الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | معلومات النشر | من نحن | كلمة العدد

 دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 07/06/2008

إلى صفحة الكاتب

دراسات

   
   

سيمون دي بوفوار والجنس الآخر

 النقد النسائي بين فيرجينيا وولف وجوليا كريستيفا

 المرأة والكتابة بالجسد

الجسد الأنثوي وفِتنة الكتابة

وضعية المرأة السوسيو- ثقافية بين الثابت والمتحول 

المرأة المثال في وجدان الشعر العربي 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

النقد النسائي

بين فيرجينيا وولف وجوليا كريستيفا

بقلم: عبد النور إدريس*

 

في أحد محاضراتها حول " مهنة النساء" تطرقت فرجينيا وولف إلى الصعوبات التي تعترض المرأة عندما تريد أن تكون كاتبة، فعند كتابتها لهذه المقالة لاحظت أنه عند الشروع في النقد الأدبي كان عليها مواجهة المقدّس...مواجهة الأشباح...مواجهة الجنس الجميل، ولما تمكنت من معرفته جيّدا فقد حدّدت تسميته في " ملاك البيت" تيمُّنا بأشهر الأشعار التي تقف حائلا بينها وبين الورقة، تقول" إنكم لا تعرفون "ملاك البيت" أنتم الذين تنتمون للأجيال الصغيرة والسعيدة ، لذلك سأصفه لكم".مهنة النساء.

فالمرأة عندها وبتلك التحديدات الربانية التي وُصفت بها جعلتها داخل المقدس كملاك وديع ـ جميلة إيجابيا ـ كاملة معطاءة ، تضحي وتتقدّم داخل الفن الصعب، فن الحياة، فن العيش داخل العائلة، ففوق المائدة إذا كانت الأكلة دجاجة فهي تكتفي بقطعتها المهمّشة، إذا كان هناك تيار هواء فهو مكانها الذي تجلس فيه ، وفي الأخير فهي تُحرم من التفكير ومن اللذة الخالصة فهي تفضل مشاركة الآخرين أفكارهم ومشاعرهم.

فملاك البيت عند وولف هو الصفاء الخالص، فصفاء المرأة واحمرار وجهها يلخصان جمالها وكل جمالياتها.

وتتابع الكاتبة وصفها لملاك البيت بأواخر العصر الفيكتوري لتقول بأن هذه الصورة هي التي كانت من وراء خوض غمار الكتابة تقول " لقد رأيت ظل جناحيها يغطّي صفحاتي، وأستمع إلى حفيف ملابسها بغرفتي".

لقد قتلت فرجينيا وولف المرأة داخلها كي تتحرر كتابتها وتُناقض التصوُّرات الكتابية لعصرها والتي كانت  تطبع عصرها والتي تجعل الكاتبة هي : المتفهمة، المرتخية، المستخدمة لأنوثتها، المستخدمة لخصائصها الجنسية في التعبير والمبتعدة عن رأيها الخاص.

وقد اعتبر خروج فرجينيا وولف عن النسق الكتابي لعصرها دفاعا عن النفس قافزة على كل الخصائص الكتابية السابقة من حيث أنها اعتبرت تلك المميزات قد تُفرغ كتابتها من كل خاصية وخصوصية وتجدر، وقد تحدثت الناقدة  Showalter Elaine عن خصائص الكتابة النقدية لفيرجينيا وولف تقول:  "الكتابة عند وولف تهرب باستمرار من النقد الوصفي و دائما ترفض الخضوع له وتوحيد وجهات النظر حوله " (1).

فاكتابة لدى وولف حدث ثوري تقيم بها: علاقة مملوءة بالرعب مع الأشياء المحيطة بها والتي تحدد وجودها المادي وتضغط عليه عبرعلاقة تجاذب تحيل ها مِشيَّتَها إلى مركز داخل المركزي والفاعل وبذلك يصبح همّ المجتمع من خصوصيات همّها كامرأة.

أمّا المحللة النفسانية والروائية جوليا كريستيفا(2)، فعند استقرارها بفرنسا سنة 1966 شاركت في تتشيط التنظير الأدبي واللساني مع مجموعة تيل كيل ومشاهير النقد الحديث كرولان بارت وزوجها فيليب سوليرس، من كتبها "أبحاث سيميولوجية  " 1969  " النص الروائي"1970، " ثورة اللغة الشعرية" 1974و "معبر العلامات" 1975.

إن النص الأدبي عند كريستيفا يعتبر كنسيج لإنتاج مادة اللاشعور التي تعكس شبكة للدلالات المبنية على إرثها الأيديولوجي المشبع بالتقاليد والعادات ل "أنا" الكاتبة التي تعكسها الحقول الدلالية للنص، فهي كما قال عنها بارت " تغير أماكن الأفكار" (3)

إن فيلسوفة النساء الفرنسيات قد تعرضت بالنقد للشعرية الحديثة لملارميه ولوتريامون من تحقيقها للثورة على صعيد الكتابة وهي تعتبر أن قطيعة هذه الكتابة مع المنطق تحقق نوعية الكتابة المعتمدة على إيقاع الجسد.

أمّا مناقشاتها " الجندرية" فقد ناقشت فيها البديهيات التي لا تجعل أي أحد يملك جنسه البيولوجي، من ثم كانت وجهة نظرها حول الأدب النسائي ترتكز على.

أولا :  رفضها للتحديدات البيولوجية التي تعتبر أساسية في التمايز الجنسي، فالمرأة تطلب الانخراط المتساوي واقعيا ورمزيا للتعبير عن التحرر الحقيقي للنساء.

ثانيا: النساء من وجهة نظرها يرفضن التراتب الرمزي الذكوري باسم التمايز.

أما الوضعية الخاصة التي تحدد معالم النقد الأدبي النسائي لجوليا كريستيفا، فهو رفضها للتقسيم الحاصل بين الذكورة والأنوثة على المستوى البيولوجي.

وقد أصبحت هذه الخاصية هي المسيطرة على كتابات كريستيفا وتحدد هويتها كناقدة وهي بذلك تفهم الثنائية رجل/ امرأة  انطلاقا من رصدها للمنظار الميتافيزيقي عليها.

الهوامش

1 -TORIL MOI, sexual /textual politics : Feminist Literary Theory,Methuen and Co.Ltd in ,1985 , introduction الترجمة منّي.

2 - من أصل بلغاري (صوفيا) متخصصة في نقد الأدب النسائي، محركة التحول بالسيميائيات الفرنسية، عضوة مجموعة (تيل كبل) تدرس منذ 1972 بالجامعة الفرنسية باريز 7.

-3 -TORIL MOI, Ibid, p: 150.

( للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة حول أدب المرأة )

 

    

 

 

سيمون دي بوفوار و"الجنس الآخر"

 

بقلم: عبد النور إدريس*

 

حملت سيمون دي بوفوار رسالتها للعالم حيث لعبت خلال مسيرتها الأدبية دورا رياديا في حركة تحرير المرأة .

فسيمون دي بوفوار(1908-1986)، أديبة فرنسية مثقفة حصلت على دبلوم في الفلسفة سنة1929 بتفوق، رفضت الخضوع لمصيرها المرسوم كأم وزوجة وكان لقاءها مع الكاتب جان بول سارتر حسب قولها:" الحدث الرئيسي في وجودها" (الكل مهم فعلا) 1972.

عاشت دي بوفوار هاجسا استحكم جل نشاطها الفكري، وهو هاجس الحرية وعلى الخصوص حرية المرأة ومن خلال ذلك حرية الكائن الإنساني عموما.

ويبقى مؤلفها " الجنس الآخر" 1949 من أهم وأشهر مؤلفاتها داخل فرنسا وخارجها والذي كان المرجع والمُعبّر عمّا كتب عن المسألة النسوية لفترة معيّنة، عالجت فيه وشخّصت الأوضاع التاريخية والاجتماعية والنفسية والخضوع الثقافي للمرأة لمجمل هاته الطابوهات الصمّاء.

ساهمت دي بوفوار في الحركة الثقافية الفرنسية عبر سيرتها الذاتية التي ركّزت فيها على تجاربها كأنثى وامرأة ابتداءا من كتابها، قوة السن 1960، وقوة الأشياء 1963، الموت السهل 1964، الكل يهم فعلا 1972، احتفال الوداع 1981، وذاكرة فتاة صغبرة 1985.

تحدثت في" قوّة الأشياء" عن رغبتها في إبراز ومساءلة الوضعية النسوية حيث قالت:" رغبة مني في الحديث عن نفسي، أرى أنه ينبغي لي وصف الوضعية النسائية" (1)

وقد انطلقت الكاتبة عند تشخيصها لوضعية النساء من تساؤل مشروع هو " من هي المرأة ؟" لتحدد هويتها والتي وجدتها هوية مُستلبة، من اختلاق الرجل وحده.

وبذلك اخترقت دي بوفوار الصمت لتربط وضعية المرأة الفرنسية في القرن العشرين بالنماذج التحقيرية التي حاك خيوطها مذهب القديس طوماس.

وقد ألقت نظرة مقارنة على عالم النساء الأمريكيات لتستشعر وإيّاهن نفس موقف التحدّي الذي ينتابهن خاصة ما يثبت شعور الأنثى بنفسها الذي يطغى على حضورهن الجسدي والنفسي تقول معربة عن هذا التحدي " إذا كانت الأنوثة وحدها لاتكفي لتعريف المرأة ورفضنا أن نفسّرها بمفهوم  "المرأة الخالدة" وبالتالي إذا كنا، نسلم ولو يصورة مؤقتة، أن هناك نساء على الأرض، فعلينا حينئذ أن نتساءل ما هي المرأة ؟"(2).

عاشت المرأة الفرنسية عند دي بوفوار اضطهادا نظريا رغم أنها عمليا كانت متفتحة على فضاءات الضوء ومحلات تسويق الأنثى للبحث عن الآلهة بمنظار الحب..حب الرجل، تقول:" يشاهد لدى كثير من الورعات هذا الخلط بين الرجل والإله" (3)، وبذلك فالمرأة حسب دي بوفوار تخلق علاقة غير واقعية على المستوى الانتربولوجي مع كائن واقعي.

فهل حقّا أن الرجل الديمقراطي يستطيع الابتعاد عن الذاتية في طرح المسألة النسائية بصورة موضوعية ؟، وأين حدود الموضوعية هاته حينما نعلم أن القيود التي تلُفُّ أرجل النساء مصنوعة من معدن السلطة السياسية التي تُسخِّر اللاهوت والفلسفة والقانون لخدمة مصالحها؟.

إن معالجة موضوع المرأة ليس جديدا، وبالرغم من ذلك فقد ترددت سيمون طويلا في القدوم على تأليف كتاب حول المرأة حيث قالت:" ترددت طويلا قبل أن أقدم على تأليف كتاب حول المرأة"(4).

ويمكن طرح تساؤلات مشروعة حول هذا التردد وبنائه من الناحية النفسية لألتقي بالطرح الذي رسمته الدكتورة نادية العشيري حول التطرق لموضوع المرأة والخوف من ردود أفعال الآخرين أفرادا وجماعات (5).

ـ هل يحدد سبب تردد دي بوفوار قوّة المجتمع الذكوري الذي لا يستسيغ صوت المرأة المرفوع، على اعتبار ما يثيره استخدام اسم المرأة من حساسية للتقليدين ؟(6).

ـ هل تشكل كتابة المرأة نشازا يحرك لدى الذكر دوائر خوفه على مكانته وقيمه من الاقتحام؟.

ـ هل تكتب المرأة خصوصية علاقتها بالرجل فقط وبذلك فهي تكتب صمت النساء...جهل النساء... بكاء النساء... وبالتالي أميتهن؟.

ـ هل فن الكتابة سابق على الحرية أم أنه يليها؟.

ـ هل تردد سيمون يعني أن حريتها لم تنضج بعد لتصبح حرية دائمة؟

إن هذه التساؤلات وإذ تؤكد الحضور القوي لردود الأفعال لدى الآخرين تجعل سيمون تلخص عبره مشكلة الإنسان الفرنسي مع الحرية ..الحرية التي تجعل الرجل حسب دي بوفوار مادة ثورية وبذلك تصبح الأديبة بإبداعاتها الثورية حرّة أمام بنية الحياة الاجتماعية الموروثة، وقد جعل ريمبو الحرية شرطا من بين الشروط الأساسية لممارسة الإبداع الشعري حيث قال :" عندما تتكسر عبودية المرأة الدائمة،  ويمنحها الرجل البغيض حتّى ذلك الحين حريتها، آنذاك ستغدو شاعرة هي الأخرى" (7).

إن الدور الحقيقي للمرأة الساردة هي الثورة على النسق القيمي المهيمن ونسف الأصنام التي يستدعيها الرجل باستمرار لتغدو مقاييسه التي يمتلك بها الجنس الآخر، باهتة، وقد طالبت دي بوفوار بتحريك أزمة القيم الأنثوية التي تعتبر ممارسات قائمة عمليا وغائبة على الصعيد النظري تقول في كتابها "الجنس الآخر"، " المرأة هي أيضا تعرف القيم التي يقوم الذكر بتحقيقها بصورة فعلية، والحقيقة أن النساء لم يجابهن قيم الرجال بقيم أنثوية " (8).

إلا أن سيمون لم تكن تقصد أن الكتابة هي السبيل الوحيد الذي يضع الخريطة النفسية والاجتماعية لذاتية المرأة ولم تكن تعني أن الكتابة الشعرية والفكرية ستجعل المرأة، حقيقة فاعلة في تموُّج العالم حيث تقول:  " ليست الأفكار والأشعار هي التي تُؤدي إلى تحرير المرأة" (9)، فبينما يهيمن الرجل عن طريق الكتابة الوظيفية التي تجعله يسيطر على مجالات السلطة والمعرفة وبالتالي القوة، حيث تعتبر اللغة هي فضاءه المثالي لتسكيك القيم وفرض سيكولوجية السلطة الذكورية على الواقع، إلى أن جاء القرن الثامن عشر بالحل حيث " أخذ بعض الرجال المشبعين حقّا بالديموقراطية يواجهون المسألة بصورة موضوعية " (10).

وترى كاتبتنا هنا أن وضعية التوازن التي تبحث عنها ما زالت غير مكتملة العناصر بسبب:

ـ شموخ التقاليد وصعوبة تصريف المرأة لحياتها الجنسية بدون تدخل مسألة التبعية التي تربطها بمصيرها التقليدي.

ـ تسهيل المجتمع لاستسلام المرأة لمصيرها التقليدي الذي يؤثر على مردوديتها وانطلاقتها في تفعيل تحررها لتحقيق توازنها الداخلي.

ـ احتدام الصراع بينها والرجل لاسترجاع ذاتها عبر تحطيم الأصنام التي تخندقت فيها وجعلتها تابعا ومُلحقا وذلك عبر تحطيم تفوق الرجل والتنكر لحقيقته وقيمه.

ـ المرأة ذاتها وفي سعيها الدائم للقضاء على أسطورة أنوثتها وتحررها من عبوديتها تكتشف أن أسطورة الذكر مُنْغرسة عميقا في كيانها ذاته تقول دي بوفوار" إن سحر الرجولة لا يزال محافظا على تأثيره الكبير لدى النساء وما انفك يستند على قواعد وأسس اقتصادية واجتماعية راسخة" (11).

إن تحرر المرأة رهين بمدى استطاعتها تغيير الصورة التي ينظر بها الرجل لها ولخصائصها الجسدية والنفسية، ومدى تحررها من الموروث الثقافي الذي يشكل سلبا حيواتها اللاواعية، وهذا الدور منوط بالمرأة الكاتبة التي تملك ناصية اللغة لتبليغ المشاعر والأحاسيس" للآخر " الذي تمثل المرأة في عُرفه الجنس" الآخر"، فالأنثى تحوّل إلى امرأة ضمن واقع ذكوري متسلّط تشكّلت شخصيته انطلاقا من مفهوم السلطة التي وضعت ملامحها وحدودها السلطة الاقتصادية عبر العصور وبذلك صرخت سيمون دي بوفوار " إن الشخص لا يولد امرأة، بل يصبح امرأة "، ومن ثم أصبح النضال الاجتماعي من أهم ركائز التغيير في وضعية المرأة، هذا التحول في مسار المرأة الكاتبة وكل امرأة كاتبة هو أساس الانخراط الصعب للتحسيس بوضعية المرأة وبالتالي تغيير أوضاعها نحو الأفضل.

الهوامش

1- Camille Aubaud, lire les femmes de lettres, paris : dunod, 1993 p :219.

2- سيمون دي بوفوار" الجنس الآخر" ترجمة محمد علي شرف الدين، المكتبة الحديثة للطباعة والنشر، بيروت 1979، ص: 6.

3 - نفس المرجع السابق ص: 207.

 4- المرجع السابق ص:5.

5-  أنظر(ي)  الصفحة من هذا  الكتاب رقم 5، الهامش رقم 3.

6- أنظر(ي) الدكتورة ماجدة حمود" الخطاب القصصي النسوي "نماذج من سوريا دار الفكر المعاصر بيروت الطبعة الأولى يناير 2002.ص:8.

7- أخذا عن مجلة عيون المقالات العدد 9/10لسنة 1987 ص:79.

 8- الجنس الآخر ص: 28.

9 - المرجع السابق ص: 37.

 10- نفس المرجع السابق ص:7.

11 - نفسه ص: 51.

( للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة حول أدب المرأة ) 

    

 

 

المرأة والكتابة بالجسد...

بقلم: عبد النور إدريس*

 

اكتسحت الرواية المشهد الثقافي العربي وإن لم تصبح بديلا عن الشعر، إن الاتجاه المعاصر يجعل من المتخيل السردي وسيلة لإعادة تشييد وبناء الهوية الثقافية العربية، "فالرواية ملحمة ذاتية كما يقول غوته، يتخذ فيها المؤلف حرية تصوير العالم على طريقته. وكل ما في الأمر أن نعرف هل له طريقة خاصة به " (غوته، 1749-1832) وقد كان من أبرز تفاعلات الرواية داخل المجتمع ، ظهور كاتبات في مجال السرد رافق هذا الحضور تميز على مستوى التفرد والخصوصية شكلا وموضوعا.

إن مسألة الإبداع لا تخضع للتصنيف الجنسي، فكتابة الرجل هنا لا يمكن أن نضعها مقياسا للكتابة المحتذاة وإلا أصبحنا نقيس كتابة المرأة كهامش بالنسبة لمركزية الرجل، فعندما تحصل المرأة على نفس الحظوظ في المشاركة، في الحياة العامة ، وفي الإنتاج الفكري والحقوقي سيصعب على الناقد الاحتفاظ بتمييز واضح بين كتابة المرأة وكتابة الرجل.

وتبقى كل الأسئلة قائمة في تصورات المرأة للكتابة سنستقي هنا شهادة ل "سلوى البنا" التي قالت في روايتها "مطر في صباح دافئ "، " قل لي هل يستطيع أحد أن يمارس الكتابة في هذا الزمن ؟... قد يكون هذا إذا تحولت الدماء والدموع إلى حروف. ولكن أرأيت عيونا تبكي تستطيع أن تقرأ حروفا باكية ؟ أرأيت جسدا ينزف يجد صاحبه وقتا لقراءة؟ لماذا نكتب..؟ ولمن نكتب؟ وماذا نكتب؟".(1)

وما مصطلح" الإبداع النسائي" سوى مفهوم تصنيفي وإن كان يعتبره بعض النقاد غير محايد، فهو يمكننا من ترصد خصوصيات هذه الكتابة وبالتالي وضع اليد على الخصائص المميزة له، والذي يشكل إضافة حقيقية للإبداع الإنساني بشكل عام، وهذا المصطلح لا ينفي صفة الإبداع عن أي أحد من الجنسين، ولكنه يؤكد بالخصوص على أن للمرأة الكاتبة تصور مختلف للمسكوت عنه بمقدار الفروق الفردية بين الجنسين، والطريقة الخاصة في التعبير، وعلى مستوى الجرأة في طرح بعض المواضيع ذات التضاريس المجروحة في كينونة عمقنا الثقافي.

وأعتقد أن اللبس الحاصل في رنين المصطلح والمفهوم " الكتابة النسائية" ، ماهو إلا نتيجة للخلط المنهجي الحاصل بين صيغتين : صيغة " الأنثى و الكتابة " وصيغة " المرأة والكتابة" ، فالصيغة الأولى تركز على أهم خاصية لدى المرأة وهي الأنوثة،  وتلخص المرأة في صفتها الجنسية ولا تجعل الدائرة تتجاوز الطرح المقتصر على الأنوثة والذكورة في بعدها الطبيعي، أما بالنسبة للصيغة الثانية (المرأة والكتابة) فإنها تعتبر في المرأة الجنس والكيان والشخصية القائمة على البناء الثقافي،  باعتبارها مكملة لجنس الرجل في الحياة والمجتمع.

لقد حاولت المرأة عبر السرد الروائي والقصصي أن تسبر غور تقنيات سردية مغايرة جعلت البطولة تنتقل من التذكير إلى التأنيث، وحتى عندما تعمل الروائية على تذكير البطولة نجد أن البطل عندها رجل متخيل فصِّل على المقاس النسائي وقد نرصد هنا الطرح الإشكالي لعقدة فارس الأحلام .فتذويت اللغة وتعنيف الطابوهات عند المرأة الكاتبة يعتبر من أهم الخصائص التي يرفل فيها السرد النسائي، هذا بالإضافة إلى الاتجاه العام الذي يشكل محور هذا الإبداع  من ناحية الموضوع، من حيث اشتغاله على صورة المرأة ومقاومة الدونية أمام مجتمع يتنكر للنساء، وتطويع النزوع التمردي الممزوج بنكهة المرارة والإدانة والانتقاد.

أما من ناحية الشكل فالمرأة تكتب سردها محتمية بعدة تقنيات منها: الدخول إلى شعرية السرد من الباب الواسع، ترتكز في أغلب الأعمال على تقنية البورتريه (portrait)  وإلى الاعتراف السير ذاتي المقرون بتعرية الذات.

أما من ناحية الجانب اللغوي فالروائية تصبغ لغة الكتابة بمحمولات ذاتية مع طغيان الجانب الانفعالي حيث تظهر جليا النزعة التصويرية في السرد.

إن أنسنة الرجل التي تدفع بالمرأة الكاتبة إلى تأنيث البطولة وتصوير القدرات المؤنثة للرجل ما تزال غير متحققة بالمجتمع العربي حيث المرأة ما تزال سجينة وعي لم يكتمل بناؤه النفسي والثقافي بعد ، وقد ذكرت ناتالي ساروت في حوار لها مع الروائية حميدة نعنع عدم استطاعة المرأة الكاتبة  الخروج من دوامة منظومة الانفعال الذاتي والخروج من التجربة الفردية الذاتية تقول .(nataly sarrout) " أعتقد بأن كبار الكتاب وخاصة من أمثال " بروست" هم ذكور وإناث في نفس الوقت ، وهذا ما جعله يتمكن من وصف الرجال والنساء سواء بسواء بشكل جيد، وهذا أيضا ما جعل "فلوبير" يكتب " مدام بوفاري" بشكل جيد. وإذا كانت النساء حتى الآن تجدن صعوبة في وصف الرجال فذلك لأنهن بقين سجينات أنفسهن وهن لا يستطعن الخروج من ذواتهن. وهذا هو الخطر الذي يجب التنبه إليه" (2).

 وقد تكتب المرأة بجسدها فتعريه وتضعه أمام المتلقي قصد جره إلى أنسنته وحضارته، هذه الخاصية(التي أسميها بالاستريبتيز الأدبي) تضع الحكي في مقابل الإغراء، فشهرزاد تحول شهريار من فحل وسفاك دماء إلى إنسان يستقي معرفته من العوالم التخييلية لألف ليلة وليلة، كما مورس الإغراء سابقا على " أنكيدو" (ملحمة كلكامش) فانتقل من الصفة الحيوانية إلى العمق الإنساني فأصبح الجنس يقابله الفهم والفطنة والحضارة.

تقول الملحمة (3).

وغسلت "أورو"* يديها، وأخذت قبضة طين ورمتها في البرية(إحدى الالهات الخالقات)

خلقت في البرية "أنكيدو" الصنديد، نسل " ننورتا"* القوي. (إله الحرب)

يكسو جسمه الشعر، وشعر رأسه كشعر المرأة

جدائل شعر رأسه كشعر" نصابا"*. (الهة الغلة والحبوب)

لا يعرف الناس ولا العباد، ولباس جسمه مثل "سموقان" * (اله الماشية)

ومع الظباء يأكل العشب ، ويسقى مع الحيوان من موارد الماء.

ويطيب لبه عند ضجيج الحيوان في مورد الماء

(...)

" يا بني يعيش في "أوروك"* جلجامش،(مدينة سومرية ،220 كلم جنوب شرقي بغداد)

(الذي)لا مثيل له في البأس والقوة

وهو في شدة يأسه مثل عزم "آنو" * (كبير آلهة العراق القديم)

فاذهب إلى " أوروك" .توجه إليها

وأنبئ جلجامش عن بأس هذا الرجل

وليعطك بغيا تصحبها معك

ودعها تغلبه وتروضه

وحينما يأتي ليسقي الحيوان من مورد الماء

دعها تخلع ثيابها وتكشف عن مفاتن جسمها

فإذا رآها فانه سينجذب إليها

وعندئذ ستنكره حيواناته التي شبت معه في البرية"

(...)

فأسفرت البغي عن صدرها وكشفت عن عورتها

فتمتع بمفاتن جسمها

نضت ثيابها فوقع عليها

وعلمت الوحش الغر فن المرأة ، فانجذب إليها وتعلق بها

(...)

أضحى انكيدو خائر القوى لا يستطيع أن يعدو كما كان يفعل من قبل

ولكنه صار فطنا واسع الحس والفهم"

فالجسد الأنثوي من خلال العمل الفني مفتوح على كل الاحتمالات الممكنة للتأويل، ومن ذلك تأخذ الأشياء العادية والمألوفة في حياتنا اليومية، نكهة خاصة في العمل السردي، فيصبح المتلقي مشاركا في بناء النص وحلقة لا بد منها لخلق التعدد المفترض للعمل الأدبي.   

فالجسد يتواصل فيزيائيا ويدرك ما يحيط بالذات وهو عبر النص الأدبي يتوفر على جسد ثاني مماثل يستطيع بوساطته السفر داخله فيصبح بذلك الجسد الثاني قابل للملاحظة، فعند القول بأن الجسد يقبل أن  يلاحظ من طرف  الذات نجد أن ميرلو بونتي يحتاج لإدراك ذاته  إلى جسد ثان لايقبل التعيين والملاحظة يقول : " ألاحظ الأشياء الخارجية بجسدي ، أفتشها ، أحيط بها، لكن بالنسبة لجسدي لا ألاحظه في ذاته : يجب أن أحتاج لأجل تلك الغاية التوفر على جسد ثاني و الذي لا يكون ذاته مُلاحَظ" (4).

يَختزِل الجسد في النص العالم والأشياء ذاتها، إن الجسد لما يخرج من عزلته ومن هامش إدراكه للعالم الخارجي يمنح لصورته معنى يجعل الآخر في ذواتنا يعيش من أجل ذاته ومن أجل بُعده الخارجي كجسد ، " فالآخر هو خالق فرديتنا ، وذاتيتنا لا وجود لها إلا بوجود الآخر في إدراكه لها"(5) .

فالنص الأدبي يحقق وجود الجسد ويجعل منه موضوعا للإدراك على كافة المستويات يبرز فيها بشكل واضح المعطى اللساني والواقعي، فالجسد إذن " موضوع النص ومنبع معطياته ومنتجه ومتلقيه في الآن نفسه" (6) .

إن الجسد في علاقته بالكتابة يبادل الدور الموضوعي لتحركاته في الفضاء إلى جسد من الخيال،  فيتعدد البناء الدلالي للجسد، وهي تموضعات يتخذها الجسد وخاصة الأنثوي للتعبير عن هويته، وهذا التحول من النموذج الخام للجسد إلى التعدد الدلالي يتم وفق أشكال تلقيه، مشمولا بالتفضيلات المتنوعة التي يرتضيها عصر ما وحضارة ما، وتتحرك هذه الدلالات نتيجة لاشتغال الثقافي على الطبيعي، منها الدلالة الفينومينولوجية، السميولوجية،الجمالية، الأيروتيكية والرمزية والمتخيلة مع العلم أن البناء الدلالي البورنوغرافي يعيش داخل منظومة البصري والشهواني، تُرسِّخه بقوة سيكولوجيا خاصة بالأرداف تمارس حضورها الثابت منتقلة بين الجسد الأنثوي المكتنز والجسد الممشوق، ومن "هنا تكون العلامة الأيروتيكية قد استوطنت رأس منظومة القيم ، فأصبح الجسد الأنثوي يحرض على التعامل معه وفق انتظامه في مدار الأيقونات، فالجسد الأنثوي بحسب هذا الاعتبار يتداخل مع الإغراء من دون أن يكون الإغراء نابعا منه" (7) .

هذا القاموس الواقعي الخاص بجسد المرأة لا يساويه إلا تعددية الخطاب الأدبي السابح في جغرافية الجسد الأنثوي، و التي تستدعي كل الإيحاءات الفنية المتفوقة على الجسد الواقعي المتواري خلف المعطيات العشقية والبلاغية والرمزية .

فالمرأة الكاتبة تحقق للجسد فتنته المتخيلة والذي يظهر بأشكال مختلفة في التعبير البصري (الرسم والوشم) والحركي (الرقص) واللغوي(الأدب)، ومن ثم جاءت صورة المرأة في الرواية معبرة عن الموقف الفكري الذي يصبح معادلا موضوعيا للبحث عن الحرية .

الهوامش

1- سلوى البنا" مطر في صباح دافئ" دار الحقائق بيروت الطبعة الأولى ،1979، الصفحة 21.

2- حوار مع  ناتالي ساروت أجرته حميدة نعنع في صحيفة السفير اللبنانية عدد 2106 السنة السادسة 02/03/1980

3 – طه باقر ، ملحمة كلكامش أوديسة العراق الخالدة،  ص: 40-41

4 - Merleau-ponty «  phénoménologie de la perception », Ed : tel Gallimard paris 1945 p : 107. الترجمة منّي

5- د.فريد الزاهي " النص والجسد والتأويل" إفريقيا الشرق، الدار البيضاء سنة 2003 الصفحة: 29.

6- د.فريد الزاهي، نفس المرجع السابق، ص: 19-20.

7- عبد النور إدريس " ميثولوجيا المحظور وآليات الخطاب الديني- المرأة المسلمة بين السياق والتأويل" منشورات مجلة دفاتر الاختلاف، سلسلة عدد (1) ، مطبعة سجلماسة، مكناس، الطبعة الأولى ، شتنبر 2005، ص: 24.

----------------------------------------------------

أضيفت في 01/01/2006/ * خاص القصة السورية المصدر الكاتب: عبد النور إدريس  ( للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة حول أدب المرأة )

 

   

      

 

الجسد الأنثوي وفِتنة الكتابة

بقلم: عبد النور إدريس*

 

يحقق الجسد في النص الأدبي دلالات متعددة منها : الدلالة الفنية التي تعود للمؤلف ومنها الدلالة الجماعية التي يتم إنتاجها في علاقة القارئ بالنص ، فالنص يعتبر كأحد الفضاءات التوليدية والتحويلية للجسد فالنص ،" مسكن تخييلي للجسد، فيه يتجسد ويحقق وجوده المتخيل " (1) فالنص يأخذ من الجسد إيحاءاته الرمزية وحيوية علاقاته بالعالم الخارجي، كما بالعوالم الداخلية وهو إذ يمرر عبره الأحاسيس والعواطف يجعل من ترابطه المرآوي بالجسد وسيلة يتمكن من خلالها من إنتاج أثره الفني ، فالجسد بالنص يقف على ثنائية تشطر الوعي بحدوده إلى جعل البناء البيولوجي أساس قيام البناء الثقافي والاجتماعي وتحقيق الإمكانات الإجرائية للجسد في النص الأدبي .

إن دراسة الجسد الأنثوي بالسرد ليس هو رصد المعجم الخاص الذي يحدده الجسد داخل النص فحسب، بل أيضا العلاقة التي يخلقها هذا المعجم بالسياق الذي يحيطه " فالشخصيات تكتشف العالم والآخرين عبر جسدها " (2).

فالجسد الأنثوي بالعمل الفني، حسب بانيك ريش Yannick Resch يتموضع عبر وضعات خاصة يحدده البناء العلائقي المرسوم عبر معجم يحتوي على التعامل بالألوان والروائح، وهذه العلاقات  تضع الشخصية الأنثوية في مواجهة  الأشياء، مواجهة العالم، ومواجهة شريكها الرجل في علاقة حميمية تلخص رغبتها في الحياة ، وقد تمزج روحها بجسدها حتى الاندغام لتكون شيئا مرغوبا من طرف الرجل وقد عبرت ليلى العثمان في قصتها " مسافرة على جناح الأحلام" على هذه الصورة وقالت " قد تكومت كل روحي في نقطة واحدة يهرسها بين شفتيه " (3).

إن فتنة المتخيّل السردي لدى المرأة يظهر بأشكال مختلفة داخل الرواية والقصة، فمن التعبير البصري إلى اللغوي إلى الحركي.

إن الكتابة بالجسد يُكسب الذات النسوية هويتها، تلك الهوية التي تنقاد مرغمة للسائد الاجتماعي والأعراف المجتمعية" هكذا تتأرجح الذات بين الإحساس المؤلم بتبعيتها لما هو سائد والاعتراف به كواقع وبين الإنصات إلى رغبات الجسد السالبة" (4).

ويتشكل الوعي بالتعامل مع هذه الخاصية في خلق علاقة إبداعية بين المرأة والكتابة في أشكالها وفي الطرح الإشكالي لمسألة الهوية في اتصالها مع مسألة الجسد والحقيقة الأنثوية وفعل الكتابة " كامتداد وجودي ينجلي في الورق المكتوب كما يمكنه أن ينطبع على جسد أنثوي بالغ الشاعرية والإغراء" (5).

فالمرأة تتخذ من الكتابة وسيلة لجعل ذاتها متحققة داخل النسق الذكوري العام" فهي لا تكتب من أجل السيطرة على الرجل كما يفعل هو بواسطة القانون والآداب (...) فهي ترمي من الكتابة والكلام كل شروخ جسدها وتموجاته" (6)، ويقر محمد نور الدين أفاية بأن القهر الوجودي العام الذي تمارسه على المرأة العلاقات الاجتماعية والأخلاقية والنفسية الذكورية تجعل كتابتها " بعيدة كل البعد عن رغبتها العارمة في الإحاطة باللغة الضرورية لصياغة رغبتها في الكتابة" (7)، وتساءل حول اللغة والخطاب وحول إستراتجيتهما لتحقيق هذه الصياغة، صياغة ملامح الخطاب التحرري النسائي وتحديد بدائله.

إن كتابة المرأة تفجير لأشياء ينطوي عليها الجسد ، وهي كامنة تطل علينا عبر الإيحاءات والإيماءات وتكثف فعلها في جسد الآخر المتماهي والمختلف لهذا كان " النص المكتوب امتدادا وجوديا للذات الكاتبة وتكثيفا لأشياء أخرى تتجاوزها" (8).

فالمرأة قد تكتب بجسدها وتضعه نصا لكتابتها بالوشم والرقص ، فهي " تصوغ كتابتها بشكل مختلف تماما عن أشكال كتابة الرجل. سواء أتعلق بالكتابة المخطوطة أو أشكال الكتابات التي لا تتوقف المرأة عن ممارستها في علاقتها بجسدها" (9).

 فكتابة الرجل هنا  لا يمكن أن نضعها مقياسا للكتابة المحتذاة وإلا أصبحنا نقيس كتابة المرأة كهامش بالنسبة لمركزية الرجل .لهذا فالمرأة تحاول أن تظهر جسدها في أشكاله المختلفة معتمدة على آلية الإغراء فهي لكي تغري وتؤسس علاقة مع الآخر" تتخذ الصورة التي تحملها عن ذاتها مكانة أكبر من جسدها الحقيقي الواقعي، إنها تعطي للعالم قناعا لكي ترتب للجسد مسافة ما . فهي تفضل إبراز التمثل الذي تحمله عن جسدها بدل جسدها الملموس" (10).

فالمرأة الكاتبة تكتب بالجسد وتحوله إلى أيقونة، صورة ذهنية لا تكتمل إلا بتمثلها لدى الرجل الذي يمتلك مرجعية هذه الصورة عبر تصورات راجعة إلى التأسيس الميثولوجي لظاهرة الفحولة وبذلك لا يتحقق للجسد الأنثوي كينونته إلا إذا كانت نظرة الرجل إليه تؤسس المعرفة بحدود انفلاته البلاغي(11).

فالمعنى الذي وضعه نور الدين أفاية للجسد داخل النسق الخاص بالأنثى وكإعلان للكتابة قد فاق كل الأشكال التي تنخرط فيها المرأة إبداعيا " فالمرأة لا تكتب على الورق فقط لأنها تتألق في الكتابة على جسدها على اعتبار أن التمويه، ومختلف أشكال إبراز ذاتها، بمثابة نقش على الجسد" (12).

فجمال المرأة بشكل عام وبما هو المشروعية المكتسبة لتأسيس هوية الأنثى يجد شكله النهائي في الإغراء ، فالمرأة التي لا تستطيع أن تغري تعيش وجودها خارج ذاتها وبشكل عدمي، فهي " بأساليب التمويه التي تلصقها بجسدها تكتب مباشرة على جسدها، تعطي عناية خاصة لفتحات جسدها، عينيها وفمها.إنها ترسم ورسمها تكثيف لرغبتها.والرجل تتولد لديه حساسية خاصة نحو هذه الرموز" (13). فالمرأة حسب أفاية تؤكد أنها تستعمل التمويه فقط لنفسها فهي تنقش على جسدها ، تضع لوجهها قناعا وتلبسه رسوما تجمله وهي بذلك تنشر دفء الحياة في جسمها الميت وتبرز للآخر عبر النقش على الوجه والجسد ومن ثم من خلال الوشم والرقص والكتابة تؤسس لامرأة تتجاوز وجودها الخاص وتعطي لذاتها حق مساءلة طبيعة هذه الرغبة التي يُلحقها الرجل بفتحات جسدها ، فالجسد الأنثوي داخل الوضع السيميولوجي يضع المرأة الراقصة أمام تعدد الأسئلة ، فهي راقصة- مبدعة، إنها عندما ترقص توحي بكتابتها الجسدية أنها تخُطُّ تشكيلات هندسية متعددة الأصوات تقف بين الكلام و الكتابة " فالوجود الراقص هو حد نظري للغة(...) إذ أن الجسم الراقص يكتب الكلام ويحطمه، يجرد من الفضاء هندسة دقيقة ومتعددة الأصوات، إنه زوبعة القوانين، انعكاس الخطوط ومحو الأثر الذي بواسطته ينطق الأصل ويُمحق" (14).

إن هذه  اللحظة بين الكلام والكتابة تتداخل خصوصياتها، تتراءى ملامحها لتجعل من الجسد الأنثوي الراقص لحظة بين الكلام والكتابة النسائية.

وقد تكتب الأنثى عن طريق الوشم لتجعل جسدها ممتلئا بالرموز .وقد أصبح الوشم اختصارا لفعل وجودي قابل للفناء فالكتابة على الجسد الأنثوي كتابة مزدوجة تخترق الصمت الذي يعلن عن موت الجسد ف " الجسم الموشوم يستمر في التجلّي خلال الموت كأن الوشم قد سرق شاهد القبر " (15) .

وما دامت الكتابة حسب فيفري تبدأ فعلا مع الدليل المادي، وريث الرمز، (16) فالوشم يخلخل الأنظمة  الدلالية يجعل للرموز المرسومة على الجسد دلالتين: دلالة جمالية ودلالة سحرية وهذه القيمة السحرية تستغلها الكلمات الموشومة على الجسم وهي بذلك تنفلت من المنطق السياقي إلى خلق هندسة لأشكالها وأسمائها إذ أن : " اقتصاد السياق بين الوشم وتاريخه بسبب افتقاد الموضوع الذي اعتبر صلبا.لأن تخطيط الوشم الهندسي يعمل هو الآخر على تشويه الذات ، ما دامت تتبعثر في هندسة لا يعرف أصلها في غالب الأحيان " (17) .

إن المرأة تكتب بالوشم جسدا مقدسا ينشطر إلى نصفين متماثلين" الجبهة، الذقن، بين النهدين، الصرة، العانة.." وهذه نقط مركزية يتفرع عنها الإغراء والرغبة.

إن المرأة الواشم مبدعة تكتب لتضع لذة النص المكتوب بيد المتلقي ذكرا أو أنثى لاكتشاف نهايات الجسد الأنثوي الاشتهائية ، ينتقل عبرها الجسم من نظام الأيقونة إلى الجسم اللاهوتي.

إن الوشم ينتمي إلى المقدس فهو كالكتابة عند المرأة تجعله قناعا لتمارس منظومتها الإغرائية فهو لباس داخلي تخيطه الأنثى الواشمة لتخالف به اللباس الذي غالبا ما يكون الرجل من بين مصمميه، وقد يُعتم الوشم على المتلقي رؤية ما يحيط بجسد الأنثى، إنه يلعب دور المغناطيس الذي يحجب الجسد الحمدلي عن الانتهاك، فالاستعراض الجنسي محمي بالوشم وهذا الدور تقوم به " لخميسه"  التي تُعطل بلاغة النص الأنثوي وتنظم فوضى الدلالات وتنفتح غائبة أمام العين الثالثة (الرجل) لتصبح " لخميسه " ذات دلالة وواسطة للإغراء والإثارة والاشتهاء لا يتعطل مفعولها السحري إلا إذا كانت العين الثالثة تحقق لمجمل وشم الجسد هويته وبذلك يأخذ شكله ، استهلاكه من المتلقي/الزوج أو المتلقي/ العشيق، يقول هِرْبر: " من الغريب أن العاهر تعلن على جسد يمتلكه الجميع بحكم المهنة أن قلبها مخصص لرجل واحد"، فالعاهر تشِم جسدها لتستأثر بمكان الوشم وتخصصه لمن أحبته وتدع الباقي مشاعا للجميع.(18)

فالوشم على الجسد يختلف باختلاف الجنس كما يقول عبد الكبير الخطيبي، فالمرأة "يمكنها أن تشم مقدمة جسدها بينما يكتفي الرجل بوشم يده، أي الذراع والعضد، بمعنى إن يد الرجل لا تغادر مجال الكتابة ( تكتب وتُكتب ) ونحن بالإضافة إلى ذلك نشم مثل ما نكتب" (19) .

فالمرأة التي تكتب ( باللغة والوشم والرقص ) تغير أماكن التمويه بجسدها وتعبر عن رغبة لا تتكلم نفس اللغة التي يبرز فيها الرجل رغبته فحسب الدكتور سعيد بنكراد فهذه " العناصر مجتمعة لا تشكل الرغبة ولكنها تشكل الوجود الرمزي للرغبة" (20)، فرغبة الأنثى " تنفلت من منطق العقل الذي يريد الرجل دائما إخضاع كل شيء له" (21) .

وقد اعتبر الباحث محمد أفاية أن هذا التشويش على فهم المرأة من خلال المنطق الذكوري يشكل مركزا أساسيا للعنف الرمزي الذي يحتوي عليه هذا المنطق حيث قال " هنا ينتصب العنف كتعويض عن عدم خضوع المرأة لمنطق الرجل" (22)، فالرجل بحسب هذا المنطق يقول بالتطابق والوحدة بينما تتموقع المرأة في قلب المنقسم والمتعدد" وأن هذا التعدد يتجلى في جنسيتها sexualité  ، فهي ليست واحدة لان جسدها جغرافية متنوعة للمتعة" (23)

أما الدكتور سعيد بنگراد فيضع الجسد الأنثوي بين الحجم الثقافي والمعطى الوظيفي ، فالجسد عنده كلا وأجزاء في نفس الوقت وهو باعتباره كذلك " يولد معطى انفعاليا وغريزيا وثقافيا عاما ، ولكن هذا المعطى لا يدرك إلا من خلال الأجزاء، ولا يستقيم وجود هذه الأجزاء إلا من خلال اندراجها ضمن هذا الكل الذي هو الجسد" (24).

إن إنتاج تخيل سردي أنثوي يضع المرأة ضمن المنقسم والمتعدد داخل أيديولوجية ذكورية مهيمنة يجعل حضورها غائبا وفضاءها مشحونا بالرقابة والكبت ف " ليس هناك من فضاء ممكن بالنسبة للمرأة، غير ماهو مراقب ومكبوت" (25).

-فما معنى أن ينتج الخطاب الفلسفي قولا ميتافيزيقيا يتشبث بأحادية الجنس الواحد؟ .

لقد عملت الميتافيزيقا على تقنين جسد المرأة وصوغ خطاب يدخلها ضمن العلاقات الإنتاجية مما جعلها شخصية انفصامية داخل هذا الواقع موزعة ما بين التداخل الحاصل بين الجسد كمعطى بيولوجي والجسد كمعطى ثقافي –رمزي، ففي كلا الحالتين تعمل المرأة ، مضطرة للانخراط في استلابها " ولكي يكتسب الجسد قيمته لا بد من إن يضفي على ذاته أشكالا أخرى أكثر جذبا وإغراء لتسهيل تبادله " (26)، وقد تأخذ هذه الثنائية : طبيعي/ ثقافي تقسيم العمل الجنسي الذي يدعو المرأة أن تعتني بجسدها " وتعطيه العناية الفائقة وتحويله إلى الرغبة ولو إنها لا تصل إلى تحقيق نسبي لرغبتها هي " (27)، لأن الرغبة قضية يستلزمها السياق الرمزي الذي ينتظم المجتمع الذي تعيش فيه المرأة التي تختار الانمحاء الوجودي كي تكتب جسدها من الداخل وتعمل على إظهاره بشكل مختلف من الخارج. 

الهوامش

1- د.فريد الزاهي " النص والجسد والتأويل" إفريقيا الشرق، الدار البيضاء، الطبعة الاولى، سنة 2003 ص: 25.

2- Yannick Resch , corps Féminin , Corps Textuel ,Essai sur le personnage féminin dans l’ouvre de Colette  librairie c. klincksieck ,paris , 1973 p : 15

3 - ليلى العثمان ،" الحب له صور " مجموعة قصصية ، دار المدى للثقافة والنشر ، سوريا ، الطبعة الرابعة ، سنة 1995، الصفحة : 158.

4- محمد نور الدين أفاية ،الهوية والاختلاف في المرأة والكتابة والهامش، إفريقيا الشرق –الدار البيضاء،1988،ص:19 . 

5 - محمد نور الدين أفاية ، نفس المرجع السابق ص: 31.

6 - نفس المرجع السابق ص: 35.

7- المرجع نفسه ص: 35.

8 - المرجع نفسه ص: 41.

9 - هو نفسه ص: 41.

10- المرجع نفسه : ص: 41.

11 - للمزيد انظر(ي) كتابنا: " الكتابة النسائية، حفرية في الأنساق الدالة.الأنوثة..الجسد.. الهوية."  ص: 74. 

12- "الهوية والاختلاف في المرأة والكتابة والهامش" ص: 8-9.

13 - المرجع السابق ص: 41-42.

14- د.عبد الكبير الخطيبي ، "الاسم العربي الجريح" دار العودة، بيروت، الطبعة الأولى 1980، ص:56.

15 - نفس المرجع السابق ص" 57.

16- J.G.Fevrier « histoire de l écriture, Payot 1944.p :17.

17- الاسم العربي الجريح " المرجع السابق ص: 58.

18- انظر كتابنا " الكتابة النسائية..حفرية في الأنساق الدالة ..الأنوثة ..الجسد..الهوية" المرجع السابق ص:75-76-77-78.

19 -  الاسم العربي الجريح" نفس المرجع السابق ص: 59.

20 - د. سعيد بنگراد ،السيميائيات، مفاهيمها وتطبيقاتها،منشورات الزمن شرفات   سلسلة 11، مطبعة النجاح الجديدة- الدار البيضاء2003 ص:129.

21 - "الهوية والاختلاف في المرأة والكتابة والهامش" ص: 51-52.

22- المرجع نفسه ص: 52.

23 - نفسه ص: 52.

24- د. سعيد بنگراد ،السيميائيات، مفاهيمها وتطبيقاتها.م.س. ص:129.

25 - "الهوية والاختلاف في المرأة والكتابة والهامش" ن.م.س. ص: 53.

26 - نفس المرجع السابق ص: 55.

27 - هو نفسه ص: 55.

 ( للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة حول أدب المرأة )

   

 

وضعية المرأة السوسيو- ثقافية بين الثابت والمتحول..

 

"إن درجة تحرر المرأة تصبح بكل بداهة مقياس التحرر العام" شارل فوريي

 

بقلم: عبد النور إدريس*

 

دلت كل المقاربات التي تطرقت لموضوع المرأة إن على المستوى الفقهي كتشريع أو على مستوى الخطاب اللسني المعبر عنه من خلال الإنتاج الأدبي بكل أصنافه التعبيرية عن تعامل حذر اتجاه المرأة، زكاه التعاطي الميتولوجي للمجتمع معها منذ العصور على اعتبار أن الرجل هو الأصل والمرأة هي الفرع.

الثابت الميثي

كان ذلك مع ظهور الدين اليهودي الذي غير النظرة الوديعة للعصر الاميسي إلى المرأة (حواء) التي أصبحت تجسد الخطيئة، وتحدد لنا سن اليأس الأزلية للرجل (آدم ) الذي ولد حواء من ضلعه كأول ولادة وآخرها بعد أن انتقل فعل الولادة كعقاب إلهي إلى حواء" وقال للمرأة تكثير أكثر أتعاب حبلك ، بالوجع تلدين أولادا..." (1).

بينما كانت ولادة آدم الأولى ولادة إلهية من نوع التكاثر الملائكي الروحاني، كان آدم واسطة لولادة حواء حيث جوعلت معه كطرف خارجي عنه ،" فقال آدم المرأة التي جعلتها معي هي أعطتني من الشجرة فأكلت" (2) .