|

يوسف الخطيب ذاكرة الأرض، ذاكرة
النار
بقلم الكاتب:
ناهض حسن (فائز العراقي)*
فلسطين في
يوسف الخطيب*
بقلم:
د. علي عقلة عرسان
لست أدري هل يوسف الخطيب فلسطيني أم قضية فلسطين على نحو ما ؟!
ولست أدري أيضاً أهو بعدها القومي في الوسط الفلسطيني أم بعدها
الفلسطيني في أمة العرب؟!
أسأل نفسي أحياناً ذلك السؤال نظراً لتداخل نسيج الرجل بالقضية
والأمة معاً على نحو عضوي!!.
ولكنني في لحظات ألمحه على رصيف شارع محايد معني بأشياء أخرى ربما
ألجأه إليها التعب أو اليأس أو فروض الحياة، فتتملكني الحيرة وأسأل نفسي من
جديد: هل هو يوسف الخطيب أم يوسف آخر أخذته الحياة كما أخذت القضية من أيدي
أبنائها أحياناً.. وها هو الزمن يتلهى به على نحو ما؟!
معذور أنا في تساؤلاتي وحيرتي.. فيوسف جزء من تكوين مرحلة وهو عزيز
عليَّ، والقضية هي كل المراحل وهي الأعز، والأمل في الأمة أكبر من اليأس
منها. ويوسف هو القائل:
"إن مرافئ الحنين التي اتَّقد شوقاً لبلوغها ليست إلا مجرد بعيدة
وحسب.. فهي قائمة فعلاً في دارات مكان ما، لا بد أن يتراءى يوماً... وفي
ذات زمان آتٍ لا بد من أن يأزف آخر الأمر"(( )).
وهو الذي يقول أيضاً:
"أصعب ما في رسالة الشاعر الملتزم، بعد حرب حزيران هو أن عليه، من
موقع الهزيمة، أن يبشر بالنصر ومن جوف الظلام، أن يستعجل طلوع الصباح"((
)).
يوسف الخطيب
لغةٌ شعرية معجونة حروفها بالدم والزيتون، مضخمة بالسعتر البرّي
ومحفوفة بهالة القداسة المتصلة بالشهادة والقدس والعروبة والرسالة الخالدة.
يوسف الخطيب: وتر تعزف عليه الريح، فتراه يضطرب، ومن اضطرابه ينبعث
الحداء: لعرب تعيدهم فلسطين إلى وحدة الصف والموقف والهدف ودار الكرامة.
وحين أقمّش نسيجه الموشى ينزُّ على كفي منه دم الجراح، وتحترق
أناملي بزفرات قلب حرَّقه الشوق إلى غزّة هاشم، ودورة الخليل، وحرمة
الأقصى، وقبة الصخرة، فاختزن وقده تحت رماد القول، الذي ينم دائماً على روح
تماهت بالأمة القضية، أو بالقضية الأمة.
وأراه حين ألمح وجهه في القصيد فارساً تقطّعت به السبل، فغرس رمحه
واتكأ عليه من فوق صهوة جواد لا يمل من الوقوف والصهيل، ليرد الفرسان إلى
ساحة الوغى ودروب الحرية، وليرد الكرامة إلى الأمة.
يوسف الخطيب تيَّمهُ عشق الوطن، وعشق آخر في الغربة خال أنه يعيده
إلى الوطن فهبّراه تهبيراً. وما بين دمشق وبغداد أوضاع قلباً ويداً، بعد أن
بح منه الصوت لكثرة ما عزف على شفرة اللسان...
وبقي معلقاً في ذلك المدى تسفعُه سموم الصحراء، يكوِّر "قضاضة"
عربية ناصعة البياض فوق الرأس المشتعل شيباً، ويستعير من الهلالي، أبي زيد،
ساعداً وسيفاً وربابة، ويخيم في فضاء ممتد ما بين حيفا وبغداد... يعزف
الألحان ويكررها على الأسماع.. لعل وعسى؛ وحين يلجئه القيظ والرمل إلى
القيلولة، يطل من سفح قاسيون على وطنه وينشد:
"راية البعث في يديَّ، وخوفي
أن بالقدس لاتَ حين تلاقِ
بين حيِّين في السقيفة أبكى
حيّ سورية.. وحيّ العراقِ"(( ))
ولكنه بعد سنين من شي الكبد على رمضاء السياسة، ينتشل بصره من المدى
والهم، ويركز بصيرته في الجرح، والألم يعتصر روحه، ويموت صبراً تحت لسانه
ويقول:
"ها أنا، أيها الرفاق، وأنتم
قد سلمنا خوارق السندبادِ..
أتحدّاه أن يخوض بحور الملحِ
من جلّقٍ.. إلى بغداد..".
ولكنها حالة غم ثقيلة طال أمدها وتمشرخت في حقول الإحباط الخصبة،
جعلته، فيما أراه وفيما أقدر فيه، مثقلاً باليأس وهو يمخر بزورقه المتعب
عتمة الليل قبل انبلاج الفجر..
تلك التي تزيغ عيون الأمل فيرى الإخفاق أفقاً، ويرخي قبضة اليد عن
المجداف ليعبث ماء السراب به!! مهلاً.. أبا الرائعات من مثل قولك:
بالشام أهلي والهوى بغداد....
ومن مثل:
أكاد أومن من شك ومن عجب،
هذي الجماهير ليست أمة العرب
مهلاً فأمتنا أكبر من ليلها، وأكبر من غرابيب غيوم تتدفق في سمائها،
وأكبر من خونة وعملاء ومفرطين بالحق يتناثرون هنا وهناك.. لا يلبث أن
يكنسهم الوقت من عتبتها. مهلاً وأنت المقتدي المستبشر القائل:
"خلّ نصف النضال قولاً، ولكن...
خلِّ نصفاً إلى الحسام المجرّد
واحدُ الخلق، من أضاء من الحرفِ
شبا السيف.. فاستضاء: مُحمد".(( ))
أفلا يكون اليوم في سيوف تستضيء بهداه، وببعد عربي جسّده أكثر مما
جسده سواه، تقوم بفعل جهادي مضيئ في القدس –والخضيرة- وبيت ليد- والخليل،
وفي جنوب لبنان، أفلا يكون في ذلك وسواه ما يبعث الأمل ويغيث الهم فتنبعث
من جديد؟!
