الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | معلومات النشر | من نحن | كلمة العدد

 دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 18/04/2008

دراسات

قراءات ولقاءات وأراء لكاتبات من العالم العربي

 

   
   
   
   

وجهة نظر - مقالة بقلم: سمر المزغني

أنا ماما - خاطرة بقلم: هدى حسين

من خلف انحناءة الأقواس ... قراءة بقلم: بثينة إدريس

الطريق إلى بغداد ... قراءة بقلم: كليزار أنور

حوار مع د. رجاء عودة

حوار مع القاصة بسمة النسور

 

 

 

 

 

 

إلى صفحة الكاتبة

 

 

أنا .. " ماما " .. !!!

 

 

 

بقلم: هدى حسين

 

فتحت ملفا وأسميته " أنا ماما "..

" 1 "

أشعلت سيجارة وبقيت أتأمل الجملة التي تقف أمامي وجها لوجه على شاشة الكمبيوتر..

أصدر لي الـ " بيبي فون " صوتاً لطفل يبكي .. تركت الملف مفتوحاً وخرجت مسرعة .. 

" شمس " .. ابنتي تبكي في الحجرة المجاورة ، حيث ينام في سريره بقربها ابني " نور" ..

" 2 "

ما أريد أن أكتبه هنا لا يتعلق بمفردات الأمومة من حنان وسهر الليالي لرعاية الأطفال وما إلى ذلك مما قرروه علينا في المدارس وفرضوا به علينا أن نحب أمهاتنا نتيجة الإحساس بالذنب بسبب أشياء هي فعلتها ونحن لا نتذكرها وعلينا أن نتصرف وكأننا نتذكرها .. !!

" 3 "

أريد أن أكتب شيئا آخر.. أريد أن أكتب أن الساعة الآن السادسة تماما .. وأنني منذ مدة طويلة لم أكن مستيقظة في السادسة صباحاً. وأنني لولا أولادي لما سهرت الليل كله بين رعايتهم .. وبين الكتابة والقراءة ومشاهدة الصبح وهو يطلع.. نسيم الصباح.. شيء كدت أنساه .. !!

" 4 "

أريد أيضا أن أكتب أنني لا أعرف كيف أن أولادي هؤلاء هم أولادي ... ( ؟ !! )

كل ما حدث أنني ذات صباح غير متوقع في السادسة تماما ً، وجدت مياها تنهمر تحتي ..

اتصلت بالطبيب فطلب مني أن أتوجه حالا إلى المستشفى ، وبعد ساعات وجدت نفسي في حجرة وأمي معي وصديقتي " رانيا " .. وممرضة تدخل علي طفلين في سريرين منفصلين وتقول :      " مبروك .. بنت وولد .. البنت هي الكبيرة .. نزلت الساعة تسعة  ، والواد تسعة ودقيقتين.. " ..

" 5 "

لم تقل الممرضة سوى أنهما " نزلا ".. !!!

قد يكونا هبطا من السماء .. !!  أو من الدور العلوي .. !!  أو من أي مكان غير بطني !!

" 6 "

حتى الآن وقد مر على هذا الأمر شهر ونصف ، لا يمكنني أن شعر بهذا الشعور الذي يمثلونه دائما في الأفلام .. ذلك الذي يجعل الأم وطفلها يتعارفان بغريزة ما حتى ولو مر على فراقهما سنين  .. حتى ولو لم ير أحدهما الآخر من قبل .. !!

 " 7 "

يبدو لي أن الأمومة شيء مكتسب ، وليس غريزي كما يعرضونه علينا في التلفزيون..

فقط .. عندما يصرخ الطفلان دفعة واحدة طالبان للطعام أو تغيير الحفاضات ، أو لمجرد رغبة في حملهما لبرهة .. أقول لنفسي :

" يا إلهي.. !! .. من أين أتى هذان المزعجان كي أردهما إلي حيث كانا ؟! " .. هنا فقط أشعر أنني " أم " .. فقط لأنني لا أريد في لحظات الصخب الغير محتمل هذه أن ألقي بهما في الشارع من أقرب نافذة !! ..  لكنني لا أفكر أبداً في أن هذين الشيطانين جاءا من بطني ... !!

" 8 "

لا أعرف كيف تستطيع الأمهات الربط بين الحمل والولادة ووجود الأطفال في أحضانهن..     أنا شخصيا لا أستطيع أن أقوم بهذا الربط .

" 9 "

من البداية .. لم أكن – رغم المعرفة والدراسة – أستطيع أن أتخيل كيف يكون جسم المرأة من الداخل مختلفا عن جسم الرجل .

" 10 "

في بداية الحمل لم تأتني أعراض القيء والغثيان والدوار .. كنت عادية جدا ..

كانت جملة " أنا حامل "  تتردد على لساني كثيراً فقط لكي أصدقها.. بمنطق " الزن على الودان أمر من السحر" .. !!

" 11 "

كنت أحاول أن أقنع نفسي أنني أنا وزوجي قمنا بالفعل ذاته ، غير أننا لسنا متعادلان في النتيجة..!! 

" 12 "

ذهبت للطبيب بعد أن قمت باختبار الحمل .. في " السونار " .. على الشاشة .. كانت هناك حلقتان كأنهما هالتين بيضاويتين ، تشبهان صورة بالأبيض والأسود لدبلتي زواجنا .. قال الطبيب : " انت حامل في توأم .. هناك مشيمتان " ..  ضحكت ..  بدون شعور بهول الموقف ، وقلت لنفسي  " يبدو أنني أنا وزوجي كان لكل منا بصمته المستقلة في هذا الفعل الذي أنتج المشيمتين..!! "   لم يكن وحده الفاعل ، لذا لم تكن مشيمة واحدة !! 

" 13 "

لكنني مع مرور الوقت .. بدأت تظهر أشياء متحركة داخل المشيمتين على الشاشة ، وأنا لا يمكنني أن أفهم كيف أنني آكل طعاماً عادياً جدا ، بينما ينتج عن ذلك أشياء متحركة تنمو في معدتي .. الجبن والفلفل الأخضر والدجاج لا ينتجون أطفالاً .. !! ..  لهذا اعتبرت أن ما أراه على شاشة  " السونار " هو شيء موجود على الشاشة فقط .. أتفرج عليه عندما أذهب للطبيب .. أما ما يحدث لبطني فيمكني اعتباره  " تورما وقتيا " سيزيله الجراح بعد فترة .. !! 

" 14 "

في الشهور الأخيرة من الحمل شعرت أنني بقرة ... !!! 

تضخمت بطني بشدة وصارت حركتي صعبة جدا .. أنا لا أكره البقر ..  يكفي أن " حتحور " إلهة الأمومة .. بقرة  ، ذات بركة اللبن المسماة بالقمر.. إلهة العيد المتجسد في حجر الفيروز الذي يجمع لونه بين صفاء السماء وخضرة البراعم اليانعة.  

" 15 "

لكن أن أتحول من بقرة وحشية إلى بقرة داجنة فهذا أمر لا يطاق .. !!  مع ذلك لم أستطع الفكاك منه .. تمثل ذلك في أنني أنا التي لا أقتنع إلا باعتمادي على نفسي في كل شيء وبحرصي الشديد على الحرية والخصوصية .. صرت لا يمكنني حتى ارتداء جورب بدون مساعدة .. !!     لا يمكنني أن أعتلي سور البانيو للاستحمام بدون مساعدة .. ! وصار لزاما علي أن أخضع  لفحص الطبيب .. هذا الفحص المقرف الذي لا يستطيع الأطباء فيه معرفة مدى اتساع فتحة الرحم سوى بإدخال إصبعهم في فتحة التناسل .. !!

" 16 "

كنت ثائرة جدا من الداخل ، وهادئة جدا من الخارج .. كأنني أخزن إلى جانب لحم المواليد المنتظرين بغضاً سينفجر تحت تأثير البنج لحظة الولادة .. !! 

" 17 "

كنت أشعر أنني مختبئة تحت جلد امرأة أخرى .. امرأة أرتديها بمعنى الكلمة .. !!

ضخمة ولها قدمان متورمتان يمكنني أن أدخل قدمي فيهما !! ولها وجه منتفخ .. !!

امرأة تضربني في ظهري وبطني وتعذبني بثقل ركبتيها وتخلخل مفصل قدميها وصداعها المستمر الذي يحتل رأسي .. ناهيك عن عدم قدرتي مع تورمها حولي أن أجلس إلى الكمبيوتر ..  أي أن أكتب.. ثم يأتي مزاجها العجيب المائل للنوم طوال الوقت مما أصابني بالكآبة .. 

" 18 "

كنت أنتظر ذلك اليوم التي يغرب عني فيه وجهها حتى أستطيع رؤية الفجر ثانية.. أما هي فكانت تستطيع أن تظهر نيابة عني فقط لأنها أضخم مني .. !! وكنت مسجونة بداخلها أنتظر لحظة الإفراج .. إزالة الورم المتحرك في بطني كان يعني لي إزالة هذه المرأة من فوقي ..!!

 " 19 "

ذات صباح استيقظت في السادسة على رغبة شديدة في التبول .. وفوجئت بماء غزير يخرج عني .. قال الطبيب " اذهبي فورا للمستشفى " .. هناك نمت تحت تأثير البنج .. ثم أفقت فوجدت طفلين ..!!

" 20 "

" شمس " .. تعاني كثيرا من الغازات هذه الأيام ويصعب عليها التجشؤ بعد الرضاعة لدرجة تزيدها انتفاخا بالهواء .. و " نور " ـ الذي طاهرناه أول أمس ـ  مازال يعاني كل مرة يتبول فيها من آلام شديدة تجعله يصرخ بعنف .. !!

" 21 "

" شمس "  و " نور " .. كلاهما يحبذ  النوم على ظهره ، وهذا أمر خطير.. إذ أنه يجعل ما يجترانه من لبن ينزل في الرئة بدلا من الأمعاء ، ويعيقهما بذلك في التنفس .. لكنهما لا يدركان ذلك.. يحتاجان لتمرين من تمارين العلاج الطبيعي للأطفال لمدة عشر دقائق خمس مرات يومياً حتى يتخلصا من السوائل المتراكمة في الرئة .. يصعب جدا عمل التمرين لهما ، لأنهما لا يحبان البقاء بدون حركة لمدة دقيقة واحدة ، حتى وهم نيام ..

" 22 "

" نور "  و " شمس " ينامان قليلا أيضاً .. وكأنهما لم يعودا يطيقا البقاء دون الفرجة على الحياة حولهما  .. دون ممارستها .. !!

" 23 "

" شمس " لها ملامح وجهي وجسمي وأنا في مثل سنها .. غير أنها شقراء وشعرها أصفر يبدو أنه سيصبح مجعداً .. وعيونها بنفسجية زرقاء

" 24 "

" شمس " تشبه قطعة الجبنة الرومي الطعمة .. !! ولها حركات عجيبة كأنها تلعب باليه مائي !! أما " نور " فيشبه أباه عندما كان في مثل سنه ، لكن ببشرة سمراء وشعر أسود يبدو أنه سيكون ناعماً له عيون ناعسة كأنه عبد الحليم في زمانه..!! يحب أن يتعرف على كل شيء بيده .. اللمس عنده مهم جدا .. وأصابعه الصغيرة يحركها دائما كأن بها لغة ما يتحدث بها.. لغة مايسترو ..!!

" 25 "

كلاهما جميل .. شيطان وملاك في آن .. !! أحبهما بشدة وأكرههما بعنف.. !!

عندما يصرخان أتساءل : لماذا وافقت على أن أصبح أماً ؟ !! .. وعندما يبتسمان أشعر بالفخر الشديد .. !!

" 26 "

لكنني أعرف تماماً أنني كانت ستنتابني نفس المشاعر تجاههما لو كنت تبنيتهما .. ولم يكونا قد خرجا من بطني .. !!  أكيد هناك شيء في الأمومة ليس له علاقة بالحمل ولا بالرضاعة ، عكس ما كانوا يحاولون تعليمنا في المدارس . دور المرأة كوعاء لإنضاج الأطفال ، ودور ثديها كإناء للحليب .. يجعلان الأمومة تبدو وكأنها مجرد وظيفة .. مهنة لها مؤهلات جسدية وعوامل خارجية مساعدة على الإخصاب..

أظن أن الأمومة أبعد من ذلك بكثير.. أظنها مسئولية قبل كل شيء .. وورطة أيضاً .. ينبغي التعامل معها بعقل ..!!

27 / 05 / 2005

------------------------------------------

أضيفت في27/05/2005/ * خاص القصة السورية/ المصدر الكاتبة ( للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة حول أدب المرأة )

  

إلى صفحة الكاتبة

 

 

 

وجهة نظر

 

 

 

بقلم: سمر سمير المزغني

 

لِنَبْدأ حديثنا هذا بِأَحد أعمال الرّوائي الكبير غابريال غارسيا ماركيز"مائة عام من العزلة".

طَرَحَ هذا الكاتب في كتابه وجهةَ نظرٍ على لسان إحدى بطلات رواياته "أورسولا". كانت تقول عن أطفال آل بوينديا أنَّهم جميعا سواءٌ. تربيتهم سهلة في البداية فهُمْ مطيعون وجادُّون لا يبدو على الواحد منهم أنه قادر على قتل ذبابة ولكن ما إن تظهر في ذقونهم أولى الشعرات حتى يلقوا بأنفسهم إلى التهلكة.

هنا برزت أولاً مرحلة الطفولة، مرحلة البراءة والبساطة، مرحلة التلقائية والعفويّة ثمّ ما تلاهَا من مراحل تلتهم كثيرا من مرحلة الطفولة لتضعَ مكانها كلّ عيوب المراهقة والشباب والكهولة...

قد يصير الطفل البرىء مجرمًا و قد يصبح الصغير البسيط معقّدا وقد تختلف المفاهيم هُنا لكن الشيء الأكيد أنّ المجرم وراء قضبان سجنه، والمعقّد وراء قضبان قلبه سيتذكّر دائما حكايات الطفولة.

حين يُقدّم أحَدُنا لطفلٍ وردةً صغيرة فإنّه دون وعيٍ منه يعلّمه مبدأً من مبادىء الحياة. حين ترسم الأم على زجاج السيارة المضبَّب وردة أو نجما فإن طفلها، بعد أربعين سنة سيرسم ورودا ونجوما... لا على سطح الزجاج ولكن.. في قلب الحياة.

والأهم من كلّ هذا حكايات ما قبل النوم...

كثير منّا يرى أمًّا تحكي لابنها عن قصور السلطان والوحوش الظالمة، كثير منّا يمرُّ على غرفة إبنه قبل أن ينام، كي يُطفىءَ النور مخَمِّنًا أنّ طفله قد غلبه النوم بين أحضان الحكاية. نَنْزَع من بين أحضانه الكتاب، نغطِّيه جيدا ثم نطفىء النور تاركينه يحلم بهدوء بقصر الأميرة النائمة ومغامرات صبيٍّ يعثر على الكنوز بين حطام السفن الغارقة.

لعلّنا حين نفعل، لا ندرك للحظة، أنّ تلك كانت خطوته الأولى لإكتشاف الحياة. ولكنه إذا ما تفتَّح على غيره، إذا ما توسَّعت دائرة عالمه، فإنّه سيُصدم بحقيقة مرّة، هو أن الآخرين، الذين لا يشبهون أبطال القصص في شيء، يتجاهلونه أو ربما يحتقرونه من خلال خلفيات نظرتهم الدونية الدائمة.

إلى يومنا هذا، كثيرون يعتقدون أن الطفل سطحي في آرائه وتفكيره. فلنتأكد من ذلك بأنفسنا: نأخذ حجما، قطعة، أي شكل ونتأمله. كرسي على سبيل المثال. في الوهلة الأولى سنقول أنه قطعة من الخشب. ثم لعلّ المثقف يحاول أن يتعمّق أكثر فيقول أنه أحد ضحايا البشر. الفيلسوف أيضا يمكن أن يعطي تحليلا أكثر عمقا. لكنْ في النهاية فإنًّ النقطة الأعمق ستكون بالضبط.. أنه قطعة من الخشب.

لعلًّ هذا يكون دليلا على أن الطفل أعمق تفكيرا وأوسعُ خيالاً من الفيلسوف والسبب بسيط هو أن الطفل أيًّا كان فإنه لا يخضع لأي قواعد وتعاليم. أما المثقف والفيلسوف فهو يسير على طريق واضح لا مجال  لأي تغيير فيه.

إذا كان الطفل فيلسوفا وعميقا إلى هذه الدرجة فعلينا أن نقدّم له ما يزيده عمقا ومعرفة. علينا أن نقدّم إليه قبل كل شيء ما يتناسب وفكره الخلًّاق هذا.

في الحقيقة فنحن لا نزال نظن أنه من الصعب على الطفل أن يقرأ فكرة متشعّبة متداخلة. لكنه في الواقع يستطيع. إذا قدًّمْتَ الحليب للطفل  في كأس عاديّ فإنه لن يشربه لكنك لو قدّمته بكأس ملوّن فإنه سيشرب. لذلك فإن الفكرة لا يُمكنُ أن تمثِّل حاجزًا أمام تفكير الطفل إلا أن الأسلوب هو الذي يغلّف هذه الفكرة  ويعطيها ما يحتاج إليه الطفل ليتمكّن من إدراكها.

بصراحة، فإنّنا نحن الأطفال ملَلْنَا من القصص التي تسبح بنا في بحر الخيال والتي لا تَمتُّ للواقع بصلة إذ تحوّل العالم من حولنا إلى جنّةٍ ورديَّةٍ ينتصر فيها الخير على الشر في حين أننا سنصدم بالأمر الواقع

عند إحتكاكنا المباشر بالمجتمع، حيث لن يسعنا سوى أن نَتَخَبَّطَ في بحر الواقع وحيث لايسعنا الوقت كي ندرك أنّنا نتخثَّر ببطء على سطح الحقيقة.

ولِهَذا السبب أو لذاك، فإنّي أرى أنه من الأفضل أن نكتب عن الواقع للطفل ولكن في ثوب طفوليٍّ بسيط كي لا نخدش برائته ونعْكِس نتائجَ معاكسةً لأهدافنا من الكتابة. وهكذا نُدْمج الواقعَ بالخيال لنقدّم للطفل عملاً إبداعيًّا صريحا و صادقًا.

هذا ما اعتمدته في قصصي من خلال تجسيمي للواقع على لِسان الحيوان وخاصّةً الجماد حيث حاولت أن أجعلَ للأشياء أحاسيسها الخاصة وأتْرك لها المجال كي تُلْبِسَ القصة الخيالية ثوب الحتمية المطلقة.

من الواضح أنّ هناك مواضيع لا تُكتَب للطفل بشكلٍ عامّ لأن بها مسًّا بطفولته، مثل السياسة والجنس والإقتصاد والدين وخاصّة العنف لِمَا يُمكن أن ينجرَّ عنها من آثار سلبية على نفسية الطفل.

يُحاول الكهل من خلال كتابة قصة للأطفال أن يُبَسِّط القيمة التي يتضمَّنها العمل بيد أنه يُخفق فيَزيدُ من تشابكها وتعقُّدها أو يضفي إليها سطحيةً وسذاجة لا يتقبَّلُهَا ذهن طفلٍ فطنٍ يبحث عن خفايا الأمور. هذا جائز جدّا بإعتبار تجاوز الكهل لمرحلة الطفولة فكأنه بذلك نَسِيَ لغة الطفل وابتعد عنها. لذلك حسب رأيي كطفلة قارئة ثم كطفلة كاتبة فإن الطفل أقدر على الكتابة للطفل من الكهل لأنه ينظر إلى تِربِه بالعيون الحالمة ذاتها ويحكي له قصَصَهُ بلغة البراءة نفسها. لكنَّ هذا لا ينفي أن هناك كتَّابًا كبارًا أبدعوا في مجال الكتابة للطفل لكنّ عَدَدَهُم يبقى محدودًا. هذا لا ينفي أن الكبير يُمكن أن يبدع بقلمه فيكتب قصصا كالقصص التي يكتبها الطفل لنفسه. هذا أيضا بسيط جدّا رغم أنّ الكبارَ ينظرون إليه كعمل صعبٍ رغم أنه في النهاية لا يتطلَّبُ أكثرَ من شيء واحد: إستحضارِ حكايات الأمس.

يعودُ الطفل الكامن في الكهل إلى أحلامه الوردية، يعودُ المجرم القابع في القاتلِ إلى أحدَاثِ جريمته، يعودُ الرجل الماكث في الإنسان إلى المرأة ويعودُ العالم أجمع، بكل شرائحه، إلى أقاصيص الأمس.

هذه الأراء البسيطة تقبل الصواب والخطأ وإن كُنت عمّمْت فيها فذلك لأنني - كأي طفل- لا أوَدُّ أن أتدخَّل في تفاصيلَ أجهلها وتفرّعات متشابكة قد تُنسينا الورود الصغيرة ونجوم ضبابِ زجاج السيارة.

لعلَّكم لا تشاطرونَنِي الرّأي ولعلّكُمْ صائبون ولعلّ أورسولا ستظل تبحث بين طرقات ماكوندو الشّاحبة عمَّنْ يَسمع شكواها.

------------------------------------------

أضيفت في 28/05/2005/ * خاص القصة السورية/ المصدر الكاتبة ( للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة حول أدب المرأة )

  

إلى صفحة الكاتبة

 

 

الطريق إلى بغداد ... طريقٌ إلى القلب

 

 

 

 

قراءة بقلم: كُليزار أنور

 

لبغداد خصوصية جميلة في قلوب الأُدباء ، وليسَ العراقيون فقط . منحها الله شهرة تُحسد عليها . بغداد .. رمز ألف ليلة وليلة .. مدينة السحر والجمال سابقاً ، والآن .. ما هي إلاّ مدينة مزقتها الحروب . لكنها ، رغم كل هذا الخراب .. تبقى جميلة وساحرة .. تسكن القلب وتنام في حدقات العيون .

المكان .. يا لسحرهِ .. كم يؤثر فينا ، وكم يعذبنا بذكرياتهِ .. ولبغداد في قلب كلٍ منا غصن ذكرى نابض بالخضرة الدائمة !

من جديد أكتب عن القاصّة المبدعة بُثينة الناصري .. حباً وإعجاباً واعتزازاً .

 (( الطريق إلى بغداد )) . تسعة عشر قصة كُتبتْ مابين ( 1993 _ 1995 ) .

بلغتها الموسيقية المعهودة . لغة هادئة ، مثيرة تجذبنا بجرأتها وتفردها . لغة رومانسية .. ذكية .. توظفها بشكل مدروس ، لها القدرة على بعث الحياة في المشاهد من خلال كلماتها .

(( الطريق إلى بغداد )) .

تخرج السيارة من محطة عمان نحو بغداد في ليلةٍ ماطرة من كانون ، وما أن تسدل الستارة حتى تعود بها الذاكرة إلى بغداد .. ويتراءى لها وجه ذاك الحبيب الذي كانَ يسميها " امرأة من مطر " . وتقارن بين المطر  في كل مدن الدنيا التي زارتها وبين مطر بغداد الرحيم ، الصديق التي تُشبه حباته كدموع الأطفال من صفائها .

إنها امرأة / كاتبة ولدت في كانون .. ويحلو لها أن تكتب في ليالي كانون الممطرة     . وكم كانون مَرّ وهما بعيدين عن بعضهما .

وتتذكر قصف بغداد .. وهي بعيدة عنها _ حتى قصفها شتائي _ تتذكر ابنها "عمر " . وتتذكرهُ .. هو .. إلى أن تصل الحدود (( حتى البرد على هذا الجانب من الحدود لهُ طعمٌ آخر )) ص 17.

 (( البحر )) .

وصفٌ حكائي . لكن ، دون حكاية !

(( الليلة الأخيرة )) .

عاشق وعاشقة ، هما زوج وزوجة . قررت في هذهِ الليلة أن تختار السفر كنقطةِ نهاية لحياتهما معاً .

بذاك الأسلوب الذي تعودناه من القاصّة .. ذاك الأسلوب الرومانسي ، الحساس ، الهادئ لحد الدفء . تطلب منهُ أن يطفئ الضوء .. وتوقد شمعة صفراء .. ويجلس قبالتها ليتحدثان لآخر مرة .

ويمضي الليل ، وفي الصباح تشطر الصورة الوحيدة التي كانت تجمعهما .. تضع صورتها على المنضدة القريبة من السرير وصورته في جيب الحقيبة التي حملتها (( خرجتْ إلى  الشارع دون  أن تنظر إليهِ وسارت مُحاذرة أن تلتفت إلى النافذة التي تعرف جيداً انهُ يقف الآن فيها .. كما تعرف تماماً أنها لو التفتت .. لو التقت عيونهما مرة أُخرى حتى ولو للحظة خاطفة فلن تستطيع أن تبرح المكان بعد ذلك أبداً )) ص 45 .  

 (( الليلة الأولى )) .

ربما هي الجزء الثاني من قصة " الليلة الأخيرة " أو تكملة لها . هل هي نفس البطلة ؟! أكيد .. رغم ان القاصّة لم تقل ذلك !!

إنها الليلة الأولى لزواجها الثاني . أصبحت امرأة في منتصف العمر وهو رجل تقترب أعوامه من الستين . وقررا أن تكون ليلتهما الأولى في فندق ! وتكتشف من طريقة تصرفه مع النادل بأنهُ بخيل .. والبخل أكره صفة في الرجل !         

تغيب اللهفة في الزواج الثاني لذا يتنقلان ما بين الحديقة وبهو الفندق والغرفة ((وما أن ساد الظلام حتى أحستْ بفورة الشوق فالتصقت بهِ وفيما كان .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. وقد تقطعت أنفـاسها ( انتظر يا أحمد ) . )) ص 74 .

وتدعو الله في سرها أن لا يكون قد سمعها . لكنهُ ، سمعها .. ولم يكن ( أحمد ) سوى زوجها الأول !

 (( سبق صحفي )) .

قصة جميلة تجذبنا غرابة اسلوبها وصياغتها الدقيقة . قصة صحفي فُصلَ من عملهِ .. يقصد حانـة ليسهر فيها ، ويجد لهُ رفيقاً يحكي لهُ حكاية غريبة عن منزلهِ . رغم ملله إلاّ أن غرابة القصة تجعلهُ يطلب منـهُ  أن يرافقهُ  إلى منزلهِ لبضع دقائق  ، فقد وجد في حكاية هذا الرجل فرصة رائعة لكتابة تحقيق صحفي مشـوق ربما يعود بهِ إلى عملهِ في الجريدة . ويرافقهُ .. ويدخل .. ويصل إلى الشرفة (( في الصحيفة المسائية لليوم التالي ظهر الخبر مقتضباً :

( انتحر ليلة أمس صحفي شاب بسبب فصله من عملهِ في صحيفةٍ معروفة ، بأن ألقى بنفسهِ من شرفةٍ في الطابق الثاني لمنزلٍ مهجور . وقد تبينَ من إفادة البستاني الذي عثر على الجثة صباح هذا اليوم بأن المنزل لم يدخلهُ أحد منذ وفاة صاحبه بسقوطهِ من نفس الشرفة قبل خمس سنوات ) . )) ص105 .

(( القطار المسافر )) .

قرأتُ هذهِ القصة قبلَ سنوات بعيدة منشورة في إحدى المجلات العراقية . قرأتُها كقارئة .. وأُعجبتُ بها كثيراً .. ولم أكن يومها قد دخلت عالم الكتابة أصلاً !

زوج وزوجة يدخلان مقصورة قطار ، وإذا بزوجين آخرين يدخلان نفس المقصورة .  ويتسمر الرجل مذهولاً عندما يلقي التحية عليهما .. وتُحدق فيه _ هي أيضاً _ مذعورة ويكاد اسمه يفلت من بين شفتيهـا(( واسترقت النظر إلى كف الفتاة الأيسر " زوجته " وصعدت عينيها تنظر إليها بفضول" النوع الذي كان يستهويه .. هل تراه سعيداً " ؟

وفحص الشاب بدورهِ الرجل ذا المعطف المطري الأسود " لم تكن تحب هذا النوع من الرجال .. هل تراها سعيدة " ؟ التقت عيونهما للحظة ، ثم أشاح أحدهما عن الآخر . )) ص 134 . 

المفاجأة الجميلة والرائعة في القصة أن هذا القطار الذي يسافر غرباً هو نفسهُ الذي سافر بهما ذات يوم ، ولم يكن في المقصورة سواهما . واليوم يجلسُ أمامها عاقلاً ، هادئاً برفقةِ امرأةٍ اخرى يصنع معها ذكريات جديدة !

ومن محاسن الصدف أن ينام زوجها وتنام زوجتهُ .. ينظران إلى بعضهما ويبتسمان بمرارة (( يقف على باب المقصورة .. ينظر إليها " لا كبرياء لي معكِ .. ها أنا أقفُ أمامكِ مهزوماً .. أشتهي أن ألمس ظهر كفكِ .. أُمرر عليهِ أصابعي .. لا أُريد أكثر من ذلك .. لو ترضين .. تعالي مدّي يديكِ.. ليذهب كل شيء إلى الجحيم ".. " ألمح الجنون في عينيك .. دعني .. لا تراود جنوني .. أية عاصفةٍ ملعونةٍ طوحت بكَ هنا ؟ " )) ص 138 .

جاءت معهُ إلى هنا صيفاً .. كانت فيروز تغني يومها " حبيتك في الصيف " . وصل القطار وهبطت إلى الرصيف برفقةِ رجلٍ آخر وهو برفقةِ امرأةٍ اخرى .. وصوت فيروز يضيع وسط الزحام والريح والبـرد" حبيتك في الشتي " !!

 (( مانيكان )) .

ما يدهش في اسلوب القاصّة بثينة الناصري طريقة بنائها للحكاية ومعالجتها الدرامية الشفافة .. وهذهِ الرقة التي تنثرها بين السطور .. إنها تُدخل الدفء إلى رؤوس الأنامل لتمتد كلما امتدت بنا القراءة لتصل إلى القلب !

 (( انتظار السيدة )) .

كتابة الرسائل فن بحدِ ذاتهِ . وهي لا تختلف عن القصة والرواية والشعر ، وربما توازيها كإبداع حقيقي . والأديب أكثر الناس دراية بكتابة هذا النوع من الفن الجميل .

قصة حب تولد _ من خلال الرسائل _ بين قاصّة تعيش في القاهرة ورئيس تحرير مجلة يعيش في بغداد. (( عندما مضت بالرسالة إلى مكتب البريد شعرت وهي تلصق الطوابع وتكتب عنوانهُ تذيلهُ باسم وطنها الذي غادرتهُ منذ سنوات .. بأنها تعود بشكلٍ ما إلى وطنها .. وأنها لم تعد وحيدة في غربتها بعد وفاة زوجها .)) ص 152 .

وذات يوم يبعث لها ببرقية مفادها بأنهُ سيصل إلى القاهرة بعد يومين لحضور ندوة ثقافية .   وتنتظر .. يمر يومان ويليهما شهران .. وسنتان .. لم يحضر ، ولم يرد على الرسائل التي كانت مستمرة بإرسالها له .

وتمر الأيام .. حتى ان ساعي البريد أُحيل على التقاعد واستلم محله أحد الشبان . بعدها لم تقترب منضدة الكتابة . وكل سلواها في حياتها الرتيبة قراءة تلك    الرسائل _ التي حولت أيامها إلى حلم _ كل يوم .

وبعد سنين يُطرق بابها .. وعندما تفتحهُ يقابلها رجل أبيض الشعر يقاربها سناً .. تصفْقْ الباب بحركة لا إرادية (( تلفتت حولها بارتباك .. فكرت لو كان عندها فسحة من الوقت .. فيما راحت أصابعها المرتجفة تسوي خصلات شعرها المتناثرة .. قبلَ أن تتشبث بالآكرة لتفتح الباب . )) ص 165 .

 (( الطريق إلى بغداد )) . قصص تضج بالمعاناة والألم الحقيقي والنشاط المتقد        والحيوية والضوضاء . انساب إلينا اسلوبها انسياب الأنهار الحزينة بكل ما تحملهُ من ذكريات على ضفافها! 

* " الطريق إلى بغداد " . مجموعة قصصية للقاصّة بثينة الناصري .. صدرت عن دار عشتار للنشر / القاهرة / 1999 / الطبعة الثانية .

------------------------------------------

أضيفت في 28/05/2005/ * خاص القصة السورية/ المصدر الكاتبة ( للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة حول أدب المرأة )

  

 

من خلف انحناءة الأقواس ... ليست قراءة نقدية

                                                                                                                

بقلم: بثينة إدريس

 

إطلالة:

أبداً لم يكن دافعي للكتابة إعداد قراءة نقدية أو تقييم تحليلي لكتاب وقع بين يدي ضمن جملة الكتب التي نقتنيها أو التي تُهدى إلينا ، وإنما سعيت لمحاولة استقرائية لكتاب تذوقت منه نكهة الكتابة بين سطور تلك الشاعرة التي استثارت حفيظتي فأثيرت فحرضتني على الكتابة .

هيلدا إسماعيل شاعرة حلقت بنا في فضاءات الهمس ، قطرّت ريشة القلم لقب ( ميلاد ) كاسم مستعار لها ، لحظة ولوجها مساحات الكتابة ، بمجموعة شعرية أولى ضمت بين دفتيها نحو 22 عنواناً و156صفحة صدرت عن الفرات عام 1423هـ بعنوان ( ميلاد بين قوسين )

ولا أدعي كذباً إن قلت أن هذه الهيلدا أخرجتني عن قوقعتي المقالية بركن زاوية أسبوعية ، منذ لامست شغاف أذني قصائدها ، فقد آثر القلم أن يجنح بالكلمات لتسجيل واقعة لامرأة جاوزت حد القصيد لتتناثر وجاوزت حد التناثر للقصيد ، ومابين تلك الرؤية وذلك التصور أطلت علينا من خلف انحناءة الأقواس ، وقبعت بعيداً لا تلوي على شيء ، ولا تأبه لأول زائريها وآخرهم ، فلمن يحفل بها أن يحفل ، ولمن يلوك بقلمه أن يلوك ، ولأني لست من زمرة النقاد ولا من مرتادي القراءات النقدية لأرفع شأن هذا وأثخن بالحيازية فأخفض قدر ذاك ، إنما جئت كقارئة أولاً ومتذوقة ثانياً .

( ميلاد بين قوسين ) مجموعة منثورة لشاعرة استهوت همس القلم فاتخذته صديقاً  واستطابت مقاماً بعمق الشعر فجعلته مرفأ ، ولا أعلم تحديداً عمر صداقتها للقلم وإقامتها على المرفأ ، وإنما أراها تحبو على متكاءات النثر علّها تُسند انحناءة قوس أو تقيم علاقة مستديمة مع مفرداته .

أقف بدهشتي الآن أمام شاعرة امتطت ثقتها بنفسها واعتلت شموخ كبرياءها لتهدي نتاجها الأول دونما تردد أو وجل ، فراحت تقول في إهداءها

(سأبقي المكان خالياً

كصفحة بيضاء تسر الوارفين

وكتلك الأيدي التي امتدت

وشاركت في صنع الميلاد ).

فلسفة الكلمات: 

لهيلدا إسماعيل فلسفة عجيبة لمعاني الكلمات وتشكيلات الحروف ، فهي قد صنعت قاعدة حوارية فلسفية ارتضتها لنفسها فأعلنتها على الملاً ،، إذ قالت  : في قصيدتها ( ميلاد ) بين ( قوسين ) :

هل سألنا أنفسنا من قبل ونحن نخط خطاباً

أو رسالة أياً كان نوعها .

لماذا نكتب بعض العبارات بين ( قوسين ) ؟؟

هل كل مابين القوسين مسجون بينهما ؟!! معتقل في عصر الحرية ..

أو مدني في عصر القبلية ؟؟ هل كل مابين قوسين هام قدسناه ..

عام احترمناه . أو عامي خجلنا منه ؟ !!

هل هي أسماء نحبها فاحتضناها .

نكرهها فعذّبناها .. أو نخاف منها فشددنا وثاقها ؟ّ!

هل كل مابين قوسين عبارات هاربة تم القبض عليها ..

 أو اقتباس حفظنا حقوقه أو إعصار أو ( ميلاد ) تمت السيطرة عليه . ؟!

تلك افتتاحيتي لأقطع دابر الوقت ، لتصطف  الكلمات ترحيباً بقدوم تلك الشاعرة ( العنكبوتية ) التي خرجت من ( الانترنت  ) لتعلن وجودها وتعود لتعبئ سلالها بحبات من تفاح شجيراتها.

ذوات هيلدا:

لهيلدا ذوات معذبة وذوات تستلذ تعذيب الآخرين ، فإحدى تلك الذوات تطل علينا من قصيدة ( ذات ليال اسطورية ) في مقطع ( ذات ليلة حزينة ) تقيس مسافات العاطفة بين حرارتها والصقيع  :

دعوتك تمارس التناقض في مشاعرك

أن تستشعر الفرق بين 37 درجة مشتركة بين الجسد والحزن

37درجة .. إذا زادت عنها حرارة جسدك .. سينهار جلدك بالدموع

و37 درجة .. إذا زادت عنها حرارة حزنك .. ستقاوم عيناك الدموع

ما دمت عاجزاً عن التعبير عن حزنك بطريقة فطرية

وما دام البكاء عيباً .. وضعفاً . وأنوثة .

أجهش بالضحك .. وسأجهش معك .

وفي مقطع آخر بعنوان ( ذات ليلة .. تحول ) ، أراها تمسك  تلابيب الذات الشخصية ، فتحادثها ، وترسم صورة لها في لحظات التحول ، حين تقول :

كنت ( ميلاداً )

كنت كحمامة فتحت عينيها على أسرار الحياة

نهلت من طقوس التربص .. والمؤامرات .

سئمت من الفرار من قنص الصيادين

وشباك الأقفاص الصدئة

تعبت من اتساخ الريشة بأبخرة النقل والكلام

نهلت من ضمائر البشر

فقررت أن تغير ملامحها .

ثم  تتمرد قليلاُ على ذلك العاشق ،، وتقتات الجرأة لتوصد دونه أبواب قلبها فتقذف في أذنيه كلمات تقول  ( أجد الجرأة الآن ) :

أجد الجرأة الآن

لأراك متسولاً

تمد يدك المرتجفة إلي

فأوصد الباب أمامك . طالبة منك أن تغادر ..

موصية إياك بالوقوف بعيداً

والاغتسال بريعان انتحابك الذي يليق بك

ثم ترمقه بنظرة أخرى كونه رجلاً لا يغادر ثياب الرجل ،،  وتشير إليه : ( أنت رجلاً كالآخرين ) :

تريد أن تتحكم بلون ثيابي

صوت بكائي .. رائحة عطري .. وعدد نبضاتي

تريد أن تدون أمنياتي عني وتقرر أحلامي

وتستعيد أنفاسها بقولها :

وتحفظ أسماء صديقاتي .. ترد على هاتفي

تطرد من تشاء من حياتي ..

ومرة تلو مرة يدثرها الحنين إليه ،، فتسقط  بين يدي الذكريات ،، لتلتقط أهدابها فرحاً للقياه فتهب هامسة : ( حين التقينا ) :

حين التقينا .. تبدّل شكلي

تشكلت ملامحه على يديك

وتبدّل صوتي .. فصار شوقاً

ونحيباً . أيضاً .. على يديك .

وتتناول بقاياها المغادرة من جعبة النسيان لتسكنه حيث القلب  في  ( سكن ) في مثل هذا القلب ) وهنا تتفرع  القصيدة في هيئة سنوات ، فلك ل مقطع عنوان سنة فماذا أسّرت في  ( في السنة الرائعة والعشرين )  ؟؟  :

قررت أن أحل أزمة ( الشوق ) الأوسط

ألا أعيد إليك قلبك

ألا أخرجك من ذاكرتي مهما كان النسيان

فالمحيط لا يعيد إلينا غرقاه

على عتبات الأوطان :

لم تعد تغزل الأناشيد الوطنية المعتادة حلماً يداعب جفون وطن مسلوب ، يرتجي التحرير ، أو وطناً مهملاً يئن لجرعات حب ، أو وطن يُعشق حد التخمة ،، فكيف حال الأوطان في خفايا هيلدا ،، في ( أحياناً مبعثرة ) وتحت عنوان ( حين تمسك  ببندقيتك الصغيرة ) من ستغتال أولاً ؟؟ :

وتصوبها إلى قلبي

حين تطلب مني أن أموت .. لتضحك

ثم تنهال خوفاً علي

أحلم بأنك ستكبر ذات حرب

وستأتي حاملاً على كتفك ثار ( الدّرة )

وثأر .. أطفال العراق

يومها .. لن أندم إن كفنتك شهيداً ياصغيري

و أرقت عليك العروبة