|

بقلم
الكاتبة: د. ناديا خوست

- 13 -
بعد عودة قيس من صفد، ألح على أبيه: أريد أن تشتري لي "ستن"! يتسلح الشباب في
صفد، ويلزمنا هنا أيضا سلاح! اشترى له أبوه "ستن" وقنابل يدوية أيضا! لكنه لم
يجد تجمعا للشباب ينتظم فيه. لم يتخيل كيف سيكون الهجوم على بلده وكيف سيكون
الدفاع عنها. هل تصور أنه يحميها بحقه فيها؟ بعد عقود من السنوات قرأ قيس شهادة
شاب في منظمة الشباب في الهاغاناه، قتل في معارك أبو كبير في 1948، ففهم الجيش
المنظم الذي احتل بلده. "بعد حلول الظلام توجهنا إلى مكان إجراء الطقس داخل
غابة هيرتسل. إلى جانب قبر الحارسين الذي كان مغطى بالأعلام الزرقاء - البيضاء
ومحاطا بالمشاعل، انتصبت وحدة حرس من ستة شبان، ثلاثة من كل جانب وبنادقهم في
أيديهم.. وانتظمنا في مربع مواجه للقبر. وبعد أن جاءت القيادة وبعد شرح قصير
تلي القسم ورددناه كلمة، كلمة.. أقسم أن أكون مخلصا للمنظمة .. حتى مماتي.. وأن
أكون مستعدا لكل خدمة فعلية في أي وقت أدعى إلى ذلك. كانت تلك لحظة لن أنساها:
الغابة الموحشة وفي مواجهك قمر باهت يظهر أحيانا وتحجبه الغيوم الداكنة أحيانا
أخرى، وأمامك ستة شبان يختفون أحيانا وراء لهب المشاعل، وبنادقهم في أيديهم.
ملأني المشهد ذو الروعة والجلال، في تلك اللحظة، بإحساس عظيم. في لحظة ترديد
القسم، شعرت بأنني مفعم بالقوة والعزيمة، ومستعد لأداء كل مايطلب مني حتى آخر
يوم في حياتي." تساءل قيس هل خطر لذلك الشاب أن المهمة التي اندفع إليها قد
تكون نسف بيت شاب في مثل عمره اسمه قيس، قتل سكان قرى، وسحب بلاد من أهلها؟!
كان ذلك الشاب مدربا ومستعدا لكل مايؤمر به!
قرر قيس أن يقصد شفا عمرو لأنه سمع أن الشباب هناك ينظمون مجموعة مسلحة. فقال
لأبيه: سأمشي إلى شفا عمرو! غضب أبوه: ياقيس، بماذا وسوس لك الشيطان؟ تمشي إلى
شفا عمرو اليوم، والبلاد تسقط واحدة بعد واحدة؟ افهم، يقصف اليهود بالمدافع شفا
عمرو منذ نهاية الهدنة الاولى في 7 تموز حتى اليوم! لم يفسر قيس لأبيه أنه لذلك
يقصد شفا عمرو! بل تحدث عن رغبة في السفر إلى القرى التي مر بها أو زارها مع
أبيه، أو قصد فيها رفاقه في المدرسة. تساءل أبو قيس: يريد أن يودعها؟ أن يطمئن
عليها؟ شفا عمرو جارة تلال الناصرة وجبل الكرمل وسهول عكا والبطوف ومرج ابن
عامر تستحق الزيارة! فيها روافد نهر النعامين، ووادي الملك، أكبر روافد نهر
المقطع. شفا عمرو بين عكا وحيفا والناصرة. تمتد أراضيها من الشرق حتى طريق
صفورية والناصرة. وتتمطى حتى وادي الملك، ووادي الحلزون، وسهل البطوّف، والسهل
الساحلي، ومرج ابن عامر! نعم، يستحق هذا البلد من الجليل الأعلى الزيارة!
لتتخيل القائد الروماني أبيتيوس وهو يطارد من تلاله الغربية ثوار يوسيفوس في
القرن الأول الميلادي. وترى على الخروبية صلاح الدين الأيوبي مواجه ريشار قلب
الأسد. وتتذكر كلمة نابليون: لابد من احتلال شفا عمرو للتحكم في وسط فلسطين!
تريد أن ترى شفا عمرو الهاجعة تحت قلعتها، وتمشي في أزقتها الكورسيكية! لكني
أعرف أنك لاتقصدها لذلك! بل لأن أحد أصحابك همس في أذنك منذ أيام تعال مع
سلاحك! تريد أن توهمني بأن حدسك كالشوق إليها؟! هنا أيضا يمكنك أن تدافع عن
بلدك! ابق! لو غاب قيس عن أبيه في ذلك اليوم لسار إلى شفا عمرو. لكن أباه أبقاه
قربه. وكان حدس كل منهما صحيحا فمصير شفا عمرو اتصل في اليوم التالي بمصير
صفورية. في فجر 14 تموز دخل رتل طويل شفا عمرو من غربها، دبابات ومصفحات
وسيارات تحمل جنودا. سبقه قصف بالمدافع ورش بالرصاص. وسقطت شفا عمرو!
في ليلة الخامس عشر من تموز كان القاوقجي قد وصل إلى صفورية لتنظيم الدفاع
عنها. رآه قيس في صفورية في مضافة رئيس البلدية صالح السليم. فجأة دخل رجل لاهث
إلى المضافة وقال: تتحرك دبابات يهودية من شفا عمرو في اتجاه صفورية! تعرفون أن
المسافة بينهما كيلومترات فقط! خرج القاوقجي من المضافة وانصرف! هل يشعر الآن
أيضا بأن القوات اليهودية نظامية لاتصدها إلا قوات نظامية مسلحة مثلها؟ هل يصرخ
أين السلاح والرجال، ويردد ماقاله يوسف العظمة على بوابة ميسلون: أريد الزمن؟
في الساعة السابعة من صباح 16/7/1948 وصلت برقية إلى فوزي القاوقجي: مهم
ومستعجل جدا من مساعد حطين إلى فوزي. صفورية مطوقة، على وشك السقوط، أنقذوا
الموقف.
في الساعة الثامنة والنصف مساء قصفت طائرة يهودية صفورية. رمت أربع قنابل، قتلت
الشيخ الأعمى عبد المجيد الذي درس في الأزهر، قتلته مع زوجته وأولاده، وهدمت
بيته قرب الجامع الكبير. بعد القصف خرج الناس من بيوتهم إلى وادي النصارى. بقوا
في حقول الزيتون الواسعة. وتركوا المقاتلين في صفورية ليدافعوا عنها. ظنوا أنهم
سيعودون إلى بيوتهم في الصباح، فلم يتناولوا منها إلا مايحتاجون إليه ليلة.
قال قيس لأبيه: سأبقى مع المقاتلين. رد أبوه: لست منهم بعد! أمسكه بالقوة
أعمامه، وجروه إلى وادي النصارى. وأخذوا منه "الستن". قبل أن يوصلوه إلى وادي
النصارى أفلت منهم وعاد إلى صفورية. جرى وحده راجعا عكس اتجاه الناس السائرين
إلى وادي النصارى، وهو يصرخ: ارجعوا، دافعوا عن قريتكم.. ارجعوا!
رجع قيس إلى بيته في السدر. قربه في المدرسة مركز قيادة المدافعين عن البلد.
أطل، فلم يجد في المدرسة إلا محمد سعيد الشيخ ابراهيم السعدي. الشيخ مسؤول عن
السلاح الموجود في المركز. رفع رأسه فرأى قيسا: ماذا جئت تعمل؟ أجابه قيس:
أخذوني فتركتهم وعدت. قال له: يابنيّي الناس انهزمت فشو تعمل وحدك؟ رد قيس: أنا
لم أنهزم! فجأة دخل شاب آخر في عمر قيس. هذا محمود أحد زملائه في مدرسة صفورية!
كان إطلاق النار يسمع من جهات متنوعة. قال الشيخ: في غرب البلد خنادق، خذ ياقيس
احمل هاتين القفتين من الرصاص للمدافعين فيها! وخذ يامحمود احمل رشاش برن! خرج
الشابان. صوت رصاص. عتمة. لم يصادفا إنسانا في طريقهما. لاأحد! نادى أحدهما
الرجال. صاح الآخر. لاأحد! ياللخيبة! ماالعمل؟ رجعا بعد ساعات إلى الشيخ السعدي
وقالا له: لاأحد! وضع قيس قفة الرصاص على الأرض والتفت إلى محمود. أين اختفى؟
معه البرن! سيقاتل وحده؟ أين؟ استغرق بحث الشابين عن الرجال والخنادق ثلاث
ساعات تقريبا. المدرسة المركز في خلة الوتد تطل على طريق المطلّة، على الدرب من
المطلّة إلى القسطل. بدأ إطلاق النار كثيفا من طريق المطلّة. قال الشيخ: معناها
دخلوا! إلحق أهلك ياقيس! الهجوم إذن من طريق المطلّة. من شفا عمر إلى الناصرة
يتفرع طريق معبد إلى صفورية. قال قيس للشيخ السعدي: ياعمي مع من أقاتل؟! رد
الشيخ: يابنيّي، قلت لك اطلع لعند أهلك. اسرع! سأله قيس: وأنت ياعمي؟ قال: عندي
أمانة لاأتركها. الحق أهلك! تركه قيس ونزل إلى صفورية. من السدر عبر الحارة
الغربية كلها كي يصل إلى وادي النصارى حيث الناس تحت الزيتون. بدأ الفجر وقيس
يمشي إلى هناك. وصل. سأل الناس المتجمعين تحت الزيتون عائلة، عائلة: أين أبي؟
دلوه إلى أهله. جلس الناس في انتظار النهار وانتهاء المعارك للعودة إلى بيوتهم!
وادي النصارى تحت القلعة. طلع الضوء! رفعوا رؤوسهم فرأوا اليهود في القلعة
فوقهم. قاموا واتجهوا إلى الشمال.
في يوم 16/7/1948 في الساعة 9,30 صباحا وصلت برقية من اسماعيل الصفوري إلى
فوزي القاوقجي: دخل اليهود صفورية.. على أبواب الناصرة.. أنقذوا..
حاول فوزي القاوقجي إقامة خط دفاع على محور يشرف على سهل البطوف شمال صفورية
ليحفظ قلب الجليل. لكن الهاغاناه اخترقته في يوم 18/7 وأعلنت الهدنة الثانية في
18 تموز.
أول قرية وصلها أهل صفورية عرّابة البطّوف. ناموا في عرّابة تلك الليلة. أطعم
أهل عرّابة الناس. بدأ بعض الناس يبيعون أسلحتهم ليشتروا مايحتاجون إليه.. مد
عدس وكيس طحين. أكمل أكثر أهل صفورية طريقهم. الرامة ثم شعب. شعب بلد زميل قيس
في المدرسة. بعد شعب، دير القاسي بلد زميل قيس الآخر في المدرسة، صبري الحمود.
نزل مع أسرته ضيوفا عنده. دير القاسي على الحدود اللبنانية. مع قيس ستن ومع
أبيه مسدس ومع عمه روسية تسمى أم فشكة، ومع عمه الآخر بارودة. قال لهم أبو
صبري الحمود: لاتأخذوا السلاح معكم لأن العسكر اللبنانيين يصادرون من
الفلسطينيين أسلحتهم. فتركوا السلاح عنده! في اليوم التالي ترك قيس وأهله دير
القاسي إلى الرميش اللبنانية. ومنها انتقلوا إلى بنت جبيل. بقي الناس هناك تحت
زيتون بنت جبيل. مايزالون يتوهمون أنهم سيعودون. يجلسون حلقات تحت الزيتون
ويتناقلون الأخبار التي تأتيهم من فلسطين. عرفوا من تلك الأخبار أن اليهود
دخلوا إلى صفورية ونسفوها بيتا، بيتا. أول بيت نسف بيت قيس في صفورية الجديدة
في السدر.
وزعت بلدية بنت جبيل على الفلسطينيين يوميا خبزا وحلاوة وجبنا وزيتونا أسود.
وقف قيس في الصف. في الصف أيضا محمد الموعد الغني، زعيم حمولة كبيرة، ضخم
الجسم. أمامه وقف الشيخ حسن الذي كان خطيبا في الجامع. ينتظر كلاهما حصته من
المعونة! كان الشيخ يدعو في خطبه خلال الاشتباكات بين اليهود والعرب: اللهم
رمّل نساءهم، اللهم يتّم أطفالهم، اللهم اجعل أموالهم غنيمة للمسلمين! أمسك
محمد الموعد برقبة الشيخ حسن وصرخ: كنت إذن تدعو الله علينا، كي ييتّم أولادنا
ويرمّل نساءنا ويجعل أموالنا غنيمة لهم! في اليوم التالي وقف قيس في الصف أيضا
ينتظر حصة أهله من الخبز والجبن والزيتون والحلاوة، فأعلن أن مايأخذونه هبة من
المطران مبارك. كان المطران مبارك قد بقي في حيفا واتهم بالتعاون مع اليهود.
محمد الموعد واقف أيضا في الصف! صرخ: يطعمنا الآن المطران مبارك؟! أين الحاج
أمين الحسيني الذي كنا نقول فيه "سيف الدين الحاج أمين"؟! أيجب أن نقول الآن
سيف الدين المطران مبارك؟!
في بنت جبيل أدرك الناس أنهم لن يعودوا خلال أيام إلى بيوتهم! لذلك تسللوا
إليها ليأتوا بما يحتاجونه. خلال ذلك كان اليهود يصيدونهم. فقتل منهم في التسلل
إلى بيوتهم أكثر مما قتل منهم في الدفاع عنها.
قرر أهل قيس السفر إلى سورية بانتظار الفرج. البقاء تحت زيتون بنت جبيل مستحيل!
ذهبوا إلى رياق، وأخذوا القطار من رياق إلى الشام. وصلوا إلى دمشق مع مجموعة من
أهل صفورية. وجدوا مخيما جاهزا لهم قرب التجهيز فنزلوا فيه أسبوعا. ثم استأجر
أبو قيس وإخوته بيتا عربيا في المزة، فيه خمس غرف، نزلوا فيه.
راحت صفد، ولكن هل تروح البلاد كلها؟ هل تضيع أيضا صفورية؟ تذكر أبو قيس كلام
صاحبه التاجر اليهودي الذي كان يشتري منه الغنم ويبيعه للجيش البريطاني: ياأبا
قيس، بع كل شيء وارحل! صفورية ستكون لنا!
تجمع وفد من رجال العرب بينهم أبو قيس وقابلوا الملك عبد الله. شكوا؟ طلبوا؟
توجه العرب كلهم إلى قياداتهم وهم يعرفون أن القيادات لاتستطيع أن تخرج "الزير
من البير". قال لهم الملك عبد الله: اخرجوا من بلدكم وستعودون إليه بعد أن يهدأ
القتال! كلها أيام!
من نشر في تلك الأيام الدعوة إلى الخروج؟ اليهود الذين أذاعوا أخبار المذابح
ونادوا: اهربوا! والعرب الذين قالوا يومذاك: الأرض ولاالعرض! عكس ماستقوله
فاطمة البرناوي فيما بعد: لايوجد شرف شخصي في وطن مغتصب! والسياسيون العرب
الذين همسوا: اخرجوا، كلها أسبوع أو أسبوعان.. ستدخل الجيوش العربية في 15 أيار
وتحرر فلسطين من اليهود! وسترجعون إلى بيوتكم بعد التحرير. ومع ذلك رجع أهل
القرى متسللين إليها وبقوا حتى طردوا منها. ولم ينس أحد من أهل فلسطين الذين
تركوها مفتاح بيته! أقفلوا الأبواب جيدا وحملوا المفاتيح معهم!
كتب رابين قائد القوات التي احتلت اللد والرملة في مذكراته عن تهجير أهل اللد
والرملة اللتين لاتوجد فيهما أية قوات مسلحة عربية. قال إن بن غوريون أمره
ويغال ألون بطرد سكانهما الخمسين ألفا، فاستعمل الإرهاب. لذلك كانت العملية
مأساوية واضطرت القيادة فيما بعد إلى دعاية تشرح فيها الأسباب التي "أجبرتنا
على القيام بمثل هذا العمل القاسي الوحشي". لكن السلطة الإسرائيلية لم تسمح
بنشر هذا المقطع من مذكرات رابين.
   
في المزة التقى أبو قيس بملحم الذي يزوده بدخان فلسطين. يهرّب ملحم الدخان من
ترشيحا وشعب وشمال فلسطين المشهورة بتبغها إلى لبنان ودمشق. ويعيش بذلك من بقي
في تلك القرى. ملحم من قرية جبّ جنين في البقاع. حكى له أبو قيس عن السلاح الذي
تركه في دير القاسي في فلسطين. فقال له ملحم: آتيك به بأجر. عظيم! قال قيس
لأبيه: لن يعطيه أبو صبري الحمود السلاح إذا لم يرافقه واحد منا! سأذهب معه!
ألح قيس على أبيه حتى وافق: رافقه. لكن افهم أن الفوضى أخطر من الحرب!
ركب قيس وملحم الباص المسافر من الشام إلى بيروت. من بيروت أخذا باصا إلى جبّ
جنين. بقي قيس في القرية عند ملحم أسبوعا حتى اكتملت مجموعة المهربين وجهزت
المهربات. في النهار كان قيس يخرج إلى البساتين. هناك رأى فتاة على شجرة جوز
ضخمة. رفع رأسه إليها. ابتسمت له. بين يديها شيء تأكله. جوز؟ قالت له: أرمي لك؟
ماذا ترمي له؟ تذكر شجرة التوت في كرم ابن عم أبيه وغزالة على الشجرة. سألته
غزالة: أرمي لك التوت؟ فنشر ذراعيه. فضحكت. فهمت أنه يريد أن ترمي نفسها عليه.
نادته: أنت اصعد! من يرى الآن، غزالة أم هذه الفتاة التي لايعرفها؟ أين أنت
الآن ياغزالة؟
وقت اكتمل التحضير خرج قيس وملحم وأخواه وآخران من جبّ جنين ظهرا باتجاه
فلسطين، مروا في المساء من الرميش على الحدود اللبنانية. عينهم على دير القاسي
الفلسطينية. يفصل بين القريتين طريق معبد للسيارات. هناك تعلم قيس كلمة كروسّه.
قال ملحم هامسا: لبنانيون.. بس تقطع الكروسّه.. سأله قيس: عمي ماهي الكروسّه؟
ظن قيس أن ملحم قال له: الطريق. وسيظل يحتفظ بذلك الخطأ في ذاكرته. ماالفرق على
كل حال بين الطريق وبين العربة التي تقطعه؟ لامرور للمهربين إلا عندما يخلو
الطريق من العربات والناس! احتموا بشجيرات شوكية وهم يراقبون الطريق. مرت
دوريات، ومرت سيارات. خوفهم من الدوريات اللبنانية، فإسرائيل ليست لها بعد
دوريات تجوب ذلك الطريق. لاتزال مشغولة بما احتلته من فلسطين! قطعوا الطريق
مسرعين. وفي الساعة الثامنة مساء تقريبا وصلوا إلى دير القاسي. تركوا قيسا في
بيت زميله صبري الحمود، وذهبوا ليبيعوا ويشتروا في شعب. "في عودتنا نأخذك
معنا". بقي قيس أربعة أيام في دير القاسي. في اليوم الخامس مساء أتى ملحم وقال
له: اليوم! فودع صبري الحمود، وتناول من أبيه الأسلحة: مسدس أبو نقطة حمراء،
عيار 8 مم، حمله قيس. ستن حمله ملحم. بندقية حملها أخوه محمد، وبندقية حملها
أخوه الثاني. طلعوا من شعب في الثامنة مساء تقريبا. للمهربين وقت دقيق يحسبون
فيه زمن الوصول وزمن العبور وزمن الدوريات المحتملة! على الحدود الفلسطينية
اللبنانية ربضوا يراقبون الطريق من الجهتين. كانوا في منخفض يمكن أن يلاحظوا
منه أية سيارة. عبروا الطريق الفاصل ركضا. ودخلوا لبنان. بعد مئة متر تقريبا
دوى صوت: قف! ودوت عدة طلقات. فركض كل منهم في اتجاه. ركض قيس خمسين مترا إلى
الوراء. عائدا إلى فلسطين؟! لايشعر أنها لم تعد بلده؟ ركض في اتجاه فلسطين! ثم
قبع وانطوى على نفسه جالسا قرب بلاّنة. في السماء قمر ضعيف أقرب إلى الهلال،
لكن الرؤية ممكنة. سحب المسدس من جيبه وجهزه. تقتل من ياقيس؟ لا! لم يفكر إلا
في الهرب! مرت عشر دقائق كعشر ساعات.. ثم، هاهو دركي يمر قرب قيس تماما. يكاد
يدعس قدمه! حبس قيس نفسه. خيل إليه أن صوت تنفسه يمكن أن يسمع. غطته البلاّنة.
مر الدركي اللبناني! أف! سمعه قيس بعد فترة يقول لزملائه: ركضوا إلى الأمام!
الكلاب! هربوا! تركوا المهربات والبغلين! بقي قيس مكانه حتى ابتعدوا مئتي متر
تقريبا. عندئذ وقف وركض باتجاه فلسطين. أطلقوا النار. ركض، لم يتوقف. وجد نفسه
في كرم تين. كان متعبا وجائعا. أفطر تينا! وفي ضوء الفجر شعر بأنه في فلسطين.
لم يعرف ماحدث له إلا بعد أن وصل إلى دير القاسي. قال له صبري الحمود في لهفة:
تعال! وقال أبوه: عرفنا أن "الإخبارية" راحت إلى الرميش عن المهربين وهم
مايزالون هنا يشترون مهرباتهم. انتظروهم وحضروا لهم مصيدة! عرفوا الوقت المتوقع
لوصولكم. لم يبق في جسم قيس مكان مكشوف دون جروح. جرحته البلاّنة التي لطي
قربها! قال له أبو صبري الحمود: تريد أن تعود إلى أهلك الآن؟ جروحك تفضحك.
ستبقى حتى تشفى جروح وجهك على الأقل! البيت بيتك وأنت مثل صبري!
وقت شفيت جروح قيس رافق أهل الضيعة إلى الرميش في النهار. ماتزال بعض القرى في
فلسطين غير محتلة، والناس يشترون حاجاتهم من لبنان فيذهبون من دير القاسي إلى
الرميش. ذهب قيس مع الناس إلى الرميش، ومنها قصد بيروت. ومن ساحة البرج ركب
باصا إلى جبّ جنين.
عندما رآه ملحم ومحمد هتفا: حي؟ راحت البغال ومااشتروه من مواد، ونجا السلاح
لأنه على أكتاف الرجال. قال له ملحم: لم أعد بعد إلى الشام. ماذا أقول لأبيك؟
كان ملحم يبعث يوميا إلى المخفر من يشم الأخبار: "حدا انمسك، حدا انقتل؟" لم
يأته خبر يقين. قال: اختفى الصبي! ولم يجرؤ على السفر إلى الشام. فرح ملحم
ومحمد: رغم الخسارة، أنت حي! بقي قيس أربعة أيام في جب جنين. في الساعة الثالثة
بعد الظهر، بعد الغداء قال له ملحم: هيا! وحمّله السلاح. خرج المهربون من جبّ
جنين التي تطل على البقاع، ومشوا، مشوا.. عندما طلعت الشمس كان سجن المزة
خلفهم. عبروا حتى المزة الحدود السرية للمهربين، الذين لاتوقفهم بعد الحدود بين
بلاد الشام!
أعطى أبو قيس ملحم أجره، وتعويضا عما خسره. وكتب قيس في سجل حياته: هذه أول مرة
رجعت فيها إلى فلسطين!
   
- 14 -
عجت دمشق بالفلسطينيين. انتقل من حمل بعض ماله معه إلى بيوت استأجرها. ودبر
المتعلمون عملا. تحتاج سورية إلى مدرسين. كانت تطلبهم من مصر، وهاهم
الفلسطينيون، متعلمون ومختصون بالتدريس. سيعاملون كالسوري. وسيساعد الهلال
الأحمر وأغنياء دمشق الفلسطينيين الذين خرجوا بملابسهم فقط. صار العرب أصحاب
البيوت والمدن والأراضي والأعمال لاجئين يحتاجون مساعدة. تصل إليهم مساعدات
غذائية، ولكن لن تأتي أبدا مساعدة عالمية تفرض عودتهم إلى بيوتهم التي خطفتها
منهم إسرائيل!
وصلت أميرة مع أسرتها من بيروت إلى دمشق. كانت أسرة محظوظة فلم تنزل في المدارس
والجوامع، بل تنقلت بين بيوت لم تعجبها ثم استأجرت بيتا في شارع بغداد. يخترق
الشارع البساتين حتى القصاع، تعبره عربات الخيل بالمتنزهين في الليالي المقمرة.
في أوله بساتين كانت تسمى "وراء الدور"، خصّ بها خالد آغا أولاد زوجته الثانية
رابية خانم فبعثروها بالقمار كما بعثر أولاد عبد الرحمن باشا اليوسف أراضي
أبيهم وبيوته. تمتد البساتين حتى قاسيون وسوقساروجا والقصاع، مسيجة بالبيلسان
والزيزفون والورد الجوري، مزروعة بالخضار وأشجار الفواكه. على جانب شارع بغداد
أبنية متفرقة من الحجر من ثلاثة طوابق. استأجر أحدها أبو أميرة وأهله. إلى
جانبه بيت ديبو أحد رجال الثورة السورية. ومقابله بيت بهاء، ابن خالد آغا. في
الأمسيات يعبر ديبو الشارع إلى بيت بهاء ليلعبا "دق" طاولة زهر. بينهما مباراة
أخرى في زراعة الزهور. يوم وصلت أسرة أميرة كانت حديقة بهاء مزروعة بالمارغريت،
فيها أقفاص عصافير الكنار معلقة على شجرة فراسكين، والسمك الأحمر يسبح في
البحرة، والبط في الساقية التي تمر غزيرة وسط الحديقة. في تلك الجنة جلس بهاء
مع ديبو قبل أن يتطوع في حرب فلسطين، وضحكا من زوجة ديبو: خرجت إلى الشرفة
و"غسّلت" المؤذن الذي مر داعيا أصحاب البيوت القليلة إلى صلاة الفجر. صرخت،
تلحقنا إلى طرف البلد؟! من قال لك إن الصلاة خير من النوم! روى ديبو لصاحبه أن
زوجته الأولى كانت عكس هذه تماما. فسرقت منها بنتها في الباخرة وهي راجعة من
استنبول! كانت تلك آخر قطرة في الكأس! أم تسرق منها ابنتها وهي في باخرة تستطيع
أن تنبشها وتفتش كل من ينزل منها؟! لكن هل كنت أتصور أنني سأقع في النقيض؟
لامأخذ على هذه المرأة إلا المنصب! يناسبها أن تكون حاكما عاما لازوجة في بيت!
بعد تلك الجلسة غاب بهاء في حرب فلسطين، ولم تفتح طاولة الزهر. وصارت ليلى هي
التي تطعم السمك والبط، ومعتصم هو الذي يسقي الحديقة كابحا ضيقه بالممرات التي
نثر فيها أبوه البحص.
بيت أميرة في شرق دمشق وبيت قيس في غربها. لكن ماأسهل أن يعرف قيس مكان أميرة
وإخوتها! يتناقل الفلسطينيون العناوين فكل منهم يبحث عن الآخر! التقى الأصدقاء
قيس ويسار ويحيى، وتحدثوا ساعات، عابرين المدينة مشيا من بساتين شارع بغداد إلى
بيوت ومخازن شارع العابد إلى بساتين الربوة والمزة. واستمتعوا بطريق الربوة
الظليل، وسحر صداقة الفتيان. تتنظر أميرة زيارة قيس واقفة في الشرفة. تطل من
الطابق الثالث على البساتين المزروعة بالأرضي شوكي. وتراه من بعد على الرصيف
العريض. يرفع نظرته إلى الطابق الثالث مستطلعا منذ يقترب من بيتها. يراها واقفة
في الشرفة، فيبتسم لها، ويتبادل معها من بعد الإشارات. يبطئ في مشيته قدر
مايستطيع، ويتمنى أن يبقى ثابتا على الرصيف العريض. ثم يدخل إلى البناء الأبيض،
فتدخل أميرة منتظرة أن يدق الباب لتفتحه له كأنها لاتعرف من الطارق. هل تنقل له
كفها المسترخية في كفه فرحها بزيارته؟ هل تنقل لها نظرة عينيه شوقه إليها؟ يترك
أحيانا في كفها ورقة مطوية عدة طيات، فتسرع إلى غرفتها وتقرأ قصيدته. لاشيء غير
ذلك! لاكلمة عزيزتي ولاكلمة حبيبتي! تقرأها مرات وتحاول أن تستخرج منها أكثر
مما تعني. ينصرف قيس إلى أخيها حتى تدخل حاملة لهما القهوة. قال لها: تلبس نساء
المزة الملاءة الصفدية. ماأحلى اللون البرتقالي! كأن الدنيا دائما في الربيع!
يذكّرها بأنها كانت تكشف له ملاءتها أمام الدكان في صفد؟ ابتسمت: لكني هنا
لاألبس العباءة الصفدية. أخرج كما تراني! هل أميرة حب قيس الأول! لعله شعر
بالحب أول مرة يوم أحبها! ولعل أول قصائده كانت لها!
عندما تحمل أميرة له ولأخيها القهوة تبقى قليلا معهما. يتشاغل عنهما يسار
قليلا. فيحمّل كل منهما نظرته قدر مايستطيع من الوجد. يرفّ القلب الفتي، وتمر
السعادة كالبرق متوهجة ومسرعة. ثم يأتي يحيى وأصدقاؤه أبناء صفد، فتعود أميرة
إلى الشرفة. وتتابع قيسا وهو بينهم يمشي نحو المدينة.
نزلت ليلى خمس درجات إلى الساقية وأطعمت البط. واستمتعت بتزاحمه قربها. ماأرشق
سباحته وماأقبح مشيته! يجب أن يعرف الإنسان المكان المناسب له كي يسبح كالبط
ولايمشي مثله! فكيف ستعرف ليلى مكانها في هذه الحياة الواسعة؟ أطعمت العصافير
ثم جلست قرب المارغريت. مقابلها أميرة. نظرت كل منهما إلى الأخرى وابتسمتا.
جارة جديدة؟ قطفت ليلى زهرة مارغريت ومدتها نحو أميرة. نعم سآتي! بعد دقائق
عبرت أميرة الشارع إلى ليلى، فأطعمت ليلى البط مرة أخرى مع أميرة، ووقفت معها
قرب أقفاص الكنار، ثم قطفت لها باقة من زهر المارغريت. ماأخف الصبا! ماأسهل
التعارف والصداقة والزيارات والحديث فيه! من يسبق الآخر، هي أم أميرة؟! أميرة
أكبر منها؟ لابأس! كل منهما معجبة بالأخرى! ليلى مسحورة بضوء الرضا في وجه
أميرة. وأميرة معجبة بما سيعجب قيس في ليلى. تجمعهما العوالم التي تفصلهما.
حياتان إحداهما في صفد والأخرى في دمشق. في إحداهما شابة تلتف بعباءة صفدية،
وفي الأخرى فتاة تلبس الجوارب القصيرة! هل قالت لها ليلى في اعتداد أم في أسى:
أبي من المتطوعين، كان حول صفد، وقتل في الجليل! وصفت لها أميرة وقتذاك المدينة
والقرى التي تحيط بصفد، وحكت لها عن الليلة الأخيرة فيها. فرصفت ليلى الصور
التي رسمتها بحديث أميرة إلى جانب الصور التي رسمتها من حديث أبيها. لكنها لن
تستطيع أبدا أن ترى تلك البلاد.
تستمتع ليلى بنقر حوافر عربات الخيل التي تنقل المتنزهين في شارع بغداد! تحب
الرطوبة التي تهب من البساتين في الصيف. تصعد إلى السطح لتطل على الأشجار
والنهر وتتابع أسراب الحمام التي تدور في السماء، ويخيل إليها من السعادة أن
للقمر عبقا كعبق زهر الليمون. يوم صرخت زوجة ديبو غاضبة على المؤذن كانت ليلى
تستمتع بصوته الحلو الذي تسرب بين الصحو والنوم. لكن كم هي حزينة اليوم! صعدت
إلى السطح كي تبكي في حرية. عرفت أن إحسان كم ألماظ قتل في سمخ. قتل الشاب
الوسيم الذي تناولها من أمها وحملها على ذراعيه من محطة الترام في البارلمان
إلى البيت! قال لأمها يومذاك: ياخالتي لاتقلقي علي! لن نضيع الوقت في انتظار
سيارة أو عربة. لو عرفت أن ليلى مريضة لدبرت سيارة انتظرتنا أمام الطبيب! مازح
ليلى طول الطريق: مريضة وخداك كالوردتين؟! تتمارضين لتذكرينا بقصيدة ليلى
المريضة في العراق! ليلى استمتعي بالسماء والشجر! ياخالتي، مدي يدك إلى جيبي،
فيه قطعة شوكولا ضعيها في فم ليلى! ألذلك استمتعت ليلى بمرضها يومذاك؟ مع أن
الطبيب قال لأمها، انتبهي! التهاب قصبات، قد يصبح ذات الجنب!
أخفت ليلى حزنها عن أميرة. كما أخفت أميرة حبها عن ليلى. تسعدهما الصداقة
الجديدة. يسعدهما اختلاف لهجة إحداهما عن لهجة الأخرى والفرق في العمر بينهما.
لماذا لم تبح لها أميرة بحب قيس؟ ماالفائدة؟ ذلك الحب مثل ربيع قصير فقد مروجه!
قال أبو قيس: ليست العودة إلى فلسطين مسألة أيام كما وعد الأمير عبد الله
وفدنا! لم تعد فلسطين بدخول الجيوش العربية إليها، كما توهم العرب! احتلها
اليهود قبيل دخول الجيوش العربية. وجهزوا أنفسهم لاستقبال تلك الجيوش. وحاربوها
مجزأة، مرة هذه ومرة تلك! وهرع العالم كي يفرض الهدنة على العرب كلما لمح هزيمة
اليهود! لن تعود فلسطين قريبا! قرر أبو قيس أن يلحق علاقاته التجارية التي
نسجها منذ السنوات الثلاثين في شرق الأردن. سيفتح مخزنا للتجارة بالقمح والحبوب
في إربد. وسيكون قريبا من نسيم بلاده. قال: كان اليهود مشتتين في البلاد؟ لسنا
نحن الذين فرقناهم، لكنهم قدّروا علينا أن نكون مشتتين في الأرض! ودّع ياقيس
أصحابك الذين درست معهم في صفورية وفي صفد ثم رحلت معهم إلى دمشق!
في أواخر أيلول 1949 ودع أبو قيس إخوته، وودع قيس أصدقاءه وأميرة. لن يراها
أبدا! ستتزوج أميرة فيما بعد ممن يستطيع أن يتزوج. وستقول ليلى لنفسها وهي تبكي
على إحسان كم ألماظ على السطح: تغري الدنيا بما هو أوسع من الحب!
بعد عقود من السنوات التقت أميرة بليلى في حي لاتوجد فيه بساتين. كانت ليلى قد
فقدت زوجها في آخر الحروب بين العرب وإسرائيل. ولم يكن لها منه أولاد. وكانت
أميرة قد اشتغلت مع زوجها في الخليج، وتفرق أولادها في البلاد التي قبلت أن
يدرسوا أو يشتغلوا فيها. دفعت كل منهما بطريقتها ثمن فلسطين. لم يكن عندهما وقت
للحديث. لكن نسيم البساتين القديمة هب عليهما. تجولت أميرة مرة أخرى في صفد
كأنها في تلك البرهة تركتها. وتخيلت ليلى البلاد التي بقي فيها أبوها.
   
في إربد، استأجر أبو قيس دكانا بدأ فيها تجارة بالحبوب. واستأجر شقة في بيت
عربي مفتوح على باحة. يشترك بالباحة جيران آخرون. كان ذلك البيت معبرا إلى بيت
آخر سيستقر فيه. لكن قيسا وجد في ذلك المعبر حبا رائعا. كان قد بدأ يصبح هاوي
كتب، كأنه يبحث فيها عن جوهر الحياة، ويطلب الجواب على لماذا وكيف! قطع عليه
قراءة كتاب في يده صوت نجيبة بنت الجيران. رفع رأسه ورآها في الباحة أمام
الطابون تخبز الخبز. كانت جالسة على كرسي منخفض متباعدة الساقين، ترقّ العجين
وتدوّره وتضعه على الطراحة المستديرة، ثم تلصقه على جدار الفرن وهي تغني: يابو
الحلق، ياعود ريحاني، يبلاك بصربة عرب، والكل عزباني، وتكون ليلة عتمة، والسرج
مطفية!
استمع قيس ذاهلا إليها. ياللشعر الجميل! وياللأمنية! انتبه وقتذاك فقط إلى
الفتاة. كانت حلوة! ظل يستمع إليها حتى سكتت وتكوم الخبز الساخن قربها. فعبر
الباحة إليها: يانجيبة، مارأيك في واحد بدلا من "صربة" عرب؟ جفلت. كان وجهها
متوهجا من حرارة الجمر. تناول قيس قطعة من رغيف ساخن! ومن هناك بدأ بينه وبينها
حب رقيق. صارا يلتقيان بين سنابل القمح على بعد خطوات من البيت. ذات يوم علا
صراخها. رأى قيس أخاها يضربها، وهي تصرخ: أحبه! أحبه! هب قيس نحو الصوت، وأمسك
بيد أخيها. التفت إليه أخوها وقال: سافلة! ففهم قيس أن الشتيمة له!
انتقل أبو قيس بأسرته إلى بيت آخر. وصار يصعب على قيس أن يقصد نجيبة! ذهبت مرات
إلى الحقل فلم تجده، وذهب مرات إلى الحقل فلم يجدها. كانت نجيبة أنعم من
الحرير، وأطرى من الخسّ. ثم شغلت المدرسة قيسا، وشغلته فتاة أخرى، محطة أخرى في
بحثه القلق عن محور حياته.
يوم عاد إلى لبنان بعد عقود من الزمن سأل عن غزالة التي كان يلتقي بها في الكرم
ويراها من شرفته قادمة من العين ويسمعها أغنية أسمهان. عرف أنها في مخيم النهر
البارد. فتساءل هل يزورها؟ ليعرف هل بقيت تلك القطعة من العمر كما تركها؟ خشي
من اللقاء. ويوم رجع إلى بلده استبعد البحث عن نجيبة، كي يستبقي نجيبة القديمة
التي كان يلقاها في حقول القمح. هي التي طلبت أن تراه فأرسلت زوجها إليه. زارها
فرأى امرأة حلوة مرحة سمينة. نادت أولادها وقالت لهم أمام زوجها: هذا هو الرجل
الذي أحببته لكن الله حرمني منه! قال زوجها مداعبا: لانعرف يانجيبة، هل ذلك من
حظي أم من رضا الله عليه؟
تذكر قيس قصة قرأها مرة. أولاد يلتمون بعضهم على بعض وهم يسمعون أباهم يضرب
أمهم في الغرفة الأخرى. يدينها بحبها القديم ويحاكمها عليه. يتحلقون حولها
عندما يبتعد أبوهم ويسألونها من ذلك الرجل الذي أحبته؟ تقول: فان لودفيغ..
ويكملون هم في فرح: بيتهوفن! كان الرجل الشرقي، زوج نجيبة أكثر حضارة من زوج
تلك المرأة. ولعله أيضا أكثر رحابة من قيس الذي ماكان ليتحمل رجلا أحبته زوجته
قبله!
سيسرح قيس فيما بعد في ذكرياته. لماذا سيتمنى أن يعرف مصير من عبر حياته!
ليطمئن عليه؟ أم ليسوق الصور إلى آخرها ويضعها في مكانها الملائم منه؟ ليرتب
سنوات عمره في رفوفها ودروجها، ويتركها منظمة مثل خزانة ملابسه؟
يوم أحب نجيبة لم يكن قد اعتمد مقاييس ليلى معيارا يقرّب منه النساء أو يبعدهن
عنه. فيحسب المسافة بين رسغ القدم وبين الركبة، واستدارة الوجه، وينتقي
بمقياسها.
   
- 15 -
في تشرين الثاني سنة 1949 مر قيس بدكان أبيه. من أرى؟! شاكر سليمان من دبورية،
وحمد الصبيح من قبيلة الصبيح في سفح جبل طابور! زيارة؟ بل تجارة ياقيس! شاكر،
من دبورية المحتلة. يتسلل العرب، يشترون من إربد الطحين والرز والسكر،
يحمّلونهاعلى البغال ويهرّبونها إلى بلادهم المحتلة. ماتزال الدوريات اليهودية
التي تحرس الحدود قليلة. لم يخنق الإسرائيليون بعد الحدود!
من أين ستسيرون ياشاكر؟ لماذا تسألني ياقيس؟ لأرافقك! واجب الأهل! لاتمزح ياقيس!
ستكون مع شاكر قافلة من أحد عشر شخصا تنطلق في المساء من قرب "بيت راس"، تمر
قرب "أم قيس"، تنزل في اتجاه الغور، وتعبر المخاضة على الشريعة جنوبي الباقورة.
لنمش معا قليلا! مشى قيس مع شاكر. قال له: خذني معك! معي؟! ياشاكر، أريد أن أرى
صفورية! لاآخذك معي دون إذن أبيك! بل سـتأخذني معك ياشاكر! ماذا سيقول أبوك؟
سأدعي أني لحقتك رغما عنك! وهو الواقع تقريبا! كان قيس قد سمع أن لأبيه دينا في
الناصرة عند شريكه عبد الله فقال لنفسه في طريقي سأساعد أبي فأستعيد له الدين!
التقى قيس بالقافلة في "بيت راس" في الساعة الرابعة والنصف بعد الظهر. مشى مع
الرجال. انزلقوا قرب "أم قيس" نازلين إلى الباقورة في الغور. اتجهوا إلى مخاضة
الشريعة. هنا قبيلة الغزاوية. تحرس المخاضة وتأخذ من المهربين خوّة! هل
يتجاوزونها دون أن تنتبه إليهم؟ مشى قيس مع شاكر وحمد. كان المهربون يمشون
مجموعات صغيرة كيلا يلتقطوا معا. يتقدمهم اثنان. قرب المخاضة سمعوا صيحة: قف!
لامفر إذن من قبيلة الغزاوية! أخذ الرجل حصته وترك قافلة المهربين تتابع
طريقها. لكن من هذا معها؟! قف ياقيس، قف! هم يهرّبون التموين، وأنت إلى أين؟ هل
يعرف أبوك إلى أين تمشي؟ قال قيس: أمشي إلى صفورية! قال الرجل: تعال ياقيس، نم
عندنا وفي الصباح نوصلك إلى أبيك! رد قيس: لاياعمي، سأذهب إلى صفورية! إذن،
انتبه! والله معك!
قطعت القافلة المخاضة. طريقهم: سولم إلى جانب مرهافيا، أندور، جبل طابور حيث
عرب الصبيح، دبورية بلدة شاكر، الناصرة، الرينة، صفورية التي كانت من قضاء
الناصرة! مازال اثنان يتقدمان المجموعة. بدأ الليل! أية عتمة واسعة في الفلاة!
تحاول عينا قيس أن تخترقا الظلام. يحاول أن يقرأ في العتمة خطوط الأشياء
الخارجية. يلتقط حفيف الأوراق ويسبره. الريح أم حركة إنسان؟ همس لشاكر: هناك
على الصخرة رجل! نظر شاكر إلى حيث أشار قيس. لم يتبين أحدا. ولاحركة. رغم
المسافة بين المجموعة والأخرى تشعر كل منها بحركة الأخرى. توقفوا كلهم. لاأحد!
أنت ياقيس جديد في اختراق الليل لذلك تنوهم في النسمة خطرا وتتوجس منه! سيتكرر
مع قيس الأمر نفسه! سيلمح في الحياة أخطارا تخفيها العتمة وسيخبر من حوله عنها،
لكنهم لن يصدّقوه حتى تقع! بعد خطوات دوت صيحة: قف! وقع الرجلان اللذان يتقدمان
القافلة! كنت على حق ياقيس! ليتني كنت مخطئا ياشاكر! حقا، كان ذلك شبح رجل يقف
على صخرة قرب قرية كوكب العربية المهجورة التي تحيط بها صخور ومنحدرات.
وقع رجلان من القافلة، وحادت البقية عن مسارها بعيدا عنهما. سيأخذ "قاطع
الطريق" من المهربين حصته من التموين! بعد فترة من المشي دوت مرة أخرى: قف! هنا
قرية سيرين العربية المهجورة! سقط الرجلان اللذان يتقدمان بقية القافلة! قال
شاكر: قطاع الطرق العرب فلاحون هجّروا من قراهم ولم يتركوا فلسطين إلى البلاد
العربية! يأخذون جزءا مما يحمله المهربون يعيشون به. لكن اليهود لايصرخون "قف"،
بل يطلقون الرصاص! التفت قيس إلى شاكر وسقطت قطعة من قلبه. هل شعر بأن جميع
المهربين الذين رافقهم سيقتلون فيما بعد برصاص الإسرائيليين؟ هل بدأ هنا حدسه
الذي يصور له كاليقين ماسيحدث؟ سأل قيس شاكرا: من سيتقدمنا الآن؟ قال شاكر:
الآن لاأحد! اتجهت القافلة إلى قبيلة الصبيح في جبل طابور. ودّعه هناك شاكر:
ابق مع حمد! سألقاك اليوم!
في الرابعة صباحا وصل قيس مع حمد الصبيح إلى مضارب الصبيح في سفح طابور. تلفت
قيس. "تبحث ياقيس في الهواء عن أثر معارك الصبيح؟ في كانون الثاني 1948 قبل
الفجر اصدمت قبيلة الصبيح باليهود. سندتهم نجدات من المستعمرات والعفولة. فقصف
اليهود قبيلة الصبيح بمدافع المرتر. كان المطر غزيرا فعبر اليهود الوحل
بالتراكتورات. ساعد أبناء الشجرة قبيلة الصبيح فردت اليهود. وتوسط الصليب
الأحمر كي ينقل اليهود قتلاهم. لكن البلاد سقطت بعد ذلك. وصارت علاقتنا ببلاد
الشام كأنها تهريب!"
انتقل مع حمد قبل الظهر إلى دبورية التي تبعد ثلاثة كيلومترات تقريبا. والتقى
بشاكر هناك. في دبورية استقبل أهل شاكر قيسا في ترحاب. كيف أبوك؟ وأهلك؟
وإخوتك؟ كيف تعيشون؟ أبو شاكر صديق أبي قيس. بلاد واحدة، ومصالح واحدة! ناموا
الآن، استريحوا من تعب الطريق! الصباح رباح!
بقي قيس أربعة أيام في دبورية. استراح من الطريق، استعاد الناس. وبعد؟ ياشاكر،
يجب أن أذهب إلى الناصرة! ماذا في بالك ياقيس؟ دين لأبي أريد أن أحصّله! في
الغد اذهب مع قافلة الطحّانة ياقيس، في القافلة أخي محمد أبو صالح. ينجزون
الطحن في الناصرة في يوم واحد! اذهب معهم وعد معهم في آخر النهار!
مشى قيس مع قافلة الطحّانة الثلاثة الكيلومترات بين دبورية والناصرة. عند مدخل
الناصرة اتفق مع محمد أبو صالح على اللقاء به بعد الطحن في المكان نفسه وقت
عودة القافلة إلى دبورية. مشى قيس إلى دكان شريك أبيه عبد الله. بين عبد الله
المسيحي وبين أبي قيس ودّ وصداقة. مرحبا ياعمي! مئة مرحبا! كيف وصلت إلينا
ياإبني؟ وصلت مع المهربين، ياعمي! تريد الناس أن تأكل، ياإبني! ياعمي جئت
لأسترد دين أبي، ستمائة جنيه! أبوك طلب منك ذلك ياولدي؟ سكت قيس. أين الورقة
التي تحملها منه لي؟ أرسلك هذه المسافة الطويلة لتأخذ هذا المبلغ الكبير، ولم
يحملك ورقة؟! اسمع ياولدي! سأعطيك عشرين جنيها كي تعود إلى أهلك. وقل لأبيك أن
يرسل لي ورقة مع أي شخص يختاره. دينه جاهز عندي!
آه، فشل قيس! ضاع منه تفصيل صغير! وستضيع منه في حياته تفاصيل أخرى صغيرة، رغم
انتباهه الدقيق إلى التفاصيل!
في مدخل الناصرة التقى بقافلة الطحّانة وعاد معها إلى دبورية. فشلت مهمته في
الناصرة! بقيت زيارة بيته في صفورية! سأل: متى تعود القافلة إلى إربد؟ لن تكون
القافلة جاهزة قبل ثمانية أيام ياقيس! قال أبو شاكر لقيس: أبوك صاحبي وأنت عندي
مثل شاكر! ستبقى ضيفنا حتى عودة القافلة!
في الرابعة صباحا في ذلك اليوم هزّه أخو شاكر: قيس، قم! القرية مطوقة! سيجمع
اليهود أهل القرية في البيادر ليفتشوا البيوت بحثا عن المتسللين! تعال إلى
البئر! تبعه قيس. البئر تحت المزراب، تجمع فيها مياه المطر. ضيقة في فوهتها،
عريضة في أسفلها. أنزل أخو شاكر السلم إلى البئر فاستند طرفه إلى الجزء العريض
من البئر. لايمكن أن يرى من الفوهة الضيقة! دلى قيسا بالحبل إلى السلم. نزل قيس
إلى البئر فغاص في مائها حتى وسطه مستندا إلى الحائط الذي لايرى من الفوهة. وقف
ساكنا زمنا طويلا. ثم سمع أصواتا، وشعر بأشخاص يطلّون من البئر ويتوقفون هناك.
ثم ابتعدوا وعاد السكون. ظل قيس ساكنا في مكانه حتى الساعة الثامنة والنصف
صباحا. وقتئذ أتى أهل شاكر وأخرجوه. أشعلوا نارا أجلسوه قربها ولفوه بالحرامات.
وبدأ يرتجف. قالوا له: التقط الإسرائيليون بعض المتسللين العرب! كل عربي دون
بطاقة متسلل! المتسللون أهل البلاد! ياحيف على الزمان!
قال قيس: ياعمي، أريد أن أرى صفورية! ياإبني، ينقصك وجع القلب؟! يجب أن أراها
ياعمي! بيننا وبينها رمية حجر! إذن انزل إلى الرينة! في الرينة يعيش من بقي من
أهل صفورية في البلاد. منهم الشيخ صالح سليم المحمد رئيس بلدية صفورية. ياعمي،
هذا صديق أبي. سأنزل عنده! نزل قيس إلى الرينة ضيفا على الشيخ صالح سليم المحمد.
ابن الشيخ صالح زميل قيس في المدرسة، في صفورية وفي صفد. رحب به صالح سليم
المحمد. أهلا ياابني! كيف رجعت؟ مع المهربين! ياعمي أريد أن أنزل إلى صفورية
لأرى بيتنا! تأمله الرجل. أتيت من هناك كي ترى بيتك؟ من ينكر الحنين على شاب في
عمر قيس!
استمتع صالح سليم المحمد بمجد حياته. عاش في قرية غنية، انتخب رئيسا للمجلس
المحلي في صفورية عدة دورات، حتى سنة 1948. أشرف مع أعضاء المجلس البلدي
المنتخبين على الثقافة والمياه والضرائب والمدارس والبناء والتموين. قدم باسم
المجلس مساعدات للدير والراهبات في صفورية مكافأة على خدمات عيادة الدير الطبية
المجانية. في سنة 1946 قدم للدير خمسين جنيها وكمية من زيت الزيتون.
لكن صالح سليم المحمد حسم قرار حياته. لن يترك البلاد! سيظل يحوم حول قريته.
وفي سبيل ذلك هيأ نفسه كي يتحمل المرّ. فهل يفوته مادفع بقيس إلى قريته؟ فلير
قيس بيته المنسوف! يعرف صالح سليم مصير صفورية. لم يخربها قصف الطائرات الذي
قتل امرأة مع أولادها وهدم بيتها. خرب صفورية النسف الذي تناولها بيتا بيتا
ليمحوها من وجه الأرض. لايعرف صالح ذنب صفورية التاريخي. سيعرف ذلك قيس.
قال صالح سليم المحمد لقيس: اسمع، يطلب اليهود قطّافين يقطفون لهم زيتون صفورية.
انزل مع القطّافين! لكن انتبه! يشرف العسكر الإسرائيليون على القطّافين! هل خبأ
صالح سليم نقطة ضوء في قلبه وهو يحنو على قيس، حتى وهو يعرف أنه سيصل إلى صداقة
بن غوريون فيما بعد ويصبح مرات نائبا في الكنيست عن حزب العمل؟
نزل قيس مع محمد إبن رئيس البلدية، ومع أهل صفورية ليقطف معهم زيتونهم الذي
أصبح للإسرائيليين. عبر معهم مرج الذهب في صفورية، ثم دخل إلى صفورية المنسوفة.
على عمود بازلتي قديم بجانب العين في وسط صفورية جلس عسكري إسرائيلي مع زميل
قيس في المدرسة! هذا محمد عبد المجيد! مايزال العمود القديم مكانه قرب النبع!
مايزال بناء عين صفورية الذي أنشأته البلدية مكانه في وسط البلد قرب الشارع
الرئيسي الذي يعبر القرية على "رأس البيادر"! مايزال الماء يجري إليه من
القسطل! ماتزال الحنفيات التي يستقي منها أهل صفورية موجودة، قربها مستودع ضخم
ومكان تشرب منه المواشي والخيل! ولكن أين أهل القرية؟ أين النساء الراجعات من
العين؟ أين الجالسون في استرخاء على المصيطبة؟ نهض محمد عبد المجيد عندما لمح
قيسا وتقدم منه في لهفة. قبّله: أنت هنا؟! تناول قيس منه التحية والقبلة. ابتسم
له؟ هل يستطيع قيس أن يرد الابتسامة؟! ودّعه ومشى في طريقه. يجب أن يخفي قهره!
يجب أن يظهر فرحه برفيق المدرسة! ولايستطيع قيس هذا أو ذاك! وفي حياته كلها
سيكون مقتله انفجار عواطفه في ملامحه! ياربي! كل مايشير إلى معرفة سابقة رعتها
هذه القرية ومدرستها وحقولها وشجرها يمكن أن يكون خطرا على قيس الآن! مشى مع
"قطّافي الزيتون" أصحاب أراضي صفورية التي لم تعد لهم ولم يعودوا سكانها! قال
له محمد بن صالح سليم المحمد: انتبه! زميلك هذا يعمل مع الاسرائيليين!
أكمل "القطّافون" طريقهم إلى كروم الزيتون الواسعة في وادي النصارى. هناك
القطاف. انتشر أهل صفورية في الحقول التي يجب أن يقطفوا زيتونها. وانتشر حولهم
الجنود لكن هؤلاء لم يكونوا كثرة. ترى هل سيحمي محمد عبد المجيد ذكرى زمالة
المدرسة؟ أم سيشي بقيس فيلتقط الإسرائيليون متسللا؟! هل في قلب من خان أهل بلده
شيء من القهر يدفعه إلى التستر على زميله؟ قال قيس لمحمد بن صالح: سأتسلل لأرى
بيتي! سألقاكم في طريق العودة! ياقيس، انتبه! ينتهي القطاف في الساعة الرابعة!
سنعبر في العودة مرج الذهب! إذن أنتظركم في مرج الذهب!
تسلل قيس في اتجاه السدر جنوب بيته. الطريق أسفل بيته. رفع عينيه فرأى كومة من
الأنقاض، لمح على قمتها كلبا. نعم، الكلب الذي رباه منذ كان جروا صغيرا! في
النظرة الاولى لم ير إلا رأس الكلب. لابد أن الكلب أيضا لم ير إلا قمة رأس قيس.
من منهما ركض إلى الآخر؟ همهم الكلب، نبح، بكى، فرح، هز ذيله من طرف إلى طرف.
هس! ولاصرخة! الفضاء، الفلاة، الهواء، الحاكورة، الشجر الباقي، الزيتونة التي
ربطني أبي إليها ذات يوم، ركام البيت، أرض حرام! هس! ولاهمسة! لكننا سنبقى معا!
سيحمل كلبه من صفورية إلى إربد! سيعبر به أرضا محتلة إلى أرض لم تحتل! سينقله
من بيت الأمس المنسوف إلى بيت اليوم! هل كنت تحرس الأنقاض؟ هل شعرت بأني سأعود؟
اهدأ، اهدأ! سنبقى معا! ستكون الدليل إلى أني وصلت حقا إلى صفورية، إلى أني
زرت بلدتي المسروقة، المهجورة، المنسوفة! لا، بل سيبحث عن دليل آخر! بدأ ينقب
بأصابعه تحت الأنقاض. أزاح الحجارة والتراب. وجد قطعة من المرآة الجميلة التي
حملها أبوه من استنبول وقت كان يعيش في صفورية ويتاجر بالغنم. وهذه قطعة أخرى!
دسّ قطعتي المرآة في جيبه. حمل كلبه ومشى إلى مكان اللقاء بأهل صفورية الذين
أصبحوا قطّافي زيتون في أراضيهم عند الإسرائيليين! من قريته، من بيته، من
بساتين أبيه، من البيت المرفوع على عقود، المطل على طريق العين، من الشرفة التي
كان يطلق فيها صوت أسمهان "اسقنيها بأبي أنت وأمي" فتلتفت إليه غزالة الراجعة
من العين مع الصبايا.. من حياته كلها في صفورية يحمل هذه القطعة الممزقة من
مرآة كانت كبيرة وجميلة!
التقى بأهل صفورية في مرج الذهب، وعاد معهم إلى الرينة. لكن إياك أن تبقى في
الرينة ياقيس! لاتنم فيها! الرينة ملتقى الطريق بين طبريا والناصرة. فيها مخفر
شرطة. يؤهلها موقعها لجولات دوريات اليهود. لاتبق فيها! تعشى قيس في الرينة،
وفي الساعة الثامنة مساء ودّع الشيخ صالح. احتضنه الشيخ صالح. يعلم الله ياإبني
إن كنا سنلتقي! سلم على أبيك وقل له عسى الله يجمع الشمل!
في دبورية تأمل أبو شاكر وجه قيس، ونظر إلى الكلب. حضّروا الشاي لقيس! ياابني،
يكبر الهمّ إذا فكرت فيه! أنت شاب والعمر أمامك، فماذا نقول نحن؟ قد تتحرر
البلاد في حياتك، لكن هل نرى ذلك نحن؟ تسأل عن القافلة؟ اشتقت إلى أهلك؟ أنت
ضيفنا في دبورية حتى عودة القافلة إلى إربد. باع المهربون الطحين والرز والسكر
للعرب، واشتروا بدلا منها السلاح. بالطحين يباع الآن السلاح الذي اشتراه أهل
فلسطين بالذهب! يحمل المهربون خارج البلاد السلاح الذي أدخله أهل فلسطين بشق
النفس وبالمغامرة بالحياة! أغلقت البوابات! إذا أتى التحرير ذات يوم فلن يكون
إلا من خارج البلاد! هل يأتي؟ متى؟ متى؟ هل ضاعت البلاد؟ هل يضيع الحق في هذه
الدنيا علنا، هكذا؟! تفو أيتها الدنيا! تفـــــــو!
أصبحت القافلة جاهزة! لكن المطر ينزل كأنه ينسكب من القرب. لابأس! ذلك أكثر
أمنا للمهربين! المطر طقس لايلائم الدوريات! ودّع قيس أهل شاكر، ودّع دبورية.
هل سيلتقي بهم مرة أخرى؟ أين؟ هل يستطيعون أن يكونوا كلهم مهربين كي يصادفهم في
دكان أبيه؟ وهل يصلون دائما أحياء؟ نحن أهل البلاد الذين ننقل التموين بين عرب
وعرب أصبحنا مهربين! نحن أهل البلاد أصبحنا متسللين! نحن العرب الذين شلّحنا
اليهود أرزاقنا أصبحنا مشلحين وقطاع طرق نقتات مما نصادره من إخوتنا العرب
المهربين! مع ذلك احبس ياقيس القهر!
مشى قيس مع القافلة. كان فيها رجال جدد وبعض الذين صادهم قطاع الطرق في طريق
الذهاب! الترتيب نفسه: في المقدمة اثنان، ثم مجموعات من ثلاثة أشخاص. وقيس يسير
مع شاكر. مطر وظلمة ووحل، وصوت الريح! همس شاكر: قفوا! فهجعت المجموعة ساكنة.
سكن أيضا كلب قيس! صوت لاسلكي! الدورية قريبة إذن. ظلوا ساكنين حتى ابتعد
الصوت.
وصلت القافلة أخيرا إلى المخاضة على الشريعة. لكن المخاضة ليست للعبور! تيار
الماء جارف هادر. يتدفق المطر في النهر! ولكن لامجال للانتظار أو الرجوع! قال
شاكر لقيس تمسك بذيل الفرس بكل قوتك! التفت قيس إلى الكلب: أنت، اسبح! وقف
الكلب على الضفة مترددا! ناداه قيس: تعال! هز الكلب ذنبه وبقي في مكانه. ثم
تقدم خطوة وتراجع! لامجال للتردد! لامجال! عبر الرجال والدواب المخاضة بصعوبة.
ووقفوا مبللين على الضفة الأخرى. قال قيس لشاكر: يجب أن نعود لنأتي بالكلب!
نعود؟! مجنون! اسمع ياقيس! ماصدقنا أننا عبرنا المخاضة. لانستطيع العودة! نظر
قيس إلى الكلب، ثم بدأ يبتعد مع الرجال. هاجر قيس مرة أخرى، وبقي الكلب على ضفة
الوطن! هل خاف كلب قيس النهر أم خاف الغربة؟
ترك قيس المهربين في القبيبات عند الباقورة. أخذ باص الشونة إربد. لماذا ردد
بينه وبين نفسه طول الطريق: "عذب الجمّال قلبي حين نادى بالرحيل"؟ من أين التقط
هذه الكلمات؟ وصل إلى إربد بعد 17 يوما من الغياب. فتحت أمه الباب.. وزغردت.
فعرف الجيران أن المفقود عاد. كان الرجل الذي رآه عند المخاضة قد أخبر أباه
بأنه قطع الشريعة إلى الأرض المحتلة. فبلغ أبوه القوات العراقية في المنطقة
ورجاها أن تعرف مصيره. تعرف مصيره؟ يعود الناس إلى قراهم. يقتلون على مشارفها.
يقتلون قبل أن يروها. في أحسن الأحوال يعتقلون في السجون. فهل نستطيع أن نعرف
مصير اولئك كلهم! آه، صحيح، لايعرفون مصير القرى نفسها!
أخرج قيس قطع المرآة من جيبه وقدمها لأبيه: من بيتنا في صفورية! أطرق الأب. هل
يحتفل بابنه الشجاع؟ هل يحتفي بابنه الذي يخترق المستحيل؟ هل يفرح بذكرى من
بيته المنسوف؟ بشهادة على دمار ماأنشأه قشة، قشة؟ بحريق عمر لن يعود؟
في القافلة التالية عاد شاكر. لماذا تبدو مرتبكا ياشاكر؟ اقعد! استرح واشرب
هذا الشاي! لم يعاتبه أبو قيس. فالرحلة كشفت له وجها جامحا وصلبا في ابنه.
وأعادت له المشهد الأخير من صفورية. والصورة الأخيرة من بيته وأصحابه وبلاده.
قال لشاكر: ألا تريد أن ترى قيسا؟ بلى ياعمي! بلى! روى شاكر أن الكلب عاد إلى
دبورية.. لم يعد إلى صفورية ياعمي، بل عاد إلى دبورية! ولكن ياعمي.. لاتقل
لقيس.. لاتخبره. أتى اليهود قرب الفجر، وطوقوا دبورية. نبح وهجم عليهم.. ظل
ينبح عليهم حتى أطلقوا عليه الرصاص!
بقي قيس مضطربا أسبوعا. لن يخرجه من بحرانه غير المرأة! ناداه أبوه: خذ ياقيس!
انزل إلى عمان وابق فيها يوما، يومين! يكافئه أم يعزيه أم يقول له صرت شابا
والبلد صغيرة عليك؟ نزل قيس مع رفيقه فائز إلى عمان. ومنذ خرج من البلد امتد
المدى واستعاد قيس جموحه. معه صديقه المحبوب. فائز ابن عشيرة كبيرة، مثل قيس
على شاطئ الشباب. الحلم لهما معا أكثر سعة من الواقع المرئي. الحلم هو المستقبل
المفتوح والمغلق! هو الغيب الذي يظنان أنه لايجسر أن يعاندهما، ويتمردان لأنهما
لم يمسكا بعد مفتاحه. تجرفهما معا الأشواق فيمشيان كالمتنزهين مساء على طريق "الكمب"،
يتحدثان أحيانا عن النساء، وأحيانا يعودان إلى كارثة فلسطين الموجودة على مرمى
حجر ومسافة قرن! لم يتزوج فائز بعد ابنة عمه هندا ويهواها ويقتلها. ومازال قيس
متنقلا بين هوى وآخر. نزلا إلى عمان ليجلسا في مقهى لايعرفهما فيه أحد، ليقصدا
نساء لايعرفنهما، ليشعرا بأنهما شابين ناضجين حرّين. مع أن المال الذي سينفقانه
مال أبويهما.
هل بدأ قيس منذ ذلك اليوم يؤمن بحدسه؟ ستزيده المصادفات ايمانا ببصيرته وبأن
مايراه في نومه أو يتصوره، يقع! جلسا في مقهى السمرا في عمان. تحدث قيس خليّ
البال مع صديقه فائز. رمضان والوقت وقت الإفطار. سمعا طلقة المدفع وأذّن
المؤذن. فجأة بدأ قيس يبكي في مرارة. ذهل صديقه. لماذا؟ تسألني عما لاأعرفه أنا
نفسي؟! حدث أمر لايدري بعد ماهو. بكى قيس حتى ارتوى من البكاء. ناوله فائز
منديله ليجفف دموعه، ونهض: فلنمش ياقيس في الشوارع التي فرغت من الناس! البلد
لنا! لن نفسد مشروع هذه الليلة!
في الصباح ركبا السيارة وعادا إلى البلد. قرب بيته صادف ساعي البريد: هذه
البرقية لوالدك. أخذها قيس منه وناولها لأبيه. فتحها أبوه. من عمك ابراهيم في
دمشق. "احضر حالا. توفي أبونا"! قال أبو قيس: قم! أخذا تاكسي ونزلا إلى دمشق.
في الطريق بكى أبو قيس في حرقة حتى وصلا إلى الشيخ مسكين. عندما هدأ قال له
قيس: "سيدي" مات البارحة وقت أذان المغرب! سأله أبوه: كيف عرفت؟ فهز كتفيه.
وصلا إلى دمشق فوجدا الجنازة حاضرة. ودع أبو قيس أباه. وسارت الجنازة إلى مقبرة
المزّة. في البيت سأل أبو قيس أخاه ابراهيم: متى مات أبي؟ رد: جهزنا الإفطار
وجلسنا على الحصير ننتظر الأذان. قال لي أبي هات مخدة لأضع رأسي عليها. قدمت له
فخذي. وضع رأسه عليه. عندما قال المؤذن الله أكبر شهق أبي ومات. وقت خلا قيس
بأبيه في الليل روى له كيف بكى في مقهى السمرا في عمان في البرهة التي مات فيها
جده.
   
سجلت لقيس مغامرته وعودته حيا من فلسطين، إعجابا بين أصحاب أهله وزملائه،
انتشر في بلدته. جلس في المقهى كالرجال وقصده رجال أرادوا أن يصف لهم مارآه.
لعله مر بقريتهم، لعله التقى بأهلهم أو أقربائهم! وكأن فيه بركاناً هاج بعد
رحلته مع المتسللين. لم يعد يخاف شيئا! لكن القلق والشوق والأسى تهده فيفتح
الباب في الليل ويخرج إلى الحاكورة ليدخن. يصحو أبوه ويتظاهر بأنه لم ينتبه
إليه. صار يهدئ أشواقه بكتابة الشعر. وكأنما نضجت فجأة الخواطر التي كان يسجلها
على قصاصات من الورق، وعلى الهوامش البيضاء في المجلات، فأصبحت قصائد يسكبها في
جموح ثم يعود إليها ليضبطها وينقلها إلى دفتر ويثبت في نهايتها تاريخ اليوم
الذي أنجزت فيه. لم يستنتج أن الشعراء والسياسيين الذين ينشد التلاميذ كلماتهم
قد أكملوا صفحتهم التاريخية وأصبحوا بخلودهم تراثا وحنينا ومستندات مستمرة. وأن
الحياة تطلب الجديد الذي يتصل بهم وهو يختلف عنهم. لكنه بحدسه تبين أن قدره
ومسؤوليته أن يصوغ كلمات زمنه، يفاجأ بها الناس ثم يتبينون أنها كلماتهم.
أعجب المستمعين إلى قصائده الشوق المدثر بالأسى، والعنفوان الجامح، والأمل الذي
يشف في نهاياتها مرة عن عناد ومرة عن رومانسية رقيقة. كان قد أنهى السنة
الأخيرة من المدرسة، والمدرسة وجه البلد، ومعلموها مثقفوه، ولها مجلة ينشر فيها
كتاب العاصمة المعروفون مؤلفاتهم. ومع ذلك اعترف لقيس بأنه تجاوز ماأهّلته له
المدرسة، وأنه أكثر نضجا من عمره. بل قيل: في قيس نسمة من عمر الخيام! سمع قيس
ذلك فبحث عن الخيام، وجده فخيل إليه أنه وجد كنزا. بدأ ولعه بالخيام. وتمنى أن
يقرأه بلغته!
في البلد الصغير العيون على الجوهرة المكتشفة! اتصل المتصرف بأبي قيس: أرسله
لنا! فبحثوا عنه ووجدوه مستلقيا في حقل يتأمل السماء، وبين أصابعه زهرة من
شقائق النعمان! قال له المتصرف: ستلقي قصيدة أمام الملك! لم يرتجف قيس فالملك
كان في ذلك الزمان يجلس بين الناس، ويلتقي حتى بالطلاب المشاغبين ويؤنبهم كأنهم
أولاده.
وصل الملك وجلس بين أهل البلد. قدمت المناسف وقدم قيس كي يقرأ قصيدته الطويلة.
استمع إليه الملك: بارك الله، بارك الله! كان يزهو بمعرفته دقائق اللغة العربية
والشعر. فسأل وزير المعارف الشيخ محمد أمين الشنقيطي: ماذا تقول ياشنقيطي في
القصيدة؟ فيها أغلاط؟ رد الشنقيطي: لم ألاحظ فيها غلطا في النحو، لكن فيها
كلمات غير عربية مثل زغرد. التفت الملك إلى قيس: أنت، ماذا تقول؟ رد قيس: زغرد
كلمة من أصل عربي. سأل الملك: ماذا تقول ياشنقيطي؟ رد: ليس صحيحا.. قاطعه
الملك: والله هذا الصغير على حق وأنت مخطئ ياشنقيطي! أدار قيس ظهره للملك
لينسحب فركض المتصرف ليعلّمه كيف يتراجع في حضرة ملك. اعترض الملك: اتركه،
اتركه! واعطوه طقم باركر، وخمسة عشر دينارا!
بعد يومين من رحيل الملك وصل خبر من المتصرف: طلب القصر قيسا. يجب أن يحضر
فورا! القصر؟! منذ البوابة رحبوا به. منتظر! ثم استقبله شاب وسيم: انتظر هنا!
قدمت له قهوة. قدمت القهوة، ثم قدمت القهوة.
- لايستطيع جلالته أن يقابلك اليوم!
- هو الذي حدد الموعد!
رجع قيس إلى بلده فرحا بعودته إليها! في اليوم التالي أرسل المتصرف خبرا آخر:
القصر يسأل لماذا لم يلب قيس دعوة الأمس، عين لقيس موعدا غدا! استمع قيس إلى
المتصرف. وقال: لن أذهب! عاد إلى الحقل واستلقى على الأرض ووجهه إلى السماء! لم
تكن عادته أن يتأمل زرقة السماء بل نجوم الليل، لكن ذلك كان هواه في ذلك
الإسبوع!
هل أكدت تلك التجارب المرفوضة لقيس أنه مكلف بمهمة لايدري بعد ماهي؟ لاسكون في
روحه كالسكون في روح زملائه! كأنه ورث حزنا عميقا من زمن قديم كان يعيش فيه قبل
هذا الزمان! هل خمن أنه يجب أن يدفع الثمن، فالتميز ليس للفخر فقط، بل للعذاب!
طلبه المتصرف. صار قيس وهو بعد فتى، من المهمين في البلد؟! سيزور الملك الجديد
البلد! نريد قيسا في الاستقبال! كان الملك الجديد ذا مزاج غريب. ربما لذلك أيضا
كان محبوبا. يبدو أنه يحب الشعر.. جلس مستمعا إلى قيس. ثم ركب حصانا أبيض وخرج
الأولاد خلفه يهللون.. ذهب ليزور النّور! كان ملكا متمردا. سجل الناس أنه نزل
إلى الشعب، لكنه لايمكن أن يكون ملكا.
قال المتصرف لقيس: إذا رغبت يمكنك أن تكون من موظفي القصر! قيس يتحمل الحياة
في قصر؟ وهل يتحمل قصر مزاجه الهائج؟ لايستطيع قلبه المتلاطم أن ينبض بانتظام!
لن يتبين ثمن ذلك إلا في قمة العمر، وقت يأوي زملاؤه إلى حياة مستوية، وتصور
قمة العمر للإنسان أن الركود استقرار وأمن، فيعتد بما لديه من مال وبيوت وأولاد
مطيعين، ويبدو صخب الحياة ترفا ضيع العمر، وتكون الأيام الجميلة الماضية قد
تسربت من الأصابع ولايستطيع الإنسان أن يكرر الجنون. عندما سيفتح زملاؤه صفحات
حياتهم لن تكون فيها إلا كلمات قليلة. وسيضيع هو بين الألوان. لكن زملاءه
العاديين سيتناولون وجباتهم في أوانها، وسيأوون إلى الفراش في وقت معين،
سيستقبلون أولادهم ويستمعون إلى لغو أحفادهم، ويتوهمون أن تلك الدعة جني سنوات
العمر. وسيبقى هو جوّالا في الليل والنهار بين مروجه البعيدة، وبين مروجه
الممنوعة.
   
- 16 -
جلس قيس أمام مكتبة صقر على كرسي منخفض من القش، واستعرض مع صاحب المكتبة بنات
المدرسة اللواتي تدفقن إلى الطريق. ميز منهن شابة أعجبته. قال لصاحبه: هي!
أتعرفها؟ رد صاحبه مداعبا: اسمها شهرزاد! لكنك لن تكون شهريار لأنها غنية،
أبوها طبيب سوري ترك دمشق يوم خرج منها فيصل سنة 1920.
كان قيس يومذاك على التخوم. يشعر بقوة تصور له أنه قادر أن يفتت الصخر. ويجرفه
شوق عاجز إلى كل شيء. يرسل قصائده إلى الإذاعة فتقرأ منها، وينشرها في الجرائد.
ومع ذلك يشعر بأنه على التخوم. لايجد بعد عملا يمسك بحياته.
صار ينهض من كرسيه ويتبع شهرزاد، يعبر الطرقات خلفها ثم يتسرب إلى درب بيتها،
ويتركها أمام بوابة حديقة واسعة. قدم له صاحب المكتبة المعلومات التي تجعلها
أسطورة بعيدة عن قيس: عمها طبيب الأمير! لكنه في بداية هواه لم ينتبه إلى إشارة
تلك المعلومات إلى حب يائس. لم يتساءل هل تنتظر فتاة مثلها فتى مثله حتى يصبح
شخصا ذا مكان؟!
مشت شهرزاد أمامه حتى بيتها. عند الباب التفتت وقالت له: ماذا تريد؟ لم يخف
عليه أنها قالت ذلك دون لوم. يعجبها؟ رد: أريد أن أراك! قالت: في حديقتنا مساء
اليوم. ياللخبر العظيم! لايعرف كيف وصل المساء! دفع الدقائق كأنه يدفع الدجاج
إلى القنّ ليحبسها فيه. تسلل إلى حديقتها وأتت إليه، فاندفع وعانقها. ولاحظ أن
أختها تحرسهما من النافذة. صارت حديقتها مكان اللقاء. حديقة كثيفة الأشجار.
وزادت من إهمالهما الخطر براءة الشباب.
اقترحت شهرزاد عليه: "اقطع" تذاكر للسينما! قطع تذاكر له ولزميله ولأختها. في
العتمة لمسها، وصديقه يجلس مواربا ليحميه وأختها تجلس مواربة لتحميها. بعد ذلك
اللقاء أرسل قيس إلى الإذاعة، قصيدة يتغزل فيها بشهرزاد. أذيعت قصيدة "الشاعر
الشاب" مرات! ونشرت في الجريدة مع مقدمة طويلة عن سيمفونية كورساكوف "شهرزاد".
وسجل الكاتب أن قصيدة قيس ليست أدنى من تلك السيمفونية، لأنها استمدت ألوانها
من بلاد شهرزاد وحضارتها العظيمة. وختم مقاله: لدينا جميع الإشارات إلى مولد
شاعر لن يقل عن شاعر البادية القديم، مجنون ليلى!
في ذلك اليوم همس قيس لشهرزاد: افتحي الراديو في الساعة العاشرة! فجمعت
صديقاتها حول الراديو. وجلس قيس في المقهى بين أصحابه يستمع إلى الراديو
الموضوع على رف مرتفع. استمعت شهرزاد ورفيقاتها إلى قصيدته التي تفنن المذيع في
قراءتها. كرر أحد المقاطع مرتين! محظوظة ياشهرزاد! فلنستعره منها يابنات ليقول
قصيدة فينا! نهضن وقبّلنها. هنّأنها. محظوظة! كم من الناس استمع إلى القصيدة
اليوم! سيتساءلون من شهرزاد التي يهواها الشاعر الشاب!
عندما التقى قيس بها كانت كلماته ماتزال تخفق في روحها. فانهمرت عليه لينة،
ناعمة. وخيل لقيس أنه يتسرب من جلدها. لكنه لم يتبين ثقتها بأن ماقاله لايمكن
إلا أن يقال فيها، وأنها تتوقع أن يحبها آخرون أيضا لأنها جميلة وغنية. أتت له
قصيدة شهرزاد برسائل من معجبات أرسلنها مع أولاد إلى المكتبة التي يجلس فيها.
طمعن في أن يحبهن كما أحبها، أم طمحن أن يلهمنه كلمات كالتي ألهمته إياها
شهرزاد؟ تحب المرأة أن تكون ملهمة؟! لايدري قيس حتى اليوم سبب السحر الذي يجذب
إليه النساء كلما شعرن بأنه مغرم بإحداهن!
اندفع قيس في حب شهرزاد كطالب يمتحن ويجب أن ينجح. كبطل ذي سمعة رائعة يجب أن
يحافظ عليها. كمغامر راغب في كشف مجهول جديد. ولم تكن هي في عمر الزواج لتتفادى
مغامرة لن تثمر. ولم يفكر قيس الذي جرفه الهوى بما يباعد بينهما.
هل سبب انتحاره أنه فكر في الفرق بين فتاة من أسرة مستقرة غنية وبين فتى لاجئ
ضيع احتلال فلسطين أراضيه؟ حبه اليائس؟ وهل كان قيس يتصور حقا أن هذا الحب
سيمسك بيده إلى حياة رتيبة هادئة مع زوجة؟ يأبى عليه كبرياؤه أن يضع بالزواج
حدودا لحياته! لن تقفل عليه حياته امرأة! كان على التخوم. أنهى المدرسة ولم يجد
عملا. تبين موهبته وفهم رغم حفاوة من حوله بها أن طريق النضج طويل. كان قلقه
يشويه، والسور المغلق حوله يضغط عليه، والمسافة واسعة بين طموح لاحدود له إلى
مجهول لايدركه بعد، وبين واقع كالخاتم الضيق! تموج فيه قوى عاصفة يلمسها الذين
يقدمون قصائده، وتضيق بالمسارب الممكنة لها في الواقع! والفضاء الممتد حوله
فراغ لاأمل فيه ولامخرج منه. نسي الحدس الذي صور له يوم حاول الانتحار قرب شجرة
الزيتون أنه يجب أن يعيش كي يحمل أمرا لايعرفه بعد!
أقفل قيس الباب بالمفتاح، وجزّ شريانه فتدفق الدم وجرى من الباب. مر أبوه صدفة
فرأى خيطا من الدم. صرخ: قيس! ناداه: افتح! لم يجبه. قرر الموت! ياللمجنون! قرر
الموت لأنه يحب الحياة! كسر أبوه الباب، وحمله إلى طبيب البلد، أبي شهرزاد.
ضمده وأنقذه. لكن الشرطة سجلت ذلك في سجلات يمكن أن تواجه بها قيسا ذات يوم.
فتعاقبه على الجريمة الوحيدة التي يعاقب عليها إذا لم تنفذ!
قال أبو قيس لصاحبه شكري: ليس السبب أنه يحب شهرزاد! المسألة أنه يجب أن يشتغل
أو أن يسافر إلى الشام أو بيروت ليتعلم! ياشكري ساعده! رد شكري: سأعطيه رسالة
إلى المكرّم! الرجل مقتدر، ذو نفوذ، سيجد له وظيفة. فشلت ثورة 1936 لكن بعض
الذين شاركوا فيها أصبحوا أبطالا بعيدا عن الثورة التي صدّرتهم!
   
وصل قيس إلى عمان ظهرا. فتحت له الباب شابة جميلة. فقال بينه وبين نفسه: ماأكثر
الجمال في هذه البلاد! وتساءل لماذا تكون الفتيات على هذا المقدار من الحسن
وينطفئن بعد زمن من الزواج؟ لكنه لم يشعر بالأسى الذي تشعر به النساء عندما
يصحون برهة فيتذكرن أن أجسامهن لم تكن مترهلة، وأرواحهن لم تكن كقماش غسل كثيرا
في مياه مالحة. قالت له الشابة بصوت عذب: المكرّم غائب، لن يأتي حتى المساء.
لو كان لديه ذلك الوقت بعد سنوات لتنقل بين بيوت أصحابه. لكن لم تكن لديه
وقتذاك العلاقات التي توسعها السياسة والعمل. جلس في المقهى حتى المساء وعاد
إلى بيت المكرّم، وهو يعرف أن وقت اللقاء به سيكون مقتضبا لأن قيسا لن يجد إذا
تأخر سيارة تعيده إلى بلده.
استقبلته مرة أخرى الصبية الحلوة، وأجلسته في الصالون. ودخل المكرّم. تترك حتى
الثورات الفاشلة أثرها على قامات الرجال! وتترك السلطة أثرها الأكبر! المكرّم،
عضو الاتحاد والترقي، الذي رافق حملة الترعة داعية وواعظا، ثم أخذ مكان أسعد
الشقيري، ثم التحق بالملك فيصل وصار رئيس النادي العربي في دمشق، وجمع التبرعات
من الهند لإصلاح الصخرة المشرفة، وتظاهر في يافا ضد الإنكليز وسجن ستة أشهر،
الخطيب القدير! هاهو نفسه بهيبته أمام قيس!.
تأمل المكرّم قيسا من باب الغرفة، تناول الرسالة وقرأها، ثم مد التهذيب دون أن
يسحب السطوة. لكن قيسا لمح عواطف أخرى توقد عينيه وهما يشربان القهوة. برقت
فيهما أشواق رمت السطوة بعيدا عنه فخفض نظره إلى الأرض كي يخفيها، وكأنه غير
راض عليها. قال لقيس: سأسعى لنجد لك عملا! ونادى بنت أخيه: ياصبا! هرعت صبا
فظهرت القسوة التي يعامل بها أهل بيته. قال: هاتي فواكه وحلويات! نهض قيس:
أشكرك. يجب أن أسرع لأجد سيارة تنقلني إلى بلدي! قال المكرّم: لن تجد سيارة
الآن. ستنام عندنا، البيت واسع وفي الصباح اخرج على بركة الله!
مايزال قيس غضا، لايستطيع رغم عنفوانه أن يفرض قراره وينفض عنه التهيب من
السطوة. نهض مرة أخرى: سأجد فندقا! رده المكرّم: ترفض ضيافتنا؟ ياصبا، افرشي له
في الصالون! انحنى قيس أمام الثقة التي تراكمت على المكرّم الذي اشترك في
الثورة الكبرى وجنى مهابته منها ومن مركزه اليوم.
بعد العشاء غفا قيس كما يغفو الإنسان في بيت غريب. عين نائمة وعين صاحية. فراش
غريب، مكان الباب والاتجاهات غريبة.. المقاييس كلها غريبة. لابأس، نم! لايتقلب
الشباب طويلا! هكذا غفت العينان. وفجأة شعر بيد تلمسه. منام؟ لا! انتفض.
المكرّم، الشيخ الجليل، راكع قرب فراشه. انتفض: ابتعد! أين سطوة المكرّم وهو
يتوسل إليه: أرجوك! عصف قيس، وكشف له البرق والوهج ظهر الصورة، مسوّدتها،
العواطف التي تذل حتى ذا السطوة. لم يكن قيس سياسيا لكنه قال لنفسه: لم يسقط
المكرّم سياسيا فقط! راح زمانه. وربما كان مقتل انتفاضة 1936 أن قيادتها
متنافرة ومتنوعة. ولكن لاحق لرجال الانتفاضة في أن يسقطوا هكذا! ربما انتبه
بحدسه إلى المكانة التي تأسر الرموز بمقدار علوّها، وتفرض عليها الاستقامة حتى
التصوف. لكنه انشغل فقط باكتشافه عالما متآكلا يختبئ بالأساطير. هذا هو الرجل
الذي اشترك في الانتفاضة الكبرى؟ كان قيس شابا غضا. لايعرف بعد أن تلك الأخطاء
ترصد في الرجال، ويمرّغون بها، ويجرّون بها إلى الخيانة أو إلى الانتحار. يعيش
في عالم لم تنشر فيه بعد قضايا التجسس الكبرى والفضائح التي تواكبها. في عالمه
لاتزال الأسرار والفضائح تغطى بالوقار! قال بصدق الشباب وجموحه: يجب أن يقتلع
هذا المجتمع من جذوره لينبت آخر مختلف عنه! دون ذلك لن نستعيد بلادنا المحتلة!
لمس نتيجة صحيحة لكنه بالغ فيها، بجهل العمر الغض وجهل الفتى البعيد عن
السياسة. وأوغل في استنتاجه كلما أوغل المكرّم في انهياره أمامه. قال له
المكرّم: أعطيك مقابل ذلك بنت أخي! ألم تعجبك؟ لايوجد إغراء يمكن أن يستبقي
قيسا. فالغثيان والقرف والغضب، دفعته كي يخرج إلى الهواء النظيف. قرف قيس من
الشذوذ الذي سيكون حقا طبيعيا في اوربا بعد عقود من الزمن. لكنه لم يفكر
بالنساء اللواتي قبلن اغتصابهن كي يخلصن أزواجهن أو أبناءهن، أو كي يدفعن ثمن
عمل يدفع عنهن الجوع. ولم يفكر بصبا التي يمكن أن يقدمها عمها.
لبس ثيابه مستعجلا، فتح الباب وخرج إلى الليل. مشى مسرعا حتى ابتعد. في السفح
جلس على حافة سياج حتى طلع الفجر. وصل إلى بلده كما يصل الضائع في البحر إلى
البر. وصل إلى البيت قبل أن يخرج أبوه إلى دكانه: يابا، تعال! لكن ليس هنا!
مشيا إلى البستان وهناك روى له مافوجئ به. أخرج من جيبه رسالة المكرّم إلى
المتصرف ومزقها. فحص أبو قيس هيجان ابنه، وهاج هو أيضا، لكنه استمع إليه في
هدوء حتى غسل روحه. قال: لايطلب الثمن من الفتيات الجميلات فقط، بل من الشاب
الوسيم أيضا! خذ هذه الشهادة فقط ياقيس وانس المكرّم! لاتتحدى السلطة فقط
الرجال. يتحداهم أيضا العمر! لم يصمد المكرّم لاأمام السلطة ولاأمام العمر! لم
تسقط ثورة 1936 لأن ملوك العرب ورؤساءهم تدخلوا فنفذوا طلب بريطانيا. بل لأن في
قيادة الثورة أشخاص مثل هذا المكرّم!
مزق قيس رسالة المكرّم وقدم طلبا لوظيفة معلم وانتظر الجواب. لايريد أن يكون
موظفا، ولايستطيع أن يكون تاجرا، ولايملك أن يكون مزارعا. كان البهائيون يبحثون
عن مدرس لمدرستهم في العدسية. ووسطوا لذلك المشرف على التعليم. وكان بين يديه
طلب قيس.
   
- 17 -
قال مدير التربية لقيس: هذا مختار العدسية، يطلب معلما لمدرسة الذكور. هل تقبل
العدسية؟ الشروط؟ خمسة عشر دينارا، وبيت، والطعام! شروط ممتازة، وحظ عظيم، فأهل
العدسية بهائيون يقدّرون العلم! وافق قيس على شروط المختار البهائي. وأصبح في
سنة 1950 معلما في العدسية.
الطريق إلى العدسية ترابي معبد. إلى يمينه شرقا جبال يخيم فيها البدو الذين
يعمل بعضهم عمالا زراعيين في العدسية. وإلى يساره غربا، تنحدر الأرض نحو الغور
والعدسية. في أول القرية غابة صغيرة من أشجار الكينا، تجري بينها قناة ماء
تخيم حولها مجموعة العاملين في مصلحة المياه. بيكوفسكي روسي أبيض كان ضابطا في
الجيش القيصري، هرب بعد ثورة اكتوبر، ويشار الشركسي، ورياض ذو الصوت الرخيم
ومحمد المهجر من يافا. تمتد الدرب بعد المخيم المظلل بشجر الكينا إلى الغرب،
تعبر بيت هوية، أخت سكرتير شوقي أفندي زعيم البهائيين. بيتها كبيوت العدسية، من
الحجر الأسود، وسط أرض مزروعة بالحمضيات، في الواجهة مدخل البيت، إلى جانبه
مدخل السيارة. في شمال المخيم درب يوازي الدرب الذي يعبر بيت هوية، يوصل إلى
مزرعة واسعة ذات بوابة جميلة من الحديد المزخرف وسط سور من الحجر يعلوه سياج من
الحديد بزخرفة شرقية. مزرعة أسرة بهية وغولروخ، فيها وسط بيارة الحمضيات بيت من
الحجر الأسود أمام بوابته نخلتان. على مرمى النظر منه مدرسة الذكور، بناء من
طابقين، بينه وبين مزرعة بهية وغولروخ بيت من الحجر الأسود، فيه غرفة المعلم.
إلى الجهة المقابلة من المخيم، يسارا، بيارات حمضيات في وسطها مدرسة البنات. في
الطابق الأول منها قاعة واسعة للدراسة، وغرفة المعلمة لور. وتحت الدرج الداخلي
غرفة السنترال. في الطابق الثاني المحفل البهائي. في البيوت الأربعين أو
الخمسين في العدسية، كلها، تلفونات.
وجد قيس في غرفته طاولة ملأى بصحون الطعام. ماذا أفعل بكل هذا؟! قال للمختار:
شكرا، ذلك كثير! ومشى معه إلى سيدة العدسية.
استقبلته هوية أخت سكرتير شوقي أفندي رأس البهائيين في شرفة مدخل بيتها. قالت
له: مني تطلب مايلزمك! خمّن أنه أمام حاكمة العدسية. فهمس لنفسه: لكنها لن
تحكمني! قالت له: ستكون دائما ضيفي على الغداء! وافهمت المختار أن أسر العدسية
تستطيع أن تدعوه فقط إلى العشاء في دورها.
بدت العدسية لقيس جمهورية مستقلة. مستعمرة زراعية، يسوّق الرجال منها الفواكه
بسياراتهم. لكل عائلة فيها مزرعة، تراكتور وسيارة وتلفون، والطرقات بين المزارع
مزفتة. فيها أربعون أو خمسون أسرة فقط، ومع ذلك فيها مدرستان واحدة للذكور
وواحدة للفتيات. يجتمع أهلها كلهم في احتفالات أسبوعية في قاعة مدرسة البنات،
يلتقون بشخصيات، يستمعون إلى محاضرات. هناك عرف قيس أول مرة عجاج نويهض، مدير
الإذاعة، الذي دعي إلى المحفل البهائي في العدسية. قرأ قصيدة قيس وطلبها منه كي
يذيعها.
استمتع قيس براتبه الكبير. كدّس الكتب في غرفته. أفاده أنه حفظ القرآن واستهواه
الشعر العربي، وبدأ يفتتن بالخيام. يفتتن؟ بل بدا متيما به! هل ذلك صدفة كالصدف
التي صاغت حياته فيما بعد، فكان يفاجأ مرة بفتاة مقابله تضع في عنقها برج
محبوبته، أو يلتقي بامرأة يحزر قبل أن يكلمها أنها تحمل اسمها! استهواه الخيام
قبل انتقاله إلى العدسية بأشهر، كأنه كان يستشف أنه مقبل على من سيعلمه لغة
الخيام بين زهر الليمون وشجر البرتقال في العدسية.
بهرته هوية بسطوتها. وعندما جرّها إلى الثقافة ليصغّرها نافسته بالكتب التي
قرأتها، وقابلته برؤية كاملة إلى الدنيا. هل اندفع إليها من الغيرة منها أم
ليثبت أنها لاتحكمه؟ أم استهوته حقا بقوتها؟ صار يتغدى معها من الطعام الذي
تحضره خادمتها الغورية. بعد الغداء دعت بنتها لتعزف له على البيانو. استمع إلى
العزف وعيناه على هوية. لم تكن جميلة، لكن ضوءها كان يغمر الغرفة. التفتت إليه
وقرأت شوقه إليها. هو أيضا يستهويها لكنها تنتظر أن يرجوها! ورجاها: اطلبي من
بنتك أن تخرج!..
في تلك الليلة عاد إليها، ومشى في الطريق الذي دلّته إليه. عبر الحديقة بين
أشجار البرتقال، وصعد على درج من الحجر إلى شرفة غرفتها. شعر بيديها مغروستين
في ظهره. وسحره أنها تقبض عليه في نشوتها. وألف الطريق إليها.
أحبته هوية؟ كانت أكبر منه بعشر سنوات. أعطته كتب البهائيين التي يمكن أن
يقرأها. حدثته وهما جالسان في الشرفة عن وحدة الخالق والمخلوق. فسحب ذلك إلى
الصوفية، ووصف لها أنه يشعر بوحدته مع أشجار الكينا والليمون، بل يشعر عندما
يعود من مخيم أصحابه في مصلحة المياه بأنه الكون. قالت: هذا شعر! ماأقصده ياقيس
غير ذلك. لكنك مؤهل للوصول إليه! الكون مفتوح، لايغلق بنبي أخير. تجلى الإله في
البهاء ويتجلى في آخرين بعده. لم تقفل النبوة!
أدهشته الجرأة التي تخالف بها مايؤمن به الناس. لكنه كان وقتذاك في أيام فحص
الأسس ومناقشتها. تعجبه القيمة التي يضعها البهائيون للعلم، والمساواة بين
المرأة والرجل، تعليم المرأة، وحدة الخالق والمخلوق. ولكن ياهوية لاتعجبني وحدة
الأديان. لاشيء يجمعني بالتلمود! "شعب الله المختار" ينفي تلك الوحدة.
لايستوقفني حجّكم إلى البهجة في عكا. لكن لماذا جعلتم القدس قبلتكم؟ ولماذا يرى
عباس أفندي أن خلاص البشر لن يكون إلا بعودة اليهود إلى أرض الميعاد؟ معنى
ذلك.. أغلقت هوية فمه بكفها. اسكت! أشار لها إلى أنه سيقول شيئا آخر، فأطلقته.
قال: إذا كان شوقي أفندي كالله فكيف رسب في الجامعة الأمريكية؟ لماذا لم يساعده
الله؟ قالت هوية في ثقة: رسوبه دليل إلى أن الله لايساعد حتى شوقي أفندي إذا لم
يعمل! بهرته هوية المفكرة. وربما أغراه بها في تلك الليلة أنه لايستطيع أن
يهزم ايمانها.
كانت الليلة مقمرة، وعبق زهر الليمون يغمر غرفتها. ترك قيس قمر آخر الليل على
فراشها وخرج. كان زوجها قد ذهب ليسوّق الفواكه في عمان. عاد متأخرا. وجدها
نائمة فلمسها. قالت له مغمضة العينين: قيس، عدت؟ وعندئذ صحت فوجدت زوجها جامدا
ينظر إليها. سألها قيس: وبعد؟ ردت: لاقبل ولابعد! لكن قيسا لاحظ الضغينة في
عيني الزوج منذ ذلك اليوم. فاعتمد ذلك كي يجعل زياراته متباعدة.
بالأمان الذي شعر به، وبالوقت الممتد في فسحة خضراء، وبالحوار مع البهائيين،
اندفع يفكر في الكون. تحتاج الظواهر البراقة والكامدة محورا ينظمها! تحتاج مطلا
عليها! وكانت البهائية التي تعرف إليها في العدسية منظومة أفكار، ومنظومة رجال
ونساء. مجموعة مشدودة برابطة حميمة، زرعت هذه الجنة. فاخضرت فيها الأشجار وعبق
فيها زهر الليمون. بقيت جنة العدسية جنة البهائيين حتى قبيل حرب حزيران 1967
بستة أشهر وقت اتفقوا على الهجرة.
في المساء يجلس قيس بين مجموعة العاملين في مصلحة المياه، تحت أشجار الكينا قرب
قناة الماء. يتناولون الزجاجات التي وضعوها في القناة لتبرد ويصبون له النبيذ.
فتتندى أصابعه بالكأس. الشراب ممكن هنا في الليل، وهؤلاء ليسوا بهائيين! يستمع
قيس، إلى الضابط الروسي الأبيض بيكوفسكي. يواجه منظومة فكرية متماسكة. ليست
لديه معلومات مضادة. لكن الهجوم على "البلشفية" يستفزه. يتفرج قيس على لوبا
حبيبة الضابط الروسية. الضابط في الستين تقريبا، وهي فتية، شقراء، تحب الخيل،
تركب فرس حبيبها وتتجول به طول النهار والضابط ينتظرها. تختفي زمنا ثم تعود
إليه أياما. فيتأمل قيس عالما غريبا من الفراق واللقاء. ويتساءل أيكون الحب
أحيانا كالأبوة، ويسعده أن تكون المرأة كالوردة التي تعلق على الصدر؟ يسكت
الضابط الروسي ويبدأ رياض بالغناء. "سجى الليل حتى هاج بي الشوق". والليل دائما
هادئ ساج هناك! ينتشي قيس من الخمر والقمر والغناء، فيلحق مدى يهرب منه، ويتقلب
بين الفرح والأسى. يترك في منتصف الليل بيكوفسكي ورياض ومحمدا المهجّر من يافا،
ويمشي إلى بيته في درب صغير بين شجرات الكينا وبين بستان بهية وغولروخ.
صادف قيس غولروخ واقفة أمام مدخل بستانها، محاطة بزخرفة البوابة، وبزهر
الجهنمية الحمراء. من أية أسطورة حطت تلك الشقراء وسط الربيع؟ التفت إليها
سعيدا بلقيته. وانشغل بسعادته حتى أنه لم يلمح ابتسامتها له. تعرفه، أستاذ
المدرسة! لكنه لايعرفها! في اللقاء الأسبوعي وجدها مع أختها. فرح كما يفرح شاب
وجد زملاء في عمره. واحدة شعرها حالك، وعيناها سوداوان سوادا عميقا. والأخرى
بيضاء شقراء. خرج معهما من قاعة مدرسة البنات ومشوا متأنين في الطريق الضيق حتى
معسكر مصلحة المياه. تحدثوا كأن كلا منهم يعرف الآخر حتى أن أحدهم نسي أن يقدم
للآخر اسمه. هاهو بيتهما! بعد أيام دعته أسرتهما إلى العشاء، ورأى طول المساء
بريق شعر غولروخ الأشقر تحت الثريا الكبيرة. صار يختار إلى بيته الطريق الذي
يمر بمزرعتهما. هل كانتا تنتظرانه قرب البوابة؟ دعتاه إلى البستان، وجلسوا تحت
شجرة برتقال. صار بعد السهرة قرب قناة الماء، يعبر الحاجز إلى بستانهما ويتقدم
بين أشجار البرتقال من بوابة البيت الداخلية. يتجاوز النخلتين ويرمي حصاة على
نافذة الغرفة التي تنام فيها الأختان. فترفعان قضبان الحديد التي فكّتاها،
وتقفزان منها إلى بستان البرتقال. لولاه لما استمتعن بالليل. فالليل للفتيات
نوم أو سهر وسط مجموعة. هاهن يذقن سحر الليل مع شاب في عمرهما. أنشدوا تحت شجر
البرتقال شعر الخيام بالعربية والفارسية، وتأملوا القمر، وثرثروا، استمتعوا
بسعادة لاتسمى. عم تحدثوا؟ يتذكر فقط أن كلا منهم حكى عما يشعر به في تلك
الليلة، ونشر روحه صافية كثيرة العواطف دون أحداث كبرى في الحياة. وأنهم ضحكوا
وكان سعيدا كأنه يركض في مرج. وانساق قيس وراء عيني بهية وشقرة غولروخ.
من روى كل ذلك لهوية؟ من تبين أنه اختار غولروخ؟ قالت له: إذا سمعت أن العاهرة
غولروخ تقابلك سأكسر رجلها وأعيدها إلى ايران! هاهي إذن هوية حاكمة العدسية!
وهو إذن سجينها! في حياته كلها لم يكبح غضبه، لكنه كبحه يومذاك كي يحمي غولروخ.
رد: لاتسعى إلي، أنا الذي أقصدها! قالت: لاتدافع عنها! ليست عذراء! لسنا راضين
أيضا عن أخيها! يقامر ويشرب الخمر في الشونة!
روى قيس لغولروخ حديث هوية. فارتجفت من الخوف: تستطيع أن تعيدنا إلى ايران!
سألها: والقصة الأخرى؟ أحبها ثري من أثرياء العدسية وعدها بالزواج. لم يف
بوعده. أسرتها أفقر سكان العدسية وهو من أغناها. لكن كيف تعرف هوية تلك
التفاصيل؟!
|