
بطاقة
تعريف الكاتب: حسان محمود الحسون

صحفي وباحث إعلامي سوري مقيم في الرياض
له
عدد من المقالات السياسية والتحليلية
المنشورة في عدد من المجلات
الإلكترونية السياسية المتخصصة
له
عدد من القصص القصيرة والقصائد المنشورة في بعض الجرائد العربية
كجريدة الإتحاد الإماراتية والعديد من المجلات الثقافية الإلكترونية .
في صدد إصدار مجموعته القصصية الأولى
 


نماذج من أعماله

احتراق ذاتي
لم أعد أقوى على المسير .. فقد انتهى كل شئ ..
كم تمنيت أن أجد مساحة حرة كي ألصق عليها أشيائي دون أن تتحرك
وراءها الأعين .. جدار أخربش عليه ما أريد وكيف أشاء من فيض عفويت و ما
يجول في خواطري مما لا أجرؤ على البوح به إلا للصفحات البيضاء .. كتف أبكي
عليه دون أن يجرؤ أحدهم على سؤالي عما أفعله .. وما الذي أريده !!.
أحيانا كثيرة تعترينا رغبة في أن " نشطح " بعيدا عن اللامكان
واللازمان ، رغبة في أن يناجي أحدنا نفسه .. أن يبوح بما هو سر وليس بسر ،
شئ ما لا ينتمي إلى مخرجات العقل والمنطق ولا علاقة له بفكر أو أدب أو أي
تصنيف آخر ، فقط مجرد رجع صدى لما نريد أن نقوله ، ولا نجد .. أو لا نريد
أن نقوله لأحد إلا لأنفسنا ، أو لصفحة بيضاء تسمع لنا وتبحر في حروفنا دون
أن تناقش أو تتجاوب أو تعلق ، فقط حمار يحمل أسفارا .. و ليس المهم أن يقرأ
غيرنا ما نكتب أو يتفاعل معه ، المهم أن نكتب .. نبوح .. نفضفض .
لا شئ .. سوى رغبة ملحة .. رغبة مكبوتة في أن نقف لنراقب خيالنا
يتراقص على ضوء شمعه .. لا لشئ سوى لمعرفة إن كان هذا الشئ بحدوده السوداء
هو انعكاس لذاتنا و ينتمي إلينا فعلا أو ذاتنا انعكاس له ، أو أنه مجرد شكل
أخرق يتلاعب به الضوء ويوجهه كيف يشاء ..
إنها الصحراء .. أمنا الصحراء .. قدرنا الصحراء .. تلك التي طوعت
مزاجنا على مزاجها هي وطبعتنا بها رغم أنوفنا ، لتحولنا إلى مجرد كثبان
متجهمة تنتظر رياح الصيف اللافح لتحرك غبارها بضع خطوات للأمام أو الخلف ..
إلا أنني لست سوى نقش صغير .. حبة رمل في هذه الصحراء اللامتناهية
.. وما الذي كان يمكن أن أفعله ولم أفعله ؟!
العربي معذور فهو نتاج الصحراء ، تلك الصحراء القاحلة البخيلة
المتقلبة المزاج التي ليس لها معالم " طبيعية " أصيلة ، فهي لا تعرف الفصول
الأربعة كبقية أرض الله مما يضطر العربي لقراءة وجه السماء لمعرفة متى
سيأتيه المطر ، ومتى سيورق البلقع ، ومتى عليه المكوث حيث هو ومتى عليه
السعي في مناكبها ليطارد مع ماشيته ما تجود به السماء على مساحات محدودة من
الأرض لا تكاد تسد رمق القبائل التي غالبا ما يفني أحدها الآخر من أجل خزعة
من كلأ ، أو ظل شجرة في صحراء لا يأتيها الغيث إلا بغتة .. ذلك الصراع
المرير مع المفاجآت انعكس على شخصية العربي الإنفعالي ، الفوضوي ، المغامر
، النزِق ، المتسرع ، المكابر ، والعاطفي أيضا .. فالصحراء التي أنجبت
القتلة والسفاحين ، هي نفسها من أنجبت أعظم الشعراء والعشاق لتصنع –
بتقلباتها – مزيجا غريبا من رائحة الدم وعطر الياسمين .
كان قرارا متسرعا مني .. وما الجديد في الأمر ؟ فكل قراراتنا متسرعة
هوجاء تنتجها عاطفة اللحظة وتجلياتها لا أكثر ..
أحيانا كثيرة يكون التسرع في اتخاذ القرار سببا في حرمان المرء ما
يحبه ، أو ما يريده ، أو ما هو بحاجة ماسة له .. وغالبا لا يحصد المرء من
تعجله حصاد الثمرة إلا الندم والحسرة .. تماما كما خلدت الذاكرة العربية
المثقلة بالذكريات " ندامة الكسعي " ذلك الأعرابي أحد منتجات تلك الصحراء
الحمقاء المتقلبة المزاج الذي لم يندم لأمر جلل ، بل لأجل قوس زرع عودها
أمام خيمته وصار يرعاها يوما بيوم حتى إذا ما بلغت الحد الذي يريده ، قطعه
وبات ليله يصنع منه القوس الذي انتظره طويلا ... ثم ليكسره بعد أن توسل
الصحراء طويلا لتهبه إياه ..
أحمق ..
فالكسعي كان أعرابيا لا حظ له من الإدراك سوى ما أتاح له صناعة قوس
، لكن ماذا عنك أنت ؟؟!!
كنت تشرع سيجارك الذي ظننت أنه علامة فارقة لثقافتك وتحضرك وترحالك
وراء العلم إلى أقاصي الدنيا ، بينما الصحراء لا تزال تسكن فيك ..
الكسعي خسر قوسه الذي كان منتهى أمله ، وأنت تخسر عمرك .. تخسر
أحلامك التي كانت منتهى أملك فقارن أنت ..
أحمق ..
ما كان عليك أن تغلق الباب في لحظة ضعف اعتقدتها بعنجهيتك وغرورك
العربي أنها لحظة قوة ستدفع ثمنها عمرا آخر ..
وما كان ضرك لو انتظرت قليلا ؟ أليست هي أيضا نتاج ذات الصحراء
بكافة تقلباتها ؟!
كنت تعتقد أن الحياة الأمريكية التي مارستها كحمار يقلد مشية الغزال
يمكنك أن تفرضها فرضا على قرون طويلة من مصارعة الصحراء وأنت تجترها على
هذا النحو غير آبه بأن أمريكا التي أعطتك علمها ولم تعطك عقلها وذاكرتها ،
غسلت تاريخها بالدم لتلغي أزمنه .. وتقيم أزمنة جديدة
إلا أنها الصحراء .. تلك التي لم تروضها موجات الرياح التي عصفت بها
من كل صوب ، ما كان ليروض أحد منتجاتها أحمق مثلك ..
- قليل من الوقت
..
- لا .. أكون أو
لا أكون ..
لكن .. وما ذنب الصحراء ؟
هي الدنيا .. لحوحة ، متطلبة ، مزاجية ، متقلبة .. صعبة المراس
كالصحراء العربية الضنينة والتي لا تعطي إلا بغتة وعلى حين غره .. وغالبا
ما تدفعنا إلى اتخاذ القرار قبل أوانه لنحصد ما حصده الكسعي .. وكل كسعي
بخلت عليه الصحراء بغصن أخضر ، فيما الغابات تملأ الدنيا ولا يستطيع لها
منالا .
   
تعادل !!
زحام شديد أمام الكوة والموظف يرد على المراجعين بضجر بالغ فيما
جميعنا يتسابق ليصل بأطراف أصابعه إلى النافذة وسط إختلاط مقرف من روائح
العرق والأنفاس والحرارة والرطوبة .
لم يكن الأمر مقصودا بكل تأكيد وسط هذا التزاحم ، إلا أنه لا راد
لقضاء الله .. فقد وقعت قدمه العملاقة على قدمي النحيلة مسببة لي ألما
مبرحا جعلني أصرخ بلا شعور قبل أن أعرف من فعلها :
- يا حمار !!
لم أتبينه جيدا ، فقد سبقتني كلماته المهذبة تلهج بالإعتذار عن خطأ
غير مقصود ، قبل أن أجد ناظري يصطدمان ببطن إنسان أصله في الأرض وفرعه في
السماء :
- سيدي كلي أسف ، لم أقصد أن أدعس قدمك ، لكنك ستقدر الأمر وسط هذا
الزحام الشديد .
قاتل الله المكابرة ، صوت الرجل المتهدج الأقرب إلى البكاء أغراني
بأن أتمادى ربما إرضاءا لضعفي وسط العيون التي هدأت وبدأت ترقب المشهد
- يا غبي ، مثلك زحام بحد ذاته ، كان عليك أن تقدر أن " بلدوزر "
مثلك ما كان عليه أن يزاحم من هم أطفال أمامه ، أيها ال..
- سيدي ، والله لم أقصد ، إنما موجة بشرية دفعتني من الخلف وأخلت
بتوازني ولم أستطع أن أتحاشا رجل .
- أيها الطود ، ومن ذا الذي يستطيع أن يخل بتوازن بعير مثلك ؟!
شيطاني الأحمق تملكني وأنا أنظر لوجهه العريض والوديع ، وأغراني أن
أصفعه غير آبه بالفرق الأسطوري بين جسده المفرط بالضخامة وبين جسدي الذي لا
يساوي وزن إليته .
الملاك الذي اصطحب روحي في رحلتها الأخيرة إلى مستقرها أسر لي أن
فريق الهلال الأحمر وجد كليتي اليمنى على بعد نصف كيلو متر من مسرح الحدث ،
وأن رجال الشرطة إستطاعوا بالكاد نزع إحدى عيناي من تحت أظافره قبل أن
يودعوه السجن ... ولا يزال البحث جاريا عن ما تبقى من رأسي .
في السماء ، إجتمع الملأ الأعلى لينظر بقضية العبد الذي وصلت روحه
حديثا إلى حيث لا ظلم ولا ظلمات ، وبعد مداولات مستفيضة وتحقيق مضنٍ أقر
الملأ أن يحبسني ثانيتين بحساب السماء ريثما تصل روح القاتل لإستكمال
التحقيق وذلك لأن حسناتي وازت سيئاتي وكان لا بد من اتخاذ قرار نهائي على
ضوء ما ستسفر عنه مواجهتي مع القاتل بين يدي الإله.
لوهلة ، فقد أسعدني الحكم كثيرا ، فهاهي حسناتي الناقصة ستكتمل بعد
أن آخذ حقي العادل من حسنات العبد الذي أزهق روحي ، وسأدخل الجنة بلا ريب
فيما سأتشفى به وهو يلقى أشد صنوف العذاب على يد الزبانية .
في هذا الأثناء ، كان القاتل يقف في المحكمة أمام القاضي الأرضي
للنظر في قضيته بعد أن كان قد ألقي عليه القبض وأدين لتوافر أركان الجريمة
، وقد استطعت بمكري الإنساني الذي لا تعرفه الملائكة أن أستعطف أحد
الملائكة الموكلين بحراسة روحي وأن أعود بها إلى قاعة المحكمة لكي أطمئن
على مصير من حرمني الحياة .
القاضي الذي لم تقنعه توسلات الرجل وحججه التي ساقها وشهد عليها
الشهود بأنني كنت البادئ بالإعتداء ، وجه كلاما قاسيا للرجل الذي لم يراعي
فارق الحجم ولم يستطع ضبط أعصابه قبل أن يزهق روحا بريئة ، وأحال أوراقه
إلى المفتي وسط بكاء الرجل ، وفرح روحي بأن الرجل نال ما يستحقه ، وبأن
روحي سيفرج عنها قريبا وستذهب إلى حيث تستحق ، إلى الجنة .
أيام قليلة مما تعدون أعدم الرجل وجلبت الملائكة روحه وحاكمتها
انفراديا قبل أن يتم النظر في قضيتي معه ..
الإله جمع ملائكته وروحينا ونظر بالقضية مليا ثم أصدر القرار الذي
لم أكن أتوقعه ، فقد أمر الملائكة بأخذ كل ما لدي من حسنات وتجييرها إلى
حساب رصيد القاتل :
- لماذا يا إلهي يا من لا تظلم عنده الأنفس ، أنا المقتول وهو
القائل .
وقرأ أحد الملائكة مسوغات الحكم الذي أدانني بالآتي قبل إرسال روحي
إلى الجحيم:
يا عبدي ، لم تقدر نفسك حق قدرها ولم تضعها حيث هي وأوردتها مهلكها،
يا عبدي ، تصرفت بحماقة مع من ليس لك قبل به ، يا عبدي .. تسببت في إزهاق
روح لم تكن لتخرج لولا أن تصادف في ذاك اليوم المشهود من هو بحماقتك
ورعونتك وقصر نظرك ، لذا فقد استحق هو الخلود المريح ، واستحقت روحك
الحمقاء العذاب .
رفعت الجلسة .
   
تواصل
- هل قلت شيئا
؟!
- لا لا أبدا ،
إنه ذلك المعلق فوق !!
- أجننت ؟!
- عفوا .. أقصد
..
- لكني سمعتك
تقول شيئا !!
- أعتقد أنها
الجريدة .. ألا تسمع ؟!
- ........ ؟!
- أقصد هو ، ذلك
المسجى بين خشب الإطار وزجاج الصورة .
- لكنه ميت !!
- وهل تموت
الآلهة ؟!
في المقعد المجاور كانت نظارات سوداء تبحث في ما وراء الحرف ..
وعلى جدار الزنزانة بيت من الشعر التهمت الرطوبة جوفه :
" بالأمس كانوا
هنا واليوم قد رحلوا "
التقط حجرا صغيرا :
بالأمس كانوا هنا ..
واليوم قد عادوا
15 – 6 – 2005
   
جدار
لا شئ جديد ، ذات الحدود السوداء ..
ذات الشبح الذي يتلاعب به لهيب شمعة
يكفي بالكاد لتبديد ظلمة قبر .. ذات الرأس ، ذات اليدين ..
لكن ...
أين ستجد موطنا يحتمل جنوحك وثورتك وتمردك ؟
لا بل .. أين ستجد وطنا لحماقتك ؟
أقدامك عارية ، ورأسك مقيد ..
رأسك حر ، وقدماك مقيدتان..
رأسك وأقدامك حرة .. ويداك مغلولتان ..
كل ما فيك مقيد ، إلا حلم يراوح مكانه منذ أعوام ..
ليس فيك ما يغري على البقاء فيك ، فكلب طليق .. خير من أسد سجين .
* * *
ما الذي يخبئه البحر خلف أفقه الأزرق ؟!
أعوام وأعوام .. وكأن رِجلا التمثال ترفضان مغادرة القاعدة ..
لم يبق فيه إلا رجلين عالقتين في الهواء بلا رأس ولا أطراف ..
ربما قدرك أن تبقى منتصبا حيث أنت كمنارة ترقب الميناء .
عبثا حاوَلَت ..
- ألا يمكن أن نلتقى خلف هذا الأفق المترامي ؟
- لا ..
- ولا ذاك؟
- ولا ذاك ..
- جهات الدنيا أربع !!
- ربما .. لكن لا رأس ، لا أيدي .. لا قدمين
ثم غابت في النسيان ..
ثم؟!
لا شئ ..
كل ما فيك مقيد .. من رأسك حتى أخمص قدميك ، لا .. ولا حتى حلم
يراوح مكانه منذ أعوام .
* * *
عندما انطلقت السيارة تمخر عباب النسيان ، لم يتبق من الأمل إلا
بقايا ذاكرة
تجتره اجترارا ..
صارت الذاكرة واجبا مسائي ..
هما يومي يحتسيه مع فنجان قهوته ، يتطاير مع خيوط دخان لفافته حتى
توقف عمره عند حدود الذاكرة وكأنه لم يتحرك مترا واحدا خارج حدود المكان ،
ولا الزمان.
إنما .. لا فرار ، فقد أحرق المسير الطويل آخر ألواح السفينة ..
لست مخيرا ، بل مسيرا .. رغم أنفك مسير..
لم يتبق لديك حتى هامش من حلم .. لم يتبق لديك رأس ، ولا يدين ، ولا
قدمين
فقط ..
بقايا شبح يتلاعب به لهيب شمعة يكفي بالكاد لتبديد ظلمة قبر ..
أما أنت .. فستبقى واقفا قبالة ذات الجدار ، حتى يأخذ من وجهك نقشا
بارزا تختزنه حجارته الباردة .
29-5-2320
   
زوجتي أخت تحسين
كان يوماً طويلاً ذلك الذي عشته - بل مته - نهار البارحة ، فقد كان
نكداً في نكد من الساعة السابعة صباحا إلى الساعة السابعة من صباح اليوم
التالي ، 24 ساعة وطنية لن أنساها طالما شارباي العربيان بكامل نخوتهما .
من المنطقي جدا أن أعاقر - كمواطن - كأسي الديمقراطي إلى آخر قطرة ،
تلك الكأس التي لم تنقص قطرة واحدة منذ أن بلغت سن الرشد الفيزيولوجي لا بل
هي كالحفرة تزيد كلما أخذت منها حفنة تراب .
ولأنه " كاس يدور على كل المواطنين " كالقدر ذاته ، فلا داعي لشرح
أحداث ذلك اليوم لأنها " أحداث وطنية " جدا صار يعرفها كل عربي يعيش بين
ضفتي الجرح ، كما لا يلزم أن أتكلم عن كل أشكال التكريم الإنساني الذي
يلقاه المواطن منذ لحظة خروجه من البيت متوجها إلى عمله صباحا حتى عودته ،
مروراً بما يلاقيه على أيدي وألسنة رؤسائه من أشكال التكريم.
لكني أزيد عن هؤلاء بأن زوجتي هي جزء من واقعي الديمقراطي العام ،
فأخوها الأكبر شرطي مرور والأصغر - تحسين - يعمل في شرطة مكافحة الأخلاق
السياسية ، وهي لا تستطيع أن تنسى أبدا أن أخيها الأكبر من حقه أن يمارس
دكتاتوريته على سائقي السيارات على الطرقات الخارجية ، وأن الأصغر يسهر على
حماية الأخلاق السياسية للمجتمع .
لكن ما ذنبي أنا ؟؟؟ هل علي أن أدفع ضريبة كوني تزوجت أخت أحد
قاداتنا بعد قصة حب عاصفة ؟؟ هي تحدت قوانين البيت وتزوجتني ، ومع ذلك لم
تستطع أبدا أن تنسى إمتدادات شخصية أخويها الديمقراطية ، وعليها أن تذكرني
على الدوام أنها جزء من هذا الإرث الحضاري ... الحب إستطاع أن ينسيها
قوانينها الإجتماعية ، أما حب التسلط فلم يستطع أبدا أن ينسيها أنها جزء من
الواقع العام ، ذلك الداء العربي الذي نحبه !! .
ذلك اليوم دعاني صديقي لوليمة عشاء بمناسبة زواج أمه ، فمن تزوج أمه
أصبح عمه وعليه أن يثبت ذلك بأن يدعو أصدقاءه على شرف ذلك العم ، ولأن
السهرة كانت عامرة ، فقد تحديت القوانين وعدت إلى البيت متأخرا خمس دقائق
كاملة عن الموعد المحدد لي للعودة ، وقلت لنفسي قد تغفر لي أخت القائد
تحسين هذه الزلة البسيطة تقديرا لروحانية وعظمة الخميس وتأثيره في مسيرة
الحياة الزوجية .
في تلك الليلة المشهودة ، أكثرت من أكل السمك والقشريات البحرية ،
فغداً الجمعة وعلي أن أذهب إلى الصلاة نظيفا خاليا من أوساخ الأسبوع
كالعادة ، ولأنها فرصة لن يكررها لي مرتبي الحقير مهما حييت ، فقد تركت كل
ما على المائدة من أصناف وتفرغت للسمك ومشتقاته غير آبه لنظرات المدعوين
المستهجنة لشراهتي .
كان رأسي يسبق ساقاي .. لا بل كنت أطير على بساطٍ سحري من الأحلام
الوردية ... سمك ... جمبري ... خميس ؟؟ ماذا بقي على إكتمال الحلم ؟؟!!
لكن سرعان ما تبخر الحلم فقد نفذ سهم الله .. أمام الباب كانت
المخدة الملفوفة ببطانية تشي بالحقيقة المرة ... بالعربي ، ممنوع الدخول
وعلي أن آخذ ما تبقى من حلم وأكمل معه ليلتي على السطح ... إشارة عقابية بت
أفهمها لكثرة ما رأيتها ..
لكن هذه الليلة مختلفة ولن أفرط ابداً بالحلم .
عادة عندما أجد هذه المؤشرات أمامي " آخذ بعضي " وأتجه فورا الى
السطح بكل أدب واحترام للنفس ، لكن اليوم " غير شي " فقد فتح الله علي
أخيراً دون أن أدفع قرشا واحدا ثمنا للشبح الأزرق الذي طالما حلمت به ،
والذي لا يكفيني دخل عام كامل لشرائه ، وتسمرت أمام الباب متمسكا بحلمي
لآخر لحظة .
حاولت أن أفتح الباب بالمفتاح ، لكنها كانت حريصة على إذلالي ، فقد
وضعت المفتاح في الجهة الأخرى للقفل وأصبح من المستحيل بالنسبة لي أن أدخل
البيت بتلك الطريقة الحضارية .. حاولت أن أحدث جلبة أمام الباب لعل حبها
القديم يشفع لي عندها ، لكن عبثاً ، أخيراً قررت أن أستجمع كل رجولتي وأن
أقرع جرس الباب ، ويأتي صوتها من الداخل :
- لك انتي
مابتفهم ؟؟ مانك شايف البطانية على الباب ؟؟!!
- مبلا حبيبتي ،
بس ...
- طالما " مبلا
حبيبتك " .. لكان ليش ما بتحس على دمك و بتطلع تنام عالأسطوح؟؟!!
لافائدة ، لقد نزل قضاء الله ولا راد لأمره ، لكن خطرت لي فكرة أن
أفهمها أن الله من علي بالفرج أخيرا ويجب أن تشاركني فرحتي بهذا الفرج .
– طيب افتحي شوي
بس ، بدي احكيلك كلمتين من عالباب .
قلت لعلها تشم رائحة البحر !!.
– بتحكيلي ياهن
بكرا .
– ما بينفع
حبيبتي ، لازم تسمعيهن هلأ .
– مالي خلق اسمع
شي ، ضب بطانيتك وكرامتك وطلاع نام فوق .
– طيب بس بدي
حكيلك وين كنت سهران وشو تعشيت !!.
– شو تعشيت يعني
؟؟ يللي بيسمعك بيفكرك كنت معزوم عند شي وزير .
- لك شو وزير
وشو غفير هلأ ؟؟ لشو الفضايح آخر الليل ؟؟ أنا شو موصلني هالمواصيل؟؟!!
- سمااااع ، ما
رح افتح يعني ما رح افتح ، بقا خدها من قصيرها وافرقني خليني أعرف كمل
الفلم الهندي " الفيل صديقي " .
وقلت في نفسي : " تقصدين الفيل زوجتي " !!.
- إيه إيه ، هاد
فلم حلو كتير ( لم يسبق لي أن سمعت به في حياتي ، أساسا فأنا أكره الأفلام
الهندية ) ، طيب خليني فوت شوفه معك ؟؟! .
- فشرت عينك
!!!.
- لك هلأ وقت
أفلام هندية وصينية ؟؟!! اسمعي مني هالكلمتين وبعدين لا تفتحي انتي حرة .
- أمري لألللله
، حكيلي لشوف شو تعشيت يا حضرة المسؤول ؟.
وقلت لها هامسا :
- سمك !!!!
-
بالللللللله؟؟؟ وأكلة سمك بدها كل هالحفله ؟؟؟؟؟؟
- ولك وأكتر ،
لأني أكلت معها جمبري ، وكترت كمان.. يعني دابكها مظبوط !! .
وقالت مستهزئة :
- إي ما بيمشي
الحال تقبر أمك ، لأني كترت أكل بصل على العشا .
أصبح مفهوما أن كل محاولاتي الرجولية لن تفلح ، وحاولت أن أخاطب
الإنسان فيها :
- حبيبتي والله
اليوم تعبان ، خليني ادخل وبنام في الصالة .
- ما فشرت ،
عالبيت مالك دخلة حتى تتعلم كيف تتأخر !!.
- طيب كويسه
هالفضايح آخر الليل يعني؟؟
وطفح معها الكيل وصار لزاماً أن تستدعي واقعها ، وصرخت بعصبية :
- هلأ بتروح من
هون والا بجبلك أخي تحسيييييين؟؟
- لأ دخيلك ،
كلو إلا تحسين .. أنا رايح .. تصبحي على خير حبيبتي ..
تحسين ؟؟ يجب أن أكون لبقاً ومؤدباً معها ..
تحسين ؟؟!! وخطفت البطانية والمخدة ووصلت إلى السطح بسرعة البرق ،
فالأمور فيها تحسين ، ولو وصلت الأمور إليه لمارس علي كل أصناف " التحسينات
" المتاحة و غير المتاحة !!.
صحيح أن أخلاقي السياسية " عال العال " إلى الدرجة التي أفقدتني رأس
مال الرجل الشرقي وحددت النسل لدي بشكل طبيعي ، لكن من يضمن أخلاق " تحسين
" الأمنية ؟؟ ومن يعرف بأي تهمة سيقودني إلى " مصنع الأخلاق " لمجرد أني
أغضبت شقيقته ؟؟!!
خوفي الشديد من تحسين لم يتح لي أن أتنبه لوجود جاري أبو عزو النائم
بكامل قيافته وهيبته العسكرية غير بعيد عني ، يا الله !!! أبو عزو الذي
يخيف مدينة بكاملها ينام على السطح وبلباسه العسكري أيضا ؟؟!! وإذا كان "
شقفة " تحسين جعلني أنسى كل السمك الذي أكلته وكل ما تبعه من أحلام ، فمن
هو شقيق أم عزو إذا ؟؟!!
خوفي من تحسين أفقدني كل حواسي المنظورة وغير المنظورة و أطار النوم
من عيني وأثار الهواجس السوداء في رأسي ، فزملاء تحسين سيثبتون له مقدار
حبهم له على حسابي لو وصلت الأمور إليه ، وحسابي الضعيف لا يحتمل صفعة
واحدة ، فكيف إذا وصلت الأمور إلى ماهو أكثر من ذلك كماركات المشروبات
الغازية المحلية والعالمية مثلاً ؟؟!!
مجرد تفكيري في هذا الأمر جعلني أرتجف من الخوف أكثر من البرد الذي
بدأت تزداد وطأته مع وصول الليل إلى هزيعه الأخير ، صحيح كنت بحاجة إلى
قارورة مياه غازية لأهضم بها ذلك العشاء الدسم بعد أن أفرغته أخت تحسين من
معانيه الدافئة ، لكني كنت بحاجة لقارورة لأشربها لا لتشربني !!.
تعبي الشديد وأفكاري السوداء جعلتني أنام كالميت ، جثة بلا روح ولا
أحلام ، لكن " تحسين " أبى إلا أن يطاردني بما تبقى لي من حلم ..
يا خالق الأكوان .. ماذا لو فعلها الفيل صديقي ورفع أمري للملك
الأسد ؟!
* * *
- أهلين أبو
الشباب ، قال لي أحد عناصر الفرع ، إنت زوج أخت تحسين وإكرامك واجب .
- يا .. يا سيدي
الله يكبر واجبك .
- شبك خايف وعم
تأتئ كلهم كلمتين سؤال وجواب عالماشي وبعدها الشباب بوصلك براسهم للبيت .
- لا مو خوف ،
بس أول مرة بدخل هيك مكان.
– إي لاتخاف ،
ولو ؟؟ إنتي ضيف عزيز ولازم نكرمك ... قلي شو بتشرب ؟؟
- لا ولا شي
دخيلك ، بس لو تجبلي كرسي إقعد عليه ، ركبي ما عم تشيلني من الرعبه .
- شو رعبه ما
رعبة يا رجااااااال ؟؟ إنت بين أهلك وحبابك ، بتشرب كاظوووووظ ؟؟
يا إلهي كم إستغرقت من وقته الثمين هذه " الكاظوووظ " ، لكن يجب أن
أجامله .
- شاكر لطفك
وكرمك ، يا ريت والله .
قال وهو يلاطفني ويتلاعب بالكلمات ، إي مو تأمز أمز ؟؟ ، ملاطفته لي
جعلتني أصدق أنني بين أهلي وأحبابي فعلا ، مما دفعني للمبالغة في الإطمئنان
:
- بس وحياتك بدي
ياها كوكا كولا لأني ما بحب الأنواع المحلية .
وقهق عاليا حتى خلت أني أرى زائدته الدودية عبر حلقه :
- إي من عيوني
التنتين ، وأحلى كوكايه لعيونك ، نحنا خدامين الشباب الطيبي ( الطيبه ) ،
ومضى وهو لايزال يقهقه . ثم عاد بعد قليل وبيده قاروة مرطبات فارغة من
الحجم العائلي :
- يا عيب الشوم
منك ، معلمنا ما بحب الكوكا كولا قال سكرها قليل ، وهو ماشا الله مو ناقصو
حلاوه ، وعاد ليقهقه من جديد ، ثم وضعها أرضا وقال لي :
- إتفضل شرااااب
، قصدي قعووود .
- وين بدي إقعد
أخي ؟؟
- على " القنيني
" ، وين يعني؟؟!
- بس أنا طلبت
كرسي مو " قنيني " .
- وعم تتمسخر
كمان ؟؟ وارتسمت أصابعه الخمسة على وجهي .
- هاي أريح من
الكرسي ، هلأ بس فتت لجوا سآل الشباب ، بعدين إنت طلبت كرسي وكاظووووظ ،
وهاي لبينالك طلبك ، يعني تنين في واحد .. وعاد يقهقه بهستيرية .
- داخل عليك أنا
، طيب جبلي " كاظوظة " غير هاي ، يعني صناعة محلية بيمشي الحال .
- لا ولو ؟؟
مشان واجبك ، شو بدك تحسين يقول عنا قليلين أصل ؟؟
- لك أخي والله
إنتو الأصل كله وسيادنا وتاج راسنا كمان ، بس دخيل عينك بلا هالضيافة ، أو
على الأقل غيرلي الطلب .
- إي لأ حبيبي
ما حزرت ، شو بدك تكسر قوانين الفرع وعادات الضيافه فيييه؟؟
الأمر وصل إلى الأعراف والكرم والضيافة ، ولم يكن أمامي إلا أن أقبل
هذا الكرم الحاتمي مرغماً .
كمية الغازات التي كانت تحتويها " القنيني " تفوقت حتى على غازاتي
وجعلتني أهضم كل ما أكلته على مدار عام كامل .
بدأت وطأة " الكابوس " تشتد وأنا أرى قائد الفرع بنجومه اللامعه
يحدق في وجهي ويأمرني بالنهوض ، وكيف أنهض ولم يبق لي ركبتان تحملان جسدي
الهزيل ؟؟!! .
- قوم بقا حاجتك
، طلعت الشمس .
وفتحت عيناي على جاري أبو عزو يوقظني وقد بدأت الشمس بالإنعكاس على
نجومه العسكرية ، ولم أنتظر لألقي عليه تحية الصباح أو لأشكره لإيقاظي ، بل
هرعت فوراً إلى البيت ودخلت كالمجنون أبحث في زواياه عن كل أحذية زوجتي
إبتداءاً من " بابوج " الحمام ، وصففتها أمامي و شرعت أقبلها من كل زاوية
فيها وأنا ألهج لزوجتي بكل كلمات الإعتذار والتزلف التي حفظتها عن قاموسنا
الشعبي .
ذلك اليوم لم أذهب إلى صلاة الجمعة ، لأني لم أكن قد أنهيت تقبيل كل
أحذيتها بعد ، فالله غفور رحيم ، أما تحسين ... فلا!!.
5- 2002
   
غبار- قصص قصيرة جدا
( ذيل )
القط الصغير :
هل ذيلي مقطوع ؟
القط الكبير :
ألست تشعر به ؟
القط الصغير :
لا
القط الكبير :
إذا هو مقطوع
( صحراء )
أشرب من سلافة جرحي
فالرمال لا تستحق حتى المطر
( غبار)
عندما يتساقط الغبار فوق وجه المدينة .. يكشف عن وجهها الحقيقي
مدينة من غبار
( حذاء )
نفث آخر سحابة من سيجارته
رشف حثالة فنجانه .. ثم لبس حذاءه في رأسه وخرج
....
.... إلى الجريدة
( قطار )
عجلاته اليمنى تمشي على الخط الأيمن
عجلاته اليسرى تمشي على الخط الأيسر
عجلاته تمشيان في ذات الإتجاه ..
ثم لا يلتقيان أبدا
2 – 8 – 2005
   
في انتظار ما لا يأتي
|