قد يتشقق قلبك أسىً حين وقع الصوت والفعل في غزة هاشم إساءة للعروبة
والإسلام معاً، وإساءة للأحياء والأموات معاً، ونكوص عن كل طريق التحرير
والكرامة، وتفريط يخجل منه التاريخ بما لا يمكن أن يفرِّط به مدى التاريخ،
وارتماء على أعتاب صهيون يدنِّس شرف الحجارة التي ارتفعت نوراً وناراً بين
أيدي أطفال فلسطين، الذين غنيت لهم وشددت ظهرك بهم.. وناديت في صبح فجيعة
مرة إلى موسم خصب منهم؛ ولكن ذاك الصوت الخانع المنبعث من دمن "أوسلو" وواي
بلانتيشن والمستنبت فيهما، ليس هو صوت فلسطين، ولا هو ترجمان الدم الطهور
الذي سال على طرقها من هدار حيفا في الأربعينيات إلى مذبحة الحرم
الإبراهيمي في التسعينيات، مروراً بدم في دير ياسين، وكفر قاسم، وقبية،
ونحالين، والأقصى، وصبرا وشاتيلا.. و "قانا" الجليل؛ ودم أضاء الحرفَ
وأضاءه الحرف في "فردان" وتونس، وكل قرى فلسطين ومدنها يوم كان الشعب
انتفاضة والأطفال حملة أر. ب. جي.
يا نداء القدس، ودموع الخليل، ونخوة غزة، وفورة الغضب في ليل بؤس
العرب.. يا شاعر فلسطين وسنديانتها العريقة، وضوء زيت زيتونها الذي ينير
دروب القلوب إلى الذخائر، ويفتح البصائر على المصائر..
لا يركنن قلبك لليأس.. ولا تحسبن أن حرفك مات أو أمات. فأنت الحادي،
ونشوة النداء، وزفرة عشاق فلسطين، وصوت الأمة الذي قطّع أنفاسها المهرولون
والمرتمون على أعتاب العنصري المحتل، فذوت وكبت.. وتحتاج إلى من ينهضها
وينهض بها؛ خذ ربابتك وقوسك، وردّد ما قلت لنا وما ربيتنا عليه من ساطع
القول، متين السبك، جميل النغم، صادق العزم، بطوليّ التطلع.. فلمثل هذا
تحتاج أمتك اليوم ليوقظ فيها نخوة ماتت أو كادت تموت، ولمثل هذا يحتاج
الشِّعر لكي يستعيد مكانة وتأثيراً وحيوية واحتراماً؛ فأنت لا تحسن الغناء
فقط بل أنت من يطربنا غناؤه. فقل لنا يا شيخنا، تصنعنا من جديد، وتُمِدّنا
مما تنفد الأقلام والقراطيس ولا ينفد: صادق القول يبعث صادق العزم في أمة
تمتد من هذا الآن.. إلى أكاد، ومن طنجة إلى بغداد، قل وأعد فينا القول: أو
لست ذاك الذي قال:
"قد ترى أدمعي، وذوبَ فؤادي
وسراج الحياة يخبو رويداً
ذاك أني، لأجل عين بلادي
أستسيغ الردى... ولا أتردَّى"(( )).
لقد ضاع بعض حقك في زمن أضاعت الأمة فيها معياراً وحقوقاً وقيماً
وقضايا كبرى ومقومات صراع رئيس من أجل وطن وحق وكرامة، وأنا أستشعر دبيب
النمل الغاضب في دمك على حالةِ ترقَّع الشِّعر حللاً، وتشد السروج على
الماعز؛ وأستشعر الألم يعتصر قلبك من ظلم ألم بساحتك من رفاق وأخوة وأصدقاء
وأبناء عمومة وعشيرة وأمة؟!
من حقك أن يضج دمك بالسؤال الاستنكاري! لماذا؟! ومن حقك أن تسأل عن
الشعر فيمن رُفعوا أعلاماً ترفرف في مساحات الإعلام، ومن حقك أن تقول قولك:
"رضيتَ جزاءَ عصياني
ويُعْرَف من هم الشعراءُ،
لا من خِلعةِ السلطان..
بل.. من فادح الثمنِ"(( ))
من حقك أن تفعل..
وظلم ذوي القربى أشد مضاضةً
على المرء من حدِّ الحسام المجرد
من حقك لأنك لست سمسار حروف يروّج تجارته ألف إذاعة ورعيل متجدد
الهمة من ميليشيا الأيديولوجية المنتشية بالدبكة على وقع طبول ينبعث من
وراء انبساط الصقيع..
ولأن يوسف الخطيب ابن قضية تركض مقطوعة الرأس من بيت إلى بيت في
دنيا العرب، وكلما خرجت مطرودة من دار أبيها وهبها عزماً وجدد حركة دمها
لتتابع صهيلها في القلوب والدروب حتى وهي مقطوعة الرأس؛ ولأنه شاعر في زمن
اندثار قيم في دنيا الشعر، ومقومات في دنيا الفن، وابن أصالتين: أصالة
الإبداع، وأصالة النضال تضافرتا فضفرتا جديلة الإبداع الرائعة المنسدلة على
جيد الشعر العربي؛ ولأنه نذر نفسه لفلسطين فجعله صدقه وثباته على المبدأ
يتنسك في محراب صدق أوصد بابه سماسرة القضية حتى لا يشع منه نور أو يتضوع
بخور، وراحوا في أربعة أركان الأرض يبيعون ويشترون، ويتشمرخ على ألسنتهم
اللغو حَبلاً كاذباً، لأنه كذلك يدع الثمن الفادح، حتى في ساحة الشعر وأسرة
الأدب. لا سيما بعد أن أصبح الشعر في الناس، وأصبح أناس بواسطة الشعر، ما
أصبح وأصبحوا عليه من حال يصدق فيها قولك:
"ما دهى الشعرَ، غداً سِحْراً وترقيص أفاعي
وسراويل محيكات بأنوال العَدم
قيل "إبداع" فلم ألق سوى محض "اتباع"
بين مهيارٍ دمشقي.. ومهيار عجم"(( )).
ولكن أنت لك أولوياتك، وأول تلك الأولويات: "ألا ينحني رأس
العروبة"؛ وقد يتأتى انحناؤها من الشعر والنثر، كما قد يتأتى من السياسة
ومما يجري ساحات الوغى..
ولكن ما هي مهنة الفارس وما هي مهمته، في أمة تعلي شأن فرسانها على
مر التاريخ!! وفي الأزمنة التي تحتاج فيها الأمم إلى من يحث على صنع
التاريخ؟!.
أليس الاستمرار في النضال من أجل انبلاج فجر حقيقي لا خلّبي، ليقوم
الإبداع على أساس، وليقوم الناس على قيم وعقيدة... والكرامة هي في الحياة
أساس؟!
أطلت قليلاً وما كان ينبغي لي أن أفعل، وقصّرت كثيراً، فكان ينبغي
أن تشمل جولتي ميادين عطائك الأوسع، شعراً ونثراً، عملاً إدارياً وأداءً
نضالياً.. ولكن ماذا أفعل أيها الصديق.. والوقت يجحدني وأجحده.. وكل منا لا
يرضى عن صاحبه.
كل ما أستطيع أن أطلبه وأن أعد به، في يوم تكريمك هذا، أن تقبل مني
وعداً بأن أتوسع في الكتابة عن إنتاجك في وقت لاحق، فأنت فارس قضية، وأنت
حين أجول في تفاصيل حروفك: نبض عرق في جسد، نبض شعب ومخيم، نبض شام وعراق،
نبض تاريخ وأمة، نبض أقداس القيم، وتراتيل العرب..
فهل نتوافق على هذا الوعد لأرتاح وأنا أزف إليك تقدير الكتّاب لك
ممثلاً باتحادهم اتحادك، وأزف فيك فلسطين إلى مجد الشعر.. فأنت غير ما صنع
الذين صنعوا من وهم الشعر شعراً، ومن هيولى الشخوص أبطالاً.
لك التحية ولفلسطين، كل فلسطين، التحرير الكامل. ولشهدائنا الخلود،
ولأمتنا التي أحببتها وأخلصت لها، النصر بعون الله.
د. علي عقلة عرسان
===========
|
 |
*لمحة عن
الشاعر:
يوسف الخطيب
ولد عام 1931 في دورة الخليل(فلسطين).
أنهى دراسته الثانوية في الخليل، ثم تابع تحصيله الدراسي في جامعة
دمشق- كلية الحقوق- وتخرج فيها عام 1955.
عمل في مناصب مختلفة في اذاعات: دمشق، فلسطين، الرياض، صوت العرب،
القاهرة، الكويت، بغداد، اذاعة هولندا العربية.
وشغل منصب المدير العام لهيئة الاذاعة والتلفزيون في سورية عام
1965، |
|
وانتخب
نائباً للأمين العام للاتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين.
أسس عام 1965 دار فلسطين للاعلام. عضو المجلس الوطني الفلسطيني.
عضو جمعية الشعر.
مؤلفاته:
1-العيون الظلماء للنور- شعر- دمشق 1955.
2-عائدون- شعر- بيروت 1958.
3-واحة الجحيم- شعر- بيروت 1964.
4-عناصر هدامة- قصص- بيروت 1964.
5-ديوان الوطن المحتل- دراسة ومختارات- دمشق 1965.
6-مجنون فلسطين- شعر- دمشق 1983 |
  
مقدمة الكتاب
الكتاب الجديد الذي أضعه بين يدي القارئ الكريم:
"يوسف الخطيب: ذاكرة الأرض، ذاكرة النار"
يتضمن دراسة نقدية تتناول التجربة الشعرية للشاعر العربي الفلسطيني
المعروف يوسف الخطيب.
للأرض ذاكرة، هي ذاكرة الشعب الحيّة التي تُعطي بتفاعلها الخلاّق مع
الأرض، للأشياءِ معناها وقيمتها.
وشاعرنا الخطيب هو شاعر الأرض والوطن بامتياز. الوطن بوصفهِ رمز
الوجود، وجوهر الكينونة البشرية والجذر الأول الذي يُحدد هوية الإنسان،
وقيمته المعنوية، ويصوغ ذاكرته الأولى ووجدانهِ الجمعي.
تكشف قصائده بوضوح عن مدى تشبثه بتراب وطنه الطهور: "فلسطين
العربية"، ودفاعه المستميت عن شعبهِ العربي الفلسطيني في صراعه الوجودي مع
العدو الصهيوني المغتصِب.
وهي ذاكرة مُلّفعة بنار المقاومة، ودم الشهداء، ولهذا السبب اخترنا
عنوان الكتاب الذي تقدّم ذكره، مُعتبرين النصوص الشعرية التي قدمها شاعرنا
الخطيب وثيقة حيّة، ومبدِعة لهذه الذاكرة، بل هي أحد أسباب ديمومتها
وتجددها ووثوبها نحو المستقبل.
لماذا يوسف الخطيب؟
قد يدور هذا السؤال في خلد الكثيرين من القرّاء والنقّاد، والمهتمين
في مجال الأدب عموماً.
وهو سؤال يستمد وجاهته من أن الحركة الشعرية العربية في الخمسينات
كانت مليئة بالشعراء العرب الكبار، لا سيما الرواد منهم: أمثال السيّاب،
والبياتي، ونازك الملائكة، وصلاح عبد الصبور، وأدونيس، والماغوط، ونزار
قباني، وخليل حاوي، فلماذا إذن تخصيص كتاب كامل عن يوسف الخطيب؟
السبب الجوهري الأول الذي دعاني إلى تأليف هذا الكتاب هو اعتقادي أن
هذا الشاعر مثَّلَ ظاهرة فنية – فكرية إبداعية متميزة في الشعر العربي
المعاصر بشكل عام، وفي الشعر العربي الفلسطيني بشكل خاص.
وقد تجسّدت فرادته وشخصيته الفنية المستقلة والمتميزة في العديد من
الملامح والسمات الفنية الأساسية، ومنها: طريقته في تعامله مع اللغة،
وكيفية تطويعه لها، حيث يمكن القول إن لـه قاموساً شعرياً خاصاً يُميّزَه
عن كافة مجايليهِ من الشعراء، والأساليب الفنية الحديثة التي استخدمها في
التعبير عن رؤاه وأفكارهِ ومواقفه: كالمونولوج، والتناص، والتلوين، والسرد
الشعري، والاستذكار "الفلاش باك"، والحوار... الخ، كما تجلّت فرادته أيضاً
على مستوى التخييل، وبناء الصورة.
أما فرادته على المستوى الفكري فتتجسد بولعه في استخدام الثنائيات
والجمع بين النقائض، وكذلك في زاوية الرؤية لديه، وموقفه النقدي من الظواهر
السلبية التي تنخر جسد أمّتهِ العربية.
ولعل فرادته هنا تتجسد بشكل ساطع في نظرتهِ الخاصة للظواهر العامة،
وخاصة السياسية منها، وفي طريقتهِ، وسخريتهِ اللاذعة التي وسمت موقفه
النقدي بالحِدة، والجذرية، والطرافة، في آن واحدٍ معاً. لذلك أجرينا مقارنة
تطبيقية بينه وبين أبرز الشعراء العرب في هذا المجال: عمر أبو ريشة، نزار
قبّاني، الجواهري، ومما تأكد لنا أن شاعرنا الخطيب لا يقلّ عن هؤلاء الكبار
فاعلية وإبداعاً وشجاعة وعمقاً رؤيوياً وفكرياً.
أما السبب الآخر، فهو قلة الدراسات النقدية الجادة التي تناولت
تجربة هذا الشاعر بالنقد والتحليل والتقويم، حتى يمكن القول بأنه تعرّض
لظلم فادح من قِبلِ النقّاد العرب الذين لم يولوا تجربته الشعرية الاهتمام
المناسب، وركزوا على مجايليه من الشعراء، وخاصة الفلسطينيين منهم، تُرى ألا
يقف شاعرنا الخطيب بشموخ أمام العديد من الشعراء العرب الفلسطينيين أمثال:
معين بسيسو، وتوفيق زياد، وسميح القاسم ومحمود درويش؟
إذن، لماذا التركيز على هؤلاء مع ضعف الاهتمام بتجربتهِ، -إن لم نقل
إهمالها-؟.
لقد دفعني هذا "الحيف النقدي" غير المُسَوّغ إلى محاولة لإنصاف هذا
الشاعر، وهي من ثم محاولة لإحقاق الحق، والتعامل بشكل موضوعي مع الظواهر
الإبداعية العربية.
إنني هنا لا أبالغ في المكانة الفنية والإبداعية والفكرية التي
ينبغي أن ينالها شاعرنا الخطيب في عموم الحركة الشعرية العربية المعاصرة،
بل أدعو إلى أن تنال هذه الظاهرة الفنية حقها ضمن سياقها التاريخي-
الإبداعي العربي دون زيادة أو نقصان.
ولا بدّ من التأكيد هنا بأننا إذا وضعنا العطاء الشعري الذي قَدمّهُ
الخطيب في الخمسينات: "ديوان العيون الظِمّاء للنور عام 1955، وعائدون عام
1959" ضمن سياقه التاريخي في الخمسينات فإنه لا يستطيع منافسة ما أنجزه
مجايلوه العرب من إبداع شعري في تلك المرحلة، وخاصة إنجاز السيّاب وخليل
حاوي والماغوط ونزار قبّاني.
وهنا يمكن أن نؤكد أن الشاعر كان في الخمسينات في بداية تبلوره
الشعري، ولم تكن تجربته قد نضجت بعد –وخاصة فيما يتعلق بمستواها الفني-.
إلاّ أن التطور النوعي الحقيقي بدأ في ديوانه: "واحة الجحيم" الصادر
عام 1964، والذي أَهَّلَهُ فنياً لكي يقف على قدم المساواة مع مبدعين
فلسطينيين معروفين، أمثال: محمود درويش، ومعين بسيسو، وسميح القاسم، وفوّاز
عيد، وتجسّد ذلك على مستوى التخييل، وتشكيل وبناء الصورة الفنية، وزاوية
الرؤية، والرؤيا، وكيفية استخدام اللغة وتطويعها، والشحنة العاطفية
والوجدانية والوهج الشعوري الذي أدى إلى تألق العديد من قصائدهِ، وَبَثَّ
فيها الحرارة والعاطفة الصادقة باعتبارها عنصراً أساسياً في بناء أية قصيدة
ناجحة، هذه العاطفة الوجدانية التي أطلق عليها الناقد الجليل يوسف سامي
اليوسف اسم: "الرعوش الوجدانية".
ثم واصل الشاعر تألقه الشعري في دواوينه اللاحقة، وخاصة: ديوان: "في
الشام أهلي والهوى بغداد"، وديوان: "رأيت اللهَ في غزّة".
أما السبب الثالث، والأخير، فهو لاعتقادنا بأن شاعرنا الخطيب هو
واحد من أبرز الشعراء العرب الذين ذادوا عن قضية فلسطين، وعن القضايا
العربية القومية المصيرية، والذين كرّسوا كامل إبداعهم الشعري من أجل هذه
المهمة القومية التحررية العادلة والنبيلة.
أما السؤال الآخر، والذي لا يقلّ أهمية عن السؤال الأول، فهو: ما
المنهج النقدي الذي اعتمدنا عليه في تحليل وتقويم تجربة هذا الشاعر
المبدع؟.
في الحقيقة، لم أركز على منهج نقدي بحد ذاته، بل استفدت من المناهج
النقدية كافة مما تستجيب لدراسة هذه النصوص الشعرية، سواءً تلك المناهج
التي تدرس النص من خارجه: كالمنهج الاجتماعي "السوسيولوجي"، والنفسي "السايكولوجي"،
إضافة إلى المناهج الحديثة التي تدرس وتُحلل بنية النص من داخلهِ، وتبين
آلياتِهِ، وعناصره الداخلية المساهمة في بنائهِ، كالمنهج البنيوي،
واللساني، والسيميولوجي.
-ففي الفصل الأول: "الأساليب الفنية في شعر يوسف الخطيب" استفدنا
كما هو واضح في عملية التحليل والتركيب والتقويم من المنهج البنيوي،
والسيميولوجي "الدلالي"، واللساني.
-وفي الفصل الثاني: "ظاهرة الثنائيات" استفدنا في دراسة البنية
الفكرية لهذه النصوص من المنهج الأيديولوجي.
-وفي الفصل الثالث: "الموقف النقدي في شعر يوسف الخطيب"، والفصل
الرابع: "يوسف الخطيب: ذاكرة الأرض، ذاكرة النار"، استفدنا من المنهجين
النقديين: الأيديولوجي، والاجتماعي- التاريخي.
-أما سبب عدم التزامنا منهجاً نقدياً واحداً، محدداً، فيعود إلى
فهمنا النقدي القائم على أن النص الشعري هو عبارة عن مستويات متعددة، فقد
يتضمن:
المستوى اللغوي، والرمزي، والأسطوري، والتاريخي، والفني- الجمالي،
والفكري- والاجتماعي، وأحياناً السياسي،.... الخ.
لذا فإن دراسته ضمن منهج نقدي واحد سيؤدي إلى تضييق مساحة الرؤية،
وإلى أحادية هذه الرؤية، بدلاً من الرؤية الشمولية الواسعة.
أي أننا استفدنا من كافة المناهج النقدية التي يمكن أن تساهم في
إضاءة النص وتحليله، وقد اجتهد بعض النقاد العرب مُطلقين تسمية: "المنهج
التكاملي" على ما ارتكزنا عليه، ولعل تسمية "المنهج الشامل" الذي سيكون
بالضرورة تكاملياً هو الأقرب إلى رؤيتنا وفهمنا.
ختاماً، أرجو أن أكون قد وفقتُ في دراسة هذه الظاهرة الإبداعية-
الفكرية، وأسهمتُ في إضاءة هذه التجربة الشعرية لواحدٍ من الشعراء العرب
المتميزين، إضافة إلى تحقيق شرط الموضوعية والعدل في تناولنا لتجارب
مبدعينا العرب.
ومن الله العون والتوفيق
حلب 15/4/2003
ناهض حسن "فائز العراقي".
  
الفصل الأول
أ: الأساليب الفنية في شعر يوسف الخطيب
استخدم الشاعر يوسف الخطيب غالبية الأساليب الفنية الحداثية
المعروفة، كالاستذكار "الفلاش باك"، والمونولوج، والتلوين، والسرد الشعري،
والتناص، والحوار، وغيرها، مما منح تجربته الشعرية وهجاً فنياً وجمالياً
وتفرداً خاصاً ساعده على تكوين شخصيته الفنية المتميزة.
ففي قصيدته الشعرية الطويلة ذات الطابع الملحمي، "بالشام أهلي
والهوى بغدادُ" يعتمد الشاعر في بنائها على العديد من العناصر، ومنها
الذاكرة القريبة التي يستند إليها لتعميق البنية الدرامية في النص، ولكي
يمنح نصه وهجه الدلالي القائم على إحياء الضمير الجمعي للشعب والأمة، وهو
في المقطع التالي من القصيدة المذكورة يستخدم الاستذكار "الفلاش باك" ليوقظ
في ذاكرتنا الجمعية مأساة "مذبحة دير ياسين" بأسلوب فني رائع ومدهش يدل
دلالة أكيدة على الطاقة التخييلية العالية التي يتمتع بها الشاعر:
"كان ورائي... دمُهُم... في دير ياسينَ
لظى عُلَّيقةٍ
تشتعلُ الشمسُ على غصونها
تغزل من أسى جفونها عباءَةَ الشفق"( )
النص الفني الشعري الرفيع والسامي يكشف عن نفسه بنفسهِ، فيه دلالته،
ومغزاه، ومن داخل بنيته تشع دلالاته الفكرية والفنية لتمنح الوجود الإنساني
بعداً جمالياً قائماً على الدهشة والسمو والابتكار.
والمقطع الشعري المتقدم يدل على ذاته وعلى توهجه الفني الخاص،
فالشاعر فيه يمتلك خيالاً خصباً، مُجنحاً، فريداً، قادراً على إنتاج الصورة
المبتكرة، والمدهشة، والموحية، والمتماسكة فنياً.
يوسف الخطيب في هذا المقطع يتذكر، يعود للوراء متذكراً دماء الشهداء
الطاهرة في مذبحة "دير ياسين" التي ارتكبها همجيو هذا العصر. ما يلفت
انتباهنا هنا هو الطاقة التحولية المدهشة في هذا المقطع إذ يتحول دم
الشهداء إلى "عليقّة" مشتعلة. "العليقّة" هذه النبتة –الكائن في الواقع
باعتبارها مفردة من مفردات الطبيعة الحيّة، أو باعتبارها أحد تفاصيل هذا
الواقع الطبيعي، تتحول من خلال عملية "التخييل" إلى كائن فني – جمالي، مدهش
وساحر، أي يتحول التفصيلي العادي والمألوف، إلى الجمالي، المدهش، اللا
مألوف. والشاعر هنا يتكئ على الصورة كأداة فنية جوهرية وحاسمة في عملية
التحويل الفني هذه. الصورة هنا مركبة تمنحنا إمكانية التأويل والتعدد
الدلالي: فالشمس تشتعل على غصون هذه "العليقّة"، ومن ثم نقرأ هذه الصورة
الاستعارية المدهشة حين شبه الشاعر "الشمس" بإنسان يمتلك القدرة على
الغَزْل، ثم حذف المشبه به "الإنسان" وأبقى المشبه "الشمس"، وفي هذه الصورة
المركبة يتزاوج المجرد والمحسوس، مع غلبة واضحة للطابع الحسي، "فالأسى"
ظاهرة مجردة، أما "الجفون" و "العباءة" و "الشفق" فهي ثلاث ظواهر حسية
ملموسة، وعملية الغَزْل هنا أعطت الصورة بعداً حركياً وجمالياً هائلاً،
تخيلوا الشمس وهي تغزل من أسى جفون "العليقّة" عباءة الشفق، والصورة
المركبة هنا تتضمن طاقة إيحائية ودلالية كبيرة، فالشمس هي رمز الشروق
والوضوح والحرية في حالة اشتعال وتوهج، وهي من خلال عملية الغَزْل تكشف عن
جدلية وثنائية الظلام- النور، العتمة-الشروق، فحالة "الأسى" تدل على العتمة
والحزن، أما الشفق فرمز يدل على الإشراق وبزوغ فجر الحرية، والجدل هنا من
خلال هذه الثنائية يتجسد بتحول الأسى- العتمة، إلى الشفق- النور، من خلال
عملية فعل الغَزْل التي تقوم بوظيفتها أو مهمتها الشمس.
النص كما قلنا هنا يقبل التأويل، والتعدد الدلالي، وهو نص يختزن
طاقة إيحائية واضحة ساعدتنا على كشف بعض توهجاته عملية التفكيك التي قمنا
بها، وإذا لجأنا إلى تطبيق المفهوم أو المنهج السيميولوجي على هذا النص،
فإنه يمكن القول بأن دلالاته متعددة، ويمكن قراءتها قراءة متعددة ومتنوعة.
القراءة الأولى لنا كشفت عن جدل تحول العتمة "الأسى" إلى النور
والشروق "الشفق" ولكن يمكن قراءة هذه الجملة الشعرية قراءة ثانية، وهي
لماذا استخدم الشاعر مفردة "العباءة"؟
وإلى ماذا يرمز أو علامَ يدل هذا الرمز "العباءة"؟ هل أراد الشاعر
القول إن تحول الأسى إلى الشروق كان تحولاً جزئياً من خلال استخدامه لرمز
"العباءة"؟ فالعباءة تستخدم بشكل شائع "كغطاء" و "برقع" للأشياء، أي غطاء
يحول دون ظهور الأشياء ظهوراً واضحاً وبازغاً ومشرقاً، وهل أراد القول بأن
العباءة حالت دون الظهور الكلي لحالة الشروق التي يمثلها "الشفق"؟، ومع ذلك
وفي معظم الأحوال فإن العباءة يمكن أن تغطي حيزاً صغيراً من ظاهرة الشفق،
وهي ظاهرة لها بعدها المكاني وفسحتها المكانية الكبيرة.
ولكن من قال إن "العباءة" المقصودة هنا هي العباءة الحقيقية التي
نعرفها؟. ربما أراد الشاعر المعنى المجازي للكلمة وحسب هذا المعنى يمكن أن
يكون حجم العباءة كبيراً وقادراً على تغطية الفسحة المكانية التي تحتلها
ظاهرة الشفق... وهكذا يمكن قراءة النص قراءة سيميولوجية قائمة على التعدد
والتأويل الدلالي.
ونقرأ أيضاً هذا الأسلوب الفني "الاستذكار" في مقاطع شعرية أخرى،
منها، قول الشاعر في قصيدته: "حكاية لاجئ":
"يقولون... كان فتىً لاجئاً
إلى خيمةٍ في الربى مُشرعَهْ
تطل بعيداً وراء الحدود
على الجنة الخصبه الممرعهْ
وكانت لـه ذكريات هناك
مجَّنحة، حلوة، ممتعهْ"( )
الاستذكار
هنا واضح في قوله: "وكانت لـه ذكريات هناك"، وهو استذكار يتسم
بالبساطة والعادية من الناحية الفنية، ولو قارنا بينه وبين المقطع الشعري
السابق لتبين لنا مدى الفارق الشاسع من الناحية الفنية والجمالية بين هذين
المقطعين الشعريين، وهي مسألة طبيعية إلى حد ما فالشاعر حينما كتب مقطعه
الثاني كان في بداية تجربته الشعرية وهي بداية متواضعة بشكل عام، بقي أن
نذكر أن المقطع الثاني تمت كتابته في الخمسينات. أما المقطع الشعري الأول
فقد نُشر في نهاية الثمانينات "1988".
ويتضح لنا أن الشاعر استخدم هذا الأسلوب الفني "الاستذكار" في
العديد من قصائده، وسنذكر هنا قسماً منها دون التوغل في دراسة بنيتها
الجمالية والفنية، كقوله في قصيدة: "بالشام أهلي والهوى بغداد":
(( وكان لي، في جبل الزيتونِ، سُلَّمٌ لها
ومنزلٌ يفضي إلى حديقة الله، وشبّاكانْ...
كُلُّ الذرى أضعتُها...
أضعتُ قمةَ الخليلِ... والجليلِ... والجولانْ
ولم أزل أعدو وراء الشمس))( ) (3)
وقوله في قصيدة "الاعتراف":
(( كان البرقُ شِبهَ يد تخطُّ على جدار الليلِ
مَوْعِدَهُ
وأنتَ تشي به.... بين النوى... وشذى الخُزامِ....
وكان روحُ اللهِ مُنسرِحاً على جبل الخليلِ
وأنتَ........ أنتَ........ نزلتَ جِلعاداً إلى طَنَفِ
الشريعةِ
تستحمُ يداكَ
في ألقِ السماءِ.... وطينةِ الإنسانِ))( )(4)
أما الأسلوب الفني الآخر الذي استخدمه شاعرنا يوسف الخطيب في العديد
من قصائده، فهو "الحوار"
كقولهِ في هذا المقطع الشعري من قصيدتهِ: "أربعون رباعية":
(( كان شيخٌ يزرعُ الزيتونَ في عدوَةِ وادي
قلتُ، يا عمُّ، سيستأني طويلاً منبَتُهْ
قال، هذي غرسةُ الحكمةِ في روح بلادي
هي لا شرقيّةُ الزَّيتِ، ولا غربيتُهْ!!))( )(5).
واضح هنا أن الشاعر زاوج في هذا المقطع الشعري بين أسلوبين فنيين،
الأول "الاستذكار"، في قوله: "كان شيخٌ يزرع الزيتونَ في عروة وادي"،
والثاني "الحوار" وهو موضوع بحثنا الآن، في قوله: "قلتُ يا عَمُّ سيستأني
طويلاً منبَتُهْ/ قال، هذي غرسةُ الحكمةِ في روح بلادي".
اتكأ الشاعر هنا على الحوار لتعميق البنية الدلالية في النص إذ
استند إلى الذاكرة القريبة ليؤكد من خلالها عمق ارتباط الفلاح العربي بأرضه
وأرض أجداده. الأرض العربية لها ميزتها وسماتها الخاصة فيها، من حيث ثمارها
وفواكهها ونباتاتها ومناخها، وكل ذلك ينعكس على التكوين النفسي والبنيوي
والفيزيولوجي للإنسان العربي، وكما هو واضح من الحوار، فإن الفلاّح يؤكد
هذا التفرد للشجرة العربية فهي كينونة متفردة قائمة بذاتها، ولا تُشبه
الثمار والنباتات الشرقية ولا الغربية، أما حول طول الانتظار فإن زراعة هذه
الشجرة المباركة "الزيتون" هي دلالة على "روح الحكمة" التي تسود الأرض
العربية، كما أضفى هذا الحوار مسحة ونكهة درامية في هذا المقطع الشعري.
أما في قصيدته الملحمية المعروفة "بالشام أهلي والهوى بغداد" فيأخذ
الحوار شكلاً آخراً، ويكشف عن دلالات أخرى، وأجواء شعرية تتميز بمتانة
السبك، وعمق الفكرة، وابتكار المعاني الجديدة، وجمال وقوة الإيقاع الذي
يؤكد تحول "الموسيقى" إلى عنصر داخلي هام يساهم في تطوير البنية الفنية
العامة للقصيدة، وليس كما اعتدنا في العديد من القصائد العربية حيث تكون
"الموسيقى" عنصراً خارجياً فحسب، وهذا العنصر "الموسيقى" يعمق البنية
الدلالية للنص، ويمنحه وهجاً وألقاً جمالياً ونفسياً قائماً على ضخامة
الروح، وعنفوان النفس الشاعرة، وسمو الجمال الفني، وكأننا إزاء تزاوج مذهل
بين ضخامة الروح الشاعرة، وضخامة البنية الإيقاعية والموسيقية في النص، أو
ليست الموسيقى في الشعر وفي الحياة روحاً هي الأخرى، أو ليست كوناً قائماً
بحد ذاته، هذا ما سيكشفه لنا المقطع الشعري التالي الذي يتميز أيضاً ببهاء
لغته، وجزالتها، ومتانتها، ورونقها، ويؤكد أيضاً مدى قدرة الشاعر في تطويع
اللغة واستخدامها استخداماً فنياً مجازياً موحياً، ومشرقاً، وعمق ارتباطه
بالفكرة القومية، ومدى إيمانه بضرورة الوحدة العربية، وهو يرى بأن جناحي
هذه الوحدة قائمة على ضرورة توحيد سورية والعراق، وتعانق مياه دجلة وبردى
في كلٍ بهيٍ موحد. كل هذه المعاني النبيلة والمبتكرة، والأخيلة، والصور
الموحية، اللماحة والمشرقة، واللغة النضرة المطواعة يمكن أن نجدها في هذا
المقطع الشعري الأخّاذ الذي يرتكز على حوار الشاعر مع خالقه "الله" عزّ
وجل، حيث يبتهل: "يدايَ غصنا أَثْلَةٍ.... عاريتان... /وتدعوانِ الله... أن
يسوق قَدرا...." ثم نقرأ الحوار:
(( "- "فما تُريدُ؟.....
"ما أُريد، يا مولايَ:
"أن أشِيعَ في عُلاكَ بَدَدا
"أريد جبريلاً.. وتنزيلاً..
"وخيلاً لا تُرى.. وَمَدَدا
"أريد أن أصوغَ أُقُنوميْنَ
"في هواكَ أحَدا
"أريد، يا مولاي، بَعْدُ
"أن أصبَّ دجلةً... في بردى"( )(6)
واضح هنا أن الحوار قد عمق من البنية الدلالية والفكرية للنص، إذ
ركّز الشاعر على عدة أفكار ودلالات جوهرية وأساسية، وهي القوة، والتوحيد،
والروح القومية.
فالشاعر المؤمن بوحدة الوجود، يريد من ربه أن يمنحه القوة والحكمة
من أجل أن يساعده ذلك في توحيد أمته المجزأة والمنقسمة على نفسها، وساعد
على تنامي البنية الدرامية داخل النص، وعمّق من حالة التوهج والتوتر النفسي
لدى الشاعر وقد انعكس ذلك على بنية النص ومنحه طاقة درامية واضحة.
كما نقرأ في مقطع شعري جديد من قصيدته "تقاسيم على الخفيف" حواراً
متميزاً، وهوعبارة عن حوار يجري بين الشاعر وبين ضمير الغائب "هو":
"قال ما الموتُ؟... قلتُ غفوةَ دهرٍ
قال ما البعثُ؟ قلتُ يومَ حسابِ
قال ماذا نكون؟.... قلتُ أعِذني
دونَ فَصلِ الخطابِ، فصلُ رقابِ!!"( )(7)
يتميز هذا المقطع بشدة التكثيف والتركيز والاقتصاد اللغوي، وبعض
الشذرات الفلسفية التي تتناول قضايا كبرى: كالموت، والبعث، والمستقبل،
وصيرورة الأمم والشعوب. ما يهمنا هنا هو القول بأن الحوار قد ساهم كثيراً
في تعميق البنية الدلالية للنص، كما منح النص بشكل خاص طاقة إيحائية متضمنة
فيه، تتجلى بقوله: "دون فصل الخطاب، فصلُ رقاب، وذلك جواباً على السؤال
التالي: قال ماذا نكون؟ قلت أعذني، فالشاعر قد أوحى لنا من خلال إجابته
الضمنية بفكرة "القمع" التي يعانيها الشاعر والمواطن العربي في غالبية
البلدان العربية، فهو لا يستطيع التعبير عن مكنوناته حول أهم القضايا
المصيرية التي تمس مستقبل أمته، وهو إذا ما عبر بوضوح وصراحة عن ذلك فإن
العقاب الصارم ينتظره "قطع الرقاب!!" كما أوحى لنا الشاعر بأن الحالة
الصيرورية لأمتنا العربية لا تُبشر بالخير طالما بقيت على حالها من التشرذم
والتمزق، وهو في إجابته هذه لم يصرّح بل لمحّ وأوحى وأَشرَ دون غوص في
التفاصيل.
أما الأسلوب الفني الآخر الذي رصدناهُ في بعض قصائده فهو
"التناص":
والذي تجسد بقولـه في هذا المقطع الشعري من قصيدته "الطريق إلى
محمد" والتي أهداها: "إلى رسولنا العربي الأعظم، مَثَل الإنسان الأعلى، على
مر الأجيال وتعاقب العصور:
آتيكَ أنت، بلا دربٍ، يخاتلني
عنكَ السرابُ، وموجُ الزَّيغِ والزَّللِ
ولو تناوبتُ دربَ القوس في "عُمَرٍ"
ما كان عبدي قضى نَخبْاً، ولا جَمَلي
لكن عطفْتُ على الأنباطِ راحلتي
لأَبلقٍ جاهليِّ النقش يرجعُ لي
خزائني فيه صُوّانٌ، وآلهتي
أَهشُّ من رنَّةِ الفخّار في القُلل
عُدْتُ الشقيَّ على رسْمٍ أماحِكُهُ
وعاجَ غيري على زُوَّادتي بَدَلي"( )(8)
التناص هنا يتجسد في البيت الأخير من هذا المقطع: "عدتُ الشقيَّ على
رسْمٍ أماحِكُهُ...." واضح هنا التداخل النصي بين هذا البيت والبيت الشهير
للشاعر أبي نواس:
"عاج الشقيُ على رسمٍ يسائله /وعجتُ أسألُ عن خمارّة البلد"، ما
يمنح هذا التناص وهجه الشعري والرؤيوي والفني هو نجاح الشاعر في تنويع
الدلالة والإتيان بمعنى جديد مبني على المعنى السابق، ولولا هذه الدلالة
الجديدة التي تكسب واقعنا المعاصر رؤية جديدة لما كان هناك مُسوغ "للتناص"،
فيوسف الخطيب الذي شبّه نفسه بالشاعر الجاهلي الذي كان يقف على الآثار
والأطلال الدارسة و"يسائلها على حد تعبير أبي نؤاس" أما عند الخطيب فهي
"المماحكة"، إلاّ أنه خالف المعنى الذي أراده أبو نؤاس نفسه في الشطر
الثاني من البيت "العجز"، فبينما شغل أبو نؤاس نفسه في البحث عن خمارّة
البلد، كان شاعرنا الخطيب ينتقد الواقع العربي من خلال نقده للآخر "وعاج
غيري" الذي يتسابق من أجل أخذ "زوادته" من أخيه العربي، وحسب قراءتي لهذا
البيت فإن الشاعر الخطيب أراد توجيه النقد الحاد للخصال السيئة في بعض
النفوس كالأنانية وحب الاستحواذ والهيمنة والظلم والاعتداء على حقوق الآخر.
وغيرها من المعاني والصفات التي يُدينها "ضمناً" شاعرنا الخطيب ويدعو إلى
نقيضها، أي المعاني السامية القائمة على التضحية في سبيل الوطن والأمة،
وكذلك الكرم والشهامة والفروسية وحب الآخر والتشارك معه في السّراء
والضرّاء.
التلوين
هو أحد الأساليب الفنية التي استخدمها الشاعر يوسف الخطيب في العديد
من قصائده وثمة ملاحظة هامة هنا هي أن الشاعر لا يستخدم هذا الأسلوب
"التلوين" مجاناً، بل إن اللون لـه وظيفته ودلالته ومغزاه، ويساهم في تعمق
المستوى الفكري والرؤيوي للقصيدة، كما في قوله في هذه الرباعية من قصيدتهِ
الطويلة: "أربعون رباعية":
(( وإذا شئتَ، فَقُلْ إني خياليُّ وشاعرْ
أنا –لا أُنكِرُ –جَوَّابُ بآفاقِ الغدِ
وأنا الرَّحّالةُ الباحثُ عن خضرِ البشائرْ
ذاك ميراثي لي بعدي، وبيضاء يَدي..))( ) (9)
ليس هناك أية مجانية في استخدام الشاعر لأسلوب "التلوين"، فاللون
هنا موظف بدقة من أجل إبراز المعنى الذي يريده الشاعر، وكما هو واضح من هذه
الرباعية فإن الخطيب من خلال حواره مع الآخر الذي هو هنا الضمير المخاطب
"أنت" يفتخر بكونه شاعراً خيالياً يمتلك طاقة تشوّفية ورؤيوية تساعده على
قراءة المستقبل واستشرافهِ: "جَوابٌ بآفاق الغدِ".
والشاعر يبحث، ويعارك من أجل "البشائر" لأمته ولأبناء وطنه،
والبشائر التي يريدها الشاعر هنا هي تحديد بلده فلسطين من هيمنة الغزاة
الصهاينة، وكذلك تقوم أمته العربية المجيدة وتحقيق رسالتها التاريخية
ومكانتها المتقدمة بين أمم الأرض، وقد لوّن الشاعر هذه "البشائر" باللون
"الأخضر" الذي يرمز إلى الخصب والديمومة والتجدد والتفاؤل، ثم يؤكد في
خاتمة رباعيته بأن هذا هو الميراث العظيم الذي سيورثه لمن يأتي بعده،
واصفاً يده بـ "البيضاء" وهذا اللون كما هو معروف رمز للنقاء والطهر والعفة
والعطاء والنصاعة.
|