الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | قالوا عن الموقع | الرعاية والإعلان | معلومات النشر | كلمة العدد

SyrianStory-القصة السورية

دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

youtube القصة السورية في

facebook القصة السورية في

 Cooliris-تعرف على خدمة

معرض الصور

Rss-تعرف على خدمة

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 09/01/2009

روايات الكاتب: عز الدين جلاوجـي

راس المحنه 1+1=0

إلى صفحة الكاتب

لقراءة الرواية

 

الرواية

البحث عن العش

الخروج إلى التابوت

شرفة أولى

راس المحنة 

قراصنة الأحلام

الحب وعفونة الرصاص

الخروج من التابوت

 

 

راس المحنه 1+1=0

غدونا لذي الأفلاك ألعاب لاعب

  أقول مقالا لست فيه بكــــاذب

    على نطع هذا الكون قد لعبت بــنـا

      وعدنا لصندوق  الفنا بالتعــــــاقب

عمر الخيام

قالت صحرائي

        لا تألف     

          كن الغريب دائما حتى عن نفسك

                      وقل لوجهك في كل فجر

                         كأنني أراه للمرة الأولى

أدونيس

 

الإهداء الأول

إليكِ..

أيتها العين..(ع)

***********

ياسيدة الضياءْ

والأرض والسماء

ياسيدتي

ياشذا الحبَقْ ولون الكستناء

وروح الروح وسر الماء

داياتهم خسئوا

وانبجس الضياء

تيهي على عرش قلبي

وازرعيه خصبا ونماء

واصَّاعدي.. اصَّاعدي

على درجات الفؤاد الموله

مقامك ياسيدتي

في عش السماء

في سدرة المنتهى

عزالدين

الإهداء الثاني

إليكَ..

أيها العين..(ع)

**********

مازلتَ فوق جوادك..

مازال سيفك لم يُثلمْ..

مازال قلبك نابضا لم يُكلم..

وعُداتك لو يدرون حين قتلوك أنك لا تعدم..

وأنك تبزغ من حناجر الطيور..

ومن أكمام الجراح وعيون الصغار وثغور الزهور

ربيعا وبلسمْ

لو يدرون ياسيد الرجال..

لكن القحط لايدري سر البذور..

لايدري أن مكمن الروح الجذور..

لايعلمْ

غدا ياسيد الرجال

    تبزغ في أناملك سوسنات

    ومن عينيك قوزح ويمام وبدور

    غدا تزرع بقلب عُداتك حبا ونورا لا يُظلم.

عزالدين

 

1

شرفة أولـى

 

أنَّى للحب أن يشرق وسحائب الدم مازالت تهدر حوله..؟

كيف يمكن للقلوب أن تعشق وتقتل في الآن ذاته..؟

من يقدر على ارتداء فستان الفرح في أزقة الجماجم..؟

مامعنى أن نحمل وردة وسكينا..؟

إيـه يازمن نانَّا..

إيـه ياعبقها الحلو..

هذا الدرب طويل.. طويل..

تعب الجميع ولم ينته..

ضاعت في منعرجاته نوارس الحب مضمخة بدم الغدر والخيانة..

ها المدينة باهتة بليدة بطعم الغباء..

غبراء بذوق الرماد..

مرة بلون القر.. والحزن.. والانكسار..

عفن يعرش..

موت ينشر أشرعته السوداء..

ذباب يغني في جنباتها..

يشتد أنين البائسين..

الرعب يسكن قلوب البيوت الواطئة الجاثمة كالوباء.. يتغلغل في أوردة الأزقة.. يحدق كالمفجوع عبر كل الجدران..

وحدك يا الجازيه..

أيتها الوشم الرابض على فوهة المدفع..

أيتها الدمعة الحيرى على شفير الوطن..

ياربيع الشهداء..

ياجراحاتهم العبقة بأوسمة الفداء..

وحدك يا الجازيه..

وحدك تذرعين الأزقة المتربة الضيقة..

وحدك تصهلين في مسمع الليل البهيم.. تدكين عروشه.. تمزقين سدوله.. تغتالين همومه..   

وما تستطيعين أن تفعلي؟

جاوزتك الأحداث.. الصنم المعبود غدا أكبر.. تنسل من كل فتحاته شياطين ودراويش..

وهل تقدرين على مقاومة هؤلاء الملايين الذين تفرقوا في كل شبر من المدينة؟

هاهم كالجرذان ينخرون الأسس.. ينخرون الجدران.. يقتلعون الجذور..

كل شيء يموت ياالجازيه.

انطلقي الآن كالمهرة الجموحة المتمردة.. ذياب في انتظارك.. إنه هناك على صهوة الفرس الأبيض.. هناك ينشر بين يديه فستانك الأبيض المضمخ بالحب والكبرياء.. هناك ينتظرك.. ستركبين خلفه وتنطلقين.. تنطلقان إلى..

إلى المنتهى..

              المنتأى..

                      المرتجى..

ولكن لا مندوحة من قَتلهِ.. لابد أن تقتلي هذا الصنم اللعين.. لا بد من تدميره.. لإنقاذ الحارة.. مَن لسكانها غيرك..؟ من للشتلات اليانعات من قر الصقيع..؟

لا تخافي ياالجازيه.. يا أمل الجميع..

الديناغول ليس إلا هيكلا خاويا عمَّا قليل سيخر فتذروه الرياح..

غدا سينعتق المكبلون..

غدا يالجازيه ستشرقين بلون القوزح على حارة الحفرة لتغدو ربوة ذات قرار ومكين..

لتغدو جنتين ذات اليمين وذات الشمال..

امسحي دموعك الزاحفة على ربوة الخد..

ستشرق الشمس فيهما.. ستينع عليهما زيتونتين لاشرقيتين ولاغربيتين يكاد زيتهما يضيء ولو لم تمسسه نار.. نور على نور..

أشرقي أيتها المشكاة.. المشكاة في زجاجة.. الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة..

ألا أيها الليل الطويل ألا انجل..

ألا ارحل..             

ها ذياب يعود.. منير يعود.. عبله الحلوة تعود.. إبراهيم جحا.. عمي الهاشمي.. أبي صالح.. نانَّا علجيه.. أُمَّا عرجونه.. عبدالرحيم.. عميروش.. الشيخ العيفه.. عمار لاكريطة.. أحمد لمطروش.. أم منير.. العيد الضحوي..

كلهم عادوا……

 

2

الخروج إلى التابوت

1

أي سحر يملكه هذا التراب..

تعطيه كل شيء وتحس أنك لم تعطه شيئا..

هذا التراب يعطي بسخاء ولا يأخذ أبدا..

مامعنى حبات العرق التي نذرفها الآن على خده..؟

ومامعنى قطرات الدم التي بذرناها يوما في جوانحه..؟

ألم تسقه الجباه السمر والأوردة الحمر ذلك عبر القرون..؟ أكاد التحم الآن بصيحات الكبار من يوغرطه إلى الأحفاد الذين قضوا منذ عقود قليلة..

لم أعد أحس بالتعب وأنا أمارس طقوس العمل في هذه الأرض.. أكره الليل حين يلقي علينا برنسه الأسود شفقة علي.. جمعت أدوات العمل.. كومتها ناحية ووقفت ممتد القامة..

مسحت كل ما حولي وانطلقت عائدا مملوء بالهواجس..

أكاد أتهجى على صفحات الأرض كل كلمة خططناها هاهنا..

لما خرجت إلى هذه الدنيا أسماني والدي صالح.. على اسم جدي حتى يبقى الاسم حيا متداولا.. ولدت في حضن هذه الرؤوم.. هذه القرية الصغيرة تنام حالمة بريئة كرضيع في حضن جبل جبار.. كل شيء جميل ورائع ليس هناك مكان للنفاق والخديعة ولا للزيف والمكر.. كسرة الشعير وطاس اللبن كانا طعامنا جميعا.. عشرة.. عشرون.. ثلاثون ليس بيننا جوعان.. نرقد كلنا في فراش واحد.. مخدة واحدة.. حائك واحد.. و.. وقلب واحد.. الحب ينثر فوق رؤوسنا أكاليل الورد..

لما ثار الشعب ضد المحتل كنا كلنا سباقين.. كل واحد يسبق الآخر.. ويسبق حتى نفسه لأننا آمنا بصدق وبعمق أن أرضنا عطشانة.. وما يرويها غير الدم.. دم غزير.. دم قاهر يروي الأرض.. يشبعها.. يسقيها.. يكنس منها الشوك والهشيم وكل الأوساخ..

كان عمري إذ ذاك سبعة عشر عاما.. أول معركة خضتها أسماني الإخوة صالح الرصاصة.. جريت ثلاثة كيلومترات على نفس واحد كي أحذر المجاهدين المجتمعين من قوات العدو التي حضرت كي تحاصرهم.. ورغم الرصاص الذي كان يتهاطل علي كالنوء إلا أني وصلت قبل جنود العدو وأنقذت المجموعة..

ذاك اليوم أسماني الإخوة صالح الرصاصة.. ضحك والدي سالم العلواني وهو يحتضنني:

 - أنت تعيش طويلا.. عندك سبع أرواح كالقط.

ومنذ ذلك اليوم كان يجب علي أن ألحق بالرفاق..

أن أحتضن البندقية والسرو..

أن أنقش على نباتات الجبال سمفونية الحب وذكريات الدم.

مات أبي شهيدا.. جرح جراحا كبيرة عميقة وحملناه للمقر.. بقي هناك عشرين يوما ورحل.. كان الطبيب المعالج يبذل قصارى جهده لينقذه بكل ما كنا نملك في المركز من معدات طبية لكنه عجز..

حين أسلم الروح كانت فهيمة الممرضة تتصبب عرقا وتتصبب دموعا..

لم نستطع أن نحرك ساكنا..

كلنا جميعا جمدنا في أماكننا..

بعضنا كان يبكي..

آخرون تجمد كل شيء فيهم..

حتى البنادق تهاوت على الأرض خرساء..

من الصعب أن تؤمن بموت الحياة..

من الصعب أن تسلم للفناء باذر الحياة..

كل واحد من الرفاق كان يتجرع ذكرياته..

كل واحد منا راح يقلب صفحات الماضي يعانق إحدى لوحاتها..

وحدي كانت ترفرف بين عيني وصيته.. ادفني عن يمين أمك.. وتغرورق عيناه فرحا.. كنت على يقين أنه سعيد بهذه الموتة لا لأنه فاز بالشهادة فحسب.. ولكن لأنه سيلتقي أمي التي أحبها بجنون وماتت في ريعان شبابها تاركة في قلبه جراحا عميقة لم تستطع السنون الطويلة أن تردمها.. لقد عاش ومات لأجل اثنين: أمي والجزائر.. لم تنسه أمي التي أحبها بجنون حب الجزائر.. ولم تنسه الجزائر التي كان يحبها حد القداسة أمي. 

وكان وهو يشد على يدي بحرارة يوصيني أن أدفن عن يسارها كأنما كان يحلم أن نبعث دفء الأسرة بعد الموت.. كأنما كان يريد أن نحيط أمي من اليمين والشمال

دفنته كما أوصى وبقيت أتذكر كل كلمة قالها بتقديس شديد.. باحترام كبير.. وخططت قبري بجنب والدتي وأحطت الكل بالأزهار والأشجار أسقيها كل يوم.. وأتفقدها كل يوم.. وتحولت البقعة إلى جنة.. تعبق بإخلاص والديَّ وحبهما..

فقد والدي أمي وهو شاب وليس عنده من الأولاد غيري.. رباني ورعاني.. وكان هو أمي وهو أبي.. وهو الأسرة كلها.. ورفض أن يتزوج.. بقي وحيدا يرعى قبر أمي.. حفه بالأشجار والأزهار يتفقده ويسقيه كل يوم.

لطالما وقفت بعيدا أرقب قبريهما حالما أنهما يخرجان إلى الحياة كل ليلة.. يجلسان متعانقين تحت ضياء القمر وهمس النجوم وأحلام النسيم.. وكم مرة كنت أقطع نومي وأخرج لأجدهما متلبسين بفضيلة الحب.. لكن محاولاتي كانت تبوء بالفشل الذريع !!!!…

كنت قد وصلت البيت.. فطويت صفحات ذكرياتي ومعي وصلت الجازيه وعبدالرحيم وقد عادا من الدراسة بالمدينة..

 

2

هو الصباح  يتنفس..

أشعة الشمس تفتح عينيها في تكاسل.. تتثاءب على الروابي.. منذ لحظات غادر عبدالرحيم والجازيه البيت باتجاه المدينة.. تركت أم الأولاد تحضر الطعام وخرجت أتفقد الأرض التي ازدهت فرحا.. وضحكت بالأعشاب والورود.. كان الجبل يفتح ذراعيه كالعاشق الولهان يضم قريتنا فتنام في حضنه في وله شديد..

زارني ضيفان الربيع والسعيد أخويَّ في الثورة.. لا أحد يمكنه أن يتصور كم فرحت.. فتحت لهما قلبي وفتحت الدار القبليـة(1)    

جاءت بنت عمر أم الأولاد بمثرد كسكس وطاس من الرايب أكلا.. أنا ما كنت آكل الطعام لكني كنت آكل الذكريات.. ذكريات الشباب وذكريات الثورة لما كنا لا شيء يجمعنا غير الحب.. حتى كنا نقتسم التمرة الثلاثة والأربعة.. ونقتسم الرصاصة والدمعة.. ونقتسم الابتسامة.. قال لي الربيع وهو يرفع شاربيه الكثين إلى الأعلى:

- ياصالح يارصاصة.. مالك لا تريد أن تتبدل؟

قلت وأنا متعجب:

- أتبدل كيف؟ ماذا تقصد؟

قال السعيد وهو يضحك:

- فات وقت الرصاص ياصالح ياخُيَّ.. اليوم نحن في عصر الأسلحة النووية والكيماوية..

قلت بحيرة وربما ببلاهة:

- والله ما فهمت شيئا..

قال لي وهو يلف بأصابعه سيجارة البَرْزِيلي(1) ويتابع قهوة الجزوة(2)  تنصب من الإبريق إلى الفنجان فتملأه زبدا:

- وهذا دليل على أنك ما تغيرت.. لابد ياصالح أن تصير صالح الصاروخ.. صالح الرأس النووي.. صالح القنبلة الذرية..

أشرقت على وجهه ابتسامة ثم عاد سريعا إلى جديته وواصل:

- ياصالح الناس كلهم تغيروا.. الناس كلهم تبدلوا.. الزمان الذي فات ولَّى إلى غير رجعة.. والأفكار التي كانت زمن الثورة زالت..  وأنت أنت.. حالتك تُفجع.. لم تتغير ولم تتبدل..

ماهذه اللغة التي أسمع؟ أهي إحدى مقالبه التي تعود أن ينصبها لنا أيام الثورة فلا يدع الواحد منا حتى يثير أعصابه..  وحتى يُضحك عليه الآخرين؟ لا أعتقد ذلك لقد تقدم بنا قطار العمر وما بقي لنا مزاح.

- فاتك القطار.. وبقيت أنت صالح الرصاصة.. نفس الطول.. نفس العرض.. نفس البيت.. نفس الأفكار.. نفس اللباس.. نفس.. أفق ياصالح يامغبون..

وهذه أول مرة أسمع فيها كلمة صالح المغبون بدل صالح الرصاصة.. انغرز الخنجر عميقا يغتال فرحة القلب.. عاودت أسترجع هدوئي وقلت له:

 - أنا هكذا سعيد وهانئ في قريتي مع زوجتي وأولادي مابقي لي غير أن أموت هانئا إن شاء الله وأدفن كما أوصى والدي.. والدي الذي تعرفونه.. والدي الذي قدم روحه في المعركة كي يحميكم.. والدي الذي كان أبوكم كلكم.. ليس ممكنا أن أنسى وصيته الغالية.. " ياولدي لا تخن أرضك ولا تخن عهد الرجال ".

وكان حلمه الأكبر أن أدفن قريبا منه وهذا من حقه.. لقد كان لي أما وأبا.. ضحى بشبابه من أجلي.. أنا ما نسيته ولن أنساه.. أزور قبره وقبر أمي كل صباح وعشية.. أسقي الأزهار والأشجار التي حولهما وأقرأ على روحيهما الفاتحة..

أنتما تعرفانه جيدا كان أبا لنا جميعا.. صحيح كان أميا لا يعرف القراءة ولا الكتابة.. ولكنه علمنا كيف نحب هذه الأرض.. وهذا الوطن.. وكيف نضحي من أجلهما.. وكيف نقلع من أعماقنا الأنانية.. وكان – يرحمه الله – يفضِّلنا في اللباس والطعام وحتى الرصاص.. وكان دائما أولنا في الأيام الصعبة.

وأحسست أني تكلمت أكثر مما يجب فسكت فجأة.. نظرت إلى الربيع كان يبكي دموعا دافئة حارة وبجواره كان السعيد ساكتا كالحجر

كان علي أن أدفئ الجو فأغير دفة الحديث.. فقلت وعلى محياي ابتسامة أجهد في رسم معالمها:

- إذا قدر الله ومت فجأة فادفناني حيث أتمنى

لم يشأ السعيد أن يغير موجة الحديث فقال:

 - ومن يجهل صفات وخصال وبطولة سالم العلواني.. سالم الوطني.. كلنا يعرف ماكنت تقوله.. ويعرف أكثر مما كنت تقول.. ذاك رجل أحبه الله فأخذه..

وعلق الربيع على كلامه بقوله:

 -صحيح.. يرحم الله كل الشهداء..

وأحسست أني انتصرت في هذا النقاش فقلت:

 -إذن كيف تريدانني أن أخون؟ كيف تريدان لي أن أخالف وصية الوالد؟ لا هذا مستحيل.. مستحيل.

ضحك السعيد وقال:

 -صدقني ياصالح ما دمت هنا ترى القبور في الصباح والعشية ستعيش على التاريخ فقط.. على الماضي.. وعلى الموتى.. و.. ستبقى دائما رصاصة.. ولكن رصاصة باردة ميتة.. من قال لك ستخون؟ القضية ليست قضية قبور ياصالح ياخُيَّ.. أبوك نحمله جميعا في قلوبنا.

وأحببت أن أقاطعه لكنه واصل يقول:

- الناس الآن ياصالح تعيش على المستقبل.. الناس طلقوا الماضي.. هكذا ياخُيَّ صالح ستضيع وتضيع عائلتك وأولادك.. لابد أن ترحل إلى المدينة.. من حقك ياصالح أن تعيش سعيدا.

وعلق الربيع موافقا:

 -نعم من حقك أن تعيش.. هناك ياصالح في المدينة الماء والكهرباء والغاز والجامعات والمشافي والطرق المعبدة.. من حق الأولاد أن يدرسوا.. من حقهم أن يتحضروا ويعرفوا العالم.. أنت ياصالح أديت واجبك وقت الثورة.. ماذا يريد منك الناس الآن.. وهم لن يقدروا على تقديم حتى جزء مما أديت أنت..؟ أنت قدمت لهذا الوطن في يوم من الأيام.. في وقت شبابك دمك وروحك.. وكل شيء في هذي الحياة أحقر وأتفه من الشباب والدم والروح.

وأحسست بالقشعريرة تهز فرائصي أكاد أقتنع..

كل شيء ينهار دفعة واحدة..

تطل علي الخيانة مبرقعة..

تبتسم..

راحت صور والدي ممددا مضمخا بدمه تبرق بين عيني.. جذبت نفسا عميقا من سجارتي.. نفثت الدخان فكاد يحجب الرؤية بيني وبينهم.. وقلت وأنا أدفن رأسي بين أصابع يمناي:

 - اتركاني أرجوكما.. إذا كنتما تحبانني فاتركاني لحالي.. أنا خوَّاف.. أخاف المدينة.. المدينة عاهرة فاجرة ستفسدني.. تبدلني.. تغيرني.. تبلعني.. المدينة ياناس قذرة وسخة ستوسخني.. خذوا كل شيء.. كل شيء.. المال.. الجاه.. السلطان.. الفيلات ودعوني لحالي.. دعوني لحالي.

وخرجت فارا إلى عرجونه بنت عمر.. هذه المرأة التي اختارها لي والدي وكان يقول عنها دائما: ياصالح بنت عمر نسخة من أمك ولذلك اخترتها لك.. إياك أن تخونها.. حين تحتار استشرها..

دخلت عليها كالعاصي المثقل يدخل إلى مزار ولي صالح.. قعدت قريبا منها دون أن أنطق.. كنت أسترق النظر إليها لأرى رد فعلها.. بصرتْ بحالي تغيرت ملامحها.. ذئبة تجرأ العدو على الاقتراب من عرينها

حين تضيق بي الدنيا وأحتاج إلى رأيها أدخل عليها في صمت.. وأجلس قربها في صمت..

هي وحدها تشم الهم..

تقرأه على تضاريس الوجه..

تحتها أقعد أرنو إلى عليائها تتدلى عراجين.. 

دون أن أنتبه نطقتْ.. تضعضعت أركان البدن المتهاوي.. غدوت مجرما اُكتشف فجأة متلبسا قالت:

   - ما الذي بدل حالك؟

ابتلعت ريقي.. وضعت يميني على جبهتي.. طرحت عليها القضية دون تفصيل.. ورحت أسترق إليها النظر.. أنتظر ما الذي تنطق به.. كمجرم ينتظر النطق بالحكم.

فهمتِ الأمر فقالت:

 -وإذا رحلت إلى المدينة تبقى صالح الرصاصة..؟ كلمتك هي رأس مالك.. حياتك هي شرفك..؟

 ابتلعت ريقي وقلت:

- لا مستحيل أنا خائف.. إذا رحت إلى المدينة ياعرجونه ياأم أولادي أخشى أن أصير صالح الخيط..

ضربت صدرها بيديها وقالت:

 - سبحان الله !من صالح الرصاصة إلى صالح الخيط؟ تبدل الخيط بالرصاصة؟ الرصاصة الحارة التي تخرج فلا تعود.. والتي تنطلق فلا تميل..

لم أستطع مقابلتها.. أحسست أنها خير مني.. أقوى مني.. تخيلتها فرسا جموحا حبستها الحجرة الضيقة..

خرجت عجلا دون أن أعلق بكلمة.. رجعت إليهما جلست إليهما طويلا دون أن أتكلم.. احترما في البداية سكوتي وحينما طال قال السعيد:

 - بم أشارت بنت اعْمَرْ؟

وضحك وهو يواصل:

 - حمدة خير من أحمد!

وسكتَ.

هما يعرفان أنني أستشيرها في كل شيء.. ويعرفان قيمتها.. كانا معا يقلبان فيَّ بصريهما وفيهما إلحاح بقبول الفكرة.. ورغم كوني كنت أخاف المدينة.. كنت أدرك أنهما ماأرادا لي إلا الخير.. أشفقا علي وعلى حالي وفقري.. وأردت أن أقول لا للمدينة.. فقلت نعم.. قلتها خافتة باهتة بلون القفر وطعم الفقر.. قلتها وأنا أعرف أن عرجونه لن ترفض قرارا اتخذته.

 

3

كان الجو ربيعا..

وكانت السنابل تمارس طقوس الرقص على إيقاع نسمات الصباح الخفيفة.. وأعشاب الطريق تزحم أقدامنا فتدغدغ أسفل سيقاننا.. أنا وصويحباتي كنا نحث الخطا نحو الطريق العام حيث ننتقل إلى الثانوية بالمدينة.. على غير عادتي كان يلفني الصمت.. عصافير الأخريات برحت أوكارها وراحت تغرد..

خلفنا كان يسعى ذياب صمتا مطبقا يكاد يلحق بنا..

حاولت أن أتأخر لنكون قريبين..

رفرف القلب يشرق خلفي..

مد أنياطه فسمرني أرضا..

 لحق بي ذياب فتغشاني محفل الفرح..

سار إلى جنبي سحابا مركوما..

جاريته خطوات ثم هببت عليه بابتساماتي فتقشعت سحبه..

معا أشرقنا على هذا الكون.. وعلى محيا أرضه درجنا ندغدغ تضاريسها بأقدامنا الصغيرة.. ومعا سعينا خلف الخرفان الوديعة.. ومعا وردنا الحاسي والجابية نحمل فوق البهائم براميل الماء.. وكان لنا حقل للنمل نرعاه ونقيم حوله حصنا منيعا بأحلامنا.. وكانت النملات الصغيرات قطيعا من الأنعام.. دخلنا كتاب القرية معا وكنت أقدر منه على الحفظ.. كان لا يشتغل بشيء أكثر من اشتغاله بي لا يحب لأحد من الأتراب أن يلامسني أو يقترب مني ونحن نجلس على حصير الحلفاء.. حتى الشيخ كان يغار منه حين يدعوني لأحفظ عليه فيختلق الأعذار ليشغله عما أزمع.. ويغضب الشيخ فينهال على قدميه الصغيرتين بالضرب المبرح..

ويحل الربيع فنزوِّق ألواحنا بكل لون بهيج.. ونسعى نطوَّف ببيوت الناس نطلب الهدايا.. ويفرح الناس فيغدقون علينا من كل الطيبات.. ونعود مساء إلى البيت محملين بالنقود والبيض وبغير ذلك..

ومعا دخلنا المدرسة النظامية بالقرية.. كانت أمه خالتي دلوله تأتينا كل يوم وفي يديها شيء مما حضرت.. وحين تلومها والدتي عن كرمها المفرط تضحك خالتي دلوله وتقول:

- هذا نصيب زوجة ابني.. الجازيه لذياب

وكان أبوه يسعى في إتمام مراسيم الزواج قبل دخولنا إلى الثانوية.. لكن والدي كانت له نظرة أخرى.. كان يقول:

- العصر للعلم.. والمستقبل لهذا الجيل بالمعرفة.. والله لن أمنعها عن طلب العلم إلا إذا فشلت في ذلك..

وكنت أنا وذياب نُكبر رأي والدي ونقره..

تزوجت أختي هجيره في العام الماضي في قرية مجاورة.. وسعى في هذا الزواج والد ذياب وأتمه رغم تحرج والدي.. لالشيء إلا لأن الزوج من أقارب أحد أعداء الثورة التحريرية..

تغير مزاج ذياب بعد دخولنا الثانوية.. أصبحت أراه عصبيا أكثر من اللازم.. وأصبحت أراه قد بدأ يميل إلى المعارضة السياسية.. وكنت دائما أقول له:

- ياذياب هذا بحر لا نحسن السباحة فيه.. يكفينا بحر الحب..

كنت على يقين أن هذا الطريق سيخطفه مني.. لقد كان يمارس نوعا من الثورة غير المتزنة.. خاصة ضد التاريخ.. يشك في كل ما يراه الآخرون حقيقة.. مما دفع به إلى التصادم الدائم مع أستاذ التاريخ الذي كنا نلقبه ببسمارك.

كان يقول لي دائما يالجازيه أنا وأنت خير من الأمير عبدالقادر والمقراني.. أبطالنا الأسطوريون خير من أبطالنا الحقيقيين.. الشعب هو الذي صنعهم.. وهو الذي مازال يعطيهم القداسة.. الرسميون لم يعطهم القداسة إلا الرسميون لأغراض أخرى أولها تخدير الشعوب.. ألا تعرفين أن الأمير حين استسلم لفرنسا قد خان القضية وخان الذين حملوا معه السلاح واستشهدوا..

ثم يتبركن فيصيح في وجهي

- هل يجوز للأبطال أن يستسلموا..؟ للإبطال طريقان لا ثالث لهما.. الانتصار أو الموت.. الأبطال ليسوا ملكا لأنفسهم.. هم ملك للشعب.. ثم ألا تعرفين أن............ .........................................؟

كان ذياب يحب التاريخ بجنون ويقرأه بنهم ولكنه لم يكن يقدسه..

كان يقول التاريخ كذبة كبيرة يصوغها نحاتو الساسة كل مرة على مقاساتهم.. ولست ساذجا فأصدق مايقولون.. أحب أن أقرأ التاريخ كما أود لا كما يودون.. خالتي عرجونه أصدق منهم حين تحكي عن ذياب الهلالي والجازيه.. أرأيت يُولِمُون حين يبدأون الحكاية ويولمون بعد أربعين ليلة حين يكملون الحكاية.. هل هناك ماهو أعظم من تقديس هذه الأسطورة؟

وأخطط لتغيير دفة الحديث.. وأنا أخشى عليه سطوة والدي إن سمع منه هذا الكلام فأسأله:

- ماالذي جاء بذياب إلى هذه الأرض؟

ويجيب ضاحكا:

- لأنه كان يحب الجازيه

- وماعلاقة الجازيه بهذه الأرض؟

- الجازيه هي هذه الأرض.

ويضحك فتضحك السنابل..

وتتعانق عيوننا وأصابعنا وقد وصلنا إلى المحطة..

في المساء ونحن عائدان حدثني عن زيارة السعيد والربيع إلى بيتنا.. وذكر لي قلقه من قرار والدي بالرحيل إلى المدينة.. لم أكن أوافقه الرأي.. سواء رحلوا أم لم يرحلوا فنحن راحلان إلى المدينة معا لمواصلة الدراسة الجامعية هناك.. وسنلتقي طويلا.. طويلا..

 

4

بعد أيام دخلت المدينة.. وجدا لي مسكنا وسطها.. كان زمن الاستعمار لأحد المعمرين الفرنسيين.. فيه كل الضروريات.. الماء.. الكهرباء.. التدفئة.. أمامه حديقة تحضن أشجار زينة.. أرضيته مبلطة بالبلاط الأحمر.. قال السعيد ونحن نعبر الفناء:

- هل رأيت ياصالح أين كان يسكن أولئك الكلاب؟ كالدود كانوا هنا..

لم أعلق.. كنت أجيل الطرف في كل أركانه.. في كل شبر فيه.. وكانت فرائصي ترتجف.. كأن جدرانه ملأى بالعيون المفترسة.. دخلنا.. تنقلنا بين حجراته الواسعة أشبه بغرف الكنيسة المقفرة.. غبار يدثر الطلاء فيلبسه قناعا حزينا.. رفع الربيع بصره إلى السماء وقال ضحكا:

- مبروك عليك.. أولاد الكلب بنوها وشيدوها وورثناها من بعدهم.. الله يرحم الشهداء الكرام..

وأمعن نظره فيَّ ينتظر ردي.. لكني لم أفعل إلا تمطيط شفتي متجنبا نظراته التي تهم أن تحلب مني تعليقا.. هل المسكن هيكل جامد بارد..؟ المسكن روح.. حياة.. ولن يكون كذلك إلا إذا صممته بانتمائك وخصوصياتك.. لن يكون كذلك حتى تنفخ فيه من روحك فيستوي كائنا دافئا..

أنقذني السعيد مواصلا فكرة الربيع

 - انظر ياصالح ياخُيَّ كل شيء موجود.. الماء.. الكهرباء.. التدفئة.. المرحاض.. البلاط.. الطلاء.. كل شيء ياصالح المغبون.. خلصك الله من التعب والشقاء.. البهائم والبراميل.. وسقف الحلفاء والديس.. ومصباح المازوت.. هنا كل شيء عصري...

لم أفرح.. نعم لم أفرح.. أحسسته قبرا.. مجرد قبر بارد لاغير.. قبر لا تنتظر فيه إلا الدود والحشرات المتوحشة.. أين الحوش الواسع؟ أين الشجر؟ أين الغنم؟ أين الدار القِبلية.. دار الضيوف؟ وأين الفسحة؟ أين أخرج في الليل أتجول.. وأتأمل السماء الصافية.. والنجوم تلمع.. تداعب بعضها بعضا.. وأنا وحدي أسترجع ذكرياتي الحلوة والمرة.. أو أتمشى مع أم الأولاد.. أداعبها وتداعبني ونسترجع ذكرياتنا؟

أين نجد هذا كله هنا؟

هذا مستحيل.. لقد ضيعت كل شيء.. كان صدري كله يتمزق.. كأرض عصفت بها الزلازل أو افترستها العواصف..

بعد أيام أصبحت عاملا بالمشفى بفضل الربيع والسعيد.. لما شكرتهما على المجهود الذي بذلاه غضبا وقالا هذا واجب إنه إخلاص الإخوان لبعضهم البعض.

وأقنعت نفسي بالأمر الواقع لا بأس ياصالح.. عامل بالمشفى.. حارس في المشفى.. وهو رمز صحة هذا الشعب.. وصحة هذا الشعب هي صحة هذا الوطن الغالي.. وهذا معناه أنني ما خنت وما بدلت.. أنا دائما على نفس الدرب الذي سار عليه المخلصون والأوفياء والشهداء..

خدمت خمسة أشهر أجيء في الصباح قبل الوقت بنصف ساعة.. أساعد في التنظيف وسقي الأشجار.. وربما زيارة المرضى.. وأزيد العشية نصف ساعة أخرى أقوم بنفس المهمة..

وصدمت.. بعد ما كنت أنتظر الشكر والاعتراف واحترام الجميع تلقيت عكس ذلك تماما.. وبدأت التقارير والوشايات تصل إلى المدير والمسؤولين وتهبط على رؤوسهم كالغبار.. قالوا يتدخل في عمل غيره.. ومن تدخل فيما لا يعنيه وقع فيما لا يرضيه.

استدعاني المدير.. دخلت.. قعدت.. زمجر في وجهي..

    - من سمح لك بالقعود؟ قف..

هزتني الدهشة.. ماهذه العداوة ضدي..؟ انتبهت إلى نفسي.. مازال يصرخ في وجهي.. ببرودة قلت له:

 - لماذا وضعوا هذا الكرسي إذن؟ أليس من أجل أن يقعد عليه الداخلون عليك يا حضرة المدير؟

قال وهو ينفخ جسده كالقط

 - بعدما نأمرهم بالطبع..

ضحكت وقلت.. وقد اشتد غضبي:

- سبحان الله ! ما كنت أعرف بأنك أمير.. ملك.. ورثت

المشفى عن والديك ونحن هنا عبيد بين يديك.. مع ذلك أنا أعرف قيمتي.. وأعرف متى أقعد ومتى أقف.. لست أنت الذي تعلمني درسا في الأخلاق والأدب..

وتذكرت في هذه اللحظة أبي ووصيته الغالية.. وتذكرت الرفاق الذين كنا نقتسم معهم التمرة والرصاصة والدمعة والفرحة.. ما كنا نعرف هذه الشكليات وهذه المظاهر الخداعة والزائفة.. شيء واحد كنا نعرفه.. الحب..

واكتشفت أن السيد المدير أراد أن يقول لي لا تتدخل في شؤون غيرك.. احضر عند الثامنة بالضبط وانصرف عند الخامسة.. بعد الخامسة لا أحب أن أرى خلقتك.. فهمتَ؟؟ لست وطنيا أكثر من الناس.. لست جزائريا أكثر من الناس.. نحن أيضا وطنيون وجزائريون..

سكت فجأة من رغائه الذي بعثره في الغرفة بعربية مشوهة بفرنسية أمقتها.. هذه هي المشكلة حين يتحول المسؤول إلى زعيم فتلك طامة.. ضحكت وقلت:

 -سبحان الله !وأنت من يراقبك تجيء بعد العاشرة وتغادر قبل الحادية عشرة..

حدق في غاضبا وقال:

 -سبحان الله !حارس يراقب سيده.. يراقب مسؤوله.. اسمع ياصالح أنت مهمتك هنا حارس ولست في المستوى كي تعلمني درسا في الوطنية.. أنا وطنيٌّ من عائلة شهداء ومجاهدين.. أنت إنسان مشوش فوضوي ومخرب.. وفي ذلك خيانة لمبادئ الشهداء والثورة..

ومديرنا هذا وطني حقا لما عينوه كان كسلك الحديد.. كأنه مستورد من أثيوبيا.. البذلة الرمادية وحدها تمشي..

اليوم صار بضخامة ثور يكاد يسقط للخلف.. سرواله القديم لايسع إصبعه..

مديرنا إنسان وطني ضرب الرقم القياسي في احترام وقت عمله.. يدخل لمكتبه بعد العاشرة يتصفح الجرائد التي تشترى على حساب المشفى.. يوقع الوثائق.. يطلع على المراسلات.. يرشف قهوة.. يحتضن السكرتيرة القنبلة التي اختارها بنفسه بعدما طرد السكرتيرة التي كانت قبلها.. يتفق معها على موعد السهرة ويخرج.

في الباب يلتف حوله العمال المخلصون كالكلاب المدربة.. يرقصون بلا إيقاع.. يملأون له السيارة بخيرات المشفى.. لحوم.. حبوب.. خضر.. مشروبات.. عند الحادية عشرة يخرج ولا يعود حتى الغد.. أما المرضى المساكين فلا يعطى لهم إلا العدس بالماء..

لم أستطع أن أسكت.. ما سكتنا على الذين كانوا يصوبون في صدورنا الرصاص والمدافع فكيف نسكت اليوم على هؤلاء الفئران؟ كيف نتركهم يدمرون البلاد ويمتصون دمها؟ لمَ جاهدنا إذن أوَ كنا نلعب..؟ أتذهب تضحيات الملايين من الرجال في مهب الريح؟

إذا نطقت ماذا سأخسر؟ يطردونني من العمل.. منصبي يضعونه قلادة في رقابهم..

لاحظ في عيني الغضب.. نبت في عينيه الخوف.. تركته وخرجت.. في نفسي يتصارع رأيان يلتهبان كألسنة اللهب تأكل بعضها بعضا..

دخولي المدينة كشف لي زيف الواقع..

دخولي المدينة زيف لي الحقيقة.

وحدها كانت أمَّا علجيه ابنة جبال جرجرة تقف شامخة أمامي في كبرياء.. ما الذي عصف بها الساعة إلى ذاكرتي.. لم أرها منذ زمن طويل.. استشهد زوجها رابح البسكري وكتب لها أن ترى شمس الحرية تسطع على هذا الوطن.. لم يكن لها أولاد لكنها فضلت أن تربي ذلك الصبي الذي أنجبته والدته في ببيتنا ذات شتاء واستشهدت بعد شهر من ذلك..

 

5

منذ سنة كان الفراق الصعب.. رحل ذياب إلى العاصمة ليواصل دراسته بمعهد الصحافة والتحقت أنا بمركز التكوين شبه الطبي لأتخرج منه ممرضة وهاأنذا أعين بمشفى الأطفال.. في ذاتي أمواج للجزر والمد تكاد تهد حصوني الرملية.. لقد طرد عبدالرحيم من الدراسة.. وتفرغ لممارسة هواية التسكع.. ووجد والدي نفسه وجها لوجه مع حياة لم يحسب لها حسابا حين غادر القرية.. وتأثرت والدتي بكل ذلك فصارت تعاني قلقا رهيبا.. من الصعوبة أن يسل الواحد منا روحه من برج هندسَ شَهْدَهُ بذكرياته..

أنهيت عملي كان يوما مرهقا ليس من السهل أن تكون بلسما للقلوب المكلومة والنفوس الجريحة.. عدت إلى البيت لم أكن أرغب إلا في الانزواء مع ذاتي.. لي معها حديث طويل وسفر شاق مضن..

حين ضمني السرير إلى دفئه وقف ذياب قبالتي وفي عينيه عتاب ولوم وأمواج للحزن الأليم.. وضعت رأسي على كفي فانسدل الشعر الأسود يحجب عني الرؤية ويتيح لي جوا رائقا لممارسة طقوس التصوف.. أين هو الآن..؟ وماعساه يفعل..؟ وعَنَّ لي أن أكتب إليه رسالة.. لا بد أن أخط إليه كل الجراحات التي بدأت تطفو على قلبي الصغير.. وماذا يعني القلب المحب إذا لم يكن مفتوحا لآمالك وآلامك..؟ وما الفرق بينه وبين كيس بلاستيكي إذا لم يكن نابضا بالمشاعر الإنسانية الحية؟

دُق باب حجرتي وفتح فظهرت والدتي.. لم أكن في حاجة إلى أن أراها لأعرفها.. دقات أناملها على الباب تشبهها تماما.. نحيفة رقيقة وحنونة مثلها.. كانت صفراء ممتقعة اللون تدهورت صحتها كثيرا مذ رحلت إلى المدينة.. عيناها الخضراوان تدوران في محجريهما كأنهما حبتا زيتون.. بدا وجهها غائر الخدين.. ضفيرتاها الحمراوان تتدليان على صدرها عن يمين وشمال..

جلستْ على حافة السرير.. تجولت فيَّ بعينيها.. أحسست أنها تحمل في أعماقها أسرارا كثيرة تود البوح بها.. اقتربت منها.. احتضنتْ يدي في عش صدرها.. سرى الدفء إلى القلب.. التصقت بها وطوقتها بذراعي.. سألتها:

  - مابال الحبيبة..؟

لم تحرك شفتيها..

ضغطتُها أُدخِلُها صدري وقلت:

- ليس المهم أن نخسر كل شيء مادمنا نربح الحب              

وسكتنا.. لنفسح الطريق للغات أخرى..

صباح الغد أرسلت الرسالة التي كتبتها إلى ذياب وعلى عجل انتقلت إلى المشفى.. عند الباب وجدت رجلا في انتظاري.. لبست مئزري وعدت إليه.. كان في العقد الرابع من العمر أو أكثر بقليل.. ممتلئ الجسم أشقر اللون أخضر العينين يميل إلى الطول.. عليه ثياب أنيقة لكن كلامه ينم عن أميته.

ظل يحدثني طويلا دون أن يحدد مبتغاه.. وحين رأى تضايقي أنهى المقابلة على أمل العودة.. وهو يودعني تمنى أن أحمل تحياته القلبية إلى أبي.

أدركت من نظراته وطريقة إرسال ألفاظه أنه كان ينوي مصارحتي بحبه لي أو على الأقل رغبته في الزواج مني.. ولماذا أحجم؟ أكان خجلا؟ ربما وربما خشي أن أصدمه بالرفض.. أو لعله كان يعرف ارتباطي بذياب.. لست أدري على وجه التحديد.

حينما عدت إلى البيت وأخبرت والدي بالأمر.. نظر في والدتي وقد ازداد نهمه لسيجارة البرزيلي التي كانت بين أصابعه وتمتم بين شفتيه 

 - حتى أنت يا امْحَمَّدْ امْلَمَّدْ..؟   

لم أشأ أن أطرح عليه أسئلة أخرى.. ولا أن أعرف منه المزيد عن هذا الرجل.. كانت مشاكل والدي قد تضخمت مع مدير المشفى.. ولم أكن مستعدة أن أضيف إلى همومه هموما أخرى..

اغتال القلق النوم من عيني ففزعت إلى رواية ذاكرة الجسد أتدفأ بها من قر الحياة.. وحده الأدب الجميل قادر على معالجة اضطراباتنا النفسية.. ما أقل رواياتنا الجميلة.. ما أكثر روايات المراحيض عندنا التي لا تقيم مجدها إلا على تهديم الجميل لدينا.. 

 

6

 أعلن السيد المدير عن اجتماع طارئ حضره جميع العمال دون استثناء.. اكتظت بهم القاعة الضيقة.. معظمهم كان واقفا.. بعد انتظار طويل حضر المدير ومعه المسؤول المالي ورئيس الفرع النقابي.. توجه مباشرة إلى المنصة التي زينت.. سحب أحد الخدم الكرسي ليجلس سيده ووقف عند رأسه فاغرا فاها ككلب يلهث بالفرح..

الصمت سحاب مركوم يغشي القاعة المكتظة.. كنت أجلس وسط الحاضرين.. قلبت النظر في الوجوه المخشبة والعيون البريئة كعيون الأرانب.. تخيلت القاعة مملوءة مكتظة بالأرانب المدجنة.

نقل طرفه في القاعة يمينا وشمالا.. نقر مكبر الصوت بأصابعه.. تنحنح.. تذكرتُ المعمر دافيد هكذا كان يجمعنا صغارا وكبارا.. يكومنا أمامه كجذوع خاوية ليجلدنا بخطبته التي لا نفهم منها شيئا سوى عرب كلاب.

أفرقع أصابعي.. أرتجف.. يضغط جلدي على كامل الجسد.. يضغط الصدر على القلب الحار.. يتسعر أكثر.. أغير وضعيتي فجأة حين أحسه يبدأ يجلدنا بحديثه

 - لسم الله الرحمن الرحيم قال تعالى:"وقل اعملوا فسيرى الله عملكم"

فجأة رفع رأسه عن الورقة التي كان يتهجى منها وانخرط يرغي بعامية مشوهة بالفرنسية

 -هذا الاجتماع للقضاء على المشاغبين..

دون إذن نهضت من مكاني ملوحا بذراعي النحيل

 -أنا مستعد لكل شيء شرط أن تسمعوا كل ما أقول.. هذا المشفى عليه شعار من الشعب وإلى الشعب..

وفجأة سمعت تمتمة من بعض رجال المدير وعرفت بأنهم سيشوشون علي.. قام أحدهم وقال:

 -الحقيقة هذا الشعار خطأ فادح يخالف الدستور.. والصحيح هو بالشعب وللشعب.. وحضرتك لأنك أمي جاهل أخطأت في القراءة.

وأردت أن أرد عليه فنطق آخر بسمل وحوقل وذكر كل الأنبياء والصالحين والأولياء والمشعوذين وقال:

 - يا سيدي المدير هذا الشعار زائف.. وهو شعار مستورد من البلاد الشيوعية أي بلاد الكفرة.. ولابد أن نحاربه ونرفضه.. وما بقي يؤمن به في العالم قاطبة غير الأميين والجهلة والملحدين..

 لم أفهم شيئا.. نحن اجتمعنا لمناقشة الشعار أم لمناقشة هم المشفى؟ قلت وأنا أوزع نظراتي بين هؤلاء جميعا:

 - هذا خلط  دعونا نتكلم فيما هو مفيد..

وقام المدير كالديك فقال:

 - أنت دائما مشوش لاشيء يرضيك.. والناس كلهم مخطئون في رأيك.. الجلسة مرفوعة وأنت لابد أن تحضر أمام المجلس التأديبي بتهم عديدة.

واختلط كلام الجميع يوزعون التهم.. خيانة الوطن.. التهاون.. التدخل في تخصص الآخرين.. الاعتداء على السيد المدير.. والطعن في نزاهته..

وخرجوا كلهم وبقيت وحدي في القاعة لا حول ولا قوة إلا بالله..

رجعت إلى البيت ليلا يفترس القلق قلبي.. وفي نفسي كنت أردد.. هل خدعونا حين أوهمونا أننا انتصرنا على الاستعمار؟.. لقد توقفنا وسط المعركة ما الذي أستطيع أن أفعله وحدي.. ليكن ما يكون أنا كالمحراث الذي تعود والدي أن يضرب به المثل " يحرث واقفا أو ينكسر"

جاءتني أم الأولاد بنت عمر.. لم تبق إلا هي تزيل عني الهم.. جلست قربي.. سكتت مليا.. تمنيت أن تسكت أبدا.. أحسست بالنوم يغشيني.. يدثر جفوني.. ماذا يمكن أن أقول لها؟ سأفجعها.. ستنظر إلي باحتقار.. ستقول لي انطفأت النار وخلفت رمادا.. سأصيح في وجهها لا ما زلت نارا وسترين.. أقسم برأسك ورأس والدي ووالله العظيم لن أسكت عن منكر أراه.

قلت ذلك.. ثم سكت دفعة واحدة.. كنت أريد أن أنام.. اشتقت أن أتمدد كالصغير.. أضع رأسي في حجرها لتعزف بأصابعها على أوتاره سمفونية الحب.. لكنها قطعت علي ذلك وقالت:

 - لم أعرفك إلا جبلا تتزلزل الأرض وتبقى صامدا.. وما يهمك أنت في الذي يقع؟ أنت مسؤول عن نفسك.. أنت لا تقدر أن تغير العالم.. هذا الواقع متعفن.. ياصالح السفينة ثقبت وستغرق وأنت وحدك لا تنقذ شيئا..

وهزتني الدهشة كل شيء ينهار في لحظة.. هذه آخر قلاعي تنهار.. تخيلت والدي مسجى مضمخا بدمه ينظر في باستهزاء.. دون أن يتكلم دون أن يحرك شفتيه.. في عينه زوابع للحزن والاستهزاء.. أردت أن أصيح فيه: لم كذبت علي؟ لم قلت لي: ياصالح بنت عمر نسخة من أمك ولذلك اخترتها لك إياك أن تخونها.. حين تحتار استشرها؟

ولأول مرة ألفيت نفسي أصيح وأصرخ..

 - كلكم اتفقتم على التخريب.. كلكم تآمرتم على هذا الوطن.. أنا لن أسكت.. تالله لن أسكت.. لن أسكت.. أنا صالح الرصاصة.. دمي ودم أصحابي سقى هذه الأرض.. ولن يذهب سدى.. املكوا ماشئتم.. خذوا ما أردتم.. المسؤوليات السيارات الفيلات لست راغبا في مزابلكم.

قعدت في ركن الدار وانفجرت باكيا مثل الطفل اليتيم.. ولم أتحرك ولم أفطن إلى نفسي حتى رقدت

ولما أفقت من نومي ألفيت نفسي أصيح.. جف ريقي.. سال عرقي.. وأم الأولاد عند رأسي تبسمل وتحوقل.. مسحت العرق شربت كأس ماء دفعة وحدة:

 -ياصالح لم تحمل نفسك فوق طاقتها.. أرأيت ما وقع لك..؟ اغسل يديك منهم تماما.. لك دينك ولهم دينهم؟

قمت فتحت الخزانة لأول مرة دون أن أستشير أم الأولاد.. حملت زجاجة عطر منتصفة ربما بقيت ذكرى من عرسنا وخرجت.. سمعتها تناديني:

 - صالح.. صالح.. صـا..

لم ألتفت إليها لم أكلمها.. انطلقت سريعا.. الأزقة ضيقة.. الجدران سوداء.. الأرض مفعمة بالجرب.. كلاب راقدة قريب منها قطط.. لحظات شاهدت سكران يبول في الطريق.. لحقه آخران معربدين.. رائحة الخمر تملأ الهواء.. كل شيء متعفن.. سجن في سجن..

هرولت.. اجتزت مخمرة.. هززت رأسي.. قرأت عليها مخمرة الاستقلال..؟ أغلقت عيني.. هرولت.. فتحتهما.. قابلتني البلدية.. مقر ضخم.. فوقه شعار كبير منحس "بالشعب وللشعب" وفوق مرمرها ترقد امرأة وحولها ثلاثة أطفال.. سمعت أصواتا تصرخ في:

 - خائن.. خائن.. خائن..

جريت.. جريت.. كأنني في ريعان الشباب.. أحسست أني خرجت من المدينة.. خرجت من السجن.. من زنزانة سلطان طاغية.. ورأيت من بعيد أشجار السرو تشمخ بهاماتها.. خففت سرعتي بعد دقائق وصلت.. توقفت.. استرجعت أنفاسي ودخلت البوابة الكبيرة.. كانت مفتوحة.. دخلت بهدوء ورهبة وخشوع لم يكن هناك شيء غير صمت رهيب عظيم يحتم عليك أن تسكت.

 قلت السلام عليكم أيها الإخوان.. السلام عليكم أيها الشهداء الكرام.. اسمحوا لي كان لازما علي أن أتوضأ قبل أن أجيء.. لكن الله غالب جئت عجلا وحالتي متدهورة والماء.. الماء لا نراه غير مرة في الأسبوع.. مشيت خطوات خائفا مرتعدا.. أخرجت زجاجة العطر ورحت أرشهم قبرا قبرا وأنا أبكي وأستغيث.. اسمحوا لي.. اسمحوا لي.. لم تركتموني وراءكم وحدي.. حرام عليكم.. لم هربتم علي؟ ألم نكن جسدا واحدا.. روحا واحدة؟ لقد بقيت وحدي.. من يقف معي في هذا المدينة المتوحشة؟ عجزت.. ما قدرت أن أواصل المسيرة.. الطريق صعبة.. ملآنة بالأشواك والمطبات.. وأنا أبدلوا لي حتى اسمي..

كنتم تسمونني صالح الرصاصة.. هم الآن أسموني صالح المغبون.. صالح المجنون.. صالح.. صالح الغبي ما رأيكم؟ أنا الذي كان الجن يخاف مني.. العفريت ترتعد فرائصه لما أطل.. أنا الآن ياإخوان صالح المغبون.. صدقوا أو لا تصدقوا أنا صالح المغبون.. صالح المغبون..

يامغبُونْ لْخَيْر عْلِيكْ راحْ

وَلْهَمْ عليك اتْلايَمْ وطَاح

والناس كلهم فاقوا

بعدما اكْلاوْ الغلة وذاقوا

وأنت ياصالح إما وإما.. واحدة من اثنين لا ثالث لهما.. إما أن تسكت وتغلق فمك فتنال ياصالح كل ما تريد وأكثر مما تريد.. وإما أن تفتح فمك وتنطق.. والذي ينطق ياصالح يُشنق.. يَحترق.. يُبصق..

الأولى لم أربَّ عليها.. اسمحوا لي لا أقدر عليها.. أنا رجل.. تربيت رجلا.. وعشت رجلا.. والثانية كلفتني غاليا.. خسرت كل شيء.. المال والجاه والسلطان والاحترام والتقدير حتى زوجتي انقلبت علي بعدما وقفت معي وقت الشدة والمحن.. انقلبت علي لأنها خائفة علي.. حتى الاسم خسرته وهو رأس مالي.. سميتموني صالح الرصاصة.. اليوم أسموني صالح المغبون وآخرون أسموني صالح..

من يمشي في الظل.. ويدهن السير لِتسير.. ويساهم في تخريب هذه البلاد التي مات من أجلها الشرفاء ذاك هو الرجل  الصنديد.. لعن الله هذه الرجولة وهذه الفحولة .. سامحوني إذا عكرت عليكم هدوءكم.. إذا شوشت عليكم خلوتكم.. أعرف أنكم ستقولون لا دخل لنا.. نحن قمنا بواجبنا وانتهى دورنا والدور دوركم لكن أين أذهب؟ ماذا أفعل؟ لم تركتموني خلفكم لم يبق غيركم ألجأ إليه.. اسمحوا سأنام الليلة هنا وسطكم.. والله لن أرجع إليهم مطلقا.. تنازلت عن كل شيء.. أعطوني قبرا لألحق بكم.. أعرف أن الأمر صعب.. أنتم أحبكم الله وأنا قعدت لهذا الزمن الخبيث.. لا بأس هذا قدري دعوني أرقد وسطكم ليلا ليلا فقط.. أما نهارا سأجد لأمري حلا.

وفعلا رقدت وسطهم كالصبي ينام في حضن أمه.. ومع الفجر استيقظت.. فتحت عيني أحسست بالراحة القصوى.. ألذ نوم ذقته في حياتي.. نظرت إلى القبور كل قبر فوقه هالة من نور هزتني الغبطة.. توجهت إلى السماء.. يا رب لم تركتني لهذا الزمان الحقير؟ يارب لم خلفتني لهذا الجيل المنحوس..؟

قمت من مكاني زرت الشهداء قبرا قبرا وحييتهم شهيدا شهيدا ورششتهم بالعطر ثم خرجت.. أين أذهب؟ أرجع إلى المدينة؟؟ مستحيل مستحيل.. مشيت على غير هدى مشيت كالمسحور الهائم كأن مغناطيسا يجذبني بقوة.. قطعت جبلا.. واديا.. سهلا.. وجدت نفسي فجأة قرب قريتي.. فرحت كطفل صغير ضيع أمه فلما اشتد بكاؤه وفزعه وجدها فجأة..

جريت.. جريت.. وصلت دارنا المهجورة.. دخلت.. خرجت.. درت بها.. سلمت.. قبلت الحجارة.. التراب.. الحيطان.. وتذكرت والذكرى صعبة.. بكيت..

كل شيء تغير.. الأشجار ماتت.. الورود ذبلت.. حتى هي كانت حزينة على حالنا وعلى خيانتنا.. مشيت إلى قبري والديَّ مشيت بهدوء تام.. وقفت عند القبرين.. هزتني الرهبة.. الأزهار ذبلت.. الأشجار تكسرت.. التراب تهرأ.. حفيرات صغيرة فوقه.. من أحدث هذه الحفر..؟ استغفر الله آثار خنازير..

 -سامحيني والدتي.. سامحني والدي.. ضيعت نفسي وضيعتكما.. سامحني ياوالدي خنت وصيتك.. ضاقت علي الدنيا أين أذهب؟ فسد الصلاح وفسد الفساد واختلطت وطفا شرها على خيرها.. أعرف أنك مافهمت شيئا.. ذلك خير وأحسن.. ربما لو فهمت لأفسدوك.. 

قعدت.. اتكأت على شجرة.. وضعت رأسي بين يدي.. ورحت أفكر.. تذكرت أيام زمان.. تذكرت الرجال الذين مشينا معهم على طريق واحد.. تذكرت الحب والإخلاص.. تذكرت المعارك التي خضناها ببنادق الصيد.. تذكرت النشيد.. أعظم نشيد يهز القلب.. يُبكي العين.. يخرج الشوك من الجلد.

قسما بالنازلات الماحقات

والدماء الزاكيات الطاهرات

والبنود اللامعات الخافقات

في الجبال الشامخات الشاهقات

نحن ثرنا فحياة أو ممات

وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر

فاشهدوا فاشهدوا فاشهدوا

خطر ببالي أن أحفر القبرين وأحمل عظام والدي.. ولكن أين آخذها؟ إلى الدار.. ثم أدفنها وسطها وأشعل عليها الضوء وأجعل القبر جنة.. جنة في الدنيا وأرقد معهما كل ليلة.. استغفر الله مالك ياصالح جننت؟ تحمل عظام والدك ووالدتك الطاهرة من هذا المكان الطاهر النقي الذي اختاراه وطالبك بأن تحميه.. تحملها إلى المدينة.. إلى النفاق والقاذورات والقلوب الملوثة؟ لا مستحيل مستحيل.

قبّلت تربة القبرين.. قرأت على روح والدي الفاتحة.. دعوت لهما بالدعوات الصالحات.. وعدت إلى المدينة خائبا كالمحكوم عليه بالشنق..

آهٍ أُمَّا علجيــــــه.. !

أين أنت الآن..؟ أين يمكنني أن ألقاك..؟ كيف أغرس رأسي الآن في صدرك الدافئ لتمسحي عليه بيديك الحانيتين..؟ 

 

7

لم يكن الطقس قاسيا.. سحاب متفرق هنا وهناك.. نسمات باردة تهب من حين لآخر تنهزم أمام ملابس الشتاء التي طفق الناس يرتدونها جميعا.. مازالت الشمس تطل ثم تعود للاحتجاب في استحياء شديد.. لكن أشعتها كانت تمنح بعض الدفء.. ارتشفت فنجان القهوة كالعادة.. سألت بنت عمر إن كانت تريد شيئا.. أمسكت من يدي الفنجان وهي تقول:

 - سلامتك.. اهتم بصحتك.. لا تحرق أعصابك.. مازلت بحاجة إليك

تأملتها.. مازالت حلوة رغم التجاعيد التي أحكمت قبضتها حول عينيها وراحت تمد جذورها حتى الرقبة.. ورغم آلام الرأس الحادة التي صارت تنتابها من حين لآخر.. وخرجت للعمل وقد بدأت نفسي تهدأ وتنسى.. اقتربت من المشفى.. توقفت فجأة وقد هزتني الحيرة.. هذا ليس مشفانا على الإطلاق.. تراجعت إلى الخلف.. عدت أتأمل ما الذي جرى؟ لست مجنونا بالتأكيد لقد تغير المدخل كلية.. لافتات.. أعلام.. ألوان.. طلاء.. كل شيء مزين.. الأشجار.. الأرصفة.. الطرقات.. أشجار صغيرة خضراء.. ورد أحمر متفتح..

فركت عيني.. أنا في حلم.. أو جننت.. ما الذي وقع؟ تركت المكان صحراء قاحلة.. في يومين أصبح جنة.. الطريق معبد.. الشجر أخضر.. الورد متفتح.. الأعلام.. المصابيح الملونة.. مشيت بسرعة إلى البوابة يا للدهشة! حتى هي مطلية مزينة.. الأضواء من كل لون سبحان الله! لعلني في حلم دون أن أدري.. رفعت رأسي للسماء وجدت لافتة كبيرة مكتوب عليها:

أهلا وسهلا بالسيد وزير الصحة..

بالقرب منها أخرى مكتوب عليها:

الصحة في خدمة الشعب.

واختلط في ذهني الضحك والنواح.. رغبت في الضحك.. أضحك حتى الجنون.. حتى الموت.. وأردت أن أبكي.. أبكي حتى الجنون.. حتى الموت.. كرهت النفاق يامدينة النفاق.. كرهت النفاق.. عدوت.. دخلت المشفى.. جاءني أحد رجال المدير.. وأخبرني وقد علت وجهه صفرة النفاق أن نائب سيده المدير في انتظاري

 ولجت المشفى يالطيف! كل شيء يلمع.. غيروا للمرضى كل شيء.. البلاط يبرق.. الرائحة الطيبة تفوح منه.. وتحول الإسطبل إلى جنة.. دخلت مكتب الأمير.. آ.. المدير.. قام من مكانه مرحبا.. عجبت.. اقترب مني.. ضمني إلى صدره.. سلم علي.. أفقت من دهشتي.. قلت في سري متمتما.. رائحة الثعلب..

قال لي :

- اقعد اقعد ياسي صالح.. أنت مجاهد كبير.. أنت رمز هذا الوطن وهذا الشعب.. وخيرك لن ينسى.. وفضلك فوق رؤوسنا جميعا..

جلست وأنا أنظر إليه بدهشة.. وازدادت دهشتي حين قال لي:

 - لا تخف اليومان اللذان غبتهما لن يخصما من راتبك.. سامحتك نعم سامحتك.. نظرا لجهادك.. بل وأمنحك ثلاثة أيام أخرى تستريح فيها.. أعرف أنك تعبان استرح كما يحلو لك.. لاتقلق نفسك.. وحين تستريح عد للعمل.. وهل عندنا ألف من أمثالك؟ أنت من البقية الصالحة المخلصة أنت رمز.. أنت بركة.. وأنت تعرف أنني طيب.. ولكن بعض الناس يشعلون النار ويوصلون الكلام الفارغ المغرض..

أثار غضبي فاندفعت قائلا:

- خائفون مني؟ تريدون إبعادي عن أسيادكم..؟ حياتكم كلها كذب على الشعب.. وعلى الله.. وعلى نفوسكم.. وعلى التاريخ.. وحتى على أسيادكم.. خافوا الله.. واحد تزرعون له الورد في الشتاء.. وملايين تزرعون لهم السم والشوك طول العام.. سينتقم الله منكم.. إنه يمهل ولا يهمل.. وغفلة الشعب لن تطول.. خنتم عهد الله وعهد الشهداء والمجاهدين..

وحدها مدننا لا تتزين إلا لأولي الأمر والنهي.. وسكت وخرجت.. أين أنداح..؟ للمدينة…؟ وحش مفترس أصبحت لا أقدر على رؤيته.. حتى بيتي  عفتها.. كرهتها..

ابتعدت أسير على غير هدى.. دخلت الغابة.. مشيت زمنا كان ثم واد يجري بماء قليل.. قعدت على حافته.. مددت رجلي.. وسرحت بعيدا بعيدا.. إلى أين سنصل بهذا الكذب والنفاق..؟

شممت رائحة الدخان رفعت عيني شاهدت شبح الدخان يتهادى متعاليا في تكاسل على جنبات الوادي.. دفعني الفضول.. هبطت الوادي..؟ وكانت المفاجأة الصاعقة.. مئات العلب ملآنة دواء مكومة ومحروقة.. كادت النار تقضي عليها.. قلبت بعضها هذا الدواء كله غير صالح للاستعمال..

تذكرت الإشاعة التي دارت في المشفى.. قناطير من الأدوية لم تعد صالحة والمدير وجماعته في حرج من زيارة الوزير.. فعلتها ياولد الكلب.. ورجعت كالرصاصة للمشفى وأنا أكاد أحترق قلقا.. وجدت الجماعة في حفل بهيج مع السيد الوزير.. المدير.. جماعته.. كبار المدينة يجتمعون على الفريسة.. يجتمعون على لحس الأصابع.. منعني الحراس من الدخول صرخت: خونة خونة اكتشفتكم اكتشفت جريمتكم حرقتم أدوية المرضى في الوادي وهم محتاجون قرصا.. أحرقتم أعمارهم ودماءهم وأرواحهم.. سحبني الحراس بعيدا وقالوا للوزير هذا مجنون مرة بعد مرة يصاب بنوبة عصبية.

وفصلوني عن العمل.. طرقت كل الأبواب.. اشتكيت للمسؤولين.. كتبت للجهات الرسمية وغير الرسمية.. كلهم اتفقوا على أنني مجنون ولا أصلح للخدمة.. حز ذلك في نفسي.. كنت صالح الرصاصة يوم كان الرجال رجالا.. فلما تحررت البلاد أسموني صالح المغبون.. وفي آخر عمري صرت صالح المجنون.

والحل؟ الهروب الهروب.. كل شيء يصرخ في أذني.. اهرب ياصالح.. ياصالح المغبون.. ياصالح المجنون.. اهرب بنفسك.. أنت ضعيف.. هؤلاء شياطين أنت لا تقدر على مواجهة هذا الجنس.. ياصالح اهرب.. اهرب ياصالح.. هؤلاء فسّدوا وأفسدوا وفسدت عليهم.. اهرب ياصالح.. اهرب..

وأين تهرب؟ الدنيا ضيقة.. الأرض ضيقة.. السماء ضيقة.. أين تهرب ياصالح؟

القرية.. آه تذكرت القرية.. خيل إلي أنها في فستان فرحها تفتح لي ذراعيها وتحرضني على الارتماء في حضنها الدافئ.. وأطلقت ساقي للريح.. القرية.. القرية.

 

8

هاقد عادت الجازيه..

هاقد عدت.. عدنا..

حين تعود الجازيه كل شيء يعود..

 يعود الإشراق للقمر..

تعود الأوراق للشجر..

تعود الأنسام للهضبات وقد ضمختها حناء الشفق الوردي..

تعود أسراب الكروان إلى التحليق والتغريد..

وتهجع عروس النهار ملء عينيها ملفوفة بملاءات الحلم الوردي.. نفتح نحن للأحلام الوردية نوافذ وشرفات..

نتحلق حول أُمَّا دَلُولَهْ..

تقص حكايات ذياب والجازيه..

منذ أن رحلوا عن القرية لم يعد لأي شيء طعم.. كل شيء فقد جنسيته.. كل شيء ضيع عذريته.. حتى أمي الوديعة الطيبة لم تعد كذلك.. وصرت لا أعود من الجامعة هروبا من القحط الذي طفق يزحف عنكبوتيا على كل شيء في القرية..

وهاهي تشرق على القرية.. وها الجميع يخرج لملاقاتها.. فتحت أمي قلبها واحتضنتها وهي تبكي.. وهزنا المشهد فجمدنا جميعا نرقبه.. قبلتها الأخريات.. رفعت فيَّ عينين تنهمران عتابا.. اختطفتها أمي من بين الجميع وعادت تقبلها من جديد..

وسار بنا الموكب نلج البيت.. حين عاد أبي توجه مباشرة إلى الزريبة وذبح خروفا.. كان ينهال علي عتابا وهو منهمك في عمله

- كيف تأتينا عروسك فلا تعجل بذبح خروف.. أنت لست رجلا..  

وهو صادق ما دام الأمر يعني الجازيه.. تحلق الجميع حول مثارد الكسكس.. مجمع للرجال ومجمعين للنساء..

وحين جلسنا نشرب قهوة الجزوة كانت أمي دلوله تحكي الحلقة الأولى من قصة الجازيه وذياب لهلالي

وختمت أمَّا دلوله الحلقة بقولها:

………… وغضب ذياب لما هجرته الجازيه غضبا شديدا.. وأرسل إليها بهذه الأبيات:

مَنيشي محبوب حُب الجَده    ******      ومنيشي مكروه وَلد بْليس

منيشي ركَّاب خيل العِيره     *****       ومنيشي مَزلوط مافِـديش

إذا قــلتِ انـتِ:لا لا       ******      حتى أنا ما نَبْغِــيــش

ورفعت فيها عيني مبتسما فقابلتني بنظرات مهددة.. وتوقفت أُمَّا دلوله عن سرد قصتها.. وانفض المجلس فانسحبت إلى حجرتي.. دون أن تنسحب الجازية من ذاكرتي

كانت هيفاء ممتلئة خصبا ونماء..

سمراء بلون الأرض المعطاء..

في عينيها حسن متمرد وكبرياء كئيبة..

شفتاها ترتجفان كورقتي نعناع يانعة.. يداعبها نسيم الصبا..

على الجبين تدلت ذؤابة شعر حالكة فرت من سجن الخمار وحصاره..

الخمار القوزحي كان يعصر رأسها فيكوره بلورة من كل لون..

ماذا أقول؟ لو بقيت العمر كله أفتش في تضاريس الرأس والوجه.. أسجد للحسن فيهما ما وفيتها حق العبودية والإخلاص.

آه يا لون القمح .

يا لون القمح الطالع من ربوة القلب

لن أشفى من هذا القر الداهم حتى احتمي بدفء عينيك.

... ارتميت فوق سريري وبت أعيد إلى ذهني شريط الجلسة التي كنت أستمع فيها لأُمَّا.. وأتصفح تضاريس الجازيه.. وبت أفكك شفرات العينين وطلاسم الشفاه.. حزن عميق كنت أراه.. حزن عميق لم أعهده على محياها من قبل مطلقا..

عند الصباح الباكر أصرت أن تغادر البيت عائدة إلى المدينة.. على نفس الطريق الذي عرف أولى خطواتنا رافقتها.. في الوقت الذي كنت أستنطق أطلال الطريق كانت تغرقني بطوفان همومها.. مرض أمها.. واضطراب أبيها.. وبطالة أخيها.. ومضايقة امْحَمَّدْ امْلَمَّدْ لها.. 

ولم تعطني فرصة كي أطوف بها في حدائق أحلامي.. أن أقول لها لقد أكملت دراستي هذا العام وسأوظف صحفيا بجريدة الشروق وسأسخر قلمي لخدمة شعبي ووطني سأجعل منه كابوسا يقض مضاجع اللصوص والخونة..

كنا في رحاب الفوارة حين ودعتها عائدا إلى العاصمة.. تعودنا أن نغرف من سلسبيلها.. لكني هذه المرة لم أغرف إلا من عينيها أحزانا ودموعا..

  

9

حين تغلغل الليل في كل شيء وأحكم قبضته على الجفون كنت أذرع فناء المنزل في قلق شديدٍ.. عادةُ صالح أن يعود إلى البيت بعد صلاة العشاء مباشرة لكنه أخلف العادة هذه المرة.. ما الذي وقع؟ المدينة كابوس يجثم على صدورنا.. والأجواء فيها مكهربة والجرائد لا تطل على الناس إلا بالفجائع.. لقد تغيرت طباع الناس كثيرا.. واشتد بينهم التنافر والتناحر.. وانكب أكثرهم يلهث خلف الدنيا ولو مقابل أرواح الأبرياء.. ولو مقابل عزة هذا الوطن.

صالح لا يقبل الضيم وأعداؤه أصبحوا كثيرين.. ترددت هذه الهواجس في نفسي.. ولكني مافتئتُ أن دخلت إلى البيت بعد أن ألقيت آخر نظرة على الشارع الأسود الطويل الفاغر فاها كديناغول ميت.. ثم عدت أدراجي إلى البيت.

أحسست بالصمت الرهيب يغتال الطمأنينة من حولي.. انزويت فوق الأريكة.. شبكت أصابعي.. ورفعت رأسي في قلب الجدار.. كان هناك إطار كبير بلون مذهب عليه صورة صالح يلبس لباسا عسكريا ويحمل في يده الرشاش.. وسرحت بي الذاكرة إلى الخلف.. وتذكرت بالضبط ذلك اليوم الذي أخذ فيه هذه الصورة.. لقد جاء إلى البيت مع مجموعة من رفاق السلاح.. وكان برفقتهم شخص مفتول العضلات في الأربعين من عمره أو يزيد.. مكبل اليدين واللسان.. يمشي متعثرا مطأطأ الرأس لا يكاد يرفع عينيه إلا لماما.. في تلك الأمسية أخذوا صورا لكل المجاهدين منها صورته هذه.. وفي تلك الليلة تمت محاكمة ذلك المقيد بتهمة العمالة.. وفي الصباح قبل تنفس الفجر انطلقوا جميعا.. وفتحت القرية جفنيها على جثة مذبوحة.. وعساكر فرنسا بدباباتها تعيث في أرضنا وأعراضنا فسادا..

ورن جرس الباب فأخرجني من شرودي.. وقطع علي حبل ذكرياتي فهرعت إليه أفتحه.. لقد عاد صالح.. وحين فتحت الباب خاب ظني.. تراجعت متقهقرة.. كان القادم عبدالرحيم.. أغلق الباب وطوقني بذراعيه.. دفعته عني بقوة

 - ابتعد عني لست ابني

شدد ذراعيه علي وهو يقول مازحا

 - وهل تقدرين على منازلتي أيتها العجوز الطاعنة في السن؟

 - أنت رجل البيت الذي أعول عليه وأفاخر به.. ولكن للأسف الشديد لا هم لك إلا العبث مع العابثين غير آبه للبيت ولهمومه.. أبوك كالمجنون خرج منذ الصباح ولم يعد..

 - وما عساني أفعل له؟ هل تريدين مني أن أراقبه كالصغير؟ لقد جن الرجل فليتحمل تبعات جنونه لوحده.. لست مسؤولا عنه

عبر إلى غرفته لينام مباشرة غير آبه بكل ما قلت.. وحدها الجازيه كان صوتها مغاضبا تلوم أخاها على إهماله شؤون البيت..

أتسلل إلى حجرة الاستقبال.. اقتعد الأريكة هنيهة.. ثم ما أفتأ أن أنهض.. أطل من النافذة.. لا شيء غير وقع أقدام لفتيان من الحي يعبرون من حين لآخر آيبين إلى بيوتهم.. وغير وقع أقدام منتظمة لمفرزة من الحرس البلدي تقطع الطريق في دورة ليلية عادية..

أعود إلى جلستي على الأريكة لم أركز هذه المرة نظري على الإطار المذهب ولا على التلفاز وهو يقدم خطابا لرئيس الجمهورية عن الإنجازات الديمقراطية العظيمة التي أنجزها للشعب.

حملتُ سماعة الهاتف لابد من الاتصال بالسعيد أو الربيع.. لابد أن يكون عندهما الخبر اليقين.. هما أقرب إليه من كل إنسان آخر.. وكل أسراره عندهما.. وهما فقط يمكن أن يهتما لأمر غيابه.. ولكنني مافتئت أن أعدت السماعة إلى مكانها ليس من اللائق إقلاق أحد في هذه الساعة من الليل.. إذا لم يتحرك ابنه الذي من لحمه ودمه فكيف نطلب من الآخرين أن يتحركوا؟

مددت يدي إلى رأسي فأعدت شد المحرمة عليه جيدا.. وخرجت كالعادة إلى الفناء أحمل في يدي كرسيا صغيرا فاقتعدت مكانا يطل على الشارع الخالي إلا من بعض المتسكعين والمنحرفين.. رحت أرقب كل حركة فيه.

بدأ جو الليل يبرد..

وحركته تنام..

وحدي لم أنم..

بت مكاني متضرعة إلى الله أن يكون في عونه.

 

10

الحجرة خالية إلا من كرسي خشبي وضعه وسط الحجرة.. يتكوم على نفسه في الركن الأيمن.. يجمع نفسه فيغدو كرة بهلوانية.. فجأة يقوم من مكانه.. ببطء يمشي خطوات.. يصل منتصف الحجرة.. يهم أن يقعد على الكرسي.. لكنه يتراجع ليواصل مشيه البطيء.. يتوقف فجأة.. يرفع ذراعيه إلى الأعلى.. يرتفع قميصه.. تبدو سرته.. يفتح فاه عن آخره يصيح.. تهتز جنبات البيت من حوله.. تهتز جنبات الكون كله.

 - اسكتوا أَغلقوا أفواهكم.. أربعون سنة وأنتم تثرثرون.. تتشدقون.. ونحن ساكتون.. ساكتون كالموتى.. الآن جاء دورنا.. أعطونا فرصة واحدة.. مرة واحدة.. اسمعوا ما نقول.

يسكت فجأة وينخرط في النشيج والنحيب.. يتغير فجأة.. يجلس على الكرسي.. يرفع صوته من جديد لكن هذه المرة ليغني.. يغني…

خلِّيوْنا ننطَق في لُعْمرْ مَرَّه

خليونا ننطق في العمر مره

بالله عْلِيكُم حْياتْنا صارت مره

وَاعْمارْنا راحتْ خْسارَه

وتْكسْرتْ كي لْجرَّه

خليونا ننطق في لعمر مره

خليونا نتكلم في العمر مره

شر البلية ما يضحك.. يتغير فيه الصوت.. يتقوقع حول نفسه كالكرة.. يحاول أن يرفع رأسه.. ينظر بطرف خفي.. يتوسل

 - دعونا.. اتركونا

يرفع صوته:

 - اتركونا.. لا تخافوا.. لن أتكلم كثيرا.. لست ثرثارا مثلكم.. لست مهذارا مثلكم.. لا أعرف ديماغوجيتكم.. كلمة واحدة أحب أن أقولها.. كلمة أعصر بها قلبي المجروح.. قلبي المقروح.. قلبي المتقيح..

  دعوني أعصر قلبي.. أعصره في كأس وأقدمه لكم شرابا.. اشربوه إذا كنتم تحبون عصير القلوب..

اسمي.. آه اسمي.. تبحثون عن اسمي؟؟ هكذا من البداية.. من الأول.. هكذا أنتم.. العجلة تجري في دمكم.. وفي العجلة الندامة.. لاتبحثون إلا عن القشور والشكليات.. أعرف ذلك لا تبحثون عن شيء آخر.. بعدما تعرفون اسمي ستسكتون وينتهي كل شيء.. ماذا لو قلت لكم أنا اسمي كرسي.. نعم كرسي؟

ينهض من مكانه متعثرا يكاد يسقط.. ينداح هنا وهناك.. يتماسك.. يلمس الكرسي

 -هاهو ..رأيتموه؟؟ نعم أنا كرسي.. أربع قوائم.. مقعد.. متكأ.. وفقط.. لوحتان عريضتان.. وأربع لوحات طوال..

يهرع فجأة إلى النافذة.. يغلقها.. يغلق الباب.. يجلس القرفصاء.. يرتعد.. أقف عند الباب.. أدقه بشدة مرة وبلين مرة أخرى.. أرجوه أن يفتح الباب.. ألح في الرجاء لكنه لم يكن يبالي بكل ما أقوله كأنما رحل إلى عالم آخر.. لقد اشتد عليه الحال وتغيرت طباعه.. ماعاد يستمع إلى أحد ولا حتى يتناول دواءه..

كنت دائما أوصيه بالتعقل في التعامل مع الآخرين.. اللسان الحلو يرضع اللبؤة.. لقد تغير تغيرا جذريا.. منذ الاستقلال صارت نسمة الهواء تجرح أعصابه.. وازداد أمره سوء بعد دخول المدينة.

كان يقول لي ياعرجونه يابنت اعْمَرْ دوائي الوحيد أن أعيش بعيدا عن هؤلاء الناس.. ماعدت أطيق النظر إليهم ماداموا يعيشون في هذه الحياة لا بد أن أرحل عنها.. إن شئت أن ترحلي معي فارحلي أو ابقي لن أحمل لك حقدا.. أنت تعرفين أنني أحبك.. أنت التي عشت معي العمر حلوه ومره.. كم مرة حدثتك عن أصحاب الكهف أنا واحد منهم.. هل اسْطاع أولئك أن يعيشوا مع الناس؟ طبعا لا.. كذلك أنا أيتها الغالية.

وأحس أن الرجل عاقل وليس كما كدت أتوهمه.. ولا أملك فعل شيء سوى أن أدفع نفسي دفعا عائدة إلى حجرتي أتجرع مرارة الحياة.. لقد فقدت كل شيء.. الزوج.. الأولاد.. صحتي..

آه كم أنت قاس أيها الدهر..  !كم أنت خؤون لاترحم.. !أتيت على كل شيء بضربة واحدة.

أجرع كأس ماء بارد من الثلاجة غير مبالية بخطورة ذلك على صحتي.. النيران متسعرة داخلي لا تطفؤها حتى ثلوج الدنيا كلها.

أسرح بخيالي إلى الماضي.. ألوم نفسي.. هل كنت السبب في كل ماحصل؟ ماذا لو وقفت في وجه صالح وأبيت عليه الرحيل إلى المدينة وبقينا في الريف حيث العزلة والبساطة وراحة البال؟ لست أدري على وجه التدقيق.. بل لست أدري هل كنت السبب أم كانه؟؟

رنوت ببصري إلى ساعة الجدار كانت دقاتها تصلني رتيبة.. تأملتها مليا وفجأة فطنت إلى أن وقت الدواء قد حان.. تحاملت على نفسي.. فتحت الرف.. دفعت قرصا في فمي وأردفته بكأس ماء.. تمتمت بيني وبين نفسي: اللهم لطفك.. وعدت إلى مكاني في السرير.. تدثرت الغطاء وانكمشت على نفسي.. كنت أحس بالبرد يدب في جسدي كله.

 

3

البحث عن العش

 

1

التقينا ذات صباح قارس قارص.. كان البرد شديدا.. وكان الجليد يزرع على وجه الأرض طبقة بيضاء تقرض أقدامنا وأصابعنا وأنوفنا.. ثم مافتئ أن صار رائعا.. دغدغ الرذاذ عنق الأرض.. وأشرقت الشمس فاغتالت جليد القلوب.

كان كالفارس الذي غُدر به فضيع سلاحه في المعركة..

كان كامرئ القيس حين ضيع خمره وسلاحه وهام على وجهه يطلب النصر من أعدائه فغدروا به وجرعوه سما..

كان كجميل الذي ضيع حبه وأُهدر دمه فراح يتشتت في العراء حتى قضى بمصر.

أحسست أن هذا الرجل الذي يقف أمامي ليس غريبا عني.. ممتد القامة كان.. أسمر اللون نحيلا تتوج رأسه عمامة خفيفة.. في ملامحه كبرياء ظاهر وفي عينيه حيرة وغضب..

رحت أقلب صفحات الذاكرة.. أتهجى فيها مابين السطور.. لم أصل إلى نتيجة.

بادرني بالسلام وهو يصافحني.. من أصابعه سرت في كل الجسد قشعريرة لم أستطع أن أفسرها.. سألني

 - هل تعرف مسكنا للكراء في هذا الحي؟

ازددت التصاقا بالرجل.. لقد جبلت على حب الفقراء.. سحبت يدي من بين أصابعه وقلت:

 - قد تكون محظوظا.. بجوارنا مسكن شغر منذ يومين.. ولكنه ضيق إن..

فقاطعني بنبرة حزينة:

 - الضيق في القلوب ياوْلِيدِي..

يــاوْلِـيـدِي..

وقعت على القلب نسمة انتشاء..

باقات ورود..

سمفونية كروان..

ماأحلاها كلمة لم أسمعها صادقة إلا من فم نانَّا علجيه..

نانَّا التي تربطني بها وشائج الإخلاص والوفاء دون وشائج الدم.. فأنا مقطوع من شجرة.. لست أعرف لي أما ولا أبا.. كل ما أنبأتني به نانَّا أن والدتي قضت شهيدة.. وأنها احتضنتني في الجبل ثم طوحت بنا الأقدار هاهنا.. لقد نذرت نفسها بعد استشهاد زوجها أن تربي ابن شهيد وكنت صاحب الحظ.

يَـــــــــا

                      وْ

                       لِـــ

                               يــــ

                                           ــدِ

                                                    ي...

وهاأنذا أسمعها الآن وأحسها هي.. هي..

وصلنا الهدف.. توقفت عنده.. توقف هو معي.. أشرت بيدي

- هذا هو البيت

كان وطيئا.. بابه يكاد ينكفئ إلى مستوى الأرض.. لا يكاد علو الجدار يتجاوز قامة الرجل الممتد.. قرميده القديم عليه ضمادات إسمنتية عديدة

حك رأسه مادا أصابعه تحت عمامته

 - المهم أن نخفي رؤوسنا.. ويفعل الله ما يشاء

 - مرحبا بك جارا جديدا.. سعدت حارة الحفرة بك.. أدعوك لتناول قهوة في بيتنا.. لا أحد يحضِّر قهوة الجزوة كنانَّا

ودون أن يعترض أو يعلق اندفع يسير بجواري كأنما يعرفنا منذ الأمد الطويل.

دققت الباب ثلاث مرات ورفعت صوتي

- نانَّا نانَّا ضيف يطرق بيتنا

وأنا أعرف ما تفعل نانَّا كلما سمعت ما ذكرت.. تترك كل شيء في يدها وتهرع باشة مرحبة ليس أحب لديها من الضيف.

أطلت نانَّا ملفوفة بشالها الأبيض كالنورس.. وتجمدت ملامحها فجأة.. وظهرت عليها علائم الدهشة.. نقلت عيني نحو الضيف كان جاحظ العينين.. فاغر الفم.. يقف دون حركة.. كسرت جدار الصمت

- نانَّا ماذا وقع؟

وكأنما فطنت لحالها فانتفضت

- سي صالح .. وليدي العزيز

- أُمَّا علجيه.. أمَّا العزيزة  

وارتمى في أحضانها كالرضيع الفزع الجوعان..

وقفت مندهشا أرقب المشهد.. أعيد إيماني بالأسباب والمقدمات والنتائج.. أية صدفة هذه؟ ومامعنى هذا العناق؟ وماهذه البنوة والأمومة المزعومتين؟

لم تأبه نانَّا بي راحت تجر الغريب بحنان وقد أشرق وجهها شمسا ضاحكة تحيل الحجرة الضيقة حديقة فواحة.

علمت بعد ذلك ما لم يكن في حسباني تماما.. عمي صالح العلواني هو الذي ولدت في بيته حين فرت والدتي من بطش عساكر فرنسا.. ثم بقيت هناك بعد أن التحقت والدتي بالجبل لأرضع من صدر زوجته أُمَّا عرجونه أخا لابنته الجازيه.

بعد أسابيع تحتم أخذي إلى الجبل لأعيش مع والدتي.. لكن القدر مافتئ أن حرمني من صدر أمي الدافئ.. ليمنحني صدرا أدفأ.. صدر نانَّا العظيمة.. وكان الاستقلال فانسحبت بي نانَّا لأعيش معها في هذا البيت المتواضع.

مع إشراقة شمس الغد انتقل عمي صالح مع أسرته إلى حارة  الحفرة بعد أن لفظته المدينة على أطرافها الفقيرة.. وغدت لي عائلة أخرى.. أُمَّا عرجونه.. أختي الجازيه.. هجيره.. أخي عبدالرحيم.. ما أرحمك يا الله   !

أول ما فعلته هو أني أوصيت جارهم الخير بلعوط بهم خيرا.. قلت له وأنا أجمع تلابيبه: إن اشتكى إلي منك أزهقت روحك.. قال وهو يضحك: أمرك سيدي.. وانصرف.

بعد صلاة العشاء جاءني بلعوط إلى البيت.. كانت حالته تبعث على الشفقة من شدة ما تناول من خمور رخيصة.. كنت في العادة ألومه من الغد حين يصحو.. لكني لا ألومه أبدا وهو في حالة سكر.. قدمت له قهوة مرة.. كان يبكي ويقبل يدي ويقول بلسان متلعثم: لا أحب أن يراني عمي صالح سكران أنت أوصيتني به خيرا.. أنت خُيَّ.. أقسم أني لا أحب غيرك.. أنت خُيَّ.. أعظم خُيَّ.. وعزَيَّزْ خُيَّ.. لا هو صديقي العزيز.. تعرف لماذا؟ لأنه يسكر معي وأنت لا تسكر.. يارب اغفر لنا وارحمنا.. يارب حقق أحلام منير.. والدتي وزوجتي يدعوان لك دائما.. كلما أوصلتني إلى البيت مخمورا نزلا علي شتما ونزلا عليك بالدعوات الصالحات.. أقسم بالله أنت محبوب يا منير.. ادع لي.. إني أرغب في التوبة..

أنا وعزيَّز خسرنا كل شيء و...

ودفع آخر جرعة من قهوته المرة وهو يتجشأ.. أمسكته من يده وخرجت معه لأعود به إلى البيت..

 

2

المدينة كالعاهرة لا تتزوج إلا لتجعل من زوجها مشجبا تعلق عليه خيباتها.. وها أنا أغدو فيها كالشجرة التي نقلوها من تربتها بعد فوات الأوان.. ليس لها إلا أن تنتحر.. خرجت من القرية.. ومن المشفى.. وهاهم أخيرا يطردونني من البيت لأنه ملك للمشفى.. لم يكن كلام الربيع صحيحا حين كان يردد ضاحكا:

- مبروك عليك.. أولاد الكلب بنوها وشيدوها وورثناها من بعدهم.. الله يرحم الشهداء الكرام..

لم نرثها نحن.. بل ورثتها طبقة لسنا ندري علاقتها بالثورة.. في الوقت الذي استحوذ المدير على مسكني رحت أنا أخبط في غير رشد أبحث عن وكر يسترني مع عائلتي في إحدى الضواحي الفقيرة فنحن الآن لا نملك من الشجاعة مايكفي للعودة..

 عند نبع ماء يتفجر من تحت الأرض فيسقي الناس وأشجارهم التي سترت عيوب بيوتهم التي يأوون إليها التقيت بمنير.. لست أدري ماالذي جذبني إليه بالضبط.. أحسست وأنا أراه لأول وهلة أنه أقرب إلي من أبنائي.. لعل سمرته.. أو نحافته.. أو بشاشته.. أو الكتاب الذي كان يتأبطه.. أو كل ذلك.. لست أدري

ماكدت أفاتحه في همي حتى أخرج كل مفاتيحه السحرية.. وجرني في تلك اللحظة ليحقق هدفي الذي جئت أسعى من أجله.. اكتريت البيت ثم ارتأيت أن أشتريه.. دفعت لصاحبه جزء من المبلغ وأمهلني أشهرا لأدفع الباقي.

وكان فرحي كبيرا وأنا ألتقي بأُمَّا علجيه.. هاته العظيمة التي ظلت سنوات أُمَّنا جميعا ونحن نخوض حربا شرسة ضد عساكر فرنسا.. وكان زوجها الشهيد عمي سليمان أبا للجميع وقائدا للجميع..

وفي حارة الحفرة عرفت رجالا فيهم شيء من الذين رحلوا.. عرفت عْزَيَّزْ ربيب العجوز عكة وصاحبه الخير بلعوط فيهما كثير من الجنون ولكن طيبتهما كانت أكبر.. وعرفت مفتش التعليم والتربية السيد معرفة رجل قضى عمره يغتال الظلام من العقول وظل كل الذين حوله ينسجون له أكفانا من ظلام.. كلما رأيته تخيلته شمعة تسعى.. تهرق دمها الأبيض كي تضيء للآخرين دروبهم.. وتكنس عنهم ظلماتهم..  

أخرجني عبدالرحيم من شرودي وهو يجلس بجواري.. دون أن ينطق بكلمة واحدة زوى عينيه اتقاء أشعة الشمس الحارة التي كانت تصوب سهامها نحو الخلق في غير رحمة.. ثم نصب يده اليمنى السمراء  على جبهته فوق عينيه

من أي صلب هذا الولد الفاشل الذي لا يحسن أن يصنع لنفسه خبزا يحفظ رجولته.. نظرت فيه وقلت:

 -لو كان بومدين حيا لعاقب كل الشباب البطال.. ذاك القوي أبو الضعفاء.

ودون تمهيد اندفع عبدالرحيم فجأة كأن الحياة عادت إليه

 -وماذا فعل لنا لما كان حيا حتى يفعل لنا الآن؟ انظر كلُّ ما حولنا يوحي بالمأساة

وأردت أن أعارضه.. لكنه واصل وهو ينهض

 - يتشدقون بالشعارات الجوفاء لا غير.. لقد ضحيت في الثورة بكل ما تملك.. أحرق بيتك.. وقتل أهلك.. وشردت سنوات مريرة وهانحن نعيد نفس الحكاية الكالحة.. الناس يأكلون على كل الموائد ونحن الفقراء مازالوا يطعموننا شعارات.

وغادر عبدالرحيم المكان دون أن ينتظر جوابا مني

جمعت نفسي حيث أنا ورحت أتأمله يبتعد فتمتمت

- ياله من جيل!!!

وبقيت حيث أنا لا أبرح المكان رغم هبات الريح التي كانت ترتفع من حين لآخر محدثة زوبعة من التراب..

كنت أتأمل الصبية يلعبون كرة القدم تتقاذف أرجلهم النحيفة المسودة كرة قماشية صنعوها من الخرق والجوارب وتتطاير الأتربة فتكاد تحجبهم عن الرؤية

انتبهت من شرودي على صياح جارنا إبراهيم جحا ينادي ابنته عبله الحلوة كي تساعده في حمل الشاي والفطائر إلى الحمام.

 

3

وكان ذلك اليوم مشهودا والقدر يقسم روحينا شطرين.. فيرمي بكَ إلى العاصمة حيث تكملُ دراستَك في معهد الإعلام بالجامعة لتتخرج بعدها صحفيا لامعا.. ويرمي بي إلى سطيف لإكمال تكويني شبه الطبي.. لست الآن قادرة على تحقيق حلمي الذي صبوت إليه طويلا.. ليس كل ما يتمنى المرء يدركه تجري الرياح بما لا تشتهي السفن.. ظروف العائلة كانت كابوسا رهيبا

تحصلنا على شهادة الباكالوريا معا.. مضي الصيف سريعا.. اقتربت أيام الدراسة ثعبانا مفترسا.. التقيتكَ ذات مساء.. حدثتني عن أحلامك كما تعودت.. عن أملك في أن تكون صحفيا لامعا يسخر قلمه في خدمة المستضعفين والمهمشين.. وبقدر ماكان هذا يشغل بالي كانت طبيعتي الأنثوية تحرضني على الغيرة.. كنت أردد بيني وبين نفسي

بنات المدن الكبيرة إرهابيات.. مخادعات.. ولن يستطيع بدوي ساذج مثلك أن ينجو من حبائلهن..

لقد أحببتني بجنون ونحن في القرية.. فهل تحبني كذلك وأنت في المدينة؟

لست أدري لماذا كانت هذه الزوابع تعصف في فجاج ذاتي.. رغم أن خطواتنا الأولى نحو الزواج قد تمت أمام أسرتينا.. ولم تبق إلا الإجراءات الإدارية.. منذ أن كنا صغيرين كانت أمكَ تقول لوالدتي: الجازيه لن تكون إلا من نصيب ذياب.. هاأنا أخطبها.. وها أنتِ تقبلين.. وها كل سكان القرية يشهدون

كل ذرة في هذا الكون شهدت حبنا منذ كنا صغيرين 

افترقنا وقد اتفقنا أن نفارق حارة الحفرة معا.. توصلني إلى المعهد شبه الطبي بسطيف.. وترحل أنت بعدها إلى العاصمة    

ذلك الصباح ونحن نهم بمغادرة حارة الحفرة.. رأيت دمعة حزينة في مقلتي أمي المحمرتين الغائرتين كمحرمة الشامي التي تغطي بها شعرها.. وقرأت على محياها القمحي خوفها علي وأنا الأحب إليها.. وكم كنت أدرك ما تعاني هذه الصفصافة العاتية المنتفضة الأوراق.. لم تكن تريدني أن أكون مثل بنات الأمس.. مجرد صفصافة تأوي إليها طيور الليل والنهار.. وينعم الجميع بخضرتها وقامتها ويتفيأون ظلالها.. ثم أخيرا تجازى بقبلة عميقة حارة من شفرة فأس حطاب.

ورأيت أبي صالح وقد لفحت الشمس وجهه.. فاشتدت سمرته.. وأثر عليه وقع الحياة فخطت على وجهه أثلاما.. وغارت عيناه.. وزحف الشيب يرقص فرحا على لحيته وما ظهر من شعر صدغيه تحت العمامة

لم يكن يبكي لأن دموع الرجال غالية.. ولكني كنت أحس بوقع دموعه على قلبه عازفة سمفونية الحزن.. وقرأت على عينيه

- الجازيه هأنذا أتحدى من أجلك الجميع

ليس من السهل أن يسمح رجل بدوي كأبي يسكن حارة الحفرة لابنته أن تتابع دراستها في مدينة بعيدة

وكنتَ منزويا هناك تهم أن تندفع حيث الجمع لتسحبني بعيدا بعيدا فتمتنع رجلاك كأنما أنت مقيد إلى الأرض الصلبة.. وكنت أقرأ في عينيك آيات الحب والحزن.. وكنت أرى دموعا تترقرق في جفنيك حائرة تحاول كبحها وتأبى إلا أن تصرخ معلنة عن وجودها

ورحلنا إلى سطيف.. على مشارفها يقف سيدي الخير ينثر البركات ملء يديه.. يفتح باب بسكرة حضنه ليدخلنا المدينة بحنان العمريات.. دخلنا المدينة.. طفنا بشوارعها نودعها.. وقفنا عند عين الفوارة.. قلت لك:

عين الفوارة تمثال لامرأة أحبها حاكم فرنسي كان في هذه المدينة.. ولم يشأ القدر أن يحققا حلمهما فاختطفها إلى غير رجعة.. ولأن حبيبها كان وفيا صرف كل ماله من أجل أن يقيم لها تمثالا نصبه هنا وسط المدينة على نبع ماء.

ثم رحت أحدثك عن لزرق ملول هذا العامري الذي طلبت منه حبيبته أن يحصد كل أراضيه الشاسعة سنابل خضراء قبل نضجها وركب جنونه وفعل

قلت لي وأنت تضحك

- هل بدأت تشكين في وفائي إليك؟ تمثال عين الفوارة يمثل بالنسبة إلي فرنسا الاستعمارية.. حبذا لو وضع في المتحف ونصب مكانه تمثال لامرأة عمرية.. أما لزرق ملول فهو مجنون.. والحب جنون.

وافترقنا..

كانت أول رسائلك إلي

لا تحزني.. لن أبدلك أبدا.. ولن أكون إلا لك

لن أخون حبنا..

سأحلقُ كطائر النورس حيث شئتُ.. ثم ليس لي عش إلا داخل قلبك

سأغرد كالشحرور أنى شئتُ.. ثم ليس لي إلا فؤادك أعزف على أوتاره ترنيماتك الشجية

لن أنسى حبنا يا حبيبتي وقد بذرناه في أعماق قلبينا وسقيناه- وأشعة القمر الجميل تباركنا- بدموعنا.. وحميناه من الصقيع فغدا زهرا جميلا

لن أنسى ياحبيبتي إذ كنا نركض في الحقول فتبلل الأعشاب أقدامنا الصغيرة تتسابق أنفاسنا وضحكاتنا

لن أنسى يا حبيبتي ما كنت ترددين على سمعي دائما

       نقل فؤادك حيث شئت من الهوى

                              فما الحب إلا للحبيب الأول

 

4

كل شيء من حولي مقرف مقزز.. هذه المدينة عاهرة شمطاء.. البقاء فيها ضرب من المستحيل.. غدا كل شيء ضدي.. في البيت تحاصرني نظرات والدي المرة وأنين والدتي الشاحب.. في الشوارع أحس نفسي أشبه بكيس بلاستيكي قديم تتراماه الرياح في شوارع المدينة..

ما معنى أن أحيا إذن؟ لا يمكن أن أفكر في الانتحار على الأقل بسبب الوازع الديني الذي يعد كل قاتل نفسه كافرا.. أو بسبب ماأحمل في نفسي من أحلام.. حلمي لعله صعب التحقيق.. وربما هو من المستحيلات ولكنه يبقى أولا وقبل كل شيء حلما.. من حقي أن أحلم.. والحمد لله أن الله خلقنا نحلم وإلا كانت الطامة.. والحمد الله أن حكامنا وأثرياءنا لا يملكون منعنا من أن نحلم..

آه حين أتمكن من عبور هذه البحيرة الزرقاء.. !عند ذلك سأصرخ في التعاسة.. لك الويل اذهبي إلى غير رجعة

أحسست كأنما صدري يضيق بهذا السر الحلم.. لا بد أن أبوح به لغيري.. ولمن؟ ما تعودت أن أطمئن إلا إلى منير.. واندفعت إليه ولكني ما كدت حتى أحجمت.. اتكأت على جذع شجرة كانت تقف يتيمة بائسة في تردد شديد.. وما معنى أن أبوح بما ينوء به صدري لمثل هذا الإنسان.. سيقف أمامي كصندوق بارد.. صندوقٍ مفتوح تعوي فيه الريح.. سيشبعني مثالية وحب الوطن.. وهو يعرف أنني أكفر بكل ما يقول حتى لو أعاده علي ألف مرة

ولم أستطع أن أمنع نفسي.. ها أنذا أقصده.. يجب أن أعترف أنني لا أثق في غيره..

دخلت المكتبة.. سحابة من الكآبة تغشي رفوفها.. وحدها الأوراق تعزف موالها الحزين.. تتدثر الغبار.. كم رجوته أن يغير المهنة.. كم قلت له: هؤلاء الناس يلهثون خلف ما يملأ بطونهم.. لا ما يملأ عقولهم.. حول مكتبتك إلى محل لبيع المواد الغذائية وسترى كيف تتغير حالتك.. أو أخرج من هذه الأرض الملعونة..

وكم يفلقني حين يمعن في بنظرات فيها سخرية وشفقة قائلا لي:

- أنا هكذا مستريح وسعيد ياعبدالرحيم.. ليس لنا صدر أحن علينا من الجزائر..

لم يأبه بي.. كان يغرس رأسه في كتاب يقرأه.. لست أدري هل انتبه لحضوري أم لا.. وضعت يدي اليمنى على صفحات الكتاب فتوقف عن القراءة.. وأدركت من انتباهه المفاجئ أنه لم يتفطن لحضوري أصلا.. حياني وهو يدلك عينيه بإصبعيه وعاد يتأمل الكتاب.. استندت المحسب لائذا بالصمت.. راجيا أن لا يتفلسف كثيرا فيندفع في الحديث عما قرأ.. ويتشعب به الحديث فيلقي علي محاضرة كاملة

وكان ما توقعت.. إذ ما إن استقر بي المقام حتى راح كالعادة يحدثني عما قرأ ووجد مني معارضا عنيدا حين بادرت بالقول:

 - يا منير متى تفطن لحالك؟ الناس يعيشون الواقع وأنت تحلم بحياة وسط الأوراق.. حدثني عن الواقع.. الواقع الذي تحول هذه الأيام إلى غول يلتهمنا جميعا.. يلتهم جيلا بأكمله.. ألا تسأل أنت نفسك؟ لماذا وجدنا في هذا الكون؟ متى نعلن فحولتنا؟ متى نحصد ابتسامات أطفالنا؟ هذا حلم أحب أن أعيشه فمتى يحصل ذلك؟

وعلى غير عادتي اندفعت في الشرح والتحليل حد الثرثرة ولم ينطق هو تماما.. كان يستمع إلي بإمعان شديد

حدثته عن رغبتي الملحة في أن أعبر البحر.. لا بد أن أسافر إلى فرنسا.. جنة الأرض هي فرنسا.. فرنسا وحدها قادرة على أن تمسح أحزاني وفقري.. يجب أن أسافر وهناك يجب أن أتزوج فرنسية تسوي لي وضعيتي وأستقر هناك إلى الأبد..

ماذا استفدت أنا هنا..؟ إنني أجف كل لحظة.. ما أصعب على الإنسان أن يتأمل نفسه يموت عضوا فعضوا.. أن يصفر ورقة ورقة.. وغصنا غصنا.. ثم يتهاوى شجرة خاوية.. تعرس فيها الديدان بدل الشحارير.. تزعرد فيها القتامة بدل الإشراق

لقد أعدت له هذا الكلام ألف مرة وأنا أعرف موقفه منه.. ولعله الآن ينظر إلي بكثير من الاحتقار أو ربما الشفقة.. لكني أعرف أيضا أنه بمعارفه هو الوحيد حبل نجاتي.. هو وحده القادر على أن يعبد لي الطريق لبلوغ أربي وتحقيق حلمي

ودون أن يعلِّقَ فتحَ الكِتاب وراح يقرأ علي بعض المقاطع أحاطها بدوائر رسمها بقلم الرصاص.. وكأنه قد حضرها خصيصا ليجيبني عما يحيرني

" ..لقد جمعنا إلى أملاك الدولة أملاك المؤسسات الخيرية.. واستولينا على الممتلكات الخاصة.. وأكرهنا مالكيها على دفع نفقات هدم منازلهم.. بل ونفقات هدم جامع من الجوامع.. وقد دنسنا المعابد والمقابر.. وانتهكنا حرمة المنازل.. ذبحنا سكانا بأكملهم.. "

" ..انطلقت سبعة أرتال من مليانا وشرشال.. كان عليها أن تدمر البلاد.. وأن تخطف أكبر عدد ممكن من القطعان والنساء والأطفال.."

" ..لقد كنا نحتفظ ببعض النساء رهائن.. ونبادل البعض بالخيول.. والباقي يباع في المزاد كالبهائم "

" ..صحيح أننا جلبنا معنا برميلا طافحا بآذان مصلومة اثنين اثنين من آذان الأسرى.. "

  "..لقد اغتصبنا أرضهم.. يبقى علينا أن نغتصب سواعدهم.. فالعمل الشاق هو نتيجة طبيعية لاحتلالنا البلاد.."

طوى الكتاب.. ورفع فيَّ عينين فيهما كثير من الغضب وقال:

-هؤلاء كما يسميهم الفيلسوف الفرنسي روجيه غارودي..........هل ترغب في أن تذهب إلى.........؟ هاك اقرأ كتابه وستعرف حقيقة...... وما فعلته جيوشه باسم الحضارة هنا في الجزائر.

لم يكن الكلام الذي تلاه علي جديدا.. لقد سمعته منه أو على الأقل سمعت مثله.. وربما أيدته في بعض ما يذهب إليه.. وأسرتنا هي خير مثال على ما ذكر.. لقد قدمت ضحايا ليس لهم ذنب إلا أنهم طلبوا الحرية لهذه الأرض.. وهو يعرف أنني حين أريد أن أذهب إلى.......................فما أنا ذاهب حبا فيه.. لا على الإطلاق لكن.. لو وجدنا الخير هاهنا ما تركنا بلادنا.. الآلاف من المثقفين والمبدعين والعلماء فروا إلى هناك.. هنا تكوَّنوا وهناك فجروا طاقاتهم.. أعلم أن ذلك جار في كل الدول المفلسة التي يتفرعن فيها الحكام الشرسون.. ينفرون الطبقة المستنيرة حتى لا تتحول لهم كابوسا مزعجا..

عشرات الشركات والمصانع فُلِّست وأُغلقت أبوابها وطرد عمالها تحت أعذار واهية لتباع بأثمان رمزية ويتحول عمالها إلى جيش من البطالين في الشوارع.   

نظرت فيه.. تأملت شعيرات بيضاء تلألأت في سواد شعره.. لم يهتم بي بل غرس رأسه من جديد في الكتاب واستمر في القراءة.. تركته على حاله وسرحت ببصري إلى الشارع.. وأنا أحدث نفسي لو عادت فرنسا لحلت كل مشكلاتنا وسمعت والدي يصرخ في أذني

-عليكم اللعنة ياجيل المنهزمين.. تعجزون عن تغير واقعكم فتحتمون بأعدائكم

سددت أذني بيدي ونظرت حولي.. كنت قريبا من المقهى.. وحده النادل يجلس في تكاسل على إحدى الكراسي بين النوم واليقظة.. وزوابع الغبار تمارس حوله رقصها المسعور..

ما أحقر الإنسان الغربي المتوحش الذي داس كرامة الإنسان ومازال.. في الجزائر.. أمريكا.. إفريقيا.. فلسطين.. لكن هل يلام المكيافيليون على ما يفعلون؟ أم نلام نحن الذين تحولنا إلى نعاج أكثر ما نحسن الثغاء. 

 

5

كان عبدالرحيم يستمع إلي وأنا أصب عليه أطنانا من اللوم لقد كنت أعتبره دوما عدة البيت لأنه رجل البيت ووارث إمارتها.. لا هو نجح في دراسته كأترابه.. ولا هو عمل فأزال الغبن عني وعن أختيه وأمه.. ولا هو تزوج فأفرح الجميع وفتح بابا للأحفاد.

حين ختمت كلامي الجارح اتكأ على قبضتيه وقام بصعوبة من فوق التراب حيث كان يقتعد متكئا على جدار وانصرف.. رميته برصاصات من فمي:

 - النار تلد الرماد

وعاد عبدالرحيم إلي كما لم يعد من قبل.. لم يشأ هذه المرة أن يسكت كما تعود لقد انفجر في وجهي صارخا

 - وماذا فعلت أنت لنا؟ أترابك والأقل منك سنا ينعمون الآن هم وأولادهم بالرفاهية.. فماذا فعلت لنا؟ ضيعت سبع سنوات في الثورة التحريرية.. بطنك كلها مخروقة.. رجلك عرجاء.. لم تجرؤ حتى على تقديم ملف والمطالبة بحقك في الوقت الذي ينعم فيه العملاء بخيرات البلاد بفضل وثائق مزورة.. ويسكنون قلب المدينة وعمقها.. في أحيائها الراقية.. وأنت مازلت تسكن بنا أحياءها الشعبية على الأطراف.. كالذئاب المتوحشة.

لم أحرك شفتي.. ولم أنطق بكلمة واحدة.. أحسست بالرصاصات تدوي في ساقي وبطني.. والدم الأحمر القاني يغرقني.. وسحابة الموت تدهمني.. وأنا أزحف بين جثث رفاقي الشهداء مبتعدا عنهم خطوات.. ثم أغرق في إغماءة تامة..

نظرت في وجه ابني عبد الرحيم كان أسمر اللون نحيلا لا يغطي وجهه إلا جلد لايكاد يستر عظامه.. عيناه تدوران كما البركان.. صحيح ما قال.. كان علي أن أموت حين مات رفاقي في الثورة.. حين مات الرجال الكبار.. لقد خلقت من أجل أن أضحي فقط أما أن أغنم فهذه لم أعرفها.. كنا نذهب إلى المعركة لاهدف لنا إلا الموت وصرنا خلقا آخر.. لا نجتمع إلا لنأخذ..

واشتد قلقي وأنا أتذكر أن ابني دون عمل وهو في السابعة والعشرين من عمره ولعله يفكر في الزواج.. وأتذكر الجازيه.. والوفية عرجونه وقد أنهكها المرض وأتعبتها النكبات.. ولا يعيل هؤلاء جميعا إلا ما تأخذه الجازيه مقابل عملها في المشفى ممرضة.

وانصرف أبي داخلا إلى البيت ولم أشأ أن ألحق به.. كانت هواجس متعددة تتصارع داخلي.. نيران شديدة تضطرم متأججة تلتهم بوحشية أحشائي.. حتى أنا على درب أبي.. هناك من لم يترك لهم آباؤهم غير اليتم لكنهم استطاعوا تغيير واقعهم المزري.. أهم أحسن مني..؟ لماذا أعود دائما باللائمة على هذا الشيخ الذي تعاورته سهام الحياة من كل جانب؟ لا بد أن أجد عملا.. واندفعت أهبط المدينة غير مبال بالسيد معرفة الذي كان يئن تحت ثقل محفظته السوداء..

 

6

وضعت قدمي على عتبة حمام الصالحين أهم أن ألجه.. ثم مافتئت أن تراجعت ناكصا على عقبي.. ثم عدت تضطرب قدماي كما تضطرب نفسي في مهب الهواجس العاتية.. كان القرار صعبا جدا.. خطوة أقطع بها العتبة تقرر مصيري.. لقد تعودت أن أدخل الحمام.. وتعودت أن أغتسل فيه لكن الهاجس الذي أحمله هذه المرة غير كل شيء في نفسي..

ألقيت التحية على الجميع.. وجلست صامتا قرب إبراهيم جحا بائع الشاي بالنعناع داخل قاعة الاستراحة بالحمام.. بعض الناس كان نائما وبعضهم كان صامتا ترتفع ضحكاتهم من حين لآخر وهم يستمعون لحكايات ونكت إبراهيم التي لا تنتهي.. هذا الرجل الذي أقام حياته على فلسفة بسيطة مفادها أن الحياة تافهة فاجعلها ابتسامة وامض.  

لكني لم أكن لأهتم بذلك رغم أن بصري كان يمسح كل الزوايا.. صفعني إبراهيم على قفاي وقال:

 - الدنيا فانية والدجاج يموت.. لا تحمل هما مثلي يا عبدالرحيم

وحين لم تتغير ملامحي غير إبراهيم مجرى الحديث

 - لا بأس سأقص عليكم قصة طريفة.. خذ هذا الشاي اشربه ياعبدالرحيم إنه هدية من عندي

أمسكت الكأس فارتفعت رائحتها الزكية تدغدغ شهيتي لكني وضعت الكأس بين قدمي وسكت أنصت.. قال إبراهيم جحا:

 - يحكى أن ذبابة سافرت مختفية من بلدنا في جيب مهاجر إلى بلاد الإفرنج.. ولما وصلت تحررت.. وراحت تطوف بالشوارع إلى أن أعجبها بيت ليس فيه إلا عجوز فاختارته مسكنا لها.. ولم تشأ أن تستريح في تلك اللحظة بل راحت تتفقد كل شيء باندهاش.. تحط على المربيات والمرطبات والحلويات في حبور ومرح.. وأحست هذه العجوز بمخلوق مزعج قد دخل الدار وماكادت ترى الذبابة وقد نسيت اسمها لأنهم تخلصوا من الذباب منذ قرن حتى حملت مبيد الحشرات وراحت ترشها وترشها وترشها حتى أكملت القارورة.. لم تسقط الذبابة بل كانت ترفع إبطها قائلة: إيـه ما أحلاه من عطر زكي! كانت تعتقد أنه عطر

 وماكان من العجوز إلا أن اتصلت بالشرطة والمطافئ وحين وصلوا لم يجدوا إلا الذبابة تحوم في الفضاء.. أما العجوز فرحمة الله عليها.

وانفجر الجميع ضاحكين لكني لم أضحك.. بل قذفت بالشاي في جوفي ونهضت قاصدا صاحب الحمام.. وأسررت إليه أني أريد أن أعمل دلاكا.. ابتسم صاحب الحمام وقال:

 - الحمام حمامك.. تفضل

وأسرعت أنزع ثيابي وألبس تبان الحمام وأدخل كابحا الرفض الذي كان يتأجج داخلي مرددا قول منير: العمل شرف وكرامة ولا يقاس بنوعه وشكله بل بحقيقته..

كانت قاعة الاستحمام حارة جدا.. وكان البخار يكاد يحجب الرؤية.. جلست في الركن أنتظر أوامر الزبائن.. فجأة ارتفع صوت أحدهم طالبا دلاكا.. وهرعت إليه ملبيا.. كان الزبون طويلا عريضا متشحما كجثة فيل ينبطح على بطنه.. حاولت أن أتعرف عليه لكني لم أستطع قلت بصوت فيه شيء من التردد:

 - أنت جاهز؟ هل تَعَرَّقْت؟

رد الزبون بنبرة متعالية

 - ولماذا دعوتك؟

قلت:

 - اعتدل جيدا.. ويحسن بك أن تجلس

قال الزبون وقد تعالت نبرته:

- أتريد أن تعلمني كيف اغتسل؟ دعني كما أنا وادلكني

ولم أزد كلمة واحدة.. ورحت أباشر عملي بإتقان وأنا أقول في نفسي: مم يسمن هؤلاء فينقلبون خنازير؟ وكم كيلو يأكلون بين اليوم والليلة؟ ومد الزبون ذراعيه.. بكل منهما وشم كبير لثعبان ضخم رأسه ينام على ظاهر اليد.. ولمعت أمامي الأصابع المذهبة وقد زينتها أربعة خواتم كبيرة.. ودار في خلدي لو أقدر على قطعها جميعا.. البعض يضع كيلو ذهب زينة والبعض لا يجد طعام يومه.. أين الشعارات الجوفاء التي مللنا سماعها سنوات طويلة؟ لماذا يرتمي عْزَيَّزْ ربيب العجوز عكة والخير بلعوط في أحضان العربدة هروبا من الفقر ولماذا يشقى إبراهيم جحا والمفتش السيد معرفة العمر كله لتوفير لقمة تملأ البطن وثوب يستر البدن ويملك خنزير مثل هذا أطنانا من دماء الناس؟ أية عدالة في أن تتخم الأقلية وتعجز الأغلبية عن توفير قبر للحياة تمارس فيه الحب وتزرع فيه أزهارا للمستقبل؟ ألسنا بلد البترول؟

وداهمني دوار شديد.. أحسست معه بموج القيء يهدر في شغاف القلب.. لقد عرفت الزبون.. وتذكرت كل القصص التي رواها عنه والدي وعن عائلته.. وداهمتني رائحة قذرة.. وندمت على أني لم أعرفه أولا قبل أن أدلكه.. ودار الزبون فانبطح على ظهره فظهرت الدهشة على محياه

 - هذا أنت عبدالرحيم..؟ ادلكني جيدا لا تترك ذرة غبار واحدة.. هل تعرف أن هذا الغبار الذي يلتصق بنا يأتينا من أحيائكم الفقيرة؟ يجب أن نطالب الدولة بنصب سور بيننا وبينكم.. ذكر لي قاض يسكن بجواري أن هذا النظام كان معمولا به قديما عند الرَّمَّان.. هم شعب متقدم إنهم أجداد الأوربيين اليوم.. انظر إلى حضارتهم

وأكملت عملي فقمت وصببت الماء على جسدي دفعة واحدة واندفعت خارجا.. لكن امْحَمَّدْ استوقفني وأعادني طالبا مني أن أكمل عملي.. ولما أكدت أني أكملت كل شيء أظهر لي مذاكيره وهو يقول:

- وهذه؟ لن تنال دينارا واحدا إلا إذا غسلتها

واسودت الدنيا في وجهي فرميت الدلاكة في وجهه مشفوعة بأطنان من الشتائم والسباب وخرجت مغاضبا لا أكاد أرى شيئا وصوت أبي يتردد في سمعي.. امْحَمَّدْ لما كان في سنك كان مفلسا لاعمل له وكان كلما عاد إلى البيت في المساء من سهرات القمار كانت أمه تردد له:

 - يا امْحَمَّدْ يا امْلَمَّدْ يا اشْكالْ الدَّابَهْ.. ما تسْرحْ ما تْرَوَحْ.. ما تْجِيبْ الفايْدَه

في الطريق إلى البيت مررت بمقهى الجزوة القريبة من دارنا.. سمعت منيرا يناديني.. عرجت على المقهى على مضض.. سلمت عليه وجلست معه دون أن أنطق قال منير:

 - أعرف أنك تحمل هما كبيرا.. لا بأس لا يتسع الأمر إلا إذا ضاق.. وإن بعد العسر يسرا

ورفضت هذا المنطق فرددت عليه.

 - العكس تماما لا يضيق الأمر إلا زاد ضيقا وليس بعد العسر إلا العسر

ثم رحت أحدثه وهو يرتشف فنجان القهوة عما وقع لي هذا النهار.. وعدت باللوم على نفسي أن لم أكمل دراستي وقد كنت أنجب طلاب الإعدادية.. وحين هممت بالانصراف قال منير:

 - اجلس اقترح عليك عملا علك تقبله

وجلست متلهفا مستعدا.. وحين أخبرني أنه يقدر على إدخالي صف الشرطة اهتززت فرحا لكني تراجعت فجمدت في كرسي وأنا أقول بحسرة:

- ولكن هل يقبلونني؟ وإلا كنت انتقمت من أبناء الفاعلات التاركات..

قال منير محذرا:

 - هذه مهنة شريفة لا تستعمل للانتقام بل لعمل الخير ومحاربة الأشرار أعداء الوطن.. فكر الليلة جيدا فإذا استقر أمرك على شيء فأنبئني غدا.. رئيس الشرطة صديق قديم يحب فعل الخير وسنذهب إليه سويا.

لم أعرف كيف قلعت نفسي من مكاني وقد ذهب عني القلق فانطلقت عائدا وأنا أقول:

 - والله يا امْحَمَّدْ يا امْلَمَّدْ لأقعدنك على قارورة زجاجية مكسرة الفم.. ياامْحَمَّدْ يا امْلَمَّدْ يا اشكال الدابة.

 

7

خرجت من الحمام كانت نفسي رائقة وجسمي خفيفا والدنيا بذوق العسل.. عدلت من ربطة عنقي.. سويت نظارتي.. أولاد الكلب سأشتريكم جميعا بمالي.. الكل تحت جبروتي.. أنتم وهذا الوطن الذي ضحيتم من أجله.. وهؤلاء المسؤولون الذين تهتفون لهم في الصباح والمساء كالكلاب.. فرقعت أصابعي.. حاولت إدارة الخواتم الذهبية اللماعة.. لم أستطع.. ضاقت هذه الأيام على أصابعي.. مررت راحة يدي اليمنى فاليسرى على بطني.. انتفخت أكثر مما يجب.. لا بأس ما دام الناس هذه الأيام يهابون الكروش المنتفخة.. ومادام القميص الحريري يسترها.

ركبت سيارتي الطيارة.. اليخت.. كما تسميها خليلتي سوسن غصت في المقعد الجلدي.. أدرت زر المسجل.. انطلق صوت الشاب خالد

أنا المَهْبولْ

وانا شرَّاب لَالْكولْ

سَرْبي سربي والليله نْعَمَّرْ راسي

أنا المَرْيُول

واللي بْلاتْني وَشْكُون

عَمّر عمَّر

والليله نْخَرَّج قلبي

أدرت المحرك لم أكد اسمع صوته وانطلقت على الإسفلت كأني أطير على بساط الريح. 

في طريقي لم أكن أرى الناس أمامي.. وما كنت أحب أن أراهم.. يخيل إلي أن أياد تلوح بالتحية بين حين وآخر لكني ما كنت آبه بهم.. أولاد الكلب كلما أمعنت في إذلالهم ازدادوا لي خنوعا.. جوع كلبك يتبعك.. أين أذهب؟ راحت السيارة وحدها تشق الطرقات تدور وتعود لتدور على غير هدى كان بودي أن أزور المعمل لأتفقد الأشغال هناك ثم أحجمت.. لم يبق متسع من الوقت وكمال المشرف على الأعمال سيقوم بما يجب.. أحسست أني بحاجة إلى نشوة أكبر.. اشتقت إلى الخمرة.. تذكرت أنها نفدت من الثلاجة البارحة.. وجهت السيارة صوب المركز على ضفة المدينة.. لم يكن يسمح ببيع الخمر علانية في هذه المدينة ولكن يترك لبائعيها الحبل على الغارب فيبيعونها خارج القانون.. وهو خير لهم لأن في ذلك تملصا من الضرائب..

دنت السيارة.. انعرجت.. دخلت بين أشجار وارفة ظليلة.. كان المكان رائقا.. كثيرة هي السيارات الفخمة.. جثمت هنا وهناك.. عرفت سيارة شيخ البلدية.. آه يا ولد الكلب لا تحسن حتى كتابة الواو الأعور وتقود أمة كاملة.. آ أقصد غمة كاملة.. لا عليك.. اعتن بالكرسي الدوار جيدا هو لي الدور القادم

توقفت.. صاح فيهم بوق سيارتي.. التف الغلمان حولي.. أطلت رؤوسهم من الزجاج

- أمرك سيدنا امْحَمَّدْ

هكذا نطقوا دفعة واحدة وسكتوا مبحلقين دفعة واحدة.. ابتسمت مزهوا وأنا أقول كالعادة

 - يا أحمرة

وبصوت واحد قالوا

 - حاضر مولانا شبيك لبيك كل ما تطلب بين يديك

ورفعوا أيديهم بست زجاجات من الشامبانيا.. وضعوها معجرة في صندوق السيارة.. قبضوا ثمنها.. وأعطيتهم ثمن زجاجة:

 - قدموها لشيخ البلدية الجيفة المنجوس

ثم أخرجت حفنة من القطع النقدية ورميتها عليهم عبر النافذتين.. وجمحت بي السيارة فانطلقت تاركة وراءها غبارا مركوما.. راحوا يتصارعون كالوحوش أيهم يظفر بأكبر حصة.. كم كان هذا الموقف يملأني سرورا وابتهاجا فأضحك من أعماقي.

وجدت نفسي أسوق السيارة باتجاه ضاحية المدينة حيث يسكن الشيخ صالح عندي معه حساب طويل تجب تصفيته.. لن أنسى أبدا ما فعله بوالدي أثناء الثورة حين اختطفه مع بعض المجاهدين وجاءوا به مكبلا إلى بيته وحاكموه في الليل.. وعلمت بالأمر فقصدتهم صباحا وجدتهم قد رحلوا به.. عرفت أن الفأس قد وقعت في الرأس.. اتجهت لأبناء عمومته وقلت مهددا:

 - إن وقع لأبي مكروه لآتينكم بجيوش فرنسا الجرارة.. ولأهدمن عليكم أكواخكم القذرة..

ورحلت دون أن ينطقوا.. ماكادت الشمس تتوسط كبد السماء حتى وجدت أبي في الوادي جثة هامدة.. لقد ذبحوه كالخروف وقد تجمد الدم فوق ثيابه ووجهه وفوق التراب..

في المساء كانت جيوش فرنسا الجرارة تملأ القرية بأسرها مدعمة بالأسلحة والكلاب.. وكانت الفاجعة كابوسا رهيبا أشفى غليلي.. قتلوا ابني عمه شر قتلة.. عذبوهما تعذيبا منكرا وحين صمما على الصمت قتلوهما رميا بالرصاص.    

ومازال هو غصة في القلب.. لابد أن يدفع الثمن.. وكيف يدفعه؟ بإزهاق روحه أم بالموت البطيء؟

لم تشأ صورة جثة أبي أن تمحى من شاشة ذاكرتي.. بل كانت تتضاعف في كل لحظة.. وتتركز فوق الرقبة بالذات.. كانت القصبة الهوائية والأوداج مقطوعة.. عظام الفقرات واضحة للعيان.. النجيع المتجمد كقطع الكبد يغطي كل شيء.. لقد تخبط فيه بوجهه حتى تعفر بالتراب رغم أنه كان مربوطا بسلك حديدي.. وكان لسانه قد خرج من فمه كلية..

أفزعتني الصورة.. غطيت عيني بيدي فكيف أغطي ذاكرتي الجريحة.. لم أفطن إلى نفسي.. رحت أضرب على المقود وعلى الباب وعلى صدري.. لكم الويل مني أيها الكلاب.. حقدي لا تمحوه إلا دماؤُكم

وأخرجني من كابوسي المرعب وذكرياتي المؤلمة وصولي إلى البيت.. أوقفت السيارة.. كنت أعتقد أنني سأجد عبدالرحيم فأزيد في إذلاله.. بمجرد أن فتحت النافذة لفحتني نسمات حارة مفعمة بالروائح الكريهة العفنة المنبعثة من انفجار قنوات القاذورات.. وداهمتني زوبعة ترابية أثارتها أقدام الصبية الحافية العارية.

أعدت غلق الزجاج ورفعت صوت البوق حد الإزعاج.. خرج صالح من مغارته كالشبح وقد اشتد سواده وتلألأت عيناه كأن إسهالا داهمه عاما كاملا.. كأنما عرفني فاندفع يفتح الباب ليركب.. كان الباب موصدا من الداخل.. لم أشأ أن أفتحه له وأشرت إليه أن يأتيني من الباب الآخر.. وفعلا جاء.. كنت أريده أن يبقى واقفا ليحدثني من خلال النافذة.

انعطفت إلى الباب الثاني.. نزل الزجاج على مهل.. اندفعت من السيارة الفاخرة نسمات هواء باردة.. رأيته أشبه بخنزير أليف.. قلت في نفسي: أبطرتك النعمة يا ولد الكلب.. يا ولد الحركي.. مات الرجال مقدمين أرواحهم فداء للوطن لتنعم أنت بخيراته.. ماذا بقي لصالح كي يخاف عليه؟ وهل سأعيش أكثر مما عشت؟ طز في الدنيا وما فيها.. كل مافيها لا يساوي قلامة ظفر من كرامتي.. لم أشأ أن أنحني ولا أن ألوث يدي بمصافحته.. وهممت بأن أعود لكنه بادرني:

- مالك  ياصالح لا ترحب بضيوفك أم تراني ضيفا ثقيلا؟

رددت عليه

 - أنت تعرف مكانتك عندي

ونزل خلفي يتبعني كالكلب

 - لا بأس إذا كنت تصر على أن ننزل لنشرب عندك القهوة فإنني لا أمانع ولكن اعذرني جئتك فارغ اليدين

قلت وأنا أسند ظهري للجدار

 - نحن لا نعطي قهوتنا لكل من هب ودب فازرع ينبت ياامْحَمَّدْ امْلَمْدْ

ولمحته يتلمظ مرارة كلماتي وهو يقول:

 - الماضي ماضي ياالشيخ صالح.. والذي فات مات.. يجب أن نفتح صفحة جديدة بيضاء ناصعة لا نكتبها إلا بالذهب الخالص

ابتسمت باستهزاء وقلت

 - وهل تركت في الدفتر ورقة واحدة بيضاء بريئة؟

وسكت لحظات كأنما لم يحر جوابا.. كأنما صدمته بأجوبتي التي لم يكن يتوقعها.. كان يظن أني سألهث كالكلب أمامه مرحبا طمعا في ماله كما تلهث الكلاب الأخرى حواليه.

أيها الغراب الأحمق مازلت في عنادك إلى اليوم.. يجب أن تسقط كما سقط أمثالك من الذين أشبعونا حبا للوطن.. وحبا للثورة.. المال يضحك الموتى.. لكن من أين أبدأ له الحديث ؟ أحسست كأنه سور حصين يصعب اختراقه.. عجيب تيس أسود نحيف كهذا يخيفني ! جمعت كل قوتي وقلت:

 - ياصالح جئتك في أمر مهم

قال دون مبالاة

 - هات طلبك وخلصني.. ورائي ما يشغلني

عاودت جمع شجاعتي وقلت:

 - أنت فقير

قاطعني بعناد

 - ولكنني شريف.. لم أمد يدي لأحد.. ولم أجمع شيئا من حرام.. وأنا سعيد بذلك

أدركت أنه يقصدني مباشرة.. لابأس أيها الأفعى السوداء سمك لا يضرني.. ولكني حين أعضك سأقتلك.. سأشفي غليلي.. وستطمئن روح والدي في قبره.

رفعت فيه بصري.. أحسست بالاختناق.. الروائح النتنة.. الهواء الساخن المغبر.. أصوات الصبية كالشياطين يندفعون حفاة شبه عراة صاعدين هابطين خلف بعضهم البعض.. أردت أن أصرف الأمر عما جئت من أجله غير أني رأيت أن ذلك سيعد ضعفا شديدا مني يحسب علي.. عاودت ضبط أعصابي وقلت دفعة واحدة وأنا أحس بالخوف الشديد منه:

- أريد أن أتزوج على سنة الله ورسوله.

سخرت في أعماقي.. هؤلاء الكلاب هم الذين يستغلون الدين لخدمة أغراضهم الدنيئة.. هذا النجس يعرف سنة الله ورسوله؟ ! متزوج من اثنتين.. وطلق اثنتين ويعيش مع عشرات العاشقات والعاهرات.. ثم يتحدث عن سنة الله ورسوله.. التفت إليه وقد أحسست بحقارته أمامي

 - وما دخلي أنا في الأمر.. تزوج أو طلق لا شأن لي

لم يدعني أكمل حديثي حتى قاطعني بسرعة

 - أريد أن أخطب ابنتك الجازيه

جحظت عيناي دهشا وقلت وأنا أتميز من الغيظ

 - نجوم السماء أقرب إليك أيها النجس

ودخلت الدار فصفقت الباب غضبا.. وسمعته ينبح كالكلب

 - والله لآخذنها أو لأقتلنكم جميعا أيها الأنذال.

أحسست بالإهانة خنجرا صدئا مسموما يتغلغل بصعوبة في كبدي.. هرعت إلى السيارة وأنا أبصق في كل الاتجاهات

فتحت الباب.. ارتميت وأغلقته عجلا.. مددت يدي إلى رقبتي.. خففت من ضغط ربطة العنق.. تنفست عميقا وانطلقت مبتعدا وأنا أصيح

- والله لآخذنها مهما كلفني الأمر ولو خسرت كل مالي.. ثم لأجعلن منها كلبا قذرا في بيتي.

 

8

وصلت إلى البيت وأنا أردد بصوت مسموع: يا امْحَمَّدْ ياامْلَمَّدْ يااشْكالْ الدابة.. دخلت البيت وجدت وجه أبي عبوسا قمطريرا.. رمى بستائر همومه على وجهي فابتلع كل فرحة لدي.. وقفت مشدوها.. ما رأيت أبي في مثل هذه الحالة منذ عرفته على كثرة السهام التي تعاورته.. أحزان تلتها جراح.. تلتها أتراح.. تلتها أقراح.. فندوب غائرة.. لكني لأول مرة أرى وجهه يتسربل هذه الملاءة.. اللهم سترك..

درت ببصري ذات اليمين وذات الشمال أتطلع إلى الأبواب والجدران عليَّ أشتم الحقيقة.. كل شيء كان دون رائحة.. تسللت عيناي هاهنا وهاهنا لم ألحظ شيئا.. هل وقع مكروه لوالدتي وقد تركتها مريضة؟ لست أدري.. بل لا أعتقد فهذا الوجه الجامد أمامي لا يخفي هذا الأمر.. تفرست فيه كأنما أستفزه لينطق.. لكنه لم يفعل.. مازال يقف أمامي كهوفا عجيبة لم تُكتشف بعد.. أدغالا كثيفة لم تطأها قدم إنسان.. كأنما انقطع نفسُه تماما.. غادر الحياة وبقي هيكله منتصبا كهيكل سليمان.. عيناه وحدهما كانتا تنطان كنغرين يلمعان في الظلام فارَّين في غير هدى.. وبدأت أحس أن جسدي كله يغشاه الخدر الشديد.. كأنما مغنطني بنظراته.. وأدخلني في مجاله.. ففقدت حريتي وصرت ذرة تدور في فلكه.

اقتربت منه خطوة واحدة.. تنحنحت لألفت انتباهه إلي.. قلت متلعثما وقد جف ريقي تماما..

-ابشر أبتِ انتهى عصر المذلة..

رفع في عينين مشتعلتين.. خيل إلي أنه يحمل رأس بومة تنتصب في الظلام الحالك.. توهجت العينان وفيهما حيرة كبيرة.. رددت وقد ارتسمت على ملامح وجهي ابتسامة صفراء باردة:

 - يا امْحَمَّدْ يا امْلَمَّدْ يا اشكال الدابة ما ترعى ما تسعى ماتكسب فايده

وبدأ صوتي يخفت شيئا فشيئا حتى كدت لا أسمع الكلمات الأخيرة وأنا أنطق بها.. لقد زاد الرجل اسودادا وحلاكة وتشظى علي فجأة:

 - لو نظر البعير لحدبته لانقطعت رقبته

لم أفهم لماذا ضرب هذا المثل.. هل يعيرني أنا بدله؟ وأردت أن أقول شيئا فأرعد فيَّ

 - لقد كان عندي اللحظة مزهوا بماله.. لقد بال على كرامتي ألف مرة.. العميل ابن العميل.. بالأمس ذبحت أباه مرة واحدة.. وهاهو اليوم يذبحني ألف مرة.. لعنة الله على حرية يذل فيها صانعوها.. ويعز فيها أعداؤها.. لو كنا نعرف أن هذا سيقع ماوضعنا السلاح.. البطل تخدعه الثقة.. والثورة قطة تأكل أبناءها.

ولم يدعني ليواصل

- سأقتله.. وماذا عندي أنا كي أخاف عليه؟ قبلت بكل شيء إلا أن تداس كرامتي.. منذ لحظات كان هنا.. تعرف لماذا؟ يطلب يد الجازيه ابنة عدوه.. بينهما ثلاثون سنة.. أقطعها وأرميها للكلاب بدل أن يطأها ذلك الخصي.

أطلت والدتي عبر النافذة كأنها جثة قبضت روحها الساعة.. كل شيء فيها باهت إلا آثار الوشم الذي ازدادت خضرته حد السواد.. تحاملت على نفسها وقالت:

- وأنت لا تملك إلا أن تحترق غضبا من تفاهات رجل هزمته أثناء الثورة مرة واحدة وهزمك بعدها ألف مرة .

ولم أفطن حتى وجدت والدي ينزع في لمح البصر حذاءه ويرميه في وجهها ويرميها من بعده بأطنان من السباب والشتائم.. وهي طبيعة أبي.. حين يغضب يتبركن فيلفظ حمما حارقة.

وأسرعت إلى النافذة أقف سدا دون حماقاته.. لم تنطق أمي بل جلست على السرير الصغير تلهث إعياء.. هي مصابة بداء في رأسها ولابد لها من عملية جراحية ستكلفنا غاليا.. المهم أن الفحوص لم تنته بعد وما زال الأطباء لم يقرروا شيئا.. وتسمر المشهد على ماهو عليه.. كنا جميعا سكوتا إلا من أنفاسنا التي راحت تصَّاعد وتهَّابط..

دخل منير فجأة كأنما هبط علينا من السماء.. لم يطل التحديق فينا وقال باستغراب ظاهر

 - خيرا يا جماعة ماذا وقع يا عمي صالح؟

استرجع أبي أنفاسه كأنما عاد من عالم الغيب وقال:

 - عمك صالح ليس بخير يا وليدي منير.. الحياة غدت أمامي دون طعم.. أصبحنا حين نرفض الذل يقال لنا أنتم تبالغون.. يريدون منا أن ننزع لهم سراويلنا

وخشي منير أن يتمادى أبي أكثر من اللازم فيخلط الحابل بالنابل.. ويأتي بألفاظ قد تفرقنا.. فراح يضمه إلى صدره بحنان وهو يقول:

- أنت مؤمن ياعمي صالح.. والله سيتغير الحال.. والله سيتغير.. يجب أن نعيش على الأمل وعلى الحلم الوردي الجميل.. آخر معقل يتحصن به المحارب المنهزم هو الأمل.

سكت لحظة كأنما ينتظر من أبي رد فعل حتى إذا لاحظ أن ثورته بدأت تخمد واصل ليزيد جرعة التهدئة:

- أعرف أنك تحمل هم عبدالرحيم.. لا تخف.. لقد وجدت له عملا.. لقد كلمت السيد رئيس الشرطة وهو صديق حميم ورجل طيب ومثقف وسيكون لعبدالرحيم المستقبل الزاهر.

كنت سعيدا بهذا الفتح وبهذه الكلمات التي قالها منير.. وكنت أتمنى أن يسكت لأسمع تعليق والدي.. وفعلا سكت منير كأنما كان يقصد بالضبط ما كنت أقصد إليه.. ورحنا نقلب الطرف في ملامح الوالد.. كان مخاضا رهيبا يخض أحشاءه.. لعق شفتيه اليابستين.. استغفر الله وجلس على مقعد صغير كان هناك.. أخرج من جيبه كيس البرزيلي.. انتزع ورقة بيضاء.. ملأها.. لفها.. وضعها في فمه.. أشعلها بنار ملتهبة وجذب نفسا طويلا.. طويلا.. أمسكه لحظات ثم زفره فجأة كأنما يزفر معه كل أحشائه.. كل همومه.. تأمل الدخينة بين أصابعه المعروقة.. لم يبق منها إلا النصف.. جلس منير إلى جواره وبقيت أنا منتصب القامة كعمود الهاتف الخشبي.. أقلقني هذا الصمت الرهيب المفزع ونطق منير

 - ماذا تقول يا عمي صالح؟ لم نسمع رأيك بعد

تفل أبي شيئا من محلول التبغ الملتصق بشفتيه وقال:

 - خير من لا شيء.. كنت أتمنى أن يتعلم ويتحصل على شهادة عليا ثم يدخل الجيش أو الشرطة ليواصل نفس الدور الذي بدأته.. ولكن ماعساه يفعل وهو شرطي بسيط لا حول له ولا قوة؟ مجرد عبد مأمور.

هذا الكلام أعاده أبي علي ألف مرة ومرة.. وهو يعرف أنه باطل لا ذنب لي فيه.. هو يعرف أنني كنت أحسن تلميذ في المدرسة وفي الإعدادية.. وأن أترابي الذين يعلقون الشهادات العالية ويتصدرون المناصب العليا.. كانوا يتطفلون علي في الامتحانات.. ولكن الفقر كان البتار الذي قصم ظهري.. الديناغول الذي ابتلع كل أحلامي وآمالي.. فلماذا يعيد علي والدي اسطوانته الكريهة كل مرة؟

لم ينطق منير ليلطف من الجو كأنما كان ينتظر مني أن أنطق وفعلا نطقت وفي نبرتي شيء من الغضب الحذر

 - يا والدي لماذا تريدني أن أسمعك الشريط ألف مرة ومرة.. أنت تعرف كل الملابسات التي أحاطت بدراستي.. ثم هاهو منير متخرج من الجامعة ماذا فعل بالشهادة التي يحملها؟ لا يكاد يكسب قوت يومه.. وهاهو امْحَمَّدْ امْلَمَّدْ اشكال الدابة لا يحسن أن يرسم الواو الأعور يعيش كالملك.. عصر المادة يا والدي قيمتك قدر ماتملك من مال لا ما تملك من علم ولا من خلق.

تغيرت ملامح والدي وغدا وجهه أسود كظيما من سوء ما سمع.. فماذا لو يعرف أنني قصدت الحمام لأعمل دلاكا؟ وأنني وجدت امْحَمَّدْ اللعين؟ وأنه طلب مني أن أغسل مذاكيره؟ وأنني خرجت دون أن أنطق؟ لو علم ذلك الآن لامتص دمي.. لكنني سأمتص دم امْحَمَّدْ.. سأجلسه على قارورة مكسرة الفم.

وأراد منير أن يغير مجرى الحديث ويلطف من انفعال والدي فقال:

 - ياعمي صالح يجب أن نتعامل مع واقع.. مع شيء كائن لا مع ماكان.. يجب علينا أن نقاوم إلى آخر رمق من حياتنا.. فإذا ما متنا يجب أن نموت واقفين.. كالأشجار يجب أن نموت واقفين.. لقد علمتني أن النسر حين يشعر بنهايته يطير.. يحلق.. يرتفع في السماء ويستمر محلقا حتى يصل إلى آخر نقطة يستطيع ثم يختار أعلى قمة ويهوي فوقها ليلقى حتفه.

سكتنا جميعا.. قلت في نفسي إيـه ياوليدي منير هذا النسر الذي كنت تعرفه شاخ.. وهرم.. وتعاورته سهام الحياة.. وقصت الكلاب جناحيه فبماذا يطير؟ إنه يموت في جحره كالفأر.

 

4

قراصنة الأحلام

 

1

دخان ونار يكادان ينبعثان من عجلات السيارة الفاخرة وهي تبتلع الطريق غير آبهة بمن أمامها من الخلق والسيارات.. تصعق بشدة باصقة على الجميع في غير مبالاة.. دارت فجأة وسكنت حركتها فجأة كأنما قُبضت روحها..

نزلت وأنا أصفع الباب.. أعدو في جنون.. أدخل بوابة المشفى.. لم أبال باستفسار البواب وأنا أدوس كلَّ الكلمات التي قالها.. دخلت.. عبرت الباب.. اتجهت مباشرة إلى قسم الإنعاش.. لم يعترضني أحد حتى وجدت نفسي وجها لوجه معها.

كانت سيدة النساء جميعا..

وسيدة الحسن والجمال..

سمراء.. ممتلئة.. مفتولة القوام..

في عينيها كبرياء صالح العلواني..

آه.. لو أحصل عليها.. لو أمتلكها..  

انتبهت إليها فجأة.. أخرجتني من غيبوبتي.. نظراتها ترميني بشواظ من نار وحقد.. انتبهت.. ارتعش جسدي كأن تيارا كهربائيا مسه..

- ما الذي جاء بك كالشيطان إلى هنا..

قلت وأنا أحس بالزمهرير يدهم كل عضو في فأنكمش على نفسي:

 - أعيد الشريط للمرة الألف.. أطلب دفئك يا روحي.. ياقلبي.. يامبتغاي.. ياسيدتي.

زوت بين عينيها كأنما تهم أن تطلق من فوهتيهما رصاصتين قاتلتين وقالت:

 - لقد حسمت في الأمر ألف مرة الطيبون للطيبات

وخشيت أن تكمل فتقول كما تعودت: وأنت خبيث لا تليق بك إلا خبيثة.. أو تقول كما تعودت: أما تستحي من شيبتك فتطلب يد ابنتك؟ فأسرعت قائلا:

 - الحب ياجازيتي لا يعرف السن.. لقد قصدت أباك وفاتحته في الأمر.

ولم أكمل حديثي حتى قفَزت مذعورة وغلّقت دونها الباب.. لم أشأ أن أبرح المكان.. بقيت أغدو وأروح في الدهليز مرددا:

 - تنعشين قلوب الغرباء وتدعين قلبي يلفظ أنفاسه؟ لن تبرد جمراته حتى أطأك كالفحل.. وأوقّع بك صك انتصاري على أبيك الأفعى..

وتلاعبت أمامي الساعةَ صورة جثة والدي ملطخة بدمائها كالخروف.. ومظاهر تعذيب أهل القرية بعد تلك المجزرة الرهيبة التي كان من ضحيتها ابنا عم صالح..

ياصالح انتظرني أنا قادم.. لن يطوينا الثرى حتى أبول عليك وعلى كل من على شاكلتك..

وخرجت أجر أذيال الخيبة.. بت تلك الليلة سهران.. وشربت كل ما حملت معي من الخمر.

 

2

كنت مع عبدالرحيم قريبا من المقهى حين مرت بنا عبله أو الحلوة كما يحلو لسكان حارة الحفرة أن يسموها..

بضة كانت كأنما هي منحوتة من المرمر..

يتهدل شعرها الخروبي في كبرياء وغنج على كتفيها مفتولا ملتويا..

وجهها استدار وامتلأ كقمر يتربع على عرش الغسق..

تختال في مشيتها..

تضرب قدميها على الأرض المتربة في زهو شديد..

صمت الجميع في المقهى وتسمر الذين كانوا يستندون الجدار.. نقّلتُ الطرف بين الجميع سريعا وعدت أرتوي من فيض جمالها ابتلعت ريقي وقلت بصوت خافت

 - عبد الرحيم.

 - اشششت.

رد بصوت خافت دون أن يحول بصره عنها

 - عبدالرحيم.. عبدالرحيم.

لم يرد بكلمة واحدة هذه المرة بل راح يتابعها بعينيه وهي تنتهي إلى المغيب

وتلاشى السناء الذي أشرق في الشارع بأكمله فبُعث الجميع إلى الحياة ودبت بينهم الحركة من جديد

نظر فيَّ عبدالرحيم وقال:

   - ياصاحبي الجميع كان يمارس طقوس العبادة لإلهة الجمال وأنت تتحدث؟

ولم أجد ما أقول سوى أن أوافقه على رأيه بصمتي..

تستحق فعلا أن تكون هذه الحلوة إلهة للجمال والحسن والفتنة

هي الآن لم تتخط الثامنة عشر من عمرها وحين تتفتح أكمامها في ربيع عمرها هل تستوي على عرش أكبر من عرش إلهة الجمال؟

تنهد عبدالرحيم من أعماقه وقال:

 - محظوظ من يتزوج هذه الأفعى.. طلق إبراهيم جحا أمها وهي صغيرة واختفت أمها بعد ذلك من الوجود تماما.. ميتة هي الآن أم متزوجة في جهة أخرى من أرض الله الواسعة؟ لا أحد يدري.. حتى الحلوة لا تدري..

 حين تزوج إبراهيم زوجته الثانية أوقف الحلوة عن مواصلة دراستها وهي بعد في الابتدائي.. يجب أن تساعد زوجة أبيها في إعداد الفطائر والشاي.. ثم هي أصبحت محط معاكسات الشباب.. لكن إبراهيم لم يستطع أن يواصل فرض سيطرته على الحلوة إذ ما فتئت أن كسرت ذلك الطوق عليها وأصبحت تأخذ زينتها وتخرج متى شاءت متنقلة بين الحمامات والحلاقات والأعراس.. وكثر الحديث عنها حقا وباطلا.. بل ورآها البعض تركب السيارات الفخمة مع الغرباء…

ولاحظتُ أن عبدالرحيم قد تحدث أكثر من اللازم فقاطعته قائلا:

 - ياعبدالرحيم ما قلته أعرفه لكن الذي حيرني هو كثرة كلامك اليوم وعهدي بك غير ذلك.

تبسم عبدالرحيم وقال:

 - يامنير ياأُخيَّ هذه الأفعى تُنطق الحجر الأصم فلا تلمني.. لو كنت غنيا لاشتريتها من إبراهيم جحا بوزنها ذهبا..

وسكت زافرا ثم واصل بحسرة

 - لكن الله غالب.

تنهد وسكت يتجرع حسرته مرارة فقلت:

 - إيـه يا صاحبي من عاند السماء أصابه العمى.. لو سمع عمي صالح بحلمك هذا لأهدر دمك هو على عقيدة سيدي عبدالرحمن المجذوب

  "لا يعجبك نوار الدفلى في الوادْ دايَرْ ظْلايل

                 ولا يغرك زِين الطُفلَه حتى اتْشوفْ لَفعايل"

نظر إلي غير مبال بما قلت.. تأملني مليا وقال:

 - لو كانت تبالي بي لرحلت وراءها إلى آخر الدنيا لا أبالي بأحد ولكن الله غالب

وتنهد من الأعماق كأنما يحمل هما عظيما.. وتذكرت في هذه اللحظة ثلاثة من شعرائنا الكبار دار في خلدي أن أروي له ما قالوه وما وقع لهم ولكني بقيت صامتا حتى فاجأني بقوله:

 - مالي أراك ساكتا؟

فاندفعت متحمسا:

-      اسمع مايقول الأمير عبدالقادر:

أقاسي الحب من قاسي الفؤاد        وأرعـاه ولا يرعى ودادي

أريد حياتها وتريـد قتــلي        بهجـر أو بصـد أو  بعاد

وأبكيها فتضحك مِـلء فيها         وأسهر وهي في طيب الرقاد

وتعمى مقلتي إمَّا تنــاءت         وعيناها تعـمى عن مرادي

وأبذل مهجتي في لثم فِيـها          فتمنعني وأرجـع منه صاد

وظهرت عليه علامات الدهشة فقال:

 - هذا كله يصدر من الأمير العالم الصوفي المجاهد.. كأنه يعشق الحلوة

تبسمت وقلت:

 - يقول الدارسون أن شعره الغزلي موجه إلى زوجته.. ولكن المتذوق للشعر يدرك أن الأمير كان غارقا في بحر الحب.. ولعله لم يجرؤ فقط على ذكر حبيبته خوفا على مكانته.. ألم يقل أوسكار وايلد خلقت المرأة لتثير فينا الرغبة لتحقيق الروائع

في الوقت الذي غرق فيه عبدالرحيم في يم الدهشة تركته حيث هو ورحت ابتعد عنه.. كانت نانَّا تلح في الحضور على ذهني وهي تضمني تحت شالها الأبيض فرخا لم يكسه إلا الزغب وتعبر الشارع الفاغر فاه إلى مدرسة الحي..

عند البوابة تطلق سراحي..

أتعلق برقبتها لكن أصابعي الصغيرة لا تمسك غير الخُمْسَة الفضية تضعها على صدرها تشد بها جناحي الشال وتنحني فترسم بشفتيها العذبتين على خدي باقة للحب الدافئ.. تشيعني بنظراتها وأنا أمسك بيد حسناء وندخل معا إلى الساحة ثم إلى القسم.

حين يغرق المعلم في بحر الدرس وتطويه أمواج الشرح لا تتراءى لي منه إلا يداه النحيفتان ترتفعان وتنزلان كذراعي غريق وأكون أنا مع ذياب نتربص بالأعداء ونحتال على لقاء دافئ مع الجازيه بعيدا عن العيون..

أعود إلى جو الدرس منتبها على إثر صياح حسناء في القسم وهي تكاد تلمس المعلم رافعة إصبعها النحيف.. سيدي.. سيدي.. سيدي..  

 

3

وفي صباح الغد لم يذهب إبراهيم كعادته إلى المدينة بائعا للشاي والفطائر ولكنه كان يتنقل في الحارة سائلا كل من يخرج من منزله عن الحلوة.. وانتشر بسرعة نبأ هذا الاختفاء وغدا حديث الجميع يلوكونه.. يمططونه.. يشكلونه كيفما شاءوا وأرادوا.. وكانت العجوز عُكة أكثر الجميع حركة رغم التهاب مفاصلها الحاد وهذه عادتها حين ينتشر خبر مثل هذا.. تطوف بالأفواه.. تستنطقها.. تجمع من عندها الاحتمالات جميعا ثم تنمقها وتضيف عليها شيئا من التوابل لتخرجها في أحسن حلة..

 التصقت بالأرض وسط الحارة وقد تجمع حولها نفر من السكان.. كنت في عجلة من أمري.. أبصرتني من فتحة تركتها في الطوق الذي ضربه حولها النفر فارتفع صوتها المبحوح تناديني.. قلت في نفسي: وقعنا ورب الكعبة.. سألتني مباشرة وأنا أصل:

 - إلى أين بهذه العجلة؟

 رفعت إليها بصري واندفعت مواصلا.. رمتني بشواظ مبحوح من فمها وهي تقهقه

 - الدنيا فانية يا ولدي مازلت صغيرا وستلهث طويلا

وضحك الجميع فأحسست بالتضايق الشديد ولكني واصلت سيري فواصلت حديثها

 - كل عطلة فيها خير.. ألم تسمع بالحلوة..؟ لقد خطفها امْحَمَّدْ امْلَمَّدْ وافـتـ…

كنت قد ابتعدت أكثر من اللازم.. ولم تعد كلماتها المبحوحة الممزوجة بقهقهات الفتيان تصلني.. لكني توقفت فجأة كتمثال حجري ورحت أعيد شريط ما سمعته من العجوز عُكة.. إنها تشتم الأخبار ككلب الصيد المدرب الماهر.. هل حقا ما قالت؟ تلك كارثة.. إذن كارثة لا تحتمل.. ماذا بقي لحارة الحفرة وناسها البسطاء غير أن تنتهك حرماتهم؟ في المجتمعات الفقيرة يتآزر أولو الأمر والنهي مع الأغنياء على ابتزاز الفقراء.

حين انعطفت التقيت بصالح.. أخبرته بالأمر.. تحسر كثيرا وقال:

 - واحسرتاه خنزير التهم وردة.. إن كان فعلها حقا يستحق الذبح.

وصمت فلم يزد كلمة واحدة.. وافترقنا أمَّمَ هو وجهه إلى منزله.. وقصدت أنا المكتبة.. وقد عادت بي الذكرى لأيام الطفولة الرائعة بروعة نانَّا..

نَـ

ا

نـَّ

ا

آهٍ يادفء نـانــّا..

        ياعش نــانـــّا..

                   ياحضنــــها..

                         ياصدرهـــــــا.....

وكان الجو باردا.. القر ثعبان يتسلل عبر الجدران.. ينزع الأغطية.. يخترق اللحم.. يلسع العظم.. الحطب البلوطي يلتهب.. تطقطق ناره.. تخبو شيئا فشيئا.. ينام الجميع.. وحده الجمر الأحمر يبقى مستيقظا يحرسنا.. أتأمله بعيني الصغيرتين.. أخاف أن يقهره ثعبان القر..

تجذبني نانَّا إلى صدرها أنسى القر والصر.. نم ياوليدي في هضابنا العالية نقول: من تحبه أمه تكسوه في الربيع لأن برده لايقاوم..

نانَّا منذ أن انتهت الحرب ونزلت مظفرة من الجبل تاركة زوجها هناك شهيدا لم تتزوج.. وإنما نذرت نفسها لتربيتي أنا ابن الشهيد الذي شاء القدر أن تحضنه وهو رضيع في الجبل دون سابق قرابة بيننا..

كانت تحدثني عن الجميع.. عن بطولاتهم وتضحياتهم إلا عن نفسها.. كانت تقول لي وهي تتفقد كل ركن في البيت..:

الشهداء يُقتلون ولكنهم لا يموتون..

إنهم أحياء بيننا يرزقون..

عيوننا قاصرة عن رؤيتهم..

ثم تقطع كلامها.. وتظل تحدق في كل مكان.. من الباب.. من النافذة.. إلى السماء.. إلى السقف.. في كل زاوية.

 

4

عاد إبراهيم جحا من مركز الشرطة حزينا كئيبا.. وهو الذي كان دوما يمسح عن جفون حارة الحفرة أتراحها وأحزانها.. ويزرع على شفتيها زهور الابتسامة والفرحة.. حتى قيل إنه يضحك الموتى..

منذ يومين اغتال الوحش الفرحة في قلب إبراهيم.. بحث النهار كله ومعه كل أبناء الحارة.. سألوا كل الناس.. تفقدوا كل الأماكن وانتظر طول الليل.. اختفاء الحلوة يعني بالنسبة إليه خيانة ثانية لزوجته الأولى التي أحبها بجنون وضيعها بجنون.. كان يريدها أن تينع أمام عينيه محاطة بخفقات قلبه الدافئة.. ويرد إليها شيئا مما سلبه منها ومن أمها..

الحلوة بالنسبة لسكان حارة الحفرة الشمس التي يتيهون بها أمام أبناء الأحياء الراقية.. حتى إذا افتخروا عليهم بما عندهم من مرافق قالوا بتعال: وهل عندكم مثل الحلوة؟ وحين تخرج في الصباح يقفون جميعا يحيونها ويشيعونها.. حتى إذا ابتعدت جعلوها حديث مجالسهم.. وهم حين يتحدثون عن جمالها يصفون كل جزء فيها.. وجهها شمس.. شعرها حرير.. فمها خاتم.. أصابعها ذهب.. ساقاها جوهر.. ولا يجدون نظيرا لها في الجمال إلا الجازيه ابنة صالح.. ولما كانت سمراء اللون كانوا يسمونها الأميرة السمراء.. وهكذا فحارة الحفرة تضم الأميرتين معا الشقراء والسمراء.. وكنت أحس ما بينهما من غيرة تظهر في تنافرهما واغتياب بعضهما البعض.

لم يكن إبراهيم راضيا عن تبليغ الشرطة بأمر اختفاء الحلوة لإيمانه أن الفأس قد وقعت في الرأس ولا معنى للتبليغ الآن

عاد إلى الحارة لم يشأ أن يدخل المنزل.. بقي يتكئ على جدار ترابي متهرئ يقام سترا لباب غرفة العجوز عكة.. لحقتُ به.. كان شعر وجهه قد تحول إلى ليل يظاهر سواده غبش الحزن في إخفاء احمرار الوجه.. كان الناس ينظرون إليه حزانى ولا يجرؤون على الاقتراب منه ماداموا لا يقدرون على تقديم يد العون.. اقتربت منه وإلى جواره وقفت صامتا.. تجمد فيَّ كل شيء.. كسر هو الصمت وقال:

 - ضاقت بي الدنيا يامنير.. لم يبق لنا إلا شرفنا وهاهو يضيع

لم أجد القدرة للتعقيب على كلامه فسكت.. كنت أتفرس في الجدران والطرقات والأبواب والنوافذ كلها كانت حزينة تلعن صمتنا وخذلاننا

في المساء دبت حركة غير عادية وخرج الناس جميعا.. حتى الصغار.. حتى النساء كانوا يستبشرون بعودة الحلوة.. تجمع خلق كبير قرب منزل إبراهيم يحيطون به وكثر لغطهم وصخبهم.. يعلو عليهم جميعا صياح عَزُّوزْ الدود فرحا.. شققت الجمع.. رأيت إبراهيم وقد بدأ وجهه يشرق يحاول أن يسكتهم ليسمع من أحدهم فلم يقدر.. حين رآني ارتمى في حضني وهو يصيح بي:

- لقد رجعت الحلوة يامنير.. رجعت

وأردفه عَزُّوزْ الدود كأنه صداه

- لقد رجعت الحلوة يامنير.. رجعت

ولم يتركني إبراهيم أستفسر عن الأمر فواصل

 - لقد شاهدوها تدخل قسم الشرطة

ولم يكد يكمل كلامه حتى اندفعت مهرولا واندفع إبراهيم خلفي.. اتجهنا مباشرة إلى مركز الشرطة وفي الطريق لم يكلم أحدنا الآخر.. كانت تتصارعني شكوك وظنون.. وتعصف برأسي هواجس.. هل حقا عادت الحلوة؟ ولماذا ذهبت إلى مركز الشرطة؟

 وتذكرت ما قالته لي العجوز عكة منذ يومين.. وهي لا يمكن أن تكون إلا صادقة.. إنها الهدهد العجيب كما يسميها أهل الحارة.. إن كان ما قالت حقا فتلك الطامة.

حين خرجنا من مركز الشرطة كان هتاف أبناء حارة الحفرة يرتفع عاليا:

-      الحلوة الحلوة…

     الحلوة الحلوة…

     الحلوة الحلوة…

وفجأة صمتوا كأنهم آلات قطعت عنها الكهرباء.. وعبست وجوههم حين رأوا على وجهينا ملامح الحزن والأسى.. سرت أنا وإبراهيم عائدين إلى الحارة دون أن ننطق رغم إلحاح المتجمهرين على معرفة الحقيقة.. لكن لا أنا ولا إبراهيم استطاع النطق بالحقيقة المرة.

جلس إبراهيم قرب منزله وتجمهر الناس قريبا منه يتهامسون دون أن يجرؤوا على معرفة اليقين منه.. تركت المشهد كما هو وانسحبت عائدا إلى البيت.. لم يلحق بي أحد.. ربما لم يكونوا يرغبون في معرفة الحقيقة.. ولعل في أذهانهم الآن عشرات الاحتمالات يفضلونها أن تبقى جميعا على أن ترسوا عقولهم على فاجعة.

حين وصلت الباب لمحت عمي صالح مقبلا من بعيد.. لقد رجع الآن من سفره.. هو لا يعرف الحقيقة لقد سافر إلى العاصمة منذ أربعة أيام لزيارة زوجته التي مازالت تمكث في المشفى في حالة من الغيبوبة.. لم تنجح العملية الجراحية التي أجريت لها.

كانت على وجهه علائم الحزن والتعب.. قبلته على كتفه الأيسر  قائلا:

 - على سلامتك يا عمي صالح.. كيف حال أمَّا عرجونه.

رد سريعا :

 - ما الذي وقع للرومية؟

اندهشت لهذا السؤال.. من أين عرف هذا العجوز بهذا الأمر وهو مسافر منذ أربعة أيام كاملة؟ لم أشأ أن أسأله عن ذلك ولكني رددت مكسور الهامة:

 - لقد ظهرت وهي الآن عند الشرطة ولم يسمحوا بإطلاق سراحها حتى الغد.

بحلق في عمي صالح بعينين متعبتين وقال:

 - يخافون عليها! مِمَّاذا؟

وتجرأت فأخبرته أن الحلوة وقعت في شراك امْحَمَّدْ امْلَمَّدْ الذي اقتادها كالفريسة واغتصب شرفها.. وما إن أشبع غريزته الحيوانية حتى أطلق سراحها.. وحين ذهبت إلى الشرطة لتبلغ أبقوها عندهم خوفا عليها من أبيها.

وصاح فيَّ الشيخ صالح وهو يدفعني بعيدا:

 - ديايثة لو كنتم رجالا ما اُعتدي على شرفكم

وانطلق كالبعير يرغي كأنه لم يعد من سفره متعبا.

دخلت الدار وأنا خائر القوى.. لم أكن أقدر على النطق بكلمة واحدة.. كنت غارقا بكل حواسي في مستنقع الحزن.. كيف يجرؤ إنسان على اختطاف حمامة مكسورة الجناح كالحلوة لم تتجاوز الثامنة عشرة من عمرها؟ إنها جريمة بل جرائم.. خطف وحجز واغتصاب قد تكون عقوبتها الإعدام.

في الغد جاءت الشرطة إلى الحي لتحقق في الأمر.. استقبلها الناس ببرودة تامة.. كان بعضهم يصرخ لا نريد تحقيقا.. نريد أن نقتله وكفى.. وحاولوا أن يأخذوا معهم إبراهيم المنهار لكنه رفض.. وحين حاولوا إرغامه تدخل عمي صالح ثائرا:

 - كل ما نطلبه منكم أن لا تتدخلوا.. أطلقوا سراح الحلوة ودعوا الأمر بيننا وبين امْحَمَّدْ امْلَمَّدْ.. نحن لا نريد أن نحاكمه.. نريد فقط أن نذبحه كالبعير وكفى.

وفتح الشرطي على الجميع صواعق ماحقة حين أخبرهم أنهم أطلقوا سراح الحلوة هذا الصباح فكيف يطلب منهم إطلاق سراحها الآن.

وقع النبأ على الجميع كالصاعقة الماحقة وبحلقوا في وجوه بعضهم البعض.. لقد تحولوا في لحظة إلى آلات جامدة لا تتحرك فيها إلا العيون.. ثم بدأوا ينسحبون الواحد تلو الآخر متفرقين على الزوايا والجدران..

عوى عَزُّوزْ الدود كالذئب الجريح وسقط كالجدار على الأرض متمرغا..

تهاوى إبراهيم إلى الأرض كان وجهه ممتقعا تكسوه لحية كثة.. انسحب رجال الشرطة عائدين لم يبق واقفا إلا عمي صالح بقامته المديدة ووجهه النحيف وعينيه اللامعتين يصيح كأنما فقد صوابه يرمي بكلمات وجمل غير مرتبة.. فيها سباب مقذع فاحش.. ولم يبال الجميع مِن حوله.. كانوا يعرفون جيدا عمي صالح وماذا يفعل ويقول حين يتبركن.

كنت أنظر إليه.. هذا الإنسان الذي يكاد يحرقه القلق لقد أصبح كفرع شجرة رقيق طويل محترق وطاف بذهني قول المتنبي:

كفى بي نحولا أنني رجل   *    لو لم أكلمـك لم ترني

ومنذ ذلك اليوم لم تظهر الحلوة ولم يرها أحد في الحارة ولا في المدينة كلها.. لعلها فرت بآلامها إلى مكان بعيد حيث لا نراها ولا تحاصرها عيوننا المتلصصة.. أو ربما انتحرت في هاوية سحيقة وهوى معها سرها إلى الأبد.. وربما اختطفت وقتلت ربما.. ربما..

ومنذ ذلك اليوم انتهى إبراهيم جحا من الحياة.. تحول إلى كتلة من اللحم تسعى في بيع الشاي.. دون ابتسامة.. دون نكتة.. دون نكهة.. دون فرح.. لقد أثقلته الأقراص المهدئة فمال جسمه النحيف إلى البدانة.. وبرز خداه.. وتبلد حسه.. يجلس إلى جانبك لا يكلمك بكلمة واحدة.. وتسأله فلا يكاد يرد إلا مضطربا متأتئا ثقيلا.

وتحولت الحارة إلى سجن كبير.. زنزانة مرعبة يفر منها قاطنوها نهارا ولا يعودون إليها إلا والليل الحالك يستر كآبتها.. جدرانها الشهباء.. أزقتها المحفرة.. أبوابها الواطئة .

أما امْحَمَّدْ امْلَمَّدْ فقد حكم عليه بالبراءة بعد أن أثبت بعشرات الشهود من ذوي السلطان أنه كان في أماكن معينة طيلة الأيام التي وقع فيها انتهاك حرمة الحلوة.. هذا زمان

نعيب زماننا والعيب فينا   **   وما في زماننا عيب سوانا

إيـــهٍ يـا زمـان نـانـّا.. ! !

حين فتحت عيني على عيون الصباح لم أجد نانَّا قريبا مني لكني وجدت البيت مشرقا بالدفء والعبق.. خرجت من تحت الغطاء.. وحدها نانَّا تجلس أمام الجمر تدفئه.. تنصب فوقه الطاجن.. تنضج أشكالا من الخبز.. وصلتني رائحته الزكية العطرة..

اقتربت منها فجأة.. القصعة الخشبية ملأى بالعجين والغرس والبيض.. جلست بجوارها..

 - اليوم يوم الربيع.. اشتريت لوليدي قفة الربيع الصغيرة.. سأملأها لك حلوى وبرتقالا وامبرجة وقرص الربيع..

لم أعلق.. اقتربت منها.. شيء واحد أحتاجه.. دفء نانا.. ملأت لي الفنجان حليبا.. أعطتني قطعة امبرجة(1)

رحت ألتهمها على مهل وراحت نانَّا تُعد قفتي الصغيرة وتقول:

 - سنصعد الجبل يا وليدي..

لن نبلغ قمته..

لم يعد من يقدر على ذلك الآن..

القمم للذين ذهبوا..

سنجلس عند السفح.. وستلعب مع الأطفال.. وتفاخرهم بما تحمل معك..

امتلأت القفة حلوى وشيكولاطة وبرتقالا وقطعة امْبَرْجَه وقرص ربيع.. قرص دائري صغير مطلي بصفار البيض له نتوءات حول محيطه.. إنه شمسنا الصغيرة..

خرجنا زرافات من الأحياء الموبوءة نحو سفح الجبل نحمل قففنا وأحلامنا.. ننثر أفراحنا ونحن نغني

آرْبِيعْ رَبْعاني

كُلْ عامْ تَلْقاني

آنا وَخَيَّاني

في لَجْبَلْ الفُوقاني..

حين نبلغ السفح نلهو كالفراشات..

ندغدغ ثغور الزهر ونطارد الحشرات المستيقظة من سباتها الشتوي دون أن نغيب لحظة عن عيني نانّا..

إيــهٍ ياربيع الطفولة والحب..

يـاربيع نَانَّا

 

5

كل شيء أمامي كان يوحي بالتقزز والغثيان.. حتى رشفات القهوة التي مازالت جاثمة كالوباء داخل الفنجان البارد.. تعودت أن آتي بها من المقهى إلى دكاني وأرتشف منها ببطء شديد.. وتولدت لدي من ذلك عادة قد تكون حسنة أو سيئة لا يهم فالناس على رأي المتنبي عبيد ما تعودوا.. ألم يقل لكل امرئ من دهره ما تعود؟

رحمك الله ياأبا الطيب كأننا نعيش عصرك أو كأنك مت ولم يذهب معك عصرك.. عصرك الذي داس كبرياءك وأنفتك واغتال أحلامك.. مامعنى أن يعيش الإنسان عظيما في مجتمع قزم بليد.. وكان عصرك ياأبا الطيب أحسن من عصرنا كثيرا.. أنت وجدت في عبقرية سيف الدولة مسليا.. كنت تراه رمزا للأمة التي ماتت حين كان يجسد الإباء العربي في أعظم صوره.. أما نحن فليس لنا الآن إلا شهريارات تحكمنا على طول الخط.. لا يصدق فيها إلا قول الأديب الجزائري المسيلي ابن رشيق وهو يصف حكامه في نهاية القرن الحادي عشر:

                     ألقاب سلطنة في غير موضعها * كالقط يحكي انتفاخا صولة الأسد

السر في تعاستنا هم هؤلاء الحمقى الجهلة الذين نصبوا أنفسهم أو نُصبوا علينا كالوباء.. وراحوا يعيثون في الأرض فسادا.. قتلوا في الأمة روحها وأزهقوا أحلامها وأفسدوا كل خير فيها.. ودفعوها للتناحر والتنافر والتنافس من أجل الباطـل.. وهمشوا كل طاقاتها الجميلة خوفا منها..

ألم يقل المتنبي الناس على دين ملوكها؟ ألم يرد في الحديث الشريف إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة؟

ورفعت بصري لأقرأ نصا للكوكبي علقت هيكله على جدار المكتبة بالبنط العريض

"العوام هم قوت المستبد.. عليهم يصول ويطول.. يأسرهم فيتهللون لشوكته.. ويهينهم فيثنون على رفعته.. ويغري بعضهم على بعض فيفتخرون بسياسته وإذا أسرف في أموالهم يقولون كريما.. وإذا قتل منهم ولم يمثل يعتبرونه رحيما"

وتذكرت البذرة الأولى في الحكم العربي التي بدأت تنبت في الصحراء العربية منذ قرون حين أعلن أبو بكر الصديق الخليفة الأول في رعيته جميعا "إذا رأيتموني على باطل فقوموني.. فيقول له عمر: والله لو رأينا فيك باطلا لقومناك بحد سيوفنا فيفرح الخليفة أن وجد في شعبه من يجرؤ على ذلك.."

وتذكرت هذه البذرة حينما قال عمر لأمير جنده في مصر وهو يأمر المصري الفلاح الفقير بضرب ابنه: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟" ماأجملها نظرية في علاقة الحاكم بشعبه لو استمرت!

أما الآن فقد خان الجميع.. وحده عمي صالح مازالت تثور ثائرته وهو يقول:

صدام رجل.. وحده بقي رجلا.. الرجال عند العرب خمسة.. فيصل وعبد الناصر وبومدين وصدام والأسد.. الجميع يحسن بهم أن يلبسوا الفساتين.. صدام سيركع أمريكا واليهود وسيحرر القدس وفلسطين كلها.. والله لو يقبلني جنديا في صفوفه ما تأخرت لحظة.. الله غالب وجد نفسه محاطا بالنساء وأشباه الرجال

وداهمتني سحابة كئيبة فارتشفت جرعة قهوة باردة وأنا أقول: هل كان بنو أمية لعنة على العرب..؟ هل كانوا وحشا مفترسا اجتث كل أحلامنا حين تبنوا الكسروية..؟ وقبل أن أكمل هذا الكلام لمحتها قادمة من بعيد.. لم أرها منذ أيام.. هذه الغزالة الشاردة كلما أمعنت فيها سهام الصياد ازدادت كبرياء وجمالا وفتنة.. هذا هو الجمال الحقيقي كما كانت تقول أُمَّا عرجونه دائما لا يؤمن بالمساحيق ولا يؤمن بالمآسـي.. كلما مسته المأساة ازداد تألقا وتحديا.

دخلت عليَّ المتجر مبتسمة فأشرقت جنباته.. وخلت كل همومي تلملم أطرافها وتهرب خارجة إلى غير رجعة.. قلت مرحبا:

 - يامرحى بأختي التي لم تلدها أمي

ردت وهي تصافحني وتبتسم

 - ولكنها أرضعتك.. لحمك الكثير هذا.. عقلك المستنير هذا.. بفضل تلك المسكينة التي يحبسها المرض فلا تغادر الدار.. تغتالها الآلام كل لحظة ألف مرة ومرة.

وسكتتْ.

 وغشيتْ وجهها سحائب سود مركومة توارت خلفها عيناها الجوهرتان.. وصفحة وجهها القمرية قلت في نفسي وأنا أتأمل جمالها الساحر لو لم .....................................

ولعلها قالت ماقلت وحلمت بما حلمت ماأسعدني والأقدار تمنحني هذه الأخت الرائعة..

رفعت فيها عيني.. مازالت تطرق عينيها كأنما حمم الدنيا جميعا انصبت عليها.. أمسكتها من يدها أداعب أطراف أصابعها اللينة وأنا أقول:

 - ما بال حلوتي شردت عن واحتي؟

رفعت فيّ عينين اغرورقتا بالدموع وقالت:

 - كل حظي سيئ يا منير.. لو ضربت في الماء لاعوج سيفي.. فما العمل؟ أمي مريضة.. وأبي تعب.. وعبدالرحيم كالقارب المهشم وسط أمواج عاتية.. أما أنا فأنت تعرف كل شيء يا منير.

وأردت أن أغير مجرى حديثها لأزيل عنها بعض الكدر

 - دعك من كل شيء يا الجازيه.. كل ما يجب أن تفكري فيه هو ذياب فارسك العظيم.

ورفعت بالكلمة الأَخيرة صوتي لأبعث فيها شيئا من الحياة والتألق وأبذر في قلبها المثخن شيئا من الورود الفواحة العبقة..

- أقترح عليك أن ترسلي إليه رسالة مع حمامة أو ..

واشتد ضحكي

- أو في عنق سلوقي..

وهجر ذياب قبيلة بني هلال وأقسم إن لحقه أحدهم أن يقتله لقد كره تنافر قومه من أجل التفاهات.. ووقع القوم في هول شديد وكان لابد من الاتصال بذياب ومن يجرؤ على حمل الرسالة.. وفكرت الجازيه في حيلة حين لجأ إليها الجميع صارخين:

 - ياويح ذياب..

   البلاد بعده خراب

واهتدت أخيرا إلى إرسال رسالة في عنق سلوقي.. سلوقي وفِيّ ربَّاه ذياب ودربه على كل الأفعال

علقت الجازيه الرسالة في عنق السلوقي وأطلقته فاندفع يعدو باحثا عنه.. وحين لقيه أدرك ذياب أنها فعلة الجازيه.. فأخذ الرسالة وقرأها وأدرك فورا أنها بخط الجازيه وتدبيرها فأسرع لإنقاذ قومه..

وكانت العرافة قد أنبأتهم أن لا منقذ لهم إلا ذياب من شر عدو قاهر

                     يقتله فارس يلبس لامه           في وجهــه شامــه

                     والله لولا الملامـــه            لقلت ذياب فوق نْعامـه

لكني لمحت أديم وجهها يكفهر دفعة واحدة وتجهش بالبكاء اللامتناهي.. جمدت مكاني.. لم أحر جوابا.. ولا نبست بكلمة.. بل ولم أتحرك أصلا.. لقد خدرت كل أحاسيسي.. كنت أنتظر أن تتوقف حين تفجر بركانها ورأيتها تمد يدها المرتجفة إلى حقيبة يدها وتخرج منها رسالة رمتها إلي.. فضضتها على عجل وقرأتها:

حبيبتي الغالية الجازيه..

يادفقة الحياة في قلبي.. ياكل الدفء الدافق في شراييني.. عشت العمر كله أحلم بي طائرا يبني عشه في جنباتك.. يغرد في أفيائك.. يصدح في عليائك.. يسبح في أفلاكك.. يستحم في عينيك البحيرتين الهادئتين.. وكنت أملي النفس بالعودة السريعة لألقاك.. وألقى الأحبة جميعا فيك.. وأمليها بتعجيل كل ما أخرناه إلى اليوم..

يجب أن نعلن فرحنا في الجميع.. لو وضع إخلاص المخلصين كلهم في كفة ووضع إخلاصي لك في كفة لرجحت كفتي..

لكن يا حبيبتي الغالية

لامناص لي من القدر.. أعمالي في الصحافة كثيرة ومتعبة.. وغدت تمثل لي كابوسا رهيبا.. ولا أخفي عليك لقد غدونا رغم كل الشجاعة التي نملك نخاف حتى من خيالنا.. إن الموت يتربص بنا في كل منعطف.. والإرهاب الأعمى يقف في كل منعرج ديناغولا مفزعا.

لا أريد أن أقول لك أكثر مما قلت.. إن التقينا فذاك أملي.. وإن كانت الأخرى فإليك دفقة القلب التي لا تتوقف و……

لم أستطع أن أكمل السطور التي تبقت في الرسالة.. رميتها وقد اكفهرت أعماقي وتلبدت ذاتي وأنا أحاول أن أتمالك نفسي.

استدرت أنا إلى الجدار.. اتكأت على طاولة كانت هناك.. أي قدر هذا الذي يجهد نفسه خلفي ليسرق مني كل ابتساماتي العذبة؟ كل حياتي مجرد أحلام تغتالها الكوابيس المرعبة.. ضيعت كل شيء.. وهاأنذا أضيع حبل النجاة الأخير.. سحقا لك أيتها الحياة.. هل أنتظر كل هذه السنوات العجاف لأنال جزاء صبري خيبة وفجيعة؟

وراحت ذاكرتي تتنقل بين كل الربوع التي شهـدت صبانا وطفولتنا.. الدرب الطويل الطويل الممتلئ وحلا وبركا في الشتاء القاسي والممتلئ غبارا وأتربة في الصيف.. ونحن نتهادى تاركين القرية خلفنا نازلين إلى المدرسة أو آيبين إلى البيت نرفع نغماتنا وأهازيجنا على إيقاع الطفولة.. نعدو تارة.. ونختبئ تارة.. ونتراشق الحجارة ثالثة.. ونغضب فنتنافر ثم نعود لنضحك ونمرح ونجلس جنبا إلى جنب نراجع دروسنا معا.. أو نحلق مفغوري الأفواه نستمع بشهية وأسطورية لحكايا الجازيه.

حتى في المدرسة كانت المعلمة تجلسنا معا.. وتختارنا للمهمات معا خاصة في حصة المسرح.. حين اختارتني مرة لأمثل دور الأم على أن يمثل هو دور الأب.. فرحت بهذا الاختيار في البداية ثم رفضته ورحت أصيح لا لشيء سوى لأن الأطفال ضحكوا مني.. وتمت المسرحية وأنجبنا في نهايتها طفلة كانت تسمى زينب نحبها ونتعب لتربيتها.

وانفجرت باكية وأنا أسمعه يهمس في أذني: انتظريني سأعود.. لن تبتلعني العاصمة كما توهمت.. حلمي أن نتزوج وننجب بنتا نسميها زينب.. ومددت يديَّ لأمسك يديه كما تعودت فرحة لكن هذه المرة لم أمسك غير الخيبة.

تقدمت منها فأمسكتها من الخلف وأنهضتها من مكانها.. كنت لا أحب أن يراها أحد على هذه الحالة وكنت أجهد نفسي كي لا تراني باكيا.. عمن أبكي؟ ولمن أحزن؟ لهذه الزهرة التي هجمت عليها اللوافح من كل جانب؟ أم لذلك الصديق العزيز الذي أحب مهنة الصحافة كما أحب الجزائر.. ونذر لهما نفسه.. ورحل يجري خلفها ليجعل منها رسالة شريفة يقف بها مع المظلومين والمشردين والمقرورين.. فإذا بها تتحول إلى موت يشهر في وجهه السيف؟ أم أشفق عليهما معا؟

وجررتها خلف المحسب فأجلستها الأريكة وقدمت لها كأس ماء ومنديلا تجفف به دموعها.

نظرت في وجهي بكثير من الحب.. وقالت وقد خالطت صوتها بحة:

 - اعذرني قد أتعبتك معي.. لكن أنت تعلم أنني لا أجد صدرا دافئا أفرغ فيه أحزاني إلا صدرك الطيب.. كل من حولي أصبحوا لا يعنونني في شيء.. كرهت كل شيء.. حتى البيت والمشفى والمدينة والحياة.

ودخلت علينا حسناء فجأة كأنما نزلت من السماء فأشرقت بدرا في دجى المكتبة.. أسرعنا نسوي من حالنا حتى لا نلفت الانتباه إلينا.. لكنها استطاعت أن تكشف حالنا الذي لم يكن في الحقيقة ليخفى فجأة.. حاولت أن أحول انتباهها فسألتها عن أبيها.. وعن صحته.. وعن أمها وأخويها لكنها لم تشأ أن تجيبني كانت تريد أن تعرف الحقيقة أولا.. لزمت أنا الصمت ومثلي فعلت الجازيه.. وضعت حسناء حقيبتها على المحسب.. تجرعت رشفة ماء تخيلتها تنزل في بلعومها.. قالت:

 - تعرفان عنادي وإصراري.. لن أخوض في حديث قبل أن أعرف الذي فعل بكما هكذا.

ولم تكمل حديثها حتى باغتنا ثلاثة من الفتيان عليهم ملامح التدين.. أسدلت لحاهم واستوت العمائم على رؤوسهم.. وكُحلت عيونهم..

لم أنطق إلا بكلمة مرحبا.. حتى عجل أوسطهم والظاهر أنه سيدهم.. عجل إلي يقول :

 - الخلوة حرام.. قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: "ماخلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما"

ولم تتركه حسناء ليواصل فقالت بغضب:

 - وما دخلك أنت؟ أم نصبت نفسك أميرا على الأمة ونحن لا نعرف؟

ولم يزد أن قال دون أن يرفع بصره:

 - اسكتي صوتك عورة.. وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى.. الزمي بيتك يا أَمَة الله.. نحن جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. وقد بلغنا اللهم فاشهد.

وخرج يستل عينيه من الجازيه سلا.. فلحقه رفيقاه.

قالت الجازيه:

 - لم يبق لنا إلا هذا الهم يأتينا ليعلمنا حدود الأخلاق والآداب ولعله لا يحسن أن يقرأ سور الصلاة

ولم أشأ أن أعلق فدعوتهما بإشارة من يدي للانصراف.. أرادت حسناء أن تعترض على تصرفي فحدقت فيها وقد دار في خلدي قول أحد الكتاب خلقت المرأة لتشاهد لا لتسمع وقلت:

   - رأسك دائما ناشفة.. ستخبرك الجازيه بكل شيء.. أما أنا سأزوركم بالبيت مساء.

خرجتا وبقيت جامدا مكاني.. في أحشائي موار وجزر ومد.. هل سنبقى طوال القرون نجتر كالماعز ماتركته الكتب الصفراء من شعر ابن عاشر وأحكام الوضوء والتيمم وطول اللحى وشكلها ولونها..؟ والجن وطعامها المفضل الروث أم العظام؟ والمرأة صوتها وحدود لباسها وحجم ما تتعلم و…؟

 إلى متى وأنا أحمِّل هذه الحسناء همومي..؟ إلى متى وأنا أشنق أحلام هذه الغزالة الطريدة بحبال تسويفي..؟

 إلى متى ونحن لا نحس في أرضنا.. في أعشاشنا بالأمان؟ لقد صرت أتلقى كل يوم رسالة.. أنهض صباحا وأنا على يقين أن رسالة تنتظرني بفارغ الصبر تحت الباب يتهمني أصحابها بالوقوف مع الطاغوت ووجوب العمل معهم لإقامة الدولة الإسلامية.. ومرة يتهمني كاتبوها بأنني إرهابي مناهض للسلطة والوطن والديمقراطية ويجب علي أن أتوب.

ماذا لو طرت مثل الحلاج؟

أمسك بطرف منديلي فقط ثم أطير لأفر من هذا الجحيم الذي أعيش فيه..

ولكن ما معنى أن أطير؟

ألم ينحروا الحلاج كالشاة؟

ماذا لو عاد بي العمر إلى حضن نانّا.. نانَّا وحدها تقدر على إنقاذي

آهٍ أيتها البتول رحمة الله عليك

 

6

بدأ الخريف يزحف بمكر شديد.. يمارس لعبة الكر والفر.. ينطلق من الأسفل.. يثير زوبعة في الأرض كأنما يغشي بها عيون الأشجار ثم يصفعها.. تهتز جنبات أغصانها.. تتهاوى أوراقها الصفراء.. تئن الشجرة وتعاود الثبات.. لكنه ما يفتأ أن يعاود…

خرجت من المنزل وقد اعتدل رأسي من الطأطأة التي تعودها.. أنا الآن شرطي وقد تغيرت نظرة الناس إلي دون شك ورغم أني لم أحضر إلى البيت باللباس الرسمي قط إلا أن الخبر فشا في الناس حتى قبل أن أباشر عملي هذا.. حارة الحفرة لا يخفى على ناسها شيء مطلقا.. عيونهم وآذانهم تلتقط كل صغيرة وكبيرة.. هم كما يصفهم الشيخ صالح رادارات..

وكم كان عجبي شديدا حين واجهني عَزُّوزْ البهلول ذات صباح يقبلني بشدة ويضمني إليه ويقول:

عبدالرحيم امنحني مسدسك.. لا.. امنحني رشاشا رشاشا كبيرا.. أحب أن أقتلهم جميعا جميعا جميعا.

عبدالرحيم يجب أن أقتل كل الذين يحلمون بالزواج من الحلوة أنا وحدي أحبها ووحدي أتزوجها.. حين تعود وحدي أتزوجها.

وانطلق يقلد الجندي الذي يرش أعداءه بالرصاص.

واندفعت بعيدا أخرج من حارة الحفرة أرتفع إلى مركز عملي المتواجد بقلب الحي الجديد..

خرجت بعد عبد الرحيم.. وقفت عند الباب الذي كان يئن خلفي جاهدا في العودة إلى مكانه.. كان الشارع جثة مبقورة.. الجو الخريفي يعبث بالعبث في الشارع.. لم يرقني المنظر.. أشعلت لفافة البرزيلي.. امتصصت منها بنهم شديد.. نفثت الدخان.. تصاعد من كل فتحات جسمي.. من منخري.. عيني.. أذني.. ومن.. هممت أن أعود إلى البيت.. ثم أعرضت عن ذلك وأنا أثور ضد تلاميذ يرمون بهلول الدود بالحجارة وبالكلام البذيء.. هرولت خلفهم.. اندفعوا مبتعدين.. وبدأت أصواتهم وصيحاتهم وقهقهاتهم تسكن رويدا رويدا.

احتمى بهلول الدود بي وهو يقول:

 - اختلط الدود بالدود ولا يفكها إلا الخالق المعبود

لم آبه هذه المرة بحديثه كما تعودت.. لقد كنت مهتما بالربيع وقد أقبل من بعيد.. سألته مباشرة عند وصوله وفي عيني حيرة:

 - خيرا إن شاء الله؟

تبسم الربيع وهو يقول:

 - السلام قبل الكلام

رددتها وقد زال عني بعض الكدر

 - صباحك سعيد.. أصبحنا ياصالح كالنساء كل شيء يخيفنا.

وتركنا بهلول الدود حيث هو يردد شريطه المعتاد ومضينا بعيدا يرتدي الربيع قشابية درعاء وأرتدي معطفا بنيا حائلا.. قال الربيع معلقا على فعل الأطفال ببهلول:

 - حتى الحمار قال: لو يدخل الأطفال الجنة لرفضت دخولها

ونظر بشق عينه إلي مبتسما مستطلعا ردي.. ازداد وجهي جهامة وعلقت على كلامه في شيء من المجاملة

 - لست أدري نحن المجانين أم عَزُّوزْ الدود ؟

وسكت دفعة واحدة كأنما أزهقت روحي.. كانت ساقاي النحيفتان تضربان في غير انضباط كأنهما عمودان نحيفان يغطيهما سروال بال يتلاعب به الهواء.. أحس الربيع بالمرارة التي أجرعها فلزم الصمت فاسحا المجال لوقع الخطوات.. لحظات وصلنا المقهى.. جلسنا.. أقبل النادل علينا بقهوتين.. هو يعرف طلباتنا.. أصوات الزبائن على اختلاف أعمارهم ترتفع وتنخفض حول طاولات القمار..

ارتشفت رشفتي الأولى دون أن أذيب السكر في الفنجان.. مر بنا إبراهيم جحا.. حيانا مبتسما كالعادة وتجاوزنا إلى طاولة مجاورة لينظم إلى مجموعة المقامرين

ارتشف الربيع رشفة عميقة من قهوته المحلاة وقال:

 - أراك على غير مايرام.. حالك اليوم لا يعجبني.

حككت شعري الكث بأصابعي المعروقة ثم أعدت شاشيتي على رأسي وقلت:

- ومتى كنت بخير؟ كأن القدر يلاحقني دون الخلق جميعا.

وعاودت الصمت متمتما بين شفتي مستغفرا عما بدر مني من كلام.. صار صدري هذه الأيام لايسع نفسًا صبيا.. زفرت بعمق أوسع مساحة صدري.. أركبت ساقي اليمنى اليسرى.. أخرجت زوادة التبغ.. لففت واحدة.. أشعلتها.. جذبت نفسا عميقا.. نفثته في الجو.. ارتشفت من فنجاني رشفة خافتة.. أحسست ببرودة القهوة في فمي.. وضعت الفنجان مكانه.. حالة زوجتي هدت آخر سراياي.. أنا أدرك أن ذهابها سيؤثر كثيرا على الأسرة..

عبدالرحيم مازال دون زواج.. ولكي يتحقق هذا الحلم لابد له من سكن ومن مال وهذان ضرب من خيال.. لايهم هو رجل.. الكارثة في الجازيه.. أمر الجازيه يؤرقه ليلا ونهارا.. أينعت وغدت نضرة.. مطمعا لكل العابثين.. هذه المرة إن لم يتقدم ذياب بعد عودته من العاصمة سأزوجها لأول خاطب..

وتذكرت امْحَمَّدْ.. فعضضت إصبعي وقلت في سري آه يازمان ياغدار حتى امْحَمَّدْ امْلَمَّدْ غدا رجلا وتجرأ على خطبة ابنتي.. ابنتي الجازيه.. الكلب بن الكلب.. اللقيط بن اللقيط.. خنزير فرنسا.. يريد أن يستذلني.

وأخرجني الربيع من كوابيسي المتوحشة وهو يمرر يده قريبا من عيني ويقول محاولا إضحاكي:

 - ابق في الأرض فقط لا ترحل بعيدا فأعجز عن اللحاق بك.

عدت إلى واقعي وأنا أقول بجمود كأني تمثال لإثيوبي معلول:

 - أمر الزوجة يحيرني ياالربيع ياأُخيَّ.. مرضها خطير والأطباء أشاروا بوجوب إجراء عملية ثانية لا مفر منها.. قد لا تقوم بعدها.. وقد تتحسن.. الله وحده يعلم.

وسكت مليا كأنما أريد أن أقطع الحديث تماما ولكني عاودت فواصلت:

 - المرض ابتلاء من الله.. المشكلة من أين لنا بثمن العملية؟ لو كان عندي شيء أبيعه لفعلت.. لكن أنت أدرى بالأمر

وصمت رهبة من الواقع المرير.. وسكتَ كأنما لم يحر جوابا أو كأنما كان ينتظر مني أن أكمل كلامي فواصلت..

 - ورأسك ياالربيع ما أضحك إلا بحضرتك.. ولا أضحك إلا من أجلك أنت.. يضحك وجهي وفي نفسي غضب مارد.

ومد يده فأمسكني من أصابعي لحظات يتأملني ثم قال:

   - لا تحمل هما.. حتى أنا لا أملك شيئا.. أنا معدم مثلك.. أنت تعرف حالي.. ولكن حين تعزم على أخذها للمشفى سأتدبر الأمر معك ولو بعت أثاث المنزل.

اغرورقت عيناي وقد عاد بي الربيع لتضحيات الشهداء الصادقين.. وتراءت أمام ناظري صور الفداء.. والدي.. عميروش.. الشيخ العيفه.. أما علجيه.. زوجها.. عمار لاكريطة.. أحمد لمطروش.. أم منير.. العيد الضحوي..

وارتفع صخب المقامرين يتشاجرون فتطايرت الأوراق والكؤوس وانقلبت الكراسي والطاولات وتشابكت الأيدي والأذرع فقمنا وانسحبنا بعيدا.

عند المنعرج توقفنا.. مد الربيع يده يودعني.. وقبل أن يسحبها قال بحسرة  وهو يمسك برشاشه تحت قشابيته الدرعاء

 - متى نهنأ في هذا الوطن؟

 - سنهنأ حين نحمل السلاح ضد كل أنواع الإرهاب

وافترقنا..

شيء واحد كنت أقوله لرفاقي المجاهدين.. يجب أن نحمل السلاح في وجه كل أشكال الإرهاب

انعطف منحدرا في زقاق مترب تشكلت فيه برك للحمإ بفعل تفجر قنوات المياه والفضلات.. ابتاع قارورة غاز وقفل يدحرجها وسط الأوحال نحو بيته.. رأيته من بعيد.. أسرعت إليه فحملتها معه.. كالرشاش أطلق علي وابلا من سباب.

  - يامنير هذه دولتكم.. دولة الذل والطحين.. نحن أكبر دولة لإنتاج الغاز عالميا.. وغازنا يصل إلى أعالي أعدائنا بأوروبا بثمن بخس.. ونحن مازلنا في القرن العشرين نشتري قارورة الغاز من السوق السوداء وبتوسط المعارف..؟

علقت مازحا وأنا اتلصص بعيني في وجهه أتطلع لرد فعله

 - لماذا أخرجتم فرنسا؟ لو تركتموها لكنا أحسن حالا.

التفت إلي حانقا كالزوبعة رغم أنه يعرف نيتي

 - جيلنا أدى واجبه.. جيلكم جيل منهزمين لم يواصل المسيرة.. الدور الآن لكم.. أما نحن..

وسكت.. لم ينطق حتى دخلنا البيت.. حين هممت بالانصراف استوقفني.. وسلمني ورقة مكتوبة بالفرنسية

- يهود سونالغاز بعثوا إلي برسالة بلغة الـ..............

تصفحتها على عجل وقلت:

-      إما أن تدفع ديونك أو يقطعوا الكهرباء عنك

  - ...............................................

     .................................................

وفجأة غير حديثة وهو يمزق أشلاء الرسالة ليخبرني أنه قرر تزويج عبدالرحيم من وهيبة ابنة الشيخ الهاشمي

رحبت بالفكرة رغم أني لم أكن أعرف موقف عبد الرحيم.. ربما لأن عبدالرحيم يجب أن يتزوج الآن.. وربما لأني أعرف أخلاق الفتاة وأخلاق أسرتها

اتجهنا إلى بيت الشيخ الهاشمي القريب فخرج إلينا بثياب عمله.. لقد عاد لتوه من التجوال عبر الأحياء.. عجل بإدخالنا البيت وهو يحفنا بباقات الترحيب.. سريعا جيء بالقهوة.. لم يتردد صالح كثيرا ففاتحه بالموضوع.. ظهرت البشرى على وجهه المتعب ودون مقدمات قال:

- ياصالح أنت أخي وابنتي ابنتك.. لن أعارضك فيما تفعل.

 بعد أسابيع تم الزواج وأقام الجميع حفلا رقصت فيه كل حارة الحفرة حتى الصباح.. حضر الجميع وغابت عبله الحلوة فغابت عنه نكهة الفرح..

مازال الجميع يذكرونها في صمت..

وحده عزُّوزْ الدود ظل يجهر بجراحاته..

وحده ظل يعلن أنه رآها.. وأنها أكدت له أنها ستعود قريبا.. وحين حاول الإرهاب تدمير تمثال عين الفوارة بتفجير قبلة يدوية في قاعدته.. وصلها سريعا وراح يحتضنها ويبكي بحرقه ويصيح إنها عبله الرومية عبله الرومية..

ويقال أنه صرخ في الجموع التي أحاطت بالتمثال باكية حزينة لما أصاب رمز المدينة

يامعشر...

من فعل هذا بإلـهتي..؟ 

وحين انفجروا ضاحكين انفجر فيهم باكيا

اللعنة عليكم.. اللعنة عليكم إنها عبله الرومية.. ألا تعرفون عبله الرومية..؟

 

7

مازال الظلام يقمط حارة الحفرة بلفائفه السود ومازالت الحياة لم تدب بعد في أوصالها.. نور شاحب ينبعث عليلا من النافذة إلى الشارع الذي يفتقد للإنارة.. مررت المنشفة على وجهي وذراعي أمسحهما من ماء الوضوء.. هممت أن أخرج لصلاة الفجر بالمسجد كما تعودت لكني تراجعت عند عتبة الغرفة.. ليس من السهل هذه الأيام أن أذهب إلى المسجد.. لقد كثرت الاغتيالات وغدت المساجد مراكز للفتن..

عدت إلى مكاني أحدث نفسي.. إذا اختلطت الأديان قم على دينك.. هذا كلام الأولين.. تمددت أنتظر آذان الفجر أمرر في يدي حبات السبحة.. سرحت لحظات وأنا أتأمل فراش ابني عبدالرحيم.. عنده اليوم مداومة ليلية يعمل من السابعة مساء حتى السابعة صباحا..

ارتفع صوت المؤذن يشق السكون.. رددت بين شفتي.. الله أكبر الله أكبر.. ومعه انطلقت صيحات مدويات.. فزعت وقمت عجلا من مكاني.. ما الذي وقع؟ أطللت من النافذة.. أشتد الصياح والصراخ وتعالت الجلبة.. بسملت وحوقلت وعجلت ألبس حذائي وأهرع إلى الشارع..

حين توسطته كانت الأبواب والنوافذ تفتح هنا وهناك.. حددت مصدر الأصوات واندفعت إلى منزل إبراهيم جحا ورحت أدقه بعنف.. مازال الضجيج والعويل يرتفع.. ومازال الباب موصدا.. انتقلت من الدق إلى محاولة تكسير الباب الخشبي.. لحق بي آخرون وتعاونوا جميعا على فتح الباب.. كنت أول الداخلين.. لم يتفطن إلي أهل البيت حتى وقفت عندهم.. كانوا خمسة أطفال يتكومون في ركن الدار يجللهم الفزع والرعب ويرتفع عويلهم مالئا الحجرة.. وكانت البنت الكبرى ذات الثالثة عشرة من عمرها تمسك بذراع أمها وتجذبها بقوة محاولة تخليصها من أبيها إبراهيم جحا الذي جثم فوقها يشبعها ضربا.. وكانت الزوجة منبطحة على الأرض تندب وتشتم.

واستطعت رغم نحافتي من رفع إبراهيم وتخليص الزوجة منه.. ووقف إبراهيم مغمغما وقد امتلأ فمه زبدا حتى فاض على شفتيه.

 - مرَّرَتْ حياتي يا عمي صالح.. أخرجتها من الضياع.. التقطتها من الشارع.. ماذا كانت؟ كلكم يعرف.. كانت عاهرة.. مجرد عاهرة.

وصفعته وأنا أقول:

- استح ياحقير يا تافه.. أتعير أم أولادك أمام الناس؟ أنت حقير.. اخرج عليك اللعنة.

وتدافع إبراهيم خارجا وهو يهدد:

- لا ينفع معك إلا الطلاق.. أنت طالق.. طالق ألف مرة.. كرهتها وكرهت الحياة معها.. انتظريني أنت جزاؤك الذبح إن لم أذبحك فلست رجلا.

وخرج الجميع.. كانوا أكثر من عشرة أفراد نساء ورجالا.. تجمعوا وسط الشارع وأحاطوا بإبراهيم يلومونه ويحاولون تهدئته.. كان إبراهيم منفوش الشعر ملبد الملابس تتطاير الرغوة من بين شفتيه كالبعير.. يرتفع صوته حينا مهددا زوجته التي لم ينقطع عويلها.. وينخفض حينا آخر معللا للجيران فعلته.

التحقت بالجميع.. هدأ إبراهيم حين رآني أمد ذراعي النحيفة نحوه مهددا:

 - أنت لا تخجل يا إبراهيم.. تضرب أم أولادك وتعيرها؟ ومن أنت؟ هل أنت النبي؟ اذهب عليك اللعنة.

ودفعت له بإبريق الشاي ودلو الماء مملوء بالكؤوس فحملها إبراهيم ومضى.. بعد لحظات لحق به ابنه ذو العام الثاني عشر.

بدأ الناس يتفرقون عائدين إلى منازلهم وبقيت معظم النوافذ مشرعة تطل منها رؤوس النسوة في فضول شديد.. وحدي بقيت في الشارع أذرعه بين منزلي ومنزل إبراهيم..

بدأت الشمس تمد خيوطها على حارة الحفرة حزينة كئيبة.. وانتفضت فجأة.. لقد تذكرت أني لم أصل الصبح فهرعت إلى منزلي عجلا و أنا أتمتم: مذ توقف إبراهيم عن تناول مهدئاته غدا كلبا مسعورا.

 

8

أعراسنا وحدها كانت مساحة ضيقة للفرح..

أفيونا ينسينا أتراح الخيبات..

كان الجمع كبيرا داخل حجرة الاستقبال رغم ضيقها.. أطفال ونساء تتعالى ضحكاتهن وزغاريدهن المرة تلو الأخرى.. وترتفع حناجر بعضهن بأغاني السراوي(1) فيما تفنن بعضهن في الرقص السطايفي والقبائلي وحتى الشرقي في بعض الأحيان.. وتسكت النسوة أحيانا فينصرفن إلى الحديث وأكل الحلويات والمشروبات بتلذذ كبير دون أن يُسكتن الغناء الذي ينبعث بدلهن من الآلات..

كنت أجلس وحيدا أعاقر كأسا دهاقا من الصمت والحزن.. في جوف الغرفة يتجمع رجال يختلفون في سحناتهم ومستوياتهم ويتفقون جميعا في التنافس على تحليل الأوضاع السياسية والاجتماعية وحتى الرياضية يتفقون حينا ويختلفون أحايين أخرى.. كنت أحس بالقلق الشديد.. أجلس مكاني لا أنبس ببنت شفة.. لا أحسن إلا أن أنعم لأحد المتحدثين وأبتسم ابتسامات خفيفة كعادتي.

قال شيخ لا أعرفه بكثير من التراجل: أنا لم أفهم شيئا في سياسة هذه البلاد حتى الرئيس لم يعد يخاطبنا باللغة التي نفهم

رد آخر أقل منه سنا يظهر أنه من المحبين للرئيس: العيب فيك لأنك لم تتغير.. الرئيس لا يخاطب أمثالك بل يخاطب الشباب المتعلم بلغة التقدم

غضب الأول فرد ثائرا رئيس اليهود حدث شعبه بلغته.. ما معنى أن يحدثنا هو بلغة الاستعمار

قاطعه الثاني تريدون أن تتحولوا جميعا إلى رؤساء.. الرأس إذا كان مملوء عيونا أفزع ياراقد.. 

نظر في امْحَمَّدْ وهو يمسح عن فمه الطعام الذي علق به وقال:

 - أنتم الشرطة تستحقون الذبح كالخراف من القفا لا من الرقبة.

ولما لم أرد عليه إلا بنظرة احتقار واصل يقول:

 - لأنكم تحمون الطواغيت.. هؤلاء لصوص استولوا على خيرات الوطن واقتسموها بينهم ظلما وعدوانا.. ألا ترى بأننا ننتقل من انحدار إلى انحدار.. الأمم تتقدم كل يوم خطوات ونحن نتأخر؟؟ صهرك صلاح الدين رجل شجاع حمل السلاح ضد الباطل.

نهضت من مكاني أرميه بشواظ من نظراتي الحاقدة ودلفت خارجا مرددا في سري:

 - عليك لعنة الله.. تنام على الملايير من تجارة الحرام والتهريب والرشوة ثم تفتح فاك لتشمت بالفقراء الشرفاء.. يضحون ليحفظوا لك النظام.. عليك لعنة الله لو كان الحق قائما لذبحتك أنت قبل الجميع لأن أمثالك هم الذين يشيعون الفحشاء والمنكر.. وهم الذين يزرعون الإرهاب في جنباتنا الآمنة

ثم مافتئت أن نسيت كل شيء.. هناك أمر يشغلني الساعة.. لم أكن مطمئنا تماما.. لابد أن أعود إلى البيت.. لابد أن أصطحب معي زوجتي وأختي الجازيه وأعود.

دققت باب النسوة الذي كان مفتوحا فهرعت أختي هجيره  إلي.. وما كادت تراني حتى أمسكت بيدي تجرني داخل الحجرة:

 - ادخل لا تخجل هؤلاء أمهاتك وأخواتك جميعا.. إلام خجلك هذا؟

واختل توازني فدخلت عند عتبة الباب وأسرعت الراقصات بالامتناع عن الرقص فيما واصلت مغنيات السراوي يؤدين الأغنية.. وماكدت أدخل حتى عدت فسحبت نفسي إلى الرواق ومعي هجيره التي أسرعت تقول:

 - اليوم يوم فرحي.. فرحي ببيتي الجديد.. وفرحي بختان ابني الأكبر.. وإن لم تحضر أنت فمن يحضر؟

وأردت أن أتكلم فقاطعتني مواصلة:

 - سيكون أول أبنائك ذكرا ولن نحضر ختانه.

ابتسمت ابتسامة باردة وقلت:

- حتى إزيد ونسميه بوزيد

ردت مازحة

- لا.. نسميه سالم.. سالم العلواني.. سالم لم يمت ياعبدالرحيم ولن يموت..

ضممتها إلي بحنان وأنا أقول:

لابد أن نعود إلى البيت.. في هذا القدر بركة.. أنت تعرفين أن الطريق خطرة.. ولعل شرا لا قدر الله يعترضنا..

وقبلتني هجيره على جبهتي داعية لي بالحفظ وطول العمر.. ثم دخلت فدعت زوجتي وأختي إلى الانصراف.

حين انطلقت سيارة الأجرة راجعة بنا إلى المدينة كان الجميع صامتين كتماثيل باردة إلا السائق الذي كان يثرثر ذاكرا أهمية السيارة وفضلها على الإنسان ملحا علي أن أقتني واحدة.. وأردت أن أخبره أن أجرتي لا تكفي حتى لإطعام العصافير.. لكن السائق قطع علي ذلك حين أكد لي أنه على يقين من أن أجرتي لا تشبع قطا صغيرا لكن طرق الرزق كثيرة.. الزمن صعب وعلى الإنسان أن يكون ذئبا أو أكلته الذئاب المفترسة المتوحشة.. والشرطي له مكانته في المجتمع والدولة ولابد أن يستغل كل الطرق لإنماء ثروته إلا إذا كان أحمق.. ثم مال علي وهو ينفث دخانه فتنبعث منه رائحة كريهة:

 - مالي أراك ساكتا يا عبدالرحيم؟ هذا الشعب يستحق الهراوة.. أنت تموت من أجلهم وهم ينمون ثرواتهم.. والله غفور رحيم.

وضحك السائق محاولا تغطية الصمت الرهيب الذي جثم على سيارة الأجرة فظهرت أسنانه المتهرئة السوداء.. ثم كتم أنفاسه فجأة لقد دخلنا الغابة.. وأحسسنا جميعا أن الصمت بدأ يثقل على أبداننا.. وأن قلوبنا قد ضاقت فاشتد خفقانها.. وأن أغصان أشجار السرو تتحول إلى أذرع أخطبوط تلفنا جميعا وتعصرنا في وحشية.. رددت بين شفتي:

 - استغفر الله العظيم لا إله إلا الله محمد رسول الله..

وسمعناها جميعا تخرج من فمه خافتة باهتة فتملكنا شيء من الفزع.. اتكأت على كتف وهيبة... كانت السيارة تشق الطريق المتعرج منسابة لا يكاد يسمع صوتها.. ضوؤها يكشف كل شيء.. الساعة العاشرة ليلا.. الفصل خريف لم يكن باردا.. وكانت السماء صافية تماما.. نجوم تتلألأ تتبادل النجوى والحيرة.. أدار السائق زر المذياع فانبعث صوت القرآن رخيما عذبا يشق السكون.. قال السائق في نفسه نكاد نخرج من نفق الغابة الموحش.. لن يكون إلا الخير إن شاء الله.. المنطقة آمنة ولم يحدث فيها شيء مكروه منذ زمن طويل..

ولوى عبدالرحيم رأسه إلى الخلف فتركزت عيناه على سقف السيارة.. أي سقف يقصد بهذا التوجه المفاجئ..؟ لاحظت يد زوجته وهيبة الملساء تمتد من مكانها الخلفي فتمسك يده وتضغط عليها.. واشتد اضطرابي بجوارها لقد أحسست بالتوتر الشديد الذي يعيشه عبدالرحيم والذي استطاع أن ينقله إلى جميع من معه في السيارة..

وأردت أن أسأله لكني سكت.. الوقت لم يكن مناسبا والجو كان ثقيلا يستحيل اختراقه.. مازالت الآيات ترتفع متناغمة ترفرف وحدها في جو السيارة التي انحنت يسارا فيمينا مخففة سرعتها إلى أقصى مايمكن.. وانكفأ السائق على المقود يشده بقوة حتى لا تصطدم بصخور عرشت فوق الإسفلت الأسود.. وانكفأ معه الجميع ثم تراجعت أجسامنا إلى الخلف والسائق يضغط بقوة على المكبح ويصيح:

 - اللهم سترك وقعنا في الفخ.

وصحنا أنا ووهيبة معا:

- اهرب عبدالرحيم

لم نكن نخاف إلا عليه.. لا أحد يهمنا هنا إلا عبدالرحيم.. ولم يجد مايرد به سوى

- الزما الصمت.. لاإله إلا الله.. لا أحد يفر من قضاء الله

وانتبه السائق من صدمته فدار إلى عبدالرحيم وهو يقول :

 - أمعك مسدس؟ يجب أن ندافع عن أنفسنا.. لا أحب أن نموت كالخراف ذبحا

تلمس عبدالرحيم المسدس تحت سترته ولكنه لم يخرجه.. لم يكن ليهتم في هذه اللحظات بنفسه بقدر ما كان يهتم بي أنا أخته وزوجته التي لم يمض على دخوله بها سوى شهرين.. ومازال لم يسدد ديون زواجه منها وأراد أن يلتفت إلي ليقول شيئا لكن أشداقا سوداء متوحشة أحاطت به من كل جانب.. حركة واحدة منه أو من غيره فتتقيأ شواظا من جحيم.. وانفجرت أبكي هلعة مرتعدة الفرائص في هستيريا.. ونطقت وهيبة تقول:

 - أقسم أننا أبرياء نصلي ونصوم ونتقي الله.. ولسنا في أي جهة لا مع هؤلاء ولا مع.. هؤلاء.. نحن كادحون همنا اكتساب لقمة الحلال

وأحست أنها أكثرت من الحديث فكبحت نفسها فجأة مرتجفة.. وسمع صوت غليظ يدعو الجميع إلى الهبوط مع وضع الأيدي على الرؤوس.. وبسرعة هبطنا جميعا ووقفنا نستند السيارة كتلة واحدة.. وأشار الناطق إلى آخر بجواره فهرع يفتش الجميع.. بدأ بي.. دفعته عني.. هرع آخر فغرز فوهة المحشوشة في رقبتي ليفسح المجال ليدي رفيقه كي تعبث في المناطق المشتهاة من جسدي وتستقر طويلا على نهدي ولم يفطن من غيبوبته إلا على صراخ رفيقه وهو يطلب دوره في تفتيش زوجة عبد الرحيم.. وتحول بعدها إلى السائق فعبدالرحيم...

نسيت كل شيء وقع واشتد خفقان قلبي يتجاوب مع خفقان قلب وهيبة بجواري لقد كانت لحظات صراع رهيبة وامتدت يد المفتش لتصل إلى جنب عبدالرحيم  الأيسر فتستخرج المسدس من تحت إبطه وصاح:

 - هذا طاغوت.. إنه طاغوت.. وجدت تحته مسدسا.

تداعت أركان عبدالرحيم وجثا أرضا وتخيلته كومة رمل جرفها السيل.. أو كومة رماد عبثت بها الزوبعة.. فجأة تحجر السائق لا يبدي حراكا لقد جمدت كل أجزائه.. وفتح فاه دهشا كالمعتوه.. ثم جثا على ركبتيه يصيح كالملسوع.. التصقت بجنب أُخي والتصقت بي زوجته.. وتحولنا جميعا إلى كتلة واحدة.. وصاح الجميع

 - الله أكبر.. اقتلوا عدو الله

وهرعوا إليه جميعا يجرونه.. وتشبثنا به نسمِره إلى الأرض.. كان صراعا متوحشا بين الموت والحياة.. وتقهقرنا نسقط أرضا عند عجلة السيارة.. وأسرع الآخرون يجرون عبدالرحيم بعيدا في عمق الغابة وهو يصيح

 - أنا أخوكم.. أقسم أنني برئ.. أقسم أنني لم أظلم أحدا.. أنا فقير.. أعيل خمسة أفواه ضعيفة.. ارحموني يرحمكم الله

وأشهر أحدهم وكان أشقر طويلا بدينا رشاشه وقال:

 - هل تأمر يا أمير؟

وفتح الأمير عينيه إلى نهايتها فظهر وجهه بلحيته الكثة السوداء كوجه بومة.. وفهم الأشقر الإشارة.. فأطلق رصاصتين إحداهما استقرت في قلبه.. والأخرى في عنقه.

في هذه اللحظة مازال السائق تمثالا باردا يمارس طقوس السجود لكن صوته لفظ أنفاسه مع صوت الرصاصتين.. تداعيت أنا ووهيبة ثم اندفعنا بقوة صوب الجميع.. وخر عبدالرحيم يتخبط في دمه كالخروف المذبوح فيما راحت المجموعة تختفي في جوف الغابة..

كانت وهيبة ترتمي فوق زوجها تحاول أن تحضنه كله وتدخله جميعه في قلبها.. وكان هو يستعصي عليها.. واندفعت أنا خلفهم كالمجنونة أرميهم بالحجارة وبالشتائم ولكني مافتئت أن عدت أدراجي حيث جثة أخي.. وجدته قد أسلم الروح وهدأ تماما فصرخت صرخة مدوية وارتميت فوق جثته أخضه بقوة وأضغط على الجراح لأمنع الدم المتدفق من الخروج.

نظرت إلى السائق لأطلب منه الدعم.. رأيته يفطن إلى نفسه ليتحرك من مكانه نحو السيارة.. ركبها واندفع بها فارتطمت بالصخور.. عاد فنزل.. تأمل الصخور.. حاول إبعادها بيدين مرتجفتين.. لم يسعفه الحظ.. عاد إلى السيارة ركبها ثم عاود النزول.. هرع نحونا متعثرا ورجع إلى السيارة ركبها ثم نزل.. حاول إزالة الصخور مرة أخرى فلم يستطع.

الغابة تشرب صمتا رهيبا وظلاما دامسا يتحداه ضوء السيارة الذي مازال يفتح أجفان عينيه.. خطا السائق إلينا من جديد فلمحنا نعود نحو السيارة نحمل الجثة بصعوبة وهي تكاد تلامس الأرض.

فزع السائق وهو يرى حمرة الدم تغطينا جميعا فاندفع نحونا.. دعانا إلى وضع الجثة حيث هي.. فوضعناها وأسرعنا نساعده في إزالة الصخور الثقيلة.. عدنا إلى الجثة لنحملها فنضعها في السيارة.. أبى السائق علينا ذلك مؤكدا أن هذا من عمل رجال الأمن والواجب علينا الآن أن نفر لننجو بأنفسنا..

ركبنا السيارة فانطلقت بنا على غير هدى.. كانت وهيبة ملقاة شبه فاقدة للوعي وكنت أصيح:

 - لم تركناه لتفترسه الذئاب والخنازير..؟

كان السائق يجهد نفسه ليعرف الطريق أما المرتل فكان صوته يرتفع:

 "ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه

                  جهنم خالدا فيها

                       وغضب الله عليه

                                ولـعـنـه

                                    وأعدّ له عذابا عظيما"

 

9

حين نموت نحيا..

لأن الموت وحده ينبهنا لشراسته..

وحده الموت يدغدغ في مشاعرنا حقول الحب..

ها أمواج المعزين قد بدأت تتوافد بقوة على المنزل.. يشتد توافدهم كلما اقترب موعد دفن الجثة.. نواح نسوة يرتفع منذ الصباح.. نشيج ينبعث من الأصحاب الذين تكوموا عند الجدران.. كنت أجلس تمثالا حجريا باردا لا أبدي حركة.. بجواري كان يقبع أبي صالح وقد تدثر كعادته  بقشابيته رغم الجو الحار.. وانشغل آخرون بتوزيع القهوة على الحاضرين.. يشتد توافد الناس من كل اتجاه يقبلون كتف أبي صالح قائلين:

 - عظم الله أجركم

ويبتعدون ليتجمدوا مجللين بالحزن.. عناصر من الأمن الوطني تقف بانضباط أمام الباب.. سياراتهم تقبع غير بعيد.. صوت المرتل ينبعث من مسجل داخل البيت.. الحزن يجلل حارة الحفرة كلها.. أنهى الجميع صلاة الظهر وهرعوا إلى البيت لحضور تشييع الجنازة.. مئات من الناس على اختلافهم حضروا.. حضروا أحبابا وأعداء..

كل شيء في هذا الوطن يفرقنا..

الحزن وحده كفيل بجمعنا..

لحظات وينطلق الموكب.. هرع الناس إلى السيارات يمتطونها.. دخل رجال الأمن بسحناتهم الحزينة الصارمة إلى البيت.. ارتفع العويل.. خرج بعض الرجال يهرولون بهجيرة مغمى عليها.. حملتها سيارة إسعاف وضعت في الخدمة وانطلقت يشق بوقها جو الحزن الكئيب.. خرج رجال الأمن بالجنازة.. ارتفع العويل وخرجت النسوة إلى الشارع سافرات منفوشات يندبن ويولولن.. أمسكت بيد أبي صالح أقيمه من مكانه فتحرك كالآلي وتبع توجيهي حيث قدته إلى السيارة التي تحمل النعش وجلست بقربه.. مقابلنا جلس الهاشمي وإلى جواره الربيع يحتضن رشاشه.. انطلقت السيارات مكتظة بالمشيعين وهرع المتبقون راجلين في حيرة يبحثون عمن يقلهم قبل فوات الوقت.. وانطلقت سيارة النعش في تؤدة مبتعدة عن المنزل.. على إثرها ارتفع النواح والعويل.. كل نساء الحارة كن يولولن.. بعضهن تشبث بالسيارة.. البعض الآخر ارتمى على الأرض متمرغا مبديا الجزع والحزن.. تخلف بعض الرجال يعدن النساء إلى المنزل.

بدأت الحارة تفرغ من الحركة وتسكن من صخب إلا بعض أنين ينبعث من نسوة متعبات يائسات يتمرد عليهن جميعا عويل الجازيه.. كان صوتها يصل الآذان خناجر صدئة تنغرز في الأكباد.. تجلل الأرصفة والجدران وحمائم السقوف بالحزن الشديد..

شق الموكب الجنائزي المدينة ببطء وخشوع.. وهاهو يخرج منها متجها إلى المقبرة يجلله الصمت الرهيب.. لا شيء إلا أزيز السيارات.. سيارتان للشرطة تتقدمان الموكب وخلفهما بالضبط السيارة الحاملة النعش مسجى وسطها.. مغطى بالعلم الوطني.. على جانبيه جثم مقربوه..

كان صالح مومياء.. يرد رأسه إلى الخلف ويسنده على جانب السيارة.. مفرغ الذهن من كل شيء.. لقد توقف ذهنه عن كل تفكير.. بجواره جلست  غامسا رأسي بين ركبتي وقد تورمت عيناي من شدة البكاء يطوح بي الخيال في محطات كثيرة ثم يومض فجأة عند الجازيه هذه المسكينة التي أبى القدر إلا أن يوغل في تعذيبها.. وعند أبيها وأمها الطريحة الفراش.. وعند ذياب الذي كان من المفترض أن يحضر لكنه لم يلحق حتى الآن..

ويعود بي الخيال إلى عبدالرحيم..

آه أيها الطيب البريء من قتلك؟

من له فائدة في قتلك؟

من له هدف في رسم تضاريس الفجيعة على قلوب أفراد هذه الأسرة التعيسة.. كل سكان حارة الحفرة.. كل البسطاء والمحرومين؟

من له هدف حفر أنهر للدماء والدموع في ذاكرة هذا الشعب؟

واهتززت من مكاني فشهقت وعدت لفجاج الصمت وأنا أغلق عيني بكفي.. خيل إلي أن عبدالرحيم قد تحول إلي.. فتح عينيه.. وصرخ بملء فيه: أنت الذي قتلتني.. وأسرعت فمددت يدي إلى رقبتي خوف الاختناق.. وهممت أن أصرخ فيه أني بريء.. وهممت أن أقوم من مكاني فأرمي بنفسي من السيارة.. وعدت إلى نفسي فبدأ الهدوء يسود أرجاءها المضطربة.

لم أكن أشعر بكل ما يجري حولي.. كنت أركز بصري بشدة في وجه صالح يجلس بجابب منير مومياء دبت فيها الحياة محاولا استجلاء تضاريس أفكاره.. بقدر ماكانت الفاجعة على قلبي شديدة وكان حزني كبيرا على موت عبدالرحيم.. كانت زوابع الحيرة تضطرب في دخيلتي.. من قتل عبدالرحيم؟ الإرهاب دون شك.. الجميع يتفق على ذلك.. ولكنهم في الآن ذاته يختلفون في تصنيف وتحديد هذا الإرهاب.. هل هو إرهاب المال؟ ربما.. عبدالرحيم شرطي ولعله أدخل أنفه في أمور لا قبل له بها فكان جزاؤه الذي ناله..

أو لعله لم يفعل سوى أن طبق قانونا بسيطا على شخص له يد طولى فاعتبر ذلك مساسا بكرامته وكان الذي كان.. أو.. هل.. هو إرهاب الإسلامين وقد نذروا أنفسهم لقتل رجال السلطة وأعوانهم منذ توقيف المسار الانتخابي..؟

لماذا يارب عشر سنوات والدماء تجري وديانا؟

لماذا يارب؟

لماذا يموت كل شيء في وطني.. وحده الموت يبقى حيا.

واستويت في جلستي أضم ركبتي إلى بعضهما البعض.. حككت شاربي الكث.. تغيرت سحنة وجهي وأنا أبطل كل مافات دفعة واحدة.. لن أترك الظنون تذهب بي بعيدا.. الذي قتله هو الإرهاب.. الإرهاب الذي نعرفه.. لقد أكد السائق والمرأتان وجماعة أخرى ممن وقعوا في الكمين وابتزت أموالهم أن القتلة كانوا شبابا ملتحين.. وكانوا يتحدثون باسم الإسلام.. إنهم هم.. لم يفعلوا هذه فقط.. لقد اقترفوا مجازر أبشع وقتلوا أطفالا ونساء وأبرياء.. وشردوا عوائل من قراهم وأريافهم الآمنة.. ولكن لايهم كل هذا الذي يؤرقني ويذبح في نفسي الرجولة.. هل كان ذلك الملعون معهم؟ إن فعلها فعليه اللعنة.. إن فعلها فإني قاتله.. وحدي سأقتله.. سأحمل السلاح من جديد لابد أن أقلم الغصن المريض ليعود للأيك نضارته.

ورفعت رأسي أدقق النظر في ملامح صاحبي.. فيم يفكر صالح الآن؟ هل تساوره الشكوك في ابني صلاح الدين؟ إن اعتقد ذلك فقد فقدت أعز وأعظم من عرفت في حياتي.. عليك اللعنة ياصلاح الدين.. يافساد الدين لو لقيتك لذبحتك وشربت دمك كله.. كنت أنتظر منك أن تعزني حين تتقدم بي السن فإذا أنت تذلني.. تقتل زوج أختك.. تقتل أخا ظل أبواه لنا جميعا أبوين.. وتضع أنفي بين أقراني.. حتى غدوت محط الهمس واللمز.. إيـه يارب..

ألست أتحمل شطرا من الجريمة؟ ليس صلاح الدين أولا وأخيرا إلا ضحية لذلك الأفعى الذي جاءنا يوما من العاصمة ليتزوج ابنتي رغم ظروفه القاهرة التي كان يحياها.. ما كنت أبالي بذلك كان خضارا يسكن بيتا متواضعا جدا في ضواحي باش جراح.. الرجل لاعيب فيه مادام مستقيما وعاملا يحصل قوت يومه.. فاجأني حين زارنا في العام الموالي.. تغيرت ثيابه وسلوكه وأسدل لحية مبعثرة.. وغزانا بأفكار لم نألفها من قبل.. ترك عمله ومكث عندنا طويلا يدعو لأفكاره.. هو يدعو الرجال وزوجته تدعو النساء

انبهر بعض الشباب بالذي جاء به فاتبعوه.. وكان صلاح الدين أشدهم تحمسا..

بعد أشهر تحول جذريا وصار داعية يستقطب الأنظار وله أتباع.. يختلفون عنا في الصلاة والصيام واللباس والأفراح والأتراح.

عليك اللعنة أيتها المدن الكبيرة يا من دنست عذريتنا..    

وصل الموكب الجنائزي إلى المقبرة.. توقفت السيارات وأسرع الناس يتداولون حمل النعش على الأكتاف وقد غطاه العلم الوطني.. أوصلوه إلى القبر لم يُصلَّ عليه لقد عد من الشهداء.. تنافس الشباب مجهدين أنفسهم في مواراة الجثة.. قبع صالح قريبا هيكلا جامدا لا يبدي حركة.. بجواره كان منير ينتحب.. وعن يمينه وقفت مع الربيع جامدي الملامح.

انتهت عملية الدفن وبدأ الناس يغادرون المقبرة وقفت إلى جوار صالح ومنير والربيع لتلقي التعازي.. تقاطر الناس علينا:

- عظم الله أجركم.. عظم الله أجركم..

خلت المقبرة إلا من بعض المقربين.. سحبوا صالح بعيدا.. ومعه سار الربيع خلفهما كنت أسير بخطى كئيبة.. وحده تخلف منير.. جثا عند القبر فوق تربته الطرية.. كان ينتحب ويرتفع نشيجه حتى يسمع من بعيد.. يرتفع صوته مرة بالدعاء لصاحبه ومرة ينكب على قبره يقبله ويطلب العفو.

كم هي قاسية فجيعة فراق الأحبة !!

 

5

الحب وعفونة الرصاص

 

1

اقتربت من الجامع العتيق عائدا إلى حارة الحفرة.. كان الوقت الرابعة والنصف بعد الزوال.. منذ دقائق أكمل المصلون صلاة العصر فراحوا يتفرقون عبر كل الاتجاهات.. أمام الجامع جلس بعض الشيوخ يجترون ذكريات الماضي.. ونفر من شباب يتميزون بلباسهم الخاص نبتت لبعضهم لحى خفيفة.

عبرت أمام الباب.. رفعت بصري.. تراءى لي صحن المسجد تتوسطه فوارة تمد رقبتها لتعانق بعينيها صفحة السماء عبر فتحة وسط السقف وحولها تتدفق المياه للوضوء قيل إنها تشبه مباني الأندلس قديما.. لا أعرف الأندلس ولكني سمعت هذا الحديث وأنا أشارك متطوعا في ترميمه منذ سنوات.. وقيل أن الإبراهيمي هو الذي أقامه قبل الثورة التحريرية على هذا النمط.

حنين كبير يشدني إلى دخول الجامع.. حنين شديد يجذبني إلى ولوجه وتفقد كل ركن فيه.. لكني أقسمت ألا أدخله.. هل كنت متسرعا؟ ربما ولكن ما وقع فيه لم يكن شيئا هينا.. أسرعت مبتعدا وأنا أذكر تلك الجمعة المشؤومة حين قام صلاح الدين تدعمه مجموعة من الأتباع يطلقون على أنفسهم جماعة أنصار السنة بتهديم المحراب وإتلاف كل زخارفه وأقاموا مكانه بابا وكسروا المنبر ذا الخشب الأحمر المنقوش ووضعوا مكانه مصطبة مرتفعة قليلا.. وحين حانت صلاة الجمعة منعوا الإمام الشيخ من إمامة الناس.. وتقدم مكانه صلاح الدين الذي امتنع عن تقديم الدرس وتحدث في الخطبة عن بدع المسجد والجمعة مركزا على البدع في المحراب والمنبر والدرس..

كثير من الخلق قاطع صلاة الجمعة ذلك اليوم وبعضهم أداها متذمرا.. بعد انتهائها وقعت خصومة وفتنة شديدة بدأت بالحجاج واللجاج.. وانتهت إلى القذف والشتم والتهديد بتغيير كل معالم الجامع حتى تتوافق مع سنة النبي

يومها أقسمت أن لا أصلي مرة أخرى في هذا الجامع مادام مصدرا للفتنة.

بنصف ساعة بعد ذلك وصل رجال الأمن للقبض على الجناة لكنهم لم يجدوا أحدا وبُحث عنهم في كل مكان دون جدوى وعلمنا بعد ذلك أنهم التحقوا بالجبال وكونوا جماعة تسمى جماعة أنصار السنة المسلحة.. وتوالت بعد ذلك جرائم القتل والاغتيالات داخل المدينة وخارجها.. على الطرقات المؤدية إليها خاصة الغابية والنائية.. هل هم الذين نفذوا تلك الجرائم؟ هل يمكن لشخص يؤمن بالإسلام ويدعي التمسك به أن يقتل الأبرياء؟

وأنا أقترب من حارة الحفرة التقيت الخَيَّر بلعوط.. حياني وراح يسير إلى جواري دون أن ينطق.. سألته:

- أين كنت ياالخير؟

- صليت العصر وأنا عائد الآن إلى البيت.. كبرنا ياعمي الخير ولا ينفع إلا الصح.. منذ أن صرنا آباء انتهى اللعب.

تذكرت سنوات شيطنته مع عْزَيَّزْ ربيب العجوز عكة.. وكيف كانا يعودان كل مساء مخمورين.. ويلقاهما الصبية بالحجارة صائحين.. خمارين.. خمارين.. وحين كانا ينشران الفرح في الأعراس يضرب الخير على آلة الزرنة  ويغني عْزَيَّزْ ضاربا على البندير

عدت إلى نفسي وقلت مواصلا حديثي:  

 - تصور كنت أذكرك الآن في نفسي

 - ذكرك الله بخير

 - تذكرت ماوقع من مدة في المسجد العتيق من صلاح الدين السلفي وجماعته.. ودار في نفسي هل يمكن لأولئك أن يقتلوا الأبرياء بكل برودة دم؟ وتذكرت أنك كنت واحدا من ضحاياهم..؟

وقاطعني الخير مندفعا في الحديث

- إيـهٍ ياعمي صالح كانت تلك الليلة منذ عام بعد مقتل عبدالرحيم -يرحمه الله- بشهر واحد ولكنها كانت ليلة فضيعة كأنها حدثت لي البارحة.. فوجئت بهم يعترضون طريقي مشهرين أسلحة مختلفة.. سيوف.. خناجر.. بنادق.. ورشاشات.. وأسرعت فأوقفت شاحنتي.. قبل أن أسترد أنفاسي وأبتلع ريقي فتح أحدهم الباب وجذبني إلى الخارج.. تبين لي من ملامحه أنه شيطان.. لحية مبعثرة كلحية التيس.. وعينان تزيغان يمينا وشمالا كعيني إبليس.. صدقني ياعمي صالح روحي صعدت إلى خالقها وبردت ساقاي فلم تقويا على حملي فتهاويت إلى الأرض..

 صاح في أحدهم أين النقود؟ فطرت من مكاني إلى داخل الشاحنة قلبت المقعد وأخرجت حزمة بها عشرون مليونا سلمتها لطالبها فسلمها للأمير

سألته مقاطعا:

 - هل كان الأمير صلاح الدين السلفي؟

رد بسرعة كأنما كان ينتظر هذا السؤال:

 - أجل هو بعينه

عدت مرة أخرى للسؤال:

 - كيف عرفت؟

 - كان ملثما ولكنه ليس غريبا علي.. أنا أعرف شكله وقامته وصوته

انتظرني لأقول شيئا وحين لم يبدر مني ذلك واصل حديثه بنفس الحماس:

- جروني بعد ذلك إلى قارعة الطريق وربطوني إلى الشجرة.. صدقني يا عمي صالح لم أبُلْ من قبل كما بلت في تلك اللحظة كأنني أفرغ من صهريج.. تبلل سروالي وامتلأ حذائي.. ربما لم أفرغ مثانتي فقط بل أفرغت حتى أوعيتي الدموية.. وربما كان بولي أحمر.. قلت باكيا مستعطفا أنا أخوكم لا تقتلوني.. لم أكمل حديثي وقاطعني نحن لا نقتل ميتا مثلك.. أنت في نظرنا مجرد جيفة سنأخذ الشاحنة لنقل المؤونة إلى مكامننا وستجدها غدا في المدينة.. حين تعود أخبر الطواغيت أننا سننتصر بإذن الله.. وأننا سنقيم الدولة الإسلامية قريبا ليس في الجزائر فحسب بل في العالم.. سنحارب الطواغيت والمبتدعين والشيعة ومن شاكلهم من حزب الشيطان.. وسيكون جزاءهم القتل جميعا

 وانطلقوا مبتعدين فأسرعت بإزالة القيد.. لم يكن وثيقا.. لعلهم تعمدوا ذلك.. ثم..

قلت مقاطعا وقد أحسست أنه أطال في روايته لواقعته هذه فأنا أعرف كثيرا من تفاصيلها.. وندمت أن سألته عنها أصلا.. وأردت أن أغير مجرى الحديث.. لكنه وللمرة الثانية نجح في إرغامي على مواصلة الاستماع:

 - هل تعلم ياعمي صالح ماوقع لي بعد ذلك؟ لم أذهب للشرطة ولا لبيتي وإنما اخترت بيت صهري كان هو الأقرب.. دخلته وأنا أرتجف كأن الوحي قد أنزل علي.. وطلبت من حماتي أن تدثرني بكل ما عندهم من الأغطية وبقيت هناك ثلاثة أيام كاملة.. جاءوني بأسرتي وبالطبيب وجاءتني الشرطة ووجدوا شاحنتي منقلبة في الوادي و…

وقاطعته منهيا روايته للقصة بلباقة:

 - سلامة رأسك ياالخير.. قصتك طريفة.. نلتقي مرة أخرى فأعدها علي.. ألقاك بخير

وانطلقت إلى المنزل.. كنت في حاجة إلى راحة نفسية وجسدية.

 

2

أغلقت باب المكتبة بإحكام ومددت يدي فجذبت الستار الحديدي إلى الأسفل وحين كدت أهوي به أحسست بيد تلمس كتفي..

اقشعر بدني فتركت الستار واستدرت سريعا وما فتئت أن ابتسمت مبتهجا مهللا…لم يكن القادم إلا السيد معرفة وهو مفتش التربية والتعليم بالطور الثانوي.. غزاه الشيب من كل جانب.. وغارت عيناه تحت نظارته القديمة.. واستطال أنفه النحيف.. وعلت وجهه الصغير صفرةَ عِلة… لقد تغير السيد معرفة أكثر من اللازم حتى غدا مبعثَ الشفقة.. على الأقل بالنسبة إلي..

لم يدعني أغرق حتى الأعماق في تأملاتي حين حياني مبتسما.. ولم تزدني ابتسامته وأنا أرى أسنانه قد تهاوى معظمها وسوِد ما تبقى إلا شفقة عليه.. قلت مصطنعا الثبات:

 - مساء سعيد سيدي.

وكأنما لم يأبه بردي فدفعني من كتفي مشيرا أن أفتح المحل.. ودون أن أرد رحت أفتح الباب مرة ثانية.. حين دخلت وأشعلت النور قلت له:

 - لقد أصبحنا نعيش هذه الأيام قلقا رهيبا.. كثرت الاغتيالات وكثرت معها أعمال السطو والسرقة.. البارحة فقط أضفتُ قفلا ثالثا لباب المكتبة.

ضحك من الأعماق ضحكة فيها شيء من الأسى.. نظر فيَ بكثير من السخرية وقال:

 - لو وجدتُ من يسرقك لمهدت له الطريق ولأعنته على بلوغ أربه.

وسكتَ كأنما يتجرع مرارة.. جال ببصره في المكتبة.. دس يده في جيبه.. أخرج قطعا نقدية.. قربها من عينيه.. وضع بعضها على المحسب.. وطلب سيالا أحمر وممحاة.. سلمته ما طلب وأعدت إليه النقود.. رفض هذا التصرف مني.. ذكرته بالحديث المشهور من علمني حرفا كنت له عبدا.. أبى كل تبرير مني.. دس ماطلب في جيبه.. واجتاز عتبة الباب ينوء بمحفظته المنتفخة الكبيرة.. ثم توقف ينتظرني.. اشتغلت بغلق الباب ورحت أعيد إلى ذاكرتي محطات من حياته..

بدأ حياته أستاذا للغة العربية وآدابها.. قضى في ذلك عشرين سنة كان خلالها مثالا للانضباط والجدية.. يضحي بكل شيء من أجل أن يبلِّغ المعرفة للجميع دون استثناء.. لذلك لم يتزوج إلا وقد تجاوز الأربعين من فتاة درست عنده وأحبته فأوقعته في شباك الزواج بعد أن قضى شطرا كبيرا من عمره يتهرب منه.. بعد ذلك ترقى ليصبح مفتشا فزاد إحساسه بالمسؤولية.. يخرج عند الصباح باكرا يراوح بين يديه حملَه الثقيل.. يتنقل بالحافلات.. يؤدي مهمة التوجيه والتربية وحين يعود إلى بيته مع المساء ينكب على كتابة تقاريره.. إنه سكرتير نفسه.

كنا قد وصلنا إلى مفترق الطرق.. عند هذه النقطة سينحدر هو إلى الشمال حيث يسكن في الطابق الخامس من إحدى العمارات وأدور أنا إلى اليمين غير بعيد حيث حارة الحفره.. قبل أن نفترق أردت أن أسأله عن حاله.. عن حالنا جميعا.. أردت أن أقول له لمَ يُمنح بعض المسؤولين الذين يخربون البلاد السيارات الفاخرة.. وينجز هو عمله مترجلا رغم مستواه العلمي ومهمته الصعبة؟ ولكني سكت وهو يضغط على أصابعي ويقول:

ذو العلم يشقى في النعيم بعقله * وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم

كان هذا البيت الشعري كاف للإجابة عن حيرتي كأنما قرأ ماجال في نفسي.. استدرت يمينا هابطا إلى مسكننا تقودني العادة إليه مشتت الذهن تائه الخاطر مجرد كتلة تتحرك في الظلام دون وعي بما كان يدور حولها.. كان المتنبي وحده يقف قبالتي نحيفا فارع الطول.. يفتح فاه إلى آخره.. صائحا في الحشود التي ارتمت نائمة على الأرض

يا أمة ضحكت من جهلها الأمم

كيف لأمة من مبادئها اقرأ.. وخذ الكتاب بقوة.. والعلماء ورثة الأنبياء.. وخير جليس في الأنام كتاب النزول إلى هذا الحضيض من الجهل وإهانة العلم وأصحابه؟ 

 

3

بحركة آلية فتحت جهاز التلفاز وأنا أفك أزرار قميصي.. تجاوزت مجموعة من القنوات الأجنبية التي اعتدت مشاهدتها.. توقفت عند القناة الوطنية.. كانت نشرة الثامنة.. هممت أن أغير القناة حين صعقت مكاني ووزير التخطيط والعمران الجديد يعقد ندوته الصحفية الأولى والذي لم يكن سوى سي سليمان مدير المشفى السابق والذي تسبب في طرد عمي صالح من عمله ومن مسكنه.. لك الله أيها الوطن العظيم !!! من متخرج من معهد الميكانيك إلى  مدير مشفى إلى مستشار بالوزارة إلى وزير للتخطيط والعمران.. ماذا سيفعل عمي صالح بنفسه إن علم بالنبإ العظيم؟ وأنى له أن يعلم ووزراؤنا يتغيرون كل شهر؟

بدأ الوزير كلامـه:"أمـامنا عمل بزاف ومشاكل قد لجبال parce que وزارتنا.. importante..très importante لازم نخطط ونشيد عمرانات باش نقضي على مشكل السكن الخطير ونسهل لـles habitant البسطاء السكن ولو بالأديان..

وارتفع صوت أحد الصحفيين مصححا بالديون ..

أقفلت التلفاز وعلى غير العادة استسلمت إلى حضن الفراش باكرا بعد أن قلبت النظر في مجموعة من الكتب كان آخرها المعقول واللامعقول للكاتب الإنجليزي كلون ولسون.. لم تكن نفسي مستعدة للقراءة.. ولكنها كانت ميالة إلى النوم.. لعله الهروب من الواقع الذي غدا لايطاق..

الوضع أصبح أكثر تدهورا.. مستوى المعيشة أصبح مفزعا.. حرية الرأي حمامة مشنوقة في كل مكان.. بطالة سافرة أو بطالة محجبة.. بلادنا أصبحت سوقا ضخمة لسلع تنتجها حتى الدول الضعيفة.. وتستوردها عصابات أثرت على حساب الوطن.. تدنٍ لمكانة العلم ومكانة أهله حتى غدوا محل احتقار الدهماء والرعاع.. الأقلام النزيهة غدت بين فكين.. فك الإرهاب وأصحاب المصالح وفك أصحاب الأمر والنهى.. مستنقعان يجب أن يسبح قلمك في أحدهما أو فالويل له..

حالتي النفسية تكاد تنهار.. ظل عبدالرحيم يلح في الحضور داخل مخيلتي.. صمته الرهيب.. أحلامه العراض.. خيباته المتكررة.. جرحه الذي لعقناه وسكتنا كما تعودنا أن نسكت على الخيانة.. هو ومئات الضحايا من قتلهم..؟ من تقلد قطرات دمهم..؟

أين هي عبله الحلوة لماذا نسيَها الناس؟ لماذا ننسى جراحاتنا بسرعة.. نذري فوقها الرماد وننسى؟ وحده عزُّوزْ الدود ظل يذكرها.. ظل يحدث بها في كل مجلس.. ظل يحملها في قلبه أملا جميلا مشرقا عبقا.. هل المجانين عندنا أكثر وعيا منا وأكثر وفاء.. أم أن الآخرين لهم ما يشغلهم؟  

كانت أسناني تتساقط بشكل عجيب وكنت أقوم بلمها بلساني وأرمي بها على الأرض مندهشا متعجبا.. والذي كان يحيرني هو سقوطها دون آثار من دم.. وصك أذني دق عنيف يزلزل الباب الخارجي فاندفعت واقفا قاذفا بما كان يدثرني.. فترامت الكتب العديدة التي كانت تنام معي على بلاط الحجرة.. وشاهدت كتاب كلون ولسون ينقسم قسمين.. مازالت الطَّرقات تصل إلى أذني قوية حادة.. هممت أن أستطلع الأمر من خلال النافذة لكني تراجعت في آخر لحظة وعجلت أنزل السلم.. وقد ذهب بي التفكير مذاهب شتى..

من يقف الآن خلف الباب؟ ولماذا يدقه بهذا الشكل؟ وماذا يريد؟ وهل يمكن أن أفتحه مباشرة؟ وهل يمكن أن أقاوم هذا الطارق إن عمد إلى الدخول عنوة؟

وفي طريق نزولي صادفني عمود حديدي فحملته بيمناي وواصلت النزول.. وقفت إلي اليمين متجنبا مقابلة الباب مباشرة خوفا من إطلاق النار عليَّ وهو ما وقع عدة مرات في هذه المدينة وذهب ضحيته الشيخ الإمام وطوي الملف دون أن تثبت الجريمة على أحد..

قيل يومها أن الإرهابيين هم الذين قتلوه لأنهم أرادوه أن يصدر فتوى وجوب الجهاد ضد السلطة وكل أجهزتها والمتعاملين معها لكنه أبى ذلك انطلاقا من أن المسلم لا يحل له قتل أخيه المسلم تحت أية ذريعة.. وقيل أن أجهزة الدولة هي التي قتلته لخطبه النارية التي كان يلقيها كل جمعة منتقدا فيها ما وصلت إليه الدولة من فساد وانحراف.. وذهب دمه وسط الأقاويل.. لا أحد يعرف الحقيقة.. ولعله هو ذاته لا يدركها لقد كان..

وتواصلت الطرقات على الباب الحديدي شديدة.. تنصت لَعلي أسمع حديثا يدل على هوية الطارق.. فلم أسمع شيئا.. لكني تأكدت أنهم جماعة واضطررت أن أنطق متسائلا

 - من الطارق؟

وسريعا جاءني الجواب كأنما صاحبه كان ينتظر سؤالي

 - افتح.. الشرطة.

 - وماذا تريد الشرطة عندنا ليلا؟

 - افتح وفقط..

هل هم الشرطة حقا؟ يمكن ذلك لأن غيرهم لا يمكن أن يحضروا في هذا الوقت ويبقوا وقتا طويلا أمام الباب.. ويدقوا الباب بمثل هذه الثقة.. ولكن ما تريد الشرطة عندي؟ يمكن أن يكونوا آخرين عندهم معي حساب ما أنا لا أعرفه.. والراجح أنها لعبة من ألاعيب امْحَمَّدْ امْلَمَّدْ ليس في الأمر مشكلة.. سكان حارة الحفرة لا يخفى عليهم شيء مطلقا ولا يمكن أن يبقى أحدهم الآن نائما.. أنا على يقين أنهم يتلصصون جميعا على النوافذ والأبواب وهذا أمر يفيدني كثيرا في تحديد هوية الطارقين.

وتناهى إلى مسمعي صوت عمي صالح وهم يحاولون إبعاده عن الباب

 - ماذا تريدون؟ حتى أنتم.............................

وأسرعت أفتح الباب لابد أن أدرك الموقف قبل أن يقع ما لا تحمد عقباه.. عمي صالح لا يخشى أن يقول ما يراه صوابا.. فإذا استشاط غضبا قلب الدنيا على الجميع وقد يتعرض للأذى.. كان أحد رجال الأمن يمسك به قائلا:

 - ياعمي صالح نحن ننفذ الأوامر وفقط

كانوا أكثر من عشرة رجال بعضهم يلبس بذلات زرقاء وآخرون في ملابسهم المدنية ولكنهم جميعا كانوا مدججين بالأسلحة.. تكاد سياراتهم الثلاث تسد الرؤية عن كل الجيران.. مددت يدي إلى الشرطي الذي كان يمسك بعمي صالح لأبعده عنه.. لكن الآخرين أمسكوا بي ودفعوني إلى البيت.. لم أستطع أن أمنعهم ولا أن أقاومهم.. ولم يمنحوني حتى فرصة الاستفسار عن الغرض من مجيئهم ليلا.. وحده عمي صالح كان يصيح مجلجلا

 - لا تدعهم يدخلون...إنـ...........................

بقي بعضهم في الحجرة الأرضية وصعد آخرون معي إلى الحجرة العليا.. كنت واقفا متكئا على الجدار في الوقت الذي انهمك فيه الجميع يقلبون كل شيء.. المكتبة.. الأشرطة.. فتحوا جهاز الإعلام الآلي.. قلبوا السرير.. فتشوا داخل كل شيء يمكن أن يخفي دليلا...

كررت سؤالي مرارا عم تبحثون لأدلكم عليه؟ لم يعبأوا بسؤالي جلست على الكرسي.. مازالت زوابع عمي صالح تصل مسامعنا جميعا..

وأمروني بالخروج معهم فامتثلت للأمر.. اقترح علي أحدهم وكان صامتا طول الوقت أن ألبس معطفي لأن البرد شديد.. نظرت فيه شاكرا ولم أمتثل لطلبه.. حين هموا بإدخالي إحدى سيارتهم الزرقاء.. وقفت أمامي الجازيه تدثرني ببرنس عبدالرحيم.. كانت نظراتها برنسا دافئا قرأت على صفحاتها آيات الحب والتقدير.

وانطلقت السيارات مبتعدة عن عيون أهل الحارة التي بدأت تخرج من جحورها.. وعن صياح عمي صالح الذي كان يحاول أهل الحارة منعه من اللحاق بي.

ماكنت قلقا مطلقا بل كنت رابط الجأش تماما ليس الذي يقع غريبا عنا بل هو في الحقيقة أمر بسيط.. منذ سنوات تدهورت الأوضاع وتعفنت.. وقد يجرف الواحد منا خطأ أو حماقة وقد تبتلعه زوبعة حسد أو تصفية حسابات..  وسواء أكنتَ في السجن أم في مخفر الشرطة أم تعبث في الأزقة والشوارع فأنت سجين..

حين دخلت مخفر الشرطة قرأت على ساعة الجدار الساعة الثانية.. كان الجو باردا.. وكان الصمت يقمط المدينة النائمة.. كان يلفها كجثة مومياء.. لم يكن يصل مسمعي إلا وقع أقدام رجال الشرطة وهم يذرعون غرف المكاتب والأروقة جيئة وذهابا.. وإلا الساعة الحائطية التي لم تمل من توقيع دقاتها بانتظام رتيب.. تذكرت أغنية الفنان الجزائري رابح درياسه

ياساعَه يهديكْ دوري وَاجْري بَالَّرقَّاص

عيني تنظرْ في ارقامكْ والخاطرْ مُحْتارْ

ولاَّت الدْقَيْقات ساعه والساعه بَانْهارْ..

ساعة من الزمن قضيتها وحدي.. استدعيت بعدها إلى مكتب آخر.. جلست أمام محقق لا أعرفه.. أمطرني بوابل من الأسئلة العادية.. اسمك.. لقبك.. سنك.. عملك.. الحزب الذي تنتمي إليه.. مارأيك في فخامة الرئيس..

أكمل ملء الاستمارة وسلمها لي كي أوقع على ما صرحت به.. دخل اثنان.. أمراني أن أنزع سيريْ حذائي وحزام سروالي وساعتي وكل ما أحمل من وثائق ونقود وفعلا امتثلت للأمر دون مناقشة.. بعدها أدخلوني خلف قضبان حديدية.. وطلبوا مني أن أنام إن أردت.. وانصرفوا.. أردت أن أستفسر عن سبب كل ما فعلوا لم يمنحوني فرصة.

درت على نفسي في ذلك المكان الضيق.. متر ونصف على مترين.. أرضية مبلطة.. جدران متسخة.. عليها كتابات.. وآثار لمحجوزين مروا من هنا.. مجرمون أم أبرياء شرفاء؟ لست أدري.. قضبان حديدية تقف كجنود منضبطين بصرامة.. أطل علي شرطي برأسه.. لمحت آيات الأسى تنسج شبابيكها على عينيه..

 - إن احتجت شيئا.. ماء.. أو مرحاضا.. فاطلبني.. أنا هنا قريب منك

وهممت أن أسأله عن سبب وجودي هنا لكنه قاطعني

 - لا أعرف شيئا.. ولا يسمح القانون بأن أكلمك أو أريك وجهي.. أنا خلف الجدار قريب من الباب.. يمكنك طلبي فيما ذكرتُ

واختفى كالشبح.

أثار شفقتي وهو يأفل.. تكومت في مكاني على البلاط البارد.. وسرحت بفكري.. ما معنى أن تنتهك حرمة إنسان ليلا..؟ ويجر من بيته إلى الحجز..؟ويرمى فوق بلاط بارد..؟ياللجنــون ؟؟؟؟ !!!

تذكرت قول أدونيس:

قالت صحرائي

         لا تألف

            كن الغريب دائما حتى عن نفسك

                              وقل لوجهك في كل فجر

                                     كأنني أراك للمرة الأولى

وما فتئت أن صرفت تفكيري عن ذلك ليس الأمر جديدا.. الكثير من السجون العربية تئن بآلاف المثقفين لعشرات السنوات.. دول عربية عريقة بحجم بابل أفرغت من كل مثقفيها لأنهم أبوا أن يسبحوا للآمر الناهي فيها بكرة وأصيلا.. نطفة الحجاج التي زرعها مازالت معطاء ولودا وسيفه يأبى أن يُثلم..

ووقف أمامي مفدي زكرياء مرفوع الهامة..

أهٍ أيها الفحل...

قضيت عمرك في سجون الاستعمار..

وكتبت سجل خلودنا بدمائك الغالية..

وحين قطفنا ثمار تضحياتك..

حين ارتوينا من كوثر دمائك..

حين تفيأنا ظلال كبريائك..

                      حين.............................

أبعدوك عن الأرض التي أحببتها لتموت بعيدا بعيدا..

وهاهم مازالوا حتى الآن لا يحسنون إلا إبعادنا.. ولا نملك نحن في غمرة الأسى إلا أن نردد معك:

بلادكم ينام..... فيها  *** وتخصى في مرابعها الفحول

آهٍ...

من أين يأتي الشعر؟ حين نهارنا* قمع.. وحين مساؤنا إرهاب

والحكم شرطـي يسير وراءنا *  سرا فنكهة خبزنا استجواب

وخريطة الوطن الكبير فضيحة  * فحواجز ومخافـر وكـلاب

والعـــالم العربي إما نعجة * مذبوحة أو حاكـم قصاب

والعــالم العربي يخزن نفطه  * في خصيتيه وربـك الوهاب

 

4

لا تصفعني أيها القدر

                على وجهي أمتار من الصفعـــات

خنجر الليل يدلف عرش القلب..

يغتال شموسه..

وأنا وحدي سنبلة تلاهمتها الغربان..

تنافضت حباتها..

وحدها القصبة تقف بعناد..

ها آخر أوكاري تمتد إليه أيادي الدهر..

حارة الحفرة تصمت على إيقاع موال حزين..

انطفأت كل النوافذ لكن القلوب ظلت تنبض في أكفانها السوداء.. حتى أمي المشلولة ظلت تتابع قسمات وجهي بحيرة.. لعلها أدركت ما وقع لابنها الذي غذته من صدرها.. أذرع الغرف.. جدران البيت المتآكلة رفاةً.. أنا الآن في حاجة إلى من أكلمه.. لا بد أن أفرغ ما في حوض القلب الملتهب.. ليت أمي تقدر على ذلك.. هي مجرد كتلة لحم لا تتحرك إلا على الكرسي.. لا أبدا أمي دائما كتلة من الأحاسيس الملتهبة.. لكن الزمن اغتصب منها لسانها كما اغتصب منها رجليها.. هي الآن تشعر بكل شيء.. عيناها زوابع للحيرة.. وكنت أتجنب بصعوبة النظر إليهما..

والدي ليس الآن في البيت يتحول مجنونا حين يحس بإذلال الآخرين له.. علمته العواصف أن لا ينثني لأي مخلوق.. دائما يردد المثل بعد أن ينسبه إلى أبيه.. والدي سالم العلواني كان يقول: يحرث واقف أو ينكسر

أطل من الباب.. الشارع يفغر فاه كديناغول رهيب.. لكن النوافذ كانت تكتم خلفها أزيزا رهيبا.. ووحده كان إبراهيم يطل بعينيه من ثقب بالباب مُرَمْرِمًا:

-      خْلاتْ حارة الحفرة خْلات.. 

    راحو رْجالْها وَبْقاوْ لَبْناتْ...

-      خلات حارة الحفرة خلات..

    راحو رجالها وبقاو لبنات…

ما التهمة التي سيوجهونها إليه.. كل شيء جائز هذه الأيام ويمكن للإنسان أن يُرمى بما لا يخطر على بال.. في حين يسير آلاف المجرمين الآن طلقاء يدوسون على القانون.. ويشترون رجاله.. وينمون ثروات ماكانوا ليحلموا بها.. هل هذا نتاج حتمي لحالة التخلف التي نعيشها؟ ربما وربما أيضا هي ذريعة يحتمي خلفها أولو الأمر والنهي..

إذا لم نحل مشكلة منير غدا لابد أن أتصل بذياب في العاصمة.. لابد أن أجده وإن استلزم الأمر السفر إليه.. لقد انقطعت أخباره منذ أشهر.. لم يعد يخابرني.. ولم يعد يراسلني.. هل يمكن أن يكون خوفه على نفسه من اغتيال الإرهاب هو السبب كما ادعى في مراسلته السابقة؟ ربما.. لا تهم رسائله المهم أن يكون بخير.

وقفز إلى ذهني وأنا أنسحب عائدة إلى حجرتي شك رهيب.. ألا يمكن أن يكون امْحَمَّدْ امْلَمَّدْ وراء القضية؟ هذه البلاد يُشترى فيها كل شيء.. من يملك المال يملك كل شيء.. كما يشتري البطيخ يشتري الضمائر والقوانين.. وكما يدوس على التراب يدوس على الأبرياء والكبرياء

كان المؤذن يشق بصوته سكون الليل البهيم..

وكنت أتسلل إلى دفء فراشي أصارع رغبة الإيمان في تلبية النداء

 

5

بت أرقب مركز الشرطة من بعيد وباتوا يرقبونني بعين خفية.. كانوا يعرفون جيدا من أنا ويدركون أن رأسي ناشفة وقد تجر علي الويلات.. هؤلاء جميعا ببذلاتهم الزرقاء ورشاشاتهم الكئيبة وعيونهم التي تدور في محاجرها حائرة قلقة.. هؤلاء جميعا كانوا إخوانا لابني عبد الرحيم- رحمه الله - وبعض آبائهم كانوا رفاقا لي أيام الثورة التحريرية.. أعرف أنهم باتوا يراقبونني ليس خوفا مني طبعا ولكن حبا فيَّ.. وشفقة علي.

حين لاحت أول خيوط الفجر ترسم لوحة يوم جديد اندفعت أقترب منهم.. ارتسمت على وجوههم ابتسامات بائسة واندفعوا جميعا معا يحيونني

 - صباح الخير عمي صالح..

رددت التحية دون أن أتوقف.. واندفعت ألج باب المركز.. لم يعترض سبيلي أحد.. واجهني كريم الضابط.. ودون أن أنطق سحبني من يميني إلى مكتبه.. أجلسني.. وجلس قبالتي يتأملني بعينين حائرتين.. كان يبحث من أين يبدأ حديثه.. وحين خشي أن أبدأ اندفع يقول:

 - ياعمي صالح صلِّ على محمد

وحين سمعني أردد الصلاة بين شفتي متمتما واصل

 - لا تقلق.. منير عندنا في أمان.. مادمتُ هنا لن يمس بأذى.. اطمئن تماما هو مثل أخي تماما.. والقضية لاخطر فيها..

وأردت أن أصرخ في وجهه.. ولماذا تقتحمون بيته ليلا وتختطفونه كالخائن؟ لماذا؟ هذه الدولة لا تحسن إلا تتبع الأبرياء أما اللصوص فيتحكمون في كل شيء ولكنه قاطعني قائلا:

 - نحن مأمورون.. والواجب يدعونا أن نطبق الأوامر.. لا تقلق عليك أن تعود وسأوافيك عنه بكل جديد شرط أن يبقى كل شيء سرا بيننا.

وسمعت صوتا من أعماقي يدفعني أن أقبل بالعرض.. واندلق صهريج على غضبي فأطفأ لهيبه فقمت من مكاني.. وقبل أن أغادر المكتب رميت إليه بأوراق نقدية لم أعدها

 - اشتر له كل ما يلزمه

وعجل يجمعها ويعيدها إلي في شيء من الخوف والغضب

 - سأتكفل بكل أموره فلا تحمل هما

وخرجت عائدا إلى البيت أجر خطى حزينة ثقيلة.. مع كل خطوة كنت أرى أبناء حارة الحفرة يقلبون فيَّ نظرات كئيبة.. كانوا ينتظرون مني أن أزرع في قلوبهم نار الثورة فيجتمعون مع الصباح ويداهمون مركز الشرطة.. أبناء حارة الحفرة ليس لهم ما يخسرونه.. لقد استأثرت أحياء الأغنياء بكل شيء.

حين دلفت شارعنا كانت رائحة القنوات تجلد بقذارتها أنفي.. وكانت المياه العفنة تتدفق شاقة لنفسها نهرا.. أول من تجرأ على محادثتي عَزُّوزْ الدود وقد غدا كالبعير يرغي..

 - اختلط الدود مع الدود.. ولن يفكها إلا الخالق المعبود..

 - اختلط الدود مع الدود.. ولن يفكها إلا الخالق المعبود..

وراح يكرر عبارته قريبا من أذني حتى كاد يثقب طبلتها.. سكت فجأة.. أمسكني.. تأملني وانفجر يبكي كالصغير

- منير أين الحلوة؟ لقد قتلوها.. قتلها امْحَمَّدْ امْلَمَّدْ

وانفجر يبكي فأسرعت أتخلص منه.. دخلت البيت أمام عيون أهل الحارة التي كانت تتابع خطواتي.

هرعت إلي الجازيه.. راحت تسألني عن الأمر وتطرح عشرات الاستفسارات.. طلبت منها قهوة وحدثتها عن كل شيء.. قدمت لي القهوة وهرعت تغير ثيابها وهي تتمتم: القضية وراءها امْحَمَّدْ املمد.. مخالبه طويلة.. ولعله ألصق بمنير تهمة ما تؤدي به إلى الإعدام.. منافق يمارس الإرهاب ويتهم الناس به..

ذاهبة هي إلى العمل؟ أم إلى مكان آخر؟ لست أدري.. ولم أتعود أن أطرح عليها سؤالا من هذا النوع.. قد تخبرني عن الجهة التي تريد وقد لا تفعل.. وحدها تتخذ القرار وفق ما تقرر.. وخرجت دون أن تنطق بكلمة واحدة.

وحدي بقيت أتجمد في مكاني ارتشف القهوة.. أمتص دخينة البرزيلي في نهم شديد.. ما الذي يقع حولنا.. أية غيلان تعبث بأحلامنا في هذا الوطن؟ ما الذي حققناه منذ الاستقلال غير إخراج جنود فرنسا؟ كلما تحل ذكرى الثورة أو ذكرى الاستقلال يخدروننا بحفل فني يحييه الشاب خالد أو وردة الجزائرية عن عيد الكرامة.. ويجلدوننا بعشرات الخطب الرنانة التي لا معنى لها.. وبدل أن يُكرم العلماء والمثقفون والعاملون المخلصون.. وبدل أن يعلن عن انتصارات جديدة ومشاريع حديثة.. يكرم المغنون واللاعبون.. ألا يحس هؤلاء بالذين قضوا ذات سنوات ليسقوا بدمائهم رياحين الأمل والكبرياء.. ألا يخشى هؤلاء يقظة الشعب وثورته؟

وانزوت أمامي أم منير شاحبة اللون كما رأيتها آخر مرة وقد فقدت كثيرا من دمها وهي تضع مولودها في ظروف صعبة وفي عينيها يتأجج الغضب.. تتبركن الثورة العارمة وهممت أن أسألها.. لا هممت أن أطمئنها.. أعرف أن ما وقع لابنها أثار غضبها لكني ما كدت أنطق حتى أحسست خلفي بالباب يفتح.. استدرت لأرى الجازيه تدلف في عجلة حجرتها.

 

6

خمسة أيام كاملة قضيتها في الحجز دون أن أعرف سببا لذلك لم أكن قلقا.. ما أتعرض له لا يعد شيئا ذا بال.. في معظم بلادنا العربية آلاف المثقفين قضوا عشرات السنوات في دهاليز الزنازين ليخرجوا منها أمواتا أو متدحرجين إلى أرذل العمر أو معوقين وربما لم يخرجوا إطلاقا.. أنا في حجز بسيط ضيق حقا وبارد جدا حتى غدوت أشك في اصطباغ تبولي بالدم ولكن يأتيني طعامي على كل حال.. وتأتيني بعض الأخبار..

وما تهمتي؟ لم أفعل شيئا.. أنا واثق من براءتي ولا يمكنهم أن يثبتوا علي شيئا إلا زورا وبهتانا.. وهو أمر قد يكون ميسورا أمام إغراء المال.. المال قد يشتري ذمم الناس جميعا..

شبعنا شعارات ولم نلمس شيئا.. من التصحيح الثوري.. إلى من أجل حياة أفضل.. إلى من أجل إنقاذ الجزائر.. إلى هذي يدي أمدها إليكم.. إلى الجزائر فوق كل اعتبار..

والكل يعرف أن طريق الخلاص يمر عبر إبادة الناموس الناموس الذي لم يشبع من امتصاص دمائنا.. وحضرني الساعة قول جميل حفظته لأحد علماء هذه الأمة وهو الإبراهيمي" إن للغرب فيكم مطايا ذللا هم أصل البلاء والعلة..

قادكم بسلوك من الأمراء والملوك..

فقادوكم إلى الهاوية..

فانزعوا المقادة من هؤلاء القادة

تفلحوا..

ولن تفلحوا ولن تصلحوا إلا إذا رجع أمركم إلى الشعب..

وأجمع الشعب على رأي واحد..

واتفق الرأي على نظام واحد..

وتمخض النظام بدستور واحد..

وملك واحد..

فإن قلتم إن هذا عسير..

فعيشوا عيشة الأسير..

أو موتوا ميتة الحسير..

شبر في الحياة وقبر في الممات.. "

من كتاب ................. ص.............

أليس من العجب أن يقول هذا الشيخ كلاما مثل هذا سنة 1949 ويغيب نحن علينا الآن؟

ثم مافتئت أن غيرت رأيي.. ماوقع لي ليس بسبب مواقفي بل إن التهمة خطيرة وقد نسج خيوطها العنكبوتية امْحَمَّدْ امْلَمَّدْ ماهي؟ لست أدري.. وكيف يكون الخلاص منها؟ لست أدري.

وجاءني الضابط كريم هذا الصباح سألني عن حالي وسلمني جريدة ذلك اليوم.. طمأنني على العائلة وعلى كل معارفي لم يكن يهمني أحد كما يهمني أبي صالح وأُمَّا عرجونه وأختي الجازيه.. ولم أصدقه في كل الذي قال.. هكذا نفسي حدثتني أن ما قاله ليس صحيحا على الإطلاق أو ليس كله صحيحا على الأقل.. وخرج ليعود بسرعة ويقول:

 - هل تعرف يامنير؟ التحق ثلاثة شبان من حارة الحفرة بصفوف الإرهاب.

وبقدر ما أقلقني هذا النبأ أثار حفيظتي.. لماذا يخبرني بذلك؟ هل هو لمجرد الإخبار؟ أم لغرض في نفس يعقوب؟ ورفعت فيه عيني فوجدته مازال يتأملني كأنما يريد أن يعرف موقفي من فعل هؤلاء.. ثم خرج وقد وعد أن يزورني مساء.. اتكأت على الجدار.. رميت الجريدة جانبا.. كل شيء يغلف نفسي بالقتامة.. من هؤلاء المغرورون الذين حملوا السلاح في وجه الجميع؟ ورحت أسترجع أسماءهم منذ أول متطوع منهم..

خيوط واضحة تجمعهم جميعا.. معظمهم من الأحياء الفقيرة.. مستواهم التعليمي محدود.. أكثرهم يعيش مشاكل اجتماعية ونفسية.. إنه صراع طبقات.. طبقة أثرت واغتنت واستوت على عرش المال.. وطبقة هوت إلى الحضيض الأسفل فاحتمت بدرع الدين.. والسلطة عندنا تطبق سياسة ملء الملآن وتفريغ الفارغ.. إنها تطبق نظرية الناموس..

ومفادها أن الناموس إذا ألح في الدوران حولك فلا مندوحة من أن تسلمه جسدك ليمتص دمك فإذا شبع سيدعك وحالك.. لكن الناموس عندنا ازداد تكاثرا وازداد شراهة.. وقد نفد دمنا فماذا سيمتص؟ هل سيتوحش ويلتهم اللحم والعظم؟

الأثرياء يزدادون ثراء وطغيانا.. اشتروا كل شيء.. القانون.. المسؤولين.. وصاروا هم أصحاب القرار.. أما الفقراء فقد كشر الفقر أنيابه عليهم ليسحقهم..

الطبقة الأولى لا بد أن تقف مع أولي الأمر والنهي لتدافع عن امتيازاتها تحت شعارات واهية مثل حب الوطن.. والجزائر فوق كل اعتبار.. ولا علاقة لهم بالوطن إلا في مناسبات يرفعون فيها العلم ويرددون نشيدا لا يحفظونه كله أو لا يحفظونه على الإطلاق ناهيك عن فهمه..

وطبقة ثانية لا تملك إلا أن تنكفئ على نفسها أو تتحول إلى إرهاب.. لأن كل الطرق الأخرى سدت أمامها رغم أنهم يدركون أن ذلك فعل الحمقى الذين يركبون موجة الثورة فينتحرون.. يحطمون أنفسهم وأوطانهم.

صدقت ياماركس القضية قضية صراع طبقي.. والملكية هي الفتنة الكبرى.. إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى..

في المساء زارني محافظ الشرطة وبرفقته امْحَمَّدْ امْلَمَّدْ.. وكان ذلك صاعقة فجرت أعصابي وأنهكتني تماما وربما لو كنت خارج القضبان لارتكبت حماقة إن جاز أن تكون كذلك.. لم يتكلم محافظ الشرطة.. كان يدس يديه في جيب سرواله كما يفعل شريف رعاة البقر في الوقت الذي كانت شفتاه تعبثان بدخينة حديثة الاشتعال.. وكان امْحَمَّدْ امْلَمَّدْ يقف بجواره بكبرياء كاذب يرتدي قندورة بيضاء ويمسك طرفيها بيديه اللتين جمعهما خلف ظهره.. ذكرتني وضعيته هذه بأبيه مكبلا والدم يتدفق من رقبته.. تأملت رقبته ورأسه.. كان أشقر اللون.. وقد بدأ الزمن يعبث به شيبا وتجاعيد.. وتبادر إلى ذهني سؤال غريب.. هل كان أبوه أشقر أيضا؟ أم أنه.. وأخرجني امْحَمَّدْ امْلَمَّدْ من حيرتي وهو يقول مصطنعا الاستغراب:

- سبحان الله! سي منير هنا.. ياسي السعيد هل وقعت القيامة؟

وحول حديثه إلي

 - والله ما علمت.. ولو علمت ما تركتك تبيت ليلة واحدة.. جرائمك أنا أتحملها يا ولدي

 - تلدك النار أيها الخنزير

ولم يتبين ما قلت فواصل يقول مخاطبا محافظ الشرطة

 - سي منير معه رجاله والمثل عندنا يقول: عَدْ رْجالَك واسْقِ الماء.. أطلق سراحه وأنا أضمنه.. بل وسيتعهد بأن لا يرتكب حماقة أخرى

وحدقا في منتظرين ما سأقوله وحين لم أتحرك من مكاني قال لي محافظ الشرطة ويداه ما زالتا في جيبيه:

 - ألم تسمع ما قاله الحاج.. بم ترد؟

الحاج؟ متى حج هذا نجس؟ وسرعان ما صرفت ذهني عن ذلك وقلت:

 - أعتقد أنني في مركز شرطة ولا علاقة للمدنيين مثل من ذكرت بقضيتي

وسكتُّ وسكتَ المحافظ.. لكن امْحَمَّدْ امْلَمَّدْ راح يرغي بجمل لم أفهم بداياتها.. ولكنه انتهى هادئا وهو يقول:

 - الكبير يا سي السعيد لا يحمل الحقد.. أطلق سراحه وأنا أضمن حسن سلوكه واستقامته.. وأنا على أتم الاستعداد لدفع كل ما تطلبون.

وخرجا..

كان ذياب لهلالي ينتصب أمامي.. ممتد القامة.. أسمر الوجه.. شامخ الأنف.. وهو يقول كأنما يوصيني:

قِيزْ لُبَّار(1) ولا قمح المَنَّه ** عزْ فَالنارْ ولا ذُلْ فَالجنَّه

 

7

قررت أن أذهب رأسا إلى سيدي فرج حيث يقيم ذياب.. أعتقد أنني سأجده هناك لأنه تعود أن لا يغادر الفندق إلا في حدود العاشرة فيتوجه مباشرة بعد ذلك إلى ميدان إنجاز مقاله.. ثم يلتحق بالجريدة منتصف النهار.. أو يستمر بقاءه فيها إلى آخر النهار.. وربما إلى ساعة متأخرة من الليل إنها مهنة المتاعب ولكنها المهنة التي أحبها ذياب منذ صغره حتى القداسة.. وكان يردد في مسمعي كلما لقيته:

القلم صاروخ ذو حدين يبيد الشر ويبذر الأمل.. هل رأيت سلاحا ذا حدين ياالجازيه؟

وبقدر ما كنت أكبر فيه هذا العشق كنت أردد مع نفسي: أخشى أن يكسر خنجر صغير كل أقلامكم..

هدوء البحر يقلقني كان يعاكس حالة القلق التي كنت أعيشها تلك اللحظة.. وسيدي فرج كانت شاة مبقورة معلقة من عرقوبها.. خيل إلي الآلاف من تتار فرنسا يدنسون هذه القطعة من أرضنا.. وأمامهم كانت تقف آلاف الصدور العاشقة عارية إلا من إخلاصها.

من هنا بدأ الجرح..

 من هنا بدأ الانكسار..

     هنا كانت أول الطعنات..

        ومذ ذاك والمدية تنغرز تنغرز في سويداء القلب..

ولمحت الداي حسين يجمع في لهفة أطنان الذهب ويفر من ساحة المعركة مع أفراد أسرته.. معريا الظهور للطعنات..

أيها الداي ليتك لم تبذر نطفك هاهنا.. لقد ذهبت وذهبت فرنسا.. لكن آلاف الدايات فرختهم هذه الأرض.. عفوا هبت بهم الريح العاتية.

وصلت الفندق.. تملكتني الرهبة.. تضعضع كل الجسد كأنما كنت أنتظر صاعقة.. اقتربت من باب غرفته.. تأكدت من الرقم.. مددت يدا مرتعشة ودققته دقات محتضرة.. لم أتلق ردا.. دب الوهن في رجلي وتسلل سريعا عبر الساقين.. أظلم الرواق في عيني.. وتهاوت الجدران من حولي.. أحسست بيد تغتال الخدر من تضاريس الجسد.. جلست على الأريكة في الشرفة الكبيرة مقابل البحر.. وحدها طيور النوارس كانت تمارس لعبة الحب في كرها وفرها بين البر والبحر.. وفي مغازلتها اللجج المتسابقة.

جاءتني الخادمة بكأس ماء عببته جرعة واحدة.. سألتني عمن أبحث.. لم أجبها.. تحاملت على نفسي وقمت.. نظرت فيها بعينين شاكرتين وانطلقت مبتعدة.. سمرتني كلماتها في الأرض وهي تصفعني بقولها:

 - ذياب لم يحضر إلى الفندق منذ شهرين تقريبا ولعله لن يعود.. لا يجوز أن تثق الفتيات بشباب اليوم.. حديثهم زبدة إذا أشرقت الشمس ذاب

صرت أمام كلامها كالكرة المتأرجحة في يد متمرس.. ما الذي أقوله..؟ لا شيء.. يجب أن أسكت.

لم تكن تشغلني شوارع العاصمة وأنا في سيارة الأجرة.. ولم تكن تستفزني هذه القاذورات التي تراكمت هنا وهناك كالعلل والأدواء.. تغتال في وحشية طهر الحمامة وبياضها.. كان خيالي يرفرف حول حارة الحفرة.. هل أطلق سراح منير أم لا؟ وما الذي يفعله والدي هذه اللحظة..؟ هذا الفرس الجموح يمكنه أن يكبو في أية لحظة.. لقد بدأ يزْوَرُّ من وقع القنا بلَبانه.

اقتربت السيارة من مجمع الصحافة.. قبل أن تتوقف نقدت سائقها وأسرعت أفتح الباب.. نزلت مهرولة.. كنت أعرف الطريق جيدا رغم أني حضرت مرة واحدة ومنذ عامين.. لم آبه باللافتة الجديدة التي زينت مدخل المقر "جريدة الشروق اليومي".. رأسا توجهت إلى مكتبه.. كان الباب مشرعا.. دخلت مباشرة.. رحت أقلب الطرف في من كان فيه.. صحافيان وصحافية كانوا صامتين منهمكين جميعا في إعداد مادة الغد.. وقبل أن أنطق تهلل وجه ياسين واندفع من خلف مكتبه مرحبا وهو يمنح قلمه استراحة محارب.

 - الجازيه هنا؟ أهلا وسهلا..

وقبل أن أرد.. قدمني إلى زميليه على أنني خطيبة ذياب.. وسحبني من يميني يجرني خارجا قائلا لزميله:

 - سنعود بعد دقائق..

أفزعني هذا التصرف منه..

لماذا سحبني بسرعة من المكتب؟

ولماذا ارتسمت على وجهي زميليه سحنة الحزن؟

هناك مكروه دون شك.

وجلسنا في نادي المجمع.. أسرع النادل.. فطلبنا قهوتين أردتها سوداء كأحزاني.. بدا لي ياسين كئيبا.. وبدا أكبر من عمره.. بادرت بسؤال عام

 - ياسين ماالذي يجري في هذا البلد؟

 - أنت تعرفين ياالجازيه.. الجزائر تنتصر دائما مهما تكالب أعداؤها

بدا هذا الحديث كاذبا.. تنتصر؟ والأبرياء يُذبحون كل يوم بالمئات؟ والإرهاب يمد جذور سرطاناته في كل شبر؟ أدرك أنني لا أؤمن بكلامه.. فواصل مؤكدا:

 - لا تصدقين؟ هانحن واقفون كالشواهق.

وأرسل ضحكة صفراء كالموت مداريا مراوغاته.. لم آبه به.. لايهمني مايقول.. مادامت الحقيقة ساطعة أمامي كالشمس.. بل هي ساطعة أمام الجميع.. ولا يحاول أن يخفيها عنا إلا المسؤولون الذين سكنوا القصور وأحاطوا نفوسهم بالدبابات وآلاف الجنود.. تاركين أبناء الشعب لإرهاب أعمى جبان يلتهم كل شيء

أبرقت بعيني في عينيه.. فهم قصدي ودون أن أطرح السؤال قال:

 - جئت تبحثين عنه.. هو بخير.. هو بخير.. بخير تماما.. والجزائر بخير.

أفجعني تكراره هذا كأنما يحاول توكيد أمر مشكوك فيه.. ودون أن يدع لي فرصة طرح السؤال واصل:

 - سيعود قريبا إليكم ربما الشهر القادم أو الذي بعده.

لم آبه بالنادل يضع القهوتين فقلت بصوت مرتفع.

 - ماذا تقصد؟ ذياب يجب أن أراه؟ قطعت أكثر من ثلاث مئة كلومتر لأراه.. بل لأعود به.. يجب أن أعود به.. حالنا ليست على ما يرام.. أحس أن كل شيء يهرب مني.. أرجوك يا ياسين يجب أن تساعدني.. إنني أخسر كل شيء.. الجميع الآن يقف ضدي.. فما العمل؟

وانفجرتُ باكية غير مبالية بكل الذين كانوا حولي.. قام ياسين.. رفع رأسي وطلب مني أن أشرب كأس الماء وأن ألزم الهدوء حتى يتمكن من إفهامي القضية كلها.. وفعلا تمالكت نفسي أو حاولت أن أوهمه بذلك.

عاود الجلوس في مكانه وقبل أن يمزق صمته البارد اندفعت قائلة:

 - لا أريد لفا ولا دورانا.. أريد أن أعرف أين هو الآن؟ لماذا هو ليس معكم.. ولا في الفندق.. لا أريد إلا الصراحة

وبرزانته المعهودة وصوته الخافت قال:

 - اطمئني هو بخير.. هذا هو المهم.. وسأقص عليك باقي الحكاية فيما بعد.. هذه أمور لا تقال في الأماكن العمومية.

نظرت من حولي لأتبين صدق ادعائه.. هذا ناد للصحافيين وليس مكانا عموميا.. تبين لي أن شخصا يجلس قريبا منا يطالع مجلة أجنبية وكأنه يتصنت علينا.. كل شيء ممكن في هذا الوطن.. وسرك لا تأتمن عليه إلا نفسك

لم أنطق هذه المرة بل مددت يدي إلى حافظتي.. أخرجت ظرفا سلمته إليه ورحت أرتشف قهوتي وأتابع ما يفعل.. فض الظرف عجلا دون أن ينطق.. نشر الرسالة وراح يقرأ.. وراحت ملامحه تتغير مع كل سطر يقرأه.

 

8

هذا عصر المادة لا أحد يمكنه أن يقف أمامي.. سأدوسكم جميعا كالصراصير.. من يملك المال يملك كل شيء.. إنه إكسير البشرية.. أصحابه يحققون كل ما يصبون إليه.. سخَّرت الجميع.. الكل خضع لإرادتي والذين أبوا الويل لهم من سطوتي.. رحل عبدالرحيم إلى غير رجعة.. جن إبراهيم.. الشيخ صالح في طريقه إلى الجنون أو الانتحار.. منير حبكت له تهمة لن يفلت منها ليس أقل من الإعدام أو المؤبد.. ذياب شردت به محاصرا طريدا.. دربي الآن ممهد كل الحجارة أزلتها من حذائي.. كل الينابيع التي كانت تسقي غطرسة الجازيه جففتها وإلى الأبد.. والآن يجب على الجازيه أن تركع أمام قدمي صاغرة.. وعند ذاك.. عند ذاك سأفعل الكثير..

سـ.......................

          ...........................

             ...........................

                      ..........................

خرجت من البيت بعد أن رشفت آخر جرعة من فنجان القهوة.. برنامج المساء سيكون كثيفا لا بد أن أستغل هذا الصباح لأزور سكان حارة الحفرة هم الأكثر وسأحتاج إلى أصواتهم في الانتخابات.. مامعنى لثري مثلي لا يجلس على كرسي القيادة..؟ أنا ماخلقت لأملك المال فحسب..؟ بل خلقت لأقود الناس وأتزعمهم وهذه سنة الله ولا تبديل لسنته.. وظيفة الفقراء العمل عند أسيادهم والتصفيق لهم والائتمار بأوامرهم لاغير..

وماذا يحتاج الزعيم ليس الشهادات العلمية كما يتوقع بعض الأغبياء بل المال والفطنة.. منذ الاستقلال إلى اليوم لم أعرف في هذه المدينة رئيس بلدية تجاوز مستواه الابتدائي.. منير مثقف هل يقدر على قيادة الناس؟ هؤلاء غاشي همج لابد لهم من زعيم حلُّوف..

وقفت عند الباب.. هرع إلي الخادم متذللا يخبرني بصوت خافت أنه أكمل تنظيف السيارة وأنها تنتظر أن أشرفها بركوبي.. صغر أمامي ورأيته حشرة معوَّقة.. دسته بقدمي وأنا أردد غاشي.. وعبرت.. استويت على عرشها..

ياأهل حارة الحفرة أنا ربكم الأعلى..

أدرت الزر.. انبعثت موسيقى حسني تملأ علي كوني الواسع..

ما تَبْكِيشْ

قولي ذا مَكتوبي

الظنْ اصْعيبْ وانت شَكِيتي

اسْمعتِ لَلْهَدْره وتْقلقتي

نَخْدعْ عُمْري

ذا الشي مُحال

جِيتي تبكي وطْلَبْتيني

كلام الناس غيّر لَحْوال

رن الهاتف النقال.. لم أشأ أن أرد سريعا.. يجب أن ينتظرني الجميع.

حين بح صوته رفعته إلى أذني ببطء شديد

 - آلو

وتناثرت حوالي القبلات وباقات الورد

 - صباح الفل والياسمين يا أعظم حاج في الدنيا

أعظم حاج في الدنيا أيها المنافق وأنا لم أحج بعد؟ وأنا أسكر معكم حتى أرى الديك حمارا؟

هذه هي الدنيا.. المال يشتري كل شيء.. ويحول الأسياد عبيدا.. محافظ الشرطة هذا حينما عُين كان لايملك حتى ثمن ثيابه التي يرتديها.. ومن خيري غدا من أعيان البلد يمكنه أن يجلس مع الأسياد وينادمهم.. أنت وسيلتي لتحقيق الكثير.

 - خيرا إن شاء الله.

 - أردت أن أذكرك بالموعد مساء.. سيحضره الكبار.. لقد اتصلت بهم وأكدوا الحضور وأنت تعرف ياحاج لن يحلو السمر إلا بحضورك يا أعظم حاج.

طبعا أعظم حاج ما دمت أنا الذي أدفع ملايين السهرة.. ثمن أكلكم وسكركم يا كلاب.. ولكن لا مندوحة ما دمتم وسيلتي لتحقيق مآربي.. ليس بينك وبين خدمي فرق.

- لا تحمل هما سأكون في الموعد قد أتأخر انتظروني حتى أحضر.

وقطعت المكالمة قبل أن يمطرني بوابل من النفاق.. أدرت المفتاح وانطلقت.. كانت الساعة العاشرة صباحا.. انطلقت انحدر من حينا الراقي إلى حارة الحفرة.. بدأت الملامح تتغير.. البنايات.. الطرقات.. الوجوه.. حتى الهواء راح يتعفن.. والجو يختنق غبارا.. بدت حارة الحفرة وأنا أطأها أبشع وأوطأ.. وفعلا إنها تزداد كل عام بل كل شهر غورا ودناءة بل وتوحشا.. كل شباب الإرهاب منها لقد صاروا يشكلون خطرا رهيبا علينا.. لا يَعْدو الأمر أن يكون حسد الفقراء للأغنياء.. وما عساهم يفعلون ونحن نملك ترسانة من الأسلحة

تحسست المسدس في جيب صدري وأنا ألج حارة الحفرة.. كانت شبه خالية.. تجولت ببصري.. استرقت النظر إلى بيت الشيخ صالح وبجواره بيت منير.. صمت رهيب يطبق بشدقيه على المكان.. لفت انتباهي إبراهيم جحا وهو يصدر أصواتا ضعيفة من خلف الباب.. منذ أن فارقته أسرته وتوقف عن أكل دوائه أصابه السعار القاتل.. وحبس نفسه وراء الباب لا يحب أن يرى أحدا.. كلكم على دربه ستسيرون.

خرجت العجوز عكة وتدحرجت نحوي في تثاقل كصهريج زفت.. فتحت النافذة.. سدتها بجثتها.. وأنفاسها المبحوحة تكاد تنقطع.. مدت يدها تصافحني.. دسست في يدها مبلغ مئة دينار.. أطلت من مغارة فمها ابتسامة عريضة سال لها لعابها.

 - أهلا بسيد الرجال.

 - أين وصلت؟

 - كل شيء جاهز.. لقد أحضرت الكلب منذ أيام.. أنا أنتظر عودتها من العاصمة اطمئن سأجعل منها كلبتك الأمينة

 - إن فعلت سأكسوك ذهبا.. سأجعل منك أسطورة أيتها الساحرة الشمطاء.

 

9

جاءني الضابط كريم هذا الصباح.. أخرجني من الحجز البارد.. أخذني في لطف إلى مكتبه.. لم أتفوه بكلمة.. ظللت صامتا أتجرع تعاسة هذا الوطن الذي لا ينتصر فيه إلا الأقوياء.. لم يتعجل في الكلام.. ظل صامتا زمنا كأنما كان يفكر من أين يبدأ الحديث.. أوقف العبث بقلمه الفاخر.. نظر إلي.. مطط شفتيه وقال وقد رآني أشرد ببصري:

-      إلام ترنو؟

صمت لحظات دون أن أرد.. تفرست فيه وأنا أعيد إلى ذاكرتي بيت الشاعر المغتال مبارك جلواح(1)

أبدا أنت في زجاجك ترنو  *  من وراء الدهر وتــومي

وأخرجني من شرودي وهو يواصل كلامه

 - أعتذر إن كنا سببنا لك إزعاجا.

  - لا حرج أنا واحد من الجميع .. وما عسى الميت يفعل في يد مُغَسِّله؟

كأنما أحرجه كلامي.. لعله كان ينتظر مني أن أسأله عن السبب.. صمت لحظات وقد بدا عليه الاضطراب.. لم يستطع أن يثبت يديه في وضعية واحدة ثم اندفع قائلا:

 - لمْ تسألني لم أنت هنا؟

  - سأسأل القضاء.

لم ترقه إجابتي.. أحسست كأنما يحاول أن يبعد عنه تهمة ما.. ربما كان يحاول أن يؤكد أن ما فعلوه لم يخرج عن أمر القانون.. هناك شك واتهام وحجز وتحقيق وحين تثبت البراءة يسرح المحجوز.

 - الأمر فوق أيدينا يا سي منير.. أعداؤك أكبر مني ومنك واحمد الله أننا أوصلنا الأمور عند هذا الحد.. إن الأشجار التي تموت واقفة قد تنحني ليس خضوعا للعاصفة ولكن تحايلا عليها.

 وسكت يبحث عن كلمات أخرى

 - وأرجو أن لا نُجبر على إعادتك هنا

كنت أرغب في قطع الحديث معه.. هذا الكلام الذي يحاول تنميقه لايهمني في شيء مطلقا.. وحين همَّ بالحديث ثانية قلت مقاطعا:

 - هل يمكنني أن أنصرف أم ستعيدونني إلى الحجز؟

انتظر برهة وأجاب

 - لا.. يمكنك أن تنصرف..

ووقفت أبرح المكان.. وحين هممت بالخروج من الباب لحقني وهو يقول:

 - بلغ تحياتي لعمي صالح.

خرجت دون أن أرد عليه..

بدت لي المدينة وأنا أشاهدها منذ خمس وعشرين يوما رهيبة..

كل شيء فيها مفزع..

ليست إلا حجزا كبيرا..

سجنا ضخما مرعبا..

الناس كتل تتدحرج هنا وهناك دون غاية..

الأشجار نفضت أوراقها وتدلت أغصانها كأذرع أخطبوط مشنوق..

الغبار وحده يعبث بالجميع..

الكل يموت.. وحده الموت يحيى.

كنت أتصور أن أجد عمي صالح في انتظاري.. تملكتني الحيرة.. ما المكروه الذي لحق به؟ وكيف حال أسرته؟

وفاجأتني حسناء تلحق بي..

صافحتني بحرارة..

سبحت في عينيها السوداوين وقد اغرورقتا بالدموع فتبللت أهدابها المتفتحة في تكاسل..

لم تكن غير مهرة عربية ضاق بها ميدان المعركة..

في شفتيها ارتجافة أكمام الزهر الأحمر

تذكرت قول عنترة:

ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني * وبيض الهند تقطر من دمي

فوددت تقبيل السيـوف لأنهـا *  لمعت كبارق ثغرك المتبسم

لم تكلمني ولم أشأ أن أكلمها..

وحده كان الصمت أفصح لغة..

ووحدهما عيناي كانتا تسترقان النظر إلى كل تضاريس وجهها كأنني أكتشف لأول مرة فتنتها

حارة الحفرة ثكلى تتدثر ملاءة اليأس.. شاهدت بناية مزخرفة تفتح أبوابها الزجاجية مكتوب عليها بخط كبير "مركز الرحمة التجاري".. منذ أيام كان مجرد مسرح فرنسي قديم مهجور.. وكنا نسعى أن نحوله إلى مركز ثقافي لأبناء حارة الحفرة.. كل الخطوات الإدارية قمنا بها لا ننتظر إلا موافقة الجهات الرسمية.. من استولى على أحلامنا؟ من بذر في بستان الثقافة أنانيته وجشعه تجارةً بائرةً..؟ كيف يفكر هؤلاء الناس..؟ وبماذا يفكرون ببطونهم أم بعقولهم..؟

 رفعت نظري في حسناء.. هممت أن أسألها ثم تراجعت خشيت أن تصدمني بخبر يزعجني.. خشيت أن تقول لي أن امْحَمَّدْ امْلَمَّدْ قد استحوذ عليه وحوله إلى مركز تجاري.

أخرجتني من شرودي وهي تحثني على السير

  - لا تشغل بالك الآن.. ستعرف الحقيقة فيما بعد

درنا يمينا ملفوفين بصمتنا.. الزقاق ينبطح في تهالك.. أكوام الإسمنت تنوء بكلكلها على جانبيه فاغرة أفواهها في تكاسل ولامبالاة.. لم يعترض سبيلنا أحد.. بعض النسوة كنا يتلصصن عبر شقوق الأبواب.. غياب العجوز عكة يقين لا جدال فيه..

دلفنا بيت عمي صالح.. أز الباب أزيزا مخيفا يمزق صمت الداخل.. لا أحد هش لاستقبالنا.. دخلنا الغرف أُمَّا عرجونه في كرسيها المتحرك.. كانت حالتها مزرية رغم ذلك رسمتْ لوحة فرح على وجهها.. لم تكن تتحرك لكنها كانت تعرف كل ما يحيط بها.. احتضنتها.. قبلتها.. في كل جزء من جسدها.. حاولت أن تمد إلي يدين ثقيلتين لتحتضنني.. أعنتها على ذلك فضغطت يديها على عنقي.. تركتها ورحت أطَّوَف الغرف.. أبحث عن أبي صالح وأختي الجازيه.. عدت حائرا سألت حسناء:

 - البيت خال أين ذهبا؟

رمت حسناء حافظتها على الأريكة..أرخت قبضة الخمار ثم رمت به فتدلى شعرها كأمواج ليل هائج ووقفت خلف أمي.. طوقت رقبتها بذراعيها وأسندت رأسها على رأسها.. لاحظت ملامحها تتغير كأنما تريد أن تنفجر بالبكاء.. قفزت نحوها.. أمسكتها من ذراعها.. رحت أخضها دون وعي مني

 - أين ذهبا؟ ما الذي حل بهما؟

وأخبرتني بعد ذلك بكل التفاصيل.. أخبرتني أن الجازيه قد سافرت إلى العاصمة.. أحست بعد حبسي أنها فقدت كل شيء فقررت أن تعرف سر ذياب لا بد أن تلقاه لتعرف حاله الغامض.. ولتتخذ منه سندا يقف معي.. كانت تقدر أن مصيبة ستحل بي.

أما أبي صالح فقد رحل إلى القرية.. عاد إليها.. آثر أن يعيش في بيته القديم.. لكن حالته لا تبشر بالخير ويجب أن نكون معه في هذا الوضع السيئ جدا وإلا قد يقع فيما لا تحمد عقباه تماما.

تلك الليلة أخبرني أحد الجيران أن السيد معرفة مفتش التربية والتعليم قد اغتيل وهو خارج من إحدى الثانويات.. وأن الشيخ السعيد قد قتل دفاعا عن نفسه في اشتباك مسلح وقع قريبا من بيته.. وعلمت أيضا أن منزل الهاشمي قد اقتحم ليلا من طرف مسلحين مجهولين اقتادوه مع ابنه وابنته.. عادت البنت منتصف الليل بعد أن اغتصبوها بينما وجد هو وابنه جثتين مشوهتين دون عيون ولا آذان ولا مذاكر..

حارة الحفرة ثكلى مازالت تعيش على وقع هذه الفجائع.

علمت أيضا أن امْحَمَّدْ امْلَمَّدْ قد ذهب إلى البقاع المقدسة.. وأن الصرح الذي قام مكان المركز الثقافي الذي كنا نحلم به هو مركز تجاري لامْحَمَّدْ امْلَمَّدْ

تأملت الصرح وقد كاد يستوي.. وتذكرت حلمي وحلم عمي صالح.. كنت أقول له دائما لابد أن نسعى في إقامة دار للثقافة.. حارة الحفرة مليئة بالمواهب.. الفقراء وحدهم هم المبدعون.. الفقراء خير الإنسانية لولاهم لامَّحَت كل القيم.. كان ينظر إلي بعين الإعجاب ويقول: والأغنياء سوس الإنسانية

ومن أين يمكنني أن أبدأ؟ هل ألحق بالجازيه في العاصمة؟ أم انتقل إلى القرية لإعادة أبي صالح؟ أم أؤلب الناس ضد امْحَمَّدْ امْلَمَّدْ.. وضد هذا السطو الذي مارسه على عقولنا؟ أم..؟ كل شيء من حولي متعفن..

آثرت تلك الليلة أن أسهر لقد اشتقت إلى القراءة وأنا مدمن عليها خاصة الشعر والرواية..

وبت ليلتي تلك أغني للمومس العمياء أنشودة المطر بحثا عن قافلة الضياع التي اختطفها الطغاة في يومهم الأخير.

من أيِّ غابٍ جاء هذا الليل؟ من أي الكهوف؟

من أي وجر للذئاب؟

قابيل أخفِ دم الجريمة بالأزاهر والشفوف

وبما تشاء من العطور أو ابتسامات النساء

ومن المتاجر والمقاهي وهي تنبض بالضياء

عمياء كالخفافيش في وضح النهار هي المدينة..

وبت أحلم بنانَّا وأيام الطفولة والبراءة والنقاء.. تتدافع أجسامنا الصغيرة عند البوابة كخراف تهرع من زريبتها تثغو جميعا في حبور الشوق..

إلى اللقاء ياسيدي...…

إلى اللقاء ياسيدي..................

يتقهقر المعلم عائدا..

نتناثر كأوراق الخريف يمينا وشمالا..

نتكتل..

تتعالى ضحكاتنا لبكاء حسناء ساخطة على المعلمة التي فرضت عليها أداء دور الزوجة في المسرحية.. هل سأخبر نانَّا أن معلمتنا قد زوجتني حسناء وأننا أنجبنا طفلة سميناها أمل؟

تثيرني حسناء ببكائها وقد تناثر شعرها الأسود كأنما يعبر عن تضامنه معها فأحس بعاطفة ما تجاهها.. أقترب منها.. أنهر الصغار فيسكتون.. أتراجل عليهم.

يقطع علي حلمي الجميل صوت نانَّا وهي تدعونا للانضباط والإسراع بالعودة معها إلى البيت.

كان الخريف قد استفحل وراح يلف حبله المتين حول رقبة الصيف ليأتي على ما تبقى فيه من رمق ويستل آخر أنفاسه.

أسراب اللقالق تستعرض مقدرتها على الطيران في سماء مدينتنا الصغيرة.. وحدها هذه الطيور الرائعة تمارس طقوس الوفاء عبر رحلتي الخريف والربيع

أخبرتني نانَّا مرة أن اللقلق إنسان مثلنا تماما ولكنه توضأ باللبن فمسخه الله طائرا.. وضحكت وهي تحذرني من أن أغتسل باللبن.

لم أخش مما حذرتني منه.. بل ربما تمنيته من أجل أن أمارس حريتي وأرى الحياة من فوق.. وكنت أحدث نفسي أن اللقلق كان إنسانا طيبا وفيا مخلصا ولذا مسخه الله طائرا جميلا بقي محافظا على ممارسة طقوس الوفاء.. ولا يختار سكنا له إلا الأماكن العالية الطاهرة كقمم الأشجار ومنارات المساجد والكنائس.. لو مسخنا الله الآن لمسخنا فئرانا وخفافيش.

ويندفع الأطفال دفعة واحدة مرددين وهم يشرئبون برؤوسهم إلى أديم السماء محدقين في سرب اللقالق..

بوبَلاَّرَجْ قَبُو قَبُو

                غُدْوَه شَمْسْ وَالاَّ نُو

وتبسط اللقالق دفعة واحدة أجنحتها دون حركة فنصيح جميعا.

غدا شمس..

غدا شمس..

وحدها اللقالق كانت تنبؤنا عن الأحوال الجوية إن بسطت أجنحتها وإن قبضتها..

ووحدها اللقالق كانت تنال ثقتنا.

 

10

آثرت أن أعود من العاصمة في سيارة أجرة لأن العودة في الحافلة أو القطار محفوفة بالمخاطر.. كم وقع المسافرون ضحية حواجز مزيفة أودت بحياة العشرات.. كان الصمت يخيم داخل السيارة.. استسلم الكهل الذي بجواري للنوم فور انطلاقنا وراح الشاب الذي بجواره يعبث بلحيته ويقرأ في صمت وإمعان من مصحف صغير.. أما الشاب الذي كان بجانب السائق فلم أتبين ملامحه كل ما يظهر منه هو قبعته وسماعتين كان يشدهما على أذنيه.. فتحت جريدة الشروق اليومي.. أول عنوان صادفني هو مجزرة في المديَّه.. اختطاف سيناتور في تبسه.. اغتيال رئيس محكمة بباتنة ودركيين ببلعباس.. قوات الأمن تقضي على عشرين إرهابيا في جبال بابور وبوطالب وحربيل ..

خضني دوار عنيف.. عصف بكل جسدي.. داهمني موج القيء.. وضعت يدي على رأسي ورحت أضغط بقوة..

عاودني الفضول إلى فتح الجريدة.. مجموعة إرهابية تتسلل تحت جنح الظلام إلى عمق مدينة المديه.. تقتحم ثانوية.. وتغتال ببشاعة خمسة عشر طالبا داخليا تتراوح أعمارهم بين ستة عشر وعشرين عاما ثم لاذوا بالفرار إلى الجبال المجاورة.. رجال الأمن مازالوا يقومون بتمشيط المنطقة مدعمين بالطائرات وأفراد الجيش الشعبي الوطني و..

لك الله أيها الوطن العظيم شامخا تبقى رغم المحن.

توقف الشاب الملتحي عن القراءة.. خبأ مصحفه في جيبه.. أخرج من حافظته شريطا وسلمه للسائق طالبا منه أن يشغله.. قذف السائق بالشريط في جوف الجهاز دون مبالاة كأنه لا يعي ما يدور حوله.. دار الشريط واندفع منه صوت واعظ  يكاد صوته يخرق الآذان..

معشر المسلمين والمسلمات بعدما تناولنا في الدرس السابق حكم الشرع في خروج المرأة وتعليمها وأكدنا بما لايدع مجالا للشك من كتاب الله وسنة نبيه أن المرأة لاتخرج إلا للضرورة القصوى وأن تعليمها لايجوز أن يتجاوز ما تقيم به دينها.. ننتقل بحضراتكم اليوم إلى درس جديد مفيد نحن اليوم عنه غافلون.. هذا الدرس هو عذاب القبر وما أدراك ما عذاب القبر.. حين يجد الإنسان نفسه وحيدا إلا من عمله.. وحين يجد في قبره نيرانا وثعابين وحيات طولها مابين السماء والأرض..

وانتفض الشاب المجاور للسائق فرمى السماعة وأسكت صوت الواعظ قائلا للسائق:

   - مالك أيها السائق نحن في سفر أم في جنازة؟

لم يتفوه السائق بكلمة واحدة.. كان الطريق مزدحما.. كثير التعرجات.. وكان لابد له أن يبقى يقظا.. لكن الشاب الملتحي ناب عنه مدافعا عن شريطه وما يحمل:

 - اتق الله يا أخي.. ألا تحب أن تسمع ذكر الله تعالى؟ ألا بذكر الله تطمئن القلوب.

ولم يرد عليه الشاب بل أسرع يبدل الشريط بآخر للشاب خالد واندفعت أنغام الراي الصاخبة تملأ فضاء السيارة الضيق..

أنا بْحرْ اعْلِيَ

وانتِ لا

مانَدْريك بْعيده عْلِيَ مانبكي عليك

قِيسْ الشَّبكه في لَبحر

وابكي على الزْهرْ

وادِّي ادي.. واه

علق الشاب الملتحي وهو يستغفر الله

 - اتق الله ياأخي.. أتستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ هذا الراي أتلف الرأي وترككم في ظلمات تعمهون.

واشتد الجدال والتنابز بينهما.. فطن الكهل بجواري من نومه العميق.. لم نتكلم.. حتى السائق لم يعلق على الأمر.. ولكننا لاحظناه يخرج عن الطريق ليوقف السيارة عند حاجز للدرك الوطني.. ترجل وقصد توا قائد المجموعة الذي لم يطل الاستماع إليه حتى قصد السيارة.. حيانا.. أنزل الشابين.. طلب منهما أن ينقدا السائق حقه ثم قادهما معا إلى سيارة الدرك.

عاود السائق انطلاقه دون أن ينطق.. لكن الكهل الذي انتقل إلى الكرسي الأمامي لم يشأ أن يصمت.. راح يقدم لنا موازنة دقيقة بين جيل قتل الأنانية وقدم مصلحة الوطن على نرجسيته فافتك الحرية من أعتى استعمار وبين جيل لاهَمَّ له إلا أن يختلف.. ولاهم له إلا أن يقلد الآخرين في شؤون الدين والدنيا.. ولاهم له إلا أن يتناحر.. وهذه هي النتيجة.

كنت مشتتة الفكر بين بيتنا حيث والداي وأخي منير.. وبين ذياب في العاصمة.. لقد أخبرني ياسين أنه غادر الفندق منذ مدة وأنه يعيش مختبئا لا أحد يعرف مكانه إلا هو.. يلتقيه كل مساء ليحضر من عنده مقاله الذي أصبح يوقعه باسم مستعار.. لقد تلقى عشرات التهديدات عبر البريد والهاتف وتعرض لمحاولة اغتيال خاصة بعد مقالاته النارية التي كتبها ضد الأثرياء أصحاب الامتيازات ودورهم في تموين الإرهاب وأخبرني أنه مصمم على العودة إلى البيت في أقرب فرصة.

هدأت نفسي بعد سماعي هذه الأخبار عنه وتركت لدى ياسين الرسالة المجهولة التي وصلتني تخبرني عن تفاصيل اغتيال ذياب.

 

11

لم أكن موافقة تمام الموافقة على الذي كان يفعله منير.. كنت أتمنى أن يعتني بهموم أسرته الصغيرة فحسب.. الهموم الأكبر منه لا شأن له بها.. وإلا متى نتزوج ومتى ننجب أطفالا نعيش معهم ما تبقى من حياتنا..؟ أليس من حقنا أن نعيش نحن أيضا حياتنا؟

كان يقول كلما ذكرته بالأمر: كيف يمكن للإنسان أن يعيش بمعزل عن كل أبناء مجتمعه المحيطين به؟ وكيف يسكت عن منكر يراه يمشي على قدميه ويشمر على ذراعيه شاحذا أنيابه الحادة.

راودتني هذه الأفكار وأنا أقصد منير في مكتبته لابد أن أضع معه النقاط على الحروف.. إلى متى ونحن نعيش الأحلام الكاذبة؟ إلى متى وهو يعيش للآخرين وينسى نفسه؟ مرت أربع سنوات ونحن مخطوبان دون أن نحقق حلمنا في بناء عشنا.. ضحينا بكل المال الذي جمعنا من أجل إجراء عملية جراحية للخالة عرجونه.. لست نادمة رغم أنها لم تحقق الهدف الذي صبونا إليه جميعا.. لكن لايهم.. المهم أن تقف مع أخيك وقت الشدة.. ألا نؤمن أنه لولا الفقراء لزالت كثير من القيم؟ نعم ولكن يجب أيضا أن نحقق حلمنا في أقرب فرصة.

اقتربت من المنعطف.. تجنبت وحل الطريق الذي شكلته بركة كبيرة من الماء لاشك أن أنبوبا انفجر هاهنا منذ الصباح.. أفزعتني سيارة فارهة أقبلت مسرعة من بعيد.. احتضنت الجدار فَزِعَةً.. غاصت السيارة في الماء العكر.. ارتفع موج الطمي.. داهمني.. تجمدت الكلمات في فمي وأنا أرى حافظتي وبعض ثيابي ممتلئة ماء ووحلا.. نظرت إلى السيارة التي توقفت.. صرخت في وجهه:

 - مجنون..

أطل برأسه من النافذة وبصق في وجهي وانطلق يحفر الأرض بعجلات سيارته الفارهة.

أسرعت أصلُ المكتبة وألجها.. رميت المحفظة فوق المحسب بكل ما تحمل من قاذورات في حركة غاضبة.. تلقاني منير وقد كان غارقا في الكتابة

 - خيرا إن شاء الله ماالذي وقع؟

أخبرته الأمر.. لم يزد على أن ضحك وقال:

 - رحم الله الشاعر العربي نزار قباني لما قال:

لبسنا قشور الحضارة والروح جاهليه

ضرب على المحسب وواصل :

 - ماذا تنتظرين من مجتمع لا يصنع الحضارة لكنه يستهلكها بغباء؟ هل يمكن أن يملك سلوكا حضاريا؟

وخشيت أن يتمادى في عرض نظريات فلسفية مثالية عن واقعنا وواقع أوروبا ووجوب التحاقنا بالركب وهذا لا يتأتى إلا ببناء إنسان متحضر قبل استيراد الآلة والمظاهر والشكليات وهذا لا يتأتى إلا إذا أسندت القيادة للمفكرين والمثقفين.. خشيت ذلك فقلت:

 - ماتؤمن به من مثل عليا ومناهج للإصلاح اكتبه في رواياتك أما أنا فهذا أمر لايعنيني.. لكن الذي يعنيني هو ..

وقاطعني مداعبا وعلى وجهه ابتسامة

 - هو أن نتزوج..

وسكت.. وليته لم يسكت لأني كنت أعرف ما سيقول.. شريط واحد حفظته..

هل يمكن أن نفرح والوطن الجريح يغرق في بحر من الدموع؟

وبماذا نتزين؟

وبماذا نتعطر؟

أبالأكفان والدماء؟

وكأن الناس لا يتزوجون في الحروب ولا يفرحون..

لكنه قال بحماس:

 - أنا مستعد..

ووجدت نفسي أطير فرحا فأحتضنه بانتشاء.. ماهذا التغيير المفاجئ؟ ضمني إليه وهو يقول:

 - غدا أحضر إلى بيتكم.. نستأذن والديك.. نحمل ما ترغبين في أخذه معك ونرحل إلى بيتنا حيث نحقق حلمنا الجميل.

سرى الخدر في جسدي كله.. تراخت ذراعاي ببرودة.. ابتعدت عنه.. تهاويت فوق الكرسي.. لقد خيب كل آمالي ونسف كل أحلامي.. إنه على يقين أنني أرفض هذا الشكل من الزواج وإن قبلته أنا فإن أمي ستنتحر إن فعلته.. حلمها أن تقيم لي زفافا تتسامع به المدينة جميعا وهي لم تسمع بأنني تآمرت مع منير وسلمنا المبلغ لخالتي عرجونه وإلا كانت ستُسقط علينا السماء كسفا.. ولست ألومها وهي ربة عائلة ثرية جدا.. ولولا حبها لي وخوفها علي ماوافقت على زواجي من منير أصلا.

 

12

بت أقلب دفاتر حارة الحفرة ورقة ورقة.. أقرأها سطرا سطرا.. أفتش خلف حروفها حرفا حرفا.. لماذا هي حفرة وليست ربوة؟ وماالذي يمنعنا من أن نجعلها ربوة والكبار عندنا يقصون أنها كانت أرفع مكان في الجهة كلها؟ وكانت تحفها الغابات والأشجار المثمرة؟ وتتفجر خلالها الينابيع الدافقة؟ كانت جنة هذه الأرض كلها.. وحدث أن زلزلت بفعل لعنة حلت بها حين عتت عن أمر ربها فغيض ماؤها وغارت أرضها.. ومازال الكبار عندنا يؤمنون بهذه الأسطورة كأن الذين من حولنا على الصراط السوي لترتفع أراضيهم روابي وجنانا؟ أم أن الأمر لايعدو إلا أن يكون سطوة الجبارين على الضعفاء؟

لم أنس عبله الحلوة..

كل ذرة تراب في هذه الحارة تذكرني بها..

كل شهيق في الصدور..

كل نبض في القلوب..

كل حيرة في العيون تذكرني بها..

كلما أمر على بيتهم ويصل مسمعي أنين أبيها إبراهيم أذكرها..

كلما أرى شيئا جميلا في الوجود أذكرها.. لقد كانت أجمل من كل جميل.. أجمل من البدر ليلة تمامه.. من حبات المطر المتراقصة.. من الشوق.. من الموج.. من العشق.. من الشذا والأغاريد..

أين هي أمها؟ وأين زوجة أبيها؟ وأين إخوتها؟ أين أخوها الذي قبض عليه متلبسا يبيع المخدرات؟ وأين هي؟

لست أدري من فعل بنا هذا.. هل هو الله؟ هل يمكن أن يكون  الله قاسيا على الناس إلى هذه الدرجة فيميزهم فقراء وأغنياء ثم يسلط الأغنياء على الفقراء؟

ألم يقل:

        وما من دابة في الأرض إلا وعلى الله رزقها؟

ألم يقل:

        وقدر فيها أقواتها؟

فأين رزقنا؟ وأين أقواتنا؟

في الحقيقة لا أراني أؤمن بهذه الترهات.. لكني أؤمن أن هذا ظلم المجتمع.. ظلم طبقة تغتني بطرق ملتوية وتكنز الذهب والفضة لطبقة أخرى خانتها ظروفها أو سارت على الطريق السوي فبقيت أقل من الأولى.. لقد خلق الله لنا الأرزاق في هذه الأرض قدر ما يكفينا جميعا فنعيش جميعا سعداء كما خلق الهواء والنور بالضبط.. لو تعلمنا كيف نكون إنسانيين ما اغتنت شعوب وافتقرت أخرى ولما استغل إنسان آخر.

عاد النادل إلي يضع أمامي فنجان القهوة وينصرف بسرعة بل ويختفي في لمح البصر كأنه خيال.. منذ صباي وهو نادل هذه المقهى.. ومنذ صباي وأنا لا أراه يزداد إلا نحافة وسمرة..

وكان إبراهيم جحا حين يقابله يحتضنه مداعبا: أهلا بالسفير الإثيوبي المفوض فوق العادة.. ولا يزيد النادل الطيب القلب أو عظام الحوت كما كان يسميه أهل الحارة عن الابتسامة العريضة كاشفا عن أسنانه المسوسة التي عاث فيها التدخين فسادا.. وربما قال: الطول للشجر والعرض للبقر إن الله ينظر إلى قلوبكم.

رشفت رشفة خفيفة من الفنجان ووضعته على عجل.. كنت أسند رأسي على يسراي وأتأمل شجرة التوت التي بقيت متمسكة بالحياة رغم الشروخ التي أحدثها فيها الكبار والصغار.. لماذا سكت الناس عن اختفاء الحلوة؟ من خطفها واغتصبها؟ لماذا أطلقت الشرطة سراحها لتختفي فجأة بعد ذلك؟ ولماذا قيدت القضية ضد مجهول؟ وطوي الملف تماما؟ هل كان لامْحَمَّدْ امْلَمَّدْ ضلع في القضية؟ ما السر وراء تفتيش بيتي ليلا وحجزي أياما..

وعدت لنفسي أجرع رشفة أخرى أكبر.. الظاهر أن مشاكل حارة الحفرة صارت لا تعد وليس من السهل التصدي لها مطلقا.. اختفاء الحلوة.. اغتيال عبد الرحيم.. انطواء إبراهيم.. فرار أبي صالح.. انقطاع أخبار ذياب.. وسفر الجازيه.. قتل السيد المفتش وعمي السعيد.. قتل عمي الهاشمي وابنه بعد صعود ابنه صلاح الدين إلى الجبل وانضمامه إلى الجماعة الإسلامية المسلحة.. ومن أين يبدأ حل كل هذه الهموم؟

أنهيت قهوتي عجلا.. رميت بالنقود على الطاولة وانصرفت

في المساء لابد أن ألحق بعمي صالح لأتفقد أحواله ولكني الآن يجب أن أذهب إلى دكان عْزيََّزْ بائع العطور.. جمٌّ أكدوا أنهم رأوا الحلوة تدخل آخر مرة عنده.. لم يعترف هو بذلك ولم تستدعه الشرطة ولا حتى المحكمة.

دخلت الدكان وجدت عْزيََّزْ يجلس خلف المحسب يمرر بين أصابعه حبات سبحة بيضاء وقد ظهرت على وجهه الأشقر لحية غير منسجمة وأحزان كدرت وسامته.. أسرع يرحب بي ويهيئ لي الكرسي للجلوس

 - زارتنا البركة.. زارتنا البركة..

قاطعه عَزُّوزْ الدود وهو يدخل فجأة هائجا كأنما كان يتبعني محاولا أن يفصح عن سر عجز البوح به.. لم يكن يملك إلا أن يشير إلى عْزيََّزْ مهددا إياه مرددا

- الروميه.. الروميه..

وفهمت أنه يتهمه بقتل عبله الحلوة وقد كان عَزُّوزْ الدود متيما بها يرافقها مئات الأمتار من بيتها حتى تغادر حارة الحفرة.. يحمل حافظتها مرات.. ويتأبط ذراعها مرات.. وتسايره هي في ما يريد ربما نكاية أو استفزازا للشباب الذي يقفون بعيدين والحسرة تلتهم قلوبهم الملتهبة.

دفعت عَزُّوزْ الدود عنوة إلى الخروج من المحل بعد أن منحته قطعا نقدية وعدت إلى الجلوس.. كان عْزَيَزْ قد طلب عبر الهاتف قهوتين مكثرا من الترحاب.. مبديا استعداده لخدمتي.. وأخبرته وأنا أدقق النظر في ملامح وجهه الأشقر أنني جئته في أمر خاص يجب أن يساعدني فيه بصدق تام.. وكأنما أدرك غرضي فأومأ برأسه ملبيا وتسارعت أصابعه تعبث بحبات السبحة.

لم يستمر الصمت طويلا حتى قطعته قائلا:

 - ياعْزيََّزْ أنت ابن حارة الحفرة.. وكل أبنائها إخوة لك.. ولعلك تلاحظ معي كيف أن كل الأحياء تزداد رقيا وتحضرا وتزداد حارتنا تعفنا وتخلفا.. ولعلك تلاحظ معي أن كل الذين تشردوا في الجبال هم من شباب حارة الحفرة.. وأنت تدرك أن الأمر لا يعدو أن يكون صراع طبقات.. وقد تقول أنت بإيمانك أن هذا قضاء الله وقدره.. ورغم أنني لا أؤمن بهذا.. اسمح لي أن أسألك.. هل اغتصاب هؤلاء القوم لشرفنا أيضا قضاء وقدر يجب أن نرضى به ونسكت عنه؟

وسكت أنتظر جوابه.. لم تتحرك شفتاه إلا بالتسبيح.. وكانت عيناه تدوران برعب شديد.. اصفر وجهه.. وجمد حتى صار كوجه معلول.. طال سكوتي لأعطيه فرصة للبوح لكنه أبى.. أردت أن أبرح المكان لكنه عجل إلي يستوقفني ويعيدني إلى مكاني ثم يهرع إلى الباب يغلقه ويضع إشارة مغلق ويعود إلي.. لم أشأ أيضا أن أنطق.. لم يكن هادئا تماما بل كان مضطربا جدا

 - ما عساني أقول لك؟ لعلك جئت في الوقت المناسب ولو لم تحضر إلي لقصدتك.. لقد صار ما أحمله في نفسي ثقلا رهيبا.. صار يقض مضجعي في كل لحظة.

وسكت يلم أطراف حديثه فاعتدلت في جلستي محدقا في عينيه.. بلل شفتيه وواصل

 - هذا الدكان هو للحاج امْحَمَّدْ.. وما أنا إلا أحد خدمه.. وهو لم يقمه هاهنا إلا لاصطياد من يشاء من الغيد الكواعب.. وكان اللعين قد وعدني أن يتنازل لي عن المحل إن أنا اصطدت له الحلوة.. وفعلا نفذت له بغباء مايريد ثم لم أحصل على شيء.. لقد شرَّبتها مخدرا ومن هنا حملناها فاقدة الوعي حتى وقع الذي وقع..

قال جملته الأخيرة بكثير من الحسرة وتداعى يبكي عند قدمي ندما على ما بدر منه.. مارت نفسي كالبركان وأنا أضع يدي على رأس الخيط لقد وقعت أيها اللعين كالحشرة في بيت العنكبوت فأين المفر الآن؟

نهضت من مكاني عجلا حاثا عْزيََّزْ على أن يخبر الشرطة بالأمر..

أردف مترددا

- وهو الذي كان وراء سجنك.. لقد اتهمك بالمتاجرة في المخدرات..

خرجنا دون أن نرتشف شيئا من فنجاني القهوة.. أكدت له في الطريق ونحن نتجه إلى مقر الشرطة أن في هذا الوطن رجالا سيعرفون كيف يطبقون القانون على المجرمين.

كنا نقترب من مركز الشرطة.. كان عْزيََّزْ يسير بجواري يكاد يلتصق بي وكانت فرائصه ترتعد رغم محاولته إخفاء ذلك.. هممت أن أسأله عما بدا عليه ثم أحجمت.. لقد تعود على دخول مقر الشرطة ودخول السجن أيضا في جرائم السكر والسرقة.. ولكنه لم يخاصم أحدا في حياته.. فكيف يخاصم امْحَمَّدْ امْلَمَّدْ؟

على بعد أمتار من الباب التقانا شاب لم أر خلقته في حياتي.. أمسك بيد عْزيََّزْ وجره بعيدا.. وقفت أنظر في حيرة وعْزيََّزْ لا يملك إلا أن يسير معه.. كان بينهما حديث ليس فيه ما يدل على العنف أو الكراهية ولكن كأنما سمعت كلاما في التجارة..

هممت أن ألحق به لأعيده إلي لكنه طمأنني بيده أننا سنلتقي فيما بعد.. وقفت في مكاني أشيعه وهو يبتعد وكانت في نفسي حسرة كأنني أودع حبيبا لن أراه بعد الآن.. كأنني أفقد كنزا وجدته الآن..

دخلت إلى مقر الشرطة وجدت كريما.. دخلت معه مكتبه.. رويت له كل ماكان بيننا في المحل.. طلب مني أن أصف ملامح الشخص الذي استوقف عْزَيَّزْ وخرج.. بعد لحظات أكملت المهمة وخرجت.. ليس عْزَيَّزْ إلا جرحا في حياتنا.. ليس إلا ثلما عميقا في قلب حارتنا.. تزوج أبوه العجوز عكة وهي في الأربعين من عمرها ضرة على أمه.. بعد أيام من الشجار والصراع قتل أم عْزَيَّزْ زوجته الأولى وحمل هو إلى السجن ليموت فيه بعد عشر سنوات وبقي عْزَيَّزْ يتيما مع ضرة أمه.. غادر مقاعد الدراسة مبكرا واشتغل نادلا بالمقهى ليجد نفسه في أحضان جماعات من اللصوص مدمني الخمور والقمار.. دخل السجن مرارا..  كثيرا ما كان يزورني في البيت ليلا مع صاحبه الخير أو وحده وهو في حالة عربدة.. أقدم إليه فنجان قهوة وأجلس لأستمع إلى حديثه الذي يطول لساعات.. كان يحلم بالزواج والاستقامة.. كان يحلم أن يكون له بيت يأويه ويكون له فيه أطفال.. ولكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه..

عدت مباشرة إلى بيتي يشرنقني اليأس.. ويلفني الضجر بأذرعه الأخطبوطية.. دخلت الحجرة الأرضية.. وقفت وسطها متأملا.. منذ أن رحلت نانَّا عن الفانية وأنا أنظر إليها نظرة قداسة أحاول أن أترك كل شيء مكانه كما تركته بالضبط.. الموقد.. حلقات النول المثبتة بالجدار.. الصندوق الخشبي المنقوش.. الهيدورة البيضاء.. زربية الصلاة.. والإطار الخشبي الذي يحمل صورتها وزوجها الشهيد في ثياب الجندية أيام الثورة التحريرية. 

 

 

6

الخروج من التابوت

1

وصلت من العاصمة البارحة متعبة نفسيا وجسديا.. كانت نفسي تتنبأ بكل الشر في حارة الحفرة وفعلا استقبلني ذلك.. بل وجدت ماهو أدهى وأمر.

انتقل أبي كما أخبرني منير إلى القرية منذ أيام دون أن يعود ولا أحد يعرف عنه شيئا.. زادت حالة والدتي سوء.. كلَّ يوم تذبل كالشجرة التي قطعت جذورها.. أرغمَ منير أنفه في هم جديد لا نعرف كيف سيخرج منه.. ليس من السهل فتح جراح الآخرين بعد اندمالها ونسيانها.. انتحر عْزيََّزْ بعد أن تناول دواء منوما مركَّزا وفتح قارورة الغاز في غرفته المغلقة.

كل السكان كانوا يعيشون غليانا رهيبا لم نألفه من قبل منذ زمن لم يعودوا يتجمعون بهذا الشكل حتى في مقهى الحي وحتى عند أطراف الشوارع.. كأنما هم يعدون لأمر خطير أو سيفرون من أمر خطير.

دخل علينا منير وجدني منهمكة في تبديل ثياب والدتي لغسلها مع باقي الثياب.. حيانا وجلس قدمت له فنجان قهوة وجلست قبالته

 كان وجهه عبوسا قمطريرا.. تركت ما في يدي وهرعت إليه استكشف حاله.. أنبأني ببرودة:

 - قتلوا عْزيََّزْ… أو.. لعله .. لست أدري

سكت لحظة وواصل:

- وجد مختنقا في دكانه بفعل تسرب الغاز من قارورة    يستعملها للتدفئة

وانتقلت زوابع اليأس إلى أعماقي فلزمت الصمت.. سألني عن ذياب وعن العاصمة.. لم ترضه إجابتي.. قدمت له صورة قاتمة عن كل شيء وأنهيت كلامي بقولي:

- كل شيء ضاع يا منير.. منذ تعرض ذياب لعملية اغتيال وهو يعيش مختبئا ولم أستطع حتى أن أقابله والعاصمة صبية مصلوبة على جدار الرهبة.

أخبرني أن حارة الحفرة أيضا تعيش مخاضا عسيرا.. أبناؤها يعدون لتمزيق الشرنقة الحالكة مهما كان الثمن.. وأخبرني أيضا أن امْحَمَّدْ مْلَمَّدْ قد عاد من الحج والعرس قائم في بيته منذ أيام وقد زار في سيارته الفارهة مع سائقه وحارسه هذا الصباح حارة الحفره يحمل مئات الهدايا ليوزعها على سكانها.. لم يكلمه إلا العجوز عكة.. عكة وحدها هنأته.. ووحدها عكة استلمت هديته.. الجميع بقي ينظر إليه من بعيد في ازدراء.. وحين قُذفت صخرة من يد فتى نحو السيارة أدرك امْحَمَّدْ امْلَمَّدْ أن الأمر حامض فلملم خيبته ورحل.

 - منير يجب أن نذهب مساء إلى القرية لا بد أن نعرف حالة والدي.. أنا خائفة يامنير

هكذا قالت الجازيه وانخرطت في بكاء حارق مفاجيء كالسماء التي تغيم وتندلق بسرعة.. احمر بياض عينيها كشفق يوم شتوي وتدلت خصلات شعرها الأسود في غير انتظام كليل يرخي سدوله عليها بأنواع الهموم.. ضممتها إلي أهدئ روعها.

 - لا بأس عليك.. حين تتعاورنا السهام يجب أن نحمي أنفسنا والضعاف مثلنا.. أما والدي صالح فهو يعرف كيف يحمي نفسه.

سكتُ لحظات استحضر ملامح الشيخ صالح وهو يلح: يحرث واقف أو ينكسر..

ينكسر المحراث ربما.. هل ينكسر الرجال؟ هل تنكسر ياصالح الرصاصة؟ وأنت الذي لم تلن في حياتك.

تأملت الجازية كانت كئيبة.. قلق عاصف يعبث على تضاريس وجهها.. كانت تشبك أصابع يديها وهي تنظر في الفراغ قلت في سري:

أنت ياالجازيه في هذه الحارة كل شيء..

      قد تجف البحـــار..

             قد ترتخي الجبــــال..

                    قد تجبن الريـــــح..

لكن الجازيه يجب أن تبقى أبدا كبريـــــــاء.

وقطع طقوسنا دخول العجوز عكة فجأة وهي تحمل في يدها صحنا غطته بمنديل قديم.. وضعته على الطاولة واحتضنت الجازيه تقبلها.

 - يا بنيتي.. يا ابنة أختي العزيزة ما هذه الغيبة الرهيبة والله وحقِ الملح الذي بيننا لن يمسك أذى.. لا تحملي هما أنا هنا.

وضربت صدرها براحة يمناها

 - الكل يعرف من هي عكة في المواقف العظيمة.. اسألي الجميع.. اسألي أمك.. اسألي منير ولدي ومفخرة الحارة.. أنا ربيته منذ كان صغيرا وأرضعته من صدري.. كل ما فيه من صلابة وفطانة هو مني.

كانت وهي تلقي خطبتها العصماء تقلب فينا النظر كأنها تطلب تصديقا.. لقد كانت تعرف أنها تكذب.. وتعرف يقينا أننا لن نصدقها.. وقطعت فجأة صمتنا الحائر.. مدت يديها إلى الصحن وعلى وجهها ارتسمت ابتسامات منافقة.. أزالت عنه الغطاء كان منتصفا لحما مشويا وقد قطع قطعا صغيرة مختلفة.

 - نحن أسرة واحدة.. الله يعلم محبتكم في قلبي.

وقدمت الصحن فوق طاولة صغيرة إلى أمي وهي تحرضنا على الأكل.. لم نمد أيادينا رغم إغرائها.. ورأيت أُمَّا عرجونه ترتجف كجناحي عصفور مذعور.. كأنما شفيت من شللها.. ثم تحركت وتهاوت فوق الطاولة الصغيرة.. تهاوى الصحن على الأرض وتناثرت أجزاؤه على أرضية الغرفة ممتزجة بقطع اللحم.. أسرعتُ مع الجازيه نرفع أُمَّا عرجونه ونعيدها إلى مكانها.. وهرعت العجوز عكة تجمع ما تناثر من قطع اللحم وهي تصيح:

 - ضاع المليون ضاع.. ضاع المليون ضاع..

وعادت إلينا وقد جمعت معظم القطع في المنديل الذي كان يغطي الصحن

 - إنه نظيف.. حرام إهدار نعمة الله.. أنتما متعلمان وتعرفان أن الله يسخط الباطرين

وتغيرت ملامح الجازيه غضبا وهي تعالج بعض جراح أمها وأدركت أنها ضاقت ذرعا بالعجوز عكة ولعلها ستسيء إليها.. وقرأت العجوز عكة ذلك على صفحات وجه الجازيه فسكتت.. عجلت أمسك بالعجوز عكة أحثها في رفق على مغادرة البيت وفعلا امتثلت فخرجت وهي توصي خيرا بلحمها.

أعادت الجازيه علي ما يعرفه كل سكان حارة الحفرة وتتسامع به كل الأحياء المحيطة.. تأتي العجوز عكة بكلب صغير تربطه في بيتها أياما وليالي.. تشبعه ضربا وجوعا وعطشا.. حين تتأكد من أنه قد غدا ذليلا تذبحه وتطعم لحمه وخاصة قلبه لكل من تريد أن تجعل منه كلبا خادما مطيعا لها أو لمن يشتري هذا السحر..

وفعلا هي لا تحفظ من القرآن إلا "إن تحمل عليه يلهث وإن تتركه يلهث" وقد جاءت هذه المرة بهذا اللحم لتجعل منا كلبين طائعين لامْحَمَّدْ امْلَمَّدْ.

 - أنت تعرفين أنني لا أؤمن بالسحر.. هل تعتقدين أن هذه الشمطاء يمكن أن تحولني إلى كلب بمجرد أن تطعمني لحم كلب؟

لم تعلق الجازيه.. لكن أُمَّا عرجونه رأيتها تقلب فيَّ بصرها بكثير من الرفض والتحذير.. ونظرت أنا إليها بكثير من الإعجاب والتقدير.

فجأة دوت في الأفق طلقات رصاص رشاش تتوقف لحظات ثم تعاود الانطلاق.. سألتني الجازيه بخوف ظاهر عن سر الرصاص لم أعرف كيف أجيبها لعلها معركة بين رجال الأمن والجيش وبين أفراد من الجماعات المسلحة تسللوا إلى المدينة.. وتعالت صفارات سيارات الإسعاف وسيارات المطافئ.. تركت الجازيه حيث هي تمسك بأمها وهرعت خارجا..

إلى متى تظل أيها الرصاص تمزق سكوننا؟

كان الشارع ممتلئا بالناس وقد هزتهم المفاجأة.. أطفال المدارس يحملون محافظهم ويعدون باتجاه بيوتهم وقد بدا على وجوههم الهلع.. الكبار كانوا يعدون بالاتجاه المعاكس تماما.. لايمكن أن توقف أحدهم لتسأله..

ماكان مني إلا أن انجذبت خلفهم قريبا من المدرسة حيث كانوا يتجمهرون.. مازالت طلقات الرصاص تدوي.. ومازالت صفارات الإسعاف تشق الفضاء.. شققت الجمع.. كانت المفاجأة أكبر مما كنت أتوقع.. جثة شاب مضرج بدمه.. معفر اللحية.. مربوط القدمين.. مشقوق القميص.. مذبوح الرقبة.. حتى ليكاد الرأس ينفصل عن الجسد..

لم يكن غريبا.. كان صلاح الدين.. بدا لي أكبر بكثير مما أعرفه.. سمعت بعضهم يتمتم قتلوه شر قتلة في كمين نصبوه له.. اقترب مني الضابط كريم مكفهر الوجه وهمس في أذني:

  - طاردناهم بعد أن نصبنا لهم كمينا وحين أصبناه برصاصنا ذبحوه كالخروف وفروا في أدغال الغابة

آه يا صلاح الدين.. !!

حقيرة هي الطريق التي اخترتها..

حقيرة هي هذه العاقبة..

أيقدر الأخ أن يفعل بأخيه كل هذا مهما كانت الأعذار؟ وإلى متى ينتهي هذا النزيف؟ متى يستريح هذا الوطن من غيلان الأحقاد؟ متى تلبسين فستان فرحك أيتها البيضاء؟

شاهدت امْحَمَّدْ امْلَمَّدْ يتربص بعيدا في سيارته الفارهة وعلامات الرضى تركض على تقاسيم وجهه وقد انهمك في تنقية أسنانه من الطعام.. وحده الموت يفرح هذا البليد.. وحده الدم النازف يعزف له مواله.

تركت الجميع بين محتفل فرح وبين حزين كئيب وجررت نفسي بعيدا بعيدا.. رأس صلاح الدين يتدحرج أمامي والبار عمر يدندن في أذني تتهادى نغمات شبابته ككثبان رملية:

هذا وَطْنَك وَالاَّ جِيتْ بَرَانِي

ياراسْ المَحْنَهْ لَلَهْ كَلَّمْني      

                       حُرْ انْتَ والاَّ مَمْلوكْ حَطَّانِي

والاَّ انْتَ خايَنْ قبضُوا عْلِيكْ خْيانَهْ

                         باعوك بقيمة ربعين سلطاني

  والا انت ماكر نصاب للضلالة

                          والاَّ قاتلْ رُوحْ عْلى اهْلَكْ جَانِي

والا كانت نفسك ظالمة خوانه

هَذا بَرَّكْ والاَّ جِيتْ بَرَّانِي

ياراسْ المَحنهْ لله جَاوَبْنِي 

عدت إلى نفسي وأنا ألج البيت.. أغلقت الباب.. ارتميت على البلاط العتيق البارد وانخرطت في البكاء..

دموعنا ودماؤنا هي شرابنا المفضل..

          حوارنا اليومي بالخناجر..

                     أفكارنا أشبه بالأظافر.

تذكرت الشيخ الهاشمي حين قدم إلى حارة الحفرة من قريته المعزولة فارا من شبح الإرهاب مفضلا سكنا ضيقا هو أقرب إلى الكوخ.. لكن خفة روح الرجل وحيويته تركتاه يندمج بسرعة في عش حارة الحفرة يُنضج الحمص والبلوط ويقصد صباحا المدرسة مناديا بصوته الرخيم

- ابْنِينْ ابنين.. إِحَلْ العينين.. وِزِيدْ الْوَذنِين..

 وأحبه أطفال المدرسة فتعلقوا به حد العشق ما إن يصل المدرسة حتى يطوقوه ويأكلوا جميعا طعاما وضحكات يرددونها على إيقاع نكته.

في المساء يملأ عربته خضرا وفواكه ويقصد بيوت حارة الحفرة بيتا بيتا لقضاء حوائجهم.

ما إن استقر صهره القادم من العاصمة عنده حتى قلب حياته رأسا على عقب.. وتحول ابنه صلاح الدين السلفي أو أبو مصعب كما كان يلقبه أتباعه من خضار.. إلى داعية.. إلى إرهابي.. إلى مقتول. 

 

2

وجدته خارجا لتوه من البيت برفقة الجازيه كأنما يهمان بالسفر.. ركبت معهما السيارة دون أن أسأل.. كان صوت إبراهيم ينبعث من خلف الباب ممزوجا بنشيج رهيب.. وكان عَزُّوزْ الدود يغدو في الشارع المترب ويروح مرددا مواله المفضل

اختلط الدود مع الدود ولا يفكها إلا الخالق المعبود..

هيجان رهيب كجنون البقر أصاب هذا المجنون هذه الأيام.. تدهورت حالته سريعا.. غدا يخاطب الجميع.. يسألهم عن عبله الحلوة.. لقيني.. أمسك بذراعي.. تخيلني الحلوة ثم فجأة أفاق لحاله وراح يحدثني أنه رآها اليوم وأنها أكدت له أنها ستعود قريبا.. مجنون يحب.. ما الفرق بين الجنون والعشق؟ كلاهما جنون..

وكانت وجوه بعض الشبان والأطفال جامدة كتماثيل مهملة متناثرة.. تحاصرها البطالة والفقر والتسرب المدرسي والمخدرات واستنشاق الغراء من كل ناحية.

قطع منير صمتي بقوله:

 - كنا نهم بالمجيء إليك..

وقاطعته الجازيه:

 - طلبت منه أن نعرج إلى بيتكم لنأخذك معنا إلى القرية أنت تحبين القرية.

ولم يمهلني منير كي أعلق على ما قالت فقال كأنما كان يعرف الذي كان يدور ببالي:

 - ورفضت لها أنا ذلك.. يا حسناء أنت حساسة جدا ونشأت في جو الثراء والليونة قد نصادف مشاهد ومواقف تؤذيك وأنت تعرفين أنني أحبك.

وسكت.. كأنما لم يتكلم من قبل فطلبت منه أن يوقف السيارة قريبا من بيتنا لأحدثه في أمر مهم.. لا يحتاج الانتظار.. ثم تركتهما وقفت لحظات أشيعهما.

ونحن نشق طريقنا نحو القرية عبر الدرب الصعب كنت أفكر في امْحَمَّدْ امْلَمَّدْ هذا التافه يجب أن يرحل عن الدنيا.. شيء واحد يوقف غطرسته.. رصاصة في الرأس.. الآن مد يده ليغتال قلبي.. والحل أن أفجر قلبه.. اشترى بماله كل شيء.. السمعة.. الحج.. الأبهة.. رقاب الناس.. القانون.. المسؤولين.. العجوز عكة كي تطعمنا لحم كلب.. لم يستطع بماله أن يشتري ضمائرنا.. هل يغتصب شجاعتنا وكبرياءنا؟ هل يبذر في أعماقنا الرهبة؟ يستحيل.. لا بد أن أقتله.

لن أتركك يا منير تقتله سأقتله أنا.. أنا أولى بذلك.. حين تقتله سيكون ذلك تدنيسا لك ياسيد الرجال.. وحين أقتله أنا سيكون عارا يطارده حتى في قبره.. هذا فرعون أخاف الجميع واشترى الجميع لكن قتلته امرأة.. لن أكون الجازيه حقا إن لم أفعلها أيها الحقير..

وما عساني أخسر أكثر مما خسرت؟

وأي شرف أعظم من أن أنقذ حارة الحفرة وشرفها من هذا الصعلوك؟

قد أموت بعدها ولكني سأخلد في قلوب أبناء حارة الحفرة الفقراء..

في عيونهم الحالمة..

سأنزرع كبرياء في تربتها.

لم ينفع معه القانون فلتنفع معه القوة.. المهم الآن أن أرسم الطريق إلى قتله.. هل أتحداه هكذا جهارا نهارا أمام الملأ والشمس تفتح عينيها.. وأرديه قتيلا أمام الناس جميعا.. لأسلم نفسي بعد ذلك إلى الشرطة.. وأحاكم.. وأسجن.. أضحي بنفسي من أجل أن أنقذ الآخرين..؟ أم الطريق الصواب أن أخطط له حتى أسقطه في حبائلي كالخنزير.. وأقتله شر قتلة.. ويطوى ملفه أمام المحاكم وإلى الأبد.. ليس طريق رجولة.. ولكن الحرب خدعة..؟ لا مستحيل أنا لا أحسن أن أخطط مثل هذه الجرائم.

بل أنا الذي يجب أن أقتله.. سأنتقم للجميع.. لأخي عبد الرحيم.. للرومية.. لأبي.. لعزيَّزْ.. لـ.. وسأقتله أمام الناس جميعا.. بطعنة خنجر.. يستحسن أن يكون بطلقة مسدس.. كيف يمكن أن أحصل على ذلك؟ سأتمرن على الإطلاق.. لاشيء سوى أن أمسك المسدس.. أصوبه.. أضغط على الزناد.. وتزغرد حارة الحفرة ملء فيها.

وأخرجني منير من صمتي وهو ينبهني إلى مشارف القرية.. استغفرت الله وأنا أعانق ببصري بيتنا يربض في حضن الجبل الأخضر مكللا بالصمت والسكينة.. في أي شبر يكون أبي الآن؟ وعلى أية حالة؟ أيجد والدي في هذه القرية الوادعة عوضا عن أمه التي فقدها وهو صبي؟ وفي حضنها ودفئها وسماحتها عوضا عما حرم منه صبىً؟ أم عوضا عن الزوج؟ أم عوضا عن الوطن..؟

وصلت السيارة تترنح في مشيتها ثملة تكاد تلفظ رئتيها القديمتين.. ترجلنا..

السكون يعرش في كل مكان..

         عناية فائقة ظهرت فيه..

                  فرح في التربة..

                        رقصة في الأوراق..

                                سمفونية يعزفها كل شبر..

سرنا خطوات..

كان منير ينظر حواليه في اهتمام قال:

 - قرأتِ شيئا؟

وسكت مبديا اندهاشا لم ألمحه على تقاسيمه من قبل

 - هابيل هنا يزرع الحياة..

   قابيل هناك يزرع الموت.

   ولكن ذو العقل يشقى في النعيم بعقله

                          وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم

   صدق جبران: الحياة دمعة وابتسامة

 - أخشى أن تكون حرارتك مرتفعة أكثر من المطلوب بفعل معاشرتك الكتب في معبدك الصغير.. من القرآن إلى المتنبي إلى جبران دفعة واحدة؟

وضحكنا واندفعنا نلج البيت.. عند عتبته استوقفنا صوت فرح.. تلفتنا.. كان أبي صالح يحمل على ظهره حزمة حطب يابس.. وفي يمينه فأسا حادة.. هرولت الجازيه إليه تحتضنه ولحقت بها أمسك عنه حمولته.. بدا أكثر هدوء.. وأكثر نحافة.. تغطي تجاعيدَ وجهه لحيةُ تنافس عليها السواد والبياض فشلت في إخفاء نتوءي خديه.. اندفع أمامنا يلج الباب المفتوح وهو يقول:

 - هنا في القرية لا يخش أحدنا إلا ربه.. كنت أنقي الأشجار من الأغصان اليابسة لا مكان للميت في الحياة.

ودخلنا خلفه.. كان البيت رهبة رغم التنظيم الرائع الذي بدا عليه.. دعانا للجلوس على مصطبة صغيرة كانت قرب النافذة.. لعله يتخذها مقعدا ومرقدا في آن واحد وفي الزاوية المقابلة جثمت خزانة صغيرة بل صندوق كبير منقوش يحظى بعناية فائقة يعود بالمتأمل إلى عشرات السنوات.. أربعين بل ربما ثمانين سنة لا أدري على وجه التحديد وبالقرب منه انتصبت طاولة من طابقين تنوء تحت ثقل أغطية وأفرشة.

كان والدي يقف بقامته المديدة عند الموقد.. يعجل بإحضار قهوة الجزوة التي تركها تنضج على نار هادئة قبل أن يخرج للاحتطاب.. استدار نحونا وهو يملأ فنجانين ويقدمهما إلينا:

- إيـه لا يبقى في الوادي إلا صخوره.. هكذا قال الأولون.. هذا البيت شهد أيامك الأولى يامنير.. وهنا أرضعتك عرجونه مع أختك الجازيه.. في ذلك الركن نامت أمك إلى أن لحقت بالمجاهدين حيث نالت شرف الاستشهاد.. ومن هنا ألحقتك الثورة بصفوفها لتعيش أشهرا في الجبل وعند الاستقلال افتقدناك.. أنا وأمك عرجونه.. علمنا باستشهاد أمك.. لكن لم نكن نعلم أين طوحت بك الأمواج إلى أن وجدناك في حضن البتول أمّا علجيه.. إيـه يا ولدي الرجال يلتقون.. وحدها الجبال لا تلتقي.

لا تخافا علي.. أنا هنا سعيد وآمن.. لم أعد أثق بالمدينة.. أخذت مني كل شيء ولم تعطني شيئا واحدا.. اهتما بأمكما عرجونه.. لو كانت معافاة لما تخلفت عني.. لكن الدنيا غدارة

ورفع عينيه إلى الصندوق الخشبي في خشوع وفي عينيه دموع حائرة.. لم ألحظها في عينيه أبدا.. لم نتكلم.. احترمنا صمته فجاريناه لكنه مافتئ أن قطع حبل الصمت قائلا:

 - هذا الصندوق هو كل ما جاءت به أمك في عرسها.. لا يساوي شيئا عند جيلكم لكنه عندنا كان يساوي كل شيء.. وها كما ترون مازلت أعتني به وفاء لسنوات العمر التي قضيناها معا.. أما..

دائما ينظر والدي إلى جيلنا نظرة سوداوية.. دائما يتهمنا بخراب الداخل مقابل تعمير الخارج.. نحن في رأيه جيل أخذ كل زمام المعرفة وحصل على كل ملذات الحياة المدنية لكنه في المقابل فقد كل شيء جميل.

بقدر ما سرتني هذه الذكريات وهذا الوفاء بقدر ما أزعجني اجترار الشيخ صالح للماضي.. ونحن للأسف لا نحسن إلا اجترار الماضي والوفاء له وتضخيمه مهما كان تافها.. عشرات القرون مرت ولم نمل مطلقا من المفاخرة بتراث غدا في كثير من محطاته لا يمثل في أحسن تقدير إلا عصره وأصحابه ولعله لا يرتبط بنا الآن مطلقا.. ثقافتنا سلوكنا ديننا ليس امتدادا لعبقرية الأجداد ولكنها غدت جمودا ممقوتا على ماكانوا عليه.. لسنا الآن إلا بركة ماء آسن. 

ماكان أبي بمثل هذا الانطواء على الماضي وتمجيده في كل مناسبة.. كنت أراه دائما شبابا متجددا بقدر ما يرتبط بالماضي يعيش الحاضر ويتفتح على المستقبل ويدعو الشباب إلى وجوب استلهام نجاحات الآخرين في كل الميادين فما الذي حل به هذه المرة؟ وصل به الأمر إلى منتهاه.. كبا فرسه ولم يستطع أن يواصل المسير ولا التحدي.. هاهو يفر بنفسه فجأة إلى سرادق التاريخ المحنطة.. أخرجني منير من سرحاتي:

 -كيف ترين الأمور يا الجازيه؟

 -كنت أفكر في أبي.. حالته ليست تعجبني

- ولا أنا كذلك.

وسكتت فجأة فتراءت لي حسناء قمرا دريا يسبح في أعماقي..

يتوسد ذاكرتي المتعبة..

يعيدني إلى كل ماقال شعراء الغزل العذري والماجن في حبيباتهم..

ماذا لو.. ماذا لو رأوها؟

لو رأوا فتنة عينيها الناعستين؟

موسيقى بسمتها؟

جدول كلامها ينساب من ثغرها قوزحا أسطوريا؟

لو رأوها ماقالوا شيئا غير الصمت باهتين..

صدق فولتير خلق الله المرأة ليروض الرجل فقط.

 

3

حين افترقنا وقفت مكاني أشيع السيارة وهي تبتعد.. هكذا أنت دائما يامنير تريدها أن تسير وكفى.. لا تهمك نهاية الطريق.. ولا رأي الذين يركبون معك.. ولكن إلى متى؟ لقد مللت الانتظار.. كان يفترض أن يتم زواجنا منذ سنوات.. لا مبالاتك بنفسك وبي أوصلتنا إلى هذه الحالة التي نحن عليها.. ضيعت مستقبلك وضيعتني معك..

ألف طريق انفتحت أمامي..

ألف طريق فرشتها لي والدتي بالماس والياقوت..

وكنت أرفض أن أعدوَ جذلى إلا فوق طريقك..

وعلى ورودك..

منذ أحببتك اختصرت العالم فيك..

غدوت كوكبا أسبح في فلكك..

شذا يعبق في فضائك..

أغرودة أعزفها عبر نايك..

هل يأتي عليك حين من الدهر ترمي فيه كل شيء خلفك لتحضنني إلى صدرك الرحب..

وحدي وحدي دون سواي..؟

صرت أغير من كل شيء يحظى منك بالاهتمام.. أُمَّا عرجونه.. الجازيه.. عمي صالح.. إبراهيم.. كتبك المتراكمة في حجرتك.. حارة الحفرة عشيقتك المفضلة و..

لم أعد أجد أعذارا مقنعة أصارع بها غطرسة والدتي وهي ابنة العائلة النبيلة.. لم أعد أجد لسانا يصد زوابع تعْيِيرها

 - مازلت تعشقين ذلك الصعلوك المتسول وتنزلين من عليائك إلى حضيضه؟ ستندمين.

وكنت دائما أردها بثورتي

 - لقد اخترت طريقي وأنا سعيدة به

هذه المرة طورت في وسائل هجومها.. لم تعد تعيرني ولا ترجوني.. بل صارت تهددني.. وهي عازمة كل العزم على افتكاكي منك وتزويجي من غيرك.

منذ أيام جاءها امْحَمَّدْ امْلَمَّدْ إلى البيت يحمل من الهدايا ما لم أره في حياتي مطلقا.. وما لم تحلم به حتى أمي وهي ابنة الأسرة النبيلة وبرفقته ضابط في الجيش.. أمي تقدس المال.. وتقدس السلطة.. لقد كان جدها قائدا عند فرنسا يملك رقاب الناس كما يملك الأرض.. وكان أبوها مديرا عاما للضرائب يلهج كل التجار بقدره.. خفق قلب والدتي وهي ترى الهدايا الثمينة مكومة وسط البيت يحملها إليها شيخ البلدية شخصيا.. ورأت نجوم الضابط تلمع فوق كتفه فغدت كلبة أمينة مستعدة لفعل كل شيء.

لم يكن ما طلبه امْحَمَّدْ امْلَمَّدْ صعبا على والدتي.. بل جاء موافقا لهواها تماما.. لم يقعد امْحَمَّدْ امْلَمَّدْ طويلا حتى صارح والدتي قائلا:

 - جئنا نخطب ابنتك حسناء.. الضابط فهيم أكبر من أن يُرفض لقد أعجب بها وما كاد يفاتحني في الموضوع حتى هرعت إليك.. وماذا أفعل؟ أنا الآن والد الجميع ماداموا قد انتخبوني رئيسا عليهم.

ولم تكلف والدتي نفسها تعب التفكير أو استشارتي واستشارة والدي المغلوب على أمره بل هللت موافقة على الفور.

وخرج امْحَمَّدْ امْلَمَّدْ ومعه الضابط.. وخرجت خلفهما والدتي تشيعهما عند الباب.. بقيت ساكنة في حجرتي.. دخلت علي أمي وهي تكاد تطير فرحا.

 - لقد فتحت لك أبواب السعد يابنيتي.. عريس بحجم الدنيا.. بيده الحل والربط و..

لم تكمل حديثها حين قاطعتها.

 - لقد سمعت كل شيء.. وهذا العريس أنا لا أريده لقد اخترت طريقي وكفى.. وكفى..

 - ولكنني أمك.. وأنا أدرى بمصلحتك.. سأرغمك على ما أريد.. سأرغمك.. لن أسمح بتدنيس شرف عائلتي.. ذلك الصعلوك لا تليق به إلا صعلوكة مثله..

حين راح رغاء أمي يبتعد كنت أجلس عند النافذة أداعب أوراق شجرة الياسمين وأقرأ إحدى البطاقات التي أرسلها إلي منير ذات صيف من عنابة..

عنـــــــــابه

 ... المدينة تعانق آخر أشعة الشمس..

وأنا الآن أجلس في حضرة البحر على أجمل شواطئ عنابة الرائعة..

وحين أجلس إلى البحر والليلُ يرسم عليه لوحات الرهبة.. أحسني درويشا يمارس الحلول..

يمارس طقوس الصمت والتأمل والاستغراق..

وكلما صحوت من سُكري ذكرتك ياحبيبتي

ورسمتك في ذاكرتي تضاريس من عمري..

 

4

حين كنا عائدين كنت صامتة حزينة.. هذا الدهر أفقدني كل شيء ولابد أن أنتقم من أحد زبانيته.. لابد من قتل امْحَمَّدْ امْلَمَّدْ.. وكان منير لايكف عن الحديث طول الطريق

حدثني عن الشيخ الهاشمي.. وعن أهم محطات حياته.. كيف ترك القرية فرارا من بطش الإرهاب تاركا هناك أرضه وأنعامه ليرضى بحجرات ضيقة يكتريها بحارة الحفرة.. وكيف ظهر فجأة أحد أقاربه قادما من العاصمة فيغير فكر ولده الكبير صلاح الدين وعشرات من الشباب حين حقن أمخاخهم بفهم جديد لم يألفوه من قبل.. وزرعهم لعنة في حارة الحفرة..

وكيف ضاقت السبل بالشيخ الهاشمي فلا هو قدر على تدبير شؤونه في المدينة ولا هو استطاع العودة إلى قريته لخدمة أرضه ورعاية أنعامه.. فقرر عند ذلك الهجرة إلى الأرض الأخرى وزينت له إحدى عصابات التهريب ذلك فحفظ كلمات وجملا ودفع ما بحوزته من مال فشحن كالسلعة داخل باخرة صيد صغيرة.. وحين بلغت شاطئ إسبانيا فرغ مع جمع من الشباب ولم يكن أمامهم سوى أن يطلقوا لسيقانهم الريـح.. هذه إسبانيا بلد الحرية والعدالة والمساواة..

عام واحد أعمله وأستطيع أن أهرِّب كل أفراد عائلتي.. هذا الوطن لم يعد يسعنا.. هذا الوطن صار لنا سجنا كبيرا لا يعيش فيه إلا الغلاظ الشداد.. وكان عليه أن يسأل أول من يصادفه أمامه عن مكان تواجده وعن أقرب مدينة إليه وعن وسائل النقل المتوفرة وظهر قريبا منه شاب يقلب الأرض.. مصادفة عجيبة هذا فلاح وهو أنسب لي لأن القريب من الأرض قريب من القلب والخير.. وراح يعد التحية كما حفظها بالإسبانية.. يتلفظ بها مرارا وحين وصله أرسلها في كثير من الحرج.. وفوجئ بالشاب يرد عليه بالعربية

- وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

وما فتئت دهشته أن زالت بل وتحولت فرحة عارمة.. هذا عربي مهاجر مثلي وهي صدفة عجيبة وسعيدة لن يحتاج إلى ما حفظه من لكنة أجنبية.. وانطلق يسأل ليعرف أين هو؟

وسرى الوهن في ركبته وهوى على الأرض حين أخبره أنه بجيجل على بعد مئتي كلومتر عن مدينته.. لقد انطلت عليه الحيلة.

ياالرَّايَحْ وِينْ مْسافَرْ اتْرُوحْ

                          تَعْيَى وَتْوَلِّي

وشْحالْ نَدْمُو لَعْبادْ الغافْلِينْ

                        قَبْلَكْ أُوقََبلي

وشحال شَفت البلدان العامْرين

                         والبَرَّ الخالي

اشحال ضيعتْ اوْقاتْ واشحال اتزيدْ

                          مازال اتْخلي

يا الرايح لَبلادْ الناسْ تْروح تَعيى ما تجري 

منذ ذلك الوقت فقد الشيخ الهاشمي كل رغبة في الحياة.. بعد عام التحق بِكْرُه صلاح الدين بالجبل.. بعد عام آخر قتل هو وابنه الأصغر.. ولم تعد حارة الحفرة تسمع صوت الهاشمي المبحوح وهو يسوق أمامه بإجهاد عربة الخضر صائحا الطماطم الفلفل اللفت الخرشف..

ولم يعد أطفال المدارس يسمعون صوته داعيا لشراء الحمص والبلوط:

ابْنِينْ ابنين.. إِحَلْ العينين.. ويِزِيدْ الوذنين..

لم تكن القصة غريبة عنها فلِمَ أسردها عليها..؟ كنت أدرك أنها تعرف كل تفاصيلها ولكني كنت ألح في إعادتها على مسمعها لم يعد للكلام نكهة.. ولم أعد أرغب في الحديث عن أي شيء.. كنت أحس أنني فارغ تماما.. لم أجد أمامي إلا قصة الشيخ الهاشمي فاندفعت أرويها كي لا يشرد بها الخاطر في مجالات أخرى.

لاحظتِ الجازيه ونحن ندخل المدينة بداية تغير شامل.. طرق معبدة.. أشجار كبيرة مغروسة حديثا.. مصابيح.. أعلام من كل لون.. قالت مندهشة:

- ماالذي يقع بالمدينة؟

  أخبرتها أن الشائعات تقول أن رئيس الجمهورية سيمر هذه الأيام من هذا الطريق.. وهذا ما دفع بالمسؤولين إلى العمل ليلا ونهارا وإنفاق الملايين لتحسين وجه الطريق.. إلى درجة قطع أشجار ضخمة وتثبيتها في الشارع بالإسمنت.

قالت وعلى وجهها ابتسامة كئيبة

- لاشيء تغير.. وما عسى الأصباغ أن تفعل لعجوز شمطاء؟ 

أول من صادفنا والسيارة تقترب من حارة الحفرة صهر الشيخ الهاشمي.. كان شابا في حوالي الأربعين من عمره بدينا مربوع القامة أشقر اللون لا يكاد يظهر من وجهه إلا عيناه.. كانت لحيته المبعثرة تغطي كل شيء.. يضع فوق رأسه عمامة بيضاء.. وكان يرتدي جلابية رمادية تنتهي فوق ركبتيه قليلا وسروالا ينتهي عند منتصف ساقيه الغليظين وخلفه بحوالي متر كانت تتعثر زوجته في جلبابها الأسود الذي يغطي كل بقعة في جسمها فلا تظهر إلا عيناها خلف شباك مصنوع من الخيط.. تضع على رأسها خمارا أسدلته حتى منتصف جسمها ودلته على عينيها ونقابا يغطي ما تبقى من جسمها وتغطي يديها بقفاز أسود أيضا.. أما حجابها فكان يتدلى خلفها تسحبه جامعا كل ما وجد أمامه من أتربة حارة الحفرة.

نظرت في الجازيه وقالت:

 - إلى أين تريد هذه المغبونة؟

 - كيف حكمت عليها بالغبن إنها تطبق ماتراه صحيحا.

 - حتى المجانين يطبقون ما يرونه صحيحا.

وتذكرت قول المتنبي:

 أغاية الدين أن تحفوا شواربكم*ياأمة ضحكت من جهلها الأمم؟

لعل المسكين كان يعاني مما نعاني من انشغال الناس بالقشور وانصرافهم عن اللب.. همُّ هذه الأمة أنها لم تأخذ من تراثها ولا من الغرب إلا القشور.. وقد زين لها أعداؤها ذلك فضلت ضلالا مبينا.

وقطعت الجازيه تفكيري وهي تقول:

- هؤلاء يكفِّرون كل من خالفهم ويرون أنهم الفرقة الناجية وما عداهم فهم في النار.. أنت مثلا كافر لأنك تحلق لحيتك وأنا كذلك لأنني أكشف وجهي.

حين دخلنا حارة الحفرة وجدناها قد انقلبت رأسا على عقب.. الناس يتجمعون هنا وهناك.. الشباب يحملون العصي والحجارة.. الدخان يملأ الفضاء.. سخط يتثعبن على ملامح الجميع.. سيارة لشرطة مكافحة الشغب.. بعض أفراد الشرطة ما زالوا يقفون بالقرب منها.. ترجلنا عجلين لاستطلاع النبأ.. أخبرني بعض الشباب أن امْحَمَّدْ امْلَمَّدْ قد قدم حارة الحفرة وأعطى الأوامر بإخلاء المساكن لهدمها.. وسينقل السكان جميعا إلى العمارات التي أقيمت حديثا خارج المدينة.. وثار غضب السكان فخرجوا يرمونه بالحجارة.. ثم انقضُّوا على مجمعه التجاري الذي سرق به حلمنا في إقامة مركز ثقافي فأحرقوه عن آخره.

التم حولي الجميع وقد زاد غضبهم وسخطهم.. هدأت روعهم.. شكلنا لجنة تتحدث باسم الحي أمام الجهات الرسمية وأمام العدالة وأمرت الباقي بالانصراف.

 

5

ما الذي يريده هؤلاء السفلة الرعاع؟ مازالوا مستمرين في عنادهم رغم كل شيء.. لقد أثبتت لهم الأيام أنني الأعظم والأكفأ.. وأنني قادر على شرائهم بما يملكون من أكواخ وأثاث.. أطفأت سيقارا وأشعلت آخر.. كانت نفسي كالبركان.. دخل طبيبي الخاص علي فجأة.. لاشك أن الحرس قد اتصلوا به لما رأوا ثورتي.. اقترب مني بهدوء محاولا إعادتي إلى طبيعتي:

- مرض السكري والضغط لا يسمحان لك بهذه الثورة اهدأ ياالحاج

-لن أهدأ حتى اشتريهم جميعا..

لن أهدأ حتى أذبحهم واحدا واحدا.. سأتصل بالوزارة.. بسي سليمان..

سأحصل على قرار من فوق يثبت أن حارة الحفرة غير صحية وغير لائقة للسكن وبقوة القانون سأهجرهم جميعا..

سأهجرهم جميعا.. جميعا..

وسكت يزفر ويشهق.. بشدة أمسك به الطبيب يقعده.. جذب آخر نفس وسحق بقية السيقار في المنفضة

 - أولاد الكلب

وسلم له الطبيب قرص دواء وكأس ماء عبه بسرعة وعاد يقول للطبيب:

 - لو زوجوني الحلوة لفرشت لهم حارة الحفرة ذهبا ولكنهم عاندوا ودفعوني إلى اغتصابها.. ثم هامت على وجهها تبيع جسدها مومسا على قارعات الطرق

 ولو زوجوني الجازيه لفرشت لهم أرض حارة الحفرة وسماءها درا وجواهر.. ولكن لأتزوجنها أو لأغتصبنها لتكون عبرة للجميع.

 

 

6

كان علينا أن نزور أحد أبناء حارة الحفرة بمشفى قسنطينة.. لقد كانت جراحاته بليغة.. ضربات على الرأس.. وأخرى بالصدر والوجه.. تركنا حارة الحفرة كالثكلى تتجرع بمرارة أحزانها.. وتكفكف دموعها.. وسافرنا أنا ومجموعة من الشباب.. طول الطريق كان الجميع يجتر تفاصيل الحوادث الأليمة.. وكنت أستمع بألم شديد..

حضر التقنيون برفقة امْحَمَّدْ امْلَمَّدْ وقد غدا رئيسا للبلدية.. بدأوا في قياس الشوارع والبيوت.. كان السكان يدركون أنها مؤامرة لترحيلهم وإسكانهم إيجارا في عمارات غير صالحة بنتها مقاولة امْحَمَّدْ امْلَمَّدْ.. وحاول السكان منع التقنيين من مباشرة عملهم وهددهم امْحَمَّدْ امْلَمَّدْ بإحضار الشرطة.. وتحت ثورة الغضب اندفع المئات إلى المركز التجاري الذي أقامه امْحَمَّدْ امْلَمَّدْ فأحرقوه عن آخره.. وتدخل عناصر الشرطة وأعوان امْحَمَّدْ امْلَمَّدْ.. وانتهت المواجهات ببعض الإصابات واحدة منها خطيرة حتمت نقل صاحبها إلى المشفى الجهوي.

كان وصولنا في الوقت المناسب.. وجدنا الشاب قد أدخل غرفة الإنعاش ولعله يحتاج إلى عملية جراحية.. ولابد من التبرع بكميات كبيرة من الدم وفعلا تطوعنا لذلك وبتنا هناك.

في الصباح تركنا ممثليْن عنا وعدنا أدراجنا.. وكانت المفاجأة قاسية.. لقد داهمت الشرطة عشية ذلك اليوم حارة الحفرة.. واعتقلت عشرين من سكانها أودعوا الحبس الاحتياطي ريثما يمثلون أمام المحكمة بتهم التحريض على الفوضى والتجمهر غير المصرح به.. وحرق أملاك الغير.. والاعتداء على شخص رئيس البلدية.. كما داهمت مجموعة من اللصوص بيتي وعاثوا فيه فسادا حيث أحرقوا مئات الكتب وما كتبت من أعمال أدبية المخطوطة..

لأول مرة أحس أنني انهزمت.. لأول مرة أحس أنني انتهيت قد أتمكن من تعويض الكتب.. ولكن هل أتمكن من إعادة صياغة ماكتبت من روايات.. ورواياتي اعتقال للحظة هاربة من زمني.. حياتي.. يفنى الزمن وتبقى هي دائما حية متألقة وأنَّى لي أن أبعث ذلك للوجود.. وحز في نفسي أن أضيع ذكريات نانَّا ورائحتها.. قلبت طرف صدريتي أتأمل الخُمسة الفضية..

بجواري وقفت الجازيه.. أمسكت بيدي قائلة:

- لقد أحرقه الأغبياء البارحة بعد منتصف الليل.. إنهم عبيد امْحَمَّدْ امْلَمَّدْ.. كنت على يقين من أنهم سيفعلون.. رأيتهم ينزلون من السيارة ويتسللون إلى بيتك.. حين كسروا الباب خرجت ورحت أصرخ.. خرج سكان حارة الحفرة.. هرعوا إلى المكان.. تعاونا جميعا على إطفاء الحريق.. ولم نمسك بأحد كأن الأرض ابتلعتهم.. كانت النار شديدة لقد كادت تأتي على كل شيء.

داهمني موج الغثيان وأنا أتأمل بيتي قد التهمته النيران.. هذا أمر توقعته وتوقعت أشد منه.. ولكن ضيعت عمري بتضييعي رائحة نانا وتضييعي ما كتبت.. أخرجتني الجازيه من شرنقة حزني

- لاتحمل هما يجب أن تبقى أكبر من الأعاصير..

ومن تحت إبطها أخرجت كيسا فتحته وأخرجت منه كراريسي التي دونت عليها رواياتي وخربشاتي.. عاد إلى كل الجسم تيار الروح ونسيت كل ما وقع

دائما كانت الجازيه الهلالية توصي ذياب بالحذر..

يـاذيـاب.. اجعل عينيك وراء ظهرك..

كانت الجازيه صادقة وخبيرة.. الرجال الكبار لا يقتلون في الحرب مواجهة.. ولا يقتلهم الرجال الكبار أمثالهم.. ولكن يطعنهم الأوباش وأراذل الناس.. وكذلك قُتل عمر بن الخطاب وقتل المتنبي وطرفه وإفلاطون و……

-كان ظني في محله.. قصدت بيتك مساء وأخذت ما اعتقدت أنه مهم لديك.. حوائج نَانَّا.. كراريسك.. صورك.. رسائلك.. وبعض كتبك المفضلة.. معذرة لم أستطع حمل كل شيء..

كل شيء لا يهم إن هو إلا حطام دنيا فانية.. كل ما يهمني من البيت رواياتي وحوائج نانَّا التي تركتها أعرف أن الجازيه تدرك قيمتها عندي ولعلها هربتها جميعا

منذ عشر سنوات قررت نانَّا أن تحج.. هو آخر حلم كان يراودها في حياتها.. تجاوزت السبعين من عمرها لكنها كانت كالغزال.

قضت أياما طويلة وهي توصيني بكل شيء.. كأنما كانت تودعني.. وكنت أحاول أن أبعدها عن هذا الجو الكئيب.. لكني لم أكن لأقدر.. كانت توصي وتلح في الوصية.. ثم تتأملني بإعجاب وتقول ملء فيها:

- أنت الآن يا منير ياوليدي رجل.. رجل كبير.

تجمع كل أشيائها.. ترتبها وتضعها في صندوقها المنقوش قائلة:

- هذا ما ملكت من الدنيا الفانية

تسكت طويلا كأنما تغوص في بحار الذكريات:

- مات رجال في ثورة التحرير كالصحابة ولم يملكوا شيئا ولم تبك عليهم إلا بنادقهم ورفاقهم 

وكثيرا ما تستشهد بعمار لاكريطة

- كان قائدا لمجموعتنا حين وقعنا في الكمين.. ضحى بنفسه من أجل أن ينقذنا.. وشغل عساكر العدو حتى نفدت ذخيرته.. حين قتلوه أخفى الأهالي جثته وبت معه في مخبإ أقيم بأحد البيوت.. حين أفاق طلب مني أن أغسل رأسه بالماء البارد.. أردت أن أعارض.. رفع في عينين ممتلئتين شهادة.. غسلت رأسه.. جففته له.. طلب مني قنينة العطر التي كان يحتفظ بها في جيبه.. سلمتها له.. أراق منها شيئا في كفه ومسح وجهه.. عبق المكان بشذا العطر وشذا الدم.. سلمني القنينة وأمرني أن أحتفظ بها.. وبت أرقبه عن كثب.. حين تنفس الفجر تنفست روحه محلقة في سماء الخلود.. غادرت إلى الجبل وفي الصباح الباكر دفنه الأهالي في سفح الجبل.. بعد الاستقلال رحنا نجمع الشهداء في مقابر خاصة.. حين حفرنا قبره وجدنا جثته كما هي.. صدره وحده كان مفتوحا وبه اتخذت النحل بيتا ملأته عسلا.

آهٍ ياسيد الشهداء..

مازلتَ فوق جوادك..

مازال سيفك لم يُثلمْ..

مازال قلبك نابضا لم يُكلم..

وعُداتك لو يدرون حين قتلوك أنك لا تعدم..

وأنك تبزغ من حناجر الطيور..

ومن أكمام الجراح وعيون الصغار وثغور الزهور

ربيعا وبلسمْ

لو يدرون ياسيد الرجال..

لكن القحط لايدري سر البذور..

لايدري أن مكمن الروح الجذور..

لايعلمْ

غدا ياسيد الرجال

تبزغ في أناملك سوسنات

ومن عينيك قوزح ويمام وبدور

غدا تزرعْ بقلب عُداتك حبا ونورا لا يُظلم.

وربما حكت عن لمطروش أو العقيد عميروش أو الشيخ العيفه.. السعيد بوخريصه.. العيد الضحوي.. 

حجت نَانَّا ولكنها لم تعد.. ماتت في المدينة المنورة.. هناك دفنت.. حين عاد الجميع من الحج لم تعد إليَّ هذه النبية كأنها كانت تأبى أن تدفن في أرض سقتها دماء الأشقاء..

لم تنس وهي تحتضر أن تبعث إلي بشالها الأبيض وعليه الخمسة الفضية.. منذ ذلك اليوم لم تبرحني الخمسة أعلقها قرب قلبي في حلي وترحالي.. وظللت أهفو إلى كل نجمة تلمع في السماء معتقدا أنها نانَّا.

وأعادتني الجازيه إلى الواقع وهي تفتح أمامي جريدة الشروق اليومي وقد توسطها موضوع يعلوه عنوان بخط كبير

"بارون التهريب و المخدرات "

تصفحت عناوينه على عجل..

•امحمد املمد يتحايل على الضرائب..

•رشاوي بالملايين..

•شبكة مخدرات مغاربية..

وقد ذيّل الموضوع باسم كاتبه              

 م.ذياب

صحت فيها فرحا

-إنه ذياب.. هاهو أخيرا يضرب ضربته.. انتهى امْحَمَّدْ امْلَمَّدْ إلى الأبد

طوت الجريدة من يدي و هي تكاد تطير فرحا

- هل تعلم؟ وهيبة أنجبت طفلا

ووجدت نفسي أصرخ من أعماقي

- سالم العلواني.. سالم البطل.. ما أعظمك يارب !!

ضغطت بيدي على أصابعها ورحت أجرها سريعا إلى سالم العلواني الصغير

 

 

7

شرفة أخيرة

يا الجازيه...

بلغ القلبَ العفنُ..

انتفضي..

حشاشةُ الروح ترتعش..

سويداءُ القلب تختنق..

اقتليه..

اشحذي الخنجر المسموم واقتليه..

قتلك ألف مرة..

باع ظفائرك لصعاليك الأرض..

اقتليه.. و..

وتستمر الحفلة.. دوي الدفوف يقطع الآذان.. المئات ينخرطون في شطحات مجنونة.. امْحَمَّدْ امْلَمَّدْ يتصدر المنصة.. تخرج الشقراء من حين لآخر.. ينساب منها الصوت:

- في خاطر أولاد الحفرة هذا مليون من عند الحاج امْحَمَّدْ..

الكل يرقص.. ينتفخ الحاج امْحَمَّدْ.. وحده كسردوك رومي يملأ المكان.. هاهو يجلس على العرش ويتوج رئيسا لهذه المدينة في انتخابات اشتراها بماله..

هذا دربك يا الجازيه..

الدم وحده قادر على غسل العار..

هاأنذا أجري..

ها عرقي ينساب وديانا حولي..

ها الخنجر يلمع في عينيَّ..

أشده بقوة لا بد أن أغرزه إلى آخره.. حتى المقبض.. حتى مرفقي.. لابد أن أراه يتقيأ دما.. لا بد أن أراه يتخبط كدجاجة مذبوحة.. كجثة والده العفنة حين ذبحه الرجال الكبار.. لا بد أن أذبحه.. في عروقي مازالت تجري دماء الفحولة.. انظر والدي.. انظر عبدالرحيم.. انظر ذياب.. منير.. أُمَّا عرجونه.. الهاشمي.. حسناء.. عبله.. عْزيََّزْ..

انتفضي حارة الحفرة..

انظريني أطهرك من الرجس..

الأفيون..

تتعالى صيحات الجمهور.. يشتد دوي الطبول.. مطرب الراي يسري بخدره في القلوب..

حارة الحفرة مخدرة وسط غشاوة الليل الحزين..

هي النجوم الشحيحة تذكر الذين مروا من هنا..

إبراهيم جحا.. الشيخ صالح.. أُمَّا عرجونه.. عبدالرحيم.. صلاح الدين.. الشيخ الهاشمي..

بدأ العفن في الطرقات ثم اتخذ الأوعية مجار يعربد فيها..

حارة الحفرة جبَّانة مغلقة الأبواب تتمدد مسجاة في تابوت الليل..

امْحَمَّدْ امْلَمَّدْ ينهض بقامته المديدة.. يمد يده في الفضاء.. تلمع ساعته الذهبية.. تطلق عيارات نارية.. يهتف في المئات الذين اشتراهم لحضور الحفل.. ترتفع الزغاريد..

اجري يا الجازيــه..

مزقي فستان الحداد..

    البسي فستان الفرح..

      ها ذياب قد أشرق على ربوة القلب..

        ازرعيه فرحا في سويداء حارة الحفرة..

          اجتثـي منها نكد الفراعنة والدايات..

             ها منير يعدو معك جذلان..

لن أدعه يسبقني.. العرس عرسي.. والشرف شرفي..

إلى أين ياالجازيه؟

بنادق الزبانية مصوبة إلى الصدور..

خيانة الدايات أخطبوطا يمتص الحياة

تشتد الشطحات.. تتعالى أصوات مغني الراي:

راني خَلِّيتْهالَكْ أمانه

اتْهَلَّى فيها

ما تُغْبَنْهاشْ

هي احْبيبتي أنايَ

لكن ربي ما كَتَّبْهاشْ

يصرخ امْحَمَّدْ امْلَمَّدْ:

 - هذا مليون في خاطر الجازيه

يلمع الخنجر في يمينك.. في ذراعك النحيفة.. تزداد سرعتك.. لابد من قتله..

حارة الحفرة تنتظر أيتها الفحلة.. ياسلالة الفحول.. اقتليه.. اغسلي العار.. لا يغسل العار إلا الدماء..

يرتفع دوي الطبول.. تراق الخمور.. توزع الحلوى.. ترقص الشقراء.. تتناثر فوقها الملايين.. فستانك الأبيض ينهض من مكانه.. يزحف إلى الميدان.. عينا أُمَّا عرجونه.. سُمرة أبي صالح.. خربشات منير.. كتبه.. براءة أطفال حارة الحفرة.. ترفرف الأرواح الطاهرة.. يبتسم عبد الرحيم.. هاكِ عزمي اقتليه.. خذي بالثأر..

ها ذياب يظهر بين الجمع فجأة.. الشرف شرفي لن يقتله غيري.. أنت فرحتي ياالجازيه.. لا تتركي الخنزير يقطف ثمرتها.. أسرعي أيتها المهرة العربية.. لا تدعيهم يسبقونك للشرف.. تدخلين الحلبة.. يدخلون خلفك.. تلمع العيون.. تشتد دقات القلوب.. يصطف الجميع.. إبراهيم جحا.. الشيخ صالح.. أُمَّا عرجونه.. عبدالرحيم.. صلاح الدين.. الشيخ الهاشمي.. كل سكان حارة الحفرة.. تلتهب الأكف بالتصفيق.. تشهرين الخنجر.. يسبقك ذياب.. يسبقكما منير.. تسبقينهما..

يرتفع صوت مغني الراي.. وصوت الدفوف.. وصوت الأكف والأقدام الراقصة..

يتهادى امْحَمَّدْ امْلَمَّدْ نشوان.. وقد لعبت الخمرة برأسه.. يرغي كالبعير..

يـــــــا

                     ا

                       لـ

                          ـجـ

                                   ــا

                                          ز

                                             يـ

                                                 ـه ..

تتهادى الشقراء راقصة حوله.. تُفتح الأشداق مبهوتة مبهورة.. ترتفع صيحاتها.. على مرمى حجر تقفين مهرةً جامحة.. تلتصق الشقراء به.. يعدو منير.. يسبقه ذياب.. تحدق فيك عيون البنادق شزرا.. تشحذين القلب.. تشحذين الخنجر.. تدفعينه نحو القلب.. تغرسينه فيه.. يتهاوى نحوك جثة هامدة..

قبل أن يصل إلى الأرض.. ترفعين بصرك.. تلمحين الشقراء تغرس خنجرها في كبده.. تتأملينها.. يهرع منير.. يهرع ذياب.. يهرع إبراهيم جحا.. الشيخ صالح.. العيد الضحوي.. أُمَّا عرجونه.. عميروش.. عبدالرحيم.. عَزُّوزْ البهلول.. السعيد بوخريصه.. عْزَيَّزْ.. الشيخ العيفه.. صلاح الدين.. الشيخ الهاشمي.. عمار لاكريطة.. أحمد لمطروش.. تصفق حارة الحفرة.. جدرانها.. شوارعها.. أتربتها..(1)

تضمك الشقراء عبله الحلوة إلى صدرها الملتهب.. تضمينها.. ينفرط طوق الحقد.. والدايات.. يتناثر هاهنالك.. وهاهنالك.. حوالكيما.. يتشكل عقد الخير.. والحب.. من بعيد كان ذياب يحمل في يده فستان الفرح.. وكان أبي صالح وأُمَّا عرجونه يفتحان ذراعيهما فرحا وابتهاجا..

وحين أشرقت شمس الصباح كان الجميع يشاركون في عيد حارة الربوة.. وكانت الجازيه تصغي لموال ذياب

ياسيدة الضياءْ

والأرض والسماء

ياسيدتي

ياشذا الحبقْ ولون الكستناء

وروح الروح وسر الماء

داياتهم خسئوا

وانبجس الضياء

تيهي على عرش قلبي

وازرعيه خصبا ونماء

واصَّاعدي.. اصَّاعدي

على درجات الفؤاد الموله

مقامك ياسيدتي

في عش السماء

في سدرة المنتهى ...

عين ولمان - عنابة - سطيف - جيجل / ديسمبر 2001

 

أضيفت في 01/05/2006/ خاص القصة السورية / المصدر: الكاتب

 

 

كيفية المشاركة

 

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية