الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | معلومات النشر | من نحن | الرعاية والإعلان | كلمة العدد

 دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

محجوز لدار نشر

أوربية كبرى

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 07/06/2008

إلى صفحة الكاتب

المسرح

 

 

 

 

 

 

 

 

 

البحث عن الشمس / مسرحية

 بقلم الكاتب: عز الدين جلاوجـي

 

البحث عن الشمس

 

الإهـداء

إلى الطفل الشهيد

محمد جمال الدرة الذي اصاعد ذات انتفاضة إلى سدرة الشهداء إلى كل الواقفين في طليعة الأمة العربية الذائدين عن حياضيها المنافحين عن عزتها وكبريائها الرافعين ألوتها خفاقة مكابرة إليهم جميعا أرفع هذا الإيحاء

 

نالت هذه المسرحية الجائزة الأولى في مسابقة إبداع الوطنية سنة 1991

 

في حجرة مظلمة رطبة، لا باب لها، أرضيتها مليئة بالجرذان والعناكب والصراصير، كان المقهور نائما مدثرا بغطاء ممزق، يملأ شخيره الحجرة.

بعد لحظات يدخل الحجرة الغريب، وهو رجل عليه سمات الوقار، يلبس ثيابا بيضاء جديدة.

 

الغـريب:  (متعجبا) ياإلهي، ما هذا الشخير؟ الأرض تدور… الكون يدور…والفلك يدور…وها، ذا المقهور في بيته مقبور؟ آه… آه …آه…

(يدور هنا وهناك، ثم يقف عند رأس المقهور يضربه على رأسه بعصاه)

قم، كفــاك نوما قم...قم.

المقـهـور:(لا يرد وينكمش على نفسه).

الغـريـب :(يضربه ثانية بشدة) قلت لك، قم كفاك خمولا، يامقهور الأرض تدور، الأفلاك تدور، الكون يدور، وأنت هنا مقبور؟ قم وإلا ابتلعتك الشرور.

المقـهـور:(يتململ ولا يرد).

الغـريـب:(وهو يهزه هزا عنيفا) قم كفاك سباتا.

المقـهـور:(وهو ينكمش على نفسه) دثرني، دثرني، ودعني أنام.

الغـريـب:(ينزع عنه الدثار الممزق) إلى متى وأنت نائم؟

(بصوت أعلى)

النوم انشطار، وانتثار، واندثار.

المقـهـور:(يجلس ويفرك عينيه) منذ متى وأنا نائم؟

الغـريـب:(يضحك مستهزئا) منذ متى؟؟؟ لا تدري منذ متى وأنت نائم؟؟؟ ألم أقل لك أن النوم موت؟

المقـهـور:لا ليس موتا، ولكنه كالموت فقط.

الغـريـب:إذن فأنت ترى أن بينهما فرقا؟

المقـهـور:المهم أني لم أمت، أنا مازلت حيا أرزق، والمهم أن تجيبني عن سؤالي، منذ متى وأنا نائم؟

الغـريـب:(متنهدا) منذ قرون إن أردت الحقيقة.

المقـهـور:(متعجبا) منذ قرون؟ منذ قرون؟؟ إنه لزمن طويل حقا، لا بأس كل ما فات مات، وكل ما مات رفات، ولكن...

الغـريـب:(مقاطعا) ولكن ماذا؟ قلت لك قم.

المقـهـور:(منكمشا على نفسه) آحح آحح، أشعر بالبرد القارس ينهش مفاصلي نهشا.

الغـريـب:(بمرارة) البرد فقط؟ وهذه الرائحة العفنة التي تملأ عليك المكان، أما أحسست بها؟ وهذا الظلام الذي يسدل ستائره عليك، وهذه الجرذان والصراصير والعناكب التي تملأ عليك الحجرة، وهذه النخلة الميتة التي لم يبق منها إلا الجذر...إني لأعجب كيف أن الدود لم يأكلك؟

المقـهـور:(بحزن وحسرة) بل أحس بها جميعا، كما أحس بالبرد تماما، ولكن...

الغـريـب:(مقاطعا) ولكن ماذا؟

المقـهـور:ولكن لا حيلة لي.

الغـريـب:اطلب الشمس.

المقـهـور:(متعجبا) أطلب الشمس؟

الغـريـب:اسمع يامقهور، إن الشمس لن تخترق الجدران إليك، ولن تتسرب عبر الإسمنت والصخور.

المقـهـور:(حالما) الله...لم أر الشمس منذ قرون

(وهو  يجلس)

أسألك سؤالا...؟

الغـريـب:اسأل...

المقـهـور:ماهو لون الشمس اليوم؟

الغـريـب:(مستهزئا) هل تريد أن تتذوق بي أنا؟

المقـهـور:ألا يمكن ذلك؟

الغـريـب:أجل يستحيل ذلك.

المقـهـور:(حائرا) والعمل...؟

الغـريـب:ذق أنت بنفسك، أليس لك عينان ترى بهما؟

المقـهـور:لقد كاد الظلام يطمسهما تماما.

الغـريـب:حاول.

المقـهـور:(خائفا) ربما لا أستطيع.

الغـريـب:بل تستطيع دون شك.

الغـريـب:كن أصلب منها وحطمها.

المقـهـور:(متعجبا) أحطمها كلها؟

الغـريـب:أحدث فيها ثقبا على الأقل، حتى ترى الشمس أولا، ثم حطمها كلها بعد ذلك.

المقـهـور:وأنت متأكد من أنني سأجد الشمس؟

الغـريـب:لاشك في ذلك.

المقـهـور:(حالما) إيه، ما أحلى الشمس...هل تعلم أني منذ زمان وأنا أحلم بالشمس، وبأشعتها الدافئة؟

الغـريـب:لاشيء يعدل الشمس مطلقا، ولكن الحلم لا يكفي يامقهور. 

المقـهـور:ولكن...

الغـريـب:(ثائرا) ولكن ماذا؟ حياتك كلها استدراكات.

المقـهـور:ولكني خائف، خائف.

الغـريـب:(محذرا) تخاف؟ ابق إذن في الظلام أبدا، تعاشرك الصراصير والجرذان.

المقـهـور:(فزعا) الصراصير والجرذان؟

الغـريـب:هل تحب الصراصير والجرذان؟

المقـهـور:تريد الحقيقة؟ لقد كدت آلفها.

الغـريـب:أو لعلك كدت تمسخ جرذا أو صرصورا.

المقـهـور:(مؤكدا) قلها ولا تخف، انظر

(يحمل بين يديه جرذا يداعبه).

الغـريـب:أخشى أن تتحول يوما إلى جرذ مثل الذي تحمله بين يديك.

المقـهـور:أقول لك الحقيقة؟

الغـريـب:قل.

المقـهـور:وتقبل قولي؟

الغـريـب:إن وجدته صائبا طبعا.

المقـهـور:وإن لم تجده صائبا؟

الغـريـب:سأرفضه طبعا.

المقـهـور:إذن فلماذا أقول لك إن كنت سترفضه؟

الغـريـب:قل وسنرى.

المقـهـور:أنا أحب الجرذان والصراصير، وأحب السبات وهذا الظلام.

الغـريـب:(مؤكدا) من عاشر شيئا أربعين يوما ألفه، وتعود عليه.

المقـهـور:أما أنا فقد عاشرتها قرونا.

الغـريـب:والشمس ألا تحبها؟

المقـهـور:أجل أحبها...ولكن...

الغـريـب:(مقاطعا بغضب) ولكن، أمازلت في الاستدراكات؟

المقـهـور:ولكن الشمس أمرها صعب.

الغـريـب:وما أنت فيه؟

المقـهـور:ما أنا فيه، أسهل وأبسط.

الغـريـب:أسهل، ولكنه أهون وأحقر.

المقـهـور:(مفكرا) الأسهل...الأصعب؟؟؟

الغـريـب:إذن أنت بين أمرين إما...وإما...وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم.

المقـهـور:(بعد صمت) تذكرت أمرا أريد أن أبوح به إليك.

الغـريـب:هل هو سر؟

المقـهـور:لا ليس سرا، ولكن لعلك لا تعرفه.

الغـريـب:اذكره.

المقـهـور:هل تعرف كيف كان هذا البيت؟

الغـريـب:وكيف كان؟

المقـهـور:(متذكرا) كان قصرا فخما...عظيما... تطل عليه الشمس لا تطل إلا عليه...ولا تغرب عنه أبدا... وكانت حوله حدائق غناء...وأزهار وماء... وكان الناس جميعا، رغم اختلاف أجناسهم وألوانهم ومشاربهم، إذا أرادوا استنشاق الهواء، أو رؤية الشمس، جاءوا هنا... صدقني بل لقد كانت تحمل إليهم الشمس، ويحمل إليهم الهواء إلى مساكنهم، نعم هذه هي الحقيقة صدقني لا تظنني مجنونا ولا حالما.

الغـريـب:اطمئن أنا مصدق لك، بل أنا أعرف عنك كل شيء.

المقـهـور:(مندهشا) تعرف عني كل شيء، ومن أدراك؟

الغـريـب:اذكر أمامي حاضرك، وسأحدثك من أنا؟

المقـهـور:تريد أن أحدثك عني الآن؟

الغـريـب:نعم الآن.

المقـهـور:(متحسرا) بل منذ زمان طويل، طويل، لست أدري ماذا وقع حتى انقلب الوضع هكذا.

الغـريـب:لاتدري ماذا وقع، لماذا؟ هل كنت فاقد الوعي؟

المقـهـور:(وقد انحدرت دموعه) ألم تقل أنك تعرف عني كل شيء؟ أجل لقد كنت فاقد الوعي والحس، كنت مخمورا…ولما أفقت وفتحت عيني…وجدت الظلام يضرب  بجرانه من حولي…فذبلت الأشجار والأزهار، ومات كل هزار، وغار الماء، وبدأ القصر يتقلص حتى أضحى حجرة واحدة، وهي هذه التي تراها، وذبلت النخلات الواحدة تلو الأخرى، وهوت أعجازها

(ينتحب باكيا)

وأخبرت بعد ذلك أن قوما سرقوا الشمس، واتجهوا بها إلى الغرب، هل تعرف؟

الغـريب:وماذا أعرف؟

المقـهـور:(حزينا) كم بكيت ذلك اليوم...! بكيت كثيرا... بكيت دما لا دموعا.

الغـريـب:(مستهزئا) بكيت فقط؟ إني لأشفق لحالك.

المقـهـور:وما عساني أفعل؟

الغـريـب:إن البكاء كأدوية الأمراض العصبية، تضر أكثر مما تنفع.

المقـهـور:صدقت فأنا كمريض الأعصاب، لا أعيش هذه الأيام إلا على البكاء والأحلام.

الغـريـب:ولكن ما كان عليك أن تبكي.

المقـهـور:وما تريدني أن أفعل؟

الغـريـب:كان عليك أن تقاوم.

المقـهـور:(مستهزئا) أقاوم...! كيف؟

الغـريـب:ألا تعرف كيف تقاوم؟ سبحان الله !

المقـهـور:حينما أخرجت سيفي وجدت الصدأ قد علاه، وأما رمحي

(يشير إليه)

فانظر لحاله لم يبق منه إلا سنانه… وفوق هذا لقد وجدت هذه الجدران من حولي تمنعني من الانطلاق… والظلام الحالك يخفي عني كل شيء.

(يطرق حزينا)

الغـريـب:لقد كبلوك...سرقوا منك الشمس، وكبلوك حتى  لا تلحق بهم.

المقـهـور:وبقيتُ طوال هذه القرون أعيش في هذا السجن المظلم.

الغـريـب:ولم تحاول أن تفعل شيئا؟

المقـهـور:كنت أعرف أني لن أستطيع فعل أي شيء أبدا.

الغـريـب:فلجأت إلى النوم؟

المقـهـور:أجل هو ذاك.

الغـريـب:هكذا ببساطة.

المقـهـور:إن الذي لا يبصر غير الظلام، لا يلجأ إلا للنوم.

الغـريـب:وما إن رأت عيناك الظلام حتى استسلمت للسبات العميق، إن النوم يسكن نفسك، يعشش في أعماقها وأغوارها لا في الظلام أيها المقهور المدحور.

المقـهـور:تعودت عيناي الظلام فمالت إليه، شعرت بادئ الأمر بالوحشة، ولكن بعد ذلك استأنست بالجرذان والصراصير والعناكب، لقد كانت لي رفيقة تملأ علي وقتي وتقتل الفراغ.

الغـريـب:والآن أليس لك شوق إلى الشمس؟

المقـهـور:رغم أني حاولت طرد طيفها من ذهني إلا أن الشوق إليها مازال يسكنني حتى النخاع.

الغـريـب:(متعجبا) ماذا قلت، حتى النخاع؟؟ !

المقـهـور:أجل حتى النخاغ.

الغـريـب:سبحان الله ! وتعيدها؟

المقـهـور:(مرتبكا) هل أخطأت في الحديث؟

الغـريـب:إن أمثالك لا يملكون نخاعا، ولا يحق لهم أن يتحدثوا عن النخاع.

المقـهـور:النخاع؟؟

(يمس ظهره ورقبته للتأكد)

بقي منه شيء في رقبتي، والباقي التهمه الظلام.

الغـريـب:(بحزن) صدقت، الظلام يأكل النخاع. لا يحب شيئا أكثر مما يحب النخاع.

المقـهـور:(حائرا) تعني أنني، أنني........

الغـريـب:(مقاطعا) نعم إذا بقيت هكذا فسيزول نخاعك تماما تماما.

المقـهـور:(خائفا مضطربا) تععـ…عني، أننـ... نني...

الغـريـب:نعم، وستموت إذا زال نخاعك.

المقـهـور:(وقد اشتد خوفه) تععـ …ـععنني...

الغـريـب:نعم، وستندثر إلى الأبد، إلى الأبد.

المقـهـور:(يبتلع ريقه بصعوبة) ولا أرى الشـ...ـشـمس؟

الغـريـب:لن ترى الشمس مطلقا أبدا، والشمس لن تراك.

المقـهـور:(وقد جحظت عيناه) لن تراني، ياويلي ما أشقاني  !

الغـريـب:إن الشمس لا تحب الأموات وأهل القبور.

المقـهـور:(مستنجدا) والحل؟

الغـريـب:والحل؟ تبحث عن الحل؟ الحل في يديك.

المقـهـور:(مستغربا) في يدي؟ ما في يدي شيء.   

(يبسط يديه).

الغـريـب:كي لا تفقد نخاعك عليك أن ترى الشمس وتراك.

المقـهـور:(بفرح) حقا؟

الغـريـب:إذا رأيت الشمس وأحسست بالدفء نما نخاعك، ونجوت من الموت المحتم.

المقـهـور:ولكن هذا الحل ليس في يدي.

الغـريـب:بل هو في يديك.

المقـهـور:ولكن كيف؟ !

الغـريـب:هل تطيعني في كل ما آمرك به، وتطبق كل ما أشير به عليك؟

المقـهـور:السمع والطاعة.

الغـريـب:(آمرا) قم على رجليك أولا.

المقـهـور:تعني أني سأرى الشمس حين أقوم؟

الغـريـب:هذه الخطوة الأولى فقط.

المقـهـور:وبعدها خطوات؟

الغـريـب:سترى.

المقـهـور:الأمر صعب إذن؟

الغـريـب:حاول، وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم.

المقـهـور:(خائفا) وإذا لم أستطع.

الغـريـب:حاول، حرك ما تبقى من جمر تحت هذا الرماد.

المقـهـور:ولكني أحس بالشلل في ساقيّ.

الغـريـب:حركهما رويدا رويدا.

المقـهـور:(مذعورا) أخاف...

الغـريـب:تخاف، ابق إذن في الظلام كالحشرات، ليس للرعديد مكان في هذه الحياة.

(يهم بالانصراف)

المقـهـور:(مسترحما) لا لا أرجوك، لا تنصرف، لا تتركني وحدي.

الغـريـب:حسن، لن أنصرف ولكن حاول.

المقـهـور:ماذا أفعل؟

الغـريـب :حرك رجليك.

المقـهـور:(يحركهما ببطء وبصعوبة ويضج) أي...أي... أي...

الغـريـب:حاول أكثر حاول.

(يحاول المقهور تحريك رجليه)

حرك رجليك بقوة

(يحركهما.. يهتف فرحا)

جميل لقد استطعت، هذه الخطوة الأولى.

المقـهـور:(فرحا) لقد أحسست بالدم يسري في رجلي.

الغـريـب :حاول أن تقوم، هيا حاول، حاول.

المقـهـور:(مستغربا) أقوم؟ !

الغـريـب:أجل، هل هذا صعب؟

المقـهـور:وأنت، هل تراه سهلا؟

الغـريـب:طبعا، طبعا، جرب وسترى.

المقـهـور:(خائفا) ولكنني، ولكنني...

الغـريـب:(مقاطعا)ولكن ماذا؟قلت لك ألف مرة كفاك استدراكا، إن الاستدراك من شيم الضعاف.

المقـهـور:(خائفا) ولكني لا أستطيع.

الغـريـب:(غاضبا) لا تستطيع؟

المقـهـور:أخشى أن لا أستطيع.

الغـريـب:لا تستطيع؟ ابق إذن في الظلام، لن أعود إليك، إني أكره المنهزمين.          

(يهم بالانصراف)

المقـهـور:(مستشفعا) لا، لا أرجوك، إني أكره الظلام، أكره الظلام.

الغـريـب:(متوقفا) لا يكفي كره الظلام، بل يجب أن تعقد العزم الأكيد على تبديده.

المقـهـور:حاضر، حاضر.

الغـريـب:ولن تتمكن من تبديد الظلام إلا إذا بددته من داخلك وأزلته من على قلبك.

المقـهـور:(مذعنا) حسنا، حسنا سأفعل.

الغـريب:هيا قم إذن.

المقـهـور:(مستعطفا) ساعدني على القيام.

الغـريـب:(غاضبا) أساعدك؟ هذه لعمري ثالثة الأثافي…

المقـهـور:ما طلبت محالا.

الغـريـب:(غاضبا) بل طلبت حراما، وإياك أن تعيدها.

المقـهـور:العفو إن كنت أخطأت.

الغـريـب:تأكد من أنك أخطأت خطأ فادحا.

المقـهـور:هل تعتبر طلب المساعدة خطأ.

الغـريـب:من اعتمد على غيره ضاع، ومن أكل بغير يده جاع، ومن قلد غيره ماع.

المقـهـور:(يائسا) لن تمد لي يد المساعدة إذن؟

الغـريـب:(محذرا) لا تعود نفسك الاعتماد على غيرك.

المقـهـور:حسنا سأحاول

(يتحرك محاولا القيام)

أي...أي...أي... سأستعين بالجدار.

الغـريـب:(محذرا) لا تتكئ على الجدران...لا تتكئ على الجدران...إياك والاتكاء على الجدران.

المقـهـور:(منقادا) حسن ها أنذا أتخلى عنه.

(يحاول أن يقف..بعد لحظات وقد وقف يصيح فرحا)

جميل لقد وقفت، لقد وقفت.

الغـريـب:جميل حقا هذا !

المقـهـور:(تسيل دموعه فرحا) ما كنت أظن...ما كنت أظن.

الغـريـب:ما الذي لم تكن تظنه؟

المقـهـور:ما كنت أظن يوما أنني سأقوم...منذ نمت في المرة الأولى كنت أحلم بالوقوف، ولكن حلمي هذا لم يكن يتجسد على أرض الواقع، بل كان يتبخر ويتلاشى، والسبب هو أنني كنت أخشى السقوط.

الغـريـب:العضو الذي لا يعمل يضمر، والذي يخشى السقوط يعيش أبد الدهر بين الحفر.

المقـهـور:كدت أضمر كلية، جسمي كله توقف عن الحركة منذ قرون، مذ فرضت علي الظلمة، ودخلت في سبات عميق.

الغـريـب:بل وحتى عقلك كاد يتوقف.

المقـهـور:كنت أخشى التفكير، كما كنت أخشى الوقوف.

الغـريـب:(حاثا) تحرك خطوة إلى الأمام.

المقـهـور:جيد سأحاول

( يحاول أن يتحرك فيكاد توازنه أن يختل)

الغـريـب:(محذرا) إياك أن تعود إلى الوراء... إياك... إياك.

المقـهـور:ولكني لم أستطيع، أكاد أعود إلى الوراء.

الغـريـب:(غاضبا) لا تنـف عن نفسك الاستطاعة، أنت أقدر على كل شيء.

المقـهـور:ولكنني أكاد أعود إلى الوراء.

الغـريـب:خطوة إلى الوراء تكلفك حياتك، هل فهمت معنى  تكلفك حياتك؟

المقـهـور:لا لم أفهم بعد.

الغـريـب:يعني ستموت، ستفنى، ستندثر.

المقـهـور:(خائفا) لا، لا أريد أن أموت، لا أريد أن أندثر.

الغـريـب:إذن اخط إلى الأمام.

المقـهـور:أعني على ذلك.

الغـريـب:اعتمد على نفسك ولاتكن متواكلا.

 (يحاول المقهور مرة ثانية، ويندفع خطوة إلى الأمام يصفق الغريب مشجعا)

آه جميل، جميل رائع، اخط ثانية…اخط.  

(يخطـو ثانية)

المقـهـور:(مشجعا) وأخرى ثالثة.

 (يخطو خطوة ثالثة)

الغـريـب:سر مطلقا الآن.

 (يندفع بطلاقة) 

أرأيت كم هي الأمور سهلة؟ المهم أن تبدأ، أن تتحرك، ومسافة الميل تبدأ بخطوة.

المقـهـور:(وقد تهلهل وجهه) الحمد لله لقد أنقذتني، لقد قطعت الوثاق الذي كان يعيق حركتي، ما كنت أحسب أني سأسير، لقد سرت الحرارة في جسمي كله.

الغـريـب:ألم أقل لك حاول فقط وستنجح؟

المقـهـور:كل هذا بفضلك، وإني لأشكرك؟

الغـريـب:أنا لم أفعل شيئا، أنت فعلت كل شيء.

المقـهـور:(مستنكرا) أنا فعلت كل شيء !</