الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | معلومات النشر | من نحن | كلمة العدد

 دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 07/06/2008

إلى صفحة الكاتب

رواية

راس المحنه 1+1=0

 

البحث عن العش

الخروج إلى التابوت 

شرفة أولى 

راس المحنة

 قراصنة الأحلام

الحب وعفونة الرصاص 

الخروج من التابوت 

 

 بقلم الكاتب: عزالدين جلاوجي

 

راس المحنه 1+1=0

غدونا لذي الأفلاك ألعاب لاعب

  أقول مقالا لست فيه بكــــاذب

    على نطع هذا الكون قد لعبت بــنـا

      وعدنا لصندوق  الفنا بالتعــــــاقب

عمر الخيام

قالت صحرائي

        لا تألف     

          كن الغريب دائما حتى عن نفسك

                      وقل لوجهك في كل فجر

                         كأنني أراه للمرة الأولى

أدونيس

 

الإهداء الأول

إليكِ..

أيتها العين..(ع)

***********

ياسيدة الضياءْ

والأرض والسماء

ياسيدتي

ياشذا الحبَقْ ولون الكستناء

وروح الروح وسر الماء

داياتهم خسئوا

وانبجس الضياء

تيهي على عرش قلبي

وازرعيه خصبا ونماء

واصَّاعدي.. اصَّاعدي

على درجات الفؤاد الموله

مقامك ياسيدتي

في عش السماء

في سدرة المنتهى

عزالدين

الإهداء الثاني

إليكَ..

أيها العين..(ع)

**********

مازلتَ فوق جوادك..

مازال سيفك لم يُثلمْ..

مازال قلبك نابضا لم يُكلم..

وعُداتك لو يدرون حين قتلوك أنك لا تعدم..

وأنك تبزغ من حناجر الطيور..

ومن أكمام الجراح وعيون الصغار وثغور الزهور

ربيعا وبلسمْ

لو يدرون ياسيد الرجال..

لكن القحط لايدري سر البذور..

لايدري أن مكمن الروح الجذور..

لايعلمْ

غدا ياسيد الرجال

    تبزغ في أناملك سوسنات

    ومن عينيك قوزح ويمام وبدور

    غدا تزرع بقلب عُداتك حبا ونورا لا يُظلم.

عزالدين

 

1

شرفة أولـى

 

أنَّى للحب أن يشرق وسحائب الدم مازالت تهدر حوله..؟

كيف يمكن للقلوب أن تعشق وتقتل في الآن ذاته..؟

من يقدر على ارتداء فستان الفرح في أزقة الجماجم..؟

مامعنى أن نحمل وردة وسكينا..؟

إيـه يازمن نانَّا..

إيـه ياعبقها الحلو..

هذا الدرب طويل.. طويل..

تعب الجميع ولم ينته..

ضاعت في منعرجاته نوارس الحب مضمخة بدم الغدر والخيانة..

ها المدينة باهتة بليدة بطعم الغباء..

غبراء بذوق الرماد..

مرة بلون القر.. والحزن.. والانكسار..

عفن يعرش..

موت ينشر أشرعته السوداء..

ذباب يغني في جنباتها..

يشتد أنين البائسين..

الرعب يسكن قلوب البيوت الواطئة الجاثمة كالوباء.. يتغلغل في أوردة الأزقة.. يحدق كالمفجوع عبر كل الجدران..

وحدك يا الجازيه..

أيتها الوشم الرابض على فوهة المدفع..

أيتها الدمعة الحيرى على شفير الوطن..

ياربيع الشهداء..

ياجراحاتهم العبقة بأوسمة الفداء..

وحدك يا الجازيه..

وحدك تذرعين الأزقة المتربة الضيقة..

وحدك تصهلين في مسمع الليل البهيم.. تدكين عروشه.. تمزقين سدوله.. تغتالين همومه..   

وما تستطيعين أن تفعلي؟

جاوزتك الأحداث.. الصنم المعبود غدا أكبر.. تنسل من كل فتحاته شياطين ودراويش..

وهل تقدرين على مقاومة هؤلاء الملايين الذين تفرقوا في كل شبر من المدينة؟

هاهم كالجرذان ينخرون الأسس.. ينخرون الجدران.. يقتلعون الجذور..

كل شيء يموت ياالجازيه.

انطلقي الآن كالمهرة الجموحة المتمردة.. ذياب في انتظارك.. إنه هناك على صهوة الفرس الأبيض.. هناك ينشر بين يديه فستانك الأبيض المضمخ بالحب والكبرياء.. هناك ينتظرك.. ستركبين خلفه وتنطلقين.. تنطلقان إلى..

إلى المنتهى..

              المنتأى..

                      المرتجى..

ولكن لا مندوحة من قَتلهِ.. لابد أن تقتلي هذا الصنم اللعين.. لا بد من تدميره.. لإنقاذ الحارة.. مَن لسكانها غيرك..؟ من للشتلات اليانعات من قر الصقيع..؟

لا تخافي ياالجازيه.. يا أمل الجميع..

الديناغول ليس إلا هيكلا خاويا عمَّا قليل سيخر فتذروه الرياح..

غدا سينعتق المكبلون..

غدا يالجازيه ستشرقين بلون القوزح على حارة الحفرة لتغدو ربوة ذات قرار ومكين..

لتغدو جنتين ذات اليمين وذات الشمال..

امسحي دموعك الزاحفة على ربوة الخد..

ستشرق الشمس فيهما.. ستينع عليهما زيتونتين لاشرقيتين ولاغربيتين يكاد زيتهما يضيء ولو لم تمسسه نار.. نور على نور..

أشرقي أيتها المشكاة.. المشكاة في زجاجة.. الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة..

ألا أيها الليل الطويل ألا انجل..

ألا ارحل..             

ها ذياب يعود.. منير يعود.. عبله الحلوة تعود.. إبراهيم جحا.. عمي الهاشمي.. أبي صالح.. نانَّا علجيه.. أُمَّا عرجونه.. عبدالرحيم.. عميروش.. الشيخ العيفه.. عمار لاكريطة.. أحمد لمطروش.. أم منير.. العيد الضحوي..

كلهم عادوا……

  

2

الخروج إلى التابوت

1

أي سحر يملكه هذا التراب..

تعطيه كل شيء وتحس أنك لم تعطه شيئا..

هذا التراب يعطي بسخاء ولا يأخذ أبدا..

مامعنى حبات العرق التي نذرفها الآن على خده..؟

ومامعنى قطرات الدم التي بذرناها يوما في جوانحه..؟

ألم تسقه الجباه السمر والأوردة الحمر ذلك عبر القرون..؟ أكاد التحم الآن بصيحات الكبار من يوغرطه إلى الأحفاد الذين قضوا منذ عقود قليلة..

لم أعد أحس بالتعب وأنا أمارس طقوس العمل في هذه الأرض.. أكره الليل حين يلقي علينا برنسه الأسود شفقة علي.. جمعت أدوات العمل.. كومتها ناحية ووقفت ممتد القامة..

مسحت كل ما حولي وانطلقت عائدا مملوء بالهواجس..

أكاد أتهجى على صفحات الأرض كل كلمة خططناها هاهنا..

لما خرجت إلى هذه الدنيا أسماني والدي صالح.. على اسم جدي حتى يبقى الاسم حيا متداولا.. ولدت في حضن هذه الرؤوم.. هذه القرية الصغيرة تنام حالمة بريئة كرضيع في حضن جبل جبار.. كل شيء جميل ورائع ليس هناك مكان للنفاق والخديعة ولا للزيف والمكر.. كسرة الشعير وطاس اللبن كانا طعامنا جميعا.. عشرة.. عشرون.. ثلاثون ليس بيننا جوعان.. نرقد كلنا في فراش واحد.. مخدة واحدة.. حائك واحد.. و.. وقلب واحد.. الحب ينثر فوق رؤوسنا أكاليل الورد..

لما ثار الشعب ضد المحتل كنا كلنا سباقين.. كل واحد يسبق الآخر.. ويسبق حتى نفسه لأننا آمنا بصدق وبعمق أن أرضنا عطشانة.. وما يرويها غير الدم.. دم غزير.. دم قاهر يروي الأرض.. يشبعها.. يسقيها.. يكنس منها الشوك والهشيم وكل الأوساخ..

كان عمري إذ ذاك سبعة عشر عاما.. أول معركة خضتها أسماني الإخوة صالح الرصاصة.. جريت ثلاثة كيلومترات على نفس واحد كي أحذر المجاهدين المجتمعين من قوات العدو التي حضرت كي تحاصرهم.. ورغم الرصاص الذي كان يتهاطل علي كالنوء إلا أني وصلت قبل جنود العدو وأنقذت المجموعة..

ذاك اليوم أسماني الإخوة صالح الرصاصة.. ضحك والدي سالم العلواني وهو يحتضنني:

 - أنت تعيش طويلا.. عندك سبع أرواح كالقط.

ومنذ ذلك اليوم كان يجب علي أن ألحق بالرفاق..

أن أحتضن البندقية والسرو..

أن أنقش على نباتات الجبال سمفونية الحب وذكريات الدم.

مات أبي شهيدا.. جرح جراحا كبيرة عميقة وحملناه للمقر.. بقي هناك عشرين يوما ورحل.. كان الطبيب المعالج يبذل قصارى جهده لينقذه بكل ما كنا نملك في المركز من معدات طبية لكنه عجز..

حين أسلم الروح كانت فهيمة الممرضة تتصبب عرقا وتتصبب دموعا..

لم نستطع أن نحرك ساكنا..

كلنا جميعا جمدنا في أماكننا..

بعضنا كان يبكي..

آخرون تجمد كل شيء فيهم..

حتى البنادق تهاوت على الأرض خرساء..

من الصعب أن تؤمن بموت الحياة..

من الصعب أن تسلم للفناء باذر الحياة..

كل واحد من الرفاق كان يتجرع ذكرياته..

كل واحد منا راح يقلب صفحات الماضي يعانق إحدى لوحاتها..

وحدي كانت ترفرف بين عيني وصيته.. ادفني عن يمين أمك.. وتغرورق عيناه فرحا.. كنت على يقين أنه سعيد بهذه الموتة لا لأنه فاز بالشهادة فحسب.. ولكن لأنه سيلتقي أمي التي أحبها بجنون وماتت في ريعان شبابها تاركة في قلبه جراحا عميقة لم تستطع السنون الطويلة أن تردمها.. لقد عاش ومات لأجل اثنين: أمي والجزائر.. لم تنسه أمي التي أحبها بجنون حب الجزائر.. ولم تنسه الجزائر التي كان يحبها حد القداسة أمي. 

وكان وهو يشد على يدي بحرارة يوصيني أن أدفن عن يسارها كأنما كان يحلم أن نبعث دفء الأسرة بعد الموت.. كأنما كان يريد أن نحيط أمي من اليمين والشمال

دفنته كما أوصى وبقيت أتذكر كل كلمة قالها بتقديس شديد.. باحترام كبير.. وخططت قبري بجنب والدتي وأحطت الكل بالأزهار والأشجار أسقيها كل يوم.. وأتفقدها كل يوم.. وتحولت البقعة إلى جنة.. تعبق بإخلاص والديَّ وحبهما..

فقد والدي أمي وهو شاب وليس عنده من الأولاد غيري.. رباني ورعاني.. وكان هو أمي وهو أبي.. وهو الأسرة كلها.. ورفض أن يتزوج.. بقي وحيدا يرعى قبر أمي.. حفه بالأشجار والأزهار يتفقده ويسقيه كل يوم.

لطالما وقفت بعيدا أرقب قبريهما حالما أنهما يخرجان إلى الحياة كل ليلة.. يجلسان متعانقين تحت ضياء القمر وهمس النجوم وأحلام النسيم.. وكم مرة كنت أقطع نومي وأخرج لأجدهما متلبسين بفضيلة الحب.. لكن محاولاتي كانت تبوء بالفشل الذريع !!!!…

كنت قد وصلت البيت.. فطويت صفحات ذكرياتي ومعي وصلت الجازيه وعبدالرحيم وقد عادا من الدراسة بالمدينة..

 

2

هو الصباح  يتنفس..

أشعة الشمس تفتح عينيها في تكاسل.. تتثاءب على الروابي.. منذ لحظات غادر عبدالرحيم والجازيه البيت باتجاه المدينة.. تركت أم الأولاد تحضر الطعام وخرجت أتفقد الأرض التي ازدهت فرحا.. وضحكت بالأعشاب والورود.. كان الجبل يفتح ذراعيه كالعاشق الولهان يضم قريتنا فتنام في حضنه في وله شديد..

زارني ضيفان الربيع والسعيد أخويَّ في الثورة.. لا أحد يمكنه أن يتصور كم فرحت.. فتحت لهما قلبي وفتحت الدار القبليـة(1)    

جاءت بنت عمر أم الأولاد بمثرد كسكس وطاس من الرايب أكلا.. أنا ما كنت آكل الطعام لكني كنت آكل الذكريات.. ذكريات الشباب وذكريات الثورة لما كنا لا شيء يجمعنا غير الحب.. حتى كنا نقتسم التمرة الثلاثة والأربعة.. ونقتسم الرصاصة والدمعة.. ونقتسم الابتسامة.. قال لي الربيع وهو يرفع شاربيه الكثين إلى الأعلى:

- ياصالح يارصاصة.. مالك لا تريد أن تتبدل؟

قلت وأنا متعجب:

- أتبدل كيف؟ ماذا تقصد؟

قال السعيد وهو يضحك:

- فات وقت الرصاص ياصالح ياخُيَّ.. اليوم نحن في عصر الأسلحة النووية والكيماوية..

قلت بحيرة وربما ببلاهة:

- والله ما فهمت شيئا..

قال لي وهو يلف بأصابعه سيجارة البَرْزِيلي(1) ويتابع قهوة الجزوة(2)  تنصب من الإبريق إلى الفنجان فتملأه زبدا:

- وهذا دليل على أنك ما تغيرت.. لابد ياصالح أن تصير صالح الصاروخ.. صالح الرأس النووي.. صالح القنبلة الذرية..

أشرقت على وجهه ابتسامة ثم عاد سريعا إلى جديته وواصل:

- ياصالح الناس كلهم تغيروا.. الناس كلهم تبدلوا.. الزمان الذي فات ولَّى إلى غير رجعة.. والأفكار التي كانت زمن الثورة زالت..  وأنت أنت.. حالتك تُفجع.. لم تتغير ولم تتبدل..

ماهذه اللغة التي أسمع؟ أهي إحدى مقالبه التي تعود أن ينصبها لنا أيام الثورة فلا يدع الواحد منا حتى يثير أعصابه..  وحتى يُضحك عليه الآخرين؟ لا أعتقد ذلك لقد تقدم بنا قطار العمر وما بقي لنا مزاح.

- فاتك القطار.. وبقيت أنت صالح الرصاصة.. نفس الطول.. نفس العرض.. نفس البيت.. نفس الأفكار.. نفس اللباس.. نفس.. أفق ياصالح يامغبون..

وهذه أول مرة أسمع فيها كلمة صالح المغبون بدل صالح الرصاصة.. انغرز الخنجر عميقا يغتال فرحة القلب.. عاودت أسترجع هدوئي وقلت له:

 - أنا هكذا سعيد وهانئ في قريتي مع زوجتي وأولادي مابقي لي غير أن أموت هانئا إن شاء الله وأدفن كما أوصى والدي.. والدي الذي تعرفونه.. والدي الذي قدم روحه في المعركة كي يحميكم.. والدي الذي كان أبوكم كلكم.. ليس ممكنا أن أنسى وصيته الغالية.. " ياولدي لا تخن أرضك ولا تخن عهد الرجال ".

وكان حلمه الأكبر أن أدفن قريبا منه وهذا من حقه.. لقد كان لي أما وأبا.. ضحى بشبابه من أجلي.. أنا ما نسيته ولن أنساه.. أزور قبره وقبر أمي كل صباح وعشية.. أسقي الأزهار والأشجار التي حولهما وأقرأ على روحيهما الفاتحة..

أنتما تعرفانه جيدا كان أبا لنا جميعا.. صحيح كان أميا لا يعرف القراءة ولا الكتابة.. ولكنه علمنا كيف نحب هذه الأرض.. وهذا الوطن.. وكيف نضحي من أجلهما.. وكيف نقلع من أعماقنا الأنانية.. وكان – يرحمه الله – يفضِّلنا في اللباس والطعام وحتى الرصاص.. وكان دائما أولنا في الأيام الصعبة.

وأحسست أني تكلمت أكثر مما يجب فسكت فجأة.. نظرت إلى الربيع كان يبكي دموعا دافئة حارة وبجواره كان السعيد ساكتا كالحجر

كان علي أن أدفئ الجو فأغير دفة الحديث.. فقلت وعلى محياي ابتسامة أجهد في رسم معالمها:

- إذا قدر الله ومت فجأة فادفناني حيث أتمنى

لم يشأ السعيد أن يغير موجة الحديث فقال:

 - ومن يجهل صفات وخصال وبطولة سالم العلواني.. سالم الوطني.. كلنا يعرف ماكنت تقوله.. ويعرف أكثر مما كنت تقول.. ذاك رجل أحبه الله فأخذه..

وعلق الربيع على كلامه بقوله:

 -صحيح.. يرحم الله كل الشهداء..

وأحسست أني انتصرت في هذا النقاش فقلت:

 -إذن كيف تريدانني أن أخون؟ كيف تريدان لي أن أخالف وصية الوالد؟ لا هذا مستحيل.. مستحيل.

ضحك السعيد وقال:

 -صدقني ياصالح ما دمت هنا ترى القبور في الصباح والعشية ستعيش على التاريخ فقط.. على الماضي.. وعلى الموتى.. و.. ستبقى دائما رصاصة.. ولكن رصاصة باردة ميتة.. من قال لك ستخون؟ القضية ليست قضية قبور ياصالح ياخُيَّ.. أبوك نحمله جميعا في قلوبنا.

وأحببت أن أقاطعه لكنه واصل يقول:

- الناس الآن ياصالح تعيش على المستقبل.. الناس طلقوا الماضي.. هكذا ياخُيَّ صالح ستضيع وتضيع عائلتك وأولادك.. لابد أن ترحل إلى المدينة.. من حقك ياصالح أن تعيش سعيدا.

وعلق الربيع موافقا:

 -نعم من حقك أن تعيش.. هناك ياصالح في المدينة الماء والكهرباء والغاز والجامعات والمشافي والطرق المعبدة.. من حق الأولاد أن يدرسوا.. من حقهم أن يتحضروا ويعرفوا العالم.. أنت ياصالح أديت واجبك وقت الثورة.. ماذا يريد منك الناس الآن.. وهم لن يقدروا على تقديم حتى جزء مما أديت أنت..؟ أنت قدمت لهذا الوطن في يوم من الأيام.. في وقت شبابك دمك وروحك.. وكل شيء في هذي الحياة أحقر وأتفه من الشباب والدم والروح.

وأحسست بالقشعريرة تهز فرائصي أكاد أقتنع..

كل شيء ينهار دفعة واحدة..

تطل علي الخيانة مبرقعة..

تبتسم..

راحت صور والدي ممددا مضمخا بدمه تبرق بين عيني.. جذبت نفسا عميقا من سجارتي.. نفثت الدخان فكاد يحجب الرؤية بيني وبينهم.. وقلت وأنا أدفن رأسي بين أصابع يمناي:

 - اتركاني أرجوكما.. إذا كنتما تحبانني فاتركاني لحالي.. أنا خوَّاف.. أخاف المدينة.. المدينة عاهرة فاجرة ستفسدني.. تبدلني.. تغيرني.. تبلعني.. المدينة ياناس قذرة وسخة ستوسخني.. خذوا كل شيء.. كل شيء.. المال.. الجاه.. السلطان.. الفيلات ودعوني لحالي.. دعوني لحالي.

وخرجت فارا إلى عرجونه بنت عمر.. هذه المرأة التي اختارها لي والدي وكان يقول عنها دائما: ياصالح بنت عمر نسخة من أمك ولذلك اخترتها لك.. إياك أن تخونها.. حين تحتار استشرها..

دخلت عليها كالعاصي المثقل يدخل إلى مزار ولي صالح.. قعدت قريبا منها دون أن أنطق.. كنت أسترق النظر إليها لأرى رد فعلها.. بصرتْ بحالي تغيرت ملامحها.. ذئبة تجرأ العدو على الاقتراب من عرينها

حين تضيق بي الدنيا وأحتاج إلى رأيها أدخل عليها في صمت.. وأجلس قربها في صمت..

هي وحدها تشم الهم..

تقرأه على تضاريس الوجه..

تحتها أقعد أرنو إلى عليائها تتدلى عراجين.. 

دون أن أنتبه نطقتْ.. تضعضعت أركان البدن المتهاوي.. غدوت مجرما اُكتشف فجأة متلبسا قالت:

   - ما الذي بدل حالك؟

ابتلعت ريقي.. وضعت يميني على جبهتي.. طرحت عليها القضية دون تفصيل.. ورحت أسترق إليها النظر.. أنتظر ما الذي تنطق به.. كمجرم ينتظر النطق بالحكم.

فهمتِ الأمر فقالت:

 -وإذا رحلت إلى المدينة تبقى صالح الرصاصة..؟ كلمتك هي رأس مالك.. حياتك هي شرفك..؟

 ابتلعت ريقي وقلت:

- لا مستحيل أنا خائف.. إذا رحت إلى المدينة ياعرجونه ياأم أولادي أخشى أن أصير صالح الخيط..

ضربت صدرها بيديها وقالت:

 - سبحان الله !من صالح الرصاصة إلى صالح الخيط؟ تبدل الخيط بالرصاصة؟ الرصاصة الحارة التي تخرج فلا تعود.. والتي تنطلق فلا تميل..

لم أستطع مقابلتها.. أحسست أنها خير مني.. أقوى مني.. تخيلتها فرسا جموحا حبستها الحجرة الضيقة..

خرجت عجلا دون أن أعلق بكلمة.. رجعت إليهما جلست إليهما طويلا دون أن أتكلم.. احترما في البداية سكوتي وحينما طال قال السعيد:

 - بم أشارت بنت اعْمَرْ؟

وضحك وهو يواصل:

 - حمدة خير من أحمد!

وسكتَ.

هما يعرفان أنني أستشيرها في كل شيء.. ويعرفان قيمتها.. كانا معا يقلبان فيَّ بصريهما وفيهما إلحاح بقبول الفكرة.. ورغم كوني كنت أخاف المدينة.. كنت أدرك أنهما ماأرادا لي إلا الخير.. أشفقا علي وعلى حالي وفقري.. وأردت أن أقول لا للمدينة.. فقلت نعم.. قلتها خافتة باهتة بلون القفر وطعم الفقر.. قلتها وأنا أعرف أن عرجونه لن ترفض قرارا اتخذته.

 

3

كان الجو ربيعا..

وكانت السنابل تمارس طقوس الرقص على إيقاع نسمات الصباح الخفيفة.. وأعشاب الطريق تزحم أقدامنا فتدغدغ أسفل سيقاننا.. أنا وصويحباتي كنا نحث الخطا نحو الطريق العام حيث ننتقل إلى الثانوية بالمدينة.. على غير عادتي كان يلفني الصمت.. عصافير الأخريات برحت أوكارها وراحت تغرد..

خلفنا كان يسعى ذياب صمتا مطبقا يكاد يلحق بنا..

حاولت أن أتأخر لنكون قريبين..

رفرف القلب يشرق خلفي..

مد أنياطه فسمرني أرضا..

 لحق بي ذياب فتغشاني محفل الفرح..

سار إلى جنبي سحابا مركوما..

جاريته خطوات ثم هببت عليه بابتساماتي فتقشعت سحبه..

معا أشرقنا على هذا الكون.. وعلى محيا أرضه درجنا ندغدغ تضاريسها بأقدامنا الصغيرة.. ومعا سعينا خلف الخرفان الوديعة.. ومعا وردنا الحاسي والجابية نحمل فوق البهائم براميل الماء.. وكان لنا حقل للنمل نرعاه ونقيم حوله حصنا منيعا بأحلامنا.. وكانت النملات الصغيرات قطيعا من الأنعام.. دخلنا كتاب القرية معا وكنت أقدر منه على الحفظ.. كان لا يشتغل بشيء أكثر من اشتغاله بي لا يحب لأحد من الأتراب أن يلامسني أو يقترب مني ونحن نجلس على حصير الحلفاء.. حتى الشيخ كان يغار منه حين يدعوني لأحفظ عليه فيختلق الأعذار ليشغله عما أزمع.. ويغضب الشيخ فينهال على قدميه الصغيرتين بالضرب المبرح..

ويحل الربيع فنزوِّق ألواحنا بكل لون بهيج.. ونسعى نطوَّف ببيوت الناس نطلب الهدايا.. ويفرح الناس فيغدقون علينا من كل الطيبات.. ونعود مساء إلى البيت محملين بالنقود والبيض وبغير ذلك..

ومعا دخلنا المدرسة النظامية بالقرية.. كانت أمه خالتي دلوله تأتينا كل يوم وفي يديها شيء مما حضرت.. وحين تلومها والدتي عن كرمها المفرط تضحك خالتي دلوله وتقول:

- هذا نصيب زوجة ابني.. الجازيه لذياب

وكان أبوه يسعى في إتمام مراسيم الزواج قبل دخولنا إلى الثانوية.. لكن والدي كانت له نظرة أخرى.. كان يقول:

- العصر للعلم.. والمستقبل لهذا الجيل بالمعرفة.. والله لن أمنعها عن طلب العلم إلا إذا فشلت في ذلك..

وكنت أنا وذياب نُكبر رأي والدي ونقره..

تزوجت أختي هجيره في العام الماضي في قرية مجاورة.. وسعى في هذا الزواج والد ذياب وأتمه رغم تحرج والدي.. لالشيء إلا لأن الزوج من أقارب أحد أعداء الثورة التحريرية..

تغير مزاج ذياب بعد دخولنا الثانوية.. أصبحت أراه عصبيا أكثر من اللازم.. وأصبحت أراه قد بدأ يميل إلى المعارضة السياسية.. وكنت دائما أقول له:

- ياذياب هذا بحر لا نحسن السباحة فيه.. يكفينا بحر الحب..

كنت على يقين أن هذا الطريق سيخطفه مني.. لقد كان يمارس نوعا من الثورة غير المتزنة.. خاصة ضد التاريخ.. يشك في كل ما يراه الآخرون حقيقة.. مما دفع به إلى التصادم الدائم مع أستاذ التاريخ الذي كنا نلقبه ببسمارك.

كان يقول لي دائما يالجازيه أنا وأنت خير من الأمير عبدالقادر والمقراني.. أبطالنا الأسطوريون خير من أبطالنا الحقيقيين.. الشعب هو الذي صنعهم.. وهو الذي مازال يعطيهم القداسة.. الرسميون لم يعطهم القداسة إلا الرسميون لأغراض أخرى أولها تخدير الشعوب.. ألا تعرفين أن الأمير حين استسلم لفرنسا قد خان القضية وخان الذين حملوا معه السلاح واستشهدوا..

ثم يتبركن فيصيح في وجهي

- هل يجوز للأبطال أن يستسلموا..؟ للإبطال طريقان لا ثالث لهما.. الانتصار أو الموت.. الأبطال ليسوا ملكا لأنفسهم.. هم ملك للشعب.. ثم ألا تعرفين أن............ .........................................؟

كان ذياب يحب التاريخ بجنون ويقرأه بنهم ولكنه لم يكن يقدسه..

كان يقول التاريخ كذبة كبيرة يصوغها نحاتو الساسة كل مرة على مقاساتهم.. ولست ساذجا فأصدق مايقولون.. أحب أن أقرأ التاريخ كما أود لا كما يودون.. خالتي عرجونه أصدق منهم حين تحكي عن ذياب الهلالي والجازيه.. أرأيت يُولِمُون حين يبدأون الحكاية ويولمون بعد أربعين ليلة حين يكملون الحكاية.. هل هناك ماهو أعظم من تقديس هذه الأسطورة؟

وأخطط لتغيير دفة الحديث.. وأنا أخشى عليه سطوة والدي إن سمع منه هذا الكلام فأسأله:

- ماالذي جاء بذياب إلى هذه الأرض؟

ويجيب ضاحكا:

- لأنه كان يحب الجازيه

- وماعلاقة الجازيه بهذه الأرض؟

- الجازيه هي هذه الأرض.

ويضحك فتضحك السنابل..

وتتعانق عيوننا وأصابعنا وقد وصلنا إلى المحطة..

في المساء ونحن عائدان حدثني عن زيارة السعيد والربيع إلى بيتنا.. وذكر لي قلقه من قرار والدي بالرحيل إلى المدينة.. لم أكن أوافقه الرأي.. سواء رحلوا أم لم يرحلوا فنحن راحلان إلى المدينة معا لمواصلة الدراسة الجامعية هناك.. وسنلتقي طويلا.. طويلا..

 

4

بعد أيام دخلت المدينة.. وجدا لي مسكنا وسطها.. كان زمن الاستعمار لأحد المعمرين الفرنسيين.. فيه كل الضروريات.. الماء.. الكهرباء.. التدفئة.. أمامه حديقة تحضن أشجار زينة.. أرضيته مبلطة بالبلاط الأحمر.. قال السعيد ونحن نعبر الفناء:

- هل رأيت ياصالح أين كان يسكن أولئك الكلاب؟ كالدود كانوا هنا..

لم أعلق.. كنت أجيل الطرف في كل أركانه.. في كل شبر فيه.. وكانت فرائصي ترتجف.. كأن جدرانه ملأى بالعيون المفترسة.. دخلنا.. تنقلنا بين حجراته الواسعة أشبه بغرف الكنيسة المقفرة.. غبار يدثر الطلاء فيلبسه قناعا حزينا.. رفع الربيع بصره إلى السماء وقال ضحكا:

- مبروك عليك.. أولاد الكلب بنوها وشيدوها وورثناها من بعدهم.. الله يرحم الشهداء الكرام..