|

بطاقة
تعريف الكاتب الكبير:
نزار قباني

نزار قباني 1923 دمشق - تخرج في كلية الحقوق بدمشق 1944 ،
ثم
التحق بالعمل الدبلوماسي ، وتنقل خلاله بين القاهرة ، وأنقرة ، ولندن ،
ومدريد ، وبكين ،
وفي ربيع 1966 ، ترك نزار العمل الدبلوماسي وأسس في بيروت دارا للنشر تحمل
اسمه ، وتفرغ للشعر.
وكانت
ثمرة مسيرته الشعرية إحدى وأربعين مجموعة شعرية ونثرية، كانت أولاها " قالت
لي السمراء " 1944 ،
وكانت
آخر مجموعاته " أنا رجل واحد وأنت قبيلة من النساء " 1993 .
نقلت هزيمة 1967 شعر نزار قباني نقلة نوعية : من شعر الحب إلى شعر السياسة
والرفض والمقاومة ؛
فكانت
قصيدته " هوامش على دفتر النكسة " 1967 التي كانت نقدا ذاتيا جارحا للتقصير
العربي ،
مما
آثار عليه غضب اليمين واليسار معا.
لا تقدر أية مختارات أن تتمثل سعة المادة الشعرية وتنوعها وحدثيتها
التاريخية الممتدة أكثر.
من نصف قرن من العطاء الشعري المتوهج، خصوصا عندما يكون الاختيار مشروطا
بمساحة محددة كما هو الشأن في مطبوعنا هذا.
لذلك
أعتذر سلفا لقراء نزار قباني ومحبيه، وإن كنت أزعم أن هذا الاختيار الذي
تضعه بين أيدي القراء هدباء قباني ابنة الشاعر التي واكبت أباها إنسانا
وشاعرا يمسك بمفاصل شعره الرئيسية، ويحيط بأطراف الأفق الذي يتحرك فيه.
نزار قباني
بقلم ابنته
هدباء قباني
كانت جدتي تدلـله باسم " نزوري " حين كان طفلا ضائعا بين أحواض الورد
والخبيزة وبين عريشة الياسمين وأشجار الليمون والسفرجل ونافورة المياه
الزرقاء في بيت أبويه بدمشق القديمة، وهائما مع أسراب الحمام والسنونو وقطط
البيت. وعندما بلغ سن العاشرة ، لم يترك " نزار " صنعة فن لم يجربها : من
الرسم إلى الخط العربي ، إلى الموسيقى، إلى أن رسا قاربه - وهو في السادسة
عشرة - على شاطئ الشعر.
قبل أن يكون أبي كان صديقي، ومنه تعلمت أن أحكي بينما هو يستمع ، رغم ندرة
استماع الرجل إلى المرأة في مجتمعنا. زان أبي مراهقتي وشبابي بشعره، لكنه -
في المقابل وبصفاء نية - أفسد حياتي بشعره وبتعامله معي؛ فقد جعلني أقارن
بينه وبين الرجال الذين ألقاهم ، وأتت المقارنة دائما لصالح أبي ، ورأيت
أغلب الرجال طغاة.
كان جاري في لندن ، لكنه لم يزرني قط دون موعد مسبق. وفي نادرة ، دق بابي
دون موعد ، وعندما وجد لدي صديقات اعتذر ، واستدار عائدا مؤجلا زيارته لمرة
أخرى ، ولم يسبقه سوى صراخ الصديقات بأن يبقى.
قد يكون أهم ما أذكره عن أبي ، هو ذلك التشابه المذهل بينه وبين شعره ؛ فهو
لا يلعب دورا على ورق الكتابة ، ودورا آخر على مسرح الحياة. ولا يضع ملابس
العاشق حين يكتب قصائده، ثم يخلعها عند عودته إلى البيت.
أنقل عن " أدونيس " فقرة مما قاله عن نزار قباني :
" كان منذ بداياته الأكثر براعة بين معاصريه من الشعراء العرب، في الإمساك
باللحظة - التي تمسك بهموم الناس وشواغلهم الضاغطة : من أكثرها بساطة،
وبخاصة تلك المكبوتة والمهمشة ، إلى أكثرها إيغالا في الحلم وفي الحق بحياة
أفضل. وفي هذا تأسست نواة الإعجاب به ، ذلك الإعجاب التلقائي الذي تجمع
عليه الأطراف كلها.
ابتكر نزار قباني تقنية لغوية وكتابية خاصة ، تحتضن مفردات الحياة اليومية
بتنوعها، ونضارتها ، وتشيع فيها النسم الشعري، صانعا منها قاموسا يتصالح
فيه الفصيح والدارج، القديم والحديث، الشفوي والكتابي".
وبعد ، كم أشعر بالفخر لأن أبي هو نزار قباني، الشاعر الذي نقل الحب من
الأقبية السرية إلى الهواء الطلق.
------------------------------
نماذج من أعماله

هوامش على دفتر النكسة
1
أنعي لكم يا أصدقائي، اللغة القديمة
والكتب القديمة
أنعي لكم :
كلامنا المثقوب كالأحذية القديمة
ومفردات العهر، والهجاء، والشتيمة..
أنعي لكم..
نهاية الكفر الذي قاد إلى الهزيمة.
2
مالحة في فمنا القصائد
مالحة ضفائر النساء
والليل والأستار، والمقاعد
مالحة أمامنا الأشياء..
3
يا وطني الحزين
حولتني بلحظة
من شاعر يكتب شعر الحب والحنين
لشاعر يكتب بالسكين..
4
لأن ما نحسه
أكبر من أوراقنا..
لابد أن نخجل من أشعارنا
5
إذا خسرنا الحرب ، لا غرابة
لأننا ندخلها
بكل ما يملكه الشرقي من مواهب الخطابة
بالعنتريات التي ما قتلت ذبابه
لأننا ندخلها
بمنطق الطلبة والربابة..
6
السر في مأساتنا
صراخنا أضخم من أصواتنا
وسيفنا..
أطول من قاماتنا..
7
خلاصتة القضية
توجز في عباره
لقد لبسنا قشرة الحضارة
والروح جاهلية...
8
بالناي والمزماز
لا يحدث انتصار...
9
كلفنا ارتجالنا
خمسين ألف خيمة جديدة..
10
لا تلعنوا السماء
إذا تخلت عنكم
لا تلعنوا الظروف
فالله يؤتي النصر من يشاء
وليس حدادا لديكم..
يصنع السيوف..
11
يوجعني أن أسمع الأنباء في الصباح
يوجعني..
أن أسمع النباح ...
12
ما ذخل اليهود من حدودنا
وإنما..
تسربوا كالنمل من عيوبنا..
13
خمسة آلاف سنة ..
ونحن في السرداب
ذقوننا طويلة
نقودنا مجهولة
عيوننا مرافئ الذباب ..
يا أصدقائي :
جربوا أن تكسروا الأبواب
أن تغسلوا أفكاركم
وتغسلوا الأثواب
يا أصدقائي
جربوا أن تقرؤوا كتاب ..
أن تكتبوا كتاب..
أن تزرعوا الحروف..
والرمان ..
والأعناب..
أن تبحروا إلى بلاد الثلج والضباب
فالناس يجهلونكم..
في خارج السرداب
الناس يحسبونكم
نوعا من الذئاب ...
14
جلودنا ميتة الإحساس
أروحنا تشكو من الإفلاس
أيامنا تدور بين الزار..
والشطرنج ..
والنعاس..
هل " نحن خير أمة قد أخرجت للناس " ؟
15
كان بوسع نقطنا الدافق في الصحاري
أن يستحيل خنجرا..
من لهب ونار
لكنه ..
وأخجله الأشراف من قريش
وخجلة الأحرار من أوس ومن نزار
يراق تحت أرجل الجواري..
16
نركض في الشوارع
نحمل تحت إبطنا الحبالا
نمارس السحل بلا تبصر
نحطم الزجاج والأقفالا
نمدح كالضفادع
نشتم كالضفادع
نجعل من أقزامنا أبطالا
نجعل من أشرافنا أنذالا
نرتجل البطولة ارتجالا
نقعد في الجوامع
تنابلا ، كسالى
نشطر الأبيات ، أو نؤلف الأمثالا
ونشحذ النصر على عدونا
من عنده تعالى...
17
لو أحد يمنحني الأمان
لو كنت أستطيع أن أقابل السلطان
قلت له :
يا سيدي السلطان
كلابك المفترسات مزقت ردائي
عيونهم ورائي..
أنوفهم ورائي ..
أقدامهم ورائي..
يستجوبون زوجتي..
ويكتبون عندهم أسماء أصدقائي..
يا حضرة السلطان
لأنني اقتربت من أسوارك الصماء..
لأئني حاولت أن أكشف عن خزني وعن بلائي
ضربت بالحذاء..
أرغمني جندك أن آكل من حذائي..
يا سيدي .. يا سيدي السلطان
لقد خسرت الحرب مرتين
لأن نصف شعبنا ليس له لسان
ما قيمة الشعب الذي ليس له لسان؟!
لأن نصف شعبنا محاصر كالنمل والجرذان
في داخل الجدران..
...
لو أحد يمنحني الأمان
من عسكر السلطان
قلت له : يا حضرة السلطان
لقد خسرت الحرب مرتين
لأنك انفصلت عن قضية الإنسان
18
لو أننا لم ندفن الوحدة في التراب
لو لم نمزق جسمها الطري بالحراب
لو بقيت في داخل العيون والأهداب
لما استباحت لحمنا الكلاب ..
19
نريد جيلا غاضبا
نريد جيلا يفلح الآفاق
وينكش التاريخ من جذوره
وينكش الفكر من الأعماق
نريد جيلا قادما مختلف الملامح
لا يغفر الأخطاء .. لا يسامح
لا ينحني.. لا يعرف النفاق ..
نريد جيلا، رائدا، عملاق ..
20
يا أيها الأطفال :
من المحيط للخليج، أنتم سنابل الآمال
وأنتم الجيل الذي سيكسر الأغلال
ويقتل الأفيون في رؤوسنا
ويقتل الخيال..
يا أيها الأطفال:
أنتم- بعد - طيبون
وطاهرون، كالندى والثلج، طاهرون
لا تقرؤوا عن جيلنا المهزوم، يا أطفال
فنحن خائبون
ونحن، مثل قشرة البطيخ، تافهون
ونحن منخورون..
منخورون كالنعال..
لا تقرؤوا أخبارنا
لا تقبلوا أفكارنا
لا تقتفوا آثارنا
فنحن جيل القيء. والزهري .. والسعال..
ونحن جيل الدجل ، والرقص على الحبال
يا أيها الأطفال :
يا مطر الربيع. يا سنابل الآمان
أنتم بذور الخصب في حياتنا العقيقة
وأنتم الجيل الذي سيهزم الهزيمة...
[ 1967 ]
   
منشورات
فدائية على جدران إسرائيل
لن تجعلوا من شعبنا
شعب هنود حمر
فنحن باقون هنا ..
في هذه الأرض التي تلبسن في معصمها
إسوارة من زهر ..
فهذه بلادنا
فيها وجدنا منذ فجر العمر
فيها لعبنا .. وعشقنا..
وكتبنا الشعر
مشرشون نحن في خلجانها
مثل حشيش البحر
مشرشون نحن في تاريخها
في خبزها المرقوق .. في زيتونها
في قمحها المصفر ..
مشرشون نحن في وجدانها
باقون في آذارها ..
باقون في نسيانها ...
باقون كالحفر على صلبانها
باقون في نبيها الكريم ، في قرانها
وفي الوصايا العشر ..
2
لا تسكروا بالنصر
إذا قتلتم خالدا
فسوف يأتي عمرو
وإن سحقتم وردة
فسوف يبقي العطر ..
3
لأن موسى قطعت يداه
ولم يتقن فن السحر
لأن موسى كسرت عصاه
ولم يعد بوسعه
شق مياه البحر
لأنكم لستم كأمريكا
ولسنا كالهنود الحمر
فسوف تهلكون عن آخركم
فوق صحارى مصر ..
4
المسجد الأقصى ، شهيد جديد
نضيفه إلى الحساب العتيق
وليست النار، وليس الحريق
سوى قناديل تضيء الطريق
5
نخرج كالجن لكم
من قصب الغابات
من رزم البريد، من مقاعد الباصات
من علب الدخان، من صفائح البنزين،
من شواهد الأموات
من الطباشير.. من الألواح.. من ضفائر البنات ..
من خشب الصلبان.. من أوعية البخور..
من أغطية الصلاة..
من ورق المصحف، نأتيكم
من السطور والآيات
لن تفلتوا من يدنا..
فنحن مبثوثون في الريح .. وفي الماء .. وفي النبات
ونحن معجونون بالألوان والأصوات
لن تفلتوا..
لن تفلتوا..
فكل بيت فيه بندقية
من ضفة النيل إلى الفرات..
6
لن تستريحوا معنا..
كل قتيل عندنا
يموت آلافا من المرات..
7
انتبهوا..
انتبهوا..
أعمدة النور لها أظافر
وللشبابيك عيون عشر
والموت في انتظاركم
في كل وجه عابر.. أو لفتة .. أو خصر ..
الموت مخبوء لكم
في مشط كل امرأة..
وخصلة من شعر ...
8
يا آل إسرائيل، لا يأخذكم الغزور
عقارب الساعة إن تؤقفت
لا بد أن تدور..
إن اغتصاب الأرض لا يخيفنا
فالريش قد يسقط من أجنحة النسور
والعطش الطويل لا يخيفنا
فالماء يبقي دائما في باطن الصخور
هزمتم الجيوش .. إلا أنكم لم تهزموا الشعور
قطعتم الأشجار من رؤوسها
وظلت الجذور..
9
ننصحكم أن تقرؤوا
ما جاء في الزبور ..
ننصحكم أن تحملوا توراتكم
وتتبعوا نبيكم للطور
فما لكم خبز هنا .. ولا لكم حضور
من باب كل جامع
من خلف كل منبر مكسور
سيخرج الحجاج ذات ليلة ..
ويخرج المنصور...
10
انتظرونا دائما..
في كل ما لا ينتظر
|