الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | معلومات النشر | من نحن | كلمة العدد

 دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 07/06/2008

القائمة

 

المهزلة الأرضية

جمهورية فرحات

بيت من لحم

بطاقة تعريف الكاتب

أنشودة الغرباء

أبو السيد

نظرة

 لغة الآي آي

 

بطاقة تعريف الكاتب الكبير: د. يوسف إدريس

 

- ولد يوسف إدريس عام 1927 في إحدى قرى محافظة الشرقية

لأسرة من متوسطي المزارعين تضم عددا من المتعلمين الأزهريين.

- تعلم في المدارس الحكومية والتحق بعد دراسته الثانوية بكلية الطب في جامعة القاهرة التي تخرج منه عام 1951.

- عايش ظهور ( وتطور ) التيارات الفكرية والسياسية الوطنية التي انتعشت في مراحل الاستقلال

وتأثر بالفكر الماركسي بعد أن قوي بسبب دور الاتحاد السوفياتي بعد الحرب العالمية الثانية

والتحولات السياسية والاجتماعية التي شهدها العالم في ذلك الوقت،

- بدأ نشر قصصه القصيرة عام 1950 في الوقت الذي كان يتردد فيه الأدب المصري القصصي

بين نزعة وجدانية ونزعة تميل إلى التطبيق الحرفي لاتجاهات علم النفس التحليلي.

- صدرت مجموعته القصصية الأولى "أرخص ليالي" عام 1954،

ووضعت هذه المجموعة البداية الفعلية للواقعية المصرية،

ثم ظهرت موهبة إدريس في مجموعته التالية "العسكري الأسود" التي صدرت عام 1955

والتي وصفها أحد النقاد بـ " أنها تجمع بين سمات دستوفسكي وسمات كافكا معا "

- تسند رؤية إدريس الأدبية والفكرية إلى حساسية فائقة وإدراك نافذ - ذاتي للغاية - لمظاهر الوجود الإنساني وحقائقه.

أكثر مما تسند إلى "معرفة" معلوماتية محدودة.

- في مقدمة مجموعته "جمهورية فرحات" - التي نختار منها هنا القصة التي تحمل هذا العنوان

- يقول عميد الأدب العربي طه حسين : " أجد فيه من المتعة والقوة ودقة الحس

ورقة الذوق وصدق الملاحظة وبراعة الأداء مثل ما وجدت في كتابه الأول (أرخص ليالي)

 على تعمق للحياة وفقه لدقائقها وتسجيل صارم لما يحدث فيها ...".

- إلى جانب اهتمامه بالقصة القصيرة التي يعتبر أبرز ممثليها في الأدب العربي اهتم بالرواية والكتابة المسرحية.

ومن أعماله المسرحية

"ملك القطن" و "جمهورية فرحات" و "اللحظة الحرجة" و "الجنس الثالث" و "المخططين" و "البهلوان".

- انشغل يوسف إدريس في السنوات الأخيرة. ومنذ انتظامه في الكتابة للأهرام،

بعدد من القضايا الثقافية والاجتماعية الساخنة.

- حصل على جائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 1991

وفي العام نفسه رحل يوسف إدريس ليترك بصماته على تطور القصة العربية،

وتأثيراته الظاهرة على عدد من الأدباء الشبان في مصر والعالم العربي .

- من أبرز مؤلفاته في القصة القصيرة

" بيت من لحم "، " لغة الآي أي "، " العتب على النظر "، " أقلتها " ،

" قاع المدينة"، "النداهة"، "رجال وثيران"، "حادثة شرف"، "آخر الدنيا"، "أرخص ليالي.

وفي الرواية:

"نيويورك " 8 " العسكري الأسود"، "العيب". "الحرام"، "البيضاء"، "جمهورية فرحات".

 

نماذج من أعماله

 

بيت من لحم

 

 

الخاتم بجوار المصباح .

 

الصمت يحل فتعمى الآذان .

 

في الصمت يتسلل الاصبع .

 

يضع الخاتم . في صمت أيضا يطفأ المصباح .

 

والظلام يعم . في الظلام , أيضا تعمى العيون .

 

الأرملة وبناتها الثلاث .

 

والبيت حجرة .

 

والبداية صمت .

 

الأرملة طويلة , بيضاء , ممشوقة في الخامسة والثلاثين .

 

وبناتها أيضا طويلات , فائرات . لا يخلعن الثوب الكاسي الأسود بحداد أو بغير حداد, صغراهن في السادسة عشر , وكبراهن في العشرين , قبيحات , ورثن جسد الأب الأسمر المليء بالكتل غير المتناسقة والفجوات , وبالكاد أخذن من الأم العود .

 

الحجرة رغم ضيقها , تسعهن في النهار – رغم فقرها الشديد – مرتبة أنيقة , يشيع فيها جو البيت , وتحفل بلمسات الإناث الأربع .

 

في الليل تتناثر أجسادهن كأكوام كبيرة من لحم دافئ حي , بعضها فوق الفراش , وبعضها حوله , تتصاعد منها الأنفاس , حارة , مؤرقة , أحيانا عميقة الشهيق .

 

الصمت خيم مذ مات الرجل , والرجل مات من عامين بعد مرض طويل . انتهى الحزن وبقيت عادات الحزانى , وأبرزها الصمت .. صمت طويل لا يفرغ , إذ كان , في الحقيقة صمت انتظار , فالبنات كبرن , والترقب طال , والعرسان لا يجيئون , ومن المجنون الذي يدق باب الفقيرات القبيحات , وبالذات إذا كن يتامى ؟ .. ولكن الأمل , بالطبع موجود , فلكل فولة كيال , ولكل بنت عدلها , فإذا كان الفقر هناك , فهناك دائما من هو أفقر , وإذا كان القبح هناك , فهناك دائما الأقبح , والأماني تنال , أحيانا تنال , بطول البال .

 

صمت لم يكن يقطعه إلا صوت التلاوة .. يتصاعد في روتين لا جدة فيه ولا انفعال .. والتلاوة لمقرئ , والمقرئ كفيف , والقراءة على روح المرحوم , وميعادها لا يتغير , عصر الجمعة  يجئ , بعصاه ينقر الباب , ولليد الممدودة يستسلم , وعلى الحصير يتربع , وحين ينتهي , يتحسس الصندل , ويلقي بتحية لا يحفل أحد بردها , ويمضي.

 

بالتعود يجئ , بالتعود يقرأ , بالعادة يمضي , حتى لم يعد يشعر به أحد .

 

دائم هو الصمت , وحتى وتلاوة عصر الجمعة تقطعه , أصبحت وكأنها قطع الصمت بصمت . دائم هو كالانتظار , كالأمل , أمل قليل ولكنه دائم , فهو أمل في الأقل , دائما لكل قليل أقل , وهن لا يتطلعن لأي أكثر , أبدا لا يتطلعن .

 

وتدرك الأرملة وبناتها الآن فقط , كنه ما تقدم , ليس فقط الصوت الوحيد الذي كان يقطع الصمت ولكن , أيضا , الرجل الوحيد كان , ولو في الأسبوع مرة , يدق الباب , بل أشياء أخرى يدركن , فقير مثلهن صحيح , ولكن ملابسه أبدا نظيفة , وصندله دائما مطلي , وعمامته ملفوفة بدقة يعجز عنها المبصرون , وصوته قوي عميق رنان .

 

والاقتراح يبدأ : لماذا لا يجدد الاتفاق , ومنذ الآن , ولماذا لا يرسل في طلبه هذه اللحظة ؟ .. مشغول , فليكن , الانتظار ليس بالجديد . وقرب المغرب يأتي , ويقرأ , وكأنه أول مرة يقرأ , والاقتراح ينشأ , لماذا لا تتزوج إحدانا رجلا يملأ علينا بصوته الدار ؟ .. هو أعزب , لم يدخل دنيا , وله شارب أخضر , ولكنه شاب , وبالكلام يجر الكلام , ها هو الآخر يبحث عن بنت الحلال .

 

البنات يقترحن , والأم تنظر في وجوههن , لتحدد من تكون صاحبة النصيب والاقتراح , ولكن الوجوه تزور , مقترحة , فقط مقترحة , قائلة بغير كلام : أنصوم ونفطر على أعمى ؟ .. هن ما زلن يحلمن بالعرسان , والعرسان عادة مبصرون . مسكينات , لم يعرفن بعد عالم الرجال , ومحال أن يفهمن أن الرجل ليس بعينيه .

 

-تزوجيه أنت يا أماه .. تزوجيه .

 

-أنا ؟ .. يا عيب الشوم ! .. والناس ؟!

 

-يقولون ما يقولون .. قولهم أهون من بيت خال من رنين صوت الرجال .

 

-أتزوج قبلكن ؟ .. مستحيل .

 

-أليس من الأفضل أن تتزوجي قبلنا , ليعرف بيتنا قدم الرجال فنتزوج بعدك . تزوجيه . تزوجيه يا أماه .

 

وتزوجته .. زاد عدد الأنفس واحدة , وزاد الرزق قليلا , ونشأت مشكلة أكبر .

 

الليلة الأولى انقضت وهما في فراشهما , هذا صحيح , ولكنهما حتى لم يجسرا على الاقتراب , ولو صدفة , فالبنات الثلاث نائمات , ولكن من كل منهن ينصب زوج من الكشافات المصوبة بدقة إلى المسافة الكائنة بينهما , كشافات عيون , وكشافات آذان , وكشافات إحساس . البنات كبيرات ,  عارفات , ومدركات , والحجرة كأنما تحولت بوجودهن الصاحي إلى ضوء نهار . ولكن بالنهار لم يعد ثمة حجة , وواحدة وراء الأخرى تسللن , ولم يعدن إلا قرب الغروب و مترددات , خجلات , يقدمن رجلا , ويؤخرن رجلا , حتى يزددن قربا , وحينذاك يدهشهن , يربكهن , يجعلهن يسرعن , ضحكات, قهقهات رجل , تتخللها سخسات امرأة .. أمهن لابد تضحك , والرجل الذي ما سمعنه إلا مؤديا خاشعا ها هو يضحك . بالأحضان قابلتهن ولا تزال تضحك , رأسها عار وشعرها مبلل ممشط ولا تزال تضحك , وجهها , ذلك الذي أدركن للتو أنه كان مجرد فانوس مطفأ عشش فيه العنكبوت والتجعيدات , فجأة , أنار , ها هو أمامهن , كلمبة الكهرباء , مضيء . ها هي عيونها تلمع وقد ظهرت وتلألأت بالدمع الضاحك .. تلك التي كانت مستكنة في قاع المحجر .

 

الصمت تلاشى واختفى تماما , على العشاء وقبل العشاء وبعد العشاء , نكت تثرى وأحاديث , وغناء ,صوته حلو وهو يغني ويقلد أم كلثوم وعبد الوهاب , صوته عال , أجش بالسعادة , يلعلع .

 

خير فعلت يا أماه . وغدا تجذب الضحكات الرجال , فالرجال طعم الرجال .

 

نعم يا بنات . غدا يجيء الرجال ويهل العرسان . ولكن الحق أن ما أصبح يشغلها , ليس الرجال أو العرسان , ولكنه ذلك الشاب , كفيف فليكن , فما أكثر ما نعمى عن رؤية لمجرد لأنهم عميان, هذا الشاب المتدفق قوة وصحة وحياة , ذلك الذي عوضها عن سنين المرض والعجز والكبر بغير آوان .

 

الصمت تلاشى , وكأن إلى غير رجعة , ضجيج الحياة دب , الزوج زوجها وحلالها , وعلى سنة الله ورسوله , فماذا يعيب , وكل ما تفعله جائز . حتى وهي لم تعد بالمواربة أو بكتمان الأسرار , حتى والليل يجيء , وهم جميعا معا , فليطلق العقال للأرواح والأجساد , حتى والبنات مبعثرات , متباعدات , يفهمن ويدركن وتتهدج منهن الأنفاس والأصوات , مسمرات في مراقدهن , يحبسن الحركة والسعال , تظهر الآهات فتكتمها الآهات .

 

كان نهارها غسيل في بيوت الأغنياء , ونهاره قراءة في بيوت الفقراء , ولم يكن من عادته أول الأمر أن يؤوب إلى الحجرة ظهرا , ولكن , لما الليل عليه طال , والسهر أصبح يمتد , بدا يؤوب ساعة الظهر , يريح جسده ساعة من عناء ليل ولى , واستعدادا لليل قادم . وذات مرة , بعدما شبعا من الليل , وشبع الليل منهما , سألها فجأة عما كان بها سلعة الظهر , ولماذا هي منطلقة تتكلم الآن ومعتصمة بالصمت التام ساعتها , ولماذا تضع الخاتم العزيز عليه الآن , إذ هو كل ما كلفه الزواج من دبلة ومهر وشبكة وهدايا , ولماذا لم تكن تضعه ساعتها ؟

 

كان ممكنا أن تنتفض هالعة واقفة صارخة , كان ممكنا أن تجن , كان ممكنا أن يقتله احد , فليس لما يقوله إلا معنى واحد , ما أغربه وأبشعه من معنى .

 

ولكن غصة خانقة حبست كل هذا , وحبست معه أنفاسها . سكتت . بآذانها التي حولتها إلى أنوف وحواس وعيون , راحت تتسمع , وهمها الأول أن تعرف الفاعلة . إنها متأكدة لأمر ما أنها الوسطي , أن في عينيها جرأة لا يقتلها الرصاص إذ أطلق , ولكنها تتسمع . الأنفاس الثلاثة تتعالى , عميقة , حارة كأنها محمومة , ساخنة , بالصبا تجأر , تتردد , تتقطع , أحلام حرام تقطعها . أنفاس باضطرابها تتحول إلى فحيح , فحيح كالصهد الذي تنفثه أراض عطشى . والغصة تزداد عمقا واحتباسا . إنها أنفاس جائعات ما تسمع . بكل شحذها لحواسها لا تستطيع أن تفرق بين كومة لحم حي ساخنة متكومة , وكومة أخرى . كلها جائعة . كلها تصرخ وتئن , وأنينها يتنفس , ليس أنفاسا , ربما استغاثات , ربما رجوات , ربما ما هو أكثر .

 

غرقت في حلالها الثاني , و نسيت خلالها الأول , بناتها , و الصبر أصبح علقما , وحتى سراب العرسان لم يعد يظهر . فجأة ملسوعة ها هي كمن استيقظ مرعوبا علي نداء خفي : البنات جائعات . الطعام حرام صحيح لكن الجوع أحرم . أبدا ليس مثل الجوع حرام . إنها تعرفه . عرفها ويبس روحها ومص عظامها , وتعرفه , وشبعت ما شبعت , مستحيل أن تنسى مذاقه .

 

جائعات , وهي التي كانت تخرج اللقمة من فمها لتطعمهن , هي التي كان همها حتى لو جاعت أن تطعمهن , هي الأم . أنسيت ؟! وألح مهما ألح , تحولت الغصة إلى صمت . الأم صمتت . ومن لحظتها لم يغادرها الصمت .

 

وعلى الإفطار كانت , كما قدرت تماما, الوسطي صامتة .

 

وعلى الدوام ظلت صامتة .

 

والعشاء يجيء , والشاب سعيدا وكفيفا ومستمتعا , ينكت لا يزال , ويغني ويضحك , ولا يشاركه الضحك إلا الصغرى والكبرى فقط .

 

ويطول الصبر , ويتحول علقمه إلى مرض , ولا أحد يطل .

 

وتتأمل الكبرى ذات يوم حاتم أمها في إصبعها , وتبدي الإعجاب به , ويدق قلب الأم , وتزداد دقاته وهي تطلب منها أن تضعه ليوم , لمجرد يوم واحد لا غير . وفي صمت تسحبه من إصبعها . وفي صمت تضعه الكبرى في إصبعها المقابل .

 

وعلى العشاء التالي تصمت الكبرى وتأبى النطق .

 

والكفيف الشاب , يصخب , ويغني , ويضحك , والصغرى فقط تشاركه .

 

ولكن الصغرى تصبح , بالصبر والهم وقلة البخت , أكبر , وتبدأ تسأل عن دورها في لعبة الخاتم , وفي صمت تنال الدور .

 

والخاتم بجوار المصباح , الصمت يحل فتعمى الآذان . وفي الصمت يتسلل الإصبع صاحب الدور . ويضع الخاتم . في صمت أيضا . ويطفئ المصباح . والظلام يعم . وفي الظلام تعمى العيون .

 

ولا يبقى صاخبا , منكتا , مغنيا , إلا الكفيف الشاب .

 

فوراء صخبه وضجته , تكمن رغبة , تجعله يثور على الصمت , وينهال عليه تكسيرا . إنه هو الآخر يريد أن يعرف , عن يقين يعرف . كان أول الأمر يقول لنفسه : إنها طبيعة المرأة التي تأبى البقاء على حال واحد . فهي طازجة صابحة كقطر الندى مرة , ومنهكة مستهلكة كماء البرك مرة أخرى . الخاتم دائم ووموجود صحيح , ولكن , وكأنما الإصبع الذي يطبق كل مرة إصبع , إنه يكاد يعرف , وهن بالتأكيد كلهن يعرفن , فلماذا لا يتكلم الصمت , لماذا لا ينطق ؟

 

ولكن السؤال يباغته ذات عشاء , ماذا لو طق الصمت ؟ .. ماذا لو تكلم ؟

 

مجرد التساؤل أوقف اللقمة في حلقه .

 

ومن لحظتها لاذ بالصمت وأبى أن يغادره .

 

يل هو الذي أصبح خائفا أن يحدث المكروه مرة , ويخدش الصمت , ربما كلمة واحدة تفلت فينهار لها بناء الصمت كله , والويل له لو انهار بناء الصمت .

 

الصمت الغريب الذي أصبح يلوذ به الكل .

 

الصمت الإرادي هذه المرة , لا الفقر لا القبح لا الصبر ولا اليأس سببه .

 

إنما هو أعمق أنواع الصمت , فهو الصمت المتفق عليه , أقوى أنواع الاتفاق , ذلك الذي يتم بلا اتفاق .

 

الأرملة وبناتها الثلاث .

 

والبيت حجرة .

 

والصمت الجديد .

 

والمقرئ الكفيف الذي جاء معه بذلك الصمت , وبالصمت راح يؤكد لنفسه أن شريكته في الفراش على الدوام هي زوجه وحلاله وزلاله وحاملة خاتمه . تتصابى مرة أو تشيخ , تنعم أو تحشن , ترفع أو تسمن , هذا شأنها وحدها , بل هذا شأن المبصرين  ومسئوليتهم وحدهم , هم الذين يملكون نعمة اليقين . إذ هم القادرون على التمييز , وأقصى ما يستطيعه هو أن يشك , شك لا يمكن أن يصبح يقينا إلا بنعمة البصر , وما دام محروما منه فسيظل محروما من اليقين , إذ هو الأعمى , وليس على الأعمى حرج .

أم على الأعمى حرج ؟

 

 

جمهورية فرحات

 

ما كدت أدلف إلى القسم ومعي الحرس حتى أحسست بانقباض مفاجىء . لم تكن تلك أول مرة أدخله ولكنها كانت المرة الأولى التي أرى القسم فيها في الليل ، ولهذا شعرت حين تخطيت الباب أني أدلف إلى خندق سفلي لا يمت إلى الحاضر ولا حتى إلى الماضي القريب ... جدران يكسوها حتى منتصفها سواد على هيئة طلاء وكآبة تكسو نصفها الثاني .. وبقع بيضاء مبعثرة هنا وهناك لا تخفف السواد بقدر ما تظهر بشاعته . وأرض لزجة لا تدري إن كانت من الأسفلت أو من الطين ورائحة ... رائحة لا تستطيع أن تحدد كنهها وإنما لا بد أن تحس معها بغثيان ، وضوء باهت يأتي من مصابيح بالغة القدم عشش عليها الذباب وباض ... مصابيح معظم ضوئها محكوم عليها بالسجن المؤبد داخلها والقليل الذي يتسلل منها هرابا لا يبدد الظلام بقدر ما يحتمي به ويتستر وإن وقع على الأشياء والناس فإنما ليظهر كل ما بها من حزن وقبح وبشاعة .

وأحسست حين احتوائي هذا كله وأصبحت جزءا لا يتجزأ منه والناس من حولي على سيماهم جد خطير يمشون كالمنومين ، وصناديق الفاكهة وعربات اليد وكراسي المقهى إلى صادرها بوليس البلدية وهي مكومة في ركن وأصحابها متناثرون حول الجدران والأركان متهالكين على الأرض ورؤوسهم مائلة على حجورهم . والعساكر يبدون في أرديتهم السوداء كعفاريت منتصف الليل .

أحسست حين احتوائي هذا كله أنني لا بد أنا الآخر قد ارتكب جريمة ونسيت ومنيت أن أهرب من المكان بأسرع ما أستطيع ولم أكن أستطيع مغادرة المكان فقد كان على أن أحجز في القسم ليلة لأرسل إلى النيابة في صباح الغد .. واحتاروا أين يضعونني فالحجز كان ممتازا والحجر الأخرى التي يوضع السياسون فيها عادة تعج بالمراقبات وصاحبات الحرفة ، ولم يبدوا لي في النهاية خيرا من حجرة الضابط التوبتجي . وهناك تركت ومعي حارس ..

كانت الحجرة على سعتها تضيق من فيها ، وكان أبرز الموجودين جميعا الضباط النوبتجي ، وحين رأيته جالسا إلى مكتبة كالحكمدار وعلى يمينه فوهات أكثر من خمسين بندقية مغمدة في فضاء الحجرة . وخلفه اللوحة الخشبية المثبتة في الجدارن والمثقلة بألوان وأشكال من السلاسل والقيود والدورع والبلط والخوذات ، وعلى يساره الخزانة الحديدية القديمة .. حين رأيته هكذا تخيلت أن لا حدود لرهبته وفوته ، وأنه يستطيع ببساطة أن يفضم دراعي أو يضع أصبعه في عيني ، مع أني كنت متأكدا أن لا شأن لي به ولا شأن له بي ...

ووجدتني أترك كل ما في نفسي وكل ما يشغلني وأنضم إلى جيش العيون المنصبة عليه من الناس المزدحمين أمامه ، والذين لا يفصله عنهم إلا سور خشبي منخفض ...

وبدا لي أول الأمر وكأنه ليس بكائن حي ... وإنما جسده فقد صنع من طلاء الجدران الأسود . ورأسه خوذة من الخوذات المعلقة وراءه . وعيناه فتحات بنادق ولسانه لا بد كرياج ...

ولكني حين هدأت قليلا واعتدت على المكان ، وتأملت كيف وضع " الكاب " فوق رأسه في وقار مخيف وزرر معطفه الضابطي - على غير العادة - إلى آخر زرار فيه ، وشد جلد وجهه في تزمت صارم فاختفى كل ما فيه من تجاعيد وأصبح أملس كجدل الطبلة المشدود ، وأضفى على نظرات عينيه بريقا تحس معه أنه لا ينظر بهما إلى الناس بقد ما ينقر ويلسع وحمل صوته ما لا يطيق وهو يشخط ويهدر بكلمات غير مفهومة كأصوات الرصاص .

حين تأملت كل هذا بدا لي حينئذ كأحد الجنرالات الطليان الأسرى الذين كنا نراهم أثناء الحرب ... وحدث أن جاء شاويش أو بيتشاويش لا أذكر ووقف أمامه ونادى عليه :

- يا فرحات ...

عجيب كيف ينادي بلا تكليف هكذا ، ولكن عجبي زال حين قال مرة أخرى .

- يا فرحات ... ياسي فرحات ...

ولم يرد الضباط النوبتجي إلا بعد أن قال له الرجل ... يا حضرة الصول ....

وكنت قد اقتربت حتى استندت مع غيري المستندين على السور الخشبي وسمعت لهجته التي فيها آثار باهتة من ريف الصعيد ونم صوته العالي عن الفضاء الواسع الذي ترعرع فيه ، وعن مسلتزمات الوظيفة من شخط ونظر وقد عملت عملها طوال تلك السنين فأتلفت صوته وأضافت إليه حشرجة كالتي تلحق براديو القهوة البلدي من كثرة رفع صوته . وذهب الجنرال من خاطري تماما ووضحت أمام عيني ملامحه التي كان يلفها ضباب الرهبة والسلطة ، ورأيتها صعيدية خالصة بأنفه الكبير كأنف رمسيس وجبهته الحادة العالية كجبهة منقرع ، وشيخوخته التي تنم عن تاريخ حافل في خدمة البوليس إذ لا بد قضى أجيالا حتى يصل إلى رتبة الصول ، وقد دخل الخدمة . " نقرأ " ككل الأنفار ، ورأيت جسده العجوز على حقيقته مستقيما في أجزاء منبعجا في بعضها الآخر ، وقد فرضت عليه البدلة العسكرية والحذاء الثقيل و " القايش " ... فرضت على جسده شكلها فرضا كما يفرض قالب المكوى على الطربوش شكله وأبعاده . وكان من الواضح أنه يحب هذا المركز حين تسند إليه مهمة الضابط النوبتجي ، ويحب أن يعامله الناس كضابط بحق وحقيق وهو الذي - بلا شك - قد قضى ثلاثة أرباع عمره يحلم بهذا وينتظر اليوم الذي يحمل فيه كتفه " النجمة " .. وكان باديا أن كتفه لن تحمل شيئا من هذا القبيل ، فهو ,إن كان يقوم أحيانا بدور الضابط النوبتجي إلا أن الإحالة إلى المعاش كانت تبدو وشيكة ، ونجمة الفجر أقرب إليه من نجمة الملازم الثاني ... وحين تركته وأدرت بصري في الحجرة ورأيت المكاتب الخاوية التي تركها أصحابها ، ودولاب الدوسيهات ، والمروحة القديمة الموضعة فوق الخزانة والتي كان يبدو أنها لم تستعمل منذ عشر سنين على الأقل ، وقد صنع التراب من نفسه عناكب فوقها ، والمصباح الكهربائي الذي له " برنيطه " من الصاج ، والذي يتدلى من السقف حتى يوازي رأس فرحات المائل على ما أمامه من أوراق ، والناس المزدحمين حول الحاجز الخشبي والذين يكونون خليطا - إن تنافر في أشياء - فإنه يتفق في نظرات القلق والحزن الغاضب والوجوه المنقبضة الجامدة . كان معظمهم متهمين عائدين من تحقيق النيابة وتضمهم سلسلة حديدية طويلة ، تبينت بعد حين أنهم لا يقيمون وزنا للسلاحليط أو السلسلة أو الصول فرحات نفسه .. فشخطته تقابل بزمجرة وأحيانا برد لا يقل عنها قسوة ، حتى انفجر أحدهم مرة لأن فيشه وتشبيهه لم يكن بعد قد جاء من تحقيق الشخصية ، وكان عليه لهذا أن يمكث في الحجز بلا إفراج حتى يجئ انفجر ولعن الدنيا والحظ والفقر والذين كانوا السبب . ولولا الملامة للعن الضابط النوبتجي هو الآخر . ولمحت الضابط الذي في فرحات يعاني الحرج الشديد ، وهو يسمعهم يدرون ، ولكثرتهم وشراستهم وضربهم الدنيا صرمة لا يستطيع - كالضباط الحقيقيين في نظرة - إخماد ضجتهم . ولما انتهى منهم ومضوا وعسكري في أول صفهم وعسكري في آخره ، والسلسلة ترن وتصلصل وهم لا يزالون يسبون ويلعنون ، تنهد فرحات تنهد الذي وضع أصبعه في الشق .

حين تركته وأدرت بصري لكل هذا وعدت إليه وجدت حينئذ يبدو عجوزا جدا ... عجوزا إلى الدرجة التي تحس معها أنه عهدة من عهد الحكومة عثرت

عليه ذات يوم أثناء " كبسة " على بلدنه فصادرته وختمته بالطربوش الأحمر والبدلة الميري . وظل في مخازنها حرزا من الأحراز يبلى ويصبح كهنة ولا تبلى ما عليه من أختام .

وقال وهو يجوس بعينيه خلال الموجودين :

- أف ... أقسم بالله الأشغال الشاقة أرحم من دي شغله .

وتوقفت عيناه على وفيها دعوة واضحة . وكنت أنا الآخر لي ساعات وأنا صامت فوجدت نفسي أقول :

- ايه ... الشغل كثير وإلا ايه ؟

وكمن كان ينتظر الفرج من زمن رأيته ينفجر :

- يو هوه يا أستاذ ... هو ده شغل ؟ دا سرك ... دا موريستان ... الناس اجننت ... يعملوا ايه ؟ .. حيخس عليهم حاجة ؟ كله على دماغنا والنبي أنا أشتغل في الحديد ميت سنة ولا أقعد هنا ساعة .. والأكاده أن كله كلام فارغ .. كله كدب ... تبالى وحياتك .

اللي معور نفسه ... واللي ضاع منه شاكوش .. واللي كان نايم قال وراحت طاقيته .. ونروح بعيد ليه ؟

مش دي واقفة من الصبح ؟ مالك يا بت ؟ أبقي مش الصول فرحات إن ما قالت أنهم ضربوها وأخذ سيغنها ... مالك يا بت ؟ فيه ايه ؟

وكانت " البت " امرأة واقفة ضمن الواقفين ترتدي ثوبا كان أسود ثم أحاله ساحر الحاجة إلى رمادي . وتتعصب بمنديل كالح لا يخفي إلا القليل من شعرها البني الأكرت القصير وقد تلوث نهاياته وتنافرت . وكان وجهها غامقا أسمر . وفي عينيها كحل أفسدته الدموع ...

وردت تقول في ذلة :

- أم سكينة والبت عيوشة وبنت أختها نبوية والود ...

- مالهم ؟ مالهم ؟

- اتلموا على وضربوني في بطني .. آه يانا ...

وفي ومضة خاطفة كانت في حالة بكاء تام . وأضافت والدموع والشهقات تختلط في حلقها ...

- وأم سكينة .. عضتني .. هنا .. في كتفي ... وزغدتني في بطني ... والبت عيوشة قلعتني الحلق .

وقهقه الصول وخشخش صوته وقال :

شايف يا أستاذ شايف ؟ مش قلتلك ؟

كله وحياتك كدب ... نصب واحتيال .. بقي بذمتك دي حيلتها البلى الأزرق ؟ حلق أيه يابت اللي خدوه ؟ حلق حوش ؟

- حلق ذهب يا بيه وغويشتين ..

والتفت الصول إلى وقال بلهجة ذكرتني بنجيب الريحاني :

- تفتكر والنبي مين المجني عليه في الحكاية ده ؟

- مين ؟ ...

- أنا ! ...

- أنا !...

- أنا يا فندم .. ما هو الكدب العلني ده يبقي سرقه بالإكراه .. ومحضرها المصيبة من صورتين . والمصيبة الكبرى أن أنا اللي حاكتب الصورتين ... واستدار إلى المرأة ولسعها بنظرة كاوية فيها أثار من لمعة الضحك وأمسك القلم وفتح دفتر المحاضر الكبير وكأنه يفتح بوابة المتولي وقال :

- هه .. الهي وأنت جاهي ربنا يا خدكم ويخدني معاكم خليني استريح ..

ولما انتهى من كتابة مقدمة المحضر سألها :

- اسمك ايه يا بت ؟

ولم ينتظر أن تجيب أو يحفل بإجابتها . وواجهني مستأنفا كلامه وأنا أحس أنه يحدث نفسه أكثر مما يحدثني :

- وأنا والنبي المجني عليه .. ومش في الواقعة دي بس ... في ألف واقعة .. في دشليون .. يمكن ما تصدقش .. اتفضل أدي دفتر الأحوال .. اصطبحنا بهتك عرض في الطريق العام و 592 اللي بعدها نشل حافظة نقود قال فيا قال 147 جنيه و 83 صاغ وورقتين ، ويمكن لجل الحلفان خمسة تعريفة كمان . واللي بعدها قال سرقة نحاس .. قابلين في البلاغ أن النحاس وزنه 50 رطل ومتهمين الخدامة ... حتة بت قد كده متطلعتشي كلها على بعضها عشرة أرطال .. وغيره وغيره .. من الصبح وأنا وأنا أيدي ما وقفت من الكتابة .. وكله ملاليم وكلام فارغ وكدب ... يا شيخ فضل .

والتفت إلى المرأة يسألها :

- ما تنطقي يا بت .. اسمك ايه ؟

وقبل أن تجيب ضحك وقال كمن تذكر نكته :

- واللا الجثة اللي لقيوها في الخرابة مالهاش صاحب ... قصدى صاحبها مجهول ... ليوا السر الإلهي طلع منه كده لوحده ومن غير ما حد يكلمه ... قوللي ؟ ... اشمعنى نفي الخرابة دي يموت فيها ؟ ... يعني ضاقت الدنيا في وشة ... ماكنتشي يتمشي لحد شبرا مثلا ؟ الله يرحمه مات ... وأتعذب أنا ليه ؟

نهايته .. كتب عليكم الهم والغم كما كتب على الذين من قبلكم .. وأدار رأسه إلى المرأة :

- يا وليه اسمك ايه ؟ ...

- خديجة ...

- خديجة ايه . انطقي ...

- خديجة محمد ...

- يا وليه تحركي ... محمد ايه ...

- وقبل أن تجيب أرقد قلمه ... وأسند كوعيه إلى الصفحة ووضع رأسه بين يديه وقال من تحت حافة " الكاب " . والمصباح الذي أمامه يهتز كالبندول فيتحرك ظل رأسه على الحائط الذي خلفه .. يتحرك رائحا غاديا كقرد كبير :

- أنا المجني عليه والنبي .. هي حكاية محضر ؟ هو أنا عجزت من شوية ؟ ثلاثين سنة خدمة وحياتك ويوميا بهذا الشكل ... جبتها من المنزلة لعنيبة ومن العريش لمرسي مطروح .. وشفت اللي أدبح عشان عود قصب . واللي حرق جرن علشان كوز دره .. الناس أجننت .. هو الواحد شاب من شوية ؟ ...

وأنهي كلامه فجأة وانقض على يد كانت تمتد إلى المكتب وخبط عليها بعنف وعصبية قائلا :

- قلتلك ميت مرة شوفلك نشافة تانية ... هو ما فيش في القسم كله إلا دي ؟ ...

أعوذ بالله احنا في سوق النور ؟

قال هذا وانظر حتى اختفى صاحب اليد مهيض الجناح والتفت إلى بوجهه الجاد المشدود الملامح :

- والواحد يبقي حارق دمه ... وأولاد الـ " ..." ولا هاممهم وعمالين يهزروا .

وكان يشير بعينيه وهو يتكلم إلى حجرة التليفون حيث اجتمع بعض العساكر حول زميل لهم بدين مترهل وله كرش كبير ، وكان بعضهم بكتفه والآخرون يحاولون جذب بنطلونه وإنزاله ، والرجل يلهث ويناضل بكل ما يسمح به شحمه من قوة ... ويركن عيني لمحت الصول فرحات يبتسم ويضحك ويقهقه ، ثم ينسى كل شيء ويمد رقبته يتابع المعركة . وظهر عليه أسف حقيقي حين انتهت المعركة بانتصار صاحب الكرش وتخلصه ممن حوله . ورفع حينئذ صوته قائلا بلهجة صعيدية خالصة :

- آه يا نسوان ... ما قادرنشي على أبو كرش كليته " شغت " ؟ !

وما كاد يتم كلامه حتى فتح باب جانبي وظهر المعاون في الفناء وأصبح القسم فجأة أصم وأبكم وهبطت الصرامة تجمد كل شيء وقال الصول للمرأة في حزم :

بتقولي اسمك خديجة محمد ايه ؟ ....

وتركته يحقق وشغلتني عنه داورية الليل وقد بدأت تتجمع في الفناء وحين تجمعت بدا منظرها عجيبا ... صفان من الظلام التام ليس فيه إلا بريق الزراير النحاسية الصفراء وفوق الظلام نار من الطرابيش الحمراء الممدودة تسند البنادق بلا حماس ... وتسمع في الظلام همهمات وضحكات تموت سريعا كالشهب . وقد يشذ عن الأيدي الممدودة كوع ويلكز جاره .

وفتش عليها المعاون وأنفه - كالديك الرومي - في السماء وعينه على زرار لا يبرق أو حذاء نفض عنه بعض سواده . وراح وجاء ثم دخل حجرته . والظاهر أنه تعشى فقد خرج وهو ما زال يمضغ وعلى شفتيه لمعة وفتش مرة أخرى وهو يجفف يديه بعد أن اغتسل .

واندكت الأرض بالأحذية وكعوب البنادق مرات وعواقب بعض وكدر آخرون ....

ثم ...جنبان سلاح و .. كتفان سلاح .. و ...داورية ... معتادان مارش ...

وخرجت داورية الليل تئز وتتمايل وفي آخرها العسكري البدين يحاول عبثا أن يوفق بين جسده غير المنتظم وخطواته المنتظمة ...

وأصبح فناء القسم بعد خروجها خاويا كعربة قطار الليل حين يقترب من آخر محطة . وعدت إلى الصول فرحات فوجدته لا يزال يحقق مع المرأة ويسألها :

- اتلموا عليكي فين؟ ...

- جوه السيما ...

- وايه اللي دخلك السيما يابت ؟ ....

- محمود ....

- محمود مين ؟ ...

- محمود !! ...

وهنا بدت على الصول فرحات صعيديته وسألها وجبهته معقودة دون أن يكتب في المحضر :

- محمود دا ايه يابت ؟ ...

- ابن خالتي ....

ووضع القلم من يده وهو يقول :

- آخ يا بلد كابوريا يا ولاد الـ ....

وأخرج من جيبه علبة صفيح قديمة من التي تباع فيها السجاير الغالية ولمحت فيها سيجارتين سادة وواحدة بفله وعلبة كبريت وأشعل السادة وغمغم بأشياء مبهمة تمس الآباء والأجداد وانجاب الأبهام حين قال لنفسه .

- سيما ... هه ... قال سيما قال ؟ ... وتدخلوا السما تنيلوا ايه ؟ ... هو انتو بتوع سيما ؟ ..

وانفلت من حديثه لنفسه يسأل المرأة وقد ثنى