
بطاقة
تعريف الكاتبة الكبيرة:
لطيفة الزيات

ولدت لطيفة الزيات (1923 - 1996) في مدينة دمياط (مصر),
وتلقت
تعليمها بالمدارس المصرية, ثم بجامعة القاهرة. بدأت عملها الجامعي منذ عام
1952,
وخلاله
تولت رئاسة قسم اللغة الإنكليزية وآدابها, ورئاسة قسم النقد بمعهد الفنون
المسرحية, كما عملت مديرًا لأكاديمية الفنون.
ومثلما اهتمت لطيفة الزيات بالعمل الثقافي, كان لها اهتمام بالعمل السياسي
العام,
فانتخبت -وهي طالبة- عام 1946 أمينًا عامّا للجنة الوطنية للطلبة والعمال
التي قادت حركة الشعب المصري ضد الاحتلال البريطاني.
وفي
عام 1979, شاركت في تأسيس لجنة الدفاع عن الثقافة القومية وتولت رئاستها.
تابعت الكاتبة الإنتاج الأدبي في مصر بالنقد والتحليل والتقييم, وأولت
اهتمامًا خاصّا لشؤون المرأة وقضاياها.
وحصلت
على جائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 1996.
تتسم أعمال لطيفة الزيات القصصية والروائية بمعرفة حميمة بالحياة: بالتكوين
النفسي للنماذج الإنسانية,
وبالتناقضات
الاجتماعية التي تتحرك في إطارها وتتفاعل معها.
وفي
تلك الأعمال, تعيد الكاتبة إنتاج الواقع الاجتماعي, وتدخل معه في حوار,
وتعلن موقفًا إزاءه.
فضلاً عن عدد من المؤلفات النقدية والمؤلفات الأكاديمية والترجمات,
صدر للطيفة الزيات ستة مؤلفات إبداعية:
(الباب
المفتوح) (رواية, 1960),
(الشيخوخة وقصص أخرى)
(مجموعة قصصية, 1986),
(حملة تفتيش - أوراق شخصية)
(سيرة ذاتية, 1992),
(بيع
وشرا) (مسرحية, 1994),
(صاحب
البيت) (رواية, 1994),
(الرجل
الذي عرف تهمته) (رواية قصيرة, 1995) .
---------------------------
نماذج من أعمالها

بدايات
11 ديسمبر 1974
تلقيت مكالمة تليفونية مفاجئة من سامي اليوم. قرر كما يقرر عادةً قبل أن
يسافر بعيدًا وطويلاً أنه في حاجة إلى أن يلقاني. لا أعرف أن سامي في الوطن
إلاّ وهو على وشك أن يرحل بعيدًا وطويلاً. قال ربما لا يعود, كما يقول كل
مرة, وأزعجني القول لأول مرة. (يقترن الشعور بالشيخوخة والخوف من الموت).
ولم ألبث أن تجاوزت الخوف واستعدت اليقين بعودته التي منحتني دائمًا, ولا
أعلم لم, نوعًا من الاطمئنان.
في التليفون واتاني الحديث مع سامي في يسر, وكأني أستأنف حديثًا بدأته معه
بالأمس. كم طالت غيبته هذه المرة? لم أسمع صوته منذ أن تناولنا طعام الغداء
في هذا المطعم الجديد الأنيق في الهرم, كان هذا في أعقاب إنهائي لحياتي
الزوجية بالطلاق, أي من حوالى عشر سنوات. لم أشعر بالأمس بالحرج الذي
استشعرته وسامي يطلب لقائي ولا ترددت في تحديد الموعد كما ترددت إذ ذاك.
ألأني رفضت الماضي بحلوه ومره إذ ذاك وبدأت الآن أتقبله? ألأني لم أعد أخشى
وأنا في الثامنة والأربعين تعقيدات الامتداد إلى المستقبل? أي تعقيدات? بعد
الثامنة عشرة لم يحمل لقائي مع سامي أي تعقيدات. ألأني وأنا أواجه الآن
مرحلة الشيخوخة في حاجة إلى التصالح مع ما مضى من حياتي?
يخطر في بالي الآن خاطر غريب. لقاءات سامي كانت علامات مميزة على طريقي,
صادفت تقريبًا كل عقد من عمري. في الثامنة عشرة كان سامي الحب البداية بلا
نهاية, الأرض والشمس التي تدور حولها الأرض.
أكانت القصة التي كتبتها قديمًا عن بداية هذا الحب (الأبدي) أم عن نهايته?
ومتى كتبت هذه القصة? بعد نهاية حبي لسامي بعشر سنوات, أم بعد انفصالي
بالطلاق عن زوجي وأنا في الثامنة والثلاثين? أهي عن حبي (الأبدي الأول) أم
حبي (الأبدي الثاني)?!
يتعين عليّ أن أتوقف عن هذا الشعور بالمرارة, وأن أبحث عن القصة التي
كتبتها وأنا في الثامنة والعشرين تحت عنوان (حبها الأول). أمامي فرصة ذهبية
لا تتوافر لكاتب إلاَّ قليلاً, فهأنذي إزاء حكاية تواجه احتمالات الاكتمال
.
ملحوظة: أرفق القصة التي كتبتها منذ حوالي عشرين عامًا بمذكرات اليوم 11 من
ديسمبر سنة 1974 لأفرغ لتأمل بقية انطباعات اليوم.
حبها الأول
لفتها موجة حنان وباب مكتبها يسفر عن سامي: السيجارة ترتجف غير مشتعلة في
ركن فمه, ونغازتاه يعمقان في خديه, وقطرات المطر تتساقط من معطف المطر
الأنيق الذي يرتديه, وتغلبت على دهشتها وهي تخرج من خلف مكتبها تتقدم في
خطى هادئة تلاقي حبها الأول بعد غيبة عشر سنين. ومالت على المكتب تدق الجرس
وقالت وسامي يجلس في المقعد المقابل:
- تشرب إيه يا سامي?
وضحكت ضحكات قصيرة متقطعة وهي تلاحظ أن هذه هي المرة الأولى التي تناديه
باسمه, والمرة الأولى التي تصمد فيها لنظرته دون أن تخجل وقد استطال
لقاؤهما الأول ما يقرب من ثلاثة أشهر.
رفضت أن تفصح عما أضحكها وسامي يسأل, وجمد وجهها لحظة والساعي يتقدم
وابتسمت ابتسامة العمل التقليدية وهي تطلب منه إعداد قدحين من القهوة.
وسألت سامي عن أخباره, ونفث الدخان وبدأ يحكي عن أسفاره, سيجارته تهتز في
فمه وهو يضحك, ويده تتحرك كعادتها ترسم على طرف المكتب خطوطًا وهمية
متعارضة ومتشابكة. وتساءلت وعيناها متعلقتان بوجهه تشبع الرغبة التي لم
تجرؤ أبدًا على إشباعها: أين ذهبت الفورة الحلوة المجنونة لبنت الثامنة
عشرة?
بنت الثامنة عشرة عَدَّت عدم وقوعها في الحب حتى هذه السن كارثة. تجاوزت
نظرات المعجبين, وانتظرت متلهفة حدوث الشيء يخرج عليها من المجهول, تغشي له
عيناها كأنه البريق, يجتاحها كالإعصار, تنتفض له كل خلية من خلاياها كمس
الكهرباء. وتقلبت في الفراش ليلة بعد ليلة, تشوقًا, إلى أن هبط عليها سامي,
وكأنما من السماء, وهي في السنة الأولى من دراستها الجامعية.
كانت تجلس مع ثريا وسميرة في الصالة العامة لمكتبة الجامعة في الأسبوع
الأول من إجازة نصف السنة حين دخل الدكتور صفوت وبصحبته سامي. وبعد أن تمت
عملية التعارف قال الدكتور صفوت مشيرًا إليها:
- تقرأ رابعة العدوية وبودلير معًا. الإِنجيل والبيان الشيوعي في نفس
الوقت.
وابتسمت هي. كانت تقف إذ ذاك هي والملايين في نهاية الحرب العالمية الثانية
على مشارف عالم جديد, أو توهمت ذلك, عالم يصالح كل المتناقضات, تتفتح فيه
آمال التحرر الوطني, تسقط فيه كل الحوائط, ويتساوى فيه التشوق إلى المعرفة
مع التشوق إلى الحب.
وأدارت رأسها إلى الخلف لترى سامي وهو في طريقه إلى الخروج من الباب
الخارجي لصالة المكتبة, وأدار هو رأسه ليراها, وأسدلت جفنيها خجلاً والعيون
تتلاقى. ولكنها لم تدرك إذ ذاك أن شيئًا غير عادي قد حدث.
وأرسل الدكتور صفوت في استدعاء مجموعة البنات إلى حجرته, وقضت هي وسميرة
وثريا ما يقارب الساعتين في جلسة مع سامي والدكتور صفوت, وخرجت من الجلسة
دون أن تدرك.
خافت والصمت يلف الكلية في إجازة نصف السنة, يربض متوترًا في الممرات
المعتمة, يطن في الحديقة التي تواجه المكتبة, كالسكون يسبق العاصفة.
وافتقدت الحياة تضطرم بالألوان الساخنة, بالضحكات, بالمناقشات السياسية,
بأحلام المستقبل تتشكل في الأركان الهادئة خلقًا أدبيّا وفنيّا وسينمائيّا
وسياسيّا. بالمناكب تتدافع إلى قاعات الدراسة والمؤتمرات السياسية والندوات
الأدبية وحلقات الاستماع للموسيقى الكلاسيك.
لمدة ساعتين استمعت طويلاً, وتحدثت واتفقت واختلفت. لم يكن غاندي, والشعب
المصري يطالب بالكفاح المسلح ضد الإنجليز, بطلها, كما كان بطل سامي. وضحكت
حتى طفرت الدموع من عينيها وسامي يشخص كل حكاية يحكيها, يقوم ويعاود
القيام, يقلد تمثال الحرية في نيويورك وغاندي يسحب الماعزة في الهند, ينتقل
من حكاية إلى حكاية من بلد إلى بلد وكأنه لا يستقر يومًا بمكان. ولم تدرك
إلاّ حين بدأت ثريا تلعب لعبتها المفضلة على محطة الأتوبيس, تغافلهما وتعلن
مجيء الأوتوبيس وهو لم يأت.
(عليكم واحد), قالت ثريا, وبدلاً من أن تضحك هي كالعادة, استدارت شفتاها
وكادت تبكي. وفي الأوتوبيس أدركت, وهي تجلس على طرف المقعد في حرص وكأنها
تحمل كوبًا مليئًا حتى الحافة تخشى أن ينسكب. وانكفأت إلى الأمام تحتضن
جسدها بذراعيها, وتستشعر لأول مرة ذلك الشجن الموجع يصل إلى مرتبة النشوة.
واعتدلت ووميض الشمس يتراقص حبات ماس على سطح الماء. وعندما التفتت إلى
الخلف لترى الوميض من جديد, لم تر سوى مجرى رمادي عاتٍ من الماء ينساب في
رتابة وجلال.
وفي ميدان الأزهار أفاقت على صوت احتكاك وفرملة عجلات سيارة يتبعها سيل من
اللعنات المتبادلة, ودخان أسود محمل برائحة الشواء, وناس حول المقاعد
يأكلون على قارعة الطريق, ورجل يمضغ في روية وقد انتهى الطعام من فمه,
وطفلة تبكي في حرقة على حطام طبق وزحمة من الناس تطرح الطفلة أرضًا, تتسارع
في اتجاه محطة قطار حلوان, والقطار يتقدم وئيدًا ثم ينساب... وملأت الزحمة
وعيها بألوانها وأشكالها وروائحها, وعاودتها حالتها الطبيعية إلى أن آوت
إلى حجرتها في البيت.
ولفتها الحمي يقظي في سريرها تستعيد المشهد في المكتبة وفي حجرة الدكتور
صفوت, تلف في أرجاء المشهد وتدور, تجزئه وتعيد تركيبه. تهد المشهد يائسة
وتعود تبنيه, تبحث عن شيء ما ميزها به سامي عن سميرة وثريا. تتوقف عند
التقاء عينيها بعيني سامي في المكتبة, وتحاول أن تصل النظرة بشيء ما خاص
بعد النظرة, ولا شيء على الإطلاق. وتثور. لا يمكن أن يحدث لها كل هذا ولا
يحدث له نفس الشيء, لا يمكن أن تنقلب الدنيا ولا ينقلب هو.
ويقفز بها خاطر من السرير إلى منتصف الحجرة واقفة: سامي أراد أن يراها من
جديد, أن يتعرف عليها. ألح على الدكتور صفوت لكي يستدعيها وصديقتيها من
المكتبة, وإلاّ فيم الاستدعاء? وأسندت رأسها بيديها حتى لا تطير. ولكنها قد
طارت فعلاً وهي كروح هائمة تجوب الشوارع يومًا بعد يوم تبحث عن سامي, ترتاد
قاعات المحاضرات ومعارض الفنانين والندوات على أمل أن تراه. وفي كل خطوة
تخطوها يخيل إليها أنها وجدته, وفي كل خطوة تتراجع وقد توهمت أنها وجدته...
يقترب سامي أخيرًا وبحركة لا إرادية تكاد تنحرف عن الطريق ولا تنحرف...
تدرك أنه ليس بسامي. وتعود إلى البيت منهكة, وهي تعرف أن سامي في مكان ما
من القاهرة, خلف حائط من هذه الحوائط لا تعرفه, ولا تملك النفاذ إليه حتى
لو عرفته, وشبه يقين يبقيها فوارة ضاحكة... سامي يستطيع أن يصل إليها في
الكلية بعد أن تنتهي إجازة نصف السنة. وسيصل. ربما. لا بد. لا بد أن يصل.
وبدأت تهدأ هدوء اليأس وقد انقضي أسبوع على عودتها إلى الكلية, ولكن سامي
جاء أخيرًا. شعرت به يقف خلفها دون أن تراه, ربما لأنها لم تكن تنتظر غيره,
وربما لأنها أرادت بكل خلجة من كيانها أن يكون هو, وكان. لحظة شعرت به,
كانت تقف في صالة من صالات المكتبة ويدها تمتد إلى مرجع من المراجع على
الرف. وجمدت يدها لحظة واستدارت تلاقيه وتوقفت نظرتها عند ربطة عنقه وهي
تصافحه. ولم تجرؤ فيما بعد على تجاوز هذا الارتفاع إلاّ وهو غافل عنها
يتبادل هو وصديقة من صديقاتها الحديث.
وتساءل سامي إن كانت قد أعادت كتاب رابعة العدوية. وأبدت استعدادها لإعارته
إياه, وخشي ألاّ تكون قد انتهت من الكتاب, وأكدت كاذبة أنها فعلت. وقررا أن
يلتقيا صبيحة اليوم التالي في نفس المكان والزمان لتعيره الكتاب.
ولا تعرف كيف وصلت يومها من المكتبة إلى قاعة المحاضرات, ولا كيف اندست في
هذا المكان الضيق بين ثريا وسميرة تأتي أن تتقاسما معها الفرحة التي تغلي
في رأسها, واستحال أن تهمس في أذن أيّ منهما وجسدها معلق في الفراغ. وعلى
ورقة كتبت (جاء سامي) وقربتها من عيني سميرة وثريا وتنهدت في ارتياح في
انتظار رد الفعل... ولا شيء. سميرة تكمل كتابة المحاضرة وهي تبتسم ابتسامة
خفيفة, وثريا أظلم وجهها. لا تدري لم?
