أصدقاء القصة السورية

الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | معلومات النشر | كلمة العدد | قالوا عن الموقع | سجل الزوار

SyrianStory-القصة السورية

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

للاتصال بنا

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

youtube القصة السورية في

facebook القصة السورية في

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 21/10/2009

الكاتب: لطفي حداد-أميركا

       
       
       
       
       

 

الأدب العربي المهجري المعاصر

نماذج من أعمال الكاتب

بطاقة تعريف الكاتب

 

 

 

 

بطاقة تعريف الكاتب

 

أديب سوري مقيم في ولاية إنديانا، الولايات المتحدة.

عضو في منظمة العفو الدولية، جمعية حقوق الإنسان، جمعية الأدباء العرب الأميركيين، الجمعية العالمية ضد التعذيب، رابطة القلم الأميركية.

أسس مجلة "صدى المهجر" التي تعنى بالأدب العربي المهجري المعاصر.

 

صدر له:

- الحبّ يطرق بابي: شعر

- حضارة الحب: شعر

- ألعنك أيتها التمائم المقدسة: شعر

- هذا الوطن لم يعد لنا: رواية

- هنا الأنبياء يُقتلون: رواية قصيرة مترجمة إلى الإنكليزية

- الغرباء: رواية قصيرة مترجمة إلى الإنكليزية

- نبوّة في صحراء: رواية، مترجمة إلى الإنكليزية

- الأجراس تُقرع في بيت لحم: رواية مترجمة إلى الإنكليزية

- حارة الطيبين: رواية مترجمة إلى الإنكليزية

 

- الأعمال الروائية الأولى

- يغزل حبرك دانتيلا المنفى: شعر

 

أنثولوجيات:

- أنثولوجيا الأدب العربي المهجري المعاصر: جزء 1 في الشعر.

- أنثولوجيا الأدب العربي المهجري المعاصر: جزء 2 في النثر.

- أنثولوجيا الأدب العربي المهجري المعاصر: جزء 3

- أنثولوجيا الأدب العربي الأميركي المعاصر: مختارات أدبية منقولة إلى العربية.

 

كتب فكرية:

- الإسلام بعيون مسيحية.

- يسوع التاريخ

- مانديلا سورية، رياض الترك

- زنزانة بلا جدران

زيارة موقع الكاتب     مراسلة الكاتب                                        للتعليق على القصص      مواضيع أخرى للكاتب

نماذج من أعمال الكاتب

موكب ومشاعل

قرية الغرباء

 الأجراس تقرع في بيت لحم

 

 

مقطع من رواية

الأجراس تقرع في بيت لحم  

 

كنتُ في الطريق إلى المهد.. الحصار مضروب منذ ثلاثين يوماً، وقلقي على أسعد ازداد حتى طفح بي الكيل، فأجلست وردة على كرسيها المتحرك وخرجنا من البيت..

رحنا نسير باتجاه المهد.. كنت أريد أن أرى أسعد، أن أضمّه، أن أقول له: لا تقتل أحداً.. لا توسّخ يديك بالدم! الدم يبقى لعنة إلى الأبد.. الحقد لا يشفي. كنت أشعر أنني أقترب من لقاء الله.. من موتي الجسدي وكان عليّ أن أبلغ أسعد ما لديّ.

كنت خائفة من الموت.. من سيهتم بوردة؟! ستموت خلال ساعات إذا لم يطعمها أحد.. ستموت في مقعدها متقلصة جافة كالحطب! كنت أدفع وردة أمامي وأسير على مهل.. لم أكن قد خطوت كثيراً حين جاءتني أصوات من كل مكان.. أصوات عالية صاخبة لا أفهم معناها!

ازدادت الأصوات وأنا أقترب من باب الكنيسة.. صرت أقول بصوت مرتفع:

 أنا ذاهبة لزيارة حفيدي أسعد.. لم أره منذ ثلاثين يوماً. إنه محاصر في الكنيسة التي ولدت فيها منذ أكثر من ثمانين عاماً، وأريد أن أقول له: لا تلوث يديك بالدم.. ما علمتكم كان خطأ.. كنت مخطئة جداً.. وهذه صورة الجندي ما تزال مرتسمة أمام ناظري. الموت يلد الموت يا أولادي.. الموت يلد الموت.. السلام يلد الحياة! كفانا موتاً.. كفانا دماءً.

كنت أتكلم بصوت مرتفع.. لا أعرف إن كان أحد قد سمعني، وكنت أقترب مع وردة من باب الكنيسة.. تطلعت إلى الأحجار المثقوبة بالرصاص ورأيت آثار دماء على إحدى النوافذ.. فصرت أتكلم بصوت أعلى.. بدأت أصيح:

توقفوا عن الموت.. هنا ولدت الحياة منذ ألفي سنة. ولد الذي لا يؤمن بالموت.. الذي يؤمن بالحياة. ولد طفل في بيت لحم.. كان أبواه غريبين.. ولم يكن لديهما مكان، فولدته أمه في مذود. كان قريباً من هنا.. هل يمكن أن نحتفظ له بمكان ليأتي من جديد!

كان صوتي يخترق الأصوات المتعالية حولي.. وكانت وردة تتشنج أمامي في كرسيها كما تفعل حين تكون فرحة، واقتربت من الباب، كنت أريد أن أدخل لأرى أسعد وأخبره عما أعرف.

أطلّ الخوري من الباب.. نظر إليّ بعينيه البراقتين.. ابتسم بمحبة فياضة، لكن الأصوات المتعالية تغيرت إلى طلقات رصاص.. إلى أزيز صاخب. بدأت أرى الجدران أمامي تنثقب بسرعة وتتابع.. ثم صارت الأرض تحتي تئن من جراحها، وتخضبت ثقوب الجدران بدماء متناثرة.. وامتلأت جراح الأرض بقطع من لحم.. وانقلب كرسي وردة يميناً ويساراً.. وكنت أراها تتشنج أكثر. هل كانت فرحة أم خائفة! ورأيت وجه الخوري مضرجاً بالأحمر.. لكن ابتسامة رقيقة ما تزال مرتسمة على وجهه الطيب الممتلئ بالنور.. وسقط فاتحاً ذراعيه.. وتمدّد ما بقي من جسدي على الأرض.. ثم وقع جسد وردة عليّ.. كان دافئاً مرتخياً هادئاً للمرة الأولى بعد كل تلك السنين!

شعرت ببرودة الأرض.. ودفء الدم اللزج. رأيت أسعد.. رأيته خائفاً غاضباً.. لا.. لا.. لم أفهم نظراته.. لم أعرف إن كان قد سمعني. كانت الأجراس تقرعُ في بيت لحم.. هل سمعني؟! هل سمعني؟!

الأجراس تقرع..الموت آتٍ ليحصدنا كسنابل الحقول

نلوي بأعنقنا لكن القلب لا يخاف ولا يذلّ ولا يهون

الأجراس تقرع وبيتَ لحمَ تتمخّضُ وجعاً وتنزفُ شعباً يئنُّ ولا يموت

يشرب نخبَ الوطنِ الحزين لكنّه لا يموتُ.. لا يموتُ

وتتمخضُ بيتَ لحمَ لتلد سنابلَ جديدةً وعيوناً تتلمّسُ النورَ في خيبةٍ وانكسار

وجباهاً وشفاهاً وأوجاعَ قصيدة

بيتَ لحمَ.. بيتَ لحمَ.. أنتِ الصغيرةُ بين المدائن والكبيرةُ كقلبِ أم والعابقةُ كأنفاسِ الجنائن

والراقصةُ في أعراسِ الدم كغيمةٍ تتعمّد بمائها وقطراتها

الأجراسُ تقرعُ والحبُّ آتٍ في أغصانِ الزيتونِ المهشمّة والعصافير التي لم ترحل عن المآذنِ

الحبُّ آتٍ في نرجسِ العيون الحالمة وزنبق الحقول.. وشقائق النعمان.. والأيادي الملوحة للسلام

يا إله النرجس والزيتون.. والعصافير والزنابق والحقول والأيادي الملوحة للسلام

أعطنا سلامنا كفاف يومنا.. أعطنا أن نتعمد بالموت من أجل الحياة..

أعطنا نعمة الوضوء بالدم لنشفع بشهادتنا كي يخلص الجميع!

أعطنا أن نموت من أجل الحياة.

 

 

مقطع من رواية

قرية الغرباء

 

 

خرج الشبان الثلاثة من الغرفة ولم يكن عمر قد عاد بعد، وساروا إلى مركز الضيعة وهناك وجدوا مطعماً صغيراً فيه بعض الزبائن، فجلسوا إلى طاولة على الرصيف واقترب صبي المقهى منهم مرحّباً بهم مبتسماً.. ثم قال بلغة مكسّرة تعلم كلماتها من زبائنه:

أهلاً بكم شباب.

هزّ الثلاثة رؤوسهم ورفع صادق يده وصافحه قائلاً:

أهلاً يا أخا العرب.

ضحك الثلاثة ومعهم النادل.. ثم قال لهم:

اسمي ستيف.. أهلاً بكم. ماذا تحبون أن نقدم لكم اليوم؟

قال قيس ساخراً:

ماذا لديكم هنا يا عزيزنا اصطيف؟

وعلا الضحك ثانية.. لكن استيف ردّ بأدب ولباقة:

لدينا كل الأكلات الشرقية والغربية.. من أي بلد أنتم يا شباب؟

أجاب عيسى بسخرية:

 نحن من بلاد الشرق.. حيث تشرق الشمس. ألا ترى وجوهنا مشرقة!

ضحك النادل ثم قال بجدية:

يقولون إنها بلاد جميلة.. أتمنى أن أزورها يوماً.

استند عيسى على ظهر الكرسي وطفق يقول:

 إنها أجمل البلاد.. ومن يزورها لا يريد أن يتركها، فنحن مهد الحضارات وإن كنا الآن أكثر الشعوب تخلفاً ورجعية. ونحن مهد الديانات. عندنا كلّم الله موسى.. وتدفقت محبة المسيح، وفاض إيمان محمد.. رغم أننا قد شوهنا الحقائق ولوثنا الينابيع. ونحن مهد التاريخ، فمن عبقرية الأهرامات.. إلى عراقة القلاع إلى أقدم أبجدية.. رغم أننا الآن ليس لنا حاضر أو مستقبل.

نحن مهد كل شيء.. لكننا بقينا في المهد.

هزّ النادل رأسه بإعجاب وقال:

إنني أتشوق لأن أرى تلك البلاد.

ابتسم عيسى ساخراً ثم أردف قائلاً:

 لك ما تريد.. لكنني أحب أن أنصحك بعض النصائح. أنصحك بأن تتجنب المقاهي، فقد يظنك أحد المخبرين الجالسين هناك جاسوساً للأعداء، وفي هذه الحالة ستذهب إلى حيث ما لم تره عين، ولم تسمع به أذن، ولم يخطر على قلب بشر. ستكون رحلة العمر، فمن «بساط الريح».. إلى «الدولاب الأحمر».. إلى «الكرسي الهزاز» إلى «الغرف الخاصة».

أيضاً أنصحك بتجنب الحدائق.. فقد تصادف كلب إحدى بنات الرجال الكبار في ذلك البلد، وقد لا يحبّك ذلك الكلب وإذا نبح عليك أو هجم، فقد تختفي أنت ومن حولك في تلك الحديقة لأجل غير معلوم حتى تهدأ عاطفة الكلب وتستقر نفسيته.. فيسمح لك بالخروج إلى مكان لا يحتمل أن يمر فيه هذا الكلب أو أحد معارفه وأقاربه.

والنصيحة الثالثة هي أن لا تقول شيئاً جميلاً أو بذيئاً، نافعاً أو ضاراً، بسيطاً أو معقداً، محافظاً أو حرّاً، دينياً أو سياسياً أو روحياً أو اجتماعياً أو أخلاقياً أو فلسفياً أو علمياً، بمدلول أو بغير مدلول، بمعنى أو بغير معنى.. فكل شيء قد يفسّر حسب إمكانية تهديد الأمن العام للبلاد، وإثارة الفوضى والضلال. والويل للمضللين في بلد الحق، والويل للفوضويين في بلد النظام والقوانين. هذا عاقبته شديدة.. ربما أشد من عاقبة تحرش الكلب أو تهمة الجاسوسية.

أما النصيحة الرابعة فعليك أن لا تصادق امرأة كيلا تُتّهما بالفجور، وأن لا تصادق رجلاً فقد يكون من الأصوليين أو الليبراليين المطلوبين، وأن لا تلعب مع طفل فقد تلاحق لاستغلال البراءة.. وأن لا تساعد عجوزاً فقد يقبض عليك بتهمة السرقة. إن هذا قد يحدث في أي بلد.. لكن القانون يفصل في الحق والعدل، إلا هناك فالأمور تجري وفق مزاج الجالس على الكرسي المذهّب ووفق الاتصالات التي يتلقاها.

قطّب النادل حاجبيه قليلاً، ثم أراد أن يرسم ابتسامة لكنّ تكلّفه كان واضحاً.. وقال بجدية:

 أشكر لك نصائحك.. رغم أن الأمور تبدو نوعاً ما مخيفة.

ضحك عيسى قليلاً ثم أردف قائلاً:

 بالعكس.. الأمور في غاية البساطة. كل ما يلزمك هو أن تتبع النصائح.. لكنني لم أنتهِ بعد.

وتدخّل صادق ممازحاً:

 كفاك نصائح.. دعنا نأكل أولاً.

ردّ عيسى ضاحكاً:

 هل تريده أن يذهب في رحلة العمر دون نصائح!

واعترض صادق ثانية وقال بحزم:

عيسى.. كفاك الآن.. دعنا نأكل.

هزّ عيسى رأسه موافقاً.. وتدخل قيس قائلاً:

عندما يعود بالطعام تستطيع أن تكمل له نصائحك.

***

اختفى النادل بعد أن أخذ الطلبات، وعاد بعد قليل حاملاً صحوناً متعددة فأنزلها على الطاولة ورتّبها.. ولم يتركه عيسى يذهب قبل أن يضيف قائلاً:

- النصيحة الخامسة هي الأهم على الإطلاق.. وهي أن لا تفكر كثيراً هناك. لا تفكر بالمجتمع والناس والطبقات والفقراء والأغنياء.

لا تفكر لماذا يغنى أحد الأشخاص بسرعة وتفقر مئتا عائلة في الوقت نفسه.. ولماذا تختفي الطبقة الوسطى تدريجياً. لا تفكّر لماذا يعمل المهندس سائق تكسي.. والأمّي مدير مؤسسة.

لا تفكر بالدين.. فهناك أصول وقواعد وتفسيرات وتفنيدات وفتاوى وإرشادات فوق مستوانا نحن الأناس العاديين. لا تقرأ أي كتاب خارج لائحة رجال الدين.. ولا يخطر على بالك أي سؤال لم تجد جوابه في كتاب صف السادس الابتدائي.

لا تفكّر بالله.. فالله فوق، فوق، فوق.. عالٍ جداً جداً، ورؤساء البلاد هناك قربه.. فهل يمكن أن تصل إلى مرتبة الرؤساء!

لا تفكر بالله أبداً لأنه أعطى سلطته ورحمته للمدراء والرؤساء والمسؤولين والفقهاء.. وكل الخير سيأتي من خلالهم فقط. لا تفكر بالسياسة.. هذه هي النصيحة الأولى والأخيرة والأهم والأعمق والأفضل والأبقى لحياتك، فقد يسمح لك أحياناً قليلة أن تفكر بالله إذا كنت من المفكرين الموافق عليهم. وإن غضبت يوماً غضباً عظيماً كشخص بسيط فقد يغفر لك إذا لعنت السماء أو أحد الأولياء، أما إذا أردت الكلام أو المزاح البريء أو مجرّد ذكر الاسم لكل من الكبار أو أقاربهم أو سائقيهم أو محظياتهم أو كلابهم أو حرّاس كلابهم.. فعندها ستغني «أنا حكيت وانتهيت» ولن يكون لديك الوقت لتودع أمك أو أخوتك أو حبيبتك لأن «خالتك» ستتكفل بكل شيء.

 

 

الفصل الخامس من رواية "هنا الأنبياء يقتلون"

موكب ومشاعل

 

 

 1

- «إذا كان هذا ما تريدين فلن أمانعك أكثر من ذلك».

نظرت مريم باندهاش.. ولم تصدق أذنيها. هل حقاً ما تسمع من أمها أم أنها تسخر منها.. بينما كانت الأم جالسة تنظر للبعيد تارة وللصورة المباركة تارة أخرى.

وقالت مريم:

- شكراً يا أمي.. لكن ماذا حدث.. لماذا غيّرت موقفك فجأة؟! هل أتاكِ إلهام جديد؟!

- أنت صبية صعبة والجدال معك مضيعة للوقت.

- وماذا قال عمي بخصوص العرس؟!

قال: - ما تريده مريم يصير.

- حقاً.. هل هذا ما قاله عمي؟!

- نعم.. نعم..

وقفزت مريم من الفرح وراحت تمشط شعرها وترتدي ملابسها وتتهيأ للخروج، فابتسمت الأم بخباثة ثم تجهمت من جديد، ولم تسألها عن مقصدها لأنها عرفت وجهتها.

 

 2

جاءت الضيعة برمتها لتحضر زفاف بطرس ومريم، وكان ذاك اليوم حدثاً خاصاً لأن قبضاي الضيعة قد ترأس المجلس ومعه فتيانه، وقد جلبوا ضاربي الطبل من الضيعة المجاورة، وراقصي السيوف من الشبان والرجال.. وتقدموا العروس وعمها إلى الكنيسة، وكان الناس يتفرجون مدهوشين من منظر الرقص الرائع وأصوات الطبول المتناغمة.. وكانت زغاريد النساء تملأ سماء الضيعة وتصل إلى الجبل المواجه.

كان بطرس وأمه باستقبال العروس وحين وصلت مع عمها، صافحه بطرس ثم أمسك يدها ودخلا الكنيسة وسط تصفيق الناس.. وتمت مراسيم الزواج وباركهما الكاهن ثم قبّل بطرس مريم، وخرجا إلى القاعة محاطين بالأهل والأصدقاء والأصحاب.. وافتتحا مائدة الطعام وبدأ الناس يأكلون ويشربون. مرّت ساعتان أو أكثر والعروسان يتجولان بين المدعوين يمازحونهم ويضحكون معاً.. ثم بعد أن هدأ الناس قليلاً.. قالت مريم بصوت عالٍ:

- أطلب إليكم أن ترافقانا لزيارة الشيخ يوحنا.. فقد وعدناه أن نشاركه فرحتنا، ولأنه تقدم في السن كثيراً ولم تعد صحته تساعده على السير فقد نوينا أن نذهب نحن إليه.. فما رأيكم؟!

وتعالت الصيحات من هنا وهناك بالموافقة.. وقال أحدهم:

- الجو جميل رغم أن الظلام بدأ يخيّم على ضيعتنا.. لكن لا بأس سنحضّر المشاعل ونصعد معاً إلى قمة الجبل.

ولم يكن وقت طويل حتى أضاءت المشاعل في الظلام، وتقدم الموكب باتجاه الجبل.. وكانت أم مجد هناك واقفة تنظر يمنة ويسرة بوجهها المتجهم حتى لمحت عم مريم يبتسم لها، فانبسطت أساريرها وسارا معاً جنباً إلى جنب.. ثم انضم إليهما شوكت ومروان وعامر.. وصعدا مع الناس إلى غرفة الشيخ يوحنا.

 

اقتربت الأنوار والأصوات والأنفاس من قمة الجبل.. ولم يخرج الشيخ يوحنا ليقابلهم.. ثم اقترب بطرس ومريم من الغرفة وقرعا الباب.. فسمعا صوت الشيخ يوحنا وقد ضعف وتهدج يطلب منهما الدخول، فدفعا الباب ودخلا على عجل فرأياه جالساً على الأرض، مستنداً إلى بعض الوسائد ومتكئاً على بعضها الآخر، فرحّب بهما مندهشاً من زيارتهما وقال بصوت خفيض:

- ماذا تفعلان هنا.. يجب أن تذهبا إلى ضيوفكما ثم إلى المدينة لتقضيا شهر العسل.

ابتسم بطرس ومريم واقتربا منه، ووضع كل يده تحت ذراعه وساعداه كي ينتصب واقفاً.. وكان ما يزال متعجباً مما يفعلان، ثم سارا به إلى خارج غرفته، فارتعش لمنظر الأضواء والناس المحيطين بالغرفة والموزعين على الصخور وبين الأشجار.

وقدم بعض الشباب وأخذوا وسائد من الغرفة وجعلوها على صخرة منبسطة ورتّبوها بشكل يستطيع فيه الشيخ يوحنا أن يجلس براحة.. ثم ساعدوا بطرس ومريم ليجلسوه هناك.

ونظر بطرس في عيني مريم ثم نظر كلاهما في عيني الشيخ يوحنا، وارتسمت ابتسامة صافية على الوجوه الثلاثة. وبعد أن صمت الجمع قال يوحنا:

أشكركم على مجيئكم إلي في هذا المساء، إنني فرح بكم، وفرح بشكل خاص بصديقيّ بطرس ومريم،

اللذين اتّحدا باسم الله من أجل الخير والفرح والحياة..

إنني كصديق عاش بينكم وكرجل مسنّ يعيش لحظاته الأخيرة، وكأب فقد ولدين لو كتبت لهما الحياة لربما كانا بعمر بطرس ومريم، وكرفيق والد بطرس الذي كان يزورني باستمرار وقد سبقني إلى أرض الخلود.. إنني أحب أن أقدّم تهانيّ وبركاتي للعروسين الجميلين كي ينعم عليهما الله بالصحة والتوفيق والأولاد الصالحين.. إنني فخور بهذين العروسين وفخور بقرارهما أن يبقيا في أرضهما لينموا ويكثرا ويخدما ضيعتهما.

وضعف صوت الشيخ يوحنا أكثر.. ثم توقف عن الكلام ليسترد أنفاسه.. في حين نظرت أم مجد في عيني قبضاي الحارة والشباب الآخرين وابتسموا جميعاً للحظات.

 

شرب الشيخ يوحنا كأس الماء المقدم من مريم ونظر من جديد حوله، فارتعشت روحه بمنظر العروسين، وبقع الضوء، والوجوه النحاسية لنساء ورجال عاش معهم سنين طويلة.. فتشددت عزيمته، والتمعت عيناه، وارتسمت على شفتيه ابتسامة سماوية... وقال بصوته الهادئ الفرح:

يا أصدقائي وأحبائي وعائلتي الكبيرة.. كم تفرحني مشاهدتكم هنا حولي في ساعاتي الأخيرة، وكم يسعدني منظر هذين العروسين وقد قرّرا أن يبنيا عائلة من الحب والغفران والفرح والحرية.

الآن أرحل عنكم وتطلق نفسي بسلام، لأنني قد عاينتُ بذرة الخير تورق في أرضنا، وشعلة النور تلمع في وطننا، لم يعد لي رجاء سوى أن أصير واحداً مع هذه البذرة في الأرض وتلك الشعلة في السماء.

 

يا أحبائي.. يا عائلتي الكبيرة.. يا أصدقائي الطيبين.

كم يصعب عليّ أنْ أودعكم.. ولا أعرف ماذا سأقول قبيل الانتهاء الظاهري لحياتي معكم. عند ساعة الموت كل شيء يتجمد.. وربما نظن أنه انتهى وزال. لكن مثل خيبة الجنود يوم الأحد حين رأوا القبر فارغاً أفهم أنه هناك وعندئذ قد ابتدأت القصة.

بالحب نستطيع أن نفلت من قبضة الموت وليل الفناء، ومثل حبة الخردل الميتة في التراب.. تموت علاقاتنا.. تموت لمساتنا وبريق عيوننا.. ثم تخرج بعدئذ ساقاً وأوراقاً واخضراراً يعلن الربيع.

لقد كانت «حياة بيننا وزمان» نعم.. لقد كانت «حياة بيننا وزمان».

أحب أن أشكركم على كل شيء قدمتموه إلي.. شكراً لأنكم حملتموني في قلوبكم، وصرتم عائلتي وأخوتي

ما أوصيكم به هو الرحمة. ارحموا بعضكم بعضاً.. وتذكروا أن الله غفران ومحبة وفرح وحرية.

انموا واكثروا.. لأن النمو هو في صميم مشيئة الله رغم أن كل شرائع الدين والمجتمع تعمل لحد هذا النمو.. تخطّوا إنسانيتكم إلى ما لا نهاية، وكونوا بحق مجد الله على الأرض.

هذه هي دينونتنا العظمى..أن نكون مجد الله نحن الملطخين بالضعف والإثم.

انموا وتخطوا الصعوبات، وكونوا سعداء..

لا يهم أن تكونوا ناجحين أو منتجين..المهم أن تكونوا سعداء.

مشكلة الأرض الحقيقية هي أزمة الحب والسعادة، نقص الحب والسعادة، تشوه الحب والسعادة..

وإن هذا الجنون الرأسمالي لزيادة الإنتاج هو شكل غير واعٍ لتغطية وإملاء فراغنا من الحب.

افرحوا كثيراً.. وكونوا بسطاء كالأطفال. القداسة الحقيقية هي الفرح الدائم كالأطفال، والشكر على كل شيء يأتينا من أبينا السماوي.

 

أحبّوا من كل قلوبكم.. وتذكروا أنه ليس ثمة حب حقيقي من غير اضطهاد وغير ألم..

إن حباً غير معرّضٍ للتجارب، ولا يمرّ بالضعف والألم.. والفشل..يُشكّ به. وإن حباً مصوناً من كل شرّ،

مختبئاً بين الأسوار، لا تقترب منه نار المعاناة، يُشكُّ به

 

عيشوا بتواضع القلب.. إن التواضع ليس إنكار ما لدينا من مواهب، وقتل ما لدينا من خلق وإبداع، لكنه أن تقول لله أعطني الحجم الذي خلقتُ له..هو أن تؤمن أن مشروع الإنسانية كلّه يمرّ من خلالك.

 

يا عائلتي الكبيرة.. يا أخوتي وأصدقائي..

لماذا نخاف دائماً أن نشبع العطش الحقيقي داخلنا

لماذا نخاف.. أن نفهم.. وأن نؤمن.. أن الحب هو الجواب على كل تساؤلاتنا.. وأن الحب هو الضمان، لكل مخاوفنا. ألأن خبرات البشر مع هذا الجواب وهذا الضمان فاشلة ومؤلمة في أكثر الأحيان؟!

أما أنا فأقول: شكراً لك أيها الحب الذي يفقّرنا.. أيها الحب الذي يأخذنا إلى البعيد، الذي يعلمنا أن نتجاوز أنفسنا..

شكراً لك أيها الحب الذي يعمدّنا بالمادة، بالطبيعة، بالفرح والنور، حيث كل شيء..وكل شخص.. طريق إليك

 

اجذبني وراءك أيها الحب.. أيها الفرح

أيها الغفران..أيتها الحرية.

اجذبني وراءك، فنجري

قدني أيها الحب إلى ما يتجاوزني..قدني إلى البعيد. أنا لا أطلب منك..إلاّ أن أكون فيك ولأجلك، ومعك..

جسدي الصغير..مشاعري المترددة..نفسي القلقة..روحي الضعيفة.. لا تستطيع أن تستوعب كل جمال حبك..كل رغباتها في أن تكون لك،

لذلك تتشهى أن تموت..أن تفنى تماماً

أن يغيب هذا الجسد الصغير، هذه المشاعر المترددة..هذه النفس القلقة..هذه الروح الضعيفة، وتفنى فيك..

أيها الجسد الممتد على الكون..أيها المشاعر الشفافة..أيها النفس الكبيرة..أيها الروح الثابتة.

 

خذ مني يا الله جميع ما ينفع لملكوتك وارمِ البقية

علمني يا الله أن أعطي أفضل ما لدي، أن أعطي أكمل ما لدي، أن أعطي جميع ما لدي

آهٍ يا سيدي كم حبك يؤلمني

 

تهدج صوت الشيخ يوحنا ثم ردّد من جديد:

آه يا سيدي كم حبك يؤلمني

ثم بدأ يتمتم إحدى الصلوات:

لست شيئاً.. لكنك أنت كل شيء

لا أملك شيئاً.. لكنك تملك كل شيء..

لا أستطيع شيئاً.. لكنك أنت قادر على كل شيء.

وضعف صوته أكثر.. فاقترب بطرس ومريم وأسندا ظهره إلى وسادتين أخريين.. وأعطياه بعضاً من الماء. ورفع يوحنا عينيه وجال ببصره.. على الجمع.. وطلب منهم أن يرددوا معه هذه الكلمات:

نسبّحك أيها السيد لأجل الشمس أختنا..فهي جميلة وبهيّة بسنائها،

تهبنا النور وتشهد لقدرتك أيها الرفيع المنزلة.

نسبّحك لأجل إخوتنا القمر والكواكب..فإنك أبدعتها في الجلد، وألبستها ثوباً ثميناً جميلاً،

نسبحك لأجل الهواء.. فإنه يهبّ ريحاً ونسيماً ويحمل الغيوم،

نسبحك لأجل الجلد الصافي.. ولأجل فصول السنة التي تساعد الكائنات في وجودها،

نسبحك أيها الرب لأجل المياه.. فكلها منفعة وتواضع وقيمة ونقاوة،

نسبحك لأجل أختنا النار.. فإنها تضيء في الظلام وهي بهيّة ولطيفة،

نسبحك لأجل أختنا وأمنا الأرض.. فإنها تعطينا القوة بسخاء،

وتهبنا الأثمار المتعددة، والزهور النضرة الألوان، والغابات الخضراء..».

يا عائلتي الكبيرة.. يا أخوتي وأصدقائي

هكذا حين لا تملكون شيئاً، تصبح الطبيعة والأرض والسماء والماء والنار والهواء والشمس جزءاً منكم ولكم.. وتصبحون مع كل شي وكل شخص واحداً..وعندها تعاينون الله.

ثم أغمض عينيه وصارت أنفاسه متهدجة أكثر وكلماته متقطعة.. وتمتم كلماته الأخيرة:

«لقد خلقتنا لك يا الله وستبقى قلوبنا في قلق

حتى تستريح فيك» .

ثم أمال رأسه وانحنى على التراب وفتح ذراعيه ومددهما على الصخرة وشهق شهقة عظيمة وأسلم الروح.

 

أضيفت في 21/05/2006/ خاص القصة السورية/ المصدر: الكاتب

 

 

كيفية المشاركة

 

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية