أصدقاء القصة السورية

الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | معلومات النشر | كلمة العدد | قالوا عن الموقع | سجل الزوار

 

SyrianStory-القصة السورية

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

للاتصال بنا

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

youtube القصة السورية في

facebook القصة السورية في

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 08/12/2010

الكاتب: سليم أبو جبل

       
       
       
       
       

 

 

نماذج من أعمال الكاتب

بطاقة تعريف الكاتب

 

 

 

 

بطاقة تعريف الكاتب

 

*مواليد عام 1971 في بلدة مجدل شمس في الجولان المحتل .

* خريج قسم المسرح والأدب العربي – جامعة حيفا.

* مقيم في مدينة حيفا.

* يدرس حاليًا كتابة السيناريو.

* يكتب صفحة "السينما" الأسبوعية في صحيفة الإتحاد.

* يكتب زاوية "بين الكراسي" في صحيفة "المدينة" الصادرة في حيفا.

* يمارس العمل الصحفي، وينشر الشعر والقصص القصيرة في الصحف المحلية:

الإتحاد وكل العرب.

والدوريات: مشارف، الجيل الجديد، الرّواق، شباب، المواكب.

وفي مواقع عديدة على شبكة الانترنيت.

زيارة موقع الكاتب     مراسلة الكاتب                                        للتعليق على القصص      مواضيع أخرى للكاتب

نماذج من أعمال الكاتب

العصفور والشاحنة

البقرة الحلوب

امرأة ثرثارة

من سرق جبل السكر 

حمار أبي

 

من سرق جبل السكر؟

 

 

 

في صباح صيفي جميل أفاق سكان بلدة السعادة وهم مذهولون، كان جبل السكر قد اختفى من مكانه، لم يصدق سكان بلدة السعادة ما حدث؟ تجمعوا قبالة المكان الخالي حيث كان الجبل وظنوا أنهم في حلم، وراحوا يتساءلون غير مصدقين:

-أين الجبل، ما الذي حدث،  كيف اختفى جبل السكر؟

تقع بلدة السعادة على شاطئ البحر، وينتصب قبالتها جبل عال تسقط الثلوج على قمته معظم أشهر السنة، يطلق عليه سكان بلدة السعادة جبل السكر لأن حجارته وصخوره تتفتت عنها ذرات كذرات السكر. في الشتاء يستعد سكان بلدة السعادة لاستقبال السياح القادمين من كل أنحاء العالم للتزلج والتمتع بثلج الجبل، ويكاد لا يخلو بيت من غرف للإيجار يستخدمها السياح خلال فترة إقامتهم، وفي الصيف يصطاد أهالي بلدة السعادة الأسماك ويقدّدون الكميات الفائضة ويخزنوها للشتاء. 

في ذلك اليوم توافد المراسلون إلى المكان وبدؤوا بنقل الحدث على الهواء مباشرة، والكاميرات تصور السهل الأجرد وتصور وجوه أهالي البلدة الحائرة، وبدأت نشرات الأخبار على غير عادة ببث خبر اختفاء جبل السكر، قبل الأخبار المهمة المتعلقة بنشاطات رئيس البلاد.

كل شيء انقلب حالة، وشاهد الناس في كل أنحاء البلاد ماذا يحدث في بلدة السعادة، وبدأت التقارير تتوالى وأصبح حدث اختفاء جبل السكر أهم حدث في البلاد، وصرح احد أهالي بلدة السعادة للمراسلين بعد أن أفاق من دهشته أنه كان يمشي باكراً في الصباح في طريقه إلى العمل، وحين نظر ناحية الجبل لم يشاهده وقد اعتاد رؤيته كل صباح فلم يصدق عيناه، وقال آخر أنه حين لم يشاهد الجبل في الصباح، لم يفكر أن الجبل اختفى، بل ظن أن الأمر خدعة بصرية لا أكثر، وقال مواطن ثالث  أنه أراد أن يخرج ليبول على جذع الشجرة خلف بيته، وحين نظر ناحية الجبل وهو يفك أزرار سرواله، لم يشاهد الجبل فارتخت عضلاته وبال على نفسه.

لم يستطع احد أن يحدد ساعة اختفاء الجبل تماماً، فقد كان الناس نيام ولم يفطن أحد أن شيئاً كهذا يمكن أن يحدث، وقال خبير استراتيجي في نهاية  لقاء مطول معه: " أن شيئاً كهذا لم يحدث في التاريخ الإنساني، ولا شك أن له دلالته الخاصة على مجرى الأحداث في التاريخ اللاحق، والذي سيبدأ صفحة جديدة بعلامة اختفاء جبل السكر في بلدة السعادة ! "

وفي ساعات الظهيرة قرأ أحد مواطني بلدة السعادة بياناً يقول فيه أن مواطني بلدة السعادة يطالبون الحكومة بإجراء تحقيق عاجل في الأمر، وأن اختفاء الجبل يعني أن جزءً مهماً من معيشتهم سوف يتهدد، فقد تتوقف السياحة في البلدة على أثر اختفاء الجبل، ولا يستطيع السكان الاعتماد على صيد الأسماك فقط لأجل المعيشة.

وفي ساعات المساء كان سعد الأهبل في زيارة لخطيبته، وكان يشاهد ما يبثه تلفزيون الحكومة عن اختفاء جبل السكر، ومن دون مقدمات ابتسم ابتسامة عريضة ونظر إلى خواصر وقال:

-هل تعرفين أين اختفى الجبل؟

-من أين لي أن أعرف يا سعد الأهبل؟!

-لقد بعته ، أنا بعته ...

وحدق فيها بكل ثقة واعتداد

-سعد يا حبيبي لمن بعته ؟ ها ... لمن؟

-هذا ليس من شأنك، المهم أنني الآن أملك مالاً كثيراً، وأوصيك أن لا تخبري أحداً بالأمر...  ها !!

كان سعد الأهبل قد سرق متجر الجواهرجي قبل يومين، ووجد في حادث اختفاء الجبل فرصة ثمينة ليفسر مصدر ثروته.

في اليوم التالي كانت خواصر قد قامت بإخبار جميع صديقاتها بسر اختفاء الجبل:

-سعد الأهبل خطيبي هو الذي باع الجبل لأناس غرباء ودفعوا له أموالاً طائلة، وقال لي أنه سيبني لي بيتاً كبيراً وقد يبني قصراً  محاطاً بحديقة ...

 في هذه الأثناء كان وزير السياحة يقرأ بياناً باسم الحكومة، يعبر فيه عن محاولة الحكومة أن تقدم تفسيراً لهذا الحادث، وأن هذه الظاهرة الغريبة لا زالت تحت البحث والدراسة.