وألف يد متوترة في هذه القاعة, وألف عين وأذن تترقب, ولا شيء سوى طنين
يحدثه الأستاذ ويتلقاه صرير الأقلام... موتي كلهم لا يشعرون... كان هناك
وكانت, وهو هنا وهي, ولكنهم لا يعرفون. شيء رائع يحدث كان ينبغي أن تتوقف
له هذه الساعة التي تدور وتدور...
- إنت مجنونة.
قالت ثريا وهي تقفل دفتر المحاضرات في غضب بعد أن انتهت المحاضرة. واستبعدت
هي فيما بعد ضاحكة تصوير ثريا الكوميدي لمشهد دخولها قاعة المحاضرات بعد
لقاء سامي. فها هي ذي, على لسان ثريا, تقتحم قاعة المحاضرات وكأنما تدخل
غرفة نومها, بوجه كرغيف الخبز خرج من الفرن لتوه, جسدها يرتجف كفرخة
مذبوحة, يؤنبها الأستاذ وودن من طين وودن من عجين, تثير صفير الاستهجان من
الطلبة وهي تعبر القاعة, تدوس الأقدام وترتطم بالمناكب لتكتب وكأنما على
السبورة: جاء سامي.
ولكن سامي استحال في الشهور الثلاثة التالية إلى جزء لا يتجزأ من حياة
البنات وهو يزور الكلية بانتظام يوم إجازته في الأحد من كل أسبوع.
وعرفت هي, وإن لم يكن على وجه اليقين, أن سامي يحبها. لم تتشكل المشاعر قط
في كلمات, ولم يبد من الضروري أن تتشكل وفي الأسبوع يوم أحد, وأشعار رابعة
العدوية تتحول إلى أشعار دنيوية تتنغم بها كل ليلة والفورة تقذف بها في جوف
الليل إلى الشرفة, تفجر جسدها إلى ذرات, والذرات تتوحد والسحب تسافر لاهية,
تغيب وتعاود الظهور متنكرة كل مرة, وهي الآن موكب من الفيلة ولكل فيل زلومة,
سفينة ذات قلاع, كثير من القلاع تبحر, خيول مطهمة والخيول تركض. ونور ثاقب
لكوكب يتبقي وحيدًا يدفع دموع الشجن إلى عينيها فلا تعود تعرف إن كانت تضحك
أم تبكي, والدموع تلون الدنيا بألوان قوس قزح, وكل شيء رائع وجميل والهواء
أنقي وخضرة الأشجار أعمق والأصوات أنغام والزمن لا يقاس بالأيام وإنما
بالساعات التي ترى فيها سامي. ولا شيء ينتقص من سعادتها, ولا هي تريد أن
تنفرد بسامي عن صديقتيها. يكفي أن تستمع إليه يتكلم, يكفي أن ترى السيجارة
تهتز في فمه وهو يضحك.
ولم يخطر في بالها السؤال: وماذا بعد? استوعبتها اللحظة تحيا عليها حتى
تحياها من جديد, فلم تسأل. وحين جاءها سامي يعلن أنه راحل لم يكن اليوم يوم
أحد.
وصلت الكلية يومها متأخرة دقائق عن المحاضرة الأولى, وعبرت الممر الطويل
إلى قاعة المحاضرات مهرولة, وقبل أن تدفع الباب سمعت سامي يناديها
واستدارت. كان يقف على عتبة الباب المؤدي إلى الحديقة تفصله عنها درجتان من
درجات السلم حين قال:
- أنا مسافر.
- فين?
- لندن, أتعينت مراسل للجورنال هناك.
- مدة طويلة?
- سنة على الأقل.
وبدا لها صوته غريبًا وكذلك صوتها, وكأنما لا يتكلمان بل يتقاذفان فيما
بينهما بكرة بنج بونج, والكرة تصيب كل مرة...
- ومسافر إمتي?
- بكره.
مستحيل لا بد وأنها تحلم, ليس هذا صوته, وهذه الخيول التي تركض في الدور
العلوي من أين أتت? لو استطاعت أن تصرخ صرخة واحدة لأفلتت من هذا الكابوس.
ولكنها لم تصرخ, وقفت تنتظر أن يبدأ, أن يقول شيئًا, وصمت يربض على صدرها
بكلمات لا تقال. والتصقت بالحائط يغرق حسها طنين بلا معنى وزحمة من الطلبة
تنزل السلم, تعبر الباب إلى الحديقة.
ووجدت نفسها فجأة تترك سامي خلفها بلا كلمة, وتجلس لاهثة في أول مكان خال
تجده في قاعة المحاضرات. وطالبة إلى جانبها تلوك قطعة لبان, تمدها في خيط
طويل يكاد ينقطع, وتكومها بيدها لتقذف بها في فمها من جديد, ونحلة تتخبط
على زجاج النافذة المغلق لتعود تتخبط. إمّا أن ينكسر الزجاج أو تموت,
والزجاج لا ينكسر والنحلة لا تموت. وقطعة اللُّبان تكاد تفلت من فم غليظة
الشفتين ولا تفلت, تطبق عليها المصيدة من جديد ......... وتقفز هي واقفة
وهي تدرك أن سامي قد ضاع منها. ويسألها الأستاذ عما تريد وتقول:
- أنا ... أنا عايزة ...
ولم تستطع أن تكمل وألم حاد, لا يستطيل سوى ثانية, ينشب في العرق المجاور
لعينها اليسرى. ولم تشعر بخطورة ما حدث حين فقد خدها الأيسر الحسّ للحظات,
كانت منشغلة بكلمات تأتي أن تتشكل ولم تتشكل .. لو رأته مرة ثانية, لحظة
واحدة لعرف, وربما عرفت.
ورأته يومها ثانية ولم يعرف ولم تعرف, ليس بالتأكيد على كل حال. كان
ينتظرهن على محطة الأوتوبيس ونفي في شدة مفتعلة, أنه كان في الانتظار. ولم
تنفرد به إلاّ في الأتوبيس وهما يقفان وجهًا لوجه إلى جانب السائق. ولفهما
هذا الصمت المتوتر من جديد وهي تنتظر, واجفة الحلق, كلمات توشك أن تقال ولا
تقال. وعبر الأتوبيس كوبري قصر النيل, وأزاحتها عن الطريق امرأة تحمل على
رأسها قفة, وتنهدت وهي تقول:
- عارف أنا نفسي أعمل إيه? نفسي أرمي نفسي تحت الأتوبيس ده.
وكان هذا أقصى ما استطاعت أن تقول ولم يقل هو شيئًا, ترنح تحت وطأة كلماتها
ولم يقل شيئًا. وتلفتت خلفها ترقب مجري عاتيًا من الماء ينساب في رتابة
وجلال, وعيون من الصخر تنظر ولا تري.
***
وتأملها سامي وهي توقع بإمضائها بعض الأوراق العاجلة في ثقة وكفاية ورقة
بعد ورقة, وقال بصوت هامس وكأنما توصل إلى اكتشاف:
- إنت تغيرت.
وتوقف القلم في يدها لحظة, ثم أكملت كتابة اسمها الثاني بخط أكبر قليلاً
مما تعودت أن تكتب به توقيعها الرسمي. والتقطت ورقة جديدة وتساءلت بسخرية
خفيفة وهي تتصفحها, إن لم يكن قد تغير هو الآخر. وأضافت باسمة وهي ترفع
الورقة إلى أعلى وتتركها تسقط من بين يديها في حركة مسرحية مفتعلة:
- الزمن يا أستاذ... الزمن.
