|

بطاقة تعريف
الكاتبة:
إبتسام إبراهيم تريسي

قاصة وروائية من سوريا
لها مجموعة بعنوان :
جذور ميتة ، حائزة على المركز الأول في جائزة دار سعاد الصباح لعام 2001
صدر
لها حديثا:
جبل السماق .
 


نماذج من أعمالها

ستة ألوان
لوجه مدينة منسيّة
صباح الخميس 30/آذار/2000
1 ـ رمادي ...
استيقظت مذعورة ، كعادتي كل صباح ، عندما يخنق السعال طفلي بأصابعه
الشرسة ، حملته بين ذراعيّ هززته قليلاً ، بللت فمه بقطرات من الماء محاولة
مساعدته على طرد البلغم المتشبث بخلايا حنجرته ، امتدت الزرقة حول عينيه
الجميلتين وفمه الصغير ، يرافقها صوت المؤذن في الجامع الكبير الملاصق لبيتنا :
ــ (( كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام )) أخوكم المرحوم
ياسين الحداد ، انتقل إلى رحمة الله تعالى . الصلاة على الجنازة الساعة السابعة
.
تشنجت يد طفلي الممتدة إلى أنفه في محاولة يائسة لدفع الهواء إليه .
يتابع المؤذن :
ـ (( كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة )) ...
الفاتحة .
ارتديت ملابسي بسرعة ، وخرجت قاصدة طبيبة الحي ..
2 ـ أبيض ...
كان الصباح الربيعي يبسم في عيون الأطفال المتجهين إلى مدارسهم ، بقلوب
تتقافز فرحاً وخطوات ترقص لمستقبل قادم من بعيد ، الشرائط الحمر والبيض في شعور
الفتيات تضحك لزهرات المشمش الصغيرة في أوّل تفتحها .
الصبيان يتراكضون في مرح مشاكس ، يسبقون الزمن المقيت ، وأنا أحث الخطى
حاملة طفلي باتجاه الساحة التي تبدو مزدحمة على غير العادة في الصباح الباكر .
عند بيت محمود السعيد كانت سلال الورد تقف في الطابور ، وابنه الشاب
حسن يغسل السيارة ويلمعها استعداداً لزفة العروس هذا المساء ، أطلت أم حسن من
النافذة ، نادت ابنها :
ـ أريدك أن تذهب إلى السوق ، ما زال لدي الكثير من الأعمال . والتفتت
إلى المستخدمة التي كانت تنظف النوافذ ، أعطتها ملحوظة صغيرة بصوت عال ورفيع ..
ودلفت إلى البيت .
3 ـ أخضر ...
عندما وصلت إلى الساحة المتفرعة إلى أربع جهات ، كانت الزمامير تعلو
صاخبة والأعلام الخضراء والحمراء تزين السيارات ، وأعواد الورد والغار في أيدي
الصغار المحتشدين لاستقبال زائر بيت الله الحرام ، كان الحاج محمد بلحيته
البيضاء ، وقامته المهيبة يتوسط مستقبليه ، بينما فرقة السيف تقوم باستعراض
راقص على أنغام المزاهر والدفوف ، بإيقاع منتظم بسيط ...
صوت قائد الفرقة ينادي : الفاتحة على روح النبي ، وعقبال العودة .
سارت قافلة المستقبلين شرقاً ، تداخلت أصوات الراقصين الفرحة بعودة
الحاج مع صوت نائح :
ـ الفاتحة على روح المرحوم .
وعلا صوت قائد الفرقة الذي أصبح بمحاذاة القافلة التي تشيع المرحوم
باتجاه الغرب :
ـ الفاتحة على روح النبي .
4 ـ أصفر ...
عركت الطبيبة هند عينيها من آثار النوم وتمطت ، أخذت الطفل من يدي ،
فحصت الصدر بسماعتها و بكسل واضح ، نقلت خطوة متثاقلة باتجاه النافذة ، نظرت
إلى البعيد ، لم يكن الطفل ولا أنا ما تنظر إليه :
طفلك بحاجة إلى أوكسجين , الأفضل نقله إلى المشفى سأعطيه مهدئاً ، لا
أستطيع عمل شيء له .
قلبي ينتفض بين ضلوعي ، الصفرة تغطي وجه طفلي ، يداه الصغيرتان
المرتعشتان استسلمتا ، وارتمتا بعيداً عن صدري ...
5 ـ أحمر ...
كانت أغرودة طويلة تمدّ عنقها الأفعواني من نافذة إحدى غرف المشفى ،
تبعتها أخرى حلزونية منكمشة ، وثالثة كصافرة إنذار ..
صالة الاستقبال متخمة بباقات الورد الملونة التي يرقص الربيع في
أجفانها الناعسة ، وتضج البهجة في وجناتها ..
استقبلتني الموظفة بابتسامة عريضة :
ـ إنه أول مولود لمدير المنطقة جاءه بعد سبع سنوات ...
ـ طفلي يعاني من تشنج في القصبات ، الزرقة تحتل وجهه وهو بحاجة
لأوكسجين .
ـ لم يأت الطبيب بعد !
ـ الطبيب المقيم ؟
ـ في الخارج ...
أغرودة عالية تشق صدري .. سعال ، ضحكات ، تشنج صدر طفلي بقسوة ، اختلج
بين يدي ، اجتاحه عرق بارد ... و ... تصرخ حنجرتي الذبيحة :
ـ أرجوكم أوكسجين .
ـ سيأتي الطبيب في التاسعة .
طفلي يتمتم بصعوبة : ما ...
6 ـ أسود ...
أنكفئ على درجات المشفى محتضنة طفلي محاولة إرجاعه إلى رحمي .. ! أصوات
تدق رأسي بمطرقة نحاسية عتيقة ، أحذية ملمعة .. دفوف .. مزاهر .. طبول ..
أغاريد .. صوت المؤذن : الفاتحة على روح .... خطوات أنيقة تطرق البلاط الناعم :
ـ ماذا تفعلين هنا أيتها السيدة ؟
أغص بالكلمات فتخرج تمتمة مبهمة من بين شفتي .
وجه الطبيب الشمعي المصقول يطالعني بابتسامة باردة مشيراً إلى الطفل :
ما به ؟
ـ طفلي كان ... بحاجة ... للأوكسجين .
يمد يده المنشاة إلى شعره الأملس :
ـ آ ... على كلٍ هدئي من روعك لا يوجد لدينا في المشفى سوى حاضنة ،
شُغلت هذا الصباح بابن مدير المنطقة ..تعلمين ... المشفى ذو إمكانيات متواضعة .
تستمر الدفوف .. دقات القلب تعلو .. تطرق أذني .. أعلام سوداء نساء
متشحات بالسواد ... وباقات الورد في كل مكان !!
   
مواجهة
لم يتطلب اتخاذ القرار وقتا ،
طوال عمري كنت أتردد في اتخاذ القرارات المصيرية ، فيبادر أخوتي
لاتخاذها عني . انكفأتْ نظرتي حاملة لون الرماد المترسب أسفل الأفق الخريفي ،
وألماً مازال ينخر الضلوع .
في طريقي إلى بيت المحامي لم أكن أحملُ تصورا واضحا للقضية ، ولم
يكن يهمني أن أكسبها ، إصراري على المواجهة هو ما كنت أتسلح به ، بعد دهر من
الخنوع للآخرين .
ربّما لأنّ الموضوع ، ولأوّل مرّة يتعلق بحياةٍ أخرى ، وليس بحياتي
. ( وهل هناك أغلى من حياة شكرية ؟ ) .
حاولت كتم انفعالي وأنا أشرح للمحامي تفاصيل القضية ، متجاهلة تلك
الدهشة التي اعتقلت فكه الأسفل فتدلى في حركة بلهاء .
كانت شكرية خانم تبرز لي في التفاصيل الدقيقة للحادث ، فاردة ً
شعرها الطويل مثار دهشة شبان البلدة ، وثغرها المفتر عن ابتسامة عذبة لا يني
يشجعني على المضي في المواجهة .
منذ اليوم الأول لدخول شكرية خانم الصف فرضت نوعا من الذهول المحبب
مصحوبا بتزاحم لتلبية طلباتها التي لم تنطق بها ، كلّ التلميذات تحلّقن حولها
يرقبن تدفق اللون من فرشاتها على جسد الورق الأبيض ، وتناثُر الياسمين ثلجا بين
أصابعها ، وتحوّل الدفلى إلى آلهة تسطو على نبضات القلوب الصغيرة ، وتأسر
العيون بلونها الناري المشرق .
مضى زمن طويل ، لا أعرف كم من السنوات . لكنّ تأثير شكرية خانم ،
بقي ماثلا في حياتي حتى بعد رحيلها إلى مدينتها . طريقة المشي والكلام وأسلوب
رمي الفرشاة في إناء الرسم .
اقتنيت القماش والألوان ، وبقيت الدفلى تمدّ رأسها بعناد من لوحاتي
زمنا طويلا .
عندما أحكموا حصارهم حول روحي واعتقلوا سنوات شبابي ، تراكم الغبار
على لوحاتي ، وأطاح الزحف الأصفر بنار الدفلى فاستحالت رمادا .
أيقظني المحامي من ذهولي بتكرار السؤال :
ـ هل أنت على يقين أنك تريدين إقامة الدعوى ؟
تدفق سيل النار في أحشائي ، تزاحمت الكلمات على شفتي ، وخرجت بإصرار
لم أعرفه يوما ، حتى أني تساءلت عن أنفاس شكرية خانم اللاهثة التي تصاعد بخارها
قريبا من حلقي ، وسمعت صوت ضحكتها تلك، التي سمّرتني على المقعد لسنوات ، وهي
تشرح لفتيات ريفيات يتسربلن بالخجل والجهل عن أمور أنثوية من المفروض ـ كما
كانت تقول ـ أن يعرفنها في هذه السن الحساسة . احمرّ وجهي فجأة ، وكلمات شكرية
خانم عن التصميم والإرادة والحرية ، والحقوق التي نالتها الفتاة في المدن ،
تزعزع كياني ، وتزرع بذرة تمرد ما لبثت أنا ماتت عطشا .
كنت أسمع بوضوح صوت المذياع الدخيل على عالمنا ، مصحوبا بدندنة
شكرية خانم وذهول الطالبات . تخيّلت للحظات أني حققت كلّ ما حلمت به على مقاعد
الدراسة . لكنّ وجه المحامي المتفرس بملامحي ، جعلني أستدير محتضنة حلمي المعاق
، مصحوبا بحسراتي الحارقة .
لملمت الكثير من الحزن وخبّأته في معطفي الشتوي وأنا أعبر الزقاق
القديم ، وأطلّ على مزار الطفولة ، وملاعب الصبا . تجاوزت قلقي وأنا أحتضن
بقايا الجمر على رأس النارجيلة ، ولا أشعر بلسعاتها .
سرحت في البعيد، وبين صحوة الحلم وغفوة العين ، سرقني ماض قريب إلى
شوارع واسعة ، وبيوت أنيقة ، حيث التقيت ضالتي للمرّة الأولى .
ما زلت أذكر لقائي الأول بشكرية ، كيف انحنيت لألمس بتردد ذلك الندى
المضرج بحمرة خفيفة ، تسحب الروح مع تأوهات يصدرها النسيم العابر بطراوتها .
أذكر كيف سرّحت بصري في انثناء العود الملتف بخجل على قامتها المعتدلة . وكم
استجديت صديقتي القديمة التي تنازلت عنها بعد تردد ، ونظرات الحسد من صديقاتي
اللواتي أذهلهن منظرها حين زرنني بعد عودتي من السفر .
نظرة واحدة كانت تنفث حقدها سموما وهي تتطلع إلى شكرية بحسد لا يوصف
، نظرة أم محمود . يومها بخّرتها ، ورششت المكان ، وكسرت جرّة وراء جارتي
الجديدة التي تثقب عينها رأس الجمل .
لم أنم تلك الليلة حتى اطمأننت على شكرية ، تنهدت في الصباح عندما
رأيتها سليمة لم تصب بأذى . بسملت حولها ، وجلست أشرب نارجيلتي بارتياح .
كان الخريف يدق الباب بعنف ، ورياح تشرين تتسلق الفتحات والشقوق ،
تهاجم الشرفة بضراوة هازّة الأبواب الضعيفة لقلبي . كنت أعرف أنّ الجو في هذه
المنطقة الباردة لا يناسب شكرية التي اعتادت دفء البحر والطقوس المدارية ، لكني
تحايلت على الطقس بمزيد من الحطب والحرص على إغلاق النوافذ وأبواب الشرفة ، كي
لا يتسرب الصقيع ليلا في غفلة مني إلى الجسد الطري فيقتله .
مرّ الشتاء ، وحمل الربيع إليّ تنهيدة الراحة ، لم أعد أهتم للنوافذ
، وسمحت لها بالتربع على الشرفة ، لكنّ أعين الجارات الحاسدة بقيت تنظر إلى تلك
الغريبة الرائعة الجمال بحسد لا يوصف ، كانت أم محمود تتكئ على سور شرفتها
العاري ، وتمدّ جسدها إلى الأمام دافعة بصدرها الضخم أمامها في حركة استفزازية
، وهي تصفر بإعجاب ، وتتساءل عن الطريقة التي جعلت شكرية تبدو بهذا الجمال
والتألق بعد شتاء قارص . وسألتني وهي تغمز بعينها :
ـ صحيح ، لماذا أسميتها شكرية ؟ إنه اسم قديم وبشع .
دمعت عينيّ خلسة حين تذكرت شكرية خانم بجمالها اللافت للنظر ،
وحديثها ، ومرحها ، كانت روحا جديدة ، لم تلبث البلدة بعد رحيلها أن شعرت
بالموت يغزو صدور بناتها ، فأغلقت الأبواب ، وأسدل حجاب العتمة والجهل من جديد
.
بعد تراخي قبضة المشنقة عن عنقي بموت أبي وأمي ورحيل أخوتي إلى
العاصمة ، قررت أن أجد تسلية لحياتي المقفرة من الأولاد والزوج ، فشرّعت
النوافذ وكدّست الأحبة على سور الشرفة . كانت النسوة يتزاحمن في المساء الصيفي
الرطب أمام أزهاري ، يدخن النارجيلة ، ويتجاذبن الأخبار ، ويستمتعن بغروب مختلف
تكتسحه روائح الفل والياسمين وعطر الليل* الذي يخز صدر أم محمود المصابة بالربو
فلا تستطيع احتمال رائحته فتنسحب قبل نهاية السهرة .
كنت دائما أخشى نظرة أم محمود ، الجارات يتهامسن :
ـ لقد نظرت إلى شجرة كرز باسقة فأصبحت رمادا بين ساعة وأخرى .
استيقظت هذا الصباح على يد من أثير تهزني بعنف ، اتجهت إلى الشرفة
بحركة آلية ، شيء ما ناداني ، فوقع القلب بين قدميّ ، هي ، شكرية ... كانت
منطرحة على الأرض ، وقد شحب لونها ، تطلعتُ إلى التربة ، لونٌ أسود ممزوج
بقطرات حمراء صبغت البلاط الأبيض ، صرخت ، تتالت صرخاتي . الجارات اجتمعن ،
إحداهن همست :
ـ هي أم محمود ، لا أحد يجرؤ على فعل ذلك غيرها ، نظرتها لا يقف
عليها طبيب .
صرخت :
ـ بل قتلتها ، لقد قتلت حلمي ، لكن لا ، شكرية خانم لن تموت
نظرات الجارات أفصحت عن عدم فهم ، وتعاطف ، وتساؤل قلق ، ( هل جُننت
؟ ) .
لم يكن المحامي ـ الذي درس في فرنسا ـ يعتقد ذلك وهو يشرح للقاضي
الأسباب التي جعلت موكلته تقيم الدعوى على جارتها ـ التي تصيب بالعين ـ لأنه
وهو المثقف الذي لا يؤمن بالغيبيات رأى بأم عينه، كيف اختلّ اللون الأخضر
لشكرية ، فتهاوت عن عرشها في الشرفة ويبست خلال ساعات وكأنّها لم تكن .
فاجأني القاضي بحكم لصالحي ، صرخة النصر تدوي في القاعة ، والجارات
يحملنني على الأكتاف .
* * *
القيظ الذي سحب ماء الجسد ففار بالعطش، وتشقق اللسان ،جعلني أطلب
جرعة الماء ، وأفتح عينيّ على منظر لن أنساه أبدا . كانت الزهور على شرفتي تحني
هاماتها باتجاه الأرض ، والحرائق امتدت إلى الأخضر فتكرمش الورق بشكل أدمى قلبي
، لم تفلح قطرات الماء التي امتصتها التربة بشراهة في استعادة أحبائي ،
بقي سلطان الزهور محني الرأس ، تنفث أوراقه رائحة كريهة لاحتجاج
صامت ، وزهر الجميل باهت اللون والحضور ، وأصيص شكرية الفارغ ينز سواده ارتعاشا
لذكرى الخضرة البهية.
والشمس الحارقة تضحك بشماتة وسط سماء لا زرقة فيها .
تموز ـ 2004
-------------------------------------------------------------------------------
* ـ عطر الليل نبتة واخزة الرائحة ، لا ينتشر عطرها إلا ليلا ـ
يسميها أخوتنا في العراق ـ شبوي
   
اللهاث الأخير
1
يوميا يدفعك لهاثك لامتطاء الجبل ، تقف في أعلى بقعة ، تسرح ببصرك
عبر الأفق ، تعانق زرقة المتوسط ، تعبر سفن الرحالة روبنسون البحر !!
تشع قبة الصخرة ، يتقاطر أبناء راشد الحدادين من الكرك متهالكين على
بساتينها .. مادين جذورهم عميقا في تربتها ، تستدير غربا ، وتنزلق خطواتك
باتجاه المخيم ..
لهاث 2
تعييك رحلة البحث عن أنثاك ، تتدفأ ببقايا أحلامك واستحضارها ،
تتدثر بوهم حضورها ... مخدتك الفارغة تشتم عطرها ، ترسم لها عيونا ، تغرق في
عسلهما ، تشكل جسدها وفقا لرغباتك ، تصفعها .. تقبلها .. تضمها ، وتغفو ..
لهاث 3
تتلصص عيناك في العتمة ، خلف النوافذ المشرعة لهواء الصيف الثقيل
تنام الأمنيات فاضحة عريها ورغباتك المجنونة ..
لهاث 4
تعبث بمفاتيح الآلة العجيبة ، تهيم بحثا عن أنثى افتراضية ، هذه ؟
لا ... تلك ! لا .. لا
كلهن أطياف .. برد في ضلوعك ويدك ترتجف شوقا لعناق دافئ ..
اللهاث الأخير
تطل ُّ الطائرات برؤوسها الصلبة ، تغوص غمازتان في فجوة وجهك المتعب
، ترفع صوت المسجل عاليا ، لا يغطي هدير الطائرات !! تدير ظهرك للنافذة ، تضع
السماعات على أذنيك .. أغنية دافئة تشير بإصبعها : ( اقترب )
تقترب من النافذة ..
يتهاوى البناء المقابل ، تنسف الشرفة ، يتساقط ياسمينها ، تطير أصص
الحبق ناثرة في الجو رائحة البارود !! تكتم صرختك ، تحمل صورتها تلصقها فوق
زجاج النافذة ، تحدثك : ( إنه وهم ) تتابع تمايلك مع الأنغام المنبعثة من أذنيك
، يتابع جسدك رقصه على إيقاعها المنتظم ..
تدخل أمك ، إشارات يديها تفصحان عن كارثة ، فزع عينيها يخبرك بمأساة
، يداها تلطمان الخد بقسوة ، تشدان الشعر ، تنتبه ( أحمر يصبغ صدرها ) !!!
ترتعد استغرابا ، تنزع السماعات ، أمك تتابع تحريك شفتيها ،
أذناك تتابعان طنينا مزعجا
أمك تصرخ ،
أذناك تديران اسطوانة جديدة
أمك .. تقع .. أرضا ً
تصرخ ببلاهة :
ـ أكان دما حقيقيا ً ؟
2/1/2003
   
اللهاث الثاني
حصاد العمر
احتضن سماعة الهاتف بدموعه .. هاجمته طفولة في الصوت لم تلامس أذنه
، كانت مقيمة هناك تحت جلده ، تنسم رائحة فل وحبق ، ورآه يركض في البرية
القريبة حاملا قطا بريا قذرا ، وآثار دماء على كفيه ، ناداه بلهفة وفزع ،
ردّ عليه الصوت المحايد من سماعة الهاتف :
ـ لم تقل لي يا حاج كم نمرة قدمك ؟
الصوت المحايد يهمس بالطلب للمرة المئة ، للمرة الألف ، لم يعد يدري
كم من المرات سمع هذا السؤال ، ربما منذ ثلاثين سنة يتكرر على مسمعه ، تطلع إلى
قدميه ، حدّق مليا : يا لك من عجوز تقف عند حدود الأمس ولا تتطور ، ما زالت
قدمك تحافظ على نفس النمرة . !!!
في كلّ مكالمة يسأله ذلك الصوت الذي لا ينتمي إلى حواسه نفس السؤال
، وفي كل مرة يردد نفس الإجابة المصحوبة بتنهيدة الزمن المر : لو أنها تتغير !!
عبرت الحرقة مشاعره الهرمة ، سالت الدموع مغطية لحيته البيضاء ،
انتزعت ابنته السماعة من يده ، بلهفة سألته عن الزوجة التي لا تعرف إلى الآن
ملامحها ، عن الأولاد ، عن .. وتوقف صوتها منصتا لتذمره ، كان صوته المحايد
يسأل :
ـ أما زالت الطرقات عندنا مليئة بالحفر ؟ ، والماء من أين تحصلون
عليه ؟ ، أيوجد عندكم سخان ؟ أما زلتم تقفون في الطابور لشراء الخبز ؟ أم أمك
ما زالت تقف أمام التنور ؟ أنا قلق ، زوجتي تريد زيارة البلد ، و أخشى أن ...
كالعادة أسقط في يدها ، ماذا تقول ؟ كيف تفصّل مدينة جميلة على مقاس
الزوجة الأسبانية المثقفة وزوجها الطبيب الذي لم يعد يذكر الخن والدجاج ،
والبراري ، وخبز التنور ، والسير حافيا في الأزقة الموحلة ، ومطاردة الأرانب ،
وجز الحشائش لتصنع أمه منها وجبة غداء ..!
أمه المقعدة بقيت في كرسيها بعيدا ، ترفض تناول السماعة والدموع
تبلل صفحات القرآن في حضنها ، الصوت المحايد يهمس لأخته
ـ لا بأس اتركيها على راحتها .
يحضن سبحته وينزوي مع ذكرياته أمام الباب المتداعي ، يراه منحدرا من
رأس الزقاق ، نفس الخطى المتعثرة الفرحة ، نفس الانطلاقة ، يلوّح بيده حاملا
شيئا ما .. كان دائما يفرح بالأشياء البسيطة ، يرميها في حجر والده بفخر ،
ويباهي رفاقه بها ، عشبة غريبة ، حطب يجمعه من البرية ، تنك فارغ ، وسحالي ،
وسلحفاة غضة ! مازال وجهه ينضح بالعرق ، ولهاثه يعلو في الذاكرة ..
في المدرسة كان يباهي بأنّه الأوّل دائما رغم هزاله ! في الجامعة
كان لا يراه إلا ليطلب المصاريف التي تؤمنها أخته المنكفئة على ماكينة الخياطة
.. و ...!!
يقف أمامه فرحا ، يرفع إليه عينين ضعيفتي النظر ، يحاول تذكر ملامحه
، يبسم موزع البريد وهو يلوّح بما في يده :
ـ طرد لك يا حاج من بلاد الأجانب ، إنه من الغائب .
تسقط السبحة ، تنهض قامته المنحنية ، تشتدّ بفرحها ، يتناول الطرد
بيد ٍ مرتعشة ، يهمس تلك الكلمات التي كررها الصوت المحايد في الهاتف : حذاء
إيطالي ، جلد طبيعي ، مئة بالمئة ، مئة بالمئة ..! دخل البيت ، أخرج الهدية
الغالية الثمن ، تساقط فرحه على رؤوس من في البيت ، تهلل وجه ابنته ، توقفت يد
الحاجة عن عد حبات السبحة والأيام المنقضية ، جلد دافئ ناعم لونه بلون طين
القرية ، بلون الشتاء البارد ، هذه المرة لم ينس النمرة .. لم ينس النمرة ..
وضع فردتي الحذاء أرضا ، كلاهما كانت للقدم اليسرى !
1/ 2 / 2003
   
نورا الفجر
أنّت المساءات الموجعة في لحم ذاكرتي ، تجاوب مع أنينها قلبي ،
تمطّت في حر آب اللاهب ، نفثت وجعها بخارا ساخنا في عروقي ...
أنظر إلى وجهي !
تهتز المرآة ، تسيل دموعها ، باردة تغسل سطحها الأملس ...
تسيل دموعي حارّة تغسل قلبي الصدئ ..
أتحسس أسفل العين بأناملي المتيبسة ... آه يا نورا ...(( آه يا نورا
، يا طلعة الفجر وحضورا )) وتمتدّ يد جدتي من عتمة الأمس البعيد ، تلمس بحنانها
ودمعها خشب السرير ، تضغط سنديانه بقوة ، تهزه بقلق ، ينخفض صوتها تدريجيا في
محاولة لجعلي أنام ،
آه يا نورا .. ويتلاشى في محاولة لخنق الدمع ..
تختلس يدها في سرعة عجيبة لمسة أسفل العين لتمسح الدمع المتراكم
هناك في حفرة بنية اللون !
تترك السرير ، تسرح نظرتها بعيدا عبر النافذة ، مخترقة السهول ،
تتنهد ، تزفر الحسرة ..
فأشدّ يدها العجفاء بعناد ، تعود لتهز السرير ، وتهمس بأغنيتها ..
آه يا نورا ... كم تشبهين الفجر في حضوره ! وكم ! ..
وتغصّ بدمعها .. صوتها تبتلعه الدموع ، ويدها على بطنها . لم أكن
أعرف وقتها لماذا كانت جدتي تبكي كلّما غنّت لي ، وكلما سرحت ببصرها عبر
النافذة مختصرة السهول والغابات ، وهي تلمس السنديان بقوة ، وتقبض على بطنها
متوجعة .. آه يا نورا
في طفولتي البعيدة تلك ، كنت أجلس بجانبها أمام الباب الخارجي في
فسحة أمام الدار تحت فيء البيلسان ، تقبض على يدي الصغيرة وتدمع عينها ، تغبّ
نفسا عميقا من سيجارتها اللف ، وتتنهد : آه يا نورا
المرآة الملساء تريني فسحة الدار الخلفية ، زوجي هناك يستلقي على
خوان عتيق ، يتدثر ببطانية ، ويرقب أصص الزرع والدجاجات ! أحدّق في الخضرة
الطافية في ماء العين ! كنت في الرابعة عشرة حين سمعت أول عبارة غزل فيهما ،
وكانت الأخيرة !
تسمّر لحظة ، وقعت الناي من يده ، وشهق : يا إلهي حديقة زهور في
عينيها !
قدماه مضت باتجاه الضيعة ، قدماي مشتا باتجاه الضياع .. اهتزّ شيء
في أطرافي ، برد تخلل فيها ، نظرتي ذبلت ، وأصبت بالذهول ..
كانت جدتي تقف بقامتها القصيرة النحيلة ، وتقول :
ـ ابقي جالسة يا نورا .. الفجر لا ينهض من نومه إلا حين تدغدغه
الشمس بدفئها ، وتتأوه .. تنحسر ابتسامتها عن أسنان متهالكة ، وتعيد نظرتها إلى
الأفق .
جدتي في ذلك الزمان المغرق في عتمته كانت تعي نهوض جسدي من ترابه ،
وتفهم ذهول نظراتي ، حتى أنها حدثتني ذات مساء :
ـ نورا ، سمعت بحكاية عمتك ؟
لم يكن أحد في بيتنا يذكر أنّ لي عمة .. أعرف أنّ جدتي لم تنجب غير
الذكور ، وأنّ جدي رحمه الله تركها في عز صباها وذهب إلى الحرب ولم يعد ، وسافر
أعمامي واحدا تلو الآخر ، وجدتي صامتة لا تتحدث عن أولادها ، لكنها في ذلك
المساء الربيعي كسرت حاجز صمتها ، وتجاوزته إلى قلبي بسؤالها ، ارتعش الفضول في
داخلي ، مجرد وجود عمة هذا يعني مأساة كبيرة في قلب جدتي التي همست :
ـ عمتك ، كانت تشبه الفجر بجماله ، بقامتها الطويلة وخضرة عينيها ،
وتلك البشرة البيضاء التي تشفّ كبلور صاف . تطلعت ِ إلى وجهك في المرآة ؟ كانت
تشبهك يا نورا .. ذات مطر ، كانت هناك في الحقول ، شدّها تفتح الأقحوان في
شعرها ، وهمسات شقائق النعمان في شفتيها ، ذات أفق لازوردي ندهت الأرضُ قدميها
، فسارت إليها دون وعي ، سحبتها الغيمة من يدها ، وجرها النهر إلى مصبه .. كانت
تعشق السباحة ضدّ التيار ، ذات دفء بكت على صدري ، نشجت بقوة ، ثم اقتلعتها
قدماها من حضني إلى الأبد !
لم تكن حكاية جدتي تلك سوى ناقوس الخطر ، حاولت تجاهل شهقته ، صممت
أذني عن نغمات نايه ، أغلقت نافذتي وبابي ، حاولت إغلاق القلب لكنه انفجر هازئا
بي ، وسال نبضه على صدري ..
المرآة تبحث في أصابعي عن بقايا ليونة من عهد الشباب ، المشط يجمد
في يدي ، أتطلع إلى زهرات الأقحوان في شعري ، أنزعها ، لمن يا نورا ؟ تمتد
نظراتي إلى حيث تفتحت شقائق النعمان يوما ! .. في القلب يهتز أفق شاحب ،
يناديني مصحوبا بنغمات ناي حزين ، تبسم جدتي (( آه يا نورا ، يا طلعة الفجر
وحضورا )) .
منذ صغري عرفت بهذا الاسم ، نورا الفجر ، حتى أنهم سجلوه في وثيقة
زواجي متناسين اسمي الأصلي ، كفاية ، فقد اكتفت أمي بي من نسل البنات ولم تخلف
غيري أنثى ! لكنّ جدتي كانت ترى في ّ عمتي التي فرت ذات حب ، ولم تعد تعرف عنها
شيئا . كانت تهدهدني بأغنيتها الحزينة التي جمعت كلماتها من أنين القلب ،
وأرضعتني إياها صغيرة ومن أجل جدتي ، والمساءات الدافئة ، وشجرة البيلسان
الصغيرة لم أستطع قول ( لا ) حين قالوا : (( ابن عمك عرق عينك هو أحقّ بك من
الغريب )) القلب نزف ساعتها بشدّة ، القلب أغمي عليه ، لكنه حين أفاق وجد الجسد
طريح فراش غريب ، يحتله رجل لا يمتّ إلى الروح بصلة .
واعتاد الجسد ، التقلبات المقززة ، الرائحة المنفرة ، اعتاد تغيراته
وتقلباته مع كل حمل وإرضاع ودخول الفراش .. لكنّ القلب بقي على رفضه ، .. جامدا
عند حدود الدمع والناي الحزين تنسكب نغماته شلال فل وحبق في المساء الدافئ ..
المرآة تشاكسني .. ، فأحسّ بالكآبة والغضب ، أسحب شعري إلى أعلى
لأربطه ككل يوم ، شعيراته البيضاء توجع قلبي ، وقبل أن تمتد يدي إلى غطائه
الملون ، اتركه ينسدل مرة أخرى على كتفي ، تجوس أصابعي في عتمته ، ها هو الفجر
يجتازه بخيوطه البيضاء ..آه يا نورا ، لم تعودي كالفجر في حضوره ، لا .. الشيب
غزا القلب قبل شعرك ، الصبح بات قريبا ، العين كبت خضرتها ، وها هي الهالة
البنية أسفل العين تذكرك بجدتك ، تنسلين من أفق المرآة بأكبر قدر من الهزائم ،
تجلسين وضربات القلب تصل أذنيك عنيفة .. تبلل الدموع عروق اليدين ، هنا حيث
قبلته .. كان عبد الله أحبهم إلى قلبي ، نعم أحبهم ، شدّ يدي حين ودعني :
ـ لا تبكي يا أماه ، لن أتأخر عليك
وهنا وضع شفتيه الحارتين ، على كفي .. ومضى ..
أصغرهم مضى إلى الخليج ، قالوا له ، تستطيع أن تدفع بدلا ولا تخدم
في الجيش ! وأكبرهم قال : ( لن أتأخر يا أمي ، أربع سنوات أختص وأعود إليك
طبيبا تفخرين به ) سرقته الغربة ولم يعد ، كم مر من الزمن يا محمود ؟ ! وأوسطهم
قال لي : زوجتي يا أمي لا يناسبها سكن الريف وأنا مضطر ، هل تريدين إحراجي أمام
أهلها ؟
لا ، لم أكن لأحرجك يا ماء العين ..
هاهم يا نورا ذكورك الثلاثة تركوك ومضوا ، سحبتهم الحياة من حضنك
بقسوة ، ها هم نسل هؤلاء الذين وضعوا متراسهم في وجهك وأطلقوا على طائرك فأردوه
قتيلا ! لم يشعروا بحزنك ووحدتك ! .
المرآة لا تكف تقول لي : انظري جيدا يا نورا ، حدقي في ذاك الفل
الذي تضوع من جنبيك حتى ذبل ، حدّقي في ياسمينك الذي تراكم على شرفات الروح ،
حتى يبس ، حدّقي ، الريح تنثره في بيدر بعيد ، حدّقي جيدا يا نورا ..
ألمس بطني المتوجعة بأصابع معوقة يابسة ، آه يا جدتي ! كنت تخترقين
السهول بنظراتك بحثا عن غائب لن يرجع ، ونظرتي لا تتجاوز سطح المرآة الأملس .
الغائب حاضر في الوجدان ، الغائب ما زال يسكب شهقاته حدائق فل من ناي حزين ..
النغمة تهزّ جسدي ، النغمة تسبح بالروح بعيدا ، الأطراف المثلجة تخذلني ، القلب
الراعش يرسل دمه إلى وجهي فيصطبغ بالحمرة القانية .. آه يا نورا
يناديني زوجي المستلقي على خوانه الخشبي ، متقوقعا حول عجزه ، أسير
بآلية ٍ كئيبة إليه ، ينظر في وجهي تلك النظرة الغامضة المتسائلة ! نظرته تلك
تهز كياني ، تزعزع روحي ، تكاد الدموع تنفر من عيني ، لكني أسنده كعادتي ،
أتجاوز به فسحة الدار ، أعاونه على الاستلقاء في سريره ، أدثره .. وتمضي قدماي
باتجاه المرآة .. لماذا يا نورا ؟
أكان هذا المساء يشبه آخر في حياتك ؟
نعم كان ذات مساء يقف بحزن نايه عند حدود قلبي ، يطرقه بشهقة بيضاء
فيغمى علي ، وكنت أغوص في الحناء ، يداي مربوطتان ، كلانا اختلس نظرة ، كلانا
تراجع خائفا ..
كلانا سارت قدماه باتجاه قدره ! مساء يشبه هذا ، دخلت هذه الغرفة
مخفورة بالألم والاضطراب ، مساء يشبه هذا وقفت أمام المرآة للمرة الأولى ،
سطحها الأملس كان متوهجا .
أمد يدي ، المرآة تسيل دموعها الصدئة ، ترسم خطوطا ، طويلة ، بقعا
بنية ، تشققات غريبة ، كم مر من الزمن ! ؟ لعلها عشرون ، لا ، بل سبع ٌوعشرون
مرت كأنها سحابة صيف ، مسرعة الخطى ورمتني في حضن الوحدة ..
كبر الصغار ورحلوا ، تركوا لي الفراغ والخواء ، والوحدة ، وزوج ،
كان رجلا حين وقف صارخا :
ـ سأقف في طريقها ، والرجل يتقدم .
أمام سلاح القبلية تهاوى الرجال ، أمام سلاح الحيار ، تراجع كل ٌ
إلى خنه وبقيت ذبيحة بين الأقدام ، الشهوة في العيون ، الجوع في الأمعاء ،
والوجبة حارة طازجة .. ! خارت الضحية أرضا ، تضرجت بدمائها .. وخرج
القاتل مزهوا بنصره ! السنوات تمضي ، وأنا أذوي في قفص ضيق تطبق قضبانه على
قلبي ، تعصره ، فينزف صديدا أسودا ..
عشرون مرت منذ أتوا به محمولا ، خلعت الريح الباردة أوتاد قلبي ،
ابتسم نيسان ساخرا ، أسقط برده في عظامي ، مددت يدين عاجزتين لأحضن كتفي ، لا ،
البرد هناك ، حيث وطء الخريف أشجاري قبل الأوان ، البرد هناك حيث الفراش الخاوي
والغرف المغلقة !
تحرك قلبي من جموده ، خفق مذكرا بالحياة ، تسارعت دقاته ... ثم
انتظمت ، الحقيقة كانت دائما مرة ، الوهم سكن تحت جلدي ، حاولت طرد تلك الحقائق
التي يفاجئني بها زمني ، أولاد يرحلون وزوج عاجز نزق ، ونظرات متسائلة ! آه يا
قلبي ها أنت تدخل الجحيم الحقيقي ، صراخ وشتائم ، صراخ ودعاء ، صمت ، ونظرة
غامضة تحمل في طياتها شك وريبة !هاهي عشرون مرت ولم يتعب ، عشرون مرت وصراخه
بات شرنقة تنسج خيوطها العنكبوتية حول روحي .
عشرون مرت ، أدور في مجرتي ، متعبة تائهة ، وأنت أيها الجسد متى
ستخرج من مستنقع الركود ؟ وأنت أيتها الروح متى تمزقين شرنقتك ؟
المرآة الصدئة تقول : مدي أصابعك ، انزعي الحناء المقيت ، وانظري
تحت العروق الزرقاء .
أحدق جيدا .. أصابعي مثلجة .. روحي تشتعل .. وجهي ! الحناء ! الدماء
..
أرمي المشط .. أترك شعري للريح الثقيلة في هذا المساء الحار ...
قدماي تقوداني ، تمشيان إلى حيث ترك الناي يرتعش وهو يلامس الأرض
الباردة ..
تشدني النغمات من أذني إلى حيث غاصت عيناه في خضرة عيني ، وشهق
تاركا نايه يتحطم عند قدمي .
  
غير صالح للنشر
سلم عليه بحرارة ، نهض سالم العبد من كرسيه احتراماَ ، وأخذه
بالأحضان :
ـ مكاني ، والله لا تجلس إلا مكاني .
أومأ عبد الكريم بيده النحيلة الدقيقة الأصابع :
ـ ابق مكانك سأجلس هنا .
سحب كرسياً وجلس قبالته ، هتف سالم بحركة مسرحية :
ـ بعد زمان يا رجل ، منذ متى لم نرك ؟!
هز عبد الكريم رأسه :
ـ مشاغل ، أنت تعرف ، عندما أكتب أغرق في شبر ماء . يضيق العالم بي
ولا أفكر بشيء غير أبطال روايتي ، يسكنوني ، يحتلون بيتي ، يبعثرون الأوراق ،
يقيمون البيت ولا يقعدونه ، فترى الفوضى في كل مكان .
سأل سالم باهتمام :
ـ إذا سنتشرف بقراءة روايتك الجديدة قريباً .؟
ابتسم عبد الكريم ابتسامة من سيفجر قنبلة ومد يده لسالم بالمغلف
الذي يحتوي على الرواية :
ـ ها هي ستكون أول من يكتب عنها اطمئن .
استرخى سالم في |