أصدقاء القصة السورية

الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | معلومات النشر | كلمة العدد | قالوا عن الموقع | سجل الزوار

SyrianStory-القصة السورية

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

للاتصال بنا

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

youtube القصة السورية في

facebook القصة السورية في

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 21/10/2009

الكاتب: د. حميد الحاج-بريطانيا

       
       
       
       
       

 

 

نماذج من أعمال الكاتب

بطاقة تعريف الكاتب

 

 

 

 

بطاقة تعريف الكاتب

 

سوريا ـ 1974

تخرج في كلية الطب البشري بجامعة حلب

مقيم في بريطانيا منذ عام 2001 حيث يحضر رسالة الدكتوراه في الطب النفسي بجامعة نيوكاسل

عمل أبحاثاً تتعلق بالذاكرة واضطرابات المزاج وبخاصة (الاكتئاب) و قدم نتائجه في مؤتمرات دولية في بريطانيا وأمريكا وفرنسا وبلجيكا

يكتب القصة القصيرة منذ يفاعته وقد نشر له العديد من القصص والمقالات السيكولوجية في صحف ومجلات عربية في سوريا والخليج العربي وبريطانيا.

كما ظهرت له أعمال متنوعة على شبكة الإنترنت

صدر له كتاب (الأسس السليمة في الإرضاع والتغذية عند الطفل)

له مجموعة قصصية قيد الطبع بعنوان (أحلام وآلام)

كما صدر له منشورات علمية باللغة الإنكليزية في مجلات نفسية متخصصة

 Alhaj HA, Massey AE & McAllister-Williams RH (2005). Effects of DHEA Administration on Episodic Memory, Mood and Cortisol in Healthy Young Men: A Double-Blind, Placebo-Controlled Study. Psychopharmacology (in press). 

Alhaj, H.A. & McAllister-Williams, R.H. (2005). LORETA Source Localization of the Electric Activity Associated with Episodic Retrieval Following DHEA and Placebo Treatments in Healthy Men. Journal of Psychopharmacology (in press).

Alhaj, H.A. & McAllister-Williams, R.H. (2004). Effects of DHEA on Neuropsychological Function, Mood and Salivary Cortisol Levels in Healthy Young Men. Journal of Psychopharmacology 18(3) suppl 10 (MA1). 

Alhaj, H.A. & McAllister-Williams, R.H. (2004).  DHEA Improves Mood and Recollection in Healthy Young Men. International J of Neuropsychopharmacology 7(S2) S340-341 (P02.135).

Alhaj, H.A. & McAllister-Williams, R.H. (2004).  An Investigation of the Neural Correlates of Episodic Memory in Drug-Free Depression.  Biological Psychiatry 55(1S-242S): 141.

Alhaj, H.A., Massey, A.E. & McAllister-Williams, R.H. (2003).  Event-Related Brain potentials investigation of the effects of four-day, high-dose course of cortisol on the neural correlates of episodic memory.  Journal of Psychopharmacology 17(3) suppl. A65.

زيارة موقع الكاتب     مراسلة الكاتب                                        للتعليق على القصص      مواضيع أخرى للكاتب

نماذج من أعمال الكاتب

أنا روبوت

المحروم

الحان عاشقة

ضياع 

 

 

ضياع

 

 

الريح تعصف من حولي وأنا أسير في الشارع متدثراً بمعطفي السميك. لا أشعر بالبرد و لا بالدفء. كل ما أشعر به هو أنني نسيت شيئاً أو فقدت شيئاً .أفتش جيوبي للمرة العاشرة و أتفقد المحفظة كل شيءٍ في مكانه لكني لا أستطيع التغلب على مشاعري كما لا أستطيع تفسيراً لها. أرى صديقي على الطرف المقابل من الشارع فأشير إليه ملوّحاً بيدي لكنه لا يعيرني أدنى انتباه .أنا متأكد أنه رآني فلماذا لم يرد تحيتي؟  لا أعرف ولست قادراً على التفكير بذلك لأن كل حواسي مشغولة بالأمر الذي فقدته و لا أدري ماهيّته.

أمرُّ من أمام محل ألبسة فيستوقفني يجب أن أكون أنيقاً. أنظرُ إلى المرآة فلا أرى نفسي. أتعجب أين أنا؟ أهزّ يدي أمام المرآة ولا أرى سوى كمّ المعطف. أحرّك رأسي فلا يبين غير القبعة. أما أنا فلا وجود لي على الإطلاق. أدخل المحل لأسأل صاحبه عن قصة هذه المرآة العجيبة، أكلمه فلا يرد عليّ . أحاول الاستفسار من أي شخص تلمحه عيني ولكن عبثاً لا بد أنني ضيّعت نفسي. أحاول التذكر... أين كنتُ عندما فقدتها؟ كنت في البيت حيث رأيت ابني المريض و زوجتي جالسة بقربه تنتحب غير أني لم أتحدّث إليهما فربما كنت ضائعاً من قبل.

الساعة الآن الثانية عشرة ولم يتبق على موعد المحاكمة سوى ساعة واحدة.. يا إلهي عليّ أن أجد نفسي بسرعة و إلا فإني سأفقد ولدي المريض فأنا لا أملك ثمناً لعلاجه . أخاف ، أفتش ، أبحث في كل جانب من جوانب الشارع، أسأل ولا جواب، أرى محلاً صغيراً كُتِبَ عليه (مكتب النفوس). ربما أجد نفسي ههنا . أنزل درجات السلم حتى أصل إلى الباب. يستقبلني رجل أنيق و يطلب إلي التفضل بالدخول.. الحمد لله، هذا أول شخص يشعر بوجودي منذ ضياعي. الأمور تتحسّن إذاً. يبتسم الرجل الأنيق مظهراً أسنانه المدببة الناصعة كالثلج ويقول لي: ـ ما نوع النفس التي تطلبها ؟ اطلب ولا تخشَ شيئاً ، كله متوفر عندنا ولكل ثمن.

أتعجب من السؤال وأجيب أريد نفسي ولا أريد شيئاً آخر. يقول الرجل : حسناً، حسناً. اشرح لي ما هي قضيتك وأنا أتفهم الوضع. نعم.. تريد أن تدلي بالشهادة، و أعطوك مقابل ذلك مائة ألف. فهمتُ سأعطيك بدل ضائع ريثما تجد  نفسك . خذ هذه النفس فإنها تليق بك و لكن.. تكلفك خمسين ألفاً .ترددت ، احترت ، خرجت من المحل راكضاً وأنا ألهث من التعب و الفزع. لم أكن أعلم أن النفوس الوضيعة غالية بهذا الشكل.. المهم أن ألحق بالمحاكمة ثم ألحق بولدي المريض .

مضت ساعات لا أعرف عددها و أنا أبحث عن البيت . لقد جرى كلّ شيء على ما يرام. أدليت بالشهادة وقبضت المال. ولكن المشكلة أني لا أجد بيتي. إنّ مشاكلي لا تنتهي. فتشت كل أرجاء المدينة التي أحس أنها غريبة عني ولم أهتدِ إلى بيتي . ألمح محلاً كتب عليه مشروبات روحيّة. أشعر بالحنين إليه برغم أني لم أدخله مرّة في حياتي. هناك شيء خفي يشدّني إليه هل هي أنواره الخافتة أم الموسيقا النّاعمة التي تنساب منه؟ لا أعتقد هذا ولا ذاك بل اسمه هو ما يجذبني إليه أشعر أن روحي ضعيفة وتحتاج إلى ما يقوّيها . أنزل درجات السلم وأدخل من الباب فتستقبلني فتاة أنيقة، أحسّ أنها مألوفة إليّ. أسألها هل رأيتك من قبل ؟ تبتسم ابتسامة فاتنة تكشف عن أسنان مدببة ناصعة كالثلج وتقول: ألم أرك اليوم في مكتب النفوس حيث أعطيتك هذه النفس العزيزة، وتشدّني إليها قائلة: ما ضاع لن يعود أبداً!.

يتلوى لساني خارجاً من فمي ويرسم كلمة (لا) ضخمة حمراء. تُـربــــّتُ زوجتي على كتفي مطمئِنةً وتقول بصوت خفيض: أرجوك لا تصرخ في نومك هكذا وإلا ستوقظ الصغير فأنا لم أصدق أنه غفا قليلاً.

1996 حلب

 

 

 

ألحان عاشقة

 

لم يعد تمرد المعاناة صامتاًّ، ولكن هل تسحق الأوامر الخشنة عذوبةَ الألحان المكنونة في فؤاد الولد الذي حطم أغلال الطفولة. ثمة رنين يتسلل خلال أذني خليل الصمّاوين ويصل إلى أعمق الأحاسيس. يحمل الولد سكيناً يحز بها رأس والده خليل حتى يفصله عن الجسد. يضحك رأس الأب المقطوع و الدموع تطفر من عينيه

-لقد غلبتني أيها الولد الشقي..

ينحشر الجسد بين أجساد كثيرة تستمع إلى الموسيقا بلهفة، أما الرأس فتنمو له أجنحة عجيبة و يحلّق بسرعة وحرية عبر الأزمان لا يستوقفه شيء سوى رؤية لحظة فيها عود محطم وقسَم معظّم ودموع مسفوحة وقروح ملتهبة وفراق ما بعده ملتقى ولحن موؤد يلفظ آخر نفس – تن .. تن..  تـــ...

يتساءل خليل بقلق: هل علم الوراثة و الموسيقا يلتقيان؟ لماذا إذاً كنس ونظّف ولمّع بيته حتى لم يبق أدنى أثر لآلة تنطق بالأنغام. حتى هاتيك الأشرطة المحفورة في دهاليز أذنه الباطنة مزقها بلا ندم.

يتذكر كيف جاءه الولد الشقي يوماً مبتهجاً و هو يسأله بطفولة بريئة: هل صحيح يا أبت أنك كنت ملحن أنشودة النصر التي عزفت في يوم التحرير. أواه كم كنتُ سعيداً بذلك يا والدي! و لكن لماذا لم تقل لي أبداً أنك موسيقار عظيم؟

يا له من ماضٍ مقيت. يتذكر بدقة ردّة فعله التي جعلت الولد أصم أعمى عن كلمة (موسيقا). عجباً لماذا نتذكر جيداً كل الذكريات السيئة؟ آه لو كان في الدماغ سلة مهملات نفرغها كلما ضاقت ذاكرتنا بكآبة الماضي.

يلتمع في باصرته قوس النصر كقبة ميمونة على جناح (الشانزيليزيه) ليخلد أمجاد (نابليون) فتتهاوى الأفكار مثل زخات بَرَدٍ على صدر عارٍ: نعم انتصرنا في حربنا مع فرنسا فأجبرناها على الرحيل، غير أننا خسرنا مع ذواتنا التي تعفنت ولم يعد يعشش بها سوى جرذان الرعب  وأشباح القبور، فصارت فرنسا أحب إلينا من ليلى وأخواتها.

ليس عند خليل سبب يخضع لأي منطق لماذا تزوج من سلمى وهو يعلم حب الأستاذ عمار لها. ويعدد آلاف الأسباب دون جدوى، فسلمى وعمار كأنهما كيان واحد. توأمان سياميان لا يمكن فصلهما، و هو أجرى عليهما العملية القذرة. ثلاثين سنة و هو يلتمس الأعذار لفعلته. خير من موتهما معاً ضحينا بعمار.

يخترق نهر السين باريس كأنه إشارة استفهام أزلية القلق وعلى أعتابه سقطت أصنام متحجرة ورفعت أخرى، تحطمت رؤوس لا تأكل إلا "البسكويت" فنبتت غيرها. ولا يتعجب هذا السين الشائخ أبداً وهو الذي غسل خطايا عظيمات وصفح عن ذنوب كبائر، فتلك هي الحياة بما فيها من مخاضات وإجهاضات وولادات عسيرة وأولاد حرام وحلال.

سيعترف خليل لنفسه فقط أنه عاش بلا قضية ولا امرأة. كان للأستاذ عمار سحراً عظيماً عليه شده إلى حرية النفس. فلم تكن اندفاعة خليل لكي يصبح حراً، بل بسبب عشقه لعمار ذلك الإنسان المتوهج. و كم وثق عمار به وائتمنه على أسراره حتى إنه خبأ أشعاره وألحانه جميعها عنده. كان خليل يقضي الليالي ساهراً ليحفظ ما أبدعته عبقرية عمار و يتدرب على أدائـه.

جرذان الرعب تطاردهما. لا سبيل إلى المواجهة، و مجرد الهرب كان الرجولة كلها لا ثلثيها فحسب. لم يكن هناك الكثير من الاحتمالات.. سلمى غير مسيسة ولن يشك بها أحد، ولكن هل ستفتح الباب لعمار و خليل في هذا الليل الحالك، وهي التي لا تكلم بشراً أبداً؟ ربما تحصل معجزة من يدري..

سلمى تعيش وحيدة بعد أن قضى أبواها في الحرب الأولى. كان عندها أخ واحد و لكنه اختفى يعد الحرب الثانية وقيل إنه أصيب بالجنون ويعيش مشرداً. وبرغم جمالها الأخاذ الذي أغرى شبان الحي وشيوخها إلا أنها بقيت وحيدة وصدت بعنف كل من حاول الاقتراب منها. روت عنها مخيلة أهل الحي قصصاً عجيبة. منهم من قال إنها امرأة مشؤومة و من اقترب منها سيلقى حتفه بالتأكيد.. و منهم من اعتقد أنها ممسوسة بجني كافر لا يفارقها.

تقول سلمى: لماذا تأخرت يا عمار.. لقد انتظرتك طويلاً.. و يجلس خليل في زاوية معتمة دون أن يحس بأي نقص. لكنه يتساءل في نفسه بتشكك: منذ متى كان لسلمى قضية.. وهل هي الحرية أم الأستاذ عمار؟ يسمع صرير الرياح في الخارج لكنه فقد الاحساس بالبرد، فدفء سلمى يشع على المكان كله.

بيت سلمى ليس كبيراً فهو مكون من غرفتين شمالية ضيقة وجنويية رحبة بينهما فسحة عارية، لكنه يكفيها هي والجني الخرافة الذي يستوطنها. كل شيء ههنا أثر موغل في القدم يخبأ خلف جلده حكاية ممتعة من حكايا ألف ليلة و ليلة. فأين ستخفيهما هذه السيدة الأسطورية؟ هل ستخرج الجني من المصباح السحري و تضعهما مكانه.. لا شك أن عماراً تغلغل إلى فؤادها فقررت أن تعمل سحرها فيه.

 يرى عماراً يبكي و لا يدري لماذا. هل هو خائف من جرذان الرعب أم أشباح القبور التي لم تتحالف إلا في بحثها عنه. لا يعتقد.. بل إنه الحب ولاشيء غيره يبكي الرجال.

يستغرب خليل كيف أن الحسناء سلمى لم تشعر بوجوده أبداً. هذه الأميرة الشرقية مفتونة ببقعة الضوء المشرقة من المصباح و لا يمكن لها أن ترى الشحم و السخام. فكر قليلاً ثم قال في نفسه: ألا يمكن أن تكون غافلة عنه لصمته وهدوئه. قرر أن يجرب الكلام والحراك لعله يشد بصر سلمى إليه. ولكن هيهات، فأريج عمار يعبق في أرجاء المكان. أخذ خليل يجأر بأعلى صوته، ولا زالت سلمى مشغولة بواحد منهما فحسب.

فجأة يلتفت عمار إلى خليل و يقول له: أنت و السماء شاهدان على لقائنا. يبتسم خليل في فرح متقلب.. أخيراً سيشهد ما حلم به طيلة حياته و تعانق عيناه خيالي سلمى و عمار المتشابكين كغزل الصوف. وبرغم حلاوة سلمى كان عمار حزيناً دونما سبب مقنع.. كأن في داخله شعوراً خفياً أن هذا اللقاء ليس إلا ومضة في عمر الكون البائس.

تضحك سلمى وتقول في عجب: بماذا تهذي يا حبيبي عمار؟ و هل لقاؤنا يحتاج إلى شهود؟ يرتبك عمار وهو يحاول الشرح: كنت فقط أحاول أن أعرفك على صديقي خليل.

تعض سلمى على شفتي عمار وكأنها تطلب منه أن يتوقف عن الثرثرة الفارغة، وتدمدم: أنت لي خليل حتى فناء الظل من على ظهر البسيطة.

تم كل شيء في أعماق عيني خليل وخلف جفونه الدائمة الإغماض. هل سيحدث الإلقاح و تنتج الثمرة الطيبة التي طال انتظارها.. سلمى في ذروة توهمها وفورتها وعمار في قمة إبداعه وألقه.. هذا ما اعتمل في فكر خليل بصمت و خشوع.

الجرذان تقرض كل شيء حتى الأنغام المحفورة على أوتاد الدماغ. هناك في المعتقل تتلذذ الأم بقضم أطراف وليدها ولا ينتشي الأب إلا على مؤخرة طفله. و برغم أن الإيقاع هناك واحد إلا أنه يمنحك كل ما لم تحلم به الآذان من تذبذبات صوتية، فلماذا إذاً تفكر بالأنغام.

لا يدري كم من الليالي مر عليه ههنا.. كم حلم بسلمى و الموت. هل حملت سلمى من لقاء تلك الليلة الدهماء. يشعر بالرهبة على مستقبل ذلك الولد الشقي. هل سيقال عنه إنه ابن الجني الكافر الذي يستوطن سلمى أم سيكون مجرد ابن حرام؟ لم يكن اللقاء سوى لحظة واحدة ممزوجة بالألم والرعب والمتعة والجمال.. وها هي تلك اللحظة أنتجت حاضراً مجهول الهوية يلعن ماضيه الخرب و يبصق على مستقبله التافه.

يلتفت عمار إلى خليل و يهمس برجاء: هل عندك حل لهما؟ يبتسم خليل في هدأة فهو يعلم ما يجب فعله. جرذان الرعب لم تطلب منه سوى أمر بسيط على غاية التفاهة. كان على خليل أن يلعب دور يهوذا.. ربما لأنه رأى في عمار طهر يسوع. فهل كان زواجه بسلمى محاولة للتطهر أم ثمناً للخيانة. إنه حقاً أحب عمار فلا عجب إذا أحب حبيبته.

عيون أهل الحي أفواه جائعة.. الخرافات لاحقت سلمى مذ برزت إلى الدنيا. أما اليوم فللدخان نار شاهدها جرذان الرعب وأشباح القبور. و كل واحد من ذكور الخلية يقول: لماذا عمار وليس أنا. فكيف قاومت سلمى ذلك البؤس كله ولم تحبب أحداً إلا عمار الذي نغم للدنيا أعذب الألحان إلا أنه ظل صامتاً في حضرتها.

عندما عاد خليل إلى بيت سلمى وجده صاخباً بالدهماء، والفوانيس معلقة على بوابته الجديدة. كاد يبكي وهو يأسف على حادثة الاغتصاب التي تعرضت لها في غيابه.. إلا أنها ابتسمت ابتسامة شفيفة لا مبالية وكأن هذا الأمر يخص كائنات من كوكب أخر.  أقسم لها أنه يحبها ويريد أن يعلن زواجهما على الملأ، فحدجته بنظرة وحشية ومضت مقهقهة ببؤس.

لقد قضى عمار وعاش الولد الشقي ابن الحرام في كنف خليل. يمشي خليل بجانب الحائط الصخري ويفكر في أمر واحد فحسب.. كيف سيبعد الولد عن لعنة الموسيقا التي أخذت منه عمار وسلمى.. كان عليه أن يحطم كل نفيس ليحتفظ بولده. ولم يكن مفاجئاً أن يتغرب الولد، فالغرب بيت لكل شريد ومأوى لكل ابن حرام.. كيف استطاع تجمع اللقطاء أن يصنع حضارة بزت العالم. في الشرق يولد كل مبدع ليموت فإن لم تقرضه الجرذان صعقته الأشباح.

يرتجف خليل غير مصدق أنه في بلدة نسيتها الأشباح ونفقت فيها الجرذان يستمع إلى ألحان ولده المخيفة. هذه اللعنة ظن أنه اغتالها بأسنانه وهو خارج من معتقل الأحلام، فإذا هي تنبعث من الرماد كطائر الفينيق لتتجلى في ذلك (الشقي) عازفاً يخشع له السين وتتلوى على وقع أوتاره الجمعية الوطنية لهؤلاء الغرباء وهو ينشد لحرية لم تفقد صلاحيتها بعد.

كان يود الابتسام لكن الدموع انهمرت من مقلتيه وهو يفتح عقله على خيال لم يتسرب إلى تلافيف مخه من قبل. ماذا لو تحلق كل هذه الإيقاعات الموسيقية المتنوعة لتحط في بيت سلمى، هل ستبقى الفوانيس معلقة والجرذان معششة هناك إلى الأبد؟!

نيوكاسل

 

 

المحروم

 

القلق يسيطر على كياني كلّه، فالزاوية لم تزل محبوبة هادي، والتكوّر صفة متلازمة به. وكم قد شعرتُ بمفاجأة غريبة عندما تقدّم لمحادثتي ذلك الخيال الصامت أبداً. وانتبهت لأول مرة أن هذا الخيال المحشو طالب في مدرستي بل هو مداوم في صفّي نفسه. وكيف لي أن أراه وهو يمضي الدرس تحت مقعد الدراسة لا أعرف ماذا يفعل. أما في الفرصة فينتحي إحدى الزوايا المستورة من الباحة ويبدأ يدخن بترقب وشراهة وتخوف، وهو مطرقٌ وقد لامس ذقنه الصدر. كانت المفاجأة كبيرة فعلاً لأنه قال دون مقدمات بصوت هامس يدبّ كدبيب النملة: ما رأيك أن تزورني لندرس سوية؟ وقبل أن أستجمع أفكاري الذاهلة ابتسم ابتسامة شاحبة ألهتني عن مراقبة البقع الزرقاء الكامدة على خدّه الأيسر وقال: اليوم الساعة الخامسة.

لم نكن قد بدأنا بالدراسة فعلاً عندما دخل أبوه الضخم الجثة وسلم علي بحرارة. أخذ نفساً عميقاً من سيجاره الضخم ثم نفخ بقوة وبدأ تهاطل الكلام. ولكنني لم أكن أستمع إلى قوله لأني لم أستطع منع نفسي من المقارنة بينه وبين الباب الذي دخل منه والتساؤل أيهما أضخم، وقررتُ أن أدقق النظر لأرى كيف سيخرج، وصار انتظاري المتلهف ضباباً أعمى بصيرتي عن إدراك كنه ما يقول ولم يتسرب إلى فهمي سوى بضع كلمات تصف ما سمعه عن تفوقي و و و. وقبل أن أهيم في العالم الضبابي أكثر وأكثر نبهني بسؤاله: هل ترى أنني حرمتُ هادي من أي شيء؟

ينساب شيء من الحسرة من غرفة رفيقي الواسعة الفخمة ويتسلل إلى ناظري، وأنا أتذكر نفسي هارباً من صراخ أخوتي الصغار وضجيجهم الذي يخنق بيتنا الضيق وقد حرتُ أين أخبئ دفاتري وكتبي التي لم يتبقَ فيها صفحة سلمت من التمزق إلا وقد امتلأت  بعشرات الخطوط المتعرجة الجارحة. وأخذتُ أمعن التفكير فيما حرم منه رفيقي وأنا أنظر إلى وجهه المطرق في الأرض وقد وضع يده على خده الأيسر المبقع وكأنه يعرقل أقدار الزمن. أحسست أن ألف عام قد مضى وأنا أفكر. هل سأسقط في الامتحان إذا فاتتني الإجابة عن هذا السؤال الضخم المعقد. يا ويلتي لم يترك لي الأب مزيداً من الفرصة للإجابة بل قال بلهجة آمرة: اعتباراً من الغد سيجلس هادي معك في المقعد نفسه، إن امتحان الشهادة الإعدادية لم يعد بعيداً وعليكما أن تتساعدا.

القلق يسيطر على كياني كلّه، فالزاوية لم تزل محبوبة هادي، والدخان ينبعث بتسلل حذر عابقاً، والنصائح أشباح وهروب. قلتُ: هل يعلم أبوك بالأمر؟ وما إن سمع لفظة (أبوك) حتى احتبس تنفسه وغدا لونه شاحباً كأنه الشمع. بلع ريقه بصعوبة وحسبتُ نفسي أسمع ضربات مدفع تتفجر في قلبه وهو يقول: أتوسل إليك ألا تخبره. عرفتُ وقتها ما سر البقع المتلونة التي تنتقل من مكان إلى آخر في جسد صديقي، وعرفتُ أيضاً جواباً على سؤال ضخم معقد أربكني.

حلب 1999  

أضيفت في 19/06/2005 / خاص القصة السورية

 

 

 

أنا روبوت

 

إهداء: إلى أم غريب في مدينة السلام

 

الأشجار تتحرك من حولي. لا يمكن أن أكون متحركاً فأنا مفعول به. مجرد روبوت. أظن ذلك. تلك البدينة الجالسة أمامي تقلب صفحات مجلة وتقرأ بصوت عالٍ تحسب أني جاهل عن سرقتها لأفكاري. ولكن هل هي أفكاري أم برمجيات مغروسة في عقلي فأنا لست إلا روبوتأً. سرقوا المرأة التي منحنتي الحنان.. هي ليست كأحد من نساء الكون.. فهي أمي. هل يمكن أن يعطوني بديلاً؟

القطار هو المتحرك، وهم يلعبون القمار. هل سينتصر جون أم سام. لا يهم فأنا لن أخسر. من أين يأتون بكل هذه النقود الملونة.. خضراء صفراء سوداء.

البدينة تتحدث بلغة لا أفهمها ولكني أتذوقها. هي تشرب الكوكاكولا القاتمة و تلتهم (بيغ ماك). بطني منتفخ بالغازات. يبدو جون الإنكليزي مكتئباً أو مضطرباً. تنبح معدتي. أحس أني كلب. أنا مخطئ. الروبوت فاقد الإحساس. ولكني مع ذلك أطرب لوقع تلك النغمات الموسيقية الحالمة. يقترب العازف الإسباني الجوال مني.  في  صدى غنائه شيء من بحة جدي وهو يهدر بالمواويل. أشعر أنه يغني لي وحدي. يكاد  فؤادي يرتعش ولو لم يمسسه صقيع. جدي كان شيخاً وقوراً له مهابة عند كل من سمع به. أتذكر أنني عندما رأيته يترنح حسبت أن الخلق جميعاً سيمدون له أيديهم لذلك لم أتحرك لمساعدته. لكنه سقط دون صخب كما سقطت أراض موعودة رحبة.

تبتسم البدينة وهي تقسم قضيب الشوكولا إلى قطعتين. تتحرك شفتاي إلى أعلى وأسفل.. ينسبل جفناي.. يدي على بطني. يرمي جون ورقة لعب بطريقة أحسبها عنيفة. وجه سام مقفر كصحراء  نيفادا أو كوجه مريض باركنسون. أفكار غريبة تحشر في دماغي. البدينة ستعطيني قطعة شوكولا.. تذوب الشوكولا في مخيلتي بفعل إنزيمات حالمة. تمد البدينة أصابعها.. تتعالى الصرخات في أمعائي الممزقة. ما أطيب الأكلات التي تطهوها أمي. كانت تطعمني بيديها. وكنت كلما كبرت أكثر استعذبت طعم يديها أكثر وأكثر. لم أكن آكل الطعام و لا حتى الأيدي وإنما الروح التي تسربت عبر تلك الأنامل. يصرخ طفل من خلف مسرح الذاكرة.. أمي علمتني أن أكون عفيف النفس.. لا أمد يدي إلى ما يسقطه غيري. تتحرك أصابع البدينة إلى أعلى.. تتلمظ شفتاي. تسقط قطعة الشوكولا على الأرض.. أتلقى أمرين مختلفين.. الأسرع كان هو الانحناء.. واأسفا على أمي. ابيضت عيناها لكن عودها ظل شامخاً.

يخشوشن صوت الموسيقي في حلقي ورئتي. لماذا أيها العازف تقرع الطبول؟ جسدي مليء بالبقع من فرط الحساسية. يتمايل سام طرباً.. يتصبب جون عرقاً.. أودّ لو أمسك بتلابيب هذا الإسباني المدعي للفن. أمعن النظر فيه فأجد جسده مغطى بطفوح الحساسية. هذا المسكين الأحمق لماذا يدق نغمات تصيبه بالشري الذي أصابني. لابدّ أننا من طينة واحدة. ربما سُرقت أمه. هل هو روبوت أيضاً؟ لست أدري.

لم أشهد من قبل قطاراً يتزود بالوقود. يأمرني سام أن أرمي ورقتي. أضحك في قرارة نفسي. إنني لاعب رئيسي إذاً. هاهم يتحرقون بانتظار قراري أية ورقة سألقي. أتمعن في أوراقي فأجدها كلها ذات شكل ولون واحد. تتمعن فيّ هي أيضاً. أبتسم فتبتسم. أكشر فتفعل فعلي ذاته. تلكزني إحدى الأوراق وهي تهمس:- ماذا تنتظر أيها الجوكر الغبي. إذا لم تلق بنا سنلقي نحن بك.

الروبوت ينفذ و لا يعترض. ثمة خلل ما في تصميمي. أنا أنفذ ولا أعترض فما هي المشكلة إذاً؟ يعزف الموسيقيّ  مقطوعة أندلسية جنائزية فأشعر بالعبرات تترقرق على صفحة خدي. لابد أن البدينة تقرأ في صفحة الوفيات. هي تبكي أيضاً. أشعر بالأسف عليها. كان عليها أن تسطو على أفكار غيري، فأنا مشبع بالأحزان.. عصارة حنظل أنا.. غراب بين. أي روبوت لعين يستوطن جلدي؟! نعم هناك خلل. كان عليهم أن يذيبوا جميع الإحساسات من تصميمي. ربما هم حاولوا ذلك فلم يفلحوا. إنهم فاشلون فاشلون.. أقلب جميع أوراقي ما بطن منها وما ظهر و أرميها من نافذة القطار. تتطاير أصابعي مع الريح. أحس بصوتي يطير هو أيضاً إلى اللامعقول.

 أصرخ بنفسي البدينة: أرجوك خلصيني من نفسي. تبتسم دموعها وهي ترفرف بجفنيها موافقة: نعم أنت لا تصلح هكذا، لأنك روبوت.. عربي.

نيوكاسل 2004

 

أضيفت في 16/06/2005/ خاص القصة السورية/ المصدر: الكاتب

 

 

كيفية المشاركة

 

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية