الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | معلومات النشر | من نحن | كلمة العدد

 دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 22/04/2008

القصص

ستة ألوان

نورا الفجر

حصاد العمر

اللهاث الأخير

مواجهة

غير صالح للنشر

ألف باء الحب

ذات مساء كئيب

وصية المرحوم

 

بطاقة تعريف الكاتبة: إبتسام إبراهيم تريسي 

 

قاصة وروائية من سوريا

لها مجموعة بعنوان :

جذور ميتة ، حائزة على المركز الأول في جائزة دار سعاد الصباح لعام 2001

 صدر لها حديثا:

 جبل السماق .

زيارة موقع الكاتب     مراسلة الكاتب                                        للتعليق على القصص      مواضيع أخرى للكاتب

  نماذج من أعمالها

ستة ألوان

لوجه مدينة منسيّة

 

 

صباح الخميس 30/آذار/2000

1 ـ رمادي ...

استيقظت مذعورة ، كعادتي كل صباح ، عندما يخنق السعال طفلي بأصابعه الشرسة ، حملته بين ذراعيّ هززته قليلاً ، بللت فمه بقطرات من الماء محاولة مساعدته على طرد البلغم المتشبث بخلايا حنجرته ، امتدت الزرقة حول عينيه الجميلتين وفمه الصغير ، يرافقها صوت المؤذن في الجامع الكبير الملاصق لبيتنا : ــ (( كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام )) أخوكم المرحوم ياسين الحداد ، انتقل إلى رحمة الله تعالى . الصلاة على الجنازة الساعة السابعة .

تشنجت يد طفلي الممتدة إلى أنفه في محاولة يائسة لدفع الهواء إليه . يتابع المؤذن :

ـ (( كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة )) ... الفاتحة .

ارتديت ملابسي بسرعة ، وخرجت قاصدة طبيبة الحي ..

2 ـ أبيض ...

كان الصباح الربيعي يبسم في عيون الأطفال المتجهين إلى مدارسهم ، بقلوب تتقافز فرحاً وخطوات ترقص لمستقبل قادم من بعيد ، الشرائط الحمر والبيض في شعور الفتيات تضحك لزهرات المشمش الصغيرة في أوّل تفتحها .

الصبيان يتراكضون في مرح مشاكس ، يسبقون الزمن المقيت ، وأنا أحث الخطى حاملة طفلي باتجاه الساحة التي تبدو مزدحمة على غير العادة في الصباح الباكر .

عند بيت محمود السعيد كانت سلال الورد تقف في الطابور ، وابنه الشاب حسن يغسل السيارة ويلمعها استعداداً لزفة العروس هذا المساء ، أطلت أم حسن من النافذة ، نادت ابنها :

ـ أريدك أن تذهب إلى السوق ، ما زال لدي الكثير من الأعمال . والتفتت إلى المستخدمة التي كانت تنظف النوافذ ، أعطتها ملحوظة صغيرة بصوت عال ورفيع .. ودلفت إلى البيت .

3 ـ أخضر ...

عندما وصلت إلى الساحة المتفرعة إلى أربع جهات ، كانت الزمامير تعلو صاخبة والأعلام الخضراء والحمراء تزين السيارات ، وأعواد الورد والغار في أيدي الصغار المحتشدين لاستقبال زائر بيت الله الحرام ، كان الحاج محمد بلحيته البيضاء ، وقامته المهيبة يتوسط مستقبليه ، بينما فرقة السيف تقوم باستعراض راقص على أنغام المزاهر والدفوف ، بإيقاع منتظم بسيط ...

صوت قائد الفرقة ينادي : الفاتحة على روح النبي ، وعقبال العودة .

سارت قافلة المستقبلين شرقاً ، تداخلت أصوات الراقصين الفرحة بعودة الحاج مع صوت نائح :

ـ الفاتحة على روح المرحوم .

وعلا صوت قائد الفرقة الذي أصبح بمحاذاة القافلة التي تشيع المرحوم باتجاه الغرب :

ـ الفاتحة على روح النبي .

4 ـ أصفر ...

عركت الطبيبة هند عينيها من آثار النوم وتمطت ، أخذت الطفل من يدي ، فحصت الصدر بسماعتها و بكسل واضح ، نقلت خطوة متثاقلة باتجاه النافذة ، نظرت إلى البعيد ، لم يكن الطفل ولا أنا ما تنظر إليه :

طفلك بحاجة إلى أوكسجين , الأفضل نقله إلى المشفى سأعطيه مهدئاً ، لا أستطيع عمل شيء له .

قلبي ينتفض بين ضلوعي ، الصفرة تغطي وجه طفلي ، يداه الصغيرتان المرتعشتان استسلمتا ، وارتمتا بعيداً عن صدري ...

5 ـ أحمر ...

كانت أغرودة طويلة تمدّ عنقها الأفعواني من نافذة إحدى غرف المشفى ، تبعتها أخرى حلزونية منكمشة ، وثالثة كصافرة إنذار ..

صالة الاستقبال متخمة بباقات الورد الملونة التي يرقص الربيع في أجفانها الناعسة ، وتضج البهجة في وجناتها ..

استقبلتني الموظفة بابتسامة عريضة :

ـ إنه أول مولود لمدير المنطقة جاءه بعد سبع سنوات ...

ـ طفلي يعاني من تشنج في القصبات ، الزرقة تحتل وجهه وهو بحاجة لأوكسجين .

ـ لم يأت الطبيب بعد !

ـ الطبيب المقيم ؟

ـ في الخارج ...

أغرودة عالية تشق صدري .. سعال ، ضحكات ، تشنج صدر طفلي بقسوة ، اختلج بين يدي ، اجتاحه عرق بارد ... و ... تصرخ حنجرتي الذبيحة :

ـ أرجوكم أوكسجين .

ـ سيأتي الطبيب في التاسعة .

طفلي يتمتم بصعوبة : ما ...

 6 ـ أسود ...

أنكفئ على درجات المشفى محتضنة طفلي محاولة إرجاعه إلى رحمي .. ! أصوات تدق رأسي بمطرقة نحاسية عتيقة ، أحذية ملمعة .. دفوف .. مزاهر .. طبول .. أغاريد .. صوت المؤذن : الفاتحة على روح .... خطوات أنيقة تطرق البلاط الناعم :

ـ ماذا تفعلين هنا أيتها السيدة ؟

أغص بالكلمات فتخرج تمتمة مبهمة من بين شفتي .

وجه الطبيب الشمعي المصقول يطالعني بابتسامة باردة مشيراً إلى الطفل : ما به ؟

ـ طفلي كان ... بحاجة ... للأوكسجين .

يمد يده المنشاة إلى شعره الأملس :

ـ آ ... على كلٍ هدئي من روعك لا يوجد لدينا في المشفى سوى حاضنة ، شُغلت هذا الصباح بابن مدير المنطقة ..تعلمين ... المشفى ذو إمكانيات متواضعة .

تستمر الدفوف .. دقات القلب تعلو .. تطرق أذني .. أعلام سوداء نساء متشحات بالسواد ... وباقات الورد في كل مكان !!

 

 

 

 مواجهة

 

  

لم يتطلب اتخاذ القرار وقتا ،

طوال عمري كنت أتردد في اتخاذ القرارات المصيرية ، فيبادر أخوتي لاتخاذها عني . انكفأتْ نظرتي حاملة لون الرماد المترسب أسفل الأفق الخريفي ، وألماً مازال ينخر الضلوع .

في طريقي إلى بيت المحامي لم أكن أحملُ تصورا واضحا للقضية ، ولم يكن يهمني أن أكسبها ، إصراري على المواجهة هو ما كنت أتسلح به ، بعد دهر من الخنوع للآخرين .

ربّما لأنّ الموضوع ، ولأوّل مرّة يتعلق بحياةٍ أخرى ، وليس بحياتي . ( وهل هناك أغلى من حياة شكرية ؟ ) .

حاولت كتم انفعالي وأنا أشرح للمحامي تفاصيل القضية ، متجاهلة تلك الدهشة التي اعتقلت فكه الأسفل فتدلى في حركة بلهاء .

كانت شكرية خانم تبرز لي في التفاصيل الدقيقة للحادث ، فاردة ً شعرها الطويل مثار دهشة شبان البلدة ، وثغرها المفتر عن ابتسامة عذبة لا يني يشجعني على المضي في المواجهة .

منذ اليوم الأول لدخول شكرية خانم الصف فرضت نوعا من الذهول المحبب مصحوبا بتزاحم لتلبية طلباتها التي لم تنطق بها ، كلّ التلميذات تحلّقن حولها يرقبن تدفق اللون من فرشاتها على جسد الورق الأبيض ، وتناثُر الياسمين ثلجا بين أصابعها ، وتحوّل الدفلى إلى آلهة تسطو على نبضات القلوب الصغيرة ، وتأسر العيون بلونها الناري المشرق .

مضى زمن طويل ، لا أعرف كم من السنوات . لكنّ تأثير شكرية خانم ، بقي ماثلا في حياتي حتى بعد رحيلها إلى مدينتها . طريقة المشي والكلام وأسلوب رمي الفرشاة في إناء الرسم .

اقتنيت القماش والألوان ، وبقيت الدفلى تمدّ رأسها بعناد من لوحاتي زمنا طويلا .

عندما أحكموا حصارهم حول روحي واعتقلوا سنوات شبابي ، تراكم الغبار على لوحاتي ، وأطاح الزحف الأصفر بنار الدفلى فاستحالت رمادا .

أيقظني المحامي من ذهولي بتكرار السؤال :

ـ هل أنت على يقين أنك تريدين إقامة الدعوى ؟

تدفق سيل النار في أحشائي ، تزاحمت الكلمات على شفتي ، وخرجت بإصرار لم أعرفه يوما ، حتى أني تساءلت عن أنفاس شكرية خانم اللاهثة التي تصاعد بخارها قريبا من حلقي ، وسمعت صوت ضحكتها تلك، التي سمّرتني على المقعد لسنوات ، وهي تشرح لفتيات ريفيات يتسربلن بالخجل والجهل عن أمور أنثوية من المفروض ـ كما كانت تقول ـ أن يعرفنها في هذه السن الحساسة . احمرّ وجهي فجأة ، وكلمات شكرية خانم عن التصميم والإرادة والحرية ، والحقوق التي نالتها الفتاة في المدن ، تزعزع كياني ، وتزرع بذرة تمرد ما لبثت أنا ماتت عطشا .

كنت أسمع بوضوح صوت المذياع الدخيل على عالمنا ، مصحوبا بدندنة شكرية خانم وذهول الطالبات . تخيّلت للحظات أني حققت كلّ ما حلمت به على مقاعد الدراسة . لكنّ وجه المحامي المتفرس بملامحي ، جعلني أستدير محتضنة حلمي المعاق ، مصحوبا بحسراتي الحارقة .

لملمت الكثير من الحزن وخبّأته في معطفي الشتوي وأنا أعبر الزقاق القديم ، وأطلّ على مزار الطفولة ، وملاعب الصبا . تجاوزت قلقي وأنا أحتضن بقايا الجمر على رأس النارجيلة ، ولا أشعر بلسعاتها .

سرحت في البعيد، وبين صحوة الحلم وغفوة العين ، سرقني ماض قريب إلى شوارع واسعة ، وبيوت أنيقة ، حيث التقيت ضالتي للمرّة الأولى .

ما زلت أذكر لقائي الأول بشكرية ، كيف انحنيت لألمس بتردد ذلك الندى المضرج بحمرة خفيفة ، تسحب الروح مع تأوهات يصدرها النسيم العابر بطراوتها . أذكر كيف سرّحت بصري في انثناء العود الملتف بخجل على قامتها المعتدلة . وكم استجديت صديقتي القديمة التي تنازلت عنها بعد تردد ، ونظرات الحسد من صديقاتي اللواتي أذهلهن منظرها حين زرنني بعد عودتي من السفر .

نظرة واحدة كانت تنفث حقدها سموما وهي تتطلع إلى شكرية بحسد لا يوصف ، نظرة أم محمود . يومها بخّرتها ، ورششت المكان ، وكسرت جرّة وراء جارتي الجديدة التي تثقب عينها رأس الجمل .

لم أنم تلك الليلة حتى اطمأننت على شكرية ، تنهدت في الصباح عندما رأيتها سليمة لم تصب بأذى . بسملت حولها ، وجلست أشرب نارجيلتي بارتياح .

كان الخريف يدق الباب بعنف ، ورياح تشرين تتسلق الفتحات والشقوق ، تهاجم الشرفة بضراوة هازّة الأبواب الضعيفة لقلبي . كنت أعرف أنّ الجو في هذه المنطقة الباردة لا يناسب شكرية التي اعتادت دفء البحر والطقوس المدارية ، لكني تحايلت على الطقس بمزيد من الحطب والحرص على إغلاق النوافذ وأبواب الشرفة ، كي لا يتسرب الصقيع ليلا في غفلة مني إلى الجسد الطري فيقتله .

مرّ الشتاء ، وحمل الربيع إليّ تنهيدة الراحة ، لم أعد أهتم للنوافذ ، وسمحت لها بالتربع على الشرفة ، لكنّ أعين الجارات الحاسدة بقيت تنظر إلى تلك الغريبة الرائعة الجمال بحسد لا يوصف ، كانت أم محمود تتكئ على سور شرفتها العاري ، وتمدّ جسدها إلى الأمام دافعة بصدرها الضخم أمامها في حركة استفزازية ، وهي تصفر بإعجاب ، وتتساءل عن الطريقة التي جعلت شكرية تبدو بهذا الجمال والتألق بعد شتاء قارص . وسألتني وهي تغمز بعينها :

ـ صحيح ، لماذا أسميتها شكرية ؟ إنه اسم قديم وبشع .

دمعت عينيّ خلسة حين تذكرت شكرية خانم بجمالها اللافت للنظر ، وحديثها ، ومرحها ، كانت روحا جديدة ، لم تلبث البلدة بعد رحيلها أن شعرت بالموت يغزو صدور بناتها ، فأغلقت الأبواب ، وأسدل حجاب العتمة والجهل من جديد .

بعد تراخي قبضة المشنقة عن عنقي بموت أبي وأمي ورحيل أخوتي إلى العاصمة ، قررت أن أجد تسلية لحياتي المقفرة من الأولاد والزوج ، فشرّعت النوافذ وكدّست الأحبة على سور الشرفة . كانت النسوة يتزاحمن في المساء الصيفي الرطب أمام أزهاري ، يدخن النارجيلة ، ويتجاذبن الأخبار ، ويستمتعن بغروب مختلف تكتسحه روائح الفل والياسمين وعطر الليل* الذي يخز صدر أم محمود المصابة بالربو فلا تستطيع احتمال رائحته فتنسحب قبل نهاية السهرة .

كنت دائما أخشى نظرة أم محمود ، الجارات يتهامسن :

ـ لقد نظرت إلى شجرة كرز باسقة فأصبحت رمادا بين ساعة وأخرى .

استيقظت هذا الصباح على يد من أثير تهزني بعنف ، اتجهت إلى الشرفة بحركة آلية ، شيء ما ناداني ، فوقع القلب بين قدميّ ، هي ، شكرية ... كانت منطرحة على الأرض ، وقد شحب لونها ، تطلعتُ إلى التربة ، لونٌ أسود ممزوج بقطرات حمراء صبغت البلاط الأبيض ، صرخت ، تتالت صرخاتي . الجارات اجتمعن ، إحداهن همست :

ـ هي أم محمود ، لا أحد يجرؤ على فعل ذلك غيرها ، نظرتها لا يقف عليها طبيب .

صرخت :

ـ بل قتلتها ، لقد قتلت حلمي ، لكن لا ، شكرية خانم لن تموت  

نظرات الجارات أفصحت عن عدم فهم ، وتعاطف ، وتساؤل قلق ، ( هل جُننت ؟ ) .

لم يكن المحامي ـ الذي درس في فرنسا ـ يعتقد ذلك وهو يشرح للقاضي الأسباب التي جعلت موكلته تقيم الدعوى على جارتها ـ التي تصيب بالعين ـ لأنه وهو المثقف الذي لا يؤمن بالغيبيات رأى بأم عينه، كيف اختلّ اللون الأخضر لشكرية ، فتهاوت عن عرشها في الشرفة ويبست خلال ساعات وكأنّها لم تكن .

فاجأني القاضي بحكم لصالحي ، صرخة النصر تدوي في القاعة ، والجارات يحملنني على الأكتاف .

 

* * *

القيظ الذي سحب ماء الجسد ففار بالعطش، وتشقق اللسان ،جعلني أطلب جرعة الماء ، وأفتح عينيّ على منظر لن أنساه أبدا . كانت الزهور على شرفتي تحني هاماتها باتجاه الأرض ، والحرائق امتدت إلى الأخضر فتكرمش الورق بشكل أدمى قلبي ، لم تفلح قطرات الماء التي امتصتها التربة بشراهة في استعادة أحبائي ،

بقي سلطان الزهور محني الرأس ، تنفث أوراقه رائحة كريهة لاحتجاج صامت ، وزهر الجميل باهت اللون والحضور ، وأصيص شكرية الفارغ ينز سواده ارتعاشا لذكرى الخضرة البهية.

والشمس الحارقة تضحك بشماتة وسط سماء لا زرقة فيها .

تموز ـ 2004

-------------------------------------------------------------------------------

* ـ عطر الليل نبتة واخزة الرائحة ، لا ينتشر عطرها إلا ليلا ـ يسميها أخوتنا في العراق ـ شبوي

 

 

 

 اللهاث الأخير

 

1

يوميا يدفعك لهاثك لامتطاء الجبل ، تقف في أعلى بقعة ، تسرح ببصرك عبر الأفق ، تعانق زرقة المتوسط ، تعبر سفن الرحالة روبنسون البحر !!

 

تشع قبة الصخرة ، يتقاطر أبناء راشد الحدادين من الكرك متهالكين على بساتينها .. مادين جذورهم عميقا في تربتها ، تستدير غربا ، وتنزلق خطواتك باتجاه المخيم ..

 

لهاث 2

 

تعييك رحلة البحث عن أنثاك ، تتدفأ ببقايا أحلامك واستحضارها ، تتدثر بوهم حضورها ... مخدتك الفارغة تشتم عطرها ، ترسم لها عيونا ، تغرق في عسلهما ، تشكل جسدها وفقا لرغباتك ، تصفعها .. تقبلها .. تضمها ، وتغفو ..

 

لهاث 3

 

تتلصص عيناك في العتمة ، خلف النوافذ المشرعة لهواء الصيف الثقيل تنام الأمنيات فاضحة عريها ورغباتك المجنونة ..

 

لهاث 4

 

تعبث بمفاتيح الآلة العجيبة ، تهيم بحثا عن أنثى افتراضية ، هذه ؟ لا ... تلك ! لا .. لا

كلهن أطياف .. برد في ضلوعك ويدك ترتجف شوقا لعناق دافئ ..

 

اللهاث الأخير

 

تطل ُّ الطائرات برؤوسها الصلبة ، تغوص غمازتان في فجوة وجهك المتعب ، ترفع صوت المسجل عاليا ، لا يغطي هدير الطائرات !! تدير ظهرك للنافذة ، تضع السماعات على أذنيك .. أغنية دافئة تشير بإصبعها : ( اقترب )

تقترب من النافذة ..

يتهاوى البناء المقابل ، تنسف الشرفة ، يتساقط ياسمينها ، تطير أصص الحبق ناثرة في الجو رائحة البارود !! تكتم صرختك ، تحمل صورتها تلصقها فوق زجاج النافذة ، تحدثك : ( إنه وهم ) تتابع تمايلك مع الأنغام المنبعثة من أذنيك ، يتابع جسدك رقصه على إيقاعها المنتظم ..

تدخل أمك ، إشارات يديها تفصحان عن كارثة ، فزع عينيها يخبرك بمأساة ، يداها تلطمان الخد بقسوة ، تشدان الشعر ، تنتبه ( أحمر يصبغ صدرها ) !!!

ترتعد استغرابا ، تنزع السماعات ، أمك تتابع تحريك شفتيها ،

أذناك تتابعان طنينا مزعجا

أمك تصرخ ،

أذناك تديران اسطوانة جديدة

أمك .. تقع .. أرضا ً

تصرخ ببلاهة :

ـ أكان دما حقيقيا ً ؟

2/1/2003

 

  

 اللهاث الثاني

حصاد العمر

 

 

احتضن سماعة الهاتف بدموعه .. هاجمته طفولة في الصوت لم تلامس أذنه ، كانت مقيمة هناك تحت جلده ، تنسم رائحة فل وحبق ، ورآه يركض في البرية القريبة حاملا قطا بريا قذرا ، وآثار دماء على كفيه ، ناداه بلهفة وفزع ،

ردّ عليه الصوت المحايد من سماعة الهاتف :

ـ لم تقل لي يا حاج كم نمرة قدمك ؟

الصوت المحايد يهمس بالطلب للمرة المئة ، للمرة الألف ، لم يعد يدري كم من المرات سمع هذا السؤال ، ربما منذ ثلاثين سنة يتكرر على مسمعه ، تطلع إلى قدميه ، حدّق مليا : يا لك من عجوز تقف عند حدود الأمس ولا تتطور ، ما زالت قدمك تحافظ على نفس النمرة . !!!

في كلّ مكالمة يسأله ذلك الصوت الذي لا ينتمي إلى حواسه نفس السؤال ، وفي كل مرة يردد نفس الإجابة المصحوبة بتنهيدة الزمن المر : لو أنها تتغير !!

عبرت الحرقة مشاعره الهرمة ، سالت الدموع مغطية لحيته البيضاء ، انتزعت ابنته السماعة من يده ، بلهفة سألته عن الزوجة التي لا تعرف إلى الآن ملامحها ، عن الأولاد ، عن .. وتوقف صوتها منصتا لتذمره ، كان صوته المحايد يسأل :

ـ أما زالت الطرقات عندنا مليئة بالحفر ؟ ، والماء من أين تحصلون عليه ؟ ، أيوجد عندكم سخان ؟ أما زلتم تقفون في الطابور لشراء الخبز ؟ أم أمك ما زالت تقف أمام التنور ؟ أنا قلق ، زوجتي تريد زيارة البلد ، و أخشى أن ...

كالعادة أسقط في يدها ، ماذا تقول ؟ كيف تفصّل مدينة جميلة على مقاس الزوجة الأسبانية المثقفة وزوجها الطبيب الذي لم يعد يذكر الخن والدجاج ، والبراري ، وخبز التنور ، والسير حافيا في الأزقة الموحلة ، ومطاردة الأرانب ، وجز الحشائش لتصنع أمه منها وجبة غداء ..!

أمه المقعدة بقيت في كرسيها بعيدا ، ترفض تناول السماعة والدموع تبلل صفحات القرآن في حضنها ، الصوت المحايد يهمس لأخته  

ـ لا بأس اتركيها على راحتها .

يحضن سبحته وينزوي مع ذكرياته أمام الباب المتداعي ، يراه منحدرا من رأس الزقاق ، نفس الخطى المتعثرة الفرحة ، نفس الانطلاقة ، يلوّح بيده حاملا شيئا ما .. كان دائما يفرح بالأشياء البسيطة ، يرميها في حجر والده بفخر ، ويباهي رفاقه بها ، عشبة غريبة ، حطب يجمعه من البرية ، تنك فارغ ، وسحالي ، وسلحفاة غضة ! مازال وجهه ينضح بالعرق ، ولهاثه يعلو في الذاكرة ..

في المدرسة كان يباهي بأنّه الأوّل دائما رغم هزاله ! في الجامعة كان لا يراه إلا ليطلب المصاريف التي تؤمنها أخته المنكفئة على ماكينة الخياطة .. و ...!!

يقف أمامه فرحا ، يرفع إليه عينين ضعيفتي النظر ، يحاول تذكر ملامحه ، يبسم موزع البريد وهو يلوّح بما في يده :

ـ طرد لك يا حاج من بلاد الأجانب ، إنه من الغائب .

تسقط السبحة ، تنهض قامته المنحنية ، تشتدّ بفرحها ، يتناول الطرد بيد ٍ مرتعشة ، يهمس تلك الكلمات التي كررها الصوت المحايد في الهاتف : حذاء إيطالي ، جلد طبيعي ، مئة بالمئة ، مئة بالمئة ..! دخل البيت ، أخرج الهدية الغالية الثمن ، تساقط فرحه على رؤوس من في البيت ، تهلل وجه ابنته ، توقفت يد الحاجة عن عد حبات السبحة والأيام المنقضية ، جلد دافئ ناعم لونه بلون طين القرية ، بلون الشتاء البارد ، هذه المرة لم ينس النمرة .. لم ينس النمرة ..

وضع فردتي الحذاء أرضا ، كلاهما كانت للقدم اليسرى !

1/ 2 / 2003

 

نورا الفجر

 

 

أنّت المساءات الموجعة في لحم ذاكرتي ، تجاوب مع أنينها قلبي ، تمطّت في حر آب اللاهب ، نفثت وجعها بخارا ساخنا في عروقي ...

أنظر إلى وجهي !

تهتز المرآة ، تسيل دموعها ، باردة تغسل سطحها الأملس ...

تسيل دموعي حارّة تغسل قلبي الصدئ ..

أتحسس أسفل العين بأناملي المتيبسة ... آه يا نورا ...(( آه يا نورا ، يا طلعة الفجر وحضورا )) وتمتدّ يد جدتي من عتمة الأمس البعيد ، تلمس بحنانها ودمعها خشب السرير ، تضغط سنديانه بقوة ، تهزه بقلق ، ينخفض صوتها تدريجيا في محاولة لجعلي أنام ،

آه يا نورا .. ويتلاشى في محاولة لخنق الدمع ..

تختلس يدها في سرعة عجيبة لمسة أسفل العين لتمسح الدمع المتراكم هناك في حفرة بنية اللون !

تترك السرير ، تسرح نظرتها بعيدا عبر النافذة ، مخترقة السهول ، تتنهد ، تزفر الحسرة ..

فأشدّ يدها العجفاء بعناد ، تعود لتهز السرير ، وتهمس بأغنيتها .. آه يا نورا ... كم تشبهين الفجر في حضوره ! وكم ! ..

وتغصّ بدمعها .. صوتها تبتلعه الدموع ، ويدها على بطنها . لم أكن أعرف وقتها لماذا كانت جدتي تبكي كلّما غنّت لي ، وكلما سرحت ببصرها عبر النافذة مختصرة السهول والغابات ، وهي تلمس السنديان بقوة ، وتقبض على بطنها متوجعة .. آه يا نورا

في طفولتي البعيدة تلك ، كنت أجلس بجانبها أمام الباب الخارجي في فسحة أمام الدار تحت فيء البيلسان ، تقبض على يدي الصغيرة وتدمع عينها ، تغبّ نفسا عميقا من سيجارتها اللف ، وتتنهد : آه يا نورا

المرآة الملساء تريني فسحة الدار الخلفية ، زوجي هناك يستلقي على خوان عتيق ، يتدثر ببطانية ، ويرقب أصص الزرع والدجاجات ! أحدّق في الخضرة الطافية في ماء العين ! كنت في الرابعة عشرة حين سمعت أول عبارة غزل فيهما ، وكانت الأخيرة !

تسمّر لحظة ، وقعت الناي من يده ، وشهق : يا إلهي حديقة زهور في عينيها !

قدماه مضت باتجاه الضيعة ، قدماي مشتا باتجاه الضياع .. اهتزّ شيء في أطرافي ، برد تخلل فيها ، نظرتي ذبلت ، وأصبت بالذهول ..

كانت جدتي تقف بقامتها القصيرة النحيلة ، وتقول :

ـ ابقي جالسة يا نورا .. الفجر لا ينهض من نومه إلا حين تدغدغه الشمس بدفئها ، وتتأوه .. تنحسر ابتسامتها عن أسنان متهالكة ، وتعيد نظرتها إلى الأفق .

جدتي في ذلك الزمان المغرق في عتمته كانت تعي نهوض جسدي من ترابه ، وتفهم ذهول نظراتي ، حتى أنها حدثتني ذات مساء :

ـ نورا ، سمعت بحكاية عمتك ؟

لم يكن أحد في بيتنا يذكر أنّ لي عمة .. أعرف أنّ جدتي لم تنجب غير الذكور ، وأنّ جدي رحمه الله تركها في عز صباها وذهب إلى الحرب ولم يعد ، وسافر أعمامي واحدا تلو الآخر ، وجدتي صامتة لا تتحدث عن أولادها ، لكنها في ذلك المساء الربيعي كسرت حاجز صمتها ، وتجاوزته إلى قلبي بسؤالها ، ارتعش الفضول في داخلي ، مجرد وجود عمة هذا يعني مأساة كبيرة في قلب جدتي التي همست :

ـ عمتك ، كانت تشبه الفجر بجماله ، بقامتها الطويلة وخضرة عينيها ، وتلك البشرة البيضاء التي تشفّ كبلور صاف . تطلعت ِ إلى وجهك في المرآة ؟ كانت تشبهك يا نورا .. ذات مطر ، كانت هناك في الحقول ، شدّها تفتح الأقحوان في شعرها ، وهمسات شقائق النعمان في شفتيها ، ذات أفق لازوردي ندهت الأرضُ قدميها ، فسارت إليها دون وعي ، سحبتها الغيمة من يدها ، وجرها النهر إلى مصبه .. كانت تعشق السباحة ضدّ التيار ، ذات دفء بكت على صدري ، نشجت بقوة ، ثم اقتلعتها قدماها من حضني إلى الأبد !

لم تكن حكاية جدتي تلك سوى ناقوس الخطر ، حاولت تجاهل شهقته ، صممت أذني عن نغمات نايه ، أغلقت نافذتي وبابي ، حاولت إغلاق القلب لكنه انفجر هازئا بي ، وسال نبضه على صدري ..

المرآة تبحث في أصابعي عن بقايا ليونة من عهد الشباب ، المشط يجمد في يدي ، أتطلع إلى زهرات الأقحوان في شعري ، أنزعها ، لمن يا نورا ؟ تمتد نظراتي إلى حيث تفتحت شقائق النعمان يوما ! .. في القلب يهتز أفق شاحب ، يناديني مصحوبا بنغمات ناي حزين ، تبسم جدتي (( آه يا نورا ، يا طلعة الفجر وحضورا )) .

منذ صغري عرفت بهذا الاسم ، نورا الفجر ، حتى أنهم سجلوه في وثيقة زواجي متناسين اسمي الأصلي ، كفاية ، فقد اكتفت أمي بي من نسل البنات ولم تخلف غيري أنثى ! لكنّ جدتي كانت ترى في ّ عمتي التي فرت ذات حب ، ولم تعد تعرف عنها شيئا . كانت تهدهدني بأغنيتها الحزينة التي جمعت كلماتها من أنين القلب ، وأرضعتني إياها صغيرة ومن أجل جدتي ، والمساءات الدافئة ، وشجرة البيلسان الصغيرة لم أستطع قول ( لا ) حين قالوا : (( ابن عمك عرق عينك هو أحقّ بك من الغريب )) القلب نزف ساعتها بشدّة ، القلب أغمي عليه ، لكنه حين أفاق وجد الجسد طريح فراش غريب ، يحتله رجل لا يمتّ إلى الروح بصلة .

واعتاد الجسد ، التقلبات المقززة ، الرائحة المنفرة ، اعتاد تغيراته وتقلباته مع كل حمل وإرضاع ودخول الفراش .. لكنّ القلب بقي على رفضه ، .. جامدا عند حدود الدمع والناي الحزين تنسكب نغماته شلال فل وحبق في المساء الدافئ ..

المرآة تشاكسني .. ، فأحسّ بالكآبة والغضب ، أسحب شعري إلى أعلى لأربطه ككل يوم ، شعيراته البيضاء توجع قلبي ، وقبل أن تمتد يدي إلى غطائه الملون ، اتركه ينسدل مرة أخرى على كتفي ، تجوس أصابعي في عتمته ، ها هو الفجر يجتازه بخيوطه البيضاء ..آه يا نورا ، لم تعودي كالفجر في حضوره ، لا .. الشيب غزا القلب قبل شعرك ، الصبح بات قريبا ، العين كبت خضرتها ، وها هي الهالة البنية أسفل العين تذكرك بجدتك ، تنسلين من أفق المرآة بأكبر قدر من الهزائم ، تجلسين وضربات القلب تصل أذنيك عنيفة .. تبلل الدموع عروق اليدين ، هنا حيث قبلته .. كان عبد الله أحبهم إلى قلبي ، نعم أحبهم ، شدّ يدي حين ودعني :

ـ لا تبكي يا أماه ، لن أتأخر عليك

وهنا وضع شفتيه الحارتين ، على كفي .. ومضى ..

أصغرهم مضى إلى الخليج ، قالوا له ، تستطيع أن تدفع بدلا ولا تخدم في الجيش ! وأكبرهم قال : ( لن أتأخر يا أمي ، أربع سنوات أختص وأعود إليك طبيبا تفخرين به ) سرقته الغربة ولم يعد ، كم مر من الزمن يا محمود ؟ ! وأوسطهم قال لي : زوجتي يا أمي لا يناسبها سكن الريف وأنا مضطر ، هل تريدين إحراجي أمام أهلها ؟

لا ، لم أكن لأحرجك يا ماء العين ..

هاهم يا نورا ذكورك الثلاثة تركوك ومضوا ، سحبتهم الحياة من حضنك بقسوة ، ها هم نسل هؤلاء الذين وضعوا متراسهم في وجهك وأطلقوا على طائرك فأردوه قتيلا ! لم يشعروا بحزنك ووحدتك ! .

المرآة لا تكف تقول لي : انظري جيدا يا نورا ، حدقي في ذاك الفل الذي تضوع من جنبيك حتى ذبل ، حدّقي في ياسمينك الذي تراكم على شرفات الروح ، حتى يبس ، حدّقي ، الريح تنثره في بيدر بعيد ، حدّقي جيدا يا نورا ..

ألمس بطني المتوجعة بأصابع معوقة يابسة ، آه يا جدتي ! كنت تخترقين السهول بنظراتك بحثا عن غائب لن يرجع ، ونظرتي لا تتجاوز سطح المرآة الأملس . الغائب حاضر في الوجدان ، الغائب ما زال يسكب شهقاته حدائق فل من ناي حزين .. النغمة تهزّ جسدي ، النغمة تسبح بالروح بعيدا ، الأطراف المثلجة تخذلني ، القلب الراعش يرسل دمه إلى وجهي فيصطبغ بالحمرة القانية .. آه يا نورا

يناديني زوجي المستلقي على خوانه الخشبي ، متقوقعا حول عجزه ، أسير بآلية ٍ كئيبة إليه ، ينظر في وجهي تلك النظرة الغامضة المتسائلة ! نظرته تلك تهز كياني ، تزعزع روحي ، تكاد الدموع تنفر من عيني ، لكني أسنده كعادتي ، أتجاوز به فسحة الدار ، أعاونه على الاستلقاء في سريره ، أدثره .. وتمضي قدماي باتجاه المرآة .. لماذا يا نورا ؟

أكان هذا المساء يشبه آخر في حياتك ؟

نعم كان ذات مساء يقف بحزن نايه عند حدود قلبي ، يطرقه بشهقة بيضاء فيغمى علي ، وكنت أغوص في الحناء ، يداي مربوطتان ، كلانا اختلس نظرة ، كلانا تراجع خائفا ..

كلانا سارت قدماه باتجاه قدره ! مساء يشبه هذا ، دخلت هذه الغرفة مخفورة بالألم والاضطراب ، مساء يشبه هذا وقفت أمام المرآة للمرة الأولى ، سطحها الأملس كان متوهجا .

أمد يدي ، المرآة تسيل دموعها الصدئة ، ترسم خطوطا ، طويلة ، بقعا بنية ، تشققات غريبة ، كم مر من الزمن ! ؟ لعلها عشرون ، لا ، بل سبع ٌوعشرون مرت كأنها سحابة صيف ، مسرعة الخطى ورمتني في حضن الوحدة ..

كبر الصغار ورحلوا ، تركوا لي الفراغ والخواء ، والوحدة ، وزوج ، كان رجلا حين وقف صارخا :

ـ سأقف في طريقها ، والرجل يتقدم .

أمام سلاح القبلية تهاوى الرجال ، أمام سلاح الحيار ، تراجع كل ٌ إلى خنه وبقيت ذبيحة بين الأقدام ، الشهوة في العيون ، الجوع في الأمعاء ،

والوجبة حارة طازجة .. ! خارت الضحية أرضا ، تضرجت بدمائها .. وخرج القاتل مزهوا بنصره ! السنوات تمضي ، وأنا أذوي في قفص ضيق تطبق قضبانه على قلبي ، تعصره ، فينزف صديدا أسودا ..

عشرون مرت منذ أتوا به محمولا ، خلعت الريح الباردة أوتاد قلبي ، ابتسم نيسان ساخرا ، أسقط برده في عظامي ، مددت يدين عاجزتين لأحضن كتفي ، لا ، البرد هناك ، حيث وطء الخريف أشجاري قبل الأوان ، البرد هناك حيث الفراش الخاوي والغرف المغلقة !

تحرك قلبي من جموده ، خفق مذكرا بالحياة ، تسارعت دقاته ... ثم انتظمت ، الحقيقة كانت دائما مرة ، الوهم سكن تحت جلدي ، حاولت طرد تلك الحقائق التي يفاجئني بها زمني ، أولاد يرحلون وزوج عاجز نزق ، ونظرات متسائلة ! آه يا قلبي ها أنت تدخل الجحيم الحقيقي ، صراخ وشتائم ، صراخ ودعاء ، صمت ، ونظرة غامضة تحمل في طياتها شك وريبة !هاهي عشرون مرت ولم يتعب ، عشرون مرت وصراخه بات شرنقة تنسج خيوطها العنكبوتية حول روحي .

عشرون مرت ، أدور في مجرتي ، متعبة تائهة ، وأنت أيها الجسد متى ستخرج من مستنقع الركود ؟ وأنت أيتها الروح متى تمزقين شرنقتك ؟

المرآة الصدئة تقول : مدي أصابعك ، انزعي الحناء المقيت ، وانظري تحت العروق الزرقاء .

أحدق جيدا .. أصابعي مثلجة .. روحي تشتعل .. وجهي ! الحناء ! الدماء ..

أرمي المشط .. أترك شعري للريح الثقيلة في هذا المساء الحار ...

قدماي تقوداني ، تمشيان إلى حيث ترك الناي يرتعش وهو يلامس الأرض الباردة ..

تشدني النغمات من أذني إلى حيث غاصت عيناه في خضرة عيني ، وشهق تاركا نايه يتحطم عند قدمي .

 

  

 

 غير صالح للنشر

 

  

سلم عليه بحرارة ، نهض سالم العبد من كرسيه احتراماَ ، وأخذه بالأحضان :

ـ مكاني ، والله لا تجلس إلا مكاني .

أومأ عبد الكريم بيده النحيلة الدقيقة الأصابع :

ـ ابق مكانك سأجلس هنا .

سحب كرسياً وجلس قبالته ، هتف سالم بحركة مسرحية :

ـ بعد زمان يا رجل ، منذ متى لم نرك ؟!

هز عبد الكريم رأسه :

ـ مشاغل ، أنت تعرف ، عندما أكتب أغرق في شبر ماء . يضيق العالم بي ولا أفكر بشيء غير أبطال روايتي ، يسكنوني ، يحتلون بيتي ، يبعثرون الأوراق ، يقيمون البيت ولا يقعدونه ، فترى الفوضى في كل مكان .

سأل سالم باهتمام :

ـ إذا سنتشرف بقراءة روايتك الجديدة قريباً .؟

ابتسم عبد الكريم ابتسامة من سيفجر قنبلة ومد يده لسالم بالمغلف الذي يحتوي على الرواية :

ـ ها هي ستكون أول من يكتب عنها اطمئن .

استرخى سالم في