وضحك كما أرادت له بحركتها المسرحية أن يفعل, ولم تضحك هي. ما أن سقطت
الورقة حتى شعرت فعلاً بوطأة السنوات العشر من عام 1944 إلى عام 1954.
مليئة بالأحداث والمتغيرات كانت ولم تزل حبلي, بين الفرحة والغصة تقف. ولا
هي تعرف ولا أحد يعرف إلى أين تسير. بقيت الغصة ولم تكتمل الفرحة, ولا هي
تعرف إلى أين تسير شخصيّا, ولا إلى أين يسير البلد.
ونجح سامي في إخراجها من وجومها ليقول ما أتي ليقول:
- إنت عارفة إني كنت ....
وهزت رأسها ضاحكة تنهيه عن الاستمرار في الكلام وهي تعرف مقدمًا ما سيقول,
وتصدق مقدمًا على كل ما يقول, وأضاف:
- ولسه ....
وبدا لها الموقف مربكًا ومحيّرًا, وكأنه مشهد في مسرحية انتزع من مكانه
وزمانه وظروفه ووضع, عنوة وبلا معني, في زمان آخر ومكان آخر وفي ظل أوضاع
متغايرة. الكلمات تشكلت بعد فوات الأوان, بعد أن أصبحت لا تعني شيئًا.
وعدلت هي من وضع الورقة التي أسقطتها بحركة مسرحية ووقعتها وضمتها إلى بقية
الأوراق, وكومتها, مرتبة, على حافة المكتب وهي تقول:
- مفيش داعي يا سامي نفتح الموضوع.
وقال في إصرار:
- وإنت كمان كنت ...
وغطت ضحكاتها القصيرة المضطربة على بقية كلماته وقطرات المطر تسقط كالحصى
على زجاج النافذة. وخيم الصمت على الحجرة وهما مطرقان, يتحاشي كل منهما
النظر إلى الآخر. وكسر الساعي وطأة الصمت وأشارت إليه أن يسدل شيش النافذة.
وحين فعل لم تنس أن تشكره وهي تبتسم ابتسامة العمل التقليدية.
نوفمبر 1955
======
11 ديسمبر 1974
مع سامي سأجلس في شرفة النادي وجهًا لوجه, كهل وكهلة, يجتران ذكريات
الماضي. سأضحك وسيضحك ويقول إنه ما زال يحبني كما يقول دائمًا, ولن أقول
إني أحبه, لأنّي أوده ولا أحبه. (ما أحدَّ ما تتحدد مشاعري?! أنمو على
مشاعر الحب القديمة, أتجاوزها. لا لبس ولا التبأس ولا حتى لدقيقة واحدة في
طبيعة هذه المشاعر). ولن أنزعج لأن سامي يحبني ولا لأني أودّه. فلا هذا
الحب المعين من جانبه ولا هذا الود الخاص من جانبي حال دون أن يعيش كل منا
حياته مكتملة في استقلال عن الآخر.
وفي طريق العودة سألمح وجهي كما لمحته في مرآة السيارة يوم تناولت طعام
الغداء مع سامي من عشر سنين. لا لن أرى وجهي كما رأيته يومها. أعرف أني
تجاوزت هذا الوجه من وجوهي ولكن إلى أي مدي? أعرف أني تصالحت مع الكثير في
السنوات العشر الماضية ولكن بقي الأكثر لأتصالح معه.
يوم لا أعود أهرب من المرآة ومن عدسة التصوير, يكتمل ما بدأت.
***
في الثامنة والثلاثين أجلس, تفصلني عن سامي مائدة غداء وسنوات تجربتي. أجلس
و(كان) فعل ماض يتحتم أن يسقط, ألا يكون. عيناي تتطلعان بعيدًا في الأفق
إلى ما سيكون. تطول جلستي و(كان) طريق مسدود اقتضاني الإفلات منه صراعا
مريرا.
(كيف توهمت إمكانية الفصل بين ما كان ويكون?)
سامي يريد لي أن أتحدث عما كان مع زوجي, أن أتخفف. وأنا أقطع الحبل بضحكة
مبتورة المرة بعد المرة. سامي يستثير ذكريات حبنا الأول وضحكته تواتيني
متصلة تردد أصداء ماض مكتمل بحلوه ومره, وأنا أسدل الستار على الماضي,
وأعود أحكمه. تنزلق كلمات سامي, كقطرات ماء على معطف مطر, دون أن تمسني.
أسترخي في جلستي وأنا أدرك أن شيئًا ما من الماضي لن يخل بالتوازن الذي
توصلت إليه, بالبركان الذي أحلته حجرًا خامدًا لأستمر واقفة على قدمي.
أسترخي الآن وعلى فمي بسمتى الودود الخجلة. أحاول بلا جدوى أن أوقف هذا
السيل الجارف من العاطفة الذي يمطرني...
عواطف سامي تحرجني. أستكثرها على نفسي, أشعر أنها موجهة إلى امرأة غيري,
وأني أغتصبها بلا وجه حق. وأنا موجودة وغير حاضرة. أكاد أصرخ وسامي يذوب
كيانه في كلماته. كفي, المرأة التي تحبها ماتت, وأنتحل كلمات الحب لنفسي
ولا أصرخ... تزدهيني كلمات الحب وألتزم الصمت.
وتخرج المرأة في الثامنة والثلاثين كما دخلت مغتربة عن ذاتها والآخرين,
مرفوعة الرأس متئدة الخطوات, مستغنية بلا اكتفاء, ما من شيء هز كيانها ولا
هي بذلت قطرة من هذا الكيان.
***
من عيني تنسال الآن دموع تحجرت, كحصي الملح, في عيني المرأة في الثامنة
والثلاثين, ومرآة السيارة تصفعها بوجه مليح قدَّ من صخر الكبرياء المر, من
الألم وحتمية تجاوز الألم, من رفض مراهق للحياة ونسبية الأشياء, من تعلق
مغترب بكمال دنيا غير الدنيا, من تشبث مجنون بالسبل المسدودة حتى الاختناق,
ومن عمي عن الباب المفتوح.
وفي أعماقي أفسح مجالاً للمرأة المراهقة التي ضلت الطريق, وفي أعماقي ترقد,
وقد انفرطت من عيني اليوم وبعد عشر سنوات دموع استعصت عليها.
15 ديسمبر 1974
لم أكتب بالأمس. التقيت بسامي صباحًا.
قالت سميرة وأنا أحكي لها مساءً جزءًا من الحكاية:
- وددت لو التقطت فيلمًا سينمائيّا لمجموعة الانفعالات التي تتابعت على
وجهك وأنت تحكين.
وانفجرت ضاحكة وأنا أقول:
- وماذا لو راقبت المشهد مكتملاً?!
ولم تكن سخريتي مرة, ولا كانت ضحكتي دفاعًا مسبقًا عن الذات في وجه ضحكة قد
تصدر عن الآخر. واتتني ضحكتي منسالة كمجري صاف بلا سدود, وكأنها امتدت,
متصلة, من يوم تعلمت أن أضحك.
وانتقل الحديث بيني وبين سميرة من موضوع إلى موضوع. قررنا أن حملة التزييف
في الجرائد تهدنا ولا يتأتي أن يلتزم الناس الصمت في وقت ينبح فيه الكلاب.
وجرنا الحديث عن الوعي الزائف إلى مناقشة رواية (ماركيز) (مائة عام من
الوحدة). توقفنا كثيرًا عند مشهد اغتيال رجال الشرطة للمتظاهرين في محطة
سكة الحديد, التي أنكرتها في اليوم التالي المصادر الرسمية عمدًا, وغير
الرسمية خوفًا, والكل يقرر أن ما مجزرة حدثت في محطة سكة الحديد. تأملنا كم
يتشابه الحدث الروائي و(الحادث المؤسف) الذي يتكرر الآن ذكره في الجرائد
عندنا. تسابقنا في الإشادة بعبقرية الكاتب في الإمساك بلب الحقيقة في
عالمنا الثالث, وقدرة الإنسان على الخلق والتجديد والتجاوز.
وودعت سميرة لأنصرف, وعلى عتبة الباب وجدت نفسي أتوقف وأقول لها وكأني
أستأنف حديثًا لم ينقطع:
- انفعالات العمر مكتملة.
واندهشت لأني لم أدرج من قبل انفعالاتي خلال لقاء سامي في هذا السياق.
***
- أهلاً يا سامي.
قلت بعد أن اجتزت عدة مناضد من شرفة النادي واتجهت مباشرة إلى حيث يجلس
سامي موليًا ظهره إلى المدخل. من بين مئات الرجال لا تخطئ المرأة رجلاً
أحبته يومًا. تعرف انحناءة ظهره, والعضل الذي يتوتر مشدودًا في مؤخرة رقبته
حين يميل برأسه. تميز لون شعره حتى لو مسح الزمن لونه.
حين وقف سامي يحييني أدركت ما فعله بي الزمن, كان مرآتي. ونظرت بلا وعي إلى
ساعتي, وأشارت إلى دقائق سبع بعد الحادية عشرة, وقلت لكي أخفي توتري:
- هل تأخرت?
ونفي سامي حقيقة أني تأخرت. وقال إنه في الانتظار من الحادية عشرة إلاّ
ربعًا لأن السلوك المتمدن يقتضي أن يكون الرجل في الانتظار وأن تتأخر
المرأة بعض الشيء. وضحكت وأنا أعاود التعرف على هذه اللمحة من لمحات الرجل
الذي هو حبي الأول. وأزالت الضحكة بعضًا من توتري.
قال سامي بعد أن زال توترنا معًا إن يديّ كانتا ترتجفان على طرف المائدة.
وقصصت عليه بعد أن زال توترنا معًا تمامًا ما حدث وأنا أركن السيارة في
موقف من مواقف النادي محاذيًا للشرفة, وسط سيارات لا تضاهيها في ألوانها
السوقية سوى ملابس الكرنفال يرتديها الأولاد والبنات.
وجدت مكانًا خاليًا بعد طول لف ودوران, والنادي يزدحم على غير ما عرفته من
سنوات, بمئات من السيارات المستوردة. وضعت السيارة في المكان. وقبل أن
أتنفس ارتياحًا لأن الأمر قد تم. انحدرت السيارة من المرتفع الذي كانت تقف
فيه إلى الخلف, وحاولت أن أرتقي المرتفع المرة بعد المرة وفشلت: عطلت
السيارة, وتساءلت في ضيق: ما العمل الآن? وكيف أعود إلى بيتي? وأي بداية
سيئة هذه البداية? واكتشفت فجأة أن قدمي كانت طوال المحاولة على (الفرامل
والدبرياج), وأن العطب كان في حواسي لا في السيارة.
***
أعرف الآن أني قطعت مشوار عمري ما بين بداية توتري ونهايته, أعرف أني لقيت
سامي لكي أفعل. أعرف الآن أن العطب كان فيّ أنا لا في السيارة.
***
بالأمس صباحًا, أيقظني اللقاء المنتظر مبكرة, أبكر مما أستيقظ عادة. بذلت
مجهودًا لأتجمل, بعد سنوات كففت فيها عن التجمل. وقررت فجأة وبلا تدبير
سابق زيارة الحلاق قبل لقاء سامي.
لا يستطيع الإنسان أن يتجنب المرآة عند الحلاق. لم أحب كثيرًا ما رأيت في
مرآة الحلاق, غضون رقبتي تعايشت معها وهذه التجاعيد الخفيفة في جبيني وحول
فمي. ولكن ماذا عن هذا الأخدود الأسمر الغامق أسفل كل عين من عينيّ? لم
ألحظهما من قبل.
بعد أن اكتملت تسريحة الشعر تحسنت الأشياء بعض الشيء. وحين وقفت أزيل بعض
الشعيرات التي التصقت بثوبي وألقي النظرة الأخيرة على صورتي في مرآة
الحلاق, حسبت أني مستعدة للمواجهة. ولم تكن هناك ثمة مواجهة. عرفت سامي في
الرجل الممتلئ تمتد سوالفه مجللة بالشيب, وعرفني بالشحم الذي اكتنز به جسدي
وأخدودين أسودين. وجدت سامي ووجدني وظل يردد طوال جلستنا:
- بودي أن أقف فوق هذه المائدة, في وسط كل هؤلاء الناس, وأقول إني أحبك,
وإني أحببتك دائمًا.
***
تأتّي عليّ أن أطلق سراح الصبية لأفلت بحياتي من بين ضفتي باب مغلق. ولست
أدري على وجه التحديد إن كانت نشوتي وأنا أفعل, هي التي أثارت الفضول
اللحوح المنبهر من جانب الجالسين من حولي, أم هيستيريتي. ولا أهتم. لم أعد
أهتم بالانطباع الذي أتركه في الآخرين.
بمجرد أن جلست أنا وسامي حول المائدة لمحت زميل عمل يجلس على مقربة مني,
وأدركت أن لقائي بسامي سيصبح خبر الموسم في أوساط عملي, وأسقطت عامدة
الإدراك عن وعيي. وكان أن نسيت الرجل تمامًا وأنا أضحك أنتشل من عدم الصبية
التي كنتها يوم التقيت بسامي, وأنا أضحك بوجهي, بيدي, بمكتمل جسدي, إلى حد
قذف حقيبة يدي من فوق المائدة إلى الأرض. ووعيت للحظة أثر هذا الحدث على من
حولي. ولم أعد أعي وضحكتي تستطيل منسالة تصل ما انقطع وأنا أبني قصة حبي
الأول, أصور المشاعر التي لم تجرؤ الصبية على تصويرها, أكمل الكلمات التي
تعثرت على لسانها, وأحيا الصبية من جديد. وأنا الآن هي, كياني وهج وجسدي
وهج يشع يزغرد بتشوقات الصبية المكتومة, التي لم تعد مكتومة. وأنا الآن
آنا, ومسام جسدي الخامد تتفتح, ترق تعمق, وأنا أتواصل في لحظتي الراهنة مع
سامي, أحكي له عن خططي للمستقبل ويحكي, أفضي باهتمامات حاضري ويفضي, يمنحني
من لحظته الحاضرة وأمنحه, ما يعينني ويعينه على استكمال المشوار.
***
صباح اليوم فعلت ما تمنيت أن أفعله من سنين. في فورة حماستي للدفاع عن
القرار الذي تبنيته في اجتماع اليوم, خلعت حذائي وطويت ساقي تحت جذعي. بعد
أن مر القرار الذي أردت له أن يمر, استرخيت في جلستي على المقعد المريح كما
أسترخي في بيتي.
وتنهدت ارتياحًا وأنا أعبر بكهولتي ما مضى من عمري إلى ما هو آت .
   
الشيخوخة
هذه يوميات كتبتها من عشر سنوات وسقطت في زحمة أوراق منسية. حاولت تعديل
هذه اليوميات لتعبر عن منظوري الحالي للحياة كامرأة وككاتبة وتبينت استحالة
ذلك. فكل شيء يتغير ويتبدل وخاصة في المرحلة المتقدمة من العمر, ومنظور
امرأة في الستين غير منظور امرأة في الخمسين, وإن اندرج الاثنان في كل
متعدد الجوانب متناقض الوجوه يلقي التصالح في نهاية المطاف.
وقررت نشر هذه المذكرات كما هي, على أن أضيف لها بعض ملاحظات توافرت بحكم
السن والخبرة, فما من تجربة شعورية تتكرر على نفس الصورة, وما من تصوير
لتجربة شعورية يمسك بحقيقة في كليتها ولا في حركتها الدائبة. وإن كان هذا
لا يلغي بحال صلاحية تصوير التجربة.
تربكني المرأة في الخمسين التي تطل عليَّ من هذه اليوميات وتفرحني وأنا في
الستين. تفرحني بقدرتها على التجاوز, وتربكني بحدة مشاعرها واستطالة هذه
الحدة. أفتقد في يومياتها ضحكتها التي تجاوزت بها كل شيء, وأعرف الآن أن
لحظات تعاستها قد اندرجت في عشرات من لحظات الفرحة والحماسة والاهتمام بما
هو خارج عنها. وتخيفني في كل الحالات النهائية التي تكتسبها المشاعر
العابرة على الورق.
أرصد مبتسمة ميل المرأة في الخمسين إلى التنظير, ولا أعود بحاجة إلى
الاعتذار عن هذا الاتجاه الذي ظل يلازمني, أدرك بعد قراءة اليوميات أن
التنظير كان دائمًا وسيلتي كإنسان للفهم وللتجاوز عن طريق الفهم, وأقول
ربما أفاد الناس ما أفادني, بالرغم من إدراكي أن التنظير ينطوي بالضرورة
على التبسيط والتسطيح, ويخضع بالضرورة للتغيير والتطوير. ويذكرني هذا
بملاحظة أستبقيها حتى نفرغ من هذه اليوميات.
27 سبتمبر 1974
اليوم صباحًا وأنا بين اليقظة والنوم, وجدت نفسي أكرر عبارة: شيء ما خطأ,
شيء ما لا يستقيم, بعد شهر من عودة ابنتي حنان من غيبة استطالت عامين.
وللمرة الثانية في حياتي تعاودني الرغبة في تسجيل يومياتي ومواجهة الذات
على الورق. وهذا يعني أني أقف على حافة الانهيار وأني أسعي واعية للإفلات.
تعين عليَّ اليوم أن أزيل تراب عشر سنوات عن يوميّاتي الأولى ولم أفعل. تسع
سنوات لا عشر, لم أجسر على الاقتراب من الورق في العام الذي أعقب موت زوجي
أحمد من عشر سنوات. ومع انقضاء العام تأتي عليَّ أن أسجل يومياتي. كانت
ابنتنا حنان في السادسة عشرة وأحوج ما تكون إلى أم قادرة على الوقوف على
قدميها.
ويتأتي عليَّ الآن بعد أربع سنين من زواج ابنتي أن أواجه نفسي على الورق من
جديد.
أتوقف لأتساءل: ألم تكن الرسائل التي أدمنت كتابتها لمدة سنتين طيلة غيبة
حنان نوعًا من المذكرات? يزعجني السؤال ويزعجني أكثر استخدام الإِدمان في
صيغة السؤال. في وعيي اندرجت الرسائل التي كتبتها على مدى سنتين في إطار
دوري كأم تسعي بكل كيانها لإِنجاح زيجة ابنتها, وفي إطار حاجتي كإنسانة
للإِفضاء وللتواصل مع ابنتي, في فترة تداهمني فيها كآبة الشيخوخة وتتضاعف
فيها الحاجة للإفضاء والتواصل.
وعليَّ أن أقر الآن أن تدبيج الرسائل يومًا بعد يوم وصفحات بعد صفحات تجاوز
أحيانًا هدفه, وتحول أحيانًا إلى غاية في حد ذاتها. تكاثرت الخطابات على
الرغم مني كما تتكاثر النباتات الوحشية. ولكني لم أقصر يومًا في واجبي, ولا
تخليت يومًا عن واجبي كأم يعتمد وجودها على وجود ابنتها سعيدة ومتحققة: لم
أودع صندوق البريد إلاّ القليل من الخطابات التي كتبتها في غيبة حنان.
ولكن ما دلالة بقية الخطابات التي ترقد في ملفات ثلاثة? عنوان الأول,
خطابات كتبت لترسل لحنان ولم ترسل (أقسي من أن ترسل). والثاني, خطابات كتبت
لكيلا ترسل (على غير ما هي في الحياة, تكتسب لحظات التعاسة على الورق
رسوخًا ونهائية). وعنوان الثالث, خطابات غير موجهة إلى أحد (لحظات التعرية
الكاملة للذات التي لا يجوز لإنسان آخر الاطلاع عليها).
أدركت أن العلاقة بين حنان وزوجها قد استقامت في البعد, كما أردت لها أن
تستقيم, بمجرد أن لمحتهما يعبران الممر المؤدي من صالة المطار إلى الشارع.
شيء ما في الطريقة التي دفعا بها عربة الحقائب فيما بينهما جعلني ألهث
ارتياحًا كمن جرى مشوارًا طويلاً وآن له أن يستريح. بمدى ما استشعرت الذنب
والطبيب يشخص سبب اختلال علاقة حنان بزوجها, بمدى ما شعرت بالارتياح وأنا
أرقبهما يدفعان عربة الحقائب فيما بينهما, ووحدة تجمعهما, تميزهما, تعزلهما
معًا عن بقية البشر.
***
لم أستشعر القلق لحظة رصدت تحفظ حنان تجاهي عقب عودتها من السفر, آمنت أن
ما بيني وبين ابنتي لا ينفصم. عشت معها كل لحظة من لحظات حياتها مكتملة,
وهي تستعد لكل امتحان, وهي تترقب في خوف نتيجة كل امتحان, وهي تتجاوز بنجاح
كل امتحان. وهي تلتحق بالجامعة وتتخرج, وهي تكبر وتتحقق. علمت ابنتي
وعلمتني, قرأت معها كل كتاب وتبادلت معها كل انطباع. عانينا معًا أشواقًا
لا تشبع للمعرفة, وحللنا معًا الأغوار السحيقة للنفس البشرية. اكتشفنا
الدنيا معًا وتصفحنا الخرائط واقتسمنا التعليقات. في زحمة الناس تلتقي
عيوننا ترصد وتسجل وتتلهف للحظة تنداح الزحمة وتلتقي رؤوسنا ونحن نعلق على
ما حدث. نفضي, نتواصل ونضحك. تداخل نسيج حياتي ونسيج حياة حنان حتى كدنا
نصبح واحدًا.
فرحت وحنان تلتقي بهشام في الكلية, وتخبطت معها وهي تتخبط, تتلمس بين الشك
واليقين موقع الأقدام, ولم أتخبط. استرجعت معها كل حركة من حركات هشام وكل
لفتة, وكل كلمة في خطاباته الخجلة الوجلة بعد أن سافر عقب التخرج للعمل في
الخارج, وأشبعناها تحليلاً ونحن نحاول مقياس مدى عمق عاطفته نحوها.
ولم يكن بعد هشام عن حنان بقادر على الحد من حيويتها وانطلاقها, ولكن هذا
البعد حد من قدرتها على أن تحب من جديد. وتأتي على أن أعلمها أن تمد يدها
ولا تنتظر انتظار العاجز ليد تمتد إليها طوال الطريق. علمتها أن تحسم, أيّا
بلغت قوة الحسم, فإمّا نهاية قصة حب طفولية لم تتبلور بعد في كلمات, وإما
بداية حب يقوم على أركان اليقين من مشاعر الآخر. ومدت حنان يدها الخجلة
المتخبطة لتلاقيها يد هشام, ممتنة, في منتصف الطريق. وعاد هشام من الخارج
ليعلن خطوبته على حنان بعد أيام.
لا لم أستشعر القلق لحظة رصدت تحفظ حنان تجاهي عقب عودتها من السفر. قلت
الآن وقد استقامت علاقة حنان بزوجها, لم يبق سوى أن تستقيم هذه العلاقة
بالعالم الخارجي, وتعود إليَّ كاملة مزدهرة قادرة على العطاء.
اختنقت المرة بعد المرة بالحاجة إلى التواصل مع حنان دونما إشباع, وتوهمت
أني أستطيع الانتظار إلى الأبد, وبهدوء وثقة, عودة التواصل والقرب مع
ابنتي.
وكان أن قذفت حنان بالملفات الثلاثة بعد أسبوعين من عودتها. وجلست, بلا
حياء, أرقبها تتصفح (رسائل لا يجوز لإنسان الاطلاع عليها). وكان أن أعادت
حنان الرسائل في اليوم التالي دون أن تقوي على قراءتها.
***
عدت لتوي من العمل ومعي هذا الإرهاق العام الذي هو عرض من أعراض
الشيخوخة... أتساءل وأنا أستند إلى باب الشقة المغلق ورائي: لم يعاودني
أحمد في الحلم وقد مات منذ عشر سنوات? ولم يعاودني الآن وعلاقتي تتعثر
بابنتنا حنان? أتساءل ما زلت, عن مغزي الطيور السوداء في حلم أمس الأول. هل
هي طيوري أم طيور أحمد أم طيورنا معًا?
يخطر ببالي وأنا أستند إلى ضلفة الباب المغلق إمكانية إدراج يومياتي هذه في
نفس الدفتر الذي كتبت فيه يومياتي عام 1965 بعد موت زوجي أحمد. أفتح درج
المكتب الذي لم أفتحه منذ تسع سنوات. أرقب الدفتر بغلافه الأسود السميك
يرقد في جوف الدرج وأقفله دون أن أزيل عن الدفتر طبقات من تراب يتعين
إزالتها.
***
يستوقفني اليوم زميل عائد من السعودية وأنا أمر بالردهة الرئيسية في مكان
عملي... يسألني بعد السلامات والتحيات عن إنتاجي الروائي الأخير. بداياتي
كانت واعدة, شد ما كانت واعدة, يقول, وأتمتم بشيء غير مفهوم كما اعتدت أن
أتمتم بعد أن تحولت البدايات الواعدة إلى نهايات. ونفترق وأنا أردد بيني
وبين نفسي: شيء ما خطأ, شيء ما لا يستقيم, ولا علاقة لهذا الشيء, هذه المرة
بابنتي.
لا أدين بالاعتذار لأحد, لن أحتج بانشغالي بدور الأم, فأنا أعرف أن
مسئوليتي نحو الآخرين لا تعفيني من مسئوليتي نحو نفسي, لن أحتج بكآبة
الشيخوخة فأنا أعرف أن العمل هو الكفيل بالخلاص. أعرف هذا عقليّا, وأتساءل
هل استقرت هذه المعرفة في وجداني وشكلت سلوكي?!
يعزيني أني حاولت, لم أكف عن المحاولة, أوراقي مفرودة على مكتبي, على
سريري, يومًا بعد يوم وليلة بعد ليلة, وأنا لا أكف عن العمل, أعدل وأبدل,
أشطب وأغير, لا أرضي عن شيء ولا أرتضي شيئًا, أسعي إلى كمال لا طاقة لي به,
أو كمال لا وجود له في هذه الدنيا. أترك عملاً وأسعي لآخر, على أمل أن يكون
أفضل. والبدايات تتكاثر, بدايات بعد بدايات لا يكتب لأي منها الاكتمال,
وأنا أعمل ضد نفسي لا من أجل نفسي, أعمل وأنا شبه موقنة أن شيئًا ما لن
يكتمل لي, أعمل منوطة بهزيمة نفسي وكأن شيطانًا يركبني.
ما لم أتمكن من مواجهة أسباب ودوافع هذا اليقين بالفشل الذي يلازمني لن
يكتمل لي شيء أبدًا.
***
- التصاق جنيني بالأم يترتب عليه انعدام في النضج العاطفي.
قال الطبيب وهو يشخص سبب اختلال علاقة ابنتي حنان بهشام, بعد سنة ونصف
السنة من زواجها. وصرخت مفجوعة رافضة تشخيص الطبيب. كان تشخيص الطبيب
بمثابة إشهار إفلاس لي كأم, وبمثابة هزيمة لكل الأهداف التي استهدفتها في
أسلوب تنشئة ابنتي, واعية ومتعمدة. جاهدت عمري وما زلت أجاهد ليكون لابنتي
كيانها المستقل عني وعن الآخر, كيانها الذي يقف موقف الندية مني ومن الآخر.
وعيت تمامًا خطورة اتكالها النفسي على بعد موت أبيها وهي في السادسة عشرة.
ولم أجد قط حاجة إلى ممارسة هذا الوعي... كان لحنان دائمًا عالمها المستقل
عن عالمي, تتألق فيه مُحِبّةً ومحبوبة. واتسع هذا العالم بعد التخرج والعمل
حتى كدت لا أراها يوميّا إلاّ في الساعات الأخيرة من الليل. وكان تعبير
(التسكع) من تعبيراتها الأثيرة إن لم تنشط في هذا الاتجاه أو ذاك من
اتجاهاتها الثقافية المتعددة والمتجددة, وإن لم تنشغل بهذه المهمة أو تلك,
أو تجتمع بهذه الشلة من الصديقات أو الأصدقاء, كانت تفسر غيبتها عن البيت
بقولها:
- كنت أتسكع في ميدان التحرير... في خان الخليلى... في الهرم.... عند تمثال
نهضة مصر... على النيل.
كانت كفتاة تحب الزحمة والناس ومعالم القاهرة. ولم أرد لشيء ما أن يعوق
انطلاقتها العارمة, ولا أن يوقف هذا النهم الذي لا يشبع لاكتشاف الحياة:
عيناها تضويان وحدقتاها تدوران, لا تستقران أبدًا في موضعيهما, يستقطبان
الضياء من الناس والأشياء ويعكسان الضياء على الناس والأشياء.
***
- أي التصاق جنيني?!
صرخت مفجوعة غير مصدقة. كان لي سنة ونصف السنة أقف على أطراف أصابعي, أصالح
وأوفق وأنصح وأعلم وأحتضن وأدلل وأستمع إلى شكوي هشام ساعات وشكوي حنان,
أقف في صف حنان مرة وفي صف هشام مرات, أعمل جاهدة على إنجاح زيجة تتوافر
لها كل مقومات النجاح ولا تنجح. أعيد الأشياء إلى نسبها الطبيعية بين طفلين
يعيشان المثال لحظة, وواقع اصطدام الأنا بالأنا لحظات, طفلان ترعبهما الهوة
بين المثال والواقع, يتخبطان حبّا وخوفًا على ضياع الحب.
واستوعبني الدور تمامًا وأنا أقوم بدور ربان السفينة لتبحر, حتى قال
الطبيب:
- التصاق جنيني ...
وانخرطت منهكة مهزومة في بكاء طويل, وتلقفتني حنان في حضنها تهدهدني
وتدللني, وكأن المشكلة مشكلتي لا مشكلتها.
- حنان ...
قلت ضاحكة باكية وقد استرخيت في حضنها:
- حنان ... متي? وكيف? لقد كنت غائبة عني في الشارع طوال الوقت!
ولمعت عينا حنان يومها بخبث الطفلة وقالت:
- كنت أملك أن أغيب, لأني على يقين أنك موجودة تنتظرينني, أضع رأسي على
صدرك ونحن نتبادل قبل أن ننام الحديث.
وكان أن جاهدت حنان بعدها للحصول على منحة دراسية. وسافرت هي وهشام
لاستكمال دراستهما في الخارج.
***
التواصل مع حنان الذي كان يتأتي لي سهلاً حلوًا طليقًا كالنبع الجاري لم
يعد يتأتي. في كل مرة أحاول فيها الولوج إلى عالم حنان الداخلي تخطئ كلماتي
وتصيب, من حيث لا أدري, موطنًا للألم. في كل مرة تخرج كلمات حنان مذبوحة,
وكأني أقتطع الإِفضاء من لحمها.
أصبح الكلام, مجرد الكلام, مع حنان كالمشي على الشوك.
***
باترة ابنتي, كحد السيف باترة, أيًّا بلغت قسوة البتر على ذاتها باترة.
تحمل نفسها دائمًا وأبدًا أكثر مما تطيق. يخيل لي أحيانًا أنها تنام وتصحو,
تجلس وتمشي, وهي تضغط بأسنانها على شفتها السفلى متحدية كل ما هو قاصر في
هذه الحياة وظالم, كل ما هو فاسد ومزيف. يخيل لي أحيانًا أن سوطًا وهميّا
يسوطها لتنجز أكثر ما يمكن إنجازه, أفضل ما يمكن إنجازه, متجاوزة لكل
طاقتها. وحين يضنيني شعورها الحاد بقصر الحياة تقول:
- لي رفاق ماتوا في حرب سنة 1967, فهل مات لك في سن الشباب رفاق?
وأشفق أن أقول أورثني استشهاد الرفاق في الأربعينيات في المظاهرات والسجون
الشعور بالامتداد إلى المستقبل. وأشفق أن أقول ونحن نقترب محبطين من الذكري
الأولى لانتصار حرب أكتوبر الموءود أن الإِحباط العام هو الذي يورث قصر
العمر لا الاستشهاد. ويبقي الإِحباط ما لم يندرج شهداء عامي 1967, 1973 في
سياق مد شعبي جديد ينتشلنا من الوضع الذي تردينا إليه, متفرجين.
بعد هزيمة سنة 1967 تغير الكثير من منطلقات حنان بلا رجعة. قالت لي في لحظة
إفضاء في أعقاب الهزيمة:
- سرقوا الفرحة من جيلي, ولن تكتمل لواحد منا أبدًا ضحكة.
وبعد شهور من زواجها قالت:
- ما السعادة?
مشككة في دلالة الكلمة على أي معنى محدد, ونحن بمعرض مناقشة هدف أي ارتباط
إنساني قائم على الحب بين الرجل والمرأة. وتأتي على أن أتنازل عن منطلقين
من منطلقاتي الأثيرة لكي تبدأ المناقشة من أرضية مشتركة. استبعدت السعادة
واقترحت استخدام تعبير التكامل أو التحقق النفسي كبديل. ورفضت حنان
اقتراحي, وذهبت إلى أن التكامل والتحقق النفسي منطلق آخر من منطلقات
الكبار. وبدأت المناقشة والهدف الأسمى للحب والزواج هو التوصل إلى حالة من
التوازن النفسي والحفاظ على هذه الحالة.
يتأتي علينا أن نتعلم من أولادنا وإلاّ عشنا بطعم المرارة في حلوقنا. منطلق
حنان منطلق صحي سليم يجمع بين تقبل النسبي وصرامة الالتزام. ومنطلقي, بلا
وعي, هو منطلق المطلق المستحيل. استخدامي لتعبير السعادة مثلاً ليس سوى
بادرة بسيطة من البوادر التي تدل على تشبثي الساذج بكل ما هو مطلق.
المطلق الآن في عقلي قرين الموت, رهين برفض قانون الحياة المحكوم بنسبية
الزمان والمكان والتغير الدائب. ولكن هل هو كذلك في وجداني?
***
ما مغزي الطيور السوداء في حلم أمس الأول? أعود وأتساءل للمرة الألف. أسجل
الحلم هنا في محاولة لفك طلاسمه. غالبًا ما أنسى أحلامي بعد اليقظة ولكن
حلم الأمس محفور في مخيلتي.
رأيت زوجي أحمد حيّا يجلس فوق صوان ملابسه يضيف تركيبة كهربية جديدة, في
نفس الحجرة التي كان يعيش فيها. في الحلم أدرك أنه مريض وإن كان قد تجاوز
أزمة صحية. أفكر في أن من الممكن أن يتجاوز أزمة أخرى وأن تمتد حياته,
وتسرني الفكرة. يغادر أحمد الغرفة ويغيب عن مدى رؤيتي. ألاحظ أن الصوان
والأرضية يحدثان مسًّا كهربيًّا أستشعره وأنا أمر بالردهة خارج الغرفة
(مسّا خفيفًا ولكنه محسوس). أصيح إبلغ أحمد بوجود المس الكهربي.
ينقلني المس إلى مرحلة أقرب إلى الوعي, وأنا الآن لا أستشعره, ألاحظ شيئًا
جديدًا. طيور ترقد على الصوان حيث جلس أحمد سابقًا, سوداء أشبه بالبط
الأسود وإن لم تكن بطّا. طيور يبدو أن مكانها الدائم هو هذا المكان. لم
ألحظها في اللقطة الأولى وأحمد يجلس على الصوان, وإن لم أستغرب وجودها, وقد
بدأت تنزل نتيجة للمس الكهربي صفًا بعد صف, ويبقي نصفها تقريبًا في مكانه.
أقف في الردهة مرتبكة وأنا أتعثر في طير من هذه الطيور, متحيرة لا أعرف كيف
أجمع شتاتها لأعيدها إلى مكانها, الذي يبدو في الحلم مكانًا دائمًا مرئيّا
وغير مرئي, ومحددًا بحيث تختل الأشياء إذا ما اختل. أعاود النظر إلى غرفة
أحمد ويواتيني الإِدراك أنه مات.
في اللقطة التالية لا أعود أرى الطيور السوداء. تسترعي انتباهي مكتبة خاوية
في غرفة أحمد (المكتبة في الواقع لي وهي موجودة في الردهة). أقرر وقد وعيت
أن أحمد قد مات, أن أنقل المكتبة الخاوية إلى غرفتي لأضع فيها بقية من
كتبي. لا ألبث أن ألاحظ ما لم ألحظه من قبل, المكتبة ليست خاوية كما رأيتها
في اللقطة السابقة. المكتبة مليئة بحزم أوراق في حجم الفلوسكاب, وكل حزمة
ملفوفة بأوراق سميكة من اللون الأزرق اللبني (لون الرسائل). ومصفوفة على
شكل كتب. يخطر في بالي في ذات الوقت الذي ألمح فيه حزم الورق, وأنا في
مرحلة أقرب إلى الوعي, أن لا مكان في غرفتي لمكتبة جديدة.
يحيرني الحلم. لم يزل. عادة ما أستطيع أن أفسر أحلامي أو على الأقل بعضها,
بالاستعانة بأوليات المنهج الفرويدي وبعض الإِدراك اليومي. غالبًا ما
أستطيع أن أرد هذا الحلم أو ذاك إلى هذا القلق أو الخوف المعين أو ذاك, أو
هذه الرغبة الدفينة في تحقق هذا الشيء أو ذاك, ولكني لا أستطيع أن أرد حلمي
هذا إلى شيء.
وأنا أحاول هنا أن أخرج بأسئلة يفتقر معظمها إلى إجابات محددة. الطيور
السوداء هي قطعًا طيوري بمدى ما هي طيور أحمد (تعثرت بإحداها في الردهة).
ولكن إلام ترمز هذه الطيور? الخوف من الفقد, من الموت? فقد من? زوجي أحمد
فقدته بدل المرة مرتين, يوم انسلخ عني عاطفيّا قبل أن يموت بسنين, ويوم مات
قبل أن أستكمل معركتي المستميتة لاستعادة |