|
القائمة

نماذج
في أدب الرسائل3

رسالة شكر
بقلم الكاتبة:
هناء كرم
السيدة هيفا المحترمة
تحية طيبة وبعد،
أنا مريم ، عمري عشر سنوات، كنت مع أهلي عندكم في المدرسة منذ
الأيام الأولى لحرب تموز الاسرائيلية على لبنان، أود أن أرسل لكم رسالة شكر
لأنكم استقبلتمونا في مدرستكم حين هربنا من بيوتنا.
أرجو ألا تزعلوا لأننا غادرنا أول يوم توقف فيه القصف فهذا لا يعني
أننا لم نكن مرتاحين عندكم بل لقد اشتقنا الى قريتنا وبيتنا.
ماما تقول ربما لن نجد بيتنا فقد هدموا أكثر البيوت، كنت سأبكي حين
قالت ذلك لكنها أفهمتني أن هذا غير مهم جداً، ما هو مهم أن المقاومة انتصرت
وبيتنا سنبنيه سريعاً ان شاء الله، سنسكن في خيمة أو في أي مكان ريثما نبني
بيتنا، فمثلنا كثيرون وسنفعل مثلما يفعلون، المهم أن نكون معاً.
ربما لن تتذكروني لأننا كنا كثر، لكني أريد أن أشكركم على كل
محاولاتكم لتأمين الراحة لنا.
حين كنت أنزعج من شيء أو أحس بحاجة الى شيء كنت أستاء وأقول لماما
لماذا ليس عندنا هذا، أو لماذا لا يعطونا ذاك؟ كانت تقول لي دائماً :" كلا
يا حبيبتي ، يجب أن تشكريهم لأنهم يقومون بكل ما في وسعهم وحين أخبرتها
أنهم أحياناً يعطون أشياء لباقي الأولاد ولا يعطوني كانت تؤكد لي أن
الآخرين يحتاجونها أكثر مني، فأنا أكبُرُ، وأنا أصدق ماما بكل ما تقول وقد
أكدت لي ذلك الأخت كارولين، المعلمة التي كانت تعتني بنا أحياناً وتحب أن
نسميها "الأخت كارولين".
قبل أن يذهب بابا أوصاني أن أطيعها وأنا أنتظر عودته لأخبره بأنني
حاولت ذلك في معظم الأحيان. وعندما أسألها عنه وعن موعد عودته كانت تقول :
قريباً، قريباً.
كنت أحس أن ماما تبكي في السر أحياناً لكنها ترفض أن تخبرني بأي
شيء.
تقول أن علينا أن نبقى مبتسمين من أجل أخوتي الصغار ومن أجل
الجيران فنحن نعيش في غرفة واحدة واذا حزنا أو زعلنا فذلك سيؤثر على
الجميع.
كانت تحاول دائماً أن تحكي لنا حكايات حلوة حتى نتسلى، والشابات
كنَّ يدعونها لمساعدتهم على تسليتنا عندما ينشغلون بتحضير الطعام.
مدام هيفا،
أريد أن أعتذر عن جارتنا وعن كل ما فعلته وقالته، قالت ماما أن
أعصابها كانت تعبانة لأنها قلقة على زوجها وأبنائها وبيتها ونحن جميعاً
يجب أن نفهم ذلك ونقدره ولا نزعل منها. فأرجو ألا تكونوا قد زعلتم منها
أيضاً وأشكركم لأن ماما قالت أنكم تفهمتم هذا ولم تجيبوها وتجعلوا القضية
كبيرة. مع أنني لا أعرف كيف تتحول الأمور الى قضية كبيرة لكني أصدق ماما.
كما أود أن أخبر الأخت مها التي ساعدت ابنة جارتنا في ولادتها أنني
ما زلت أعتني بالطفلة الصغيرة مها التي سموها على اسمها، وطوال الطريق كنت
أساعد أمها وأحمل لها زجاجة الحليب وأساعدها في كل ما تطلبه مني. وحين توقف
الباص آخر مرة سارعت الى حملها بين ذراعي لساعة كاملة لتتمكن والدتها من أن
تنزل وتتمشى قليلاً لتريض أقدامها.
فأنا كما عهدتني صبية كبيرة وسأكون كذلك عند وصولنا الى ضيعتنا.
عندما أرى كلبي فهد سأعرّفه عليها وأدربه على العناية بها معي.
فربما سننام في الخيمة ويجب أن يحمينا من الضباع.
وأخيراً أود أن أخبرك أنني احتفظت بكل الرسوم التي رسمناها ونحن في
مدرستكم وسأريها لمعلمتي وأخبرها عن كل رسم.
لا أعرف متى سنذهب الى المدرسة وان كانت مدرستنا موجودة أو لا، لكن
ماما أكدت لي أن المدرسة ستفتح قريباًوأنا كما قلت لك أصدقها.
قبل أن أودعكم أحب أن أدعوكم لزيارتنا ، وأريد أن أوكد لكم أنكم يجب
ألا تخافوا لأنكم لم تزوروا ضيعتنا من قبل، ماما قالت عندما كنا آتين
لزيارتكم وسألتها ألا نخشى من الاقامة في منطقة لم نذهب اليها قبلاً،
وأهلها لم نزرهم من قبل؟
قالت : لا، فنحن في بلدنا ويجب ألا نخاف لأننا كلنا أهل وأبناء بلد
واحد.
اذن أنتم أيضاً باستطاعتكم زيارتنا بلا خوف فنحن أبناء بلد واحد.
أودعكم الآن وأرسل لكم قبلاتي الحارة وأعدكم أنني سأكتب لكم رسائل
أخرى عندما نصل الى ضيعتنا .
أشكركم والى اللقاء
مريم
آب 2006
هناء كرم
-------------------------------------------
أضيفت في
13/02/2008/ * خاص القصة السورية / المصدر: الكاتبة
(للتعليق
والمشاركة بالندوة الخاصة بأدب الرسائل)
  
سيكون هذا الليل لك..
يا أم الأدباء المساكين
مقطع من روايتي أوزار أهل السامرة
بقلم الكاتب:
بشيري طيب مروان
وكالعادة.. عندما يجيء الليل.. يبدأ انقباض القلب وتخبثه.. يستلقي على
قفاه.. ويبدأ في قتال الروح بلا مكابح.. لكنه قاوم النوبة وتناول كتابا
وبدأ يقرأ فيه .. وجده شبيها بنفسه .. قرأه بنهم وعشق ونفس مطمئنة..
"ذاكرة الجسد" تأمل العنوان مليا وتنهد بحرارة.. كأنما أثار فيه الكتاب
حنينا لذاكرة الروح ورغبة في استعادة الذكريات الجميلة من كتاب حياته
الماضية.. ثم تأمل اسم صاحبة الكتاب ومرر عليه أصابعه في حنان بالغ.. وبدأ
يحدثها بصوت مرتفع:
-سيكون هذا الليل لك.. يا أم الأدباء المساكين.. الأطفال الجدد على
أرض الحروف والكلمات.. سأرفع هذا السواد لكل مل كتبت وما لم تكتبي.. وهل
بقي شيء يكتب؟.. نفذ البحر قبل أن تنفذ الكلمات.. يا لحماقتنا ونحن نغوص
بأقلامنا اليابسة.. أجيبي يا أم الكلام.. لماذا لم تنصحي صغيرك بعدم
الإبحار؟.. وهو الضعيف بلا زاد.. وأنت بما كتبت .. تدفعين به نحو التيار
الجارف .. رميت بصندوق أحلامه في اليم .. ولم يكن قلبك فارغا كأم موسى..
أغريتنا بجسد الكلام الفاضح .. وتركتنا بين قتيل وجريح .. لولا أن تصفيني
بسوء الأدب لقلت لا سلام معك ولا هم يحزنون.. ولو لم أكن بارا بوالدتي
لعزمت القدوم إليك حاملا سبعين عتاب قبيح.. لكن رحمة الله خليقة بجعلي
أقرئك سلام المتعب الذي غمطه سوء الحظ.. وهده القعود.. "فسلام".. تحية من
قلب رحيم .. منهك.. متصدع.. وبدل القدوم إليك خذيها سبعين رسالة حب وامتنان
من بعيد لبعيد..
قد تضنيني معتوها .. سفيها أو ضعيفا يعاتب جسدك المدثر بجنون
الذاكرة.. أنت لا تعرفيني.. ومن أين لك أن تسمعي بأقلام الأقزام وخربشاتهم..
أما أنا فأعرفك.. الابن الذي لم تلديه يعرفك من رائحتك على بعد ملايين
السنين الضوئية.. يعرف بالضبط ماذا تفعلين الآن.. وكيف تجلسين .. ولماذا
تبتسمين هذه اللحظة.. يعرف عيونك المريمية وهما ترنوان على جسد المسيح ..
الواسعة كالمدن المخبأة بين الجسور.. غير أن علمي بلهيب قلمك يا ابنة
الحروف الحارقة من شجعني على إهدائك هذا الليل خالصا لك من دون النساء.
فإذا رأيت نور شهاب يضيء سماءك .. فاعلمي أنه ضوء حنيني لكل حواسك..
بفوضاها وسكونها . وتلك منة تمنها يد الله علي أن أسافر نحوك بضوء النجوم
وأنوار السماء يا أمي.. اعذريني متى كان النور خافتا .. لأني في ساعة موت
من اليأس والغضب وزفير العجز الحيرة ابتسمي للنجوم بنظرتك الحانية حتى أنام
ولا أستيقظ.. لا تلومي ابنك على الأحلام السخيفة.. وهل يلام موصول بتيار
الكتابة الجارف؟.. ولا يجد العون والنصير؟ .. إنما أشكو إليك بثي .. وسحاب
حزني على مدينتنا الذاوية.. مدينة تصفع فيها شرطية المرور شاعرا أمام
الغانيات .. يموت فيها الكاتب جوعا وكمدا .. مدينة تحول كتاباتنا إلى أكياس
ورقية لبيع الفول السوداني.. ومسح زجاج النوافذ .. أنت اقدر على فهم
الأبناء .. بؤساء يصيحون كالمجانين في ساحة الشهداء " أقلام للبيع.. أقلام
للبيع.." .. ولكن من يحفل ببضاعة مزجاة؟؟
أحملك مسؤولية الغواية .. والدفع بنا لشارع اللغة الخطير.. رميت بنا
يا أمي فلم يحتضنا احد.. لا الشعب ولا الحكومة .. لا الشجر ولا الحجر.. ولا
المزابل حتى..
أين صدرك حتى أضع رأسي وأطفأ عنف سنيني؟ .. ضميني .. أنا بغريزة
شاعر مهزوم.. أحس برحابة صدرك للحكاية.. اسمعيها من البداية.. "بكبدة
ساخنة" وقلب أم حنون.. لتعي أن الطفل الباكي بين يديك.. أي حمل ينوء به ..
وأي ألام تعظ عظامه ولحمه..
ابنك لا يفلح في عمل شيء سوى معاركة الصفحة البيضاء بقلم قديم..
حاولت تعلم شيئا لكن اليد لا تحسن إلا الكتابة .. ثم الكتابة.. ثم
الكتابة.. كمن يمنح ثروته لعابث..وقلت لما لا تأكل الخبز بهذا الكلام..
كالذي "يبيع الريح ويقبض الصحيح".. أنظري لمبلغ اليأس حتى صرنا نرى في
الكتابة حرفة.. كالاسكافي أو اللحام .. نأكل من عرق الجبين.. لكن الحرف
ينبض من جبين أخرى .. جبين لا تنحني أمام قلة ذات اليد والفقر المدقع..
"كن صحفيا".. هكذا بزغت الفكرة من غبش الأفكار.. ولكن لسذاجتي..
كنت اضن أن الأخذ والعطاء مع رؤساء التحرير أمر وارد في مدينة المناخ
المضطرب .. والنظام المضطرب.. والشعب المضطرب.. فبدخولي مباني العديد من
الجرائد.. تحول تصوري عن أشرس خلق الله أولئك .. إلى أنهم طينة تنتفخ من
رهاب سلطوي .. ينزع احدهم إلى التأله والربوبية.. فيوحد الآخرون فيه
الأسماء والصفات كلما دخل مكتبه أو خرج.. كأنما استعص على الواحد منهم أن
يتعلم بساطة الحياة دون توصيفها بالعلو والدنو.. علوهم علينا كونهم يقبعون
في مكتب مكيف.. يتغوطون على الرأي العام بشتى الترهات من مراحيض
افتتاحياتهم المغلقة على كل الحقائق .. ودنونا عنهم ونحن نحرث الأرض بحثا
عن خبر يقين ثم نتحين الفرصة للحديث معهم دقيقة زمن فنعجز. .
لا أنسى ذاك السبت الكئيب.. عندما هممت طرق باب جريدة من الجرائد..
وفي الضن ألا خيبة لمن يدق باب الصحافة.. لعل النزر القليل الذي نملكه من
زاد الكتابة يمنحنا فسحة الاشتغال بالعمل الصحفي.. لكن خلف الأكمة ما
خلفها..
كشر البواب في وجهي . وسألني في عنجهية.. -ربما كنت أتطفل على داره
من حيث لا ادري-..
- ماذا تريد؟..
أجبته ببساطة:
- اسأل عن فلان بن فلان .. رئيس تحرير الجريدة..
فعاودني بالسؤال وقد ازدادت ملامح وجهه انقباضا:
- ومن أنت ؟
فأجبته أني أريده في موضوع خاص وأكون شاكرا لو يتكرم بإبلاغه أني "
فلان" من مدينة " كذا "
- انتظر
نطقها بلهجة آمرة ومضى في رواق طويل ثم استدار على يمينه ليعود إلي
سريعا..
- ليس هنا
قال في صلف..
انقلبت عجلا على عقبي لا ألوي على شيء.. سرعان ما اهتديت إلى وجوب
العودة مساء..لكن عاد " عمك " البواب يكشر في وجهي :
- هو لا يعرفك.. فكيف تريدني أن أدخلك عليه..
قلت موضحا:
- اخبر رئيسك أني من بعيد .. فلو يتكرم بالحديث إلي نصف دقيقة.. لن
يخسر شيئا..
لكن العبد المأمور عجل في رفض طلبي قائلا:
- الله غالب..
"الله غالب على أمره.. أدخلتني إلى فرعونك أم أبقيتني.." قلت ذلك
في سري .. وودت أن أضحك في وجهه.. هل أنا اطلب رئيس البلاد أم رئيس جريدة..
لكن لعنت إبليس ومشيت و دارت الأيام دون أن تهدا سوسة الصحافة في عقلي.
بذلت جهدا مضنيا في تنقيح ديوان شعر.. ودرت به على دور النشر دارا
دار .. يريدون شعرا حداثيا على موضة الغموض والخبل .. رفضوا نشر "معلقاتي" كما قال عنها احدهم.. اسودت الدنيا في وجهي .. حتى رحت لأسبوعية نكرة
وأنا أتعذب من التنازلات والحضيض الذي أؤول إليه .. أسبوعية رغم قلة
الموارد والخبرة.. وعدني صاحبها بالعمل .. لكن بعد العدد الرابع توقفت عن
الإصدار.. رفعوا الراية السوداء .. المسودة المدودة .. سواد أيامنا
العرجاء مع صحافة النحس ودعوات الشر و الشنار يا أمي ..
أنا احكي لك مضحكات مبكيات وقعت لي ولغيري بسبب " نظام اللعبة "
الذي غاب عنا ذاك الحين.. لا أخفيك سرا أني كتبت بأسماء مستعارة .. وبأسماء
صحفيين كان حضهم أنهم يتمتعون بحق النشر .. رفعت هذا .. وخفضت ذاك .. لكن
اللعبة لم تستهوني واعتذرت باكيا لضمير الأدب الناعق في صحراء لغتي..تبت من
هذا العهر وصمت دهرا عن الكتابة ..
"انك لا تأكل من القلم علكة .. فأبقه على طهره" لكنه فاض على جيب
قميص "الشيفون".. بقعة زرقاء كبيرة على الجيب الأيسر .. فوق القلب .. كأنما
يناجيه ويواسيه .. يعلم انه يستمد حبره من عضلة القلب.. فتباكيا على
طريقتهما الأولى .. القلم يتوق للانطلاق.. والقلب يلجمه لجاما.
اتصلت بجريدة أخرى.. ووجدت رئيس تحريرها "ابن البلاد". استقبلني
بحرارة.. لكن بمجرد أن سمع بغيتي تبدلت لهجته وأنبأني انه يخاف على مكانه
.. اعتذر بلباقة وقال لي رغم ذلك سأبذل جهدي كي تكون معي وذراعي الأيمن وفق
الشروط.. لكن قضى الله أمرا كان مفعولا.. لم يأخذ بيميني ولا
بشمالي.. بقيت لي جولة أخيرة للتسلية لا غير.. رحت إلى جريدة تصف نفسها
بالكبيرة .. جالست رئيس التحرير هذه المرة.. قال " نحن نصدر الصحفيين
للجرائد الأخرى.. عندنا فائض.. وإذا كنت يا بن الناس الطيبين قادما بدون
وساطات فعد أدراجك .. والله لن تكون ولو كنت همنغواي".. شكرته جزيل الشكر
ورجعت لداري. عدت لسابق عهدي.. تحاورني كائنات غريبة.. أكتب .. أكتب لمجرد
الكتابة.. انتظر أن تحصل معجزة.. أو ينزل مسيح الصحافة ليخلصنا من أدران
الجرائد الجائرة.. ويهدم بعدله جدارها العازل..
عندما يتنفس الصبح يا ثورية العينين.. استيقظ قبل نوم.. أنا لا اعرف
النوم.. مهبول بالسهر.. استقبل النهار وأنا ممتن لما تكتبين .. ارغب في
رؤيتك .. ومعابثة نصوصك ومروياتك الحبلى بأمل العشاق وراحة المتعبين ..
أتخيلني طفلا يتوق لسريرك العابر سبيل اللغة المزدحم.. طفل يليق به السواد
لأنه ابن الليل.. وحده الليل من يسمح لنا بالتنفس دون رقابة من احد.. تنطلق
فيه حواسنا بالفوضى.. وتبكي هذا الجسد. أنا احسد جسدك على ذاكرته المؤلمة
وذكرياته الساخنة.. ليس كجسد لا يمتلك ذاكرة .. لا اعلم أي مارد يزاحمني
إياه.. أي وحوش سلبتني ذاكرته.. أي كائنات تتكاثف في رأسه وظهره وقلبه
ويديه..
معذرة -كرز الأمومة- على البلل الذي أحدثته دموعي على صدرك واكتمي
أسراري في قرارات الجب كي لا يلتقطها شامت.. ولا تنبئي أحدا بلحظات ضعفي
وهوان أمري.. وضياع قصيدتي.. لا ادري لما احبك.. ليس يحدوني الأمل في
معرفتك مدى وثاق بنوتي بك.. بقدر ما يستفزني أمل البوح لك بالذي يختلج في
ذوات الأقلام التي تولد في صمت.. وتموت في صمت.. وعندما تكتشفها الأجيال
القادمة في موسم جني التمور.. -آه يا محني-تخسر عليها دقيقة صمت .. في
بلاد العراجين الصامتة.
-------------------------------------------
أضيفت في
17/02/2008/ * خاص
القصة السورية / المصدر: الكاتب
(للتعليق
والمشاركة بالندوة الخاصة بأدب الرسائل)
  
أفي الوردة.. الخطيئة؟!.
بقلم الكاتبة:
فاديا سعد
حبيبتي
بعد كل لقاء معك يطير جسدي كالعصافير في سماء دمشق، فأنت بوحي الذي لا أرغب
الشفاء منه، وأنت المرأة التي استطيع التحدث معها في أكثر الأمور خطورة،
لأنك على درجة عالية من الذكاء يغني عاشق مثلي عن مشاركة أفكاره مع آخرين
غيرك إذ لستِ ممن سيفتكون بأفكاري.
مع ذلك يدهشني أنك تحدثت يوم أمس بلغة قريبك ذي النفوذ، الذي عمّم على
الفضائيات وتقدم بطلب رسمي لجهات مسؤولة، كي يلغى يوم 14 شباط من قائمة
الأعياد.
فأنا بحق لم أفهم أن للوردة الحمراء كل تلك التفسيرات.
كان تفسيرك في تحويل العيد: إلى مشاريع استثمارية رابحة من قبل التجار
تفسير ذكي، وقد اعتبرت الأمر شخصياً: أنك ستساهمين بكنز جيوبهم حين تتّبعين
هذا التقليد، وأردفتِ جملتك بنظرة تداهمني كلما شعرت بالتعب، فأنجز أعمالي
بقوة لا يعرفها إلا أنا.
لكن وردتي المهداة لا تحمل أكثر من تفسير واحد: أني أهيم بك.
أخذ قريبك على هذا العيد استيراده من حضارة غير التي نعيش، وبرر طلبه: أن
عيد الحب مخصص للنصارى، وأن مظاهره تدفع بالشباب لممارسات غير أخلاقية.
نحن أيضاً كمسلمين نعرف الحب في أكثر تجلياته جمالاً وأناقة، حتى رسولنا لم
يخجل بمشاعره تجاه أم المؤمنين عائشة، ولو نزل نبينا في منطقة غير الصحراء
ألا تعتقدين أنه كان من الذكاء الشديد ليقدم لها وردة؟ أنا أعتقد ذلك..
وجد أجدادنا في بيئة عرفنا منها القيظ والجفاف وسباق الجِمال، وأنا أعيش
اليوم بالمدينة وفيها: علو الأبنية متلاصق مع الواطئ منها والأسواق الشعبية
تجانب نظيرتها من الأغنياء و دور الترفيه تقابل دور العبادة، وسكة الحديد
متلاصقة مع الشوارع العريضة المخصصة للسيارات، وقريباُ من الاثنتين مهبط
للطائرات، فهل يريد قريبك ذي النفوذ أن أقدم لحبيبتي جملاً لأعبّر عن
مشاعري؟ أو أقدم جلباباً صوفياً لأكشف درجة توقي للقياك.
في عيد الحب لن أقدم لك ذهباً كي تجمعيه، فهذه إحدى فضائحنا السّرّية، لأن
جمع هذا المعدن تعبير ضمني عن عدم الأمان الذي تعيشه المرأة في كنف زوجها،
وهو الفضيحة التي علينا أن نخجل منها في مجتمعاتنا، فجمع الذهب يعني أن
النساء ستستخدمنه يوم يركلهن رجالهن خارج البيت من غير قانون يحميهن -كما
عند النصارى في الغرب أو مؤسسات يلجأن إليها فيما لو شعرت إحداهن بعدم
الأمان- ألم يكن جديراً بذي النفوذ أن يتقدم بطلب لإلغاء الإجحاف في
بلادنا عمن أحببن أزواجهن وشاركنه الكدح سنوات طوال ثم في لحظة لا يبقى
لديهن من تفاعل الحياة سوى التفاعل مع المعدن!!
آخرون كقريبك ليس لديهم من يتوحدون معه فماذا أفعل لهم؟
أنا لديّ أنت، وقد أحببتك قبل أن أسمع عن الذي يدعى فالنتاين، فأي ذنب
ارتكبه هذا الرجل وقد جمع قلبين كقلبينا؟ ألانه نصراني كما يقول؟
أليس في الأمر سبباً آخر يتعلق بالعنصرية تجاه ما ينتجه الفكر الإنساني؟
ماذا لو كان فالنتاين هذا من ديننا لكنه من مذهب آخر؟ ألن يجد قريبك ذي
النفوذ مبرراً جديداً ليمنع العيد.
جرّبت مع شخص يشبه قريبك، هذا المقلب: فالنتاين بوذي؟!
وكان جوابه جاهزاً: لدينا ما يكفينا من تجارب الحب لنفخر بها، ولسنا بحاجة
لبوذيين يعلموننا كيف نحب، وماذا نهدي نساؤنا!
لكن يا امرأتي الاستثنائية.. الوردة كما أراها كائنة جميلة وهبها الله سر
رحمته بالبشر وتستحقها أنثى مثلك، وأنا أعرف كيف أقدمها ولمن.
إن الوردة نمت في بلاد الشرق كما الغرب وفي السند كما في الهند، لكن قوماً
من هذه البلدان يتمتعون بذكاء في التعبير عن مشاعرهم، وعليّ أن أنظر في
تجربتهم، وإن كان يرى أن تقديم الوردة لحبيبتي يقضي على حضارتي فهذه
مشكلته، ففي داخلي ذكر يثق بنفسه، وبعقله وقلبه، وحبي لك هو رشاقة الحياة
نفسها، وهو بيتي الذي أنطلق منه صباحاً لأمارس تفاصيل عملي بشرف لا يعرفه
الكثيرون، وحبي لك هو بيتي الدافئ الذي سأعود إليه وأدفن فيه تعبي.
حبي لك هو عمقي ووعيي بك كأنثى، كامرأة تجعلني معها ثنائية منسجمة مع
ثنائيات الطبيعة في الأرض، ولذلك سأرفض وجهة نظر قريبك ذي النفوذ، وأحتفل
بعيد الحب، من غير أن أتوه عن بقعتي التي أقف عليها.
-------------------------------------------
أضيفت في
23/02/2008/ * خاص
القصة السورية / المصدر: الكاتبة
(للتعليق
والمشاركة بالندوة الخاصة بأدب الرسائل)
  
من يوميات
نازك
الملائكة
بقلم الكاتب:
إحسان الملائكة
يوم ممطر لم تشرق فيه الشمس عند الظهر راحت السماء تمطر بغزارة
واستمرار حتى الساعة الخامسة عصراً حيث اشرقت الشمس فلونت الغيوم باحمرار
عميق فاتن. ليلاً اشتغلت مع جون كيتس. لحظت ان له ولعاً غريباً بالالفاظ
المبتكرة، واحسبه مثلي قد كان في اول حياته الشعرية لفظياً جداً، قرأت بعد
ذلك سيرته بقلم "لورد هاوتون" وهي سيرة ملذة، وتهمني فيها رسائل كيتس التي
اجد فيها كثيراً من افكاري، كما اجد في حياته صورة ثابتة من حياتي! لكني لا
اريد ان اموت مثله. بعد ذلك كتبت رسالة الى الصديقة ديزي الامير.
21/12/1949
حاولت، ليلاً، الكتابة في "مأساة الحياة" فأضفت اليها ابياتاً قالت
احسان عنها: انها جميلة
من المعهد استعرت كتاباً ملخصاً عن "الف ليلة وليلة"، رغبة مني في
العثور على اقصوصة شعرية الموضوع، اكتب حولها مسرحية إن امكن، فراعني ان
الكتاب لا يقل قذارة عن النسخة العربية! ان هؤلاء القدماء كانوا لا يفهمون
من الحب الا العلاقة الجنسية الغليظة.
22/12/1949
هجوم جديد في احدى الصحف على ديوان شظايا ورماد، وانا رغم ثقتي بنفسي
ومعرفتي بقيمة شاعريتي انزعج لهذه المهاجمات وقد عزمت منذ اليوم على ألا
أقرأ ما يكتب عني في بغداد، فها انا منذ شهرين اتلقى سيلاً من الشتائم في
الصحف العراقية، حتى لم اعد احتمل أأنا حجر؟! انا شاعرة بمواهبي الشعرية
رغم كل شيء... لا لا!! سوف أتم رسالتي فانا ما زلت في اول الطريق لقد دفعت
حياتي ثمناً للشعر، فلأكمل اغنيتي قبل ان اغادر الوجود الم اهجر لهو الحياة
ومتع الشباب كلها قانعة بزاوية من زوايا الفكر تكفي لأن ارسل منها نشيدي،
لا!! ها انا ذي مملوءة شعراً.
ويا صديقتي نازك! دعيني اهمس في سمعك.. الا تعلمين ان طريق المجد محفوف
بالاشواك؟ أيمكن ان يمر شظايا ورماد دون ان يحدث دوياً؟! هيا خففي من توترك
وانظري الى المستقبل، واحذري الاصغاء الى هذر "الفضلاء" فهم يلعنون كل
فضيلة كما يقول نيتشه.
23/12/1949
أمس شاهدت في السينما شريط (قاعة كارنيغي) وسمعنا خلال الفيلم مقاطع من
السمفونية الخامسة لبيتهوفن والسينما الخامسة لتشايكوفسكي، وكثيراً من
الحان شويان وشومان، وسان سانس، وشومرت ورحمانينون وسواهم، وقد بكيت وانا
اصغي الى موسيقى سان سانس. ما اروع الموسيقى! لقد بعثت هذه الالحان في دمي
الحياة.
عصراً أمطرت السماء الا انني ذهبت الى المعهد الثقافي، ودخلت المكتبة
مبللةً، وبعد استراحة قصيرة سرت الى البيانو ورحت انقر بأصابعي افتتاحية
السمفونية السادسة الحزينة لتشايكوفسكي، وقد احسست لها وقعاً غريباً وقطرات
المطر تضرب الزجاج خارج البناية، فجأة دخل مدرسنا الاستاذ ستيورات واقترب
منا، وسلّم علينا.
بعد الدرس الاول نزلنا الى المكتبة، انا واحسان ورأينا الاستاذ ستيورات
واقفاً يشرب الشاي، فذهبت احسان اليه، تسأله عن كلمة اغريقية، فسألها اين
عثرت على هذه الكلمة؟ وكنتُ واقفة على مبعدة، فتقدمت اليها وقلت (في
التوراة) فاعتذر وقال انه لا يعرف الاغريقية جيداً.
بعد ذلك سألني: اتكتبين النثر ايضاً؟ فقلتُ له: انني استعد لمستقبل في
النثر، واعتقد انه يحتاج الى ثقافة عميقة اكثر من الشعر، ومضيتُ انقل اليه
مهاجمات النقاد في بغداد لديواني شظايا ورماد فابتسم وقال: لكن هذه
المهاجمات العلنية تعني الشهرة لكٍ.
ثم اردف "وبما يتهمونك؟" طبعاً كنا هو وانا نتحدث بالانجليزية وانا
اترجم الحوار هنا الى العربية.
اجبت: مثلاً يزعمون انني اقلد ت.س. اليوت مع انني لم اقرأ اليوت الا
بعد طبع شظايا ورماد، وبعد اتهامهم لي بتقليده!!
قال: يجب الا تشعري بالمرارة من النقد الجارح، جون كيتس لم ينل الشهرة
الا بعد هجمات النقاد على شعره في المجلات الانجليزية. ان القدح افضل
للمبدع من المدح بالتأكيد الم يُتهم شيللي وكيتس دبايرون بالتقليد، وبأن
كلاً منهم يقلد الآخر وما الى ذلك؟ مع اننا الان نميز تماماً بين شخصياتهم
واساليبهم ولا نشعر بوجود تشابه او تطابق بين اشعارهم، فلكل من اولئك
المبدعين اسلوبه الخاص المتميز. ولما اخبرته ان اكثر كتاب تلك المقالات
عني، ليسوا من النقاد الذين يُعتد بآرائهم، قال: "قد يكونون مغرضين او
حاسدين او انهم لا يصدقون ان تكون بينهم شاعرة مبدعة مثلك، تذكري هذا
دائماً.
الواقع ان كلام الاستاذ ستيورات بثّ الشجاعة في نفسي، خصوصاً قوله "ان
المهاجمات تعني أن شعري يُقرأ باهتمام، ويثير في نفس القراء صدىً عميقاً.
بعد ذلك تشعب الحديث، ومضى الاستاذ يبدي اراءه بالشعراء قال ان لغة
"روبرت بروك" ضعيفة وفي شعره عيوب، ولما سألته عن ادجار الن بو، قال ان
شعره ضحل على الرغم من جمال اسلوبه.
ومن الذين يُعجب بشعرهم: الشاعر الاميركي "والت ويتمان"، وان كان
احياناً يبالغ في عرض عواطفه، ومن الشعراء المعاصرين الذين يعجب بهم:
الشاعر الانجليزي "ييتس"
yeats اما ت. س. اليوت فيراه
بارداً جامد العاطفة وعقلياً، ويكره نقولات ابليوت الذكية من النصوص
الاغريقية والالمانية وغيرهما لا سيما في مطولته: "الارض الخراب" واتفق معي
على الاعجاب بالفيلسوف نيشتة، لا سيما بكتابه "هكذا تكلم زرادشت".
تحدث الاستاذ ستيورات ايضاً عن نفسه قال انه نشر ديوان شعر في العشرين
من عمره، لكنه ندم فيما بعد على ذلك، وانه يكتب الان رواية سيطبعها في
اميركا لاحقاً.
27/12/1949
في مجلة الرسالة قرأت قصيدة عنوانها "قلب يتعذب" لفدوى طوقان، وقد كتبت
عليها "هدية الى صديقتي الشاعرة الرقيقة نازك الملائكة" لفدوى طوقان قصائد
جميلة في كثير من الاحيان وفي حياتها وحدة وانسجام ظاهران ومن اجلها احيي
شاعريتها وأحبها.
31/12/1949
آخر ايام عام 1949 وها هو ينطوي ويودعنا الا يستاهل مني قصيدة؟ يا لي
من جامدة.
عصراً حضرت لرؤيتي عائلة فلسطينية لا أعرف اسماء افرادها ومعها فتاة
اسمها "سميرة عزام" قالوا عنها انها اديبة، وما كاد رب العائلة يجلس بعد
مصافحتي حتى قال لي "ينبغي للانسان ان لا يحد تفكيره بناحية واحدة، فهذا
يضرّهُ كشاعر" سألته مندهشة "تعنيني؟ اية ناحية تقصد؟" وجاء جوابه:
"التشاؤم" قلت له: "انا لست متشائمة"
ما اضخم هذه الاسطورة التي "يعرفها" عني كل انسان في العراق وخارجه انا
مشهورة الان ولا يقوى انسان على تغيير فكرة الجمهور عني يا لهم مضحكين! لو
علموا اية فتاة متمردة تختفي وراء تشاؤمي المزعوم.
الحلقة الثانية
الاحد 1/1/1950
اول ايام السنة الجديدة. ولا اشعر برغبة في تسجيل حياتي هنا مع انني
متفائلة وأُحسُ أن السنة تحمل لي سعادة من نوع ما.. كل ما صنعته اليوم انني
اشتريت كتباً من المكتبة العصرية سجلتُ أسماءها في المفكرة، ولا اظنني سأجد
وقتاً حتى لألقاء نظرة عليها حالياً. المهم عندي هو شراء الكتب.. أليست هذه
رغبة عمياء؟!
ليلاً.. كتبتُ قصيدة وجهتها الى عام 1950 منها:
يا عام لا تقرب مساكننا فنحن هنا طيوفْ
من عالم الاشباح ينكرنا البشرْ
ويفر منا الليل والماضي ويجهلنا القدرْ
ونعيشُ أشباحاً تطوفْ
نحن الذين نسيرُ لا ذكرى لنا
لا حلم لا أشواق تصرخ لا منى
نحن العراةُ من الشعور ذوو الشفاه الباهتة
الهاربون من الزمان الى العدم
الجاهلون أسى الندوم
1/2/1950
استيقظت في العاشرة صباحاً، وفي رأسي صداع، وتذكرت بمرارة انني كتبت
امس قصيدة جديدة، فقرأتها وشعرت انها جميلة الى حد ما، فيما بعد انقبض صدري
وعاودتني الافكار القلقة حول شاعريتي من يعلم أي صراع يدور في نفسي؟ وهؤلاء
الذين يكتبون عني عشرات المقالات، ماذا يقولون لو عرفوا؟ من يدريهم بالسبب
الذي جعل "شظايا" يصبح "رماداً" كيف يعلمون الآلام التي عانيتها خلال كتابة
هذا الديوان؟
3/1/1950
ابرز حوادث اليوم محاضرة القيتها في الصف الرابع "أ" عن سبب كآبة
الشعراء العراقيين المعاصرين، وقد رددتُها الى الخيبة في نتائج الحرب
العالمية الثانية، واختلال النظم السياسية في العراق، وشبهتها بحالة الشباب
الاوروبي في اوائل القرن التاسع عشر.
كانت التلميذات في حالة استمتاع كبير، واقتناع بما اقول..
في الليل اتصلت تلفونياً بأميرة نور الدين، بعد ان كلمتني هي عصراً
طالبةً قصائد لي او لوالدتي مما نشر في هذا الشهر.
وأنبأتني انها كتبت عن "شظايا ورماد" مقالاً ألقته في محطة "اذاعة
الشرق الادنى" في الشهر الماضي، وقالت فيه ما معناه ان الديوان قوبل
مقابلتين في بغداد، واتفق الكل على انني فيه شاعرة مجددة، الا ان البعض رأى
في هذا التجديد جمالاً مطلقاً، ورفعني الى مرتبة عالية من الشاعرية، والبعض
الاخر رأى انني قد خرجت عن المقاييس كلياً، حتى لم يعد يربطني بالشعر
العربي رابط!
ولما سألتها عن رأيها هي في "شظايا ورماد" قالت: (اعجبتني قصائد معينة
هي التي لم تخرجي فيها على حدود اوزاننا، الا انني لم استسغ الاخرى، فانا
ولا اكتمل كلاسيكية في كل شيء واحرص على التقديم) ويظهر من كلامها انها لا
ترى في "شظايا ورماد" تجديداً غير تجديد الاوزان والقوافي!! مع ان هذا
التجديد الاخير كان اهون ما أحدثت في الديوان في رأيي وان كانت هذه النقطة
قد ضاعت في غمار مهاجمة تجديد الاوزان، فلم يهاجمني من اجلها احد!!
5/1/1950
ما اسعدني اليوم!! أكاد أطير.. واود لو كانت ايامي كلها لا اقل سعادة
من هذا.
غادرت المدرسة مبكرة وهذا من صفات يوم الخميس الذي احبه.
وفي البيت اندغمت ساعتين في قراءة كتاب (هولدرلن لستيفان زفايك ما اروع
هذا الكتاب وما اروع مؤلفه! كلاهما يفتنني ويلهمني، ويسرني أنني احيا معهما
الان.
كان "هولدرلن" يؤمن بالحماسة، ويراها اروع الحالات النفسية التي يمر
بها البشر، حتى انه يقول "تموت الالهة حين يموت الالهام" والالهام عنده
حالة عليا من حالات الحماسة اما الشقاء فهو فقدان الحماسة اذ ذاك يعود
الحالم المحلق الى رتابة الواقع البشري، ويصبح عرضة للالم والشيخوخة
والمرض.
ويتحدث زفايكك عن خيبة "هولدرلن" في "كوته" و"شيلر" اللذين كانا اذ ذاك
في شيخوختهما، وقد فقدا المقدرة على الحماسة في هذا الباب لمست تجاربي
الخاصة احياناً يبدو لي التشابه بيني وبين الشعراء والادباء، الذي عاشوا
منذ عشرات السنين، في بلاد بعيدة تختلف عن بلادي كثيراً الى درجة لا تصدق
فنحن كلنا نشعر شعوراً واحداً، ونمر بالظروف نفسها، ونعاني تجارب الشباب
والسذاجة وذاتها، ثم نتعلم ببطء ما تعلمه السابقون ونموت.
في الساعة الثالثة شعرت بالشعر يتدافع في روحي فأحضرت قصيدتي المطلولة
"مأساة الحياة" ورحت اكملها وقد استقر عزمي اخيراً على انني يجب ان امضي في
كتابة نسخة جديدة منها لا علاقة لها بالقديمة الا بالخطوط العريضة اما
الشعر والصور والافكار فكلها جديدة.
وفي سكون الغرفة ودفئها وانعزالها عادت اليَّ شاعريتي الهاربة وملأتني
يقيناً بانني ما زلت نازك الملائكة التي كتبت "عاشقة الليل" و"شظايا ورماد"
واحدثت بهما ذلك الدوي، فكتبت ما يزيد على ثلاثين بيتاً بعثت الجمر في
رمادي أيقنت ان شاعريتي قد اتسعت وتعمقت خلال الفترة الماضية، ووثقت من ان
سبب ركودي فراغ حياتي من العواطف التي اعتدت ان استمد منها موضوعات قصائدي
القصيرة، وهذا هو الدليل الاكيد.. ها انا انطلق حال وجود موضوع اتحدث فيه
القصيدة تتحدث الان عن الحرب وشرورها، وانسخ الان بضعة مقاطع مما كتبت
اليوم:
والشفاه العذراء اطبقها الموت على لحن حبها المبتور
والجباه لتي ذوت قبل ان يلمسها اصبع الهوى المسحور
والخدود التي تعير مغبت الشمس الوانها وتسقي الشروقا
غار فيها جرحُ التراب عميقاً وذوت قبل ان تذوق رحيقا
انا اعجبُ للشاعرية ما هي؟ وكيف استطيع ان اتبدع الجمال حين اكتب
شعراً، بينما يعز علي ربعه وانا أنثر؟ لماذا؟ لماذا؟ لكن لماذا أسأل؟ هذا
"ستيفان زفايكك" ينصح الا يقرأ الشاعر كتب الفلسفة قراءة عميقة، فما يلوح
للشاعر شعراً صافياً قد يتحول تحت ضغط اصابع الفلسفة الباردة الى واقع
ملموس له اسبابه ونتائجه وهذا اخطر اعداء الشاعرية المتفجرة.
في الليل كنت في حالة نشوة، وقد عاودني الشعور بانني شاعرة مبدعة، خاصة
بعد ان قالت احسان "تعيش بيننا في هذا البيت مخلوقة عبقرية ونحن لا نشعر.."
هذه مبالغة طبعاً، الا ان شيئاً في نفسي يجعلني اصدق جزءً منها بعد تجريده
من التورم!
بعد ذلك قرأت الفصول المتعلقة بهولدرلن وزفايكك في كتاب "العبقرية
والموت" لعبد الرحمن بدوي.
6/1/1950
صباحاً ذهبت مع احسان الى السينما وشاهدنا شريط "منزل الغرباء" تمثيل
"سوزان هيوارد"، و"ادوارد.ج روبنسون" ثم ذهبنا الى السوق واشتريت بنطلوناً
جاهزاً ازرق اللون، وشعرت بسعادة اعرفها كلما حققت نزوة من نزواتي، وانا
اعلم انها نزوة تافهة احياناً الا انني اراها هي الشعر في حياتي، ولذلك
احترمها.
7/1/1950
بعد الظهر واصلت الكتابة في مأساة الحياة، ولا اظنني ساسميها بهذا
الاسم، فهذا اسم ملحمة كتبتها سنة 1945 ولا معنى لتكراره.. والارجح ان خطة
القصيدة نفسها ستحيد عن الاصل.
وخلال الكتابة لاحظت الحالة الانفعالية التي تعتريني في مثل هذه
الحالات الشعرية، وقلما انتبهت اليها من قبل.. القلب اذ ذاك يضطرب ويضرب
بقوة غريبة، وكأنه يؤدي طاقة مضاعفة، واليد ترتعش بعصبية، والشفتان تتحركان
في رجفة لا ارادية، والعينان تغيمان فلا تريان ما امامهما، وانما تبصران
شيئاً وراءهما، ان استمرار هذه الحالة يقتل صاحبها ولذلك اتهرب دائماً منها
واجد المهرب غالباً في التخيلات المريحة.
انني اتطور واحس اندفاع ديوان جديد في حياتي بعد الفترة التي كتبت
خلالها "شظايا ورماد" والاحظ حساً لفظياً جديداً يدخل الى حياتي ويلهمني
تعابير سحرية غريبة من امثال "صوت السكون" و"لغز الجمال" و"تراث الذهول"
و"السنين الصفر" الخ الا ان الاهم من التعابير ذلك الامتزاج الغريب بين
الحواس في ذهني حتى اكاد ابلغ مرحلة الرمزية العميقة وهذا نموذج: من اغان
مرت باعمدة الابهاء غرقى بالدفء والاحلام ناعمات تغوص في رجعها الاهات سكرى
الخطوط والانغام ان احساسي بان الاغاني دافئة حالمة ناعمة ذات خطوط ملساء
صافية غريب على شعري، وانا ارقب موكبه مبهورة مفتونة كيف يحدث هذا داخل
النفس؟ ما الشاعر؟ ما الشاعرية؟ ما القوة التي تبدع هذا التغير؟ انني امجد
هذا الجزء الشاعر في نفسي، لانه من عالم اسمى مني واطهر، واشعر بسعادة
مجنونة لا تعادلها سعادة، سعادة اليقظة بعد نوم سنة كاملة لم اكتب خلالها
قصيدة واحدة مندفعة. الان قد بدات حياتي الشعرية، الان احني رأسي لمقولة "نيشة"
العظيم "ايها الانسان.. تفوق على ذاتك"
تلقيت اليوم رسالة رقيقة من روز غريب تقول فيها انها معجبة بشخصيتي الى
جانب اعجابها بشاعريتي، وان مقالها عن "شظايا ورماد" كان قاصراً، لانها
كانت تعلم ان سينشر في مجلة سطحية كصوت المرأة، وان ديواني يستحق دراسة
اعمق ثم قالت ان انتاجها الادبي لا يرضيها لانها لا تستطيع ان تتفرغ للادب
كلياً.
9/1/1950
صباحاً كتبت مقالاً بالانجليزية عنوانه "قصائد كيتس القصيرة والطويلة"
وبينت رأيي فيها واشتغلت به ساعتين كاملتين، وبذلك اضعت فرصة اتمام "مأساة
الحياة" عصراً ذهبت الى المعهد الثقافي كيتس قد جمدت شاعريته في اواخر عام
1819 وهذا يعزيني ويشجعني على فهم خمودي خلال السنة الفائتة التي احمد
السماء على انها انتهت.
11/1/1950
|