أصدقاء القصة السورية

الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | معلومات النشر | كلمة العدد | قالوا عن الموقع | سجل الزوار

 

SyrianStory-القصة السورية

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

للاتصال بنا

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

youtube القصة السورية في

facebook القصة السورية في

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 08/12/2010

الكاتب: ماجد رشيد العويد

       
       
       
       
       

 

 

نماذج من أعمال الكاتب

بطاقة تعريف الكاتب

 

 

 

 

بطاقة تعريف الكاتب

 

سوريا ـ الرقة

 

له عدة أعمال مطبوعة منها:

ـ بصوت خفيض ـ  قصص ـ دار الحوار 1995

ـ الغمام ـ قصص ـ دار آرام 1999

ـ قصة التسعينات ـ مشترك 1999

ـ الموت الأصغر ـ قصص ـ  وزارة الثقافة السورية.

 

الدوريات والصحف المحلية والعربية

ـ أنشر في الدوريات العربية والمحلية منها على سبيل المثال مجلة الكويت، مجلة البيان.

 سوريا ـ الرقة ـ ص . ب ـ 290

زيارة موقع الكاتب     مراسلة الكاتب                                        للتعليق على القصص      مواضيع أخرى للكاتب

نماذج من أعمال الكاتب

في الليلة الأولى

مضغة

صمت المثال

السادن 

طيبة

المذبة

العباءة

وأخيرا رأيته

 

السادن

 

نعم أخشاك

وكيف لا أخشاك، وأنت أصلي ومبتدئي، وأنت مهجة روحي، وما خشيتك إلا لكي أتمكن من إنسانيتي الضائعة وربما الضالة، فأحيا وسط الركام البشري محترماً بهي الطلعة والطلّة، وأما الجرأة بغير تعقّل فصفاقة مأفونة .

في الحلم – ولم يكن من الأضغاث – وبعد طول تدرب ، جاءني أنه يجب أن أغسل ما علق بكم من أدران ، أقصد ذلك الغبار الذي تراكم فوقكم ، فوق حجركم .

صحوت من الحلم أو ربما من الضغث لا أدري . ومن فوري وعلى إيقاع العجلة اتجهت إلى الميدان الواسع، المحشو بالناس الصغار والكبـار، الأصحاء والمـرضى. قلت من هنا أبدأ. لحظات لا أكثر وانفجر الماء قوياً مثيراً الدهشة على الأفواه الفاغرة. قلت للناس:

ـ يا ناس هذا الميدان مبارك، فلنتعاون على حمايته وحراسته من ضعاف النفوس.

هذا القول كررته كثيراً. فزت في النهاية بتثبيت نقطة الحراسة، وأقمت فيها إلى حين حضوري إليكم. لسنين عدّة وطوال هذه الأعوام وأنا أغسل الميدان وحجره، وأسقي ورده.

دلقت عند جنباته كل شبابي ومبتدأ كهولتي. كنت أرى فيه بقاءنا ولا شيء سوى بقائنا. على أنني وفي غمرة انفعالي بنقطة الحراسة المحدثة، وفي غمرة التوق إلى إحداث نقاط أخرى، وفي غمرة توقي إلى حماية الميدان، ومراقبة الطـرق المنتهية إليه، رأيت ركناً يمسخ كلباً ضارياً جبّاراً. وفي لماحة نادرة أدركت أني إن تركت له أن يتابع انمساخه سيفتك بي وبغيري من الناس الذاهبة والآيبة، والثاوية في بيوتها. كان كلباً غير مبال، طائش النظرة، أحادي التوجه، ذا نـزوع كفري ولهجة استفزازية.

كنت مصيباً فيما رحت إليه من حدس بشأن الكلب، فلقد اتجه إلى قلب الميدان مباعداً ما بين ساقيه ليبول. قلت له:

ـ يا كلب لا تتبول هنا.

لم يستمع إلي ولم يعرني التفاتة. أيقنت أنه كلب ضال فدفعت إليه ثلاث طلقات، اخترقت دماغه، وعظام صدره وخرّ من لحظته صريعاً، فأي جرم في مقتل كلب؟

إن لي حاسة لا تخيب في قراءة الأفكار، وليس من عبث ولدت هذه الحاسة، فلو لم أقتله لعاش وأنسَلَ وكوّن عصبة مسعورة تهجم في كل اتجاه دونما وازع. وبفضل هذه الممارسة أوتيت مقدرة الكشف عن خيارات هذا الكلب. أقصد ما كان كلباً بعد انمساخ سريع وصار جثة هامدة، ورأيت أن الرصاصات رحمة للناس من عذاب لا يطاق.

لم يكن الميدان ميداناً عادياً، ولا الساحة كانت كذلك. كانت تنتهي إليه أربعة شوارع عريضة فارهة بأرصفة محددة بحجارة بيضاء وسوداء وكان محاطاً بأبنية ضخمة وعبر الشوارع هذه يتم الانتقال إلى أرجاء المدينة كافة، لهذا لم يكن عبثاً أن أطالب بتثبيت نقطة الحراسة.

أسوق إليك ما جرى دونما منّة في سوق هذه الأخبار. لو كنت مكاني لاتخذت إجراء مماثلاً  حاشا لله أن أتشبه بك، ولكني أفترض، إنه مجرد افتراض.. فلا تغضب يا سيدي وتثار. قبل خدمتي كان الميدان يغطّ في سبات عميق. كان هامداً على نحو ما فاتر الحركة ، متكلّس الروح . مع وفودي إليه ، وحلولي في أرجائه حارساً انقلب الحال .

قرأت تاريخه منذ التأسيس، أنشأت معه روابط أثمرت ألفة خاصة. دفعت إلى حناياه روحاً طقسية دؤوبة. بدأت أنظفه بهمة عابد متعبد .. أنظفه آناء الليل وأطراف النهار. ولم أكن أنظف المكان من الغبار والأوساخ فحسب، وإنما أيضاً من السقطات والزّلات اللسانية والعقلية. كنت في هذا لبيباً وعلى السجية. لو انتهيت إلى غير هذا لبسط ذراعيه، وإذ يبسط ذراعيه ندلف على غير إرادة منا إلى تلك الظلمة السحيقة. كانت الرصاصات وأداً لولادة مشبوهة.. ولادة مشوّهة، ورفضاً لتنويم عميق وطويل في مهاد الظلمات. نعم سيدي، لقد أردت الدلوف إلى عمق العصر معانقاً الزمان في تفاصيله الدقيقة والرهيفة.

اخترت درباً شاقة وعرة، وقلت: إني في محنة وعلي اجتيازها. لقد لامست بعض التصور لتلك المهاد البعيدة، كنت كأني أدخل إلى قاعها، وإلى عمقها، مرهف النفس، ممزق الوشائج. وقدماي ... نعم قدماي أبتا إلا ذلك التلبث الوجل، فتسمّرت في مكاني أستجمع قوتي وأصرخ بأعلى صوتي قف يا كلب لا تتبول. كان لابد من خيط نور أشرخ به الظلمة المحيطة عندها انطلقت الرصاصات مخترقة رعبي وصمتي الطويل، ومحلّقة كالراية على أعمدة إرادتي الوليدة في اختراق ذلك السكون، وتلك الظلمة التي ملأت الدروب، وغلّفت العقول.

هأنتذا تحب أن تعرف عني تفاصيل أخرى غير عملي. لا بأس، فأنا شيخ هرم أسعل من تواصل الأيام، وألجّ من استمراري في كنفها شيخاً وتّره الدبيب العجول لكائنات ربمـا بلهاء.

وبرغم همّتي الوقّادة، وانسَ أني شيخ، برغم همّتي هذه، بدأت أنسحب من الحياة مكتفياً بما توفر لي من البقاء حياً في ربوع ميداننا المقدس، أقرأ تاريخه وأدرس حالاته فأكتسب منه وقادة الحس والشعور، فمنه وعبر مناجاتي لروحه ازددت تجدداً فأحسست في لحظات أني شاب في مقتبل العمر وفي أول عطائه، أطير قاطعاً سبع سماوات، وإن شئت داخلاً إلى سبع مفاوز. كنت على شفا امتلاك القدرة على تحليل ما لانبساط ذراعيه من معنى.

كان الطريق الذي سرت فيه معتماً إلى حدّ يجعلك تطفح بالأسى، كان كالكهف في ظلمته والتوائه ووحشته. وكانت الغرفة التي انتهيت إليها ضيقة جداً، عطنة الرائحة وجدرانها نزفت البقية الباقية من رمق يتهتك وسط ما يشبه كهفاً عتيقاً، أناجي ببقية ضئيلة من شهيق ينفد تلك الرسوم التي تراءت لي والأوراق التي خيل إلي أني أراها. قلت له للمحقق: لابد من هذا الانعطاف ليستعيد ميداننا بهاءه. قال لي: أزهقت روحاً.

فقدت في مواجهته كل قدرة على الاختيار. قال إني من السافلين، وإن مثواي جهنم وبئس المهاد، وقال لي ستعيش ميتاً في جحيمين، ثم أضاف جحيماً ثالثاً. لمّا أردت أن استفسر علمت أن جحيماً ساقه إلي بنفسه، وان الآخر في الأعالي وبينهما سيكون جحيم القبر وأردف: سأقبرك سريعاً أسرع مما تتصور وستتضور في الجحيم فإلى أن تنتشر الصيحة نحتاج إلى عدد هائل من السنين سيكون جحيمك الأوسط ترعى خلاله الديدان جسدك. وسيكون القبر مثوى لاهباً تضج خلاله نفسك أو ما بقي منها. ولا أخفيكم أنه ارتعدت فرائصي، وجن حلمي من الصورة التي رسمها المحقق دونما جرم يذكر سوى أن كلباً ضالاً تبول، ربما سهواً وافترضتها عن قصد، فدفعت إليه ثلاث طلقات هشّمت عظامه ونخاعه. وتساءلت عن مصيري في ملاقاة جهنم الثلاثية الأمكنة، وتذكرت عذاب القبر وحكايات الجدات، وقلت ربما سأعانق النيران لأنني سهوت عن الكلب فبال، وقلت ربما لأنني قتلته ، وأضعت نفساً بريئة بغير ذنب يرتكب. ثم توقفت كالمستدرك، وقلت متسائلاً أيبول ولا يكون مذنباً ؟

هيئة المحلّفين نقضت حججي حجة بحجة، ولما كانت هذه الهيئة تصاب بعسر في الاجتهاد، يتوالى الطرق على المنصة فأصمت بدوري مدركاً خطأ حجتي وبطلانها، ومدركاً كذلك فداحة ذنبي.

قلت لهم:

ـ لقد بال، ولو لم يفعل لما قتلته !

قال لي المحامي:

ـ ولكنك زهقت بغير ذنب نفساً بريئة.

ـ ولكنه كلب ضال، ثم إنه بال.

وردّ القاضي:

ـ ليس التبول جرماً كافياً لإطلاق الرصاص!

قلت في نفسي، والإرهاق باد علي: لِمَ لمْ أدعه يبول ويرحل وماذا كان يضيرني لو تبول؟ وكأسرع من البرق غاص السؤال في أعماقي، وعملت بالسرعة ذاتها على نسيانه، ذلك أن مجرّد التساؤل يعني اعترافاً بجريمة منسوبة إلي. بعد انبثاق السؤال على شكل رغبة زلّت ، فعلتها في سروالي!! اللحظة ساخنة كأنها النار، والشياطين الثاوية قامت من أعماق القماقم تحيي وعلى طريقتها رقصة الموت التي دفعتني إلى حلقاتها مسحوباً من نواصيّ جميعاً. بعد ذلك استقررت في تابوت، وكنت داخل التابوت جثة تسبح في الماء، وكان هذا المشهد أقرب ما يكون إلى الحلم.

عبر الحوار المبتسر اكتشفت جريمتي، أعني عرفت سبباً من الأسباب التي أفضت بي إلى هنا، حيث التحقيق والتكفير، ثم توالت الأسباب التي دلّتني على إقدامي غير الممنون على خرق ستر الظلمات، وقتل الكلب المبارك. آنذاك وبعد شبه اقتناع بأنني مارق كافر، قررت أن أطلب العفو والرحمة. قرأت في السر والعلن الفاتحة وآية الكرسي، وقرأت كل المعوذات. كنت في لحظة من لحظات التجلي والصفاء طائراً على بساط من الكشف لا يكون إلا لنبي، مدركاً حجم ما هو منسوب إلي، ومؤمناً بحجم عقوبتي فلا أقل من الاستغفار وطلب التوبة والرحمة بالإكثار من الركوع والسجود. وفجأة تساءلت كيف أدع الكلب يسهو؟

قلت لا بـد أنني سهوت عنه فسها ثم بال، ثم أطلقت الرصاص فأزهقت نفساً زكية. غفوت غفواً لائذاً، وتساءلت بصمت عميق كيف هي نفس زكية في لبوس كلب ضال؟ إن فعلَ بال وحده، كاف لنثر الموت. وأكثرت من الأسئلة والأجوبة حتى شعرت بدوار يحطم رأسي.

قال لي محامي الكلب:

ـ أنت تترك الناس حتى ساعة متأخرة من الليل، فينام أكثرهم في الميدان، وفيهم لصوص يقطفون ورده، وبعضهم يكتب عبارات لا تليق بالذوق، وبعضهم يتشاجر، كل هذا وأنت غافل عنهم حتى جاء الكلب، وأطلقت عليه رصاصاتك الثلاث.

وقال لي القاضي:

-حطّم الناس إنارة الساحة دون أن تفعل شيئاً. فما معنى أن تقف عند كلب ضال؟

للوهلة الأولى صُعقت، فمن الغريب أن يقارن الناس بمسخ هذا للوهلة الأولى، وفي الثانية تلاشت الصاعقة، وأدركت بما يساعد على قطع الشك باليقين أنني مذنب وغارق في ذنبي حتى النخاع. عند حدود هذا الإدراك وبعد أن ملأني اليقين همـد خوفي، وقلت لا بأس بها من رحلة في مهاد النار، وقلت لا مفر من التدرب على استساغة المهل، وعلى التنفس وسط كتل الغساق.

تأجج شعوري بالذنب. غرقت في نوع من التبتل، ورأيت أن التوبة لا تصح بغير عقاب. سألني المحامي سؤاله الأخير:

ـ ما الذي دفعك إلى زهق روحه ؟

ـ اعتقدت أنه من الكلاب الضالة، وأيضاً لونه كريه، وهو مخيف وشرس ثم إنه تبوّل.

توجه إلى القاضي يطلب إليه إعدامي لزهقي روح الكلب. انفرجت أساريري وأنا أرى السعادة تغمر صاحـب الكلب ومحاميه. غمرني فيض لم أدرك كنهه وأنا ألمس تحقق الناموس الكوني العين بالعين. لقد ارتفع شأن الكلاب الضالة. حاولت أن أُمسخ كلباً ودعوت لأصبح كذلك. عوى صوتي ـ وأنا أنفق ـ في الصحارى الشاسعات مخبولاً تائهاً تردد الرمال صداه وتُطرش الأزمنة

 

 

 

صمت المثّال

  

رأى الرجل الصورة، ونطّ قائلاً: عاش السلطان... عاش، عاش.            

لم تكن الصورة بالطبع للسلطان المذكور آنفاً وإنما كانت لغيره، فثبت أن الرجل معتوه، وربما فاقد الذاكرة، ولوحظ عليه وهو يقطع الشارع أنه يلتفت كثيراً يميناً وشمالاً فاغراً فمه، وتبدو عليه الدهشة. وكان كلما اصطدم بأحدهم، صاح: عاش، عاش، عاش.

على أنه فجأة بدا يرى الصورة، من أمامه ومن خلفه، ومن فوقه ومن تحته، أو لعله هكذا اعتقد، ولكن يقينه كان ثابتاً في أن الصورة يجب أن تعيش، وأن تتخذ لها ركناً من كل حائط على طول الديار من البحر إلى النهر. وبإيمانه هذا رآها باسمة في قوة، وهي تتخذ مكانها المبارك من البلاد. ولما كان لا مفر من تحيتها انطلق ثانية يصيح وبصوت جهوري: عاش، عاش. وعند هذه اللحظة، اصطدم بجدار أثار غضبته فانطلق يسب الطين الذي بني به. أثناءها كانت عيناه، اللتان غارتا في محجريهما، حمراوين ربما من الصدمة، ثم ما لبـث أن رفعهما فرأى الصورة في جلالها ومهابتها، فارتعدت فرائصه، ووقف شعر رأسه وتلعثم لسانه، غير أنه ما لبث أن استجمع ذاته وتتالت منه الاعتذارات للصورة الباسمة، حتى أنه قال في علانيته وسرّه: قبح الله العجلة، ثم حرك رأسه المائل باتجاه الأرض يميناً وشمالاً وبدت على شفتيه ابتسامة بلهاء وتابع سيره وهو يقول: قبح الله العجلة.

بدا له الشارع طويلاً لا ينتهي، وعميقاً بلا قرار، مزيناً على الجانبين بالصورة الآخذة في التناسل، حتى كأن المكان غرق في بحر من الألوان والبسمات، وتلك النظرات الحادة...

اختار واحدة بالطول الكامل والمجسم وبالألوان، رُصّعت أطرافها بشرائط من الذهب الخالص، نظر إليها نظرة متأملة فبدا له الشارب وقد زينته بعض الشعيرات البيضاء فقال في سره: إنه الوقار والحكمة ثم نظر إلى المجسم بكليته فأبصر عباءة تلفه بالكامل فقال في سره: يا لروعة التراث!!. أما الكفان فقد أحكما قبضتهما على العباءة من الوسط فقال علانية: يا للقوة!! أمعن النظر فرأى الماء يسيل غزيراً من على جانبيه. شرب كثيراً من بعد عطش ثم قال: حقاً إنه ماء فرات مستساغ. عند ذلك رفع يديه بالدعاء وتابع سيره.

في الطريق إلى بيته شاهد رجلاً أغبر كأنما خرج تواً من قبره، حاول أن ينفض ما تراكم عليه من الغبار إلا أنه تراجع في اللحظة الأخيرة، ثم استوى بدوره في الشارع، وأجال في المارة نظرات سريعة وخاطفة وصاح: يعيش، يعيش، ثم تابعا سيرهما رفقة وكأنهما يعرفان بعضهما منذ زمن بعيد. سأل صاحبنا الرجل الأغبر:

ـ أين كنت؟

أجابه، وقد عدّل من هيئته، وكأنما يملؤه شعور بالفخار:

ـ كنت أضع جماعتي في وضع التهيئة فتتوحد الأصوات في كلمة "يعيش" فنسحق بها أعداءنا. أما علمت أن المتربصين يريدون شراً بنا؟

ـ ولكن لماذا أنت ممرغ بالتراب هكذا؟

ـ وكيف تسألني مثل هذا السؤال؟ ألا تعلم أنه يجب علينا أن نقدّم فروض الطاعة، ثم ألا تعلم أنه قدس اللهُ سرّه يحب أن يُبجل؟

ـ بلى أعلم ولكن ما دخل هذا التبجيل بالتراب الذي يملؤك من أعلاك إلى أسفلك؟

ـ وكيف لا؟ كان يجب علي أن أتمرغ بالتراب، لقد جثوت على الأرض ثم مرّغت جبهتي ثم كامل وجهي. كنت أقدم له التحية الواجبة لمثله من السلاطين. وأنت ألا تفعل هذا؟

وهنا أحس صاحبنا بأنه كمن وقع في كمين، وليتدارك أمره قال:

ـ بل أفعل أكثر من هذا، لقد قلت إنه معصوم، وإنه لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه. وكيف لا؟ ولكن  ألا ترى أننا لسنا في وضع نخاف فيه الخسارة، نحن أقوياء بما فيه الكفاية. ثم    اعلم أن الصورة مزينة بشرائط من الذهب تجري في عروقها روح سماوية.

كانا كل منهما ينظر إلى الآخر نظرة مملوءة بالريبة، ولذا فقد ظهرا وكأنهما يتربصان ببعضهما.

تابع سيره إلى بيته يعبر الجسر فوق ماء متلاطم يخبط بعضه بعضاً، كما نفسه والبلاد. ألقى نظرة على الماء وأخرى إلى السماء التي بدت حيناً صافية رائقة، وبينما هو كذلك، وعلى غفلة من نفسه صاح: عاش، عاش. وما إن وصل إلى نهاية الجسر حتى تلفّت يمنة ويسرة، وفجأة اصفرّ لونه، وانتفخت أوداجه، واضطربت الحروف في فمه، ثم انطلق يركض متحولاً عن الإسفلت إلى الطرقات الترابية.

**

بدت حالته تزداد سوءاً، منذ بدأ بنحت مجسّمه الذي أعجب به لاحقاً، كانت الصخرة من أمامه كتلة هامدة بلا حياة تحتّها الريح ويد الزمان. وبوحي من إيمانه المكثف والمتصاعد بمنحوتته، ومع كل مرحلة من مراحل التشكيل، كان يهزّ الصخرة ويعبث بها من جوانبها كافة، ثم يصيح: أخرج، وعش. كانت تلك هي الفكرة التي آمن بها، وبأن من رحمها سيخرج ثم يفيض منه العالم. ومع كل نفثٍ للكلمة " عش " كان يحس بالروح تنبثق من حبيبات العرق المتلألئة على جبينه، حتى أحس أو هكذا اعتقد أنه يلامس الروح ملامسة، ثم يقبض عليها، ثم يدفع بها إلى رحم هذه الصخرة الرجيمة التي تفجرت عن عيني صقر تعلوهما جبهة عالية. عينان من نار تعلوان أنفاً قُدّ من الرّوع، فوق فم لم يعرف الابتسام يوماً. كل هذا في جمجمة على غير جنس، وعلى غير مثال.

مع ضربة الإزميل الأخيرة بدا له التمثال حاد الملامح، ينطق بالجبروت كلُ ركن فيه. وهنا شعر بأنه بعث في الفراغ سيدَه ومالكَه.

قالت له نفسه بعد أن انتهى من عمله:

ـ ولكن أنت من نحته، فكيف تكون عبداً له؟

ـ لأني عبد شهواتي ورغباتي والتمثال غاية المنى على هذا الصعيد هل فهمت؟

ـ وهل غاية مناك في أن تكون بوجوده بلا فائدة؟

ـ ليس الأمر على هذا النحو. أنا أمثل الفكرة وهو يمثل القوة، وهكذا سأظل مسيطراً عليه.

لم يتمالكا هو ونفسه أمرهما فانفجرا مغيظين، تسيل من جنباتهما اللعنات. كانت اللحظة بينهما غاية في التوتر، وكاد أن يحطم ما صنع لولا تلك الرغبة المجهولة التي تملؤه. وهنا قال للتّمثال:

ـ انهض وكن كما أردت لك أن تكون.

**

برغم الحجم الهائل للمنحوتة فقد أصر المثّال على جرّها بمفرده إلى المكان المخصص لها. وكان هذا الإصرار من باب التبجيل لسيد على غير مثال، يشع جمالاً وينطق حكمة. غير أنه وبعد مضي الوقت، لم يفلح في جرّه إلى حيث يجب أن يكون. وحاول مرة واثنتين وثلاثة.. أنهكه التعب وقذف به الجوع إلى الأرض مستلقياً على ظهره يلهث مثل كلب أجرب. وبينما هو في استلقائه بين لاهث تارة ومحدق في السماء تارة أخرى، فاض منه إلهام لا يدري إلى اليوم مبعثه، ولطالما تساءل أهو من النفس أم من الروح أم من العقل أم منها جميعاً. ولكن، وهذا هو المهم، قفز قفزة واحدة فإذا به يستوي واقفاً على رجليه بكامل قوته وعافيته، ترقص من الحبور ملامحه. ألقى على التمثال نظرة فرح ممزوجة بالطاعة والتبجيل، ثم نادى بصوت يملأ الآفاق:

ـ سأجرّ إليك الساحة، بل ومدخل المدينة أيضاً أيها المبجل، ثم لتحلّ علي من بعد ذلك بركتك.

بإلهامه هذا راح يرقص في تلك الأرض المنبسطة. غير بعيد منه لاح النهر فانطلق إليه، ثم ألقى بجسمه في مياهه سابحاً في لهو ومرح.

**

في زمن قصير ـ لم يملك أهل المدينة والمثّال حسابه ـ أفاق الجميع ليروا أن مدخل المدينة قد تحول إلى الجهة الأخرى من النهر، فاستبشروا خيراً بهذا التحول المعجز، ومنّوا الأنفس بالرفاه. أثناء ذلك كان المثّال يضع اللمسات الأخيرة على الساحة وعلى مدخل المدينة بحيث يتوافقان مع الحجم المعنوي والروحي للحجر الذي نطق فوعى وأوعى، وبصر وأبصر. وشارك الناسُ المثّالَ في أعمال التزيين.

إلا أن التمثال لم يسترح في المكان الذي جاؤوا به إليه، فعمل على تغييره بعد أن دبت الحياة في أوصاله. وبقدميه الرهيبتين حطّم وهو يمشي كل ما يعترضه فحوّل المدخل الجديد للمدينة مع حي بأكمله إلى أنقاض. هذا عدا عن العديد من الجثث التي قضت، ثم استلقت على الأرض استلقاء عبادة، غير آبهة بالمصير الذي انتهت إليه. فهي وإن ماتت وتحولت إلى جثث متفسخة باعثة رائحة واخزة إلا أنها في موتها هذا إنما تبعث مزيداً من السنين في حياة التمثال المبارك الذي انتهى به مسيره إلى أعلى سنام من البلاد. وأما، بقية الناس فأصابهم عته شديد. وشيئاً فشيئاً تحوّلت " عشْ " الآمرة إلى " عاش " المنطوية على نفسها، والمتخمة بصنوف من العزلة والخوف. وما لبث المثّال بهذا أن انتحر بصمت أبدي خالد.

الرقة ـ 2002

 

 

 

مضغة

 

سعت جاهدة كي تثقب جدران الرحم المعتم. كانت محاولاتها تذهب سدى، فلا خروج ولا انبعاث قبل الأوان. ورغم يقينها من هذا فقد كانت مضغة متمردة، اعتقدت جازمة أنها لا يبليها الموت وأنها خالدة وأنها برغم ما سيكر من القرون لن تنقلب، لا الآن ولا بعد اكتمال التشكل، إلى رميم وستتفوق على أقرانها بالعبقرية النادرة والصدر المنشرح والنفس الهادئة التواقة.. نعم التواقة، واستدركت متسائلة، ولكن إلى ماذا؟ هو ذا السؤال ما يبرح يؤرقها ويضنيها بالرغم من أنها تمكنت من الإجابة السريعة: تواقة إلى النعيم بعد أن ملكت زمام الطمأنينة منذ تبلورت مضغة، قطعة لحم صغيرة، تائهة في ظلام رحم سيكوّنها بعينين وأذنين ويدين ورجلين، ولعلها حازت هذا الزمام منذ لحظة الالتحام الأولى أو قبل ذلك يوم ارتقت النقاط والحروف صدر اللوح العظيم.

ثابت إلى رشدها ثم تمطت وتثاءبت. لم يكن بمقدورها الخروج فعادت إلى السباحة في عالمها المظلم فاستغرقتها الأفكار ثم قالت: ماذا لو لم أتحلل بعد الخروج؟ إن حدث هذا لهو الإعجاز الفذ النادر ولا إعجاز بعده، وانبسطت أساريرها وهي ترى امتزاج الأرض بالسماء، وأن نشوراً يلوح في الأفق ثم فكّرت قائلة: لعلّ ما يلوح في الأفق يعمل على إزاحة ما يكتنفني من قلق.. ودون وعي منها صاحت يا الله ثم ما لبثت أن تنبهت إلى أن الظلمة تستغرقها بالكامل.

تابعت سباحتها. لقد راقت لها فكرة الانزياح أو انزلاق ما بها من قلق. وتمنت لو تنزلق من سجنها ثم تطوف في الأرض تكسب ذهباً ومالاً وتراثاً لا يبيد منهما، تراثاً طلاه لبُّ العقل بماء الحياة. 

تملّكها الضحك وسرت فيها النشوة ممتزجة بلزوجتها. وفجأة وكالحمم المقذوفة من فوّهة بركان وبسرعة هائلة لا تُحسب انبلج نور هائل، فضاء من بياض بلا صراخ. غاب الجوف المظلم وانفتحت المضغة على عالم متعدد الأنواع والأشكال. كتل من المارة، وجوه جامدة وأخرى تسري في عروقها الحركة سرياناً خجولاً.

فوجئت المضغة بأنها صغيرة، تافهة بلا ملامح تتقاذفها الأرجل وتصير محط بصاق الشامتين والقلقين والموتورين. ولا تدري كيف استقرت في فم جائع أنهكه السغب فراح يلوكها ويلوكها ثم يقذف بها من فمه لاعناً وشاتماً متهماً إياها بالنيئة المنتنة. ولكن كيف تكون كذلك وهي التي ستغدو بملامح تطفح بالعبقرية والانشراح؟ وفي غمرة انهماكها في أفكارها قفز منها الفرح قفزة ظافر وقالت: لابد أن الناس على غفلة من أمرهم ولو لم يكونوا كذلك لأدركوا ما للمضغة عليهم من حقوق، ألم يكونوا كذلك جميعاً؟

تابعت سيرها، وخوفاً من أن تدهسها أقدام المارة التجأت إلى حفرة صغيرة ومن هذا المكمن راحت تنظر إلى الناس بعينين ستظهران بعد حين. ثم كأنها قالت سأكون يوماً مثلهم أدب كدبيبهم، وأسعى كسعيهم، وعلى حين غرّة دهمها السؤال ترى ما مصيري وإلام سأنتهي، ترى سأكون ذكراً أم أنثى؟ ولأنها عجزت عن تحديد جنسها، استسلمت إلى عزاء وجدته مقبولاً عندما قالت لقد تداخلت الأجناس في هذا العصر ولعلي وأنا مضغة خير مني وأنا محددة الملامح.

ولتكرس هذا العزاء محوّلة إياه إلى يقين استسلمت لسنة نوم، وعلى إثرها صحت مذهولة يملؤها العجب وهي ترى الناس مضغاً متشابهة يستوي في ذلك كبيرهم وصغيرهم، مضغاً لا تملك من أمرها شيئاً محشورة على الأرض بلا ملامح.

 

 

 

في الليلة الأولى

 

لم يكن الملكان الشقيقان يسهوان عن أداء واجباتهما. كانا مجهزين بوسائل للكشف عن المجرمين أثناء إقامتهما جلسات التحقيق في القبر الذي كان يضيق على المجرم ويتسع..

من هذه الوسائل، تكسير العواتق وفقء العيون، والإطاحة بالعقل الآدمي. فما إن يسجى الميت ويسوّى في قبره حتى يبدأا الحساب. ومن قبل أن ينفض المشيعون ينهال الطرق على الجمجمة إلى أن تطقطق، وعلى المفاصل فيئن الميت أنيناً صامتاً. كذلك فالملكان لا يكلان ولا يملان، فهما وقد زُرعا في القبور زُرعت فيهما الرغبة باجتثاث الشرور. ولإنجاز هذه الغاية إنجازاً تاماً نراهما يقطّعان الميت شلواً، شلواً في المساحة الضيقة فتصيح القدم ويئن الساعد، وتزرق الوجنات من شدة اللطمات، وهما من فوقه قائمان يعدّان عليه ذنوبه ومعاصيه.

الميتون في هذه الآونة، وبفعل جوعهم المستديم، امتلأت أكتافهم بالآثام من دون أن يحسب الملكان حساباً لحسنة استطاع المفارق لحياته تسجيلها برغم الصعوبات والعوائق.

على أنه اختلط الأمر على الملكين فلم يعودا يميزان الخبيث من الطيب، ولا الحي من الميت. استبدلا موقعيهما، وانهالت على العواتق الضربات فصاح الحي وسكن الميت.

***

كان الرجل يحتضر على فراشه عندما اجتمع إليه أولاده الثلاثة. كانوا ينظرون إليه نظرة حزن خالطها سرور خفي، أما الأب فكانت عيناه في لحظات إبصارها الأخيرة ترصد سقف بيته وجدرانه، فراعه أنه مفارق وتارك وراءه ثروة لا تقدر بثمن. حوّل بصره إلى أولاده، ابتدأ بالكبير وصولاً إلى الصغير وقال لهم:

ـ لقد اقتربت نهايتي، وأريد أن تعاهدوني على أن ينام كل واحد منكم ليلة إلى جانب قبري، وإذا لم تعاهدوني حرمتكم الميراث.

نظر الثلاثة إلى بعضهم، كانوا يعلمون أنه يفعلها إن لم يقطعوا له وعداً بالمبيت عند قبره. قال الكبير:

ـ لك علينا يا أبي أن ينام كل منا سبع ليال بحالها..

وقاطعه الأب:

ـ لا، واحدة فقط.

وتعاهدوا على ذلك، ثم أسلم الأب الروح إلى بارئها، وسيق الجثمان إلى مثواه الأخير.

مع حلول الليلة الأولى، اختلف الأبناء وتصايحوا وتشاتموا، ولم يرض أحد منهم المبيت إلى جانب أبيه في ليـلة موتـه الأولى. وللوصول إلى نتيجة اتفقوا على استئجار أحد الفقراء لقاء مبلغ مجز. جاؤوا بكاتب، وقال له الكبير:

ـ إن أبانا دفن اليوم، ونريد استئجارك للمبيت عنده ثلاث ليال حتى لا يتعرض القبر إلى سوء، ونعطيك أجرك لقاءها خمسين ليرة ذهبية.

كاد الكاتب أن يجن وهو يسمع مبلغ الخمسين ليرة، فوافق على الفور ومن دون نقاش.

عند القبر ومع حلول العتمة تماماً، جلس، وإلى جانبه طعامه، يفكر بالمبلغ، وكيف سيصرفه. وبينما هو يقلب المال بين يديه، سمع ضجّة اهتزت لها المقبرة. سأل ناكر نكيرا:

ـ أترى ما أرى؟

ويجيبه نكير:

ـ أجل، أرى إنساناً حياً.

وعلى الفور خطر ببالهما أن يدعا الميت حيناً يفرغان خلاله للحي الذي يجلس إليه، عند قبره. الكاتب ومن الضجة انتابه الهلع، نظر يميناً وشمالاً دون أن يرى أحداً، إنساناً أو حيواناً، أو حتى أشباحاً. ليس سوى القبور ترتفع شواهدها، رفع رأسه إلى السماء فرأى سوادها يشقّه طائران على غير هيئة الطيور. وجهان آدميان بجناحين كأنهما من ذهب وفضة. وجل من منظرهما وهما يخرّان من أعلى إلى تحت. أحاطا به، نظر إليهما ونظرا إليه، فارتجف وارتعدت فرائصه، وفجأة سألاه وبصوت واحد:

ـ من أنت؟

تلجلج الكاتب، وتلعثم وتمتم قائلاً:

ـ أنا حارس.

ـ تحرس ماذا؟

ومن بين الخوف أجاب:

ـ أحرس قبر الميت، وأقوم بمؤانسته.

كان الكاتب في النفس الأخير، مصفر الوجه، مرتعد الفرائص. لا يعلم من أين هبط عليه هذان الآدميان الطائران.

تبادل الملكان النظرات، وصفقا في الهواء، فإذا بين أيديهما صحيفة خرجت من عاتقيه، من لدن الرقيب والعتيد. لحظتها أحس الكاتب بأن أحمالاً رهيبة هبطت من كتفيه، ولا يعلم بالطبع كيف حدث ذلك. كانت صحيفة لا تغادر صغيرة أو كبيرة إلا وأحصتها. حدقا فيها، وقال له ناكر بصوت هزّ أنحاء المكان:

ـ أنت عبد الحي، أليس كذلك؟

وأجاب وهو يرتجف:

ـ بلى أنا هو.

ـ وعملك كاتب وتوزع الصحف وتوصلها إلى المنازل.

ومن بين النفس الأخير أجاب:

ـ أجل...

وقبل أن يتم إجابته تلقّى صفعة من نكير الذي قال له:

ـ كل هذا وغيره كثير مسجل هنا على كتفك الأيسر. أنت كذلك تنقلها بأخبارها الكاذبة، وتخدع الناس. لماذا؟

ـ لا ذنب لي، فأنا أنقلها من المركز إلى الناس كما هي.

ـ فما دينك؟

ـ الإيمان بالله.

ـ ومن ربك؟

ـ الله..

ـ فلم لم تمتثل لتعاليمه؟

ـ وكيف لا. لم أؤذِ أحداً في حياتي.

ـ ولكنك لم تطع أولي الأمر، وكنت تحرض الناس على الفتنة، أليس كذلك؟

ـ لا، غير صحيح..

وقبل أن يتم كلامه، حمله كل من ناكر ونكير إلى أعلى ثم خبطاه بالأرض.

ـ كل هذا مسجل في صحيفتك وتنكر؟

بدا على الكاتب أنه في الرمق الأخير مثل خيط متهتك. حاول أن يأخذ نفساً فلم يتمكن إذ عاجله ناكر بضربة على أنفه فأطاح بالأرنبة.

ـ اعترف وإلا سحقنا عظامك.

ولكن بماذا أعترف؟ هذا ما حدث به نفسه. وتحت الضربات المتتالية، ومنظر الدماء السائلة قرر أن يقبل بما هو منسوب إليه، فصمت صمت القبول. أما الليل فما يزال ممتداً، باسطاً سواده على الأنحاء كافة. فقط حفيف السكون يهيمن على الأرجـاء، وتصفيق أجنحة الملكين.

ـ لم لا تجيب؟

أثناءها أغمي عليه، بعد أن تلقى صفعة مدوّية بجناح نكير الأيسر فأطيح به، وبينما هو على الأرض إلى جانب القبر، تحرك الملكان الشقيقان في المقـبرة في رصد لها ولزبائنها الجـدد. وما لبثا أن عادا، فوجدا عبد الحي صاحياً فبادراه سائلين وبصوت واحد:

ـ لا زلت هنا؟

وجل الكاتب، وأصابه الفزع. بعد لحظات وجد نفسه على جناحي ناكر الذي لم يلبث أن قذف به من أعلى ليرتمي فوق القبر تماماً. اشتد خوفه وفزعه وصب جسمه عرقاً غزيراً، رفع يديه إلى السماء مستغيثاً، وبينما هو يستغيث لطمه نكير بجناحيه فشق بطنه. صرخ الكاتب:

ـ اتركوني فما أنا الميت.

ـ وكيف نتركك وأنت صيد سهل؟ إن صحيفتك بينة وواضحة ولا تعب في إنزال العقوبة بك.

ـ ولكنني إنسان فقير، ومن المستضعفين.

ـ لا يهم.

ـ ولماذا لا تعاقبان هذا الميت، وهو يملك الملايين؟

ـ هذا ليس من اختصاصك.

لم يكن الكاتب يملك أكثر من حبل يشدّ به الصحف إلى دراجته التي ينطلق بها موزعاً حمولته على أصحابها، فماله وهذان الملكان؟ حار في أمر نفسه، ماذا يفعل وهما يحيطان به ويصفعانه بأجنحتهما يميناً وشمالاً؟

كان الليل في منتصفه عندما أحس بأنه مشدود إلى الأرض لا يستطيع أن يقف ولا أن يهرب، وكيف له أن يفر ورجلاه أدماهما صفع الأجنحة؟ نظر ناحية القبر، واشتهى أن يبصق على المـيت، ونازعته نفسه إلى نبش التراب وإخراج جثته والتمثيل بها لينتقم لكرامته التي هُدرت بسببه على يدي هذين الملكين.

تناوبته مشاعر مختلفة قلبته على الجمر، وتفكّر في ما سلف من أيامه، فلم يجد أنه ارتكب من المعاصي ما يدفعهما إلى إهدار دمه. هو ليس أكثر من كاتب زهد الدنيا، وزهدته بدورها هذه فلم تدع له فرصة يتحول خلالها من كاتب إلى أجير مطعم، أو مستخدم في ركن حكومي مثلاً. ولعله وهو الذي كان يعمل ويحيا  بقوت يومه، لم يجرؤ يوماً على أن يرفع صوته بوجه أحـد، فكيف له أن يفعل الآن في حضرة مَن شقّا سواد الليل، وحلاّ عليه في صورة ضيف ثقيل جفف الروح، وأذهب النفس وفتك بالجسد الذي قرّحته الدنيا ، وهدّه النائم نومته الأخيرة في قبره. ثم ما له وهذا العمل الذي لم يكن يوماً من اختصاصه؟ أما كان الأجدر به أن يعفّ ويرفض؟ لو فعل لما مَثل أمامهما، ولنجا بنفسه من الحساب قبل أوانه. ولكن ماذا يفيده الآن ندمه. لقد وقع المحظور، وعليه أن يتدبر أمر نفسه ويتخلص من حصارهما. غير أن الملكين شدّا ـ وبحبله ـ وثاقه إلى كرسي جاءا به معهما.

قال له نكير:

ـ الآن سنقطع حبلك الشوكي إن لم تعترف. 

وتابع ناكر:

ـ كنت تسوق إلى الناس خرافات وأساطير، وتنسى أن الكلمة مثلما تفجر في الناس عيوناً من الحق تفجر أخرى من الباطل. أنت كذلك من طبقة الفجّار بدليل أنك فجرت في الناس عيوناً من المفاسد. هذا ما رفعاه إلينا الرقيب والعتيد.

لم يكن أمام الكاتب مفر، ولعله سيقضي نحبه هنا بين الموتى دون أن يعلم بأمره أحد. نظر إلى طعامه فوجد الخبز يابساً والماء آسناً. من كتفه الأيسر خرج " العتيد " حاملاً ساطوراً سطر به رأس الكاتب فتدحرج نصفين، وما لبثت على حد زعم الملكين أن تساقطت آلاف الأباطيل . من كتفه الأيمن نط " الرقيب " كان ملكاً هادئاً، ولما لم يكن باليد حيلة فقد استسلم لرغبة الملوك الأشاوس، خاصة والكاتب لم يسجل في حياته من الحسنات ما يدرأ به عن نفسه سيل السيئات.

قال الرقيب:

ـ لم تطعني وأنا أقدم لك النصح. كنت أسعى بك إلى الخير وكنت تسعى بي إلى الشر، فذق عذاب يوم عظيم.

الرأس وبعد أن انفصلت عن جسدها هامت في المقبرة بين الموتى، لكنها ما لبثت أن استقرت عند قبر الميت تسبه بصمت وتلعنه بصمت.

بلغ الليل نهايته عندما تهيأ الملوك للرحيل، حاول الكاتب لملمة أجزائه ففشل، ذلك أن الدم جمد في عروقه. ولما كان ناكر ونكير الظلين الدائمين للملك العتيـد فقد تظاهرا ـ وقبل اختفائهما ـ في صور مختلفة منها أنهما ظهرا له في صورة الأبناء تارة، وفي صورة الميت ذاته تارة أخرى وفي الثالثة تجليا له وهما يجلسان على عروش ذهبية.

بدأ الصبح بالتشقق، وطلعت الشمس من أفقها الشرقي، ودبّت الحركة شيئاً فشيئاً. نظر الكاتب من حوله فلم ير قبراً ولا موتى، فرك عينيه وفتحهما على اتساعهما. لم ير شيئاً، ومع ذلك فلقد سب على الميت وعلى أبنائه، وحمد الله كثيراً على أنه لم يلتق بعد بملوك الرعشة والرهبة.

الرقة ـ 2001

 

 

 

طيبة

 

رحلة العودة إلى بداية ضاعت وامّحت آثارها.

قال سأعود فلعلها هي التي تلوح في الأفق الفضي البعيد منارة تطوي كبوات الأزمنة.

إلى دمه تسللت طيبة ذات مساء وذات صبح كالأغنية عذبة وشجية.

إلى دمه تسللت فأرجفته ما اختزل البدن من خمول تعاقب الأيام تعاقباً بليداً غير ذي جدوى.

تساءل في سره كم مضى من الوقت؟ ثم أردف قائلاً: لا بأس إن رتّلت الآن.. وما بين السؤال ونشوة الترتيل ترامت أمامه طيبة حزينة على حطامها وخراب سورها.   

 

 

عند السور ذاته الذي افتض بعضه منذ زمن بعيد، وفيما تحقق له من زمن يسير، تنفّس إبّانه هواء حياته الجديدة، قال سأروي لكم ما يوقظكم...

كان هذا قبل تفسخه. وخلال زمن لا أستطيع تقديره لولادة لم تكن يوماً محتملة. آنذاك أبصرت شروقاً عظيماً لشمس كوّرت من روح نقية غمر وهجها المكان، فتجلى السور ناصعاً مهيباً كما لم يكن من قبل، محاطاً بإسار من الخضرة الزاهية.

ولقد كنت ـ على ما يتداوله الموت من ضفاف الأيام المتعاقبة، والتي يتلو بعضها بعضاً دونما عودة ـ أراه عبر السطور المبثوثة في الكتب القديمة، وعبر الألواح التي طمرها التراب قروناً طويلة، رأيته يعتوره خوف وتعتوره رجفة ـ انتقلت بالعدوى إلي ـ مصفرَّ الوجه، محتقن الملامح، يختلج كالمسموم، كأن الطريق إلى موته ممهدة.

ولما لم يكن بمقدوري أن أفعل شيئاً قرأت الفاتحة، واقتربت منه أدثره بما توفر لدي من أغطية، كنت بهذا أهدئ من الجائحة التي ألمّت بي بفعل ما أراه. بعد حين هدأ واستقرت ملامحه، وزالت تلك الاختلاجات القاسية التي خددت منه وجهه.

سألته:

ـ ماذا ألم بك؟

أجاب:

ـ لقد أُهمِل السور حتى امتلأ بالنوافذ.

ـ وماذا يعني؟

ـ يعني أنني أموت.

ظل هكذا سنين عديدة يضمّه إزار مهترئ، ويضم بدوره حجراً عتيقاً بحنو بالغ لا يبرح طقسه هذا، وقد راق له أن يعانق الحجر فينهضه من سباته.

كان يقول إنه حجر قُدّ من يناعة التاريخ الآفل، واستغرق في التشكل قرناً ويزيد فبات قادراً على امتصاص الرماح المنتهية إليه، وقادراً على احتواء النيران المقذوفة بوجهه.

لما انتهى إلى السور معتزلاً للحياة، ومغادراً ألوانها وأصنافها، قرر أن يكون حديثه له وإليه. قال سأخاطب الحجر فتدب فيه الروح من جديد تواقةً إلى حياة صافية النسمات، وفي الحجر سيكون كنزي هنا في الأرض الخراب، بعيداً عن العيون الشائطة. وقال: هنا سأقيم صلاتي وأنشئ صيامي وأحرس كنزي، وأنفلت بزهدي من إسار التجليات الكاذبة. قلت له: ستتصل بك الروح الخفية وتسحبك من نواصيك إليها، وتنسجك على منوالها فتصبح بعض طيفها. قال لي: ليكن، سأتصل بها معلناً الرغبة بالاندماج فلا أغادر عالمها الطيفي إلا إلى حجر تراكمت فوقه السنون وأصداؤها، وسأعمل على عقد اتفاق مع حجري هذا فأضمه إلي فلا أجعله يبرح موضعه إلا إلى يوم تزل فيه القدم من على الصراط إلى جحيم مستعر أو إلى جنة فاخرة. وقلت له في لحظة طيش: أنت مجنون، أحمق خرجت على العرف وانتهيت إلى شمال البلدة تحرس أمواتها. قال هم ليسوا كذلك، نحن موتى، ليس الموت في فناء الجسد وربما ليس الموت في روح تغادره وربما لا أدري بدوري ما الموت؟ لكنهم ليسوا موتى هم أحياء في لبوس قاهر من الصمت، ومن التمتع بجلد المحارب الأصيل، ثم أنت بالموت تتأصل وتتأكد من كونك إنساناً عاش حياة وجسّه التراب، وانتقل ربما إلى فناء. ولست في مكاني هذا لحراستهم. ليس هذا سبب وجودي. إنما هو هذا الحجر الذي تراه أصم أبكم وأراه ناطقاً متدفقاً روحاً، حياً لوحته الشمس وأنضجته حتى غدا كأنه السجيل يحطم الرؤوس المغيرة. هذا ما أراه وما قد لا تراه فدعني وشأني في الخراب أقدس سره.

تركته وشأنه. كدت أجمع على أنه ملتاث بعثر السور عقله وصيره شريد البراري، يسير حافي القدمين على أرض لاهبة، رث الثياب، طويل اللحية. كان يتيمم بالتراب، يمسح به وجهه وشعر رأسه، يتمضمض به ثلاث مرات فيختلط التراب برضابه فيثخن شفتيه. يصلي في العراء تحت لفح الكاوية. عندما ينهي صلاته يضطجع على جنبه، يترك للشمس وجهه تلفحه وتنبت صهدها في مساماته فتتدفق نيران الجحيم ألسنة من المهل، تسبقه في مسيره تطهّر له الأرض قبل أن يطأها. وعندما يتراخى النهار ويبدأ بالحلول ليل مظلم، تشتعل عيناه بنور ساطع. يبدأ قراءة مقدّسه فيهيم في الربوع الممتدة صدى الصوت خاشعاً وجلاً ومثيراً تلك الكائنات السفلية والعلوية، يكاد يرتج عليه فيتماسك. يتخذ موضعه إلى ركن شبه متداع من السور العتيق، يسند ظهره ويتجلى الجد في قسماته ويبدأ رحلة الرؤيا، رحلة إطلاق البصر على مداه النهائي في الفراغ الدامس، فتأتيه الأصوات مختلطة غير مفهومة، وتأتيه حلقات الرقص الآسر لمخلوقات آسرة أخاذة ولا يدري كيف ينهض ولا كيف يستوي جذعه ويتحرك باتجاه الحلقات منغمساً فيها متحولاً إلى شيء كالطيف، متماوجاً ومتداخلاً معها ذاهلاً شارداً ثم غائباً عن الوعي.

منذ طفولته أنشأ علاقة لامعة مع السور. يذهب إليه وحده في الليالي المقمرة مبتعداً عن بيوت الطين المتناثرة هنا وهناك. يقاوم ما يجيش في نفسه من الانفعال، ويصعّد من حبه له حتى يصل إليه مبللاً بالعرق والوجل محاطاً بالعتمة والسكون. يشعل النار يغذّيها إلى أن تأخذ حيزاً واسعاً، يجلس إليها يتدفأ ويأنس بها من وحوش الليل، ومن جنيات حكايات الجدات.

عند الغلس تبدأ رحلة العودة، مع زاد لا ينفد من نثار نفس عشقت صعودها الدائم إلى السور، وهناك عنده ترنو، إلى حفيف أغنيات الموصلي، أذنان تواقتان إلى المزيد فتتخيلان الحجارة تتمايل على وقع ألحان شجية.

روى لي ذات مساء كيف صاحبته امرأة فاتنة قال: كانت تأتي إلي في الليالي المقمرة حيث ترين السكينة مجللة بإهاب من الجمال. يوم جاءتني أول مرة كنت مستلقياً على ظهري خالي البال، مقوساً رجلي اليمنى ومردفاً فوقها رجلي اليسرى. لست أدري كيف حطت أمامي، ربما مثل حمامة بيضاء حطت أمامي. تمثّلتها آية من الآيات، وسراً باتعاً يفتح بابه على مصراعي تأملاتي في ليلة اشتد وطءُ أسرها لي. كانت فتنة تروق لذهن ملّ توازنه، فأنشد حنينه إلى سراب يرتاده ساعة الأرق، فتاة عبلة وجهها كأنه القمر انشق عن واحدة من تلك الليالي الألف البعيدة. ورأيتني أتحرك من مجلسي وأنهض باتجاهها تحدوني رائحة الأوابد. ألحق بها فتبتعد، وألحق بها ثانية، وبعد حين قصير أو طويل وجدتنا خارج البلدة بالقرب من السور، ولوحدنا مع الليل المسكون بهواجسي وتأملاتي. لم يكن ثمة أحد سوانا وسط الظلام الذي شرخه ـ إلى جانب نار آنسُ بها ـ ضوء باهر أخذ يسطع من عينيها، فرأيت على شفتين عامرتين برغبة لا تروى ابتسامة وادعة. لم أكن أعلم ما الذي حلّ بي أجفول هو أم ذهول، أم كنت مأخوذاً لا حول لي ولا قوة؟

قلت في سري:

ـ لا دوام الآن إلا للحظات مهجنة مني ومنها، لحظات تختلط فيها أنفاسنا معاً.

اقتربت منها ألثم الثغر ومطلقاً كامل رغبتي بها فوق التراب الأسمر عند السور العتيق. أخذتها أطلب الإحساس بفرادتي عبر نشوة تفتك بدماغي إن أمكن. لم تتمنع، بل هاهي ذي بين يدي كتلة من نار يكسر فحيحها لعنة الليل ويفتك برموز رحلتي.

قالت لي:

ـ أنا سرك الذي يجذبك إلى السور فتمثلني جيداً.

قلت متسائلاً:

ـ من أنت؟

ردت:

ـ أنا سرك الذي يجذبك إلى السور، فاتبعني.

وسألت ثانية:

ـ من أنت؟

ردت:

ـ أنا سرك الذي يجذبك إلى السور فعانقني جيداً.

وكأني غفوت ثم كأني صحوت فإذا بي أفقدها، انسربت من بين يدي فإذا لا نار ولا نور إلا ما يشبه السراب يغيب في الأفق البعيد. مسّتني لوثة، فرحت أضرب أرض السور، أتمرغ في التراب كأني أريد أن أكتم صرخة وأن أدفن إهمالي وقلة حيلتي. لما هدأت ناجيت الحجارة علّها تدلني على الطريق، قلت يا حجر، يا تاريخ نقشته بالرمش على الجفن، يا أوابد يُطوى في رحابها بؤس الفقدِ ومرارة الخوف من الضياع، وقلت، وقلت وكان صوتي يتلاشى في المدى الواسع لأرض بلا عمار.

في الصباح، وكان هادئاً حيث لا حركة من حولي وحيث لا وجود إلا لموت ترتفع شواهده.. استرخيت مستظلاً بظل نتوء. استفزني خاطر عاجل قلت طالما أنها قالت اتبعني فلا بد أني تركت لديها شيئاً يخصّني. لفّتني سنة من نوم قلق هتف خلالها هاتف:

إن أردتني فتقصّى أثري عبر الجبال، وعبر رحم المنون في كل الفصول ولو حافي القدمين كي تصل إلي، وينفض أمامك سري. إني لا أطال بسهولة، من أرادني يشقى ويضنيه البحث، فإن كنت تملك أن تتجلّد فاتبعني عبر الجبال وعبر المفاوز، وفي كل الأوقات أدلك على نفسي وعلى نفسك.

اعبر النهر، اسلك شمالاً ثم استدر جنوباً يأتيك اليقين، يقين نزولي عليك حمامة بيضاء في الليلة الداجية، تجسدت أمامك منارة بالفتنة والجمال، وطلبتَ أن أفتك بجماد دماغك ففعلت ونشرت الحركة في أرجاء انفعالاتك. لا تنس تلك ليلة صنعنا خلالها حياة طفحت بالبشر وأثمرت مولوداً هو بعضي وبعضك، وبعض النور فلا تصدق من سيقول إنه ابن الظلمات.

أيها المستقر في عجزك ودّعه وارحل بحثاً عني. إنك إن بقيت تطلبني تحيا، يفتح الملكوت بابه وتدخل متوجاً كالملوك ظافراً شامخاً، تطوي على العيس بيداً هائلة.. هكذا ستقول الحكاية من بعدك، ولسوف تصير حديث الناس وترنيمة العصور، وسيكون السور، مأواك، حافظاً لك.

اعبر النهر، تريث في الخان يوماً أو بعض يوم، امتطِ عيسك وارحل عبر التخوم. سوف تبصر في السبيل ما يوحشك. لا تخف، اترك لجرأتك العنان. سيقول الراوي أنك أنشأت تراثاً من البطولة وأنت تعبر القفار. ارتفع فوق ما تحس الآن من جرح، ومزّق حجاب بعدك عني واطوِ إلي الأثير أيها الأثير. سترى كثيراً من المقابر فيما يقابلك من العمار لا تقف عندها طويلاً، اقرأ لا لهم بل عليهم فاتحة الكتاب، وقل أيها الموتى هاأنذا أدلكم على آثاركم الأولى.

تابع رحلتك عبر الفلوات ودع قدميك تدبان بلا انقطاع فوق لسع الرمال حتى يسيل منهما دم الرغبة بي، وإن تشقق وجهك أو تورّم من لفح الشمس فافرح لأن هذا ندائي إليك، عندها ستبصرني صبحاً ينبلج من بين أكتاف الطلل. توقف، خذ نفساً عميقاً واسترح متأملاً خيوطي وتنويعاتي الزخرفية وهي تورق على حجر تسعى إليه، وتمثل القناطر قنطرة، قنطرة وقل بصوت يرجّ أجواز الفضاء: طَيْبَة أيتها المضيعة في زحام أشباه المدن، المطروقة بالقرون المديدة انهضي. سترى باباً، اعبره إلى الداخل، سترى مسجداً عتيقاً وأطلال قصر ثم ستراني في كل آبدة وعلى كل جدار، وستسمعني أذاناً يرجّعه الصدى منذ مئات السنين، وستعلم أني لغز على جدار الحكاية نحتني الزمان وما يزال، وليس إلا على يديك انتقاله إلى البيان.

***

لم أدرك لحظة عمق علاقته بالسور.. لم أكن بالأهلية الكافية لأرى تلك الوشائج الخفية التي تربطه بسور تآكل جُلّه. وكنت أرى هدمه والاستفادة من حجارته أمراً لازماً وضرورياً. لم أملك القدرة على سبر غور تلك الرجفة سنين عديدة، تلك الرجفة التي دفعتني إلى لون من الرؤية الجلية.. الرؤية الشفافة فسطع أمام عيني ما غاب عنهما طويلاً. أبصرته يدّخر أنفاسه لوقعة متعبة أخذ يحس صليلها في رئتيه، ومع كل شهيق كان يجر إلى زمنه المثلوم والملآن بالجراح إصراراً بالتحصن، ويستمد من الدثار القديم غطاء لزلزلة ضعف محتملة. ولما كنت أريد أن أخرجه من شروده سألته:

ـ أو لا يُحتمل أن تكون جنية؟

توقفت قليلاً ثم أردفت:

ـ لابد أنها جنية وليست إنسية..

ـ لا. لقد شممت رائحتها. شممت فيها رائحة الطين وعبرتني ريحُ العمار. هي إنسية استقامت أمامي في غلالة من حرير وقالت لي أنا بين يديك فكوّني من جديد على نحو جديد. هي مقدودة من الحجر، من بين صلب السور وترائبه. ركضنا وجبنا الأرجاء معاً، ومعاً سمعنا صوتاً عذباً شجياً. لما اختفت لبيت نداءها. قالت إن لي مولوداً وانطلقتُ أبحث عنهما معاً.

ـ وهل وجدتها؟

ـ ما زال في السور بقية من رمق.

ـ وماذا ستفعل؟

ـ لا شيء سوى إقامة أوَدِ السور بالترميم وبهذا لا أموت.

كنت أريد له أن يتابع رحلته فلا يقرب رجس انمساخ الحجارة إلى بيوتات شوهاء ترطن جدرانها بذوق عاجل ومتضائل. وحتى أؤكد رغبتي هذه قلت له:

ـ استمر في رحلتك.

ـ ومن قال لك إني لن أفعل. كل ما الأمر أني أتدبر إنشاء نفسي قبل إتمام الرحلة، نفسي المغشي عليها. إني أبحث عن أدم الريق كي لا أعطش، فإذا وجدته تخلصت من غَلَلِ الفَقْدِ وملكت ناصية التوازن.

رحت أراقبه عن كثب، أتملى وجهه وصمته، محاولاً الوصول إلى كنه ما يخفي.

قلت له:

ـ لم لا تحدثني عن بداية رحلتك؟

اتخذت مجلساً قريباً منه. تهيأت لأسمع حديثه. قال

ـ عبرت النهر على سفينة دكها الزمان ثم رممها الذي يقتات بها. السفّان صامت وأنا كذلك، غير أني كنت أجيش بالأسئلة. الأفق  أمامي تكسوه حمرة آخر النهار، شفق يطويه غسق. حاولت الحديث إلى السفّان. لم يرد، ربما لا يحب الحديث أو لا يستطيعه، أو لعله لم ير ما رأيت من فنون الرقص ومن التمرغ الدافئ فوق التراب. كانت تمور بشهوة الكشف عنها فأعلنت من بين غلالتها الحريرية الشفيفة عن مفاتن هالني جمالها وبعدُ تناسقها. استقرت قدماي على الضفة الأخرى، بدأت أمشي مشي وجلٍ. كنت كلما ازددت بعداً عن الماء دخلت أكثر في الرمال وتبدأ هذه تشدني إليها. طلع نهار ودخل ليل. مضى على مسيري عشرة أيام نفد خلالها زادي من الطعام والشراب. خارت قواي، شعرت أن جوفي ينكمش من الجوع والعطش، كنت في الرمق الأخير ألفظ أنفاسي فتهاويت على الأرض يحرق قيظها ظهري، عيناي تحدقان في الشمس اللاهبة حتى شعرت أنهما تقرحتا إلى الحد المقزز، قلت أليس من غَلُولٍ يقيني الغائلة؟ كدت أدخل في غيبوبة لولا أن اخترقني نداؤها: اقس على نفسك وانهض حتى تأتي القصر وتدخله عندها ستراني افتح الذراعين يفوح مني أريج الطلل. اركض نحوي، عانقني.. ضمّني كما لو أنك لم ترني منذ آماد، خذني إليك أو سآخذك إلي وأدخلك في غلالتي. فلا يفصل عندها بينك وبين رحيقي شيء. إذ ذاك سأمنحك، وأنت تقبلني إكسير مجد يستقر بين ضلوعك رغبة متعالية بالحياة فتطحن أمانيك ثم تذروها فوق ما ترى من ركام الحجر حتى يستقيم واقفاً على هيئته الأولى، انهض وتابع مسيرك فإن عندي سر الطين الذي تريد لإعادة بناء الحجارة.

كنت متلهفاً إلى سماع المزيد وإلى النتيجة فقاطعته:

ـ وماذا بعد؟

ـ تبدد إحساسي بالخوف والجوع، وتابعت سيري. بعد حوالي ساعة واجهت باباً أفضى بي إلى خرائب مدينة تألقت أول الزمان، مدينة هشة، مبعثرة الروح، هامدة، خامدة بلا بريق، هكذا كان إحساسي في انطلاقته الأولى. دخلت المدينة مضطرباً، قدماي تطأان أثراً بعد أثر. انتهى بي مسيري إلى بقايا قصر، عبرت إلى داخله أطأ أرضه مصحوباً بانفعال غريب، وبصوت تناهى إلى أذني موقعاً على أنغام حملتها ريحُ المكان وقد أقْفَرَ. جاش في جنباني الانفعال، وتراكمت الأصوات حتى أحسست أني أدلف إلى قاعة رحيبة. عبرت الممرات محاطاً بالرسوم والزخارف وقد علاها غبار تراكم الأزمان. كان حالها يشبه حال الحجارة النائمة جنباً إلى جنب يحتُّ منها الزمان جزءاً مع الريح وكذا يدُ المنون البشرية. حددت هدفي، وسط اختلاط مشاعري في الوصول إلى تلك القاعة. وهنا قاطعته بنفس اللهفة.

ـ أية قاعة؟

وأجابني وفي ملامحه بعض التعب:

ـ كانت تلك هي القاعة التي حددتهَا لي قالت: ترى القاعة، ادخلها مصحوباً بالبركات.. ستبصرني باسمة الثغر، يطفح بالبشر محياي، عندها اركض نحوي، إلى حضني مكثفاً رغبتك بي، وعانقني فأنا الخلود في إهاب أنثى، أدلّك على نفسي وأدلّك على نفسك.

لقد قطعت ما قطعت لأجل الوصول إلى تلك القاعة التي فيها سرّ حكايتي، وعلى جدرانها دُوّنَ عشقي للتراب. صوّرت لنفسي وأنا أسير أني سأراها في منحوتة قدّت من صلصال مقاوِم، صلصال لا يعرف التفتت ولا التفسخ ولا التبدل مجرد التبدل. تصوّرت أيضاً أشياء هالتني روعتها وربما أيضاً هالتني دقة صنعها، وكنت وأنا أتصور هذه الأشياء أعيش خلوداً لم يكن لغيري، بل لقد أيقنت من أنني صائر إلى خلود شفيف أرى من خلاله حركتك وحركة الجميع، وأرى من خلاله عُمر السور وما قُدّرَ له.

توقف. كان التعب بادياً عليه. الرحلة شاقة ابتدأها أول شبابه يرمّم السور ويقصّ حكايته. عشرون عاماً وهو يرافق السور ويقيم أوده بما تيسر له من الطين. لما رأيته وقد هدّه الإرهاق قلت له:

ـ لم لا نكمل غداً؟

ولم يرد.

كان يأسرني إيمانه بالسور، حتى آمنت به مثله رغم أني كنت أرى فيه حجارة لبناء الدور لا أكثر. لم أستطع زمناً طويلاً الولوج إلى أعماقه ولا إدراك كنه أفكاره، ورغم أني رأيت فتاته وهماً أو شيئاً من هذا القبيل إلا أني آمنت على الأقل بجاذبية ما يروي، وآمنت أني سأفهم بانتهاء القصة كيف أفنى عمره عند السور يرممه ويحادث طيف فتاة متخيلة.

كان الليل قد حلّ وسقط فوق الأنحاء مُعتماً بهيماً. نظرتُ ناحيته فرأيته افترش الأرض وغط في نوم عميق. بإمعان رحت أنظر إليه محدقاً بوجهه علّني ألمس في التقاطيع دليلاً أو علامة تدلني عليه، وتخلصني من شعور مضن بأنه مجنون شريد البراري وطريد الأوهام. كان نائماً بهدوء، مسترخياً مطمئناً غير وجلٍ، تمددت قريباً منه أحدق في الفضاء مشتت الفكر ثم غفوت.

في الصباح وقد انبسط الضوء ، جهزت إفطاراً متواضعاً. أكلنا ثم بادرته بالسؤال:

ـ ما رأيك لو تابعنا الحكاية؟

أجاب بعد أن تمطى وتثاءب:

ـ سأفعل، سأفعل.

وراح يحدق في المقبرة الجاثمة أمامه. نظر إلي وقال:

ـ كما قلت فيما مضى هم ليسوا موتى، إنهم في رحلة نوم قد تطول. صمت ثم تابع بعد قليل:

ـ رسمت صورة للقاعة قبل أن أراها. تخيلتها رحيبة واسعة مزخرفة من الداخل على نحو خارق يوحي إليك أن طاقة ظلت حيناً في كمون ثم تفجرت عن تكاوين من النقوش والزخرف، طاقة حُرِمت من تبديد ملكاتها في التصوير فنشطت الأنامل على قاعدة من الحسّ المتأجج تبدع أجمل النقوش محمولاً على حجر الفسيفساء الناطق روعة وجمالاً وفتنة.

لما صرت عند الباب ـ باب القاعة ـ وَجِلَتْ نفسي وارتاعت واقشعر بدني. وطأت العتبة فازدادت قشعريرتي. ولمّا كنت مصراً على رؤيتها ومعانقتها وتقبيلها غامرت مستجمعاً قوتي وداخلاً. صار الباب خلفي، أمامي ظلمة تامة شرختها للحظات حزمة من الضوء عبرتْ إلى الداخل قبل انغلاق الباب خلفي ودون إرادة مني. كان يحيط بي ظلام دامس. لا شيء يُرى ولا شيء يُسمع خلا ذلك الهمس الكتيم الذي ينبعث من أرجاء المكان معفراً برائحة الهجر. أحست تلك الرائحة قامت من مرقدها تنشر عبيرها فيفوح في الأرجاء أملٌ متحفّز. 

لدقائق وقفت مغموراً بالظلمة لا ألوي على شيء، مشلول الفكر والجسد، واهن الروح. ماذا أفعل؟ أية بلوى بانتظاري وأية حماقة دفعتني إلى هذا الوضع؟ أمطرني الرعب أسئلة كثيرة فككت توازني. هدأت وصابرت عساي أتلمس دربي إلى ما يبدد الظلام المسيطر، وفجأة تناهى إلي الصوت ذاته عذباً رائقاً وشجيّاً فياضاً بالرغبات.. تناهت إلي الكلمات: أنا سرّك الضائع فالقني وأنت تقرأ الحكاية، حكاية نفسك المغشي عليها، ابحث عن أَدَمِ الريق كي لا تعطش فإذا وجدته تخلّصت من غَلَلِ الفقد وملكت ناصية التوازن. تناهت إلي متدفقة نوراً ورونقاً. تبدد الظلام فإذا ملكوت باهر من النقوش قستْ لأجله الأنامل فتجلى يثير عبر الزمان الأسئلة تلو الأسئلة. كنت أقلب النظر في الجدران من حولي، أردت للحكاية أن تكتمل فأخذت أمعن النظر في توزّع حجر الفسيفساء ودقة توضّعه على الجدران. وقلت في غمرة اندهاشي سأسمع الآن صوتها وأرى صورتها تنبثق من الحجر كما أول مرة، فتاة عبلة، ناهدة الصدر، ريانة يستقر كفلها على رخامتين مدورتين.

توقف رافعاً رأسه إلى السماء، عيناه مصوبتان باتجاه الشمس، وما يلبث حتى ينحدر بهما صوب المقبرة. كنت بحاجة إلى توقفه هذا لأتمثل بعيني قبل أذني إحساسه وقد انغمس في حكايته.

قلت وكأني أريد فقط أن أبدأ حواراً:

ـ تحدّق في الشمس كثيراً ستؤذي عينيك.

ـ لا لن تؤذي عيني. على العكس، سيدلني وهجها على الكيفية التي كان يُشوى بها الآجر.

حاولت أن أغير الحديث فسألته:

ـ وماذا بعد ذلك؟

ولم يجبني، بل راح يتابع تحديقه في الشمس اللاهبة.

***

 هزّني إيمانه بمدينته وحبيبته. كان يماهي بينهما فيقول: طَيْبَة هي من التقيت عند السور.

أرّقتني هذه الحكاية، حكاية طيبة العائمة فوق سطح خيالاته ورجائه، بقدر ما هزّتني وبقدر ما زعزعت فيّ من ثوابت بالية وعتيقة، طيبة بسورها النازف في ليل عميق. أيقنت ببعده عن الحماقة وآمنت بصفاء مشاعره، وإن بقيت بيننا تلك الحلقة المفقودة. وقلت: يجب أن أؤمن بالسور مثل إيمانه، وبهذا أنفذ إلى أعماقه أجلو بنفاذي إليها أعماقي التي علاها الصدأ. ومَرَقَتْ بي وهلة مشحونة بالحاجة إلى الطواف حول السور متفحّصاً باحثاً علّني أرى شفيعاً ينقذني من غفلتي، فها هو أحمد قد قضى عشرين عاماً في رحاب حجارته المسفوحة حول البلدة في غير انتظام، يجمعها ويعيد بناءها ثانية دون أن يكل أو يملّ، وكنت أرى السنين أوهنت السور، بينما هو رأى النقيض عندما قال: لم تستطع السنون خلعَه من بهائه. 

علاني الصداع وأرهقتني الشمس. كنت شارداً وكان كذلك. مضى على صمتنا ما يقرب من الساعتين دون أن نتحدث. كنت محتاجاً إلى خلوة تساعدني على تمثل ما سمعت وعلى أن أتبين مكاني من حكايته التي انشددت إليها بكل جوارحي.

قمت من مكاني أنفض بعصبية التراب عن بنطالي. حثني دافع خفي على تركه يغرق في تأملاته وحيداً. انطلقت ماشياً حذاء السور، علّني ألمس إحساسَ أحمد به، أجلوه بما بقي عندي من رضاب السعي، أحادثه حديث المعتذر التائب وأتلو عند حطامه ما يتيسر للائذ من شر مستطير. قلت: سأظل ماشياً حتى أقطع السور كله، أرى ما فُتح فيه من نوافذ وأتخيل ما انهار من أجزائه فأكرّس من قناعتي الوليدة بما يفعله إزاءه وبما يقدمه له من ترميم، ورغم ذلك بقي في نفسي شيء ما رافض لتخيلاته وأوهامه. وعلى الفور انتابني إحساس بالضياع وآخر بالحاجة إلى إعادة بناء ذاتي وترتيب قناعاتي، وتشكّلت للقضاء على تلجلجي رغبةٌ عارمة بإطلاق صوتي إلى نهاياته وسط الصاهدة اللافحة.

وفعلت:

قلت: لا تُمسخي يا مدن الطلل واشمخي أبداً فوق المحن، طيبة ستنهض من رقادها. انطلق صوتي عالياً، كنت أريد تمزيق خجلي أو لعلي أردت تمزيق نفاقي وضعفي أو لعلي أردت أن أدرك نجدةً تقيني نعشَ بلادة مُرّة.

أدركني الوهن فاتكأت على السور. أحسست برودة خفية، خففت من حدة اللظى المتساقط من السماء. استدرت باتجاه الحجارة المطمئنة، وضعت يدي فوقها أفركها بانفعال ممزوج بالفرح. يوم قلت له: إنها حجارة. قال لي: نعم هي كذلك ولكنها فيما مضى أنسلت لحناً شجيّاً داعب أنفاس الطلل، وقال لي لو أدركتَ مثلي عذوبة غناء الموصلي لوهبك السور فتاة عبلة كتلك التي عندي، فافعل حتى تأتزر بإزار يتعالى على كل إزار رخيص.

انطلقت صوبه عائداً أحث الخطا على عجل، وقد بدأ يتضاءل حجم الحلقة التي تفصلني عنه. الأرض أنبتتها الشمس صَهداً لاهباً موجعاً. ألمت بي رعشة كادت تبكيني وأنا ألمس السور يدخل في مهاوي الآفلين، رعشة انتابتني مع إحساس به بدأ يتعاظم فلا أقل من حمايته من أولئك الذين وفدوا يستنيرون ببطونهم الضاوية. 

عندما وصلت إليه بدأت الشمس غروبها تاركة وراءها شفقاً شفافاً. جلست قبالته أنظر إليه مشجّعاً. سألني:

ـ أين كنت طوال هذه الساعات؟

ـ قمت بجولة حول السور.

ـ هل أعجبك ترميمه؟

ـ نعم أعجبني وسرّني.

ـ ستدرك فيما بعد ما للسور من قيمة، فهو ذاته الذي حمى طيبة من الغزو وهو ذاته الذي ضمَّ حانياً حلقات الفقه وهو الذي كان شاهداً على عصر طفح بالطرب وفنون القول والكلام.

كنت أراقبه بإعجاب وهو يلوي فمه ثم وهو يرفع رأسه وينظر باتجاه الأفق. لم أعد أهتم إلا بإيمانه بهذه الحجارة، بهذا الركام المقاوم عتوّ الزمان، وبنزوعه الصارم والأبدي إلى فتاته العبلة الريانة. فتاة تمخضت عن الآجر المشوي، في ليلة ظلماء. قال خرجت من بين الصلب والترائب فاتحة الذراعين، يملأ الثغر منها أريج الطين. واستبد بي الحنين إلى بقية الحكاية. فسألته باندفاع:

ـ ألا تتابع حكايتك؟

كان يحدق في التراب قبل أن يغرز فيه أصابعه ويحمل بعضه بيديه ثم يذروه متأملاً ذراته وهي تسبح في الفراغ.

ـ كما قلت لك.. استقر كفلها على رخامتين مدورتين. قلت سأستعيد وضاءة تلك الليلة، وسينتشر في الربوع صدى اللقاء تردده الآفاق والأفواه.

بدأت أرى كل شيء من حولي. كانت قاعة واسعة في نهايتها باب مغلق أثار فضولي بروعته. باب واسع بقطعة واحدة عالية ومزخرفة. تأسرك الزخارف ويخلب لبّك صانع مجهول. أمسكت مقبض الباب، أدرته فانفتح على قاعة أخرى أوسع تقطعها ثلاثة صفوف من القناطر، كل صف يحوي ثلاث قناطر، متصلة ببعضها، مكتوب عليها بالخط الكوفي، من هنا يكون عبورك إلي أيها الداخل جنّتي. عبرت القناطر إلى باب آخر في نهاية القاعة. حرّكت مقبضه فانفتح على قاعة ثالثة أكثر جمالاً وأشد سحراً. وقرأت، أنا الروض أُغني عن كل روض أيها الداخل، تيمم بالتراب ثم أقبل معانقاً، ضاماً وطائفاً أسقيك من لبني حياة دائمة. ما إن انتهيت من القراءة حتى اختفى جدار القاعة الذي يقابلني. امتد أمامي أفق يتصل بسماء صافية لدنة. تقدمت خطوات وانحدرت بعيني إلى أسفل، فإذا أرض يلمع فوق سطحها تراب بلون الذهب وطأته بقدميّ فتلبّسني شعور بالوجل، شعور عابر لا يُقبض ولا يُدرك، ثم وفي لمح البصر تجسّد أمامي باب من تلك الأبواب الدوارس، ليس فريداً في بنائه على جماله، سرت باتجاهه، عبرته إلى الداخل فإذا مدينة نائمة كأنها مسحورة، مدينة سُقيت جنباتها نوماً طويلاً. تجوّلت فيها دونما اطمئنان وكذلك دون ذلك الوجل الذي ألمّ بي أثناء دخولي. كنت حالة وسطاً بين نقيضين، وأستطيع أن أقول لك إني فقدت إلى حين شعوري بنفسي وذلك بدلوفي إلى عمق ما يمكن تسميته، رحيلاً أو موتاً أو شيئاً من هذا القبيل.

عندما حلّ الليل بدأت أبحث عن مكان أنام فيه. اخترت بقايا جدار متداع أسندت ظهري إليه ثم رحت في نوم عميق. في الصباح تابعت جولتي، سرت طويلاً حتى أعياني المسير، ألهث من تعبي وجوعي وعطشي. خُيّل إلي أني رأيت قصراً أو بقايا قصر كُتب على مدخله.

   قصر عليه تحية وسلام        نثرت عليه جمالها الأيام

عند مدخل القصر رأيت فتاة وضيئة، أخّاذة تلمع كأنها الذهب أو كأنها قمر يقهر الظلمة. ممددة باسترخاء تام على ظهرها، اقتربت منها مركّزاً أنظاري إلى صدرها فإذا به يخفق بانتظام. ملأني الحبور وأنا أوقن أن الدنيا تبسمت لي. كدت أصرخ من تزاحم الفرحة عند عتبات انفعالي، غير أن صراخي غاب في جوفٍ اشتد ظمؤه. مسحت دمعة انحدرت. أمسكت بكتفها أهزّه حتى صحت واستعادت رشدها، كان لتنفسها انتظام الزمن. إنها ـ كما اختفت تلك الليلة ـ مسربلة بالنور والبياض، هي كما يوم حطّت أمامي حمامة بيضاء. قلت لها وأنا أتأتئ من سعادتي:

ـ الآن لن أدعك، بل سأمسك بك بكل ما أوتيت من قوة.

كان الحسّ باللقاء يتصاعد نشوة فاتنة تهزّ توازني. اضطربت وشعرت أن أطرافي تصطك ببعضها بعضاً. سألتها:

ـ ما اسمك؟

ـ ..

ـ لن أدعك حتى تجيبي على سؤالي

استوت بجذعها وجرّت إليها حجراً اتكأت عليه، قالت:

ـ سعاد.

ـ ولمَ أنت هنا في هذه المدينة النائمة؟

أجابت:

ـ إنها مدينتي وهؤلاء النائمون أناسي وعشيرتي. وتوقفت قليلاً ثم تابعت:

ـ لم تنتهِ بعدُ رحلتك، فلكي تستعيد مجدَ تلك الليلة عليك إيقاظ النائمين، وهذا جوهر رحلتك.

ـ وكيف يكون إيقاظهم؟

ـ تلك مشكلتك، ثم إني لن أكون لك ثانية قبل إيقاظهم.

وسألتها:

ـ لمَ تركتني وحدي تلك الليلة؟

ـ لأنني أردت أن أثير لديك الرغبة بالبحث، وهاأنت قد فعلت.

عدت ثانية إلى الموضوع الأساسي وسألت:

ـ منذ متى هم على هذا الحال؟

ـ منذ زمن بعيد، بعيد جداً.

ـ ولكن أليس من علامة تقدمينها لي في رحلتي؟!

ـ لا، ليس أكثر من القول إني لك إن نجحت في مسعاك.

قالت هذا ثم ارتفعت محلّقة عالياً يتخطّفني جمالها، وتسكب فوقي من طيرانها رائحة الطلل البهي ممزوجاً بأنوثة لدنة تتلوى في طيرانها، فيرفرف منها الصدر مرسلاً ماء عذباً، ويهتز الساقان النبيلان ويتطاولان كأنهما وصلا إلي فأتعلق بهما وأطير معها مخلّفاً تحتي سوراً وقاعات ومدناً وصحارى، منتشياً سابحاً في بحر روحي متدفق.

***

حسبتهم حال وطئي مدينتهم أيقاظاً فإذا هم رقود دون الموت، وفي نوم عميق، فأي إكسير ينهض بهؤلاء من رقدتهم؟ وطفقتْ عبثاً تتالى الأسئلة المفجعة، وخالجني الشك في مصيري، وشككت في ملكاتي الذهنية، وأن ما أرى ليس أكثر من تخيلات مريضة. وكلما أمعنت النظر في هذه الأفكار، رأيتها تتجسد لي حاثّة إياي على عدم الركون إلى هواجسي.

انطلقت في المدينة الذاوية جوّالاً يسعى. كانت جنبات المدينة وقد انطفأ بريقها تثير الوحشة. تابعت مسيري. رأيت مسجداً عتيقاً وأبصرت تحطّم مئذنته، ولما عجزت عن الوصول إلى أعلاه، اخترعت وسيلة ارتقيت بها حيث أردت، ثم أخذت أؤذن في النائمين كي يصحوا.

انحدرت إلى أسفل، وفي ذهني متابعة البحث عن وسيلة أوقد بها نار الرغبة بالحياة. سرت وفي ذهني فتاتي سعاد، سعاد ليلتي المنيرة عند السور، سعاد التي دفعتني إلى ترميم السور وسد ثغراته، وإعادته إلى الحياة ناطقاً بحسّ يفوق ما ينشره الطلل من حسّ بالتأمل. وكلما تذكرتها أمدّتني بالطاقة المثلى فأبدأ البحث دون تعب ودون سغب عن روضتي، وأتذكر بيتاً من الشعر حفظته فيما غبر من الأيام.

وصف الرياض كفاني أن أقيم على       وصف الطلول فهل في ذاك من باس

كانت السماء قد أغسقت، وبدأت بالهبوب نسمات باردة منعشة، رأيت وجهه يغزل صمتاً شارداً وحركات رنّحتها السنون. شردت عنه. كنت أسمع حكاية تشبه الحكايات البعيدة وأغفو على الحنين إلى المزيد، فأستعجله بالكلام وبالإشارة. لما أدركت أن لا فائدة من المتابعة دعوته إلى تناول العشاء فأجابني إلى ذلك، ورحنا نأكل بشهية.

صباح اليوم التالي نهضت ممتلئاً حيوية. نضج إحساسي بالسور وطفقت أفكر في انقطاعنا عن العمار، وكأنه أدرك بما أفكر فقال لي:

ـ إذا أردت الوصول إلى حلّ لمشكلة ما فما عليك إلا بالانقطاع عن العمار فيصفو ذهنك ويفيض عندها بالرأي الصحيح.

ما سميته جنوناً تقمّص أحمد، كان حباً خالصاً ونهائياً للطّلول وللرياض الكامنة في رحم حجارتها. واستطعت بجهد نافذ رؤية ذلك الخيط الناعم والقوي الذي يربط لديه بين سعاد والسور وقلت إن سعاد وإن كانت وهماً خلقته الذاكرة لتستريح بظله من عناء السنين والهاجرة فإنها حافزه في رحلة استغرقت ما يقرب من عشرين عاماً عَبَرَ خلالها الصحراء دون أن يركن إلى تعب، أو صداع ظل يستبد به حتى مماته.

روى قصة السور، الذي أعاد بناءه، للملأ لحناً يملك به العقول وقال: إن داخل السور عين اليقين وفيها الروح القادرة على إزالة السحر الواقع على المدينة. وقلت في سعاد شيء من الحقيقة، فلعلها حبه الأول الذي أظله يوم صار طريد شكوكنا ونعوتنا، فلا غرابة أن يحبها هذا الحب ولا عجب أن يبحث عنها بين ركام الحجارة المتناثرة هنا وهناك، واستنتجت أنها لم تمت في أعماقه وإنما ظلّت متغلغلة فيه تحثّه دائماً على تذكّرها والوله بها.

لم أكتف بالاقتناع بأحمد، على العكس ذهبت إلى أبعد من هذا ، أخذت أتمثل أفكاره وأسعى إلى تطبيقها وتنفيذها. يوم قال لي لابد أن تتابع الرحلة جاش السرور في أعماقي وبكيت. لقد أدركت أنه لن ينقشع السحر الواقع على المدينة على يديه، وأنه يدنو من الستين وأن موتاً يقترب منه.

قال:

ـ تابع رحلتي وفكّ رموزها عندها سترى سعاد مسربلة بضوء سماوي. تزوجها وأنجب منها الذرية الصالحة وضمّ إليك ولدي الذي لم أره.

ـ من أين أبدأ؟

ـ من المدينة نفسها. إذا عرفت كيف نامت عرفت السبيل إلى إيقاظها، ولا تنظر إلي وأنت تبحث عن الحل. وإذا وجدت أنك ملزم بمغادرتي فافعل. هي ذي وصيتي إليك فلا تنس.

ـ وكيف أغادرك؟ لا لن أفعل.

ـ بل ستفعل ومن الآن لتعيش نفسك، ومتى تحقق هذا تكون متصلاً بي من غير انقطاع.

ـ وهل ستبقى هنا في الخلاء وحدك؟

ـ لقد جهزت حفرتي، إنها في الجانب الشرقي من السور. عليك أن تبدأ البحث فلقد أوصلتك إلى بداية الطريق وعليك أن تتابع رحلتي ولا تتقاعس، إذا أجبرتك الظروف على أن تتخلى عن بعض أفكاري فافعلْ. اجعل يقينك في إيقاظ المدينة. وإذا وصلت إلى الحل عُدْ وأبلغني.

التحول الذي طرأ عليّ بدّل من ملامحي. جهزت ما أحتاجه لرحلتي وانطلقت.

عند مشارف المدينة أدركني النعاس. نمت كيف ما كان، وفي الصباح تابعت مسيري. بعد حوالي ساعة رأيت الباب المندرس. كان كما وصفه أحمد آية في الجمال. عبرته إلى الداخل فواجهتني ريح ساكنة. أطلقت نظرة شاملة وسريعة فإذا نوم طويل قد استبدّ بالناس. تساءلت كيف يكون إيقاظ هؤلاء الناس ممكناً؟ وراودتني فكرةٌ قلت: سأفعل كما فعل أحمد وأصعد إلى مئذنة الجامع وأؤذن ولكن بطريقة مختلفة، وفعلت.. ثم نزلت وقلت: أقوم بجولة وجولات إن احتاج الأمر فأرى المدينة من أنحائها كافة، ولعلي بهذا أحلّ اللغز. وحرت من أين أبدأ قلت: من الناحية الشمالية ثم قلت: لا، بل من الناحية الجنوبية، ثم قلت من الناحية الشرقية. لم أدرِ من أين وكيف أبدأ حتى جاءني صوتٌ يقول: إن الحيرة أول ما يجب أن تقتل بعدها اعزم. قلت لابد أنه صوت سعاد نعم إنه هو. نفس الرائحة التي أسكرت أحمد أعوامه الماضية. انتشيت، ثم عزمت على المضي إلى الناحية الشرقية من المدينة. أول ما رأيت شارعاً تتلاصق المتاجر على جانبيه، أبوابها مشرّعة للشمس، وللهواء والرفوف التي بداخلها فارغة علاها الغبار. عند باب كل متجر رجل متخذ وضع الجلوس، غير أنه في سبات عميق وعلى شفاه كل من شاهدت من الرجال ابتسامات تنم عن أحلام كسولة. قطعت الشارع حتى نهايته فإذا مفترق طرق، وإذا أربعة شوارع تواجهني، وبسرعة اتخذت قراراً بعبور ذاك الذي يدفعني خارج المدينة، خارج العمار الميت إلى الخلاء الرحب الوسيع، وقلت سأغذّ الخطا إلى حيث يتربع الجبل القديم، الجبل النضر الذي افتضت قمته في غابر السنين. وهزّتني، بينما كنت أتخذ قراري بعبور الشارع المؤدي إلى خارج العمار، كلمات أغنية أتت مع الريح التي بدأت بالتحرك وإن ببطء شديد. كلمات أحسست بها تريد إثارة الريح الساكنة، وهزّ الأبدان المضطجعة منذ أمد بعيد. لقد حدثني أحمد عن الموصلي كثيراً حتى عرفته جيداً، وقلت: لابد أن هذه الأغنية من أغانيه التي فوّرت، يوماً، الحياة بحرارة النظم البديع.

طال حيث كنت أقف لبثي. تخللتني متعة لم أعش من قبل مثلها، وتمنيت لو يطول مكوثي فتشرب حواسي إيقاع المكان المسطور في هذه الأغنية.

بدأت أقطع الشارع المفضي إلى الخلاء، ورحلة أحمد تدبُّ معي في كل خطوة أخطوها. أخذت أوقن بأني على نفس الدرب الذي سلكه مع فارق أنني لن أتردد في قراري. راودني إحساس بالظفر، وبلغ مني الحبور غايته، فقلت: لِمَ لا، ولكن يجب علي أن أغذي هذا الإحساس وأن أتمترس في إرادة صلبة حتى أصل، وصدمني السؤال إلى أين؟ في الخلاء لا يوجد أمامي سوى الجبل تترامى من حوله وديان، ويترامى من حوله قفر موحش، شحنت خُطاي بالعجلة وبالرغبة بالوصول حيث أعلاه عسى أخرج بالحل.

عدت إليه.

لقد أدركت سرّ اللغز، وعلمت تفاصيل الحكاية وتوصلت إلى سرّ الطين وسأعمل على جَبْله وإغلاق النوافذ الكثيرة. قلت: لابد سيفرح، نعم سيفرح وليس يهم من وصل إلى الحل أنا أم هو. المهم أن الحكاية اكتملت.

لما وصلت إليه وجدته حِذاء السور ميتاً. جلست إلى جثته ساعات أتأمل وجهه الذي تخدّد محاولاً قراءته. قمت أجر الجثة إلى القبر الذي حفره بيديه. سويته فيه ثم أخذت أهيل التراب. غرست شاهدة من جانب الرأس وكتبت عليها العبارة التي قال لي ذات يوم إنها أليفة إليه: من هنا يكون عبورك إلي أيها الداخل جنتي.

استويت واقفاً. نظرت إلى الأفق الفضي البعيد، ثم لا أدري كيف شعرت نفسي تختلج وتتماوج وتصبح طيفاً يلج نسيج الحجارة العتيقة المتربة، وتصير جزءاً منها فيلتقي الصاحب بالأثر، وتُطوى السماء ضامّة الأرض في طقس من تصاعد الروح وتعاليها عبر ملكة من الصفاء والتجلي.

الرقة ـ 1996 

 

 

المِذَبّة 

 

لا وجود إلا لي أنا السيد الباقي، سأحطمهم أنا البدء والدوام والحركة، وهذا قصري منيع عظيم، إنه يتلألأ تاجاً من الذهب الخالص.

أنا أُحاكم؟!!

اسحقوهم اقتلوا مليوناً أو مليونين، الجميع إذا ما احتاج الأمر.. البقاء لي والصلاة وأنا المكان والزمان.

لحظة لم يحسب لها حساباً.

لحظة ينهار توازنه وما ظنه يقيناً يتدفق في جنبات حياته. هاهي ذي الآلام تنقض ممزقة أزمنة هدوء واه، وهناك في الأعالي، عند عتبات الرؤى القاصرة، تقصفت في لحظة أشجار الصد العنيفة، وتقطعت أسلاك الألوهية، وفسد رصاص الإخافة. صار للزمن أكثر من معنى أنه سيده، والقيم على دقائقه وثوانيه على هذه الرقعة الملونة من الأرض التي امتد إليها البحر وامتدت بدورها في أعماق صحارى الرمال. وهاهي ذي على سطحها تجري زوابع غضب ثوت في الماضي تحت ركام من القهر والإرغام. لم يكن ليتذوق المرارة كما الآن وسط هذه الفجاءة القاتلة الشانقة. فليبك أو فلتبتلعه الأرض أفضل ألف مرة من الوقوف في وجه كتلة الذباب المستعرة. هل للدمع أن يخمد الخوف المشتعل في ثناياه؟ وهل يفيده قلقه واضطرابه ورواحه ومجيئه؟ إن الأزمة تشتد من أمامه وخلفه، وعن يمينه وشماله، وليس بمقدوره الاندفاع عبر السقف الذي حُصّن ليوم شدة كالذي يحيا تفاصيله الآن. النار في الخارج تجرف من أمامها كل أكاذيب السنين، وتتهاوى طلول البطولات والأمجاد، تحرق وتطهر وتطفئ حدّة الظمأ الذي التهبت به الشوارع والبيوت والمقابر... والكتب.  

المدن تبدو راسية على شاطئ من الترقب الحذر عبر أنفاق من الظلام الدامس. يسبغ عليها الانفعال هالة من التوتر، والنفوس يغالبها فرح تنشج مآقيه دمعة قصاص صامتة. كل هذا لم يغب عن باله، عن خلايا ذهنه التي تتقد عبرها خططُ دحر هؤلاء وتمزيقهم. وتترى أمام ناظريه أمجاده وقد أصابها خواء مرعب.. مناخ بلا هواء، ظلام رهيب وثلوج بداية الكون. طقوس سحر مفزعة وانبثاق براكين ظلت حيناً خامدة، كأن الكون يريد أن يُخلق الآن. كون جديد يولد بأنظمته وتقاسيمه. في قصره يتفجر الصديد، دمّل اللهو بمصائر التراب والنار والماء، ويُمسخ هو دماً فاسداً. تضيق الدنيا من حوله، كل معالم الزمن الفائت تمحى، الآن لا وجود إلا لظل بلا ملامح وكأنه البقية الأخيرة من وجوده الأوحد. وثمة أيضاً تقهقره الرهيب، تقهقره الذي سكن مكتبه وغرفة نومه، وصالة استقباله وأيقونات مجده ومفردات خطبه التاريخية، فليتجول في أنحاء قصره الذي كان منيعاً لكثير من الوقت لا يُخترق حتى من كائن بحجم ذبابة، والذي يُخترق الآن من ذباب اتخذ في مرحلة من الزمن شكل البشر. إن كابوساً لم يقرأ عنه، ولم يعرفه في أبهاء حياته يقض عليه وقوفه ومشيه. وعلى مدى عمره الذي استطال ألف عام وتزيد لم يتناه إلى علمه الواسع أن الذباب يهجم وينقض وهو الذي تعود بمِذَبته وبضربة واحدة الإطاحة بالألوف وربما بالملايين. والآن في اللحظة المخيفة التي يحياها يتذكر يوم قصف بمنجنيقه البيت العتيق، ويتذكر أن الرجفة التي سرت آنذاك في دمه لم تكن رد فعل على ما فعل، بل آمن أنها تستحثه على المزيد، فأحرق مدينة أزهر علمها في واحد من أطواره المقدسة، ملقياً بنصوعها وتلألئها إلى هاوية بلا قرار. كيف لهذا الذباب أن يحرق ويجرف كل شيء؟ كيف يكون هذا وبمذبته طوّع ذباب الوجود وأسجده بقرار واحد تناسخ في الأزمنة التي عاشها قوياً صلباً متيناً. ألم تبدأ الأرض منه لتنتهي عنده؟

كان المشهد الممتد بصقيعه وناره، بحنقه وغضبه، يخفي لذة من نوع لا يتكرر كثيراً في الحياة، وإنه ليدرك طبيعة هذه اللذة. لقد استطاع في أطواره المختلفة أن يكبح جماحها لكنها الآن تبدت له لذة شاملة تدفقت من صدور الملايين، لذة جارفة لا سبيل إلى إيقافها، ذلك أنه لم يضطرب في مراحله السابقة اضطرابه الآن، فلعله أضاع مفتاحها في زحمة اختناقه وبكائه وتوتره الذي بلغ أقصى درجاته.. في زحمة تفجره صديداً.

الأنقاض هنا وهناك، وعلى الأرصفة والشوارع والجدران شرائح لحم مدماة، وآليات محطمة ومتاريس مخلوعة وما تناسلته اللات والعزى تدوسه الأرجل وقد حطمته الفؤوس. وساحات المدن الخربة والمتاجر المدمرة بعد ما لحق بها من فوضى. ليس ثمة سوى الحرائق وجنود توزعوا في الأركان الواهنة وقد تسلل إليهم خور وعلى وجوههم تومض آيات خجلى من التمرد. أين مفتاحه؟ أين يبحث عنه وكيف له أن يبحث عنه قبل أن يهدأ روعه؟ في أحد أزمنته قال لجنده:

ـ احرقوا المدينة حتى أمتع ناظري.

انتشر الحريق في كل الدروب والشعاب، وجر منخراه رائحة الشياط بفرح غامر، غير أن الرائحة الآن تدب في أوصاله، وقد أصابها الزمن المديد في مقتل، تدب في نزعه الأخير. وتدخله في عراك أصم بلا طائل مع موت أخرس لا منجاة منه. قبل أسابيع من راهنه قال:

ـ أريد عرشاً على الجماجم.

الحركة في قصره تخزها الفوضى وثوان النزع الأخير. أيقونات مجده تصدأ ومن أنصافهم جميعاً ينطلق النشادر ساخناً كريهاً. في الخارج حيث الطوق الخانق والليل المدلهم رقدت الحركة في سكون يقظ.

الآن يبدو له القصر واجماً كحلياً، لم يستفد من اتصالاته. كأن الجميع عنه في شغل. أجهزة التنصت التي تطورت في طوره الأخير الذي ينازع، بللها العرق الذي نزفته وجوه معاونيه المرتعدة، فغدا البحث عن مخرج ضرب محال وقد ضرب البؤس طوقاً من حوله عنيفاً شديداً. بؤس هجم كما اللجة العاتية.

يوم انعقف شعاره قال أنا السيد الأكرم.

وانطلق في الأرض يحرثها لذاته النقية زرعاً يكون ملكه وحده فسحق الملايين في طرفة عين، لكنه ما لبث أن انحصر في مكمنه ووحده ظل ساعة ينشد حياة نخرها الجنون لتتغذى الآن وهماً وهلاماً. بالأمس القريب خطب لمجده الذي لا أفول له، وبهمسة لا تصل إلى شفتيه يُترجَم القول فعلاً وحركة. كل شيء يغرق الآن في عماء، وكل شيء يختلط بكل شيء. وحياته الممتدة ألف عام وتزيد تنهشها شعارات الإسقاط والمطالبة بمحاكمته. يكاد يجن وهو يبصر بما تعدد لديه من الوسائل ذباباً يطير نحو، باتجاهه غير آبه بما ينهمر في وجهه من موت كثيف وسريع. ولعله يوقن، وقد تضخمت عيناه من البكاء أن زمنه قد زال، تفرقع كأن شيئاً لم يكن. وهاهو ذا زمن رحب يقبل لاهثاً ظمآن وقد اكتظت أحشاؤه بالتعب، فأين هو إن لم يكن عند تلك النقطة الفاصلة بين خطين، بين زمنين، يواجه ذباباً اتخذ يوماً ما شكل البشر فاستعر وقام. جسّ بعقله، بذلك الوميض السريع والعابر، نبض النهاية، نبض النزيف الذي لا يتوقف، ومن حيزه المعزول والمدجج بمذبات الحماية انطلقت أوامره الأخيرة التي اصطدمت بأسلاك المتاريس المهدمة..

ـ دمروا كل ما يقف في طريقكم.

أنا السيد الباقي، سأحطمهم أنا البدء والدوام والبقاء لي والصلاة وأنا المكان والزمان. 

1990

 

 

 

العباءة

 

ـ "صفّي البلورة يا بن العورة."‏

ـ "وين الصورة يا بن البورة."‏

هكذا كنا نوقّع شتائمنا، وكأنه بهذا التسجيع ستعود الصورة إلى طبيعتها، نظيفة، ويعد الصوت واضحاً.. أيامها كنا لا نبالي بشيء. أما أكثر ما كان يخيفنا فهو منظر رعاة البقر عندما يطارد بعضهم بعضاً، متراشقين بالنار. كانت تحتبس أنفاسنا، فنقول: سيدعسنا هذا الحصان، هيه، انظر إنه يقترب منا، ولأجل ألا يحدث هذا نختبئ من الرعب تحت المقاعد لأنه سيفعل لو ظللنا مكاننا.‏

من هذا أنه شاهدنا مرة فيلماً لرعاة البقر، ومن مشاهد الفيلم أن "البطل" أطلق على المجرم ناراً كثيفة. كانت الكاميرا متوجهة تماماً إلى فوهة المسدس. عندما دوى صوت الرصاص، صاح زميلي وبصوت عال مملوء رعباً دفع بالمشاهدين، ومن خلال السكون الذي فرضته مشاهد الفيلم المؤثرة إلى الالتفات جهة الصوت:‏

ـ أخ.. لقد أصبت.‏

مسح بيده على مكان الإصابة ثم قلبها على بطنها فإذا بها مملوءة دماً، استطعت أن أراه رغم العتمة. وضعت يدي على يده فإذا هي رطبة ساخنة. بدا ذلك شيئاً مروّعاً، فكيف تخرج الرصاصة من الشاشة إلى صدره وتستقر في القلب، فينتفض انتفاضته الأخيرة ويموت؟‏

كنت مغموراً بالدهشة، فاغر الفم، جاحظ العينين. الناس من حولنا تركوا الفيلم واتجهوا بأنظارهم إلينا. أحدهم قال:‏

ـ نعم رأيت الرصاصة وهي تخرج من الشاشة، أقصد كما ترون لقد احترقت...‏

وتابع آخر:‏

لقد قامت الساعة!!!‏

وقال ثالث:‏

ـ شيء لا يقبله العقل!!!‏

توقف العرض على الضجة التي أحدثتها الوفاة، امتلأت الصالة بالنور فتوجهت أبصارنا، وبشكل عفوي، إلى مكان العرض. فبرزت حقيقة ما قاله الرجل، النار تأكل الشاشة. عند ذلك تدافع الحضور إلى الخروج خوفاً من أن تصيبهم اللعنة وتقتلهم رصاصة طائشة، وكدت بدوري أصدق ما قاله الناس لولا أني أعلم طبيعة الأمر...‏

حدث هذا في ستينات القرن الماضي. لم يكن في بلدتنا غير سينما فؤاد تهفو إليها الأفئدة للترويح والمتعة، وكانت إلى جانب هذا شيئاً كالأعجوبة، وحال خروجنا منها نقوم بتمثيل الأدوار التي أعجبتنا، ونقلّد أصوات الممثلين، ولا نتورع عن ضرب المارة بسيوفنا الخشبية لإضفاء طابع الحقيقة على المشهد، ليكون في الواقع كما رأيناه على الشاشة. وأما النساء فكن ينتظرن حفلتهن في موعدها، صيفاً، في الساعة الخامسة من يوم الأحد. وكن إذا ما شاهدن فيلماً فإنهن يتزودن بالمناديل الورقية، لأنهن سيبكين عند رؤية الصور وهي تتحرك مثيرة فيهن ألواناً من الشجن، ويتذكرن من مات من الأحبة ومن سافر بغير رجعة.‏

كان رجلان يحملان الإعلان عن الفيلم المخصص للنساء على لوحة خشبية، يدوران بها على البيوت ليأخذن فكرة عنه. كان القيظ يحملنا على الاحتماء بالظل حماية لرؤوسنا من الشمس، نتخذ من الزوايا مكامن نرى من خلالها إناث مدينتنا وقد غطين أجسادهن بعباءات سود.‏

آنذاك.. كنا على شقاوة نادرة. الحر يخترق جلودنا وأدمغتنا فتلتهب منا المشاعر، ونسعى إلى المغامرة غير آبهين بالعادات والتقاليد. ولأجل أن يرى الواحد منا حبيبته وضعنا أرواحنا على أكف العفاريت.‏

بدوري كنت أنتظر هذه الساعة لرؤية الفتاة التي عزمت على الزواج منها. إذا لم أرها الآن فلن أراها أبداً، ولذا فلا بد من المغامرة. أما زميلي فقد هيأ نفسه وأخرج العباءة من حقيبة كان يحملها معه، وفي غفلة من الناس ارتداها، وغطى وجهه بأطرافها العلوية، ثم انخرط في صفوف النسوة على أنه واحدة منهن.‏

في الصالة وعندما انطفأت الأضواء سلّم عليها. وعندما سمعتْ صوته ارتجفت وارتعدت. وبرغم الظلمة فقد ملأها الوجل فأخذت تتخبط في كرسيها. أما بالنسبة لي فهي مغامرة لا أجرؤ على القيام بها، ولذا فلقد اكتفيت بالإشارة والابتسامة.‏

قلت له قبل أن يدخل معهن إلى صالة العرض:‏

ـ إن تصرفك هذا قد يودي بحياتك لو علم أهلها. إلا أنه لم يكن يهتم بردة فعلهم، أيامها كان كل ما يعنيه هو أن يلقاها فقط. قال لي:‏

ـ لا يهم، هي حياة واحدة.‏

كانت السينما شيئاً جديداً في حياتنا، تعامل معها كبار السن على مضض، ولكنهم قبلوا مع ذلك أن يدفعوا ببناتهم إليها ليرفعن عن أنفسهن تعب الأسبوع. غير أنه لم يكن من المتوقع أن يدخلها شاب في زي امرأة.‏

مرّت اللحظات بطيئة قاسية. مدّ يده إلى يدها فارتعدت ثم ما لبثت أن توسلت إليه باكية حتى يذهب، ولكنه لم يفعل حتى أخذ موعداً. وكلما أراد لقاءها ومانعت لجأ إلى هذه الحيلة.‏

وفي يوم ذهبنا أنا وهو لمشاهدة فيلم جديد. بدت الصالة ممتلئة تماماً. ولانقطاع التيار الكهربائي مرات عديدة كنا نصيح صياحاً شديداً دون أن نضع اعتباراً لأحد، ونشتم دون أن يردعنا رادع، وفي فترة الاستراحة رأيت أخاها، عابس الوجه مكفهراً. آنذاك انتابني الرّوع لا أدري مم؟ ولكنه الخوف ملأني لما رأيته، ولعله الإحساس البعيد بأن شيئاً ما سيحصل. عندما حلّت الظلمة من جديد همست في أذن صاحبي:‏

ـ إنه هنا‏

ـ من؟‏

وأجبته خائفاً:‏

ـ أخوها‍!!‏

كنت مذعوراً إلى الحد الذي بدأت أفقد فيه السيطرة على أعصابي.‏

ـ من تقصد؟!!‏

ـ منى، إنه أخوها، هل تفهم؟!!‏

أحسست به لحظتها أنه كمن وقع في كمين. سألني هامساً:‏

ـ أين يجلس؟‏

ـ يتقدمنا بصفين. ابق هادئاً، وسنغادر بصمت.‏

كنت في غاية القلق، فأخوها لا يتورع عن شيء وإن كان القتل، ولا بد أن إحدى الفتيات قد سرّبت إليه خبر الحيلة التي كان يتبعها للقاء فتاته، وتحديد مواعيد الغرام معها. وفي مثل سريان النار في الهشيم، جرى الخبر فاستفز الناس، وتنادى أهلها إلى شراء شرفهم بالدم.‏

كنا ومن مقعدينا ننظر أمامنا، إلى حيث يجلس، وكان بدوره ينظر خلفه حيث نحن. عندها أدركت تماماً أنه يقصدنا..‏

لم يكن وحده، فقد رأيته يميل ناحية شاب آخر يجلس إلى جانبه. همس في أذنه ببضع كلمات نهض على إثرها واتجه إلى باب الدخول فعلمت لحظتها أنه قد أحكم الحصار على صاحبي، الذي بدا عليه التوتر.‏

حاولنا الهرب فلم نتمكن. فوجئنا بأن إلى جانبينا شابين كانا يمسكان بنا كلما انقطع التيار. وعندما حانت اللحظة المناسبة، وصوّب فيها راعي البقر رصاصته إلى صدر عدوه اتجهتْ أخرى إلى صدر صاحبي، وثالثة من حولي إلى الشاشة لتحترق، ويدب الذعر في الناس، وأرى بدوري آخر نظرات أخيها وقد امتلأ شرّاً وتحذيراً من أنني سألاقي المصير ذاته إن لم أنس ما حدث.‏

 

 

وأخيراً رأيته

 

بعد خمسة عشر عاماً، كأنما وجهه انشق عنه التراب ملآن بالحيوية، كأنما لم يكن بالأمس ميتاً. وجه نضر، يفترّ الثغر منه عن ابتسامة ملأى بالحنو، والجسم المسجّى كأن لم يتآكل، وكأن الموت ظل بعيداً عنه لا يقترب منه. ولطالما قال لي: أنا لن أموت لأن في الأحشاء مني نمت أفكار لا تموت، ولسوف تكون دمَ جسدي عندما يقبع تحت التراب. وهأنذا أراه في حلّة بهيجة مزهوّاً بالحياة، تنتظم أنفاسه ، ويعلو صوت شخيره الهادئ وأمدّ إلى كتفه يدي الوجلة، وأهزّه هزّاً خفيفاً أول الأمر ثم ما ألبث أن أهزّه هزّاً قوياً، فيصحو بهدوء صحواً، ممتلئاً نضارة، من رقدة الهلاك المفزعة والمثيرة. ومن بين أعطاف الدهشة والذهول أصيح يا الله... وقبل أن يُغمى عليّ أحاول الهرب فتخونني قدماي، وتبدأ أطرافي تصطك بعضها ببعض.

 حاولت كثيراً وصف تلك اللحظات الحية الساخنة، وخانني قلمي، لم أيأس، وقلت لا بد أن أنجح يوماً في نقل تفاصيل تلك الرحلة الموحشة.

-   هذا أنت؟!!

قالها باسماً. غير أن شحوباً شربته ملامحي، ورعباً استقر في نظراتي، منعاني من الردّ. حرت في الطريقة الملائمة التي أردُّ بها. كان يجب أن أقول هو أنا، غير أن هول المفاجأة قيّد لساني، وسطّح رأسي. حاولت أن أستجمع قواي لأقول نعم أنا هو، ومن بين رغبتي في الكلام وبين التلعثم، خرجت " أنا " مبعثرة، ممزقة.

 لم تكن تلك السنون وهماً، ولا شيئاً كالحلم. كانت وما تزال ناراً تشتعل بها الذاكرة، فتنهال الذكريات ساطعة وإن شجيّة ذكريات غُذّيت بالماء الفرات، فظلّت تستعذبها الذاكرة، وتلتذّ لمقدمها رغم تباعد السنين. بعد حين قلت:

-نعم أنا

- لم أرك منذ زمن بعيد، فأين كنت ؟

وقلت له :

-خمسة عشر عاماً لم ترني، ولم أرك. ولكن أنت من يجب أن يحدّثني لا أنا

وردّ بفتور

-ولكني متعب. كنت أعيش نوعاً من حياة الفرار، الكل يفرّ من الكل، ولذا فأنا متعب، متعب تماماً. فهل لك أن تحدّثني عن غيبتك ؟

ورددت بعصبية:

-ولكني لم أغب . كنت أنت غائباً يا صاحبي. أنا هنا ما أزال بين ظهراني هذه الحياة!!

وقبل أن أتابع قال:

-ومن قال لك إني كنت خارجها ، أما تراني أمامك في أحسن حال؟ .

ولكن كيف؟                                                                                                          

كيف يكون هذا، وأنا لم أمت بعد ؟ . كيف وقد دفنته بيديّ هاتين، وأهلتُ فوق قبره مع المهيلين التراب، وقرأت الفاتحة على روحه. كنت بأصابعي أضغط زرّ المسجل فينطلق الترتيل العذب، بل أذكر أكثر من هذا .. أذكر أنني كنت أضع في الآلة سورة مريم وبصوت عبد الباسط، وكثيراً ما ارتعدت أعطافي عند سماعي آية "وإن منكم إلا واردها كان على ربّك حتماً مقضياً" .

إنّ في الأمر لغزاً. أن نكون معاً في سجلّ الحياة ، يعني أنني لم أقم بدفنه يوماً، ولم أبكه ساعة من نهار، وما مشيت إلى الفرات، خائر القوى، مجهد الذاكرة. هذا مُحال. قلت لعلّني في حلم، ولكن كيف أكون كذلك وهو أمامي من لحم ودم يبتسـم ويتكلّم ، وفوق هذا جسسته بيديّ ، إنه حقيقة لا حلم.

قلت له :

-لعلك كنت مسافراً خارج المدينة ؟

-على العكس ، فأنت أدرى بي . فأنا لا أحب السفر ألا تتذكر؟

-أتذكر ماذا ؟

-ألم أكن أقول لك، إن السفر انتقال، وفي الانتقال موت 

 وقلت له:

-بلى أتذكر، وكنت أقول لك "اغترب تتجدد" هذا ما قاله الشاعر يوماً.

-لا يهم ماذا كنت تقول .. المهم كيف أفهمُ السفر. ولهذا لم أغادر مدينتي - وأنا كما تعلم على مشارف الخمسين-إلى هذه اللحظة . وفوق هذا أذكر جيداً أنني طالما قلت لك إن بعد الموت جحيماً لا يُطاق، وليس لنا من أفعالنا ما يؤهّلنا لذلك الفردوس العجيب. واعلم أني ما أزال أخشى النار ولذا لا أريد أن أموت... والآن قل لي أين كنت طوال هذه الأعوام؟

وأجبت بما يشبه اليأس:

- أظن أني لم أغادر هذه المدينة، تماماً مثلك.

لم أعد أعي ما أسمع، وكأنّ رأسي تصدّع. إن ما أسمع لهو من الأحلام ، أو من أضغاثها . كيف لم يمت وإن لم يمت ، فمن الذي قمنا بدفنه ذات يوم، ثم أنني البارحة.. البارحة بالتحديد كنت أقرأ له الفاتحة وقرأت ما هو مكتوب على الشاهدة …

في اليوم التالي عدت إلى سورة مريم، وقرأتها آية آية، ومع كل آية كنت أتذكر من مأتمه، موقفاً أو حالة أو معزّياً. ولم يخالجني الشك لحظة واحدة ، وأنا أصل إلى الآية "وإن منكم إلا واردها…" في أنه ليس ميتاً. لقد مات ولا ريب في هذا، وكنت من الذين دفنوه، ثم خطر لي خاطر، أجفلت له جفولاً شديدا اقشعرّ له بدني، أهي معجزة؟ هل عاد حياً من بعد موت؟ وسعيت جاهداً لاقتناص لحظة من هدوء. ولمّا رأيت أنه استقرّت مني الأعطاف والجوارح قلت هذا لا يكون لبشر.

عصراً ذهبت إلى المقبرة، وبآلية تامـة توجهت إلى حيث قبره. قرأت "المغفور له الشاب عبد المهيمن" .

تلفّت حولي كالمصعوق، وتساءلت فمن الرجل الذي أفاق أمامي من رقدته العميقة إن لم يكن عبد المهيمن ؟

عدت من المقبرة متوجهاً من فوري إلى بيت أهله.

سألت:

-هل عاد عبد المهيمن؟

وحدجتني الوالدة بنظرة غريبة

-هل أنت مريض ؟

-وهل ترينني كذلك ؟

-إذاً فما معنى سؤالك؟

-لقد كنت معه البارحة

-مع مَن ؟

-عبد المهيمن .

ولفّتني بنظرة باكية . خرجت تائهاً، ذاهلاً. قلت هذا محال، وعجّلت في مشيّ. دخلت بيتي واستقررت على كرسي ألهث من التعب، وربما من شيء آخر .

جاءتني زوجتي تسأل :

-ماذا بك، ماذا جرى لك ؟

انتفضت من مقعدي وسألتها:

-هل عاد عبد المهيمن ؟

وقالت متسائلة :

-أنت محموم؟!!

 دخلت غرفتي و أغلقت الباب خلفي. 

   

***

 

طوّقتني الأحداث الأخيرة، ودفعت بي إلى رحى الانفعالات غير مشمول ببرهة هدوء. فقبل خمس عشرة سنة كان يرتعد لمجرد أنّ موتاً بالانتظار على الأبواب، وإنه ليسمع بين الحين والآخر رنين جرسه مع اقتراب حافلة منه تكاد تدهسه، أو مع خفوت الضوء، مجرد خفوته، ولشدَّ ما كان يفزع _ فيرفرف منه العقل طائراً _ بمجرّد أن يمرّ من أمامه قط يركض، فيتخذ آنذاك وضع المتأهب للدفاع عن نفسه. وكثيراً ما كنت أرثي لحاله، فأقول له: اهدأ لا يوجد ما يستوجب هذا التوتر. ويردّ معنّفاً: أنت لا تدري ما الأمر بل أنت لا تفقه شيئاً.

في الدقائق التي سبقت موته، وبآلية أحاط رقبته بيديه كأن تشنّجاً ألمَّ به، ثم ما لبث أن انفجر باكياً. ولم أنس أني وعلى مدى ثلاثة أيام كنت أستقبل المعزّين، وأضغط على زر المسجّل فينطلق الترتيل عذباً، ويتحرر من عقال الحياة كلُ شجن الوجود، وأتحرر بدوري من كل المنافع، وتضمحلّ كل الطموحات، وأنطلق روحاً خالصة تسبح في برزخ ماء ينجيها من عذاب حياتين .

لا يمكنني أن أشك لحظة واحدة في أن هذا ما جرى ولعلّي وأنا ما أزال أردد آية "وإن منكم.." أوقن تماماً بموته.

نهض من مسجّاه، واختزل خمس عشرة سنة من الغياب في قوله إن السفر انتقال، وفي الانتقال موت.            

بعد أيام زارني، وكنت دعوتـه إلى العشاء. كانت ليلة منسّمة. كنت أحدّق فيه لا أملّ النظر إليه .وكنت أتعمّد جسّ يده لأتأكد من مثوله أمامي.

قال لي:

ـ الحياة جميلة أليس كذلك؟      

أجبت:

ـ بلى إنها حلوة برغم ما تحقن فينا من انفعالات وطموحـات.

وبعد أن استغرقنا التأمل قال:

ـ إن الله قدّر أعمارنا، ولكن هذا لا يمنعني من الحلم بمزيد من السنين، بعمر إضافي بل وبعمرين .

ـ ولكنك ميت في النهاية، ولو أُضيف إلى عمرك عشرة أضعافه.

ـ نعم هذا صحيح، ولكن للحياة جمالها، وبعمر واحد لن تستنفده.. وفي هذا هدر لإنسانيتي .

ـ وللحياة مرارتها…

وقاطعني:

ـ هذا صحيح.. ولعلّ جمال الحياة يكون في تمثّلك هذه المرارة. إنك بهذا إنما تعيش الحياة، وقد اكتملت دورةُ جمالها وعبقريتها، وأظنّك تعرف قصة السندباد وبحوره السبعة؟.

ـ دعنا من هذا الآن، وحدّثني عنك في السنين التي مضت.

ـ وعن أية سنة تُرى أحدثك ؟ لقد فنيت فيما مضى من السنين، واستغرقتني أيامها فأحالتني رميماً، ثم ذرتني ريح الخوف، فتوزّعت في الدنيا لكل بلد مني قدر. وبقدر ما احتواني العالم احتويته ثم تجمّعت أجزائي من جديد في بدني الذي أمامك. ألست تراني؟ انظر إلي تراني، انظر إليك تراني، فأنا لست ميتاً كما يُخيل إليك. إنما هي رحلة ضمن نطاق الحياة على كتفي سندباد جديد . كنت أرى على مدّ البصر أشجارا هائلة العدد، ثريّة التنوع بثمارها. أكلت ما لذّ وطاب في الليل والنهار في المنام واليقظة. كانت الدنيا فوقي أقطفها بيدي، وألتهمها برغبتي فيها.

علّمني الفناء في السنين، أن الجميع لي سندباد. وبهذا أصنع حياة دهرية لا تنضب ينابيعها. فمن أين تريدني أن أبدأ، أمن لحظة الحلول في الأشياء، أم من مبتدأ جلوسي على العرش؟. هي كما تقول خمس عشرة سنة امتنعت خلالها على نفسي، واضمحلّ الجسد في نطاق العزلة المضروبة عليه، وانبلجت إذ ذاك روح عظيمة، روح اخترقت شغاف الحياة لتملكها .. ثم انداح من بعد ذلك نورٌ فيّاض غمر الربوع، وكما ترى فأنا أمامك لست ميتاً كما تظن.

كنت أسمع خليطاً عجيباً، غير أنني اعتقدت في لحظة ما أنني قلت شيئاً من هذا الكلام في زمن ماض أو ربما حاضر، لست أدري.. ولكني أرجح أني نطقت به كله أو بعضه.

قلت له مستمزجاً رأيه:

ـ ما رأيك أن نسمع شيئاً من سورة مريم؟

وقال متفاجئاً:

ـ ولكن ألا ترى أن الوقت ليل؟!                                                                                    

ـ وماذا يعني؟

ـ إن عذوبة الترتيل تكون صباحاً..

ـ هذا ما اعتدناه. لكن الحقيقة أنه عذب وجميل في كل الأوقات.

ـ لا بأس، لا بأس.

ضغطت على زر المسجل . انسابت الكلمات تحرّك هجعة مئات السنين الراكدة في دمائنا، فيومض في داخلنا خوف فتي ما يلبث أن ينمو ويترعرع. كنت أختلس النظر إليه لأرصد ردة فعلـه. كان خشوعنا يتعاظم. كل منا تستغرقه الآيات، وما إن وثب الصوت إلى آية "وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضيّاً " حتى دارت الدنيا دورتها المريعة ، مشعلةً في الغرفة ناراً هائلة كأنما الجحيم انسكب على أرضها، وأتى على كل شيء. كانت دقيقة من نار ، وكانت يداه تحوطان برقبته وصوته يخرج مزعزعاً، ضعيفاً وباكياً. ضغطت زر الإيقاف فصمتت النار، وتقطّع صوته. نهضت من مكاني، واتجهت إليه غاضباً محنقاً ، أمسكت به من حلقه، وقلت صارخاً بصوت عالٍ:

ـ أنت ميت، اعترف وإلا سحقت عظامك أيها اللئيم. اعترف، قل إنك ميت أو أدق اللحظة عنقك.

بلغ مني الانفعال غايته، وطاش صوابي وجحظت عيناي، وتصبب بدني عرقاً. دفعت به في صدره، فانهار على كرسيه، خائر القوى. كنت في تأهب تام، وخُيّل إلي أني سأقتله الآن إن أصرّ على أنه حي.

جلست على كرسي قبالته، ورحت أحدّق فيه. مضى ما يقرب من ساعة. هدأت خلالها وانتظمت أنفاسي.

بدا لي في كامل ضعفه، فاقد المعنى والدلالة.

قلت له:

-وإلى أين أوصلك سندبادك أيها الخرف؟

كان واهنا، تركته حتى استجمع بعضاً من قواه الضائعة ، بعد قليل قال:

ـ بعد أن غمر النور الفياض الربوع، وبدت الدنيا شمساً منيرة، ابتهجت أيما ابتهاج. وهلّلت وأنا أعبّ الفرح عبّاً. أخيراً ملكت الأرض وما عليها، ثمارها كلها لي ودباباتها . وأيقنت أنه إلي منتهى ما على الأرض. آنذاك قلت لنفسي ثم أطلقت الصوت عالياً، عالياً يخترق ما في الكون من مجرّات: لن أموت .. لن أموت ..

وسألته مقاطعاً، وبنبرة حادّة:

ـ وماذا بعد؟

وبدا خائفاً وهو يرد:

ـ دعني الآن وسأكمل غداً.

ـ ومن يضمن لي أنك لن تهرب؟

ـ أبقني سجيناً عندك فلا أهرب

                  

***

 

أذهلني أن أسمع كلاماً نطقت في السابق به كله، أو بعضه. وكثيراً ما قرأت "ألف ليلة وليلة" وكثيراً ما توقفت عند السندباد البحري يحكي قصته للسندباد البرّي. كانت تشدّني قصّته مع الرجل العجوز الذي حول رقبة السندباد إلى مسكن وآلة نقل. ولطالما انتابني الشعور بأن الأرض ستغشاها النار يوماً، وكثيراً ما أمسكت بي الرجفة وأنا أردد الآية "وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً" لكن ما هي قصة هذا الصديق، وماذا وراء هذه الثرثرة . أي حلول، وأي عرش وأية حياة دهرية؟.   وكانت توهنني الأسئلة ، فلا أملك البتة إجابة عنها. وكنت أحسب أني أموت أو أختنق في الحدّ الأدنى، عندما لا أعثر على الأجوبة الشافية. فأين تراها تكمن العلّة؟ خمسة عشر عاماً قرأت خلالها الفاتحة مئات المرات، وكنت أدفع بما أقرأ من سور القرآن إلى روحه عساها تغسلها من آثامها. لمّا مات آمنت أن الفائدة عظيمة وبلا حدّ من قراءة القرآن على روحه الضاجّة الثائرة، روحه الخارجة من نطاق الحياة، تلك الروح التي غنّت نصرها الدائم على موت قادم وأكيد. فأين عساي أكون الآن، ومَن هذا الذي أمامي ومَن الذي دفنته في غابر السنين، مَن، مَن؟.

وكأنما انتفخت مني الأوداج، وكأنما الوجه انفجر دماً. من عساي أسأل عنه؟. كل من في شارعنا، وكل من في مدينتنا يعلم أنه مات، وأنه دُفن، وأن على شاهدة قبره دُوّن اسمه "عبد المهيمن شهيد بغير حرب". وإلى أين أذهب حتى لا أراه، وكان هذا محال. كنت أراه في كل شارع، وعند كل ناصية وفي بيتي ومكان عملي، في سرّي وعلني وفي منامي ويقظتي وأحسّه مع كل نبضة قلب. وأراه خارجاً من جوفي مع أنفاسي، ويتشكّل أمامي من هواء أحشائي، إنساناً كاملاً يضحك ويبكي، يحب الحياة ويكره الموت، ويكره السفر لأنه انتقال، وفي الانتقال موت.

حاولت أن أنام، وجاهدت لأقتنص غفوة فأريح جسدي من تعب الأيام الماضية، ولكن عبثاً، فلقد كنت أخاف أن تتهيأ له الفرصة بنومي فيهرب.

كان نائماً، يستفزني صوت شخيره على هدوئه ، فأصحو تماماً، وأراقبه. إنه هو، وكأن السنين التي مضت لم تكن أكثر من برهة تنهار الآن، برهة موطوءة من شخيره الذي طالما أرّق سكون الليالي، وثَلَمَ الأحلام.

مضت الساعات، وأنا أنظر إليه، أراقبه في استلقائه على ظهره، وأثناء انقلابه على جنبيه. كنت في أعلى درجات صحوي، برغم أني لم أنم لحظة واحدة. ومع الشفق المتشقق من غلالة الغلس، ومع ابتداء تحرك الشمس نهضت متجهاً إلى المطبخ.

أعددت فنجان قهوة. بعد مضي ما يقرب من ساعتين نهضت ثانية، وبدأت بإعداد طعام الإفطار.

اقتربت منه. هززته حتى صحا

- انهض لتغسل وجهك وتفطر.

تمطّى وتثاءب، نظر إلي وراح يبتسم ثم تحولت ابتسامته إلى ضحكة عريضة.

ـ لماذا تضحك؟

ـ لا شيء. ولكن كأنك لم تنم!!

ـ هو كذلك لم أنم.

ـ كنت تخشى أن أهرب. قل لي:

ـ ماذا؟

ـ هل يملك المرء أن يهرب من نفسه ؟

ـ ماذا تعني؟

ـ لا شيء. وبعد قليل قال:

ـ هل هدأت. أرجو ذلك لنتحدث بهدوء. انظر ما أجمل تدفّق الصبح. إن له انبلاجاً رائعاً يكاد يوقظ الموتى. لا أدري لِمَ غضبت مني البارحة. عندما تغضب مني، فإنما تغضب من نفسك.

ـ الآن لست غاضباً. قل لي ما حكايتك وأين كنت إن لم تكن ميتاً؟

ـ أنت تدري أني أخاف الموت، ولا أخاف شيئاً كما أخافه، وأخاف الظلمة، ولأني أخافها كنت أضيء النور لأطرد به شبح الموت القادم مع الظلام. ولهذا بدأت أبحث عن مكان ليله شمسٌ وهّاجة، مدفوعاً من نفسٍ وثّابة، شديدة التعلق بالحياة، كانت ما إن تهلّ الظلمة حتى ينفجر النور قوياً ساطعاً، ولاقتناص اللحظة المشحـونة بالموت تتحرك عيناي قي كل اتجاه تخرقان كل مستور. وتحسّباً لتجلّي الملاك في صورة ما استنجدت بكل الحذر المتاح. وهذا ما حدث يوم قفزت من فوقي قطّة سوداء بلون الليـل، بعينين زرقاوين لمّاعتين. كان مشهدا رهيباّ، ومواجهة شاملة. وكانت حرّة في حركتها، بينما كنت مقيّدا بخوفي ومرضي. شلّني هجوم القطة وهي تناور في محاولة منها لالتقاط الزاوية المناسبة للانقضاض علي. لاحقتها بعيني. أردت لها البقاء في دائرة الموت. إنها هنا لقتلي، لإنهاء الأجل المقدس الممنوح لي من الأعلى، روحاً مصانة من كل عبث في جسد تأكله الآن الأمراض.

كنت في أقصى التوتر، والتحفز والحذر. باطن يدي يستقر على الأرض، جذعي إلى الأمام. إن آتت حركة واحدة أنقض عليها. وهنا، ولأني شبه مقعد اخترعت سندباداً، وتسلّقت كتفيه، وبدأت أفكر بالزمن القادم، وتخيلته دقائق لا أكثر. دقائق ويراق الموت دماً على بلاط الغرفة، أفتراه دمي أم دمها؟

كانت أشبه ما تكون بنمر جائع، فأشفقتُ على جسدي المرهق من مخالبها، وغصصت وأنا أبلع ريقي من الخوف من عينيها القادحتين، وقلت إن لبوس الملاك القادم لبوسٌ يمتلئ بالشر، وتساءلت لِمَ لا يبعث الله ملاكاً خاصاً بي ، ويقبضني إليه بنفس رضية ويد هادئة فيكون موتي كموت جارنا، هادئاً هانئاً بلا غصّة. جارنا أنت تعرفه بالتأكيد، لقد مات على فراشه… ما أهناها من ميتة...

وهنا قاطعته:

ـ سألتك أين كنت، فأخذت تحدّثني عن قطة سوداء، لماذا تتهرب من الإجابة؟.

ـ صبراً فأنا لا أهرب من الإجابة على سؤالك. إن القطة ستأخذك إلى حيث كنت. بعد قليل تابع:

ـ كما قلت لك، كانت أشبه بنمر جائع، وكنت شبه مقعد،ولأني كذلك اخترعت سندباداً. كيف؟ لا أدري؟ وبدأت المعركة. كان التفاوت واضحاً وجلياً بين إمكانية كل منا أنا والقطة. كانت أسرع مني وأقدر بالتالي على المناورة، وكنت برغم اختراعي لسندبادي ـ ولا يفوتك طبعاً الاختلاف بين سندبادي وسندباد ألف ليلة وليلة، ولا الاختلاف بيني وبين الشيخ العجوز في ألف ليلة وليلة ـ أقلّ قدرة على المناورة. كان انتقالي من مكان إلى آخر بطيئاً، ولإتلاف هذا العيب اعتمدت على يدي اللتين، ما إن تقترب القطة منهما حتى تُواجه بلكمة قاسية. دارت رحى المعركة، ليس من غالب ولا مغلوب. غافلتني كثيراً، وخرمشت وجهي، وتمكّنتُ منها ولكمتها عدّة لكمات في خاصرتها، وفي وجهها. كنت خائفاً إلى أن صرت في وسط المعركة، وأمدّني الانفعال بطاقة عالية وحيوية تكاد تكون بلا حدّ، على الاستمرار في حربي معها. ثم إن تعلّقي بالحياة، دفعني إلى الاعتقاد بأن القطة حيوان احتوى روحاً شريرة، ولذا فعليّ مصارعتها حتى تكون الغلبة لي.

بعد أن تمكن الإرهاق منا خرجت القطة وتحاملتُ على نفسي، وجريت وراءها، يحملني سندبادي. قطعنا أراضي واسعة وممتدة حتى وصلنا جزيرة كأنها ليست من عالمنا. والحق أقول لك لم أر في حياتي جزيرة تماثلها بهاء وروعة. هي باختصار روعة للناظرين كما يقال.

هنا توقف، وأشعل لفافة تبغ. انشددت إلى روايته، وانتابتني المتعة، لذلك رحت أسأله مخفياً شغفي بما يرويه:

ـ وماذا بعد؟

ـ كان في الجزيرة ما يسحرك، ويبهج روحك. كانت قبل شيء غنى للعقل والنفس. ما إن دخلتها حتى اختفت القطة.

تغيرت ملامحي وتبدّلت طباعي، ولعلمكَ لم أتذكر هذه الأحداث، إلا عندما رأيتك.

كان من سمات هذه الجزيرة، أن النور يغمرها على مدى اليوم، فلا ليل ولا ظلمة بل شمس ضاجّة بالنور مترعة به، حتى فاض عنها، فإذا به يفرش أرض الجزيرة وترتديه أشجارها، وتغرّده طيورها، فلا تملك أن تقول سوى إن الحياة هنا باسقة، ريعانه ريّانة كما ليس في أي مكان. حياة بسطت جمالها الأخّاذ، وأشرقت فيها الربوع بآلاف الأمنيات. وليس من حدود لهذه الجزيرة، لا بحار ولا محيطات ولا أراضي، فهي على أبعد من مدّ البصر. فيحاء غناء. ما إن دخلتها حتى عاودني نشاطي، وبدأت أسير على قدمين قويتين قاطعاً مسافات طويلة دون إحساس بالتعب، هكذا حتى وصلت جدول ماء تحفّه الأشجار والأطيار، وتغنّيه الحناجر رقّةً وسلسبيلاً، ثم سمعت صوت خريره، ورأيت ساقين تداعبان ماءه. ما أجملهما من ساقين. أمعنت النظر، فأبصرت فتاة غاية في الجمال والصبا. كدت أفقد عقلي من فرط جمالها، وتذكّرت شعراً

ألقت إلى الماء حجلاً لفّ ناصعة      كأنما فيه ريّ الماء من غلل

تقدمت منها، حييتها، وسألتها:

ـ ما اسمك؟

فأجابت:

ـ شهرزاد

وقلت مندهشاً:

ـ شهرزاد صاحبة الروايات الشهيرة!!

فأجابت:

ـ أجل

وازددت دهشة، وغمرني الذهول وبصعوبة سألتها:

ـ ولكن كيف ؟ . أقصد إذا كنت  شهرزاد فأين شهريار؟

ـ أمامي. 

ـ أين لا أراه؟

ـ ألا ترى نفسك، هل بك علّة؟                                                                                   

ـ ماذا؟!!   ماذا تقولين ؟

ـ أقول إنك شهريار الخائف دائماً من الموت والقاتل مع كل إشراقة صبح أنثى جميلة.

ـ هذا هراء، فاسمي عبد المهيمن، مواطن عادي، ولم اكن يوماً ملكاً.

ـ ليس هراء، بل حقيقة فشهريار وعبد المهيمن شخص واحد.

ـ هذا محال!!

ـ بل واقع.

ـ كيف؟

ـ ببساطة، فلقد اكتشفت يوم تزوجتني أنك إنسان قبل أن تكون ملكاً، وعاد إليك صوابك فسمّيت نفسك عبد المهيمن يوم أدركت أن ملكاً أعظم منك، حسب تعبيرك، لا يغفل ولا ينام.

وهنا توقف، ثم استلقى على ظهره، وراح ينظر إلى أعلى، وما لبث أن أغمض عينيه. أحسسته يدخل في هدأة كهدأة الليل، مسترخياً يغفو من بعد تعب.

أدهشني ما سمعت، وراعني يقيني الثابت المكين، من أنّ هذه الجزيرة، رأيتها ولكن أين لا أدري، ربما في المنام، وراعني أكثر أنني يوماً ما لعبت دور شهريار وجرى بيني وبين شهرزاد مثل هذا الحوار.

اختلجت جوارحي، وانتابني كثير من الخوف، ولعلعت أعطافي به. وما انتبهت إلى نفسي إلا وأنا أصرخ كالمحموم من أنا ومن تكون أنت؟.

صحا من غفوته، وبهدوء سألني:

ـ ما بك؟

ـ لا شيء. أكمل حديثك.

ـ دعني الآن.

ـ لا. أكمل وإلا سحقت عظامك.

ـ ولكن لم يعد لدي ما أحكيه..

ـ كيف!!

ـ بقي أمر واحد وتنتهي حكايتي تماماً..

ـ ما هو؟

ـ تركتني شهرزاد وراحت بعد أن دلّتني على نفسي. ثم أخذت أسير كالمتخاذل فإذا أنا أمام نار هائلة، لا تُوصف، وليس بإمكاني أن أنقل لك من وقائعها ومن حالي، غير ذلك الهجير اللافح، وصراخي الذي اخترق السحب الإلهية.

ما هو عجيب ومذهل أني والنار تطبخني وتسلخني ثم يُعاد بنائي ثانية، وأُطبخ وأُسلخ من جديد، أني وأنا في هذه الحالة، تراءت لي القطة، وتخيلتها في وضع الهجوم، ورأيت شهرزاد متشفّية. كانت في غاية الابتهاج، وكنت أموت وأحيا وأتذكر آية "وإن منكم…" ثم مددت يدي متوسلاً ومستنجداً، ولكن عبثاً. فقد ظلّت تروح وتجيء، من غير أن تمسسها النار، في ضحك وابتهاج. 

 الرقة ـ 1999 

 

أضيفت في 06/01/2005/ خاص القصة السورية / المصدر: الكاتب

 

كيفية المشاركة

 

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية