|

بطاقة
تعريف الكاتب: زهير جبور

ولد في القنيطرة عام 1948.
نزح
منها في نكسة حزيران عام 1967.
عمل
في عدة مجالات أدبية، وصحفية. وشارك في تحرير صحف ومجلات سورية:
عمل في اتحاد شبيبة الثورة. ومن ثم أمين سر فرع اتحاد الكتاب العرب في
اللاذقية.
ومديراً
لمكتب جريدة البعث، ثم رئيساً لفرع اتحاد الصحفيين في اللاذقية وطرطوس.
ومعداً
لبرامج التلفزيون في الساحل السوري. ورئيساً لفرع اتحاد الكتاب العرب في
اللاذقية.
وعمل في (السيناريو) التلفزيوني.
مؤلفاته:
1- الحلم مرة أخرى - قصص - دمشق 1978.
2- الورد الآن والسكين - قصص - دمشق 1979.
3- الوقت - قصص - دمشق 1981.
4- حصار الزمن الأخير - قصص - دمشق 1984.
5-رذاذ المطر - قصص - اللاذقية 1988.
6- مياه آسنة من أجل الأسفنج - رواية طويلة. مع مجموعة قصصية هي ذبحنا
الطيور وهي تغرد - 1998.
 


نماذج من أعماله

الرغبة، ولون البحر
الميت
عبرت نشرات الأنباء وأوراق النعي دون أن تترك فيّ إنفعالاً يذكر،
فشربت قهوة، واستمعت إلى الموسيقا وبعض الأغنيات، ولم أتعرض منذ الصباح
لأية دهشة.
حزنت بعد الظهر، وضحكت كثيراً لخبر عممته وكالات الأنباء عن حالة
فرح جماعي داهم سكان إحدى القرى، فراحوا يغنون ويرقصون، ويدقون الطبول دون
سبب، وعندما طالت الحالة، أرسلت منظمة الصحة بعثة لتحليل الظاهرة.
رغبت لو أنني مع سكان القرية في هستيريا فرحهم كما سمته الأنباء.
تشير الساعة إلى الخامسة مساءً، الحرارة مرتفعة يتصبب العرق من جسدي
بغزارة، والبحر بلونه الأزرق وركوده الكسول يبدو كالميت، أكرهه في شكله
المقيت هذا.
ينبغي أن أهرب فالملل قاتل.
أوقفت عربة عامة.
- إلى أين ترغب؟
أعجبتني ترغب، فرغبت باستحضار أشكال ساعات يدي التي استعملتها
سابقاً، وقدرت أن أفضلهن كانت تشير إلى السابعة وهي في الواقع العاشرة وإذا
ما وصلت إلى الثالثة تتوقف.
ضحكت، وأنا مستمر في حزني، وخبر الفرح المباغت معي، قال مذياع
العربة أن ثمة موجزاً للأنباء قد حل زمنه فتململت كمن يستعد للأصغاء، وكنت
أكذب في تململي وتنبه سائق العربه لشيء ما لم يقدره، ولم يستطع إكتشافه.
فاكتفى بنظرة سريعة، ثم هز رأسه وقرر أنني مجنون أو هكذا أوحي إليه.
-لماذا تتدخل المنظمة وتغتال الفرح المباغت؟ ناولته النقود. وغادرت
العربة.
اتجهت صوب البناء، استجاب ضاغظ الجرس لحركة إصبعي /طن/طن/.
هكذا وجدت نفسي أواجه الموقف، دون تخطيط والساعة الآن السادسة مساء.
-أهلاً.
قلت:
-أهلاً:
ترددت في نطق أول جملة مطلوبة للوضع الذي واجهني هي ترتدي ثوباً
داخلياً رقيقاً. إنه الحر، لم تضع ساعديها على صدرها كما في (السينما).
-أين هو؟
-ذهب. سيعود. ادخل
-مررت لألقي التحية
دخلت، هبت نسمات اصطناعية فرزتها آلة الطاقة. انتعشت اصطناعياً،
وشممت رائحة عطرها ممزوجة برائحة العرق. ورأيت مساحة صغيرة من السواد تغطي
أسفل إبطها، وآثار قطرات العرق.
سرقت نظرة خجولة للمجرى الفاصل بين النهد والنهد. لعنت حضوري،
وحاولت إعادة كياني المهزوز أمام لحظة حارقة كهذه لكن الرغبة سيطرت. فدخلت
في عالم الدهشة الذي لم أعرفه اليوم، تذكرت حزني والفرح، واخترت كنبة
للجلوس، فجلست مضطرباً وقلت بعتب:
-الجو حار.
قالت:
-البحر أو الحمام البارد.
تخيلت عريها الكامل، ارتجفت.
سارت عدة خطوات عكس اتجاه مقعدي، ظهر بوضوح لون الشيء الداخلي، يميل
إلى (الأورانج). أو هكذا خيل إلي.
حرارة المكان لم تعد تحتمل، والهواء الآلي يضرب وجهي ولا يخفف من
حرارتي، وبحركتي المعهودة رحت ألعب في ساعة معصمي، وشتمت في داخلي شركات
تضيع الزمن، والرغبات المباغتة.
هم لا يترجمون معنى الرغبة يا غبي، كل فلسفات الأرض لا تحجب عنك
الرحم أيها المثقف المتحرر.
(دخل كصديق) (غدر) (نزواته قذرة)
قلت:
-سأمضي.
استدارت. ضحكت. رفعت ساعدها فرزت الطاقة رائحة ما التقطتها
(كالمغناطيس)، ماذا يجري؟.
قالت:
-لا ، سنشرب القهوة معاً
ابتسمت.
-قهوة معاً. لا بأس.
زمن .قهوة. لفائف التبغ، فكرت بتوضيح ما يدور. ألغيت الفكرة دون
تردد.
قلت:
-متى يعود؟
جلست على الكنبة المواجهة، قالت:
-حين ينتهي من لعب (الورق) هو يمقت الخسارة، ولا يرجع إلا منتصراً.
تابعت حديثها:
-أعجبتني الرواية، فيها واقعية وتشويق.
قلت:
-أنجزت مطالعتها بهذه السرعة.
-أجل أنا أستسلم لأي شيء أحبه. رغم أنني أهتم هذه الأيام بالمقرر
الجامعي، رغبتي بالتخرج تسيطر علي. قلت:
-هو لا يعود إلا بعد الانتصار.
لم ترد . راحت تتحدث بكثافة وبوتيرة واحدة.
فانتقلت إلى جماعة القرية. اعتذرت غابت. عادت تحمل القهوة، وكنت قد
اتخذت قراري بالبوح عن الرغبة التي إختلطت بالحرارة، لشعوري أن التفاصيل
المحيطه توحي بأنها مُهّيأة لتقبل ما يدور.
/نزوة/ أخرج/ /خائن/ /غدار/
- قلت بعصبية وأنا أتراجع في جلستي:
- لن أشرب القهوة.
ردت:
-مابك.
-الجو... الجو..
أحسست أن عطش الدنيا قد تجمع في حنجرتي دفعة واحدة
قالت:
-بل ستشرب القهوة. ونتحدث.
رأيت ثغرها كوردة مليئة بالرائحة،وشهية باللون وهواء الطاقة يداعب
شفافيه الرداء.
حقول من البنفسج برزت مع نغم الموسيقا. إنبعثت من مسامات الجسد
الحنطي، وبداخلي طبول تقرع، وبيني وبينها مساحة من الشوك والحواجز والقنابل
الموقوتة.
قلت:
-ماذا تعرفين عن منظمة الصحة؟
ضحكت هي،ضحكت أنا، ضحكت طويلاً... فضحكت معها طويلاً. وتراجعت إلى
الوراء، ارتفع الرداء، أنزلته انحنت إلى الأمام، المجرى سواد أسفل الإبط.
الرائحة. عالم يدور. والطبول تقرع عبّر عن رغبتك. ماذا تنتظر؟
قالت:
-هذه المنظمة تعالج اسهالات الأطفال.
ضحكت هي. ضحكت أنا.. أخذنا الضحك طويلاً.
عبر عن رغبتك... ماذا سيحدث؟
قلت:
-أطفال. مساكين أطفال القرية.
قالت:
أية قرية؟
قلت:
جميعهم دبكوا. غنوا. فرحوا. صغارهم كبارهم ولا علاقة لهم بالاسهال.
هواء مخنوق. رغبة مخنوقة. عودة الرجل المنتصر. حتى القهوة لا طعم
لها، كل المذاق في المواجهة. ينبغي أن أتحرر.
-سأنصرف.
قالت:
_انتظره
قلت:
-قد لا ينتصر.
ضحكت هي. لم أضحك أنا. طعم الخيبة في حلقي فتحت الباب... لفحني حر
الشارع. سرت. وكانت ساعة معصمي تدور،والبحر في ركوده الكسول ولونه الأزرق
كالميت.
1993
   
لكن نورا لم تقع
"نورا" صبية عصرها، وعصفورة الماء البارد، وردة تتفتح في ربيع صعب
المسالك، تتداخل فيه الطقوس. كانت شهّية كقطعة نور، تشعّ لتبهر، ويصدح
صوتها عبر الطريق الترابية الممتدة من قرية (المغر) المنحوتة في صخر سفح
الجبل حتى عين البارد.
(ردي منديلك ردي
بيضا والشمس حدي)
بين نورا وحمارها ناقل الماء،ألفة أوجدتها تلك العلاقة اليومية، حيث
المسافة بين القرية والنبع تراها وحيدة تحت الشمس، وهي ترتدي طاقيتها القش
وأمامها الحمار، تتركه أحياناً لتلاحق فراشة، أو تراقب ما يثير انتباهها.
يحبون نورا، وهي تحبهم.
-شربة (مي) باردة يا نورا
تقدم الماء ضاحكة، متفتحة كوردة جورية في بلاد لا ورد فيها، كتب
عليها أن تحيا شقاء زمن لايرحم أنامل نورا الطرية.
عشقتها في وقت مبكر من حياتي،حين كنت أتجاوز سن الطفولة متجهاً حيث
بداية نمو زغب الإبط.
كنت أتبع "نورا" سراً، أختبئ خلف الصخور أو أشجارالبلوط، وأنتظر
لحظتها الحارة، حين تطلب من الحمار التوقف فينصاع لها لتبتعد عن الطريق
بحثاً عن مكان مناسب لتفريغ مثانتها.
ألهث وأستمتع، وحين تنهي عملها، تقف لتعيد ترتيب ثيابها، فأغيب عن
الدنيا مسترسلاً مع ثوان ساحرة، أحيا وهجها بحرارة.
يومذاك صحوت على صوت هز الفضاء، تتالت صرخات نورا المستغيثة،
شاهدتها تجري صوب الحمار صارخة:
-يا أبي... يا..بي يا إمي...
جريت خائفاً، وأنا أتطلع صوب نورا التي تصرخ وحين ابتعدت عنها وقعت
على صخرة، فسال الدم من قدمي. لم تقع نورا، وأنا أقطع المسافة كي أصل إلى
قرية (النخيله) حيث تقيم أسرتي بحكم عمل والدي في القوات المسلحة.
اختفى الصوت، ثم عاد، ثم اختفى.
رأيت أمي خائفة، تجلس إلى جانبها جاكلين ابنة الجيران، وهي تخفف
عنها.
صرخت:
-وين كنت يا شيطان؟
لم أرد، وكان لحضور والدي المباغت وهو يرتدي خوذة القتال الفضل في
حسم الموقف.
قال:
-لا تخافوا. هذا طيران العدو يخترق جدار الصوت.
قالت أمي:
جدار من؟
ضحكت جاكلين بخبث، وكعادة أمي لم تفهم ماذا قال أبي. فأسكتها مردداً
-لا تخرجوا من البيت، أو اذهبوا إلى الملجأ
غادر أبي راكضاً، فشاهدت أمي الدم على ركبتي .
-ما هذا؟
-وقعت.
-يا ريت انكسر راسك.
كانت جاكلين تحدق فيّ، قالت:
-قم لأنظف لك الجرح يا مدلل أبوك
ردت أمي:
-بل حمّميه يا جوجو.
عاد الاختراق، ولم أكترث، لأن فكرة الحمام التي طرحتها أمي قد
أعجبتني، ولقيت الرضى من قبل جاكلين الأكبر مني بعشرين سنة.
سمعنا طلقات المدفعية.
-اشتبك أبوك، الله يستر
استرجعت صراخ نورا، وهي ترفع سروالها الداخلي دون وعي.
قالت جاكلين:
-إتبعني إلى الحمام يا ولد.
دخلت أمي إلى المطبخ، وهي تتمتم داعية حماية والدي من شر الأعداء.
صارت جاكلين تخلع ثيابها، قدرت أن فيها ما يشبه نورا، ركبة، ساق،
بياض، وكنت أنتظر القطعة الأخيرة كي أكتشف لون الشعر الذي يعلوه، ولم تفعل
وقفت شبه عارية.
-قوم يا شاطر
صرخت أمي:
-أجرديه منيح يا جوجو
اهتزت وضحكت.
-حاضر يا خالتي .
ثم سلطت صوبي نظرات مفترسة.
-قوم ولاّ...
استسلمت لها، وكان الجدار يخترق، ووالدي يشتبك وجاكلين غير مهتمة .
لا فرق بينها وبين نورا، سوى بلون الشعر، فهو أسود عندها.
جلست جوجو على الخشبة الصغيرة، وأبعدت بين ساقيها ووضعت رأسي في
الوسط، وبدأت تجردني تنفيذاً للوصية. كنت أسترجع نورا، والفضاء المحيط بي
وبها دون أن تدري وأدركت أن حالة نورا مختلفة، وهي أكثر متعة. ولم أستطع في
جو الحمام أن أصل إلى ذلك الإحساس الذي أتذوق طعمه مع نورا.
طلبت جوجو أن أقف، ففعلت، أصبح كل شيء مواجهتها.
قالت:
-يجب تنظيف هذه المنطقة جيداً.
راحت تفرك بيدها والصابون ثم التصقت بي أكثر وهي تلهث بشكل منقطع
وتردد:
-افعل كما أفعل، ماذا تنتظر؟
غبت مع جوجو، ونورا في مخيلتي. صرخت أمي:
-عجلوا ياولاد.
عاد الصوت، وخوف نورا
-يا بي... يا إمي...
ركضت صوب الحمار، وحين عاد الصوت مرة ثانية اختفى صوتها، ولكنها لم
تقع، أنا الذي وقع، إذن اين اختفت نورا؟ تراها قابعة بين الصخور حتى الآن.
قالت جوجو وصوتها يميل إلى النعاس:
-خوفك الخرق يا عيب الشوم؟
وسمعنا طلقات والدي الثقيلة،وبدأت الانفجارات من جديد صرخت أمي:
-لازم نروح إلى الملجأ.
تركت جوجو في الحمام شبه نائمة، وخرجت.
قالت: انتظرني يابغل، ثم ارتفع صوتها تخاطب أمي:
-سألحق بكما حين أنتهي من الحمام.
كنت أتنقل بين نورا وجوجو، وأمي تصلي من أجل أبي المشتبك، وبعض
النسوة يشاركنها ذلك، وأطفال يبكون أو يصيحون، ونورا في رأسي، ورائحة جوجو
عالقة بي. كانت جوجو مستلقية على السرير تشرب الشاي وهي تستمع بنشوة إلى
أغنية من الراديو:
(ياموج البحر أنغامك
شكت للشط عن حالي)
قالت:
-أنت جبان، تركتني وهربت إلى الملجأ، ووضعت يدها على كفها يعني (طق)
خرجت من البيت باتجاه موقع أبي، رأيته في خوذته وغبار المعركة على
وجهه وثيابه، ضحك حين رآني اقترب منه،قال:
-هل خفت يا ولد؟ كن بطلاً.
قلت:
-ماذا يعني اختراق الصوت؟
-يعني صوت لترهيب الناس.
ولم يكمل كلامه لأنه تنبه لصوت أحدهم يصرخ عن بعد:
-ماتت نورا يا سيدي.. ماتت نورا يا سيدي.
رد أبي:
-أين؟
-على الطريق الصخرية بين المغر والنبع.
رحت أجري صوب الطريق، ودموعي تغسل وجهي.
-كيف ماتت؟
رأيت نورا في المكان الذي غادرته قبل ساعتين وعلى جبينها بقايا دم،
ومن حولها اجتمع رجال ونساء قرية المغر والنخيلة والعباسية، وأمها تولول:
-ليش متي يا زينة الصبايا، من بعدك ما في قمر يا نورا، لكن نورا لم
تقع، ركضت خائفة تصرخ، شاهدتها وسمعتها.
حملوها على ظهر الحمار فوق (قربة) الماء، ساروا بصمت وأمها تئن
بألم.
رأيت أبي وجاكلين والحزن يعلو وجوههم، صرخت وأنا أبكي بمرارة
قتلت نورا... أنا قتلت نورا.. أنا قتلتها يا أبي...
قال أبي موجهاً كلامه لجوجو:
-الولد خائف يا جوجو، إذهبي معه إلى البيت، ودعيه يرتاح بعض الشيء.
اهتزت جاكلين.
-حاضر ياعمي... حاضر ياعمي.
ثم شدتني من يدي، وسرنا معاً.
1995
هوامش :
المغر، النخيلة، العباسية، قرى في جنوب الجولان وهي خليط من
أسر سورية ولبنانية بحكم قربها من قرى الجنوب مرجعيون -شبعا-الخيام- وكانت
العادات متشابهة، والزيارات متبادلة وعلاقات الخطوبة والزواج وغيرها.
   
حين بكت نوال
1- مدخل للبكاء
لنوال نكهة خاصة، تنسجم وطبيعة اعلانات الشاشة الصغيرة، ولشعر نوال
الفحمي جاذبية تشع لتبهر ببساطة، هذه هي نوال التي بكت ذات يوم.
كانت ترغب بالعمل كمذيعة للتلفاز لكونها تمتلك المقومات الفعلية
لمثل هذا العمل.
تقرأ، تضحك، تتقن فن اثارة الدهشة، وكانت تتابع نشرات الأنباء،
وتفرح حين تشاهد الأوسمة وهي تزين صدور القادة الذين حققوا للبلاد تفوقها .
تقول نوال بغبطة.
-هذه الأوسمة سياج النرجس، ما أحلى بريقها وكانت تعتز بصورة تزين
غرفتها، صورة لجنود التفوا حول دبابة وهم بثياب القتال.
كانت نوال تحدق في الصورة فتراهم يتطلعون صوب الأفق بابتسامات واثقة
ورؤوس شامخة ونظرات متوثبة وطن. وخضرة وأوسمة براقة.
تفتح نوال ذراعيها لتعانق الشمس، فتبدوا كفراشة ربيع أخذت من
الألوان وراحت تتقافز بين وردة وأخرى.
تقول:- ما أروع الحياة في نبض الوطن، أنت تحياه، وهو يحيا فيك
وأنتما تنشدان أغنية الأمل وسياج النرجس البراق يبعث الطمأنينة.
يا لصدورهم المزينة بأوسمة المجد.
2- البداية
-نعم سيدي أنا نوال
رفعت شعرها الفحمي، جعلته يتدلى على ظهرها، فبدا قصيدة شعر مسكوبة
بأنامل شاعر، أكثر من الصور الرائعة. ونشرت تلك الجاذبية التي تعبق لتجذب
الكائنات من خلال سحرها العجيب.
إرتبك الرجل الضخم، واستيقظ بداخله حس الإنسان الذي فقده منذ زمن
بعيد.
-تعالي معنا
سارت معهم، دخلت أقبية وهي تضحك، ثم ممرات ضيقة وهي تضحك
-ما أروع الحياة في وطن تحياه ويحيا فيك، وسياج النرجس البراق يزين
صدور المجد.
3- المكان
سألت نوال المراة التي تشاركها ضيق المكان ورائحة العفونة:
لماذا حزنك؟.
ردت الأخرى بصوت واهن في طريقه إلى الموت.
-فيما بعد تعرفين!
ضحكت نوال، ولم تكترث برد المرأة التي تجهل معنى وجودها في مكان
جليل وقوركهذا، ستوضح لها الأمر، وتابعت ضحكتها.
قدرت المرأة أن الفتاة مجنونة، فهزت رأسها عدة هزات متتالية كتعبير
عن الأسف، وكانت نوال ما تزال تضحك.
4- الاختراق
وصلها الصوت الغليظ من عمق السواد، مخترقاً حواجز العفونة والرائحة
.
-مين نوال؟
ردت:
-أنا.
أجاب:
-لا تضحكي بقرف.
لم تسمع هذا الرأي من قبل، لكنه الليل الذي حجب عنه الجاذبية وحوله
إلى مجرد صوت غليظ ينفذ. مشت بمحاذاته، انتقلت من ليل إلى آخر عبر ممرات
ضيقة، وصلت إلى ضوء الطاقة.
-انتظري هنا.
تذكرت نوال بطلات الروايات اللواتي انتظرن مثلها وكانت قد شاهدت ما
يشبه ذلك في (السينما)
-ادخلي يا...
دخلت، فشاهدته وسيماً يدخن سيجاراً، ويتمايل على كرسيه بهدوء، ومن
حوله وزعت التحف الثمينة، ولمحت باقة زهور طبيعية.
خاطبت نفسها:
-لا بد أنه شاعر.
قذفته بابتسامة مشعة، حرصت على شحنها بمزيد من الجاذبية، وتركت
لشعرها الفحمي حرية الحركة.فمج من سيجاره طويلاً وفرغ الدخان بهدوء وهو
أمام موقف أثار بداخله الدهشة الممزوجة بالاتزان المصطنع حدق اليها من
الأسفل إلى الأعلى.
قال:
-اعترفي يا نوال، فالتكتم لا يفيد..
ضحكت نوال:
-توقفي عن الضحك يا نوال.
اقترب منها أكثر، فلامست أنفاسه الساخنة وجهها ثم التصق بها وهو
يردد:
تعترفين فيما بعد، لا بأس، تعترفين فيما بعد.كثيرات هن الفتيات
اللواتي تعرضن لمثل موقفها، فاستسلمت وهي تعلم أن لاجدوى من الرفض. تألمت
من وحشيته حين اقتحمها دفعة واحدة فسال الدم على ساقيها، وابتعد وهو يلهث
ويردد:
-عاهرة وعذراء.
ضحكت نوال وهي تتألم.
صرخ:
-لماذا الضحك يا فاجرة؟ لماذا الضحك؟
-5-
سألتها المرأة التي تشاركها المكان:
-ماذا جرى؟
كانت نوال تتلمس جرحها وسط الظلام، وتزيل بقايا الدم عن ساقيها.
ضحكت.
-لا شيء.. لا شيء أبداً، هم رجال ظرفاء.. ظرفاء جداً واستمرت في
ضحكتها.
هزت المرأة رأسها عدة هزات متتالية... فالفتاة مجنونة ونوال لم تزل
تضحك.
6- التهمة
ركلها بقوة، تمتمت نوال وهي تضحك:
-أنسيت من بداخل بطني؟
|