أصدقاء القصة السورية

الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | معلومات النشر | كلمة العدد | قالوا عن الموقع | سجل الزوار

 

SyrianStory-القصة السورية

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

للاتصال بنا

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

youtube القصة السورية في

facebook القصة السورية في

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 07/01/2010

الكاتبة الكبيرة: مي زيادة / 1886-1954

       
       
       
       
       

باحثة البادية

مي وصالونها الأدبي

نماذج من أعمال الكاتبة

بطاقة تعريف الكاتبة

 

 

 

 

بطاقة تعريف الكاتبة

 

ولدت ماري زيادة (التي عرفت باسم ميّ) في مدينة الناصرة بفلسطين العام 1886

ابنةً وحيدةً لأب من لبنان وأم سورية الأصل فلسطينية المولد.

 

تلقت الطفلة دراستها الابتدائية في الناصرة, والثانوية في عينطورة بلبنان.

 

وفي العام 1907, انتقلت ميّ مع أسرتها للإقامة في القاهرة. وهناك, عملت بتدريس اللغتين الفرنسية والإنكليزية, وتابعت دراستها للألمانية والإسبانية والإيطالية.

 

وفي الوقت ذاته, عكفت على إتقان اللغة العربية وتجويد التعبير بها.

 

وفيما بعد, تابعت ميّ دراسات في الأدب العربي والتاريخ الإسلامي والفلسفة في جامعة القاهرة.

 

وفى القاهرة, خالطت ميّ الكتاب والصحفيين, وأخذ نجمها يتألق كاتبة مقال اجتماعي وأدبي ونقدي, وباحثة وخطيبة.

 

وأسست ميّ ندوة أسبوعية عرفت باسم (ندوة الثلاثاء), جمعت فيها - لعشرين عامًا - صفوة من كتاب العصر وشعرائه, كان من أبرزهم: أحمد لطفي السيد, مصطفى عبدالرازق, عباس العقاد, طه حسين, شبلي شميل, يعقوب صروف, أنطون الجميل, مصطفى صادق الرافعي, خليل مطران, إسماعيل صبري, وأحمد شوقي.

 

وقد أحبّ أغلب هؤلاء الأعلام ميّ حبًّا روحيًّا ألهم بعضهم روائع من كتاباته.

 

أما قلب ميّ زيادة, فقد ظل مأخوذًا طوال حياتها بجبران خليل جبران وحده, رغم أنهما لم يلتقيا ولو لمرة واحدة(!).

 

ودامت المراسلات بينهما لعشرين عامًا: من 1911 وحتى وفاة جبران بنيويورك عام 1931.

 

نشرت ميّ مقالات وأبحاثا في كبريات الصحف والمجلات المصرية, مثل: (المقطم), (الأهرام), (الزهور), (المحروسة), (الهلال), و(المقتطف).

أما الكتب, فقد كان باكورة إنتاجها العام 1911 ديوان شعر كتبته باللغة الفرنسية, ثم صدرت لها ثلاث روايات نقلتها إلى العربية من اللغات الألمانية والفرنسية والإنكليزية.

 

وفيما بعد صدر لها:

(باحثة البادية) (1920)

(كلمات وإشارات) (1922)

(المساواة) (1923)

(ظلمات وأشعة) (1923)

(بين الجزر والمد) ( 1924)

و(الصحائف) (1924).

وفى أعقاب رحيل والديها ووفاة جبران تعرضت ميّ زيادة لمحنة عام 1938, إذ حيكت ضدها مؤامرة دنيئة, وأوقعت إحدى المحاكم عليها الحجْر, وأودعت مصحة الأمراض العقلية ببيروت.

 

وهبّ المفكر اللبناني أمين الريحاني وشخصيات عربية كبيرة إلى إنقاذها, ورفع الحجْر عنها.

 

وعادت ميّ إلى مصر لتتوفّى بالقاهرة في 19 تشرين الثاني (نوفمبر) 1954.

ذكريات محمود البدوي 

 

مي وصالونها الأدبي

 

 

 

كان للصالونات الأدبية دورها فى الحياة الأدبية في مصر .. كان لها دور كبير ومؤثر .. فصالون مي مثلا، كان ينبض بالحرارة، لأن صاحبة الصالون كانت جميلة، وكان كل أديب من الأدباء يتردد على هذا الصالون يتصور أن مي تخصه بعواطفها، فكان يتبارى كل أديب في عرض أحسن ما عنده .. فكان لهذا تأثير كبير في تنشيط الحركة الأدبية في ذلك الوقت .. فالصالون الأدبي خرج منه مصطفى صادق الرافعي والعقاد والمازنى وطه حسين .. أما الجمعيات الأدبية الموجودة الآن، فليس لها قوة الصالونات التى دفعت هؤلاء الكبار إلى التجديد في أعمالهم.

 

" محمود البدوي في حوار مع الناقد إبراهيم سعفان نشر بصحيفة الوطن في 3/8/1981"

أضيفت في 01/06/2005/خاص القصة السورية/ المصدر ليلى وعلي عبد اللطيف البدوي

نماذج من أعمال الكاتبة

نشيد نهر الصفا

أتعرف الشوق

 عام سعيد

بين الجزر والمد

رحلات السندباد

أنت أيها الغريب

اليقظة

الإخاء

في طنطا

بكاء طفل

الاحتفال بالنبوغ

أنا والطفل

أين وطني

مساجلة الرمال

الحياة أمامك

كن سعيدا

لماذا تبقى العربية

عند قدمي أبي الهول

محروسة

بين الأدب والصحافة

فضل الآداب

المواكب

غرفة في مكتبة

 

 

بين الجزر والمد

 

مقدمة: يجمع هذا الكتاب بين ميّ زيادة كاتبةً وجبران خليل جبران رسامًا.

 

وهو لقاء بينهما يتم بعد حياتهما التي لم يلتقيا فيها على الأرض: لقاء بين روحين تحابّا وتواصلا عبر الكلمات المسافرة بين القاهرة ونيويورك. وكتاب اليوم هو المطبوعة الأولى التي تنشر فيها رسوم جبران مع نصوص مي.

 

أمكن إنجاز هذا الكتاب بفضل مساندة لجنة جبران الوطنية في لبنان التي قدمت رسوم جبران وسهلت الاختيار من بينها. الشكر واجب أيضًا لمتحف تيلفير بمدينة سافانا بولاية جورجيا الأمريكية للسماح لنا بنشر بعض ما يحفظانه من رسوم جبران.

 سلمى الحفار الكزبري

 

 

 

عام سعيد

 

كلمة يتبادلها الناس في هذه الأيام ولا يضنّون بها إلاّ على المتشح بأثواب الحداد, فإِذا ما قابلوه جمدت البسمة على شفاههم وصافحوه صامتين كأنما هم يحاولون طلاء وجوههم بلونٍ معنويٍّ قاتم كلون أثوابه.

 

ما أكثرها عادات تقيِّدنا في جميع الأحوال فتجعلنا من المهد إلى اللحد عبيدًا! نتمرّدُ عليها ثم ننفِّذ أحكامها مرغمين, ويصح لكل أن يطرح على نفسه هذا السؤال: (أتكون هذه الحياة (حياتي) حقيقة وأنا فيها خاضع لعادات واصطلاحات أسخر بها في خلوتي, ويمجُّها ذوقي, وينبذها منطقي, ثم أعود فأتمشى على نصوصها أمام البشر)?

 

يبتلى امرؤٌ بفقد عزيز فيعين لهُ الاصطلاح من أثوابه اللون والقماش والتفصيل والطول والعرض والأزرار فلا يتبرنط, ولا يتزيا, ولا ينتعل, ولا يتحرك, ولا يبكي إِلاّ بموجب مشيئة بيئته المسجلة في لوائح الحداد الوهمية, كأنما هو قاصر عن إِيجاد حداد خاص يظهر فيه - أو لا يظهر - حزنه الصادق المنبثق من أعماق فؤاده.

 

إِذا خرج المحزون من بيته فلا زيارات ولا نُزَه ولا هو يلتقي بغير الحزانى أمثاله. عليه أن يتحاشى كل مكان لا تخيِّم عليه رهبة الموت; المعابد والمدافن كعبة غدواته وروحاته يتأممها وعلى وجهه علامات اليأس والمرارة.

 

وأما في داخل منزله فلا استقبالات رسمية, ولا اجتماعات سرور, ولا أحاديث إِيناس. الأزهار تختفي حوله وخضرة النبات تذبل على شرفته, وآلات الطرب تفقد فجأة موهبة النطق الموسيقي; حتى البيانو أو الأرغن لا يجوز لمسه إِلاّ للدرس الجدي أو لتوقيع ألحان مدرسية وكنسية - على شريطة أن يكون الموقّّع وحده لا يحضر مجلسه هذا أحد. أما القرطاس فيمسى مخططًا طولاً وعرضًا بخطوط سوداء يجفل القلب لمرآها.

 

كانت هذه الاصطلاحات بالأمس على غير ما هي اليوم, وقد لا يبقى منها شيء بعد مرور أعوام, ولكن الناس يتبعونها الآن صاغرين لأن العادة أقوى الأقوياء وأظلم المستبدين.

 

إن المحزون أحق الناس بالتعزية والسلوى; لسمعهِ يجبُ أن تهمس الموسيقى بأعذب الألحان, وعليه أن يكثر من التنزه لا لينسى حزنه فالحزن مهذب لا مثيل له في نفسٍ تحسنُ استرشاده, وإِنما ليذكر أن في الحياة أمورًا أخرى غير الحزن والقنوط.

 

ألا رُبَّ قائلٍ يقول إن المحزون من طبعه لا يميل إِلي غير الألوان القاتمة والمظاهر الكئيبة, إِذن دعوه وشأنه! دعوه يلبس ما يشاء ويفعل ما يختار! دعوا النفس تحرّك جناحيها وتقول كلمتها! فللنفس معرفة باللائق والمناسب تفوق بنود اللائحة الاتفاقية حصافة وحكمةً.

 

بل أرى أن أخبار الأفراح التي يطنطن بها الناس كالنواقيس, ومظاهر الحداد التي ينشرونها كالأعلام, إنما هي بقايا همجية قديمة من نوع تلك العادة التي تقضي بحرق المرأة الهندية حيةً قرب جثة زوجها. وإِني لعلى يقينٍ من أنه سيجىءُ يومٌ فيه يصير الناس أتم أدبًا من أن يقلقوا الآفاق بطبول مواكب الأعراس والجنازات, وأسلم ذوقًا من أن يحدثوا الأرض وساكنيها أنه جرى لأحدهم ما يجري لعباد الله أجمعين من ولادةٍ وزواجٍ ووفاة.

 

وتمهيدًا لذلك اليوم الآتي أحيِّي الآن كلَّ متشّحٍ بالسواد; أما السعداء فلهم من نعيمهم ما يغنيهم عن السلامات والتحيات.

 

أحيِّي الذين يبكون بعيونهم, وأولئك الذين يبكون بقلوبهم: أحيِّي كلَّ حزين, وكل منفردٍ, وكل بائسٍ, وكل كئيب. أحيِّي كلاًّ منهم متمنية له عامًا مقبلاً أقلَّ حزنًا وأوفر هناء من العام المنصرم.

نعم, للحزين وحده يجب أن يقال: (عام سعيد)!  

من كتاب (سوانح فتاة), 1922

 

 

الإخاء

 

إنّ كلمة الإخاء التي ينادي بها دعاة الإنسانية في عصرنا, ليست ابنة اليوم فحسبُ, بل هي ابنة جميع العصور, وقد برزت إلى الوجود منذ شعر الإنسان بأنّ بينه وبين الآخرين اشتراكًا في فكرة أو عاطفة أو منفعة, وبأنهم يشبهونه رغبات واحتياجات وميولاً. يجب أنْ يتألم المرء ليدرك عذوبة الحنان, يجب أنْ يحتاج إلى الآخرين ليعلم كم يحتاج غيره إليه, يجب أنْ يرى حقوقه مهضومة يُزدري بها ليفهم أنّ حقوق الغير مقدسة يجب احترامها, يجب أنْ يرى نفسه وحيدًا, ملتاعًا, دامى الجراح ليعرف نفسه أولاً ثم يعرف غيره, فيستخرج من هذا التعارف العميق معنى التعاون والتعاضد. كذلك ارتقى معنى الإخاء بارتقاء الإنسان.

 

فى جمعيات سرية وعلنية, في جمعيات علمية وفلسفية ودينية وروحانية استُعملت كلمة الإخاء بين الإنسان والإنسان قرونًا طوالاً, حتى جاءت الثورة الفرنساوية تهدم أسوار العبودية بهدم جدران الباستيل, وتعلن حقوق الإنسان مستخلصة من بين الأخربة والدماء والجماجم, كلمات ثلاثًا هنَّ شعار العالم الراقي: حريةٌ, مساواة, إخاءٌ.

 

حرية, مساواة: كلمتان جميلتان يخفق لهما قلبُ كل محب للإنسانية, لكن - لا بدَّ لكل شيءٍ من (لكن) - هل كان تحقيقهما في استطاعة البشر? ما أضيق معنى الحرية إذا ذكرنا أنّ مجموعة الكائنات تكوّن وحدة العالم, وأنّ على كلٍّ منها أنْ يصل إلى درجة معينة من النمو مشتركًا مع بقية الكائنات في إكمال النظام الشامل. وفي وسط هذا النظام القاهر نرى الإنسان وحدهُ متصرفًا في أفعالهِ بشرط أنْ يخضع للقوانين المحيطة به والنافذة فيه. هو حرٌّ بشرط أنْ تنتهي حريته حيث تبتدئ حرية جاره, وبشرط أنْ يعلم أنه حيثما وجَّه أنظاره وأفكاره وجد نظامًا معينًا; وأنّ حريته, كلَّ حريتهِ, قائمة في اختيار السير مع ذلك النظام أو ضده, واستعماله للخير أو الشر, للربح أو الخسران. فما أكثرها شروطًا تقيد هذه الحرية التي تندكُّ لأجلها العروش وتتطاحن الأمم للحصول عليها!

 

أما المساواة فحلمٌ جميل ليس غير. لأن الطبيعة في نشوئها التدريجى لا تعرف إلاّ الاختلاف والتفاوت. أين المساواة بين النشيط من البشر والكسول, بين صحيح البنية والعليل وراثة, بين الذكي وغير الذكي, بين الصالح والشرير? كلا, ليست المساواة بالأمر الميسور, بل هي معاكسة لنظام حيوي إذا غولب كان غالبًا قاهرًا.

 

كلمة واحدة, تجمع بين حروفها الحرية والمساواة, وجميع المعاني السامية والعواطف الشريفة. كلمة واحدة تدلّ على أنّ البشر إِذا اختلفوا في بشريتهم اختلافًا مبينًا فهم واحد في الجوهر, واحد في البداية والنهاية. كلمة واحدة هي بلْسم القروح الاجتماعية ودواء العِلل الإنسانية, وتلك الكلمة هي الإخاء. لو أدرك البشر أخوَّتهم لما رأينا الشعوب مشتبكات بحروب هائلة صرعت فيها زهرة الشبيبة, وما زالت الدماء جارية في القارات الأربع وما يظللها من سماء ويتخللها من ماء. لو أدرك البشر أخوَّتهم لما وجدنا في التاريخ بقعًا سوداء تقف عندها نفوسنا حيارى. لو أدرك البشر أخوَّتهم لما رأينا المطامع تدفع الأمم القوية إلى استعباد الأمم الضعيفة. لو أدرك البشر أخوَّتهم لما سمعنا في اجتماعاتنا كلمات جارحات يجازف بها كلٌّ في حق أخيه, وهي من أركان أحاديث صالوناتنا الجميلة. ولكن لننزلنَّ قليلاً إِلي ما هو تحت السياسة والتاريخ والصالونات, لننزلنَّ إلى مهبط الشعب حيث الشقاء مخيم, واليأس مستديم.

 

يتفجر ينبوع النهر في أعالي الجبال, فيهرول مقهقهًا على الصخور, حتى إذا ما حشر وسط الشواجن الخضراء ملأ الوادي ألحانًا وأنغامًا. يجري في الصحاري والقفار فتنقلب القفار والصحاري مروجًا خصيبة وجنات زاهرة. يسير في البادية والحضر على السواء فيروي سكان المدينة وأهل القرية بلا تفريق بين الشريف والحقير. يرضع الأشجار بتغلغله في صدر الأرض الملتهب, ويغذي الأثمار والنبات ناظمًا لآلىء في ثغور الورود. وكلما وزع من مياههِ زادت مياههُ اتساعًا وتدفقًا, فيتابع السير بعقيقه الفخم واسع العظمة رحب الجلال, حتى إذا ما جلب النفع على الكائنات, وملأ الديار خيرًا وثروة وجمالاً, رأي البحر منبسطًا لاحتضانه, فشهق الشهيق الأخير, وانصبّ في صدر البحر مهللاً مكبرًا. كذلك عاطفة الأُخوَّة لا تكون أخوَّة حقيقية إلاّ إذا خرجت من حيز الشعور إلى حيز العمل, تنفجر عذوبتها على ذرى الاجتماع, وتجري نهرًا كريمًا بين طبقات المجتمع, فتلقي بين المتناظرين سلامًا, وبين المتدينين تساهلاً, وتنقش محامد الناس على النحاس; أما العيوب فتخطّها على صفحة الماء. تساعد المحتاج ما استطاعت بلا تفريق بين المحمدي والعيسوي والموسوي والدهري. ترفع المسكين من بؤس الفاقة, وتنشر على الجاهل أشعة العلم والعرفان, وتفتح أبواب الرجاء لعيونٍ أظلمتها أحزان الليالي. فكم من درةٍ في أعماق البحر لم تُسَرَّ بها النواظر لأن يد الغوَّاص لم تصل إليها! وكم من زهرة نوَّرت في الفقر, فتبدد عطرها جزافًا في الهواء! إنما الإخاء يزيح بيده الشفيقة الشوك عن الزهرة المتروكة, ويرفع لها جدرانًا تقيها ريح السموم الفتاك. هو العين المحبة التي ينفذ نظرها إلى أعماق النفس فتري أوجاعها, وهو الهمة العاملة لخير الجميع بثقة وسرور, لأنه القلب الرحيم الخافق مع قلب الإنسانية الواجف.

 

الإخاء! لو كان لي ألف لسان لما عييتُ من ترديد هذه الكلمة التي تغذت بها الضمائر الحرة, وانفتحت لها قلوب المخلصين. هي أبدع كلمة وجدت في معاجم اللغات, وأعذب لفظة تحركت بها شفاه البشر. هو اللِّين والرفق والسماح, كما أنه الحِلم والحكمة والسلام. لو كان لي ألف لسان لظللت أنادي بها (الإخاء! الإخاء!) حتى تجبر القلوب الكسيرة, حتى تجف الدموع في العيون الباكية, حتى يصير الذليل عزيزًا, حتى يختلط رنين الأجراس بنغمات المؤذنين, فتصعد نحو الآفاق أصوات الحب الأخويّ الدائم

من كتاب (كلمات وإشارات), 1922

 

 

اليقظة

 

فليحي الاستقلال التام!

فلتحي الحرية!

فلتعش مصر حرة مستقلة!

فليحي الوطن!

انتبهنا يومًا على وقع هذه الأهازيج غير المألوفة التي سرعان ما اهتدت إلى مصبّها في القلوب, كالماء يفيض فيتدفق على منحدر هُيئ له منذ أجل مديد.

 

الأفواج, أفواج المتظاهرين, تتقاطر من كل صوب. والأعلام التي طال عليها العهدُ في الحقائب تخفق فوق الرؤوس خفوق الألوية المنتصرة. وهتاف المئات والألوف ينتظم متجمعًا في نبرة واحدة وقياس واحد, كأنه من صوتٍ واحد ينطلق. والأصداء الشائعة يصدمها هنا وهناك ترجيعُ المواكب الجائبة أنحاء المدينة في هرج وتهليل. والجوّ يدوي بارتطام الأصوات, وقرع الطبول, وعزف الآلات, وزغردة النساء بين الهتاف والتصفيق.

 

وتمشت روحُ النشوة إلى الضيف والنزيل فأذابت ما بين الأجناس والشعوب والمذاهب من جليد, وألغت حاسة التفرق وسوءِ التفاهم ضامَّة النفوس كما في اعتناق من التعاطف وحسن الوئام.

 

لمن يهتف الأجانب? وأي الألوية ينشرون? وعلام تنثر أياديهم الرياحين وفرائد العطور?

أتراهم يحتفون بعيد الوطنية الشاملة لظهور طلائع الوطنية عند شعب يستفيق فتحييه حتى جنودُ الإنجليز وضباطهم بالإشارة والتلويح, ويُحييه الجميع بالأصوات والألوان والأزهار?

 

نعم. في ذلك اليوم من أواسط شهر مارس سنة 1919 وقد عبق الهواءُ ببشائر الربيع, ونوَّرت البراعم الزهية على الغصون, وسَرت في الأجساد نفحة التجديد كرسول من حياة الأرواح, في ذلك اليوم الغني بتنبهِ الأرض بعد هجود الشتاءِ استيقظت أمة الوادي الجاثم بين البحر والصحراءِ.

 

استيقظت الأمة وهتفتْ. فإذا في صوتها غضبة الأسود, ومفاداة الأبطال, وعزم الرجال, ومرح الأطفال, وحنو النساء, وصدق الشهام.

***

وتصرَّمت أيام الفرح والهناء بعد أيام الاحتجاج والمطالبة, فسارت الجماهير وراء نعوش الموتى.

سارت كاسفة لدى زوال صور الحياة, متهيبة حيال جلال الموت. لا إن العاطفة المستجدَّة ظلت تجيش وتطمي حينًا بعد حين. وبصوت المفجوع الذي تزكى منه التضحيةُ الحمية, تهتف الجماهير وراء الإعلام المنكسة:

فليحى الوطن!

فلتحى مصر!

فليحى ذكر شهداء الحرية!

يا للرعشة العجيبة تعرو النفس لنداء الحماسة والاستبسال! إن القلب عنده جازعٌ والطرف دامع, أمام مشاهد الفوز ووراء نعوش الضحايا على السواء.

وكأني خلال الألفاظ المتكررة في الفضاء المجوف, سمعتُ مصر الفتاة تقول:

لقد كنتَ, أيها القطر, مسرحًا خاليًا منذ أجل طويل,

مسرحًا زيناته هذه السماءُ الزرقاء وهذه الصحراءُ العفراء وهذا الليل الناعم السحيق المغري إلى تلمس الأسرار, وهذه الشمس المشرقة أبدًا كمجد لا ينقضي.

- كلّك, يا هذه الأجواء والمروج والبقايا والأمواه, إنما كنتِ مسرحًا خاليًا ينتظر.

لقد مللتِ شلال الذراري المتلاحقة في ربوعك صامتة خانعة تجهل اسم الأمل والقنوط.

وانتظرتِ طويلاً طويلاً, انتظرت صوتًا يليق بعلواء تاريخكِ العظيم.

وها قد آن الأوان فهببتُ فاسمعي!

اسمعي صوتي يخاطب الرعاة بين النخيل, والكهان في الهياكل, والفراعنة والبطالمة في البلاطات والقصور.

يخاطب الغزاة والفاتحين من عتاة العهد القديم والعهد الجديد,

قائلاً إن كل ما حلّ بي من نكبات وعلل أخرسني حيناً ولكنه لم ينل من حيويتي!

لقد استيقظتُ, أيتها الأمم, استيقظ الشعبُ الصريع المستعبد!

استيقظ وأرسل كلمته الأولى:

كلمةً أسنى من الربيع, وأبقى من الارض, ترنّ في قلبي فأزيد وثوقًا بما أريد وأبتغي.

كلمة هي تتمة للماضي, وعهد للمستقبل. كلمة هي المنبه, والغاية, والوسيلة.

كلمة عميقة رحيبة كالحياة: الحرية!

- عرفت أوروبا العرب بفتوحاتهم الواسعة. ولم تكن لتصدق في بادئ الأمر أن سكان البادية يحسنون شيئًا غير النهب والسلب والتخريب. على أنها ألفَت مع الزمن وجودهم في الأندلس. ولما أن رأت أسبانيا مستمتعة بعيشٍ رغيد في أمان وسلام, أرغم أهلها على الإقرار بأن العرب بارعون في فنون السلم كما أنهم متفوقون في فنون الحرب. وما تأسست جامعة قرطبة العظيمة وطارت شهرتها إلى ما وراء جبال البرنات, حتى توارد علماء الفرنجة يطلبون العلم على علماء المسلمين.

 

- ومعلوم أن أوروبا مدينة للعرب بكتب جمة نقلها اليهود من العربية إلى العبرية ثم ترجمت إلى اللاتينية ومنها إلى اللغات الأوروبية الحديثة. كما أن فلسفة أرسطو لم تصل إلى علماء القرون الوسطي إِلاّ عن طريق العرب وبعد تراجم أربع: من اليونانية إِلي السريانية, فالعربية, فالعبرانية, فاللاتينية.

 

وقد نشر الأستاذ سلامة موسى في جريدة (البلاغ) المصرية مقالاً عن (العلوم والحضارة, ونصيب العرب فيها) نقلاً عن مجلة (كونكست) الإنجليزية, جاءَ فيه: (إن العلم الحقيقي دخل أوروبا عن طريق العرب لا عن طريق الإغريق, فقد كان الرومان أمة حربية وكان الإغريق أمة ذهنية; أما العرب فكانوا أمة علمية.

(فإنهم غزوا ممالك الشرق مثل الهند وفارس وبابل, وتعلموا منها كلَّ ما استطاعت هذه البلاد أن تقدمه لهم. ولم يقتصر علمهم على الصنائع اليدوية مثل النسج والدباغة والصباغة التي اشتهر بها الشرق. ولكنهم تعلموا أيضًا جميع ما يمكن تعلمه من الهندسة والطب والميكانيكيات.

 

(وقد أحرق البطريرك كيرلس مكتبة الإسكندرية في القرن الخامس, فهجر آلاف من العلماء تلك المدينة إلى فارس واستوطنوها. فلما ظهر العرب عادوا فجمعوا تلك المعارف المشتتة, بل أضافوا إِليها).

 

(ثم انتشروا في الغرب, وجازوا البحر إلى أسبانيا حيث لا يزال شاهداً على عبقريتهم مسجدا قرطبة والحمراء. وقد كان سكان مدينة قرطبة يزيدون عن المليون في القرن الثالث عشر. وكانت شوارعها مبلطة ومضاءَة. وكان فيها ما لا يحصى من الحمّامات. وكان فيها نحو مائة مستشفى عمومي. ولعل القارئ يدرك قيمة ذلك إذا عرف أن شوارع باريس لم يوضع عليها البلاط إِلا في ختام القرن الخامس عشر ولم يكن في لندن في نصف القرن السادس عشر مصباح واحد في شوارعها. أما الحمامات والمستشفيات فلم تعرفهما هاتان المدينتان إِلا بعد قرون.

 

(فنحن مدينون للعرب باستكشافاتهم العلمية أكثر مما نحن مدينون لهم بثقافتهم أو فنونهم. فهم روَّاد الزراعة العلمية والتربية العلمية للدواجن. وقد زادوا معلوماتنا عن الكيمياء ونواميس البصر, وعرفوا حمض الكبريت وحمض النيترات. وهم الذين علمونا الحساب والجبر وأضافوا الصفر إلى الأعداد الهندية التسعة. وكان الناس قبلاً يعتمدون على الهندسة في تقديراتهم, فاخترعوا الحساب الأعشاري. وكان علماء العرب يعتمدون على المشاهدة في أبحاثهم بخلاف الإغريق فإِنهم كانوا يعتمدون على الفلسفة. ولكن العلم لا يرقى إلاّ بالمشاهدة والتجارب. وقد استعمل العرب المغناطيس كما أنهم استخدموا البوصلة في الملاحة) اهـ.

 

كذلك أدَّى العرب إِلي الإنسانية ما على الأمم الكبيرة من واجب النفع والإفادة. انتشرت لغتهم وحضارتهم أيما انتشار فكانوا صلة أمينة, صلة خير وضياءٍ بين العصور الخالية والقرون الحديثة. ولما هبط الصليبيون الشرق عادوا إِلي بلادهم يحملون بعض أنظمة العرب التي اطلعوا عليها في رحلتهم. فاقتبسلها الأوروبيون وقدروها قدرها. وعلى ذلك الأساس العربي المتين أقامت أوروبا صرح مدنيتها الحديثة

من كتاب (بين الجزر والمد), 1924

 

 

أنتَ أيها الغريب

 

أنا وأنت سجينان من سجناء الحياة, وكما يُعرَف 

السجناء بأرقامهم يُعرَف كلُّ حي باسمهِ. 

- بنظرك النافذ الهادئ تذوقتُ غبطة من لهُ عينٌ 

ترقبه وتهتم به. فصرت ما ذكرتك إلاّ ارتدت نفسي 

بثوب فضفاض من الصلاح والنبل والكرم, متمنية أن 

أنثر الخير والسعادة على جميع الخلائق. 

لي بك ثقةٌ موثوقة, وقلبي العتيُّ يفيض دموعًا. 

سأفزع إلى رحمتك عند إخفاق الأماني, وأبثك شكوى 

أحزاني - أنا التي تراني طروبة طيارة. 

وأحصي لك الأثقال التي قوست كتفيَّ وحنت 

رأسي منذ فجر أيامي - أنا التي أسير محفوفة 

بجناحين متوجة بإكليل. 

وسأدعوك أبي وأمي متهيبة فيك سطوة الكبير 

وتأثير الآمر. 

وسأدعوك قومى وعشيرتى, أنا التي أعلم أن 

هؤلاء ليسوا دوامًا بالمحبين. 

وسأدعوك أخي وصديقي, أنا التي لا أخ لي ولا 

صديق. 

وسأطلعك على ضعفي واحتياجي إلى المعونة, أنا 

التي تتخيل فىَّ قوة الأبطال ومناعة الصناديد. 

وسأبين لك افتقاري إلى العطف والحنان, ثم أبكى 

أمامك, وأنت لا تدري . 

وسأطلب منك الرأي والنصيحة عند ارتباك فكري 

واشتباك السبل. 

كل ذلك, وأنت لا تعلم! 

سأستعيد ذكرك متكلمًا في خلوتي لأسمع منك 

حكاية غمومك وأطماعك وآمالك. حكاية البشر 

المتجمعة في فرد أحد. 

وسأتسمع إلى جميع الأصوات علِّي أعثر على 

لهجة صوتك. 

وأشرِّح جميع الأفكار وأمتدح الصائب من الآراء 

ليتعاظم تقديري لآرائك وأفكارك. 

وسأتبين في جميع الوجوه صور التعبير والمعنَى 

لأعلم كم هي شاحبة تافهة لأنها ليست صور تعبيرك 

ومعناك. 

وسأبتسم في المرآة ابتسامتك. 

فى حضورك سأتحول عنك إلى نفسي لأفكر فيك, 

وفى غيابك سأتحول عن الآخرين إليك لأفكر فيك. 

سأتصورك عليلاً لأشفيك, مصابًا لأعزيك, 

مطرودًا مرذولاً لأكون لك وطنًا وأهل وطن, سجينًا 

لأشهدك بأي تهور يجازف الإخلاص, ثم أبصرك 

متفوقاً فريدًا لأفاخر بك وأركن إليك. 

وسأتخيل ألف ألف مرة كيف أنت تطرب, وكيف 

تشتاق, وكيف تحزن, وكيف تتغلب على عاديّ 

الانفعال برزانة وشهامة لتستسلم ببسالة وحرارة إلاّ 

الانفعال النبيل. وسأتخيل ألف ألف مرة إلى أي درجة 

تستطيع أنت أن تقسو, وإلى أي درجة تستطيع أنت أن 

ترفق لأعرف إلى أي درجة تستطيع أنت أن تحب. 

وفى أعماق نفسي يتصاعد الشكر لك بخورًا لأنك 

أوحيت إليّ ما عجز دونه الآخرون. 

أتعلم ذلك, أنت الذي لا تعلم? أتعلم ذلك, أنت 

الذي لا أريد أن تعلم? 

------------------ 

من كتاب (ظلمات وأشعة), 1923

 

 

رحلات السندباد البحري الثاني

 

رحلة بيروت - حيفا

السندباد البحري الثاني ليس إِلاَّ أنا (الموقِّعة اسمي أدناه). وأنا الموقعة اسمي أدناه سندبادة في الواقع لا سندباد كما يزعم العنوان, فلكَ الحرية أن تطلق عليَّ الاسم الذي تختار: السندباد البحري الثاني أو السندبادة البحرية الأولى. وكلاهما عندي مقبول ومنطبق على حالتي الحاضرة انطباقًا نسبيًّا, كما يقول الذين يكتبون الكتب والذين يحرّرون الصحف.

ولا يروعنّك عنواني أو يغرينّك فتحسبنّني قاصّة عليك مثل ما قصّ سميِّى من قبلي. ليس لي من ذلك الرجل الذكيّ إِلاَّ الاسم المُنتحَل. هو عظيم وأنا صغيرة. صغيرة وجاهلة وضعيفة.

ورحلاتي لا تُقاس برحلاته لأنها قصيرة لا تتجاوز بعض شواطئ سوريا ومصر المعروفة لمن ألِف الاصطياف في لبنان. وليس فيها من الحوادث العلمية والاكتشافات المدهشة وركوب الأخطار شيء. إني لا أركبُ فيها إِلاَّ هذه السفينة النمساوية, ولا يقع نظرى خلالها إِلاَّ على صفحة البحر وخطوط الشواطئ, ولا هو يرتفع إِلاَّ إِلي أطلس الفلك المُرصّع بالكواكب. وهي هذه الأشياء التي أريد أن أحدّث عنها بسذاجتي وارتباكي وأغلاطي وهوسي وضلالي. من ذا يرضى أن يشعر حينًا بقلبي, ويتألم ويتهنّأ معي, ويحلم بأحلامي, ويذهل بذهولي? من ذا يرضى أن يصرف بعض وقته في الإصغاء إِلى من لا تعرف كيف تُحكِم القول?

عذبةٌ ساعة السفر بما فيها من المرارة بنت الفراق والوداع. ولكم اعتليتُ سطوح السفن وهي على وشك الرحيل. أنظرُ إِلي الثغور وإِلي ما وراءها من مروج وجبالٍ ومدنٍ, وإِلي ما يتخلل هذه من آثار مخلّدة المجد لا تزيدها نوائب الزمان إِلاَّ عظمة وجلالاً. أنظرُ إِلي كل هذا الذي لا يُري وكأني بتأمُّلى فيهِ أفقدُ إِحساسى بذاتى وبما يحيط بى. حتى إِذا ما رفعتْ السفينةُ أثقالها, وشدّت حبالها, وضمّت إِليها مرساها, ومضت في مسيرها تشق المياه العميقة انطلقتْ من نفسي صلاةٌ حارَّة: (يا مصر حنّى علينا بالرجوع إِليكِ!). وإذا كنتُ مودّعةً سوريا ناجيتُ الوطن القديم قائلة: (إِلي الملتقى يا سوريا الحبيبة الجميلة!). وما وصلتُ عرض البحر إِلاّ صرتُ كلّى غنيمةً شاردة لا يقيّدني مطلبٌ ولا مطمع, ترعى في نفسي الأحلام, وينبهني قلبًا وعقلاً التأثيرُ المنطلق من تلك الأناشيد المستديمة التي لا تفتأ تعزفها البحار في الفجر وفي الغروب, في النور وفي الظلام.

- ولكن هيّا إِلي سطح السفينة! هيّا إِلي حيث نخلو بالظلام! فإِن الظلام مخيّم في الأفق, متكاثف على الشاطئ ممتدُّ على الأمواج. وأنوار بيروت تغامزني مشيرة إِلي ما لا أعلم. وجبال لبنان تقف متساندة في الليل كأنها أسوار من روعةٍ وظلام.

وأخذتِ السفينة تتحرّك فخُيِّل أن بيروت ولبنان يتباعدان هما عنّا يهمّان بأمرٍ خطير يجب ألاّ نعرف منه شيئًا, نحن النقطة الهائمة على الماءِ, وظلاّ يتباعدان كَتُومين فمضيت إِلي سريري قبل أن يغيبا عن البصر تمامًا, ورقدْتُ سعيدة لأني نمتُ مرّة أخرى في بيروت عند قدم لبنان. واستلمني إله الكري.

وما انتبهت في صباح الغد إِلاّ والشمس مشرقة والأفق بسّام فوق مدينة حيفا

 

رحلة حيفا - يافا

كما تسرع الموجة الصغيرة إِلي الاختباء في حضن أمها بعد مداعبة الشاطئ, كذلك تجلس حيفا في سفح الكرمل. كأنها بعد غسل بيوتها في البحر ابتعدت وارتفعت خوفًا من البلل.

ومن جوانبها تتشعَّب السبل إلى مختلف الأنحاء. فأسير فيها بالتخيُّل والذكرى.

هذه سبيل تحاذي شفة البحر إِلي عكَّاء الجميلة الضواحي, الغنية التاريخ, ومن ثم إِلي حديقة (البهجة) أجمل حدائق تلك البقعة. وفي جوارها (بستان العجم) عزلة كبير البهائيين عباس أفندي, ومن أحفل الجنَّات بالورود. ثم تمتدُّ الطريق وتتلوَّى, وترتفع وتنخفض حتى صور ابنة صيدا وأم قرطاجنة. صور التي شيدت, على ما يرى المحدثون, بأمر من تيروس سابع أبناء يافث بن نوح. ويقال إن أجينور الطرواديَّ سكنها مع أبنائه الثلاثة: قدموس, رافع جدران طيبة اليونانية وناشر الأبجدية في بلاد الإغريق. وفينيقس الذي أطلق اسمه على بقاع فينيقيا الواسعة, وأورب الذي دعيت أوروبا باسمه.

من صور هذه انطلقت القوافل النشيطة تنشئ المستعمرات في بلاد لم تكن تعرف معنى العمران. شادت قرطاجنة منافسة روما بعدئذ, وأوتيكا الإفريقية ذات التجارة الغنية, وقاديثا الأندلسية التي مضى منها الاسبان فيما يلي من العصور للبحث عن العالم الجديد.

صور اليوم مهدَّمة كئيبة. وفيها سكينة اليأس والكلال بعد أن كانت الملتقى الأكبر للمواصلات مع جميع أنحاء العالم المعروف يومئذٍ. تتتابع الطريق منها بامتثال, على مقربة من بحرها الجميل الفتَّان, إلى صيدا المدعوة في التوراة (صيدا العظيمة). صيدا العظيمة التي أغرت الغزاة والفاتحين بجمال موقعها ووفرة ثروتها. هنا ما زالت الطبيعة فتية باسمة, في بساتينها تتهدَّل الأثمار ويعذب الجنى, وفي فضائها تنتشر عطورُ الأزهار وأرواح جميع ما تنتجُ الأرضُ. والبحر يعزف أنشودتهُ في ظلَّ جبال لبنان المضمَّخة بهناء معناها وحب أبنائها.

ليس الجبل الذي تستند عليه حيفا القائمة أمامي لبنانًا, بل هو الكرمل. هو أكمة من سلسلة جبال الكرمل الممتدة بين بلاد الجليل والسامرة. لقد سافرتُ في حياتي الصغيرة, مرَّات على ظهر الجواد في ظل هذه الجبال, واستوعبتْ روحي ما ينطلق من أشكالها وروائحها وبقاعها وغاباتها وصخورها من المعاني والأخيلة. ولكم شهدتُ أسراب الطيور فوقها وحواليها مرفرفةً! ولكم رأيتُ الأرانب والغزلان بين صخورها وأشجارها شاردة!

- لست أدري أأنا أشد حبّا للكرمل, أم لجبل الطور المستدير هناك على صفحة مرجِ بن عامر?

قد تنتهي أيامى قبل أن أكون على بينة من الأمر. كلُّ هذا يبث في النفس عواطف رحيبة, وكأنه يوسع التنفس في الصدر ويجتاز بالمرء كل عاطفةٍ وكل تأثرٍ وكل إِحساس بما ينشره من أشكال وألوان وخطوطٍ وعطورٍ وتذكارات قديمة مجهولة. وسحره الأكبر, كسحر كل محبوب, هو الشيء الذي لا يعبر عنه. كان لامرتين ما حل بأرضٍ جميلة إِلاَّ قال: (هذه أبهى ما رأيت. وأودُّ أن أدفن هنا بعد موتي). ولكأني من هذا القبيل لامرتين بعض (اللامرتينية).

على أن أعذب تذكار لديَّ من هذه الميناء هو أني عندما تعرفت بالبحر ووقفت في حضرتهِ للمرة الأولى في طفولتي. وهو الذي ركبتهُ يومئذٍ لأذهب إلى مدرسة راهبات الزيارة في عين طورًا.

مساءٌ ما زال حيّا كأنه مساء البارحة.

كان القمر بدراً يغمر هذه الجبال والبقاع المنبسطة عند موطئها. وكانت أشعته تنصبُّ سيلاً على المياه فتخطُّ فيها ممرّا نورانيّا وسيعًا, قضيت تلك السهرة وأنا أرقب ألوف الأرواح الصامتة تغتسل فيه جذلي. وإِذ همَّت الباخرة بالمسير حمل إلينا النسيم مقاطع شدوٍ كله شهيق ونحيب. كان النسيم يحمل ذلك الشدو متقطعًا كأنه مثقلٌ بعطور الكرمل من صعتر ونعناع وخزامي وخليط من شذا سائر الأعشاب البرية.

ما هو هذا الصوت? أصوات وداع بعيد? أهو يأس يتفطر في أواخر السهرة عندما يطوف الكرى في اللواحظ? أهو نشيد للبحر أم نشيد من البحر? أم هو إِيذان بالرحيل للسفين المتأهبة? لم أعلم يومئذٍ. ولقد زاد هذا الجهل في تفخيم اللغز وإِيهام لذاذتهِ, ومرت أعوام قبل أن أعلم أن ذلك كان صوت كمنجة, تلك الآلة الوترية التي هي أعجوبةٌ عذوبةٍ وتفجّع كأفعل حنجرة إنسانية شادية.

- عادت الزوارق إلى الشاطئ وهدأت الحركة على صفحة البحر, فجاءَ الظلام مَرة أخرى بحلكه المرصع بالأنوار, وروعته التي تملأ النفوس تعبُّدًا وخشوعًا

 

رحلة بور سعيد - الإسكندرية

مكثنا في بورت سعيد يومين وفي ميناء الإسكندرية يومين, ولا تسل عن الزيارات الطبية فإِنها متواترة تضحك وتغضب. لكن نظرة واحدة إلى البحر تنسيني هذه الحوادث الصغيرة فأعود إلى التأمل في لجج المياه المتدافعة.

وكم تمنيت أن أكون رجلاً لأكون بحريًا وكاتبًا, مثل بيير لوتى أحد أعضاء الأكاديميا الفرنساوية الذي لم ينظم شعرًا. ورغم ذلك فهو شاعر في نثره كلما جرى قلمه على صفحات الأوراق.

هم سعداء حقّا أولئك الذين يقضون شطرًا من حياتهم تائهين على الأمواج! غرفتهم المتحركة تجول بهم في العالم, وعيونهم تنفتح أبدًا على شواطئ غريبة جديدة فتانة.

البحر يمثل لهم عظمة الله, والبقاع الواسعة المتنوعة المحتويات تريهم شطرًا أكبر من آثار قدرته. كما أنها تزيدهم معرفة بالإنسان وأخلاقه وعاداته وممكناته.

فى كل بحّار ترى شاعرًا وفيلسوفًا وعالمًا. البحَّار كالجندي الرجل كل الرجل عندما يخلص في حب مهنته. في عينيه ترى صورة الزوابع التي شهدها كما ترى في عيني الجندى صورة المعامع التي اقتحمها, وهو كالمياه في لينه ومثلها في بطشه.

فى ساعديه وروحه قوة اكتسبها من مقاتلة العناصر الهوجاء. وفي أفكاره حرية المياه وعمقها. وفي قلبه عبادة البحر مملكته وملكوته.

***

البحر!... هو أحد أقانيم حبي وحبي مثلث الأقانيم: السماء والبحر والعيون.

السماء حيث تتوه النجوم عن أبصارنا الضعيفة مواصلة حركتها الدائمة. السماء حيث تتمشى الغيوم وتبتسم ربة الجمال. السماء حيث ينطق البدر صامتًا وهو سائر لتكميل دورته بين رفرفة الأرواح وحومة الخواطر. والبحر شقيق السماء ومرآتها حيث ينعكس أثيرها ونجومها وأنوارها, حيث تسبح الأسماك العجيبة الأجناس والألوان والحيوانات العظيمة. البحر شقيق السماء وصورة الأبدية مثلها.

والعين مرآة القلب ونافذة الروح. فيها تتمشى الأفكار وفيها تتصور العواطف والأميال, وعليها ترتسم التأثيرات, ومنها تطل خيالات الآمال وبوادر السرور والابتسام.

والعين كذلك صورة الأبدية الصغرى لأنها مرآة الروح, والروح مجموع الأبدية...

***

طال سهري آخر ليلة وأنا أمشي على سطح المركب أودّع المياه وقد اعتدت منظرها في الضوء وفي الحلك. طال سهري أفكر أني لن أراها قبل مجىء الصيف المقبل. وشعرت بالحزن يدفقُ في جوانحي أسفًا على الأموات (وهذا الشهر شهرهم) الراقدين تحت الثرى لا يرون بدائع الكون...

... أيتها العيون المحوِّلة نظرك عن أرضنا! على أي آفاق تفتحين جفونك? وماذا ترين هنالك, يأيتها الأحداق الشاخصة? هل بين ظلام الأبدية وظلام أرضنا تشابه وانتساب? وهل أنوار دياركم تماثل أنوار ديارنا?

أين تنظرين وماذا ترين? ألا صدقتنا الخبر يا عيون الموتى?

***

إِيه مصر العزيزة, عليك ألف تحية وسلام! بلاد الشمس والنور الباهر, مرضع الحنطة والأثمار, مغذية القطن ومروية النباتات, مقلع المرمر والصوان, مملكة الهياكل والتماثيل والأعمدة. محراب الآلهة, مكمن الأرواح, معقل الخلود, خزينة الذخائر الغالية, جنينة الأفراح والتغاريد, حديقة الورد والفل والبنفسج, سلام عليك وعلى نيلك, على لغتكِ وأهليك, وسلام على سهولك الفيحاء.

... أرض الفراعنة والبطالسة ومن همْ أقدر من بطليموس وفرعون? في سمائك تتجاوب نبرات العزِّ ونفحات الأسرار! أنت متحف الرموز والإشارات حيث أشباح لهب المشاعل على الجدران توقظ الآلهة الهاجعة في هياكلك! ها قد عدتُ إليك فإِذا بقلبي يمتدُّ لك بساط صلاة وتضرُّع..

عادت روحي إِلي مصر فدعوني أجلس وراء تلال الرمال حيث يقطن السكوت غير المتناهى! دعونى أنفرد في وحدة الأفق وأناجى أبا الهول!

 مذكرات العودة من الاصطياف الأخير في سوريا قبيل الحرب, 1911

 

 

نشيد نهر الصفا

 

أنهر الصفا! جئتك تعبة الروح والجسد معًا.

قرأت خلاصة الأحوال الحاضرة فدّوى في مخيلتي هدير المدافع, وتمثلت لناظرى صور الحرب المخيفة. ثم قصدت الاجتماعات فملأ أذني ضجيجها التافه, وضجرت نفسي من معانيها السطحية ومراميها الخبيثة. عجبت لبلاهة الإنسان وركاكة ميوله وفتور همته. إذ ذاك سمعت اسمك الموسيقيّ فأحببته لأن فيه جمالاً وعذوبة وسلامًا.

لقد أحرقت قدميَّ الرمال الحارة, ومزّقت يديَّ أشواك الحياة, فجئت أستخلص من أعشابك بلسمًا لجروحي. تعلق بأهدابي غبارُ المادة محاولاً إخفاء الجمال المعنوي عن عينيَّ, فأتيت أغسل أهدابي بمياهك المقدسة.

جئت لأرطب يديَّ وعينيَّ برضابك العذب.

ثقُل فؤادى عليّ, فأسرعت لأبعث به معك إلى روح البحر العظيم الذي يناديك من عمق أعماق زرقته البعيدة.

أنت ابن الغيوم, وألعوبة الحرارة الهوائية, وضحكة المادة الدائمة, وقهقهة الجو بين الهضاب والأودية. أنت قبلة الشمس للبحر. أنت أنشودة الجبل في الوادي. أنت الروح الصغيرة المسرعة إلى أحضان الروح الكبيرة.

أنت عميق كأسرار الجنان, عذبٌ كنظرات الولهان, وفي اسمك ألوان وألحان.

أنت تهلمم تهلمم: هلمم: دعاه قائلا له: هلمَّ. بى, أيها النهر, فخذنى معك بعيدًا عن الحياة وضوضائها, خذنى معك... لكن, ما هي نسبتى إليك?

أنت مجموع سوائل لا وجدان لها, ولا قلب يخفق بين أجزائها. وأنا... أنا شيء آخر. أنت لغز بين البحار والآفاق, وأنا لغز بين الحياة واللانهاية. أنا أعرف أني لا أفهمك, وأشعر بجهل الإنسان وشقائه, أما أنت... ما لنا ولك?

سيري, أيتها المياه, سيري واتركيني. اسقي النباتات والأعشاب, ضعي لآلئ في ثغور الورد, رطبي صدر الأرض الملتهب, ترنمي في وحدة الوادي, اسردي حكايتك التي لا تنتهي, اندبي هللي, اصرخي اهمسي, أنشدي انحبي, اطربي احزني, كل هذا ننسبه إليك. نحن أبناء النشوة والكآبة.

سيري. أيتها المياه. ودعيني أبكى. لقد تلبد جو فكري بالغيوم القاتمة. وقلبي - ما لك وله! - منفرد حزين...

من كتاب ( ظلمات وأشعة ), 1923

 

 

أتعرف الشوق والحنين?

 

انقضى من الشتاء أكثره, وتململت الأرض لتستيقظ, واتضحت خطوط الأفق كأنما هو تلقّى من روح الخليقة هيئة ونظرة وإشارة, وسرت فيه اللواعج فإذا بقبته حافلة بحضور نفس عظيمة تهتز وتنبض وتشرئب إلى ناحية معينة باسطة ذراعيها في لهفة واستعطاف.

***

الفأس بيد الفلاح شقت قلب الأرض فتحركت فيها رواكد الحياة وفاحت رائحة البذور التي زرعت هنا موسمًا بعد موسم وأنتجت إلة تلو إلة,

وتقلبت فيها كوامن الألم الأبكم والكد المحتوم, وانتشر أريج الأزهار على سياج الأسوار وعبق شذا النبات والريحان في الحدائق وذاعت رائحة النيل الذي يجرف الأوحال المحسنة والتراب النفَّاح من أعالي السودان.

واشتعل لهيب الشمس فتضوعت رائحة النضج في الغصون.

وهتف النسيم العابر ينثر عطور الربوع القصية والأزهار المجهولة.

كل ما على الأرض يحدث عن عاطفة مركبة لا توصف ولا تحد, وجميع العطور والمشاهد والأصوات تولد الشوق والحنين.

***

هاك السور يقطع المسافة ويعلن حكمة القيود والحدود.

وبين البساتين المنسقة والرياض الغناء وأسراب النخيل تنتصب الصروح والقصور, وعلى جدرانها العارية ترقص أطياف الظل والنور.

وشريط النيل الأزرق منوع الأشكال في توزيعه الري والنعمة, فهو هنا يطوّق جزيرة, وهناك يدفق شلالاً, ويجري من بعد نهرًا تائقًا إلى البحر.

وتتلألأ وراءه الضفة الأخرى بارزة المنازل بين طاقات النضارة, وتحمل في أقصاها كتلة المدينة العظيمة تعلو فوقها قامات المآذن, ويخفرها جميعًا حصن صلاح الدين.

وتساندت وراءها الآكام الجرداء في ألوان باهتة من الصخر والرمل والتراب المتجمد.

وامتزجت في الجو كل أصباغ السماء وأذواب الياقوت والفضة والزمرد, مدرجة في مهاد من النور الفتي, كأنما نحن في الساعة الأولى إذ خرجت البرية مجلوّة من يد الباري.

كلّ ما هنا رؤي متجسدة متبلورة ترى ولا تدرك

أَخَبَرت الحنين الذي يحدثه مشهد ما يتحرك ويتغير كما يحدثه ما يبقى على جموده المملوء معنى وتصميمًا!

أَعَرفْتَ الشوق وقد ثار وفار.

وأطلق من وجدانك شخصًا مجهولاً منك يطمح في وجع وتفطّر إلى البعيد السحيق?

أَعَرفْتَه تنبهه المحسوسات, وتزكيه المدركات, وتؤججه الذكريات?

أَعَرفْتَه يرعى في كيانك فأنت روح تلوب, وصوت يلهج, ويد تلتمس, وجوانح تضطرم, وجنان يتسعر, وضلوع تتفجر?

***

إن أنت عرفت مرة الشوق والحنين, وشعرت بالانكماش الأليم يملأ صدرك غمًا وكربًا.

وإن أنت كنت مرة ضحية الكلاّبة التي تعض على القلب بنابها القاسي, وفريسة المطارق التي تطرق فيه بلا رحمة فتدغدغه وترضضه دون أن تقوى على تحطيمه وملاشاته,

إذن فاعلم أنك في تلك الساعة متمتع باستعداد الخالق القادر, تضطرم في فؤادك الشرارة التي سرقها الإنسان القديم من نادى الأرباب الأقدمين لأن هذا العالم انما هو ابن الصبابة والجوى,

وما برأ الباري هذه الأكوان إِلا عندما شاء عطفه أن يعرف الشوق والحنين

عن مجلة (الهلال), عدد مارس / آذار 1926

 

 

أنا والطفْل

 

هناك بعيدًا عن المدينة وضوضائها, في الطريق المؤدية إلى قصر كان بالأمس للخديوي إسماعيل ولم يعد له, على شط معبود المصريين ومرضع سهول إيزيس- على شط النيل النائح في سيره على رفات العذارى المبعثرة في أعماقه - هناك روضة غناء مفتوحة لجميع الداخلين وقد حفظ جوها أحلام زائريها المتأملين.

قصدت إلى الحديقة في صباح يوم منير. نبذت عني عادات المدنية فافترشت الثرى كما يفترش سكان البادية رمال الصحراء, وتمددت على العشب الأخضر في فىء شجيرة عند قدمي أحد التماثيل المنصوبة هنالك.

لم أرَ حولي سوى سيدتين إنجليزيتين مع إحداهما ثلاثة أطفال. وإن هي إلاّ دقائق حتى اقترب مني أحد هؤلاء, وهو صبي في الرابعة من سنواته. فناديته قائلة: (تعالَ إلىَّ أيها الصغير!).

فدنا واجفًا باسمًا, فسألته: (ألا تجلس على ركبتي?). فجلس صامتًا.

ولما شعرت بثقل جسده الصغير ذكرت أخي الوحيد الميت, ووثب قلبي إلى شفتيَّ وجالت الدموع بين أجفاني فملت إلى الطفل أمتص من حلاوة وجنته, لاهية بتلك القبلة عن كآبتي المتصاعدة من فؤادي كما يتصاعد الغيم من أطراف البحار.

ما أعذب قبلة الأطفال, وما أطيب طعم ابتسامهم!

ثم سألت الطفل: (ما اسمك?).

قال: (روبرت).

نظرت في وجهه, فإذا به آية من آيات الجمال الإِنجليزي: وجهٌ شفاف كأنما هو عصير ورد وياسمين تجمد فنُحِتَ وجهًا بشريًا. وفم كزرّ الورد لطفًا وانكماشًا. وجبهة كبيرة عالية يخفيها شعر ذهبي مسدول عليها. وعينان لهما زرقة عميقة كزرقة البحار بعيد الغروب, وهما كبعض العيون الإنجليزية في جمودهما الظاهري وحرارتهما الخفية وحلاوتهما وتلاعبهما. نظرت في جميع هذه الملامح متمعنة, فقلت للطفل: (من أين أتيت بعينيك, يا روبرت?! ومن أعطاك زرقتهما?).

أجاب, ولم يفهم غير كلمتي (من أعطاك):

- (ماما).

قلت: (قرّت عينا أمك بك! وأي عمل يعمل أبوك?).

قال: ولثغاته اللطيفة تتدحرج على لسانه متعثرة بشفتيه:

- (بابا ضابط. وأنا عسكري مثل بابا).

قلت: (أنت جميل وأنا أحبك يا روبرت. هات يدك).

قال: "Yes, Thank youس.

يد الأطفال عجيبة حلوة كابتسامتهم. أخذت يد روبرت أقرأ فيها ما خطته يد الأقدار. يدٌ مربعة كبيرة الإبهام وفيها كل من خطوط الحياة والعقل والقلب واضح جلي, وتلُّ المريخ يرتفع في تلك الكف الصغيرة متهددًا متواعدًا...

فنظرت إليه وخاطبته همسًا:

- (هذه اليد التي تنقل إشاراتها اليوم ما حفظته من إشارات الملائكة, هذه اليد التي لا تمتد إلاّ لمداعبة الندى ولمس الأزاهير, هذه اليد الصغيرة الطرية سوف تصير يد جندي, سوف تقبض على السيف والحربة وتطلق النيران من أفواه المدافع, سوف تفتك بحياة البشر أشرارًا كانوا أم أبرارًا...).

قال روبرت وهو يضرب أديم الحديقة بقدميه:

- (أنا عسكري مثل بابا?).

قلت: (نعم يا روبرت, عندما تبلغ سن التجند تصبح جنديّا. وستكون جميلاً في ثوبك العسكري, ستكون جميلاً جدّا, لكن أقل جمالاً منك اليوم وأنت بأثواب الطفولة. سوف تبسم لك النساء لأنهن يملن إلى الجنود, ومُذهّبُ الأكمام والصدور يسير بهنّ إلى عالم الأحلام. وهذه اليد الصغيرة الضعيفة سوف تكون كبيرة قادرة تؤلم وتشقى وتميت, سوف تلمس آلات التدمير والهلاك بعزم وثبات! وعيناك الجميلتان سوف تكونان عينيْ جلاد يرى الدماء والدموع دون أن يلين أو يرحم... وقلبك, ترى كيف يكون قلبك الذي لا يدرك اليوم ولا يشعر إلاّ قليلاً..?

(أتكون من الكثيرين الذين لا يحسبون للعواطف في الحياة حسابًا, فيلعبون ويضحكون ويتمتعون ويحزنون دون استبقاء أثر لما يختبرون, بل تمرُّ الأفراح والأتراح على نفوسهم كما تسقط دموع الغيوم على صفحة الزجاج فلا تترك عليها سوى ما لا يلبث أن يزول... أم تكون من أولئك الذين يشعرون بقوة وحدة ويتظاهرون بعكس ذلك كبرًا وخجلاً?... هل تضربك يومًا يد امرأة فتضع في عينيك للحب دموعًا وتغمد في فؤادك من اليأس خنجرًا?.

(غدًا, يا روبرت, تنمو جسدًا ونفسًا, غدًا تقف على أحوال البشر فتجد ذاتك وحيدًا في معترك الحياة. غدًا تعذبك المسؤولية وتضنيك المجاهدة, ويلذعك لهيب الفكر وتذيبك نار الهيام. غدًا تذوق ظمأ الروح. غداً تصير إنسانًا, يا لهول الكلمة! غداً تصير إنسانًا أي حيوانًا وإلهًا معًا!...) صمتُّ طويلاً.

وفى ذلك الهدوء الشامل في حضن الطبيعة تصاعدت نغمة حلوة من أطراف الحديقة وانتشر تموجها على أنفاس الأزهار: وكان ذلك صوت المؤذن يردد في الظهيرة ما أنشده في الفجر وما سيعيده عند الغروب.

فسألت: (هل سمعت الصوت, يا روبرت?).

أجاب: " Yesس.

قلت: (عما قريب تعرف ما هي الميثولوجية, وما هي النصرانية, وما هو الاسلام. عما قريب تفهم ما هو التعصب الديني والجنسي والعلمي والعائلي والفردي. عما قريب تعلم أن الأنسجة التي تخاط منها أثواب العرس تصنع منها أكفان الشهداء. عما قريب ترى الأقوام يفتكون بالأقوام لأنهم محتشدون حول قطعة نسيج صبغت بلون غير لون نسيجهم. عما قريب ترى كل هذا, يا روبرت, وتشترك فيه لأنك عسكري مثل بابا!).

انفصلت عن روبرت بلا قبلة ولا تحية. أنا لم أقبله لأني وقفت متهيبة أمام رجل الغد منه. وهو لم يقبلني لأني لم أعطه كعكًا ولا حلواء...

من كتاب (ظلمات وأشعة ) , 1923

 

 

 

الاحتفال بالنبُوغ

 

حلمت فِى هذه المدينة أحلام الطفولة الأولى. ولما كنتُ هناك في وادي النيل أغمض عينيَّ لأستعيد ذكري فردوس طفولتي كنتُ أدرك أنَّ من عرف دمشق صغيرًا حفظ كيانُهُ من جمالها أثرًا ليس يمحى. ثم علَّلْتُ النفس بالعودة هذه السنة لأسمع هدير أنهارها, مُستأَنسةً بلطف أهلها, مراجعةً تاريخها الطويل في الشوارع والحجارة والأبنية, مستوحيةً في الأَخربة والآثار روح العظمة الأمويَّة ومجد صلاح الدين.

وها أنا ذا في دمشقٍ, أيها السادة والسيدات, فإذا بالمياه قد أضافت إلى حكايتها الدهرية حديثًا طريفًا. ها أنا ذا في دمشق وكأنَّ الأشجار تخبرني عما شهدتهُ السبلُ من تفجُّعٍ وعمَّا أظلَّتهُ الغصون من رجاء.

ها أناذا في دمشق وكأني أبصر في الأخربة والآثار روح العز القديم تتململُ فترى أعجوبة التجدُّد في الشعب الواحد المقيم في المكان الواحد. ها أناذا في المدينة الآرامية الكبرى, عاصمة الملوك والخلفاء والفاتحين, حاضرة هذه البلاد التاريخية وآية الجمال في الصحراء, ولكنني أشعر بأني, خصوصًا في دمشق الجديدة, في الفيحاء, الفتاة التي تستجمعُ قواها بعد الجراح والآلام, وتتحفز للنهوض والصعود نحو قمّة الارتقاء. ولئن تعاون الكرم منكم وحبّ تشجيع العلم في جعل هذا المساء لي عيدًا, فقد أريتمونى فيهِ رموزًا طالما تقتُ إلى حقيقتها.

ففي اتحاد الأندية أرى رمزًا لاتحاد الأمة. وفي ارتفاع صوت المرأة قرب صوت الرجل أرى ليلاً على تنبُّهِ الكرامة فيها واستعداد الرجل لمساعدتها والاعتراف بحقوقها. وفي اتفاق المحمدي والعيسوي على الترحيب بأُختٍ سوريّة آتية من بعيد, أرى عنوانًا لمحو فروق المذاهب ومتانة الوحدة القومية.

هذا مظهر من وطنيتكم السامية, وإنما هو الذي يوحي إليّ أن أخاطبكم بما يجول الساعة في نفوسكم: لكم عائلة فرقُوها بترقية المرأة وإصلاح الرجل. لكم صناعة وتجارة وزراعة فحسنوها ما استطعتم ولا تيأسوا أمام الفشل المهذّب. لكم ماض عظيمٌ فكونوا له أهلاً بتهيئة مستقبل عظيم. لكم فنٌّ شرقي, وروح شرقي, ولغة شرقية فحسنوها وروجوها - لا تعصبًا ولا تعنُّتًا - بل ليكون لكم أثر نفيس في متحف الثروة الإنسانية. لكم دين وعقيدة فأطلقوا الحرية فيهما بين الخالق والمخلوق, ودعوا المؤذنين والنواقيس ترفع نحو الخالق أنشودة الخلود, بينما أنتم ترددون أنشودة الحياة قائلين: الله أكبر ونحن أبناءُ قومية واحدة.

أودعكم مرة أخرى أيها السادة والسيدات. بالأمس كنت إذا ذكرت دمشق تصورتها طاقة خضراء وسط الصحراء يتخللها هدير الأنهار. أما الغد فإذا ذكرت فيهِ دمشق تصورتها تلك الطاقة الخضراء يتخللها هدير الأنهار وقد تجلَّي فوقها قلب دمشق الفتاة الذي خلتهُ الليلة يتأجَّج نارًا ويتألق نورًا; فلتحىَ دمشق الفتاة!

من كلمة في حفل بدمشق , 1922

 

 

 

بُكاء الطِّفْل

 

سمعت الطفل يبكي ورأيت العبرات تتحدر على وجنتيه الورديتين, فكانت تلك اللآلئ الذائبة جمرات نار تكويني.

ظل الطفل يبكي ودلائل العجز واليأس بادية على محياه الوسيم. ظل يبكي بكاءَ متروك منفرد لا يحبه في الدنيا أحد. الطفل الحبيب يبكي فكيف أعيد التألق إلى عينيه? كيف أسمع في ضحكته صدى أصوات الملائكة مرة أخرى?

***

فدنوت منه متوسلة, وضممته إليّ بذراعي التي لم تضم يومًا أخًا أو أختًا صغيرة, وأجلسته على ركبتي حيث لا يجلس سوى الأطفال الغرباء, ورفعت عقارب شعره عن جبهته الطاهرة بيد ترتجف كأنما هي تلمس شيئًا مقدسًا.

... ثم وضعت على تلك الجبهة شفتيَّ ساكبة في قبلة كل ما يحوم في جناني من شفقة وانعطاف. ترى من ذا ينبه الانعطاف والشفقة بمقدار ما يفعل الطفل الباكي?

صمت الطفل حائرًا لأنه شعر بأن روحًا تناجي روحه. صمت هنيهة, ثم عاد فحدق فىَّ بعينين ملؤهما الحزن والتعنيف معًا. أتعرفون كيف تحزن عيون الأطفال? أتعلمون كيف تعنف أحداق الصغار? حدق فيَّ سائلاً عن أعز عزيز لديه, وقال بصوت هادئ كأصوات الحكماء: ماما, ماما!

***

صغيرك يناديك فلماذا لا تجيبين, يا أم الصغير? لست بالعليلة لأني رأيتك منذ حين تميسين بقدك تحت قبعتك, والجواهر تطوق العنق منك. أنت صحيحة الجسم, فلماذا لا تسرعين? ألا تحرقك دموع الطفل الذي لا ترين? ألا يوجعك الشهيق الذي لا تسمعين?

عودي من نزهاتك الطويلة, وزياراتك العديدة, وأحاديثك السخيفة. عودي واركعي أمام الصغير واستميحيه عفوًا.

لقد خلقت امرأة قبل أن تكوني حسناء, وكيفتك الطبيعة أمًّا قبل أن يجعلك الاجتماع زائرة.

تعالي أسجدى أمام السرير, سرير الصغير!

اسجدي أمام هذا المهد الذي لعبت بين ستائره طفلة, وحلمت به فتاة, وانتظرته زوجة, فما خجلت أن تهمليه أمّا.

اسجدي أمام المهد, فإن المهد محجتك القصوي!

اسجدي أمام السرير, ولا تدعى رب السرير يبكي لئلا تملأ قلبه مرارة الوحدة, حتى إذا شب رجلاً تحولت المرارة كرهًا وصرامة.

اسجدي أمام السرير وناغي الصغير! إن دموع الأطفال لأشد إيلامًا من دموع الرجال

من كتاب ( ظلمات وأشعة ) , 1923

 

 

 

فى طنطا

 

أيها السادة والسيدات, لنا على الماضي امتيازات كثيرة. إننا لا نستطيع أكل المعارف في نصف تفاحة كما فعل آباؤنا الأولون. ولكنا نمتاز على الأقدمين بأمور جوهرية كثيرة. إننا نعرف الآن قيمة العلم, وإن المعرفة صلة الإنسان بالأشياء والسلك الكهربائي الجامع بين ذكاء الفرد وبين المعنَى الحيوى المبعثر في أجزاء الوجود; وإنّ على هذا السلك العجيب تفيض معاني الإنسانية العظمى ألا وهي الإعجاب والحبُّ والعمل. نعلم أنّ الجاهل سجين نفسه, أسير أنانيته, مستقل بإدراكه المحدود, مكتف بدعواه, لا يستقبل جديدًا إلاّ بالطرد, ولا يذكر حديثًا إلاّ بالتهكم وسوء الظن, ولئن تألمنا من احتكاكنا المحتم به فإنا نشفق عليه لضيق الدائرة الحيوية التي رضي بها, كأنّ كل ما لدينا من الجمال والصلاح والثروة المعنوية لم يخلق له, بل هو كائن لسواه!

إنما امتياز عصرنا الأعظم هو فكرة التقدم, والاندفاع في سبيل الارتقاء, وتوافُر المعارف وسهولة نيلها لمن طمح إليها, بعد أنْ كانت محصورة في أفراد معدودين. لستُ من القائلين إن عصرنا هو العصر الذهبي الذي يحقق الآمال, غير أنه عصر عظيم وابن عصور عظيمة بتفكيرها وجهادها; عصر مملوء خيرًا لطالب الخير, وفيه من أسباب الراحة وسهولة المعيشة ما يجعل اللذات المادية والمسرات المعنوية, واقتباس العلم متوافرًا لدى الفقير توافره لدى الغنى. لقد اتسعت العلوم وتعددت فروعها, فاتسعت بذلك سطوة الإنسان على الطبيعة, وتعددت سبل العمل أمامه.

الفلسفة تنبش أعمال العقول, والشِّعر يلمس أسرار النفوس, والموسيقى توقّع همس الوجدان, والتصوير ينسج العواطف نسجًا ويرسم أدق خطوطها, فاليوم تتحقق أمنية الحكيم القائل: أيها الإنسان اعرف نفسك! لقد ارتقت الأخلاق, ولطفت الشعائر, ودقت الملاحظة, وأفسحت فكرة الحرية المجال, فتيسر لكلٍّ أنْ يهذب شخصيتهُ كما يريد بعد أنْ كان مكرهًا على سبكها في قالب جيرانه ومعارفه. كان وأْد النساء حلالاً, وقتل الأبناء جائزًا, وفن الاستعطاء مقدّسًا, أمّا الآن فسلطة الأب والزوج محدودة, والنفوس عزيزة عاملة تنال ما تنال بالكدّ والسهر.

بالأمس كان الناس اثنين: سيّدًا مستبدًّا, وعبدًا ذليلاً يباعُ ويشرى كالأنعام على غير علم منه, أمّا اليوم فمبدأ العدل يُضعف قيود العبودية, وصوت الحرية ينادي بالإخاء والمساواة. لقد اتسعت دوائر التجارة وارتقت الصنائع, وتبودلت منافع الاقتصاد, فحلَّ السلام والأمان - مبدئيًا! - إِذْ لا غزو يفاخر به ولا اغتصاب يسامح عليه. والسياسة تحاول تسكين الخواطر والإقلال من الحروب ما استطاعت, فما أبعد أيام نيرون وماركس أوريليس والإسكندر والحروب الصليبية! حتى أيامك يا نابوليون, حتى أيامك القريبة بعيدةٌ عن هذا العصر الذي يمنع الإنسان إيلام الحيوان ويعلمه الإشفاق عليه.

يدعي الماديون أنّ العلوم وحدها سبب التقدم وعنوان الحضارة; فمتى كانت الكيمياء والهندسة أساس المدنية?! ولماذا لا نعتبر الصين أعظم بلاد العالم على الإطلاق لأنها مكتشفة البوصلة ومخترعة آلة الطباعة والبارود?!

ليس في استطاعة العلم إلاّ تحسين أحوالنا المادية. إنه يعلم الإنسان استخدام الطبيعة, وينمي ذكاءه نموّا شديدًا, ولكن لا سطوة له على الأخلاق. وأنتم تعلمون أنّ العلم نصف الارتقاء, والأخلاق النصف الآخر, وأنّ شرف المرء قائم بحسن أخلاقه وسمو مداركه أكثر منه بتعدد علومه وكثرة أطماعه.

أيها السادة والسيدات,

إن معنى المدنية عظيم مطلق, آت من أقاصي الأجيال متنقلاً بين أشور وبابل وفينيقيا والصين والهند ومصر وأثينا وروما. إنه مجموعة العناصر العلمية والأخلاقية والحسية والعملية, كذا يجب أنْ يكون الإنسان فيجمع في شخصه معاني الإنسانية بأسرها. ليست الإنسانية عالمة أو طبيبة أو محامية أو تاجرة فقط, بل هي فاضلة مهذبة, مجاهدة فرحة, حزينة فيلسوفة, أديبة شاعرة, باحثة فنية.

هي قيثارة ذات ألوف الأوتار توقع عليها أصابع الحياة الألحان الرائعة من تشبيب وتأوه وتهليل ونوح وهتاف.

لذلك نرى دوامًا في النوابغ ذوى الشخصيات الغنية مزيجًا من عناصر الإنسانية جميعاً. نرى الفيلسوف شاعرًا أحيانًا, وقد نجد عند الفني والشاعر من الحكمة وإِصابة الرأي ما لا نجده عند الحكماء أنفسهم; ذلك لأن الشِّعر والعِلم والفلسفة والأدب والعمل ليست أمورًا منفردة في ذاتها, بل هي تتلامس وتتجاذب لأنها أساليب مختلفة تعبر بها النفس عن أحوالها المتتابعة. عناصر عظيمة كلُّها كامن في عقولنا, مترجرج بين ثنايا مشاعرنا, متدفِّق في أحلامنا وآمالنا, مكوّن ثروتنا الحيوية التي تفيض ساكبة حولنا نورًا وسناءً.

قال لا يبنتز: إنّ النفس مرآة يجب أنْ تنعكس على مياهها الصافية صُوَرُ الإنسانية الراقية ومعانيها لتكون صورة مصغرة لها في الجمال والغاية. لقد عرفنا جمال الإنسانية فما هي غايتها? هي أنْ ترمي إلى مثلٍ أعلى يلمع هنالك في أقاصي الأيام والأماني, مثلٍ أعلى ترى كل عسير في سبيله هينًا, وينهارُ في طريقها إليه كلُّ حاجز. غاية الإنسانية المثل الأعلى الذي يعطي الحياة معنى لذيذًا, ويكسبها رونقًا جديدًا, ويضرم في النفس ناراً تحرق الفاسد من ميولها, ويؤهلها لأنْ تكون هيكل الأفكار السامية والمقاصد الشريفة.

إذن فالحياة الإنسانية خطوات ثلاث: خطوة من الجهل إلى المعرفة. وخطوة من المعرفة إلى الارتقاء. وخطوة إلى ذاك اللامع هنالك في أقاصي الأيام والآمال, إلى المثل الأعلى الذي نجهله ويحيينا جميعًا

من كتاب ( كلمات وإشارات ) , 1922

 

 

 

كن سعيدًا

 

إذا كنت محسنًا كن سعيدًا! لأنك ملأت الأيدي الفارغة, وسترت الأجساد العارية, وكوّنت من لا كيان له فرضيت عن نفسك, وودت إسعاد عشرات ومئات لتتضاعف مسرتك النبيلة الواحدة بتعدُّد المنتفعين بأسبابها.

إذا كنت شابًا كن سعيدًا! لأن شجرة مطالبك مخضلة الغصون, وقد بعد أمامك مرمى الآمال فتيسر لك إخراج الأحلام إلى حيز الواقع إذا كنت بذلك حقيقًا. وإذا كنت شيخًا كن سعيدًا! لأنك عركت الدهر وناسه وألقيت إليك من صدق الفراسة وحسن المعالجة مقاليد الأمور: فكل أعمالك إن شئت منافع, والدقيقة الواحدة توازي من عمرك أعوامًا لأنها حافلة بالخبرة والتبصر وأصالة الرأى, كأنها ثمرة الخريف موفورة النضج, غزيرة العصير, أشبعت بمادة الاكتمال والدسم والرغبة.

إذا كنت كثير الأصدقاء كن سعيدًا! لأن ذاتك ترتسم في ذات كل منهم. والنجاح مع الصداقة أبهر ظهورًا والإِخفاق أقل مرارة. وجمع القلوب حولك يستلزم صفات وقدرات لا توجد في غير النفوس ذات الوزن الكبير, أهمها الخروج من حصن أنانيتك لاستكشاف ما عند الآخرين من نبل ولطف وذكاء. وإذا كنت كثير الأعداء كن سعيدًا! لأن الأعداء سلّم الارتقاء وهم أضمن شهادة بخطورتك. وكلما زادت منهم المقاومة والتحامل, وتنوَّع الاغتياب والنميمة, زدت شعورًا بأهميتك, فاتعظت بالصائب من النقد الذي هو كالسم يريدونه فتَّاكًا ولكنك تأخذه بكميات قليلة فيكون لك أعظم المقويات, وتعرض عما بقي, وكان مصدره الكيد والعجز, إعراضًا رشيقًا. وهل يهتم النسر المحلّق في قصىّ الآفاق بما تتآمر له خنافس الغبراء?

إذا كنت عبقريّا كن سعيدًا! فقد تجلّي فيك شعاع ألمعي من المقام الأسنى ورمقك الرحمن بنظرة انعكست صورتها على جبهتك فكرًا, وفي عينيك طلسمًا, وفي صوتك سحرًا. والألفاظ التي هي عند الآخرين أصوات ونبرات ومقاطع صارت بين شفتيك وتحت لمسك نارًا ونورًا تلذع وتضىء, وتُخجّل وتُكبّر, وتذلّ وتنشط, وتوجّع وتلطِّف, وتُسخط وتُدهش, وتقول للمعنى (كن!) فيكون.

إذا كنت حرّاً كن سعيداً! ففي الحرية تتمرّن القوى وتتشدد الملكات وتتسع الممكنات. وإن كنت مستعبدًا كن سعيدًا! لأن العبودية أفضل مدرسة تتعلم فيها دروس الحرية وتقف على ما يصيرك لها أهلاً.

إذا كنت محبًّا محبوبًا كن سعيدًا! فقد دلَّلتك الحياة وضمتك إلى أبنائها المختارين, وأرتك الألوهية عطفها في تبادل القلوب, واجتمع النصفان التائهان في المجاهل المدلهمة فتجلت لهما بدائع الفجر وهنأتهما الشموس بما لم تهتد بعد إليه في دورتها بين الأفلاك, وأفضى إليهما الأثير بمكنون أسراره.

كن عظيمًا ليختارك الحب العظيم, وإلا فنصيبك حب يسفُّ التراب ويتمرَّغ في الأوحال, فتظل على ما أنت أو تهبط به, بدلاً من أن تسمو إلى أبراج لم ترها عين ولم تخطر عجائبها على قلب بشر, لأن هياكل مطالبنا إنما تقام على خرائط وهمية وضعتها منّا الأشواق

من كتاب ( ظلمات وأشعة ) , 1923

 

 

 

عند قدَمي أبي الهول

 

تتغلى على البسيطة شعوبٌ ودولٌ تأتي بالأديان والشرائع واللغات والعادات, وتتبارى في محق عمل الأجيال زلازل وبراكين وصواعق وأوبئة وثورات وزعازع وطوفانات. وأنت هنا رابض أمام أهرام انتصبت في وجه الفضاء تنقض أحكام الفناء. والهياكل تلقى بين يديك حديث الدهر بألفاظ الحجر والصوان وتعززه بصور الأرباب والملوك والكماة.

- ههنا تربض فريدًا على وثير الرمال في مملكتك الفيحاء مملكة الكتمان والجلال والإيماء, وعظمة القياصرة حديثة النعمة ودميمة حيال عظمتك المجردة الرفيعة. والإنسان المتطاول الشغوف بهتك الأستار يدخل إيوان وحدتك السنيّ. ولكنك في غيبوبتك غير منظور لهذه الأشباح الفانية, وغير ملموس لهذه الأيدي الذبابية المتنقلة على مخالبك ومنكبيك تلهّيًا واستقصاءً.

- وأنا صورة من ملايين صور الحياة نهضتُ أتفهّم الحياة كما نهض جميع أولئك المساكين. وكما وقفت قديمًا على طريق طيبة تلقى الأسئلة على العابرين وقفت أسأل أبناء السبيل عن معنى الحياة, فقال أحدهم (هي صدر الأم).

فالتصقت بصدر أمي, فإذا أنا منه في عش دفء وحرارة وحصن مناعة وأمان, لا ترعبني الرياح العاصفة والرعود الداوية والبروق الملعلعة والسيول المتدفقة. ومر يوم. فضاق بي صدر أمي وعدت إلى موقفي أسأل (ما هي الحياة?).

فأجاب مجيب (هي الدين والتقوى).

فبادرت أمرّغ جبهتي على عتبة المذبح مخفية أداة التقشف والإماتة تحت مزركش الأثواب. وأقرع صدري مستغفرة عن آثام لم أرتكبها وذنوب لم تخطر على بالي. فناجتني الصور الصامتة في أطرها, وهمست لي الصلبان بنكال الحربة والمسامير. فمر يوم. وصدر الهيكل الذي كان لينًا عطوفًا انقلب كالمرمر صلابة وبرودة. وصارت الطقوس الدينية ترتيبًا مسرحيّا. وأرواح البخور التي كانت تنزل عليّ فيض الوحي والإلهام غدت مزعجة كعطور تنشرها ذوات الذوق الكثيف. فعدت إلى مكاني من السبيل سائلة (ما هي الحياة?).

فقال صوت الغرور: (وهل هي للفتاة غير التيه والدلال والتظرف?).

فمضيت أسأجل مرآتي فتعشقت صورتي فيها. ولم أكن أفارق تلك الصورة إلاّ لأبحث عما يزينها ويجملها. وكان يبكيني مشهد الباكين, فأصبحت وقد تذوقت لذة اللهو واللعب في نسل خيوط القلوب. ومر يوم. فأطل شبح الملل في عينيّ. فعدت أسأل أبناء السبيل (ما هي الحياة?).

فعلا صوت الحضارة في صفير البخار وجلبة الآلات وقال: (هي الثروة والجاه العالمي وأبهة العمران).

فعدوت في سبيل هذه, سوى أني لم أصرف ساعة حتى تحجّر كياني. فعدت والضجر يقتلني أسأل (ما هي الحياة?).

- فقال صوت العلم الرزين: (أنا الحياة لأني أشرح الحياة).

فألقيت بنفسي في الخضم الزاخر أعالج العلم المادي تارةً والفلسفة الروحانية أخرى. كم من علم خلقنا, أيها المليك, لنبحث عمّا لا يُعلم, وكم من لغة أبدعنا لنشرح ما لا يشرح! فهداني الجهابذة إلى القوة التي يتم بها التفاعل الكوني بين الأجرام فلا تتفلت من عناقها شمس ولا ذرة: الجاذبية. فسألت: وما هي هذه الجاذبية? من رآها من سمعها? من لمسها? أهي وسيط ينتقل على تموج الأثير, أم هي سيّال يتموّج بنفسه مستقلاّ عن العناصر? فأجابوا (ذاك سر الحياة وهو مجهول).

الحياة! مجهول! لفظتان تمثلان الانفصال والاتحاد جميعًا.

هذه الرمال التي تفرش ربوعك بطنافس ناعمة - منذ أربعة آلاف سنة, يا حارس الصحراء, منذ أربعة آلاف سنة والعلم يقلِّب الذرة الواحدة منها ويديرها ويقسمها ويجزّئ تقسيمها. لقد نحرها بحثًا ودرسًا وتحليلاً متلمسًا علة تركيبها واللغز المتوارى وراء محلها. فسارت جهوده من مجهول إلى مجهول ومن استفهام إلى استفهام. وما زال مثلى أنا الطفلة الغريرة يسأل (ما هي الحياة? ما هي الحياة?).

كذلك طال استجوابي للسابلة فضحك كثيرون ومضوا لأنهم لم يفهموا, والقليلون الذين وقفوا وأجابوا أرهفوا فىَّ اللجاجة والحرقة والأسى.

***

يا وليد بابل أم السحر والتعاويذ, إلى أي حقيقة رمز بك الرامزون? ولماذا جعلوا بين كفيك درجات خفية تفضي إلى سرداب امتد وتاه في مجاهل الأهرام? لماذا أودعوا قلبك مفتاح باب الغيب حيث كان العرافون يستمعون للآلهة الهواتف? ولماذا لا يعرف موضع أصغرك الأجوف منك سوى شفتيك المطبقتين على كرّ الأعقاب?

نحن مثلك نترقب ونتوقع, ونتوقع ونترقب, فهل تعلم ما هذا الذي ننتظرهُ وتنتظرهُ الآفاق المنحنية علينا? لقد سُجنَّا في حالك الظلمات تخترقها خيوط النور حينًا بعد حين فنهبُّ نحسبها مقدمة لتحقيق الرجيّة, وما هي غير السراب الخدّاع فيزيد الظلام حلكًا ونلبث في الانتظار متردِّدين.

أصحيح أن لغزك لغز الدهور أم خلقك الإنسان رمزاً له كما خلق آلهته على صورته ومثاله? لقد أعطاك من الثور الخاصرتين مكمن الغريزة الجوفية الرامزة إلى السكوت, ومن الأسد براثن التحمس والاستماتة الرامزة إلى الجرأة, ومن النسر الجناحين المحلقين في بعيد المدى الرامزين إلى المعرفة, ومنه - من إنسانيته - أعطاك الرأس مشيرًا إلى التبصر والإرادة المدركة المتغلبة على الغريزة والانفعال والخيال. فكيف يحصر فيك جميع هذه النزعات التي تتجاذبه ولا يضيف إليها ما بقي? لماذا لا يكون ابتسامك الدائم صورة الأمل المتجدد أبدًا فيه? أليس أنه مثلك لأنك مثله? أليس إن في أعماقه أبا هول شاخصًا أبدًا في السموات العُلا كلما ظفر بفجر وشروق لبث يتوقع بزوغ كوكب جديد وشروق شمس ساطعة?

من كتاب ( ظلمات وأشعة ) , 1923

 

 

لماذا تبقى العربية حية؟

 

من هو المنبّه إلى تكوين هذه المدنية القومية?

هو فتى كان بالأمس يقصد الشام في عير قريش للتجارة, وهو اليوم محمد النبي العربي ورسول المسلمين.

أما مصدر تلك الحضارة فهو القرآن.

لقد ذاع القرآن بسرعة لم يظفر بها كتاب قبله ولا بعده. ولم يقصر انتشاره على الشعوب التي نزل بينها وتوافقت تعاليمه ومدركاتها وطبيعتها. بل خضعت له بعدئذ أمم لها من حضارتها السحيقة ما قد كان يُعدُّ كافيًا للتفلّت من سطوته ورفض الإذعان لأحكامه.

ولقد أوجد القرآن دينًا عربيّا, ودولة عربية, وأحكامًا عربية, وآدابًا عربية صارت كلها أجزاء قومية واحدة ربطت شعوبًا لم تكن العربية لغتها. لذلك قال جماعة من المؤرخين: إن التمدن العربي كان تمدنًا إسلاميًا صرفًا.

والقرآن مصدر جميع العلوم التي عني بها المسلمون في أوج حضارتهم. فلتفسير آياته وسوره وجدت علوم الكلام وعلوم المنطق, ولتفهُّم ما فيه من نظام وتشريع وُجدت علوم الشرع والفقه.

- إن الذي كان باعثًا على تكوين المدنيَّة العربية هو هو الذي ما زال حافظها إلى اليوم: هو القرآن!..

لذلك ستظل اللغة العربية حية ما دام الإسلام حيّا وما دام في أنحاءِ المسكونة ثلاثمائة مليون من البشر يضعون يدهم على القرآن حين يقسمون

من كتاب (بين الجزر والمد), 1924

 

 

أين وطني؟

عندما ذاعت أسماء الوطنيات, 

كتبت اسم وطني ووضعت عليه شفتيّ أقبّلهُ; 

وأحصيت آلامه مفاخرة بأن لي كذوي الأوطان وطنًا; 

ثم جاء دور الشرح والتفصيل فألممت بالمشاكل التي لا تحلّ; 

وحنيت جبهتي وأنشأت أفكر; 

وما لبث أن أنقلب التفكر فىَّ شعورًا; 

فشعرت بانسحاق عميق يُذِلّني; 

لأنى, دون سواي, تلك التي لا وطن لها. 

وإذ تمرُّ مواكب الأمم المظلومة منكّسة أعلامها وراء نعوش الشهداء; وهتاف الحرية والاستقلال يتغلب على أنين الثكل والتفجّع منها, أعتز لأني ابنة شعب في حالة التكون والارتفاع, لا تابعة شعب تكوّن وارتفع ولم يبق أمامه سوى الانحدار.

ولكنّ الشعوب تهمس همسًا يطرق مسمعي: فهؤلاء يقولون (أنتِ لستِ منّا لأنك من طائفة أخرى).. ويقول أولئك: (أنتِ لستِ منا لأنك من جنس آخر).

فلماذا أكون, دون سواي, تلك التي لا وطن لها?

***

ولدتُ في بلد, وأبي من بلد, وأمي من بلد, وسكني في بلد, وأشباح نفسي تنتقل من بلد إلى بلد, فلأي هذه البلدان أنتمي? وعن أي هذه البلدان أدافع?

كل أمة تحدّث عن عظمتها وفضلها على المدنية ونبلها في صيانة حقوق الضعفاء; فبأي الأمم أعجب?

وكل أمة - دون سواها - تحمي ذمار الحرية وتذود عن العدل والمساواة والإخاء; فعلى أي الأمم أتكل?

وكل دين - دون سواه - احتكر لأتباعه الشرف والفضيلة في الحياة, والسماء والألوهية بعد الممات; فأي الأديان أعتنق?

وكل حزب يدّعي الصدق والعصمة, وكل فرد صائب الرأي يضحِّي الخير الخاص للخير العام; فأي الأحزاب أصدِّق وأي الأفراد أتبع?

ما سمعت وصف بلاد إلاّ سعى إليها اشتياقي.

ولا حدّثت عن بسالة أمة وسؤددها إلا تمنيتها أمتي.

بنسيم وطني امتزج الوحي والنبوءات,

ومع أشعة الشمس فيه انتشرت صور الجمال,

فكانت له حياة وهّاجة متلظيّة وراء مظاهر الجمود والهجران وخيالات الآلهة تسيرُ أبدًا فيه متمهلة متأملة,

من القمم والأودية, من الصخور والينابيع, من الأحراج والمروج تتعالى معاني بلادي في الضحى, وعند الشفق تتكاملُ أرواحُ الأشياء وتتجمهر كأنها تتداول في إنشاء عوالم جديدة.

أحبُّّ عطور تربة الجدود ورائحة الأرض التي دغدغها المحراث منذ حين. أحب الحصى والأعشاب, وقطرات الماء الملتجئة إلى شقوق الأصلاد.

وأحب الأشجار ذات الظل الوارف أكانت محجوبة في أحشاء الوادي أم أسفرت مشرقة على البحر البعيد.

وأحب الطرق الوعرة المتوارية في قلب الغاب, وتلك المتلوية على أكتاف الجبال كالأفاعي البيضاء, وتلك السبل الطويلة الممتدة, الممتدة وكأن الغبار الذهبي منها ينتهي إلى قرص الشمس.

ولكن أيكفي أن نحب شيئًا ليصير لنا? وهكذا رغم حبي الأفيح أنا في وطني تلك الشريدة الطريدة لا وطن لها.

جرّبتُ من الوطنيات صنوفًا: وطنية الأفكار والأذواق والميول,

وتلك الوطنية القدسية المثلى: وطنية القلوب,

فوجدتُ في عالم المعنَى ما عرفته في عالم الحس.

إلاّ بقعة بعيدة تفرّدت فيها الصور وتسامت المعاني.

ثقّفنى أبناءُ وطنى, وأدبني أبناء الأوطان الأخرى,

وأسعدنى أبناء وطني وأسعدني الغرباءُ أيضًا,

ولا ميزة لأبناء وطني في أنهم أوسعوني إيلامًا,

فقد نالني من الغرباء أذى كثير:

فبأي الأقيسة أقيس أبناء الوطن?

ولماذا أكون أنا وحدي تلك التي لا تدري أين وطنها?

***

أيها السعداء ذوي الأهل والأوطان, عرّفوا لي سعادتكم وأشركوني فيها!

رضيتُ حينًا بأنه ليس للعلم والفلسفة والشعر والفن من وطن, أما اليوم فصرت أعلم أن للعالم والفيلسوف والشاعر والفنان وطنًا. صرت أعرف ضعف الإِنسان الذي إذا مال إلى النوم والراحة طلب مضجعًا ناعمًا لجسمه المضني لا مرجًا واسعًا يتناوله منه الحر والبرد, ولا بحرًا عرمرمًا تبتلعه منه اللجج.

إنى أعبد تفطّرك الصامت, أيها الفيلسوف القديم, أنت الذي بعد أن اكتشفت آيات الفكر وعجائبه, أرسلت زفرة كأنها شكوي الدهور فقلت: إنما أريد صديقًا لأموت لأجله.

وأنا أجثو الآن خاشعة أمام ذكرك مردّدة ما يشبه قولك: إنما أريد وطنًا لأموت لأجله - أو لأحيا به!

من كتاب ( ظلمات وأشعة ) , 1923 

 

 

 

مساجلة الرمال

 

- الظلام يولِّي هاربًا, وعمود الفجر يكاد ينشقَ. عما قليل تشرق الشمس فلا يلبث قرصها أن ينقلب أتونًا يُصلينا نار السعير.

- سيان لدينا الليل والنهار. كل يوم ننتظر من الظلام عذوبة تحت أنوار الكواكب الواهية. ولكن حرارة الشمس تظلُّ مستودعة في كياننا فنلبث في اتقادٍ واضطرامٍ يومًا بعد يوم, وليلةً بعد ليلة.

- إنما جعلتنا الأقدار متحاذيات متلاصقات لنفرش هذه الأرض ونكوِّن منها الصدأة المحترقة. يتهموننا بأن لمسنا يشوي اليد والقدم شيّا, ولكن أَلَسْنَا نعاني في كياننا المقدورَ علينا من عذاب السعير? ودِدتُ لو أنَّ لي دمعاً أذرفُه من فرط السآمة والحنق والألم!

- طالما شهدنا الخلائق تهبط علينا وقد أضناها التعب والوصب, فنفق الحيوان على صدرنا, ومات الإنسان بين يدينا, ووجد كل منهما عندنا ملجأ طبيعيّا يتلقاهما ويضمهما إليه. ونحن الجائعات الظامئات المتعبات على الدوام, ليس لنا من يرثي لحالنا ويسعفنا. نحن التائقات إلى التفلت من حالتنا الراهنة, ليس لنا أن نمضى في علوٍّ ما ونهبط في مستقر ٍّ غير هذا. وأتعبني من هذا الوجود القاحل في ديمومة السكوت والجمود!

- أولا تتحركين وتنتقلين عندما تطؤك سنابك الخيل وأخفاف البعير وأقدام الإنسان, لدن مرور هاتيك القوافل التي ما فتئت تطوينا منذ أن كان الدهرُ وليدًا?.

- ليست هذه هي الحركة التي ننشد. إن شوقًا عميقًا فينا يتلهَّف على حركة من نوع آخر.

- كم من حركةٍ مفاجئةٍ خبرت عندما عصفت بي السموم في النهار أو الحَرور في الليل! زعازع وأنواء انتزعتني في عنفٍ من مقرِّي إلى مقر آخرٍ, فما كنتُ منتقلةً إلاَّ من الرمضاء إلى الرمضاء حيث السعيرُ دائمٌ والأوار مقيم!

- وأنا تلقَّفتني العواصف غير مرة. فحطت بي يومًا عند ساحل البحر فامتزجتُ بالماءِ ورسبتُ في القعر, وأغفلني هناك زمنا الدّهرُ الوسنان. ثم قذفت بي الأمواج على الشاطئ, فتناولتني الزوبعة الهوجاء, وردتني إلى مستقرى في هذه البطحاء!

- وأنا كم حدت بي الريح إلى حيث الينابيع تتفجَّر والمياه تجري! إلى حيث الأرض كريمة والأشجار ظليلة, وقد نوَّرت الأزهار هنا وهناك وهنالك على صفحة الروض, وتشابكت الرياحين بمثيلاتها من شذى النباتات فعبق الهواء بأريج العطور!...

- لا تذكرنَ الماء والعطر والظلال لرمالٍ شقية قضى عليها بالمحل والاضطرام والصدى, لا ترهفن فينا أشواقًا تأبى التحقيق!

- أتوق إلى الذوبان في سائل ما, ولو كان ذياك السائل القاني الذي رأيناه أحيانًا على جسد الإنسان والحيوان! ولكننا غير قابلات للجرح الذي يغسل قحلنا بنجيع الدماءِ, ولن نكون يومًا قمينات بابتسامة الحياة وعذوبة الحنان.

قضى علينا بأن نكون دوامًا في حكم الموتى, وقد حُرمنا نِعَمًا يجنيها غيرنا في جنّةِ الأرضِ.

- أنكون في حكم الموتى ونحن نشتاق ونتعذَّب? ألا ليت كلّ قافلة عابرةٍ تسير بي إلى حيث ينيخ الركبُ! حيث الخيمة المضيافة والناس يضرمون النار ويأكلون, وينهلون الماءَ ويرتوون! واحنيني إلى هناءِ المضارب! واحنينى إلى كيانٍ قابل للريّ والارتواء!

- لو كان لي أن أرجو الوصول يومًا إلى تلك الحالة الراغدة لأعانني الرجاءُ على الاحتمال, وكان لي منه العزاء والسلوي! ولكننا في هذه البطاح الصمَّاء البكماء, إنما وُجدنا لنقطع كلّ صلةٍ بين الحياة والحياة!

- ويلك! ماذا تقولين?! نحن قاحلات جائعات ظامئات مشتاقات, ولكننا وُجِدنا لنكون صِلةً بين الحياة ولباب الحياة!

- أوَلا ترين الفجر يتلألأ في الأفق سنيّا? غبار دقيق من النور يتناثر حولي كأنه سحيق من الذهب والبلور. هذا يوم عيد.

- لولا هذا اليوم وما ميّزهُ بين الأيام, ما كانت تلك القوافل العديدة, قوافل الحجاج التي نراها منذ قرون وقرون ذاهبةً آئبةً.

- لقد شهدتُ القوافل ذاهبةً آئبةً منذ أن خرجتُ على الصحراء رملاً, وتعرَّفتُ قوافل العرب الرحَّل وقوافل الغزاة والمحاربين والشعراء والعاشقين.

وكم من حداءٍ سمعتُ!

- تلك القوافل تعددت ألوفاً وألوف الألوف منذ أربعة عشر قرنًا, وتبدَّل الغرض من ترحالها منذ أن انبثق من سويداء قلب الصحراء جحفل النصر العظيم. فصارت القوافل قوافل الذكرى والعبادة والسلام, تقبلُ علينا في عجاجة وردِيَّة من قصيّ الأبعاد حيث يخيَّل أن الآفاق تتحرَّك, وتغادرنا في عجاجةٍ وردية لتتوارى وراء الآفاق التي تحنو على وديعتها الفريدة الغالية.

- أعرف تلك الوديعة, فقد ساقتنى إليها الريح مرةً! هناك مثوى ذاك الذي عرف كيف يلقي في أرواح الشعوب روحًا حَيَّةً خالدة.

- فتى الصحراء! فتى الصحراء الذي اصطفاه ربُّهُ ليحمل الكتاب, فهجر دياره, وسلاحه كتاب فغزا به العالمين!

- الفاتح الذي لا يشبهه فاتح! إنه لم يغزُ البلدان والأمصار وكفى, بل غزا القلوب بسرِّه, وفتح النفوس بسحره, يوم خروجه من الديار هو بدء تاريخ الهجرة. وها الناس على توالي القرون, وقد هاموا بجاذبيته النورانيَّة, يهجرون ديارهم وخيراتهم ويقتحمون المفاوز والأخطار ليحجوا إلى البقعة الصغيرة العظيمة التي تجمَّع عندها معنى الديار والأوطان, وتركزت فيها ثقة اليقين وانبعث منها نور الإيمان!

- سيد الغزاة والفاتحين! إنه فتانا, فتى الرمضاء وفتى الرمال! إنه جاءَ بمعجزة المعجزات فأخرج الخصب الخصيب من ديار القحط والجدب!

- فتى الصحراء العجيب, ذو العينين الدعجاوين حيث أودعت السماء نطفة الضياء! إن ذكراه لممتزجة بذكرانا!

- نحن الرمال لم يكن وجودنا عبثًا كما زعمنا في أجلنا المديد الأليم! نحن الجامدات, كنا مبعث الحركة والحياة! نحن القاحلات, كنا وما زلنا سبيل الهجرة الخصيبة.

أشرقت الشمس - شمس اليوم الأول من العام الهجريّ. من الرمضاء تتصاعد أشباح أثيرية تدور رشيقةً في نور النهار الجديد. وقد أصبحت أفواج الرمال القريبة والبعيدة كلّها جوقة واحدة تنشد:

نحن الرمال القاحلة, 

لا خصب يوازي خصبنا! 

نحن الرمال الجامدة 

هل من حياةٍ كحياتنا?

-------------------

من مجلة (الرسالة), فبراير/شباط 1935

 

 

الحياة أمامكِ

 

الحياة أمامك, أيتها المصرية الصغيرة, ولك أن تكوني فيها ملكة أو عبدة:

عبدةً بالكسل, والتواكل, والغضب, والثرثرة, والاغتياب, والتطفل, والتبذُّل, وملكة بالاجتهاد, والترتيب, وحفظ اللسان, والصدق, وطهارة القلب والفكر, والعفاف, والعمل المتواصل.

فإن عشتِ عبدةً بأخلاقكِ كنتِ حملاً ثقيلاً على ذويك فكرهوكِ ونبذوكِ. وإِذا عشتِ ملكةً أفدتِ أهلك ووطنك وكنتِ محبوبة مباركة.

فأيهما تختارين?

إذا اخترتِ الملك فروّضي نفسكِ على المكارم منذ الساعة, لأن الملوك يسلكون طريق العز منذ الصغر

من كتاب (محفوظات البنات), كتاب مدرسى لمدارس البنات الأولية, مديرية القليوبية مصر

 

 

محروسة!

 

فى 16 يناير 1923, تستأنف (المحروسة) الصدور اليوم بادئة عامها التاسع والأربعين, بعد أن أوقفت عامها الثامن والأربعين بطولة تقريبًا.

يقال إن اسم (المحروسة) أطلق على القاهرة, لاعتقاد السكان بأنها محفوظة بقوَّة سحرية, أو روحانية, تحمي منها الربوع والآثار. فلذا ترى ما فيها محفوظًا ثابتًا, بينا آثار البلاد الأخرى تتداعى وتتهدم, وإنْ كانت أحدث عهدًا.

فبديهيٌّ إِذن أنْ نتوهم أنّ القوة التي تخفر مدينة الأهرام وأبي الهول تهيمن كذلك على كل ما سمي باسمها وتشمله بالعطف والرعاية. فإن هذه الصحيفة أوقفت ثلاث مرات منذ مطلع الحركة الوطنية سنة 1919, ولعلّها أصيبت أكثر من جميع الصحف المصرية. ولكنَّها سلمت من الأذى كل مرة, محروسةً بالقوة الخفيّة التي تخفر هذه المدينة العظيمة.

وكما أنّ آثار الجراح هي أنبل الأوسمة للجندي, (فالمحروسة) تحمل علامات جهادها الثلاث, أوسمةً حقيقة بأن يكون لها مكانها في متحف تذكاراتها الثمينة.

لقد صودرت (المحروسة) في أول عهدها, كما يقول العارفون - يوم أنْ كانت ميدانًا لأقلام أثارت الشرارة الأولى التي صارت في النفوس يقظةً, وفي الأذهان نورًا. أعني جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده. كما امتزج اسمها بأسماء سليم نقاش, وأديب اسحق, وعبدالله نديم وسواهم من كبار الأدباء والشعراء. ومن هذه الأسماء وهذه الأفكار تألف متحفُها الذي تستعرض اليوم محتوياته, وقد حملت علاماتها الثلاث, أوسمة خليقة بصحيفةٍ وسَمَهَا أولئك العظماءُ بوسم المجدِ والبقاءِ.

***

أصبحت مصر كعبة العالم العربي وحاضرته المعنوية. فما لاح فيها نورٌ إلا استضاءت به الأقطارُ الأخرى, ولا مضت في أرجائها صيحة إلاّ اهتزَّت لها القلوب, ولا ظهر فيها أسلوب جديد في الأدب والاجتماع والسياسة, إلاّ نظر فيه الآخرون باهتمام ومالوا إِلي تحدِّيه قائلين: (أليس ان مصر فعلت ذلك?).

صرفت شهور الصيف المنصرم في سوريا ولبنان فكانت أكثر أحاديثنا اليومية تدور على مصر ويقظة مصر.

يمطرني السوريون الأسئلة فأحدثهم عن ظرف مصر وأدبها وطربها وذكائها. أحدثهم كيف أن مصر التي طالما صوَّروها صاغرة خانعة كالتماثيل الجاثية عند قديم الأضرحة, قد هبت اليوم موفورة الشباب والنُّبل والشهامة.

أُحدثهم بخشوع وتحنان عمّا رأيت وسمعتُ وعرفتُ. فأرى الخشوع مني والتحنان قد انتقل إلى السامعين فجال في عيون النساء دموعًا, وبدا في وجوه الرجال تأثرًا, فأُدرك عندئذ أنّ مصر أصبحت مطمح الأنظار وموضوع الإعجاب.

ولئن كان هذا مما يبعث في مصر عاطفة الاغتباط والفخار فهو كذلك يلقي عليها مسؤولية كبيرة, لأنّ في الإعجاب تشجيعًا ووازعًا وإيماءً إلى المنهج القويم الذي يتحتم السير فيه نحو العُلا.

ولا يساق السائر في مثل هذا المنهج بدافع الغرور والمباهاة. إذ لا مباهاة ولا غرور مع المسؤولية: فالمسؤولية صارمة تثقف الذات القومية والذات الفردية, غير ملاينة ولا مهادنة, وهي من أكبر البواعث على نفض دثار الخمول وتكوين صفات النبل والكرامة في النفوس الموهوبة.

عيشي يا مصر المحروسة, أهلاً لإعجابٍ يتحول عندك مسؤولية وكرامة, فترسلينه إلى الأقطار الشرقية وحيًا وإنعاشًا وقدوة جميلة!

من كتاب (بين الجزر والمد), 1924

 

 

بين الأدب والصحافة

 

تساءَل مستر (برسي هوايت) في إحدى محاضراته الأخيرة بالجامعة المصرية: هل الأدب والصحافة واحد? وما لبث أن أجاب نفسه قائلاً: (كلاّ ليسا واحدًا. قد تلامس الصحافة الراقية, في بعض موضوعاتها, المعاني الأدبية العالية فتوسم بوسمها وتؤثر تأثيرها, لكن الصحافة, بوجه الإجمال, تختلف عن الأدب من حيث الغرض والمرمى والتأثير).

بينا كان الأستاذ يبسط رأيه كنتُ أضاحك نفسي قائلة: قد يكون هذا رأيكم, أيها الغربيون, لكن الأمر عندنا على غير ما تذكرون. عندنا إذا كتب المرء مقالات قليلة في الزراعة مثلاً, حاز دفعة واحدة جميع الألقاب الكتابية المدوَّنة في القاموس, فأصبح كاتبًا مجيدًا, أديبًا أريبًا, مفكرًا مبتكرًا, شاعرًا فذّا, خطيبًا مفوّهًا, سياسيًا محنكًا, عالمًا علاّمة وبحرًا فهّامة! وإذا أردت معرفة ألقابه الأخرى فعليك (بنجعة الرائد) لليازجي صفحة 2 الباب السادس من الجزء الثاني.

الأدب فن التعبير عن العواطف والميول والتأثيرات نثرًا ونظمًا, فالشعر فرع من الأدب, والشرط الجوهري للكاتب الأدبي هو أن يكون ذا إحساس قوي يتأثر بجميع الحوادث, فإِذا نقص هذا الشرط تلاشى الكاتب الأدبي.

وكيف يؤثّر من لا يكون متأثرًا: ألا إنّ الذكاء يتعب, والعلم يعذب, والحرية الفكرية تقلق النفس, ولكن إذا عرفت كيف تضرب على أبواب القلوب سمعت الجواب دوامًا.

أما الصحافة ففي نشر الأخبار السياسية والاجتماعية والعلمية والأدبية, فهي إذن مختلفة عن الأدب كل الاختلاف. إذا احتاج الأديب إلى شعور قوي فلا حاجة للصحافي إلى ذلك, وما عليه سوى نقل الأنباء التلغرافية ونشر الحوادث المحلية. فإذا فعل أجاد وكان عند ربه وعند الناس مرضيّا.

على أن خدمات الصحافة جليلات ولا غنى لأمة متمدنة عنها. ولصحافتنا العربية مزية خاصة في هذا العصر بكونها لسان حال الأدباء والعلماء والمفكرين والمتشرعين. كتب العلم والأدب قليلة عندنا لأن علماءنا وأدباءنا قليلون, وقد ندر بينهم من استطاع تأليف كتاب والإجادة التي هي شرط الإفادة, أما معظم الكتب المتداولة بين أيدينا فمنقول عن اللغات الأجنبية, وإذا كان لنا منها فائدة فهي, على كل حال, لم تكتب لنا ولم تلاحظ أحوالنا ووراثتنا وأخلاقنا في تأليفها, ولا يستطيع الإتيان بذلك إِلاّ كاتب منّا, لأن الكاتب الأجنبي لا يفهم طبيعتنا الشرقية تمامًا مهما عاش بيننا وهو ذو طبيعة متباينة, فلا بد من المقابلة بينه وبيننا في كل أمر, وهو لا ينظر إلينا إلاّ بعين الغرب للشرق أي بعين الاستفهام الدائم, بعين الاستغراب والاستحسان اللذين يتجاذبانه أمام كل حركة من حركاتنا.

ويجيد كتّابنا في بعض المقالات المنشورة في الصحف السيارة, يجيدون في تشخيص الداء وفي الإرشاد إِلي الدواء. فنرى أحيانًا بين التلغرافات والحوادث المحلية سطورًا أدبية ملؤها الشعور الصادق والاختبار والمعرفة, وهذا فضل يضيفه الصحافيون إِلي أفضالهم الكثيرة. فإِن لم يكن الشعور ضروريًا للقيام بواجباتهم, فهم يعرفون كيف يستعملونه ومتى يظهرونه.

أصبح الصحافيون زمرةً قوية تخشاها الأرض ومن عليها, فهم ينتقدون القوانين, ويحاجّون الحكومات, ويسنون أوامرهم للبشر, ويبسطون آراءهم لأولي الحل والعقد حتى إذا شعروا بأن الفكرة التي يبدونها بعيدة عن ذهن القارئ عمدوا إلى أسماء التحبب فدعوه تارة (القارئ اللبيب) وطورًا (القارئ الكريم) وحينًا (القارئ العزيز), إلى غير ذلك من النعوت الطيبة التي ترضى الجميع, فيقتنع القارئ بأنه لبيب وكريم وعزيز, فعلى كل لبيب كريم عزيز أن يفكر أن ما جاء في المقال هو الحقيقة بعينها.

أكتب هذا وأنا أعضُّ على سبابتي ضاحكة. لا تغضبوا يا سادتي الصحافيُّون. كلنا معترف بالخير المتدفق من أقلامكم على من يقرأ وعلى من لا يقرأ جميعًا. وأشهد باحترام أن وجودكم بيننا عنوان ارتقائنا, أليس كذلك? غير أني أريد أن أنصفكم فأقول: لئن كان لكلٍّ منكم القدرة المجسمة, فإن هناك شخصًا أقدر منكم لو اتحدتم جميعًا. لا تظنون أن الله هو من أعنى, بل هو بطل قلم الرقابة... هو الرقيب

من كتاب ( سوانح فتاة ) , 1922

 

 

فضل الآداب

 

يرجع أثر الصناعة والتجارة في تكوين العلائق الاجتماعية إلى عهد أبعد كثيرًا من يوم وطِئ الفينيقيون الشاطئ الإغريقي للمرة الأولى, وربما انتهى بنا إلى فجر تاريخ العمران, ولولا تلك العلائق ما اختلطت الأقوام, ولا تمازجت الأجناس, ولا تكوّنت المدنية, ولظلت الجماعات في وحدتها الإثنغرافية, وانقطاعها الحيويّ, بعيدة بعضها عن بعض. ولو كان ذلك لفنيت العشائر وانقرض النوعُ في زمنٍ قصير.

وجدت الصناعة والتجارة فزاد تبادلها في ثروة الجمهور, وجلب الرخاء فتعدَّدت مُثلُ الإنتاج, وتوافَرت للأفراد سهولة المعيشة.

إنما الشعوب كالأفراد لا يتفاهمون إِلا بالتآلف الفكري, ولا يتوحدون بغير التمازج الروحي. متاعُ المصانع ونتاج المعامل يحفظ أبدًا طابع الشعب الذي ابتكرهُ أو عالجه. ولكنّ أهل الفكر والعبقرية لا يُسبَكون في قالب ولا يحملون طابعًا, بل يخصون الإنسانية بأسرها, ويخدمون الجميع بلا حصر ولا استثناء. يتكلمون ويعملون ويكتبون, وسواء هم أفصحوا عن نظراتهم ومشاعرهم باليونانية واللاتينية أو العربية والهندية, فإنما هم يترجمون عن حاجات بشرية, ورغبات إنسانية تجمهرت في نفوسهم الكبيرة الحساسة.

ما غرض الأدب والبيان سوى التعبير عن الفكر والعاطفة كلامًا وكتابةً, ونقل صور ذهنية خفية إلى عالم الاطلاع والاستعراض. يفضي كل شعب بسرائر ضميره على أسلوب خاص, ويطلق شِعرًا ونثرًا ما كمن فيهِ من كآبة وحنين إلى مثلٍ أعلى هو قدوته وقبلته, حتى إذا ما أودع الكتب ما يسميه آدابًا وفلسفة وعلمًا, وبعث بتلك الكتب إلى البلاد القصية, فكأنما هو ينفّذ رسالة حُبٍّ وتنبيه وتفاهم إلى إخوته وأخواته بالحياة والإنسانية, بل كأنما هو يريهم من نفوسهم وجهًا جديدًا وشكلاً طريفًا. ليست الكتب لمؤلفيها, ولا الآداب لموجديها بل هي إرث من تطلبها وملك من انتفع بها. وليس الفرد في ذاته أهلاً للإعجاب, إنما هي الإنسانية عجيبة بما تلازب فيها من مدهش القوى والممكنات; الإنسانية وحدها عظيمةٌ بما تأتيه من الأعمال الباهرات.

أما النوابغ فأفراد اختارتهم الحياة لإدراك وسط يعيشون فيه والوصول إلى أقصى رغائبه وألبس نزعاتهِ, فهم بذلك أقرب من سواهم إلى أغوار الروح الإنسانية, وأسرع فهمًا لحركاتها وخصائصها, وأبرع حذقًا في التعبير عنها, وتقوم كل أهميتهم باتصالهم المتين بالفكر الشامل الدائم الإبداع, وكأن قلب الإنسانية العظيم ينبض الوقت بعد الوقت في قلوبهم الصغيرة, فيظلُّ صدى نبضاته مترددًا في صرير أقلامهم. لذلك كانوا مازجين دماءَهم بدماءِ الأنام, خالطين أنفاسهم بأنفاس بني الإنسان أجمعين, شاعرين مع مراتب الخليقة بأسرها بالحاجة والتعاون, والتوحد والتغاير, والحزن, والبكاء, والسمو والحقارة, بل شاعرين باقتدار الكون وعجزه المتتابع في كيانهم, ولذلك كانوا أنفع من الجنود وأحسن عائدة.

السيف قاهر معاقب, أما الفكر فمثقف ملطف. السيف يغزو الممالك داحرًا كتائب وجحافل, ويشهر الحروب واضعًا بين الإنسان والإنسان جدران حقدٍ كثيفة; أما الفكر فلسيفهِ خفة الهواء, ولطف النسيم, وهول الصواعق! وبذلك السيف الذي يُدعى (القلم) يُشهر الفكر حربه المجيدة, حرب الفرد على الجمهور, حرب الروح على المادة, حرب الحكمة على الزهو, حرب الحصافة على الغرور, حرب العدل على الطغيان, حرب الكرامة على التطفل, حرب الحقّ والواجب على التهجم والخمول, بل حرب العمل والصلاح السائرة بالإنسان نحو صروح الارتقاء والضياء.

بالقلم الذي هو أداة البيان, وبالقلم وحده, يبرز كل شعب آدابه أي عصير روحه, وهو عصير جزءٍ من روح الإنسانية, يتنبّه لنفسه باتصاله بقلب الإنسانية وفكرها, فيلفتنا إلى أنفسنا, وما كمن فيها من قوة إذ يصلنا بفكر الإنسانية وقلبها, لأن كلَّ نفس فردية قيثارةٌ ذات أوتار تجاوب كلَّ قرار, وتهتز لتعزف متعاونة مع جوق النفوس المهيب. فإن كان ثمة مشاهد بهاءٍ خفيت علينا, أو أناشيد طرب لم تطرق سمعنا, أو لجج إحساس لم نذهب في غورها, ما فتحنا إدراكنا للتأثيرات الآتية من الغرباء, أفرادًا كانوا أم جماعات, إلاّ اتسع الأُفق أمامنا, فأقبلنا على اكتناه معاني الحياة, ودنونا من خفايا السناء ومكنونات القوى. وليس أقدر في التقريب بين الشعوب من الإلمام بألسنتها, فنصير كأننا هي أيضًا بعد أنْ كنا نحن فحسبُ. وبهذا الازدواج أو التضاعف تزدوج أو تتضاعف منا الخبرة والفطانة والإدراك; وإلا فقل إننا نتسع فهمًا, ونكبر روحًا, ونسمو مطالب, لأننا أصبحنا جماعة في واحد. ألم يقل الشاعر العربي: إن كل لسان بالحقيقة إنسان?

نعم; إذا عرف امرؤٌ لغة شعب تلاشى في نظره ما يحيط بذلك الشعب من غرابة وإبهام, وكلما تقدم في تفهم الآخرين انجلي له تشابه النفوس للنفوس, وعثر على ما بين الناس من نسب الحاجات والنزعات والآلام والمسرّات, إذْ ذاك يعلم أنّ الإنسانية واحدة في كل زمان ومكان. ورغم الفروق والحواجز والعادات والاصطلاحات, ورغم اختلاف اللغة وتقاتل المطامع لا تلبث أنْ تظهر له بالتدريج أخوّة الإنسان للإنسان

من كتاب (كلمات وإشارات), 1922

 

 

المواكب

 

اقترحت عليّ مجلة (الهلال) كتابة فصلٍ عن (المواكب) وإنى لأجدُ مشقةً في تلبيةِ كلَّ اقتراح لأنه يذكِّرني نوعًا بالفروض المدرسية التي يقيَّد التلاميذ بموضوعاتها المعيَّنة, وإن لم يكونوا بالأفكار وبأسلوب إيرادها, مقيَّدين. ومؤلف (المواكب) من الكتَّاب الذين أفضِّل على البحثِ في مواهبهم الوقوفَ على رأى الغير فيهم, مؤثرةً على هذا وذاك تصفُّح ما تخطّهُ أقلامهم.

- ما في مقدوري لا يتعدّى الاغتباط بالنظر إلى المعاني وإِلي كيفية التصرّف بها, كأحد غواة الفن Amateur. على أن هذا النظر البسيط لا يتفق مع نظر الآخرين إِلاَّ إلى حدٍّ يصبحُ عندهُ مخالفًا لرأي كل من عرفوا جبران خليل جبران مفكرًا. وكأني بهؤلاء قد أقاموا عنهم نائبًا ينطق بلسانهم في شخص نسيب أفندي عريضه الذي وضع (للمواكب) مقدمة دلّت على ما عنده من فكرٍ دقيق وفؤادٍ طروب.

فنسيب أفندي يخبرنا بأن مؤلف (المواكب) كان متمرِّداً في كل حياته الكتابية; (يعرف ذلك من طالع كتبه وأهمها (الأرواح المتمرّدة) و(الأجنحة المتكسرة); فهو يقفُ وأبطاله وبطلاته متمردين لا على عدوٍّ ظاهرٍ حقير بل على الحياة نفسها). لم أفهم جيدًا ماذا يقصد بالتمرُّد (على الحياة نفسها). وأي حياةٍ هي (نفس الحياة) في نظر صاحب المقدمة? أحياةُ المدنيةِ التي يعبدها جبران أفندي وإِن أزعجه ما فيها من سخافة, وهو لا يشبعها هجوًا وتقريعًا إِلاّ لأنه يعبدها? أم حياة الطبيعة التي يؤلِّهها هذا اللبناني الذي جعل وادي قاديشا في نفسه اندفاع مياههِ وجلال الغابة التاريخية القائمة في جوارهِ?

حسنٌ جدّاً.

إِذن نحن أمام رجل متمرد على أنظمة البشر. ومن جهة أخرى تراه يدافع عنها مفسرًا ما فيها من لبس وإشكال, مقررًا أنها أعراض ضرورية للسير نحو الجوهر المطلق, وهو واثق بذلك إلى حدِّ الارتياب في زوال هذه المدنية. فيقول قد (تكون المدنية الحاضرة عرضًا زائلاً).

إِنها عرضٌ زائل بلا (قد) وبلا ريب, لأنّ كل مُقبلٍ يسير إِلي الإدبار, وكل صرح يُدركهُ الخراب ليشاد غيرهُ على أنقاضهِ, وكل مدنية تنهارُ وتتلاشى لتقوم مقامها مدنيةٌ جديدة. (قد), (لو), (هل), (لكن), (لماذا), أهذه هي الكلمات التي ينصبُّ فيها غيظ المتمرّدين?

إِني أراها, على كل حال, متّفقةً تمام الاتفاق مع قول بطل (الأجنحة المتكسرة) عند ذكر الفراق الأخير (أخير في الرواية):

(وكم مرةٍ فكرت منذ تلك الليلة إِلى هذه الساعة بالنواميس النفسية التي جعلت سلمى تختار الموت بدلاً من الحياة. وكم مرة وضعت نبالة التضحية بجانب سعادة المتمردين لأري أيهما أجلّ وأجمل).

لنقفنَّ هنيهةً عند (سعادة المتمردين), فهي نقطة جوهرية. هو متمرد التمرُّدَ اللازم للشعور بتلك (السعادة) المفاجئة الفائضة على النفس إحساسًا جديدًا, وتأثيرًا لم تختبره من ذي قبل, وهزةً عجيبة تنبسطُ لها جوانب الكيان. هو أليف الحماسة مهبط الوحي, التي تطلبُ أبدًا تحريضًا حديثًا يمكِّنها من إِبداع أساليب مجهولة. وكما تتجاوبُ الأصوات والأنغام, وتأتلف الألوان والعطور في هيكل الطبيعة كذلك هي في هيكل الإنسان. ولكنها لا تفطنُ لها إِلا الأعصاب التي دوزنها التوتُّر والتيقُّظ, أعصابُ الشعراء والفنانين, لا سيما إِذا كانوا من الرمزيين. وجبران أفندي مع ما يرمي إِليه دوامًا من إِصلاح محسوس, ومع ما يبقي عليه من الحصافة والرزانة حتى في أوسع شوارده الشعرية, كثيرًا ما تراه في حالة الانجذاب لا يدرى أهو يستنشق الألحان, أو يسمع الألوان, أو يرقد على حزمة من متجمِّعات الأشعة, فينشد:

هل تحـممت بعطـر  وتنشقـت بنـور 

وشربت الفجر خمرا  في كؤوس من أثير 

فكيف لا يبحث مثل هذا المزاج عن خبرات غير مألوفة? وأي شيء أطرب للفنان من الضرب على اليد القوية التي سنَّت قوانينَ الاجتماع واصطلاحاته, لا سيما إِذا قاومت إحدى رغباته, أو قاسي بسببها العذاب يومًا? هل تألَّم مؤلف (المواكب) من تلك القيود? إنه تألم من بعضها, بلا شك, بفكره وبقلبه وبكبريائه. تألم شديدًا حتى بلغ الدرجة الابتدائية من سلم الحكمة حيث يتعلم المرء الجرأة والخروج على ما يعذِّبه. ولكن هذه القيود ضرورية له ميدانًا تبرز فيه قوَّته ويمرِّن عليها مجهوداته, فهو لا يُبدلها بألف حريةٍ معًا, إنه في حاجة إِلي ما تقدمه إِليه من ضغط ومقاومة يصيبان منه خفايا النفس فينبثق في جوانبها ينبوع الوحي والإلهام.

نشوة الأحلام, نشوة الوحي, إِن هذا الفنان ليستخدم كل شيءٍ للحصول عليها, يستخدم حتى أشرف العواطف وأرفعها حيث يقول:

والحب في الروح لا في الجسم نعرفه  كالخمر للوحي لا للسكر ينعصر 

وما نشوة الوحي, ونشوة العاطفة, ومجد الفكر والعمل المتقن إِلاّ سبل مؤدية إِلي تلك الكعبة التي ما برحت الإنسانية سائرة نحوها منذ فجر الوجود, والتي يحنُّ إِليها الشاعر ويُحسن التعبير عنها أكثر من غيره, ألا وهي السعادة. هو يحدّق في موكب السعادة حينًا فتعود إِليه ذكرى كل ما حسبه سعادة في الماضي, فيقلب شفته لما أبقت له من مرارة ومللٍ ويرسل هذه الحكمة الرائعة:

وما السعادة في الدنيا سوى شبح  يرجى فإن صار جسما مله البشر  

لم يسعد الناس إلا في تشوقهم  إلى المنيع فإن صاروا به فتروا 

فى (المواكب) كما في (المجنون) أكاد أتبيّن تأثير نيتشه, وإِن كانت بسمة التهكم الفني الدقيق التي نراها عند جبران أفندي لن تشبه أبدا ضحكة نيتشه ذات الجلبة الضخمة المزعجة. إن الشاعر السوري فنّان في كل شيء ونظرة واحدة إِلي كتاب (المواكب) تكفي لتعرُّف ما عنده من ذوقٍ بسيط أنيق. ولا تقيم المرارة لديه طويلاً لأنه يعود إِلي ذكر الطبيعة وحبها, وينشد مطربًا حزنه ولهفه بغُنْيَةٍ عذبة:

ليس حزن النفس إلا  ظل وهم لا يدوم 

وغيوم النفس تبدو  من ثناياها النجوم 

ولكني أود أن أضيف مغالطة أخرى, وهي هذه: أعتقد أن ذاتية الكاتب لم تدرك بعد استعدادها الأقصى ولم تقف إِلي الآن على ذروة اقتدارها, سواء في التصوير والكتابة ما زال جبران أفندي خليل جبران متسلقًا كتف الجبل الذي قيدته الأقدار بالتصعد عليه. وسيتابع الصعود (متمردًا), ما دام كلفًا بهذا النعت, وراء ستار الهجو والتهكم بالرموز والأمثال, ولكنه سيصل يومًا إِلي القمة فنسمع منه عندئذ أجمل أنغامه, ونلمح أسمى هيئة من نفسه الغنية السنية التي تسطع في أرجائها الأضواء وترعى في جوانبها الأظلال.

قلت (الأظلال) وأعني تلك الأظلال التي (تبدو من ثناياها النجوم) كما يبدو معنى الامتثال والاستسلام من خلال ضجيج التمرد والعصيان

 مجلة (الهلال), يوليه / تموز 1919

 

 

 

وصف غرفة في مكتبة

 

 

ليست الجامعة منهل علم لطلبتها فحسبُ, بل هي مهبط وحي لي حين إبلغها قبل ابتداء الدرس الذي أبتغي حضوره بدقائق أقضيها منتظرة متأملة.

فكم من فكر إنساني ما يحيط بي من آثار الحياة! وكم من تأمل التقط موضوعه نظرى بين وريقات شجرة خضراء تتمايلُ أمام النافذة! وكم من حلم لمحت خطوطه مرسومة في جوّ قاعة الدرس وألوانه متخللة خيوط الأشعة المطلة علينا! أفكار وتأملات وأحلام رفرفتْ عليَّ حينًا وغنَّت في نفسي كالأطيار, ثم فتحت جناحها الذهبي ساعة جاء الدرس ينبهي - فتحت جناحها وانطلقت تعدو إلى آفاق قصيّة أجهلها وأحبها لأن لي فيها أطيارًا خياليّة.

أنا الآن في غرفة صغيرة تابعة لمكتبة الجامعة, وليس في هذه الغرفة من الكتب إِلاّ ثلاثة أجهل اسمها ولغتها لأنها خفيت تحت كتاب رابع من تأليف مارمونتل. وهذا أديب فرنسوي لم يتفوق في موضوع من الموضوعات الكثيرة التي عالجها, بل اكتفى بالإجادة فيها جميعًا إِجادة معتدلة, تاركًا البراعة والتفوق لأستاذيهما الكبيرين: فولتر وروسو. روسو الذي حاول تكوين مجتمع جديد بقلمه القادر البليغ وملأ العالم ندبًا ورثاء. وفولتر الذي كافح القيود الدهرية برأس قلمه الرشيق النافذ كالسهم إلى أعماق الأفكار, وبابتسامته الخالدة التي يرى فيها أتباعُه فجرَ الحرية المنبثق من ليل العبودية الأليل.

إن للأمكنة أرواحًا, وفي هذه الغرفة الصغيرة روح تناجيني وسرٌّ أطمع في اجتلاء غوامضه. كلّ ما يحيطُ بنا في الحياة سرٌّ ولغزٌ لكنَّ حواسنا المثقلة بأحمال المادة تحجبُ عنا الأنوار, فلا نرى للأشياء وجودًا ولا ندركُ لها حقيقة إِلاّ بقدر ما تنفقُ معانيها مع أطماعنا وشواغلنا.

كلما رأيتنى وحدي في هذه الغرفة شعرتُ بأن في جوّها روحًا. أهي مجموع أرواح النوابغ الحاضرين بنا برسومهم وبخيالات الأفكار المطلة من أحداقهم?

نهضتُ أمشي في الغرفة, أمشي وأفكر. وراء الطاولة التي أكتبُ عليها صورةُ سفينةٍ ركبت من البحر جواداً حرونًا وسارت تقطعُ الأمواج الكبار بقوةٍ وثبات. وتحت السفينة إطار حوى ورقة ممزقة وفيها بعض السطور الهيرغليفية.

الكتابة الهيرغليفية قرب الباخرة! إن جوار هذين الرسمين لرمزيٌّ: السفينة فينيقيا والخط الهيرغليفي مصر.

فينيقيا ومصر!

المدنيتان القديمتان اللتان بزغت منهما مدنيّاتنا الحديثة وانحدرت من ذراريهما تواريخ ذرارينا! ترى هل وقفنا على جميع ما فيهما من الأسرار وعرفنا كل ما كان عندهما من علم وفن ومقدرة وسلطان? أم نحن في ذلك مدّعون دعوانا في سائر أقسام المعرفة?

قبل أن يكتشف كولمبس القارة الأمريكية بقرون طويلات كانت سفن الفينيقيين تضربُ في البحر طولاً وعرضًا وقد عيّن التاريخ خطوط رحلاتها, ولكن أيُّ شيء أجهل من العلم إِن لم يكن التاريخ? ومن يدرينا ما إِذا كانت اليد التي شادت الأهرام وأقامت الهياكل المتراكمة اليوم بقاياها على رمال النيل, هي غير اليد التي أوجدت هياكل, تُري الآن أنقاضها في أواسط أمريكا, ونحتت ما عثر عليه لورد دوفرن من مسلات مصرية ونقوش شرقية في كولمبيا البريطانية?

والتليفون الذي أراه في زاوية الغرفة على مقربة من الكرة الأرضية أهو اختراع هذا العصر فحسبُ? ألم تكن من نوعه الآلة التي يقال إنها كانت مستعملة عند كهنة إِيزيس وأوزريس لمخاطبة كهنة الهياكل الأخرى من أقصى البلاد إِلي أقصاها خلال الاحتفالات السنوية الكبرى والاجتماعات الدينية? ولماذا لا يقوى العلم الحديث على استخراج الأرجوان من الأصداف كما كان يفعل الفينيقيون? لماذا لا يُخرج لنا ألوانًا ثابتة لا تنفض نضارتها كألوان هياكل الأقصر?

أكان أجدادنا جاهلين أم نحن لهم ظالمون? أم كل الفرق في أن العلم كان عندهم محصورًا ضمن الأقلية المنتخبة وقد أصبح في زماننا (حصة من جدَّ اعتزامًا)?

ولكن لنتابعن سيرنا في الغرفة:

في منتصف الجدار إِلي اليمين صورة هوغو في شيخوخته ويده تحمل جبهته المثقلة بالأفكار العظيمة. كأنما هو في جلوسه يناجى الأجيال قائلاً: ها أنا ذا! أنا هوغو الذي أنالته الحياة مجدًا وثروة وحبّا. أنا ذاك الذي شاخ في المنفى فكان سعيدًا في الشقاء. أنا ذاك الذي بحث عن نوابغ الماضي ودوّن أسماءهم تاركًا بعدها مكانًا واسعًا لاسم جديد. والاسم الذي أعني إِنما هو اسم الرجل الجالس هنا حاملاً على يده جبهته المثقلة بالأفكار العظيمة: فيكتور هوغو!

وإِلي شمال هوغو أرى الفيلسوف الرياضي ديكارت الذي قال فولتير في وصفه إنه جعل العميان يبصرون, إِذ بيَّن للقرن السابع عشر أغلاط القرون الخاليات وجعل شعاره هذه الجملة: (لتبلغ الحقيقة يجب أن تنسي مرة في حياتك جميع الآراء والاعتقادات التي شببتَ عليها, ثم تقيم أسسًا جديدة لآراء واعتقادات شخصية).

إِلي شمال ديكارت أرى بوسويه أسقف (موو). ترى بأي شيء يسرُّ ديكارت إِلى بوسويه في ساعات الوحدة? وبماذا يجيب الأسقف الكاثوليكي? ليت لي من سبيل إِلي التجرد من جسدي حينًا لأسمع محاوراتهما ولو مرة واحدة, ولأعلم كيف يتناقش العلم والدين في عالم الأرواح.

على يمين هوغو موليير الشاعر الفذُّ الذي ملأ رواياته, وراء لهجة الاستخفاف والظرف والتنكيت, انتقادات اجتماعية وعلمية ودينية, وعلَّم أهل زمانه الضحك من أنفسهم غير متذمرين.

وعلى يمين موليير وجهٌ نحيف جذاب. من هذا? لو نسي مصوّرك كتابة اسمك تحت رسمك, لو دُرِسَتْ آثار فكرك وعلمك وانتقادك وطمسَ الزمان كل ما أيده قلمك, لو أكلتْ النار وجهك غير مبقية إِلاّ على شفتيك لعرفتك يا فولتير! يا لفمك من فم هائل في كلامه, هائل في بسمته, هائل في سكوته حتى في سكوت الصور!

تحت هوغو إِطار ذو رسمين يمثل أحدهما راسين والآخر بوالو. ولو أنصفت الجامعة لوضعت راسين فوق هوغو وأقصت النَّظام بوالو عن الشاعرين, لكني أفهم أن صورة هوغو عندها أكبر من صورة راسين. كذلك تسير مواكب الحياة! فكثيرًا ما يقطن الأكبر تحت الكبير ويقف الأحسن دون الحسن, ولكلٍّ أن يرضي بما قُسم له لأن الزمان شاء ومشيئته لا تتغير!

من زاوية فولتير إلى الباب تمتدُّ مكتبة صغيرة خالية مما وُجدت له, تتجلى فوقها صورة امرأة عظيمة: مدام ده سفينيه! كم تسرني رؤية هذه المرأة قرب هؤلاء الرجال! كأن وجودها هنا عنوان اهتمام الجامعة بالفتيان والفتيات على السواء, كأن صورتها على هذا الجدار صوت يستحث الفكر النسائي قائلاً: إِلي الأمام!

على الجدار المقابل لجدار فولتير صورة فنيلون (أسقف كمبرى) مؤلف كتاب (تليماك) المفعم بالانتقاد الدقيق الخفي لحكومة لويس الرابع عشر وللملك العظيم نفسه. وإِلي جانبه معاصره الشهير كورنيل واضع الروايات البديعات اللائى ما برحن ميدانًا, فيه الحب والواجب يتنازعان.

وعند الباب هيكل عظام بشري إِلاّ أنه صُنع من خشب الجوز أو من خشب آخر دُهن بهذا اللون. كل ما هنا يساعد ما في جوارهِ لجعل هذه الغرفة كبيرة في صغرها, عظيمة في سذاجتها.

صدق القائل إن للغرف أرواحًا...

أحب روح هذه الغرفة الممزوجة من أرواحٍ شتى!

لو تكلَّمت الجدران لكانت أتمَّ منكما بلاغةً وأعمق تأثيرًا!

من كتاب ( سوانح فتاة ) , 1922

 

أضيفت في 25/05/2005/ خاص القصة السورية

 

كيفية المشاركة

 

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية