الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | معلومات النشر | من نحن | كلمة العدد

 دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 07/06/2008

إلى صفحة الكاتبة

رواية

عجلة النار

الجزء الأول- 10

الجزء الأول- 05

الجزء الأول

مدخل

الجزء الأول- 15

الجزء الأول- 20

الجزء الأول- 25

الجزء الثاني

 

بقلم الكاتبة: اكُليزار أنور

 

 

الإهداء

إلى . . الراحل أبي .. كنتُ كقطعةِ رخامٍ بيضاء صافية .. وحبك كان الأزميل الذي نحت صورة حياتي الجديدة ، فأبدع هذا الأزميـل تمثالاً رائعاً .. إذ لولاك .. لولا اهتمامك ورعايتك .. لبقيت مجرد قطعة رخـام بيضـاء .. ومـا أكثر الرخـام حولنـا ومـا أقل التماثيل !

 

قالت امرأة :

(( كيف لا تكون الحرب مقدسة وقد مات فيها ابني ؟ ))

 

 

مدخل رقم ( 1 )

 

آذار _ 1985

عاصفة الحرب بدأت .. دوي المدافع ، وأزيز الرصاص .. صاح أحدهم من بعيد : انهُ هجوم !

القنابل تنهمر بغزارة وسرعة وعشوائية .. وتفجر عموداً من التراب المشظى أمامي جراء الانفجار .. هكذا يتفجر المكان .. تشعر أن الأرض تنخسف ويرتعش الوجود أمامك بعنف .. وتتقيأ الأرض .. تقذف ما بداخلها .. كلّ هذا يحدث بسرعة لا تستوعبها .. تنقلب الموازين في لحظة وبشكل فظيع . سقطت دون وعي ، وتهنا في غياهب جبٍ عميق !

وبعد أن انتهت المعركة كما ظننا .. باغتونا فجراً وطوقونا .. وقع أقدامهم هو الذي أعادني إلى وعيي من جديد .. لا سبيل لمقاومتهم لأنهم أكثر منا . جمعونا نحن الأسرى وصفونا وأوثقوا أيدينا من الخلف .. كانوا يتكلمون الفارسية .. لم نفهم شيئاً مما يدور بينهم .. اقتادونا إلى مسافةٍ قريبة .

وجوههم منكمشة ، حزينة ، حاقدة ، وعيونهم غائرة في محاجر محاطة بالسواد المزرق .. بزاتهم العسكرية رثة ، بائسة .

يخيم الموت بجناحيه علينا .. كُنا خمسة .. طلبَ آمر المجموعة من أحدهم أن يربط عيوننا .. كنتُ الثاني على اليمين .. بدأ بصديقي .. باتساع عينيّ فتحتهما قبل أن تربطا .. فهذهِ المرة الأخيرة التي أرى بهما نور الحياة .

قال صديقي :

_ يبدو انهم سيعدموننا .

وصدق .. وصاح فيهم الآمر :

_ " شليك كُن " .

بدأ الرمي .. شعرت بأني أُصبت من أول إطلاقة .. فوقعت .. ولم أُحرك ساكناً .. امتزجت الألوان أمامي وغرقت في طية موج الغياب !

 

مدخل رقم ( 2 )

 

المستشفى العسكري في بغداد

آذار _ 1995

يدخل الممرض في غرفة رقم ( 7 ) المشغولة منذ عشر سنوات من قبل الضابط المجند راغب عبد السلام ليبدل له المصل كلما احتاج جسمه لذلك . يفاجأ بأن الحياة بدأت تسري في عروقه .. يخرج مسرعاً .. ينادي الأطباء باندهاش :

_ لقد استفاق ، استفاق أخيراً !

يسمع الدكتور خالد .. يترك ما في يديه ، ويسرع متقدماً نحو آخر غرفة في الممر . كان يتمتم مع نفسه : الحمد لله .. الحمد لله .

تبعهُ الدكتور مزاحم وبعدهُ الدكتور رائد .. فحصهُ الدكتور خالد .. وقاس ضغطه .. التفت إلى الدكتور مزاحم :

_ فعلاً استفاق .. انتهت الـ ( Coma )*. الحمد لله .. لا بد أن نتصل بأهلهِ .. حتماً سيفرحون بذلك كثيراً ، فقد عاد ابنهم إلى الحياة ثانيةً !

فتح عينيه ببطء .. نظراته تلتفت يميناً ويساراً .. أينَ هو ؟ .. مَن هؤلاء ؟ .. انهُ لا يدرك شيئاً !

 

* ( Coma ) . الغيبوبة . حالة علمية طبية يتعرض لها الإنسان تجعله يغيب عن الوعي لمدة غير محددة قد تطول أو تقصر .

   

 

 

(( الجزء الأول ))

 

_ 1 _

ستار كثيف من الغشاوة متكوّن أمامي .. ليسَ باستطاعتي النفاذ منه .. فقط هي صورة مشوشة تومض .. وكأني غارق في دوامة مفاجئة .. فتحتُ عينيّ .. أشباح حولي .. ليستْ لديّ القدرة على تمييز أحدهم .. أغلقتهما ثانيةً . أسمع أصواتاً تتحدث ، ما يشبه الصخب ، لكنها مبهمة .. ما هذا ؟ أينَ أنا ؟!

وفجأةً شعرتُ بكفين تحتضنان ذراعيّ وتنتقلان إلى رأسي ، إلى شعري .. وشعرتُ بشفاهٍ تُقبل فمي وخديّ وعينيّ .. تلثم كلّ وجهي . أفتح عينيّ .. أحاول جاهداً أن أتذكر شيئاً ، أي شيء .. لكن لا جدوى ! فأغلقهما ، سمعتُ أول كلمة بوضوح " راغب " .

أُركز على هذا اللفظ ، قد يفتح لي شقاً صغيراً أستطيع أن أنفذ منه إلى الوعي .. وأسمعها مرة أخرى :

_ راغب .. راغب حبيبي .. راغب .

سمعتها هذه المرة بشجن .. وتداخل صوت آخر :

_ أرجوك بهدوء .. دعهُ الآن !

فتحتُ عينيّ لأتبين .. ثبتت نظراتي على وجهٍ قبالتي .. شيء ما يشدني إليه .. شعرتُ منه بأن الوعي قد قدح .. رأيت ما يلمع كضوءِ سراجٍ صغير .. بدأ النور يزداد .. يزداد .. يتسع أكثر في ذاكرتي ، فنطقت بصعوبة : _ مصطفى .

_ نعم .. نعم .. أنا مصطفى .. أخوك .. أرجوك .. قُمْ يا راغب .. قم .. لا تغب ثانيةً في اللاوعي ، فأنا بحاجةٍ إليك .

وأجهشَ بالبكاء على صدري .. شعرتُ بِمَن يسحبهُ .. وسمعتُ صوتاً يُهدئه .

حاولت أن أنهض .. ووجدتُ مَن يساعدني في ذلك .. جلست في تلك اللحظة أحسست وكأن الأرض تخسف بي ، ولا أدري أية دهاليز مظلمة تسحبني .. وغرقت في دوامة جديدة .. أغمضتُ عينيّ مرة أخرى قد أستطيع التركيز أكثر .. وأفتحهما .. يقابلني وجهه .. ما أن رأيتُ دموعه ، حتى شعرتُ بأني أريد أن أندفع إليه ، أن آخذه بين ذراعيّ وأُقبل رأسه .. تقدم نحوي .. وحضنني بقوة .. لا أعرف كم استغرقنا في ذلك .. كل مَنْ حولنا كان يبكي .. بدأت أسمع بوضوح .. وأستوعب شيئاً فشيئاً .

الغرفة مليئة ، مزدحمة بالناس .. ومن أرديتهم البيضاء عرفت أني في مستشفى .. وتقدم أحدهم نحونا .. يبدو بأنهُ أكبرهم سناً .. هنأني أولاً .. وقبلني في جبيني .. وهنأ أخي .. ووجه كلامه لمصطفى :

_ الحمد لله .. انتهت الحالة .. وسيبقى راغب معنا لأيام إلى أن تستقر حالته الصحية .. وبعدها سيغادرنا ..

وربت على كتفي .. وواصل كلامه مُمازحاً :

_ ومع ألف سلامة !

 

_ 2 _

أجريت لي فحوصات عديدة وتحليلات وجدوا أنها ضرورية مع اهتمام غير عادي من الكادر الطبي في المستشفى ، كنتُ أُعامل بحفاوة وعناية مركزة وخاصةً من قِبل الأطباء .

في مساء اليوم الثالث ، دخلَ عليّ الدكتور خالد .. فنهضت قليلاً .. جلس على طرف سريري .. وقال بطيبة :

_ لم آتِ لمعاينتك .. بل لأتحدث معك .

فقلت :

_ أهلاً وسهلاً بك .. وفي أي وقت .

_ ما الذي تتذكرهُ بالضبط ؟

_ لا أدري .. صور معينة تومض في فكري ، تبرق للحظة وتغيب .

_ وما هي ؟

_ صور أُمي .. وأُختي حنان .. خطيبتي وفاء .. صديقي عامر .. وأصفاها صورة أُمي ، وحنان أختي .

_ وبعد ؟

_ لا شيء .. ما هناك يا دكتور .. لماذا أنا هنا ؟؟

_ ألديك استعداد للسماع ؟

_ سماع ماذا ؟

_ حكاية الضابط المجند " راغب عبد السلام " ‍!

حين قال " الضابط المجند " تذكرت لحظة الهجوم .. بدأت الصورة بنقطة ، واتسعت .. كبرت أمامي .. صورة النار .. وأزيز الرصاص .. وانفجار القنابل .. وصوت آمر المجموعة وهو يصرخ " شليك كُن " . واختفت الصورة . فصرخت بشكل لا إرادي :

_ لا .. لا .. لا أُريد السماع .

وأغيب في اللاوعي ‍‍‍‍!

في الصباح استيقظت متأخراً .. تأثير المخدر مازال مسيطراً على تفكيري وجسدي .. ويكفي إحساسي بالاستيقاظ لأن تتشكل ألف علامة استفهام في مخيلتي وألف تعجب أخرى تزاحمها .. لكن لا جواب !

بعدها وجدتُ أخي مصطفى جالساً بقربي .. ينظر إليّ ملياً :

_ هل أنت بخير ؟

_ لا أدري !

استعدلت .. حاولتُ أن أنهض لأذهب إلى الحمام .. فتهاوت قواي .. أسندني مصطفى .. فوضعتُ رأسي على كتفه .. وبكيت .. قلت بألم :

_ ماذا حصل ؟

_ لم يحصل أي شيء !

أمرٌ واحد يلح ويتعمق في نفسي ولا أجرؤ _ حتى _ أن أسأل عنه .. كنتُ مستغرباً من كل شيء حولي .. وقبل أن أُبينه بادرني :

_ راغب .. أُريد أن أُوضح لك بأن الزيارة ممنوعة عنك إلى أن تستقر حالتك .. فلا تسألني عن أحد الآن .. اصبر قليلاً وستراهم . جميعهم بانتظارك بعد أيام في البيت ، بالإضافة إلى شخصين آخرين انضما لعائلتنا .. زوجتي فاتن .. وابني راغب .

_ " راغب " ؟!

_ راغب .. عمره سبع سنوات .. ولدٌ لطيف .. أتعرف بأنهُ يشبهك .

_ ومتى تزوجت ومتى رزقت بولد .. ومتى كبر ؟؟؟ ماذا هناك ؟!

وشعرت بأنه يحاول أن يُداري خطأً وقع فيه دون أن يدري ، فأجاب بابتسامة :

_ اني أمزح معك .. أصدقتْ ؟!

 

_ 3 _

بقيت كلمات مصطفى تراود مخيلتي .. تغيب لتظهر .. ولأول مرة بدأت أستعيد صورته .. لقد تغيرت .. أو هكذا يبدو لي .. وفي زحمة الأفكار .. دخل عليّ الدكتور خالد ثانيةً ليقطعها .. وما أن أطبق الباب حتى التفت نحوي وابتسم :

_ سنسهر معاً الليلة .. هل تسمح ؟

لم أنطق .. أجبت بابتسامة .. ربما خوفاً .. لكن ، الخوف من ماذا وأي شيء ؟!

_ أتعرف منذ متى وأنا أعرفك ؟!

أردت أن أقول له : _ منذ أيام طبعاً ، فأكمل قبل أن أرد عليه :

_ منذ ست سنوات .

_ وأين ؟

_ هنا .. وفي هذه الغرفة .

سأحكي لك حكايتك .. وما عليك إلاّ أن تصغي إليّ لتتبين أمرك بعدها ، وليكون باستطاعتك الخروج من هذه الدوامة التي تشكلت حولك .

صمت قليلاً .. وأخرجَ سيكارة من العلبة .. وأشعلها .. ثم سحبَ نفساً عميقاً منها ، نهض من الكرسي ومشى ببطء نحو النافذة .. وواصل حديثه بنبرةٍ حزينة :

_ سأحكي لك حكاية هي أغرب من الخيال لكل مَن يسمعها .. لكنها حدثت فعلاً وأصبحت أمراً واقعاً .. وكم من الواقع يضاهي _ حتى _ الخيال ؟!

لم يلتفت ، استمر بالسرد :

_ قبل عشر سنوات من الآن وبعد هجوم عنيف وقعتَ أسيراً مع مَنْ بقي من أفراد كتيبتك .. كنتم خمسة .. وبدلاً من أن يأخذونكم معهم أمر الآمر بإعدامكم .. هكذا وبكل قسوة .. وكأنكم طيور قد اصطادها ! وخلافاً لكل الأعراف والدساتير .. يطلق الرصاص .. والخمسة يسقطون .. وأنت معهم .. لكنك ، ومن حُسنِ حظك لم تمت .. بل حتى أن الرصاصة لم تصبك !

ويتركونكم في العراء ويغادرون بلا رحمة ولا إنسانية .. ويأتي الجيش العراقي لعملية الإخلاء ويجدونك حياً بينهم ، لكنك لا تعي من الحياة شيئاً .. تُنقل إلى الخلفيات .. ومن بعدها إلى هنا ! كُنتَ حالة نادرة جداً فأخذتَ حيزاً كبيراً من الاهتمام . والذي تولى علاجك أول الأمر الدكتور فوزي رحمه الله .. الدكتور فوزي كان أباً لسبع بنات وولد واحد .. اسمهُ حيدر . وهذا الولد كان من ضمن الخمسة الذين أُعدموا وأنت معهم .. يا للصدفة ويا للقدر الذي جمعكما ! ابنه استشهد وأنت حي .. حي بالروح فقط .. حاول معك .. وبكل طرق العلاج .. ولم يفد ! .. فقد دخلت الغيبوبة ( Coma ) كما تُسمى طبياً وعلمياً . وتبقى في المستشفى ويتولى الدكتور فوزي رعايتك .. وكأن الله عوضه بك غياب ابنه الوحيد . ولولا القدر الذي وقع بهذا الشكل لَما بقيتَ على قيد الحياة !

كنتُ أصغي باستغراب لأتوصل إلى نتيجة لِما أنا فيه .. تقدم نحوي .. جلس بجانبي ومدّ يده إلى وجهي .. تحت عينيّ بالضبط ليمسحَ بأنامله دموعاً فرت من مقلتيّ دون أن أدري . وأكمل :

_ وبعد أن انتهت الحرب ..

لم أدعه يكمل حين سمعت هذه الكلمات .. قاطعتهُ بفرحٍ لا يوصف :

_ وهل انتهت ؟ ومتى ؟!

_ نعم انتهت يا راغب .. فمهما طالت الحرب لابد أن تنتهي في يومٍ ما . انتهت بتاريخ جميل جداً .. 8 / 8 / 1988 . كان يوماً غالياً وعزيزاً حُفر بأحرف الأمان والعز في قلوب العراقيين أجمع !

دماء السعادة سرت في شراييني .. نسيت حزني وألمي وغرابة ما أسمع وقلت له : أكمل . استمتاعاً .. وكأني شهريار يسمع بإصغاء لِما ترويه شهرزاد من حكايا ألف ليلةٍ وليلة !

_ عدنا من الجبهة بعد أن انتهت الحرب .. وباشرتُ هنا في أواخر آذار 1989 . ومن أول يوم عرفت حكايتك معه .. رواها لي الدكتور فوزي وبكامل تفاصيلها .. أثرتَ اهتمامي كحالة نادرة .. وبدأت أتابعك من خلاله . كان يحبك وبدرجة لا توصف .. لا يسمع لأحدٍ غيره أن يرعاك .. بنفسه يغير لك زجاجات المصل ، وكل ما تحتاجه من رعاية طبية وبدنية .. وكثيراً ، كثيراً ما ضبطتهُ وهو يناجيك .. يكلمك .. ويبكي على صدرك

أي حبٍ جعله الله في قلبه تجاهك .. وكم مرة قالها لي : _ لو مت راغب أمانة في رقبتك.

صمت برهة ثم واصل بنبرةٍ هادئة :

_ قلب المؤمن دليله .. هكذا يقولون .. هل كان يعلم بأنهُ سيفارقنا ؟! بعد سنةٍ من انتقالي إلى هنا تعرضَ الدكتور فوزي لحادث سيارة .. وافاه الأجل ومات ! يومها _ ولأول مرة _ شعرت بثقل الأمانة ! تمثلت أمامي جملته آلاف المرات " لو مت راغب أمانة في رقبتك " .

وانتقل ذلك الحب إلى قلبي وكأن الله أماته في قلب وأحياه في آخر ! وبدأت أرعاك جدياً وكأنك وليدي !

أتعرف يوم أفقت .. أول مكان قصدته بعد أن غادرتك .. مثواه .. نعم مثواه ! ذهبتُ إليه لأبشره .. وقفت أمام شاهدة قبره .. قلت له وكأني أراه أمامي :

_ راغب استفاق من غيبوبته .. فاق !

أتصدقني لو قلت لك بأني سمعتهُ وشاهدته يهلل فرحاً : " لقد عاد حيدر ، عاد حيدر " !

كان واثقاً بأنك ستعود .. ستعود يوماً ما إلى الحياة !

هذه المرة وجدتُ الدموع في عينيه هو .. فنهضت ولم تخر قواي .. بل وقفت بصلابة .. تحركت .. تراجع إلى الخلف .. مشيت بهدوء نحوه ، فأشر لي بيده .. تقدم .. تعال .. وكأنه أُم فرحة بمشية طفلها لأول مرة ! ووصلت إليه .. حضنني بقوة .. وبكينا !

 

_ 4 _

غادرت المستشفى بعد أيام مع أخي وابن عمي عدنان .. لأبدأ الحياة بعمرٍ جديد .. ركبت السيارة بجانب مصطفى ..

كنتُ أنظر من النافذة متعجباً كبدوي يحل بالمدينة لأول مرة ! كل شيء قد تغير .. المباني .. الشوارع .. كل شيء .. وحتى الناس بملابسهم وتسريحاتهم الجديدة .. نظرت إلى أخي .. قَصَة شعره مدفوعة إلى الوراء .. ابتسمت مع نفسي .. وفجأة باغتني بقوله :

_ فلنتنزه قليلاً ، ألم تَشُقْكَ بغداد ؟

سعدت لأن المعالم الرئيسية في بغداد لم تتغير .. والتغيير حصل في التفاصيل الصغيرة فقط .. وكُنا وصلنا حينها إلى ساحة التحرير ( نصب الحرية ) قلب بغداد _ كما أظن _ قلت له :

_ درّ بنا حول الساحة .

وفي كلّ دورة كنت أرى جواد سليم يلوح لي بيده !

_ لنعد إلى البيت .. فلي شوق كبير لأمي ولحنان .. فمازحني قائلاً :

_ فقط . وأكمل :

_ نحن في الطريق إليه .

فقلت باستغراب :

_ هذا الطريق لا يؤدي إلى منطقتنا .

_ لقد انتقلنا إلى زيونة _ حي الضباط .

_ لماذا ؟

لم يجبني .. وأوقف السيارة أمام بيتٍ كبير ذي بوابةٍ سوداء ! دخلت البيت .. عيناي تمسحان المكان تبحثان عن أمي بين الحضور .. تمنيت أن أجدها لأرتمي بين أحضانها .. استقبلتني سيدة جميلة بحفاوة .. عرفتُ فيما بعد بأنها زوجة أخي . شعرتهُ موحشاً .. صحراء وتهت فيها .. تقدمَ نحوي طفلٌ رائع ، قبلني بقوة كأنه يعرفني منذ سنين .. لم أسأل أينَ هم .. لأني كنت أتوقع أن أراهم أمامي .. وخاب ظني ! فقال ابن عمي ليضفي على الجو بعض المرح ، وربما لأنه شعر بما أفكر به :

_ زوجة عمي عند ابنة عمي في البصرة وستعود قريباً .

_ أيعقل ؟!

_ حقك .. فأنت لا تدري بأن حنان قد تزوجت في البصرة وأنها الآن تستقبل مولودها الأول .

لم أُصدق ما يقولهُ رغم محاولته في أن يكون طبيعياً بكلامه .

قضينا الوقت إلى المساء معاً .. تناولنا عشاءنا واستحممت .. ولا أدري لِمَ شعرت بالغربة !

دلني مصطفى إلى غرفتي .. لم يكن فيها أي شيء مما تركته سوى صورتي المعلقة في صدر الغرفة . السرير ليسَ بذاك السرير ولا الستائر ولا الشراشف .. وأحسست بأني دخلت غرفة فندق وليسَ غرفتي ! ربما شَعر مصطفى بما راودني فقال :

_ لأتركك تستريح ..

فقلت بغضب :

_ ألا يكفي اني استرحت عشر سنين .. مصطفى .. بيتنا ينقصهُ ثلاثة .. وأهم ثلاثة .. أُمي .. حنان .. وفاء .. لا تتصور بأني اقتنعت بالتمثيلية التي أعدها عدنان .

لم يرد .. بقي صامتاً مثل تمثال نُصب في زمن الأبدية . فأكملت :

_ ما الأمر ؟ .. أرجوك مصطفى .. لا تزد من عذابي .. أنت لا تعرف بأن صورتك يؤطرها إطار أسود رغم السعادة التي تحاول أن تظهرها .. عيناك حزينتان .. مليئتان بالدموع ومنذ أول لحظة رأيتك فيها .. وكأنهما مرساة غرقت فيهما ألف سفينة !

قلت كلماتي بكل ما في قلبي من ألم وحزن .. وما أن توقفت حتى اندفع نحوي .. احتضنني بقوة وبكى .. بكاؤه كان دليلاً واضحاً بأن ما يخبئه عني أمرٌ خطير !

وشاح أسود غطى جسد ليلتي الأولى في بيتي ، فأي عمر جديد يستقبلني !

 

   

 

_ 5 _

 

كل شيء هادئ .. إلاّ الفكر .. لم أستطع أن أُحدد مساره إلى الآن .. القلق أكبر مني ، كنت أتصور حين أعود إلى البيت وأدخل غرفتي سأجد معظم أشيائي القديمة .. وسيغمرني شعور بالارتياح كمن له ماضٍ وعاد إليه .. لكني حين عدت لم أجد سوى مستقبل لا أعرف كيفَ سيخط مصيري !

استلقيت على سريري لآخذ لنفسي بعض الراحة من جراء كل ما حدث وسيحدث لي .. ما أن أغمضتُ عينيّ حتى التقيتها .. التقيت ذاك الوجه المختبئ في عمق ذاكرتي .. صدى صوتها يناديني من بعيد .. راغب .. راغب .. أشعر به .. صوتٌ أعرفهُ .. انهُ قريب مني .. يفوق كل الأصوات .. أركض نحوه لعلني أُدركه .. وأصل إليها .. أُمي .. أجدها كما تركتها .. جميلة ، حنونة ، طيبة ، تبرق عيناها بالحنان ، وتتحرك الشفتان بابتسامة .. ألقيت رأسي المتعب على كتفها فطوقتني بذراعيّها وضمتني إلى صدرها بقوة .. ومر وقت طويل وهي ممسكة بي وكأنها خائفة عليّ .. فغمرني الأمان .

ويتمزق نسيج الحلم !

أرى آثار الرياح في الخارج من اهتزاز الستائر .. أمضي نحو النافذة .. أفتحها .. الخيوط التي كانت قبل قليل سوداء تتحول إلى خيوط بلون الرماد .. أوشكَ الفجر أن يبزغ . ترتاح جبهتي على حديد النافذة .. صعقني أول الأمر .. كان بارداً .. لكني لم أبعدها قد تستطيع هذه البرودة أن تطفئ النار المتقدة داخلي !

ترتسم في الوعي صورة من شريط أيام أصبحت قديمة تمر في الذهن بسرعة الحلم .. ابتسامتها كانت حمائم بيضاً تحوم في البيت وتضيء كل أركانه !

فأينَ هي الآن لتضيء لي العمر الجديد الذي بدأ !

* * *

استيقظتُ متأخراً .. غرفتي مضيئة بنور الضحى .. نهضت متكاسلاً .. اتجهت نحو النافذة .. سحبتُ الستار ، شجرة التين قمتها تخطت نافذتي .. ما أن فتحتُ النافذة حتى داهمتني رائحة طيبة أشاعت في جو الغرفة رائحة ورق التين .. ما أزكاها .. رائحة لا توصف تجعلك تسحب الهواء كله في داخلك .. قد تشبع الروح .. والروح لا تشبع !

سمعت طرقة خفيفة على الباب ودخل راغب وقد وضع يديه خلفه كأنه يخفي شيئاً عني .. تقدمت نحوه لأُقبله .. وظهر ما كان يخفيه .. قطة صغيرة تموء بصوتٍ جميل .. فقلت :

_ الله كم هي جميلة .

أجاب بخجل :

_ اسمها خضراء .

فقلت له بملاطفة :

_ لكنها بيضاء ؟

فلم يرد ..

_ ولماذا أسميتها خضراء ؟

_ صديقتي في المدرسة اسمها .. .. ..

أظنه خجل أن يكمل .

_ عرفت السر .

ونطت القطة من بين يديه ، فدخل مصطفى وبدأ يؤنب ابنه ، فتدخلت :

_ دعه .. فللأطفال إحساس بالأشياء يفوق عقول البالغين بمسافات .

فأخذ قطته وخرج . عيناه كانتا غارقتين في بحرٍ من الحزن الصامت .. أمواجه كانت مرسومة على جبينه بوضوح غريب .. فقال :

_ أ أزعجك راغب ؟

_ لا بالعكس .

_ راغب .. حولَ جو عائلتنا المأساوي إلى جو مليء بالأمل .. أُمي أسمته ( راغب ) ، فحين عرفت بأن ( فاتن ) حامل لم تسعها الدنيا فرحاً وقالت بشكل لا إرادي : " إن شاء الله لو كان ولداً نسميه راغباً " . كانت تتمنى وتدعو ليل نهار وفي كل صلاة لها أن نُرزق بصبي لتسميه راغباً !

كان يتكلم بصوتٍ خافت أقرب ما يكون إلى الهمس .. وفي عينيه نظرة مَن يحمل سراً ولا يريد البوح به .. حدقتُ فيه قائلاً :

_ وأينَ هي الآن ؟

أراد أن يغيّر الموضوع ثانيةً ، فقال :

_ ألا تفطر ؟

_ ليسَ قبل أن أعرف .

ولمحت في عينيه ما ينذر بالسوء .

_ لا أعرف من أين ألتقط خيط البداية .

أدار ظهره نحوي وبنبرة دامعة :

_ صاروخٌ واحد كان كفيلاً بإحالة البيت ومَن فيه إلى أنقاض وغبار ونار .. وأُمي كانت الوحيدة في البيت .

الصدمة كانت أكبر من أن أحتمل .. فانفجرتُ باكياً .. التفت وحضنني .. بركان من الألم انهمر بيننا .. جراح تفتقت في أعماقي .. ونَزتْ بالدماء !

 

_ 6 _

_ صواريخ كروز هي التي دمرت بيتنا .. وقتلت أُمي .. منزلنا كان من بين الدور التي تضررت كثيراً .. كان من الصعب أن أُعمرهُ مرة أخرى ، وأعيش فيه بعد غيابها ، فانتقلنا إلى هذا البيت .

تنتابني هواجس حزينة .. وأهز رأسي استنكاراً لِما أسمعه . أخاف النظر إليه ، فملامحه مازالت تُنبئ بفواجع أخرى ، وأسأله بتوتر وقلق مخافة جوابه :

_ وحنان .. أينَ هي الآن ؟

يحدق بعيداً باستغراق غاضب ، مشتت وبعينين مثقلتين بالحزن وبتنهد يجاوب :

_ حنان سافرت بعد استشهاد أمي بسنة ، تزوجت من مغترب عراقي يعيش في ألمانيا .. إنها تتصل دائماً .. ولا تُقصر معنا ، ولأُصدقك القول .. بأننا نعيش برفاهية بفضل ما ترسلهُ لنا .

اندفع الدم بقوة إلى رأسي ، وغشيت عينيّ سحابة سوداء ، فبدا كل شيء قاتماً أمامي .. كنتُ أسمعه وهو يواصل دون أن أراه .

_ لم أعترض على قرارها حين وافقت على الزواج منه .. فهذه هي حياتها .. لكنني ، عندما ودعتها شعرت بموتها وبأني فقدتها كما فقدت أمي .

وتوقف برهة .. تأوه بوجع ، ثم واصل كلامه بصوت أعلى :

_ أما وفاء ..

وتوقف ثانيةً لَما ذكر اسمها .. أحسستُ بقلبي يدق بعنف في صدري وأكاد أسمع دقاته هديراً في أذني ، وواصل بعدها :

_ أما وفاء .. فيكفي أن أقول لك .. أمح هذا الاسم نهائياً من ذاكرتك ، فقد تزوجت بعد أن فقدت الأمل بعودتك إلى الحياة !

تتشظى مرآة النفس وتتكسر إلى آلاف القطع وتتبعثر على أيام عمر لا أعرف كيف بدأ وكيف سينتهي .. واحاول بقدر الإمكان تجميع شظايا المرآة المكسورة .. لكن لا أستطيع ، فالصدمات التي أتلقاها قوية .. قوية جداً .

لماذا عدت ، فقط الموت والخيانة والغربة تحيط بي ! ولا أدري كيف ولِمَ قَدحَ هذا التساؤل في ذاكرتي .. فقلت بصوت يرعشه الانفعال :

_ أية صواريخ كروز .. ومتى و .. .. ..

لم أستطع أن أُكمل .. فجاوبني :

_ حقك .. فأنت لا تعرف .. الحرب العراقية الإيرانية انتهت عام 1988 .. لتبدأ حرب أخرى أقوى وأشرس عام 1991 .. سأُحدثك عنها لاحقاً .. ومازلنا نعيش في دوامتها إلى الآن .

جبل الجليد ينهار أمامي ويتحول إلى بحر حزن .. كنتُ عاجزاً عن العوم فيه .. وشعرت بأني أغرق !

 

_ 7 _

في عصر ذلك اليوم طلبتُ من مصطفى أن يأخذني إلى هناك .. إلى حيث كان بيتنا .. لم نتكلم طول الطريق ، وبقدر شوقي لرؤية بغداد إلاّ اني كنتُ لا أرى أي شيء .. فكري كله مشغول بما ينتظرني وكيف سأُواجه ذلك البيت الدافئ العامر الذي تحول إلى أنقاض .. وهل بإمكاني التعرف عليه ؟؟ شارع يقودنا إلى شارع .. وما أن دخلنا أحد الفروع حتى واجهتني يافطة كبيرة مكتوب عليها " أسواق الرباط " هذه الأسواق كانت كفيلة أن تجعل قلبي يقف عن النبض لثوان . وبدأت أعد .. بيت ، بيتان ، ثلاثة .. والرابع .. أنقاض . أغمضتُ عينيّ .. لا أريد أن أرى .. انقباض غريب جثم على قلبي .. انفجر القلب _ ثانيةً _ بالحزن كالبركان .

نزلَ مصطفى من السيارة قبلي . اقتربت من المكان بخطوات مرتجفة .. وقفت لحظات دون حراك .. لحظات تمشي بتثاقل .. شعرت بجفاف شديد في حلقي وكأن كومة من تراب السجائر رُميت فيه .

مَنْ يستطيع أن يمحو ذلك المساء من ذاكرتي .. وهي تقف وسط الباب تودعني .. لا أدري كم مرة قبلتني .. مازالت تلك الملامح عالقة بذهني بكامل تفاصيلها .. ملامح مثقلة بالحزن لفراقي .. هل كانت تعلم انها آخر مرة أراها .. كيف لا .. وهي أُم .. وقلب الأُم دليلها . سَكبت الماء خلفي .. وبقيت واقفة .. وكلما التفت .. أجده تلوح لي بيدها .

ليسَ بمقدورنا _ دائماً _ نسيان آخر لحظات الوداع .. وكأن القلب يلتقط لها صوراً .. ويحتفظ بها في أرشيف الذاكرة !

اقترب مني مصطفى .. وربتَ على كتفي .. طلبَ مني أن أقرأ سورة الفاتحة على روحها الطاهرة . وبعد أن انتهيت قال :

_ هذه هي الحرب يا راغب .. أي بمعنى آخر .. أن تعيش الموت .. تراقبهُ وهو يخطف كل ما هو عزيز .

صمت لحظة .. بريق حزين غطى عينيه السوداوين .. وأكمل :

_ تَذَكر انها ليست الوحيدة التي دفعت حياتها ثمناً غالياً من أجل الوطن !

العيون ملأى بالدموع .. استدرت عفوياً نحو السماء .

وكعنقود ضوء بقي وجه أمي معلقاً في فضاء روحي !

 

_ 8 _

في الصباح الباكر أخذتني الدروب إلى المقبرة .. ووصلت .. يتسربل فضاء المكان برائحة الشجر .. أتنفس عبقها .. وبشكل لا إرادي أخذت الدموع تجري في أخاديد وجهي عندما رأيت شاهدة قبرها .. انهارت قواي ، فجثوت على ركبتيّ .. أغمضتُ عينيّ فلم أتحمل أن أرى رمزاً لأُمي .. سلمت وأنا مغمض العينين .. ولا أدري .. شعرتُ وكأنها ردت على سلامي .. ووجدتها تقبل نحوي .. تحتضنني وتبكي .. أجهشت بالبكاء على صدرها .. وأحسستُ بأني عدتُ صغيراً ، فمهما كبرنا فنحن بحاجة إلى صدور أمهاتنا ، بحاجة أن نبكي بصدق .. كنتُ أدرك أن ما أراه وما أًحسهُ هو _ مجرد _ أطياف خيال .. لكن كيفَ يكون هذا الخيال بهذه القوة من الإحساس ، لا أعلم !

أردتُ أن أبقى هكذا . أن لا أفتح عينيّ لأني لا أُريد أن أرى كومة من الرمل والحجر بديلاً عن أُمي .. خيال يسكنني أفضل من واقع لا يهون عليّ لم أشعر بوجودي إلاّ وصوت مصطفى بقربي :

_ راغب .. راغب .. انهض بالله عليك . كُن رجلاً ، تماسك بعض الشيء .

فتحتُ عينيّ .. أسندت رأسي على كتفه .. حضنته وبكينا .

الشقاء أرخى سدوله الكئيبة على قلبي وجلله بالسواد ، والعالم كله اختصر بالنسبة لي بأخي مصطفى ، وقبر أُمي . بدأت أذهب إلى هناك كل يوم تقريباً بعد العصر ، أُرتب القبر ، أرشهُ بالماء .. وأجلس لأقرأ لها القرآن وكأنها تسمعني ولا أُفكر بالرجوع إلاّ بعد أن يلتف المكان بغلالة الغروب .

كنتُ أشعر بارتياح كبير وأنا معها .. مع خيالها .. وبينما كنت منهمكاً في أحد الأيام بزراعة بعض بويصلات النرجس على القبر ، سمعت صوتاً ناعماً يصافح أُذني .. استدرت عفوياً .. واجهني وجه بريء ، صافٍ .. وقالت بصوتٍ خجل :

_ " إنا لله و إنا إليه راجعون " ، لستَ الوحيد المفجوع في هذه الدنيا .. لو نظرت قليلاً حولك ستجد الكثير ممن يحملون نفس ألمك .. أنا كذلك .. وهذه أُمي جارة أُمك .

غادرتني الكلمات باقتحامها الطيب هذا .. مباغتتها هذه لم تتح لي _ حتى _ أن أرد .. وأخرجت من حقيبتها حزمة من عيدان البخور وعلبة كبريت .. أوقدت رؤسها وغرستها على القبر .

غرقت عيناها بالدموع .. ومضت مبتعدة .

 

_ 9 _

استيقظت باكراً .. فتحتُ النافذة .. كانت الطبيعة منهمكة في رسم لوحتها الصباحية .. أخذتْ نظراتي تتداخل في أوراق شجرة التين الممتدة خارج شباك غرفتي .. لا أعرف كيف رأتني قطة راغب .. بعد لحظات سمعت مواءها خلف الباب .. فتحتهُ .. بدأت تتمسح برجليّ .. فرفعتها .. قفزت من بين يدي ، قطة بيضاء مبقعة بدوائر سود متناثرة في البياض الناصع .. كم هي جميلة .. ألفتني بعد أسبوع من المغازلة والاستدراج .. ووجدت من السهل أن نستدرج الآخرين نحو الحب !

تك .. تك .. تكات الساعة أعادت على مسامعي حكاية بعيدة . صديقي تهاوى قبلي ، أتذكر هذا وكأنه حلم .. وذاك الوجه الفارسي لن أنساه أبداً .. أُحاول تجميع الصور لأتذكر ما حدث ، لكن عبثاً .. فالذكرى لا تستوعب ، وبندول الذاكرة توقف .. تعطل في تلك اللحظة وغاص كل شيء في قرارِ بحرٍ معتم !

ولا أعرف كيف جذبني المذياع .. أتجه إليه .. أُدير مؤشره يميناً وشمالاً باحثاً عن إذاعة بغداد .. وبلا استئذان يدخل صوت فيروز إلى الأذن ودون جواز يسافر إلى القلب ويقيم هناك ، استلقيت على السرير وأغمضتُ عينيّ لأستمتع بصوتها الملائكي .

سمعتُ طرقاً خفيفاً على الباب .. فتحتُ عينيّ واجهني وجه مصطفى .. وجه مُشرق بابتسامة هادئة .. استعدلت وامتدت يدي إلى المذياع لأخفض صوته .

_ لا .. دعها تشدُ ، طالما استطاعت أن تُخرجك من ذاك الجو .

بانت لمحة فرح في نبرة صوته .. تقدم نحوي وجلسَ بقربي . وجه طيب