الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | معلومات النشر | من نحن | كلمة العدد

 دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 07/06/2008

إلى صفحة الكاتب

رواية

سرادق الحلم والفجيعة

       

 

 

 

 

 

 

 

سرادق الحلم والفجيعة

 بقلم الكاتب: عز الدين جلاوجـي

 

 

سرادق الحلم والفجيعة (رواية)

 

فاتحة

الهوى مركبي ...   والهدى مطلبي ... فلا أنا أنزل عن مركبي ...  ولا أنا أصل إلى مطلبي ... أنا بينهما مأخوذ عن حقيقة الخبر بتمويه العبارة …

أبو حيان التوحيدي

 

الخاتمة

ومازالت الأجيال المتعاقبة تبحث عن قمة الجودي حيث رست السفينة…لكنهم لم يعثروا عليها أبدا رغم كثرة الفرق الأثرية المتخصصة من أرقى جامعات العالم.

ومازال الرواة والمؤرخون يجمعون الأدلة والبراهين للوصول إلى الحقيقة التي آلت إليها المدينة المومس ولم يصلوا إلى نتيجة بعد.

هل اكتسح الطوفان المدينة ومن فيها؟

هل نجا شاهد هذه الأحداث ومن كان معه في السفينة من ذلك؟؟

أو ربما لم يحدث طوفان أصلا…ولم تمخر السفينة عباب البحر وبقيت المدينة المومس كما هي.

ربما…ولكن أين ذهب الشاهد والشيخ المجذوب والهدهد وسنان الرمح؟ وهل وجد الشاهد حبيبته نون التي قضى عمره يبحث عنها؟

غير أن الملك شهريار أذاع يقينا أن ما حدث إن هو إلا أساطير الأولين ابتدعتها شهرزاد وعجائز المدينة الماكرات…إن كيدهن لعظيم.

 

(1)

 

أنا والمدينة

 

الغربة ملح أجاج …

وحدي أنا والمدينة …

ثكلت الهوى… ثكلت السكينة …

لا ورد ينمو هاهنا… لا قمر… لا حبيبة …

لا دفء  في القلب الحزينْ …

لا ولا شوق… ولا غيث… ولا حلم أمينْ …

لا حب يبلسم من حبة القلب الأنينْ …

وحدي أنا والظلام …

وجدران تهاوت على القلب المعنىَّ …

وغبار تثاءب يغتال من جواي السلام …

وحدي أنا والمدينة …

ثكلت الهوى…ثكلت السكينة …

أجري…أعدو…ألهث…أختفي خلف شجرة شمطاء تترمد… تذروها الرياح…

خلفي تجري الثعالب…الثعالب تجري خلفي…تجري خلفي  الثعالب… أعدو… ألهث… أتسلق منارة… تتعالى أنفاسي...    تتطاول… ألهث...   التهم السلم… تسيخ المنارة… تغوص… تزدردها الأرض… أنتعل التراب… أجري… أجري… أعدو… ألعن زيف الأشياء… أتمدد… أختفي خلف رصيف يكاد لا يبين.

تقهقه المدينة العاهرة في سمعي… تتهادى أمام بصري في ثوبها الشفاف… يتصافح ثدياها… شكوتاها… تضرب على الأرض بكعبها…تدندن أغنيتها المفضلة.

تبتعد عني وأنا أتأملها حزينا باكيا…تجري خلفها الثعالب… الثعالب خلفها تجري… خلفها تجري الثعالب… أتململ… أضغط نفسي مرتجفا… وأنا أراها تغوص جميعا في أحشائها… في أحشائها تغوص جميعا.

أيتها المدينة المومس…

إلى متى تفتحين ذراعيك للبلهاء…؟؟

إلى متى تُرضعين الحمقى والأغبياء…؟؟

إلى متى أيتها المدينة تمارسين العهر جهارا دون حياء..؟

إلى متى تعرش فوق مفاتنك الطحالب…الفئران… والخنافس… تعلي قصورا...   ؟؟

يـــا… أيتها المدينة المومس…!!

إلى متى تطاردني الثعالب المشردة…تعدو خلفي عند كل منعطف…عند كل زاوية…عند كل موقف…هاهم إني أراهم يأتون من هناك…يضحكون…يعوون…يعدون…يلهثون…

وأنا…وحدي والمدينة…

مدينتي بقايا الآسن بجوف الغدير …

مدينتي مبغًى كبير ...  

وأنا الغريب…أجرع الفزع المرير …

أنا الغريب أيها الغرباء…السعداء…التعساء …

المشردون…الممزقون…البلهاء …

يا غرباء* الأرض اتحدوا …

يا غرباء الأرض اتحدوا …

 

الفأر والحصاة

من بالوعة القاذورات يخرج فأر أغبر يمشي الخيلاء…يبصر قطا متكورا على نفسه…يضحك الفأر ضحكة هستيرية… يجري خلفه…يفزع القط يندفع فارا تتناثر أعضاؤه هنا وهناك…يهتف العجاج عاليا لبطولة الفأر… يرتجف قلبي كبندول الساعة…أفتح فمي إلى آخر نقطة ممكنة…أحس بشهوة الصياح والصراخ والعويل…على عجل تتحرك حصى كانت ترقب المشهد عند سفح الرصيف…تقفز في فمي وتستقر تحت لساني…أحاول طردها بكل قواي ولكن لا مندوحة لقد تشبثت علقةً.

حملت جسدي المتعب وقمت من مكاني صمتا أتجرع مرارة الحصاة…والفأر…والقط…والرصيف…وبالوعة القاذورات… وعهر مدينتي البغي.

 

القوال والعناكب

دخلت مقهانا* الشعبية…دخان يصاعد من الزاوية يغازل أنوف المكومين معتقدا أنها مداخن.

السقف ملعب تمارس فيه العناكب هواياتها المفضلة…أجساد متهالكة هنا وهناك كرؤوس ماشية منحورة.

لم يثر ذلك في نفسي شيئا جديدا قد غدت هذه المناظر المقرفة روتينية تزرع الكوابيس حتى في أحلام يقظتي.

وسطهم كان يقف القوال يوقع على بنديره إيقاعات تشبه إلى حد بعيد لا شيء.

ثرثر بكلمات لم أفهم منها شيئا لأنها لا تعني في الحقيقة شيئا...    ضحك الجميع دموعا ثم بكوا قهقهات…ثم بكوا... ثم قهقهوا… ثم ندبوا… مد بنديره إليهم مرره على كل واحد منهم…ملأوه له نقودا.

حين حركوا جيوبهم… تبخرت رائحة العفن…إن المدينة تصب قاذوراتها فيهم… أقصد أنهم لم يشاؤوا تضييع الوقت والمال لإقامة قنوات لصرف القاذورات فحملوها في جيوبهم وحتى في أنوفهم وأفواههم وعبر كل فتحاتهم.

تمنيت لو لم أدخل أصلا إلى هذا المكان القذر غير أني لم أتحرك والمدينة المومس تتهادى أمامي في ثوبها الشفاف يتصافح...   ثدياها… وطبتاها…وتتعالى ضحكتها الهستيرية.

غنطستهم جميعا…عجلوا إليها سراعا... التصقوا بكل تضاريسها حلزونات مختلفة الأشكال والأنواع.

لم أعبأ بهم…اقتربت مني مدت أصابعها شبقية مرتجفة… كأصابع العاهرة العاشقة…اقشعر بدني…قمت من مكاني… انزويت إلى طاولة نخر السوس عظامها…لقد قررت أن أكتب رسالة لحبيبتي نون* التي لم أرها منذ أمد بعيد…حبيبتي التي لم ترد على رسائلي قط.

 

(2)

قبحون

 

وأذن فيهم مؤذن الغراب فهرعوا ملبين ينسلون من كل فج عميق…عميق…من تحت الأرصفة…من عمق البالوعات…من طمي المبولة البوالة…من تشققات الجدران الخربة…وتكأكأوا عليه كبة…وحملته جماعة فوق الأكتاف وما كاد يعلو فوقَ فوقَ حتى تدثر الجميعُ صمتا ونصبوا آذانهم سمعا…إنصاتا… طاعة…كأنهم في حضرة إله جبار…قهار… دمار… مكار.

جال الغراب بنوافذه فوق الرؤوس…تأمل المبولة تفغر فاها ضاحكة في بلاهة…تأمل جدار السجن يعلو شامخا… تتناهى من خلفه أنات مبهمات... عاد إلى نفسه… اعتدل في جلسته… تنحنح… صاح لعن أقصد نعل بحةً…

-عاش الغراب سيدنا في الأرض والتراب.     

ولهج الجميع خلفه مرددين العبارة واستمروا دون أن يسكتوا حتى بحت أصواتهم وتسايل عرقهم نتنا وانتشى الغراب فمد رجليه الأعوجين، ومد قامته إلى الخلف مستندا ذراعيه وقد رسمت الكبرياء على وجهه لوحة مشوهة… وحين شرنقه الغبار وتسلل فاتحا مناخيره أشار بمخالبه أن اسكتوا وكأنما قطع عنهم الكهرباء فسكتوا دفعة واحدة.

تمطط… تثاءب… وقال:

- لقد جمعتكم اليوم لننجز أعظم معجزة الدنيا…أعظم مفخرة الكون…لا بد لهذه المدينة يــا…من إله جبار… يحفظ الديار…ويرد الأشرار…ويحمينا من العار والشنار.

والتهبت الأكف تصفيقا...  وتدفقت الحناجر هتافا…وأقبلت المدينة من بعيد وقد اختلط عليها البكاء والضحك… ولوحت للغراب بيديها، فرد عليها التحية وقال:

-هاهي مدينتكم قد حضرت فحيوها.

واضطرمت الأيدي والحناجر ثانية تصفيقا… هتافا… وقبل أن تخبوا قاطعها مواصلا:

- وهل هناك أعظم من إله نصنعه بأيدينا… ننحته بأظفارنا… ننفخ فيه من أرواحنا؟؟؟ولقد سماه لعن السارمي ولكني استقبحت هذا الاسم الشنيع، واخترت له اسما رائعا… إنه قبحون…قبحون العظيم…

وتسعر الخواء عواء عَمَهًا… طنينا فارضا… فرحا صابئا… وأطل عليهم رهط يحملون هيكلا من خشب مسندة… نصبوه أمام المبوله فهرع إليه الجميع يغرفون من طمي المبولة ويلصقون بالهيكل، وماهي إلا ساعات حتى كان النصب شامخا…إلها جسدا له أنين…نعيق… جئير…

قال أحدهم:

-لن نبرح عليه عاكفين…

وقال ثان:

-هذا إلهكم وإله آبائكم الأولين…

وقال الغراب:

-وعجلت إليك إلهي لترضى…

وخر إلى الأذقان يجأر فخروا معه ساجدين جائرين…ولهج بالوِرد* المورود فلهجوا خلفه مريدين.

سوْحب … سوْحب…

ربي ورب الغراب والرنس والغيهب…

رب اللظام واللكام والشيهب…

سوحب … سوحب…

رب الجفاء والجفاف… 

رب العجاف والرجاف …

سوحب … سوحب …

رب الشطاع واللعاع …

رب الضحيح والاترياع …

سوحب … سوحب …

 

(3)

في حضرته

 

دققت الباب الخشبي الثقيل بيدين مرتجفتين…أز أزيزا خافتا يشبه إلى حد بعيد أنين المريض المنهك…مددت قدمي اليمنى في جوف الدار…وضعتها على الأرضية ببطء شديد أردفت الأخرى وأنا أمد نظري إليه.

هو كل شيء يزين العمامة والجبة واللحية والدار أيضا لم يلحظ حضوري … لا أستغفر الله العظيم لقد رآني ظاهرا وباطنا بعمق دون أن يرفع بصره…لا أستغفر الله العظيم هو لا يرفع بصره لأنه لا يرى بزجاج النوافذ التي نلصقها نحن في مقدمة الرأس.

لم أنطق بكلمة واحدة...  ولابنصفها…ولا بربعها...  ولا بأقل من ذلك...  ولا أكثر...  وإن يك مثقال حبة من خردل في فضاء سماواتي أو في أعماق أرضي.

كان يذوب منه الكل في طقوسه وكانت طقوسه تذوب فيه… كان هو هي…وهي هو…هما هما…شيء واحد لا ثاني له…إلا الوحدة إلا اللاشيء…إلا هو حاضر في جبته.

تصَّاعد أفنان البخور…تسْبَح في ملكوت الله…تطقطق النار مسبحة…تحمر وجنتاها...  شفتاها… عيناها...   جيدها...   في جيدها حبل من شفق…يحمر الوجه يتلألأ كتلألؤ اللآلئ.

ارتفع صوته لينبه الغفلة فيك…تجمدت مكانك لا تدري ما تفعل…لا شيء إلا هو وقلبك الذي مازال يدق خافتا، ونفَسُك الذي مازال يتسلل بطيئا، ودمك الذي مازال يتسلق عروقك…كل ذلك منه. 

وارتجفت جنبات بدني…تهرأ جسدي…بقي هيكلي العظمي منتصبا وحده دون قطعة واحدة من لحم، ارتعدت عظامي وتمتمت بين أسناني.

في لمح البصر وجدت نفسي أتكوم قربه عاريا إلا من ورقتين أستر بهما عورتي…لم أشأ أن أرفع بصري إلى السقف…كان يئن...   يضج…وهو يردد صدى الكلمات...   اللغة...  اللسان.

نظرت إلى النار والدخان وأنا أقول في قلبي:

- لا علم لنا إلا ما علمتنا.

وسكتُ فجأة…لماذا جئت إلى هذا المكان؟ لماذا كلما تضيق بي السبل أقصده كالعاشق الولهان؟؟ وعم أسأله؟؟ هل أسأله عن غربتي بين الغراب والنعل والأخدان؟ أم أخبره عن قصتي مع حبيبتي نون التي لم ترد على رسائلي؟؟ أم أسأله عن عشق المدينة لي وهيامها بي؟؟

والحقيقة أني جئت أسأله عن المدينة المومس التي ظلت تتهادى أمام بصري في ثوبها الشفاف…يتصافح ثدياها… شكوتاها...  تضرب الأرض بكعبها العالي…تدندن أغنيتها المفضلة.

-ياسيدي … يامولاي ... 

  يامن أوتيت رحمة وعلما…

لم لا تخرج إليها تمنعها عني؟ لقد أصبحت أخشاها… أرهبها…أنا أرى في لحظيها شهيق الشهوة…خوار الشبقية…

ليس لي بها طاقة…أخشى أن تبتلعني…إنها تبتلع الجميع…

كلهم على جسدها المتهدل المتهرئ…يغدون حلزونات لا تحسن إلا التلذذ بالالتصاق…

وأنا أرفض…أكره…أنبذ الالتصاق…

وهي تحب…تهوى…تعشق…تبغي…تريد…تطلب الالتصاق.

أنا وحدي تعشقني…تتعشقني…تغشاني…

هي شيطان…ملعون…مطرود…منبوذ…

هو شكلها…هي شكله…الكل على شكل وشاكلة…لقد تشاكل البقر علينا وإنَّا إن شاء الله لمهتدون.

رفع فيَّ عينين مصباحين دريين…فأضاء حوالي…تحركت شفتاه صبًا يرفرف عندليبا على القلب الظمإ…قال:

-تريد أن تبلغ مجمع البحرين…وقلبك معلق بالحوت…ولبك عاشق للعجل…عد اذبح العجل*…واحي الحوت*… ودون ذلك فلن تسطيع معي صبرا*…

هكذا خلته قال، ولعله لم يقل…هو لغته الصمت… التأمل…وأنَّى لي أن أفهم مالم أحط به خبرا؟               

 

الهبوط

يقال إن أبانا خلق واحدا متفردا استوى على الخير كله ونحن كلنا...  جميعا...  كافة...  عامة...  قاطبة نعيش داخله نسبح في ملكوته...   فكفر بأنعم الله حين انطفأ نوره الداخلي والتهب نوره الخارجي...   تفقد ما حوله فقال مالي لا أرى أنيسا لأكفرن أو أنتحرن أو ليأتيني بأنيس مبين...  وفي لمح البصر نُسخ من أبينا نسخةٌ أحلى وأمر...   ودارت عينا أبينا اليمنى صارت اليسرى واليسرى صارت اليمنى، وتحركت فيه بهيمية الأنعام، وتهاوى في دركات الحضيض...  قلنا اخرج منها إنك من الفانين.

ووجد نفسه عاريا في الخلاء فبكى، لقد فقد الخلد… العرش…الله على العرش استوى...  واستبدل الفرش بالعرش…أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير؟؟ اهبطوا فإن لكم فيها ماسألتم.

انبطحت نسخته على ظهرها فوق رمال تشوي الوجوه ساءت مرتقدا…لقد أدركت أنه يبكي الخلود…خلوده وخلودنا داخله في ملكوته فأوحت إليه أن ابذر داخلي خلودك يخلد…وفي لمح البصر تقيأنا جميعا في جوف نسخته.

 لماذا تتزاحم كل هذه الخواطر في نفسي كلما دخلت عزلة الشيخ؟؟ جئت من أجل أن أشكو إليه همي من المدينة المومس ثم نسيت كل ذلك وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره.

هل أصارحه بما جئت من أجله؟؟ أقصد هل أبوح إليه بالسر؟؟ وهل هو في حاجة إلى البوح لقد رأى كل شيء...  وفهم كل شيء...  إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.

ثم خرجت دون أن أنبس نبسة واحدة ولا أقل من ذلك ولا أكثر…

 

(4)

الكابوس الجميل

 

إرهاق فضيع يقطع خلايا جسدي…براكينه تنفجر داخل مخي دبابيس حادة صدئة تنغرز في قدمي المشققتين… عجلت إلى مخدعي…دلفته…ارتميت فوق حصير بال قرضت الفئران جزء كبيرا من أطرافه.

فجأة توهج نور* في المخدع…تعاوى الظلام منهزما يختفي بين فجوات الجدران...  دهشت...  جلست من اتكاءتي… لمحته يقف بين يدي...  مد يمناه…أمسك بتلابيبي…أنهضني غضبا.

هو  : أين هي؟ أين ذهبت؟ أين ضيعتموها؟

تدلى قلبي حتى أمعائي هلعا وراح يتأرجح كبندول الساعة… أردت أن أسأله من هو؟ وعمن يبحث؟ غير أني لم أستطع…لقد انقلب لساني حتى دخل بلعومي…دفعني حتى ضمني الجدار وأعاد سؤاله.

هو  : هكذا تسكتون...  تلجمون حين تواجهون بالحقيقة المرة...  أين هي؟ أين ذهبت؟ ضيعتموها يا أوغاد؟

اشتد غضبه…لحظت حمرة شديدة في عينيه كأنما داهمتهما حمرة الشفق…وما فتئ أن تكسرت أمواج غضبه على شفتيه تاركة زبدا رابيا، يتجمع ثم يندفع نازلا…أعادتني صدمة الخوف إلى وعيي…سألته بحيرة.

أنا:  من أنت سيدي؟

هو: إني أبحث عنها...  هنا كانت... 

أنا: من هي؟

هو: (وقد أطلقني) من هي؟؟ من هي؟؟

ابتعد قليلا واتكأ على صندوق نخر يتهالك قرب الجدار وفي بؤبؤيه دموع حائرة براقة...  شعرت بالتعاطف معه وبشيء من الحميمية... 

أنا:عاشق أنت سيدي؟

هو:عاشق…متيم…تفطر مني الكبد واشتعل القلب حبا…

تذكرت نون حبيبتي…وقفت أمامي خلقا من نور وهِجٍ تحيطها هالة قوزحية…أخرجني من سبحاتي وهو يواصل حديثه.

هو:الحب إكسير الحياة…وحين تفقد من تحب فإنـ..؟!!  ولزم الصمت فجاريته في ذلك ولكني رحت أتأمله...  من التاريخ هو...  من الأسطورة...  ؟ تعالت أمامي قصور دار السلام وروائح ألف ليلة وليلة...  أردت أن أسأله ثم صرفت أمري عن ذلك.

أنا:أنا في الخدمة ياسيدي...  مرني وستجدني طوع أمرك.

هو:(صمتا استهزاءً ابتسامةً خَرجَت نفَساً من أنفه)

أنا:(فهمت) صدقت...  يا…سي...  دي من عشيقتك؟

سكت لحظة يتأمل السقف المتهرئ وكأني به يضطرب تفكيره ويمور مورا.

هو: كل قدرات الإنسان ومواهبه لن تصفها…لن تصورها وإن حدثتك عنها فسأكون خائنا...  والترجمة خيانة…لغتي عاجزة…وذهنك خائر بليد فكلانا ليس مؤهلا لاستيعاب حقيقتها...  كنهها…جوهرها…

ما يحوم حول إدراكها هو موسيقى القلب ولغة الصمت… وهما أرفع لغة…وهما أول خطوة لمحاولة إدراكها وفهمها.

أنا: هبطَت من السماء إذن؟

هو: أجل إذا كانت السماء غير التي تراها فوقك.

هكذا قال…أو هكذا خلته قال…واختفى من أمامي شواظا من نور فتثعبن الظلام من جديد مالئا الحجرة واندفعت إلى الخلف فانكفأت على قفاي فوق الحصير البالي أفرك عيني.

أين ما كنت أرى؟ وأين النور الذي ملأ الحجرة؟؟ قمت من مكاني…شققت الباب الممزق…نظرت خارجا…الظلام المدجج يحاصر كل شيء…والفضاء حاصبٌ مرعب… والهواء قحط…سغب.

عدت إلى مكاني لقد كان كابوسا مرعبا لكنه في الآن ذاته كان جميلا…أجل دون شك ما وقع هو كابوس*.

 

(5)

حبيبتي نون

 

آه مدينتي…

عفوا أقصد آه حبيبتي…لماذا تهرب منا اللحظات الرائعة الجميلة؟

لماذا ينفطر عقد الأحلام بيننا دائما؟

ما الذي صيرك كالهواء أعدو خلفه…أضمه إلى صدري بحرقة ثم أفطن على الفجيعة.

 أو لم تكوني يوما ابتسامة بريئة أرصع بها قلبي المتوهج؟؟

 أو لم تكوني يوما نوارا يملأ الآكام الضاحكة؟؟

أو لم تكوني يوما... موجا... شوقا يدغدغ أعماقي بأوتاره الرنانة؟

وهل تذكرين ياحبيبتي البيضاء ثلجا…العذبة فراتا نيلا… الملساء حجازا…الشامخة سنديانا؟؟

هل تذكرين حين كنا نسير أنا وأنت صامتين أمسك يسراك بحرارة الأوردة وأضغط أصابعك التي تشبه أشعة الشمس…

ولا شيء غير زخات من مطر تتناثر فوق جسدينا كالفرح…

ولا شيء غير الصمت…

لم أتكلم ولم تتكلمي ياحسنائي…غير أني قلت أشياء...  وقلت أكثر…

أوَ ليس الصمت أعظم لغة وأروع حكاية قصها هذا الكون منذ الأزل ومازال يترنم بها لحنا سرمديا...  ؟؟وذلك الذي كتبه بتهوفن للذين يسمعون بغير آذانهم.

حسناء حبيبتي يا لون الفرح والقمح البري…

يا طعم الطفولة والحلم والليمون…

يا قامة الصفصاف وكبرياء السرو…

يا…نسيم البراءة…يابراءة النسيم…

يا...  القوزح…الجوهر…السر…اللب...  العمق...  الكُنه..

ياطعم زخات المطر الليمون…الأريج…الشذا…

هل صدقا لقيتها…؟سبحت في فضائها…؟نشقت أريج الروح منها…؟

لعل الأمر لا يعدو أن يكون حلما جميلا*؟

 

(6)

الخطبة العصماء

 

لم أكن أقدر على المشي إلا متعرجا…ملتويا…مترنحا…قافزا هنا وهناك…كانت الفضلات تملأ الشارع أقصد التجويف… الذراع…الإصبع…وكانت روائح النتانة تتعرش داخل خيشومي مستعرضة عضلاتها…تختار مهطعة كل إحساس لدي…

وصلت إلى مقهانا…مقهاهم بصعوبة شديدة وأنا أحاول أن أمحو كل ما علق بذاكرتي من صور…كوابيس غير صورة حبيبتي نون.

عند المدخل اعترضت المدينة طريقي في ثوبها الشفاف يتصافح ثدياها…شكوتاها...  تضرب الأرض بكعبها العالي وتدندن أغنيتها المفضلة.

دفعتها عني بعيدا ودلفت على عجل استطلع الصخب الذي كان يملأ التجويف من الداخل وقد تعالى الدخان وشكل غواشي كثيفة غطت السقف كله، ومن خلاله راحت بعض العناكب تتأرجح في خيوطها مادة رقابها تشهد الحدث التاريخي العظيم.

لقد قرر الجميع تشكيل أحزاب سياسية لينتقلوا بذلك إلى الحياة الديمقراطية تأسيا بالأمم المتحضرة.

كان الجميع سكونا إلا من همهمات…ورمرمات… ودمدمات… وزمزمات… تزفر غيظا… دخانا.

خمسة أحزاب كبرى تشكلت حتى الآن وست مئة أخرى في فلك يسبحون…تابعين فما هم إلا تبع…لا أقصد قوم تبع باليمن وقيلهم سيف بن ذي يزن وإنما هم تبابعة محدثون…حداثيون ظهروا الآن في مدينتي.

وكان الغراب على رأس أكبر حزب في المقهى كلها سماه حزب جماهير الديمقراطيات الشعبيات*…وبعده حزب الحلزونات الشعبي… وحزب دودة الأرض للعدالة والمساواة وحزب…

لست أدري لم تعد ذاكرتي قادرة على استيعاب كل هذه المعارف.

أنهى الغراب خطبته العصماء بقوله:

-…يــا…الأخدان…منقاري خلفكم، ومخالبي أمامكم، وحذري محيط بكم، وليس لكم والله إلا بطني، به تحتمون، وإليه تعودون، وحول كعبته تطوفون…إنه من الغراب، وأنه باسمي العظيم أن آتوني خانعين...  خاضعين...  تائبين...   عابدين...  باخعين…راكعين...  ساجدين...  وإني أرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها...  إن للشيطان طيفا وإن للسلطان سيفا...  والله لو أمرت أحدكم أن يدخل من هذا البلعوم (وفتح فاه) فدخل في غيره لأجزن رأسه.

بيني وبين رقابكم حبل من مسد إن تجذبوه تتدل أرجلكم الصفراء…تبيض أعينكم…تتهاو ألسنتكم في الهواء…أو ترخوه سيروا في الأرض تساقط عليكم رحماتي…رضائي...   وهذا من مبادئ جمهوريتنا العظيمة.

وعلا التصفيق والهتاف، والهرج والمرج، والمكاء والتصدية، وشمر الأخدان سرابيلهم، واختلط الحابل بالنابل، وقامت حرب داحس والغبراء على قدم وساق، ودخلت المدينة المومس تلوك علكتها المفضلة يتهادى شعرها كسفا على أكتافها يوقع ثدياها ركز الفناء، وظل ثوبها شفافا يكشف عن كل شيء.

وجاءت من بعيد مجموعة من العبيد المناكيد يجرون رجلا خلته العبسي* من لحيته وقد نزفت مذاكيره دما.

 

شهوة التحليق والغوص

شهق الغراب شهقة عالية ورفرف في السماء ثم هوى إلى الأرض، ثم حلق في السقف، ثم هوى مرة ثانية، ثم انطلق صوب المدينة المومس فاستقر في سوأتها…دخل كلية إلا رأسه بقي يطل على الجميع ويضحك ضحكات الاستهزاء والسخرية والفرحة العارمة بانهزام العبسي.

وهتف الجميع صوافَّ وقد أزَّتهم مهارة الغراب في الطيران ومهارته في اختراق الحواجز المثغورة…لا أحد يصلح لمضاجعة المدينة والاقتران بها إلا الغراب، ولا أحد يصلح أن ينسل منها إلا الغراب…ورفع الجميع أكف الضراعة أن يُرزق الغراب بولي العهد أملا في استكمال صرح الديمقراطية وحكم الشعب الذي بدأه والده.

لفظت المدينة الغرابَ فسقط تتخبط أوصاله في أوحاله، ويتقيأ دما أسود، وتهادت نحوي ترغي كالبعير لقد اشتد ظمأها… عطشها… سغبها…تسعرت شهوتها…شبقيتها… عشقها، ومدت نحوي أصابعها المعروقة تريد أن تضمني إلى صدرها… اقشعر بدني… ارتجفت أوصالي…ركنت إلى الجدار… اقتربتْ…ركنتُ… اقتربتْ…تكومتُ…ظلّلَت قلبي بظل ذي ثلاث شعب خمطٍ دغيلٍ…لا ظل ولا ظليل…هي الآن قاب قوسين أو أدنى ما كذب الفؤاد مارأى.

انفتح الجدار خرجت إلى الشارع…الزقاق…الخلاء...  كانت المدينة تتمدد عجوزا مجعدة الشعر مغضنة الوجه ساقاها سلكا حديد صدئ…أسندتُ ظهري للجدار وجلست القرفصاء.

 

طقوس المبولة

قابلتني مبولة المدينة تفغر فاها متثائبة وقد سربل السوس كل أسنانها فتهاوت…هي أشبه ما تكون بفم عاهرة متقاعدة أدمنت الخمر والتبغ.

وبجوارها كان السجن يقف شامخ السرادق مزينا بالأسلاك الشائكة…وتناهى إلى مسمعي أنين وعويل وانتحاب…وتراءى لي الدم والدموع والعظام المفرومة والكلاب تنهش الجلد على العظم وتذكرتهم…عسل النحل ونور الشمس وشذا الزهر وسنان الرمح والأسمر ذو العينين العسليتين.

بالمناسبة هذا السجن أعلى سرادقه الغراب…والغراب نسيت أن أحدثكم عنه…هو مخلوق متميز فريد من نوعه نحيف طويل صغير الرأس معروق الأصابع ركبت فيه كل أشكال وأنواع الدمامات… كل من يراه يعترف أن لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر مثله على بال…

ينتعل حذاءه معكوسا وينكمش فتغوص رقبته في صدره حتى تتلاشى…ويظهر رأسه صوانا بكماء وُضعت دون مبالاة على كومة من عظام.

وتناهى إلى سمعي اللحظة صراخ فيه مرح وفرح…هل تسمعون؟ إنها مزامير الأتراح أقصد الأفراح…وظهر الموكب قريبا مني وقد تعالت أصوات المزامير والطبول والقهقهات…كان الغراب يسير في المقدمة يطلق عيارات نارية في الفضاء وخلفه موكب الأخدان الضخم ممن كان في  المقهى ووسطهم كانت تتهادى المدينة المومس في ثوبها الشفاف وقد تصافح ثدياها…شكوتاها…ورفعت عقيرتها تدندن وتزغرد وترقص على صفصفٍ لا أمتَ فيها…

خشيت أن تهاجمني…أنا أعرف شبقيتها…عطشها…سغبها… ظمأها…خرجت من شارعها…زقاقها… خلائها…فجوتها… مصارينها…قابلتني نخلة صلعاء على ريع حزينةً ذابلة تسعل بحدة وتفرز بلغما أسود وقد تهرش جلدها حتى تسايل منه دم أصفر ما يفتأ أن يمتزج بالقار الذي شوه جذعها... وكُبكب على سفحها خمطٌ وجرب غربيب…

اختفيت خلفها أرقب الموكب وقد توقف بين فم المبولة البوالة وسور السجن…مازال الغراب يرقص على رجل واحدة ويطلق البارود في الفضاء محاولا أن يتمطط فيصنع لنفسه رقبة أو ليوهم الرائين أن له رقبة.

وتعاون اثنان فحملا جثة وأوقفاها عند فم المغارة المبولة ثم ربطاها ببقايا أسنانها…كانت الجثة ضخمة معراة إلا مما يستر عورتها.

لم أستطع أن أتبين معالمها…المهم أنها جثة آدمي أبيض البشرة يميل قليلا إلى السمرة لكن لم أتبين جدا ملامح الوجه…كان الرأس منكفئا على الصدر وكان الشعر يتدلى حتى يغطي ملامح العينين.

وطار الغراب فحط على المبولة ورفع رأس الجثة مزيحا عن الوجه قزعات الشعر…لقد عرفته إنه هو نعم هو…لقد جاءوا به مقتولا…جثة هامدة  لا حراك بها إنه المخرب المفسد الخطير هنابال بن رافض…نعم هو أو كأنه هو…في الحقيقة ملامحه غير ثابتة كأنما يحمل ملامح كثير من رجال التاريخ.

المهم أن وكالات الأنباء قد تناقلت مجتمعة أنه هو الذي بذر الحطب بين القلوب وهو الذي شق البحر الأبيض المتوسط ليفصل الكرة الأرضية إلى شمال وجنوب ويرتكب جرم التفريق بين الإخوة والأشقاء…وهو الذي…إلى آخره مما عرفتم وسمعتم…وقد طلبه الأنتربول وفشلت كل الكمائن في اصطياده إلا كمين الغراب.

وتعالت الصيحات وعويل المزامير ونواح الطبول والدفوف وترنح الغراب يرقص بجنون يضرب الأرض بقدميه فيتطاير البول من تحت أقدامه طمياً…حمأً…عفنا على وجوه الجميع سائغا للشاربين.

وتسعرت المدينة فلملمت أطرافها... أزقتها... قذارتها… نتانتها... ودخلت الحلبة ترقص متهرئة اللحم يصفق ثدياها… وطبتاها…طار الغراب فحط على صدرها جِثيا وغرس أسنانه النتنة في ثديها الأيمن…هذه ساعة الرضاعة.

أما الآخرون فقد طوقوا الجثة وأدخلوا فيها مناخيرهم وراحوا يمتصون بين العينين... بين الذراعين... بين الساقين سائغا للشاربين.

سعلت النخلة* وقالت وهي تربت على كتفي بشماريخها اليابسة العجفاء:

- لا تضيع وقتك هباء فتسحت…لا تنشغل عن حبيبة القلب فتثبر…يجب أن تجدها…أنت بينهما مأخوذ عن حقيقة الخبر بتمويه العبارة.

وشهقتْ فخلت روحها أزهقت…

انطفأت الشمس الشاحبة المريضة وجاءت الثعالب تترى من أقصى المدينة تسعى…نظرت حولي لمحت ترابا ممتقع اللون قيحا ولمحت صوانا يسيل لعابها ببلاهة…ما أتفه ذكرياتي في هذه المدينة المومس وخشيت أن تغتالني هذه الذكريات الديناغولة فأغلقت نوافذ ذكرياتي وانسحبت بعيدا أتجرع مرارة الفجيعة.

 

(7)

حي بن يقظان*

 

صمتٌ أصلع يسبت القلب…يشل المدينة المومس…رهط هنا يتبادل تحريك الشفاه…وهز الجوارح…معاشر هناك كالموت بعضهم كبكب على قارعة الطرق يغط في نصف سبات…يستند مدافع رشاشة…بعضهم جثم خاشعا أمام الإله قبحون…بعضهم أقعى يلهث تدور عيونهم الشرسة كأنما ينتظرون شيئا…يرقبون طارئا…وحده القوال يدور…يضرب الطبل… يفتح فاه صائحا مناديا...  كأنما يعلن عن أمر ذي بال…لكن صوته لم يكن يتجاوز حلقه…

تقدمت متوجسا يحصف بي الخوف…يعصف الفضول…لفتت انتباهي لافتات كبيرة عليها إعلان مكتوب بخط رديئ جدا… تأملته…أجهدت نفسي في فك رموزه.

تعلن المدينة المومس (قف) أن (حي بن يقظان) (قف) قد تسلل بين تضاريسها….(قف)

وأن القبض عليه واجب يمليه الوفاء والإخلاص (قف)…

وعجلت إلى الجمع نهما لاستطلاع النبإ العظيم الذي هم له مجتمعون…وما كدت أصل حتى تزوبعوا حولي وملأوا أذني ومنخري ثم أمسكوا بتلابيبي وجروني كالموقوذة…وفي لمح البصر ربطوني بحبال غليظة على ساق الإله قبحون…وخروا إلى الأذقان سجدا تتعالى صيحاتهم وعويلهم لقد تحولوا إلى ذئاب مسعورة…لماذا يفعلون هكذا؟ لعلهم اعتقدوا أنني حي بن يقظان أو لعلهم اعتقدوا أنني من سلالة إلههم قبحون أو…أسئلة حيرى عصفت بدماغي…