|

بطاقة
تعريف الكاتب:
نعيم محمد الغول
الأردن
تاريخ الميلاد: الأول من تشرين الثاني 1956
مكان الميلاد: مخيم عقبة جبر/ أريحا/ الضفة الغربية
الجنسية : أردني
المؤهل العلمي :
إجازة في اللغة الإنجليزية وآدابها من الجامعة الأردنية 1979
شهادة متوسطة ( دبلوم) في التربية وعلم النفس
شهادة متوسطة في الدراسات المالية والمصرفية
العمل الحالي: مترجم ( ترجمة تلبي حاجات الأعمال)
محرر الصفحة الثقافية بجريدة اللواء الأسبوعية الأردنية
الأعمال الأدبية: نشرت ثلاث مجموعات قصصية بعد انقطاع دام عشرين عاما عن
الكتابة الإبداعية:
1-مجموعة حالة موت 2002 ( قصص قصيرة)
2-مجموعة جرح كالنهر 2004 (قصص قصيرة)
3-مجموعة سلم التحدي 2004 (قصص قصيرة جدا)
مخطوطات: 1- الرف الأخير ( قصص قصيرة )
2- الرغيف والأحجية ( قصص قصيرة جدا)
أعكف حاليا على كتابة رواية باللغة الإنجليزية بعنوان " الحاجز رقم 4"
Checkpoint No. 4
الروابط والاتحادات التي ينتمي إليها:
1-رابطة الأدب الإسلامي العالمية
2-رابطة أدباء الشام
3- رابطة الكتاب الأردنيين
4- اتحاد الكتاب العرب
 


نماذج
من أعماله
الرّحيم
عند الطرف البعيد البعيد من المدينة، وتحديدا من الجهة المحاذية
للجبال الوعرة المليئة بالصخور والكهوف والعظام المتحللة لحيوانات وبشر مروا من
هنا، أو هربوا من هناك من المدينة ؛ هناك بالتحديد وجده بعد أن وصل إلى أذنيه
نشيجه الذي بدا له مواءًأ غريبا ،وبعد أن اشتم رائحته التي سارت الريح بها اليه
سير صبايا يعرفن قدْرهن من الجمال يتبخترن تيها ودلالا. كان طفلا في الثانية أو
الثالثة من العمر بين بقايا ثياب ممزقة وأحذية كائنات بشرية متناثرة بعضها ما
تزال الأرجل فيها حتى أعلى الركبة. وكانت هناك قطع متناثرة من اللحم الفاسد
والرؤوس التي التصق الشعر بالدم فغطى وجوهها . أجساد أخرى صغيرة وكبيرة الحجم
كانت متفحمة.
لم يفهم ما جرى. لكنه تذكر انه سمع أصواتا مرعبة في السماء وعلى
الأرض . أصوات كانفجارات البراكين يتبعها رجفة كارتجاف الأرض حين يشاكسها
زلزال.
لم يفهم ما ألجأ هؤلاء البشر إلى منطقته حيث الماء قليل والصيد أقل.
فكل يومين أو ثلاثة قد يتاح له أن يغافل أرنبا يقضم بقايا عشب نبت بأعجوبة من
تحت صخرة والأرنب عند لهفته هنا قد ينسى حذره. أما هو فهنا قد يضطر أحيانا الى
أكل السحالي والجراذين.
فماذا كانوا يتوقعون أن يجدوا هنا.
فهـِمَ – بصورة غائمة وبما أتيح له من تلافيف دماغية بسيطة- أنهم
هربوا من شيء وان هذا الشيء لم يكن مما يُجدي الهربُ منه؛ فأن تواجهه أو تهرب
منه. النتيجة واحدة كتلك التي شاهدها ذات مرة في منطقة أخرى بعيدة عن هذه. ماعز
أغرتها الأعشاب المتفرقة فتاهت عن راعيها في بطن الوادي ووجدت عشرين مفترسا إلا
قليلا يهجمون دفعة واحدة . تمزقت هي حقا ولكن تمزق معها أبضا كثير من أجساد
الضباع والذئاب وابن آوى وحتى بعض النسور تكسرت أجنحتها. كان الجوع قد انسى
الجميع أن من الممكن تقاسم الغنيمة.
لكنه أيضا في مسلسل الغموض الكبير هذا لم يفهم كيف أن الزلازل
والبراكين لم تنل من هذا الطفل الذي يكاد يكون رضيعا.
كان جائعا لكنه نسي جوعه ؛ فقد أدهشه أن الطفل حين رآه صمت، ومشى
بتعثر نحوه وسمعه يقول " بوبي" و يكررها وهويمسح على رأسه ورقبته وذيله ثم أخذ
يضحك ويشده من ذيله.
من بوبي هذا الذي يحبه هذا الصغير إلى حد أن يعانق اسدا أشقاه الجوع
بين هذه الجبال. أهو اسد آخر؟ لا أسد غيره في الاقليم المحاذي للمدينة التي
تسميها الطيور مدينة المحبة. هنا لا حُب، لا ألفة ،لا لعب . هنا مخالب وأنياب
وقضم وتمزيق وبلع وهضم وبحث من جديد. ثم إن اسم بوبي هذا لا يوحي بحياة البراري
والقفار. "بوبي" اسم يخجل أسد وقور مثله أن يحمله. شعر فعلا بالقرف والحرج
لكنه أدرك أن هذا مجرد طفل ولا يقصد الحط من مقام أسد عظيم مثله فكتم زمجرة
غاضبة كادت تفلت من بين شدقيه المليئين بالوبر.
كان الطفل يلبس ملابس جميلة ونظيفة خلا بعض الغبار والدم الذي ربما
جاءه من الكائنات البشرية التي ينتمي لها . وكان في رقبته سلسلة .وشعره مقصوص
بعناية من حول الرأس فوق الاذن فيما ترك الباقي طويلا يلمع كالكستناء المذهب
تحت الشمس، كم يعبث البشر بأطفالهم ليبدوا كتلك الكائنات التي نراها قادمة من
السماء ولكنهم يتركونهم في القفار بين أجساد ممزقة. وهو شيء لا يمكنه فهمه.
فكر الأسد فيما يمكن أن يفعله لهذا الصبي الذي من الواضح أنه وحيد
وفاقد لكل شيء. هل يصحبه قريبا من مدينة المحبة ويرميه قريبا منها؟
تلك مخاطرة كبرى فقد حاول بعض الثعالب والذئاب والضباع ذلك فلم
يعودوا أو عاد بعضهم يقولون بأنهم بحثوا كثيرا عن لحم يؤكل فلم يجدوا وطاردهم
بعض الشبان بالعصي ولكثرتهم هربوا. وهو وحيد. صحيح أنه أسد واسمه يسقط سراويل
أشجع الشجعان ولكنه وحيد ،والكثرة تغلب الشجاعة.
كان أسدا وفي جوفه قلب أسد. قلب كالصخر لم يعر ف الحزن يوما،
والرحمة شيء مات أبوه وأمه قبل أن يعلماه إياها لكنه حين سمع الطفل يبكي ويقول
"مم" ويشير الى فمه عرف أنه يريد أن يأكل فتحرك في قطعة الصخر التي في جوفه شيء
دافئ كسائل يريد أن يخرج ليواسي الطفل فخرج من عيينه نقاط ماء مالح.
ابتلغ غصته وسأل : ماذا يمكن أن يطعم طفلا كهذا؟ هل يأكل دودأ،
حراذين أم أنه كالأرنب يأكل العشب او أوراق الشجر؟
أحزنه الطفل كثيرا ، وتراءى له أنه وحيد- مثله - وسيكبر هكذا . فأحس
أن القدر رماه إليه وربطه به ربطا لا فكاك منه. وحيدان في قفر. يا لحكمة
الأقدار فمن للوحيد إلا الوحيد؟!
أركبه على ظهره ومضى يبحث عن طعام وماء له ؛ سيجرب إطعامه أي شيء
حتى يستقر على شيء فيسعى الى إحضاره له إذا أمكن. للطفل الحق في البقاء كأي
كائن ، يجب أن يساعده ليعيش ويكبر ويصبح ذا شأن . ومن يدري قد يعود الى
المدينة ويصبح زعيما فيها وقد يأمر بالسماح للاسود بالاقامة وتوفير اللحوم
الطازجة اللذيذة لها فيها.
اما هو الاسد الذي يعيش عند الطرف البعيد البعيد من المدينة وتحديدا
من الجهة المحاذية للجبال الوعرة المليئة بالصخور والكهوف والعظام المتحللة
لحيوانات وبشر مروا من هنا أو هربوا فإنه الان بحاجة الى البقاء ليقوم برسالته
خير قيام.
شعر بالتعب من ثقل الطفل على ظهره. " أنا لم أحمل أحدا يوما على
ظهري؛ أقصى ما فعلته هو أن أجُرّ الفريسة إلى ظل شجرة، أو إلى داخل مغارة
لآكلها دون تنغيص من ضبع أو ثعلب."
اقعى متأملا الطفل. سال نفسه وهويشعر بشيء من التعاسة:" من ألقاه
إليّ ، لو كان أكبر لما تجشمت هذا العناء،بالتأكيد من فعل بجماعته من تمزيق
ليسوا أسودا. الأسود لا نقتل ونلقي. إنها نقتل لنأكل. ليسوا ثعالب ولا ضباع. لا
أظنهم بشرا فأنا أعرف البشر أعرفهم من المدينة تلك. مدينة المحبة والسلام ..
مدينة العصافير الملونة التي تمر بنا وتلقي التحية من عل. لم أسمع عن أحد
قـُتِل فيها حتى من دخلها منّا واصطاد كانوا يكتفون بطرده وإخافته كي لا يعود.
من فعل هذا إذن؟ يتعب دماغي تصورُ شكله وأرجوا ألا أراه!"
وعاد إليه جوعه مختلطا ببكاء الصبي "مم" "مم" "مم" . يا لها من
اسطوانه لعينة لا تفعل فيه شيئا الا ان تثير تعبه وجوعه أكثر. هل يظن هذا
الصغير أنه وحده الجائع في هذا الكون؟ ألا يعلم أنه بد لبوبي أن ياكل أيضا
ليبقى ويتابع هذه الرسالة التعسة . وغرق في التأمل ثانية. " قد أبحث لهذا الطفل
عن غذاء، وقد لا أجد؛ وسيموت هذا الطفل البريء، وأنا أيضا سأموت إن لم آكل ولن
أواصل رسالتي . كانت لحظات أحس فيها بالدوار وهو ينظر إلى فخذي الطفل البضتين
وبطنه السمين.
كان يجب أن يواصل ويبقى . أما مضت نصف ساعة طويلة بطول الدهر وهو
يحاول أن يكون رحيما؟ أما ذرف الدموع من أجله، وحمله على ظهره، وسمح له أن يشد
ذيله ؟
ولكن لكل شيء نهاية. لكل شيء نهايااااهم.
-------------------------------
أضيفت في 19/11/2006/ خاص القصة السورية
   
حمار في عتمة الغاب
حمار حقيقي كان ذاك الذي انتشى بالاحلام والاماني حتى اشعرته
بارتفاع دائم في حرارة رأسه. حمار بقوائم أربعة تنتهي بحوافر شبه دائرية، بذيل
طويل ينتهي بكشة شعر كتلك التي كان يحملها الكتبة والبهوات ذوو الطرابيش في
مصرقبل الخمسينيات من القرن العشرين ينشون بها الذباب الذي كان جنود الانجليز
المستعمرين يتندرون ويسمونه "الطائر الوطني".
حمار حقيقي كان ذاك بنهيق أجش ينتهي بزعيق رفيع حاد كصوت كوابح
سيارة ذابت تماما وبدات تحتك باسطوانة العجلة.. نهيق كان يخجل أن يطلقه الا في
مناسبات كفرح شديد لموت اسد فاتك أو ضبع غادر أو ابن آوى طالما عمل كعميل نائم
لسيد ما من اسياد الغابة. حمار وابن حمار باذنين طويلتين كذراعي هوائي تلفاز
سوى ان رأسه كان كصندوق العجب بفتحة كبيرة في الامام وقطع بيضاء مستطيلة متراصة
في المنتصف يستخدمها لأكل العشب وأحيانا لاغاظة بقية الحيوانات حين يبتسم فرحا
ببياضها دون حاجة لمعجون أسنان.
حمار اتخذ من الاركان القصية في الغابة مسكنا لا ينتظر فيه زمنا
يكفي ليعتبره موطنه . لكنه كان يشعر دائما ان الغابة عالمه ووطنه.
الغابة الضخمة المتشابكة الاشجار المظلمة من منتصفها بل ومن اولها
واخرها واطرافها التي ما كان أحد يعرف اسمه او حجمه او رغباته او امانيه او
احلامه أو حتى الفصيلة التي ينتمي اليها. حيوانات الغابة كانت تمر به في أوقات
متباعدة دون ان تلتفت اليه وحتى صوته الاجش ذو الكوابح الذائبة الماسحة لم يكن
ليثير فيها اكثر من انزعاج بسيط يعبر عنه كل حيوان بطريقته الخاصة لكنها جميعا
لم تكن لتهتم حتى الى مصدر الصوت.
كانت تلك مشكلة صاحبنا الحمار .كانت أمانيه تتفجر في رأسه كالينابيع
او تهطل من سقف جمجمته الذي يشبه جناحي نسر بلا رأس، وكان يتمنى بينه وبين نفسه
لو عرفت الحيوانات بأن هناك حمارا في هذا العالم يحتل جزءا من الفضاء الكوني .
احتلال ليس بسوء الاحتلالات التي يقوم بها البشر خارج غابته كالتي سمع همهمات
ذات مرة بين قرد وغزال لبشر جاءوا من أماكن بعيدة متفرقة وحلوا محل شعب آخر لا
يذكر بالضبط اسمه بلسيني او مسكيني او ربما فلسطيني أو شيء من هذا القبيل ، بل
ودب الخلاف بين تيس وابن عرس (بالسين المهملة) على احتلال اخر سموه الاحتلال
الامريكي للعراق وقد سمع باذنيه التيس يعتبره احتلالا رحيما يخرج من سماهم
عراقيين من جحيم "دانتي" الى فردوس "ميلتون" بل وشبهه باحتلال دولة سماها
بريطانيا "العظمى" للمسكين او البلسين وسلموها لمهاجرين مقطوعين من شجرة رحمة
بأهل البلسين من قرف تكوين دولة والقلق بشأن نظام "دي" مقراطي أم "ديك" تاتوري
ووجع الرأس من قصة راح حاكم وجاء حاكم والتصق كبقايا لبان في صوف.
أما احتلاله فهو احتلال كائن حي بشحم ولحم واحساس لفراغ لا مكان
محدد له في زمان غير محدد ايضا . مكان مشاع وزمان مشاع .فمرة يكون في هذا الحيز
في هذا الزمان ويكون بعدها في حيز آخر في زمان آخر.
ولم تكن تلك الامنية الوحيدة التي تبرك على قلب أخينا الحمار فهناك
امنيته الاثيرة الى قلبه التي لطالما تثنت امام عينيه جارية خلاسية الملامح
بعيون لم يتجاوزها اتساعا الا فرجة أمل في صدر مظلوم بفرج الله القريب. أمنية
بأن يفعل شيئا في هذه الغابة يجعلها أجمل ، يجعلها منيرة بدلا من هذه الظلمة
القاتمة التي تسكن جوفها وتجثم على صدرها كاحتلال بغيض او كوحش على باب مدينة
جعل كلمة ارادها جوابا حدا بين الموت وبين الحياة ، ظلمة تعمي قلوب حيواناتها
فلا تعود تميز بين ما يجب وما لا يجب ما هو خير وما هو شر ما هو حق وما هو
باطل ما هو حيواني وغير حيواني. أجل لطالما همس لنفسه بأن عتمة الغابة سبب كل
الخطايا التي تقع فيها وها هو يحاول ان يتذكر بالضبط ما قاله ذلك الكناري
الجميل الذي حلق بألم ذات يوم من فوق الغابة وخفق بجناحيه خفقات ست ارتحل بعدها
مسرعا والضيق يفتت غناءه الجميل الذي تحول الى تفاؤل مضيء بالتشاؤم. قال شيئا
مثل" الظالم سخيف".
*
وفي تأملاته العميقة التي أتاحها له إقصاء الحيوانات على اختلاف
اجناسها والوانها وأصنافها له أو ربما عتزاله صخب الغابة المخضب دائما بحمرة
النفاق والاستغلال والمصلحة المائلة للسواد كدم المنخنقة توصل الى أن العتمة
ربما ما كانت من طبيعة الغابة بل من بعض ما فيها . وكان سهلا عليه ان يتوصل الى
استنتاج انه لو كانت العتمة مقصودة فسيكون من تسبب فيها غير قادر على الخروج
الى النور والعيش باسترخاء تحت خيوط الشمس الدافئة الحنونة. وسيعمل – والكلام
للحمار- على ابقاء العتمة خالدة مخلدة. وكثيرا ما لاحظ ان الحيوانات العشبية
تترك العشب في احيان كثيرة وترفع ابصارها الى السماء في وصلة شكر صامتة كلما لا
حت ومضة هنا او ومضة هناك من رسل الشمس تنفذ من بين الاغصان المتشابكة بما يشبه
حبكة مؤامرة أما الحيوانات اللاحمةفكانت تسارع الى التواري بسرعة خلف اشجار
ضخمة او في دغل كثيف او شقوق غائرة في ارض الغابة.
وكثيرا ما فكر أخونا الحمار بطريقة لانارة الغابة . لكنه كان بحاجة
– وظني والله أعلم ان ذلك كان من منطلق إيمانه الراسخ بالديمقراطية والتعددية
والشورى التي لم يتعلمها من أحد ولم يسمع عنها من اي تلفزيون رسمي- لأن يطرح
افكاره على بقية حيوانات الغابة. فوقف في الطريق كما كان يفعل من قبل حين كانت
ينتظر أن يحييه أحدهم – هر مثلا- بكلمة " السلام عليكم يا أخ" او "مرحبا يا
رفيق حمار" من خنزير مثلا طمعا في البدء بنوع من الحوار الحيواني مع "الآخر"
وتلاقح الافكار و"إنجاب" فكرة أو حتى فكر .وقف في منتصف طريق حتى الزواحف لا بد
أن تمر منه في الغابة رغم أنه أدرك بعد تأمل طويل بان نسبة احتمال تحقق
الحوار الحيواني في الغابة لا تزيد على نسبة تخلي نمر مثلا عن حقه في الصيد في
اي جزء من الغابة، وأن جُلَّ او ألطف ما يمكن توقعه هو أن يسمع عبارة " اقلب
سحنتك من الطريق وله حمار" تأتيه من كلب دخل الغابة خطأ ويتعامل بفوقية مكشوفة.
وقوفه هذه المرة هناك له أهداف تكبر في رأسه كالشهوة في صدر الفاسق
وقد عدها مرة بعد مرة كي لا تخونه الذاكرة اللعوب : أولا إشعار الحيوانات
بوجوده لتكوين علاقة حيوانية سوية فالتجاهل والاقصاء من حيوان تجاه أخيه
الحيوان سيؤدي به الىالعزلة الحمار في غابة تؤدي الى موته وتعني في جميع
الاحوال أن الغابة خسرت حمارا قد لا يمكن تعويضه. والحق انه شعر بالرثاء لنفسه
عند ةهذه النقطة من التأمل وانتقل بفكره الى ثانيا: جمع الحيوانات على مباديء
تعايش سلمي قائم على احترام حيوانية كل حيوان وبالتالي التوقف عن أكل لحم أي
حيوان عشبي دون استشارته ؛ أواه لكم تمنى لو جاءه أسد أو فهد وقال له :" أخي
الحمار. لقد مضى وقت طويل لم آكل فيه شيئا وأنت تعلم ان اللحم هو ما يقوم عليه
حياتنا نحن الليوث . فأرجو ان نتباحث في مسألة أكلك . ارجوك فكر في الأمر ورد
علي . رد علي بسرعة فقد اموت قريبا ان لم أحصل على لحمك وستموت معي لبؤتي
الجميلة المطيعة وأشبالي عدتي للمستقبل حين أصبح اسدا عجوزا اخس من كلب حين لا
اترك لها شيئا. نحن كالايتام معلقون في رقبتك."
الله ، كم ستكون المكاشفة والمناقشة أخوية. بالطبع لن يُسلّم جسده
بسهولة للاكل فهو ليس حمارا خالص الحمرنة، ولكن قد يتوصلان عبر مفاوضات مرحلية
يكتفي فيها الليث بقضم اجزاء غير حساسة من جسده وتأجيل مفاوضات الحل النهائي
الى أن يشاء الله حيث قد يموت الليث او قد يموت هو قبلها كما حديث مع زميله
حمار جحا . قد يقترح عليه ان يتزوج حمارة وينجب (أقرارا)** فيقدم له واحدا منها دون علم أمه فداءا للمجموع فهو مضطر عندها الى
قبول الشعار السائد في عالم الغابة "الفرد للمجموع". لم لا تكون مباحثات تحدد
مصالح الليث ومصالح الحمار ؟ مصالح آكلات العشب وآكلات اللحوم ؟ لماذا يجب ان
يكون لحم الحمار هو المجال الحيوي للاسد او يكون الاستقلال التام او الموت
الزؤام شعار الحمار؟ وهنا بلغ به الخيال افقا بعيدا رحبا جعله يرفع قائمتيه
الاماميتين ويدق بحافره على جذع شجرة متشقق دقات متتالية كرئيس جلسة برلمان
عاصفة ،وهتف بجرأة وسّعَت منخريه لتخرج أنفاسه ملتهبة بالنشوة " على الجميع
احترام مبادئ الديمقراطية وأبسط الحقوق الحيوانية الحق في الحياة والامن
والغذاء" ثم رفع رأسه ونهق بسعادة وأردف :" والنهيق أيضا".
لكنه فطن أن هناك مشكلة وهي ان الحيوانات آكلة اللحوم سترفض منطقه
وستتهمه بأنه حمار متخلف لأنه اذا لم تأكل الحمير من أمثاله او النعاج او
الارانب أو التيوس فماذا بحق الله ستأكل. ورغم فرحه بأن هذا يعني أن الحيوانات
على الأقل ستتحدث إليه مما يفتح أمامه آفاق واسعة للحوار كحمار، الا أنه شعر
بالقلق ياكل حواشي صدره ؛ اذا رفضت الحيوانات مساعيه سيعود الى مشكلته الاساسية
وهي الاحساس بأنه لا شيء.. عدم .. فراغ .. في هذه الغابة وستمتد عتمة الغابة
أكثر فأكثر الى داخل قلبه وهو أمر أهون عليه أن يقع بين فكي "هـِزَبر" من تلك
التي تأكل دون أن تكون جوعى من أن يتحمل عتمة الغابة في داخلة ثانية واحدة. فهو
الان بات يشعر أن عتمة الغابة هي عدوه الاول .. عدوه الاصلي .. وعدوه الرئيسي.
تراقصت في ذهنه فكرة فسرى في جسدة تيار ضخم من الفرح حتى وصل الى
قدميه الخلفيتين فارتفعتا رفسا ورقصا متكررا ومتحررا من ظل الكآبة التي ران
عليه منذ لحظات سوداء . سينطلق الى خارج الغابة ويأتي بقبس . واشتد انفعاله
ورقص وهو يدور بعنف حول نفسه لم يخرجه منه الا صوت كالرعد ارتجت له الغابة.
تبعه صوت كانهيار صخري أجفل الطيور واطارها من أعشاشها ثم كخكخة كصوت تكسر جمجة
حيوان بكف اسد ثم طرطقة أجنحة ضخمة في أعالي الأشجار.
لم يكن بحاجة للنظر حوله ليعرف ماهية تلك الاصوات فارتخاء يديه
وقدميه ووقوف شعر جسمه كله واهتزاز ذيله ووقوف أذنيه بصلابة فوق صندوق العجب
جعله يدرك أنه في حضرة سادة الغابة من اسود ونمور وضباع وفهود وعلوج وافاع وحتى
الصقور والنسور والغربان والبوم كانت تطير وتحط وتطير وتحط من شجرة الى أختها
وتشحذ مناقيرها بانتظار اللحم المكتنز الذي "نبز" من الارض وهبط الى الطريق
العام في هذا المساء الجائع.
هي ذا أمنيته تتحقق اخيرا! ولكن ما هذا الخوف الذي يركبه ويجعله
كبقية طعام في بطن فيل من فيلة أبرهة الاشرم وهو يهرب أمام الطيور الابابيل؟
وما هذا الماء الاصفر الدافئ الذي "دش" على فخذيه؟ هل هو الوقت المناسب ليلوم
نفسه على هذه الوقفة في متتصف الطريق عند دخول الليل بالضبط؟ اي غابة هذه التي
يريد تنويرها؟ سمع نفسه يهمس بالسؤال الاخير حين وجد أن عيون سادة الغابة كانت
مثل المصابيح الكهربائية التي تضيء شوارع مدن البشر والتي سمع خلسة الكلب
القادم خطأ الى الغابة يتحدث عنها). وكان هناك زئير مرعب وعواء وفحيح وكان هناك
وجوه عابسة وأجساد قوية تحلقت حوله وبدات تقترب مضيقة الحلقة شيئا فشيئا ولم
يلمح أبدا شيئا ينم عن استعداد للحوار او الاستشارة او تقرير المصير. وباتت
الغابة جسدا شهيا وأنياب.
" لحظة عصيبة حقا" حدث نفسه. " كنت اطمح فقط في أن أكون جزءا من
هذه الغابة. امد يدا في بنائها. لطالما رفضوني واهملوني وجعلوني في كثير من
الاحيان أتصرف كحمار مزيف لم تربه أمه على أصول الاتيكيت الحيواني " قالها بأسى
وقد أغمض عينيه وسط الجوقة الثائرة التي تلاطمت أصواتها من حوله. " اما وقد
عرفوا أنني موجود واحتل جزءا من هذا العالم دون اساءة لأحد اللهم الا إلى العشب
الذي أطعم أو الطريق التي أودعها مخلفاتي القابلة للتحويل على أية حال ، أما
وقد عرفوا فلم يبدر منهم الا تلك الانياب الحادة والشخرات والنخرات كأن هذه
الدنيا خلت من الحمير غيري " قالها وغضب مكتوم يتصاعد عبر منخريه ويتسلل بثبات
الى دماغه الصغير تحت الهوائيين المنتصبين الى السماء . " حقيقة ولدت حمارا
بأذنين طويلتين وحوافر وذيل ينتهي بمنشة ذباب رائعة ولكني لن اسمح للتاريخ بأن
يسجل بانني حمار خانع مستكين أمام هذه الانياب التي تمرست على الفتك في عتمة
غابة لا تضيئها الا مصابيح عيونها هي فقط."
كانت الطريق أمامه شبه مغلقة ومعتمة تنذر بالتمزيق وتدفق الدم
وتملؤها أجساد الاسد ولبؤته وأشباله لكن العيون التي تقادحت بالشرر اضاءت فسحة
منها، فتحرك بقلب كالصخر نحو تلك الفسحة فيما توترت قدماه الخلفيتان ورفع رأسه
عاليا ونهق كما لم ينهق في حياته بذلك العلو والفخامة والسمو أحس معها أن أغصان
الاشجار تتعانق فرحا والنسمات التي كانت تمر بالغابة مرور المؤمن بباب خمارة
مسحت على جبينه وجففت عرقه بلطفها المعهود ،وكتمل وعيه بنفسه وهي تندفع إلى
الأمام وفي عيينه ومض ضوء بدد عتمة الغابة كما تمنى ذات مرة.
*
إميل حبيبي ؛مقدمة روايته "سداسية الأيام الستة"
**
أقرار جمع (قـُر) وهو صغير الحمار باللهجة الفلسطينية الدارجة
-------------------------------
أضيفت في 01/02/2006/ خاص القصة السورية
   
سُلَّـــــم التـحدي
سبعــون ومضة
وومضة قصصية
1
إعادة نظر
التقطها من أحد الأزقة وهي تموء بلوعة ..بجوع.
فكر " قد تصطاد الفئران في البيت وتؤنس وحدتي".
لكنها عندما لم تصطد أي فأر ، وعندما زالت اللوعة من موائها ، ولم
تكتف بلحس أطباقه، ورغبت في اختيار المكان الذي تنام فيه،
أعادها الى الزقاق .
2
تحية مشروطة
كان يمشي الهوينى . ثوبه يطمح في الوصول الى الركبة ، لكنه يرتد إلى
تصف الساق بحسرة. تدلى طرفا كوفيته على جانبي صدره كشراع سفينة تبحر دون بوصلة
. كانت يده تمتد بين الفينة والأخرى لتقيس كم زادت لحيته عن مدى قبضته.
مر بجانبي. فقلت بنية إفشاء السلام :"السلام عليكم."
انتظرت "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"، لكن ما وصل إلى مسمعي
كان كلمة (سلام ).
كان ذلك بعد نظرة من طرف العين إلى بذلتي التي كنت أراعي أن تكون
فضفاضة،
وإلى لحيتي التي لم أفكر يوما بقياس طولها.
3
الحزب أولا
انضم إلى تلك الجمعية الخيرية و صوت الأمين العام لا يزال يطن في
أذنيه:" الهدف خدمة الحزب والدين !".
و رشح نفسه لانتخابات الهيئة الإدارية للجمعية مدعوما بأصوات إخوانه
الحزبيين،وكان صوت الأمين العام لا يزال يطن في أذنيه " الهدف خدمة الحزب
والدين!"
وحين نبهه رئيس الجمعية الى أن غيابه عن حضور اجتماعات الهيئة
الإدارية، واجتماعات اللجنة التي تصدى لرئاستها عطل اتخاذ قرارات هامة قال
وعينه على ساعته:" المهرجانات الحزبية كثيرة هذه الأيام " ثم همس :" والقضايا
المطروحة في الجمعية ليست من الأولويات."
قال ذلك و صوت "الأمين" لا يزال يطن في أذنيه.
4
ركبة ونصف
"سأضع حدا لهذا التسيب و الانحراف عن المسار."
كان يقول ذلك وقد شع وجهه بحمرة مشبعة بزرقة كمن صفع ولم يرد :
"سأكون مثل صدام !"
ولوح بقبضته فثبت السكرتير نفسه في كرسيه ،وكان المراسل واقفا فجلس.
لم يريا من قبل غضب رئيس الجمعية الذي استطرد بصوت كالرعد:
" سيغضب أقوام، ويريحوننا من وجوههم."
بدأ اجتماع الهيئة الإدارية . قال الرئيس:" هناك أناس يطعموننا جوز
فارغ. سنعيد تشكيل اللجان ". قال القوم المعنيون : وراء الأكمة ما وراءها.
سنقعد لك على ركبة ونصف ."
ابتسامة صفراء ركبت الفتحة الواسعة التي كانت تهدر قبل قليل :"
(باطل ). نشطب البند ولا نحوجكم لتلك الجلسة !"
5
"حامل النعجتين"
بدت حركة شدقيه وهو يصف إنجازات اللجنة التي يرأسها كحركة فكي كلب
ينقل العظمة من جانب الى آخر متلذذا. تحدث عن الأهداف والخطط والنشاطات . رفض
كثيرا من التعديلات . وطلب صلاحيات إضافية ،وضم لجنة اخرى تحت رئاسته. الاعضاء
الآخرون كانوا نائمين بانتظار ان ينهي حديثه ووجدوا أيديهم ترتفع بالموافقة.
بعد ان انفض اجتماع الهيئة الإدارية ، عرج على السكرتير وقال : "
اتصل بأعضاء اللجنة، وقل لهم إن هناك اجتماعا الساعة الرابعة ،وأي عذر من
الأعذار السابقة للغياب مرفوض . هذا هو الشهر الخامس ولم تجتمع اللجنة سوى مرة
واحدة .
قال السكرتير بهدوء :" أذكر جنابكم أنه عن أربعة من بين الخمسة
اجتماعات تغيبت أنت ؛ فاحتجوا هم ولم يحضروا الخامس."
6
شتاء عمان
الأبواب والنوافذ المغلقة أشعرته بالحاجة الى الخروج من البيت.
صعد الى السطح، ورمق الغيوم السوداء التي بدأت تتجمع منذ مساء
الأمس.
ولاحظ أن غيوم عمان لا تأتي فجأة .
ولا تجتمع فجأة
ولا تمطر فجأة
وأنها حين تأتى تكون حبلى .
وحين انتقلت عيناه بين جبالها التي استلقت على ظهرها كأنها تنتظر
وعد السماء ،هاله أن كل جبل كان ثديا أحاطت به البيوت بحرارة .
ولاحظ أن حليب هذه الأثداء
لم يحرم منه الأبناء رغم ان آباءهم مختلفون
ولم ينضب وإن تَقَطَّر
ولا يزال طازجا إلى يوم الرباط
عندها ملأ رئتيه من هوائها ،وهو يتمتم :" أي أم أنت يا عمان؟!"
7
مواهب
حين كانت في مكتب الرئيس التنفيذي للمؤسسة المصرفية متعددة
الجنسيات، وبمحض الصدفة وهي تكشف تنورنها القصيرة، وتسحب جورب النايلون الطويل
إلى ما فوق الركبة اكتشف الرئيس أن لديه طابعة ذات مواهب .
ولم يكد يسقط الجفن على الجفن بعد اختبار المواهب أصبحت مشرفا.
وحين تأكد للرئيس أن مواهبها أكثر عمقا وغموضا من مجاهل أفريقيا
أصبحت تحمل توقيع "ب".
وجاء رئيس تنفيذي جديد ،وبمحض الصدفة اكتشف أنها لا ترهق صدرها
بحمالة صدر.
وحين تأكد له أن باطن افريقيا يخفي اكثر مما يخفي سطحها ،أيقن ان من
الظلم دفن مواهبها في توقيع صغير فمنحها (أ) فاخرة تعلوها همزة بصلابة تتعب
الفم واللسان. وأصبحت مديرا لشؤون الموظفين.
وجاء رئيس تنفيذي جديد ،و أثناء إجراءات التسليم والاستلام بينه
وبين الرئيس المغادر قال الأخير : " ستكتشف أن مديرة شؤون الموظفين موهوبة !"
فرد الآخر بثقة :" لا داعي لذلك يا سيدي ؛فلا يوجد أحد لا يعرف
مواهبها!"
8
عن الرجال والظلال
في النسمات الربيعية من العشرين من عمره كتب روايته الأولى؛ فقيل له
إنه بحاجة لأن يدفن رأسه في الكتب ،وينصب شراعه في بحور العلم.
مع براعم الثلاثين وبعد ان تحول الى فأر كتب ،وتفلطح رأسه علما ،كتب
روايته الثانية فقيل له إنه بحاجة للخبرة.
ومع إطلالة الأربعين برأسها الأشيب، وبعد ان سود بحبر المران مئات
الألوف من الأوراق، ودفع بها الى بائع الفلافل ،كتب روايته الثالثة ؛فقيل له إن
الناس لا تعرفه.
ومع دخوله الخمسين بمفاصله المهترئة ، وبعد ان حلف لكل المخلوقات
إنه كاتب، واقتنعوا ووعوا؛كتب روايته الرابعة فقيل :" إما أن تنشر على حسابك أو
تبحث عن واسطة " .
لكن الخمسين ألصقت قدميها بالحائط وقالت" من هذا المراح لا رواح
"،و توفي بالجلطة والصدمة والانهيار العصبي والانفصام وتصلب الشرايين وحب الوطن
والحلم العربي والوجع الإنساني.
ومن قبره في "مقبرة سحاب" المختلطة تابع تسابق النقاد للحديث عن
إبداع كاتب اختار أن يعيش في الظل .
9
هي وصديقتها
جلستا على مقعد خشبي تحت ظل شجرة سرو اختزنت تحت قشورها آلاف
الحكايات.
عينا (سماح) كانتا تلاحقان طيف كل( ذكر) حتى لو كان ذكر ذبابة.
وتكتشف حين كان يمر شاب يروق لها أن خصلة من شعرها تعيق النظر إليه ،وتعيقه
من رؤية سواد عينيها، فتزيحها وتبدل وضع رجليها لتكشف التنورة عن أقصى ما يسمح
بالكشف عنه. لم تكن تعد ضربات قلبها حين تغرق في بعض المرح واللهو وأشياء أخرى
.
عينا (صالحة ) كانتا تلاحقان عيني ( سماح) ،وتدرك ان جميع النظرات
تنصب على صديقتها ،وتتحاشى النظر إليها حين تجد أن أشعة الشمس لا تصل الى شعرها
ونحرها. وكانت تجد في المرح واللهو إبحارا بين المجرات وأشياء أخرى، وتنتظر
جناحين يحملانها الى عش جميل وكتاكيت تمد مناقيرها .
فجأة انتفض شاب كسمكة في طرف خيط.تقدم ..عرف نفسه باسم (غنام).
وبجرأة ذي الخبرة طلب من (سماح) ان تسير معه .
بعد شهرين جلست (سماح) على المقعد الخشبي ذاته، وفي خيالها تراقصت
بذلة زفاف صديقتها (صالحة) على (غنام) والعبارة الأخيرة التي واجهها بها :" من
تجود لك تجود لغيرك".
فانحدرت دمعة من عينها مسحتها بطرف خمارها ،وهي ترمق صديقة جالسة
بجوارها تتابع طيف كل رجل .
10
ذاكرة بلا ثقوب
اقترب منها ..اقترب .. اقترب كثيرا
وحين ابتعد
كانت المرأة التي تسكن ذاكرته امرأة ترى صورتها في عينيه ولا تراه.
11
ذاكرة ذات ثقوب
اقترب منها .. اقترب .. اقترب كثيرا
وحين ابتعد
كانت المرأة التي تسكن ذاكرته امرأة تنسى بقايا الطعام بين أسنانها
، وملح العرق تحت إبطيها وتطالبه بحقها الشرعي .
12
الطلقة والرأس
قال :" سأغير !"
وكان قلبه وعقله وأطرافه تعزف لحنا واحدا.
وفجأة ، سمع صوت زجاج نافذته يتهشم ، وطلقة تسكن رأسه؟!!
13
الأحضان الدافئة
قال :" سأغير !"
وكان قلبه وعقله وأطرافه تعزف لحنا آخر.
وفجأة ، سمع طرقا على الباب، ووجد أحضانا دافئة و"بوكيه" ورد ؟!!
14
قبل الطلقة والرأس
قال :" سأغير !"
لكن رعشة تلبست جسده ، وحجارة تكومت في حلقه.
فجأة ، سمع صوت زجاج نافذته يتهشم ، وطلقة تمر من جانب أذنه: فصرخ
قبل الطلقة الثانية " سأغير ملابسي وأنام ".
15
سندباد
عاد السندباد الذي لم يغادر مدينته قط
مدينته التي أدخلت الشمس الى بيت عفتها .. عاد من جولة في شوارعها،و
بعد أن اكتشف أن غض البصر بات أشق من "تبليط البحر".
انثنى الى زوجته" زاد المعاد".
ولكنه وجد ان نمل الرغبة هجرها في تلك اللحظة . و تذكر أن مباشرتها
وهي غير راغبة سيكون ضربا من العنف قد يجعله مطلوبا لحماة الأسر ،وأن (التعدد)
موضة قديمة لمجتمع ذكوري متسلط. وتذكر ان الشوارع ستظل تتقيأ طوفان العري ،وأن
النمل قد لا يعود حين يريده ،بعد أن صار طوع يدها ولسانها.. عندها تذكر دفتر
أرقام الهواتف المهمل.
ومنذ ذلك اليوم لم يكف عن ممارسة( التعدد ) بين أرقامه ؟!!
16
"كله بثوابه "
في طريق عودته الى البيت من العمل ،غبط نفسه كثيرا على نجاحه في
التوفيق بين متطلبات شخصية زوجته النزاعة الى التحرر، وبين متطلبات الأسرة
والبيت . وابتسم وهو يتذكر بلاهته حين كان يعارض خروجها من البيت للعمل بحجة
أن دور المرأة في البيت كبير، ويتجاوز الطبخ والنفخ والجلي والمسح. وسخر من
النتيجة التي كان يصل إليها دائما ان الأسرة من غير استقرار المرأة في بيتها
ستتحطم. وتمنى في تلك اللحظة لو انه لا يقود السيارة ليفرك يديه بحبور لأنه
استقدم "سيريلانكية" ذكية تعرف كيف تتعامل مع الأطفال. وحين قطع الهاتف النقال
ماراثون أفكاره قال لزوجته متنهدا بتفهم :" لا بأس ، أليس الأمر جيدا لمستقبلك
المهني؟ (باي حبيبتي ).وحين وصل الى البيت وجد ابنه والسيريلانكية يشعلان الشمع
والبخور لتمثال صغير لبوذا.
15
الروح والأرض
على أحد أطراف المخيم المحصورة بين طوق من الجبال جلس وسرح بنظره
الى البعيد أجابت الزفرة التي خرجت من رئتيه أسئلة نشبت كالنار في حناياه :
- ماذا لو بعت كل شيء واشتريت بندقية ؟
- ماذا لو حميت عرضك يومها بصدرك بدلا من ساقيك؟
أكنت تتسول حق العودة ،وحنان( الأم)م المتحدة؟
16
عن الجرائد والرمان
حين مد قدمه الى تلك الجريدة ليدفع بقصة جديدة للنشر، لمح بعض
الوجوه التي ذكرته بأسماء تستوطن الصفحات كنتساريم" في القطاع.وحامت الأسئلة
في زوايا مخه وظلت تئز . دس يديه في جيبيه عاجزا فوجدهما فارغين، وسقطت عيناه
على صدره ؛ فوجده بستان رمان خرب، واستقرتا على ساقيه فأحسهما كخشب "الطوبار
". "فقلب" وجهه وخرج.
17
إهتراء
بعد أن اهترأ القفل على شفتيه، وبعد أن اهترأ لسانه الساكن في قعر
فمه، وبعد أن اهترأ حلقه ، وبعد أن اهترأ العشب الأخضر على قمم جبال وطنه، وبعد
أن اهترأ الغلاف الجوي الذي يتنفس .
تكلم ..
لكن الآذان كانت قد اهترأت أيضا.
|