|

بطاقة
تعريف الكاتب: محمد صباح الحواصلي

•سوري من أهالي مدينة دمشق, مواليد 1949
•دبلوم في اللغة الإنجليزية من معهد "انترناشيونال هاوس", لندن 1971 – 72
•ليسانس في اللغة الإنجليزية وآدابها من جامعة دمشق عام 1976
•عملت في حقلي الترجمة والتدريس 1973 – 1976
•ثم خبيرا في الترجمة في المؤسسة العامة للكهرباء, دمشق, عام 1980
•عملت مترجما ثم مديرا إداريا في شركة أوشكو بي آيه أي, الرياض 81-86
•عملت مساعدا للمدير الإقليمي في شركة وستنجاوس, الرياض, 86-88
•ثم مديرا إداريا لشركة الجريسي لخدمات الكمبيوتر, الرياض, 1988
•عضو جمعية أصدقاء مدينة دمشق.
•أكتب القصة القصيرة منذ عام 1982 في الصحف السورية والعربية.
•صدرت مجموعتي القصصية الأولى "منمنمات على جدران دمشق القديمة" في دمشق
عام 1990
•وفي ملف (قضايا أدبية.. العدد الخاص بكتب عام 1991)
من جريدة "الأسبوع الأدبي" السورية أختار الدكتور بديع حقي كتابي
"المنمنمات.."
(مع كتاب آخر للقاص فواز حداد) ليكونا من كتب ذلك العام.
•شاركت في أمسيات قصصية في المركز الثقافي في دمشق.
•أعد للنشر مجموعتي الثانية "غرق السندباد",
وأعمل على ترجمة مجموعتي "المنمنمات...
",
Miniatures on the Walls of Ancient Damascus, إلى اللغة الإنجليزية.
•لي ثلاث مجموعات قصصية لم تنشر بعد. وهي:
"غرق السندباد", و"تكوين", "حكايات مخزن شارع 44".
وقصص هذه المجموعات نشرت في الصحافة الورقية والإلكترونية.
•ومجموعتي الأخيرة "طفولتي تسرب حكاياها" قيد المراجعة.
•مقيم مع اسرتي في سياتل, الولايات المتحدة, منذ عام 1992.
•أعمل حاليا في بنك لاينز للعيون,
Lions Eye Bank.
 


نماذج من أعماله

السديم الدافيء
بخارُ الماء حجبَ الرؤية, موَّهَهَا, غيَّبَها حيناً وأظهَرَهَا
حيناً آخرَ من خلفِ السديم المخضب بصابون الغار وعطور الزنجبيل والياسمين.
كنَّ جالسات لا يستر عُريهنَّ إلاَّ الآزر البيضاء, المقلمة بدروب خضراء
فاهية. الصبايا منهنَّ كنَّ عارياتٍ, يتخطرن بين سحب البخار الدافيء على
الرغم من أنَّ أوامر نائب دمشق, سيف الدين منجك, تقضي بإلزام الناس, نساء
ورجال, بالتستر بالمآزر في الحمامات.
من بين سحب البخار الحليبي كانت عيون النساء الواسعة كعيون البقر
تتفحص تخطرهنَّ بدقة ودربه. تتسسلط على النهود, على امتلاء الأفخاذ, على
البطون والمؤخرات. عينُ رضى من هنا, وعينُ سخط من هناك.
لم يخلُ المكان من أنفاس تشهق بتأوه مكتوم, وعيونٌ مجربة تستحلب
النشوة, كما لم يخلو من نسوة يبحثن عن الكمال. ولأن الصبايا مللن التخطر
فقد بدأن يتراشقن بطاسات المياه, وعيونهنَّ من خلف السديم الدافيء تسترق
نظرات السماح إلى النسوة الكبيرات.
قالت منيرة "البلانة": " بس يا بنات لعب."
ففتر لعبهن, ولم يعد البخار الكثيف يعانق المياه العابثة.
همست أم نادر بأذنها: "يا ليت خليتيهم عم يلعبوا.."
فهمَتْ الأخرى. فهمَتْ جيدا: "هيك قولك؟"
فنادت "البلانة": "العبن يا صبايا.."
عادت البنات للعبهن بفرح غامر, وعادت نظرات الكبيرات تنغرز في
لحمهن, تستلهم تلويهن, تستأنس تخطرهن, تغوص في ثنايا وانحناءآت اجسادهن
فاحصة. معان جديدة للجمال كانت تنسال كالسديم. وكانت أصوات الصبايا,
وصراخهن, وضحكهن ينجدل ضفيرة واحدة مع نظرات فاحصة حاسمة لا تعرف المهاودة.
قالت منيرة "البلانة": "شو قلت أم نادر؟"
أجابت أم نادر: "الثانية التي أمام الجرن."
"هذه اسمها سميرة.. والله مزوقة يا أم نادر. البنت حلوة وأكابر.
جمال ومال واخلاق وبنت عائلة. (وأشارت إلى المقصورة الثانية وتابعت) هذه
أمها.. أم تيسير زوجة الفاكهاني بتم سوق الهال"
قالت أم نادر:
"باين عليها بنت ناس. ألم تلاحظي أنها لم تلعب بالماء كثيرا."
"نقول على بركة الله.. ونحكي مع أمها؟"
"أعطني كم يوم يا منيرة."
**
وقت العصاري, في "الفرنكة" المطلة على أرض ديار البيت, والشمس حلوة
الملمس من وراء الزجاج المعشق, المفروش بألوانه الحمراء والصفراء والخضراء
والزرقاء على فسحة المكان... كانت أم نادر جالسة على الكنبة تقول لإبنها
نادر.. "لا يجوز يا أبني أن أصف لك أكثر من ذلك. البنت كاملة مكملة.. أنت
بتعرف ذوق أمك."
وقبل أن تغيب الشمس, التمس نادر خلوته المنفتحة على السماء
ونجومها.. قضى وقتا يستحلب تصوراته على سطح الدار, تحت عريشة عنب بلدي,
فيما شرعت الشمس تلملم ضوء النهار, وتنشر كتل العتمة فوق المدينة القديمة
وهي تغوص من خلف صفائح التوتياء المسورة لحدود السطح. لذَّهُ الهدوء النسبي
وهو يداعب خيالاته الغفلة محاولا أن ينسج صورة لتلك الأنوثة السديمية.
هي بضع كلمات جادت بها أمه. بضع كلمات فقط استطاعت أن تتمطى في
خياله راسمة في فضاء ذهنه صورة واحدة لأنثى لم ترها عين ولم تسمع بها أذن.
وسرعان ما احتوته الصورة وذهبت به إلى قرار عميق من اللهفة والوله, وشملته
سكرة الرؤى, وتمنى الا يفيق من غيابه الفردوسي. ومع انغماس الليل في
العتمة, وانتشار الصمت وفوح الياسمين في فضاء المكان, غاب نادر في رؤية
بيضاء فارعة الطول, ممشوقة القد, نهداها يتبرعمان كزري ورد, وشعرها الأسود
مخضب بالدفء, مسترسل على الكتفين كأبجدية عصية على الفهم, غائرة في السرية.
سياتل 26 كانون الأول 2005
   
إحساس
انتزعت بطل قصتي من جلسته الهادئة, وسط عالم يغلي, فيما كان يتابع
برامجه المختارة عبر الفضائيات العربية وغير العربية, ومسخته بارادة حانقة
جاعلا منه صرصارا حقيرا ليس بالضرورةِ أن يكون شبيها بصرصار "كافكا".
وأردتُ أيضاً أن يكون مقرفا, فجعلتُ وجه المرأة التي صادفته على أرض
مطبخها, مشمئزا يعتصرُه القرف فيما هي تلتقطه بملقط وتلقي به في كيس نايلون
أسود يُغلفُ سلة القمامة. ناداني بطل قصتي:
"هيه يا أستاذ؟ ماذا دهاك! أي قدر مقرف وضعتني به! ارجعني إلى ما
كنت عليه.. أرجوك.."
وأردف قائلا:
"ثم ماذا تريد أن تقول لقرائك؟ ماهذه الفكرة العظيمة التي جعلتك
تمسخُ إنسانا مثلك وتلقي به في غياهب المجهول؟ أنتَ تتحمل مسؤولية استحالتي
إلى حشرة؟"
اسقطتُ بطلي فوق طبقة كثيفة من الزبالة, وبما أن الصباح كان قد
استفاق لتوه فقد تعين عليه أن ينتظر طويلا حتى تمتلئ سلة المهملات.
"أرحمني يا أستاذ..هل تسمعني؟"
ثم مرَّتْ فترة صمت عصيبة كاد خلالها أن يختنق وسط الفضلات.
كان واضحا أن المساء قد أقبل, أدركَ ذلك من السكون الذي خيم على المطبخ,
وهاهي ذي يد تلوي عنق كيس القمامة الأسود فينضغط بطل قصتي مع الفضلات, وبدأ
يشعر بالتلويح والهبوط.. ثم أخيرا بصدمة عنيفة ركن بعدها مع الفضلات داخل
الكيس الأسود قرب جذع شجرة كينا على الرصيف.
حركة السيارات التي أخذت تفتر بدت له آتية من عالم افتقده ولن يعود
إليه, وأحاديث السابلة ينصت إليها بشوق واهتمام وكأنها آتية من دنيا لن
يعود اليها. تمكنتْ منه غصة فبكى. تعجَّبَ بطلي كيف أن حشرة مقرفة تحس
وتبكي.. تساقطت دموعه الدافئة على القمامة التي طوقته من كل جانب والتي بدت
تتفسخ وتنحل. بعد قليل, أحس بشيء يعبث بالكيس فتملكه خوف طغى على أي إحساس
آخر. لا بد أنه قط!
"يا أستاذ.. يستر حريمك اخرجني.. إن لم تكن تريد أن تعيدني إلى حالي
السابق إنسانا مثلك فعلى الأقل انقذني من هذا الوحش الهائل الذي يهم
لإلتهامي."
الكيس يتمايل ويهتز. فعلا.. لا بد أن القط يدسُّ أنفه في المواضع
التي يمزقها بمخالبه, في المواضع الشهية. ولابد من أن يكون بطلي هو
المُشْتهى لدى القط. لا يدري إن كان يصلح له طعاما لذيذا ما دام قد استحال
إلى حشرة حقيرة, بل ربما مقرفة أيضا. ولكن هذا لم يمنع من تعاظم خوفه, ولا
سيما بعدما شعر أن أنفَ القطِ قد استقرَّ عند الجانب القريب منه. يهمسُ
بطلي خشية أن يسمعه القط:
"يا أستاذ؟ يا كاتب؟ يا مثقف؟ يا بني آدم؟ يا بطيخ.. أخرجني
لعنة الله عليك.."
النبش أخذ حركة أسرع.. تمزيق متلاحق وقد خفَّ ضغط القمامة على أثر
اندلاقها عبر الثغرة التي أحدثتها مخالب القط. تأهب بطل قصتي للدفاع عن
نفسه التي استحالت إلى شيء حقير مقرف.. إمَّا هو أو القط.. ولن يدعه يلتهمه
رخيصا. خاف – وإنه ليعجب لِمَ خاف- تساءل حتى الحشرات المقرفة تشعر بالخوف
وتسعى للحفاظ على بقائها. بإمكانه الآن أن يلمح مخالب القط الوحشية وهي
تنبش باحثة عنه فأدرك أن موته قادم لا محالة. ويحدثني وقد تملكه الرعب:
"إذا لم تكن تريد أن تنقذني, فقل لي بصفتك الكاتب العارف لمصيري..
هل سيلتهمني هذا القط؟ أنا أعرف أنك لا تستطيع أن تبوحَ بذلك أمام القراء
فتفسد القصة.. لذا بإمكانك أن تهمس في أذني.. ماذا قلت؟"
كان هذا الإحساس مصاحبا لهبشة مخلب القط على وجْهِ حشرتي, ومصاحبا
أيضا لصوت وقوف سيارة كبيرة ثقيلة, تبعه صوت آدمي, ثم خطو ثقيل, ثم يد تلم
القمامة الساقطة من ثقب الكيس, ثم شعر بطلي أن الكيس قد حُمِلَ بعنف وأُلقي
به داخل السيارة, ثم سمع صوتا يستحثُ السائقَ بمتابعة السير:
"يا اله روح.."
لو تتصوروا كم كانت سعادة بطل قصتي الجريح عظيمة بخلاصة من مخالب
القط الذي كان على وشك أن يلتهمه. بامكانه, وهو يعتلي الآن كومة القمامة في
شاحنة الزبالة, أن يرى القطَّ الخائب. لم يستطعْ أن يكتم شماتته من القطِ
وقد تمكن من الفرار من مخالبه, فانفجر ضاحكا على خيبة القط وسوء حظه, ولعن
أبا المؤلف مئة مرة, حتى غابت السيارة ببطلي بعيدا عن خطر القط, إلى قدره
المجهول, إلى أن بدا القط والمدينة نقطة سوداء مشوهة الشكلِ تحت
مصباح الشارع الباهت.
أضعُ قلمي بعدما انتهيتُ من قصتي التي اسميتها "إحساس", ودخلتُ إلى
الحمامِ ونظرتُ إلى وجهي في المرآة فيما كنتُ أمسحُ بمعقم خدشا في خدي.
سياتل, سيتمبر 2004
   
السقوط
إذاًً لم يكنْ عابراً غريباً الرجلُ الذي وصلَ في وقتِهِ إلى ساحَةِ
الملعَبِ, بل هو نفسُهُ مدرسُ التاريخِ, والطلبةُ الذين يرتدونَ القمصانَ
الزرقاءَ ويلعبونَ بمهارةٍ وحِنكةٍ هم تلامذتُهُ.
المشهدُ كامل الحضورِ, وكأنَّ كلَّ شيءٍ من حولِهِ مقدرٌ له أن
يصيرَ لكي يُلقي بالعبرةِ لذوي الألباب من الصبية والمتفرجين, ويثيرَ
الدهشةَ في نفوسهم.
الوقتُ هو ظهيرةُ عطلة الجمعة أو السبت أو الأحد, وفسحَةُ الملعَبِ
الخضراءِ الواسعَةِ تحمَّسَتْ للعبهم, والشمسُ - سُلطانُ السماءِ - بَدَتْ
وكأنَّها قد استأنَسَتْ لعبَهُم فنسيَتْ نفسَهَا, وحسبَتْ أنَّ الزمانَ قد
توقفَ, وأنَّهَا لن تبْرَحَ رُكْنَهَا في قبةِ السماءِ.. وكأنَّ هذا
الزمانَ هو نهايَةُ الزمنِ..
الصِبْيَةُ يلعبونَ بمهارةٍ منقطعةِ النظير. أقدامُهُم تركلُ الكرةَ
من واحدٍ لآخرَ بدُرْبَةٍ وهِمَّةٍ عالية.
الجزءُ الأهمُّ من مشهدِ تلك الظهيرَةِ هو أنْ تُركلَ الكرةُ خطأ في
غير اتجاهها المرجو فتتدحرج بسرعةٍ ولهفةٍ صوبَ أستاذ التاريخ الذي كان
يسيرُ عند حافةِ الملعبِ وكأنَّهُ على موعدٍ معها فاستوقفها بقدمِهِ, وقد
توقفَ الجميعُ عن اللعِبِ وانشدّتْ عيونهم نحوه, والعَرَقُ يسيلُ من جباههم
وعبر انحناءات أبدانهم الفتية المتماسكة.
تبوحُ الثواني الأولى عن مكنونِها: فمدرسُ التاريخ على ما يبدو غيرُ
راغبٍ أنْ يعيدَ الكرةَ إلى الصِبيةِ ليستأنفوا لعبَهم.. بل مقدرٌ له أنْ
يفعلَ شيئاً آخرَ: أنْ يدنو من الأرضِ, وفعلا دنى, وأن يُمسكَ بالكرةِ
الجَسِئَةِ التي طالما رُكِلَتْ عاليا مراتٍ ومراتٍ عبرَ تاريخِ الكرةِ
المديد, وعادَتْ إلى الأرضِ وهمدت عَقِبَ كل مرة..
وأن يريحها قليلا على راحة يده, يهيؤها لركلة جديدة ليست هي الأولى
ولن تكون الأخيرة.. وفعلا أراحها على راحة يده.
وأن يرفع بصره نحوهم كأنه يناشدهم ألاَّ تغيب أنظارهم, كما لم تغبْ
أنظار الكثيرين من قبلهم, عن مشهدٍ رائع مثير للتفكُّرِ والدهشةِ.
وما هي إلا ثوانٍ حتى رَكَلَ الكرةَ برأسِ قدمِةِ المدربة الواثقة
ركلة دفعت بها إلى أعلى بقوة هائلة مزقت حُجُبَ الهواء..
شهد الجميع كيف تغيبُ الكرةُ في الارتفاع ورؤوسهم ترتفعُ معها درجة
درجة وقد اعتمرتهم النشوة, وتمكَّنَ منهم الذهولُ.. تلك النشوةُ التي كثيرا
ما تخدع فريقا منهم الذين يحسبون أن نشوتهم ستبقى تصعد الى أعلى دون هبوط
وكأن الكرة ستبقى معلقة, ثمة, في قبة السماء لا عودة لها إلى الأرض.
أما الباقون من الصبية والمتفرجين فيدركون أن الكرة التي اندفعت منذ
البداية بسرعة هائلة تتناسب مع شدة الركلة ستبقى ترتفع بقوة وثبات إلى أن
تبلغ ارتفاعا من المستحيل أن تتجاوزه, وأن سرعتها ستتناقص إلى أن تفتر,
فتضعف, إلى أن تبلغ نقطة من المستحيل أن تعلو بعدها ولو قيد أنملة.
هاهي الكرة تتوقف في السماء لجزء من الثانية يكاد لا يبين, بل يكاد
لا يكون توقفا بالمعنى الرياضي الصحيح, بل امتثالا لخيار وحيد هو السقوط
الحتمي الذي لن تملكَ الكرةُ خلال ذلك الزمن المتناهي في الصغر حتى القدرة
على التطلع إلى نقطة أعلى, ولن يكن أمامها الا أن تستسلمَ لسقوطٍ غير
إرادي.
هي الآن في قبَّةِ السماء وقد استنفذَتْ قوَّتها الدافعة إلى أعلى,
واستسلمَتْ صاغرة مطيعة لقانونِ السقوطِ الذي لا محيد عنه, والذي سيضاعِفُ
من قوَّةِ نفسهِ مع تعاظُمِ وزن الكرة الساقطة.
استدارَ أستاذُ التاريخِ تاركا رؤوس تلاميذه مرفوعة إلى أعلى وقد
غطى بعضهم عيونهم براحاتهم درءَ أشعة الشمس, وغاب خارج الملعب, إذْ لم يجد
ضرورة بأن يبقى ليشهدَ سقوطاً مؤكداً للكرةِ الذي سيأخذ زمنا مساويا لزمن
اندفاعها إلى أعلى مع فارق كبير أن سقوطها سيلاقي الأرض وليس السماء..
سياتل 17 نسيان 2004
   
النقيضان
كانا يسيران معا على الطريق الزراعي كعهدهما دائما على الرغم من
اختلافهما في العقيدة والرأي. وكان الوقت ضحى, والدرب يغري بالمسير
والإفضاء بالمكنون, وهاهي ذي الأنسام التي كانت منذ أيام عذبة رقيقة تنسلخ
عن عذوبتها مع حلول أول الخريف فيستعر فيها جنون التغيير, وتتوغل في ذؤابات
الأشجار المظللة للطريق وكأنها عازمة على أن تسعِّرَ نار الفرقة في أغصانها
المتواشجة.
كانا ينظران إلى الأقواسِ الخضراءَ فوقهما, والى خيوط شمس الخريف
الواهية وهي تسعى جاهدة أن تتسلل إلى الطريق من خلال الثلمات التي أخذ
اليباس يدب في نُسُغِها.
تنهد الأول وقال للثاني:
- ما أخصب ذكريات هذا الطريق!
هبت نسمة باردة مترعة بعبق خلائط أوراق شجر الجوز والصفصاف,
وحملتهما إلى زمن يتباهى ببراءته. قال أحدهما:
- ليت أيام الطفولة تعود.
- كيف تعود وقد شقينا بعقولنا.
تنبهت نزعة الجدل في رأسيهما, واستفاقا من هدأةِ الوفاق التي
تنتابهما من حين لآخر وكأنهما تذكرا حتمية صراعهما الطويل الذي لن يرأب
صدعه. إلا أنهما سرعان ما استسلما لابتسامة راضية راغبة بالسلام, واستكانا
للين بعد جماح. فقال الأول بصراحة غير معهودة:
- أتدري أنني عاجز عن أن أهجر صحبتك. ولا أخفيك أنني بدأت أستعذب
نمط حياتك التي كنت أنعتها بالإلحاد الفجور.
فقال الثاني بصراحة مماثلة:
- وأنا أيضا لا أخفيك أنني الفت السكن إليك. حتى محرماتك التي قيدت
بها حريتي بدأت أتغاضى عنها.
حينها قال الأول:
- لولاك لسقطت في هاوية التطرف.
فقال الثاني:
- وأنت مريح يا صاحبي. لو تدري كم أغبطك على ما تنعم به من يقين.
انقشعت الغيوم غير البادية فوق تلاحم الأشجار فانطلقت أشعة الشمس من
أسرها ملتمسة منافذ لها من خلال ثلمات الأغصان. كان واضحا أن هذا الصباح
الخريفي المتبدل الألوان حمل ما هو جديد في علاقتهما. حمل صراحة غير مألوفة
تسللت من مكامنها في غياهب النفس المجهولة دون إرادة أحدهما لتفصح عن
مكنونها.. لتصبح اعترافا مدمرا, صدقا يملك قوة الإلغاء.
كانت البداية إحساسا ملحا بالتصريح اعترى الثاني فعجز عن دفنه في
سره حيا, فقال وهو ينظر إلى صاحبه بعينين ممتلئتين بخشوع غير مألوف.
- تصور أنني كدت أرى الله في أحلامي.
بهت الأول, فما تناهى إلى سمعه لم يكن في حيز توقعه. غمر صاحبه
بنظرة ملؤها الدهشة والرضا وقال له بصوت رخيم:
- طوبى لك.. هذه رؤية صادقة قد اصطفاك الله بها.. انك على طريق
العودة يا صاحبي.
قال الثاني وقد وضع يده على صدغه:
- الله.. الحقيقة.. الأزل.. الأبد.. السماء التي لا نهاية لها..
كلها تساؤلات كبيرة حرت في البحث عن أجوبة شافية لها. عقلي لا يحتمل أن
يكون هذا الكون قد وجد بالصدفة, كما أنه لا يقبل أن يكون له...
فقاطعه الأول جزعا:
- لا تكمل.. ابقِ دائما مساحة للصلح والعودة.
سكن الأول لحظات ثم تابع حائرا:
- انه حال الإنسان, محكوم عليه بأن يشقى بعقله.
ثم استغرق في صمت حائر. شعر هو الآخر أنه راغب بأن يفيض. بأن يكاشف
صاحبه بما يجيش في نفسه من خواطر خطيرة.
- أنا أيضا يا أخي لم أسلم من هواجس الحيرة والشك. فكم من مرة ألفيت
فكري يجمح دون قيد, ويسرح بعيدا عن يقيني كنعجة تائهة في البراري.
***
ما يزال الطريق بعد طويلا. بل لعله لن ينتهي. إذ أنهما لم يصدف مرة
أن قصدا مكانا بعينه يجعلان منه هدفا لسيرهما الطويل. كانا يسيران للحوار,
للوصول إلى الحقيقة من خلال اختلافهما في العقيدة والرأي. كل منهما يجزم
أنه على صواب, ويرى أن وجوده قائما على صواب معتقده, وأن الحقيقة تثوي
بالقرب منه وادعة كقطة أليفة. إلا أن أمرهما في هذا الصباح الخريفي قد
اختلف اختلافا يكاد أن ينسفهما من جذورهما. اختلافا جعلهما ينطقان بما لم
يكن في الحسبان, ويخرجان من دائرتي معتقدهما. صحيح أنه سرعان ما عاد كل
منهما إلى دائرته ولكن بعدما حطم بوابتها المغلقة المقدسة. لذا لم يكن
مصادفة أن حمل كل منهما في نفسه أمنية مماثلة لأمنية الآخر وهي لو أن
العالم كان شيئا لا يقين فيه ولاشك. لو كانت الحقيقة أشد عيانا وبساطة من
عصفور يغرد على شجرة.
فكر الأول قليلا فوجد أن مثل هذا التفكير يسلم الإنسان إلى التهلكة,
ويسدل على اليقين حجابا, ويند عنه الصواب. ثم قال:
- لقد أراد الله لنا هذا الشقاء.
وأردف الثاني قائلا:
- لنكف عن هذا الحوار.
أقره الأول:
- فعلا ليتنا نكف عنه.
يمسك أحدهما يد الآخر. كلتاهما حارتان يسري في عروقهما دف الحياة.
الحياة بشكها ويقينها, بخيرها وشرها, بظلامها ونورها, بجمالها وقبحها,
بضعفها وقوتها. كانت كلتا اليدين تنبضان نبضات متوحدة تدب الحياة في نقيضين
جابا آفاق اليقين بقوة وثبات, وتاها في بيداء الشك بضعف وحيرة.
الدرب ما يزال يغري بالمسير, والأنسام الخريفية يشتد توغلها في
ذؤابات الأشجار المتعانقة. كانا قد غابا في سيرهما حتى أصبحا شبحين, وكان
صوتهما يضعف مع البعد حتى أمسى همهمة لا تختلف عن أصوات الطبيعة من حولهما.
كان الرائع أنهما كلما غابا في البعد كلما أقترب شبحاهما من بعضهما,
حتى تطابق الشبحان وبات من العسير أن تفرق بينهما..
وذابا معا في طيف إنسان واحد من نور وتراب.
جريدة الأسبوع الأدبي السورية دمشق – سورية19 آب 1993 عدد
رقم 325
   
إنه الدولار
أيها العربي الطيب..
(1)
وتدخل معهم رائحة التشرد, نتنه لزجة, يدفعها هواء المدن الآثم
القادم مع أجسادهم, وتعجِّلُ مكيفات هواء السوبرماركت بإيصال الرائحة
للأنوف. هي خليط من عرق الأجساد التي هجرت الماء وامتزجت مع التراب
والرطوبة وعبق السجائر الرخيصة وقيء الخمرة.. حتى عشب ضفاف النهر الأخضر
الذي يفترشونه تحت جسور مدينة سياتل وضواحيها له حصة من رائحتهم.
إنهم هؤلاء المشردون الذين آنسوا ارتياد مخزن "شارع 44"
فأصبحوا يأتون في كل وقت ليبتاعوا السجائر والبيرة الرخيصة, أو يسرقوها إن
امكنهم ذلك, ويثرثروا مع طلال قدري الذي يصغي إليهم دائما باهتمام كما
يراقبهم بحذر. لم يكونوا غافلين أبدا عن رأي الآخرين بهم.. ولم يكونوا يوما
آبهين بما يقال عنهم, لكن الأمر مع هذا الكهل, الذي ينادونه (تلال), القادم
من بلاد العرب المشبعة بالشمس والرمال الذهبية والبخور والعقيق والياسمين
كان مختلفا..
في اذهانهم صورة عن وطنه البعيد: "أصحيح يا تلال أنكم تعيشون في
قصور نيفة فيها حريم وولدان, وشواء وارز مجبول بالخمر والزعفران؟
وأنكم ترتحلون على ظهور بعيركم, مخلفين قصوركم وبقايا شواء, إلى ما وراء
الصحراء حيث ينبت ليل آخر في حضن شمس أكثر إغراء.. أصحيح.. أنكم لا تعرفون
الجوع, ولا تميزون بين أبعاد الزمن الثلاثة.. وتخافون الله وتهابون السلطان
وتحبون النساء؟"
صرخ طلال ضاحكا مندهشا من جملته المولفة: "رويدك.. رويدك.. من أين
أتيتَ بهذا الكلام المضغوط المركزعن العرب.. يا برنس؟ هذا كلامٌ متعوبٌ
عليه, كلامٌ جاهزٌ في ذاكرتكم. أهذه قناعتكم عن العرب؟"
"ألا تعتقد أنها الحقيقة يا تلال؟"
"الحقيقة هي أن الذي رسخ هذه القناعة في أذهانكم عن العرب هو نفسه
الذي جعل منكم مشردين.."
"اسْمَحْ لي يا تلال أن أخالفك في هذه, لأن الذي جعلني مشردا هو
صاحب أمي." وفرقع ضحكة مجلجلة وضحك معه الجميع, أقصد, البدين الذي
يرمي نفسه كل صباح عند بوابات المزارع منتظرا قبوله كعامل قطف "مياومه" في
حقول "أبرن" والذي ما يزال يعامل الآخرين باحترام وخجل. والمرأة الفيتنامية
التي لا تكلُّ من سرد قصتها وهي تركض باستماتة وراء آخر طائرة تغادر مطار
هانوي , وكيف تعلقت بها بأعجوبة وسحبها المهاجرون إلى داخلها, في رحلتها
إلى الفردوس المنتظر: أمريكا. أما الثالث, "سافج", وهو شاب عيناه لا توحيان
بالثقة, كالثعلب يغتنم غفلة طلال لتمتد يده إلى أي
شيء قريب منه ويدسه في بنطاله, وإن رآه طلال تظاهر بأنه يحك عانته. ثم
أخيرا تشارلز, الملقب بالأمير تشارلز , لشبهه الكبير بالأمير تشارلز ولي
عهد بريطانيا. مشردٌ في الستين قصير القامة, انحناءة ظهره مشبعة بالانكسار
والإرهاق, أما مكان إقامته هو ورفاقه فحسب الفصول.
ففي الخريف, الفصل الذي تغضب فيه أمنا الطبيعة بجنون, يلتصقون
ببوابات الكنائس والجمعيات الخيرية أو مشافي "هاربر فيو" و "السودش" و
"فرجينيا ميسن" هربا من الأمطار والرياح, والتماسا للدفء.
وفي الشتاء يدلفون إلى داخل الكنائس والجمعيات حذر البرد القارس
والأمطار التي لا تكف عن الهطول, أما مَنْ لم يعدْ جسده قادرا على غضب شتاء
منطقة "بيوجت ساوند" فتراه ينعم بأيام في غرفة دافئة في مشفى "هاربرفيو".
أما فصلا الربيع والصيف فلهما شأن آخر لأنَّ المشردين يعودون مع
عودة الدفء إلى أماكنهم المفضلة تحت جسر اوتوستراد "آي فايف" عند تقاطع
شارع جيمس مع الجادة التاسعة فهناك ينامون ويبولون ويتغوطون ويشربون قهوة "ستاربكس".
وعندما تغفو المدينة وتغيبُ بعيدا آخر سيارة شرطة في سيرها الوئيد كثعلب
شبعان, يشعلون لفافاتهم, ويخرجون زجاجات البيرة التي سرقوها أو شحذوها من
معاطفهم يكرعونها ثم يفرغون مثاناتهم فيها ويدحرجونها إلى نهاية المنحدر
المنتهي بالشبك الذي يفصلهم عن الشارع, وعندما تعربد البيرة في رؤوسهم
ويطيش حس الزمان فيها يغيبون داخل أغطيتهم وتندس أيديهم في أبدان بعضهم
وتنزلق إلى أسفل, إلى بؤر النشوة والغياب, يمارسون الاستنماء, وغناء (البلوز)
الحزين تحت الاغطية النتنة.
(2)
يدخل "البرنس" السوبرماركت بعد غياب طويل.. يصرخ طلال:
"أين أنت يا رجل؟ حسبتك مت."
"ولماذا أموت إذا كانت شوارع أمريكا ترعاني.."
"أين كنت إذن؟"
"في الدنيا الواسعة.. أضيُّعُ الأيامَ.. لعنة الله عليها لا تريد أن
تنتهي."
"وأين الباقون يا برنس؟"
بحركة من البرنس فهم طلال أنه بحاجة إلى سيجارة لكي يجود في
الحديث. أعطاه طلال بدلا من سيجارة علبة (بولمول) دون فلتر, فرقص البرنس
فرحا.
"أوه.. أيها العربي الطيب.. لقد أفتقدت كرمك, وكان من الحمق أن أغيب
عنك لزمن طويل."
"لم تجبني يا برنس أين الباقون؟"
"تسألني عن الباقيين؟ الفيتنامية انفجرت الزائدة الدودية في بطنها
وماتت تحت جسر أوتستراد (أي فايف) القريب من مستشفى هاربرفيو. والمؤدب
تزوج عاهرة وأصبح قوادا, وهو الآن أكثرنا سعادة, ينكح كل يوم ويأكل طعاما
طاذجا وينام في سرير وثير. أما "سافج" الأشقر, الذي وصفتَ عينيه بأنهما لا
توحيان بالثقة, فقد سيق إلى العراق مع الكثير من شباب عشائر التشرد.
"جندوا ليحاربو في العراق!؟"
"جاء رقيبان باللباس العسكري الأنيق, والحلاقة القصيرة, والابتسامة
الجذابة واختاروا بعضا من رفاقنا الشباب الأصحاء, وتحدثوا معهم في قارعة
الطريق.. واقنعوهم بأن يلتحقوا بالجيش الأمريكي بعدما اغدقوهم بالوعود."
"والآن هم في العراق؟ أليس كذلك؟"
"نعم, هم في العراق.." ثم أضاف البرنس ضاحكا:
"لقد خاس كل واحد منهم بضعة باوندات بعد أن غسَّلوهم ونظَّفوهم
وحلقوا شعورهم وركَّضوهم ليذيبوا شحوم التشرد عن ابدانهم.. وأنتَ إن رأيتَ
"سافج" الآن لما عرفته لقد أقسم عندما دس دولاراتهم في جيبه على أن ينفذ
أوامرهم هناك بكل طاعة وأخلاص.. إنه الدولار أيها العربي الطيب.."
صمت طلال وتشاغل عن البرنس بمسح الطاولة قرب الآله الحاسبة وتلقى
بقية كلام البرنس في صمت مشغول مشحون بالأسى. أخرج البرنس سيجارة بولمول,
ولعَّب حاجبيه مفتخرا بالسجارة بين شفتيه, وسار يجر رائحته وخطاه المتعبه
إلى خارج المخزن ليدخن سيجارته.. وفيما هو يخرج التفت إلى طلال وأشار بيده
نحوه وهو يقول:
"إنه الدولار أيها العربي الطيب."
رآه طلال من خلف الزجاج وهو يقدح بقداحته الرخيصة محاولا اشعال
سيجارته, ثم وهو يدخنها بنهم وقد بدا سعيدا فيما هو يسير ويحدث نفسه.
6 أيلول 2004
نشرت في العدد الأول من صدى المهجر , ربيع 2006
   
بحجم الكف
أول قصة نشرت لي في جريدة* جعلتني عصفورا يطير في سماء تتنفس فرحا.
يومها شعرت حقا أن ثمة ما هو أروع من أن أمتلك العالم بأسره.
ياه.. أذكر كم كانت بهجتها ساحرة. كانت قصيرة, بل قصيرة جدا, بحجم
الكف, ليس أكثر من مئة كلمة. قصة شفافة, رمزها خفيف مستساغ.
المهم, أنني هرعت إلى صاحبي.. هرعت إلى منزلة البعيد لأزف إليه
انتصاري. وصاحبي, مثلي, متعلم ويدرس في الجامعة.. في كلية الآداب أيضا.
فرح صاحبي لفرحي, وقال لي ألف مبروك, وعقبال ما يصبح لك مؤلفات تغزو
العالم العربي كله مثل يوسف إدريس.
قلت لصاحبي: "اقرأها."
قال: "سأقرؤها."
خرج من الغرفة وجلب صينية القهوة ثم حدثني عن أمور كثيرة دون أن
يمسك بقصتي التي بحجم الكف ويقرأها! أصغيت إلى حديثة وقد افتعلت الاهتمام
بما يحدثني وكأن أمر قصتي التي أتيت إليه من أجلها لا يعنيني.
عندما خرجت من داره أوصيته أن يقرأها. قلت له إنني حريص على سماع
رأيه فيها. قال: "أكيد."
مر يوم ويومان وثلاثة. عند ضحى اليوم الرابع اتصلت به.
- "هيه.. قل لي كيف رأيتها؟ هل أعجبنك؟"
قال:
- "ما هي؟"
قلت له:
- "قصتي التي بحجم الكف!"
قال:
- "قرأت مطلعها, وكدت أصل إلى منتصفها لولا أنني شغلت. أعدك أنني
سأقرؤها في القريب العاجل وأطلعك على رأي فيها."
انتهت حكاية قصتي التي بحجم الكف.
خريف 1991
* أول مادة نشرت لي كانت في جريدة الثورة السورية عام 1971.
   
بطاقة عزاء
حزينة أنتِ إذن يا "تاميلا".
حزن يعتصر عينيكِ اللوزيتين ويغرقهما بهالة حمراء من لون دم الغروب.
|