الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | معلومات النشر | من نحن | كلمة العدد

 دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 18/04/2008

إلى صفحة الكاتب

كتب                                         نشيد الزيتون

 

           

الفلاح 

رجل دين

   قضية الأرض

قضية فلسطين

مقدمات أولى 

نشيد الزيتون 

المختار 

المرأة

المقاتل 

الإنسان والأرض

تطور علاقة الأرض 

في رواية الارض 

 الإقطاعي

الصهيوني

تركيب 

تجربة الشكل الفني

جماليات المكان

الرمز 

 

نشيد الزيتون قضية الأرض في الرواية العربية الفلسطينية

بقلم الكاتب: د. نضال الصالح

أنا الأرض..

يا أيّها الذاهبون إلى حبّة القمح في مهدها

احرثوا جسدي!

***

أيّها العابرون على جسدي/ لن تمرّوا

أنا الأرضُ في جسدٍ/ لن تمرّوا

أنا الأرض في صحوها/ لن تمرّوا

أنا الأرض. يا أيّها العابرون على الأرض في صحوها

لن تمرّوا

محمود درويش

 

مقدمة

 

 

تستأثر الرواية العربية الفلسطينية، الصادرة بعد النكبة خاصة، بموقع مميّز بين مجمل النتاج الروائي العربي، ليس بسبب توجه أكثرها إلى قضية الصراع مع مغتصبي الأرض الفلسطينية فحسب، بل بسبب كفاءتها أيضاً في إعادة إنتاج هذا الصراع بأدوات فنية متقدمة جمالياً، وقلما تبدو حاضرة في الرواية العربية المعنية بالصراع نفسه، على تعدد أقطار الأخيرة، واختلاف اتجاهاتها الفنية، وتنوع رؤاها.

وعلى الرغم من أنه لا يمكن الادعاء بأن هذه الرواية تشكّل جغرافية إبداعية مستقلة بنفسها عن فضاء الرواية العربية، فإن ثمة خصائص تميزها من مكونات هذا الفضاء. ومن أبرز تلك الخصائص إلحاح مبدعيها على قضية بعينها من قضايا الصراع، أي: "الأرض"، وإلى حد تكاد تبدو معه سجلاً تاماً ودقيقاً للمراحل المختلفة التي مر بها نضال الفلسطيني من أجل تشبثه بأرضه قبل النكبة، ومن أجل استعادة هذه الأرض بعدها.

ومسوغ ذلك دعوى "الحق التاريخي" أو "الوعد التوراتي" اللذين تذرعت بهما الحركة الصهيونية، ولا تزال، لإنشاء "دولة يهودية" فوق أرض فلسطين، في مواجهة الحق الطبيعي، والتاريخي أيضاً، لأصحاب الأرض الشرعيين، العرب الفلسطينيين، الذين سكنوا تلك الأرض منذ أقدم حقب التاريخ، وعمروها بجهدهم وكفاحهم، وناضلوا للتشبث بها والدفاع عنها ضد ما تعرضت لـه من غزوات استعمارية متلاحقة كانت تتقنع بمزاعم مختلفة لنهب خيراتها من جهة، وللاستفادة من موقعها الجغرافي المميّز من جهة ثانية، ولفصل مشرق الوطن العربي عن مغربه من جهة ثالثة.

تحاول هذه الدراسة تبيّن القضيّة/ الظاهرة المشار إليها آنفاً في النتاج الروائي الفلسطيني الصادر ما بين انطلاقة الكفاح الفلسطيني المسلّح سنة 1965 وبداية الغزو الإسرائيلي للبنان سنة 1982. وغير خافٍ أنّ هذين الحدّين الزمنيين للدراسة ليسا افتراضيين، بل ينهضان من طبيعة هذا النتاج، ومن طبيعة الحركة التي كانت تحكم مسيرته وتطوّره وعلاقاته بأشكال الواقع الفلسطيني كافّة: السياسية، والثقافية، والاجتماعية.

فكما كانت الانطلاقة حدّاً فاصلاً بين مرحلتين في النضال الوطني الفلسطيني، كانت في الوقت نفسه منعطفاً مهمّاً في مسيرة الأدب الفلسطيني، ويتمثّل هذا المنعطف في تأثير المقاومة في الذات الفلسطينية، فبعد أن كان الفلسطيني مصاباً بحال الذهول من النكبة الفادحة التي حلّت بوطنه، وبحياته داخل هذا الوطن وخارجه، حوّلته المقاومة إلى إنسان جديد يرى في المقاومة خلاصه الوحيد من الشتات، وأعطت لنضاله الذي كان يتّسم ببعثرته معنى متطوّراً، يضيف إلى اندفاعته الفطرية من أجل العودة إلى فردوسه المفقود قيمة للفعل الجماعي، تنظيمياً وسياسياً.

لقد كان من الطبيعي أن تلقي الانطلاقة بظلالها تلك على الرواية الفلسطينية، على خطابها بمستوييه المضموني والبنائي، واتجاهاتها الفنية، ورؤى منتجيها. ولم تكن هذه الرواية بمنأى أيضاً عن الآثار الكثيرة التي خلّفها الغزو الإسرائيلي للبنان سنة 1982، والتي كان منها المذابح الوحشية التي ارتكبها الغزاة في مخيّمي صبرا وشاتيلا، ثمّ دفعُ فصائل المقاومة الفلسطينية إلى شتات جديد، لا يمكّنُ سلطات الاحتلال من ابتلاع مساحات جديدة من الأرض العربية فحسب، بل يخلّصه أيضاً من أهمّ قواعد المقاومة الفلسطينية التي كانت تهدّد مؤسساته العسكرية، ومستوطناته، ومنشآته في عمق الأرض المحتلّة.

تتوزّع الدراسة بين مدخل وأربعة فصول، أملتها عليّ طبيعة المادة التي وفّرتها لي مصادر الظاهرة. تناولتُ، في المدخل، نشأة الرواية الفلسطينية وتطوّرها حتى سنة 1965، والموضوعات التي عالجتها، والسمات الرئيسة التي ميّزت خطابها. وصحّحتُ، في الوقت نفسه، الخطأ الذي وقعت فيه الدراسات التي أرّخت لها، والذي يتعلّق بتحديد أول عمل روائي فلسطيني يستوفي أدوات هذا الفن وعناصره.

وفي الفصل الأول قدمت موضوعين يتصلان بالظاهرة. تحدثت، في الأول، عن قضية الأرض في الرواية العربية، وتوقفت، بشيء من التوسع، عند أعمال الروائيين الجزائريين لما وجدته من تشابه بين هذه الأعمال والرواية الفلسطينية، وأعدت هذا التشابه إلى مرجعه الواقعي، أي إلى تعرض الجزائر وفلسطين لشكل استعماري واحد يقوم على الاستيطان وابتلاع الأرض من أصحابها الشرعيين. وفي الثاني، عرضت لثلاثة نماذج روائية عربية تصدت للحديث عن قضية فلسطين، وعلى نحو خاص عن علاقة الفلسطيني بأرضه، وحرصت على أن تمثل هذه النماذج أقطاراً عربية متعددة واتجاهات فنية متغايرة.

وفي الفصل الثاني، المتن الذي يشكل مادة الدراسة، تناولت قضية الأرض في الرواية الفلسطينية من انطلاقة الكفاح المسلح إلى بداية الغزو الإسرائيلي للبنان. وقد خصصت الجزء الأول منه لاستجلاء الظاهرة في رواية ما قبل الانطلاقة، وفرقت فيما بعد بين مستويين لها في الرواية التي تلت ذلك. دعوت الأول: "رواية الشتات الفلسطيني"، أي الرواية التي كتبها فلسطينيون يقيمون خارج وطنهم فلسطين، والثاني: "رواية الأرض المحتلة"، أي الرواية التي كتبها فلسطينيون يرزحون تحت وطأة الاحتلال الصهيوني. ودرست في الجزء الثالث تطور الظاهرة ما بين المرحلة التي سبقت انطلاقة الكفاح المسلح والمرحلة التي تلتها.

أما الفصل الثالث فقد تناولت فيه علاقة الفلسطيني بأرضه كما قدمتها مصادر الدراسة، وحاولت تغطية أكثر قطاعات المجتمع الفلسطيني على اختلاف الانتماءات الطبقية والمعرفية التي تكوّن شخصياته، والتي حددتها بـ: الفلاح، والإقطاعي، والمختار، ورجل الدين، والمقاتل، والمثقف، والمرأة، والصهيوني، وأجريت في خاتمة الفصل تركيباً لتجليات تلك العلاقة.

وخصصت الفصل الرابع لدراسة الشكل الفني فيما سأصطلح عليه في تضاعيف الدراسة بـ: "رواية الأرض الفلسطينية"، وقد قسمت هذا الفصل إلى ثلاثة أقسام أو موضوعات رأيت أنها تشكل التجربة الفنية لهذه الرواية. تناولت، في الأول، وسائل التعبير الفني التي لجأ إليها الروائيون لصياغة محكيات نصوصهم، ولا سيما ما يتصل بقضية الأرض، ودرست، في القسمين الثاني والثالث، الجماليات الخاصة التي ميزت تلك النصوص من الرواية العربية، والتي تتمثل في عنصرين رئيسين هما المكان والرّمز. ثمّ ألحقتُ هذه الفصول بثَبَت بالرواية الفلسطينية حتى عام 1982، وبمعجم للروائيين الفلسطينيين الذين شكّلت أعمالهم مصادر الدراسة.

 

وبعدُ، فلقد كنت أنجزت هذه الدراسة قبل نحو أحد عشر عاماً، ولئن كانت ثمة ظروف حالت دون صدورها آنذاك، فثمّة الآن ظروف جديدة ألحّت عليّ في دفعها إلى النشر. من أهمّها: حمّى التحوّلات العربية والعالمية التي تهدّد بإبادة اسم فلسطين من الذاكرة وليس من الجغرافية فحسب، من جهة، وفعاليات النهب التي طالت أجزاء متفرقة من مخطوط الدراسة، من جهة ثانية.

وبعدُ أيضاً، فإذا كنت أهديتها آنذاك، أي خلال سنوات الانتفاضة الأولى وأنجزتها بدافع منها، إلى "أطفال الحجارة الذين يصنعون مستقبل فلسطين: الإنسان، والأرض، والجذور"، فإنني أدفع بها إلى النشر الآن ولمّا يزل أبناء فلسطين يقارعون الاحتلال، ويؤكّدون، يوماً بعد آخر، أنّ استعادة الحقّ الفلسطيني لا تتمّ بغير المقاومة، وأنّ التشبّث بالأرض هو "الطريق" الوحيدة لقيامة فلسطين من رماد الموت.

 

 

مدخل إلى الرواية العربية الفلسطينية

 

لم تكن الطباعة في الوطن العربي فعلاً ثورياً يكسر احتكار الثقافة التي كانت وقفاً على أبناء الفئات الميسورة فحسب، بل كان في الوقت نفسه إيذاناً بظهور فن تثقيفي جديد لم يعرفه العرب من قبل، أي: الصحافة، التي نهضت، مع بواكيرها الأولى، بدور مهم على المستويين السياسي والثقافي، في مرحلة من أشد مراحل التاريخ العربي الحديث غلياناً. فعلى المستوى السياسي بنت جسراً معرفياً بين العربي وواقع أمته السياسي، واستطاعت، على المستوى الثقافي، أن تعرفه إلى فنون أدبية جديدة.

 

وقد احتضنت الصحافة العربية، الصادرة أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، البذور الأولى لفني القصة القصيرة والرواية، اللذين تعرف القارئ العربي إليهما عن طريق الترجمة من آثار الغرب الأدبية. ومع أن تلك الترجمات كانت تعاني، ولا سيما في المرحلة الأولى منها، مجموعة من العيوب والأخطاء، إلا أنها سرعان ما لقيت قبولاً وانتشاراً واسعين بين جماهير القراء، ومهدت، في الوقت نفسه، لظهور قصة قصيرة ورواية موضوعتين.

نشأت الرواية العربية الفلسطينية، شأن مثيلاتها في أقطار الوطن العربي الأخرى، في أحضان الصحافة، وعبر الترجمة التي كانت مزدهرة إلى حد كبير في ذلك الجزء من الجغرافية العربية، فلسطين. بسبب تعرضه للغزو الأجنبي المتعدد الأشكال والجنسيات، وبسبب الإرساليات التبشيرية الكثيرة التي عرفت الأدباء الفلسطينيين إلى ثقافات شعوبها، وفتحت أعينهم على روافد جديدة لأدبهم آنذاك.

وعلى الرغم من أن ترجمات خليل بيدس، الذي يعد من أوائل الرواد في هذا المجال، لم تكن وفية للنصوص الروائية كما هي في الأصل، فإنها نهضت بمهمّة الكشف المبكّر عن الدور الذي يؤدّيه فنّ الرواية في الحياة والمجتمع. وتجدر الإشارة هنا إلى جهود: أحمد شاكر الكرمي، وجميل البحري، ونجاتي صدقي، التي اتسمت جميعاً، كترجمات بيدس، بتصرّف أصحابها "في النصوص المترجمة على هواهم، بالزّيادة والنقصان، والحذف والتغيير، وأحياناً إدخال الأبيات الشعرية"(1)، وبحفاوتهم الواضحة برواية المغامرات العاطفية والبوليسية خاصة.

ومهما يكن من أمر الخلاف بين مؤرّخي الأدب الفلسطيني الحديث حول أوّل رواية عربية فلسطينية موضوعة، أي أنّ رواية يوحنا دكرت: "ظلم الوالدين: (1920) هي "أول رواية عربية فلسطينية"(2)، أو أنّ رواية خليل بيدس: "الوارث" (1920) هي "أوّل رواية فلسطينية أيّاً كان الخلاف حول مستواها الفنّي"(3)، فإنَّ هاتين الروايتين لم تكونا الوحيدتين اللتين صدرتا سنة 1920، بل ثمّة رواية ثالثة لاسكندر الخوري بعنوان: "الحياة بعد الموت"، وتلك الروايات الثلاث لم يتيسّر لأحدٍ من الدارسين الاطلاع عليها سوى ما عَلِق بذاكرة قرّائها الأوائل. وغيرُ خافٍ أنّ الذاكرة لا تكفي وحدها للجزم بأوليّة إحداها على الأخريين، زمناً ومستوى فنياً.

وعامة، فإنّ المحاولات الروائية التي صدرت بين عامي 1920 و1943، التي لم تلق خطّتها من الدرس النقدي، بسبب عدم توفرها في المكتبة العربية من جهة، وبسبب عدم وجود كتابات نقدية عنها في مرحلة صدورها أو ما بعدها من جهة ثانية.

وباستثناء رواية محمّد عزة دروزة: "الملاك والسمسار" الصادرة سنة 1934، "تصف وسائل الصهيونية لإغراء الفلاّحين الفلسطينيين، الملاّك منهم، لبيع أراضيهم للمنظمات الصهيونية"(4)، فإنّ الدراسات التي تناولت بواكير النتاج الروائي الفلسطيني اكتفت بالإشارة إلى عناوين تلك المحاولات، وإلى أسماء مؤلّفيها، وسنيّ صدورها من غير أن تتعرض لموضوعاتها، أو لمستواها الفني.

وتشكل "مذكرات دجاجة" (1943)، للدكتور إسحق موسى الحسيني، منعطفاً مهماً في تاريخ الرواية الفلسطينية، حسب فاروق وادي، بوصفها "النص الروائي الوحيد، من أعمال تلك المرحلة، الذي حقق رواجاً استثنائياً وقت صدوره"(5). ولعل من أبرز ما ميز تلك الرواية معالجتها، بأسلوب رمزي، الواقع الفلسطيني في المرحلة التي شهدت فيها البلاد تدفق الهجرات الصهيونية، فهي تسرد يوميات دجاجة تتعرض، مع أترابها، بعد موت مالكهن الجديد لمتاعب كثيرة، تبدأ برؤيتهن وجهاً غريباً يقترب من المأوى الذي يقمن فيه، ثم يختفي بعد أن لحقت به الدجاجة التي تروي المذكرات وهي تردد: "لا أطيق أن أرى غريباً في هذه الديار"، وتشتد المتاعب أكثر صبيحة اليوم التالي، عندما يقتحم المأوى كائن عملاق في وجهه شر مروع، ثم تفجأ الدجاجة وأترابها بحركة غير مألوفة فإذا بمخلوقات غريبة تحتل مجالسهن في المأوى: "ففزعت وصحت: من هنا؟، فردت علي أنثى قائلة: لا تجزعي أيتها الأخت، نحن مخلوقات مثلكم حملنا إلى هذا المأوى". وأمام ذلك الخطر الداهم تجتمع الدجاجة بأترابها فيتخذ الجميع قراراً بمقاومة الدخلاء، باستثناء الدجاجة العاقلة جداً، كما وصفها طه حسين في مقدمة الرواية، التي ترفض قرار المقاومة بدعوى أنه "لا يحل الخلاف، ولا يلتئم مع المثل العليا". أما ما ينسجم مع المثل، في رأيها، فهو "أن تنتشروا في الأرض، وتبشروا الخلق بالخضوع للحق وحده، وتقنعوا الباغي بأن بغيه يرديه".

ومهما يكن صحيحاً أن الحسيني "لجأ.. إلى هذا الأسلوب لعدم تمكنه من إيضاح الحقائق التي يعيشها وطنه"(6)، فإن الأكثر صحة أن مقولات دجاجته تلك لم تكن تمثل أي تنظيم، أو فئة، أو جماعة، في الأربعينات التي كانت تشهد مداً ملحوظاً ومتعاظماً في مقاومة الأطماع الصهيونية في أرض فلسطين. وبهذا المعنى، فإن المذكرات تمثل وعياً شائهاً بالمرحلة التاريخية التي ترصدها، وهي، بالإضافة إلى ذلك، تعاني ترهلاً في بنائها، ليس بسبب افتقارها إلى بنية ترتقي بالمذكّرات من حقل المرويّة إلى حقل الفنّ فحسب، بل بسبب إلحاحها أيضاً على "الجوانب النظرية ـ الروحيّة لحياة الإنسان، بشكل يجعلها في مجملها مجموعة تنظيرات"(7) تبدو الدجاجة من خلالها "مفلسفة تدرس شؤون الاجتماع في كثير من التعمق وتدبّر الرأي"(8)، من دون أن تفلح في تدبّر ما يحدق بها وبأترابها من أخطار.

وفيما بعد رواية الحسيني شهدت سنوات ما قبل النكبة صدور ثلاث روايات فلسطينية. ففي سنة 1946، أصدر محمّد العدناني رواية بعنوان: "في السرير"، عرض فيها لمسيرة المرض الذي لازم صدره لسنوات عشر. ولعلّ من أهمّ ما اتّسمت به تلك الرواية امتلاءها بالمصادفات، وبمفردات غريبة، واصطناعها أبياتاً شعريّة تناسب الحدث، ثمّ غلبة المعلومات التي كانت تشغل الكاتب عن الاهتمام بالبناء الفنّي لعمله(9)، الذي يمكن وصفه بأنّه مذكّرات شخصيّة أكثر منه رواية.

وفي سنة 1947 أصدر اسكندر الخوري رواية بعنوان: "في الصميم"، عالج فيها موضوعاً أثيراً لدى جماهير القرّاء في تلك المرحلة. وقد اتّسمت تلك الرواية بعدم تمكّن كاتبها من تحرير نصّه من الإطار التقليديّ الذي تناول تلك الموضوعات، بالإضافة إلى استرساله في الحديث عن عاطفة الحبّ، ليس بين الشابّ والفتاة فحسب، بل بين عددٍ من الشخصيات التاريخيّة المعروفة أيضاً، وفي استرساله في النّقل عن كتب علم الاجتماع، وفي الاتّكاء على أقوال عددٍ من المشاهير، دون أيّ مسوّغ فنّي، ولذلك كلّه بَدا عمله "بحثاً لـه ملامح روائية، وليس رواية فنيّة خالصة"(10).

وفي السنة نفسها صدر للمؤرّخ عارف العارف رواية بعنوان: "مَرْقص العميان" عرض فيها لسيرة شابّ كفيف استطاع على الرّغم مما كان يضطرم في حياته من شدائد ومشاق أن يحقق عدداً كبيراً من النجاحات، وأن يتغلب على عاهته الخلقية، وعلى الرغم من أن الرواية حملت بعضاً من خصائص التجارب التي سبقتها، فإنها أنجزت "تقدماً نسبياً في مجال تحقيق بلورة واضحة للبناء الفني في الرواية"(11)، إذ استطاع الروائي تحرير محكيها من النوافل السردية من جهة، كما تمكن من تشييد بناء روائي لـه خصائصه المميزة من جهة ثانية.

وباستجلاء الروايات السابقة، وسواها مما صدر قبل النكبة، يمكن القول إن المشهد الروائي الفلسطيني حتى سنة 1947 لم يكن سوى محاولات سردية مبعثرة لم تستطع "أن تشكل إرثاً وجذراً تتنامى منهما المحاولات الروائية الفلسطينية في السنوات اللاحقة"(12)، بسبب عدم قدرة كتابها على الإمساك بأدوات الكتابة الروائية، وبسبب ابتعادهم عن معالجة الواقع الذي كان يواجه محاولات مسعورة لنفي الفلسطينيين خارج أرضهم، ولتشويه حقائق وجودهم التاريخي على هذه الأرض.

في التاسع والعشرين من تشرين الأول سنة 1947، وبضغط من الصهيونية العالمية والقوى الاستعمارية، أصدرت هيئة الأمم المتحدة قراراً بتقسيم فلسطين إلى دولتين: عربية ويهودية(13)، ولم تمض ستة أشهر على ذلك القرار حتى تم الإعلان عن قيام دولة "إسرائيل" على أرض فلسطين، وعلى الرغم من فورة جيوش الإنقاذ العربية والحركة الوطنية الفلسطينية آنذاك، فإن الشعب الفلسطيني وجد نفسه في مواجهة قرارين: التقسيم وإعلان الدولة، مكنا المنظمات الصهيونية من متابعة ابتلاعها للأرض الفلسطينية، وغطيا في الوقت نفسه جرائمها الوحشية التي كانت تمارسها ضد سكان هذه الأرض الشرعيين.

أما على المستوى الثقافي فقد "أدت ظروف النكبة وما أعقبها من تشتت الشعب العربي الفلسطيني وكتابه خارج أرض وطنهم.. إلى ضياع المكتبة الفلسطينية بشقيها العامّ والخاصّ"(14)، إذ تعرّضت المكتبات العامّة لعبث المستوطنين الصهاينة الذين قاموا بسرقة الثمين من تلك المكتبات، وأتلفت سلطات الاحتلال ما رأت أنّه يتضادّ وادّعاءاتها "التاريخية" في أرض فلسطين، ونهبت المكتبات الخاصّة للفلسطينيين الذين نزحوا عن بيوتهم إثر النكبة(15).

وعلى الرغم من صواب ما انتهى غسّان كنفاني إليه من أنّ البنية الاجتماعية للعرب الفلسطينيين الذين لم يغادروا أرضهم رغم ظروف الاحتلال مارست دوراً في نحول الحركة الثقافيّة الفلسطينية في المرحلة التي تلت النكبة، لأنّ أكثر "من ثلاثة أرباع الـ 200 ألف عربي الذين بقوا يومذاك.. كانوا من سكّان القرى"(16)، فإنّ ذلك لم يكن وحده ما يعلّل حال العطالة التي اتسمت بها تلك الحركة آنذاك، ومن أبرز العوامل المؤثرة في هذا المجال: مواجهات الفلسطينيين الدائمة مع العصابات الصهيونية التي كانت تحاول سلب أراضيهم بالقوّة أحياناً، وبالإغراء والدّهاء أحياناً أخرى، ثمّ قسوة الواقع التي عاناها المثقّف الفلسطيني، داخل الأرض المحتلّة وخارجها، والتي أتت، أو كادت تأتي، على أيّ رغبة لديه في الإنتاج الثقافي.

ويمكن عدّ رواية جبرا إبراهيم جبرا الأولى "صراخ في ليل طويل"

(1955) منعطفاً واضحاً بين ما كان محاولات روائية ورواية بالمعنى الدقيق للجنس الروائي، كما يمكن عدّها أوّل رواية عربية فلسطينية، بسبب استيفائها شروط الفنّ الرّوائي وامتلاكها لموضوعها من جهة، ومقاربتها لهذا الموضوع بأدوات متقدّمة جمالياً من جهة ثانية.

وليس دقيقاً أنّ خطاب الرواية "لا يدخل في إطار الاتجاه السائد في روايات الروائيين العرب الفلسطينيين، ولا يعبّر إلاّ عن ذوات خاصة مشغولة بمسائل ذاتية"(17)، ليس لأنّه "ما مِنْ عمل فنّي يمكن أن يظلّ كتيماً تجاه البيئة التاريخية والسياسية التي كُتب فيها"(18) فحسب، بل لأنّ الموضوع الفلسطيني فيها أيضاً يتطلّب غوصاً على ظلال النص، التي تؤكد أن الماضي الذي تتمرد عليه شخصيات الرواية هو ماضي فلسطين المقنع بماضي هذه الشخصيات التي تحيل، في علاقتها بهذا الماضي نفسه، إلى نموذجين: الأول سكوني يرى في الماضي كل شيء ويتعلق لذلك به، والثاني متحرك يثور عليه ويطمح إلى تجاوزه. وبين تناقض هذين النموذجين يقف "أمين"، الشخصية الرئيسة في الرواية، بوصفه حاملاً جمالياً لتصوير حركة هذا التناقض وتصاعده.

ومن القرائن الدالة على أن الرواية هي أول رواية عربية فلسطينية توفر لنفسها شروط الجنس الروائي بالمعنى الذي أرسته تقاليد الكتابة الروائية في الغرب تحررها من السمات التي ميزت المحاولات السابقة لها، وتجاوزها ذلك إلى بنية سردية تقوض المفهوم الخطي للزمن، وتستثمر ضمير المتكلم على نحو معبر عن وعي الروائي بأن هذا النوع من ضمائر الخطاب هو الأكثر ملائمة للغوص على الأعماق النفسية للشخصيات، ودال أيضاً على تمكنه، أي الروائي، من قول ما يخص بطله "على نحو يسمح بأن يكون ذلك خاصاً بالآخرين أيضاً"(19).

وفيما بين رواية جبرا السابقة وانطلاقة الكفاح المسلح شهدت الحركة الثقافية الفلسطينية نقلة واضحة في النتاج الروائي على المستوى الكمي، وكان من أبرز ما ميز ذلك النتاج أن عدداً غير قليل منه كتبه روائيون يقيمون داخل الأرض المحتلة، لكنه بقي أسير الحصار الذي فرضته سلطات الاحتلال على الكتاب العربي، ولذلك لم يتيسر لأحد، خارج فلسطين، الاطلاع عليه. وإذا كان ثمة دراسات كتبت حوله، فإنها هي الأخرى لم تستطع القفز فوق الحواجز لتمكن الباحث من الوقوف على موضوعاته، أو مستواه الفني.

وباستثناء رواية غسان كنفاني الأولى "رجال في الشمس" (1963)، فإن النتاج الروائي الفلسطيني الذي كتبه فلسطينيون يقيمون في الشتات لم يكن يعكس تطور أدوات الرواية الفلسطينية السّابقة لانطلاقة الكفاح المسلّح، ويشير في الوقت نفسه إلى تخلّف الكثير منه عن قضية الصّراع مع مغتصبي الأرض، وإلى حفاوته بقضايا اجتماعيّة منبتة الصلة بالواقع الفلسطيني ومثيراته السياسيّة والاقتصادية، ثمّ إلى غلبة الاتجاه الرّومانسي عليه. فرواية عوني مصطفى: "شقاء إلى الأبد" (1962)، على سبيل المثال، تتحدّث عن رجل فقير يتعلّق بامرأة لعوب، تدفعه إلى طلاق زوجته والارتباط بها اتّقاء للفضيحة وطمعاً بالمال الذي تملكه، ثمّ عن علاقته بأخيه الذي يتزوّج امرأته بعد طلاقها منه، والذي يطلّقها هو الآخر، ثمّ يتزوّجها من جديد ليعقد صفقة غير أخلاقية مع مدير الشركة التي يعمل فيها، إلى أن ينتهي الأمر بالكثير من هذه الشخصيات إلى الانتحار، دون أن يكون ثمة بناء فنيّ يحاول تحرير تلك الحكاية من كونها حكاية إلى كونها أدباً يوفّر لنفسه أبسط عناصر الفنّ الروائي.

"رجال في الشمس"(20):

تُعدّ رواية غسّان كنفاني الأولى "رجال في الشّمس" منعطفاً مهمّاً في مسار التجربة الروائية الفلسطينية، لأنها أول رواية فلسطينية استطاعت أن "تستوعب شروط تاريخها، محاولة رصد حركة جوهره والإجابة عن أسئلته"(21) من جهة، ولأنها تمثّل بداية رؤية متطورة للشخصية الفلسطينية التي أصرّت الروايات السّابقة لها على رثائها والتعاطف معها من غير أن توضح معنى ضياعها، أو الأسباب التي دفعتها إلى جحيم موت جديد كانت تسوق نفسها إليه راضية، من جهة ثانية.

يتوزّع محكيّ الرواية بين سبع لوحات: (أبو قيس، أسعد، مروان، الصّفقة، الطريق، الشّمس والظلّ، القبر) ينتظمها حدث واحد هو هجرة الشخصيات الثلاث الأولى فيها إلى الكويت بحثاً عن عمل بعد عشر سنوات من النكبة، ثمّ موتهم في خزّان الشّاحنة التي يقودها أبو الخيزران عند الحدود.

ولئن كان "من الطبيعي افتراض أن المشهد الأول في كل عمل ينطوي على غزارة ومعنى خاصين"(22)، فإن هذه الرواية تفصح عن مقولتها منذ اللوحة الأولى فيها: "أراح أبو قيس صدره فوق التراب الندي، فبدأت الأرض تخفق من تحته. ضربات قلب متعب تطوف في ذرات الرمل مرتجة ثم تعبر إلى خلاياه. في كل مرة يرمي بصدره فوق التراب يحس ذلك الوجيب كأنما قلب الأرض ما زال، منذ أن استلقى هناك أول مرة يشق طريقاً قاسياً إلى النور قادماً من أعمق أعماق الجحيم".

إن الأرض التي يتوحد أبو قيس بها إلى حد التداخل، أو إلى ما يشبه حال الوجد التي تذيب الفرع في الأصل، وتدغمهما في ذات واحدة، تشكل المقولة الرئيسة للرواية، التي ترى أن ابتعاد الفلسطيني عن أرضه يعني تهديداً لـه بالعجز والضياع، وضرباً من الوهم والخداع، أو بداية الطريق إلى موت مجاني. فاندغام أبي قيس بالأرض وولهه بها، جعله ينتظر عشر سنوات، بعد النكبة، محتملاً الفقر والمذلة دون أن يفكر في الابتعاد عنها أكثر من المسافة التي كانت تفصل بين قريته ومستقره الجديد في فلسطين نفسها، لأن حلم العودة إلى تلك الأرض ظل هاجسه الدائم، والمتجذر في دمه، وهو نفسه الذي جعل مفردات حياته اليومية تتصل بها: "كلما تنفس رائحة الأرض وهو مستلق فوقها خيل إليه أنه يتنسم شعر زوجه حين تخرج من الحمام وقد اغتسلت بالماء البارد"، وهو نفسه أيضاً الذي جعله يحسد الأستاذ "سليم"، لأنه قضى فوق ترابها قبل أن يطأها المستوطنون الصهاينة: "أتوجد ثمة نعمة إلهية أكبر من هذه؟ صحيح أن الرجال كانوا في شغل عن دفنك وعن إكرام موتك، ولكنك على أي حال بقيت هناك".

وعلى الرغم من أن الرواية لا تقدم مادة ما عن علاقة أسعد ومروان بالأرض، فإن النهاية الفاجعة التي تودي بهما إليها، تعني إدانتهما بسبب اختيارهما طريقاً معلقاً في الفراغ، منقطعاً عن الأرض، توهّما السعادة في نهايته. وتجعل، من بعدُ، حتفهما مع أبي قيس ينتهي في خزّان الشاحنة، الذي يمثّل هو الآخر "انقطاعاً كاملاً عن الأرض، عن نبضها ورائحتها"(23). أمّا أبو الخيزران الذي كان يؤمن بأنّ القرش يأتي أولاً ثمّ الأخلاق، فإنّ ما يقوم به من فعل في خاتمة الرواية، أي عندما يرمي جثث الرجال الثلاثة فوق أكوام الزبالة ويسرق نقودهم، لا يستمدّ مسوّغه من جنونه بالمال كيفما كانت الوسيلة إليه، بل لأنّ الرواية تطمح إلى التأكيد بأنّ "مَنْ يتقن الكذب والخداع حدّ الخيانة هو ذاك الذي أمعن في القطيعة مع الأرض مكانياً وزمانياً"(24).

وغير خافٍ أنّ التباين بين هذه الشخصيات على المستوى الجيلي يُضمر، فيما يضمره، القول إنّ حال العطالة التي ميّزت الواقع الفلسطيني في المرحلة التي تلت النكبة لم تكن سمة جيل بعينه، بل سمة الأجيال الثلاثة التي مثّلتها تلك الشخصيات، والتي كان لا بدّ من أن يفضي بها انقطاعها عن الأرض إلى ذلك الموت المجانيّ، وهي تمشي على "الصراط" الذي مثّله أبو الخيزران لها.

ومهما يكن من أمر النتائج النقدية التي انتهى إليها دارسو الرواية، اتفاقها أو اختلافها أو إضافات بعضها، ولا سيّما الرموز فيها(25)، فإنّ عدداً منها حمّل الرواية في تقديرنا ما لم تقله. وإذا سلّم المرء ببعضٍ من تلك النتائج، فإنّ أيّة رواية، مهما كانت درجة اتصالها بالواقع ومطابقتها له، تتخيّر ما هو جوهريّ فيه، من غير أن يعني ذلك إحالة كلّ شيء فيها إلى رمز أو أكثر. وتأسيساً على ذلك يبدو تفسير سامي سويدان للرقم (8) في الرواية، الذي يلعب، في رأيه، "لعبة الموت الفلسطيني بامتياز"(26)، ولعاً بالمنهج البنيوي الذي يلوي عنق النصّ، أحياناً، لقول ما لم يقله أحد من قبل.

ويمكن وصف الرواية بأنّها مزيج من ثلاثة اتجاهات فنيّة، يقف الاتجاه الواقعيّ على رأسها، وتتوزّع بنيتها العامّة بين الاتجاهين: الرّمزي والرّومانسي، ويتجلّى حضور الأخير من خلال علاقة شخصياتها بعنصرين رئيسين: الأرض من جهة، والحلم بالخلاص الفردي من جهة ثانية. فعلاقة أبي قيس، على سبيل المثال، بالأرض لا تتجاوز حنين الشخصية الرومانسية التي يدفعها عجزها عن التكيف مع الواقع إلى التفكير بالأرض بقصد السلوى، وليس بسبب وعيها لمعنى الارتباط بهذه الأرض. أما العنصر الثاني فيتطابق تماماً مع حرص الرومانسية على تصوير "تجربة الفرد الذي يقف وحيداً في مواجهة العالم"(27)، أو على تغني هذا الفرد بالماضي المجيد للوطن بوصفه عزاء عن الحاضر ليس غير. ولعل كنفاني تعمد ذلك رغبة منه في إدانة شخصياته أكثر، وفي القول إن حلم هذه الشخصيات بالخلاص من واقعها لم يتجاوز أنواتها الفردية، ولذلك فهو "محكوم بالفشل، محاصر داخل أسوار غربة الذات"(28).

وبهذا المعنى الذي قصد كنفاني إليه، فإن الاتجاه الرومانسي، في الرواية، لا يبدو بمعطاه السلبي لأن الكاتب يتخير منه ما يحقق رغبته في كتابة "قصة تغير من شعور كل قارئ. قصة إنسان فلسطيني بسيط عادي يتملكه فجأة إحساس لا يقهر هو إحساس العودة"(29) إلى الأرض، وبه أيضاً يمكن اعتبار "مضمون الرواية ثورياً بالمعنى التاريخي للكلمة، لأنه يكشف أن الهرب حل خاطئ يؤدي إلى الطريق المسدود"(30).

ولئن كانت الحكاية في الرواية المغلقة تكتفي بنفسها، ويشرح فيها كل شيء(31)، فإن غسان كنفاني تجنب ذلك تماماً، إذ جعل روايته "مشرعة، مفتوحة، غير مكتملة، وأبعد من أن تستدعي جواباً"(32). وإذا كان ثمة من جواب قد حرضت على التفكير فيه، فليس سوى ذلك الطريق الذي يعيد الفلسطيني إلى أرضه، طريق المقاومة الذي يخلصه من الانشغال بـ "أناه" إلى الوطن: الرحم، والأصل، والجذور.

هوامش وإحالات:

(1)ـ أبو مطر، د. أحمد. "الرواية في الأدب الفلسطيني". ص (27).

(2)ـ ياغي، عبد الرحمن. "في الأدب الفلسطيني الحديث". ص (63).

(3)ـ أبو مطر، أحمد. "الرواية في الأدب الفلسطيني". ص 49). وتجدر الإشارة إلى أنّ رأي أبي مطر ومؤيديه لا يسلم من الطّعن، فالكثيرون ممّن تناولوا نشأة هذا الفنّ في فلسطين، يَرَوْنَ أنَّ رواية بيدس من ترجماته، وليست من إبداعه.

(4)ـ أبو مطر، أحمد. "الرّواية في الأدب الفلسطيني". ص (51).

(5)ـ وادي، فاروق. "ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية". ص ( ).

(6)ـ أبو مطر، أحمد. "الرّواية في الأدب الفلسطيني". ص (43).

(7)ـ المرجع السابق. ص (36).

(8)ـ مقدّمة د. طه حسين للرواية.

(9)ـ انظر: أبو مطر، أحمد. "الرّواية في الأدب الفلسطيني". ص (42).

(10)ـ المرجع السابق، الصفحة نفسها.

(11)ـ المرجع السابق. ص (46).

(12)ـ وادي، فاروق. "ثلاث علامات في الرّواية الفلسطينية". ص (33).

(13)ـ اتُخِذ القرار بأغلبية 33 صوتاً مقابل 13 وامتناع 10 دول عن التّصويت. ونصّ، بالإضافة إلى قرار التقسيم، على قيام اتحاد اقتصادي بين الدّولتين، وخضوع القدس لنظام دوليّ خاصّ.

(14)ـ أبو مطر، أحمد. "الرّواية في الأدب الفلسطيني". ص (48).

(15)ـ روى لي القاصّ الفلسطيني محمّد البطراوي، الذي كان معتقلاً في سجون الاحتلال إبان قيام "الدولة"، قائلاً إنّ سلطات السجون الإسرائيلية كانت تستخدم المعتقلين الفلسطينيين في إحراق المكتبات الخاصّة للفلسطينيين الذين غادروا أرضهم بعد النكبة.

(16)ـ كنفاني، غسّان. "أدب المقاومة في فلسطين المحتلّة". ص (9).

(17)ـ النسّاج، سيّد حامد. "بانوراما الرّواية العربيّة الحديثة". ص (141).

(18)ـ هالبرين، جون. وآخرون. "نظريّة الرّواية". ص (514).

(19)ـ ريديكر، هورست. "الانعكاس والفعل، ديالكتيك الواقعيّة في الإبداع الفنّي". ص (88).

(20)ـ آثرت مقاربة هذه الرّواية بشيء من التفصيل لاتصالها بموضوع الدراسة.

(21)ـ وادي، فاروق. "ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية". ص (36).

(22)ـ هالبرين، جون. وآخرون. "نظرية الرواية". ص (72).

(23) سويدان، سامي. "أبحاث في النص الروائي العربي". ص (78).

(24)ـ المرجع السابق. ص (73).

(25)ـ للتوسع في هذا المجال، أي فيما يعني الرمز خاصة، يمكن العودة إلى:

ـ مقدمة د. إحسان عباس للأعمال الكاملة لغسان كنفاني، المجلد الأول.

ـ زين الدين، أمل. باسيل، جوزيف. "تطور الوعي في نماذج قصصية فلسطينية". ص (222).

ـ البحوري، رفيقة. "الأدب الروائي عند غسان كنفاني". ص (37)، (39).

ـ سويدان، سامي. "أبحاث في النص الروائي العربي". ص (103).

ـ أبو مطر، أحمد. "الرواية في الأدب الفلسطيني". ص (235).

ـ صالح، فخري. "في الرواية الفلسطينية". ص (19).

ـ خليل، إبراهيم. "في القصة والرواية الفلسطينية". ص (112).

(26)ـ سويدان، سامي. "أبحاث في النص الروائي العربي". ص (79).

(27) فيشر، إرنست. "الاشتراكية والفن". ص (83).

(28)ـ عاشور، رضوى. "الطريق إلى الخيمة الأخرى". ص (63).

(29)ـ البحوري، رفيقة. "الأدب الروائي عند غسان كنفاني". ص (7).

(30)ـ القاسم، أفنان. "غسان كنفاني، البنية الروائية لمسار الشعب الفلسطيني". ص (114).

(31)ـ انظر: البيريس، ر. م. "تاريخ الرواية الحديثة". ص (255).

(32)ـ سويدان، سامي. "أبحاث في النص الروائي العربي". ص (110).

 

   

 

الفصل الأول: مقدمات أولى قضية الأرض في الرواية العربية

 

تمثل "الأرض"، بوصفها فضاء واقعياً ورمزياً، مكوناً أساسياً من مكونات الخطاب في معظم المنجز الروائي العربي، لسببين: بنية المجتمع العربي الذي يشكل الفلاحون الأغلبية وقاع السلم الطبقي فيه أولاً، وانتماء معظم الروائيين العرب إلى أصول فلاحية ثانياً.

 

وغالباً ما يتردد هذا الفضاء في الأعمال الروائية المعنية بالحديث عن الهجرة من الريف إلى المدينة، إما هرباً من جور علاقات الإنتاج التي تحكم مجتمع القرية أحياناً كثيرة، أو طلباً للرفاه الذي يوفره مجتمع المدينة أحياناً أقل. وعلى الرغم من غلبة الاتجاه الرومانسي على بدايات تلك الأعمال، فإن الواقعية سرعان ما "وجدت في الريف العربي وحياة أهله ما يغريها بالتوجه إليه"(1)، ومنطلقاً للكشف عن علل الواقع العربي، ولا سيما بعد هزيمة حزيران التي دفعت المثقفين العرب إلى إعادة استقراء ذلك الواقع، ومن ثم إلى اكتشاف مرجعيات العطب والإهمال التي يعانيها مجتمع الريف خاصة، وتعد الأعمال الروائية الواقعية في هذا المجال "الأكثر نضجاً من الناحية الفنية، و.. الأكثر عدداً من الناحية الكمية"(2).

1ـ في الرواية المصرية:

مهما يكن صحيحاً أن رواية محمد حسين هيكل(3): "زينب" (1914) ليست أول رواية عربية فنية فحسب، بل هي أيضاً أول رواية تتناول الريف العربي(4)، فإنها لا تنتمي إلى الرّواية المعنية بالأرض، لسببين رئيسيين: لاكتفاء الروائي بالخارجي فحسب من الريف المصري، ولانشغاله بوصف الطبيعة الأخّاذة للقرية المصرية عن العلاقات الاقتصادية القائمة فيها.

فالطبيعة في الرواية "لا تعبّر عن أوضاع اجتماعية واقعية"(5)، ودورها في الأحداث لا يتجاوز "العزاء الذي تقدّمه للشخصيات حينما يلجئون إليها"(6). وعلى الرّغم من أنّ ثمّة إشارات في الرواية تتحدّث عن علاقة الفلاّحين الأجراء وصغار الملاّك بالطبقة الإقطاعية، فإنّ تلك الإشارات تبدو معزولة عن السياق العامّ للخطاب الروائي من جهة، ولا تنهض من استقراء الروائي لحركة الواقع، أو من وعيه بالقوى الفاعلة في هذا الواقع من جهة ثانية.

تُعدّ رواية عبد الرحمن الشرقاوي(7): "الأرض" (1970) أوّل رواية مصرية تُعنى بصراع الفلاّح ضدّ مستغلّيه، ولئن كان من أبرز ما ميّز تلك الرواية حفاوة القراء بها وقت صدورها، فإنّ من أبرز ما ميّزها أيضاً رصدها لذلك الصراع دونما ادّعاء بأطروحات أيديولوجية كبرى، ودونما سقوط في شَرَك الخطابة، أو التبشير، أو المقولات الناجزة، أيضاً.

تعالج الرّواية مرحلة الثلاثينات من تاريخ مصر الحديث، أي مرحلة الانتداب البريطاني. وتتعرّض على نحو خاص لحكومة إسماعيل صدقي الذي كان يحكم مصر "بالحديد والنار"، بعد أن ألغى الدستور رغبة منه في كسب ودّ سلطات الانتداب. ومن الطبيعي أن يكون الرّيف المصري، في تلك المرحلة، أكثر البنى الاقتصادية ـ الاجتماعية اكتواءً بنار الأحداث التي كانت تعصف بالبلاد، وأكثرها تعرّضاً أيضاً لجحيم حكومة صدقي التي كانت تمارس أسوأ أنواع التنكيل بمعارضيها، والتي كانت من نتائجها، في مجتمع الرّواية، نقل الشيخ حسّونة، ناظر المدرسة، إلى مكان قصيّ عن القرية، وفصل محمد أبو سويلم عن مشيخة الغفر، ونزع نصف فدان من ملكية الشيخ يوسف، لمقاطعة هؤلاء وغيرهم انتخابات حزب الشعب الذي كان صدقي يتزعمه آنذاك.

تتحرك أحداث الرواية في قرية غارقة في العوز والاضطهاد، يسوطها جشع الإقطاع من جهة، وقرارات الحكومة الجائرة من جهة ثانية. "فالقطن يباع بالتراب، والفلاحون يسقطون في أيدي المرابين، والذين يملكون أرضاً تحجز عليها الحكومة"، معظم سكانها تقذف بهم الحاجة إلى "المدينة باحثين عن عمل، ليعودوا من بعد صفراً مهزولين"، وآخرون "يشتغلون أنفاراً لحساب مالك الأرض، الذي يملك أحياناً أراضي عدة قرى".

والرواية تمجد ارتباط الفلاح بالأرض، ولذلك "تبرز الأرض، أو ملكية الأرض كقيمة ثابتة"(8) فيها. وتتجلى تلك القيمة من خلال المواجهة الضارية التي تنشب بين فلاحي القرية والحكومة، بعد أن أنقصت الأخيرة مدة فتح السواقي التي كانت تروي أراضيهم من عشرة أيام إلى خمسة، ثم من خلال المكانة التي تحوزها الأرض داخل منظومة القيم المكونة لوعي هؤلاء الفلاحين، الذين كانوا يرددون دائماً أن من "لا يملك في القرية أرضاً لا يملك فيها شيئاً على الإطلاق حتى الشرف".

والشخصيات في الرواية، وفي هذا المجال، تتوزع بين ثلاثة نماذج: أول يقاوم الحكومة، وثان يعمل لصالحها، وثالث يبدو بمعزل عن الأحداث. ففي اجتماع القرية الأول لمواجهة قرار الحكومة يطلب الشيخ الشناوي، إمام القرية ومفتيها، إلى الناس قراءة "عدية يس" لينتقم الله للفلاحين ممن قصر مواعيد الري، ويقترح الشيخ يوسف، بقال القرية، الاستغاثة بالعمدة. ولكن كيف يثق أهل القرية بهذا العمدة إذا كان قد عرف قرار الحكومة قبل أن يصل الأخير إلى القرية، ولم يقل لأحد؟، وإذا "كان هو الذي ساعد الحكومة في الانتخابات بعد أن قاطعتها الدنيا كلها"(9). وعلى الرغم من أن رأي محمد أفندي، معلم القرية، لم ينل موافقة أحد في البداية، فإن الفلاحين يفوّضونه أخيراً، كما اقترح، بكتابة عريضة إلى وزير الأشغال عن طريق العمدة ومحمود بك نائب القرية، وكانت المفارقة التي قصمت ظهور هؤلاء في استبدال عريضة الزراعية بعريضة الرّي، فالعمدة "ضحك على القرية باتفاق مع محمود بك، وجمع أختامها وأختام القرى المجاورة، ووضع كلّ هذه الأختام على عريضة جاء فيها أنّ الأهالي الموقّعين يحتاجون إلى شقّ سكّة زراعية".

وعامّة، فإنّ هذه الشخصيات تبدو، على امتداد الرّواية، نامية، متحرّكة، متمايزة فيما بينها. والصّراع الذي يصوغ الروائي عبره ومن خلاله الأحداث المكوّنة لعالمه التخييلي ليس واحدياً، بمعنى أنه لا ينهض بين فلاحي القرية من جهة والحكومة وذيولها من جهة ثانية فحسب، بل بين الفلاحين أنفسهم أيضاً. وتُعَدّ شخصيتا عبد الهادي ومحمّد أبو سويلم أكثر شخصيات الرّواية تمثيلاً للعلاقة الحميمة التي تربط بين الفلاّح والأرض. فالأوّل يشارك في مواجهة الحكومة على الرغم من أنّه لا يملك أرضاً من حوض الترعة التي سيطولها مشروع السكّة الزراعية، لثقته بأنّهم "حين يعتدون على رجل واحد في القرية فكأنما ضربوا القرية جميعاً.. وإذا سكت هو اليوم وأرض محمّد أبو سويلم ودياب تنتزع، فسيرمونه هو غداً". أمّا الثاني، فيواجه فرقة الهجّانة التي أرسلتها الحكومة لتأديب القرية بالتشبّث بأرضه وبرفضه مغادرتها على الرغم من أنه يلقى من رجال الهجانة ما لا يحتمله رجل في مثل سنّه.

وعامّة أيضاً، فإنّ الرواية لم تسلم من أذى المزالق نفسها التي تعرّضت لها رواية "زينب"، والتي غالباً ما كان الرّاوي يوجّه نقداً لاذعاً لها في أكثر من موضع من الرواية، فالروائي يسترسل في وصف الطبيعة من غير أن يكون لذلك الوصف ما يسوّغه فنياً، وعلى الرغم من تلك الواقعيّة الآسرة والنابضة بالبساطة والحياة(10) التي وفّرها لمحكيّه، ومن حرصه على أن يبدو الفلاح عامة لديه رجلاً حقيقياً "بضعفه وقوته، بحبّه الرّومانسي وآلامه المريرة"(11)، فإنّه لم يستطع تحرير ذلك المحكيّ من أذى التفاصيل والجزئيات، ومن الوصف الفائض للملامح الخارجيّة للشخصيات، كما لم يستطع إقناع قارئه بواقعية عدد من تلك الشخصيات، عبد الهادي خاصة، الذي غالباً ما كان يمنحه صفات خارقة تضعه خارج حدود الواقع، وليس على حوافّه فحسب.

2ـ في الرواية السورية:

على الرغم من أنّ نشأة الرواية الفنية في سورية ترتدّ إلى ثلاثينيات القرن العشرين، أي إلى رواية شكيب الجابري: "نهم" (1937)، فإنّ اهتمام الروائيين السوريين بالمجتمع القرويّ السّوري جاء متأخراً إلى حدّ ما، ولذلك عرفت الرواية السورية قضية الأرض في أحضان الاتجاه الواقعي فوراً، وانصرف أكثرها إلى الحديث عن القحط وآثاره في علاقات الإنتاج التي كانت تحكم مجتمع القرية السّورية آنذاك.

ولئن كان الرّيف ونمط معيشة الفلاحين ومآسيهم قد أتاحت للرواية الأوربية "مناسبة لتقديم لوحات أخّاذة، وسرد عذب مفجع"(12)، فإنّ الرّواية السورية التي تناولت حياة الريف تبدو شديدة الاتصال بهذه السمة، ليس لأنها صوّرت الظلم الذي كان سكّان هذا الريف يعانونه بسبب الإقطاع والمرابين فحسب، بل لتميّزها أيضاً من الرّواية العربية بتصوير قسوة الطبيعة التي كان الفلاّح السّوري يكابد آثارها دائماً.

ولعلّ رواية فارس زرزور(13): "المذنبون" (1974) أكثر النتاج الروائي السوري اتصالاً بتلك السمة، بسبب رصدها لقسوة الطبيعة من جهة، ولضراوة الإقطاع الذي كان يلتهم أراضي الفلاّحين بالرّبا والمداهنة في بداية الأمر ثمّ بعقود الرّهن المودعة لديه بعد أن يحلّ الجفاف بالقرية من جهة ثانية. ومع أنها، أي الرّواية، لم تكن تجعل "من علاقة الفلاح بأرضه، وكفاحه في سبيل الاحتفاظ بها.. مرتكزاً لها"(14)، إلا أنها عنيت بتصوير تلك العلاقة من خلال صلتها بغيرها من العلاقات الأخرى التي تسود مجتمع القرية، والتي تستبدّ بجانب كبير وطاغٍ من محكيّ الرواية.

تدور أحداث الرواية في قرية "الميرة"، إحدى قرى الجنوب السّوري، التي تخالف القاعدة القائلة "إنّ القرية توجد حيث يوجد الماء والشجر، أو أنّ الشجر والماء يوجدان حيث توجد القرية"، فهي تقع "في منخفض.. من الأراضي الشديدة الوعورة، ذات المرتفعات والأغوار الحجرية البركانية المنخورة ". يعيش سكّانها على رغيف جافّ، مصنوع من الخليط "شعير وحنطة وذرة مجتمعة.. وفي فصل الربيع ربّما تغيّر الحال قليلاً. فإمّا أن يغمسوا لقمتهم بالبرغل، أو بما يفيض من خضخضة اللبن الرّائب عندما يصنعون منه السّمن.. الذي يبيعونه ليكتسوا بثمنه". وَفَد إليها "ذات يوم شخص غريب يرتدي ملابس خاصّة، ونزل بضيافة فلاح ميسور الحال، ولكنه سيئ السمعة.. اسمه (صالح الذياب). وقد استطاع هذا الغريب أن يستولي على أراضي القرية الصالحة للزراعة مستغلاً سذاجة وفقر الساكنين، وبعدها صار ذلك الغريب يسمّى شوكت بك".

ويتجلّى موضوع الأرض في الرّواية من خلال شخصيتها المحورية جدعان العبد الله، الفلاّح الشّاب الذي مات أبوه ولم يكن قد تجاوز طفولته بعد، مخلّفاً لـه أختاً جميلة "ممشوقة القوام بيضاء البشرة مورّدة الخدّيْن يحيط جبينها الناصع شعر أنيق لامع السواد. في عينيها سحر نائم أو نعاس ساحر"، اسمها "فرحة"، وأمّاً عمياء "مزنة"، وأرضاً صغيرة ينتفع بزراعتها.

كان جدعان "يدّخر أخته إلى يوم سيأتي في حينه"، مؤملاً تزويجها مقابل مبلغ كبير من المال، أو ثلاثة فدادين أرض، أو مئتي رأس ماشية، يمكّنه واحد منها من زواجه أيضاً، ومن سداد ديونه للإقطاعي شوكت بك. غير أنّ قبوله بمقايضة "فرحة" بابنة صالح الذياب، "فهدة"، لأخيها "قاسم"، ورضاه ببقرة وأربع نعاج بسبب العَرَج الذي كانت "فهدة" تشكو منه، وبسبب التباين بين جمال الفتاتيْن، جعلا أمله في الخلاص من ملاحقة الدرك، الذين يستخدمهم شوكت للتنكيل بالفلاحين العاجزين عن إيفاء قروضه الجائرة، فاتراً وربّما مستحيلاً، ولذلك اضطُرّ، مع كثيرين من أولئك الفلاحين، إلى مغادرة القرية لبيع قوّة عمله مع جموع "البروليتاريا" الرّثة الزاحفة إلى المدن اتقاءً للجفاف والاضطهاد.

وعلى الرّغم من أنّ جدعان أمنَ في المدينة الدرك والجوع، فإنّ علاقته بأرضه التي سلبها الإقطاعي شوكت بك منه لم تنقطع قطّ، فقد ظلّ دائم التفكير بجمع النقود للعودة إلى القرية، ولتحرير أرضه من براثن الإقطاعي.

والرواية، من حيث بناؤها الفنّي، تنتمي إلى الرواية التقليدية، فالروائي يصوغ عالمه التخييلي وفق مواضعات السرد المألوفة، أي المحكومة بمنطق المقدّمات والنتائج، وبتدخّل "الكاتب القسريّ في المجريات ولوْيها وإنطاق الشخصيات"(15)، وعلى الرّغم من انتمائها إلى الاتجاه الواقعي، فإنّ الروائي لم يكن يقدّر، كما يبدو، أنّ الواقعية تعني النفاذ إلى الواقع بصورة مبدعة "تسقط الممارسة الاجتماعية الشاملة الواسعة.. على القوى التي تحرّك التطوّر الاجتماعي"(16)، وليست مرآة جامدة لهذا الواقع فحسب. إنّ الرّواية تسجّل الواقع الذي تقاربه، ولا تعيد صياغته جمالياً، ولذلك تبدو شخصياتها خارج إطار شرطها التاريخي، من غير أن يعني ذلك سلباً للمكانة التي شغلتها بين مثيلاتها في المشهد الروائي السوري. لسببيْن: لريادتها المبكّرة في الحديث عن المجتمع القرويّ السّوري(17) من جهة، ولكفاءة مبدعها في وصف الملامح القاسية التي كانت تضبط إيقاع الطبيعة والناس في هذا المجتمع، آنذاك، من جهة ثانية.

3ـ في الرواية المغربية:

تتميّز قضية الأرض في الرّواية العربية المغاربية عامة وليس المغربية وحدها، وفلسطين كما سنرى، من مجمل النتاج الروائي العربي بتصدّيها لقوّتيْن بآن: الإقطاع والاستعمار الاستيطاني. وتُعدّ رواية المغربي أحمد زياد(18): "بامو" (1974)، أوّل عمل روائي مغربي، وربّما مغاربيّ أيضاً، في هذا المجال، فهي ترصد نضال الفلاحين في ذلك الجزء من الجغرافية العربية ضدّ الاستعمار الفرنسي الذي كان يلتهم أراضي أربعة أقطار عربية من الشمال الإفريقي في وقت واحد، وعبر محكيّ يتداخل الواقعي فيه بالمتخيّل. وإذا كان من أبرز ما ميّز تلك الرواية ريادتها المبكّرة، فإنّ من أبرز ما ميّزها أيضاً توثيقها لأسماء حقيقية ولوقائع حقيقية في تاريخ النضال الوطني المغربي، ثمّ وعي مبدعها بجدل البنى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بعضها ببعض، في مرحلة تُعدّ من أشدّ مراحل كفاح المغرب صموداً وإصراراً على الاستقلال.

وتمثّل رواية المغربي أيضاً مبارك ربيع(19): "الرّيح الشتوية" (1979) أكثر الأعمال الروائية المغربية حفاوة بالظاهرة التي تعالجها هذه الدراسة، ولا سيّما المرحلة التي عنيت بها، أي الأعوام الثلاثة الأخيرة من الحرب العالمية الثانية. وتتجلّى الظاهرة/ القضية فيها في القسم الأول منها خاصة، أي مع قيام سلطات الاحتلال الفرنسي بالاستيلاء على أراضي الفلاحين بالإكراه حيناً وبالخداع والتزوير حيناً آخر، ثمّ بوصول عمليات الاستيلاء هذه إلى أرض "العربي الحمدوني" الذي حمل السلاح دفاعاً عنها، والذي دفعته مطاردة الفرنسيين لـه إلى مغادرة القرية، (لا يسميها الكاتب)، إلى مدينة الدّار البيضاء، ليجد نفسه مع كثيرين من الفلاحين أمثاله فريسة هاجسيْن: الفقر والبؤس في المدينة من جهة، والحنين الجارف إلى الأرض من جهة ثانية.

كانت الأرض، بالنسبة إلى الحمدوني، الحياة نفسها، وكان يُخيّل إليه أنه كذلك بالنسبة إليها أيضاً، ولذلك كان يسأل أقرباءه القادمين من القرية عنها: "يودّ.. أنْ يعرف كيف يستثمرها الأجنبي، كيف يخطو فوقها، كيف.. تتحرّك رجلاه عليها.. يودّ أن يعرف، لو يستطيع، مشاعر أرضه إزاء.. الدخيل، ألا تزال تجود بالخير أم جفّت غيظاً وكمداً". وعلى الرّغم من ثقته بحربائية القانون الفرنسي الذي يحكم بلاده فإنه ما لبث أن لجأ إليه، قائلاً لمحاميه الجزائري الأصل: "ـ الأرض. وبَدَت على المحامي حركة تدلّ على أنه لم يفهم خلاصة الموضوع، فيسأل من جديد: ـ أرض مَنْ؟ ـ أرضي يا سيّدي، أرض جدودي".

وعامة، فإنّ الرواية، وفي هذا المجال خاصة، تبدو نسيج وحدها في الرّواية العربية، بسبب تثمينها للمستوى الفطري لعلاقة الإنسان بأرضه، وتأكيدها، على نحو غير مباشر، أنّ هذا المستوى أشدّ تأثيراً وفعالية في معركة النضال الوطني من أي كمٍّ معرفيّ عن الفداء والتضحية من أجل الأرض. فالحمدوني، الفلاح البسيط، يهزّ بإصراره على التمسّك بأرضه الحسّ الوطني لمحاميه، الذي كان منقطعاً عن قضية بلده المستعمَر من سلطات الاحتلال نفسها، ويدفعه رفض الحمدوني للتعويض الذي حصل لـه عن هذه الأرض إلى التوجّه نحو وطنه الجزائر للمشاركة في المعارك التي يخوضها شعبه لنيْل حريّته واستقلاله، قائلاً للحمدوني: "قضيتك.. أصبحت صغيرة".

4ـ في الرواية الجزائرية:

لم تشكّل قضية الأرض في النتاج الرّوائي الجزائري "تيّاراً واضح المعالم إلاّ بعد الحرب العالميّة الثانية"(20)، ويمكن تقسيم ذلك النتاج وفي هذا المجال إلى قسمين: الأوّل يعالج القضية كما تتجلّى في المرحلة التي سبقت الاستقلال الوطني، والثاني يتناولها في ظلّ الثورة الزراعية التي تلته. ولئن كان من الممكن التمييز بين اتجاهيْن رئيسين يطغيان على النتاج المعني بالمرحلة الأولى: الاتجاه الرّومانسي والاتجاه الواقعيّ النقديّ، فإنّ من أبرز ما يسم النتاج المعني بالمرحلة الثانية غلبة الاتجاه الواقعي الاشتراكي إلى جانب الرّومانسية والواقعيّة النّقدية.

ويمكن التمثيل للاتجاه الأوّل برواية محمّد صادق حاجي: "على الدرب" (1977) التي تعدّ من الأعمال الرّوائية الجزائرية المبكّرة التي تنتمي إلى ذلك الاتجاه، والتي تتصدّى للحديث عن الإقطاع الجزائري في الفترة التي سبقت الاستقلال الوطني، والفترة التي رافقت البدايات الأولى لانتصار الثورة التحرّرية.

ينهض محكيّ الرّواية على شخصيتين رئيسيتين: الحاجّ طاهر الإقطاعي، والفلاّح مسعود، ويمكن تلخيص ذلك المحكيّ بمصادرة الإقطاعي لأرض مسعود بعد التحاق الأخير بالثورة، وبعد أن استطاع الأوّل الحصول على وثيقة مزوّرة تثبت ملكيّته لأرض مسعود الذي لم يجرؤ على المطالبة بها بسبب ملاحقة سلطات الاحتلال الفرنسيّ لـه. وبدلاً من أن تكفل حكومة الثورة المنتصرة لـه هذا الحقّ، عزّزت سلطة الإقطاعي، فلم يكن أمام مسعود سوى القبول بالعمل أجيراً في أرضه مؤمّلاً استعادتها في يوم ما. غير أنّ الحاج طرده منها بدعوى اشتغاله بالسياسة. وعلى الرّغم من أنّ المدينة التي هاجر مسعود إليها كانت قد آوته من مطاردة حكومة الثورة له، فإنّ حلمه بالعودة إلى أرضه ظلّ يقضّ هناءته الطارئة في المدينة. أمّا الاتّجاه الرّومانسي في الرّواية فإنه لا يتجلّى من خلال نظرة الروائي التي تبدو "قاصرة عن إدراك جوهر العلاقات الاجتماعية"(21) فحسب، بل من خلال ذلك التفاؤل السّاذج الذي طرحه الروائي في خاتمتها، أي الأمل الذي ستحقّقه الثورة الزراعية للفلاحين، ثمّ من خلال تفسيراته المتناقضة وغير الواقعية التي يقدّمها لسلوك شخصياته أيضاً.

وممّا ينتمي إلى الاتجاه الثاني من الأعمال الروائية الجزائرية رواية عبد الحميد بن هدوقة(22): "ريح الجنوب" (1971) التي تُعدّ من بواكير الاتجاه الواقعي النقديّ في الرواية الجزائرية المعنية بقضية الأرض كما تتجلّى بين مرحلتين بآن: المرحلة التي سبقت الاستقلال والمرحلة التي تلته بفترة قصيرة. وتتجلّى القضية/ الظاهرة فيها، والاتجاه الواقعيّ النقدي خاصة، من خلال رصدها لتعاون الإقطاع الجزائريّ مع سلطات الاحتلال الفرنسي، ولتملّقه الثورة التحرّرية التي أنجزت الاستقلال لتنجو من قوانينها. والرواية، في هذا المجال، من أبرز النتاج الروائي الجزائري الذي مجّد ارتباط الفلاح الجزائري بأرضه، وذلك من خلال شخصية بطلها "مالك"، أحد مناضلي الثورة، الذي كانت الأرض بالنسبة إليه حلماً عزيزاً لم يبرحه خلال مقاومته للاحتلال، وطموحاً للتوحّد معها بعد انتصار الثورة. وهي لا تفترق عن سابقتها، "على الدرب" من خلال مغايرتها لها على مستوى الاتجاه الأدبيّ الذي تنتمي إليه فحسب، بل من خلال قدرة مبدعها أيضاً على إبراز الصلات بين انفعالات شخصياته والأحداث المحيطة بها، ثمّ ربطه مصير تحرّر المرأة الجزائرية، كما تمثّلها "نفيسة" ابنة الإقطاعي "عابد بن القاضي"، بتحرّر الوطن، على نحو غير مباشر.

أمّا الاتجاه الواقعي الاشتراكي في التجربة الروائية الجزائرية فيمكن التمثيل لـه برواية الطاهر وطار(23): "الزلزال (1974)، التي تتناول قضية الأرض من وجهة نظر مغايرة للنتاج الذي سبقها. فعلى حين كان ذلك النتاج يرى أنّ ملكيّة أراضي الإقطاع مزوّرة، تتحدّث "الزلزال" عن ملكية حقيقية صغيرة  تعود إلى ما قبل الاحتلال الفرنسي وتوسّعت معه.

وهي، على الرغم من إقرارها بتلك الملكية، فإنها لا تبرّئ الإقطاع من سلبه جهود الفلاحين، ومن طمعه الدّائم في الاستيلاء على أراضيهم، وتدين موقفه المعادي للإصلاح الزّراعي، الذي يُعد بنظره، مخالفاً لقيم الإسلام وتعاليمه، ويصف القائمين عليه بالزّنادقة، ولا يكتفي بمعارضته بل يتجاوز ذلك إلى تعويق التغيير الاجتماعي الذي أحدثته قوانين الإصلاح أيضاً.

وتتجلّى الواقعية الاشتراكية في الرّواية من خلال مقاربتها للثورة الزراعية التي تلت الاستقلال بوصفها تعبيراً عن فعلين معاً: إعادة توزيع الملكيّات الزّراعية من جهة وتغيير الحياة الاجتماعية في الرّيف الجزائري من جهة ثانية، ثمّ من خلال أطروحتها المركزية التي ترى أنّ زوال الإقطاع ليس مرتبطاً بالثورة فحسب، بل بإحداث تغييرات جذرية تعيد بناء علاقات الإنتاج في الريف الجزائري أيضاً.

هوامش وإحالات:

(1) ـ عبد الله، محمّد حسن. "الريف في الرّواية العربيّة".ص(62).

(2) ـ المرجع السابق، ص(63).

(3) مواليد: الدقهلية سنة 1888، وتوفي سنة 1956. صحفي، وباحث، وروائي.

(4) ـ انظر: محسب، حسن. "قضية الفلاح في القصّة المصرية". ص(5).

(5) ـ عبد الله، محمّد حسن. "الرّيف في الرّواية العربية". (ص27).

(6) ـ مرعي، فؤاد. "في تاريخ الأدب الحديث". ص(69).

(7) ـ مواليد: شبين الكوم/ مصر 1920، وتوفي سنة 1987. شاعر، ومسرحي، وباحث، وقاص، وروائي. من أعماله الروائية: "الأرض"، و"قلوب خالية"(1956)، و"الشوارع الخلفية"(1958).

(8) ـ عبد الله، محمّد حسن. "الريف في الرّواية العربيّة". ص(115).

(9) ـ المرجع السابق، ص(95).

(10) ـ انظر: سالم، جورج. "المغامرة الرّوائية". ص(56).

(11) ـ محسب، حسن. "قضية الفلاّح في القصّة المصريّة". ص(87).

(12) ـ البيريس، ر. م. "تاريخ الرّواية الحديثة". ص(88).

(13) ـ مواليد: دمشق 1930، وتوفي سنة 2003. قاص، وروائي، من رواياته: "حسن جبل"، و"لن تسقط المدينة"، و"آن لـه أن ينصاع".

(14) ـ الفيصل، سمر روحي. "ملامح في الرّواية السورية". ص(198).

(15) ـ سليمان، نبيل. "الرواية السّورية". ص(317).

(16) ـ ريديكر، هورست. "الانعكاس والفعل"، ديالكتيك الواقعية..". ص(84).

(17) ـ يشير زمن كتابة الرّواية إلى سنة 1965، أي إلى ما قبل عشر سنوات تقريباً من تاريخ صدورها.

(18) ـ مؤرّخ وروائي، ومن رواياته: "ولد ربيعة".

(19) ـ مواليد: الدار البيضاء 1935. باحث، وقاص، وروائي. من رواياته: "الطيبون"، و"رفقة السلاح والقمر"، و"بدر زمانه".

(20) ـ قحّام، حسين. "صورة الأرض في الأدب القصصي العربيّ في الجزائر". ص(46).

(21) ـ المرجع السابق. ص(194).

(22) ـ مواليد: المنصورة/ الجزائر 1925. شاعر، وقاص، وروائي، ومترجم. من رواياته: "نهاية الأمس"، و"بان الصبح"، و"الجازية والدراويش".

(23) ـ مواليد: الجزائر 1936. قاص، وروائي، ومسرحي. من رواياته: "اللاز"، والحوّات والقصر"، و"عرس بغل".

 

    

 

قضية فلسطين في الرواية العربية

 

ألهبت قضية فلسطين، منذ بداية الصرّاع مع الحركة الصهيونيّة، مشاعر العرب على اختلاف انتماءاتهم القطرية. وليس أدل على ذلك من أن المرء