الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | معلومات النشر | من نحن | كلمة العدد

 دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 07/06/2008

القصص

 

الحلاب

مأساة محاسب

الميت الذي عاد

  سالي   أخي   المحفظة

المزهرية

ربيع 

شهيد 

 الإرهابي

 

بطاقة تعريف الكاتب: أدهم مطر

 

أديب وكاتب قصة وشعر من السويداء

بدأ الكتابة منذ المرحلة الثانوية المبكرة،

 شارك بالكثير الكثير من الأمسيات الأدبية /شعراً ونثراً وقصة /

 وقد فاز بالدرع الذهبي في مهرجان الإبداع الأدبي لعام 2004 في دمشق /دورة المرحوم ممدوح عدوان/

 له مخطوطات لمجموعات قصصية اربع

ولديه المئات من القصائد وديوان كبير اسمه /تقاسيم على ناي مكسور /

وهو ديوان من عدة مجموعات كلها مطبوعة وجاهزة أن يتبناها أحد بعد قراءتها وفهمها،

يعمل في مجال الترجمة، يُترجم الكتب من الإنكليزية للعربية

 وقد درسها في جامعتي دمشق وبيروت وله بعض المحاولات لكتابة الشعر بتلك اللغة .،

زيارة موقع الكاتب     مراسلة الكاتب                                        للتعليق على القصص      مواضيع أخرى للكاتب

  نماذج من أعماله 

 

سالي

 

المطر !!! هذا الرّحيق الإلهي الذي يُطهّر الطبيعةمن غبار الفصول ، ويغسل قلوب الناس ، يسقي ورود الحزن في نفوسهم ، ويفتح أمام المواقد الودودة أبواب الذكريات  وحكايا الماضي ، يلمُّ شملَ العائلات ، وتنهمك الأمهات والجدات في تراثهنّ القديم المتجدّد ، يتفنّن في استعراض مأكولاتهن الممُيزة حين يلتمّ الأبناء والأحفاد حول الموائد التي تفيض منها نكهة البركة والبساطة .

يتحلّقُ الشبان حول مواقد الحطب ، ينُظفّون أسلحة الصيد القديمة الموروثة عن الأجداد ، ويضعون اللمسات الأخيرة لرحلات الصيد المبُكّر التي لا تنسى ، وينعكس لهب حطب اللوز والزيتون على وجناتهم التي احمّرت إثر تناول كؤوس النبيذ البيتي المعُتّق وحبّات العنب المجففة .

المطر ينهمر ، يزداد كثافة ، فتغتسل حجارة البيوت البازلتية في البلدة القديمة ، وتنبعث رائحة التراب المنعشة من الشوارع الضيقة والتي كوّنت فيها السيول جداول صغيرة .

 المطر ، وأنا أمشي تحته بمتعةٍ غريبة ، لا شيء أجمل  من السير تحت المطر حيث تنفتح آفاق التأمل  فهذا المطر الذي يغسلني منذ ثلاثين شتاء ، قد غسل أجدادي وأجدادهم ،لكن العلاقة بين البشر والمطر أعمق بكثير ، المطر هو الذي كوّن البشر عندما امتزج بالتراب ، أليس الإنسان في نهايته حفنة تراب وكأس ماء؟

العلاقة أعمق ، أعمق ، وهذا ما يفسر الحنين الجارف لعشق الناس للمطر، نحن جميعا أبناء المطر ، أبناء التراب !! .

دفنت تلك الأفكار المطرية في ذاتي المتسائلة حين وصلت إلى مبنى مديرية التربية ، كان المطر قد بللني تماماً ، فلُذتُ تحت سقف مرآب السيارات القرميدي ، ورُحتُ أنفضُ عني قطرات الماء التي تحّولت إلى بللٍ حين امتصّتها ملابسي .

دخلت المبنى الجديد ، كانت الفوضى عارمة في الداخل ، فقد انحشر الموظّفون والمراجعون والطلاب في سراديب وممرات المبنى ، منهم من ينتظر توقف نوبة المطر، ومنهم من جاء ليراجع في أمر ٍما  ومنهم من أتى ليرى نتائج مواده خصوصاً وأن قسم الامتحانات يضم كل نتائج المراحل الدراسية  الجميع يدخلون خائفين ويخرجون بعد لحظات ، بعضهم يوزع ابتساماته على من حوله فرِحاً ، وقد ضاق به المكان لسعادته بنجاحه ، وبعضهم الآخر يخرج كئيباً ، يائساً، دامعاً ، وقد ضاق به نفس المكان لدرجةٍ يكاد معها أن يختنق .

سألت الآذن العجوز عن قسم الفرز فأشار بيده المتجعدة إلى نهاية الممر على اليمين، خُضتُ في الزحام ثانية ، وقد بدأت تساورني شكوك شتى ، ماذا لو لم تصل أوراقي بعد ؟ ماذا إن فضّلوا علي أحد الذين لديهم معارف أو نفوذ ، فنحن في زمنٍ لا حول للبسطاء فيه ، ولا مكان للذين يشقّون طريقهم دون مساعدة ، لقد تعقدت الأمور واختلطت ، وسادت بيروقراطية من نوع جديد  بيروقراطية جيوبها المطاطية كبيرة ، بيروقراطية المحسوبيّات ؟!

تتوالى الأسئلة على ذاكرتي كالمطارق ، لكنني سرعان ما أُبعِدُ تلك الوساوس ، فأنا الناجح الأول في المسابقة التي أجرتها مديرية التربية لانتقاء مدرسين للغة الإنجليزية

طرقتُ باب مكتب مدير الفرز ، فتحته بهدوءٍ والخجل يحتلُّ تفاصيل وجهي الذي أُحسّه مُلتهباً ولا أزال أعاني من عقدة الخجل من الأساتذة ، حتى الذين علّموني في المرحلة الثانوية ، كنتُ حين أراهم يسيرون  في أول الشارع باتجاهي ، أهرع عائداً من حيث أتيت ثم أتوارى عن أنظارهم .

دون مقدمات ، ناولني مدير الفرز كتاب تكليف صغير ، و هنّأني ببر ود على قبولي مُدرِّساً جديداً في المدرسة الإعدادية لإحدى القرى النائية ، مُبارِكاً لي انضمامي لأسرة المدرسين ، متمنياً لي التوفيق  وحين قلت له أنني قدّمت طلباً للتدريس في مدرسة المدينة التي تعلمتُ فيها صمتَ قليلاً ثم أجابني بلهجةٍ عصبيةٍ لا تخلو من الارتباك :

هل تعتقد أن الأمر بيدي يا أستاذ ؟ لقد نال زميلك فرصة التدريس بتلك المدرسة وفهمك كفاية  تفضل ولا تحرجني أكثر ، مع السلامة .

وزميلي ذاك هو ابن أحد معاوني المحافظ في المدينة .

 توقف الباص العتيق الذي عايش الحرب العالمية الثانية – والتي لا تزال آثارها واضحة على هيكله الصدئ - بصعوبة بعد رحلةٍ طويلة استمّرت أكثر من ساعتين صعوداً و نزولاً عبر الطرق الجبلية الوعرة .

كانت القرية هادئة ، والشوارع شبه خالية ، وكانت ثّمة آثارٍ رومانية تناثرت هنا وهناك وتلاحمت مع بعض البيوت الإسمنتية الحديثة البناء .

ترجّلتُ من الباص حاملًا كتبي وأشيائي الخاصة في كيس بحّارةٍ قديم كان لوالدي ، أهل القرية البسطاء يُميزون بوضوحٍ كل غريب يطأ قريتهم ، لكن وجوههم المُكتنزة والفيّاضة بالبراءة تبعث على الودّ فلا يشعر الغريب بالوحدة ، سألت فلاحاً مَرّ بقربي ممتطياً حماره عن المدرسة ، فأشار بعصاه إلى بيتٍ حجريٍ كبيٍر مؤلف من طابقين ، ولم ينس أن يدعوني بكرمٍ فطري للاستراحة في منزله رغم أنها المرة الأولى التي يراني فيها .

 رحَّب بي مدير المدرسة الكهل،وهيئة التدريس القليلة العدد ، قال لي أستاذ مادة الرياضيات مازحاً :

-أهلا بك في منفانا السيبيري يا زميل !

لكنني لم أفهم ماذا يقصد آنذاك ، رددتُ التحية بخجل طالبٍ ثانويّ ، فكم أنا صغير أمام خبرات أولئك الأساتذة القدامى .

كانت المدرسة " الحجرية " كنيسة رومانية قديمة في مملكة " سالي " ،  هذا ما قاله لي أستاذ مادة التاريخ المهووس بالآثار الرومانية ، وبخاصة مملكة  " سالي " فقد ترك زوجته وأولاده وجاء إلى هذه القرية البعيدة الجليدية ليتابع دراساته حول هذه المملكة التي لاتزال القرية تحمل نفس اسمها " سالي " ، ويُصرّ ذلك المعلم على أنه يسمع في كل ليلة خميس وقع الدواليب الحديدية وحوافر الخيل وصليل السيوف على البلاط الحجري المحيط بالمدرسة والنبع الروماني القريب ، والذي لا يزال أهل القرية يشربون منه حتى اليوم ، بل أنه يتمادى في حديثه لدرجة أنه يعتقد أن ملكة سالي تزوره في ليلة كل ليلة خميس ، وتأمره بالبقاء معها  لذلك كان يمضي ُجلّ يومه بين أنقاض ديوان القصر الملكي الذي لا تزال أطلاله واضحة، ويعتقد أن سالي الملكة ستعود لتكرر المذبحة ، وكان ينتفض مشدوها حين  نجتمع لتناول الشاي، صارخاً :

ستعود ، لابد أن تعود ،  لقد قالت لي ذلك !!

 وحين سألته عن هذه الملكة ، أجابني بشيءٍ من الخشوع :

-إن هذه الملكة قد خلّصت شعبها من الفقر والفساد الذي كان سائداً، فرغم أنها مملكةٌ غنية إلا أن البعض احتكر غذاء الكل ، واستفحل خطرهم ، ولما لم تستطع أن تُعيد العدالة والحرية ، دعت كبار قادتها وتجار مملكتها إلى وليمةٍ كبيرة، وذبحتهم هناك ، ثم انتحرت فكانت  كبش فداء لشعبها المقهور الجائع.

وفوجئتُ أكثر حين علمت من مدير المدرسة أن أستاذ التاريخ هذا قد حصل على شهادة الدكتوراه من جامعة السوربون في باريس ، وكانت " سالي " أطروحته ، لكنه حين عاد وجد خطاب تعيينه هنا بدلاً من التدريس في الجامعة ،  فانفصمت شخصيته .

كان طلاب المدرسة الوحيدة يأتون من عدة قرى كل صباح سيراً على الأقدام ، أو على الحمير ، أو يتجمهرون فوق أحد الجرارات الزراعية النادرة الوجود ، وما أن يبدأ الدرس الأول حتى يغطّ معظمهم في نومٍ عميق  ، في البداية كنت أغضب كثيراً لعدم استيعابهم الدروس ، لكنني أصبحت أعذرهم  فيما بعد واضطر لإعادة شرح الحصة عدة مرات سيما و أنهم يعتقدون أن مدرس اللغة الإنجليزية لا بد و أنه جاء من دولة أجنبية ، أو هبط من كوكب آخر ، و أغلبهم يظن أن الشهادة الثانوية هي أخر محطة في رحلة العلم .

 لقد كان هناك الكثير من الأشياء التي لابد أن تفهمها تلك الأجيال المنفية البعيدة عن كل ما يسمى حضارة ، رغم أن سالي كانت هناك ،  بأوابدها الشامخة ، و المسرح الروماني لا يزال يردد أصداء ملاحم " دانتي " و " جلجامش " و أشعار " هوميروس " و أساطير " عشتار ".

-لا بد أن نذهب للتعزية !! قال لي مدير المدرسة بلهجة حزينة في ذلك الصباح الناصع البياض

 و قد كفّن الثلج القرية حتى النوافذ ، و سدت الطريق الوحيدة المؤدية إلى المدينة تماما .

 بدأ يشرح لي الأمر ونحن في الطريق ، وقد امتطينا بعض الحمير ، فبينما كان الثلج يتساقط بغزارة منذ عدة أيام ، كان في القرية المجاورة ثلاثة أخوة يؤدون خدمة العلم ، و يتحتّم عليهم الالتحاق بمواقعهم إلا أن الثلج قد حال دون ذلك ، فقرروا أن يغامروا بالنزول إلى المدينة سيرا على الأقدام ، و في الطريق تاهوا، و غاصوا في تل ثلجي عميق لم يستطيعوا التخلص منه فماتوا ، و بعد يومين انتشلتهم صدفة جرافة البلدية التي كانت تفتح الطريق ، و تبين أنهم كانوا ملتصقين ببعضهم في محاولة فاشلة لنشر الدفء في أجسادهم المتجمدة .

 عدنا إلى القرية بصعوبة ، و كانت السماء تنذر بعاصفة ثلجية جديدة ، و في تلك الليلة ، أصر مدير المدرسة على دعوتي إلى منزله لتناول "الدهن" ، قائلا بعد أن لاحظ  دهشتي :

-إن تناول الدهن في الليالي الثلجية طقس نحرص على تطبيقه ، خاصة مع الأطفال خوفا عليهم من أن يموتوا و هم نيام لشدة الصقيع في الليل !!.

في الصباح التالي ، أفقت على أصوات بعيدة تناديني بأن أنهض ، وحين فتحت الباب كانت دهشتي بالغة حين لم أر شيئا ، سوى بياض ناصع يبهر الأبصار ،  فمنازل القرية مغطاة تماما بالثلج ، و بعض الأهالي يحاولون فتح سرداب صغير بين هذه التلال الثلجية لإنقاذي من الحصار ، كان مستوى الثلج أعلى من سطوح المنازل ، وقد خشع قلبي و بصري لهذه اللوحة الطبيعية المستحيلة ، البيوت

و المدرسة و مركز البريد ، و أعمدة النور التي أصبحت مجرد أوتاد بعد أن غادرتها الكهرباء منذ زمن بعيد ، كل شيء قد اختفى ، ابتلعه الثلج ، و لم ينقذ أهل البلدة سوى حوامة عسكرية ، رمت أكياس الخبز و الشاي الجاف و بعض المعلبات فوق منزل المختار ، ثم غاصت في الغيوم الرمادية المنخفضة ، و لم تعد .

 في ذلك المساء ، و قد اجتمعنا حول موقد الحطب في منزل مدير المدرسة ، أعلن أستاذ التاريخ أن سالي الملكة غاضبة جدا ، و قد أمرته أن يتعمد بماء نبع القرية لأن وقت عودتها قد حان لتمنحه شرف الحرية من منفاه ؟!

 لقد كانت كلماته المرتجفة ممزوجة بإصرار غريب ، و نظراته المتراقصة تؤكد اقتناعه بما يقول ، لكننا  و قد اعتدنا على أفكاره الرومانية تلك لم نُعر للأمر أهمية بقدر ما أشفقنا عليه .

 في صباح يوم الجمعة التالي ، أيقظني آذن المدرسة باكرا ، كان منفعلا ، وطلب مني أن أذهب إلى المدرسة فورا ، فالمدير يريدني ، و رغم أنه يوم عطلة ، فقد ارتديت ملابسي وذهبت ، كان جميع الأساتذة هناك ، و أهل القرية ، و المختار ، و كانت المفاجأة حين طلب منا مدير المدرسة الذي بدا حزينا ، كئيبا ، و كالح الوجه أن نتبعه ، ثم سار بنا بين تلال الثلوج باتجاه أنقاض القصر الروماني ، و هناك كان أستاذ التاريخ طافيا فوق مياه النبع المتجمدة ، و كان عارياً .. ..

--------------------------------

أضيفت في 15/10/2005 / * خاص القصة السورية

 

 

 

 أخي ..

 

رنّ جرس الهاتف على مكتبي في الوظيفة الرسمية عدة مرات قبل أن أجيب ، كنت مشغولا بتنظيم البريد اليومي الذي سيدخل جناح الوزير للتوقيع عليه ، رفعتُ السمّاعة،جاءني صوته بعيداً ،ضعيفاً،مرتبكاً، ممزوجاً برجفةٍ واضحة :" أنا انتظرك في المطار !!".

المطار ؟؟ ما الذي جاء به إلى المطار ؟؟ ما الذي يريده من المطار ؟؟ لم بد ا صوته هكذا ؟؟

ارتجفت مفاصلي لمجرد التفكير بأي أمر سيء ،  فقد كنت قد أفقت للتوّ من صدمة وفاة أحد الأصدقاء ، و لم أزل أعاني من دواماتٍ مفاجئة تكتسح رأسي ، و من كوابيس و ذكريات تؤلم نفسي .

رميت القلم من يدي ، نهضتُ كالملسوع ، ناديت الآذن العجوز الذي أتى مهرولاً كعادته ، طلبت منه  الانتباه للمكتب ، ثم أخذت محفظتي و نزلت الدرج بسرعة ، لم اكترث للتحيات الصباحية التي ألقاها علي زملائي ، و ما أن خرجت من مبنى الوزارة إلى الشارع ، حتى لسعتني شمس تموز ، وأربكني ضجيج السيارات و فوضى الحركة.  قفزت إلى الرصيف المقابل ، تلمَّستُ محفظتي ثانيةً ، أشرت لسيارة أجرة سرعان ما توقفت، و طلبت من السائق الانطلاق إلى المطار بأسرع ما يمكن .

بدا لي الطريق طويلا جدا ، و كأن المطار في بلد آخر ، حاول السائق أن يحادثني لمجرد التسلية  و لكنه عدل عن فكرته ، حين لاحظ أنني أنظر إلى الأشجار التي تعبر بسرعة جنونية من النافذة .

عجيبة هذه الدنيا ، عجيب هو الإنسان ، أتساءل كم عيناً تعلَّقت على هذه الأشجارو هي تغادر الوطن ؟؟

كم نظرةٍ عشّشت بين الغصون تستجدي البقاء  ؟!..

طعم فنجان القهوة الصباحي المر لا يزال عالقاً بفمي ، تلمّست رقبتي ، فأدركتُ أنني نسيت ربطة عنقي على مشجب المكتب ، ِلم َ هذا الشعور بالاختناق رغم أن رقبتي حرة

أعلنت إذاعة دمشق في المذياع تمام الحادية عشر و الربع ، غيرّ السائق الإبرة نحو إذاعة أخرى، جاءني صوت فيروز الرّطب " يا جبل اللي بعيد ، خلفك حبايبنا .." طلبتُ من السائق أن يرفع الصوت قليلا ، لا أدري ما الذي يدفع عواطف الإنسان كلّها لأن تثورَ دفعةً واحدة !! أهو الحنين ؟ أهي الذكريات ؟ أهو الحزن الساكن نقيّ عظامنا ؟؟ أم السعادة التي أوهنت قلوبنا من كثرة الحلم بها ؟؟

أحسُّ ، وكأنّ بحراً من الدموع تحجزه عيناي و كم أخشى أن يفيض .

أيقظني شرطي المرور على باب المطار من شرودي ، طلب هويتي الشخصية ، قلَبها ، ثم أعادها ، تابعنا المسير حتى باب القاعة الرئيسية ، نقدت السائق الأجرة ، كانت كبيرة  لكنني لم أهتم كثيرا لذلك  شكرته و نزلت .

دلفتُ القاعةَ،فاجأني الضّجيجُ ثانيةً،جميع مَن في القاعة يتحركون بكل الاتجاهات وكأن مسَا قد أصابهم و أصوات مكبرات الصوت تُعلِن إقلاع طائرات،و هبوط أخرى ، تارةً تأمرُ المسافرين للتأهّب،وتارة أُخرى تتمّنى للقادمين السلامة ، و طيب الاقامة .

 ُجلتُ بنظراتي في أنحاء القاعة الدمشقية الفسيحة ، رأيته ، بطوله المميز ، واقفاً هناك بجانب حجرة الهاتف العمومي  ينظر مثلي ، كان واهناً ، ضعيفاً ، و عيناه معلّقتان على باب الخروج ، شعرتُ بأنه خائف ، ركضتُ نحوه ، رآني أركض باتجاهه، تعانقنا ، ربطتنا تلك الرّحم ، و ذلك الدم الواحد الذي يجري بجسدينا ، أحسستُ بالارتواء لما عانقته،حاول بحر الدموع أن يفيض ، أسكته حين مسح بيده المرتعشة دمعتي ، امتزج طعم الدموع بطعم المرار في فمي ، بلعتُ ريقي بصعوبة ، جلسنا على أحد المقاعد ، تأ مّلتُهُ ، رجوته أن يتراجع عن سفره إلى " ليبيا " ، أجابني بحرقة ، طلب مني أن أدعه ليُجرّب حظّهُ بالسفر ، تأمّلتهُ ثانيةً ، رأيتُ إصراراً ممزوجاً بالخوف في عينيه الزرقاوين رجوته ثانيةً لأن يبقى و يُكمِلَ دراسته ، ابتسم و صمت ، تناول محفظته الصغيرة ، فتحهاوأعطاني بعض الأوراق

وجواز سفره ، و طلب مني إكمال المعاملة في مكاتب المطار  فهو لا يحُسِن التصرُّف،سيما و أنها المرة الأولى التي يأتي بها إلى هنا،نظر بعضنا إلى الآخر بصمت،أحسسنا سوياً بمرارة الغربة،أخذتُ الأوراق وطلبت منه أن يتبعني .

بدأتُ أتنقَّلُ ِبخفّةٍ بين أروقة المكاتب الحكومية ، ختمٌ هنا ، و توقيع هناك ، استرقُ النّظر إليه و هو يمشي خلفي بتثاقل ، يجوب بنظراته التائهة على الناس ، و اللوحات الإلكترونية ، آه ، كم هو صغيرٌ  على السفر ، أتعجَّبُ من نفسي ، كيف أُنجز معاملةَ سفره بهذا الحماس ؟ بهذه الروح المنُفعلة ؟ما الذي يجري ؟ إني أُبعِده عني بيديّ ، إني أُعجّلُ في رحيله عن أمه،عني ، عن هذا الوطن ، آه ، كم هو واسع و ضيق هذا الوطن ؟؟

استرقتُ النّظر إليه ثانية ، وجهه مُصفرٌّ ،ضبط نظراتي هذه المرة، ارتبك،حاول أن يبتسم ففشل .

أمام مكتب التأشيرة وقفنا ، ناولتُ الموظف الأوراق و جواز السفر ، لا أدري لماذا تلمَّستُ الجواز ، فَرَكتُهُ بأناملي  أحسستُ أنه غضٌ ، طريٌ جداً ،وحين فتحه الموظف على إحدى الصفحات أمسكَ ختماً كبيراً،وختم الجواز  شعرت إذ ذاك بوخزةٍ قاسيةٍ في صدري وكأنَّ الختمَ كان على قلبي ؟ .

رمى الموظف الأوراق أمامنا ، وطلب منا التوجّه إلى باب المغادرة دون أمتعة،كانت أمتعته حقيبة صغيرة، توجّهنا مع بقية المسافرين إلى باب الخروج ، وهناك أوقفني شرطي إذ لا يُسمَح لي  بالمتابعة إلى باحة المطار .

وقفنا بصمتٍ ، بدهشةٍ ، كأننّا تمثالان من شمع ، أمعقول أننا سنفترق ؟؟

أمسكتُ بيديه ، كانتا باردتين ، بلعَ ريقه ، لم أستطع أنا ذلك ، فتح لي ذراعيه النّاحلتين و ضمّني  بقوة ، شعرت بأنفاسه المتُسارعة السّاخنة على عنقي ، سمعتُ قلبه المتُعب يبكي، أحسستُ بأوردته تحاول التّشبث بدمي ، لم أُرِد تركه إلا أن الشرطي نبّهنا بضرورة الإسراع،أبعدتُ نفسي عنه بصعوبة، فاضت دمعتان ، مسحهما بيده ثانية ، قال بأنه سيراسلني حين يصل ، طلب مني الاهتمام بصحتي وزوجتي ، و الأولاد ، ثم انخرط وسط الناس ، و ابتعد طيفه عني رويدا ، حتى بدا صغيراً  أمام ضخامة الطائرة .

أدركتُ الآن كم فقرنا كبير ، و أنه و القدر ، مُتّفقان على حياتنا،شعرتُ و كأنّه لا أحد في المطار سوانا ، عيناي التائهتان ، تنظران للأشياء و لا تريان شيئا ، تنهّدتُ  فخرجت تنهيدتي من صدري  كالجمرة،طعم حريق في فمي ؟ و الغربة تسكن روحي منذ الآن .

صعد أخي سلم الطائرة ، لم أعد أراه ، فاض بحر دموعي ، لقد غلبني و فاض ، أغرق روحي بفيضانه وأصبحت الدموع حاجزاً بيني ، وبين الرؤيا ، أقلعت الطائرة ، أٌقلع أخي  و أقلع معه قلبي .. ؟ ..

 

 

المحفظة ..

 

انسحبت آخر شعاعات الشمس بهدوء معلنة بدء المساء،ونهضت الرياح من سباتها الطويل جالبة معها قطعان غيوم رمادية ، ناشرة رائحة المطر

كنا في أوائل كانون،ونسيمات الشتاء باردة ، تلفح الوجوه ، و تهزّ أوراق أشجار الأرصفة ، بدأ  الناس يستعدون لاستقبال هذا الضيف البارد ، فالشتاء بالنسبة لأهل المدن عبء ثقيل ، تكتظّ الأسواق بالمواطنين فجأة ، فهذا يحمل مدفأة جديدة ، و ذاك ينوء تحت ثقل " بيدون المازوت " الذي ملأه من محطة المحروقات ، إنه الشتاء ، هذا الهمّ الكبير الذي هبط من السماء فجأة .

انهمرت قطرات المطر الأولى بخفّة على الأرض العطشى ، فتشرّبتها بسرعة،وما هي إلا دقائق ، حتى استحمّت الأشجار ، نافضةً  عنها غبار الخريف ، و اغتسلت الشوارع  ففاحت تلك الرائحة الرّطبة المحُبّبة ، و انعكست أضواء أعمدة النور على الإسفلت النظيف ، أما في الأحياء النائية المتناثرة على أطراف المدينة ، فقد غاصت شوارعها الضيقةوغير المُعبّدة في بركٍ من الوحل ، وبدت البيوت الطينية الصغيرةوكأنها قد تكوَّرت على نفسها لاتّقاء الريح ، محاولةً التشبّث بأسقفها المكونة من صفائح الزنك الصدئة .

في أحد تلك البيوت ، كان " أسعد " يحاول إشعال " بابور الكاز " لينشر بعض الدفء لأولاده النيام ، إنها العاشرة ليلاً الآن ، و لا بُدَّ له أن يذهب إلى مبنى البلدية لاستلام العَرَبة قبل البدء بعمله الليلي ، نهض بسرعة ، ارتدى لباس العمل البرتقالي  انتعل حذاءه المطاطي ، رمق أطفاله بنظرةٍ حنونة  ثم حمد الله مرتين ، و أغلق الباب الخشبي المُتفسّخ خلفه،وضاع في عتمة الليل .

وصل إلى البلدية بعد عناء ، استلم عربته البرتقالية المهترئة ، والتي تفوح منها رائحة العفن وكذلك مكنسته  الشعثاء ذات الساق الطويلة ، ثم توجه إلى قطاع عمله في شوارع المدينة الحديثة .

كان أسعد في الأربعينيات من عمره إلا أن ملامحه،وتجاعيد وجهه الكثيرة وسحنته الداكنة ، تعطيه ُعمراً أكبر وكأنه شيخ عجوز ، زملاؤه في العمل يلقبّونه بالأعرج ذلك أن ساقه اليمنى أصبحت أقصر من اليسرى بقليل بعدإصابته أثناء حرب حزيران عام سبعةوستين، فهو حين يمشي،يبدووكأنه يصعد و يهبط بوتيرة منتظمة .

شرع يكنس الشوارع يشكل روتيني اعتاد عليه لأنه يحفظ كل شبر من المنطقة المكلف بتنظيفها كثيراً مايُصاب بالضيق حين يصل أمام بعض المنازل الفخمةفالشوارع هناك تكون وسخةجداً وخاصة في الليل ، يتساءل دائما ، " لماذا لا تكثر القمامة إلا أمام منازل الأكابر ؟؟. "

لكنه يقوم بجمعها بتأنٍّ ، و ينظف مكانها .

كان الجو بعد منتصف الليل هادئاً ، رطباً ، منعشاً ، يوحي بنوبة مطرٍ جديدة ، وحين وصل إلى أحد المفارق،انعطف، وحاول تثبيت العربة الثقيلة الممتلئة بأكياس القمامة ثم وقف ليلتقط أنفاسه المتعبة، و بينما هو كذلك ، لمح شيئا صغيرا ملقى على الرصيف . 

اقترب ببطء  ، تسمّرت عيناه ، دُهش لما رأى ، إنها محفظة جلدية سوداء منتفخة، التقطها أسعد بيدين مرتعشتين ، فتحها ، وجدها مليئة بأوراقٍ نقديةٍ خضراء لم يعرف ماهيتها ، دسَّ المحفظة في جيب سرواله ، وحاول متابعة عمله ، لكنه سرعان ما انتابته نوبة قلق شديدة :

" ترى من يكون صاحب المحفظة ؟؟ لا بد أنه يبحث عنها الآن ؟"ثم حزم أمره وقرّر أن يُسلِّمها لمخفرالشرطةالقريب،وهناك وقف أسعد أمام صف الضابط المناوب مُعلناً أنه وجد محفظة نقود،تناول الشرطي المحفظة،قلَّبها،نظر إلى أسعد نظرة شكٍّ ، ثم قرر احتجازه حتى الصباح ، ريثما يتم الإعلان عن المحفظة المفقودة.

لم يفهم أسعد أبعاد الموضوع ، و لماذا يريدون احتجازه ، طلب من الشرطي إذناً للذهاب لتسليم العربة ، ووعد أن يعود ، إلا أن الشرطي رفض بشدة ، ارتبك أسعد فقدطلع ضوء النهار،و إن تأخرعن موعد تسليم العربة ، سيتّهمه ناظر البلدية بالتقصير وبأنه كان نائماً أثناء الليل، و سيفصلونه عن العمل ، فالعربة مهمة جداً بالنسبة لهم  وزميله في الوردية الصباحية سيكون بالانتظار و سيصبح بلا عمل هو الآخر .

توسّل إلى الشرطي ثانية ، لم يكترث الأخيرله ، زجره ، وأمره بالتزام الصمت  وأفهمه بأنه لا يستطيع إخلاء سبيله قبل قدوم صاحب المحفظة ، و التأكد من صحة المبلغ الموجود  . 

فقد أسعد الأمل بالذهاب ، وجلس على بلاط الدرج ينتظر ، مرّت الساعات بطيئةً، ثقيلةً، ممُِلّةً

وقبيل الظهر ، وقفت سيارة فارهة أمام المخفر ، نزل منها رجلٌ بدينٌ  يحمل بيده سيجاراً كبيراً  دخل المخفر بسرعة ، غير آبهٍ بأسعدَ الذي ألقى  برأسه على الجدار،واستسلم لإغفاءة عميقة .

صرَّح الرجلُ بأنه صاحب المحفظة،ولم يلحظ فقدانها بالأمس،فقد سقطت منه سهواً وهو يهمُّ بمغادرة أحد الملاهي الليلية .

ناوله الشرطي المحفظة بعد إعطائه لأوصافها،وقال بأن عامل التنظيفات أسعد،هو الذي وجدها صدفة  فتح الرجل محفظته ، وبدأ  يَعُدُّ النقود بلهفةٍ واضحة ، ثم أعلن بأن المبلغَ كاملٌ،إذ ذاك نادى الشرطي أسعداً،وحيّاهُ لنُبله واعتذر منه عن سوء الظنِّ،مُعرِّفاً إياه على صاحب المحفظة الذي شكره وصافحه بحرارة ، ثم ناوله خمسون ليرة عربوناً على إخلاصه وأمانته.

انطلق أسعد إلى البلدية بأسرع ما أمكنه ، ثم توجّه بعدها إلى بيته الغارق في الوحل،عاد إلى بيته يائساً ، خائباً ، قلقاً .

لقد حفظ أسعد الأمانة ، لكنه خسر الوظيفة ؟؟.

 

 

الميت الذي عاد …

 

 

لم يكن في غرفة المشفى البيضاء إلا ثلاثة أشخاص ، عمي،وشقيقي الأصغر وطبيب العناية المشددة الذي أعلن وفاتي رسمياً بعد أن نزع عن صدري المسابر الطبية والكهربائية التي زرعوها على جسدي عند دخولي قبل ساعتين .

أعلن الطبيب النتيجةَ بكلماتٍ باردة اعتاد عليها :

- " إن القلب قد توقف جرّاء سَكتةٍ مفاجئة وحدثت الوفاة ، الأعمار بيد الله"ثم أغلق الباب خلفه تاركاً الاثنين الواقفين بجانب الجثة في ذهول،ما لبثا أن انفجرا ببكاءٍ مرير

تمت إجراءات شهادة الوفاة بسرعة غريبة ، و نقل الجثمان إلى سيارة الإسعاف التابعة للمشفى كي يتم دفني في مقبرة البلدة .

دقات القلب توقفت ، و توقفت معها الحياة ، و الذكريات ، و الطبيعة ، كل شيء توقف فجأة تجمّد الزمن في عروقي ، و النور انسحب إلى الكون الأزلي ،وهاأنذا الآن في بحر الصمت السرمدي لكنني أرى كل شيء ؟ أسمع دبيب الحركات  و فحيح الأصوات ، و همسات الطبيعة ؟ ياإلهي ؟؟ إني أعي تماما ما يدور حولي ؟ كيف ؟؟؟

هاأنذا ممدد على أرض القاعة الخاصة بالمآتم ، إنها قاعة النساء ، أرى جثتي ، أرى الناس، هاهم أخوتي ، أعمامي ، أصدقائي ، الجيران ، جدي ، وآه ، هاهي ذي أمي  وجهها مُزرقٌّ ، أسمع صوتها المتحشرج فوق رأسي ، إنها تبكي بوقار ، تناديني ، تفرك يدي برفق ،تمسح جبيني بفوطتها المبللة بالدموع ، ثم تُقبّلَ وجنتي الباردة ، آه لو أنني أستطيع مناداتها،كيف يحدث هذا،لا شيء حولي سوى فضاءٍ شاسعٍ ، وصمت، يا لهذا العالم الواسع الذي أراه !! يا لهذا الكون الفسيح اللامتناهي، أشعر بأنيّ أطير ، أرى نفسي طفلاً يرضع ، أرى نفسي في المدرسة ، بين زملائي ، أرى أبي الذي مات منذ سنوات ، كل هؤلاء يسبحون في لون وردي بديع،كل شيء لونه وردي،ويطير في الفضاء ، و كلهم يبتسمون! لكنهم يقولون شيئاً واحداً ، إنني اسمع أصواتهم ، كلهم يهمسون بصوت واحد "لا نريدك  ارحل من هنا ، هيا ، ارحل الآن .. الآن .."

يا لهذا النفق الطويل  الطويل ، يالهذا النور الساطع ، يا لهذه القدرة ؟! كم أشعر بالصفاء ، بالسعادة ينتابني شعور بأن أحُكَّ رأسي ،لكن أين يداي ؟؟ لا يدان لي ؟! لا قدمان ، لا وجه،لاجاذبية  لاشيء سوى عينين تبصران كل شيء و لا تستطيعان فعل شيء، لا شيء سوى السباحة في هذا اللون الوردي نحو ذلك الضوء الساطع جداً في نهاية النفق .

انظر خلفي ، هاأنذا مسجى في وسط المحفل ، و الناس تأتي جماعات ، و أسرتي تتقبّل التعازي بوفاتي  وجدّي المُسنّ يقف مُتّكئاً على عصاه بين أخوتي و أعمامي ، و الكل ينشج بصمت .

لقد ألبسوني ثياباً سوداء ، وربطة عنقٍ حمراء كنت أحبها كثيراً ، هاهم أصدقائي يتقدّمون نحوي،يلفّونني بكفنٍ ناصع البياض ، ثم يضعونني في تابوت خشبي مُزخرف !! إنهم يحاولون حمل نعشي !ينجحون ، ثم يتوجهون نحو الباب الرئيسي ، إلى المقبرة و تتعالى الأصوات و الصرخات ويزداد النحيب .

لم تكن المقبرة بعيدة ، أنظر إليهم ، َجمعٌ من الناس يمشون بصمت وخشوعٍ أمام رهبة الموت و فوق أكتافهم تابوت ، بعضهم يحمل أزهارا ، ويقفون بين الفينة و الفينة يتقبّلون التعازي من المارة .

بينما كنت أطير نحو نهاية النفق الوردي ، وذلك الضوء الساطع ، وقفت فجأة وسط تلك الأشكال الوردية البديعة !! لا أدري ما الذي أوقفني ، أية قوة ؟؟ ثم بدأت أنسحب إلى الخلف بسرعة لا مقاييس بشرية تستطيع التحكم بها،إنها سرعة قدرية!! لقد تراجعت المناظر كلها و الوجوه والأشياء  و الألوان المختلفة ، كل هذه الملاحم تتباعد عني  و أنا انسحب إلى الوراء .. إلى الوراء  ، إلى أن أصبحتُ  فوق الجمع،فوق جسدي كيف يحدث هذا ؟ تأمّلتُ وجوه الجميع ،كلهم عُبُوسٌ، ثم وكمن يقع من ارتفاعٍ بسيط اصطدمت بالتابوت ، ثم بجسدي .

كانت الصدمة قوية،وبدأت أشعر بالخدر في يدي ، أحسست بأصابع قدمي،برأسي، تحركت رئتاي امتلأتا بالهواء المعطر الصاعد من ثيابي الجديدة ، لقد بدأت أمتلك جسدي !! حاولت أن أتنفس ثانيةً  نجحت بصعوبة ، لكن سرعان ما انتابني شعور بالهلع ،كيف سأخرج من هذا التابوت ؟ كل شيء حولي مظلم ، و هاهم قد وصلوا إلى المقبرة ، لا بد لي من أن أنتهز الفرصة حين يفتحون باب التابوت واصرخ ، يجب أن اخرج من هنا ، يجب أن أتخلّص من هذا الكفن الملتف على جسدي والذي يحجب عني الرؤية.

لقد أصبح التابوت على الأرض الآن ، كل شيء جاهز، القبرُ محفورٌ و مفتوح كما يجب لاستقبالي  أشعر بوقع خطواتهم نحوي ، يحاولون فتح التابوت ، هاهو الغطاء الخشبي يرتفع ، رئتاي تمتلآن بالهواء البارد المنعش ، يحاولون حملي ، سأنتفض ، ثم انكمشت على نفسي و لملمتُ قواي  وقذفت بجسدي كي أفلت من بين أيديهم ووقعت على الأرض .

صُعِقَ الجميع،ركض جدي نحوي ملهوفاً،وهو يبكي،ويفكّ أربطة الكفن عن وجهي، فتحتُ عيني، آه  إنه وجه جدّي المُغتسل بالدموع، و المسكونِ بالدّهشة،ضمّني إلى صدره بشدة،و راح ينتحب ولكن بسعادة هذه المرّة.

عودتي كانت مفاجأة ، وأية مفاجأة ، حملوني على ذات الأكتاف، وراحوا يزغردون بانفعال عائدين بي إلى القرية ، إنني الميت الوحيد الذي عاد ، وقبره معه  إنني الميت الوحيد الذي لم يمت  

 

 

 مأساة محاسب

  

كان مكان عملي يبعد عن بيتي مسير عشر دقائق اقطعها يومياً على دراجة هوائية عتيقة استعرتها من أحد أصدقائي ، كنت سعيداً  بعملي إلى حدٍ بعيد لأنه وقاني شرّ الفاقةخصوصاً و أنني متزوج

 ولدي طفلة ، و لم أعد عاطلًا عن العمل بعد إنهائي لدراستي الجامعية .

أنصاعُ لقيود الروتين اليومي بملء إرادتي ، و في المساء ، أودّع زوجتي _ التي كانت في الماضي زميلتي في الدراسة – وابنتي ثم امتطي دراجتي شاقاً الطريق الزراعي الوعر إلى مكان عملي وهو "مطعم كبير و ناد ليلي فخم فئة الخمس نجوم ."

حين أصل إلى النادي ، أعاني كثيراً من عدم استجابة أطرافي لإرادتي ، وبخاصةٍ أناملي التي تكون قد تجمّدت من شدة الصقيع، و بعد أن أشحن جسدي ببعض الدفء من أحد المكيفات ، ألج الصالة

وأجلس خلف كرسيَّ المخصص ، ذلك أنني كنت أعمل محاسبًا لصالة المطعم .

كان البرنامج الفني يبدأ في العاشرة و النصف ليلًا ، و ينتهي في الثالثة صباحا – بعض الأيام يمتد أكثر من ذلك – و طبيعة عملي سهلة إلى حد ما ، حيث كنت أقوم بجمع طلبات الزبائن على فواتير خاصة ، ثم أجمع النقود ، و أسُلّمها لصاحب النادي – كثيرًا ما كنت أُصاب بالدهشة للمبالغ الطائلة التي كان الزبائن يدفعونها بسخاء و علامات الرضا و السُّكر باديةً على وجوههم المنتفخة،بل

 ويكرمون النادل الذي استعبدوه ليخدم نزواتهم و ينفذ أوامرهم الغريبة .

في كل يوم خميس ، يستبشر الجميع خيراً ، بما فيهم صاحب النادي و مديرها و"ميتر الخدمة "، قال لي أحد النُدَّلِ ذات مرة :

-" في يوم الخميس يا أستاذ ، لا تعرف من أين تأتيك النقود ، إنه يوم تفرج فيه الكُرَب ، كأنه ليلة القدر ." لكنني كنت أكره هذا اليوم لكثرة ما كانت ترهقني الفواتير المنهمرة ، والمبالغ الخيالية التي تصلني من الزبائن .

تعدّت الساعة الحادية عشر ليلاً ، و لم يكن في الصالة سوى قلة جدا من الزبائن لا يتجاوز عددهم أصابع اليد ، رغم أنه يوم خميس .

بدأ البرنامج الفني في موعده ، وكان ثمة مطرب شاب يزعق تارة، و يعوي حيناً ومن خلفه أعضاء فرقته الموسيقية  يعزفون كالمجانين ، والحضور يتمايلون طرباً و قد لعبت الخمرة في رؤوسهم .

كان السّأم قد بدأ يدبُّ في نفوس العاملين،حينما اندفع أحد الُندّل فجأة إلى داخل الصالة، والبشاشة تغمر وجهه،هرول بين الطاولات بخفّةٍ،وهمس بأذن"الميتر" ثم تابع نحو زملائه المتجمعين حول البار وتمتم بضع كلمات فهمت منها أن أحد"أرباب المال"قد وصل،ومعه ثُلّةٌ من أصحابه و"جواريه ".

لحظات قليلة ، ثم تحولت الصالة إلى خلية نحل ، لا أكاد ألمحُ نادلاً ، إلا و قد امتلأت يداه حاملًا شتى أنواع الأطباق ، وكلها متوجهة نحو طاولة البيك المحاط بالغواني  واحدة تمسح كرشه ، و أخرى تضع حبة عنب بين فكيه ، و ما أن يصفق بيديه ، حتى يتكوم كل من في الصالة لتنفيذ أوامره .

في الواحدة صباحا ، بدأت فقرة الرقص الشرقي ، و اعتلت المنصة راقصة عرَّت أكثر مما سترت وراحت تهز نهديها و ردفيها وكأن جسدها قد أصيب بمسّ ، كنت أحدق بالقطع النقدية الكبيرة التي ينثرها الحضور باتجاهها ، وبقدميها العاريتين،تدوس تلك الأوراق التي تحمل تذكارات لأوغاريت

وصلاح الدين وزنوبيا، وآلهة الينبوع .

صحوت من دهشتي ،فوجئت بنادل يناولني كمية كبيرة من النقود – كلها من فئة الخمسمائة ليرة – وقال لي زاعقاً :

_" البيك يريدنا أن نصنع من هذه النقود طوقا كبيراً !!".

نفّذنا الأمر بسرعة ، وعاد النادل إلى البيك الذي وقف،و ترنَّح ، ثم توجّه إلى الراقصة التي طأطأت رأسها بغنج،قلَّدها الطوق بفخرٍ،ثم قبَّلها، وجلس بهدوء ليفرغ كأس وسكي آخر في كرشه المتُخم .

استمر البرنامج الفني حتى السادسة صباحا ، تذكّرتُ ديوني الكثيرة ، وابنتي التي ستكمل عامها الرابع بعد غد ، وكم طلبت مني أن اشتري لها دراجة صغيرة  كدراجة ابنة الجيران ، دمعت عيناي وسط هذا الصخب المجنون ،ترى ، ما قيمة الدموع في مكان كهذا ؟؟

أيقظني نادل آخر من شرودي ثانية ، أخذ فاتورة البيك ، وذهب مسرعاً ، ثم عادومعه كمية من المال ، رماها على الطاولة و انصرف .

عددت النقود ، ألف ، اثنان ، خمسة ، سبعة ، أحد عشر ، وكانت الصدمة ، أربعة عشر ألفا

وخمسمائة ليرة ، و المبلغ المطلوب يزيد بثلاثمائة ليرة ، أخذت النقود  وتوجهت إلى عمق الصالة

فلم أجده ، فقد غادر في غمرة انشغالي،رن جرس الهاتف وجاءني صوت صاحب النادي عصبيا :

_ " ماذا تفعل حتى الآن ، اجلب لي النقود ، و تعال فورا . "

جمعت كافة النقود  وأخذتها له ، عدّها مرة ، مرتين ، دققها مع الفواتير ، توقف عند فاتورة البيك  حدَّق فيَّ دونما تركيز ، فأدركت أنه سكران ، وقف على قدميه ، ثم صرخ بوجهي :

"– أين باقي النقود أيها المحاسب ؟؟".

ارتبكت ، تلعثم لساني ، حاولت أن أشرح الأمر ، لكنه اقترب مني مُترنّحاً، ثم صفعني بشدة ، وقال

-" أنت مطرود ؟؟؟"

 ثم استقلَّ سيارته و ذهب …

 

 

 

الحلّاب

 

 

" تازة يا حليب ، تازة الحليب "، كان صباحنا يبدأ بهذه العبارة ، بهذه الجملة ، بهذه الأغنية اليومية التي يتفنّن الحاج " أبو يوسف"بغنائها لأهل الحي مُعلِناً بذلك بدء صباح جديد .

كنت أضبطُ ساعتي يومياً على نغمة هذا الصوت ، " تازة الحليب "يعني أن الساعة الآن السادسة

والربع بالضبط .

منذ عشرين عاما ، كان والدي – الحي آنذاك و الشهيد الآن – يضبط ساعته أيضاً على صوت الرجل كما يفعل معظم رجال الحي ،كان لصوته نغمة مميزة ، حنونة ، تدخل بيوتنا و آذاننا و قلوبنا كل صباح ودونما استئذان فصوت الحلاب الذي صقلته الخبرة بالإضافة لفنجان القهوةوصوت فيروز  ُيشكّلون زاداً معنوياً لنفوسنا القلقة .

كنا نمُيّز صوته فوراً ، رغم أنه يختلط في بعض الأحيان بأصوات الأطفال الذين تركوا المدرسة  وراحوا يجوبون الشوارع ، يشترون الخبز اليابس من الأهلين لكسب لقمة العيش ، و أحياناً يخلطون كسرات الخبز الجافة بالماء ليصنعوا منها عجينة  للصق الأكياس الورقية ،و بيعها للبقاليات من أجل كسب إضافي – ودائما نتعاطف معهم ، فنعطيهم الخبز اليابس الذي يكون قد تجمّع على مدار الأسبوع دون مقابل ،كانوا يفرحون بذلك كمن وجد ثروة ،أبو يوسف أيضاً ، الرجل الستيني  المحدودب الظهر ، الفلاح الفقير الذي أفنى حيا ته بين  المواشي،وبيع الحليب،يتعاطف معهم، يأسف لأجلهم ، و يجود عليهم ببعض الحليب ليكون إفطارهم الوحيد .

حلَّ الشتاء سريعاً هذا العام و دونما إنذار ، استيقظنا في ذلك الصباح المعطر برائحة المطر ، و رائحة التراب الرطب المنُعشة،أفقنا لوحدنا،لم يدغدغ صوت الحلاب آذاننا،شعرنا بأن شيئاًما ناقصاً ، إنه كوب الحليب اليومي الطازج الذي لم يكن على مائدة الفطور .

تجاوزت الساعة السابعة صباحاً،والحلاب العجوز لم يأت بعد ، ارتديت معطفي و خرجت إلى الشرفة ، جلت بنظراتي على طول الشارع ، لم أره ، رأيت بعض رجال الحي ممن افتقدوه أيضا واقفين على شرفات منازلهم ، يتساءلون فيما بينهم عن تأخر الرجل و هو الحريص على توزيع الحليب كل صباح وفي أقسى الظروف دون تأخيركان يفتخر بدقته،ويردد باشّاً"أنامثل ساعةبيغ بن"

فتح أحد الجيران باب شرفته،وآثارالنوم بادية على وجهه،ألقى علينا تحية الصباح ، ثم فاجأنا جميعا :

- لا تنتظروا الحلاب هذا الصباح فهو لن يأت لأنه طريح الفراش لا يستطيع حراكا!!..  المسكين  تعرض بالأمس لحادث سير رهيب كاد أن يودي بحياته .

صَدَمَنا الخبروأَسِفنا له، ثم تابع الرجل حديثه :

-كما تعلمون ، فنحن نشتري الحليب منه منذ عشرين عاما ، لا أذكر أنه تخلف يوما لكنه اعتاد أن يقود حماره إلى السوق  القريب كل يوم بعد انتهائه من بيع الحليب  ليجمع بقايا الخضار من أجل  المواشي،وبالأمس،بينما كان يحاول عبور الشارع صدمته سيارة سوداء،فأغمي على الشيخ ونفق الحمار،شاهدت الحادث بأم عيني ،يا لطيف كان حادثاً  رهيباً، و لو لم يكن أبو يوسف بجانب الحمار لمات أيضا  لكن الحيوان امتصّ الصدمةَ و انقلب جسده إلى حجرة القيادة ، فتكسّر زجاج السيارة الأمامي ، و سقط الحمار على السائق فاختنق الأخير ، وحين  أسعفنا الرجلين بإحدى شاحنات الخضار إلى المشفى ،  تبيّن أنّ ظهر الحلاب مكسور  و لديه بعض النزف في أحشائه ، ما رأيكم لو نزوره  فلرّجل فضل علينا و على أطفالنا .

وافق الجميع بدون تردد ، و اتفقنا على عيادته في منزله ، فكلنا نعرف أين يعيش .

في مساء ذات اليوم ، ذهبت مع رجال الحي لزيارة الحلاب ، كان البستان الذي يعيش فيه جميلاً  واسعاً ، و أشجار الزيتون و الورد تُغطّي المكان ، و تلك الرائحة المميزة للخضرة أشعرتنا بأريحيّة .

لم يكن في  البستان الفسيح إلا بيت الحلاب الطيني بالإضافة لزريبة المواشي الملاصقة،دخلنا المنزل المتواضع ، أذهلتنا رؤيته مُكفَّناً بالجّبس ، و ما إن رآنا ، حتى اغرورقت عيناه بالدموع ، لم يستطع تحريك مفاصله ، واسيناه ببضع كلمات رقيقة ، وبأن يحمد الله و يصبر ، جلست بقربه وبدأ يشرح لنا الحادث بصوتٍ واهن ، و قد اختفت تلك النغمة العذبة :

-لا أدري يا جماعة إن كان الحمار هو السبب في موت الرجل أم سرعته ، لقد رآني و أنا أعبر الشارع لكنه لم يقف ، كأنه يريد أن يمَُرَّ فوقنا ، لقد كان مُستعجلاً جداً ، ولم أستطع رؤيته لأن نوافذ سيارته سوداء ، لكن، ألم يرني هو ؟؟ ألم ير الحمار؟؟ لقد كان هذا البهيم رفيقي منذ عشر سنوات ، يفهم علي و أفهم عليه."

تعوَّدنا بعد ذلك على شراء الحليب المبستر من البقالية ، لم يعد له تلك النكهة ، لم يعد للفطور أهمية  و أصبحنا نستيقظ متأخرين .

في ذلك الصباح التشريني الرطب ، أفاق أهل الحي على صوت مختلف ، قوي النبرة  صوت شاب صغير ، دفعنا الفضول لمعرفة صاحب الصوت،إنه يوسف،ابن الحلاب"تازة الحليب،تازة الحليب " تحلّقنا حوله ، سألنا ه عن أحوال أبيه ، صمت قليلا  ثم قال بأسى :

" – لقد أعطاكم عمره  منذ عشرين يوماً بعدما أُصيب بنزيفٍ حاد ، و دفنّاهُ في البستان كما أوصى وأنا تركت المدرسة لأنه لا يوجد من يعيل الأسرة غيري ويجب أن يكمل أخوتي تعليمهم ."

ثم مسح دموعه بكمّ قميصه ، و أمسك برسن حماره الصغير و قال باسماً :

_ " ماذا ؟ ألا تريدون حليباً هذا الصباح ؟؟؟."

 

 

المزهرية

 

 

تسلّلت شعاعات الشمس الأولى بخجل على أروقة دمشق القديمة مخترقةً أغصان شجر الصفصاف

والنارنج المحُيطة و مُعلنة انبلاج فجرٍ جديد .

بدأت المآذن في أرجاء المدينة النائمة تدعوا الناس للقيام ، للصلاة ، للسعي ، لذكر الخالق و اختلطت أصوات المؤذنين بتغريد طيور السنونو التي افتتحت صباحها بتحليقٍ استعراضيٍ ، سريعٍ ، و نشيط .

إنه يوم جديد ، كل فرد يَعُدُّ العُدَّة لاستقباله على طريقته ، روائح الخبز الشهية المنبعثة من الأفران القريبة تعلن بدء إنتاجها،وغناء فيروز القادم من إحدى الدكاكين ينعش في النفس أريحيّةٍ محُبّبة. أصحاب المطاعم القريبة من"باب الجابية"يتبادلون تحيات الصباح بذات الطقس الروتيني اليومي وبعواطف بلا حرارة ، باعة الألبسة المستعملة بدؤوا بنشر بضاعتهم والمُقعدون الذين يبيعون الدخان المُهرَّب احتّلوا أماكنهم المعهودة و قد سجّل كل واحدٍ منهم  اسمه تحت كرسيه المتحرك وراسما مربعا على الإ سفلت مُعلناً بذلك أنَ هذا المربع مملكته ، عالمه ، مصدر رزقه ، حدوده التي يدافع عنها بكل تحدٍّ و قوة ضد أي متطفل،وأي كرسي متحركٍ آخر يحاول احتلال المكان،وعلى الرصيف المقابل المتُسخ ، كانوا هناك ، ُثلّة من أشباه الرجال ، الأكثرية كانوا من الجنود المتقاعدين وكبار السن يفترشون الرصيف،وإلى جانبهم معاولهم الصدئة و أدوات أخرى،يسترقون السمع لصوت فيروز  الذي يرسل طمأنينة خادعة و مؤلمة في نفوسهم .

الجميع يحدقون بالإسفلت البارد فتنعكس النظرات التائهة الضائعة بحبيبات الرمل إلى وجوههم المصفرة  الجائعة .

إنه يوم جديد ، و هؤلاء الناس يأملون بالحصول على عمل يسدُ رمقهم ورمق عيالهم.

تعدَّت الساعة التاسعة صباحاً،وإذاعة لندن تبدأ ببثّ أخبار العالم العربي،معظمها أخبار عن القتل والذّبح و الاغتيالات، والانشقاقات العربية العربية .

بدأ الضجر يتسلل إلى النفوس ، والعيون التي فقدت بريقها ، و فقدت الدهشة .

لحظات تمرُ ، وفجأة ، تنعطف سيارةٌ سوداء بسرعة كبيرة ثم تتجمّد في مكانها بعد أن صدر صوت حادّ من دواليبها الجديدة،كان بداخلها رجل بدينٌ،بارد النظرات،مزركش الثياب،وما ان أنزل زجاج النافذة حتى تجمهر الجمع حولها،وبدأ الكفاح من أجل الوصول إلى نافذة الرزق لإنجاز العمل الشاق مهما كان نوعه.

ثوانٍ معدودة اتفق خلالها صاحب السيارة مع أنيس ، الرجل المُسنّ الأشيب الشعر،وحين همَّ بركوب السيارة الفخمة،ناوله الرجل كيساً من النايلون ليفترشه تحته خوفاً على مقعد السيارة المخملي من أن يتسخ،كانت ثياب أنيس مهترئة رغم محاولاته الكثيرة لمعالجتها بالرقع الملونة .

لم يستغرق الطريق طويلاً للوصول ، كان المنزل قصراً مبنياً من الرخام الأبيض ومسقوفاً بقرميد أحمر على الطراز الفرنسي ، والحديقة المحيطة بدت وكأنها قطعة من الجنة ،و أفهم أنيس أن مهمته هي إصلاح بعض التمديدات الصحية في المطبخ .

دلف الرجلان من الباب الخلفي للمطبخ ، تأمل أنيس ما حوله ، تساءل في قرارة ذاته  أمطبخٌ هذا أم جزء من متحف ، ما هذه الأجهزة الموزعة في كل مكان يا ترى ؟ إلا أنه كثيراً ما تعجّب عندما وقع بصره على جهاز تلفاز كبير الحجم،هل يعقل أن يوجد تلفاز في المطبخ ؟وتذكر كم يتوسّل له أطفاله يومياً لشراء جهاز ولو صغيراً،امتقع وجه أنيس حين تذكر أطفاله ، تحسَّر، بلع ريقه ثم استغفر ربه وبدأ العمل بصمت .

ثماني ساعات أمضاها في عمل دؤوب ، لم يُقدَّم له خلالها شيء من الطعام ، ولا حتى كوب شاي إلاّأن الخادمة حنَّت عليه أخيراً وجلبت له طبقاً فيه أرز من يوم فائت  ثم قالت له بشيء من الخوف: "- كله بسرعة يا أخ،لأن ستي إذا رأتك تأكل في المطبخ ستطردني ، أرجوك ، كله بسرعة ".

احتار أنيس بادئ الأمر ، فكَر ، حاول أن يعيد الطبق للخادمة ، شعر ولسبب ما أنه يُهان ، كيف يأكل خلسة ، هل يسرق حين يأكل ثمن تعبه ؟ لكن لا بد من الاختيار الآن بين المشاعر النبيلة وبين المعدة الفارغة ،ثم شرع بتناول الطعام رغم صعوبة ابتلاع الأرز الناشف و البارد .

انتهى أنيس من عمله في الساعة الثامنة مساء،و بينما كان ينظف المكان،حدثت الكارثة ، فقد سقطت إحدى المزهريات القريبة بدون قصد منه، فتحطمت، وتناثرت أجزاؤها على البلاط الفاخر هرعت صاحبة المنزل ، شاهدت المنظر ، جُنَّ جنونها، نعتته بصفات كثيرة ، أهانته ،  بصقت في وجهه ، لحق بها زوجها ، ارتجفت مفاصل أنيس لما رأى الزوج السمين الذي وبَخه بدوره ، صفعه  لم يحترم سنه ، ثم التفت إلى زوجته وطمأنها بكلماتٍ رقيقة مؤكدا لها أنَ أنيسا سيدفع قيمة التحفة  و أن لا تقلق بشأن ذلك ، ثم توجَه إلى هاتفه الخليوي و اتصل بقسم الشرطة .

اقتيد أنيس إلى مخفر الشرطة،كانت هناك توصيات كثيرةلتأديبه،وتعليمه كيف يتعامل ويحافظ على الأشياء عند الناس الأكابر،طلب رئيس المخفرمن أنيس أن يدفع قيمةالتحفة،ارتبك أنيس،تلعثم،صمت وقد لفَّهُ الذهول. دوَّنَ الشرطي في محضر التحقيق أن أنيسا امتنع عن دفع قيمة الأضرار التي سببها فأمر بحبسه .

بعد يومين ، جاء الرجل السمين إلى المخفر ، دخل مكتب رئيس المخفر الذي صافحه بحرارةٍ داعياً إياه للتفضل بالجلوس ، لكن الرجل اعتذر لانشغاله وكذلك لأنه لم يتسنَّ له الاتصال من أجل الإفراج عن العامل الموقوف،قال مازحا:

" – لقد أردت أن أُلقِّنَه درساً صغيراً ، و أردتُ أيضا أن أُهدّئ من عصبية زوجتي  فقد كانت التحفة نادرة لكنني نسيت الموضوع لذا أرجو أن تخرجوه من النظارة فوراً  وأن تعطيه هذه المائة ليرة  إنه رجل مسكين على أية حال ، أبلغ الشباب تحياتي "، ثم رمى قطعة النقود على الطاولة و انصرف.

خرج أنيس من التوقيف ، كان منهاراً ، يائساً ، مقهوراً ، و علامات الحز ن واضحة على سحنة وجهه المُصفرّ ، أخذ المائة ليرة  و مشى باتجاه المطعم المجاور،  اشترى دجاجةً مشويةً ، ثم دخل إلى الصيدلية ، و حين خرج ، استقلّ الباص إلى بيته .

كان أنيس مُنهكاً لدرجة الإعياء ، وكان واقفاً وسط الزحام ، يحمل في يده كيساًويتحسّس في جيبه قارورةً صغيرةً فيها سُمُّ فئران ..!!