وبعد ساعات قليلة وصلت رسالة عاجلة من هيئة الأمم المتحدة إلى مكتب رئيس الدولة، تطالب فيها بالبحث الجدي عن سر اختفاء الجبل، وفي ذات الوقت عرضت إحدى الدول الكبرى إرسال قوات كبيرة لأجل المساعدة في البحث عن الجبل المفقود.

في ساعات الليل قامت قوة معززة بالمصفحات باقتحام بيت سعد الأهبل، وقامت باعتقاله تحت حراسة مشددة، وعلى الفور أعلن راديو الحكومة أنه تم إلقاء القبض على مواطن له ضلع بقضية اختفاء الجبل، ويدعى سعد الأهبل من بلدة السعادة الذي قام ببيع الجبل لأناس غرباء، وتناقلت وكالات الأنباء هذا الخبر شديد الأهمية، وبدأت الصحف في البلاد وفي جميع أنحاء العالم بنشر الخبر مرفقاً بصورة شخصية لسعد الأهبل على صفحاتها الأولى وهو يمشي  بين شرطيين، وجاء في الخبر أنه سيتم تقديم سعد الأهبل للمحاكمة بتهمة الخيانة العظمى.

وفعلاً، بعد أيام عقدت محاكمة سعد الأهبل، وانبرى أشهر المحامين بالدفاع عنه وقدم في خطبته عرضاً مفصلاً ليبرر هذه العمل معتبراً بيع الجبل خدمة كبيرة للوطن وذلك لأن جبل السكر كان يحجب النظر بين مساحات البلاد... وعندما سأل القاضي سعد الأهبل لمن باع الجبل؟ قال أنه باعه لأناس غرباء من الفضاء الخارجي، وسأله القاضي لماذا يريدون شراء الجبل وما حاجتهم به؟ فأجاب سعد الأهبل وهو يحك رأسه؛ أنه نسي أن يسألهم.

وفي الحال استنكرت الدول العظمى هذه المحاكمة واعتبرت أن اتهام سعد الأهبل إنما هو تلفيق واضح  ويعتبر أمراً غير منطقياً، وأن الحكومة إنما أرادت أن تزيح عن ظهرها عناء البحث عن الحقيقة، وانطلقت المظاهرات وبدأت المطالبة بالإفراج عنه، ووصفت المعارضة بأن اعتقال الحكومة لسعد الأهبل إنما هو مخطط فاشل، وان سعد الأهبل أدلى بأقواله تحت الضغط والتعذيب، وطالبت أحزاب المعارضة الحكومة بالبحث في الأسباب الحقيقية وراء اختفاء جبل السكر، وطالبت بانتخابات مبكرة.

في نهاية الأمر رضخت الحكومة لهذه الضغوط وعقدت محاكمة سعد الأهبل ثانية، وقدم المحامي الشهير عريضة دفاع أخرى وصفه فيها بالضحية التي لا حول لها ولا قوة، وأنه إذا ما سرق متجر مجوهرات فأنه لا يعرف كيف يبيع ما سرق  فكيف يبيع  جبل؟ وفي نهاية المحاكمة أطلق سراح سعد الأهبل واستقبلته جماهير غفيرة في بلدة السعادة بحفاوة، أما خواصر فلم يرق لها الأمر وقررت الانفصال عنه بعدما تبين أنه كاذب كبير ولا يملك المال مثلما ادعى، أما المحامي الشهير فأصبح يعرف بالبطل ومنقذ أبناء الشعب، ودفع له سعد الأهبل حصيلة ما سرق من متجر المجوهرات مقابل جهوده بالإفراج عنه.

بعد يومين قرأ وزير السياحة بياناً جديداً عبر فيه عن قلق الحكومة من الأحداث الأخيرة، وأن الحكومة تعتبر أن اختفاء الجبل ليس سوى مؤامرة دبرتها أحزاب المعارضة بالتعاون مع قوى خارجية من أعداء الوطن، والهدف هو بالتأكيد إسقاط الحكومة.

بمرور الأيام أصبح سعد الأهبل رمزاً وطنياً، حتى أنه حصل على بطاقة عضوية في مكان متقدم في أحد أحزاب المعارضة، وحاول سعد الأهبل مراراً أن يقنع خواصر بأنه قام فعلاً ببيع الجبل وأنه ينتظر أن يرسل له رجال الفضاء المال، وحينها سيبني لها بيتاً أو حتى قصراً، لكن خواصر لم تقتنع بكلامه ووصفته بأنه كاذب كبير وإن كان يريد أن يثبت عكس ذلك فعليه أن يأتي بالدليل على ما يقول . .

بقي أبناء بلدة السعادة يسمعون أخبارا من هنا وهناك عن رؤية جبل السكر في مكان ما من العالم، وكان سعد الأهبل يحاول أن يقنعهم أن هذه الأخبار غير صحيحة وأن جبل السكر في مكان ما على أحد الكواكب، وشوهد سعد الأهبل مراراً وهو ينظر إلى السماء في ساعات متأخرة من الليل، وساء حاله من يوم إلى يوم، وشوهد أكثر من مرة وهو يمشي في الطرقات  وهو يهذي بكلمات غير مفهومة ..

بعد مرور عدة أشهر وفي صباح شتوي  بارد حدث ما لم يكن متوقعاً، لم يصدق أهالي بلدة السعادة أعينهم حين رأوا الجبل وقد عاد إلى مكانه وكأنما لم يحدث الذي حدث، وعلى الفور عادت الكاميرات إلى بلدة السعادة وبدأت وسائل الإعلام تنقل صوراً للجبل، وصوراً أخرى لوجوه أهالي البلدة وقد أصابتهم الدهشة وهم ينظرون لجبل السكر بفرح عظيم كأنما يشاهدونه للمرة الأولى، وراح البعض منهم يقول:

 " انظروا ما أجمل جبل السكر، إنه أجمل جبل في العالم ".

وفي المساء كانت الثلوج قد بدأت تتساقط على قمة الجبل، وفي ذات الوقت كان وزير السياحة يقرأ بياناً ويقول:

- نعم أيها المواطنون، لقد قامت حكومتنا برعاية رئيس البلاد بأقصى جهدها لإعادة الجبل إلى مكانه، وهاهي قد فعلت وأعادت جبل السكر من أيدي السارقين المارقين، أيها المواطنون أردنا أن نجعل عودة الجبل مفاجأة لكم في هذا اليوم الثلجي الجميل، لذلك فإننا لم نبادر للإعلان عن عودة الجبل إلى مكانه قبل أن يحدث ذلك... فعلياً ...

وكادت عينا وزير السياحة أن تدمعا من فرط التأثر.

 

 

 

امرأة ثرثارة وثلاثة رجال صامتون

 

 

-من هؤلاء؟ من أين أتوا؟ أنا لا أعرف عنهم أيّ شيء... يقولون إنهم إخوتي، هراء لم يكن لي إخوة أبدًا، الآن وبعد أن حصلت على ثروة أبي  يظهرون فجأة ويقولون إنهم أخوتي، حتى أنهم لا يشبهونني هل لاحظت ذلك؟ لا شكّ أنك لاحظت. أين ذهب يوسف؟ اللحظة كان هنا.

كانت السيدة بديعة تقول كل هذا وهي واقفة عند زاوية المطبخ، في الطابق الثاني من البناء المطلّ على الحوش الكبير الفارغ، أمّا زوجها فكان جالسًا في مكانه على الكنبة المنفردة والمفضّلة لديه منذ سنين، يصغي بغير اهتمام لزوجته، يجيبها بحركات تعبة من وجهه، وفي اللحظة التي تدير فيها وجهها نحو الحوش الكبير في الخارج وتواصل الحديث، على الأغلب لنفسها، فإن صاحبنا يشعر براحة شديدة ويعفي نفسه من الحركات والإشارات التي دأب على إتقانها منذ سنوات عديدة لكي يفوز برضا السيدة زوجته، وغالبًا ما كان يتحفها في نهاية خطبتها بجملة تفعل فعلاً حسنًا لديها:

-أظن أنك على حق..

أو أن يقول:

-كل ما قلته صحيح.

لم يكن هذا عملاً مرهقًا، خاصة وأنه كان قد أتقن الاستماع إلى صوت العصافير في الخارج في ذات الوقت الذي كانت السيدة بديعة تواصل خطبتها:

-من هؤلاء؟  أنا لا أفهم كيف يجرؤون على القدوم وقول شيء كهذا، أي وقاحة هذه، هل كنت تتصور أن يحدث هذا؟ أنا لم أصدق عينيّ حين بدؤوا بالبكاء، وكأن والدي المرحوم لم يكن يفارقهم، أنا ابنته لم أشعر بالأسف عليه، هذا العجوز المقيت. من كان يريد أن يكون له والد كهذا، ليس لدي أخوة، لا.. مخادعون ظنوا أني صدقتهم، سيأتون الليلة، وسوف أريهم، سأقول لهم: أنتم كاذبون، هكذا ببساطة، أنتم كاذبون،  أين يوسف؟ ألا تعرف؟ إنه ابنك كما هو ابني... الطعام أصبح جاهزًا، هل ننتظرهُ؟ ها.. وإذا لم يعد؟

بالطبع، فإن السيدة بديعة لم تكن تنتظر جوابًا من زوجها، ولم يكن هو بطبيعة الحال على استعداد للتفكير في أجوبة، بل على الأغلب أنه كاد يغفو على الكنبة المفضلة لديه، حين أتاه صوتها من وراء غيمة كبيرة، من بخار الفاصوليا وغطاء الطنجرة في يدها:

-يبدو أنك تعبت من الجلوس هكذا وقتًا طويلاً، اذهب ونم قليلاً، حين يأتي يوسف سأوقظك، هذا إن أتى، وإن لم يأتِ فنأكل وحدنا، هل رأيت ما حل بنا؛ تزوجت عائدة وسلوى وأماليا ولم يبقَ سوانا في هذا البيت... يوسف لا يشاركنا الطعام ولا يجلس معنا حتى أنه لا يتكلم، أيُّ شاب هذا، كأنه أخرس. الفتيات لا يتكلمن، هذا ممتاز لأنه من دواعي الأدب، لم أكن أطلب منهن أن يبدين رأيهن في أي شيء. كان لدينا فتيات خجولات، لا يحدِّثن أحدًا، أمّا يوسف فلم أنوِ أن يكون كذلك... فما رأيك هل يعاني من مشكلة ما؟ في كل مرة أقول له أن عليه التفكير في الزواج، فإنه لا يجيبني، صامت كالحجر هذا الشاب، ما رأيك، هل يعاني من مشكلة ما؟

لم يحاول الزوج أن يجيب لأنه يعرف أن الأسئلة التي تطرحها زوجته كفيلة هي بالإجابة عليها،  ويحدث هذا الأمر دائمًا منذ الشهر الأوّل لزواجهما. وقتها بدأت تظهر موهبة السيدة بديعة في قدرتها الخارقة على الكلام، وبمرور وقت قصير أذعن الزوج لهذه القدرة الهائلة وعرف أنه خاسر في هذه المعركة، فقد كانت تقضي على أيّ شهيّة لديه في الكلام. كان لديه دائمًا ما يقوله، ولكن بعد أن يقدم رأيه في ثلاث جمل على الأكثر تأتي الكلمة التي تمسك السيدة بديعة بواسطتها زمام الحديث، كأن تقول: لا... أو قولها: ماذا؟ أو أي كلمة صغيرة غير ذات أهمية من كلمات العربية والتي تجيد تلحينها وقذفها بوجه هذا الرجل المرتعد، والذي يبدأ حديثه وهو ينتظر هذه المداخلة، التي يبدأ بعدها التحوّل الدرامي في النقاش، وذلك لأن السيدة بديعة لا تسكت بعد هذا  أبدًا، وهو لم يفعل ما يغيظها أللهمَّ سوى بداية حذرة لتفنيد رأيه،  كأن يقول:

-إن وافقت سلوى على زواجها من هذا الشاب فلن يكون هذا بالأمر السيئ، أظن أنه من الأفضل أن ندعها تقرر بنفسها.

-ماذا؟ ندعها تقرر يا ويلي عليك كيف تفكر، تقرّر! ها.. هذه الفتاة الساذجة التي لا تعرف عن الحياة الزوجية سوى طير اللقلق الذي يحضر الأطفال في سلة إلى والديه.

وتواصل عرض رأيها في الموضوع بتفصيل وإسهاب، وفي نهاية المونولوج المؤثر تقول:

-أظن أن هذا الشاب مناسب لها فهي لا شك بحاجة إلى شاب مثله يأخذ بيدها ويريها الأمور على حقيقتها، حسنًا، في المساء قل له إننا موافقون.

بالطبع لم يكن الزوج العزيز هو من يصرح بالموافقة، بل كانت السيدة بديعة هي من تقوم بكل ما يتطلّب، وهذا ما حدث هذا المساء حين قدم الرجلان لتسوية أمور تركة المرحوم،  ومن سوء حظهما أنهما لم يعرفا بعد حقيقة السيدة بديعة التي رأوها تبكي في المرة السابقة وتصغي إليهم دون أن تجيب. وبالطبع لم تكن تفعل ذلك إلا من هول الصدمة، فلم تكن تتوقع أن يأتي أحد ويعلن فجأة أنه أخاها. 

دخل الرجلان ورائحة طيبة تسبقهما، وكانا في أحسن حال يلبسان أفخر الثياب وشعرهم مصفّف بعناية. ببساطه، شعرت السيدة بديعة، وهي لا تزال في ثياب البيت ورائحة الصابون تفوح منها، أن شيئًا ما تحرّك في داخلها، وجعلها تحسّ برغبة قوية لو أن هذين الرجلين أخواها فعلاً، وحدّثت نفسها كم هو رائع أن تحدث مفاجأة كهذه.

 قدّمت لهما القهوة، بدأ الأول بالحديث بنبرة هادئة وحزينة:

-إنه والدنا وعرفنا ذلك منذ سنين  ولكننا لم نجده .. وكما قلنا في المرة السابقة، فقد تزوج أُمّنا بصورة سرية لمدة خمس سنوات وانفصلا بعد ذلك، وقبل أن تموت أَرَتنا عقد الزواج  وهناك كان  اسمه واضحًا، وانتظرنا طويلاً أن نجده  ولكن للأسف حدث هذا متأخرًا.. لقد قرأت خبر وفاته في الصحيفة وهكذا وصلنا إليكم.

وهنا حدث ما يجب أن يحدث وهو أن تتدخّل السيدة بديعة عند أول فرصه..

-وصلتم إلينا!

-نعم... و...    

-حسنًا، عليك أن تعرف أولاً أن أبي المرحوم لم يكن له زوجة على الإطلاق ولا حتى بالسرّ، ثم أنه لم يكن يغادر البيت مطلقًا، حين يعود من العمل يجلس في الشرفة حتى مغيب الشمس، ثم يدخل ليستمع للراديو في غرفته، وينام حتى الصباح.. فَقُلّي بربك كيف يتسنّى له الوقت لأن يتعرّف بامرأة فاسقة كأمِّك ويتزوجها وينجب منها أطفالاً... أيُّ هراء هذا... أرني هذه الورقة التي في يدك... أرني إياها.

مدَّ الرجل الورقة إليها، ونظر إلى زوجها الذي أزاح نظره في الحال، وحدّق في صورة المرحوم صاحب التركة المعلقة على الحائط، وكأنّ الأمر لا يعنيه.

-هذا هو عقد الزواج إذن، مزور... أجل مزوَّر، لا شكّ أنك فعلت هذا. كان أبي رجلاً مخلصًا وشريفًا ثم أنكما لا تشبهان أحدكما الآخر فكم بالحري أن تشبهاني، مخادعان.. هذا ما أنتما...

أصاب الذهول كلا الرجلين، ولكن السيدة بديعة لم تمنحهما فرصة استيعاب ما يحدث لتنقضّ عليهما:

-إن كنتما تظنّان أنه بدخولكما من الباب تستطيعان سلب الناس أموالهم، فإنكما مخطئان تمامًا، واستمرت على هذا النحو إلى أن قالت فجأة:

-زوجي هل تريانه؟

نظرا سوية إلى الزوج

-لم أكن لأصدق أنه يفعلها، في مرة جاءني ليقول أنه متعب من الزواج، لم أصدقه ولم أعره أي اهتمام، وها هو لا يزال زوجي وهو راضٍ بذلك، أنتم الرجال كاذبون، هذه صفة متأصّلة فيكم، أشكر الله الذي لم يخلقني رجلاً.

وراحت السيدة بديعة تعرض الفروق الأساسية بين الرجال والنساء من وجهة نظرها وتقدّم مثلاً حيّاً على ذلك تخلص من خلاله إلى أفضلية النساء على الرجال:

-زوجي مثلاً لا يقوم بعمل مفيد، يجلس طوال الوقت دون حراك، لا يتكلم، لا يقول شيئًا، حتى أنه لا يشْتُم ولا يفعل أي شيء يشير إلى وجوده، أليس هذا كذبًا؟ هل يوجد رجل كهذا بربكم؟

وهنا يهزّ كلا الرجلان رأسه بالنفي، وتواصل:

-يوسف ابني الوحيد خرج منذ الصباح ولم يعد حتى الآن، حين يأتي سترون أي طفل مراوغ هو، أسأله فلا يجيب، يفعل ما يحلو له، أي قوم هم هؤلاء الرجال؟ يصعب عليّ الفهم...

وهنا انتقلت السيدة بديعة إلى بناتها:

-سلوى عايدة وأماليا بناتي العزيزات سعيدات بزواجهن، مخلوقات لطيفه هن النساء لا يفعلن ما يدعو للأذى والسخط، أما ابني يوسف فأينما يتحرّك فالأشياء تقع وتنكسر وحين يغضب يرمي الملاعق من الشباك، هناك في الحوش أشياء تلمع، إنها ملاعقنا، هذا المخلوق المتمرّد لو كان يصغي إلّي، لو كان يوافق أن يتزوج، ولكن تعرفون كم هي صعبة الحياة هذه الأيام، فأين سيسكن؟ زوجي يقول ليسكن معنا، صحيح ؟

لم تأتِ الإجابة من الزوج لأن السيدة بديعة واصلت حديثها:

-لم تعد الحياة تطاق؟  فالغلاء يصيب الناس بالجنون، يا ويلي، لقد ذهبت قبل أسبوع لشراء بيجاما لزوجي، فهو يحب النوم أكثر من أي شيء آخر، وهناك قال لي البائع أن سعرها، لو تعرفون كم... 

مرت ساعة كاملة وبدا التعب الشديد على الرجلين، وبدأ يتحيّنان الفرص للاستئذان بالذهاب وقد اقتنعا أن حديث السيدة بديعة قد لا ينتهي:

-ثم أني غير راضية عن زعيمنا، لقد أصبح عديم الجدوى في الفترة الأخيرة، وكما قالت جارتي أم سعيد  فأنه لا بدّ من أن يتنحى ويأتي مكانه من هو أكثر شبابًا، وحسب قولها فإن زوجها يعتقد أنه يجب أن تجرى في البلاد انتخابات ديمقراطيه، فلا يعقل أن لا يتغيّر الرئيس خلال ثلاثين عامًا، هذا زوجها، أما زوجي فإنه يعتقد أنه إما أن يتنحى الزعيم أو أن يحدث انقلاب، ليس هناك حل آخر، أليس كذلك؟

طبعًا لا جواب من الزوج كما عهدتموه، وواصلت السيدة بديعة  في انتقالة درامية مدهشة حيث قالت:

-أظنّ أنه لا بأس أن يكون لي أخوان مثلكما، فأنا لم يكن لي أخوة أبدًا ، حقّاً لما لا ما الذي يمنع أن يكون لي أخوان، هكذا فجأة، إنها هدية من الله بعد وفاة والدي، منذ اللحظة الأولى التي رأيتكما بها خفق قلبي أي والله، أقسم بذلك. أمّا زوجي فلم يحسّ الشيء نفسه، على العكس فإنه لم يستلطفكما، وقال لي إنكما مراوغان دون شك، لكن لا، قلت له: أنت مخطئ يا عزيزي...

استمرّت السيدة بديعة في حديثها بسرعة غير اعتيادية، وفي كل مرة كان يحاول أحدهم أن يقول شيئًا ما كانت السيدة بديعة تسبقه بالاستطراد في رأيها والانتقال من موضوع إلى آخر بمهارة مدهشة. وهكذا مرّت الساعة الثانية، مما جعل الزوج العزيز يستأذن منهما بحركة من يده لئلا يزعج استرسال زوجته في الحديث، ويدخل إلى غرفة النوم ليستريح من عناء الإصغاء.

وأخيرًا حانت الفرصة الذهبية حين دلف من الباب شاب صغير السن، وهنا صاحت السيدة بديعة:

-يوسف أين كنت، لقد انتظرناك على الغداء؟

لكن يوسف لم يجب بل سار إلى غرفته دون أن يبالي بها أو بضيفيها، واللذان ومن حيث لم تدرِ كانا قد وصلا إلى جانبها وهما يستأذنان بحرارة، واغتنما فرصة أن الباب كان لا يزال مفتوحًا، فخرجا وهما يسرعان بالمشي ويهزّان رأسيهما ويتحدّثان بجمل عصبية سريعة.

أطبقت السيدة بديعة الباب والتفتت نحو الطاولة وصاحت:

-لقد نسيا العقد هنا!

حملت العقد ودخلت إلى زوجها وهي تقول:

-لقد نسيا العقد المزوّر ... هل تعلم ما سأفعل بهما الآن؟ اسمع ..

وجلست على حافة السرير وبدأت بالحديث، أما الزوج العزيز فقد دخل بكامله تحت الغطاء، جاهدًا في أن يصغي لصوت العصافير في الخارج، وفي أن يجعل  صوت السيدة بديعة يغيب وهي تشرح بإسهاب ماذا عليه أن يفعل  بالعقد المزور، وكيف سوف تسجن هذين المحتالين.

 

 

 

البقرة الحلوب

 

                                                                                             

بدأت القصة قبل سنة بالتقريب. حدث ذلك حين جاء حريص قاطعاً مسافة طويلة من قريته لأجل أن يقوم بالفحوصات الطبية اللازمة، إنه هذا الأنف الكبير الذي ينغّص عليه حياته، أنف لا يشبه الأنوف البشرية، مليء بالزوائد اللحمية التي تمنع مرور الهواء، يعيش حياته من دون طعم أو رائحة. فحين يأكل لا يستطعم، وحين يشم فلا رائحة لشيء، والأنكى من ذلك أن هذا الأنف اللعين يقوم يوميًا بإفراز كميات من المخاط تضطره لأن يقوم بالتمخّط من وقت لآخر، ولأجل هذا فعليه أن يحمل لفافة ورقية أينما ذهب، وهو أمر يسبب له الإحراج البالغ، عدا عن الأضرار المعنوية التي يسببها لزوجته بسبب صوت شخيره العالي.

لقد بلغت مأساة حريص حدّاً جعلته يفكر في أن يقوم بقطع أنفه ليتخلّص منه نهائيّاً، ولكن زوجته منعته من ذلك وأقنعته بالذهاب إلى الطبيب لعلّه يُجري له عملية جراحية، ويخلّصه من هذا العبء نهائياً، فآخر شيء كانت تريده هو أن يكون لها زوج بلا أنف .

وصل حريص في الصباح الباكر إلى مستشفى المدينة، أخذ الطبيب عيِّنة من مخاطه ليقوم بفحصه، وعاد إلى القرية ليتمّ استدعاؤه على عجل بعد شهرين من ذلك اليوم، وحالما وصل وعرّف عن نفسه قالت له الممرضة المساعدة:

-لا تتحرك من هنا حتى يأتي الطبيب فهو يريد أن يراك حالاً، هل فهمت؟!!

وبعد ساعات من الانتظار جاء الطبيب ومعه عدد من الممرضات وهو يصيح:

-أستاذ حريص، يا أستاذ حريص أين كنت كل هذا الوقت؟

-هنا، لم أتحرّك من مكاني، والله...

وراح الطبيب يضحك ويقول :

-أنت كنز، أي والله كنز، أين كنت من زمان يا رجل؟ لو تعرف فقط ما الذي ينتظرك..!

هزّت الممرضات رؤوسهن موافقات. كانت  فرحة الطبيب كبيرة وهو يتحدّث بلهفة شديدة إلى الأطباء الذين تمَّ استدعاؤهم من باقي الأقسام في المستشفى، حتى أنه لم يبقَ أحد لم يأتِ إلى قسم الأنف والأذن والحنجرة  ليتفرَّج عليه ويصافحه، وبقي الأمر هكذا حتى المساء وحريص لا يفهم بعد ما الذي  يحدث، يوزع الابتسامات على الجميع  ويقول لنفسه:

-لعلّ أحدًا يشرح لي ما الأمر، والله زهقت، يا تُرى متى تكون العمليّة؟ إما أني دخلت

مستشفى المجانين، أو أني أحلم! ما بهم يضحكون ويتحركون هكذا بسرعة؟! ليس هناك أمل يرجى من هؤلاء القوم....

وبدأ يجمع أشياءه يريد العودة إلى قريته قبل مغيب الشمس. ولكن، إلى أين؟ أمسك به الأطباء وأجلسوه على الكرسي بالقوة:

-أستاذ حريص،  أنت رايح وين؟

وبدأ الطبيب  يشرح  له  كم هم سعداء أن القدر ساقه إليهم:

وقال طبيب آخر :

-أستاذ حريص ...

-نعم ؟!!

-إن المخاط الذي تنتجه حضرتكم يحتوي على مادة كنّا نبحث عنها منذ زمن بعيد، هذه المادة  تفيد في علاج الأمراض الخبيثة والمستعصية كالسرطان والجدري والحصبة، وإنتاجها يكلّف مبالغ خيالية، لو تعرفون حضرتكم قيمة هذا الاكتشاف، أنتم كنز، كنز كبير يا أستاذ حريص...

وقال طبيب آخر وهو يحدّق به كَمَن يحدّق إلى فأر تجارب:

-منذ الآن عليك أن تبقى هنا... لا خروج من المستشفى حتى نأذن لك، فيجب أن نستكمل الاختبارات حتى النهاية... شيء رائع أنك قررت أن تجري عملية لأنفك...

-ومتى ستجرون لي العملية؟

-انتظر على مهلك حريص بيكْ.

-هذا الوضع لا يطاق والله، حتى أنني... تصور يا حضرة الطبيب فكرت أن أقطع أنفي وأستريح.

-تقطع أنفك؟

-أجل.. تصوّر!!

-إيّاك ثم إيّاك!!

-كم علي أن أدفع لقاء العملية؟

-تدفع؟ هأ.. هيء هيء، نحن سندفع لك... اسمع، لن نجري العملية في الوقت الحالي، هناك ما هو أهم، يبدو أنك لم تفهم ذلك بعد، حسنًا سأشرح لك..

بعد انتهاء الشرح، وبعد أن فهم الأمر تمامًا برزت أنياب حريص وهو يبتسم ابتسامة كبيرة، وعلى الفور قام بالاتصال بزوجته لتحضر حالاً، ورفض أن يشرح لها الأمر، فكل ما أخبرها به، إن الموضوع خطير للغاية...

وهكذا بقي حريص في المستشفى لليوم التالي، وكان الأطباء قد أوصوا الممرضات أن يتلقّى رعاية خاصة وأن يُقدَّم له البيض والحليب والزبدة واللبنة والجبن الأصفر والأبيض والمالح بأنواعه، مأكولات شهية بغير شك!! وحين تأتي لحظة التمخيط  تقف الممرضات باستعداد، ينظرن إلى حريص وهو يمسك بيده العلبة البلاستيكية، وكأن لا عمل آخر لديهن، وهوبْ.. المخاط الآن في العلبة!! ويتمّ استدعاء الطبيب الذي ينظر إلى السائل ذي اللون الأخضر الفاتح في الوعاء ويهز رأسه فيهتزّ السائل ويتحرّك بلزوجة بطيئة:

-جميل، جميل جداً، اللون الذي أحبه، يا سلام... إلى المختبر، هيا خذيه، آها... أستاذ حريص...

-نعم  دكتور؟!

-أثبتت الاختبارات أن كل المخاط الذي تنتجه صالح  للاستعمال، مصل بكل معنى الكلمة، أين كنت كل هذه السنين يا أخي؟

-في القرية... أين سأكون يعني؟

-وأين كنت تتمخط؟

-غالباً حين أعمل في الأرض، أو في المغسلة حين أكون في البيت، أو في المرحاض..

-يا للخسارة، كميات هائلة ضاعت منّا، لا بأس سنبدأ منذ الآن، عليك أن تبقى هنا لفترة طويلة.

-والأرض من يعمل بها وزوجتي والأولاد ...ها؟

-لا تقلق، سنهتمّ بكل هذا...

في اليوم التالي وصلت زوجة حريص، ولم تمضِ سوى ساعات معدودة حتى فهمت السيدة حريص ما الذي يحدث، عندها أطلقت زغرودة سمعها كل من كان في المستشفى.

أخبر الطبيب حريص أنه من اليوم فصاعدًا عليه أن يجتهد في إنتاج الكميات اللازمة من المخاط، وواصل الطبيب:

-يُتوقّع منك أن تنتج نصف كيلو غرام من المخاط الأخضر الفاتح الصافي... يوميّاً..

كان حريص يقوم، عادة، بالتمخّط خمس مرات في اليوم، أمّا الآن، وبتأثير البيض ومنتجات الحليب، أصبح ينتج المخاط بكميات أوفر، سبع إلى ثمان مرات تقريبًا... ولكن نصف كيلو غرام، هذا كثير..

أمّا الخبر المفرح فقد كان أن مركزًا طبيّاً فرنسيّاً أعلن عن استعداده شراء كل الكمية المنتجة من المخاط وعرض مبلغًا كبيًرا لقاء ذلك، وستكون لحريص حصة خمسين بالمائة من المبلغ.

لم تمضِ سوى ساعات معدودة حتى كانت السيدة حريص قد قامت بعملية الحساب اللازمة، فقد قامت أولاً بتحويل المبلغ إلى العملة المحلية ثم التقسيم على اثنين، وفور انتهائها من العملية الحسابية  أطلقت زغرودة ثانية كانت أقوى وأعلى من الأولى اهتزّت لها أرجاء المستشفى.       

ومرّت شهور على هذه الحال وحريص يجتهد بإنتاج ما يلزم من المخاط؛ نصف كيلو غرام يومياً، وعلى الفور كانت الكمية تشحن بالبريد السريع إلى فرنسا، وجاءت النتيجة الأولى للاختبار أن المادة ممتازة وأن العقار الأوّل في طريقه إلى الإنتاج، وأعلنت صحيفة فرنسية علمية عن نيّتها إجراء لقاء مع حريص حول إنتاجه للمخاط  المدهش..

وسرعان ما وصل خطاب باللغة الفرنسية مفاده أن الطبيب الفرنسي الشهير بمعالجة الأمراض الخبيثة سيأتي ليقابله شخصيّاً  ومرفقًا مع الخطاب  دفعة أولى من المال، وتلقّى خطابا آخر من وزير الصحة يهنئه فيها ويبارك له وللوطن.

ومع مرور الوقت ازداد الطلب على المخاط الذي ينتجه حريص وقدمت الممرضات كمية أكبر من المنتجات الحليبية والبيض بأنواعه المقلي والمسلوق والمخفوق،  وبدأ حريص يضيق من الأمر ويسأل عن موعد العملية الجراحية التي وعد بها ، ولكن ليس من مجيب.

حتى كانت تلك الليلة التي أفاق فيها حريص مفزوعًا من حلم، فلقد رأى نفسه على شكل بقرة، ورأى عدد كبير من الأشخاص من حوله يلبسون الأبيض ويشحذون السكاكين استعدادًا لذبحه، كان هذا حلمًا مفزعًا جعله غير قادر على النوم، بقي حتى الصباح يفكر في الأمر، وأخيرًا استقر على رأي.. الفرار من المستشفى والعودة إلى القرية.  

في الصباح كانت كل آثار هذا القرويّ غريب الأطوار قد اختفت، فقرّر الطبيب أن يبلّغ وكيل وزارة الصحة في خصوص هرب أثمن مريض في الدولة من المستشفى، وما كان من وكيل الوزارة إلا أن قام بمهاتفة حريص شخصيّاً علّه يقنعه بالعودة إلى المستشفى:

-حريص بيك ماذا تفعل هناك في القرية؟ أنت تضيع فرصة كبيرة، هل تعرف كم سيزداد سعر المخاط مع الوقت، خاصة حين يعرف العالم كله بوجوده، وهل تعرف كم من المال ستقبض لو عدت إلى المستشفى؟ أنت ببساطة تُضيّع فرصة كبيرة، لا يفعل هذا سوى أحمق، وحتى إن كنت غير معنيّ بالمال فماذا عن واجبك تجاه الوطن  والإنسانية، أولئك الناس الذين يموتون لأنك لم تقدم لهم الدواء  الذي هم بحاجة إليه... ألم تفكر بهذا؟ يا أخي إن أردت أن أتوسّل إليك فلن أفعل، لعلّك تريد أن يكلمك الوزير شخصيّاً، أو حتى رئيس الدولة؟ ها... اسمع، أمامك فرصة أخيرة للعودة بقرارك وإلا فإن الموضوع سوف يتحوّل إلى الشرطة وسيتمّ إحضارك بالقوة إلى المستشفى، عليك مواصلة العلاج، في دولتنا لا نقبل أن لا يواصل المريض علاجه حتى النهاية، يا أخي إن كنت غير قلق على صحّتك فالدولة قلقة، قلقة للغاية.. ها! ماذا قلت  أستاذ حريص حريص بيك؟ هل تعود بنفسك أم نحيل الأمر إلى الشرطة، ها!

ولكن كل هذا لم يقنع حريصا، ومرّت الأيام وحريص ممتنع عن تزويد المستشفى بالمخاط. وأخيرًا قرّر الطبيب أن يذهب بنفسه إلى القرية كي يقوم بمحاولة أخيرة ويقنع حريص بمعاودة تزويد المستشفى  بالمخاط  مصطحبًا وإياه الطبيب الذي قدم للتوّ من فرنسا، وجلب معه مبلغًا كبيرًا من المال، وما أن علم حريص بنبأ قدومهم حتى استقر على رأيٍ عمل على تنفيذه  بكل عزم.... لقد قطع أنفه!!

كان منظرًا مؤسفًا للغاية. حريص يقف أمام باب بيته ولفافة بيضاء تحيط رأسه في الوسط تمامًا وتمرّ بين الفم والعينين، حتى أن الطبيب كاد أن يبكي من هول الصدمة والخيبة حين رآه.  وارتعشت شفتا الطبيب الفرنسي وتمتم بالفرنسية ما معناه يا للخسارة العظيمة للبشرية.

ومرّت لحظات طويلة، وأخيرًا قال الطبيب:

-لماذا فعلت هذا يا حريص؟

فأجابه بصوت خالٍ من المخاط:

-إنها البقرة الحلوب...

-لم أفهم.

-البقرة الحلوب!

ثم دخل وأغلق الباب بقوة.     

 

 

 

العصفور والشّاحنة

 

 قصة للأطفال

وقف عصفور على غصن شجرة، وراح يغنّي أغنية حزينة، نملات ثلاث توقّفن عن العمل ورحن يصغين للشّدو، ثور في الحقل القريب أوقف السّكة عن الحراثة، وفي النّاحية الأخرى من النّهر توقّف سنجاب عن قضم حبّة بندق بين يديه، وراح يصغي هو الآخر.

بعد قليل سُمع صوت شاحنة وهي تهدر بعنف، راح العصفور يشدو بصوت عالٍ حتّى يسمعه الجميع، وكلّما اقتربت الشّاحنة كان العصفور يزيد من قوّة صوته أكثر فأكثر.

 عندما مرّت الشّاحنة بمحاذاة الشّجرة، أصبح صوت العصفور قويًا جدًا، ورويدًا رويدًا بدأ صوت الشّاحنة يختفي، وبقي صوت العصفور يشدو بقوّة، والجميع يصغون إليه بالصّمت ذاته.

 توقّف العصفور عن الشّدو قليلاً ليرتاح، لكنّ أحدًا لم يعد إلى عمله، وانتظر الجميع أن يكمل العصفور لحنه الحزين، فكّر العصفور قليلاً وخطر له أن يقلّد صوت الشّاحنة. وحين بدأ يفعل ذلك راح الجميع يضحك، فحاول مرّة أخرى، ومرّة أخرى، لكنّ صوت الضّحك كان يعلو من جديد مع كلّ محاولة.

عرف العصفور أنّه لم يحسن تقليد صوت الشّاحنة، فعاد إلى عزف لحنه الحزين، حينها توقّف الجميع عن الضحك وعاد كلٍّ إلى عمله: عادت النّملات الثّلاث إلى العمل، والثّور في الحقل القريب عاد للحراثة، وفي النّاحية الأخرى من النّهر عاد السّنجاب يقضم حبّة البندق بين يديه.

زاد العصفور من قوّة صوته، وحاول أن يزيد من حسنه ليلفت الانتباه إليه من جديد. ولكن ما من أحد استجاب للغناء وما من أحد توقّف عن عمله، خجل العصفور من نفسه، وحمل جناحيه، وطار إلى أرض بعيدة ليغنّي أغانيه الحزينة هناك.

بعد قليل عادت الشّاحنة وهي تهدر بعنف وقد أفرغت حمولتها في أقصى الغابة، توقّف الجميع عمّا يفعلونه، النّملات الثّلاث توقّفن عن العمل ورحن يصغين للصوت الهادر،  الثّور في الحقل القريب أوقف السّكة عن الحراثة، وفي النّاحية الأخرى من النّهر توقّف السّنجاب عن قضم حبّة البندق بين يديه، وراح يصغي هو الآخر.

راح الجميع يصغي بصمت وانتباه لصوت الشّاحنة الهادر، حتى تلاشى بعيدًا.

 

 

 

حمار أبي

 

-هذا الحمار يشبه أبي...

وانفجرنا ضاحكين ، كيف يشبّه مسعود أباه بالحمار ؟ وكيف يمكن للحمار أن يشبه أبا مسعود الذي لا يجرؤ  على الاقتراب منه أحد ؟! قبل أيام قليلة ذهبنا إلى مسعود لاصطحابه ليأتي ويلعب معنا ، فخرج إلينا أبو مسعود بجسده الضخم ، وأخرج صوته الجهوري من تحت شاربيه الكثيفين 

-مسعود لا يريد اللعب... اذهبوا من هنا ..لعنكم الله ... أطفال شياطين ...

لم يكن مسعود يشبه أباه في شيء... كان نحيل الجسد ، رقيق الحس يميل إلى الهدوء والسكينة والتأمل ... وطالما كان مسعود ضحية سهلة لغضب أبيه... وكثيراً ما كان يخطف الصفعات ويتلقى التوبيخ والشتم بسبب أو من دونه ، وكنّا كما مسعود نخاف أباه ولا نجرؤ على زيارته في البيت ، لأن مجرد ظهور أبو مسعود كان يسبب لنا الارتعاد ، وكنّا نتفق في كثير من الأشياء مع هذا الفتى الهادئ المرهف الحس،  ونشعر معه بتعاطف كامل ، ونقدر معاناته اليومية .

لم نعهد مسعوداً يمازح أحداً ، أما أن يمازح الحمار ويشبهه بأبيه فلقد كان هذا من أظرف ما سمعنا .. وحين ضحكنا من قوله، ولم يكن يتوقع أن تفعل بنا الجملة ما فعلت،  راح يضحك معنا ويزيد في القول:

-هذا الحمار عبوس كأبي تماماً ... انظروا إلى تكشيرته ... واحكموا بأنفسكم ...

لم نكن نفكر في النعوت التي يطلقها مسعود على أبيه ، فلا شك أن لديه الشرعية الكاملة في التعبير عن مكنونات نفسه المضطهدة ... وكان الأمر يفرحنا ..خاصة وأن مسعود قد خرج من جلده وبدأ يضاحك المأساة اليومية، وعند عودتنا من المدرسة مروراً بذلك الحمار كنا نتعمّد أن نذكّر مسعود بقوله الذي أضحكنا، ونضحك من جديد.

وفي مرة كنّا عائدين من المدرسة مروراًَ بالحمار سالف الذكر ، وإذ به قد تغيّرت حاله مما جعلنا نقف مشدوهين أمام منظره الذكوري العجيب ... كانت النشوة قد أخذته تماماً ، وراح يصدر أصوات الرغبة والشوق عبر شنهقات متواصلة تهتز لها المشاعر ، وتتعاطف معها كل إناث الأرض من سيدات الحمير ! ...كان منظراً  عجيباًَ ! فراح كلّ منّا ولم نبلغ سن البلوغ بعد ، يقارن في مخيلته ما ستكون عليه حاله عندما تأتي لحظة التحفز القصوى ... لكن مسعود قطع استرسالنا اللذيذ :

-لقد شاهدت هذا المنظر من قبل ...

-أحقاً؟!!!

 سألناه بتلهف ، فأجاب باعتزاز كبير :

-نعم ..

 ثم أضاف:

-هذا الحمار يشبه أبي في أشياء كثيرة ....

 ودوت ضحكاتنا من جديد... ولكن صوتاً قادماً من بعيد أوقف ضحكنا:

-مسعود.مسعود.د ... لقد قتل أحدهم أباك ... !

كان أبو مسعود تاجراً ميسوراً  يبيع المؤن لأهل البلدة ، لكنّه كان ، حاد الطبع ، يخافه الجميع ، كان أبو مسعود لا يدخل معركة إلا ويترك ساحة القتال كالأرض المحروقة وراءه ، والناس يشاهدون القتال فاغري الأفواه لا يجرؤون على الاقتراب أو محاولة الإصلاح، فأبو مسعود يفعل ما يحلو له ولا يجرؤ على مخالفته أحد ، ونادراً ما كان يقوى أحدهم على التخلف في دفع ثمن البضاعة ، فلديه الطريقة السحرية في تحصيل ماله !!

في ذلك اليوم تشاجر أبو مسعود مع رجل على دين مستحق منذ سنين كان الرجل يرفض تسديده ، ومن الصدفة العجيبة أن هذا الرجل كان يُعرف في البلدة بلقب الحمار ، وملخص الحكاية أن أبا مسعود قد نفذ صبره من الحمار ، وحدث أن التقاه في السوق ذلك اليوم ،  فضربه ضرباً مبرحاًَ أمام جموع الناس ، الأمر الذي أشعر الرجل بالإهانة العظيمة ! وما كان منه إلا أن أخرج من جيبه سكيناً صغيراً وطعن أبا مسعود طعنتين قاتلتين في أسفل بطنه .

أبو مسعود هذا الرجل الجبار هائل الجثة يموت من سكين صغيرة ، يا للعجب ، كانت كل البلدة في ذهول وحزن شديدين ، وودعت البلدة أبا مسعود وداعاً أسطورياً ... أما نحن فما كان منا إلا أن نواسي مسعود مواساة حذرة ، ولا نفاتح مسعود حول الحدث الجلل الذي أصابه ، ومرت أشهر ومسعود في شرود مستمر وقد تبدلت حاله خلالها تماماً ، فأصبح لا يشبهنا ، كأنما كبُر بسرعة ، فقد لاحظنا مرة أن زغباً أسود نبت موضع الشاربين ، وقد تسللت إلى صوته نبرة البلوغ الرجولية ، وصرنا نشعر أننا فتيان صغار مقارنة بهذا الرجل الصغير ... حتى أننا تحدثنا مرة فيما بيننا أن  مسعود أصبح يشبه أباه كثيراً ، إضافة إلى أنه أصبح عصبي المزاج في بعض الأحيان ، وغاضباً من دون سبب في أحيان أخرى .

أصبحنا نتجاهل الحمار عن عمد في كل مرة حين عودتنا من المدرسة،  لئلا يثير ذلك ذكرى حزينة في نفس صديقنا، ولكن في إحدى المرات وقف مسعود فجأة ونظر ناحية الحمار وقال:

- كان أبي يشبه هذا الحمار ... أتذكرون؟!!

فضحكنا ... فلم يكن بالإمكان أن لا نضحك حين يأتي ذكر الحمار وأبو مسعود في جملة واحدة ، لكن مسعود لم يضحك معنا هذه المرة ، فتوقفنا عن الضحك خجلين من أنفسنا ، وحين هدأ ضحكنا بصق بحنق وقال :

-تفوه عليك أيها الحمار !!

ثم نظر إلينا :

-هيا بنا نذهب من هنا ...

فمشينا وراء هذا الرجل الصغير، أما الحمار فقد تحرّك في مكانه وأدار مؤخرته نحونا ! 

 

أضيفت في 28/01/2005/ خاص القصة السورية/ المصدر: الكاتب

 

 

كيفية المشاركة

 

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية