|

بطاقة تعريف الكاتب:
محمد باقي محمد

سوريا - الحسكة
خريج جامعة دمشق - كلية الآداب قسم الجغرافيا +دبلوم التأهيل
التربوي،
يعمل حاليا مدرسا في اختصاصه،
عضو اتحاد الكتاب العرب -جمعية القصة والرواية منذ عام 1989
عضو في المكتب الفرعي لاتحاد الكتاب العرب في مدينة الحسكة،
نشر الأعمال التالية :
أغنية منتهية بالرصاص -قصص 1986
عن اختفاء العامل يونس -قصص 1988
الطوفان - قصص 1991
فوضى الفصول - رواية 1997
قيد الإعداد مجموعة قصصية بعنوان :
هواجس شخصية
ينشر
في الدوريات العربية والمحلية
ترجمت متفرقات من أعمالي الى البلغارية والروسية والكردية
 


نماذج من أعماله

موت عصافير الظهيرة
دوت الصرخة في فضاء الغرفة ، فانتفض النائمون مداهمين بحسّ الانخطاف
، وامتدّت يد " نيجان " إلى زرّ النور ، لينتشر ضوء أصفر شاحب في المكان ،
اتّجهت العيون إلى " برهان " الغارق في عرقه ، كان شعره قد تشعّث بفعل التّقلّب
على المخدة ، وصدغاه ينبضان بقوة ، بينما بدت عيناه مزروعتين بالخوف والانكسار
، وراح وجهه يعبّر عن رعب مريع يعصف ببقاع النفس ، ويلقي بها في ظلال التصدّع .
وبين دهشة الجميع وذهولهم ، أسرعت زوجته لتحضر كأساً من الماء ..
-خذ ، اشرب قليلاً من الماء .
ذاهلاً وغائصًا في عالم ناء وبعيد همس :
-عيناهما ! عينا الصغيرين يا نيجان !
اعتقلها الاستغراب :
-أيّ صغيرين يا برهان !؟
وكمن استعيد من أرض الرجعى ؛ تلفّت حوله ، كانت الوجوه تتطلّع إليه
مترقّبة متعاطفة ، ، تنهّد بقوة،
وامتدّت يده إلى كأس الماء ، ثمّ وضع رأسه بين يديه ..
-هل تشكو من شيء!؟
لكنّه لم يجب ، فربتت على كتفه ..
-تمدّد يا عزيزي ! اللّه أعلم بالمصاعب التي تواجهك في الطريق !
وفي سرّها راح السؤال يحفر في النفس .ز
" ترى ما الذي أوصله إلى البيت على تلك الحال !؟"
تمدّد ، كانت عيناه مفتوحتين في الظلام ، وأنشأ الحدث يعيد نفسه على
شاشة الذاكرة .. الفوّهات مصوّبة إليه
خلل الزجاج الأمامي ، والوجوه الصامتة ترتدي وحشية ضارية ، بينما
يفصح صمتها عن عزمها الأكيد على تنفيذ تهديدها !
جليّة كانت الصور ، ضاغطة ، مخرّشة للذاكرة ، فعاد العرق ينشع عبر
الجلد ، وأخذ وجهه يعكس تشنّجاً حاداً ، شفتاه انفتحتا على آخرهما آن عجزت
فتحتا الأنف عن تأمين الهواء اللازم ..
" أختنق " !
همس من بين شفتيه ، امتدّت كفّه إلى عنقه مغيثة ، ثمّ هبطت إلى صدره
المدفدف ، وأنشأت اللحظة الثقيلة تقترب ، ارتفعت العجلتان الأماميتان ، وشعر
أنّ اللحم والعظم الآدميين يٍٍُِِمعسان ، اندفع جالسا في فراشه ، وتجمّدت
الصرخة الخرساء فوق شفتيه ، تلفّت حوله ، لم يكن الظلام محكما ، إذ كان ثمّة
نور باهت يتخلّل من خصاص الباب والنافذة ، كان الموات يشمل الموجودات ، وعادت
الذاكرة تضغط .. الشاحنة تحفر الطريق الجبليّ الضيّق ؛ تاركة مدينة " العمادية
" وراءها ، بينما تسحب أشعة الشمس ذيل ردائها الغارب على السفوح والقمم وذرا
الأشجار ، موقظة في النفس استعداداً غامضاً لليلة باردة ، مستمّداً - ربّما –
من القمم العارية المغطاة بالثلوج ، وربّما كان قفر المكان وانعدام البشر فيه
سبباً في إحساس كهذا ، أخذ " برهان " يستعيد وجوه أطفاله ، ويمنّي النفس بليلة
مريحة في بيته ، علّ الوحشة الضاربة في منابت النفس تخفّف ضغطها ، وعلى مدّ
النظر راحت الخضرة تعلن نفسها ملكة متوّجة ..
انقطع انتظام الصور ، وهرولت الذاكرة بلا سياق ..
الفوهات المصوّبة إليه تكشف عن تعطّشها إلى القتل ، ومن خلفها كانت
الوجوه الرعناء تهدّد ، ثمّ تحرّكت الشاحنة ، وارتفعت العجلتان الأماميتان
تمعسان اللحم الآدميّ ..
انتفض جسمه بقوة ، كان عرقه غزيراً وبارداً ، ومن حوله كان السكون
شاملاً ، بيد أنّ هدوء المحيط لم يكن يعنيه في شيء أمام البركان الداخليّ الذي
راح يعصف به ، ويعيده إلى أحضان اللحظة الماضية بكلّ حدّتها وألمها ..
الشاحنة تمضي في طريقها لاتلوي على شيء ، لم يعد يدري من أين طلعت
أمامه بغتة ، فامتدّت قدمه - لاإراديّاً – إلى المكبح ..
" أيّ شيطان ألقى بها في هذه البقعة الحدودية النائية !؟"
بصعوبة بالغة استطاع أن يتفادى المرأة التي ألقت بنفسها على مقدّمة
الشاحنة ، وهبط بسرعة يريد أن يطمئنّ إلى أنّه لم يصدمها ..
-ولكن ماذا تفعلين هنا بحقّ الشيطان !؟
وأخذت المرأة تبربر بكلام غير مفهوم ، بينما كانت يداها تتحرّكان في
محاولة لتأكيد ما تقول ، فأسقط في يده ..
" والآن ! كيف تفهم منها ما تريد ؛ وأنت تجهل الكردية السورانية !؟"
وحتّى تكتمل دارة الدهشة برز طفلان صغيران من خلف الأشجار ،
تأمّلهما متعجباً ، بينما راحت المرأة تكمل كلامها ، ولم يكن بحاجة إلى كثير
تمعّن حتّى يتواصل مع الفجيعة القابعة في أعماق عينيها ، كما لم تغب عنه لهجة
التوسّل المنبعثة من كلامها ، فتساءل مرّة أخرى :
" باللّه عليك كيف تفهم ما تريد !؟"
-يااللّه ! ماذا تريدين ؟ الطفلين ؟ مابهما !؟
بالحركة أقرن سؤاله ، فجذبت الصغيرين من يديهما ، ووضعتهما في يده
..
-آخذهما !؟
استفسر مستغرباً ؛ موضّحاً سؤاله بالإشارة ، فهزّت رأسها بالإيجاب
..
-ولكن !؟
انكبت المرأة على يديه تقبّلهما ، وتلألأت دموع ضارعة في المقلتين
..
" ربّاه ! هل لأمّ أن تتخلّى عن أولادها في أيّ ظرف كان !؟"
تساءل ، وراحت هي تهزّ كمّه بإلحاح ، فربت على كتفها علامة الموافقة
، ثمّ التفت إلى
الصغيرين ، وقادهما نحو الشاحنة ، كان الأول في الثانية ، بينما بدا
الثاني في الرابعة من عمره .. اندفعت المرأة خلفهم ملتاعة ، كان التمزّق يشم
كلّ حركة من حركاتها ، وهرباً من الأسى العميق المرتسم في البؤبؤين ؛ انطلق "
برهان" بالشاحنة مسرعاً ، بيد أنّ عينيه لم تستطيعا الفرار من صورتها المنعكسة
في المرآة الجانبية ، ويدها الملوّحة كغصن يابس تعبث به الريح وسط الطريق .
-لقد أسلمتهما إليك ! لقد أسلمتهما إليك !
ارتفع صوته متّهماًّ ، فأفاقت زوجته على صوته ، واقتربت منه حيرى ،
ربتت على
كتفه،فأسند رأسه إلى صدرها ، وانخرط في نشيج مرير .
-حول أن تهدأ ! كلّ شيء – بإذن اللّه – يمكن إصلاحه ، فقط انتظر حتى
الصباح !
فضجّ صارخاً :
-أنت لاتدركين شيئاً ! ما حدث لايمكن إصلاحه أبداً .. أ أبداً !
-حسناً ! إهدأ والصباح رباح !
وألقى بجسده المنهك على الفراش ..
" كيف يمكن إصلاح ما حدث ، كيف !؟"
أخذته قشعريرة باردة ، وأخذ يرتجف كورقة في هبوب ريح ، وعادت الوجوه
الصامتة إلى
مهاجمته ثانية ، الفوّهات مصوّبة إليه تماماً ، جاهزة للإطلاق ،
العجلتان الأماميتان ترتفعان ، واللحم والعظم يمعسان ، والدم يشخب على الطريق
المعبّد .
انتفض فاتحاً عينيه ، للحظات كان النوم قد سرقه ، لم يكن نوماً
بالمعنى المفهوم ، بل كان نوعاً من الانهيار العضويّ والعصبيّ الناجم عن اشتعال
الأعصاب حتى آخر مدى لها ، لكنّ اليقظة لم تكن أكثر رحمة من النوم ، كلّ شيء
كان جليّاً لعينيه ، وكأنّه يحدث للتوّ .. كانت الشاحنة تقترب من الحدود ،
حينما فاجأته الدورية المتحرّكة ..
-أوراقك .
تأمّل رئيس الدورية الأوراق والأختام ، وكادت الأمور أن تنتهي بسلام
، لولا حدوث ما لم
يكن في الحسبان ، إذ رفع أحد الطفلين رأسه ، فأبصر به واحد من رجال
الشرطة ، وأشار إليه ، التفت الآخرون نحو جهة الإشارة ..
-من يكون !؟
-ابني ( وأشارإلى صدره )
تحرّك رئيس الدورية نحو العربة ، فلاح له الطفل الثاني ..
-تعالا .. تعالا .. من أنتما !؟ ومن أين أتيتما !؟
-لقد أعطتنا أمّنا لهذا الرجل ، و ....
شعر أنّ البساط قد سحب من تحت قدميه ، وقال رئيس الدورية :
-الآن !
توجّهت فوهات البنادق نحوه ، وأنزل أحدهم الصغيرين ، تراجع "
برهان" إلى الخلف
مذعوراً ، كانت إشارة رئيس الدورية واضحة ! إنّه يطلب إليه أن يدهس
الصغيرين !!
-ولكن ياربّ الأكوان ! إنّهما صغيران ، فما ذنبهما !؟
لقّم رجال الشرطة بنادقهم ..
-والآن .. هيّا !
وأشار برأسه الآمر نحو الصغيرين ، جامدة كانت الوجوه ، صلدة وعازمة
، إذّاك راح هذا
الجزء من الزمن يتّخذ معنى لايرحم ، فاستوى خلف المقود ذاهلاًً ،
ألف فكرة أبرقت في الذهن ، ألف هاجس ، ألقى نظرة أخيرة على الجنود ، لكنّه لم
يجد في عيونهم سوى الوحشية والصلف والتصميم ، وأنشأ الزمن يتناقص ويضمحلّ ويدقّ
..
أمّا كيف تناقصت المسافة بين الشاحنة والصغيرين ، وكيف راحت قامتهما
تختفي خلف
مقدّمتها شيئاً فشيئاّ ، ثمّ كيف ارتفعت العجلتان مهشّمة الجسدين
الغضّين ! وكيف انفجرت الشمس وتأوّهت الجبال ، وتسمّر الزمن ! فهو لايدري ! إذ
كان يريد شيئاً واحداً ، أن يبتعد ، ويبتعد فقط !
بقوة شعر بأنّ معدته معلّقة في الفراغ , وأنّها – من كلّ بدّ – تروم
تقيّؤ ما بجوفها ، كانت مقدّمات الفجر تتمطّى في صلب الظلام البهيم ..
" كان يجب أن ترفض تهديدهم ! كإنسان وككرديّ كان عليك أن ترفض ! "
ضرب يده على المخدة ، بينما كان جسده يتّقد بالحمّى ، وأنشأ ألم
حارق ومبهم ينتشر من أسفل الجمجمة نحو العنق ، فأعلى الظهر ، مترافقاً بتصلّب
لايطاق ، جمجمته فارغة تماماً ، فارغة لدرجة ما عاد يتذكّر معها كيف عبر نقطة
الحدود إلى " قزالتبة" داخل الأراضي التركية ، ولا كيف اعتسف المسافة إلى بيته
، ضباب كثيف هبط على العينين ، وضريم اشتعل في الروح ، ذريرات الوعي انصعقت ،
وأغلق عينيه للمرة الألف هرباً من يد الأمّ الملوّحة عبر المرآة العاكسة ،
فداهمت الفوّهات المصوّبة إليه خلل الزجاج الأمامي الذاكرة ، أسند رأسه إلى
حافة النافذة ؛ علّ الطاحون الدائرة في رأسه تتوقّف قليلاً ، ومن كلّ الجهات
كانت عيون الصغيرين تجتاحه إمّا تلفّت ، وإمّا تلفّت كانت يداهما الصغيرتان
تلوّحان له ..
نهض من فراشه !
-أنا قادم إليكما !
أغلق الباب الخارجيّ خلفه ، واندفع أهل الدار في إثره ..
-لن أسمح لأحد بإيذائكما ، لاتخافا !
تعثّر ، تمزّقت منامته عند الركبة ، وتعفّر وجهه بالتراب ، الأيدي
الصغيرة تلوّح له ، نهض ، الصغيران يبتسمان له ، ابتسم ، ارتفعت العجلتان
الأماميتان ، بكى ، امتدت يده المرتجفة مستنكرة ، واندفع خلف صورة الصغيرين إلى
الأمام !
--------------------------
أضيفت في 05/03/2008 / خاص
القصة السورية/ المصدر: الكاتب
   
أصداء
-1-
وكان أنْ جاءت كتب التاريخ في متونها على ؛ أنّ أمير المؤمنين عمر
بن الخطاب ( رضي الله عنه ) استفاق من قبره البسيط ، المجهول ربما ، فنفض
التراب و الغبار عن شعره ولحيته !
لم يكن ثمّة وجه للشبه بين الرجل ذي الكفن الرثّ ، الذي اشتهر عنه
ميله إلى الزهد في مأكله و ملبسه؛ مذْ تسنّم سدّة الخلافة ، غداة أن توفّي أبا
بكر الصدّيق ( رضي الله عنه ) ، و الرجل الذي كان ذات يوم من رؤوس القوم في بني
عديّ ؛ إذْ كان ذاك لايقرب من اللباس إلا الخزّ و الحرير ، و لايخرج إلى الناس
إنْ لم يتطيّب بالمسك أو العود أو العنبر ، ما يليق بموفد قريش المفوّض إلى
امبراطوريتي الروم و الفرس .
كانت الحرب الضروس بين الدولتين تقطع الطريق على تجارة المشرق و
المغرب ، فأخذ سفير مكّة – ذاك – يعمل على إبرام اتّفاقيات ؛ تيسّر السبل أمام
قوافلها التجارية ، فتلعب دور الوسيط بينهما ، بما يضع حرير الصين وخزفها ،
وتوابل الهند وبهارها بين يدي الفرنجة ، و ذلك عبر جزيرة العرب ؛ بعد أن تكون
قد قطعت بحر الروم .
وراحت خزائن قريش تمتلىء بالبضائع من كلّ صقع ، و هيمنت قوافلها
علىتجارة الشتاء مع اليمن السعيد ، وما يليه من طرق بحرية ، تصله بالهند و ما
ورائها ، و تجارة الصيف الذاهبة جهات بلاد الشام ، فبلاد الروم و الفرنجة . وما
كان الأمر بعيدا عن دور شخصيّ لرجل من مستوى ابن الخطاب .
وكان الخليفة الراشدي الثاني قد غادر المسلمين إلى الملأ الأعلى ، و
هم بأحسن حال ، فلقد خلق من حفنة أعراب ؛لايحسب لها حساب ، كانت قد اجتمعت
تحت راية محمد بن عبد الله ( صلّى اللّه عليه و سلّم ) ، دولة مرهوبة الجانب ؛
فقضى عل دولة الفرس ، وعمل على ضمّ العراق و أرمينّية وأذربيجان إلى الدولة
الإسلامية الوليدة !
وجاء في التفاصيل : وكان التوفيق حليفه إذْ نجح في انتزاع بلاد
الشام من أيدي الرومان ؛ غبّ المعركة الفاصلة ، التي وقعت عند ضفاف اليرموك ،
فكان أن وقف هرقل عظيم الروم يخاطب برّ سورية بأسى ما بعده أسى " الوداع
ياسورية وداعا لالقاء بعده "!
ولمّا رفض أهل بيت المقدس من النصارى ، أن يسلّموا مفاتيح مدينتهم
لأحد خلا الخليفة ، وذلك لما سمعوه عن حلمه و عدله ، ركب ابن الخطّاب إليهم
ملبيّا، و كان ما كان من أمر الوثيقة التي تؤمّنهم على أرواحهم و أموالهم
وعقيدتهم .
ثمّ أنّه استجاب لإلحاح ا بن العاص ، ليقوم بضمّ بلاد الفسطاط ،
بعد أن طرد الرومان منها أيضا!
هذا ما كان من أمر الخليفة ؛ الذي أحدث ديوانا للجند ؛ بعد تفكّر
وتدبّر ، لكي ينظّم أمور الجيش ، و ذلك لإدراك منه بأنّ هذا الجيش هو ركن
الدولة و حرزها ، ثمّ عمد إلى الأرجاء المترامية ؛ يقسّمهاعلى أصابعه إلى
ولايات ، و يتخيّر من الصحابة من يراه أهلا لإدارة شؤونها ، فيوليه عليها!
كان العدل يهاجسه ، ومع العدل الرخاء و الأمان، فانتدب لكلّ مصر
قاضيا مشهودا له ؛ بأنّه لايخاف في الله لومة لائم ، فيحقّ الحقّ ، و يبتّ في
الخصومات ، ومن بعدها بثّ في ليل المسلمين العسس ، ليأمنوا على أموالهم و
أرواحهم!
ولهذا نهض الرجل من موته مطمئنّا ، خلي البال ، فلم يكن ثمّة ما
يشغل تفكيره – اللّهمّ – خلا سؤال صغير مؤرق ؛ يحوم حول السبب الذي حدا بأبي
لؤلؤة إلى الغدر به ! سؤال آخر كان يلحّ عليه يتعلّق بظروف انتحار أبي لؤلؤة !
هل انتحر الرجل – حقا- خوفا من ابنه عبيد الله !؟لقد كان ابنه – ذاك - غائبا عن
المسجد في شأن من شؤونه ، فمن أنبأ ه - و هو المعروف برعونته - بالخبر !، وكيف
حضر ، ولمصلحة من دفنت الحقيقة مع جثّة القاتل !؟
واختتمت الكتب أخبارها بالقول : و على حافة قبره جلس الخليفة الجليل
يعمل تفكيره في دلالات ما حدث !مغضبا كان وحزينا ؛ آن تقدّم منه فارسان ، تبدو
على سيمائهما المهابة ، و كان أن بادراه بالتحية :
-السلام عليكم يا أمير المؤمنين !
ورفع الصحابي ّ الجليل عينين أسيّتين ، ثمّ تحامل على نفسه مرحّبا :
- من !الرشيد ، أنت !و أنت يا صلاح الدين ! وعليكما سلام الله و
بركاته
-2 –
و أتت كتب التاريخ في معرض ما أتت عليه :
أنّ الرشيد كان أعرف الناس بشهوة السلطة على النفس البشرية ! فلقد
اكتوى بنارها ، إذْ حاول شقيقه الهادي أن يخلعه عن ولاية العهد لمصلحة ابنه
، و كان بخبرته الطويلة ، ودرايته بخفايا النفوس ، و مراكز القوى المحتجبة
خلف مصالحها ؛ متدارية بلبوس الوصاية الدينية ، أوبلبوس العصبية القبلية ، أو
عبر استفاقة الحسّ الأقوامي ، أدرى الناس بلعبة التوازنات الخفيّة ، فنفض عن
جسده غبار الموت ، و اندفع خارج قبره الفاره ؛ المكسو بالرخام المجزّع ، و كان
جلّ ما يشغل باله هو أمر تلك الصحيفة ؛ التي عهد فيها بالخلافة – من بعده–
لأبنائه الأمين فالمأمون فالمؤتمن ، و أشهد عليها الفقهاء و القضاة وأكابر بني
هاشم وأمراء الجند ، ثمّ علّقها على جدار الكعبة !
وانسلّ نحو دار الخلافة ؛ يتسقّط الأخبار ،كانت بغداد قد تغيّرت
كثيرا ، حتى كاد أن ينكرها ، و سرعان ما وقع بين يدي البصّاصين المنتشرين في
كلّ مكان ، فاقتادوه إلى القصر ، و هم يسخرون من ادّعاء الغريب بأنّه الخليفة
الرشيد ، فلقد توفيّ الرجل ، ودفنوه في باطن الأرض بأيديهم ! و ما إنْ وقعت
عينا الابن – أعزّه الله – على أبيه ؛ حتى أخذته رعدة ، وأنشأ يرتجف كورقة في
مهبّ الريح ، و نهض متعثّرا :
-أ..أبتا..ا..ه !
و بصوت جهوري مستنكر سأله الأب :
-ماذا فعلت بشقيقك أيها الأمير !؟
وأدار ظهره لمجلس المأمون يروم الخروج ، فلحقه الابن موضّحا مستعطفا
:
- أقسم أنّه هو الذي بدأالخلاف يا أبت ! لقد أراد عزلي ! لم أكن
أريد قتله ، و لكنها إرادة الله ....لقد أراد أن يعهد بالخلافة لابنه ! أنت
نفسك عانيت من هذا ، و ...
وأمعن الأب النظر في ابنه ، ثمّ هزّ رأسه بأسى قائلا :
-ولكنني لم أقتل شقيقي ! ثمّ دعك من هذا كلّه ، فهل ستترك أمر
الخلافة من بعدك لأخيك المؤتمن !؟ انّك تتدبّر أمر إسناد ولاية العهد إلى شقيقك
المعتصم ، أليس كذلك!؟
فوقف المأمون مأخوذا ، فيما تابع الرشيد خروجه ؛ إلى أن استعاد
الابن روح المبادهة ، فلحق بأبيه :
-إلى أين يا أبي !؟
و مرّة أخرى هزّ الرشيد رأسه ، بعد أن نظر في ابنه مطوّلا :
-وهل للميت إلا قبره !؟هذه ليست دنياي ، فانس الأمر ياولدي ! انّه
القدر ...
و وقف المأمون في منتصف المسافة مذهولا ، بينما كان ظل ّ الأب
المتطاول ينأى بابتعاده عن مصدر النور ، و يتلاشى !
-3 –
وجاء ت الكتب ذي الأوراق الصفراء في متونها ، أنّ الناصر صلاح الدين
، غبّ مقتل أسد الدين شيركوه ، ووفاة نور الدين الزنكي ، أدرك – بحسّه الحصيف
- أنّ المصاب جلل ، وأنّ اللحظة الحاسمة للملمة شمل الأمة قد أزفت ، فإمّا أن
يلتقطها ، وعندها يكون لكلّ حادث حديث , وإمّا أن….! ذلك أنّ الدولة الفاطمية
كانت تحتضر ، و كان لابدّ من جبهة إسلامية عريضة تتصدى لهجمات الفرنجة ، الذين
كانوا قد زرعوا أسافين أربعة على ساحل بلاد الشام ، كان آخرها أمارة بيت المقدس
، فلم يتردّد في القضاء على الفاطميين ؛ ليتسنّى له أن يوحّد برّ مصر وبلاد
الشام في كيان واحد ، وليضمّ إليها – من ثمّ –الحجاز الشريف وبلاد اليمن !
وهكذا قيّض له أن يسترد أمارة بيت المقدس، وأن يثبت عبقرية عسكرية
فذّة في موقعة حطين! صحيح أنّ أولاده ماكانوا في مستوى الأخطار الجسيمة ، التي
كانت تحيق بالمنطقة من كلّ حدب ، ولكنّ شقيقه العادل وأولاد شقيقه من بعده ،
حملوا الراية ، وأقاموا دولة عظيمة الشأن ، بعد أن أجهزوا على ما تبقّى من
الأمارات الصليبية ، دولة سيظلّ صيتها شائعا على مرّ الأزمان!
وإذن ، فانّ الهواجس التي أبت أن تفارقه ؛ متمحورة في تفاصيل
لاأهمية لهل ربّما ، دفعته لأن يتخفّف من قبره ، وينهض من رقدته خفيفا ؛ على
أمل البحث عن أجوبة للأسئلة المزدحمة في الرأس كقفير نحل ، لاسيما بعد أن نأت
تلك الأيام التي كانت تترافق بتأنيب في الضمير ؛ كان يساوره نحو بشر اجتثّ
أحلامهم لحساب حلمه الخاص !
وعند الصباح حطّت راحلتة رحالها عند إحدى بوابات القدس ، بيد أنّه
بوغت بالتفتيش الدقيق الذي أخضع له على يد جنود غريبي الملبس والسحنة ، يعتمرون
خوذا لم يألفها ، ويتنكبون أسلحة لم تقع عينه على مثيل لها!
" ولكنّهم لايتكلمون العربية !"- قال الناصر لنفسه – " فهل جاءت
العرب بجنود من خارج الديار بقصد الحماية !؟ عجيب ! متى كان الغريب على
استعداد لأن يبذل روحه رخيصة في سبيل بلد لا يربطه به أيّ رابط !؟" تفكّر.."
ما الذي يحدث !؟ وكيف !؟ حماس .. الجهاد الإسلامي ، وفتح ، وهذا الجدار الملعون
الذي يفضّ من الأرض بكارتها ! ثمّ أين هم العرب من هذا كلّه ، وكيف تفرقوا في
جهات البلاد شيعا ومللا !؟ لماذا لم يتعظوا من تأريخهم ، من تجربة محمد علي
باشا مثلا ، أو من خيبات الشريف حسين المتكررة !؟ ولماذاخدعت الحكومات شعوبها ،
وتحايلت على هزيمتها في حزيران تحت مسمّيات عجيبة كالنكسة ! أو أنّ الانكسار
في معركة لايعني خسارة حرب !؟ لقد استرددنا الأرض ، فكيف فرّطوا بالجولان
وجنوب لبنان والضفّة الغربية !؟ ولماذا تماهوا بالآخر هذا التماهي كلّه!؟"
الأسئلة تلو الأسئلة كانت تجتاح الكيان المبهظ بالوقائع، الكيان
الذي أعلن يوما بأنّه لم ينتصر بسيوف جنوده ، بل بعقول علماء الأمة ومفكّريها !
كان الإسرائيليون قد أطلقوا سراحه ، بعد أن تحقّقوا من أنّه لاينتمي
إلى أي جهة ! فهام على وجهه في الأزقة ، كلّ ماحوله كان موغلا في جسد الغرابة !
الأزقة التي تفصح عن بؤسها بلا استحياء ، الوجوه المتشحة بشجن عميق ، والنفوس
المنطوية على هواجسها وأسرارها الدفينة! " من قال أنّ الأمر ليس دائرة مغلقة ،
متأبية على الفهم ، ملغزة من كلّ بدّ ! " تفكّر ، وعلى حين غرة اجتاحته الجموع
الهاربة ، كان الرصاص يئزّ من حولها ، ولا سلاح إلا الحجارة ، ذاهلا عن نفسه
كان ، غريبا عمّا يجري ! عندما أمسك طفل بذيل ثوبه ..
-يللا ياعم .. هذول الصهاينة ممكن يكتلوك !
-لماذا!؟
-معاهم فش اشي اسمه ليش ، يللا ياعم .. يللا بسرعة !
وانقاد الناصر لمنطق الطفولة البريء ، أمّا مصطلحات من مثل التطبيع
وعرب أوسلو أو عرب أمريكا أو الأرض مقابل السلام أو السلام " العادل " ، كامب
ديفيد وطابا ومحادثات الكيلو مئة وواحد، فلم يسمع بها إلا من ذوي الصغير ،
وبمقدار ماأغضبه موقف العرب ؛ بمقدارما أعياه الفهم ، كان ما يدور من حوله يفوق
طاقته على الاستيعاب ، فاستأذنهم في الرحيل مع هبوط الظلام !
-ولكن التجوّل محذور ياعم !
-سأجد وسيلة ما للتخفي !
ونظر في عيني الطفل طويلا ، كان الرجاء الحار يلوب في بؤبؤي الصغير
، فمرّ بيديه على وجنتيه الغضّتين؛ تمسحان دمعتين عزيزتين على قلبه ، وسأله :
-لم تقل لي اسمك يابن أخي !؟
-عرفة .. بكولولي عرفة ياعم !
-4-
ثمّ أنّ غيمة من التسآل لفّت الرجال الثلاثة ، كانت وجوههم المتجهمة
تشي بتفكير عميق ، وكانت الهواجس تحوم فوق رؤوسهم جارحة وحادة أن : "كيف وصل
الحال إلى ما وصل إليه !؟ ".."أين أخطأنا !؟ وماهو الخطأ ، وما هو الصواب !؟
ومن الذي يحدّد هذا من ذاك ، وما المرجعية ، أو – حتى – المنطق في التحديد !؟
مستغرقين في بحران حيرتهم كانوا ، فما تنبّهوا إلى الراجل المهيب
الذي راح يدنو منهم على عجل ، وهو يمسح عرقه قائلا :
- أتسمحون لي يا أمير المؤمنين _ من بعد السلام _أن أشير إلى أنّ
السبب يكمن ربما في أنّ العرب افتقدت العصبية ، فتفكّكت الأمة ...
-ابن خلدون!
-ابن خلدون !؟
-ثمّ أنّ العرب....
-على رسلك يابن خلدون – ورفع ابن الخطاب يده – ولاتنس أنّ التاريخ
لم يقل كلمته فيك ، ذلك أنّ اللغط الذي أثير حول دورك في تسليم مفاتيح دمشق إلى
الخان تيمورلنك ما يزال قائما ! صحيح أنّك هربت منه غربا في ما بعد ، بيد أنّ
الصحيح – أيضا – أنّك وافقت على أن ترسم له مسالك المغرب وممالكه ، إن محنتك هي
محنة العالم ياصاح !
وهيمن صمت ثقيل على اللحظة ! ساهما كان الناصر صلاح الدين كما
الرشيد ، إلى أن همس الأول كالحالم ، من غير أن يتّضح ما إذا كان يسرّ للآخرين
بسرّ شخصي ، أم أنّه يشي به لنفسه ..
- أيّها السادة .. لقد انتهى دورنا .. إنّه زمن عرفة ربما .. ربما !
--------------------------
أضيفت في 13/01/2006 /خاص
القصة السورية/ المصدر: الكاتب
   
هواجس شخصية
قصص قصيرة
( أغامر بتفسير : الكتابة هي الملاذ الأخير لمـن خـان )
- جان جينيه -
(ليست وظيفة الكتابة أو نتاجها طمس جرحٍ أو علاجه ، وإنما
إعطاؤه معنىً وقيمةً ، وجعله في النهاية لا يُنسى )
- آني إرنو -
   
بــداية النهـاية
إذن فهي النهاية يا حسن ! وها أنت تقف في حضرة الموت عجوزاً متداعياً و سقيماً
، فيا لها من نهاية ! سبعون عاماً ! سبعون عاماً تشكّل خطاً مستقيماً بين
قطبي الولادة والموت ، وعلى حواف هذا الخط تناثرت الرغبات والأحلام المنكسرات ،
فيماتناهبت الخط نفسه الهواجس والأحزان الصغيرة ، سبعون عاماً من الإقدام
الإحجام ، من الاندفاع والانتظار والترقب ! وهاأنتذا بعد سبعين عاماً ‘تفاجأ
بأكثر الحقائق ثباتاً في حياتك :
الموت !
ردح مديد من الزمن ليكتشف المرء – في آخر المطاف – أن النصر ترب الهزيمة في
معركة كهذه !
أية حماقة يا رجل ، وأية عذابات ! ؟ فأن تحمل صليبك من سـورية إلى فلسطين ، ومن
فلسطين إلى العراق ، إلى ايران ، لتعود في النهاية إلى سورية ، من غير أن تنسى
المرور بتركيا ، حماقة ما بعدها حماقة ! وإلاّ فما الاسم الذي تقترحه لمعركة
تستمر سـبعين عاماً في سبيل رغيف من الخبز ، وينأى ! ؟ أن تشتد قامتك للنهوض مع
بداية قرن ، وهاهي تكاد تناطح نهايته ، ثّم ربي كما خلقتني !
حسناً ! بمَ تجيب السائل عن هذه الرحلة !؟
أتقول : في واحدة من لحظات الغفلة تكاثر الأولاد ، وانفتح عليك ألف باب !
رباه ! وأي أولاد !؟ في الدراسة وما أفلحوا ، ولم يثبت أحدهم في عمل أكثر من
أشهر معدودات ، وحين انكسرت فقرات العمر ، وألجأتك الحاجة إليهم ، ما وجـدت
فيهم معيناً ! حتى الوحيد الذي نجح في الدراسة ، حمل شهادته ، ومضى بعيداً !
بينما لم توفر – أنت – عملاً من أجلهم ! فكم مرةٍ خاطرت فيها بحياتك أيام (
العصمنلي ) مع تبغٍ مهرّب ! وكم تحملت برود الإنكليز وجشع اليهود عتالاً في
حيفا ! وكم مر بك عرب وعجم لتخدمهم في فنادق حلب ودمشق وبيروت ! وكم فجرٍ نديّ
آنَسَك على الدروب (حواجاً) وضيعاً ! ثمّ لا تسل عن مسح الأحذية في بيروت
وبغداد ودمشق ! و .. أوه … ماذا تتذكر لتتذكر !
أم تقول : خذلني زمني !
وهل انتصر أحد على الزمن !؟
حتى الذين خالوا أنهم انتصروا ، اكتشفوا – في النهاية – بأنهم واهمون !
وتردف بمرارة :
هاتوا دلّوني في أي جذرٍ النخر يكمن !؟
وسيقول لك البعض :
هكذا كُتب عليك وقُدّر !
وسيقول لك آخرون :
أخذت الأمور بجدّ فأخذتك بهزلٍ !
أخذتها بجدّ فأعطتك فرطاً في التوتر الشرياني ، وتضخماً في القلب ، والتهاباً
في البروستات ، وقصوراً في الكليتين ، وارتفاعاً في نسبة السكر و ( الكوليسترول
) ، وقرحة في المعي الغليظ ، وأولاداً كثراً ، وخلافه ! وأخيراً ، هاهي النهاية
تأزف ، وزهد الشيخوخة التي تستعد للموت يحلّ ، ولا أحد ! الأصدقاء تفرقوا –
فرادى - على مراحل ! الذين كانوا يحيونك امتنعوا عن التحية ، والذين التقوا
على مائدتك مراراً يجدونك اليوم مبذراً ، كلّ نقائصك تجلّت للعيون اليواقظ
المفترسة ، وأكثرهم بلاهة كان يتنبأ لك بهذه النهاية ، فلقد أفلست ، وآنَ
للجحود النافذ الصبر أن ينكأ الجراح ! ثم إذا كان أولادك الذين تحدروا من صلبك
يتصرفون على هذا النحو ، فما الذي تتوقعه من الآخرين !؟
أي فوات !؟
أن يخسر المرء معركة فلا بأس ، ولكن أن يخسر حياة كاملة ، ولا يشعر بتلك
الخسارة إلاّ بعد فوات الأوان ، فتلك مصيبة ! والآن ! لمن تترك هذه الزوجة التي
رافقتك زمناً يربو على نصف قرن !؟ هذه الصابرة التي جاعت كي يشبع الأولاد ،
وعرت كي يلبسوا ، وسهرت كي يناموا ! أي صمتٍ سيرين على غرفتها !؟ وأية لقمة
مغموسة بالذل والهوان تنتظرها فيما أنت عاجز وأعزل !؟
   
انكسار الحلم
أية حياة هذه التي نحياها !؟
طفولة موسومة بالنقص والحرمان !
وشباب مترنح بين مقاعد الدراسة الباردة ، وقصور الأهل الأبدي وفرص العمل
النادرة ، فهل هذه حياة !؟
ثم – يا أخي – ماذا ترك لنا أهلونا !؟
وحيدين تركونا في هذا التيه القاتم والعدواني المسمى مدينة ، حيث كل فرد يحمل
مؤشره الخاص ، ولا أحد يشعر بمن حوله ، أو يدري من أين تأتي الأشياء ، وإلى أين
تذهب ! وها سنوات العمر تتبدّد من غير منفرج ، فيما لم يورثني أبي من الدار
وقطعة الأرض الصغيرة إلاّ فراشاً ولحافاً !
لماذا !!!؟؟
لقد أكملت دراستك – قالوا – ولست بحاجة إلى شيء سواها ! طبعاً أنا أستطيع أن
أطعن في وصيته ، بيد أن الموضوع كلهّ ليس بذي جدوى !
ولكن هل تظن بأن أشـقائي كانوا عوناً لأمهم بقية أيامها !؟ حتى شقيقي الأصغر
الذي انتقل للعيش معها ، عاملها بدءاً بالحسنى ، بيد أن عيوبها تكشّفت دفعة
واحدة لزوجتـه ، مع آخر قرش نهباه منها ! فهل حرّك البقيـة ساكناً !؟ واليوم !
هاهي العيون المعاتبة تطالعني بالسؤال :
لِمَ لا تحضر أمك لتعيش معك !؟
حسناً ! أليس من حقي أن أتساءل ، بأي منطق يطالبونني بذلك !؟ بمنطق أنني درست ،
وان أشـقائي لم يفعلوا !؟ اللعنة ! لقد سرقت هذه الدراسة خمساً وعشرين سنة من
عمري ، بينما استولت خدمة العلم على ثلاث سـنوات أخرى ! وها أنا بعد ثمانية و
عشرين عاماً لا أملك من هذه الدنيا شيئاً خَلا هذا الراتب الذي يكاد لا ينهض
بأعباء الأيام العشرة الأولى من الشهر !
فمتى يكون لي بيت مثلاً !؟
ومتى أتزوج مثل بقية الناس !؟
أنت تعلم أن أية فتاة – في هذه المدينة – لا تقبل بأقل من طبيب زوجاً ، أو
مهندس ، ولا تسل عن أحلامها في بيت كامل الأثاث ، وسيارة ! فماذا نملك نحن من
كل هذا !؟ ما الذي لنا في هذه المدينة الملعونة غير الحسرة والأحلام التي لا
تجد لنفسها سنداً في الواقع !؟ كتباً ! أشعاراً ! أمسيات من الثرثرة حول الوطن
والثورة والثقافة والتجارة ،لنكتشف في النهاية أننا حالمون ! مهزومون من قبل أن
نبدأ ! وأن حياتنا مُختزلَة إلى مجرد انتظار للإخفاقات المتكررة !؟
يا للأهل الذين أمضوا حياتهم في التراب ! في التراب وُلدوا ! وفي التراب عاشوا
حياتهم ، وقضوا في التراب ، من غير أن يتفكّروا – يوماً – في مستقبل الأبناء
الذين أنجبوهم ! فإذا داهمهم الكبر من قبل أن يحسبوا له حساباً ، أنشأوا
يذكرونك بما صرفوه في تربيتك من عرق ودموع ونقود ! متناسين أنهم هم الذين
أنجبوك !
ثم أن المشكلة – أساساً – تكمن في المسافة بيني وبين أمي ، في الطريقة التي
ينظر كل واحد مناّ بها إلى الأمور ، وهي – في وهمي – مسافة غير قابلة للتخطي !
فأنا أحاول أن أقتنص من هذه الحياة الملعونة ما يتاح لي من لحظات ، كأن أسافر
قليلاً ، أو أقرأ شيئاً من الشعر ، وقد يعن في البال قدح من الخمر ، فتكفهر
الأجواء بيننا ، وتظل تذكّرني بالحلال والحرام ! وربما زارتني صديقة ، لكن أمي
امرأة متزمتة ، تشكل عبئاً على حركتي ! كنت أتمنى أن تكون المشكلة (محض) مادية
، إذن لكنت أسهمت مع أشقائي في مصروفها ، على ما يشكله هذا الإسهام لي من عنت ،
إلا أن هذه الأمنية -كغيرها من أمنياتي -لن تتحقق !
   
الشاهدة
هل هانت عليك العشـرة حتى تركتني هكـذا وحيدة و مهجورة !؟ ولمن !؟ الأولاد
وتفرقّوا من قبل وفاتك ! ليتهم -فقط – حضروا جنازتك ! ليتهم اجتمعوا من حولي
معلنين – ولو كذباً- أن لا شيء في حياتي سيتبدل بعد موتك ! أو تساءلوا عنّي بين
الفينة والفينة !
فهل كان ثمة تقصير منّي في تربيتهم !؟
أما حملتهم على صدري أطفالاً صغاراً !؟
أما سهرت الليـالي الطويلة بجانب أسرّتهم ، أسقيهم الدواء ، وأغطيهم إن تكشفّوا
كي لا يطالهم البرد !؟
إذن ! فهل لك أن تفسر لي صمت ابننا الأصغر حيال تذمّر زوجته من عيوبي ! أنت
تذكر ولا شكّ أن ابننا – هذا – تأخر في المشي ، وأنني بذلت في العناية به أضعاف
ما بذلته لأشقائه ! ولو أن الأمر اقتصر عليه لهان ! طبعاً أنت لن تصدّق بأن
ابنتنا الكبرى اعتذرت عن عيادتي متذرعة بأطفالها وزوجها ، بينما ادعت الصغرى
بأنها مريضة أكثر منّي ، وأنها تحتاج إلى من يعتني بها ، فكيف لها أن تعتني
بالآخرين ! تصّورْ ! الآن فقط أصبحنا آخرين !
|