ج – بُني الصوت الروائيّ على أسس مغايرة للسائد في رسم الشخصية التقليدية. ومن أبرز هذه الأسس أساسان، الأول اعتماد الصوت على الخبرة طوال السياق الروائي، وخلوّه من الطباع الفردية المميزة له من غيره. إنه صوت مبتوت الذاكرة : كما ذكرتُ قبل قليل، لذلك يعيش حاضراً دون ماض. ولا بدَّ له في هذا الحاضر من خبرات جديدة يستمدّها من واقعه، ولكنه لا يسمح لها بالتراكم والانتقال إلى الحقل النوعيّ، وكأنه يتعلّم لينسى، أو ينسى ليتعلَّم خبرة جديدة. ومن ثَمَّ يلاحظ المتلقي أنه لا ينمو ولا يتقدَّم إلى الأمام، ولا يستطيع تنظيم الفوضى السائدة في مجتمعه. إنه صوت واهن فَقَدَ ذاكرته فلم يبق للزمن أثر في حاضره. أما الأساس الثاني الذي بُني عليه هذا الصوت الروائي فهو الوصف لا القصُّ، وصف حاضر الصوت في غُدوِّه ورواحه، في عطالته وأحلامه. أما حكاية تاريخه فلا أثر لها في السياق. ولم يكن للبطاقات التعريفيّة(5) التي قدَّمها الراهب أيّ تأثير في تشكيل تاريخ الصوت الروائي. ذلك أنها لا تنفع في صنع تاريخ لأصوات روائيّة فقدت ذاكرتها وراحت تعيش حاضرها.  

 

مهما يكن الأمر فإن الشيء اللافت للنظر هو اقتصار فعالية الأصوات على (الحارة)، وكأنها لا تملك غير هذا الجانب من حياتها. فعلوان معلِّم، ولكنّ المتلقي يعلم ذلك من عبارة صغيرة وردت في السياق الروائي، دون أن يرى عمله أو يراه في عمله. كذلك الأمر في الأصوات الروائية الأخرى. ولعلّ الاكتفاء بالمقطع الأحاديّ من الشخصية الروائية يُعزِّز ما قلتُه عن طبيعة الصوت الروائي، وينفي نهائياً رغبة هاني الراهب في رسم شخصيات روائية تعيش حاضرها المتصل بماضيها، وترنو في كل حركة روائية إلى مستقبل تحلم به وترسم خطوطه وألوانه. إن الأصوات الروائية في (بلد واحد هو العالم) تعيش الحاضر فحسب. أما الماضي والمستقبل فلا يحتلان حيزاً من حياتها، بل إن الحاضر الذي تعيش فيه وتستمدُّ منه خبراتها ليس كلّياً، بل هو جزئيّ مقصور على (الحارة)، حتى لتبدو المدينة خارج  الحارة هي العالم بحضارته الزاهرة. صحيح أن للحارة صلةً بهذا العالم، ولكنها صلة واهية لأنها تعيش خارج العالم (الحضارة). وقد حُدِّدت مهمة الأصوات الروائية بالتعبير عن هذا الأمر من خلال الشرائح الاجتماعيّة التي تنتمي إليها.

 

3 – تعدُّد اللُّغات :  

جهدت اللغة الروائيّة في التعبير عن تعدُّد المستويات والأصوات. وأستطيـع أن أعزو إليها الفضل في طرح البنية الدلاليّة والرؤيا الروائيّة للعالم. ولا أعجل حين أقول إن الميزة الأولى لرواية (بلد واحد هو العالم) هي تعدُّد اللُّغات. والمراد باللغات هنا المستويات التعبيريّة التي استعملها الراهب للإبانة عن موضوعه ورؤياه. وقد آثرتُ استخدام لفظة (اللغات) بدلاً من (المستويات) لأنني أعتقد أن هاني الراهب بذل جهداً في أن يكون كلام الصوت الروائي معبِّراً عن فكره، وهذا أَدْخَلُ في باب اللغة من حيث التعريف على أقل تقدير. أما المستويات فتفيد التعدُّد فحسب، ولا تنضوي تحت المستوى الواحد أصوات روائية ذات طبيعة فكريّة متباينة. ذلك أن هاني الراهب أراد من كلّ صـوت روائي أن يُعبِّر عن فكره الخاص، أو لغته الخاصة. لذلك بذل جهده في الابتعاد عن اللغة الواحدة التي تشي بحضوره من حيث هو خالق فني، وراح يحاول منح الصوت الروائي لغة لا يتكلَّم بها غيره. ومن هنا تعدّدت اللغات في الرواية، وكان تعدُّدها تلبية لحاجة الإبانة عن الموضوع ذي المستويات الأربعة (الواقعي – السياسي – الأسطوري – الترميزي)، وعن الأصوات الروائيـة التي خلقت هذه المستويات وتفاعلت معها، حتى انتهى الأمر إلى البنية الدلالية والرؤيا.

 

ماذا فعل هاني الراهب ليُحقِّق تعدُّد اللغات ؟. لقد نوَّع التعبير اللغويّ على النحو الآتي :

 

أ – لغة الشَّرائح الاجتماعيّة :

تعدّدت الشرائح الاجتماعيّة في الرواية فتعدّدت اللغة التي تُعبِّر عن طبيعة كل صوت وثقافته. فأبو خليل يتحدَّث بالعاميّة(6)، وحديثه يدور دائماً حول المال أو حول شيء آخر يتعلّق بالمال. وسعدون يتحدث بلغة فصيحة مملوءة بالمصطلحات الماركسيّة. وسلطان يتحدّث بلغة فصيحة مملوءة بالمصطلحات الدينية. وأبو زينب يتحدث بعامية مملوءة بأثر العادات والتقاليد. وزينب تتحدث بعامية مملوءة بألفاظ الحبّ والخوف. وهكذا يُخيَّل إليَّ أن الراهب ملأ الصوت الروائيّ بألفاظ تنم على الشريحة الاجتماعية التي ينتمي إليها وعن الثقافة التي يحملها. وعموماً، فقد جعل الراهب العامية لهجـة الأميين (أم تيسير – أبو حسن – أبو زينب – أبو خليل – تيسير)، والفصيحة لغة المثقفين (علوان – نازك – خلدون – سعدون – خالد). وبذلك صحَّ القول إن الراهب عدَّد اللغات بحسب الشرائح الاجتماعية في الرواية. وهذا التعدُّد صادق في حدود الحوار وحده.

 

ب – لغة البطل :

احتلَّ علوان مركز الصدارة في الرواية. وقد عبَّرت اللغـة عن هذه الخصوصيّة تعبيرات مختلفة. أولها استعماله ضمير المتكلم، وثانيها استعماله الجمل ذات الأنماط اللغويّــة القصيرة المملوءة بالمعترضات (تلك المرأة، أم اللولو، أقلقتني)(7)، وثالثها الإكثار من الجمل الإنشائيّة في أثناء الوصف الماديّ للأشياء الخارجيّة (ذلك المخدع الشبيه بغدير في أعماق المحيط. الحركة نوع من الطيران السارح البطيء)(8)، وفي أثناء وصف المشاعر والأحاسيس  والتعليقات الداخلية على الوقائع (إن إطلاق الرصاص متعة الرجولة)(9)، (إن أزمة نازك زوبعة في ذهن حسّاس)(10). والالتزام في غير ذلك بالجمل الخبريّة  (كنتُ حريصاً على هزمه بالنرد. وضعت كل إمكاناتي وخبرتي ومهارتي في مسك الحبتين)(11).

 

ج – لغة السَّارد :

بنية رواية (بلد واحد هو العالم) سرديّة. إنها لغة الراوي المختفي وراء الضمير الثالث (ضمير الغائب). وقد استعمل الراهب السرد في الوصف والإخبار على حدّ سواء، وحرص دائماً على اللغة الفصيحة، ولكنه أورد فيها ألفاظاً قليلة الاستعمال، وأخرى عاميّة، وثالثة مترجمة غير معرَّبة. وقد نبع تعدُّد لغة السارد من الحرص على أن تكون اللغـة إخباريّة صرفاً في التقارير (وهي سبعة) والبطاقات، وإنشائيّة في المقاطع التي ترد بين الجمل الحواريّة.

 

2 / بنية النَّصّ الدّلاليّة :

أعتقد أن البنية الدلاليّة التي تحكم رواية (بلد واحد هو العالم) هي تحوُّل البرجوازيّة الصغيرة العربية من الثّوريّة إلى الانتهازيّة. وهذه البنية الكلية واضحة من خلال ممثلي الشرائح الاجتماعيّة ورموزها :

- عــــلوان: ممثِّل الشريحة البرجوازيّة الصغيرة.

- أم عبـــودة: ممثِّلة الشريحة البروليتاريّة الرَّثّة.

- أم اللولو وسلطان: ممثِّلا البرجوازيّة الرأسماليّة الجديدة. 

ولقد بدأت الرواية بالشريحة البروليتارية والشريحة البرجوازية العليا وقد وضح العداء بينهما، واستعدَّ كلُّ فريق للقضاء على الآخر، وانتهت الرواية دون أن تتغيَّر الحال أو تنمو أو تتحوَّل. أما الشريحة البرجوازية الصغيرة فهي وحدها التي بدأت ثوريّة ووضحت انتهازيتـها حين نمت باتجاه التحالف مع البرجوازية العليا (الرأسمالية الجديدة)، وغدت تابعاً لها تضرب بسيفها. أي أن حال البرجوازية الصغيرة هي التي تغيَّرت، وهذه هي البنية الثابتة في نصِّ الرواية، وهي بنية ذات دلالة سياسيّة كما لا يخفى على أحد.

 

أما العلاقات الأساسيّة المكوِّنة لهذه البنية الكليّة فهي :

 

أ – العلاقة الداخليّة : المراد هنا العلاقة داخل البرجوازية الصغيرة بين الممثِّل الرئيس لها (علوان) وبقية رموزها (نازك – سعدون – زيد – خالد – خلدون) .

ب – العلاقة الخارجيّة : المراد هنا علاقة الممثِّل الرئيس للبرجوازية الصغيرة بالممثِّلة الرئيسة للبروليتارية الرثة (أم عبودة) والممثِّلَيْن الرئيسَيْن للبرجوازية الرأسماليّة الجديدة (أم اللولو – سلطان) مع رموز هاتين الشريحتين الاجتماعيتين. 

 

ومن الواضح أن العلاقات الأساسيّة تتمتَّع بما تمتَّعتْ به البنية الكليّة. فعلوان وحده المتغيّر في أثناء العلاقة الداخليّة والخارجيّة. أما الطرف الآخر من العلاقة الداخلية والخارجية فهو ثابت دائماً. أي أن المراد السياسي للرواية (أو تغلغل المستوى السياسي) يتضح من خلال العنصر المتغيّر بين الثوابت.

رؤيا العالم :  

تضمُّ رواية (بلد واحد هو العالم) رؤيا سوداء للعالم، مُفادها أن الشريحة البرجوازيّة الصغيرة استطاعت بانتهازيتها زيادة حُمَّى الاستهلاك في المجتمع وإضعاف الشريحة البروليتاريّة الرّثّة وإعاقة نموّها، صانعةً بذلك مصيرها القاتم وقلقها الدائم وأفقها المجتمعيّ المسدود وخيانتها الوطنيّة. وقد نبعت هذه الرؤيا من أن البرجوازيّ الصغير الذي بدأ تقدميّاً لا يهادن البرجوازيّة الطُّفيليّة، وقع تحت إغراء المال والنفوذ فتبع البرجوازية وغدا يضرب الكادحين بسيفها، دون أن يطمئنَّ إلى عمله الجديد أو يملك الشجاعة للعودة إلى أصوله الوطنيّة التقدميّة الأولى . إنه إنسان حائر أسهمت الظروف الموضوعيّة للمجتمع العربي في تنمية نوازع السيطرة وحبّ المال لديه، وتركته ضعيفاً عاجزاً عن الفعل، مطمئناً إلى انفصال أيديولوجيته عن الواقع المعيش. 

 

بين البنية الدّلاليّة والرؤيا :

أ – تضمُّ الرواية سلوكات دالة على بنية النص ورؤياه تحلّت بها الأصوات الروائيّة. فعلوان هو الشخصية المحوريّة في الرواية. برجوازيّ صغير (معلِّم مدرسة) أغراه أبو خليل بترك المنـزل الذي يستأجره لقاء سبعين ألفاً. وقد رفض العرض في البداية انسياقاً وراء مبادئه التي تكره أمثال أبي خليل من البرجوازيين الجدد وتتمسك بالسكن التعاونيّ الاشتراكيّ. بل إنه رفض إنجاب طفل في (القبو) في انتظار إنجابه في بيته الاشتراكيّ. ولكنّ الرواية، وهي تعرض إصراره على مبادئه، أشارت إلى قلقه الداخليّ من طبيعـة حياته. فقد بلغ الثالثة والثلاثين دون أن ينجز شيئاً. لا يملك منـزلاً وليس له ولد. أي أن الرواية عرضت في وقت واحد ترجُّحه الداخليّ والظروف الموضوعيّة للحياة الاجتماعيّة حوله  (طلبُ الجمعية السكنيّة أربعين ألفاً). لهذا السبب ساوم أبا خليل بعد رفضه الأوّلي ليحصل منه على أكثر من سبعين ألفاً، ثم وافق وقبض المبلغ وغادر (القبو) بعد سبع سنوات من السكنى فيه. غادر القبو وهو يعتقد أن زوجته نازك هي التي ضغطت عليه لقبول المبلغ لقاء مغادرة القبو، وكانت العامل الرئيس في دفعه إلى التخلّي عن مبادئه ملاوة. اعتقد علوان أن أبا خليل كلب ابن كلب وشخصية  (بزَّاقيَّة)، وشعر أنه لا يريد رؤية نازك ولا مخاطبتها لأنها سبب قبوله العرض. أما نازك فكانت تعتـقد أن أبا خليل هزمه حين (جعله يقبل بسبعين ألفاً وكانت عينه على المئة)(12). والواضح أنها لم تكن تُقدِّر مبادئه حقَّ قدرها، ولم تكن في الوقت نفسه تنفخ في ثقب. فقد انطلق الاتفاق مع أبي خليل من نزوع داخليّ لدى علوان للتحرُّر من الضغط المعيشيّ. وسلوك علوان في هذه البداية الروائيّة يُعبِّر عن عداء واضح للبرجوازية الطفيلية، وتمسُّك واضح أيضاً بالاتجاه الاشتراكيّ الذي يُجسِّده بيت الجمعيّة السكنيّـة. وهو سلوك إيجابيّ دال رمز به هاني الراهب إلى تاريخ البرجوازية الوطنيّ، ولكنه اكتفى بهذه الإشارة ولم يرغب في أكثر منها. لهذا السبب ختم هذا السلوك بانتقال علوان ونازك إلى (الحارة) القديمة، وراح يرصد سلوكاً آخر سلبياً دالاً يوضِّح رؤياه(13) . 

 سكن علوان غرفة في منـزل قديم يتوسَّط شريحتين اجتماعيتين بينهما صراع على المنـزل الذي سكن علوان إحدى غرفه. الشريحة الأولى كادحة لاجئة في وطنها لا تجد من يقوم بأودها، مؤلَّفة من أربعين أسرة تقودها امرأة تُدعَى أم عبودة. أما الشريحة الثانية فغنيّة ذات سلطة دينيّة ودنيويّة، تملك المال والجاه والنفوذ، تقودها أم اللولو القادمـة من الغرب وزوجها سلطان (قبضاي الحارة) السابق وشيخ الجامع في الحاضر الروائيّ. توسَّط علوان هاتين الشريحتين، وأمِلَ في البداية أن يتوحَّد بالشريحة الأولى، ولكن أم اللولو سَرْعان ما أغرته بالمال والجسد بعد أن اكتشفت قدرتـه على قمع شبان الشريحة الأولى العاطلين عن العمل الذين يُهدِّدون أمنها وسطوتها، فتخلّى علوان عن حلمه بالتوحُّد مع الفقراء،  وراح يبني أسطورته الخاصة، أسطورة المنـزلة العليا المبنية على وهم ذاتيّ بالقدرة. وبقي علوان على هذا الوهم إلى أن شعر سلطان بمنافسته له، فنصحه بمغادرة الحارة فلم يرعو، بل حاول العودة إلى إثارة فقراء أم عبودة على سلطان، فتخلّت عنه أم اللولو وخسر معركته مع سلطان بعد أن نجح في توهين شريحة أم عبودة بقتل بعض رجالها، وقمع عناصر الوعي فيها، وتَرْكِها عاجزة عن الحركة. أي أن وهم علوان الذاتي بالقدرة قاده (وهو رمز البرجوازيّة الصغيرة) إلى التحالف مع أم اللولو (وهي رمز البرجوازيّة الرأسماليّة الجديدة) ومناهضة أم عبودة (وهي رمز الشريحة البروليتاريّة الرَّثّة)، وانتهت به الحال إلى الهزيمة أمام سلطان (وهو رمز السلطة التقليديّة) بعد أن حاول منافسته على أم اللولو. ولم يكن علوان ليُهْزَم لولا ظنُّه الخطأ بأن تجديد صلته بالبروليتارية الرثة يقوده إلى الفوز على سلطان. وفاته أن هذه المحاولة تهدم تحالفه مع أم اللولو. لذلك تخلّت أم اللولو عنه وسمحت لسلطان بالانتصار عليه، ولولا ذلك لما كان سلطان قادراً على النصر. فأم اللولو (البرجوازية الطفيليّة) في حاجة إلى حليف قوي مثل علوان (البرجوازية الصغيرة) ؛ لأن سلطان (السلطة التقليدية) لم يبق قادراً على ضمان مشروعاتها السياحيّة في المنطقة. غير أن علوان (البرجوازية الصغيرة) حاول البرهنة على استقلاليّته بتغيير حليفه، فأعادته أم اللولو إلى مكانه الحقيقيّ صفر اليدين لم يكسب شيئاً، بل خسر ما حقّقه قبل مجيئه إلى الحارة (قبل الاستقلال عن فرنسا) وخسر معه البروليتارية الرثة التي اعتمدت عليه في التخلُّص من الشعور باللجوء داخل الوطن.

 

كان ذلك نموذجاً للسلوك الدال قدَّمه علوان. وقد عددتُه نموذجاً لأن رواية (بلد واحد هو العالم) مملوءة بالسلوكات الدالة على بنية الرواية ورؤيتها، كسلوك أم اللولو وسلـطان وأبي خليل وعبد اللطيف (رئيس البلدية) وأم عبودة وسعدون وخلدون وزيد وأبي حسن وأم تيسير … فسلوك هؤلاء جميعاً داخل السياق الروائي يقود إلى تحوُّل البرجوازيّة الصغيرة العربيّة من الثوريّة إلى الانتهازيّة، وعزوفها عن مناصرة البروليتارية الرّثّة بغية التحالف مع البرجوازيّة التجاريّة (الرأسماليّة الجديدة). وهذا السلوك يقود إلى رؤيا سوداء للعالم مفادها أن الشريحة البرجوازية الصغيرة استطاعت بانتهازيّتها زيادة حُمَّى الاستهلاك في المجتمع، وإضعاف الشريحة البروليتاريّة الرثة وإعاقة نموِّها، صانعةً بذلك مصيرها القاتم وقلقها الدائم وأفقها المجتمعيّ المسدود وخيانتها الوطنيّة.

 

ب – تشير بنية النصِّ ورؤياه إلى وعيين : فعليّ وممـكن. أما الوعي الفعليّ فمتعدِّد يسير في خطوط متوازية. فوعي أم عبودة وجماعتها ينص على أن أم اللولو هي العدو الذي لا يمكن الاستقرار في الحارة (الوطن) دون القضاء عليه. كما ينصُّ على أن سـلطان (السلطة التقليديّة) حليف لزوجته القادمة من الغرب، ومن ثَمَّ يجب القضاء عليه وإنْ تظاهر بالتسامح والعدل والرغبة في الإصلاح. ووعي أم اللولو ينصُّ على أن جماعة أم عبودة تعوق مشروعاتها السياحيّة في الحارة وتقلق أمنها، لذلك يجب لجمها ومنعها من الحركة بوساطة القوة. ومفاد وعي سلطان أن الله خلق الناس درجات، وأن الفقراء المساكين يستأهلون الشفقة، ولو كانوا أهلاً للحياة لما جعلهم الله على هذه الصورة. فلْنُقدِّمْ لهم العون والمساعدة، ولْنحاولْ إصلاحهم، على ألا يتحرّكوا ويظهروا الشرَّ. ووعي علوان أنه قويّ قادر على أن يصبح سيِّد الحارة، وأنه لم يكن يعي ذلك من قبل، ولكنّه وعاه ويجب أن يستمرَّ فيه وإنْ تحالف مع الشياطين. ووعي سعدون أن الانفجارات الصغيرة التي تشهدها الحارة طَلْق كاذب، وأن المخاض الحقيقيّ سيأتي في المستقبل عندما تتصدَّر الطبقة العاملة لوحـة الصراع(14). فلا معـنى، إذاً، لتدخُّله في حوادث الحارة. ووعي خلدون أن الفقراء يجب أن ينالوا حقوقهم وأن يحاربوا الرأسماليين بما استطاعوا من قوة. ووعي نازك أن الطموح أمر مشروع على ألا يتجاوز حدود المبادىء إلى الوهم، وحدود الفكر الثوريّ إلى الانتهازيّة.

 

إن الوعي الفعليّ لشخصيات (بلد واحد هو العالم) يسير في خطوط متوازية لا تلتقي، ولكنّها كلّها تعبير عمّا يعتمل في المجتمع. وقد استطاع هاني الراهب من خلالها التبشير بوعي آخر ممكن، هو أن القضاء على البرجوازية الطفيليّة في المجتمع العربيّ منوط بالبرجوازيّة الصغيرة إذا وعت جيّداً أن الشريحة البروليتارية الرثة حليفتها الطبيعيّة. وهذا ما تشير إليه نازك التي تنتمي إلى شريحـة علوان دون أن تجاريه في سلوكه السلبيّ. وقد بدت في نهاية الرواية، بعد هزيمة علوان، كسيرة ضعيفة ولكنها انضوت تحت لواء أم عبودة وتحالفت معها فسارتا معاً على الطريق. ولم يكن ذلك أملاً ولا تفاؤلاً من الرواية، بل كان بياناً عن أن الحليف الطبيعيّ للبرجوازيّة الصغيرة هو البروليتارية، ولكنّ البرجوازية الصغيرة لن تتحالف مع البروليتارية في الحاضر العربيّ ؛ لأن الجناح القويّ فيها مغرم بالاستهلاك الذي أضفته البرجوازية الرأسمالية على المجتمع، وهو راغب في الانغماس في الترف، كاره أحلامه الاشتراكيّة التي لم تتحقّق، ومبادئه الثوريّة التي دفعته إلى التحالف مع الكادحين. وقبل ذلك وبعده هناك وهم القدرة المسيطر عليـه. لذلك دمَّر نفسه، في حين اتسم الجانب الضعيف من البرجوازية الصغيرة بالوعي، ولكنه عاجز عن الحركة والفعل. أو هو دوغمائيّ يتشدَّق بالشعارات دون معرفة الواقع وتقديره كما هي حال سعدون في الرواية .

 

إن الوعي الفعليّ فرديّ، يخصّ كلّ صوت في الحاضر الروائيّ وينعكس في سلوكه. لهذا السبب كان متبايناً لا تلتقي خطوطه، في حين أن الوعي الممكن جماعي لا يتجلّى في كل صوت، بل يتجلّى في فكر الأصوات مجتمعةً أو عند أبرز ممثِّليها كعلوان وأم اللولو وأم عبودة وخلدون.

 

ج – في مقدوري تكرار القول إن هيكل رواية (بلد واحد هو العالم) يماثل الهيكل الاجتماعي السياسيّ العربي في سبعينيّات وثمانينيّات القرن العشرين. وهذا الكلام ينفـي بادىء الأمر أن تكون رواية هاني الراهب انعكاساً للواقع ؛ لأن تعدُّد مستوياتها (الواقعيّ والأسطوريّ والترميزيّ والسياسيّ) يحجب عنها صفة الانعكاس. ولكنّ الكلام نفسه لا يعني أنها غير واقعيّة. والدليل على ذلك أن هيكلها الأدبيّ، أو شبكة العلاقات بين أصواتها، لا يختلف عن الواقع الاجتماعيّ السياسيّ العربيّ. فما يجري في هذا الواقع لا يختلف عمّا جرى في الرواية على سبيل المناظرة لا الانعكاس. وتبقى للرواية قبل ذلك وبعده ميزتان، ميزة تنظيم هذا الواقع في شكل تخييليّ فنيّ، وميزة تقديم الرؤيا السوداء. وهاتان الميزتان كافيتان للقول إن هناك انسجاماً وتناسقاً بين الفكر الجماعيّ العربيّ ورواية الراهب، كما أنهما يشيران قبل ذلك كله إلى أن رواية (بلد واحد هو العالم) غادرت حقل الانعكاس السائد لدى غالبيّة الروائيين العرب إلى حقل الرؤيا والبنى الدلاليّة (التكوينيّة – التوليديّة). ولا أشكُّ في أن هذا الأمر تقدُّمٌ ملموس في الصنعة الروائيّة عند الراهب. إذ هو نقلة نوعيّة في العمل الروائي التخييلي، لم يطل عمر الراهب  (1939– 2000) ليدفع به إلى أعماق أخرى أكثر إيحاءً ومرونة عَقَديّة، فضلاً عن تعزيز الصور والتصوُّرات عن الواقع، وتجسيد المقولات الذهنيّة التي كانت تعتمل في فكر الجماعة العربية في الثمانينيّات خاصّةً. إن هذه الرواية نقلة نوعيّة من المستوى الواقعيّ الذي يحافظ على الانعكاس إلى مفهوم جديد ينصُّ على أن الانسجام بين الرواية والفكر الجماعيّ لا ينهض على تطابق المحتويات والمضامين، بل ينهض على الانسجام الذي يمكن تجسيده والتعبير عنه من خلال مضامين خياليّة تختلف اختلافاً كبيراً عن المستوى الواقعيّ للوعي الجمعيّ. وإلا فإن أي قارىء لرواية (بلد واحد هو العالم) يعجب من هذه (الحارة) بمنازلها وغرفها وساكنيها وعلاقاتها. يعجب لأنه لا يعثـر في الواقع الموضوعيّ على (حارة) مماثلة لها. بل إنه يتساءل دائماً : أهذه حارة حقيقيّة أو هي أسطوريّة ؟. ويكاد هذا القارىء، لولا تفسيري، يرفضها استناداً إلى الحجة السائدة القائلة إن الواقع الاجتماعيّ المحيط بالروائي لا يضمُّ صوراً ممكنة أو فعليّة لما ضمّته الرواية.

 

إن رواية (بلد واحد هو العالم) تؤمن بما هو فوق الواقع. وهذا الإيمان هو طريقها إلى التعبير عن الواقع الموضوعيّ. إنها رواية تناظر (تماثل / تعادل) الواقع بهيكلها وبنيتها ورؤياها، في حين تبقى مستوياتها وشبكة العلاقات فيها أداتها التعبيريّة إلى هذا الهيكل وتلك البنية الدلالية والرؤيا العامة للعالم. وهي، بهذا المعنى، عمل فني واقعي. أي أن (فوق الواقع) هو صنع عالم روائيّ تخييليّ لا يُصوِّر الواقع الخارجيّ للمجتمع المحيط بالروائي تصويراً (فوتوغرافيّاً)، بل يعيد تصوير ظواهر الحياة المحيطة به على ضوء مفاهيمه الفكرية، ولأهداف اجتماعيّة وفنيّة(15). وهذا وحده يُسوِّغ المستويين الأسطوريّ والترميزيّ في الرواية، ويُفسِّر وقوفهما إلى جانب المستويين الواقعيّ والسياسيّ. كما يُعلِّل ما يبدو تنازلاً عن المكان الروائيّ. ومن ثَمَّ لم تكن هناك حاجة في مقدمة الرواية إلى تدوين قول ملياغر : (فإذا كنت سورياً فلماذا تتعجّب أيها الغريب. إننا نعيش في بلد واحد هو العالم). إذ إن شبكة العلاقات داخل الرواية تدلُّ على أن المجتمع المصوَّر هو المجتمع العربيّ. ولا فرق بعد ذلك في أن تكون الدولة المقصودة هي سورية أو مصر أو الجزائر، وإنْ كان قول ملياغر يوضِّح أن هاني الراهب أراد سورية دون غيرها.   

 

إحالات الفصل الثانـي

مفهوم الرؤيا الروائيّة

1 – ابن سيرين : تفسير الأحلام الكبير، دار الثقافة، بيروت، 1986

2 – خليل بن شاهين : الإشارات في علم العبارات، طبعة عيسى البابي الحلبي، القاهرة، د.ت

3 – عبد الغني النابلسي : تعطير الأنام في تعبير المنام، تح : معروف مصطفى زريق، دار الخير، دمشق، 1994. وهذا الكتاب شائع جداً بين العامة في البلاد العربية كلها. وقد جمع عبد الغني النابلسي فيه خلاصة ما كتبه الأقدمون في تفسير الأحلام، وخصوصاً ابن سيرين وابن شاهين. 

4 – د. محمود سليمان ياقوت : اللغة والرؤيا والحلم، دار المعرفة الجامعية، القاهرة، 1992

5 –سميرة قمري : الحلم والرؤيا في الفلسفة والعلم والدين، دار الحوار، اللاذقية، د.ت

6 – ورد رسم (الرؤيا) بالألف اللينة في : سورة يوسف، الآية 5 و 43 و100، وسورة الإسراء، الآية 60، وسورة الصافات، الآية 104 – 105، وسورة الفتح، الآية 27 

7 - وردت لفظة (الأحلام) في : سورة يوسف، الآية 44، وسورة الأنبياء، الآية 5. ووردت لفظة (المنام) في : سورة الصافات، الآية 102، وسورة الأنفال، الآية 43 

8 - جبرا إبراهيم جبرا : ينابيع الرؤيا، دراسات نقدية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1979

9 – د. محيي الدين صبحي : الرؤيا في شعر البياتي، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1986

10 – حنا عبود : واقعية ما بعد الحرب، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1980، ص 30. و : د. سمر روحي الفيصل : التطور الفني للاتجاه الواقعي في الرواية العربية السورية، دار النفائس، بيروت، 1996، ص 70

 

المقاربة النقديّة للبناء والرؤيا

1 – نورة محمد المحيميد : أنثى فوق أشرعة الغربة، دار الجديد، بيروت، 1998

2 – المصدر السابق، ص 7 – 13

3 – محمد نور الدين : احترس من الدولار، مؤسسة الانتشار العربي، لندن/بيروت، 1998

4 – المصدر السابق، ص 185

5 – أنور رجا : لمن هذا البياض ؟، دار الكنوز الأدبية / دار النمير، بيروت / دمشق، 2000

6 – د. مصطفى حجازي : التخلف الاجتماعي، مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور، معهد الإنماء العربي، بيروت، ط2، 1980

7 – ليس هناك مسوِّغ روائي مقنع للاهتمام بمي وروايتها، ولذلك كثرت المبالغات الروائية. انظر : نورة محمد المحيميد : أنثى فوق أشرعة الغربة، ص 36 مثلاً.

8 – المصدر السابق، ص 76، وقارن هذا الموقف بالموقف المذكور في ص 79

9 – الهوس الأمني هو الهدف من الانتقاد في الرواية. انظر : أنور رجا : لمن هذا البياض ؟، ص 72 مثلاً.

10 – انظر الحلم الذي رآه عبد الغني في الحافلة في : محمد نور الدين : احترس من الدولار، ص 94-96

11 – المصدر السابق، ص 128

 

البناء والرؤيا الرومنتيّة السوداء

1 – بديع حقي : جفون تسحق الصور، مطابع دار العلم للملايين، بيروت 1968

2 – بديع حقي : أحلام على الرصيف المجروح، دار الآداب، بيروت، 1973

3 – بديع حقي : همسات العكازة المسكينة، مطابع دار العلم للملايين، بيروت، 1987

4 – كنا، في لجنة تأريخ القصة والرواية في سورية، في بداية ثمانينيات القرن العشرين، دقّقنا في الرسم الإملائي لمصطلح (الرومنتيّة)، وارتأينا كتابته على هذه الصورة، لاعتقادنا بأن رسمه الإملائي على هذا النحو (رومنتيّة) أكثر دقة في ترجمة الأصل الأجنبي إلى اللغة العربيّة.

5 – زينب اسم ابنة البطل المحوري في روايتي (جفون تسحق الصور) و (أحلام على الرصيف المجروح). والملاحظ أن البطل في هاتين الروايتين يحب ابنته زينب كثيراً وتؤرقه مشكلتها الخاصة. والملاحظ أيضاً أن أبا صطيف اسم شخصية في روايتي (أحلام على الرصيف المجروح) و (همسات العكازة المسكينة)، ولكنها شخصية سلبية سبّبت للبطل المحوري أذى في الروايتين. وهناك مشابهات أخرى بين الروايات الثلاث. 

6 – أبو صطيف الحلاق في (همسات العكازة المسكينة) هو الذي سبّب العمى لحمود، وأبو صطيف صاحب المنـزل في (أحلام على الرصيف المجروح) هو الذي طمع في محمد وادعى أنه سرق محفظته.

7 – هو الغني الأول الذي سلب عيشة أخت حمود عفافها.

8 – هو الغني الثاني الذي راح يعاشر عيشة أخت حمود.

9 – انظر حكاية هذا التاجر مع حرشو في : بديع حقي : همسات العكازة المسكينة، ص 135 وما بعد .

10 – بديع حقي : جفون تسحق الصور، ص 7-8

11  –بديع حقي : أحلام على الرصيف المجروح، ص 6-7

12 – بديع حقي : همسات العكازة المسكينة، ص 6

13 – انظر نصَّ القصة في : بديع حقي : حـين تتمزق الظـلال، اتحـاد الكتاب العرب، دمشق، 1980، ص 121 وما بعد .

14 – انظر نصَّ قصة اللص والعكازة في : بديع حقي : همسات العكازة المسكينة، ص 134 وما بعد.

15 – بديع حقي : جفون تسحق الصور، ص 5 و 8

16 – بول فان تييغيم : الرومانسية في الأدب الأوربي، ترجمة : صياح الجهيم، وزارة الثقافة، دمشق 1981، 2/292

17   –المرجع السابق، 2/287

18 – صرَّح بديع حقي في (جفون تسحق الصور) بتأثُّره بالرواية الجديدة في إيراد التفصيلات واستجلائها، انظر الرواية المذكورة، ص 10

19 – المصدر السابق، ص 19

20 – بديع حقي : التراب الحزين، دار العلم للملايين، بيروت، 1960

21 – بديع حقي : الشجرة التي غرستها أمي، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1986

22 – د. سيزا قاسم : بناء الرواية، ص 137

23 – المرجع السابق، ص 151 وما بعد

24 – بديع حقي : جفون تسحق الصور، ص 19

25 – بديع حقي : همسات العكازة المسكينة، ص 113

26 – صرَّح بديع حقي بأنه تأثَّر بفولكنر في الصور الشعرية المتحركة. انظر مقدمة جفون تسحق الصور، ص 10

27 – المصدر السابق، ص 10 و 11 و 17 و 19 على سبيل التمثيل لا الحصر.

28 – بديع حقي : همسات العكازة المسكينة، ص 9. وانظر أمثلة أخرى في ص : 21 – 26 – 34 – 54 – 102 

29 – بديع حقي : أحلام على الرصيف المجروح، ص 18 .وانظر تكرار العبارة في ص 21   – 26 – 30 – 37 – 51

30- بديع حقي : همسات العكازة المسكينة، ص 9. وانظر أمثلة أخرى في ص : 14 – 34 – 54 ..

 

الرؤيا السوداء وتعدُّد المستويات في البناء الروائي :

1 – هاني الراهب : بلد واحد هو العالم، اتحاد الكتاب العرب، دمشق 1985

2 – هاني الراهب : ألف ليلة وليلتان، اتحاد الكتاب العرب، دمشق 1977

3 – هاني الراهب : الوباء، اتحاد الكتاب العرب، دمشق 1981

4 –  وردت الإشارة إلى عمله في ص 332 من الرواية.

5 – في الرواية ثماني بطاقات تُقدِّم تعريفاً بأم تيسير وأبي حسن وسعدون وأم اللولو وسلطان وأم عبودة وزينب على التوالي. وشذّت بطاقة واحدة، ظاهرياً على الأقل، هي البطاقة التي خصَّصها الراهب للحارة القديمة الجديدة.

6 – انظر نموذجاً لحديثه في ص 14. ومن المفيد القول إنني لا أتفق والراهب في اعتماده العامية لهجة لهذه الشخصية أو تلك ؛ لأن لغة الشخصية (الصوت) هي لغة إمكان وليست لغة واقع. وقد حُسِم هذا الأمر في الأدب العربي الحديث منذ زمن طويل ولم يبق لاستعمال العامية في السرد والحوار الروائيين مسوّغ.

7 – هاني الراهب : بلد واحد هو العالم، ص 91

8 – المصدر السابق، ص 177

9 – المصدر السابق، ص 296

10 – المصدر السابق، ص 133

11 – المصدر السابق، ص 88

12 – المصدر السابق، ص 24

13 – استمر السلوك الإيجابي سبعاً وعشرين صفحة، في حين استمر رصد السلوك السلبي 336 صفحة هي بقية صفحات الرواية.

14 – المصدر السابق، ص 182

15 – سرغي بتروف : (الواقعية كمنهج فني)، مجلة الآداب الأجنبية، دمشق، س2، ع3، كانون الثاني/ يناير 1976، ص 192

 

 

الخاتمة

 

حاولتُ في هذا الكتاب تعزيز محاولاتي التحليليّة السابقة الخاصّة بالبناء الرّوائيّ العربيّ، فتوقّفتُ عند العلاقات بين العناصر المكوِّنة للبناء الرّوائيّ، وخصوصاً الزمان والفضاء والشخصية والسرد. ولم أكتف بذلك، بل رحتُ أُحلّل في كل رواية الجانب الذي رأيتُه ممثِّلاً للعنصر الفنّيّ المتألّق فيها، بغية الخروج بدلالات فنيّة ذات مغزى جماليّ. وانصرفتُ في الفصل الثاني إلى ذلك الارتباط بين البناء والرؤيا، واقترحتُ استنباط الرُّؤيا من تحليل البناء الرّوائيّ، تبعاً للارتباط، جودةً ورداءةً، قوّةً وضعفاً، بين البناء والرُّؤيا. 

 

ولعلَّ النتيجة البارزة التي انتهيتُ إليها، واقتنعتُ بها، هي نموّ القدرات الفنيّة للروائيين العرب، ذلك النموّ الذي تجلّى في عنايتهم ببناء كلّ عنصر من عناصر الرواية، وحرصهم على شبكة العلاقات بين العناصر كلّها، وسعيهم إلى التعبير عن رؤيا روائيّة متماسكة مقنعة ذات خلفيّة ثقافيّة متنوِّعة، وإنْ لم يرْقَ ذلك إلى مستوى الرّؤيا الكونيّة الشّاملة، أو مستوى تنظيم الإفادة من الرُّؤى الأجنبيّة، أو مستوى الإخلاص لرؤى الأديان دون مزجها بالأفكار المستمدّة من العقائد السياسيّة .

 

ومن المفيد، ههنا، أن اقترح تجويد البناء الروائيّ بغية تجويد الرّؤيا الروائيّة، أو دفعها - على أقلّ تقدير – إلى التماسك والتجانس. ولكنّ اقتراحي ليس أمنية مجرَّدة، بل هو إيمان بأن الواقع الروائيّ العربي أصبح يملك نصوصاً تُعين الباحث على استنباط الرؤيا وتجسيدها ونقدها والسعي إلى رسم ملامحها العربية. ولا أشكّ في أن النصوص الروائيّة العربية الجيّدة أصبحت وافرة، ولكنّها تحتاج إلى قرّاء يستنبطون رؤى الروائيين الفرديّة منها، ويسعون بعد ذلك إلى تقديم معرفة علميّة عمّا إذا كان مجموعها يُعبِّر عن رؤيا واحدة، يصحُّ القول إنها رؤيا عربيّة خالصة، لم تتأثّر بالرؤى الغربية، ولم تتلوّث بداء الإسقاط.  

المصادر والمراجع

1 - القرآن الكريم

2 - د. أحمد الزعبي : في الإيقاع الروائي، نحو منهج جديد في دراسة البنية الروائية، دار الأمل، عمّان، 1986

3 - د. أحمد زياد محبّك :  الكوبرا تصنع العسل، دار القلم، حلب، 1996

4 – الياس خوري : تجربة البحث عن أفق، مقدمة لدراسة الرواية العربية بعد الهزيمة، منظمة التحرير الفلسطينية، مركز الأبحاث، بيروت، 1974

5 - أنـور رجــا   :  لمن هذا البياض ؟، دار الكنوز الأدبية، بيروت، 2000

6 – اوستن وارين، و رينيه ويلك : نظرية الأدب، ترجمة : محيي الدين صبحي، المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية، دمشق 1972

7 – إيان واط : نشوء الرواية، ترجمة : عبد الكريم محفوض، وزارة الثقافة، دمشق، 1991

8 - د. بديــع حقي  :  - جفون تسحق الصور، دار العلم للملايين، بيروت، 1968

- أحلام على الرصيف المجروح، دار الآداب، بيروت، 1973

- همسات العكازة المسكينة، دار العلم للملايين، بيروت، 1987 

9 - بول فان تييغيم : الرومانسية في الأدب الأوربي، ترجمة : صياح الجهيّم، وزارة الثقافة، دمشق، 1981

10 - تيســير سبول  : أنت منذ اليوم، دار ابن رشد، بيروت، 1980

11- جبرا إبراهيم جبرا : ينابيع الرؤيا، دراسات نقدية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1979

12 – جورج لوكاتش : الرواية التاريخية، ترجمة : د. صالح جواد الكاظم، دائرة الشؤون الثقافية العامة، بغداد ، 1978

13 – جيرار جينت : خطاب الحكاية، بحث في المنهج، ترجمة : محمد معتصم وعبد الجليل الأزدي، وعمر حلي، المشروع القومي للترجمة، القاهرة، ط2، 1997

14 - د. حسن بحراوي : بنية الشكل الروائي، المركز الثقافي العربي، بيروت / الدار البيضاء، 1990

15 – د. حميد لحمداني : بنية النص السردي من منظور النقد الأدبي، المركز الثقافي العربي، بيروت / الدار البيضاء،

16 – حنا عبُّود : واقعية ما بعد الحرب، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1980

17 – خليل بن شاهين : الإشارات في علم العبارات، طبعة عيسى البابي الحلبي، القاهرة، د.ت

18 - خيري الذهبي : فياض، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1990

19 - ر. م. ألبيريس : تاريخ الرواية الحديثة، ترجمة : جورج سالم، دار عويدات، بيروت، 1967

20 - روشين : بحوث سوفييتية في الأدب العربي، ترجمة : خيري الضامن، دار التقدم، موسكو، 1978

21 - د. سامي سويدان : أبحاث في النص الروائي، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، 1986

22 – سرغي بتروف : (الواقعية كمنهج فني)، مجلة الآداب الأجنبية، دمشق، ع3، س2، كانون الثاني / يناير ، 1976

23 – د. سعيد يقطين : - القراءة والتجربة، دار الثقافة، الدار البيضاء، 1985

- تحليل الخطاب الروائي، المركز الثقافي العربي، بيروت / الدار البيضاء، 1989 

24 - د. سلطان بن محمد القاسمي : الأمير الثائر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1998

25 – د. سمر روحي الفيصل : - السجن السياسي في الرواية العربية، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1983

   - تجربة الرواية السورية، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1985

   - بناء الرواية العربية السورية، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1995

   - التطور الفني للاتجاه الواقعي في الرواية العربية السورية، دار النفائس، بيروت، 1996

26 – سميرة قمري : الحلم والرؤيا في الفلسفة والعلم والدين، دار الحوار، اللاذقية، د.ت

27 - (ابن) سيرين : تفسير الأحلام الكبير، دار الثقافة، بيروت، 1986

28 - د. سيزا قاسم : بناء الرواية، دار التنوير، بيروت، 1985

29 - د. سيِّد حامد النسّاج : بانوراما الرواية العربية، دار المعارف، القاهرة، 1980

30 – د. شكري عزيز ماضي : انعكاس هزيمة حزيران على الرواية العربية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر،

    بيروت، 1978

31 - شوقي بغدادي : المسافرة، دار الآداب، بيروت، 1994

32 – عبد الغني النابلسي : تعطير الأنام في تعبير المنام، تح : معروف مصطفى زريق، دار الخير، دمشق، 1994

33 – عبد الفتاح الحجمري : (هل لدينا رواية تاريخية ؟)، مجلة فصول، القاهرة، مج 16، ع3، 1998

34 – عبد الفتاح صبري    : الغربان لا تختفي أبداً، مركز الحضارة العربية، القاهرة، 2000

35 - عبد الكريم ناصيف : - البحث عن نجم القطب، دمشق 1985

    - المد والجزر، الصعود، دمشق 1986

    - المخطوفون، دمشق 1991

- الطريق إلى الشمس، تشريقة آل المر، دمشق 1992

36 - د. عبد الله إبراهيم : المتخيَّل السردي، المركز الثقافي العربي، بيروت / الدار البيضاء، 1990

37 – د. عبد الملك مرتاض : في نظرية الرواية، بحث في تقنيات السرد، عالم المعرفة

240، الكويت، 1998

38 - عبد النبي حجازي : صوت الليل يمتد بعيداً، دار الأهالي، دمشق 1990

39 - د. علي عقلة عرسان : صخرة الجولان، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1982

40 - د. غازي القصيبي : العصفورية، لندن، 1996

41 - فاضل السباعي    :  - ثم أزهر الحزن، دار إشبيلية، دمشق، ط2، 1990

- الطبل، دار إشبيلية، دمشق 1992

42 - فؤاد دوارة : عشرة أدباء يتحدثون، كتاب الهلال 172، القاهرة، 1965

43 - قمر كيلاني :  - الأشباح، ليبيا، 1981 - الدوامة، وزارة الثقافة، دمشق، 1983

44 - كوليت خوري : أيام مع الأيام، دمشق 1980

45 - د. مانع سعيد العتيبة   : كريمة، الإمارات العربية المتحدة، أبو ظبي، 1999

46 – مجموعة من المؤلفين : نصوص الشكلانيين الروس، ترجمة : إبراهيم الخطيب، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، 1982

47 – مجموعة من المؤلفين : نظرية السرد من وجهة النظر إلى التبئير، ترجمة : ناجي مصطفى، منشورات الحوار، الدار البيضاء، 1989 

48 - محمد أبو خضور : دراسات نقدية في الرواية السورية، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1981

49 – محمد سويرتي : النقد البنيوي والنص الروائي، دار أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، 1991

50 - محمد كامل الخطيب : نظرية الأدب، وزارة الثقافة، دمشق، 1990

51 - محمد نور الدين : احترس من الدولار، مؤسسة الانتشار العربي، لندن/ بيروت، 1998

52 – د. محمد يوسف نجم : فن القصة، دار بيروت للطباعة والنشر، بيروت، 1955

53 – محيي الدين صبحي : الرؤيا في شعر البياتي، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1986

54 – محمود سليمان ياقوت : اللغة والرؤيا والحلم، دار المعرفة الجامعيّة، القاهرة، 1992

55 - د. منصور إبراهيم الحازمي : فن القصة في الأدب السعودي الحديث، دار العلوم للطباعة والنشر، الرياض ،1981

56 – د. نبيلة إبراهيم سالم : نقد الرواية من وجهة نظر الدراسات اللغوية الحديثة ،النادي الأدبي، الرياض، 1980

57 – د. نبيل راغب : دليل الناقد الأدبي، مكتبة غريب، القاهرة، 1981

58 - نبيل سليمان  : - جرماتي دار الثقافة الجديدة، القاهرة، 1977

- هزائم مبكرة، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1985

59 - نورة محمد المحيميد    : أنثى فوق أشرعة الغربة، دار الجديد، بيروت، 1998

60 - د. هاني الراهب : بلد واحد هو العالم، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1985

61 – ياسين النصير : الاستهلال، فن البدايات في النص الأدبي، وزارة الثقافة، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1992

62 – د. يمنى العيد : - الراوي، الموقع والشكل، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، 1986

63 - تقنيات السرد الروائي في ضوء المنهج البنيوي، دار الفارابي، بيروت، 1990

 

 

كيفية المشاركة

 

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية