|

بطاقة
تعريف الكاتبة: نجاة حالو

•مهندسة جيولوجية في مؤسسة الإسكان العسكرية فرع حمص.
•خريجة جامعة دمشق عام 1983.
•حصلت على منحة تدريبية من يوغسلافيا في مدينة زاغرب عام 1985.
•عملت مديرة لمشاريع المواد الأولية لمعامل القرميد والسيراميك في القطر.
•أعمل حالياً رئيسة لدائرة الكلفة والتخطيط ورئيسة لدائرة التصفية للمشاريع
في الفرع الصناعي بحمص.
•أهوى كتابة أجناس أدبية مختلفة.
•حصلت على الجائزة الأولى في مسابقة القصة القصيرة لاتحاد الكتاب العرب فرع
حمص لعام 2003.
 


نماذج من أعمالها

سر الحياة
أصبح النوم المطلب الأكثر إلحاحاً لندى.. تطلبه فلا تجده..
وكلَّما ازدادت حاجتها إليه.. ازداد هرباً منها.. حتى أضحت خيالاً
ضامراً. وبدأ توتر والدتها يتدرج إلى خوف حقيقي وهي تراقب انهيار صحة
ابنتها وإصرارها على محاربة الطعام الذي بات همَّاً يومياً.
كانت تدرك بقلب الأم أن هذه الحالة التي وصلت إليها ابنتها لم تعد
تحتمل السكوت.. إنها تقدر حزنها على جدتها التي انتقلت إلى الدار الآخرة
منذ أكثر من شهر.. لكنها ترى أنه زاد عن الحد فقد حسبت في بادئ الأمر أن
حزن ندى حالة عارضة.. تزول تلقائياً مع الأيام.. فكل هذا العمر الذي عاشته
خلصت منه بحكمة جدتها هي الأخرى "الزمن كفيل بكل المشاعر" لكن ما بالها
الأيام تطوي بعضها بعضاً وحزن ابنتها لا ينقص..؟؟.. وكأنه طفل غالٍ تحرص
ندى على تنشئته وتكبيره.. القلق أصبح زاد الأم..
والحيرة عنوانها.. ماذا تفعل..؟؟ كيف يمكن أن تخرج ابنتها من
اعتصامها.. ومن كآبتها.. قبل أن تصل إلى الانهيار العصبي..؟؟.
ما قالته لرياض ابنها الأصغر لم يجدِ نفعاً معها.. لقد اقتنع الصغير
بأن جدته في رحلة إلى السماء.. وسنلتقي جميعاً بها بعد أن ننهي أعمالنا..
فكل ما تقوله الأم للصغير يصدقه باستسلام.. وليس الأمر بهذه السهولة
بالنسبة لندى..
قالت لها يوماً.. يا بنتي الموت خاتمة الأشياء كلها.. ونحن نؤمن
بعقيدتنا أن البعث حقيقة.. وأننا سنلتقي بمن نحب في السماء.. إن اجتزنا
امتحان الحياة بنجاح..
لكن ندى استمرت تحدق بعينيها.. صامتة.. وبلا حركة.. ليس في عينيها
سوى تلك النظرة التي تدل على الذهول والبلاهة.. حالها منذ اليوم الأول الذي
رافقت فيه جدتها إلى مثواها الأخير..
حاول الأهل يومها تجنيبها هذا الموقف.. لكن أحداً لم ينجح حتى أنها
انزلقت من بين الجميع ووقفت على مقربة من الحفرة تراقب الجدة وهي ترقد
فيها.. وتراقب أباها الباكي وهو يهيل التراب عليها.. ورجال العائلة وهم
يسوون سطح القبر ويغلقونه..
كل هذا نجحت برؤيته بصمت ثقيل.. وبعينين محروقة جافة.. لكنها لم
تنجح في إسكات صوت عقلها.. الصارخ.. الرافض..
كان السؤال قد مات على شفتيها.. حتى حسب الجميع أنّها لاذت بالوعي
واستكانت لمنطق الحياة.. لكن الحقيقة كانت شيئاً آخر..
فما إن وصلت إلى فراشها.. حتى غدا شوكاً يخزها.. لم تغسل الدموع
عينيها كما غسلت أحزان أفراد الأسرة..!!
حاولت أن تجيب نفسها عن الأسئلة المحيرة التي أخذ عقلها يطلقها..
كانت أسئلة تتجاوز حدود عمرها.. ومعرفتها..
أخذت صورة الجدة الضاحكة دوماً.. والصامتة وهي في حفرتها تتداخلان
في رأسها تداخلاً مضطرباً..
تارة تراها وهي تقف حاجزاً بينها وبين والديها لتحميها من عقاب
مفروض وتارة تراها جثة هامدة ممددة في حفرة رطبة. التراب أرضها وجدرانها
وسماؤها.. فتثقلها الحيرة.. وترهقها المقارنة بشكل هستيري.. خطر لها أن
تتسلل خلسة وتأخذ معها مصباح بطارية تضعه في قبر الجدة لأنها تكره العتمة
بشكل رهيب.. لكنها قدرت أن المصباح لن يعمل في هذه الحفرة الرطبة الخانقة..
خطر لها أن تذهب إلى حفار القبور وتطلب منه فتح نافذة صغيرة أسفل
القبر.. حتى تبقى جدتها على اتصال مع العالم الخارجي فالجدة تحب الناس
وتكره العزلة.. لكنها خشيت أن يطردها وينعتها بالجنون. يا الله.. كيف
ستستطيع هذه الكائنة الوديعة.. الضاجة بالحياة أن تستكين لظلمة القبر ووحشة
الوحدة..
عقلها الصغير.. لا يستطيع الإجابة عن سؤال كبير كهذا..!! يدرك
الأبوان أن الصراع في رأس ابنتهما قد يقودها إلى الهاوية..
ويحاران فيما يفعلانه.. إنها لا تستجيب لأي مؤثر.. مهما كان قوياً..
استعانا بالأهل.. استعانا بالأصدقاء.. قال الطبيب: "إنها على وشك
الانهيار.. حاولا إخراجها من عزلتها بأيَ ثمن".
كانا يفتعلان نقاشات حامية فيما بينهما على مسمع منها كلها تدور حول
فكرة الحياة والموت.. والهدف من حياة الإنسان..
والحقيقة إنهما وكأي إنسان آخر.. كانا يجهلان الكثير.. حتى أن الصمت
والنظرات المتسائلة كانا ينهيان أغلب نقاشاتهما.. استعانا بضرب الأمثلة..
عن الأشجار.. والطيور.. والحيوانات.. وكل هذا لم يحرك ساكناً بابنتهما.
وردت إلى ذهن الأم بعض الآيات القرآنية.. فردّدتها يوماً بصوت عالٍ
وهي تريد لندى أن تسمع:"الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً
وهو العزيز الغفور"..
وما
خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون...
وقبل أن تبدأ حوارها مع الأب حول الآيات الكريمة ارتفع صوت ندى..
نادباً: خلقنا للعبادة أم للدود يأكلنا ولوحشة الوحدة تفتتنا؟ وقبل أن
ينبري أحد للإجابة أخذت تردد بهستيريا واضحة من طلب منه.. من أراد..؟
لماذا؟ لماذَا؟..
اندفعت الأم نحوها تريد تهدئتها.. لكن الأب أشار لها بيده لتتوقف.
لجمت خوفها واضطرابها.. وأخذت تراقب ابنتها على حين قال الأب: دعيها تفرغ
شحنة حزنها بثورة الغضب هذه فقد ترتاح بعدها.. وتعود إلى حالتها الطبيعية..
لكن بدلاً من الهدوء الذي يلي العاصفة.. كان ما حدث شيئاً آخر أخذت
ندى تضرب صدرها بكلتا يديها وتترنح برأسها وهي تقول: لا أريد الموت.. لا
أريد أن أدفن في حفرة متطاولة صغيرة.. لا أريد أن يأكلني الدود.. الحياة
ظالمة.. أنتم قساة.. هذا الأمر شنيع.. لا أريد.. لا أريده.. اقترب الأب
منها بهدوء.. وشدها إلى صدره وقد بدأت قوتها تتلاشى.. وهي أقرب إلى الوقوع
أرضاً.
قال: وهو يغرس بصره بعينيها.. هذا رائع يا ابنتي.. رفضك للموت يعني
أنك تريدين الحياة.. ومن يريد الحياة يجب أن يأكل ويشرب ويحياها.. سحبت
جسدها الضئيل بتمرد..
قالت صارخة: لا.. لا أريد الحياة.. حاول الأب الاستنجاد بالأم التي
جمعت نفسها وقالت: لا مجال للهرب من الاثنين معاً.. الحياة والموت ضدان لا
يجتمعا عليك باختيار أحدهما..
باستسلام ضعيف قالت: أكره الموت.. أكرهه.. لا أريده. مسحت الأم رأس
ابنتها بحنان بالغ.. قالت وهي تضم وجهها بكلتا يديها.. حسناً يا صغيرتي..
الأحياء جميعاً يكرهون الموت ويريدون الحياة لذلك ترينهم يعملون على أن
يحيوها.. يأكلون.. يشربون.. يتزاورون... يتزاوجون.. كل ما يفعله الكائن
الحي هو نتيجة حبه للحياة وكرهه للموت.
تابع الأب وقد بدأ يشعر أن ابنته تعود إلى طبيعتها شيئاً فشيئاً يا
بنتي يجب أن تعلمي أن الموت هو ابن الحياة كما هي ابنته..
لولا الموت لما كانت الحياة نظرت إليه بحيرة.. لاقتها حيرة الأم..
سألت: كيف..؟
بدا للأبوين أن أي شرح قد يزيد الأمر سوءاً وأن الأب تورط بجملة لا
يعرفان كيف يفسرانها..
إنهما بهذا العمر.. ولا زالت الحياة لهما لغزاً يصعب تفسيره..
قفزت إلى ذهن الأب فكرة حلوة.. قال بحماسة: ما رأيك برحلة قريبة..
أريك فيها كيف تنبثق الحياة من الموت؟ تلقى نظرات الأم المتسائلة.. فابتسم
وهو يتابع.. في مزرعة عمي حيث تتوافر أشجار التوت الرائعة.. تقوم بعض
النسوة بتربية دود القز. سترين على أرض الواقع.. دليل ما قلت.
في الصباح.. حمل الأبوان ندى.. وأدخلاها السيارة رغم ممانعتها. كان
الأوان.. أواخر فصل الربيع.. والهواء لا زال رطباً.. عليلاً في المزرعة
التي لا يجهل صاحبها حالة ندى صحبها إلى حيث يجلس رجل مسنّ أمام وعاء كبير
فيه ماء يغلي فوق موقد مشتعل.. وبيده عصا خشنة.. يحرك بها الماء. في الماء
المغلي كانت شرانق دودة القز تتعلق خيوطاً ناعمة على العصا الخشبية.. نظرت
ندى بصمت حزين.. وانبرى العم للشرح.. إنك لا تجهلين شكل دودة القز يا ندى..
أجابت بصوت ضعيف: رأيتها أكثر من مرة.. فوق شجرة التوت. قال بحماسة: وأنت
تعرفين أيضاً أنها بعد عشرين يوماً من ولادتها تبدأ تصنع الشرنقة حول نفسها
قالت: أذكر مرة أني شاهدت العاملات يحملن أوراق التوت ويقطعنها قطعاً صغيرة
لتكون طعاماً لها..
قال: رائع أنت طالبة لا تنسي شيئاً.. إننا نربي دودة القز بأعداد
كبيرة في غرف خشبية صغيرة ونضع لها طعامها المكون من ورق التوت حصراً.. حتى
تكبر وتبدأ تصنع الشرنقة.. عندها نكف عن إطعامها ونبدأ ننتظر.
وما إن تنهي الدودة سجن نفسها في شرنقتها.. حتى نُسرع إلى استخلاص
خيوط الحرير بالطريقة التي ترينها أمام عينيك الآن..
نظرت ندى بتساؤل.. وما دخل انبثاق الحياة من الموت في هذا يا أبي.
قال الأب: تعرفين الآن أن دودة القز رغم حبها للحياة ونهمها للأكل
هي من تصنع كفنها بنفسها..
لا شك في أنك تعلمين أيضاً أن الإسراع في إلقائها بالماء الساخن هو
سبقاً للزمن حتى لا تثقب شرنقتها وتصبح فراشة تطير..
إن كفنها.. أو قبرها بالأحرى ما هو إلا فترة قصيرة يتم تحويلها في
داخله.. من دودة بطيئة الحركة لا عمل لها سوى أكل أوراق التوت بنهم إلى
فراشة طائرة تحلق في الفضاء الرحب.. وبعد أن كان مسكنها طاقة خشبية صغيرة
أو على أحسن الأحوال شجرة توت ملتصقة عليها.. أصبح فضاءً لا تحده حدود..
أترين كم هي ذكية هذه الدودة التي تحيك قبرها لتنبعث منه نحو الضوء
والحرية المطلقة هكذا هي الروح المسجونة في جسد.. إن عملت صالحاً..
صرخت ندى: لكنكم تخنقونها بالماء.. قبل أن تتحرر.. لتصنعوا منها
خيوطاً تافهة..
تدخل العم: الحرير ليس خيوطاً تافهة يا ابنتي.. إنه من أغلى أنواع
الخيوط على الإطلاق.
رددت بحزن.. أعلم.. أعلم.. أن الإنسان كائن جشع.. يتطفل على حياة
الكائنات لمصلحته..
ضحك العم بصوت مرتفع: ما ترينه أنت تطفلاً وجشعاً يا صغيرتي نراه
نحن وسيلة لكسب العيش حتى تستمر حياتنا التي نحرص عليها "بكرامة" وهذا مطلب
مشروع للإنسان على ما أعتقد أم أني مخطئ؟؟ لم تجب.. أخذت الأفكار تتزاحم
برأسها وهي تحاول تجميع الصور المتناقضة: غرفة جدتها –التي كانت أكبر غرفة
في المنزل- مع هذا كانت تردد: افتحوا الأبواب والنوافذ.. لا تدعونا نختنق.
القبر العاتم الذي يحوي جثتها.. دودة القز الزاحفة على ورقة توت.. النعش
الذي تحيكه لتنطلق منه فراشة نحو النور..
جدتها وهي تثقب القبر وتنطلق فراشة هي الأخرى.. الإنسان المتطفل
الذي يقتل مشروع الفراشة ليحصل على خيوط يحيك بها ثياباً.. هذا القاتل.. هو
نفسه من يبحث عن وسيلة للعيش تضمن استمرار حياته وحياة أسرته..
تُرى لو أدركت هذه الدودة أنها ستصبح خيوطاً وقماشاً هل كانت دخلت
قبرها طواعية..؟؟
من يدري..؟ ربما كانت تدرك وهي تفعل ذلك عن رضى لتصنع من نهاية
حياتها شيئاً مفيداً.
كما الشجرة التي تعطي طوال حياتها وفي النهاية تصبح أبواباً ونوافذ
أو حطباً للتدفئة.. والوقود..
إنها النهاية الواحدة لكل ما على الأرض.. لكل دور يجب أن يؤديه مهما
تكررت المراحل.. كانت الصور تتضارب وتتصارع في الرأس الصغير مما جعل حاملته
تقع مغشياً عليها..
لكنها عندما استفاقت كانت تشعر بشيء من الهدوء حتى أنها طلبت بنفسها
الطعام..
وكان في الطعام الطازج الذي حُضّر في مزرعة العم عسلٌ من صنع نحلة
أرادته غذاءً لملكتها.. وبيضاً من دجاجة أرادته أن يكون صوصاً تحتضنه..
وحليباً من غنمة كانت تضن به غذاءً لوليدها.. أكلت ندى راضية.. وبدت أكثر
هدوءً واستسلاماً. إنها الحياة التي بدأت تدرك شيئاً من أسرارها.
   
الماس العجيب
في أرض باقر الخاوية حيث الأراضي كلها بركانية نشطة كان الناس يخشون
الاقتراب منها خوفاً من ثورة البراكين الدائمة. غير أنه ثمة منزل وحيد
متواضع تم إعماره على الطرف الجنوبي للنهر المنحدر أسفل الصخور البركانية
المنصهرة.
كان يشغله شاب باحث في علوم الأرض والأحياء وبرفقته أمه وأخته
الشابة الجميلة.. التي شكلت عائقاً لا بأس به أثناء طرحه فكرة الانتقال إلى
تلك المنطقة..
فقد كانت من النوع الذي لا يثير انتباهه غير توافه الأمور وقشور
المادة لكن الأم أقنعتها خوفاً من ترك معيل الأسرة وحيداً وسط مفاجآت
الطبيعة ومخاطرها فأذعنت مرغمة وحزينة على ترك حياة المدينة والأصدقاء.. لا
حباً بالصداقة ولا حسرة على ما تقدمه من غنىً للنفس والروح.. بل لأنها فقدت
متعة المباهاة بالجمال على أقرانها وأترابها. وذات يوم ضبابي خرج الشاب
كعادته في الصباح الباكر مستطلعاً وباحثاً.. اقترب من منطقة اللابات( )
الساخنة بحذر وأخذ يحدق إليها.. خطر لـه أن يمدّ إحدى قدميه ليلامسها..
ولكنه بحكنة الدارس أخذ حجراً وقذفه أولاً ولشد ما كانت دهشته عظيمة.. حيث
تشكلت دوائر حول الحجر وانطلقت أبخرة وغازات تدل على الغليان ثم غاص الحجر
ضمن تلك الدوائر دون أن يترك أثراً على السطح..
رمى عصام حجراً ثانياً وثالثاً.. وأخذ يراقب.. كانت النتيجة نفسها
في أي مكان يصل إليه الحجر.. تتشكل دوائر كالتي يصنعها أثناء قذفه في
المياه الساكنة ومن ثم تغلي الأرض وتنطلق أبخرة وبعدها يغوص الحجر إلى
أسفل.
حمد عصام الله لأن حبَّ الاستطلاع عنده لم يدفعه إلى المغامرة ووضع
قدمه على اللابات.. وإلا كان مصيره.. مصير الحجر المختفي. أخذ يحدق إلى ما
حولـه برويّة والفجر ما زال يرسل خيوطه المضيئة إلى المنطقة، فجأة سمع
صوتاً هادراً جعله يرتجف بعض الشيء.. ويقبع في مكانه ساكناً منتظراً.. حتى
لمح حيواناً هائلاً يشبه التنين الضخم إلا أن ذيله كان أطول ورأسه بقرنين
صغيرين..
أخذ يراقب الحيوان بحذر ودهشة.. إذ كيف يستطيع هذا الحيوان الضخم
السير فوق الطف البركاني على حين لم يثبت الحجر الصغير سوى ثوانٍ قليلة..
كيف لم يحترق أو ينصهر؟
تابع النظر بدقة.. كان هذا الحيوان يتألم تألم الأنثى أثناء الوضع
إنه أنثى حيوان إذاً.. وهي تضع وليدها فوق هذه الصخور الهشة اللاهبة وما أن
انتهت عملية الولادة وما رافقها من آلام وصرخات هذا الكائن الغريب حتى شاهد
عصام.. الوليد.. كان كائناً صغير الحجم بالقياس إلى أمه.. أشبه بالسلحفاة
وضعتها الأم فوق اللابة الحارة.. وانصرفت..
أراد عصام الاقتراب والإمساك بها.. لكنه تذكر مصير الحجر.. فتراجع
بخوف والدهشة لا تزال تأخذه إلى معاقلها..
كان مصير الوليد.. نفس مصير الحجر الذي رمى به سابقاً.. سرعان ما
فارت اللابة.. وشكلت دوائر مترافقة مع أبخرة وغازات غاص على أثرها الوليد
الأشبه بالسلحفاة إلى حيث لا يعلم.
كيف ابتلع الطف البركاني الوليد..؟ ولم يبتلع أمه ذات الحجم
الأكبر..؟ ما سر هذا الكائن العجيب..؟
كان عصام يحدث نفسه بصوت مسموع: أعرف أن كل الكائنات الحية مهما
كانت عظيمة أو دونية.. تبحث عن استمراريتها في أولادها.. لذا تقوم بالتكاثر
في الأماكن الأكثر أماناً حفظاً لسلامتهم.
فما بال هذا الكائن اللغز.. يضع وليده في أكثر الأماكن خطورة حيث
تبتلعه الحمم البركانية..
إنه لشيء مثير للدهشة..! ما فائدة التكاثر لـه إذاً..؟ لعمري هذا
شيء مخالف لقانون الطبيعة في حرص أحيائها على استمرار نسلهم. كانت هذه
الأسئلة المحيرة والأفكار المضطربة رفيقة عصام في عودته إلى منزله فبدا
كأنه غير راغب بالعودة وأخذ يسير بطرق ملتوية..
كان يردد: ليتني استطعت ملامسة هذا الكائن الوليد ولو لحظة.. ليتني
أستطيع أن أعرف شيئاً واحداً عنه..
وصل في سيره المضطرب إلى الطرف الآخر للنهر الذي يربض منزله على
ضفته الثانية.
أخذ يضرب المياه الساخنة بطرف قدمه.. وإذ بها تتعثر بشيء ما.. انحنى
على الأرض.. أزاح الرمال بيديه..
يا الله.. إنه الوليد نفسه الذي ابتلعته الحمم البركانية قبل
قليل..!! أو لعله شيء شبيه به.. التقطه بيديه بحنو ورقّة.. إنه كائن كثير
الشبه بالسلحفاة..
شعر وكأنه عثر على كنز لا يقدَّر بثمن.. حمله.. وأخذ يسير مسرعاً
باتجاه البيت.. لقد تدخل القدر.. ومنحه فرصة نادرة لإجراء بحث جديد.. لم
يسبقه إليه أحد.
كان بين اللحظة والأخرى يقف ويرفع الحيوان الصغير باتجاه وجهه
متفرساً.. إنه كائن وديع.. يخفي رأسه في الصندوق المشابه لصندوق السلحفاة..
لكن عندما يظهره مستطلعاً، كان يشبه إلى حد كبير رأس ذلك الحيوان الذي رآه
منذ قليل متلبساً بحالة ولادة.. مما زاد في يقينه أنه الكائن نفسه الذي تمت
ولادته فوق اللابة الساخنة.
بدا الأمر الآن أكثر إقناعاً للعقل من قبل.. إنها الحالة الطبيعية
للتكاثر.. الأم تضعه في المنطقة التي يعتقد الرائي إنها خطرة.. ليتم تشكيله
في مرحلة ثانية ويخرج من منطقة أكثر أماناً..
لكن كيف؟ ولماذا؟ وما هو السر؟ أسئلة محيرة كثيرة بحاجة إلى إجابة
وعصام يعتقد في نفسه القدرة على البحث والدراسة والصبر لحل هذا اللغز
الغريب.
صرخت دلال أخت عصام عندما رأته يحمل الحيوان الصغيرة بيديه: "كان
ناقص حيوانات قذرة في البيت..! ألا تدري أن السلحفاة قذرة وتحتاج لعناية
فائقة بها..".
ابتسم عصام: إنها ليست سلحفاة.. إنها شبيهة بها كثيراً.. لكنها ليست
سلحفاة.. فلا هذا هو شكل رأسها، ولا هذه هي طريقة ولادتها.
لم يأبه عصام لاستنكارها وضع الحيوان ريثما يتم تأمين طعامه، ليتمكن
من استمرار الحياة حتى يقوم بإجراء تجارب عليه وحل لغزه الصعب.. في تلك
الأثناء دخلت الأم مسرعة غرفة ابنها استجابة لطلب ابنتها فتعثرت بالحيوان
المندهش وكادت تقع أرضاً..
حمل عصام السلحفاة الغريبة وقال يمازح والدته: سأضربها كرمى لك
لأنها كادت توقعك.. وبدأ يضرب السلحفاة ضرباً ناعماً على ظهرها.. ولشد ما
كانت دهشة الجميع بالغة.
عندما خرجت من جوف السلحفاة قطعة حجر لامعة.. أحدث سقوطها على الأرض
صوتاً أشبه بصوت الزجاج عند ارتطامه بالأرض..!
التقط عصام الحجر بدهشة وتفحصه بدقة.. ثم صرخ فرحاً.. إنه ماس
حقيقي.. ماس بحاجة إلى قليل من الصقل لتبرز قيمته الرائعة..
قالت أمه: أعرف أن الماس يستخرج من الأرض وأنه تبلور قسري للبقايا
المتفحمة في باطن الأرض خلال مئات السنين.. ولم أسمع يوماً أن الماس يمكن
أن يخرج من فم أو مؤخرة أي كائن حي.. قد يكون لؤلؤاً.. أو شيئاً شبيهاً
به..
عاود عصام تفحص الحجر، ثم قال بيقين: إنه ماس.. أنا أعرفه جيداً.
ثم إنه ضرب السلحفاة المدهشة بلطف مرة ثانية على ظهرها.. وإذ بحبة
أخرى من الماس تسقط منها..
كرر الضرب ثالثة.. ورابعة.. وفي كل مرة كانت تخرج حبة مماثلة للأولى
في القساوة واللمعان..
رقصت الأم.. وارتفع صوت الأخت بالتهليل..: "لقد ودعنا الفقر إلى
الأبد.. سنعود إلى مدينتنا.. ونبتاع فيلاً كبيرة.. وسيارة ومصيف على
البحر.. وعلى الجبال.. و وَ.."
قاطعها عصام: مهلاً هل جننتِ؟ من أين كل هذا..؟
قالت: "يا غشيم من هذه الماسات..".
قال عصام بسخرية: أربع ماسات صغيرة ستحقق كل أحلام دلال دفعة
واحدة..؟
قالت دلال بيقين: "يا أحمق.. حيوانك هذا منجم ماس" ثم مدت يدها
لتخطف السلحفاة.. على حين ابتعد بها عصام وهو يتوعد: "إيَّاكِ يا دلال
ضربها ثانية.. ألا ترين كم تتألم رغم نعومة ضرباتي..".
دعيها اليوم لنبحث عما نطعمها إيّاه وفي الغد نرى ما يمكن فعله..
ابتلعت دلال ريقها بغضب.. وهي تقول: أخي يعشق الفقر.
وانشغل عصام مع والدته في إحضار قشور الخيار والخس.. طعام السلحفاة
المعتاد لكنها رغبت عنه مما زاد في حيرتهما..
كانت تنظر إلى عصام بتوسل.. وكأنها ترجو أن لا يعاود الضرب.
في اليوم التالي.. ترك عصام السلحفاة مع ماسَّاتها في غرفته وانطلق
باكراً إلى الشاطئ الذي وجدها عليه.. يبحث في طيّاته.. عما يمكن أن يكون
طعاماً تقبل تناوله وهو يحدث نفسه: "إن الخالق الذي استخلصها من وسط الحمم
الحارة إلى الشاطئ الساكن.. لا بد أن يكون قد أتى بها إلى المكان الذي
تستطيع العيش فيه وتأمين طعامها".
هكذا تستقيم الأمور في منطق أكثر. تسللت الأم إلى غرفة ابنها بعد
مغادرته لها وأخذت تتفحص الحيوان الشبيه بالسلحفاة.. أعادت عرض المياه
والخس.. والخيار عليه.. دون فائدة.. أمسكت به وأخذت تضربه بنعومة كما فعل
ولدها..
لم يسقط منه شيء.. عاودت الكرة بعنف أكثر.. فندّت عنه صرخة ألم مما
جعل الأم ترتعش وتعيده إلى الأرض..
إنها امرأة حكيمة.. علمتها الحياة.. الكثير.. أيقنت في داخلها أن ما
تهبه السلحفاة لابنها.. لن تهبه لآخر أبداً.. لأنه الكائن الأول الذي
التقطها بعد الولادة.. وحملها بعطف.. وحب.
تركت الحيوان على الأرض بعد أن أغلقت الباب وعادت إلى مطبخها وهي
تدعو لابنها بالتوفيق في أبحاثه..
حين استيقظت دلال.. أسرعت إلى غرفة أخيها.. التقطت الماسات الأربع
ووضعتها في جيبها.. ثم حملت السلحفاة بقسوة وأخذت تضربها كما فعل أخوها..
وعندما لم تخرج السلحفاة شيئاً.. ثارت ثائرتها.. واشتد غضبها فأكثرت
من الضرب والركل.. وكلما صدر عن السلحفاة ما يشبه الأنين.. ازداد غضب
دلال.. وازدادت قسوتها على الحيوان الصغير.. حتى أنها أحضرت عصا غليظة
وضربتها على ظهرها.. ولدهشة دلال أخرجت السلحفاة من باطنها مواد كريهة
الرائحة جداً لا تحتمل.. ثم همدت حركتها..
رمتها أرضاً.. وخرجت هاربة من الغرفة.. والاصفرار يعلو وجهها.
حضرت الأم مسرعة على صوت الجلبة وانبعاث الرائحة الكريهة من غرفة
ابنها.. وفهمت للتوِّ ما حصل.. التفتت إلى ابنتها بتأنيب تعرف أن أوانه قد
فات.
وقالت معاتبة: ضيعت ثمرة تعب أخيك..
كان الندم الذي لا يجدي نفعاً قد أخذ من نفس دلال الكثير وهي قابعة
في غرفتها.. حزينة تنتظر عودة عصام..
في الوقت الذي كان فيه عصام قرب النهر.. باحثاً عن شيء ما يخدمه في
إطعام السلحفاة..
فجأة سمع صرخة عظيمة.. كان الصوت نفسه الذي سمعه بالأمس عندما شاهد
الحيوان الضخم في حالة ولادة..
ربض ساكناً خلف إحدى الشجيرات يراقب ما يكون من أمر هذا الكائن،
كانت هذه الأنثى تبحث على أطراف الشاطئ.. عن شيء مفقود.. وتضرب بذيلها
الطويل.. يمنة ويسرة.. والنار تقفز من عينيها الغاضبتين..
لا بد أنها تبحث عن وليدها.. من رنة صوتها الضخم.. الحزين.. عرف
عصام أن الوليد لا يمكن أن يعيش دون أمه..
عرف ذلك من القطرات التي تشبه اللبن الخاثر التي كانت تتساقط من صدر
الأم.. ومن القطرات النارية التي تسقط إثره من عينيها الحزينتين..
يا لروعة الخلق.. إنها أم تبكي على إرضاع طفلها.. يبدو أنها تضعه
على اللابة ليتشكل شيء ما.. في داخله.. وتنتظر خروجه من حيث تعلم على طرف
النهر لتلتقطه وترضعه كأي أم..
يا لها من أم ثكلى ويا لتعاسة ذاك الوليد بعيداً عمن تضمن استمرار
حياته.. لكن لا.. سأعود إلى المنزل وأعيده إلى الشاطئ.. حيث ينعم بالقرب من
أمه.. لن أحرمه أجمل شعور في الوجود..
لقد أعطاني الكثير كوني حملته بحب ولطف.. ولا بد أن يعطيني أكثر إن
أحضرته ليحيا الحياة الطبيعية في حضن الأم المسكينة.. كان هذا ما يحدث عصام
به نفسه، وهو يسرع الخطا باتجاه منزلـه وما إن وصل إلى البيت حتى اندفع
باتجاه والدته يشرح لها ما توصل إليه بشأن الوليد وأمه.. دون أن ينتبه إلى
الحزن الرابض في عيني والدته وإلى شدة انبعاث الرائحة الكريهة من غرفته.
لكن أمه.. ما إن سمعت بتحليل ابنها وخوفه على الأم من الحزن على وليدها حتى
انفلتت بالبكاء.. عندها فقط اشتمَّ عصام الرائحة الكريهة..
أسرع إلى غرفته وقد حدّثه قلبه بالخوف.. وما إن شاهد السلحفاة مسجاة
على ظهرها ولم يجد أثراً للماسات حتى خمّن ما حدث..
قال بصوت يشبه العويل: متى تتخلص أختي من جشعها وغبائها؟ وأخذ يمسح
دمعة انفلتت رغماً عنه.
حمل السلحفاة أو شبيهتها الميتة.. ووضعها على الشاطئ.. وجلس قريباً
منها والحزن يأكل قلبه..
في اليوم التالي عاد الحيوان الضخم يبحث بصوت حزين وما إن شاهد
الوليد ميتاً حتى أخذ يطلق حمماً ملتهبة (أحرقت الأشجار النامية على ضفة
النهر) ويصدر أصواتاً مرعبة.. وحزينة بآن واحد..
ابتعد عصام هلعاً: وعاد مسرعاً إلى منزله.
قالت الأم مواسية: كل شيء في الدنيا قدر مرسوم.. لا تجزع كثيراً..
قال بهمس باكٍ: المصيبة أن الأغبياء والطمّاعين هم مَنْ يصنعون
قدرنا.
أجابت محفزّة: حاول العودة ثانية إلى المكان الذي وجدتها تضع وليدها
فيه قد يسعفك الحظ بحيوان ثانٍ.. تكون أقدر على التعامل معه في المرة
القادمة..
بيأس قال: تعرفين أن زمن التكاثر عند بعض الكائنات يكون طويلاً
وبعضها يتوالد لمرة واحدة..
وأنتِ تعرفين أيضاً أن بعض الثديات إن حزنت على ولدها الأول لا تنجب
بعده أبداً..
تمتمت الأم بحزن: يحدث هذا أحياناً عند أنثى البشر..
أردف عصام: لِمَ لا تكون هذه حالها هي أيضاً.. إنني لم أرَ طوال
حياتي أو أسمع عن حيوان شبيه.. وهذا يعني ندرة نوعها وبالتالي يعني صعوبة
أو ندرة تكاثرها..
لم يكن عصام بعد هذا الحوار بحاجة إلى تأكيد أمه.. إنه باحث..
والباحث الجيد لا يعرف اليأس.. إنه يعرف أن البحث بحد ذاته علم تفوق قيمته
قيمة الماس الذي فقده..
تذكر عندها الماسات الأربع.. سأل أخته.. التي قفزت ناسية حزنها..
ورددت: أجل الماس.. الماس.. إنه ثروة.. إن وعدتني بالعودة إلى المدينة..
أحضرت الماسات. رفض عصام إعطاء الوعد.. فعمله وأبحاثه أهم وأثمن.
واستنفدت الأم أعصابها وهي تحاول ترويض عناد ابنتها.
أخيراً أعطت وعداً مشروطاً.. بعودتها إلى الدراسة والعلم مثل
أخيها..
عندها أخرجت دلال الماسات.
ولشد ما كانت دهشتها عظيمة.. كانت الماسات كامدة.. لا بريق لها. نظر
الأخ بألم وسأل: أين كانت هذه الماسات يا دلال؟
قالت بدهشة: في غرفتي.. تحت وسادتي!..
صرخ بغضب: أيتها الغبية إنها من النوع الذي يحتاج للضوء أثناء
اكتمال التبلور ليستمر تألقه وبريقه إلى الأبد.
اندفعت بما يشبه البكاء: ماذا يعني هذا.. هل فقدت الماسات قيمتها
لأني خبأتها فوراً.. ورمت بها أرضاً.
ردّ بصبر العالم وحلمه.. وهو يلتقط الماسات: تبقى قيمتها بالذكرى
وبتلقينك درساً يجب أن لا تنسيه ما حييت.. أشاحت دلال بوجهها باكية وهي
تردد: لن أتدخل فيما لا أفقه بعد الآن.. لن أتسرع..
قاطعتها الأم: المهم أن تتخلصي من الجشع..
ومنذ ذاك اليوم ودلال تقضي يومها بين اللابات المنصهرة.. ترمي حجراً
وتسرع إلى الطرف الثاني للنهر علها تلتقط شيئاً ما..
فلا تجد غير أباريق مكسورة وبقايا أواني قديمة وحصى متنوعة الألوان
تقذف بها المياه إلى الشاطئ..
والأعوام تمر.. دون أن يعود ذلك الحيوان الغريب للظهور ثانية.
17/9/2003
  
صانع الأعاجيب
في قرية صغيرة هادئة يحب أهلها بعضهم بعضاً ظهر فجأة رجل سيرك غريب
الشكل والأطوار.
كان شكله من الأعلى يشبه كافة المهرجين بلباسهم الأحمر المرقع
وبوجوههم المطلية بالمساحيق البيضاء، وأنوفهم الحمراء الكبيرة، وأفواههم
الضاحكة الواسعة.
لكن قسمه الأسفل كان مختلفاً تماماً عن أي كائن عادي.. كان أشبه
بحصادة.
سرواله الأحمر يشبه سراويل المهرجين.. لكنه بثمانية أقدام بدلاً من
قدمي البشر الاثنتين، ومن بين كل قدم تمتد آلة تشبه المقصلة يجرها بسهولة
ويسر. مما أثار استغراب الجميع.
لم يسبق ظهوره أية دعاية أو إعلان عن مهرجان.. أو سيرك.. ولم يحمل
يوماً بوقا لينادي به الناس!!.
اجتمع أطفال القرية حولـه أولاً. يدفعهم الفضول لاستكشاف هذا الكائن
الغريب.. لكن أحداً منهم لم يجرؤ على الاقتراب منه.
وهو لم يوزع وعوداً بعروض ممتعة.
كان فقط يبتسم في وجه الأطفال بلطف ويقول بهدوء من يعطيني يده..
أعطه مبلغاً كبيراً من المال ثمناً لها.
فيبتعد الأطفال خائفين مذعورين..
سمع حكماء القرية وكبار السن فيها بهذا المهرج الغريب وتدارسوا
أمره..
قال كبيرهم: لا بد أنه كائن فضائي من كوكب آخر.. يجب إبلاغ الشرطة.
وقال المختار: قد يكون لصاً متنكراً يريد سرقة خيرات القرية،
فلنراقبه جيداً قبل إبلاغ المخفر.
وقال وجهاء القرية: إنه معتوه.. من يمكن أن يستغني عن يده مقابل
كنوز الأرض..؟ وابتدأ الجميع بالمراقبة الحذرة.
لم يمضِ يومان حتى شاهد أهل القرية. أبا عبدو صاحب البقالية الوحيدة
في القرية.. بيد مقطوعة. وعندما سألوه.. ابتسم بترفع وقال غداً سأشتري
سيارة وخادماً فتصبح لي ثلاثة أيد بدلاً من اليد الواحدة.
وبعد يوم واحد شاهدوا أبا سليم سمسار الأراضي بيد واحدة.
سألوه باستنكار فأجاب بتعالٍ: غداً سأشتري الأراضي الخصبة. وستكون
عندي مائة يد بدلاً من اليد الواحدة.
مساء اليوم ذاته.. كان أبو جلال مساعد رئيس المخفر يمشي بيد واحدة.
قال بلا سؤال.. سأرتاح من أوامر رئيس المخفر سأستقيل وأشتري دكاناً وأرضاً.
كانت المقاصل البارزة من بين أقدام المهرج تمتلئ يوماً بعد يوم
برائحة الدم وآثاره.
ولا أحد يعرف ما الذي يفعله المهرج الغريب بهذه الأيدي. ولا بأي شيء
يمكن أن تفيده.
لم يمضِ شهر واحد إلا وأغلب سكان القرية قد فقدوا أيديهم. ولا أحد
يقبل أن يبيع أرضه أو دكانه لأن كلاً منهم أصبح يملك المال بالقدر ذاته..
عمت الفوضى القرية الهادئة وحل التعالي محل الطيبة والمحبة في التعامل بين
الأهالي..
لم ينج من ذلك سوى مختار القرية، وبعض كبار السن الذين اجتمعوا
للتدارس ولمحاولة إيجاد حل للمشكلة فأبو عبدو السمان لم يستطع أن يشتري
خادماً فلا أحد يريد أن يخدم وهو يملك المال...
وأبو سليم سمسار الأراضي لم يجد من يبيعه أرضاً لأن الجميع يريدون
الأراضي ويريدون الخدم فيها.
أبو جلال بعد أن قدم استقالته لم يجد من يساعده في شراء ما يريد ولم
يستطع العودة إلى وظيفته وليس بمقدوره العمل عند أحد.. كارثة حقيقية حلت
بالقرية الهادئة.
قال المختار: الحل يجب أن يكون عند هذا الغريب الذي سمحنا لـه بقطع
أيدينا ذهبوا إليه والشرر يتطاير من أعينهم.. قالوا بحدة وحزم: سممت
حياتنا.. أنت من يجب أن يجد الحل!
قال بهدوء: أنا لم أجبر أحداً.
قالوا: صدقت ولكنك أغويت الجميع ومن يغوِ يكن شيطاناً..؟
ضحك ضحكة مجلجلة.. وقال عندي الحل: اجمعوا المال الذي أخذتموه مني
وأعيدوه لي وأنا أعيد لكم أيديكم.. وتعود قريتكم إلى حالها السابق من
الهدوء والمحبة.
قالوا: أتقسم على أن تعيد الحال إلى سابق عهدها.
قال: أقسم أن أعيد الأيدي.. وأنتم وظيفتكم أن تعيدوا الأمور كما
كانت.
تدارس الحكماء الأمر ثم قالوا: سنجبر الجميع على إعادة المال ومن
يرفض نطرده خارج القرية. وبعد أخذ ورد ونقاشات حامية وخلافات حادة..
أجبر الحكماء الأهالي على إعادة المال بكامله إذ لا أحد استطاع
الاستفادة منه.. جمعوا الأموال وذهبوا إلى المهرج..
قال بثقة: أمهلتكم شهراً لإعادة الأموال.. أمهلوني يوماً واحداً
لأعيد الأيدي.
قال المختار: ومن يضمن لنا عدم كذبك وهربك بالأموال.
ضحك المهرج وقال: لست من البشر لأكذب مثلهم..
ومع نظرات الاستغراب التي تبادلها الوفد لم يملكوا إلا الموافقة
فليس أما مهم من خيار..
قال بثقة: غداً في مثل هذا الموعد والمكان لنا لقاء.
في اليوم الثاني اجتمع أهل القرية جميعاً في الموعد والمكان
المحددين ليروا صانع الأعاجيب كيف يعيد الأيدي إلى أصحابها.
كانت الأيدي المقطوعة مكومة بعضها فوق بعض.
وفوق الكومة لافتة كبيرة كتب عليها لم أكذب.. وفيت بالوعد.. لكن
لكثرة الأيدي واجهتني مشكلة صغيرة.. لم أعرف كل يد لمن تعود..!
بإمكانكم حل هذه المشكلة بأنفسكم.. وداعاً..؟
اختفى الغريب مثلما ظهر فجأة.. واختفت معه أمواله وكانت كومة الأيدي
ملقاة على الأرض أشبه بالهياكل العظمية. ملأت الدموع أعين أهل القرية.. من
يستطيع أن يصلح ما انكسر؟ من يستطيع صنع المعجزات؟ لم يعد أحد يملك المال
الذي يجعله متعالياً على جاره..
لم يعد أحد قادراً على الخدمة في أرضه أو أرض غيره، فمن يستطيع
العمل بيد واحدة.. إنها غالباً ما تكون عاجزة دون مساعدة أختها.. الثانية
التي خلقها الله لهذا الغرض.
سورية – حمص – 3/6/2003.
  
الصديقان
وقع الثعلب يوماً في فخ منصوب.. لم يكن منتبهاً لوجوده..
فأخذ يصرخ ويستغيث.. ولحسن حظه توافق وقوعه مع مرور ذئب في اللحظة
ذاتها..
الثعلب: أرجوك يا أخي.. أنقذني.
ضحك الذئب: هل سمعت يوماً عن ذئب يمد يد العون لثعلب؟
الثعلب: كلنا أبناء الغابة.. وأولاد الغابة أخوه ولا شك.
الذئب: قانون الغابة لا يحتمل الأخوة.. إنه قانون القوة والتفرد
بها.
الثعلب: يا أخي.. أنا في محنة.. وأقسم لك بكل مقدساتي إني سأرد
صنيعك بأفضل منه.. وسأكون نعم الأخ والصديق.
صمت الذئب فترة متفرّساً في الثعلب وفجأة قال وهو يضحك:
-أعجبتني كلمة صديق هذه..! هل تقسم على أن تكون صديقاً وفيَّاً
مؤثراً لصديقك على نفسك؟
-أقسم باللحم الطري الذي أكلت.. وبالدماء القانية التي شربت على أن
أكون نِعمَ الصديق.. وستراني وقت المحنة والضيق.
عالج الذئب الفخ بأنيابه ومخالبه وساعد الثعلب على الخروج من محنته
ثم مدَّ لـه يده القوية لتصافح يد الثعلب الجريحة..
كانت ضعيفة وقد شعر الذئب بذلك فضحك في سرّه سعيداً.
سارا متجاورين.. وفي كل خطوة كانا يرسمان قوانين الصداقة وأصولها.
الثعلب: الصديقان متساويان في الحقوق والواجبات..
-ونحن سنكون كذلك.
الثعلب: والصديق لا يخفي سرّاً عن صديقه ويؤثره على نفسه.
-لن أخفي سرّاً وستكون عندي قبل نفسي.
الثعلب: صديقي مَنْ يقاسمني همومي.. ويرمي بالعداوة مَنْ رماني.
-وأنا سأحمل همومك عنك.. وسأكون مخلبك الضارب في قلب أعداؤك.
-اتفقنا..؟
|