|

النساء قادمات
بقلم الكاتبة:
كلاديس مطر
سعدت جدا بحضور المؤتمر الذي عقده مركز الإعلاميات العربيات الأردني
في اللاذقية الصيف المنصرم ، والذي أريد له ان يكون في الوقت نفسه، ورش
عمل و تدريب للإعلاميات السوريات على مهنة أردن أن يكن مبدعات و متميزات
فيها . ان مركز الاعلاميات التي ترأسه فخريا الاميرة بسمة بن طلال، لا يحصر
نشاطه في الإعلام فقط ، و انما هو ايضا مركز متخصص للدراسات و الابحاث و
الاستشارات الاعلامية . و هدفه خدمة قضايا المرأة اينما وجدت من اجل ان
تصبح الديمقراطية ثقافة و سلوكا ، كما تقول مديرة المركز الاعلامية و
الناشطة في حقوق المرأة السيدة محاسن الأمام .
لقد اتاح لي ترؤس الجلسة الخاصة بالاتفاقيات الدولية لمكافحة
التمييز ضد المرأة ، ان اطلع على بنود هذه الاتفاقيات و تحفظات الدول
العربية عليها ، و ان انتبه الى ان التمييز لا يأتي اولا من " الرجل "
كنموذج مطلق و انما من المؤسسات التشريعية القانونية التي لا تزال تحمل
مبخرة التقديس ، و تدور بها على هذه القوانين ، التي بسمرت واقع المرأة و
كأن الدنيا توقفت عن الدوران .
الحق ليست حقوقُ النساءِ بالبدعةِ الغربيةِ ، بل ليست حقوقُ
الإنسانِ كلُّها بدعةً غربيةً . انها في الواقع اعادة الامورِ الى نصابِها
تماما كما ارادها الله ان تكون . حين تكون المساواةُ بين الجنسينِ امرا
الهياً فاننا لسنا مخيرين بان ننتقي ما يناسبنا من هذا الامرِ و نتحفظُّ
على الباقي . و لماذا نتحفظ ان كان نموُّ مجتمعاتِنا و ازدهارِها يتوقف
تماما على هذه المساواة؟ .
مم نحن خائفون ؟! و لماذا كلما مر شبحُ تغييرٍ طفيفٍ بالقربِ منا ،
ارتعدت ثقافتُنا وقوانينُ مجتمعاتِنا ؟! و لماذا نحول رموزَنا الجميلةَ
النسويةَ القديمةَ من عشتارَ آلهةِ الخصبِ و الجمالِ مرورا بملكاتِنا
العربياتِ القديماتِ و انتهاءا بمريم العذراء .. الى اصنام للفرجةِ و
الزينةِ ليس الا ؟! و رموزُنا المعاصرةُ مثل السعداوي و أخرياتٍ الى رموزٍ
للمطاردةِ و الخروجِ عن الاعراف !
مم نحن خائفون ؟!
هل الانسانَ رجلٌ فقط ؟! اما ان الانوثةَ و الذكورةَ المتكاملين في
بُعديهما الاكثرَ جوهريةً هما اختصارٌ لهذا الوجودِ البشري حولنا !؟
لماذا نحن بحاجةٍ الى كبشِ فداءٍ دائما لكي نبرر هذه المحارقَ
المهولةَ الكبيرةَ التي نوقدُها كل لحظةٍ لنقاطِ ضعفِنا ، و لماذا تكون
المرأةُ دائما هي هذا الكبشَ السهلَ نحرُه و المزايدةُ عليه ؟!
تخيلوا معي ان نصفَ المجتمعَ يضيع في محرقة لا تنتهي ! و كلُّ هذا
يحدثُ بمنتهى الهدوءِ و السريةِ و الصمتِ، بمباركةِ نصوصٍ تشريعيةٍ و
قوانينَ أصبحت بقدرةِ قادرٍ غيرَ قابلةٍ على المسِّ او النقاش ! ان من يخطئ
بحقِّ الآخر بهذه السريةِ و الصمتِ يتحولُ مع الوقتِ الى جبان . إذن لماذا
نريد تحويلَ بعض رجالنا و نسائنا الى جبناءَ !! و لماذا نضع كل مستقبلِ
بلادِنا و حياتِنا على كاهلِ بضعةِ قوانينَ تمنعُ فعلا هذه الامةَ من
تحقيقِ تنميتِها الاجتماعيةِ و الاقتصاديةِ و الروحيةِ الأكملْ ! و حين
تظهرُ اتفاقياتٌ دوليةٌ تحرمُ هذا النوعَ من التعطيلِ او التمييزِ ..
نلوّحُ براياتِ التحفظِ عاليا من دونِ ان نقدمَ تبريرا – كما هو مطلوبٌ منا
في حالِ تحفظنا على أي بندٍ من هذه الاتفاقياتِ – حقيقيا لذلك ، على الرغمِ
من ان تحفظنَا كان تماما على جوهرِ نصوصِ هذه الاتفاقيات !.
مع ذلك ، ان اتفاقياتِ مناهضةِ التمييزِ ضد المرأةِ ، هي في واقعِها
نصٌ بشريٌ ، أي انها ليست اتفاقياتٍ مقدسةً و ليست منزهةً او منزلةً .. لكن
قوتها المضمونيةُ و الاعتباريةُ تأتي لكونها محصلةٌ جماعيةٌ لحاجاتِ نساءِ
الكثيرِ من الدولِ و الأقاليمَ لكي تخرج من قمقمِ التجاهلِ و اللغيِ . ان
بنودَ هذه الاتفاقياتِ انما هي مشروعٌ إنسانيُّ المصدرِ و النزعةِ و لهذا
فهو غيرُ مقدسٍ إنما يبقى في هذه اللحظةِ الصيغةَ الأفضلَ لحمايةِ هذا
الكائنِ المسمى " امرأة " .
اننا نقدرُ تماما ان هناكَ نسبيةٌ ثقافيةٌ يجب مراعاتُها لكن
مراعاتِها لا تكونُ بالتسترِ على اكبرَ الكبائرِ من خلالِ قوانينَ أحوالٍ
شخصيةٍ و جزائيةٍ مهينة ..و لا تاتي من بنودِ تشفي بيدٍ و تخلقُ العلةَ
باليدِ الاخرى !!
و بالرغمِ من ان قوانينَ الأسرةِ هي الاكثرَ صعوبةً على الاقترابِ
منها بسببِ تغلفها بهالةٍ التقديسِ و التحريمِ ، الا ان الدولَ العربيةَ لم
يتحفظْ كل منها بالطريقةِ نفسِها على نفس هذه البنودْ. الأمر الذي بيّن ان
هناكَ نسبية في قراءة التاريخِ الاجتماعي العربي الاسلامي لهذه القوانينَ و
اولها قوانينُ الزواج !!
الحقُّ لقد آن الاوان لنا لكي نفهمَ ان كل فكر لا يندمجُ مع
الصيرورةِ الزمانيةِ و المكانيةِ للتاريخ – أي لا يتفاعلُ مع حركةِ التاريخ
– انما هو آيلٌ للزوالِ ضمن الحدودِ التي رسَمها لنفسهِ في فترةٍ محددةٍ
سابقةٍ من الزمن . و ان عليهِ لكي يبقى في حالةِ تنفسٍ و حياةٍ ان يخلقَ
ذاتَهُ من جديد بحسبِ ظروفِ المرحلةِ المعاصرةِ و الا فان زوالهُ قرارٌ
طبيعيٌ و حتمي .
كما آن الاوانُ لكي نفهمَ انه يجبُ فصلُ القرارِ السياسيِّ عن هذه
الجميعاتِ التي تحاولُ ان تعيدَ الامورَ الى نصابِها فلا تموتُ قبل ان
تولدَ بسكينِ البيروقراطيةِ و تبتعدُ عن العملِ الجماهيري .
لا نستطيعُ ان ننتهكَ حقاً من الحقوقِ من دونِ ان يؤثرَ هذا على
بقيةِ الحقوقِ الاخرى ، و لا يمكنُ التحفظُ على بندٍ واحدٍ من دون ان يؤثرَ
هذا على كاملِ الاتفاقية . ان فهمنَا لهذا الامرِ هو شرطٌ لدخولِنا من
بوابةِ الانسانية . ان المطالبةَ بحقوقٍ للمرأةِ لم يأتِ من الفراغ .
راجعوا التاريخَ لتعرفوا ان الرجلَ كان أول الضحايا عندما كانت شريكتُه
كبشَ فداءٍ لمحرقةِ المجتمعِ الكبرى .
عندما يكونُ هناكَ سببٌ قويٌ ، و يعرف الإنسان في قرارةِ قلبه بأنه
سبب حقٍ وأنهُ عادلٌ و مع ذلك يرفض الدفاعَ عنهُ ..فانه في الطريق الى
حتفِه . و انا لم أرَ في حياتي جثثا تمشي على قدميها و تتحدثَ عن العدلِ
كما أرى اليوم .
ليس الرجل وحده ، و لوحده هو المسؤول عن هذه القوانين الجائرة ، و
هذا الحال المتذبذب للمرأة ! النساء هن مسؤولات أولا و الا لكانت هذه
القوانين و هذا الحال قد تغيرا منذ زمن بعيد.
في الانسان ميل لكي يحتفظ بشيء من واقعه المزري ..و الا فكيف سيقضي
قسما كبيرا من عمره في التأفف و رمي مسؤولية حالته على الآخر، و التمرغ في
وحل التباكي و التظلم؟ ربما هذا هو السبب في كون هذه الانسانية لم تتقدم
كثيرا على المستوى الروحي ، اذ أن اغلب ناسها " يقضون وقتا ممتعا و لطيفا "
في التأفف و الكسل و الاستسلام للقضاء و القدر .
------------------------------------------
أضيفت في05/03/2008/ * خاص
القصة السورية / المصدر الكاتبة (
للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة حول
أدب المرأة )
  

أدب نسائي جريء
بقلم الكاتبة:
كلاديس مطر
إذا اتفقنا على أن الكتابة بعمقها وسيلة إبداعية لحل مشاكل
المجتمع،و طريقة للالتفاف على (اللامسموح او التابو) بغية طرح موقفنا منه،
نفهم لما كان الأدب النسائي – اذا قبلنا هذا النوع من التخصيص جدلا –
مرتبكا امام البوح و التعبير الحر. إن المرأة مصنع من الأحلام ! هي حارثة
مثالية لأوهامها الصامتة ! متفوقة في علم حساب الذات، حتى و لو كانت أميه !
فطريه تتعامل مع الدنيا حولها بإحساس بوصلي راداري تلقائي، لكنها متمكنة
في الوقت نفسه من إحداث الثقوب و التلصص على العالم من خلالها. و من بين
كل هذا كان هدفها الأكبر : حقوقها ! و كانت كلما كسبت المزيد منها، كلما
انعكس ذلك على قدرتها على التعبير عن ذاتها و حالها، و كان هاجسها يتمركز
على كسب المزيد. حتى دخل على الأدب مصطلحات مزيفة مثل (أدب نسائي جريء ) و
( محاولات نسائية بدائية ).
والحق إذا أمعنا التدقيق في هذا الكم الكبير من النصوص النسائية
الأدبية العربية لوجدنا أن اكثر من 99 % من الجرأة في التعبير، تندرج تحت
مواضيع اعتقدت المرأة أن تحررها يجب أن يكون منها أولا: الجنس وعلاقتها
بالرجل. ولم يستطع النقد العربي الباهت او غير المحترف او القليل، ان يوجه
خطوات هذا النوع من الأدب، ولا ان يدير الدفة بحيث يقوم بتعريف الأنوثة
والذكورة أولا، و يحدد الوظائف، وإنما قام بتمجيد الجرأة في تناول
الموضوعات الجنسية متناسيا دور الأنوثة في النضال المجتمعي !
في البحث الذي اعمل عليه حول أنوثة المرأة العربية بين التحقق و
الضمور – و هو أيضا كان موضوع المحاضرة التي ألقيتها في اتحاد الكتاب في
ابو ظبي الشهر الفائت _ أردت أن اعرف معنى الأنوثة التي تحاول المرأة اليوم
التملص منها باعتبارها السبب المباشر و الغير مباشر – برأيها – لتاريخها
الطويل من القمع و الاستلاب. انها تعتقد ان مجرد كونها امرأة كان سببا
لقمعها متناسية ان الانوثة- بالمعنى العميق للكلمة - ليست سوى هذه الطاقة
الداخلية المتحركة من الداخل الى الخارج و ليس العكس. انها جزء من البنية
التحتية للمجتمع باعتبارها العنصر الذي تبنى عليه السلامة النفسية للأسرة –
خلية المجتمع الوحيدة.
مع الأسف لم يستطع أدب المرأة ان ينطلق من هذه النقطة و يبحث عن
تكامل العلاقة بينها و بين الرجل، و إنما اخذ يعالج الموضوع من ابهت و
اسخف جوانبه، وكأنه تقرير مكرر لسجال تناحري بين الطرفين، فهو اما يشتم و
يظهر كل تهجم على الرجل، و اما ينتقد بشكل تذمري بعيد عن طرح أي حل.
والحق، ولم استطع ان أميز سوى القليل من المفكرات العربيات الرائدات
ممن استطعن ان يضعن أيديهن على نبض الحقيقة مثل فاطمة المرنيسي ونوال
السعداوي اللتين تناولتا الموضوع بشكله التاريخي الأكاديمي ولم يظهرا أي
انحياز او نقد الا بعد ربطه بالشواهد و المصادر. لقد تحدثتا عن الحرملك
العربي المعاصر الذي يقبع بين جدران الرأس، وعن فيروس الحريم الذي يصيب حتى
اكثر رجالنا ثقافة و وعيا بينما لم يستطع الأدب ( شعر، قصة، مسرح ) ان
يستغرق فيصل إلى هذه الأعماق او المستويات من الطرق، وبقي اما شاتما او
مادحا من دون تبيان الكثير من المبررات المنطقية، او حتى طارحا لحلول يمكن
ان يعول عليها.
غريب ان تنتشر مصطلحات مثل ( أدب نسائي جريء ) فقط للتدليل على
نوعية المواضيع المطروحة و الإباحية في التناول. صحيح ان المرأة – الكاتبة
يجب ان تقتحم مستويات لم تقتحمها من قبل، و لكن فقط لتعريف الآخر بأعماقها
و وجدانها و دور أنوثتها النضالي – الأنوثة بالمعنى العميق و المضموني
للكلمة -، ما عدا ذلك لا قيمة معنوية او أدبية له برأي.
لم يستطع أدب المرأة العربي الحديث – أُذكر انه لم يكن هناك أدب
قديم إلا بعض القصائد القديمة القليلة هنا و هناك – ان يرقى لمستوى الأدب
الإنساني و يندمج بموقف الأدب عموما من القضايا الكبرى، فنادرا ما نقرا
رواية نسائية تتمتع بهذه الخلفية الاقتصادية – السياسية – التاريخية
العميقة للواقع، او لحقبة ما، و كأن أدب المرأة لا يجب ان يعبر إلا عن هموم
علاقتها بالرجل واستجداء حقوقها منه او المعاناة من قهره. و نادرا، ما نجد
نصوصا نسائية أدبية تحمل فكرا فذا تقدميا يطرح حلولاً بديلة.. وكأن هذا
النوع من الكتابة متروك للدراسات و التحليلات.
أنا أرى أن الأدب الذي تكتبه المرأة، مهما كان جريئا، إن لم يأخذ
دوره في التغيير المجتمعي و التركيبة الوجدانية الأخلاقية للمجتمع فانه
يكون أي شيء إلا أدب. و هذا الهذر الرومانسي الناعم ، او هذه العصبية
اللغوية المستفزة التي تمتلئ بها الكتب ليس إلا دليلا آخر على فشل الأدب
النسوي العربي. بالتأكيد هناك الكثير من الأعمال النسائية العربية الممتازة
والنصوص التي تعتبر ثروة حقيقة أدبية و لكنها بالتأكيد قليلة، فأدب السيرة
الذاتية إن لم يرفق ( بتصور حل) فانه غير مجدي وسيكون ( كتاب آخر ) على رف
المكتبة العربية.
إن القمع الطويل الأمد الذي تعرضت له المرأة عبر تاريخها لا يبرر
تجاهلها لقطب الذكورة و ضرورة التكامل معه. فالنضال لا يكون ضده و إنما معه
و من خلاله ؛ بمعنى توحيد ( الجبهات ) أمام تحديات الاقتصاد والمجتمع
والخلفية الثقافية
ان المفكرة و الباحثة العربية فاطمة المرنيسي في كتابها ( أحلام
النساء الحريم ) مثلا، لم تعرض فقط هواجس النسوة المختبئات في الاحاريم
المثلية، و إنما تذهب الى ابعد من هذا عندما تبحث عن اصل الكلمة. ولأنها
تعتقد أن البداية كانت لعبة من العاب السلطة حيث النفوذ لمن يملك اكبر عدد
من النساء، فإنها تكشف سخافة و ضحالة كل تبريرات هذا النوع من النفوذ. فضبط
الحريم في مكان واحد خوفا على الرجال من اللهو و عدم الالتفات الى ما هو
أجدى مجتمعيا : العمل بغية كسب القوت، قد دحضه الغزو الفرنسي بكل تؤدة و
هدوء. فنساؤهن يخرجن على هواهن بل و يعملن، بينما وجد الرجال الوقت مع ذلك
لتأليف جيش جرار و غزو المغرب !!!!! و هي حين تشرح التاريخ القمعي العربي و
تظهر ماله و ما عليه فإنها في الوقت نفسه تقدم الحل : و هذا هو تعريف الأدب
بأعمق معانية، و هذا هو دور الأدب بأجمل صوره. ان المرأة لا يجب أن تلجأ
إلى القلم من اجل ان تسرد ما يحصل،فهذا امر لا يغني و لا يسمن. فالنضال
الأدبي- القلمي يجب أن يربط قضايا المرأة و الرجل بحركة الصيرورة
التاريخية وتفاعل الإنسان مع حقائق الواقع المعاش و تبدلها في الزمان و
المكان و إلا فلا معنى لهذا النضال و لا دور يحسب له.
ولهذا،فأنا لا أرى ان الأدب النسائي الذي يكتب حاليا يمكن ان يسحب
البساط من تحت أقدام الأدب الذي يكتبه الرجل العربي، و لا حتى العكس.. انني،
ككاتبة، أتطلع إلى الأمر من منظور آخر.. يهمني جدوى الطرح قبل جماليته،
رسالته قبل فنيته او صناعته، قفزته كفكر قبل تدفقه. كل كتاب جيد، بمعنى
قدرته على الحوار مع المتلقي عالية، أكان كاتبه رجل او امرأة، هو أدب
إنساني و هكذا انطلق في التصنيف.
لا زلنا، كوعي، نحبو على أربع. و الحريم المعاصر اليوم يتبدى من
خلال قواعد مختلفة ظاهريا. انه أيضا من صنع الرجال و تضبطه ليس الجدران
السميكة ولا الباحات الداخلية، و انما قوانين السوق و العمل التي تجعل
المرأة تفقد شخصيتها و هكذا فإنها عادت من جديد حبيسة عالم الذكر. انه الفخ
المعاصر الذي يجمل العمى و يخلق التماهي بين الجنسين تحت اسم تطور. و اذا
راقبنا عن كثب نتائج الحريم المعاصر و القديم، نجد انها متطابقة بشكل مذهل
: امرأة مشوهة الأنوثة وجدانيا، مثلية غير سوية و رحم وجداني ضامر، و
طغيان لعالم الذكر بكل قوانينه. و الى ان تعي نساؤنا هذه الازدواجية، بل
هذا الفخ، و يبحثن عن الحل في داخلهن و وجدانهن، و يعبرن عن كل هذا من
خلال موقف فكري – عملي متجل في أدبهن، فان الطريق يبدو طويلا جدا ً، مهما
حاولن ان يكتبن ( أدبا جريئا ) بمعايير اليوم.
------------------------------------------
أضيفت في05/03/2008/ * خاص
القصة السورية / المصدر الكاتبة (
للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة حول
أدب المرأة )
  

وتبقى الأنثى هي الأصل
بقلم
الكاتب والباحث:
احمد
محمود القاسم
عندما قال نابليون "ان المرأة التي تهز السرير بيسارها تهز العالم
بيمينها“ كان لقوله هذا معنى كبير جدا، يدل على ان للمرأة تأثير كبير جدا
في شتى مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، خاصة إذا أعطيت
الفرصة لتعبر عن كيانها ووجودها، ولاقت التشجيع المناسب، واستغلت عقلها
وذكاءها وكافة امكانيتها المتاحة لها بحدود المعقول والواقع، بدون تجاوز
كبير للقانون او المنطق او التقاليد والعادات الاجتماعية.
عندما تحدث العالم النفساني فرويد عن المرأة والجنس، ولكثرة ما درسه
عن المرأة على مر العصور والأجيال تاريخيا وما شاهده من تأثير للمرأة في
شتى مناحي الحياة أيضا، عزى تقدم المجتمع البشري وتطوره إلى المرأة والجنس،
وقال ان قوة الدافع الجنسي هي وراء تقدم وتطور الخلق والمجتمع والحياة.
أقوال كل من نابليون و فرويد عن المرأة (بغض النظر عن مدى صحتها من
عدمه) تدل دلالة واضحة لكليهما عن تأثرهما ومدى قناعتهما بقوة تأثير المرأة
في المفاصل الأساسية من الحياة والمجتمع، والرجل بشكل خاص.
محامية إنجليزية تدافع عن موكلها في قضية ما بكل ما لديها من الحجج
والمنطق، كانت ترتدي بنطلونا يسمونه " التايت " يظهر مفاتنها بشكل مثير،
وعندما احتج احد القضاة الإنجليز على لبسها هذا، وطلب منها استبداله بلبس
آخر، رفضت طلبه وأجابته قائلة " إذا لم استطع إقناعكم بحججي وأقوالي قد
أستطيع إقناعكم بمفاتني " وعندما اعترض القاضي على كلامها هذا قالت له " من
حقي الدفاع عن موكلي بكل ما لدي من أسلحة “.
هذه المرأة الإنجليزية المحامية تعرف ان للمرأة سلاح حاد لا يملكه
الرجل ويمكن لها استعماله ضده فيما لو فشلت كافة الأسلحة التقليدية
المستعملة من قبلها بالمجتمع.
يذهب الكثير من الرجال او الشباب للكثير من الدوائر الرسمية على
المستوى العربي وحتى في الكثير من الدول النامية لإنجاز بعض المعاملات
الرسمية الخاصة بهم، والكثير منهم يرجع منزعجا لما يلاقيه من عدم اهتمام به
وبمعاملته، فلا احد يسأل به او يستقبله او يستفسر منه عن هدفه، وإذا ما
أجابه احد الموظفين فانه غالبا ما يجيبه بغلظة وحدة، ويبلغه بان معاملته
تحتاج إلى حوالي أسبوع او أسبوعين حتى يتم إنجازها, وفي حقيقة الأمر فان
معاملته لا تحتاج إلى كل هذا الوقت، ولكن الموظف لا يسمح له مزاجه هذا
بإنجاز معاملته. أما إذا راجع بالمعاملة احد الأفراد من الجنس اللطيف فان
الأمر يختلف تماما، فكل الموظفين يتراكضون لاستقبالها والاستفسار منها عن
هدفها ورغبتها، ويعرضون عليها شرب القهوة او الشاي، ويتكلموا معها بلطف
وود، والابتسامة العريضة تعلوا شفاهم والكل يحاول خدمتها، وإذا لم يستطع
فانه سيحاول، وإذا ما فشلت محاولته فقد يبحث لها عن احد أصدقائه وقد يتمكن
هذا الصديق من ان يساعدها، فما هو السر وراء كل هذا التزاحم والاندفاع من
قبل الرجل لخدمة الجنس اللطيف بخلاف الرجل ؟. هل لدى المرأة حقا قوة خفية
تجذب بها الرجل إليها ولا يستطيع ان يقاوم وما هي هذه القوة؟ وكيف تحدث
مفعولها بالرجل وتجعله يوافق على الكثير من السياسات او الأوامر وحتى لو
كانت تتناقض مع أهدافه وطموحاته. بالحقيقة ليس كل المراجعات من الجنس
اللطيف من ينلن هذا الاستقبال وهذه الحفاوة، وأيضا ليس كل الموظفين من يهتم
بكون المراجع من الجنس اللطيف او من الجنس الخشن، وان كان معظم الموظفين من
يتأثر بكون المراجع امرأة او رجل، وإذا ما كانت امرأة فهل هي شديدة الجمال
أم لا، وسهلة أم صعبة المنال، كل هذه الاستفسارات تراود نفس بعض الموظفين
في لحظات وعلى ضوئها يقرر فيما إذا يمكن له ان يساعدها أم لا، فلماذا يحاول
الكل من الذكور استرضاء الإناث ونيل إعجابهن وتقديرهن واحترامهن !هذا هو سر
قوتهن وتأثيرهن والسر وراء تهافت معظم الرجال لخدمتهن لشيء ما، في نفس
يعقوب، ولكن ليس التهافت لخدمة أي امرأة، فالمرأة تختلف في تأثيرها على
الرجل طبقا لمواصفاتها الجمالية والأنثوية والتأثر في هذه المواصفات يختلف
أيضا من شخص لآخر. وكان تأثير المرأة هذا على مر العصور والأجيال، وقد
تمكنت المرأة من هز الكثير من العروش والقضاء على الكثير من الحكام
والأمراء والقادة، في الوقت الذي فشلت فيه اعتى الجيوش من إنجاز ما أنجزته
ال
ان جمال الرجل يؤثر بالمرأة أيضا، وهذا الجمال يختلف في مواصفاته من
امرأة لأخرى، وغالبا ما يلفت انتباه الرجل جمال المرأة الجسمي ومدى أنوثتها
ومظهرها الخارجي، ويزداد هذا الجمال تأثيرا إذا ما اقترن بالعلم والثقافة
والذكاء وقوة الشخصية، ولكن المهم لدى معظم الرجال، الجمال الجسمي والأنثوي
للمرأة، لأنه هو العامل الأكثر تأثيرا بهم، وان اختلفت المرأة في رأيها
بالرجل والرجل المناسب الذي تراه زوجا مناسبا لها، فمن مواصفات الرجل الذي
تنجذب إليه المرأة مثلا، ما قالته امرأة من قبيلة حمير في من تراه زوجا
مناسبا كان ردها هو: " ان يكون محمود الأخلاق، مأمون البوائق، فقد أدركت به
بغيتي، على انه ينبغي إلا ان يكون كفؤا كريما، يسود عشيرته ويرب فصيلته، لا
أتقنع به عارا في حياتي ولا ارفع به شنارا لقومي بعد وفاتي.”
وعندما سألن بعض الفتيات عن المواصفات التي يرتأى يهن بزوج
المستقبل، قالت الأولى: " غيث في المحل، ثمال في الأزل، مفيد مبيد ---"
وقالت الثانية: " مصا مص النسب، كريم راضي، كامل الأدب، غزير
العطايا، مقتبل الشباب –أمره ماض، وعشيره راض. "
وقالت الثالثة: " عظيم المراقد، يعطي قبل السؤال، ونبيل قبل ان
يستنال، في العشيرة معظم، وفي الندى مكرم ----."
من آراء الشابات الثلاثة من العصور الماضية يلاحظ رأيهن بالرجل
المناسب كزوج مناسب لهن ومن الملاحظ ان المواصفات التي يفضلنها بالرجال
ليست مواصفات جسمية بقدر ما هي مواصفات معنوية وغير مرئية بخلاف ما يرتأى
به الرجل من صفات بالمرأة التي يقبلها ان تكون زوجة له، فمعظمها صفات
مرئية.
لقد تناقل العرب أوصاف المرأة الجسمية والخلقية التي تستهوي بها قلب
الرجل وعقله، وكانوا أكثر إطنابا وتفننا في انتقاء الأوصاف الجسمية، ومنها
وصف الأخوين عمرو وربيعه اللذين عاشا بالجاهلية عندما سألهما والدهما عن
أهم الصفات التي يحبونها في المرأة فأجاب عمرو: " الهر كولة، اللقاء
الممكورة الجيداء، التي يشفي السقيم كلامها، وببريء ألوهيب إلمامها،
الفاترة الطرف، الفلة الكف، العميمة الردف. " أما أخوه ربيعه فقال في
وصفها: " الفتانة العينين، والأسيلة الخدين، الكاعب الثديين، الرداح
الوركين، الشاكرة للقليل، المساعدة للحليل، الرخيمة الكلام. " وقال في
وصفها عربي آخر وهو يوصي صاحبه بالزواج من مثلها فقال له: " خذ ملساء
القدمين، لفاء الفخذين، ناهدة الثديين، حمراء الخدين، كحلاء العينين زجاء
الحاجبين، لمياء الشفتين، غيداء العنق، مكسرة البطن. " وقال آخر في وصفها:
" معتدلة الخلق، نقية اللون والثغر، بيضاء، وطفاء، كحلاء، دعجاء، حوراء،
عيناء، قنواء، شماء، برجاء، رجاء، أسيلة الخد، شهية المقبل، جثة الشعر،
عظيمة الهامة، عطاء، عريضة الصدر، كاعب الثدي، لطيفة الكعب والقدم، قطوف
المشي، ليست بخنساء ولا سنعاء، رقيقة الأنف، عزيزة النفس، رزينة، حليمة،
ركينة، كريمة الخال، قطيعة اللسان، رهوة الصوت، ان أردتها اشتهت، وان
تركتها انتهت. "
وفي وصف الأنثى المغرية للرجل، ما قالته امرأة من قبيلة كندة يقال
لها عصام، أرسلها الحارث بن عمرو ملك كندة لتخبره عن أوصاف ابنة عوف وكان
قد علم بجمالها وكمالها وقوة عقلها، ولما عادت عصام، استنطقها بالقول
المأثور " ما وراءك يا عصام ؟ " قالت: " -----رأيت وجها كالمرآة المصقولة ،
يزينها شعر حالك ، كأذناب الخيل ، وحاجبين كأنهما خطا بقلم ، او سوّدا بحمم
، بينهما انف كحد السيف الصنيع ، حفت به وجنتان كالأرجوان في بياض كالجمان
، شفافية فم كالخاتم ، لذيذ المبتسم ، فيه ثنايا غر ، ذات استر ، تقلب فيه
لسان بفصاحة وبيان ، بعقل وافر وجواب حاضر ، تلتقي فيه شفتان حمراوان
تجلبان ريقا كالشهد إذ دّلك ، وفيه رقبة بيضاء كالفضة ركبي في صدر كتمثال
دمية ، وعضوان مدمجان ، يتصل بهما ذراعان ليس فيهما عظم يمس ، ولا عرق يجس
، نتأ في ذلك الصدر ثديان كالرمانتين يخرقان عليها ثيابها ، تحت ذلك بطن
طوى على القاطي المدمجة ، كسر عكنا كالقراطيس المدرجة ، تحيط بتلك العكن ،
سترة كالمدهن المجلو خلف ذلك ظهر فيه كالجدول ، ينتهي إلى خصر ، لولا رحمة
الله لانبتر ، لها كفل يعقدها إذا قامت ، وينهضها إذا قعدت كأنه دعص رمل
تحمله فخذان لفا كأنما قلبا على نضد جمال ، تحتهما ساقان خدلتان ،
كالبردتين وشّيتا بشعر اسود كأنه حلف الزرد ، يحمل ذلك قدمان كحدو اللسان ،
فتبارك الله كيف تطيقان حمل ما فوقهما"
عندما وصل إلى مسمع ملك كندة هذه الأوصاف خطبها من والدها وتزوج
منها. كل هذه المواصفات الجمالية لدى المرأة هي الحافز الرئيسي للدافع
الجنسي لدى الرجل، وكلما حقق الرجل رغباته الجمالية يحاول الوصول إلى ما هو
أعلى من ذلك، لذا وصفت القوة الجنسية بالمتجددة والرجل بطبيعته يبحث عنها
باستمرار دون كلل او ملل، لذلك كانت المرأة بالنسبة للرجل هدفا له يبحث
عنها بشكل متواصل، وكلما وصل إليها كلما زادت رغبته فيها، كالسراب الذي
يلوح لك بالأفق من بعيد، تحاول الوصول إليه، لكنك حالما تصل إليه تراه وقد
اختفى وظهر لك مرة أخرى في مكان آخر، ومن على بعد وتتواصل في متابعته دون
جدوى.
لقد توصلت المرأة في الكثير من دول جنوب شرق آسيا إلى أعلى المناصب
الحكومية، فوصلت إلى رئيسة لمجلس الوزراء في دول كالهند وبنغلاديش
والباكستان وتركيا وأثبتت كفاءة لا تقل عن كفاءة الرجل في الإدارة والحكم،
كذلك في الاتحاد السوفييتي السابق صعدت إلى الفضاء الخارجي وقادت مركبات
فضائية كرائدة الفضاء فالنتينا تيريشكوفا، وفي أوروبة تبوأت المرأة مناصب
قيادية عليا كثيرة، وعملت في كافة المجالات، من قيادة السيارة العادية إلى
قيادة الشاحنة فالطائرة المدنية والطائرة الحربية والدبابات والقطارات
والسفن البحرية، كما تمكنت في ألمانيا من إدارة الكثير من المصانع بالكامل
دون مساعدة تذكر من الرجل وفي الكثير من الدول الأوروبية وصلت المرأة إلى
أعلى المناصب القيادية في المؤسسات الدولية التابعة للأمم المتحدة،
والتاريخ يذخر كثيرا بالنساء اللواتي قدمن خدمات جليلة للبشرية كمدام كوري
ومدام هيلين كيللر وغيرهم كثيرات. أما في الدول العربية فانه ما زال أمامها
مشوار طويل حتى تحصل على مساواتها بالرجل، المساواة العملية وليست الشكلية،
وما زالت تصارع في الكثير من الدول العربية من اجل ان تنال حقها بالانتخاب
والترشيح للمجالس التشريعية، وان كانت بعض أنظمة الحكم العربية قد زينت
مجالس الوزارة لديها برموز نسائية كوزيرة في بعض الوزارات كي تظهر أمام
الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية على أنها دول تحافظ على حقوق
المرأة وتساويها بالرجل بشتى المجالات، لكن هذه المساواة غير حقيقية،
فالمرأة لم تتساوى مع الرجل أمام القانون في الكثير من المجالات، حتى إنها
لا تستطيع الحصول على جواز السفر إلا بأذن من زوجها ولا حتى تستطيع السفر
إلا بأذن منه أيضا، وفي بعض الدول العربية لا يسمح للمرأة حتى قيادة
السيارة، ما زال المجتمع العربي بشكل عام يسيطر فيه الرجال على مراكز صنع
القرار، وما زال الرجل يكرس كافة الأنظمة والقوانين التي تكرس المرأة خادمة
له، واعتبارها إنسان قاصر وناقصة عقل ودين وإنها خلقت من ضلع آدم الأعوج،
وتفسر هذه الأقاويل بطريقة خاطئة يهدف منها ترسيخ ان المرأة غير قادرة ان
تكون مساوية للرجل.احد المجالس العربية التشريعية، اقر بحق قتل الزوجة
لزوجها إذا ما وجدته متلبسا بتهمة الخيانة الزوجية، ولكن هل يعقل حقا ان
بمقدور المرأة ان تنفذ أمرا كهذا، لو أنها فعلا وجدت زوجها في وضع كهذا
بالجرم المشهود، لماذا لا تتخذ السلطة القضائية والتنفيذية على عاتقها مهمة
تنفيذ مثل
ما يطلبه الرجل العصري من المرأة زوجة المستقبل، من صفات إضافة
لجمالها النسبي، ان تكون متعلمة وموظفة، لتشاركه أعباء الحياة الاقتصادية،
وهناك بعض الصفات الأخرى الثانوية، أما ما تنشده الزوجة العصرية في زوج
المستقبل، إضافة إلى جماله النسبي، الثروة المالية والوظيفة المرموقة، وقوة
الشخصية، وان يكون لديه سيارة وغيرها من الصفات الأخرى، والتي تختلف بينها
الفتيات من حيث الأولية.
غالبا ما يكون الرجل يتمتع بقوة الشخصية والسيطرة المطلقة على البيت
وعلى زوجته، وغالبا لا يشعر ان من مصلحته تنمية وتطوير وتعليم زوجته، إذا
لم تكن متعلمة، فهو لا يريدها متفتحة أحيانا كثيرة، حتى لا تطالبه بحقوقها،
وحتى حقوقها الانسانية، أما إذا كانت الزوجة متعلمة، وذات شخصية قوية، فان
الزوج العزيز، لا يستطيع ان يفرض شخصيته عليها، إذا كانت شخصيته ضعيفة
مقارنة بشخصيتها، وهنا تتعقد الأمور بينهما، فالرجل الشرقي لا يقبل ان تكون
شخصية زوجته أقوى من شخصيته، وقد يشعر بالخجل من ذلك، خوفا من معايرة الناس
له، خاصة معايرة أصدقاءه او أقرباءه، فهو لن يتقبل ان تكون شخصية زوجته
وعقليتها تفوق شخصيته وعقليته.
المتفاهم عليه اجتماعيا، ان الرجل بالبيت، هو الزوج وهو السيد، وهو
الآمر الناهي، ويجب ان يكون كلامه هو المطاع، مهما كان كلامه صحيحا او
خاطئا، وغالبا ما يطبق هذا الأمر، بين الأزواج بالمناطق الريفية، حيث تتعرض
المرأة للكثير من المحظورات والموانع، وكلها تصب في مصلحة الرجل، وهو في
هذه الحالة الزوج.
أما في المدينة، ونتيجة للتقدم النسبي فيها عن القرية، ونتيجة
للاختلاط الشديد بين الجنسين، وزيادة درجة الوعي بين الفتيات والنساء بشكل
عام، فان المرأة تتمتع بشخصية قوية نسبيا، وتفهم حقوقها بشكل أفضل، وتصارع
من اجلها، ولا تسكت على الخطأ الناتج من الزوج او الأخ او الولد، وتستطيع
أحيانا، ان ترد الصاع صاعين، وحتى لو كلفها هذا أحيانا الطلاق من زوجها في
سبيل كرامتها وحقها المغتصب.
لماذا لا تكون القيادة بالأسرة بين الزوجين، للشخص الأكفأ، سواء كان
الأكفأ هو الزوج أو الزوجة، مع مراعاة خصوصية كل منهما للآخر بالمواصفات
الذاتية التي تتناسب مع كل منهما على حدة. هذا الأمر ليس بالسهل إقناع
الرجل به من قبل المرأة، إلا إذا كان هو مقتنع به ذاتيا نتيجة للثقافة
الذاتية، إذا كان يحمل الفكر التقدمي، او إذا استخدمت المرأة كافة ما لديها
من أسلحة وقوة وبشكل جاد وذكي، بحيث لا تقطع خط العودة مع زوجها، وتستطيع
المرأة ان تختار الوقت المناسب لفرض إرادتها ومواقفها، إذا كانت مقتنعة
بها، وكما ذكرت بأسلوب مرن.
وتبقى الأنثى هي الأصل
------------------------------------------
أضيفت في13/02/2008/ * خاص
القصة السورية
/المصدر: الكاتب
(للتعليق
والمشاركة بالندوة الخاصة بأدب الرسائل)
  

جماليات السرد
في القصة القصيرة النسوية السورية
بقلم
الكاتبة:
د. ماجدة حمود

نماذج سورية
يحسن في البداية أن نتوقف عند إشكالية مصطلح (النسوية) الذي أسيء
فهمه كثيرا! إذ إن ما أقصده هو انفتاح اللغة الأدبية على خصوصية التجربة
النسوية، التي نلمسها في إبداع المرأة، دون أن نحمّل هذا المصطلح أي دلالات
تؤدي إلى تمييز أو تفوق أدب المرأة على أدب الرجل! لأن الإبداع، في رأيي،
هو الانتماء الحقيقي للأدب بغض النظر عن جنس قائله.
خصوصية دلالة العنوان:
نلمح هذه الخصوصية في اختيار عنوان قصة "أنياب رجل وحيد" (1) (في
مجوعة
غادة السمان
"لا بحر في بيروت" التي ظهرت طبعتها الأولى 1963) يلاحظ
أن هذا العنوان يحمل دلالات القهر والمعاناة التي تتبدى في اختيار لفظة
(أنياب) التي أضيفت إلى الرجل، وشكلت وحدة دلالية معها بسبب وحدة
المتضايفين، مما يعني أن الكاتبة ترى الآخر بصورة مشوهة، لكن صفة (وحيد)
خفّفت من هذا التشوّه، إذ جعلتنا نلمس تعاطف الكاتبة مع ظروف الرجل (أستاذ
الجامعة بسام) الذي يعيش تجربة غرائبية، فقد أُخبر عبر هاتف أتاه في المنام
بأنه مشرف على الموت بعد يومين، فيطغى عليه إحساس الزوال، ويتضاعف إحساسه
بالحاجة إلى الآخرين، لكنهم يكشرون عن أنياب الخداع، فلم يجد أمامه إنسانا
مخلصا سوى (سلمى)
تبدو المرأة هي ملاذ الرجل في محنته، بما تجسده من قيم الحب التي هي
حبل نجاة للإنسان الوحيد عالم مزيف! فهي تعيد للرجل إنسانيته، وتخلصه من
أنيابه ووحدته، مما يعني سيطرة صورة المرأة المنقذة على لا شعور الكاتبة
غادة السمان!
خصوصية التجربة:
نلمس في مجموعة
ألفة الأدلبي
"ويضحك الشيطان" التي ظهرت (1970)
نعايش في قصة "من أجلك أنتِ" تجربة المرأة المهانة التي اعتدى خطيبها على
شرفها وتخلى عنها بعد أن عرف أنها حامل!
يتجلى الخيال المقهور هنا في تحويل هذا الرجل إلى قطيع من الذئاب،
وبذلك لا تستخدم الكاتبة الصفة السلبية (ذئب) بصيغة المفرد بل تجعلها بصيغة
الجمع، فيصبح الخطيب الهارب من مسؤوليته قطيعا من الذئاب تلاحق المرأة! "آه
من الذئاب!…قطيع من الذئاب يحمل رؤوسا بشرية يطاردني، يعوي ورائي…أسرع
الخطا، أركض كمجنونة…"(2)
بدت لغة الحلم إثر تجربة المرأة مع الرجل المعتدي تجسيدا لمخاوفها
تستطيع عبره التنفيس عن رعبها وقلقها الذي يصل حدّ الجنون!
نلمس جمالية الحوار الذي ينبع من خصوصية التجربة، إذ نعايش في هذه
القصة تجربة فريدة تجسد بؤس المرأة الحامل المخدوعة، التي لا تجد من تبثه
شكواها وحزنها سوى الجنين! فهو المستمع الوحيد الذي ترتاح إليه، لذلك تنشئ
حوارا مدهشا بينها وبينه في أحشائها (مفترضة أنه طفلة) وبما أن المستمع
(الجنين) لا يستطيع الحوار، فإن حوارها بدا داخليا أشبه بلحظة بوح واعتراف
ودفاع عن النفس، إنه حوار مع الذات وكشف للحظات ضعفها وحرمانها! كما هو كشف
لآمالها ومخاوفها، إذ يطاردها كابوس أنها ملاحقة تقع في فخاخ الذئاب!
اهتمت الكاتبة بأن تجعلنا نعايش تفاصيل هذه الأزمة منذ الافتتاحية،
ففي الجملة الأولى فيها "صحوت من نومي مرتاعة أرتجف" وحتى الخاتمة "سأقدم
على الأمر الفظيع (إسقاط الجنين) وسأحرم منك! لا من أجلي أنا بل من أجلك
أنت"
تلجأ الكاتبة إلى تقنية الحوار الذي يعتمد اللحظة الراهنة (أي
الترهين السردي) فيكشف مدى أزمة بطلتها الداخلية (إسقاط الجنين أمر فظيع
ومحرم دينيا واجتماعيا) كما يكشف صراعا بينها وبين ذاتها تحسمه لصالح
الطفلة، وكذلك لجأت الكاتبة إلى العبث بالزمن وجسدت لنا عبرالحوار الذي
يجسد لحظة مستقبلية حاسمة في حياة (الطفلة لجنين)!إذ تخيلت طفلتها صبية
جميلة يرفضها خطيبها لأنها ابنة غير شرعية، فنجدها تحاسب أمها باكية "لِمَ
كتمت عني الأمر؟…"
إن تجاوز اللحظة الحاضرة إلى المستقبل، يدفعها إليه خوف من مجتمع
ينسج البؤس حول مصير طفلتها غير الشرعية، لذلك تساعدها هذه التقنية على
استباق الأحداث وحسم أمرها في التخلص من الجنين، وهي تمهد لهذا الاستباق
الذي يستشرف المستقبل بعبارة "هأنذي أتخيلك" كي تمهد للمتلقي نقلتها
الزمانية وتضمن تفاعله.
ثمة نوع من الترتيب رغم تجاوزها للمألوف في تقديم أحداث القصة عبر
إطار زمني حر (حاضر، ماض، مستقبل) فقد لاحظنا أن حديثها عن الماضي قد سبق
حديثها عن المستقبل، إنها تريد أن تقدم للمتلقي ماضي الشخصية ولحظات ضعفها
ثم آلام تنتظرها في المستقبل، مما سينعكس على قرارها الذي اتخذته في
حاضرها، رغم أنه يتنافى مع تلبية حاجات المرأة الداخلية وهي تجربة الأمومة!
تجربة الأمومة:
في مجموعة ملاحة الخاني "كيف نشتري الشمس" (1978) تستوقفنا قصة "أنت
شبيهي" التي نجد فيها تجربة الأمومة بصورة مدهشة، فقد استطاعت الكاتبة أن
تقدم رؤيتها عبر صورة تجسد بؤس العلاقة بين أم وحيدة وابن عاق نسي أمه وهو
يلهث وراء لذاته ونجاحاته المادية، وقد جاءت هذه الصورة على لسان الابن
العاق، فبدا لنا صوت أعماقه واضح البشاعة "مع توالي الأيام نبتت لي مخالب
أخفيها وبراثن أتستر عليها، وفي موضع القلب أحمل فلزة من صخر …أنت وحدك
موئلي، ودارك ملاذي.
مررت أصابعها على جبيني، توقفت عند العينين، تبسمت. المرارة تقطر من
التجاعيد المرسومة حول الفم. أحس طعمها فوق لساني تلدغني ، أصابعها تغوص
الآن في عمق شعري، تدغدغه بعنف..شيء ما مدبب في رؤوس الأصابع يجرح جلدة
الرأس…يهبط على جبيني الذي ينـزف للتو، تكاد الأصابع تبلغ عينيّ… الأظافر
نبتت واستطالت وقست باتت مثل أظافر فهد متوحش."(3)
ثمة هاجس لدى الكاتبة هو أن تجسد خصوصية مشاعر الأمومة المكلومة،
فحاولت تجسيد هذه التجربة عبر أدوات تصويرية، فأي انحراف في العلاقة بين
الأم وابنها، تجعل الولد العاق يضع صخرا مكان قلبه، فيعيش حياة منسلخة عن
عالم الإنسان! إذ تنبت له مخالب، خاصة بعد أن حلت المرارة محل الرقة والحب
في قلب الأم، لذلك لن نستغرب هذه الصورة للأم التي تود لو تمزق ابنها
اللاهث وراء المادة ناسيا المعاني النبيلة والقيم! لهذا نكاد نفتقد، هنا،
الألفاظ الرقيقة، مع أن المشهد الذي تقدمه مشهد لقاء أم بابنها المسافر!
فقد طغت الألفاظ ذات الدلالة القاسية والمتوحشة (فلزة من صخر، المرارة، شيء
ما مدبب، الأظافر: تكررت مرتين، برائن، مخالب، فهد، متوحش) كذلك نجد
الأفعال بدت ذات دلالات عنيفة (تلدغني، يجرح ، ينـزف) حتى الفعل الذي قد
يحمل دلالة تبعده عن العنف (يدغدغ) تضيف إليه صفة تجعله قاسيا (تدغدغني
بعنف)، أو تجعله يحمل هذه الدلالة من خلال السياق (تقطر المرارة) (تكاد
الأصابع أن تبلغ عيني)
قدمت الكاتبة عبر ذلك كله صورة فنية تشكل معادلا لحقيقة بتنا اليوم
نعايشها، وهي افتقاد كل ما هو جوهري ينعش الوجود الإنساني ويعطي للحياة
معنى (رقة الأمومة وحنانها، وتجاوز الأبناء أنانية الذات) في مقابل اللهاث
وراء الزيف والمال، لهذا بتنا نستبدل بحب الأم مخالب فهد متوحش!
استخدمت الكاتبة أم عصام (خديجة الجراح النشواتي) في مجموعة "عندما
يغدو المطر ثلجا" في قصتها "الحقيقة العارية" لغة رمزية للدلالة توحي ببؤس
العلاقة بين الرجل والمرأة، لذلك تستعيض في هذه القصة عن الاسم أو الصفة
الاجتماعية، فالزوجة تصبح "فأرة" والزوج "سجانا" وبذلك تكون الدلالة
السلبية من نصيب الرجل والمرأة دون أي تحيز من الكاتبة لجنسها!
لكن ما لاحظنا في هذه القصة هو تسليط الضوء على صوت المرأة في لحظة
تأزم، فنلمس تفاهة الحياة التي تعيشها بسبب الزوج الذي يفرض عليها قيم
الحياة الحديثة بنظره (السهر، الرقص، المجون، حيث يتبادل الرجال زوجاتهم)
في حين نجد الزوجة ترفض الانصياع لهذه الحياة، وينتابها الخوف على ابنتها
فتقدم لها الحقيقة العارية التي تعني خلاصة تجربتها المرة في الحياة
فتقول؛: "المدينة زيف وتمثيل لا تحرر وصدق…ستهمس لها بألا تقبل الحياة في
سجن كسجنها، بل في قصر… قصر في مفهومه لا في قيمته المادية ورياشه
الفاخرة…ستعلمها بأن تقبل رفيق عمرها صديقا وندا وفيا، يقدر وفاءها له
ويحترمه… سترسم لها خطوط الحقيقة العارية."(4)
مع الحياة المشوّهة لن تستحق المرأة اسما عاديا أو لقبا اجتماعيا
وإنما ستطلق الكاتبة عليها اسما رمزيا "فأرة" يجسد بؤس حياتها التي أوصلتها
إلى الهامشية والمهانة، وكذلك لن نسمع اسم الزوج ولن نلمس صفته الاجتماعية،
بل سنجده من خلال الدور الذي يمارسه هو "السجان" ويتحول بيت الأحلام
الزوجية إلى سجن تنتهك القيم فيه!
لذلك نجد المرأة تهرب من حاضرها التعس إلى أحلام الماضي، لكن هذا
الهروب لن يشكل ملاذا لها، فقد تجسدت أحلامها في أسوأ صورة، لهذا كان إحساس
الفجيعة يشمل حاضرها كما شمل ماضيها، يأتي صوت أعماقها عن طريق الراوية،
الذي يبدو لنا حميميا أحيانا، إذ قلما تتحدث الشخصية بلسانها (مستخدمة ضمير
الأنا) فهي تتحدث بلغة حذرة، مستخدمة صيغة الغائب، لعل الكاتبة تتجنب إساءة
فهم قد تتعرض له من قبل المتلقي الذي قد يماهي بينها وبين الشخصية النسوية!
لذلك تلجأ إلى ضمير الجماعة، كي تلمح إلى أن هذه المعاناة جماعية لا علاقة
لها بذات الكاتبة.
خصوصية علاقة المرأة مع الزمن:
نلمح هذه الخصوصية في قصة أخرى لأم عصام هي "المرحلة الصعبة" إذ
نعايش تجربة تكاد تكون خاصة تدعى أزمة منتصف العمر، صحيح أن هذه الأزمة
يتعرض لها كل من المرأة والرجل، لكن معاناة المرأة تبدو أكثر حرقة، لهذا
تسيطر لغة الوجع الروحي على الشخصية النسوية فنسمعها تقول: "تتحسر روحها"
أو "روحها تتبدد في الشكوى" أو تتلوى الروح تتمتم" فقد أعلن موتها حين بلغت
منتصف العمر!
وبذلك نعايش في هذه القصة أزمة المرأة التي تدعوها الكاتبة بـ"المرحلة
الصعبة" في عنوان يجسد المقولة الأساسية للقصة، ويسلط الضوء على لحظة
مأزومة تمر بها المرأة، تزيدها قلقا وخوفا من الحياة، خاصة حين لا تجد عونا
من أحد، حتى من زوجها ينشغل بالقراءة عن الإصغاء إليها، لذلك بدا لنا
الحوار الخارجي أشبه بحوار داخلي، مادام الآخر "يغرق في هدوئه وصمته وعيناه
مسافرتان عبر السطور"
لهذا يسيطر على المرأة إحساس بالدمار فـ"في المرحلة الصعبة يتهدم كل
شيء، ونخال الأيام قد انتهت" تتابع تداعياتها عن الماضي بكل ما يعنيه جمال
الشباب الذي يحمل بين يديه إمكانات الفرح والأمل "تبدأ الحياة والمستقبل
يتراءى خلف بريق الأمل…نخال الغروب شروقا، نخال كل ما نحصل عليه سيلفحنا
بحرارة الغد الذي لم يولد بعد."(5)
أعتقد أن عدم استخدام ضمير الأنا المفردة، في هذه القصة، أفقد
الخطاب حميميته، مما أدى إلى جعله أقرب إلى الخطاب العام! لعل الخوف من
المجتمع دفعها إلى استخدام ضمير يبعد عنها الشبهات!!
تشوّه العلاقات الإنسانية:
في مجموعة
ضياء قصبجي "ثلوج دافئة" ترصد بلغة غرائبية تشوه العلاقات
الإنسانية إلى حد مفزع، والكاتبة هنا لا تبرئ المرأة وتتهم الرجل، بل تبدو
معنية بالتشوهات النفسية التي تحاصر المرأة اليوم! فحين تذهب الصديقة (في
قصة "نداء من الماضي") لتعزي صديقتها، التي تربطها بها خيوط مودة بالية،
بوفاة والدها يستقبلها كلب أسود حاول الخروج إليها ليفترسها، وهو ينبح
نباحا شرسا….وينظر إليها بعينين يتطاير منها الشرر، كان مخيفا…" لذلك
تساءلت بينها وبين نفسها "هل يؤدي الإخلاص إلى التهلكة أحيانا!"(6)
فالصديقة اللاهثة وراء متع الحياة تركت كلبا يتلقى العزاء، لذلك نجد
هذه الصديقة تتمتم في الخاتمة برغبة مكبوتة، تنطق بالحقيقة المؤسية "أليس
من الأفضل أن يذهب الكلب وتبقى السيدة؟؟!!" فنلمح رغبة ملحة في أن تعود
الحياة إلى وضعها الطبيعي، فيتم الاحتفاء بالعلاقات الإنسانية!
نلاحظ في الخاتمة استخدام لغة حيادية، فالصديقة التي تهرب من
صديقتها تفقد صفة الصداقة لذلك تصبح (سيدة) فقط، لاحق لها في امتلاك اسم
يقوم على الصدق والمحبة، لهذا أطلقت عليها اسما محايدا (سيدة) تستحقه
وتحرمها من صفة لا تستحقها (الصديقة)!
كنت أتمنى لو كثّفت الكاتبة لغتها أكثر، فتخلت عن بعض تداعياتها
التي أساءت إلى بنية القصة، كتلك التي تتحدث عن ضعف ذاكرتها، وعن بعض
صفاتها (ص 37_ ص 38)
لعل الغرائبية سمة من سمات الكاتبة ضياء قصبجي، لهذا لا تميز في
أغلب قصص مجموعتها بين امرأة أو رجل، كأنها تريد أن تنذرنا بأننا إذا لم
نحافظ على علاقاتنا الإنسانية بكل دفئها، سنعيش حياة مشوهة تصل حد
الحيوانية، ففي قصة "ليلة العرس" نجد مظاهر البذخ تصل حدودا غير طبيعية،
لذلك بدا العريس "وحشا" وبدت العروس "نعامة"
تدهشنا هذه القصة بدلالاتها الساخرة التي تجعل من أجواء البذخ
والتفاهة جوا يقترب من حديقة الحيوان، مما يذكرنا بعوالم زكريا تامر
الساخرة.
العلاقة مع الرجل:
بدت الكاتبة معنية بالحفاظ على عالم نقي يسود حياتنا الاجتماعية،
لذلك تقوم بتسليط الضوء على العلاقة المشروخة بين المرأة والرجل في قصتها
"شروخ في الخيمة" التي يوحي عنوانها بتمزق الروابط الأسرية التي تجمعها
خيمة الزوجية، خاصة حين تصبح العلاقة بين المرأة والرجل علاقة سيد بمسود،
تقول الزوجة: "أنتظر أن يأمرني بنصبها (الخيمة) في المكان الذي يريده"
قدمت لنا الكاتبة العلاقة المشروخة عبر صوت أعماق المرأة التي تبوح
بآلامها وتسرد قهرها بسبب تسلط الرجل "فقال بصوته الزاجر" فنعايش بؤس
العلاقة الزوجية بكل تناقضاتها، إذ نجد مقابل لغة الزجر الذكورية لغة الحب
الأنثوية، فتجيب المرأة بصوت يملؤه الحب والحنان"
لذلك وجدنا المرأة تعيش علاقة غير سوية أشبه (بالمازوشية) فتردد
بينها وبين نفسها عبارة تجسد ذلك "إنه ظالمي لكنني أعشق ظلمه" فالظلم
والزجر والأنانية والعطالة سمات الرجل (يأكل بشهية وحده، يغط في نوم عميق)
لكونه ينعم بالهدوء وعدم المبالاة بمن حوله!
نلمس لدى الكاتبة تعاطفا ضمنيا مع المرأة ، فنسمع وجهة نظرها في حين
يغيب صوت الرجل في هذه القصة فيتجلى عبر جمل قصيرة ترتكز على توجيه الأوامر
للمرأة "ثبتي عمود الخيمة هنا…وافتحيها" في حين تبدو المرأة فاعلة معطاءة
(تهيئ لزوجها الفراش الوثير وتنام على البساط، تقدم له الطعام ثم تتناول
بقاياه!)
أمام هذا القهر تستجيب المرأة لنداء حب متكافئ، يدعوها إليه رجل آخر
يراها إنسانة لا عبدة، يتعاون معها على حمل أعباء الحياة.
يلفت نظرنا أننا لا نجد في هذه القصة أسماء تحملها الشخصيات سواء
أكانت شخصيات ذكورية أم أنثوية، تكتفي الكاتبة بتجسيدها عبر الضمائر، كي
تضفي عمومية على فضاء قصتها، لكن الملاحظ أن الرجل الظالم تبدى لنا عبر
الضمير الغائب في حين تبدى لنا الرجل المحب عبر ضمير المتكلم الذي ينطق
بلغة إنسانية تؤسس لعلاقة متكافئة بين المرأة والرجل في الوقت الحاضر
والمستقبل، مادام الماضي لم يعد ملكا لنا!
نفتقد في البداية، مع توتر العلاقة بين المرأة والرجل، ضمير الجماعة
الذي يوحد بينهما، لكننا مع ظهور علاقة إنسانية تقوم على الحب والفهم، يبدو
لنا ضمير الجماعة قد وحد بينهما، فباتت أفعال المرأة والرجل واحدة (مررنا،
سررنا) وصفاتهما واحدة (مسرورين) بل أصبح هدفهما واحدا (متجهين نحو …)
أفلحت الكاتبة في توظيف الطبيعة لتكون معادلا فنيا لعلاقة المرأة
بالرجل، فالعلاقة غير السوية (الظالمة بينهما) تنعكس على علاقة الليل
بالنهار "داهم الليل النهار" أما شروق الشمس فقد أصبح "معركة" وظلام الليل
أصبح "احتلالا" وبذلك نفتقد، مع علاقة القهر التي تؤسس علاقة المرأة
بالرجل، جمالية لقاء الليل بالنهار (الغسق والشروق) إذ بات اللقاء صداميا
بينهما كأنه لقاء حربي!
من الملاحظ أن الكاتبة جعلت العلاقة غير السوية بين المرأة والرجل
في فضاء خيمة ممزقة! أي في فضاء ذي دلالة تقليدية، تقهر المرأة، فالخيمة
مازالت رمزا، باعتقادنا للحياة القبلية التي وصلت في الجاهلية إلى درجة وأد
المرأة! وقد منحت الكاتبة صفة التمزق للخيمة لتـزيد في دلالة بؤس العلاقة
المشوهة بين المرأة والرجل التي تظللها خيمة ممزقة!
أما العلاقة السوية فقد تمت في فضاء الطبيعة التي تحمل دلالة منفتحة
على الجمال "الأرض الخضراء" حيث يتم اللقاء "في ظلال الزيزفون" "أمام غدير
طافح بالماء" حيث توقفت الشمس عن معركتها وعاد إليها شروقها الجميل، فانتشت
الطبيعة فرحة، وكست أشعة الشمس مياه الغدير "بريقا متراقصا"
إن جمال العلاقة الإنسانية بين المرأة والرجل انعكس على الطبيعة،
فغابت اللغة القاسية التي تجعل الفضاء الطبيعي أشبه بفضاء حربي (داهم،
معركة، احتلال…) فتقتل أية إمكانية لوجود علاقة إنسانية! ولكن مع العلاقة
الندية بين الرجل والمرأة ظهرت اللغة الرقيقة ذات الإيحاءات الجميلة
المعطاءة (الخضراء، ظلال، غدير، طافح…) بل تحولت الطبيعة إلى أم رؤوم تحنو
على المرأة والرجل حين سكن الحب قلبيهما، فابتعدا عن الحياة الجاهلية "سرنا
في الطريق الذي يبتعد عن الخيمة… تحت أشجار الصنوبر التي تحنو بأوراقها
وظلها علينا."(7)
وبذلك أسهمت اللغة الحساسة في تأسيس فضاء قصصي متميز، يهب القصة
جمالية خاصة تجعل عملية تلقي القصة عملية ممتعة، تغني الروح والفكر، وتجسد
طموح المرأة إلى فضاء أكثر إنسانية ينأى عن السياق الجاهلي الذي مازال يرمي
بثقله على العلاقة بين المرأة والرجل.
مع مجموعة "غسق الأكاسيا"
لأنيسة عبود
تحضر الطبيعة في المقولة
الأساسية للمجموعة (العوان) كما تحضر في التفاصيل، فهي جزء أساسي في صراع
القيم والمثل مع القبح!
نلاحظ امتزاج لغة الهم الخاص بلغة الهم العام، إذ إن أي دمار للوطن
سينعكس أول ما ينعكس على روح المرأة الصافية! وهي غالبا امرأة ريفية ("شروخ
في الزمن" "المرآة") لذلك بدت المدنية الزائفة التي نعيش فيها اليوم المصدر
الأساسي للكآبة التي تعانيها المرأة، إنها مصدر البشاعة التي حلت بحياتنا!
تبدو لنا المدينة المشوهة وقد اعتدت على الطبيعة، فقتلت أجمل رموزها
"شجرة الشط" عندئذ تقتل الأصالة والنقاء والحب والعطاء من أجل أن يسود
الاستهلاك والمال! وقد بدت هذه المجموعة عبر فضائها المشوه (المدينة)
وفضائها النقي (الريف) استمرارا للفضاءات التي عايشناها في روايتها "النعنع
البري"
التجريبية في القصة القصيرة:
يسجل للكاتبة
أنيسة عبود أنها استطاعت أن تقدم القصة القصيرة
التجريبية بشكل إبداعي، ففي قصة "انفجار الألوان" تمتزج القصة القصيرة
باللوحة التشكيلية، إذ تسرد علينا القصة عن طريق لوحة ترسمها الشخصية
(زنوبيا) تفاصيل حياتها فتبدو لنا الريشة قلما تستجلي بها أعماقها "أغمر
ريشتي في الماء كأني أغمرها في محيط بعيد أمتد باتجاهه، علني أرى نهاية هذا
العماء الذي بدأ يتبلور في أعماقي."(8)
تتيح عوالم الفن التشكيلي للكاتبة أدوات تعبيرية مبدعة، لو تأملنا
لفظة (ريشة) التي قد تكون أداة رسم وقد تكون ريشة طائر في مهب الريح، وقد
استطاعت هذه الدلالة أن تجسد لنا الضياع في محيط مضطرب، لذلك لن نستغرب
سيطرة الألوان السوداوية التي تحمل دلالات حزينة!
إن حزن (زنوبيا) ليس حزنا عاديا أو شخصيا إنه "حزن كوني" يؤلمها ما
أصاب أمتها من انكسارات التي تدعوها ساخرة بانتصارات، فتتضح لنا معالم
الشخصية عبر لغة التناقضات التي تجعل الشخصية "وريثة انتصارات الخليج
وانتصارات النفط وانكسارات الأعماق" لهذا بات الفضاء الزمني الذي تعيشه
متأرجحا متراقصا كورقة تعبث فيها الريح! لا يوحي لها بالاستقرار أو الأمان!
نعيش مع هذه الشخصية (زنوبيا) معاناة المرأة المبدعة، التي بدأت
تحقق نقلة نوعية في وعيها، إذ ترى وجودها الإنساني عبر الإبداع، لا عبر
الرجل! لذلك نسمعها تقلب مقولة ديكارت "أنا أفكر إذا أنا موجود" إلى "أنا
أرسم إذا أنا موجودة" لكن هذا الوجود الإبداعي تهدده علاقات إنسانية مشوهة
تحيط بها سواء مع الرجل أم مع المجتمع بما فيه من حيتان مستوردة تهدد
بالتهام الأصالة والجمال من حياتنا!
تتضح لنا في هذه القصة العلاقة بالرجل وتكتفي الكاتبة بالتلميح إلى
العلاقات الأخرى التي بدأت تشوهها الحيتان، نظرا لطبيعة القصة التي تقوم
على الكثافة والاختزال!
تبدو لنا (زنوبيا) امرأة جديدة، تبحث عن ذاتها فتجدها عبر الإبداع
الفني، فهي مقتنعة بأن الإبداع صنو الخلود" وهذا ما يهدد علاقتها بالرجل
الذي لم يتفهم بعد أعماق المرأة المبدعة، لهذا كانت علاقتها بالألوان علاقة
انسجام حتى بدت مندغمة متداخلة بوجودها، في حين كانت تنظر إلى (عاصم) ضجرة
"ترى خيالات عينيه ووجنتيه وشعره، فهي غير متأكدة من لون عينيه ولا من لون
شعره"
إذا ثمة فرق بين الاندغام والتوحد مع الألوان وبين تحول الرجل إلى
مجموعة خيالات باهتة، لذلك لن تستطيع تذكر لون شعره أو عينيه، فكأن الفن
هو الحقيقة التي تتأكد في أعماقها، في حين بات وجود الرجل أقرب إلى الوهم،
فهي غير متأكدة من وجوده، لذلك يبدو لنا سؤال الرجل "أتحبينني؟" في
الافتتاحية سؤالا ذا دلالة سلبية، لأن وجود الرجل في حياة المرأة المبدعة
يدمر فنها، فقد سمعنا جواب (زنوبيا) عن هذا السؤال "أتحبينني؟" موحيا لنا
بدمار الفن "أفرط شعر الريشة فيتناثر عبر فضاءات الغرفة المزدحمة بالألوان
والأشياء والغضب" لذلك من حقها أن تتساءل: "أي سؤال هذا الذي يقف بالباب
موجها لي متطاولا كشجرة تسد علي بظلالها كل منافذ الشمس"
صحيح أن الرجل (الشجرة) ضروري للحياة لكنه لن يكون في أهمية الشمس
أي (الفن) بالنسبة إلى المرأة، لذلك قد يؤدي وجوده لسد آفاق الحياة أمامها
فتراه نوعا من "الطوفان" الذي يدمر حياتها، في حين يراها الرجل "قصيدة"
تزين حياته!
تبدت لنا علاقة المرأة بالرجل، عبر لغة مأزومة (تسد منافذ الشمس،
الطوفان، الغضب…) توحي لنا بمعاناة المرأة مع الرجل، إنه يحاول ترويضها كي
يصبح عالمها الوحيد تدور حياتها حوله، فهو لا يمكنه أن يصدق أن بإمكان
المرأة أن تنشغل عنه بإبداعها الخاص، لترى وجودها من خلاله! بمعزل عن
الرجل!
يبدو لنا الرجل أكثر انشغالا بعالم الماديات، في حين تبدو المرأة
مهمومة بهم الوطن والإنسان! لذلك لم يعد يوحي لها "بلوحات جديدة ولا
بانفجارات لونية"
لكن الكاتبة تدرك أن أي دمار يلحق بالوطن، في ظل النظام العالمي
الجديد، لن يصيب المرأة دون الرجل، لذلك لابد أن يتحدا للوقوف ضده، تتعمد
الكاتبة إخفاء ضمير (الأنا) الذي لحظناه في القصة أثناء الحديث عن هم
الإبداع (الذي هو هم ذاتي) ليفسح المجال لضمير الجماعة (الذي يضم النساء
والرجال) فالأخطار تحيق بهما معا "إن عالما جديدا ينبثق الآن من أصابعنا
وذاكرتنا يحمل السياط ويجلدنا لنعترف على أنفسنا ولندخل لعبة السجن
الجديدة."(9)
تحاول الكاتبة تقديم ملامح عالم الاستهلاك، وقد عززتها الأقمار
الصناعية التي جعلت الإنسان العربي مهددا بتدمير شخصيته وهويته، كي يبقى في
سجن التخلف والذل! ويعيش مقلدا لا مبدعا!!
لهذا تتمنى (زنوبيا) أن يكون الرجل سفينة إنقاذ تساندها كي تواجه
بؤس حياتها وكآبتها، لكن الرجل يخيب ظنها، مازال ممسوخا داخل أفكاره
وأنانيته! تراه نقيضا للفن تراه وسيلة تعول عليها في مواجهة هذا الدمار
وهذا الانهيار في القيم والمثل.
وقد أسهمت اللغة الشعرية في بناء القصة، واستطاعت أن تجسد الحلم
والمكونات الداخلية اللاشعورية الأخرى، فعايشنا فيها كثافة الرموز،
والدلالات التي توحي باختلاط المثل وسيطرة القلق على الشخصية بعد الطوفان
الذي بدأ يدمر حياتنا، بكل ما تحمله من قيم أصيلة: قيم الحب والجمال
والعطاء! "يا لهذه الريشة الملعونة التي ترفض أن تنصاع لرغبتي…أريد أن أرسم
فتاة في طرف اللوحة هنا، أريدها باسمة فرحة…مشرقة الوجه كشجرة اللوز
المغسولة بالمطر..لكن الريشة لا ترسم إلا فتاة مدبوغة بالحقول والهجير
والخوف…"(10)
تمنح القيم المعنى الحقيقي للحياة، لذلك تفتقد المرأة السعادة
والحلم بحياة أفضل حين تفتقدها، لهذا تعيش القلق والخوف والهجران في زمن
الاستهلاك!!
لو تأملنا الفضاء المكاني في هذه اللوحة للاحظنا الحضور الكثيف
للريف بكل تنوعاته (روعة الخضرة، حيواناته وطعامه…) فهو المنبع الوحيد
للفن، وبالتالي المنبع الوحيد القادر على مواجهة الدمار، في حين بدت
المدينة نقيضا للفن، لذلك حين ترسم (زنوبيا) شارعا في مدينتها تبدو عاجزة
عن الإبداع، إذ تخرج الألوان من قانونها…مزج الأزرق بالأصفر لم يعطِ
اخضرارا" لأن المدينة تقتل الخضرة والجمال، فهي بالتالي عاجزة عن إلهام
الفنان!
وقد منح البناء التشكيلي القصصي، إن صح التعبير، الكاتبة قدرة مدهشة
في التخييل، فالشخصية مثلا ترسم في لوحتها خرافا سرعان ما تختفي، فقد
التهمها كلب كبير، ثم انقض على الرسامة ناشبا أظفاره في رقبتها، فهو عالم
القوى الكبرى التي لن تفسح المجال للوداعة والمحبة والعطاء، لذلك يلتهم
الكلب الخراف، ولن يفسح المجال للفن الصادق أن يقول كلمته، سيبذل كل جهده
لخنق هذه الكلمة وينشب أظفاره في عنق كل مبدع!
وقد اختارت الكاتبة اسما لشخصيتها اسم بطلة تاريخية، واجهت الأعداء
وفضلت الموت على الأسر، إنه اسم (زنوبيا) وقد كان اختيارها موفقا لأننا
أمام بطلة معاصرة تواجه دمار وطنها الذي توصل للحقيقة والجمال والمثل
ويقاوم الزيف والبشاعة!
بدت لنا هذه الشخصية أشبه بالشخصية الرسولية التي تحس بتفردها بفضل
إبداعها، لذلك وجدنا لديها طموح الرسل في خلق عالم جديد نقي، بإمكانه أن
يقاوم الزيف والطوفان الذي سيغرق العالم، نسمعها تقول "لدي أمور أود أن
أنجزها قبل الطوفان"
وقد اختارت الكاتبة اسما عاديا للرجل، لا علاقة له بالتاريخ، لكنه
يوحي لنا بصفة الردع التي يراها منوطة به، إذ لديه رغبة في أن يعصم المرأة
من فنها ويبعدها عن كل ما يلهيها عن وجوده، لذلك كان اسم "عاصم" موحيا
بدلالات سلبية!
صحيح أننا لاحظنا امتزاج هموم الوطن بهم المرأة في هذه القصة، لكننا
لمسنا خصوصية الخطاب النسوي بكل معاناته الذاتية والعامة، وبفضل استخدام
الكاتبة لضمير (الأنا) بدت لنا القصة أشبه بقصيدة بوح تضيء أعماق المرأة
بما يشبه الاعتراف، نسمع زنوبيا تقول:"أنا كغيري من النساء أحب الهدايا،
ولكن يكفي أن تهديني قرنفلة أو قصيدة… لأعترف بأني انتظرت هداياك…ويوم كانت
تغيب هداياك الصغيرة، كنت أحزن وأتوقف عن الرسم، لا أعرف لماذا، ربما هي
أنانية المرأة… أعرف أني لم أعترف لك بحبي مع أنني كنت أريد أن تعترف لي
بحبك في كل لحظة، الهدية اعتراف بالحب، أو هي بوح آخر أكثر ترميزا وأكثر
خصوصية من البوح…"(11)
مع هذه اللغة الحميمة نسمع صوت أعماق المرأة معترفا بما يفرحها من
تصرفات وما يسعدها من أقوال، فنعيش معها صدق التجربة وحرارتها، فرسمت لنا
الكاتبة أبعادا للذات الأنثوية قلما نظفر بها في الحياة العادية!
افتقدنا في اللغة القصصية لدى أنيسة عبود،أحيانا، الكثافة والإيجاز،
دون أن يعني هذا القول افتقادها للغة متميزة في حساسيتها وشاعريتها، مما
يمكنها من تقديم قصة تجريبية متميزة.
أخيرا لابد أن يلاحظ المتتبع للقصة القصيرة النسوية السورية أنها
استطاعت أن تجسد خصوصية التجربة الأنثوية عبر خطاب قصصي يسعى للتميز،
والنطق بلغة أدبية خاصة، تمنح القصة فرادتها، فحاولت المزج بين الأسلوب
الحداثي والأسلوب التقليدي! وهذا ما حاوله الكاتب في إبداعه في أغلب
الأحيان! من أجل أن يتمّ التفاعل مع المتلقي بشكل أفضل.
وقد بدا لنا أسلوب الحداثة أسلوبا تجريبيا، كل كاتبة تسعى فيه ليكون
لها صوتها المتميز، صحيح أنها حاولت الابتعاد عن الأسلوب التقليدي، لكن
دون أن يعني هذا القول وجود حاجز حديدي، في كثير من الخطاب القصصي، يفصل
بين الطريقة التقليدية، التي تقدم فضاء القصة بشكل منتظم عبر لغة واقعية،
وبين الطريقة الحديثة التي تجسد صوت الأعماق، عبر لغة الشعر والتخييل.
لكن ما نلاحظه هو تلك المعاناة المشتركة بين الكاتبات سواء كتبن
القصة الحداثية أم القصة التقليدية، وهي اللغة الفضفاضة التي تفتقد الكثافة
اللغوية، مع أنها من أبرز سمات القصة القصيرة.
لكن ما يسجل لصالح القصة النسوية السورية أننا لم نجد في لغة الخطاب
تلك اللغة المتشنجة الانفعالية أو المتعصبة التي تقطر كراهية للآخر (الرجل)
مما يعني تجاوزها محدوية الأفق وفجاجة في الوعي!
----------------------------------
الحواشي:
|