|

بطاقة تعريف الكاتب:
ماجد رشيد العويد

سوريا ـ الرقة
له عدة أعمال مطبوعة منها:
ـ بصوت خفيض ـ قصص ـ دار الحوار 1995
ـ الغمام ـ قصص ـ دار آرام 1999
ـ قصة التسعينات ـ مشترك 1999
ـ الموت الأصغر ـ قصص ـ وزارة الثقافة السورية.
الدوريات والصحف المحلية والعربية
ـ أنشر في الدوريات العربية والمحلية منها على سبيل المثال مجلة الكويت، مجلة
البيان.
سوريا ـ الرقة ـ ص . ب ـ 290
 


نماذج من أعماله

السادن
نعم أخشاك
وكيف لا أخشاك، وأنت أصلي ومبتدئي، وأنت مهجة روحي، وما خشيتك إلا لكي أتمكن من
إنسانيتي الضائعة وربما الضالة، فأحيا وسط الركام البشري محترماً بهي الطلعة
والطلّة، وأما الجرأة بغير تعقّل فصفاقة مأفونة .
في الحلم – ولم يكن من الأضغاث – وبعد طول تدرب ، جاءني أنه يجب أن أغسل ما علق
بكم من أدران ، أقصد ذلك الغبار الذي تراكم فوقكم ، فوق حجركم .
صحوت من الحلم أو ربما من الضغث لا أدري . ومن فوري وعلى إيقاع العجلة اتجهت
إلى الميدان الواسع، المحشو بالناس الصغار والكبـار، الأصحاء والمـرضى. قلت من
هنا أبدأ. لحظات لا أكثر وانفجر الماء قوياً مثيراً الدهشة على الأفواه
الفاغرة. قلت للناس:
ـ يا ناس هذا الميدان مبارك، فلنتعاون على حمايته وحراسته من ضعاف النفوس.
هذا القول كررته كثيراً. فزت في النهاية بتثبيت نقطة الحراسة، وأقمت فيها إلى
حين حضوري إليكم. لسنين عدّة وطوال هذه الأعوام وأنا أغسل الميدان وحجره، وأسقي
ورده.
دلقت عند جنباته كل شبابي ومبتدأ كهولتي. كنت أرى فيه بقاءنا ولا شيء سوى
بقائنا. على أنني وفي غمرة انفعالي بنقطة الحراسة المحدثة، وفي غمرة التوق إلى
إحداث نقاط أخرى، وفي غمرة توقي إلى حماية الميدان، ومراقبة الطـرق المنتهية
إليه، رأيت ركناً يمسخ كلباً ضارياً جبّاراً. وفي لماحة نادرة أدركت أني إن
تركت له أن يتابع انمساخه سيفتك بي وبغيري من الناس الذاهبة والآيبة، والثاوية
في بيوتها. كان كلباً غير مبال، طائش النظرة، أحادي التوجه، ذا نـزوع كفري
ولهجة استفزازية.
كنت مصيباً فيما رحت إليه من حدس بشأن الكلب، فلقد اتجه إلى قلب الميدان
مباعداً ما بين ساقيه ليبول. قلت له:
ـ يا كلب لا تتبول هنا.
لم يستمع إلي ولم يعرني التفاتة. أيقنت أنه كلب ضال فدفعت إليه ثلاث طلقات،
اخترقت دماغه، وعظام صدره وخرّ من لحظته صريعاً، فأي جرم في مقتل كلب؟
إن لي حاسة لا تخيب في قراءة الأفكار، وليس من عبث ولدت هذه الحاسة، فلو لم
أقتله لعاش وأنسَلَ وكوّن عصبة مسعورة تهجم في كل اتجاه دونما وازع. وبفضل هذه
الممارسة أوتيت مقدرة الكشف عن خيارات هذا الكلب. أقصد ما كان كلباً بعد انمساخ
سريع وصار جثة هامدة، ورأيت أن الرصاصات رحمة للناس من عذاب لا يطاق.
لم يكن الميدان ميداناً عادياً، ولا الساحة كانت كذلك. كانت تنتهي إليه أربعة
شوارع عريضة فارهة بأرصفة محددة بحجارة بيضاء وسوداء وكان محاطاً بأبنية ضخمة
وعبر الشوارع هذه يتم الانتقال إلى أرجاء المدينة كافة، لهذا لم يكن عبثاً أن
أطالب بتثبيت نقطة الحراسة.
أسوق إليك ما جرى دونما منّة في سوق هذه الأخبار. لو كنت مكاني لاتخذت إجراء
مماثلاً حاشا لله أن أتشبه بك، ولكني أفترض، إنه مجرد افتراض.. فلا تغضب يا
سيدي وتثار. قبل خدمتي كان الميدان يغطّ في سبات عميق. كان هامداً على نحو ما
فاتر الحركة ، متكلّس الروح . مع وفودي إليه ، وحلولي في أرجائه حارساً انقلب
الحال .
قرأت تاريخه منذ التأسيس، أنشأت معه روابط أثمرت ألفة خاصة. دفعت إلى حناياه
روحاً طقسية دؤوبة. بدأت أنظفه بهمة عابد متعبد .. أنظفه آناء الليل وأطراف
النهار. ولم أكن أنظف المكان من الغبار والأوساخ فحسب، وإنما أيضاً من السقطات
والزّلات اللسانية والعقلية. كنت في هذا لبيباً وعلى السجية. لو انتهيت إلى غير
هذا لبسط ذراعيه، وإذ يبسط ذراعيه ندلف على غير إرادة منا إلى تلك الظلمة
السحيقة. كانت الرصاصات وأداً لولادة مشبوهة.. ولادة مشوّهة، ورفضاً لتنويم
عميق وطويل في مهاد الظلمات. نعم سيدي، لقد أردت الدلوف إلى عمق العصر معانقاً
الزمان في تفاصيله الدقيقة والرهيفة.
اخترت درباً شاقة وعرة، وقلت: إني في محنة وعلي اجتيازها. لقد لامست بعض التصور
لتلك المهاد البعيدة، كنت كأني أدخل إلى قاعها، وإلى عمقها، مرهف النفس، ممزق
الوشائج. وقدماي ... نعم قدماي أبتا إلا ذلك التلبث الوجل، فتسمّرت في مكاني
أستجمع قوتي وأصرخ بأعلى صوتي قف يا كلب لا تتبول. كان لابد من خيط نور أشرخ به
الظلمة المحيطة عندها انطلقت الرصاصات مخترقة رعبي وصمتي الطويل، ومحلّقة
كالراية على أعمدة إرادتي الوليدة في اختراق ذلك السكون، وتلك الظلمة التي ملأت
الدروب، وغلّفت العقول.
هأنتذا تحب أن تعرف عني تفاصيل أخرى غير عملي. لا بأس، فأنا شيخ هرم أسعل من
تواصل الأيام، وألجّ من استمراري في كنفها شيخاً وتّره الدبيب العجول لكائنات
ربمـا بلهاء.
وبرغم همّتي الوقّادة، وانسَ أني شيخ، برغم همّتي هذه، بدأت أنسحب من الحياة
مكتفياً بما توفر لي من البقاء حياً في ربوع ميداننا المقدس، أقرأ تاريخه وأدرس
حالاته فأكتسب منه وقادة الحس والشعور، فمنه وعبر مناجاتي لروحه ازددت تجدداً
فأحسست في لحظات أني شاب في مقتبل العمر وفي أول عطائه، أطير قاطعاً سبع
سماوات، وإن شئت داخلاً إلى سبع مفاوز. كنت على شفا امتلاك القدرة على تحليل ما
لانبساط ذراعيه من معنى.
كان الطريق الذي سرت فيه معتماً إلى حدّ يجعلك تطفح بالأسى، كان كالكهف في
ظلمته والتوائه ووحشته. وكانت الغرفة التي انتهيت إليها ضيقة جداً، عطنة
الرائحة وجدرانها نزفت البقية الباقية من رمق يتهتك وسط ما يشبه كهفاً عتيقاً،
أناجي ببقية ضئيلة من شهيق ينفد تلك الرسوم التي تراءت لي والأوراق التي خيل
إلي أني أراها. قلت له للمحقق: لابد من هذا الانعطاف ليستعيد ميداننا بهاءه.
قال لي: أزهقت روحاً.
فقدت في مواجهته كل قدرة على الاختيار. قال إني من السافلين، وإن مثواي جهنم
وبئس المهاد، وقال لي ستعيش ميتاً في جحيمين، ثم أضاف جحيماً ثالثاً. لمّا أردت
أن استفسر علمت أن جحيماً ساقه إلي بنفسه، وان الآخر في الأعالي وبينهما سيكون
جحيم القبر وأردف: سأقبرك سريعاً أسرع مما تتصور وستتضور في الجحيم فإلى أن
تنتشر الصيحة نحتاج إلى عدد هائل من السنين سيكون جحيمك الأوسط ترعى خلاله
الديدان جسدك. وسيكون القبر مثوى لاهباً تضج خلاله نفسك أو ما بقي منها. ولا
أخفيكم أنه ارتعدت فرائصي، وجن حلمي من الصورة التي رسمها المحقق دونما جرم
يذكر سوى أن كلباً ضالاً تبول، ربما سهواً وافترضتها عن قصد، فدفعت إليه ثلاث
طلقات هشّمت عظامه ونخاعه. وتساءلت عن مصيري في ملاقاة جهنم الثلاثية الأمكنة،
وتذكرت عذاب القبر وحكايات الجدات، وقلت ربما سأعانق النيران لأنني سهوت عن
الكلب فبال، وقلت ربما لأنني قتلته ، وأضعت نفساً بريئة بغير ذنب يرتكب. ثم
توقفت كالمستدرك، وقلت متسائلاً أيبول ولا يكون مذنباً ؟
هيئة المحلّفين نقضت حججي حجة بحجة، ولما كانت هذه الهيئة تصاب بعسر في
الاجتهاد، يتوالى الطرق على المنصة فأصمت بدوري مدركاً خطأ حجتي وبطلانها،
ومدركاً كذلك فداحة ذنبي.
قلت لهم:
ـ لقد بال، ولو لم يفعل لما قتلته !
قال لي المحامي:
ـ ولكنك زهقت بغير ذنب نفساً بريئة.
ـ ولكنه كلب ضال، ثم إنه بال.
وردّ القاضي:
ـ ليس التبول جرماً كافياً لإطلاق الرصاص!
قلت في نفسي، والإرهاق باد علي: لِمَ لمْ أدعه يبول ويرحل وماذا كان يضيرني لو
تبول؟ وكأسرع من البرق غاص السؤال في أعماقي، وعملت بالسرعة ذاتها على نسيانه،
ذلك أن مجرّد التساؤل يعني اعترافاً بجريمة منسوبة إلي. بعد انبثاق السؤال على
شكل رغبة زلّت ، فعلتها في سروالي!! اللحظة ساخنة كأنها النار، والشياطين
الثاوية قامت من أعماق القماقم تحيي وعلى طريقتها رقصة الموت التي دفعتني إلى
حلقاتها مسحوباً من نواصيّ جميعاً. بعد ذلك استقررت في تابوت، وكنت داخل
التابوت جثة تسبح في الماء، وكان هذا المشهد أقرب ما يكون إلى الحلم.
عبر الحوار المبتسر اكتشفت جريمتي، أعني عرفت سبباً من الأسباب التي أفضت بي
إلى هنا، حيث التحقيق والتكفير، ثم توالت الأسباب التي دلّتني على إقدامي غير
الممنون على خرق ستر الظلمات، وقتل الكلب المبارك. آنذاك وبعد شبه اقتناع بأنني
مارق كافر، قررت أن أطلب العفو والرحمة. قرأت في السر والعلن الفاتحة وآية
الكرسي، وقرأت كل المعوذات. كنت في لحظة من لحظات التجلي والصفاء طائراً على
بساط من الكشف لا يكون إلا لنبي، مدركاً حجم ما هو منسوب إلي، ومؤمناً بحجم
عقوبتي فلا أقل من الاستغفار وطلب التوبة والرحمة بالإكثار من الركوع والسجود.
وفجأة تساءلت كيف أدع الكلب يسهو؟
قلت لا بـد أنني سهوت عنه فسها ثم بال، ثم أطلقت الرصاص فأزهقت نفساً زكية.
غفوت غفواً لائذاً، وتساءلت بصمت عميق كيف هي نفس زكية في لبوس كلب ضال؟ إن
فعلَ بال وحده، كاف لنثر الموت. وأكثرت من الأسئلة والأجوبة حتى شعرت بدوار
يحطم رأسي.
قال لي محامي الكلب:
ـ أنت تترك الناس حتى ساعة متأخرة من الليل، فينام أكثرهم في الميدان، وفيهم
لصوص يقطفون ورده، وبعضهم يكتب عبارات لا تليق بالذوق، وبعضهم يتشاجر، كل هذا
وأنت غافل عنهم حتى جاء الكلب، وأطلقت عليه رصاصاتك الثلاث.
وقال لي القاضي:
-حطّم الناس إنارة الساحة دون أن تفعل شيئاً. فما معنى أن تقف عند كلب ضال؟
للوهلة الأولى صُعقت، فمن الغريب أن يقارن الناس بمسخ هذا للوهلة الأولى، وفي
الثانية تلاشت الصاعقة، وأدركت بما يساعد على قطع الشك باليقين أنني مذنب وغارق
في ذنبي حتى النخاع. عند حدود هذا الإدراك وبعد أن ملأني اليقين همـد خوفي،
وقلت لا بأس بها من رحلة في مهاد النار، وقلت لا مفر من التدرب على استساغة
المهل، وعلى التنفس وسط كتل الغساق.
تأجج شعوري بالذنب. غرقت في نوع من التبتل، ورأيت أن التوبة لا تصح بغير عقاب.
سألني المحامي سؤاله الأخير:
ـ ما الذي دفعك إلى زهق روحه ؟
ـ اعتقدت أنه من الكلاب الضالة، وأيضاً لونه كريه، وهو مخيف وشرس ثم إنه تبوّل.
توجه إلى القاضي يطلب إليه إعدامي لزهقي روح الكلب. انفرجت أساريري وأنا أرى
السعادة تغمر صاحـب الكلب ومحاميه. غمرني فيض لم أدرك كنهه وأنا ألمس تحقق
الناموس الكوني العين بالعين. لقد ارتفع شأن الكلاب الضالة. حاولت أن أُمسخ
كلباً ودعوت لأصبح كذلك. عوى صوتي ـ وأنا أنفق ـ في الصحارى الشاسعات مخبولاً
تائهاً تردد الرمال صداه وتُطرش الأزمنة
   
صمت المثّال
رأى الرجل الصورة، ونطّ قائلاً: عاش السلطان... عاش، عاش.
لم تكن الصورة بالطبع للسلطان المذكور آنفاً وإنما كانت لغيره، فثبت أن الرجل
معتوه، وربما فاقد الذاكرة، ولوحظ عليه وهو يقطع الشارع أنه يلتفت كثيراً
يميناً وشمالاً فاغراً فمه، وتبدو عليه الدهشة. وكان كلما اصطدم بأحدهم، صاح:
عاش، عاش، عاش.
على أنه فجأة بدا يرى الصورة، من أمامه ومن خلفه، ومن فوقه ومن تحته، أو لعله
هكذا اعتقد، ولكن يقينه كان ثابتاً في أن الصورة يجب أن تعيش، وأن تتخذ لها
ركناً من كل حائط على طول الديار من البحر إلى النهر. وبإيمانه هذا رآها باسمة
في قوة، وهي تتخذ مكانها المبارك من البلاد. ولما كان لا مفر من تحيتها انطلق
ثانية يصيح وبصوت جهوري: عاش، عاش. وعند هذه اللحظة، اصطدم بجدار أثار غضبته
فانطلق يسب الطين الذي بني به. أثناءها كانت عيناه، اللتان غارتا في محجريهما،
حمراوين ربما من الصدمة، ثم ما لبـث أن رفعهما فرأى الصورة في جلالها ومهابتها،
فارتعدت فرائصه، ووقف شعر رأسه وتلعثم لسانه، غير أنه ما لبث أن استجمع ذاته
وتتالت منه الاعتذارات للصورة الباسمة، حتى أنه قال في علانيته وسرّه: قبح الله
العجلة، ثم حرك رأسه المائل باتجاه الأرض يميناً وشمالاً وبدت على شفتيه
ابتسامة بلهاء وتابع سيره وهو يقول: قبح الله العجلة.
بدا له الشارع طويلاً لا ينتهي، وعميقاً بلا قرار، مزيناً على الجانبين بالصورة
الآخذة في التناسل، حتى كأن المكان غرق في بحر من الألوان والبسمات، وتلك
النظرات الحادة...
اختار واحدة بالطول الكامل والمجسم وبالألوان، رُصّعت أطرافها بشرائط من الذهب
الخالص، نظر إليها نظرة متأملة فبدا له الشارب وقد زينته بعض الشعيرات البيضاء
فقال في سره: إنه الوقار والحكمة ثم نظر إلى المجسم بكليته فأبصر عباءة تلفه
بالكامل فقال في سره: يا لروعة التراث!!. أما الكفان فقد أحكما قبضتهما على
العباءة من الوسط فقال علانية: يا للقوة!! أمعن النظر فرأى الماء يسيل غزيراً
من على جانبيه. شرب كثيراً من بعد عطش ثم قال: حقاً إنه ماء فرات مستساغ. عند
ذلك رفع يديه بالدعاء وتابع سيره.
في الطريق إلى بيته شاهد رجلاً أغبر كأنما خرج تواً من قبره، حاول أن ينفض ما
تراكم عليه من الغبار إلا أنه تراجع في اللحظة الأخيرة، ثم استوى بدوره في
الشارع، وأجال في المارة نظرات سريعة وخاطفة وصاح: يعيش، يعيش، ثم تابعا سيرهما
رفقة وكأنهما يعرفان بعضهما منذ زمن بعيد. سأل صاحبنا الرجل الأغبر:
ـ أين كنت؟
أجابه، وقد عدّل من هيئته، وكأنما يملؤه شعور بالفخار:
ـ كنت أضع جماعتي في وضع التهيئة فتتوحد الأصوات في كلمة "يعيش" فنسحق بها
أعداءنا. أما علمت أن المتربصين يريدون شراً بنا؟
ـ ولكن لماذا أنت ممرغ بالتراب هكذا؟
ـ وكيف تسألني مثل هذا السؤال؟ ألا تعلم أنه يجب علينا أن نقدّم فروض الطاعة،
ثم ألا تعلم أنه قدس اللهُ سرّه يحب أن يُبجل؟
ـ بلى أعلم ولكن ما دخل هذا التبجيل بالتراب الذي يملؤك من أعلاك إلى أسفلك؟
ـ وكيف لا؟ كان يجب علي أن أتمرغ بالتراب، لقد جثوت على الأرض ثم مرّغت جبهتي
ثم كامل وجهي. كنت أقدم له التحية الواجبة لمثله من السلاطين. وأنت ألا تفعل
هذا؟
وهنا أحس صاحبنا بأنه كمن وقع في كمين، وليتدارك أمره قال:
ـ بل أفعل أكثر من هذا، لقد قلت إنه معصوم، وإنه لا يأتيه الباطل من بين يديه،
ولا من خلفه. وكيف لا؟ ولكن ألا ترى أننا لسنا في وضع نخاف فيه الخسارة، نحن
أقوياء بما فيه الكفاية. ثم اعلم أن الصورة مزينة بشرائط من الذهب تجري في
عروقها روح سماوية.
كانا كل منهما ينظر إلى الآخر نظرة مملوءة بالريبة، ولذا فقد ظهرا وكأنهما
يتربصان ببعضهما.
تابع سيره إلى بيته يعبر الجسر فوق ماء متلاطم يخبط بعضه بعضاً، كما نفسه
والبلاد. ألقى نظرة على الماء وأخرى إلى السماء التي بدت حيناً صافية رائقة،
وبينما هو كذلك، وعلى غفلة من نفسه صاح: عاش، عاش. وما إن وصل إلى نهاية الجسر
حتى تلفّت يمنة ويسرة، وفجأة اصفرّ لونه، وانتفخت أوداجه، واضطربت الحروف في
فمه، ثم انطلق يركض متحولاً عن الإسفلت إلى الطرقات الترابية.
**
بدت حالته تزداد سوءاً، منذ بدأ بنحت مجسّمه الذي أعجب به لاحقاً، كانت الصخرة
من أمامه كتلة هامدة بلا حياة تحتّها الريح ويد الزمان. وبوحي من إيمانه المكثف
والمتصاعد بمنحوتته، ومع كل مرحلة من مراحل التشكيل، كان يهزّ الصخرة ويعبث بها
من جوانبها كافة، ثم يصيح: أخرج، وعش. كانت تلك هي الفكرة التي آمن بها، وبأن
من رحمها سيخرج ثم يفيض منه العالم. ومع كل نفثٍ للكلمة " عش " كان يحس بالروح
تنبثق من حبيبات العرق المتلألئة على جبينه، حتى أحس أو هكذا اعتقد أنه يلامس
الروح ملامسة، ثم يقبض عليها، ثم يدفع بها إلى رحم هذه الصخرة الرجيمة التي
تفجرت عن عيني صقر تعلوهما جبهة عالية. عينان من نار تعلوان أنفاً قُدّ من
الرّوع، فوق فم لم يعرف الابتسام يوماً. كل هذا في جمجمة على غير جنس، وعلى غير
مثال.
مع ضربة الإزميل الأخيرة بدا له التمثال حاد الملامح، ينطق بالجبروت كلُ ركن
فيه. وهنا شعر بأنه بعث في الفراغ سيدَه ومالكَه.
قالت له نفسه بعد أن انتهى من عمله:
ـ ولكن أنت من نحته، فكيف تكون عبداً له؟
ـ لأني عبد شهواتي ورغباتي والتمثال غاية المنى على هذا الصعيد هل فهمت؟
ـ وهل غاية مناك في أن تكون بوجوده بلا فائدة؟
ـ ليس الأمر على هذا النحو. أنا أمثل الفكرة وهو يمثل القوة، وهكذا سأظل
مسيطراً عليه.
لم يتمالكا هو ونفسه أمرهما فانفجرا مغيظين، تسيل من جنباتهما اللعنات. كانت
اللحظة بينهما غاية في التوتر، وكاد أن يحطم ما صنع لولا تلك الرغبة المجهولة
التي تملؤه. وهنا قال للتّمثال:
ـ انهض وكن كما أردت لك أن تكون.
**
برغم الحجم الهائل للمنحوتة فقد أصر المثّال على جرّها بمفرده إلى المكان
المخصص لها. وكان هذا الإصرار من باب التبجيل لسيد على غير مثال، يشع جمالاً
وينطق حكمة. غير أنه وبعد مضي الوقت، لم يفلح في جرّه إلى حيث يجب أن يكون.
وحاول مرة واثنتين وثلاثة.. أنهكه التعب وقذف به الجوع إلى الأرض مستلقياً على
ظهره يلهث مثل كلب أجرب. وبينما هو في استلقائه بين لاهث تارة ومحدق في السماء
تارة أخرى، فاض منه إلهام لا يدري إلى اليوم مبعثه، ولطالما تساءل أهو من النفس
أم من الروح أم من العقل أم منها جميعاً. ولكن، وهذا هو المهم، قفز قفزة واحدة
فإذا به يستوي واقفاً على رجليه بكامل قوته وعافيته، ترقص من الحبور ملامحه.
ألقى على التمثال نظرة فرح ممزوجة بالطاعة والتبجيل، ثم نادى بصوت يملأ الآفاق:
ـ سأجرّ إليك الساحة، بل ومدخل المدينة أيضاً أيها المبجل، ثم لتحلّ علي من بعد
ذلك بركتك.
بإلهامه هذا راح يرقص في تلك الأرض المنبسطة. غير بعيد منه لاح النهر فانطلق
إليه، ثم ألقى بجسمه في مياهه سابحاً في لهو ومرح.
**
في زمن قصير ـ لم يملك أهل المدينة والمثّال حسابه ـ أفاق الجميع ليروا أن مدخل
المدينة قد تحول إلى الجهة الأخرى من النهر، فاستبشروا خيراً بهذا التحول
المعجز، ومنّوا الأنفس بالرفاه. أثناء ذلك كان المثّال يضع اللمسات الأخيرة على
الساحة وعلى مدخل المدينة بحيث يتوافقان مع الحجم المعنوي والروحي للحجر الذي
نطق فوعى وأوعى، وبصر وأبصر. وشارك الناسُ المثّالَ في أعمال التزيين.
إلا أن التمثال لم يسترح في المكان الذي جاؤوا به إليه، فعمل على تغييره بعد أن
دبت الحياة في أوصاله. وبقدميه الرهيبتين حطّم وهو يمشي كل ما يعترضه فحوّل
المدخل الجديد للمدينة مع حي بأكمله إلى أنقاض. هذا عدا عن العديد من الجثث
التي قضت، ثم استلقت على الأرض استلقاء عبادة، غير آبهة بالمصير الذي انتهت
إليه. فهي وإن ماتت وتحولت إلى جثث متفسخة باعثة رائحة واخزة إلا أنها في موتها
هذا إنما تبعث مزيداً من السنين في حياة التمثال المبارك الذي انتهى به مسيره
إلى أعلى سنام من البلاد. وأما، بقية الناس فأصابهم عته شديد. وشيئاً فشيئاً
تحوّلت " عشْ " الآمرة إلى " عاش " المنطوية على نفسها، والمتخمة بصنوف من
العزلة والخوف. وما لبث المثّال بهذا أن انتحر بصمت أبدي خالد.
الرقة ـ 2002
   
مضغة
سعت جاهدة كي تثقب جدران الرحم المعتم. كانت محاولاتها تذهب سدى، فلا خروج ولا
انبعاث قبل الأوان. ورغم يقينها من هذا فقد كانت مضغة متمردة، اعتقدت جازمة
أنها لا يبليها الموت وأنها خالدة وأنها برغم ما سيكر من القرون لن تنقلب، لا
الآن ولا بعد اكتمال التشكل، إلى رميم وستتفوق على أقرانها بالعبقرية النادرة
والصدر المنشرح والنفس الهادئة التواقة.. نعم التواقة، واستدركت متسائلة، ولكن
إلى ماذا؟ هو ذا السؤال ما يبرح يؤرقها ويضنيها بالرغم من أنها تمكنت من
الإجابة السريعة: تواقة إلى النعيم بعد أن ملكت زمام الطمأنينة منذ تبلورت
مضغة، قطعة لحم صغيرة، تائهة في ظلام رحم سيكوّنها بعينين وأذنين ويدين ورجلين،
ولعلها حازت هذا الزمام منذ لحظة الالتحام الأولى أو قبل ذلك يوم ارتقت النقاط
والحروف صدر اللوح العظيم.
ثابت إلى رشدها ثم تمطت وتثاءبت. لم يكن بمقدورها الخروج فعادت إلى السباحة في
عالمها المظلم فاستغرقتها الأفكار ثم قالت: ماذا لو لم أتحلل بعد الخروج؟ إن
حدث هذا لهو الإعجاز الفذ النادر ولا إعجاز بعده، وانبسطت أساريرها وهي ترى
امتزاج الأرض بالسماء، وأن نشوراً يلوح في الأفق ثم فكّرت قائلة: لعلّ ما يلوح
في الأفق يعمل على إزاحة ما يكتنفني من قلق.. ودون وعي منها صاحت يا الله ثم ما
لبثت أن تنبهت إلى أن الظلمة تستغرقها بالكامل.
تابعت سباحتها. لقد راقت لها فكرة الانزياح أو انزلاق ما بها من قلق. وتمنت لو
تنزلق من سجنها ثم تطوف في الأرض تكسب ذهباً ومالاً وتراثاً لا يبيد منهما،
تراثاً طلاه لبُّ العقل بماء الحياة.
تملّكها الضحك وسرت فيها النشوة ممتزجة بلزوجتها. وفجأة وكالحمم المقذوفة من
فوّهة بركان وبسرعة هائلة لا تُحسب انبلج نور هائل، فضاء من بياض بلا صراخ. غاب
الجوف المظلم وانفتحت المضغة على عالم متعدد الأنواع والأشكال. كتل من المارة،
وجوه جامدة وأخرى تسري في عروقها الحركة سرياناً خجولاً.
فوجئت المضغة بأنها صغيرة، تافهة بلا ملامح تتقاذفها الأرجل وتصير محط بصاق
الشامتين والقلقين والموتورين. ولا تدري كيف استقرت في فم جائع أنهكه السغب
فراح يلوكها ويلوكها ثم يقذف بها من فمه لاعناً وشاتماً متهماً إياها بالنيئة
المنتنة. ولكن كيف تكون كذلك وهي التي ستغدو بملامح تطفح بالعبقرية والانشراح؟
وفي غمرة انهماكها في أفكارها قفز منها الفرح قفزة ظافر وقالت: لابد أن الناس
على غفلة من أمرهم ولو لم يكونوا كذلك لأدركوا ما للمضغة عليهم من حقوق، ألم
يكونوا كذلك جميعاً؟
تابعت سيرها، وخوفاً من أن تدهسها أقدام المارة التجأت إلى حفرة صغيرة ومن هذا
المكمن راحت تنظر إلى الناس بعينين ستظهران بعد حين. ثم كأنها قالت سأكون يوماً
مثلهم أدب كدبيبهم، وأسعى كسعيهم، وعلى حين غرّة دهمها السؤال ترى ما مصيري
وإلام سأنتهي، ترى سأكون ذكراً أم أنثى؟ ولأنها عجزت عن تحديد جنسها، استسلمت
إلى عزاء وجدته مقبولاً عندما قالت لقد تداخلت الأجناس في هذا العصر ولعلي وأنا
مضغة خير مني وأنا محددة الملامح.
ولتكرس هذا العزاء محوّلة إياه إلى يقين استسلمت لسنة نوم، وعلى إثرها صحت
مذهولة يملؤها العجب وهي ترى الناس مضغاً متشابهة يستوي في ذلك كبيرهم وصغيرهم،
مضغاً لا تملك من أمرها شيئاً محشورة على الأرض بلا ملامح.
   
في الليلة الأولى
لم يكن الملكان الشقيقان يسهوان عن أداء واجباتهما. كانا مجهزين بوسائل للكشف
عن المجرمين أثناء إقامتهما جلسات التحقيق في القبر الذي كان يضيق على المجرم
ويتسع..
من هذه الوسائل، تكسير العواتق وفقء العيون، والإطاحة بالعقل الآدمي. فما إن
يسجى الميت ويسوّى في قبره حتى يبدأا الحساب. ومن قبل أن ينفض المشيعون ينهال
الطرق على الجمجمة إلى أن تطقطق، وعلى المفاصل فيئن الميت أنيناً صامتاً. كذلك
فالملكان لا يكلان ولا يملان، فهما وقد زُرعا في القبور زُرعت فيهما الرغبة
باجتثاث الشرور. ولإنجاز هذه الغاية إنجازاً تاماً نراهما يقطّعان الميت شلواً،
شلواً في المساحة الضيقة فتصيح القدم ويئن الساعد، وتزرق الوجنات من شدة
اللطمات، وهما من فوقه قائمان يعدّان عليه ذنوبه ومعاصيه.
الميتون في هذه الآونة، وبفعل جوعهم المستديم، امتلأت أكتافهم بالآثام من دون
أن يحسب الملكان حساباً لحسنة استطاع المفارق لحياته تسجيلها برغم الصعوبات
والعوائق.
على أنه اختلط الأمر على الملكين فلم يعودا يميزان الخبيث من الطيب، ولا الحي
من الميت. استبدلا موقعيهما، وانهالت على العواتق الضربات فصاح الحي وسكن
الميت.
***
كان الرجل يحتضر على فراشه عندما اجتمع إليه أولاده الثلاثة. كانوا ينظرون إليه
نظرة حزن خالطها سرور خفي، أما الأب فكانت عيناه في لحظات إبصارها الأخيرة ترصد
سقف بيته وجدرانه، فراعه أنه مفارق وتارك وراءه ثروة لا تقدر بثمن. حوّل بصره
إلى أولاده، ابتدأ بالكبير وصولاً إلى الصغير وقال لهم:
ـ لقد اقتربت نهايتي، وأريد أن تعاهدوني على أن ينام كل واحد منكم ليلة إلى
جانب قبري، وإذا لم تعاهدوني حرمتكم الميراث.
نظر الثلاثة إلى بعضهم، كانوا يعلمون أنه يفعلها إن لم يقطعوا له وعداً بالمبيت
عند قبره. قال الكبير:
ـ لك علينا يا أبي أن ينام كل منا سبع ليال بحالها..
وقاطعه الأب:
ـ لا، واحدة فقط.
وتعاهدوا على ذلك، ثم أسلم الأب الروح إلى بارئها، وسيق الجثمان إلى مثواه
الأخير.
مع حلول الليلة الأولى، اختلف الأبناء وتصايحوا وتشاتموا، ولم يرض أحد منهم
المبيت إلى جانب أبيه في ليـلة موتـه الأولى. وللوصول إلى نتيجة اتفقوا على
استئجار أحد الفقراء لقاء مبلغ مجز. جاؤوا بكاتب، وقال له الكبير:
ـ إن أبانا دفن اليوم، ونريد استئجارك للمبيت عنده ثلاث ليال حتى لا يتعرض
القبر إلى سوء، ونعطيك أجرك لقاءها خمسين ليرة ذهبية.
كاد الكاتب أن يجن وهو يسمع مبلغ الخمسين ليرة، فوافق على الفور ومن دون نقاش.
عند القبر ومع حلول العتمة تماماً، جلس، وإلى جانبه طعامه، يفكر بالمبلغ، وكيف
سيصرفه. وبينما هو يقلب المال بين يديه، سمع ضجّة اهتزت لها المقبرة. سأل ناكر
نكيرا:
ـ أترى ما أرى؟
ويجيبه نكير:
ـ أجل، أرى إنساناً حياً.
وعلى الفور خطر ببالهما أن يدعا الميت حيناً يفرغان خلاله للحي الذي يجلس إليه،
عند قبره. الكاتب ومن الضجة انتابه الهلع، نظر يميناً وشمالاً دون أن يرى
أحداً، إنساناً أو حيواناً، أو حتى أشباحاً. ليس سوى القبور ترتفع شواهدها، رفع
رأسه إلى السماء فرأى سوادها يشقّه طائران على غير هيئة الطيور. وجهان آدميان
بجناحين كأنهما من ذهب وفضة. وجل من منظرهما وهما يخرّان من أعلى إلى تحت.
أحاطا به، نظر إليهما ونظرا إليه، فارتجف وارتعدت فرائصه، وفجأة سألاه وبصوت
واحد:
ـ من أنت؟
تلجلج الكاتب، وتلعثم وتمتم قائلاً:
ـ أنا حارس.
ـ تحرس ماذا؟
ومن بين الخوف أجاب:
ـ أحرس قبر الميت، وأقوم بمؤانسته.
كان الكاتب في النفس الأخير، مصفر الوجه، مرتعد الفرائص. لا يعلم من أين هبط
عليه هذان الآدميان الطائران.
تبادل الملكان النظرات، وصفقا في الهواء، فإذا بين أيديهما صحيفة خرجت من
عاتقيه، من لدن الرقيب والعتيد. لحظتها أحس الكاتب بأن أحمالاً رهيبة هبطت من
كتفيه، ولا يعلم بالطبع كيف حدث ذلك. كانت صحيفة لا تغادر صغيرة أو كبيرة إلا
وأحصتها. حدقا فيها، وقال له ناكر بصوت هزّ أنحاء المكان:
ـ أنت عبد الحي، أليس كذلك؟
وأجاب وهو يرتجف:
ـ بلى أنا هو.
ـ وعملك كاتب وتوزع الصحف وتوصلها إلى المنازل.
ومن بين النفس الأخير أجاب:
ـ أجل...
وقبل أن يتم إجابته تلقّى صفعة من نكير الذي قال له:
ـ كل هذا وغيره كثير مسجل هنا على كتفك الأيسر. أنت كذلك تنقلها بأخبارها
الكاذبة، وتخدع الناس. لماذا؟
ـ لا ذنب لي، فأنا أنقلها من المركز إلى الناس كما هي.
ـ فما دينك؟
ـ الإيمان بالله.
ـ ومن ربك؟
ـ الله..
ـ فلم لم تمتثل لتعاليمه؟
ـ وكيف لا. لم أؤذِ أحداً في حياتي.
ـ ولكنك لم تطع أولي الأمر، وكنت تحرض الناس على الفتنة، أليس كذلك؟
ـ لا، غير صحيح..
وقبل أن يتم كلامه، حمله كل من ناكر ونكير إلى أعلى ثم خبطاه بالأرض.
ـ كل هذا مسجل في صحيفتك وتنكر؟
بدا على الكاتب أنه في الرمق الأخير مثل خيط متهتك. حاول أن يأخذ نفساً فلم
يتمكن إذ عاجله ناكر بضربة على أنفه فأطاح بالأرنبة.
ـ اعترف وإلا سحقنا عظامك.
ولكن بماذا أعترف؟ هذا ما حدث به نفسه. وتحت الضربات المتتالية، ومنظر الدماء
السائلة قرر أن يقبل بما هو منسوب إليه، فصمت صمت القبول. أما الليل فما يزال
ممتداً، باسطاً سواده على الأنحاء كافة. فقط حفيف السكون يهيمن على الأرجـاء،
وتصفيق أجنحة الملكين.
ـ لم لا تجيب؟
أثناءها أغمي عليه، بعد أن تلقى صفعة مدوّية بجناح نكير الأيسر فأطيح به،
وبينما هو على الأرض إلى جانب القبر، تحرك الملكان الشقيقان في المقـبرة في رصد
لها ولزبائنها الجـدد. وما لبثا أن عادا، فوجدا عبد الحي صاحياً فبادراه سائلين
وبصوت واحد:
ـ لا زلت هنا؟
وجل الكاتب، وأصابه الفزع. بعد لحظات وجد نفسه على جناحي ناكر الذي لم يلبث أن
قذف به من أعلى ليرتمي فوق القبر تماماً. اشتد خوفه وفزعه وصب جسمه عرقاً
غزيراً، رفع يديه إلى السماء مستغيثاً، وبينما هو يستغيث لطمه نكير بجناحيه فشق
بطنه. صرخ الكاتب:
ـ اتركوني فما أنا الميت.
ـ وكيف نتركك وأنت صيد سهل؟ إن صحيفتك بينة وواضحة ولا تعب في إنزال العقوبة
بك.
ـ ولكنني إنسان فقير، ومن المستضعفين.
ـ لا يهم.
ـ ولماذا لا تعاقبان هذا الميت، وهو يملك الملايين؟
ـ هذا ليس من اختصاصك.
لم يكن الكاتب يملك أكثر من حبل يشدّ به الصحف إلى دراجته التي ينطلق بها
موزعاً حمولته على أصحابها، فماله وهذان الملكان؟ حار في أمر نفسه، ماذا يفعل
وهما يحيطان به ويصفعانه بأجنحتهما يميناً وشمالاً؟
كان الليل في منتصفه عندما أحس بأنه مشدود إلى الأرض لا يستطيع أن يقف ولا أن
يهرب، وكيف له أن يفر ورجلاه أدماهما صفع الأجنحة؟ نظر ناحية القبر، واشتهى أن
يبصق على المـيت، ونازعته نفسه إلى نبش التراب وإخراج جثته والتمثيل بها لينتقم
لكرامته التي هُدرت بسببه على يدي هذين الملكين.
تناوبته مشاعر مختلفة قلبته على الجمر، وتفكّر في ما سلف من أيامه، فلم يجد أنه
ارتكب من المعاصي ما يدفعهما إلى إهدار دمه. هو ليس أكثر من كاتب زهد الدنيا،
وزهدته بدورها هذه فلم تدع له فرصة يتحول خلالها من كاتب إلى أجير مطعم، أو
مستخدم في ركن حكومي مثلاً. ولعله وهو الذي كان يعمل ويحيا بقوت يومه، لم يجرؤ
يوماً على أن يرفع صوته بوجه أحـد، فكيف له أن يفعل الآن في حضرة مَن شقّا سواد
الليل، وحلاّ عليه في صورة ضيف ثقيل جفف الروح، وأذهب النفس وفتك بالجسد الذي
قرّحته الدنيا ، وهدّه النائم نومته الأخيرة في قبره. ثم ما له وهذا العمل الذي
لم يكن يوماً من اختصاصه؟ أما كان الأجدر به أن يعفّ ويرفض؟ لو فعل لما مَثل
أمامهما، ولنجا بنفسه من الحساب قبل أوانه. ولكن ماذا يفيده الآن ندمه. لقد وقع
المحظور، وعليه أن يتدبر أمر نفسه ويتخلص من حصارهما. غير أن الملكين شدّا ـ
وبحبله ـ وثاقه إلى كرسي جاءا به معهما.
قال له نكير:
ـ الآن سنقطع حبلك الشوكي إن لم تعترف.
وتابع ناكر:
ـ كنت تسوق إلى الناس خرافات وأساطير، وتنسى أن الكلمة مثلما تفجر في الناس
عيوناً من الحق تفجر أخرى من الباطل. أنت كذلك من طبقة الفجّار بدليل أنك فجرت
في الناس عيوناً من المفاسد. هذا ما رفعاه إلينا الرقيب والعتيد.
لم يكن أمام الكاتب مفر، ولعله سيقضي نحبه هنا بين الموتى دون أن يعلم بأمره
أحد. نظر إلى طعامه فوجد الخبز يابساً والماء آسناً. من كتفه الأيسر خرج "
العتيد " حاملاً ساطوراً سطر به رأس الكاتب فتدحرج نصفين، وما لبثت على حد زعم
الملكين أن تساقطت آلاف الأباطيل . من كتفه الأيمن نط " الرقيب " كان ملكاً
هادئاً، ولما لم يكن باليد حيلة فقد استسلم لرغبة الملوك الأشاوس، خاصة والكاتب
لم يسجل في حياته من الحسنات ما يدرأ به عن نفسه سيل السيئات.
قال الرقيب:
ـ لم تطعني وأنا أقدم لك النصح. كنت أسعى بك إلى الخير وكنت تسعى بي إلى الشر،
فذق عذاب يوم عظيم.
الرأس وبعد أن انفصلت عن جسدها هامت في المقبرة بين الموتى، لكنها ما لبثت أن
استقرت عند قبر الميت تسبه بصمت وتلعنه بصمت.
بلغ الليل نهايته عندما تهيأ الملوك للرحيل، حاول الكاتب لملمة أجزائه ففشل،
ذلك أن الدم جمد في عروقه. ولما كان ناكر ونكير الظلين الدائمين للملك العتيـد
فقد تظاهرا ـ وقبل اختفائهما ـ في صور مختلفة منها أنهما ظهرا له في صورة
الأبناء تارة، وفي صورة الميت ذاته تارة أخرى وفي الثالثة تجليا له وهما يجلسان
على عروش ذهبية.
بدأ الصبح بالتشقق، وطلعت الشمس من أفقها الشرقي، ودبّت الحركة شيئاً فشيئاً.
نظر الكاتب من حوله فلم ير قبراً ولا موتى، فرك عينيه وفتحهما على اتساعهما. لم
ير شيئاً، ومع ذلك فلقد سب على الميت وعلى أبنائه، وحمد الله كثيراً على أنه لم
يلتق بعد بملوك الرعشة والرهبة.
الرقة ـ 2001
   
طيبة
رحلة العودة إلى بداية ضاعت وامّحت آثارها.
قال سأعود فلعلها هي التي تلوح في الأفق الفضي البعيد منارة تطوي كبوات
الأزمنة.
إلى دمه تسللت طيبة ذات مساء وذات صبح كالأغنية عذبة وشجية.
إلى دمه تسللت فأرجفته ما اختزل البدن من خمول تعاقب الأيام تعاقباً بليداً غير
ذي جدوى.
تساءل في سره كم
مضى من الوقت؟ ثم أردف قائلاً: لا بأس إن رتّلت الآن.. وما بين السؤال ونشوة
الترتيل ترامت أمامه طيبة حزينة على حطامها وخراب سورها.
عند السور ذاته الذي افتض بعضه منذ زمن بعيد، وفيما تحقق له من زمن يسير، تنفّس
إبّانه هواء حياته الجديدة، قال سأروي لكم ما يوقظكم...
كان هذا قبل تفسخه. وخلال زمن لا أستطيع تقديره لولادة لم تكن يوماً محتملة.
آنذاك أبصرت شروقاً عظيماً لشمس كوّرت من روح نقية غمر وهجها المكان، فتجلى
السور ناصعاً مهيباً كما لم يكن من قبل، محاطاً بإسار من الخضرة الزاهية.
ولقد كنت ـ على ما يتداوله الموت من ضفاف الأيام المتعاقبة، والتي يتلو بعضها
بعضاً دونما عودة ـ أراه عبر السطور المبثوثة في الكتب القديمة، وعبر الألواح
التي طمرها التراب قروناً طويلة، رأيته يعتوره خوف وتعتوره رجفة ـ انتقلت
بالعدوى إلي ـ مصفرَّ الوجه، محتقن الملامح، يختلج كالمسموم، كأن الطريق إلى
موته ممهدة.
ولما لم يكن بمقدوري أن أفعل شيئاً قرأت الفاتحة، واقتربت منه أدثره بما توفر
لدي من أغطية، كنت بهذا أهدئ من الجائحة التي ألمّت بي بفعل ما أراه. بعد حين
هدأ واستقرت ملامحه، وزالت تلك الاختلاجات القاسية التي خددت منه وجهه.
سألته:
ـ ماذا ألم بك؟
أجاب:
ـ لقد أُهمِل السور حتى امتلأ بالنوافذ.
ـ وماذا يعني؟
ـ يعني أنني أموت.
ظل هكذا سنين عديدة يضمّه إزار مهترئ، ويضم بدوره حجراً عتيقاً بحنو بالغ لا
يبرح طقسه هذا، وقد راق له أن يعانق الحجر فينهضه من سباته.
كان يقول إنه حجر قُدّ من يناعة التاريخ الآفل، واستغرق في التشكل قرناً ويزيد
فبات قادراً على امتصاص الرماح المنتهية إليه، وقادراً على احتواء النيران
المقذوفة بوجهه.
لما انتهى إلى السور معتزلاً للحياة، ومغادراً ألوانها وأصنافها، قرر أن يكون
حديثه له وإليه. قال سأخاطب الحجر فتدب فيه الروح من جديد تواقةً إلى حياة
صافية النسمات، وفي الحجر سيكون كنزي هنا في الأرض الخراب، بعيداً عن العيون
الشائطة. وقال: هنا سأقيم صلاتي وأنشئ صيامي وأحرس كنزي، وأنفلت بزهدي من إسار
التجليات الكاذبة. قلت له: ستتصل بك الروح الخفية وتسحبك من نواصيك إليها،
وتنسجك على منوالها فتصبح بعض طيفها. قال لي: ليكن، سأتصل بها معلناً الرغبة
بالاندماج فلا أغادر عالمها الطيفي إلا إلى حجر تراكمت فوقه السنون وأصداؤها،
وسأعمل على عقد اتفاق مع حجري هذا فأضمه إلي فلا أجعله يبرح موضعه إلا إلى يوم
تزل فيه القدم من على الصراط إلى جحيم مستعر أو إلى جنة فاخرة. وقلت له في لحظة
طيش: أنت مجنون، أحمق خرجت على العرف وانتهيت إلى شمال البلدة تحرس أمواتها.
قال هم ليسوا كذلك، نحن موتى، ليس الموت في فناء الجسد وربما ليس الموت في روح
تغادره وربما لا أدري بدوري ما الموت؟ لكنهم ليسوا موتى هم أحياء في لبوس قاهر
من الصمت، ومن التمتع بجلد المحارب الأصيل، ثم أنت بالموت تتأصل وتتأكد من كونك
إنساناً عاش حياة وجسّه التراب، وانتقل ربما إلى فناء. ولست في مكاني هذا
لحراستهم. ليس هذا سبب وجودي. إنما هو هذا الحجر الذي تراه أصم أبكم وأراه
ناطقاً متدفقاً روحاً، حياً لوحته الشمس وأنضجته حتى غدا كأنه السجيل يحطم
الرؤوس المغيرة. هذا ما أراه وما قد لا تراه فدعني وشأني في الخراب أقدس سره.
تركته وشأنه. كدت أجمع على أنه ملتاث بعثر السور عقله وصيره شريد البراري، يسير
حافي القدمين على أرض لاهبة، رث الثياب، طويل اللحية. كان يتيمم بالتراب، يمسح
به وجهه وشعر رأسه، يتمضمض به ثلاث مرات فيختلط التراب برضابه فيثخن شفتيه.
يصلي في العراء تحت لفح الكاوية. عندما ينهي صلاته يضطجع على جنبه، يترك للشمس
وجهه تلفحه وتنبت صهدها في مساماته فتتدفق نيران الجحيم ألسنة من المهل، تسبقه
في مسيره تطهّر له الأرض قبل أن يطأها. وعندما يتراخى النهار ويبدأ بالحلول ليل
مظلم، تشتعل عيناه بنور ساطع. يبدأ قراءة مقدّسه فيهيم في الربوع الممتدة صدى
الصوت خاشعاً وجلاً ومثيراً تلك الكائنات السفلية والعلوية، يكاد يرتج عليه
فيتماسك. يتخذ موضعه إلى ركن شبه متداع من السور العتيق، يسند ظهره ويتجلى الجد
في قسماته ويبدأ رحلة الرؤيا، رحلة إطلاق البصر على مداه النهائي في الفراغ
الدامس، فتأتيه الأصوات مختلطة غير مفهومة، وتأتيه حلقات الرقص الآسر لمخلوقات
آسرة أخاذة ولا يدري كيف ينهض ولا كيف يستوي جذعه ويتحرك باتجاه الحلقات
منغمساً فيها متحولاً إلى شيء كالطيف، متماوجاً ومتداخلاً معها ذاهلاً شارداً
ثم غائباً عن الوعي.
منذ طفولته أنشأ علاقة لامعة مع السور. يذهب إليه وحده في الليالي المقمرة
مبتعداً عن بيوت الطين المتناثرة هنا وهناك. يقاوم ما يجيش في نفسه من
الانفعال، ويصعّد من حبه له حتى يصل إليه مبللاً بالعرق والوجل محاطاً بالعتمة
والسكون. يشعل النار يغذّيها إلى أن تأخذ حيزاً واسعاً، يجلس إليها يتدفأ ويأنس
بها من وحوش الليل، ومن جنيات حكايات الجدات.
عند الغلس تبدأ رحلة العودة، مع زاد لا ينفد من نثار نفس عشقت صعودها الدائم
إلى السور، وهناك عنده ترنو، إلى حفيف أغنيات الموصلي، أذنان تواقتان إلى
المزيد فتتخيلان الحجارة تتمايل على وقع ألحان شجية.
روى لي ذات مساء كيف صاحبته امرأة فاتنة قال: كانت تأتي إلي في الليالي المقمرة
حيث ترين السكينة مجللة بإهاب من الجمال. يوم جاءتني أول مرة كنت مستلقياً على
ظهري خالي البال، مقوساً رجلي اليمنى ومردفاً فوقها رجلي اليسرى. لست أدري كيف
حطت أمامي، ربما مثل حمامة بيضاء حطت أمامي. تمثّلتها آية من الآيات، وسراً
باتعاً يفتح بابه على مصراعي تأملاتي في ليلة اشتد وطءُ أسرها لي. كانت فتنة
تروق لذهن ملّ توازنه، فأنشد حنينه إلى سراب يرتاده ساعة الأرق، فتاة عبلة
وجهها كأنه القمر انشق عن واحدة من تلك الليالي الألف البعيدة. ورأيتني أتحرك
من مجلسي وأنهض باتجاهها تحدوني رائحة الأوابد. ألحق بها فتبتعد، وألحق بها
ثانية، وبعد حين قصير أو طويل وجدتنا خارج البلدة بالقرب من السور، ولوحدنا مع
الليل المسكون بهواجسي وتأملاتي. لم يكن ثمة أحد سوانا وسط الظلام الذي شرخه ـ
إلى جانب نار آنسُ بها ـ ضوء باهر أخذ يسطع من عينيها، فرأيت على شفتين عامرتين
برغبة لا تروى ابتسامة وادعة. لم أكن أعلم ما الذي حلّ بي أجفول هو أم ذهول، أم
كنت مأخوذاً لا حول لي ولا قوة؟
قلت في سري:
ـ لا دوام الآن إلا للحظات مهجنة مني ومنها، لحظات تختلط فيها أنفاسنا معاً.
اقتربت منها ألثم الثغر ومطلقاً كامل رغبتي بها فوق التراب الأسمر عند السور
العتيق. أخذتها أطلب الإحساس بفرادتي عبر نشوة تفتك بدماغي إن أمكن. لم تتمنع،
بل هاهي ذي بين يدي كتلة من نار يكسر فحيحها لعنة الليل ويفتك برموز رحلتي.
|