الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | معلومات النشر | من نحن | كلمة العدد

 دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 30/05/2008

القصص

 

 ظل في الثلج

طوق الياسمين

شيماء 

 ماسح الأحذية

 أنا القاتلة

  كعك محلى

ليس مكاني

 ليلة قرب حكيم

 ماسة 

  أجمل أثوابي

 

بطاقة تعريف الكاتبة: نور محمد مؤيد الجندلي

 

معلّمة 1/1/ 1978م حمص - سورية

الشهادات والخبرات:

 حاصلة على شهادة جامعيّة في الأدب العربي

الأنشطة والمؤلفات:

قيد الطباعة في دار الفكر دمشق: مجموعة قصصية بعنوان ( حدائق الياسمين )

مدينة الحروف ( مجموعة قصصية تعليمية للأطفال )

مدينة الكلمات ( مجموعة قصصية تعليمية للأطفال )

سلسلة الأخلاق الإسلاميّة – دار الإرشاد حمص

سلسلة الآداب الإسلاميّة - قصص للأطفال دار الإرشاد – حمص

يوميّات بشر  سلسلة قصصية للأطفال – دار الإرشاد – حمص

من روائع قصص القرآن ( سلسلة قصصية للأطفال ) دار الإرشاد حمص

مشرفة عامة على موقع ومنتديات المسك الإسلامية النسائية

مشرفة قافلة الضياء في رابطة رواء للأدب الإسلامي

عضوه في رابطة أدباء الشام

زيارة موقع الكاتب     مراسلة الكاتب                                        للتعليق على القصص      مواضيع أخرى للكاتب

 نماذج من أعمالها

أنا القاتلة

 

وحدَها تسمعه ، يئِنُّ مثل ثورٍ جريح ، ها قد عاد أخيراً وقد تعبت عقارب السّاعة من انتظاره ، مازالت تنصت إلى وقع خطواته ، وارتطام نعله بقسوة على الأرض ، تلاحق أنفاسه ، تترقبُ سكناته ..

أغلقَ باب غرفته على نفسه .

لا بدّ وأنّه سيتجرّعه الآن ..

ياللغبـاء !! كيف انقاد إلى هذا السّمّ وقد كان راجح العقل ذكياً ؟ كيف استعبده ؟ وهو القويّ الشامخ الذي لم يذل يوماً لأحد ! أيكون بهذه الهشاشة ؟

 

تودّعُ الفراش بجفاء ، تسير على أطراف أصابعها إليه .

نورٌ ضئيلٌ يلوحُ من غرفته .

ترتدي شجاعتها لتواجهه ، تحرّكُ مقبض الباب بشكلٍ مباغت

لقد أقفله بالمفتاح !

تراودها كوابيس اليقظة ، تتنفّس الألم ، وهو .. مازال يتنشّقُ الموتَ الأبيض دون وعي ..

تبكي بصمت ، تلملمُ أجنحتها المكسورة من أمام بابه ، وتعود لتستدعي النّعاس بأسى لعلها تنسى..

ها هو النوم يمارس غطرسته الآن .. فقد رفضت عرضه آنفاً ، وقد آن أوان الانتقام .

ليلةٌ كئيبة ، تنتظرُ الفجر بأجفانٍ لا ترفّ .

عيناها تدورُ في أنحاء الغرفة برعب ، تارة تلتقيان بالباب المغلق ، تتوجّسان حضوره المباغت ، ثمّ تعودان إلى باب الخزانة ، تطمئن أنّ مفتاحه مازال تحت وسادتها ، تتحسسه كل دقيقة ، بقايا الإرث ، صورة والديّ ، طوق أمّي الذهبي .. قد أفقدها جميعاً في لحظة ، قد يبيعها ، ثم يبيعني معها بثمن بخسٍ كي يشتري سُمّه .

- لم يبقَ لديّ شيءٌ ليأخذه ! النّقود ، الذّهب ، مصروفي الخاص !

أفلستُ من كلّ شيء .. قبل أن يُفلِسني من كرامتي .

بيتنا الوادعُ بات عشّاً لأشباح الموت ، هاهي تقهقه في كل ناحية ، وتتعالى أصواتها المظلمة لتأكل ما تبقّى في قلبي من أمل ..

سيهلكُ حتماً إن استمرّ على حاله ، وسأهلك جزعاً ..

تباغتها الأحلام آملة بشفاء ..

- ترى .. هل يشفى إن عالجته ؟ هل تعود له بسمته ، حيويته وإشراقة وجهه ؟

تثور على الحلم ..

- ومن يشفي جراحي أنا ؟! ومن يعيد لي مستقبلي الذي وهبته له ؟ تركت دراستي لأعتني به ، تخلّيت عن وظيفتي لأقنعه بأننا الآن فقراء ، بلا مرتب ، ولأواري فضيحة قد تنتشر في أية لحظة .. أخي مدمن !

سأعترف لحظتها بأنني أعطيته كل مرتبي ، ليصبّ في جيبه المثقوب .

تجهش بكاءً ..

- لكنّه أخي بدر ! وصيّة أمّي وأبي .. كيف أساعده ؟ وأنا أتواطؤ معه ، أعطيه ما يريد ، لكيلا يتألم ، وألقي به إلى نار السموم !

لا أحتملُ أنينه ، أكرهُ ذلّه ، أمقت رؤيته وهو يتوسّل إليّ ، يعدني وعوداً كاذبة ، وأكّب نفسي وأصدّقه .. قلبي لا يملكُ إلا أن يفعل ! وعقلي يدور في دوامة الندم ..

- لجين .. أرجوكِ ، ستكون المرّة الأخيرة التي أطلب بها مالاً .. أعدكِ سأتوقف عن تناول هذا الـ..

سأتوقّف ، لجين .. إني أتعذّب ...

تمسح دمعة ساخنة ..

- أحنُّ عليه ، فهو أخي ، صديقي ، ولدي .. أشاركه الأكذوبة ، أغرق معه في الأوحال .. أتغاضى عن سرقاته .. لا بأس .. فليسرقني مادام لا يؤذي غيري .. سأصبرُ حتى يعود إلى رشده .

تسافرُ في الذاكرة ..

- أذكر أن آخر مرّة عاندتهُ بها ورفضت أن أعطيه مالاً ، تحوّل فيها إلى وحشٍ بشريّ ، حطّم أثاث البيت ، وكسر مرآة الصّالة بكلتا يديه .

قضيتُ الليل أعالجُ نزفه ، عاد بعدها كطفلٍ صغير يبكي مأساته ، يناديني بحرقة ، ساعديني .. لا أريد أن أبقى بصورة الوحش ..

تألمت لأجله .. احترقتُ ، ذبت كمداً ، لكنني لم أستطع احتضانه ..

عالجت بدمعي نزفه ، ولم يتسنّ لي الوقت لأفكر كيف أعالج نزف ضميري الشاكي .

يطلع الفجرُ أخيراً ..

تتنفّسه بعمق ..

- حمداً لله ، لم يفتح باب غرفته .. لم يأتِ إليّ كعادته ليطلب قوته ..

يبدو أن الجرعة هذه الليلة ثقيلة ..

ربّـــــاه ..

تستجمع جرأتها ، وبقايا قوة ، وحطام قلب ، تضغط أزرار الهاتف بأصابع ترتعش ..

- مركز مكافحة المخدّرات ؟ من فضلك .. أودّ التبليغ عن نفسي ...

لقد تواطأتُ مع أخي في قتله ..

أرجوكم أسرعوا في القبض عليّ ، حرّروني من عذابي ، أطلقوني من ألمي حالاً ، ولا تنسوا أن تطلقوه .

 

 

 

ماسح الأحذية

 

رأيتهُ يجولُ في شوارعِ المدينة صامتاً ، منكّسَ الرأسِ كجنديّ هُزم في ساحة المعركة .. لكنه لم يكن مهزوماً أبداً ، بل علت ثغره بسمة نصرٍ غريبة ، استقرت معه في بقعة حدّق إليها طويلاً ، وكأنه يقيسُ أبعادها ليبني هناك مملكته .. ثمَّ أخذ أدواته منطلقاً إليها ، باسطاً منضدة صغيرة وكرسياً قزماً يجلسُ عليه بكلّ ارتياح ، فهو يثقُ بأنه قادرٌ أن يحملَ ثقله ، وثقل الزمان على كاهله  ، يترقّب مرضاه من الأحذية الجريحة والمتألمة بشوقٍ كبير !

 

صمتهُ المترقّب يوحي بثقته البالغة بنفسه وأدواته ، عيناه ترتكزان على الأقدام ، هاهي الأحذية تأتيه راغمة ، تحملُ أحزان الرّصيف ، وآهات الشوارعِ التي تاهت في هموم الزمان ..

المدينةُ كلّها تنساقُ إليه ، الوفودُ المشبعة بالأطياف الملونة ، الناس وأشباههم كلّهم يقفونَ أذلّاء قربَ مملكته !

الكلّ يخلعُ نعلهُ ومعهُ يخلعُ رداء الكبر ، ويقف منصتاً باحترامٍ بالغٍ لسيمفونيّة الفرشاةِ وعلبةِ الطلاء التي يلقيانها ببراعة على مسامع الحذاء المتعب ..

 

بلحظات قلائلَ تجرى عمليّاته التجميلية ، ويسرى الحزن عن الحذاء المتألّم ، حين يفضفضُ لطبيبه في تلك اللحظات القلائل ، ويخبرهُ عن مدى إذلالهِ وإهانتهِ من قبلِ صاحبه قاسي القلب ..

ويداوي ماسح الأحذية الجراح بلمساتهِ الرّقيقة ، ويعزّزُ في داخلها الأملَ وحبّ الحياة ، يخبرها دائماً أنها جميلة جداً ، وأنّها ستعيشُ طويلاً ، وأنه مازال أمامها فسحة عطاء ..

 

وتنتشي لحديثهِ طرباً ، وتنحني امتناناً ، فهو بالنسبة لها معلّمٌ فذٌّ لا يشقُّ له غبار ، تحاولُ بصمتِ أن تتعلم أبجدياتهِ الرائعة في الحياة ، تحاول أن تتسلّق هرم معرفته ، كي تحيا بأمل ، وتجتلب لنفسها سروراً بما تقدّمه ..

تودّعه وقد تعززت في داخلها الثّقة ، وسكنها الأمان ، وشعرت بكينونتها ، وتحاملت بصبر على مصيبتها في إذلال صاحبها لها فهي تحتسبُ في ذلكَ أنها نجحت في تأدية مهمّتها على أكملِ وأحسنِ وجه ..

 

وقفتُ بينَ الجموعِ أتأمّلُ مهارة هذا الإنسان البسيط في صناعة الأمل ، وتلفّتُ حولي .. فإذا بأشياء كثيرة تتهاوى ..

قرأتُ أصوات نحيبها في لوحة النسيان ..

 

عدّتُ إلى منزلي .. أصلحتُ لوحة الصّالة المائلة ، لمّعتُ أحذيتي ، رتّبتُ خزانتي ، عطّرتُ غرفتي ، ونثرتُ أصص الزهر على شرفتي ....... ثم ابتسمت !

 

 

شَيْمَاء

 

بيتٌ تتصدّع جدرانه ، قلبهُ يتوقّف ! قذيفةٌ تحيلهُ أطلالاً ، تحطّم بقايا الذكريات ، وتخنقُ بسماتٍ شاحبة سكنت ، واستحالت بعدها إلى قهقهة أشباح ..

حلمٌ يغادرُ مسرعاً ، فقد أعلنت حالةُ الطّوارئ فجأة !!

غادرت نساءُ الفلّوجة على عجل .. وبقيت شيماء ...

الّليلُ يطوفُ بوشاحِ الحزن ، يعدُّ الضّحايا ، من الطّرفين ، ويبتسمُ بسخرية مرّة .. وتكبّر النجمات ..

- كُنَّا الأقوى .. كما خمّنّا !

تنتزعُ قلبها الباكي من تحت الرّكام ، وتسير على أنقاض النّصر الحزين ، لتبحث في برد العالم عن ملجأ ، قطعة خبزٍ ، حفنة جمر ، ويدٌ تكفكفُ دمعها .

ليلُ النّكباتِ طويلٌ ، يفزعها فيه عِواءُ الذّئابِ البربريّة ، تتخفّى في هيئة شبحٍ ذكوريّ ، لتحمي أنوثتها من لسعات عقارب المدن ، أومن نظرات خفافيشها المتعطّشة إلى دماء .

تقطعُ مع الليل مسافاتٍ طويلة ، تقتاتُ الهمّ كلما لمحت خيال طيرٍ ، أو سمعت مواء هرّة .

كم كانت تطربُ لصوتها في ذلك البيت الذي .... كان لها ..

قطعُ الجبنِ اعتادت أن تسكن طيّات ملابسها ، وقطط الحي ألفن صحبتها ..

أمّا الآن فإنّها أحوجُ من هرّة إلى كسرة خبزٍ جافّة ، تذكرها بأنّها مازالت من الأحياء .

هاربة من جحيمِ الموتِ ، ومن جنون البشر ..

شلّال الدّماء أهداها منهُ رذاذاً ، فتنفّست رائحتهُ مع الفجر وقد وقفت تدعو أن تهتدي إلى مأوى ..

لمحت حيّة رقطاء تعود إلى جحرها .. لم تقوَ إلا على حسدٍ ..

- ليتني كنتُ حيّة لأختفي في وكري ، ليتني استطعتُ أن ألدغهم بكلّ ما بثّوا في داخلي من سمٍّ ، وبكلّ ما جرّعوني من أسى ..

ليتني ... ليتني !

تغرقُ في بكاءٍ مُرٍّ ، ثمّ تنصبُ عصا الترحال ، وتمضي ..

- لاسبيل لنجاة إلا بأن أغدو رجلاً ..سألقى حتفي إن عرفوا أنّي فتاة !

بقايا أسمال غدت ثيابك يا أبي ! ممزّقة لكنها تفي بالغرض .. وهذه الكوفيّة !

لكم وضعتها على كتفي وسرت في مسيرات تعاطف مع الفتاة الفلسطينية ..

والآن .. أنا وحدي هنا !! فمن يتعاطف معي ؟!

هاهي المدينة تلوح مع الفجر .. تبدو ميتةً بلا أضواءٍ ، بلا حياة ..

لقد نام الجميع وأعينهم مفتوحة ، على إثر زلزالٍ أمريكيّ الهويّة ..

حتّى التّسوّلُ قد غفى لحظة ، في أعينٍ بائسةٍ يئنُّ من وطأة جوعٍ وفاقة .

تناديها مئذنةٌ قريبة ، تبتسم أخيراً بمرارة !

تهرولُ مسرعةً إلى المسجد ، يحدّقُ بها بعضهم بنظراتٍ ملأى شكوكاً ..

- من أنتَ ؟ من أينَ أتيتَ ؟ ما اسمكَ ....... هيّا اعترف ! ما أهدافكَ ؟ سُنّيٌّ أم شيعيّ ..

لا تدخل قبل أن تبرز سلاحك !

وبصوتٍ ممزوجٍ بتراب الأسى يخفيه لثام ..

- اسمي عبد الله ، أتيتُ منَ الفلّوجة .. أخوكم سُنّيٌّ ، مسلم ! ولا أحملُ أيَّ هويّة ..

تتلاشى النّظرات المُتّهِمة ..

- أهلاً بالبطل ، تعالَ واسترح ، وتوضأ وصلِّ وخذ بعضَ الزّادِ ولا تُطلْ !

المعركةُ ستحتدمُ قريباً ، والمسجدُ لن يسلم من حقدٍ ، وما نراكَ إلا هارباً من بؤسٍ إلى بؤس ..

على السّجادة الطّاهرة تغفو أخيراً ، لتفزعها أصوات الرّصاص ..

تهبُّ مدافعةً ، بلا سلاح ! أخبروني ماذا أفعل ؟ كيف أعين ؟

بلهفةٍ تسأل ..

بلا سلاحٍ أنا .. بلا قلبٍ أصبحتُ فبمَ أقاوم ..

يعطيها مسدّساً وبضعُ طلقاتٍ ..

- اذهب إلى الجهة الشّرقية لدينا ما يكفي هنا من متطوعين ، هيا اذهب قاوم هناك ..

تركضُ مسرعةً ، تبتعد ، تقفُ برهةً لتلتقط أنفاس الدّخان ..

ينكشفُ لثامها عن فتاة حسناء ، وتجلس تستعيد ذكريات الحياة.. بمرارة !

لا تدري أنّ الصّياد يراقبُ .. يترصدها من خلف الشّجرة ..

يبحثُ عن غنيمة .. نسـاءٌ يريد ! فقط نساء !

التّجارةُ عنده مربحةٌ ، وجيوبهُ امتلأت دنساً ومرارةً تتقاطر من عيونُ الشّوارعِ السّوداءِ التي شهدتْ انتزاع العفّة بوحشية ، واختطاف المروءة بشراسة ..

جرائمُ ترتكبُ في وضح الحقيقة ، على مرأى من ملأ ماتت فيهم الرّوح ، بعد أن سادت الحرب فأحرقت كلّ مكان .

تُدركُ بلمحةِ عينٍ مغزاه ..

يقتربُ وفرحٌ آثمٌ يغمرهُ ..

- ما اسمكِ ؟

وبعزّة عربيّة :

- اسمي شيماء ..

- من أين أتيتِ ؟

- من الفلّوجة ..

- لا بدّ وأنكِ بلا مأوى .. تعالي .. سأضمّكِ إلى بعضِ الصديقات !

- لا حاجةَ لي بكَ فاغرب عن وجهي أيها النجس ..

بنتُ الفلّوجة ترفعُ سلاحاً ، تصوّبهُ ، بلا رحمة ! يبتسمُ ساخراً من اضطرابِ اليدين .. يسخر من جرح قد تفجّر ، من يدين قد خرجتا تواً من وضوء ، يحاول أن يقتل الطهر بلؤم أرعن .. ويدنس كرامة الجبين !

ويسري الغضب .. في كلّ ذرّات كيانها ..

فتطلقها إلى قلبه .. رصاصة ألم ، تحمّلها مرارة البداية ، وألم النّهاية ..

تهتف بفرح .. أخيراً انتصرت !

 

كانوا هناكَ ..

خلف الجدرانِ يراقبونَ ويسمعون .. جنودٌ أتوا من بقاع الأرض ليوحدوا أرضها ، وينشروا السلام .. بأسلحة فتّاكة !

ومذ وطئت أقدامهم طهر التراب وما تكحلت عيناها بأمن ، ولا توقف سيل الدموع !

لؤمهم صليبيّ ، حقدهم غاشم ، أحكامهم مستبدّة ..! رصاصهم طائش ، لا يعرف الرّحمة ، لا يسأل في الحدث ، لا يحقق فيه ، بريء من العدالة والنزاهة ، مغيّب عنه الضمير ..

سمعوا الطلقة فأسرعوا نحوها مسلّحين ، حاقدين ..

رأتهم .. فتوحّدت مع الهواء فطارت كورقة خريفيّة ..

واجهت نخلة شمّاء ..

كم تشبهها بالشّموخ ، والشّعرِ الغجريّ ، والجذور الطيّبة الحرّة التي تمتد في أرض العراق ، تنبض عروقها حباً .. تعشق - مثلها - نهري دجلة والفرات ....

احتمتْ بها وقالت : أنا شيماء ..

أغمضت عيناها تنادي .. الله أكبر .. الله أكبر .. أخيراً تحررت ..

وتنطلقُ قذيفة أمريكيّة محمومةٌ تحيلها والنّخلة إلى أشلاء .

 

 

طوقُ الياسمين ..

 

كّلما مررت من سور حديقتها المفروش بالياسمين ، ظهر لي وجهها المشرقُ من بين الأغصان ففاجأني وأفزعني .. فغالباً ما كنت أتسلل لأقطف بعضاً من تلك الزهرات البيضاء الجميلة ، حين كان عطرها يغريني ، حيثُ أنني لم أجد في مدينتي كلّها أزهاراً برونقها وجمالها ، فلا أقاوم هذا الجمال فأقطفه ليلقى التكريم اللائق في كلّ زاوية من بيتي المتواضع ..

السّورُ عالٍ لامرأةٍ في سنّها قد جاوزت الخمسين ، لكنها تخطّت حدود السنّ بشباب الرّوح ، رغم ما عصف بقلبها النقيّ من عواصف الزمان ، فأرداها وحيدة في بيت فسيح .. ملأت حدائقه وروداً ، وغطّت جدرانه بزهر الياسمين ..

تقفُ طويلاً على ذلكَ الكرسيّ الحديديّ ، ترقبُ الرائح والغادي ، لتبحث بين المارّة عن شخص تعرفه ، تناديه ُ بعباراتٍ مشحونة بالحبّ والرجاء ، لكي يقبل دعوتها ، فيضفي شيئاً من حياةٍ على المكان ، أويشاركها باحتساء فنجانٍ ساخنٍ من القهوة ، ويصغي لأحاديثها الشيّقة التي لا تنتهي إلا مع حلول الظلام ..

وغالباً ما كنتُ أنا الوحيدة التي تستجيبُ دون أدنى تردد ، فالثّمن غالٍ ، طاقة ورود ملوّنة ، ومنديلٌ مليء بالياسمين !

سافرت بي الأيّامُ بعيداً ، فأنستني الكتبُ والأوراق اسمي ، ورقم هاتفي ، وعنواني ..

وأنستني أيضاً طعم القهوة الساخنة ، في ظلال الياسمين ..

فرحةُ تخرّجي كانت عظيمة .. بعد أعوام كدٍّ وتعب ..

تذكرت ذلك الوجه البشوش الذي كان يلوح من بين الخضرة خلف السّور كزهرة برّية ..

واشتقتُ لثرثرة مليئة بالحياة ، وشاقني الحنين لأغمر تلك المرأة بابتسامة حبّ وأزفّ لها بشرى النجاح ..

لاشكّ بأنها ستفرح كثيراً ، وستزيّن رأسي بالزهور البيضاء الرقيقة ، وتملأ منديلي بعبقٍ أصيل ..

لأصوغ منها قلادة وسواراً وتاجاً من حنانٍ آسر ..

لاشكّ بأنها ستعانقني بفرحٍ كبير ، وستمضي الأسبوع كلّه تثرثر عنّي ، سأتصدّر الصفحة الأولى من أخبارها ، وسيكون لي الشّرف العظيم في لقائها ..

أسرعتُ إليها أحمل بين يديّ هديّة اعتذار عن تقصير غير مبرر ، وعربون شكرٍ وامتنانٍ على تلك السعادة التي ملأت عمري بها ، قصداً أو من دون قصد ..

كانت خطواتي تخبرني بأن الآتي عصيب ..

صورتها لم تفارقني طوال الطريق ..

هل تراها ما تزال وحيدة ؟

هل وجدت من تؤنسها ؟ أم أن الوحدة مازالت تمزقها بصمت ؟

هذا هو البيت ..

ماذا جرى ؟ السّور يغصّ في أنين ..

وهنا وجوم ، وهناك يبكي الياسمين  !

البيتُ موحش ..

أطرق الباب مراراً

لا أحد يجيب !

أين أميرة القصر ؟ أين مالكة الحدائق والورود  ؟

قالوا لي بحزن : لقد رحلت منذُ مدّة ..

وقد كانت تذكركِ بنبرة شوقٍ في آخر ساعات وفاتها ..

لقد ماتت صديقتي الطيبة !

دون وداع .. دون بسمة .. دون أن تكبدني عناء القلق والخوف وأنّات الفراق .. دون أن تهديني كعادتها طوقاً من ياسمين !

ماتت وما رسمت على جبينها قبلة ، وما سكبتُ في عزائها دمعة ، ولا آنستُ لها وحدة !

جلستُ مسندة ظهري على ذلكَ السّور الحزين ..

ورحتُ أبكي دموع الشّوق ، أثرثرُ وحدي بصوتِ يخنقه الحنين .. وأسقي بدمعي زهرَ الياسمين !

 

 

 

ظلّ في الثلج

 

أخيراً أطلّ صاحب الرداء الأبيض سخياً من السماء ، ها هو يفرضُ حُلّته البهيّة على الأرض ، فتكتسي بها بكل امتثال ، وتغدو أجمل !

قريباً .. لن أرى شيئاً سوى الأبيض النقي ..

وسيحلو لي في النهار السير في غير طريق ، وسألهو بكرات الثلج أقذفها في وجوه المارّة ، وسأضحك عليهم كثيراً وأنا أشاهد الوجوه الغاضبة ، ولم الغضب ، فالثلج يعني المرح .. !

سأقضي الليل قرب المدفأة أحتسي فنجان شاي بالليمون ، وأقرأ في مذكرات جدتي التي عثرت عليها مؤخراً في صندوق خشبي قديم ، هناك في العلّية ، لم يكتشفه أحد غيري ، ولم أخبر به بعد أحداً من عائلتي كي لا يقاسموني المتعة في قراءته ... ياه ما أجمل الحياة حين نستمتع بكل تفاصيلها ..

 

طلع النهار ......... من دون شمس ! ولأول مرّة أحبُّ النهار من دون شمس !

الثلج مازال يندف ، وأعمالي تنتظرني أمام المكتب ..

خرجت أتعثّر بثيابي الثقيلة ، أمشي بصعوبة فوق الثلج ، اختفت معالم الطريق الفرعي ، كيف سأصل ؟ لا يهم ، لا يهم أيّ طريق سلكت .. المهم أن أصل في النهاية .

سرتُ بمرح نحو الطريق العام ، تارة أسير يمنة وتارة أسير يسرة ، ألطخ وجوه الناس بالثلج وأقول لهم سلامٌ عليكم ، صباح الخير !!

فيكتفون بالنظر ولا يردّون ..

كانت الطريق مقطوعة  ، اضطررت للعودة أدراجي في إجازة اضطرارية منحت لي بسبب الظروف الجوّية ..

لوهلة .. ظننتُ بأنّ أحداً ما يتبعني ، تلفّتُ خلفي ، لا أحد في المكان !

تابعت السّير ، أشعرُ به يسير خلفي تماماً ، ينظر إليّ ، يراقب حركاتي وسكناتي ، ترى من هذا الأحمق الذي يودّ ممازحتي بهذا الأسلوب الفظّ ؟

تلفّتُّ فجأة وبسرعة خاطفة ..... لا أحد !

ارتعدت أطرافي خوفاً .. أوّلُ مرّة أشعرُ بالخوف ، وأحسبُ حساب خطواتي ..

ترى .. من يكون هذا الشبح ، وماذا يريد مني ؟ لم يتخفّ عني بهذه الطريقة ، ألكي يراقبني بشكلٍ أفضل ؟

بتُّ متأكداً  بأنه ليس خيالاً ولا وهماً ! إنه ظلٌّ لشيء أعرفه  ، ولكنني الآن عاجز عن تحديده ..

باتت خطواتي ملفتة للنظر ، كلما خطوت خطوة ،  نظرت ورائي ، ثم تابعت سيري كالمصاب بمسّ ..!

آثار أقدامي المغروسة في الثلج أصبحت لي همّاً ثقيلاً ، تمنيت لو أدفن كلّ خطوة أخطوها كي لا يسير هو بسهولة فوق خطواتي ..

تمنيتُ لو لم أخرج من البيت ، لو لم أسِر في هذا الطريق ، ولا في أيّ طريق ، كي يكفّ عنّي ..

إنه يعرفني جيّداً ، ومنذ زمن طويل يراقبني ، يحفظ حركاتي ، يفهم سكناتي  ،  لكنني لم أتنبّه له إلا بوجود الثّلج ، حيث يطغى السكون على الأرض ، وعلى قلوب البشر ، فتلحظُ أشياءً ما كانت لتلحظها يوماً ، وتتأملُ الأرض بعمقٍ ، كما لم تتأملها من قبل !

 

كنتُ أظنُّ بأن اليوم لي هو بداية مرح ، ولهو وعبث ، خططت أن أسلك كل الاتجاهات فلا أهتم للاتجاه الصحيح أياً كان موقعه ، وأن ألهو دون مراقبة أحد ، وها أنا الآن مقيّد بقيد مخيف ، لا يمكنني حتى رؤيته أو اكتشافه ..

عدتُ إلى البيت ، ألقيتُ بنفسي قرب المدفأة ، قررت أن أتسلّح بالحذر في الغد ، قررتُ مباغتته حتى يستسلم ، فأمسكه ، وأحقق معه ، ويعترف لي بمخططاته ..

ولن يسلم أبداً منّي ...

وقفتُ قرب النافذة أرقب الثلج ، في داخلي غضب أرعن ، قهر ورغبة في انتقام  ..

كان في داخلي خوفٌ كبير من اكتشافه .. أو أن يكونَ شبحاً لا يظهر إلا مع هطل الثلج ، وسيتلاشى بتوقّفه ..

في اليوم التالي .. تعمدتُ الخروج من المنزل ..

كانت السماء صافية ، غير أنّ الأرض بيضاء ترتدي حُلة الطهر ، سرتُ قليلاً حول سور المنزل ، تفقدت المكان بحرص ، وشعرتُ به يتبعني .. بل شعرت بابتسامة الانتصار قد انطبعت على طيفه ، وقد حدّ من اندفاعي وتهوّري وعبثي ..

حاولتُ الركض هرباً ، أبطأتُ قليلاً ، وقفتُ كثيراً ، وبكيتُ أكثر !

لا فكاك من شبح الثلج هذا إلا برحيل الثلج ......... هكذا اعتقدت !

 

 

بدأت تثلج من جديد ... يبدو أنه لن يتوقف هذه الليلة ، شعرت وكأنَّ الثلج يمتدُّ إلى شراييني ، ويجلّد دمي .

 بعنادٍ سافرٍ وقفت ، ومشيتُ متحاملاً على نفسي  إلى الداخل ، أشعلت النار ، وأغمضتُ عينيّ مسترخياً أحاولُ السيطرة على أعصابي  .  فكّرتُ أن أشغل تفكيري بشيءٍ آخر  .. سرعان ما لاحت لي مذكرات جدتي الحبيبة ، قفزتُ إلى العلّية وأحضرتها ، ومع فنجان الشاي المعطّر بالليمون بدأت أقرأ ..

الصفحة الأولى : "  إنها صفحاتٌ من حياتي .. أكتبها الآن وقد عشت زمناً طويلاً تحت سقفِ هذا البيتِ الجميل الذي احتواني بدفء وأمان ، هي خلاصة رؤى لامرأة عاركت الحياة وانتصرت عليها بكلّ جرأة وقوة ، فأثبتت لنفسها معنى النجاح ..

.......  "

متململاً قلّبت بعض الصفحات لأسرّي عن نفسي  .. كانت الصفحاتُ الأولى تتحدّث عن حياتها اليومية ، طفولتها باقتضاب – كما كانت تذكرها -  ثم انتقلت إلى  أيام شبابها وكم كانت رائعة ، أنستني نفسي ، فاعتدلتُ في جلستي وتابعتُ القراءة والصمت رفيقي  ..

مرّ الوقتُ طويلاً وقد وصلتُ في المذكّرات إلى خريف العمر المعطر طيباً  ، أخذت أقلّب تاريخ جدّتي بغير اهتمام وهاهو قد مثل أمامي وقد بهتَ لونه ، واهتزّت شمعته مؤذنة برحيل  ..

 وفجأة ..وقعت عيناي على كلمة تتوسّط صفحة في آخر الدفتر .. كلمة اهتزّ منها قلبي جزعاً وكدتُ أشرقُ بهذا الشيء الذي أحتسي .. إنها كلمة الشــبـح !

 

سريعاً عدتُ إليها وبدأتُ أمسح عن صفرتها بعض الغبار وأقرأ باهتمام وقد كانت تتحدث عن نفسها ..

" ........... سيظلُّ يلاحقك ذلك الشّبح الخفيّ ، ولن تلحظي وجوده إلا بعد فوات الأوان ..! "

قلّبت الصفحة الثانية وقد أسقط في يدي حين عاودني ظلّ شبح الثلج  ،  واسودّت الدنيا في عينيّ  ، وقرأت :

" سيأتي يوم يكشف لكِ فيه عن شخصه ، لن تهنئي أبداً بمعرفته ، إلا إذا عشتِ حياتكِ مسالمة ، وكان طريقكِ مستقيماً ..

وقد يظهرُ يمثلُ أمامكِ شبحاً مريباً في أشدّ الأيامٍ عتواً ، وحين يُغمر طريقكِ بالثّلج الأبيض ، فتنطمسُ معالمه ، ستتاح لكِ فرصة الانطلاق في طرق كثيرة معوّجة ، ستظنّين بأنكِ تمتلكين العالم بين يديكِ ، ستعبثين بريشتكِ كما تشائين على لوحة الحياة البيضاء ، وقد تلطخينها بألوان منفّرة .. عندها ، لن يسكت ذلك الشبح ، سيظهر لكِ ظلّه ، يلاحق خطواتك ، يعدُّ عليكِ أنفاسكِ ، يخبركِ بحقيقتكِ البشعة ، لعلّكِ تعودين ! "

بصمت كئيب ودموع تسابقني ، لتبلل الحبر القديم ، لتلوّنه بلون الألم ،  ألقيتُ نظرة على الصّفحة الأخيرة ..

" غداً سوفَ يذوب الثّلج ، وتتكشّف معالم الطريق واضحة ، لن يتاح لكِ اللهو ثانية ، ولن تتحكمي بالحياة ، فقد تسلّم قيادها أناسٌ غيرك ..

غداً .. وعندما يذوب الثلج ، وتنبتُ الحشائش الخضراء على حافتي الطريق المستقيم ، ستتجلى لكِ الحقيقة في وجهه ، وفي نظرة عينيه ، عندما يأتون إليكِ ليأخذوكِ إلى حفرة صغيرة ضيّقة ، ويقفلون عليكِ ، ويرحلون ، لن تكوني وحدك ، ستجدينه معكِ باقٍ لم يرحل ، قبّحيه الآن إن شئتِ أوّ اعملي على تنقيته بكلّ ما أوتيتِ من قوّة ، تشبّثي ببقايا عمرٍ يتساقط كما الثلج ، واجعلي منه ماءً زلالاً ، ولا تجزعي التصاقه بكِ كما الظلّ ، إنه بداية ونهاية هو أنتِ !

إنها حكايتي .. حكاية من سبقوني ، ومن سيقتفون أثري من بعدي ، حكاية بني البشر ! " .

سقط الكتابُ من يدي ..وقد خدرت ..

عرفتُ أخيراً من هو ! إنه يسكنني !

 فتحتُ النّافذة رغم البرد القارس ، وسمحت لحبّات الثلجِ أن تقتحم وحدتي ..