أصدقاء القصة السورية

الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | معلومات النشر | كلمة العدد | قالوا عن الموقع | سجل الزوار

SyrianStory-القصة السورية

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

للاتصال بنا

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

youtube القصة السورية في

facebook القصة السورية في

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 21/10/2009

الكاتبة: فاديا سعد

       
       
       
       
       

 

 

نماذج من أعمال الكاتبة

بطاقة تعريف الكاتبة

 

 

 

 

بطاقة تعريف الكاتبة

 

من مواليد دمشق

طفولتي حتى انتهاء المرحلة الثانوية كانت في حمص

جئت دمشق للدراسة: "فرع التجارة والاقتصاد"

تركت الاقتصاد في السنة الثانية.

عرفت النشاط السياسي باكراً.

ساهمت بتأسيس عدد من الجمعيات النسائية، والأدبية. 

اشتهرت بمقالات في الأدب السياسي.

 

المؤلفات:

 مجموعة قصصية بعنوان عشتار والمولودة

روايتان: ما عدت أنا

مزار أبو طاقة

مجموعة جاهزة للطبع منها أرسلت كثافة عاصفة والقصة الأخرى.

أقوم حالياً بالعمل على رواية جديدة.

زيارة موقع الكاتب     مراسلة الكاتب                                        للتعليق على القصص      مواضيع أخرى للكاتب

نماذج من أعمال الكاتبة

 احتراق شمعة

لوثة الرياضيات

سحب التفاح من فم التمساح

 منعش كقصب السكّر

وطن أم.. في الخيال وطن

الغدّة الدرقية... اللعينة

 

منعش كقصب السكّر

 

:.. الجنس ..  مزعج. عبث. كريه!!. وأعلق مبتسمة: واحدة جديدة تشبه في نشأتها نشأتي!!

 

متوسط العمر هادئاً بكتفين لا مباليين، واضعاً رجلاً فوق رجل، محتلا مقعدا خشبيا وسط الحديقة العامة بكل ثقة على امتداد ساعة ونصف – المدة التي أقضيها في الحديقة العامة- جلس (..) متأملا رذاذ الماء المتناثر فوق العشب الأخضر، وبقربه شابّة.

 

وكنت أنا من هواة ريادة هذه الحديقة، ألجأ إليها بحثا عن... لا شيء: عاطلة عن العمل والحب، فذات مساء صنّفت بالعانس وانتهى الأمر!! وإذ فقدت المفتاح الذي يوفّر لي عملا مكتبياً سهلا أو عاطفة جياشة أو محركا ذاتيا يثبت أني ما زلت على قيد الحياة صرت من روّاد هذه الحديقة، وكانت متابعة الفوضى البشرية في الحديقة تمرّ عندي بأطوار منتظمة: التنحّي جانبا، والتّطاول على ملامح الناس بالمراقبة والتدقيق ثم إعطاء الحكم، وهذا جلّ ما أفعله.

 

أبتهج يوم الجمعة عن سائر أيام الأسبوع، فحين تدخل ثنائيات الرجال والنساء، تكون المراقبة والابتسام في ذروتهما، فالسّمة الواحدة لزوّار يوم الجمعة: أم تدفع عربة الأطفال فوق العشب، وزوجها يحمل كيس البزر، يفرشان قشورها فوق الأرض، وفيما هما يتحدثان باسترخاء يصل حد البلادة، أعرف أنهما خارجان للتو من أسرار متعة وفّرتها غرفة النوم.  

 

حين تنحيّت جانبا هذه المرّة بدا الرجل متوسط العمر كنص جميل، يحتاج لكثير من التنحي ولوقت أطول في التطاول على ملامحه، بل أكثر: كان نصاًًًَ وسيماً يحتاج إلى تطاول على ملامحه والتعرّف إليها عن كثب لكن الجبن لم يتخلّ عني يوماً، فخجلي الفعلي يظهر حين يتجسد التعرّي أمامي فعلا، فيما لا تثير تعريته في دماغي نفس المستوى من الإحساس بالخجل.

 

بدأت الأطوار المنتظمة عملها: الولوج إلى قلب المشهد بعد أن انضمّت إليه فتاته، وإذ بدأت أتذوق طعم اللوحة  وهكذا:صارا يمارسان بنصّهما البشري سيادة على قلبي،

 

رجل واثق من رجولته وامرأة تجلس بقربه تستقبل هذه الثقة!! مع إبدائها نوعاً من الصرامة الداخلية ذكّرتني بملفاتي السرية وتديّن والدتي كما رهبنة والدي اللذين جعلاني أكتفي بدور قرد سجين، تتخمه ظاهريا ملكة التهذيب.

 

كان يمكنني سماع رأيها عندما ترتفع النبرة: الجنس ..  مزعج. عبث. كريه!!. وأعلّق بسرّي مبتسمة: واحدة جديدة تشبه في نشأتها نشأتي!!

 

 كان من السهل توقع ما يحصل داخل النص الإنساني: يقاطع  الرجل متوسط العمر الحديث، ثم يبتسم ابتسامة سعيدة لتفضح عيناه ما يهمس به: الجنس؟ ... خلق..........

 

 وارتجّ تديّني!

 

جلسته الواثقة عبّرت: الجنس؟.... حياة.

 

اهتزّت رهبنتي.

 

نظرته الثملة  الباسمة نحو القطعة الفسيحة من السماء أعلنت: الجنس...حب.

 

واضطربت اضطرابا عظيما!

 

هل يتكرر حواري مع رجل عرفته ذات يوم، أم أن الحوار برمّته إبداع خيالي؟ هل سمعتهما حقا أم هي تخيلات امرأة وصفها أهلها بالعانس. هل تهيأ لي أن المتوسط في العمر ابتسم تلك الابتسامة محاولاً إقناع فتاته؟ أم إقناعي أنا؟

 

كان طور المراقبة قد أصبح ساري المفعول منذ زمن. في الحقيقة في كل يوم ولمدة ساعة ونصف في الحديقة العامة كنا نحن الثلاثة نلتقي.

 

بسبب الاستحواذ عليّ من قبل هذا النص البشري، بتّ أتوتر إن جئت يوماً ولم يأتيا: متوسط العمر وفتاته. وكنت أعود إدراجي وشجني يسبقني إن هو ابتسم لها وبادلته بشفتين مزمومتين. أودّ التدخل بينهما إن هو مرّر يده على خصلات شعرها وادّعت هي عدم المبالاة. يخفق قلبي إن هو اقترب من خدها وهي أمالت رأسها عنه.

 

كنت أتطاول على ملامحهما. أراقبهما، ثم أحكم عليهما يوميا: حين ترتدي فستانها الطويل الذي يظهر مفاتنها بنبل أعرف أنها ستكسب المعركة في نهاية الجلسة، وحين تأتي مرتدية الجينز وقميصها الفضفاض ذا الأكمام الطويلة، أعرف أنها تريد كسب جولة، أما حين يجلس الرجل متوسط العمر باسترخاء وسعادة غير مبال بما تشرح فتاته، أعرف أنه تحدّى آراءها المتزمّتة تجاه ما دعاه بالخلق والحياة والحب.

 

مرة واحدة فقط ،كان متوسط العمر متوتراً جدا بينما هي من اتّخذت وضعية المسيطر على الرجل والمقعد والحديقة برمّتها غير مبالية برذاذ الماء المتدفّق من النافورة وبطريقة مسرحية ألقت التحية على شاب آخر ثم استأذنت تاركة الرجل متوسط العمر وجلست بقربي في المقعد الذي أحتلّه أنا، وتلعثمت. ذهلت. لماذا اختارت مقعدي؟ لما جلست قريبة مني كأني فتاته؟

 

صارت تنظر كأني المراقَبَة: تتطاول على ملامحي. تبدي ملاحظة على ابتسامتي. على تهكّمي. بتنا ثلاثة (..) في نص ما عاد مفهوما من الذي يراقب من؟ ومن الذي يتحدث عن (..) الجنس ومقاربته للخلق للحياة للحب!

 

وإذ تكرّر اللقاء ما عدت أعرف إن كنت أنا تلك المرأة أم أني مازلت المراقِبة؟ أهي التي ابتعدت فصار هو متوترا أم أني أنا التي دخلت وصرت المرأة المبتسمة المسيطرة على المقعد والحديقة؟

 

غيّرت المكان. الحديقة. المقعد. الوقت. صرت أذهب صباحا. عدّلت وقت الذهاب، فخرجت في الظهيرة. ارتدّت أمكنة مختلفة في أوقات متضاربة، فعليّ أن أعرف من التي داخل النص ومن تلك التي خارجه!!

 

أود أن أعرف أأنا المعدن المنصهر داخل النص، أم أني أراقب عملية انصهار لمعدن آخر، أأنا التي كان ينظر إليها متوسط العمر بشهوة قصب السكر ويوتّرها أم أني تلك العانس التي ترغب في لحظة صغيرة من هذا الدفء غير المتاح؟

 

ومع مرور الوقت ويوما إثر آخر كنت أشبه بشخص يفاجئ نفسه باستمرار حين يخرج من منزله ويرى أن هطول الثلج قد غطى الشوارع والسيارات وسقوف المنازل، ويعترف : يا إلهي كم يختلف شكل الله والكائنات وفق التواجد  داخل النص وخارجه.

أضيفت في 04/03/2009/ خاص القصة السورية/ المصدر الكاتبة

 

 

سحب التفاح من فم التمساح 

 

كان عادل يقرض المسافة المتبقية باتجاه مدينته قرضاً. متحمساً، وشغوفاً بالآتي. لا يزال صوت زوجته يضغط على أعصابه، كان صوتاً آمراً، يحمل بموجاته لهجتها المعهودة. لهجة فيها شقاوة كارثية ومزلزلة:

" سأقتل... إن لم تجيء". لم يسمع الكلمة التي تبعت سأقتل. لكنه تكهن بمحتواها، وهي مجنونة تقوم بقتل نفسها!

 

لم يكن "عادل" من الذين يعنون بالأزمة المالية لا في أميركا ولا في الصين، ولا يعتبر نفسه ممن سيصيبه خيرا أو شراً إن تقدمت للسلطة معارضة أم بقي من هم ملتصقين في كراسي السلطة، و لا يعرف المعنى الدقيق لكلمة انتهازيين و هل: " يشبهون قطاع الطرق، أم يصعدون إلى جيوب الناس ببطء من غير جعجعة الأعراس؟!".

 

حياته تقريبا ككل الذين في عمره داخل الحي الذي نشأ به لولا بعض المحطات الاستثنائية: بضع سنين دراسة، يتحول بعدها للأعمال الحرة: ثلاثة أشهر في قبو صغير لتعبئة شرائح البطاطا في أكياس صغيرة، حيث يتم تسويقها للبقالات القريبة. بضعة أشهر أخرى في مصنع متواضع لتعبئة المياه الغازية. سنة كاملة في معمل خياطة كعامل مقص، فهذه الأعمال هي كل ما هو متوفر من صناعات ثقيلة وخفيفة في منطقته، إلا إذا أسقط من حسابه صناعة الأجبان والألبان التي تقوم بتصنيعها النساء في البيوت وتباع للمستهلكين.

 

حلم عادل في إحدى المرات حين كان في مرحلة الفوران النفسي، أن يرتقي ويصير عاملاً في مصنع كبير بعد أن حدّثه أحدهم عن المصانع الكبيرة في بلاد أخرى، وبعد أن أضفى ذلك الرجل صورة شديدة الرومانسية على العمال  واستفاض أكثر فأكثر عن أزمان غابرة كانت فيها الثورات تشتعل ضد أصحاب المصانع، و قد صورهم ذلك الرجل –أصحاب المصانع- على صورة وحوش وديناصورات بربطات عنق أنيقة، تصارعها نقابات عمالية يقودها عمال من نوع السوبرمانات: لا يهادنون ولا يخافون!!

 

كانت قصص ذلك الرجل بمجملها تثير حماسة الفتى، وتنشر شذاها في كيانه كرائحة عطر فاخر الصنع، إلا أن حلمه بقي دون مستوى التحقق، بل إن من التقى بهم من العمال، كانوا يبيعون والدهم بحفنة صغيرة من القروش، ويضربون بعرض الحائط شرف الزمالة والتضامن، و هؤلاء العمال لم يهضمهم ولو بعد: " زجاجة كوكا كولا!".

 

ويا للمصيبة كم عليه أن يبذل من الجهد ليفهم جملة من نوع: " طبقة عاملة رثّة!"، لكنه فهم فيما بعد بأن هؤلاء العمال جبلوا على أن يكونوا كمية هائلة من القاذورات ترمى في وجه الدنيا.

 

حين صار في العشرين من العمر هبطت عليه معجزة إلهية سيشكر الله عليها حتى يوم القيامة، فقد توفرت له فرصة سفر لإحدى دول الخليج استقرت به كبائع في مول  كبير.

 

في إحدى الإجازات الصيفية تزوج بفتاة من منطقته السكنية اعتماداً على الرأي القائل: "عندما يفقد الشاب حس الرؤية والسمع وفقدان الإحساس بمن حوله.. عليه بالزواج" وعادل طبق تلك القاعدة قبل أن يفقد شيئاً من حواسه!..

 

بزر بزرته الأولى في الإجازة الأولى. وجاء ابنه الثاني بعد إجازته الثانية. في الإجازة الثالثة تفرغ لانجاز البناء الثالث.. 

 

لم يعرف من المعارك أكثر من هذه الحكاية:

حين بلغ الخامسة والعشرين، وحين كان يعود من عمله مساء فاقداً قوته الجسدية التي تزلزل حياة كل شاب بعمره مع أشواق دفينة تعتمل أعماقه وتهوم فوق صدره، والتي تجعله عصبياً  بطريقة غير محتملة، فإنه لم يلجأ..

 

 للزواج من امرأة فيليبينة مقابل مبلغا من المال مُقدماً: قدره دينارين إلى ثلاث، ومؤخراً قدره: طرداً من المنزل والسرير، بل كان يلجأ لمشاهدة أفلام الكرتون وخاصة توم وجيري، وكان يضحك ويقهقه كالأطفال، ثم نقل أحد زملائه أن شيخاً له مكانة مرموقة: رأى من مجمل ما رأى كعالم في الدين: أن الشيطان يتجسد بالفأر جيري، وفي أقل احتمال فإن هذا الحيوان والشيطان شقيقان، ولأن عادل ما يزال يتمتع بالفطرة السليمة، فقد تصور أن أمر الشيخ لو كان دقيقاً لكان الدواء المخترع لعلاج الأمراض بعد إجراء التجارب على الفئران هي أيضاً ممسوسة بالشيطان فكيف إذا تتحسن الصحه والدواء في الأساس مسموم بأجزاء الشيطان وهو –الشيطان- لم نسمع أنه قدّم يوماً ما الخير لبني البشر؟!!

هكذا قال وهكذا تابع مشاهدة مغامرات توم وجيري.

 

و في حقيقة الأمر، فإن مصلحة عادل كانت تقوم على حسبة صغيرة: إما أن يدفع بالتخفيف عن جسده المنهك وجهده المضني خلال النهار بطريقة القهقهة لمغامرات توم وجيري، وإما أن يتورط بالارتباط  بإحدى الخادمات الآسيويات المنتشرات في كل مكان، ويضيف شخصا آخر إلى قائمة أعبائه ممن يعتمدون عليه في تكاليف المعيشة، وهذا ما كان سيزيد بؤسه بؤساً.

 

 

وفي كل الأحوال كان الموقف من فتوى توم جيري بمتابعة المشاهدة أكبر معركة قام بها "عادل"، وإن كان التاريخ لا يسجل مثل هذه البطولات لمثل أناس كعادل لكن ذاكرته فعلت.

 

ما يزال يقرض المسافة التي بدأت تضيق نحو بيته وطفليه، يتسول استقرار المكان والمنزل ووجبات الطعام اللذيذة والعناية به، فقد تعب وملّ الغربة، وحين ذاك فإن بعض المنغصات لا تهم، و قليلاً من النقّ لا يميت الرجل، و بعضاً من اختلال مزاج المرأة قد ينشط الرتابة والملل في حياة الزوج، وزوجة مثل هذه التي تقول: سأقتل نفسي إن لم تجيء، صارت نادرة!.

 

 نصف ساعة تبعده عن هذه الشقية. أكد مبتسما بصوت مرتفع قليلاًً: "شقية.. شقية!" فالعالم معها يتوسع، وكانت آخر إجازة قضاها مع زوجته ماجنة بالفعل، وما تزال تفاصيل الليل  في فمه كمذاق الفستق الحلبي، وكان لجسدها يوم ذاك رائحة الصنوبر بحيث أن رائحتها التصقت بأنفه لفترة طويلة، وكان يمكنه أن يتشرب من مسامات جلدها لفترة طويلة بعملية إنقاذ لجسده من متاعب النهار وهواجس الليل.. وآه كم كان يمكنه أن يغرق فيه حتى الصباح وهو بعيد عنها، مع ذلك وفي نفس الليلة استيقظ وفوهة مسدسه ملصقا بجبينه؟!

 

أستيقظ وقتها مرعوباً. لقد أرعبه تعبير عينيها الواسعتين الجاحظتين، والذاهبتين في البعيد!! وعندما أبعد المسدس جانباً ضحكت ضحكة غريبة فعرف أنها تمزح!

 

سيعبّر "عادل" لها عن مشاعره بطريقة تحبها وتكرهها!! شاعرية وقاسية. نصف حالمة و نصف واقعية. تماما كطريقتها في التعبير عن نفسها حين تنزوي بعيداً عنه!

 

إنه في المنعطف المودي إلى بيته. في الشارع نفسه... سيدخل الآن على امرأته وطفليه ليأخذهم في أحضانه. سيمسّد بيده على شعرها ويقرصها تلك القرصة التي يعرف من خلالها أنه وصل حقاً، وبشكل نهائي.

 

فتح الباب بالمفتاح وشعر بالصمت يلفّ المكان، وكأنما دخل فجأة دائرة مريبة؟ قطع الصالة الكبيرة وانتابه إحساس كمن شرب زجاجتين من الألم؟ نادى على عائلته بأسمائهم والتقط أنفه رائحة كريهة, اتبع مصدرها وشعوره بالهلع يتفاقم، و كلما اقترب من غرفة نوم الأطفال ينسحب الدم من عروقه.

 

فتح باب الغرفة، بتوجس من يدخل كهفا...

 

ملاحظة: سأترككم تضعون نهاية مناسبة.

أضيفت في 18/10/2008/ خاص القصة السورية/ المصدر الكاتبة

 

 

لوثة الرياضيات

والفصل في.. المعادلات

  

بوصفي متابعاً مهتماً، لمادة الرياضيات، ومن المدرسين الذين يشهد له بتفوقه في هذه المادة، فإن متعة كبيرة كانت ترافقني في تحضير الدروس، لدرجة أن شرح هذه المادة، يذيب الفارق بيني وبين الفارس المغوار، فتُستفز ملكاتي ضد هذا الخصم الذكيّ، العنيد، وأقبل على التسايف معه بسلاح العقل دون كلل أو ملل، حتى أغلبه.

 

وكان شعوري بنشوة التفوق، ينسحب على أهل بيتي، وأنقل إليهم عدواها فأدغدغ الصغير، لأستمتع بصهيل مهري البريء، وألعب مع الأكبر منه لعبة " الشقلبة" . لا أنكر أن جزءاً من تلك الفرحة تصيبني  ليلاً، لأمارس حياتي  الخاصة بكثير من التفاؤل. كنت أسخر من أصحابي الذين تتلبس وجوههم الهموم. نعم هكذا هو الأمر بالنسبة لي وحق الله.

 

لوثة أخرى كانت تنخر عظامي، إنها متابعة المقالات المنشورة في الصحف، والمجلات، وإذا ما شحَّ المال فستراني أقرأها من الأكشاك الصغيرة، غير آبه بالنظرات المستهجنة لصاحبها، وكنت قد ازددت قناعة بعد قراءة ما يكتب، بأن:

 

الأمور الصغيرة والكبيرة لا تنفصل عن بعضها، وأن الجزء هو عملية تفاعل بينه وبين الكل، وكل ظاهرة هي نتيجة حتمية لتفاعل أجزاء مع أخرى.

 

كان هذا ما يسعدني تماماً، ويزيد من تقديري واحترامي لمادة الرياضيات، فالحياة أيضاً مترابطة ترابط تلك العلاقات الرياضية، التي كنت أتحدث عنها في الصف، أمام تلاميذي. لا أترك فرصة تفوتني كي أشرح وأزيد في الشرح. 

 

عشر سنوات مرّت على هذه الحال، وفي أحد الأيام وصلتني رسالة من أيمن، الذي كان تلميذي المفضل، وكان شديد الإعجاب بترجمتي للحياة ووقائعها، عن طريق الرياضيات، سأورد لكم ما جاء فيها. يقول أيمن: 

 

أستاذي العزيز:

صرت من رواد القصة القصيرة... لا بد وأنك سمعت أو قرأت شيئاً عني.

 

في كل إنتاج جديد، كنت أمعن في ربط رؤيتي الفلسفية للحياة بالمرأة وجسدها. 

 

لم أتهم يوماً بأني غيّرت مسار الأدب، ولم يكن لأحد أن يغزو صومعتي، أو يقول إنني لم أتقن فن المعادلات الرياضية!.

 

بحثت يوماً في أوراقي القديمة، ودفاتري المنسية، ووجدت دفتري العتيق، الذي قذفته ذات درس في وجهي من وسط المقاعد، لأني لم أعرف حل مسألة بسيطة حسب قولك، ولم أعرف ربط الفرضية بالنتيجة. 

 

بعد أن تأملت قصصي، وجدتها متواضعة، وليست سوى جملاً مركّبة عن العشق، والشفاه، والقبل، وصرير الأسرَّة، و كان يتولَّد لدي حافز لإتباع إحدى المعادلات الرياضية الحقيقية.

 

كتبت قصة، بعنوان "أسطوانة الغاز" . تحدثت فيها عن صعوبة الحصول عليها، والشتائم التي وجدت نفسي مضطراً لتبادلها مع موزع الاسطوانات، والنتيجة كانت: "أن سلوكنا الهمجي، تنتجه ظروف همجية".

 

في قصة أخرى  تحدثت عن "المشمش والكرز":  نوعان محددان من الفاكهة.. كان أولادي يحبون المشمش، أما أنا فأفضل الكرز، لكني انصعت إلى رغبتهم، وكانت النتيجة: أننا نحن الآباء، نفقد التواصل الحقيقي مع أنفسنا، لأننا ننصاع دائماً لبطون أولادنا، وما تشتهيه، ولأنه في النهاية إما المشمش وإما الكرز.

 

نزلت إلى السوق، لكن بائع الفاكهة بالغ في رفع الأسعار، و كانت حجته أن أسعار النقل والتوزيع عالية، وكانت حجتي أننا في بلد زراعي. وكانت النتيجة في هذه المعادلة: أن سوء التخطيط يؤدي إلى فقر الجيوب. 

 

قصة ثالثة استعرضت فيها مشاعر الحقد والحسد، وبأنها مشاعر ولّدتها، اكتشاف آبار النفط وذهبت عائداتها لجيوب القلة. 

 

أنا لن أنكر أني من الحاقدين، على موزع جرار الغاز، وعلى الخضري، وعلى سائق التاكسي، الذي تشاجرت معه هو الآخر. وعلى مدن الألعاب، المتوفرة في المدينة، لكن ليس لي، ولا لأولادي. 

 

وقد تجلى حقدي واضحاً مثل عين الشمس حين ُرتبت الأمور أمامي على درج مكتب الضابط المهذب!

 

وكنت أحاول إقناعه، بأني كتبت بنفس الطريقة، التي تلقيت فيها منهاج الرياضيات: "الفرضية. سير المعادلة. النتيجة"

 

وكنت أتفلسف يا أستاذ،: "أن مواجهة العدو، يتطلب أن أكون بخير، وبطون أولادي شبعانة، وأن الحقد والكره إذا ما وجّها إلى الغول، فسنكون أناساً لطفاء مع اليمام".

 

وكنت أزيد في فزلكتي: "نحن سنستمتع، بالمهرجانات السينمائية، وسيكون لدينا وفرة لريادة آثار بلدنا، ولأننا بالملايين ستستغنون عن السياح الأجانب!

لكن لنعد إلى الأمر المهم يا أستاذ: لقد قمت بربط السرقات الصغيرة بالكبيرة، ألم تلقنني درساً في هذا الأمر؟ لكن عبقريتك في الرياضيات لم تلهمك بالغوص أبعد من ذلك..

هل ستسألني: لماذا؟

 

لأنك لم تتحدث عن مسألة المجاهرة بالرأي، فهو أصعب معادلة يمكن لمعجب بمادة الرياضيات أن يحلها!.

 

لأن الآذان التي بقيت صماء عن أمسياتي السابقة، تفتحت فجأة، والعيون المغمضة اتسعت، والأجساد الهامدة، والمسترخية تحركت. بدوت للعيان أني تافه يريد أن يشبع بطنه، بينما العالم يعاني الفقر وقلة الموارد. وأني أناني، يبتغي تدمير الروح الوطنية. 

 

صُيّرت خائناً في طرفة عين، وتلقيت درساً مهماً فيما يتعلق ب: التوقيت المناسب، ومع ذلك كنت أكرر فروضك في مادة الرياضيات!

 

هل كانت النتيجة النهائية للمعادلة التي لقنتها لنا ناقصة؟ وأنها لن تنتهي عند ربط السرقات الصغيرة بالكبيرة؟ أم أن  عقلي كان قاصراً عن رؤية النتيجة النهائية، لألمسها الآن بشكل  واقعي؟ وفي يدي الأصفاد، وأنا مرمي في غرفة معتمة، تحت كوة لا تدخلها الشمس؟

أضيفت في 13/02/2008/ خاص القصة السورية/ المصدر الكاتبة

 

 

احتراق.. شمعة

 

 

لم أعد أذكر آخر مرة رأيت فيها نفسي أمام المرآة. كنت طويلة القامة. بيضاء اللون، يتدلى شعري الطويل على كتفي الأيمن، ومرات أجعله مسرحاً فوق كتفي الأيسر.

 

جاء فتى.. شاب وسيم.. حملني في راحته اليمنى، أو اليسرى.. لا أذكر، كان لطيفاً مع قامتي الشمعية الناحلة، و ثبّتني فوق صحن مذهب..

 

هكذا كانت وقفتي الأولى والأخيرة: رشيقة. طويلة، و شعري مسترسلاً بلطف. وبيضاء.. ناصعة البياض. كنت ملكة بحق في تلك اللحظة.

هوى علي عود ثقاب في شعري.. أقصد الخيط الغليظ ..

 

 أخاف عادة اللهب الضئيل، لكني في تلك اللحظة، شعرت بحب غامر في قلبي..  لفحت اللهبة وجهي بدفء.. انتشيت أيضاً للتوهج، الذي تكثف في دائرة صغيرة، وانتشر في ظلام الغرفة.. وهج اللهب الصادر من خصلة شعري.

 

كنت سعيدة لأن الفتى جلس مقابلا لوقفتي. قريباً مني، ينظر لي. يتأملني، ينعكس من عينيه بريق انعكاس الضوء الصادر من شعلة شعري. يثير وهجي بالفتى مشاعر معينة، فيحطّ هذا التأثير فوق شفتيه ابتسامة لطيفة. 

 

كنت سعيدة لما تفعله شعلتي، رغم معاناتي من هذه الحرارة التي تأكلني رويداً رويدا.

 

هبت نسمة خفيفة من نافذة الغرفة الضيقة فارتاح وجهي من الحرارة التي لفتحه.

 

 ها أنا اشتاق لملمس باطن تلك اليد، لأصابع الفتى النحيلة، رغم أني أخاف من الحرارة التي كانت تأكل وجهي المرمري.

 

لقد انتظرت، إذ كان قدري كشمعة أن أراقب ما يفعله الآخرون، بل هذا الفتى بالتحديد، وأتساءل: هل يعود ليشعل الخصلة، أم يبقيها مطفأة هكذا ؟!

 كانت معاناة الانطفاء والاشتعال عند الشموع حقيقية: لقد نصحتني أمي، و قبلها جدتي، من هذه اللحظات الفاصلة، التي تميز حياة الشموع، مع ذلك هناك ما يدفع دائماً شمعة مثلي للتجربة، وأحاول إقناعهن: "ليس من المعقول أن أبقى مرمية بإهمال في الكيس الشفاف، كالأموات. أنا لن أرضى يوماً عن حالة السكون. 

 

بدا موقفي من حالتي الإضاءة مترافقة ومعاناة الاحتراق، ومقابلها أن أكون في الظلام مع الاستراحة، والاسترخاء معادلة صعب على غرّة مثلي.

 في كلتا الحالتين كان دوري ألا يأتِ ما يجعلني أترنح وأهوي عن الصحن المذهّب.

 

عاد الصراع يأكل جسدي الشمعي، فيا لي من شمعة مضطربة.. ماذا أريد؟ أن أشتعل أم لا؟! أرغب بالإضاءة أم لا؟ أَأَرغب بملمس أصابع الفتى أم لا؟.. هيا بصورة واضحة، وبديهية، وبسيطة.. حددي موقفك يا فتاة.. يا امرأة.. أيتها الشمعة.. أتريدين أم لا؟ هيا عبّري عما ترغبين.. آه منك يا خفيفة العقل، هل القرار بيدك؟ تقولين: أشتعل فتشتعلين؟.. أنطفئ فتحصل معجزة؟.. تستطيعين أمراً واحداً.. أن تخففي العذاب الناتج عن الحرارة والاحتراق..

 

إن السؤال المنطقي الذي تطرحينه على نفسك آنذاك: "كيف أصمد؟".. لا تأبهِ للدموع التي تسيل من حافتك اليمنى، أو اليسرى، أو هذه الفجوة التي تكبر وتكبر في خاصرتك.

 

هكذا تحدثت الشمعة مع نفسها طوال عمرها القصير، وعندما أتت النار على الجزء الأخير منها، أدركت أنها صارت عجوزاً.. أولادها كبروا..

و كل منهم يسير في طريقه.

 

 

 

وطن أم.. في الخيال وطن؟!

 

مهداة إلى المحامي الناشط والمعتقل: أنور البني.

 

سؤال طلب مني الإجابة عنه بعد أن خرجت من السجن:

-كيف رأيت مسقط رأسك.

فكرت بإجابة دبلوماسية. فبعد سنوات طوال من قبوعي في السجن، كان حلمي الوحيد، أن ألتقي الهضبة والشجرة، المشرفتين على بلدتنا "السلمية"، وكنت ورفاقي، قضينا طفولتنا في اللعب عند أقدام الهضبة.. تسلقناها. هبطنا عنها، تعثرنا بحجارتها.. ضحكنا، وبكينا.

 وكان هناك شجرة وحيدة، أمتعتنا قدر ما فعلت الهضبة، تأرجحنا بأغصانها.. أكلنا من ثمارها..

في الأيام الطويلة في السجن، تعدّت الهضبة مساحة البلدة، إلى مساحة همجية للخيال. احتلتاه فكبرتا معه وتضخمتا، وكنت أتذكّر الهضبة جميلة بجمال أيام الطفولة، متنوعة المشهد بتنوع ذكرياتي عنها وعليها.

 

كل فصل من فصول السنة، كنت قضيته في السجن - محشوراً في المساحة الصغيرة المخصصة لي- كان حال الهضبة والشجرة يتغير. انسلختا في خيالي عن حجمهما وكتلتهما الواقعية.

 

فصول السنة، لم تنبثق إلا من خلالهما. صارتا شعراً.. نثراً... قصة حبي الأول.. عنوان للعنفوان العبء.. العنفوان اللذيذ..  قطعة من الجمال ذاته، تخفف ثقل الشتاء وبرده، وقسوة التواجد في مساحة ضيقة على الروح.

 

في الربيع أتخيل هضبة الطفولة، مكتسية حلته، متدرجة بألوانه، حتى أني كنت أستطيع أن أقطف من الأزهار المفروشة على جلدتها، وأتحسس ملمسها، و كان بإمكاني أن أقسم أني تنشقت روائح الزهور البرية، وأن تلك الرائحة، تطغى على روائح العفن، التي تميز هواء السجن.

 

في الشتاء كان مشهد الهضبة، يتحول إلى بيضاء ساكنة، وشجرتها منساقة مع ثوب الهضبة الأبيض. في الخريف كانت الشجرة، تتعرى في خيالي من أوراقها لتفرش الأرض تحتها، تماماً مثلما كنت أراها في صغري.

 

وكنت أتحدث لرفاقي عنهما: الهضبة، والشجرة، مضيفاً الرقة والرهافة، التي يتمتع فيهما السجين تجاه العالم الخارجي. لقد كبرتا حتى صارتا: الهضبة جبلاً شامخاً، والشجرة سامقة حتى السماء.

 

عندما نزلت عند أقدام الهضبة، ووقفت أمام الشجرة، وكنت في نهاية الخمسين من العمر، وشعور السابعة من العمر، أصيبت حدقتا عيني بصدمة. فالهضبة صغيرة جداً، نسبة إلى المساحة الشاسعة حولها، والشجرة السامقة حتى السماء هي في الحقيقة شجيرة إجاص مترهلة.

 

لقد أخرست الهضبة الواقعية، والشجيرة العجوز هضبة خيالي وشجرته.

 

وكان جوابي: " جبت العالم اثني عشر مرة، وما وجدت أجمل من مسقط رأسي!!"

 

 

الغدّة الدرقية... اللعينة!

 

صديقتي:

مؤخرا وفي رسالتك المؤرخة في 2/5 عرضتِ عليّ  أن أزورك، بقصد الراحة، وكنت قد عملت بنصيحتك في مراجعة الطبيب كي أسأله عن صحتي المتدهورة، معتقدة أن معاناتي الجسدية ناتجة عن خلل في وظيفة الغدة الدرقية أثرت على أداء أموري المعتادة، وأنها أي الغدة الدرقية سبب عميق لتوتري وارتعاش أصابع يدي الذي يملؤني سخطا وخجلا كلما قدمت لأحد فنجان قهوة، أو كأس ماء طلبه أحد الزائرين.

 

الجميع لاحظ ذلك: أمي. أختي والأصدقاء، كذلك أحمد الذي يعزو السبب إلى تناولي المنبهات بكثرة.

 

أنت تعرفين كم جهدت كي أصبح رئيسة قسم وكم من الليالي الطوال قضيتها وأنا أتتبع كل شاردة وواردة في أمور العمل. أصبحت و الآخرين في منافسة حادة تصل أحيانا حد العداوة.

 

لعلك تذكرين سميرة، تلك الشابة التي رأيتها مرة في مكتبي، وقلت عنها أنها ذات وجهين.. إنها أيضا طموحة، وكذلك "ربيع" ذلك الفتى ذو الشعر الجعد، وقليل الحظ... إنه يستحق منصبي عن جدارة، وأنا أفكر بأنه في يوم ما عندما يصبح الأمر بيدي سأجعله ساعدي الأيمن.

 

لا بدّ أنك تتساءلين ما الذي تريده هذه المرأة بعد حصولها على وظيفة جيدة ولديها أطفال حسنوا المأكل والمشرب والهندام، لكني متعبة. متعبة، ومجهدة، فأنت تعرفين مدى حساسية التعامل مع الأرقام والدقة المطلوبة فيها، فقبل عدة أيام اكتشفت مشكلة أخذت تتفاقم لدي: تصوري أن صفرا كاد أن يوقعني في ورطة  لولا دقة المحاسب، حيث أضفت الصفر إلى مبلغ (ألف) ليرة محولا للصرف، وقد تكرر الأمر بأشكال عديدة، فكثيرا ما أسهو عما حولي محمولة في سرير الغفلة، لأصحو بعد حين على تلك الأرقام اللعينة كما لو أن أحداً سواي قد دوّنها.

 

في إحدى تلك المرّات دخل مكتبي أحد المراجعين، وضبطني ألطم وجهي كأنني أوقظ  نفسي من الإغماء، واعتقد الشخص في حينه أني أقوم بحركة من تلك التي تنصحنا بها بعض البرامج الإذاعية المهتمة بجمال المرأة والحفاظ على بشرتها.

 

يومئذ تناقل الآخرون الأمر وأصبحت الحبّة قبّة إلى أن وجدت فوق مكتبي ذات يوم تحذيرا يقول:

 

"الأماكن المخصصة للمسّاج لا تندرج ضمن الدوائر الحكومية" وقد ذيّل التحذير بتوقيعيّ مدير الدائرة والمدير العام!!

 

تصوري هذه الفضيحة لصديقتك التي تعمل بكل طاقتها لتثبيت أقدامها كمديرة في القسم وحين تقدمت باعتراضي على الموظفين لتحويلهم المكاتب إلى أماكن للعبادة، مبينة بالحجة ، أن العمل الوظيفي حين يقومون به على وجهه الأكمل من غير تباطؤ في معاملات البشر هو أيضا عبادة، ردّت "سميرة" علي بتهمة أني أعمل مسّاجات صباحية في المكتب وحين ذاك لا فرق بيني، وبين الموظفين من حيث إهمال العمل لكن أحدنا استخدمه  للتعبّد وآخرون استخدموه للمسّاج!!!.

 

لذت بالصمت طبعاً وليست تلك عادتي قبل سنوات.

 

وحدث أن استمعت إلى الزاوية الطبية وكان احد المستمعين يسهب في شرح معاناته مع اضطراب وظائف الغدة الدرقية وأثرها السلبي على جسده، ولشدة توقي لمعرفة نوع معاناتي بعد مقاربة مشوشة بين عمل الغدة الدرقية وأعراض الوهن والعصبية والنحافة التي أعاني منها، وضعت الجدول الذي بين يدي جانبا.. حرنت تماما، وكنت أشبه بحمار جدك الذي كنا نمتطيه للنزهة.

 

قلت محدّثة دفتر الجداول الحسابية: "إبقَ جانبا إلى أن أتبين أمر هذه التي يسمونها الغدّة"

 

فكّرت جازمة: لا بد وأنها ساحرة شريرة يجب الاقتصاص منها، واجتثاثها من جذورها.... هذه الغّدة التافهة!!

 

وقفت أمام الطبيب محتارة، وطال انتظاره وأنا أشرح معاناتي إلى أن قلت: إنني أعاني من الغدّة يا دكتور!!

 

ساخرا ردّ عليّ: بما أنك توصّلت إلى هذه النتيجة فما عليك سوى الشروع بمعالجة نفسك!!

 

صدمتني الإجابة. ستضحكين من هذا الموقف السخيف. من حقك أن تفعلي.. يمكنك أن تضيفه إلى دفتر مذكراتك، كونك مهتمة بالتسجيل، ويوما ما عندما أفتح دفترك اللعين سأسخر أيضا من كل ما مرّ بي وسأكون مثل شخصية "توم" الكرتونية التي تحبينها.

 

كان في غرفة الانتظار ثلة من المرضى الذين ينتظرون تشخيص الطبيب، وربما كانوا أحوج مني إلى المساعدة، وهذا ما زاد من إرباكي.

 

قلت بابتسامة مضطربة: "أقسم لك أيها الطبيب لا أعرف إن كنت مريضة أم لا... ومن أين أبدأ... أو ماذا أشعر!!"

 

كان الطبيب ذكيا بما يكفي لينهال عليّ بسلسلة من الأسئلة عن طبيعة أكلي والسرعة في خسارة وزني، وأرقي الليلي... إلخ.

 

بعد صمت وجيز قال لي:" في الحقيقة لا أعرف إن كان عليّ التكلم معك بصراحة"

 

شعرت أن الأمر خطير فألححت عليه بعد أن ازداد توجسي.

 

قال: أخشى أن تكون أعراض اكتئاب ثم طلب بعض التحاليل للتأكد من صحة تشخيصه. لأم أجرها بعد...

 

في تلك الليلة نمت بعمق لمعرفتي سبب آلامي واسترخيت قليلا حين علمت أن رقما إحصائيا عالياً وصل إلى واحد  وتسعون بالمائة من الناس متصالحون مع هذا الوباء، فهم يأكلون ويشربون، ويعملون دون أية آثار جانبية بارزة!!

 

ملاحظة: تسربت معلومة من أحد المؤتمرات الطبية  التي أقيمت في دمشق سنة2002/ 2003 أن استهلاك سوريا من الأدوية المضادة للاكتئاب عال لدرجة تفوتت حولها الأرقام.

 

أضيفت في 06/01/2008/ خاص القصة السورية/ المصدر: الكاتبة

 

 

كيفية المشاركة

 

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية