الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | معلومات النشر | من نحن | كلمة العدد

 دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 18/04/2008

إلى صفحة الكاتب

كتب                            الانتفاضة في أدب الوطن المحتل

       
       

الإبعاد والطرد

التمييز العنصري

التراكم يولد الانفجار

الانتفاضة في أدب الوطن

التعايش السلمي 

حزمة ضوء أخيرة

قتل الفلسطينيين 

الاعتقال والسجن 

مخاض الوطن الحر 

مواصلة الثورة حتى التحرير

 الدعوة إلى الشمولية

الانتفاضة ثورة إنسانية

 وثمة محتويات أخرى

ملامحه في منجزاته 

 بطل الأنتفاضة

 من دم الشهيد

 

الانتفاضة في أدب الوطن المحتل

بقلم الكاتب: محمد توفيق الصواف

 

الإهداء :

إلى أرواح شهداء الانتفاضة

 

هذا الكتاب

مقدمة بقلم: الشاعر الفلسطيني طلعت سقيرق

 

كان مفترضاً أن يصدر هذا الكتاب، على ما أذكر في العام 1990، أي قبل صدور كتابي (الشعر الفلسطيني المقاوم في جيله الثاني) بثلاث سنوات... أتذكر هذا بوضوح،لأن كتابي (الانتفاضة في شعر الوطن المحتل) ما زال ينتظر الصدور عن دار الجليل بدمشق؛ وكأنما كتب على هذين الكتابين أن ينتظرا الصدور، وأن يطول الانتظار...

وكنت في زمن مضى، قد اتفقت والصديق الباحث محمد توفيق الصواف على تناول الانتفاضة وأثرها في أدب الوطن المحتل، فأخذت جانب الشعر، وأخذ هو جانب القصة.. وبعد أن أنهى كلّ منا كتابه، كان علينا أن نبحث في أمر صدور هذا وذاك... وها هو كتاب الباحث الصديق محمد توفيق الصواف يرى النور بعد أن طال وطال الانتظار.

ما أوردته سابقاً، أوردته عن قصد، لأنبه القارئ بصورة جلية واضحة، إلى أن المصادر التي توفرت للكتاب، لم تكن كافية، أو بالوفرة التي يمكن أن نلحظها بعد مرور كل هذه السنوات.. إذ كانت الكتابات في ذلك الحين، ومن الوطن المحتل تحديداً، لا تصل إلينا إلا بشق الأنفس، وكنت، والباحث الصواف، نقوم بنسخ المادة يدوياً أو تصويرها، ثم تصنيفها ودراستها وهكذا... وكم كان الأمر صعباً وشاقاً..

الآن، وبعد مرور كل هذه السنوات، يضع الباحث محمد توفيق الصواف، بين يدي كتابه لأقول كلمتي، لأقرأ.. فماذا كان عليّ أن أقول؟؟؟

من هنا أبدأ...

قبل الدخول في الحديث عن الكتاب وقراءتي له، لا بد من القول: إن الصديق والأخ الباحث محمد توفيق الصواف، لا يدخل مجال الكتابة والبحث، في كتابه هذا، دون استناد على تجربة طويلة، امتدت على مدار سنوات من الكتابة والبحث في الصحف والمجلات.. إلى جانب امتلاكه لأدوات الكتابة في القصة والشعر بشكل متميز.. فهو شاعر وقاص، إلى جانب كونه ناقداً مارس النقد الأدبي، إضافة إلى خبرته الطويلة في الدراسة والبحث السياسيين...

هذه الإشارة وإن كانت لا تقول إلا القليل عن إبداعات الصواف المتعددة، فإنها تسعى إلى وضع القارئ أمام ضرورة فهم آلية البحث التي سيلحظ أنها لا يمكن أن تكون آلية باحث يدخل عالم البحث والنقد للمرة الأولى، بل هي آلية باحث خبر وعرف وجرب وكتب الكثير ليصل إلى هذا المستوى...

وأعود إلى الكتاب رغم هذا الإصرار الغريب على الاستطراد والتنقل...

عندما بدأت قراءة المخطوط -وأسجل هنا ملاحظتي بكل الوعي والانتباه -كنت أقرأ برتابة وكسل.. إذ بعد كل هذه السنوات من  التعامل مع مادة وإبداعات الوطن المحتل، وصلت إلى قناعة فيها الكثير من الغرور وهي أنني أصبحت أعرف كل شيء عن هذه الإبداعات وما يكتب عنها.. فماذا سأجد عند الصديق الصواف من جديد!!، خاصة حين تكون الدراسة عن موضوعة الانتفاضة وهي الموضوعة التي تعاملت معها، ومع انعكاسها في أدب الداخل بشكل لافت أصبح يعرفه الجميع، ولأن الغرور مرض، فقد تملكني الظن بأنني لن أقرأ جديداً في الدراسة التي بين يديّ!!

أعترف بأنه كان  عليّ بعد صفحات قليلة من القراءة أن أركز كلّ انتباهي وأنا أقرأ؛ فما يطرحه الباحث الصواف مثير ومدهش حقاً، إذ انه يكسر رتابة التناول ليقول موضوعته بتوافق غريب مع المادة المتناولة، إلى حدّ يجعل القارئ يشعر وكأنه أمام أبطال القصص من جهة، وأنه أمام عالم جديد يكتشفه للمرة الأولى من جهة ثانية. فتأخذه الرغبة في المتابعة والمعايشة، وتلمس كل حركة.

في هذا المسار، وهو مسار يبقى مختزناً الكثير من  احتمالية الإدهاش والإمتاع والإفادة، تنتقل قصة الانتفاضة من حركية السير على الورق، لتضعك مباشرة في المعترك وسخونته. ولا تستغرب، إن وصلت في بعض الحالات إلى الشعور بأنك ترمي حجراً من حجارة فلسطين على جنود الاحتلال. كل ذلك طبعاً جراء أسلوبية متميزة يطرح بها محمد توفيق الصواف خطوطه وألوانه. فالفرشاة التي يرسم بها تعرف كيف تتواصل كل التواصل مع حركة أصابعه وأفكاره. وأشهد أنه صاحب أسلوب بارع. قادر على الوصول والتواصل والدخول إلى أعمق الأعماق.

قد لا يعرف كثيرون أن الصديق الباحث محمد توفيق الصواف كان قد انصرف سنوات، إلى دراسة اللغة العبرية حتى أتقنها، وكان في ذلك الحين بصدد دراسة الروايتين الفلسطينية والإسرائيلية، للنظر في صورة الشخصية الروائية مع واقعها في هذه وتلك. وقد مضى طويلاً في هذا البحث، وما زال من دارسي الأدب العبري المتميزين، كما تبين دراساته التي نشرها في العديد من المجلات المتخصصة، ولا سيما مجلة الأرض للدراسات الفلسطينية..

أورد هذه الإشارة للوصول إلى القول: إن الباحث، في دراسته للانتفاضة في القصة العربية في الوطن المحتل، يعرف حق المعرفة، الأرض التي يقف عليها، ويعي كل حركة من حركات شخصياتها، لأن بطل قصته التي يدرسها، وهو بطل عربي فلسطيني، يواجه شخصية احتلالية واضحة الملامح لدارس عرف لغة هذه الشخصية، ودخل في كل منحنياتها، فكان خبيراً بكل ما تتطلبه الخبرة، متميزاً عن سواه بمعرفة الشخصية الاحتلالية من داخلها لا من خلال وصف خارجي تنقله لغة أخرى عن أخرى.

وفي سياق الحديث عن هذا الكتاب أيضاً علينا أن ننتبه إلى ناحية بالغة الأهمية، وأن ندقق كثيراً فيها خوفاً من خطر الانزلاق إلى التوهم بأن ما تقوله هذه القصة أو تلك، يمكن أن يوحي بعكس المقصود... وأورد في هذا المجال ملاحظتي حول قصة (الحاجز) لنبيل عودة.. إذ قد يتساءل البعض: لماذا يقوم هذا الطبيب الفلسطيني بإنقاذ عدوه الجريح؟

والسؤال له ما يبرره... إذ أن هذا القاتل، وبعد إنقاذه سيقتل المزيد من شعبنا العربي الفلسطيني... وهو ما حدث في القصة فعلاً... لنصل إلى النقطة المفصل في هذه القصة، حيث تقول إن الفلسطيني لا يستطيع إلا أن يكون إنساناً، في حياته وتصرفاته ومشاعره وأفكاره، وإن شخصية الصهيوني لا تخرج في كل الحالات عن كونها شخصية قاتل...

ومن هذه النقطة ينبثق الجواب على السؤال: لماذا يقوم هذا الطبيب الفلسطيني بإنقاذ عدوه الجريح؟؟ يأتي الجواب ليقول: صحيح إنه عدوك في كل الأحوال، ومهما كانت الظروف، وإنسانيته ملغاة... ولكن إنسانيتك أنت أيها الفلسطيني، إنسانيتك يجب أن تبقى كما هي.. لأنها إنسانية أصيلة وراسخة لا توهنها وحشية الآخرين ولا تمنع تدفق خيرها عن أحد، حتى عن عدوها، في لحظة ضعفه؛ ولكن حين يعود ؛  إلى وحشيته قوياً قادراً على الأذى، عليك أيها الفلسطيني الطيب أن تعود لتتعامل مع هذا العدو كقاتل.. وهذا ما حدث في القصة فعلاً، فقد قام الطبيب الفلسطيني بقتل الوحش الصهيوني الذي كان جريحاً أنقذه بالأمس.. قتله بعد أن قتل هذا الوحش حين تعافى زوجة الطبيب الذي أنقذه، وربما غيرها من أبناء الشعب الفلسطيني أيضاً...!!!

إذن، نبيل عودة يدين قيام طبيبه، بطل القصة، بإنقاذ عدوه.. كذلك يفعل الباحث محمد توفيق الصواف، مؤكداً، مثل القاص عودة، أن اللقاء بين هذين الضدين هو لقاء صراع إلى أن يلغي أحدهما الآخر، فالشخصية في (الحاجز) مدانة، وفعل الإنقاذ مدان أيضاً؛ وهذا ما تقوله القصة ويقوله الباحث، وعلينا أن نعي ذلك ونفهمه. إذ أن هناك كثيراً من الأدب المقاوم يطرح شخصيات عربية فلسطينية سلبية أو محايدة، ليصل بها فيما بعد، إلى حقيقة تقول إن المحايدة مرفوضة. فالعدو عدو، ولن يترك الشخصية المحايدة تعيش بسلام. ولو كان المجال يسمح لأوردت الكثير من النماذج، ولكن أردت فقط التنبيه والتحذير من الانجرار إلى هذا التوهم أو ذاك...

ثمة نقطة أخرى مثيرة عليّ أن أشير إليها في سياق هذه المقدمة، وهي أن المادة القصصية التي اعتمدها الباحث في كتابه أقل من قليلة، والمفترض أن يقوم الكتاب على مادة غزيرة متعددة الجوانب والامتدادات؛ ولكن، وهنا بيت القصيد، فقد كانت القصص أقل من قليلة. ولا أبالغ حين أقول إنها في مجموعها ثلاث عشرة قصة لا غير. ولك أن تدهش حقاً حين ترى إلى الباحث وهو يكتب مئة وعشر صفحات بخط يده، تضم الصفحة الواحدة منها(360) كلمة على وجه التقريب، وليس أمامه إلا هذا العدد القليل من القصص.

وكأني بالباحث يصرّ على بناء مدهش يعبر فيه عن إعجابه بموضوعة الانتفاضة/ الثورة التي كانت رائعة كبيرة في كل شيء. وحسب رأيه، فإن ندرة الإبداعات، لا تعني ضرورة الصمت، بل على العكس تماماً، تدفعه دفعاً إلى خوض غمار تجربة خطيرة، تريد أن تقول الانتفاضة، وتدخل في عمق مسارها الساخن.

النص هنا أميل إلى التشكيل الإبداعي، ما دامت القصص أقل من القليل.. الباحث يبني نصاً إبداعياً يمتح من النصوص المتاحة، ومن الواقع، ليخرج بصورة مدهشة.. إنه يضعك أمام عالم لا نهائي من الشخصيات التي تتحرك وتملأ الصفحات غلياناً، رغم قلة القصص التي عالجها...

كما قدمت من قبل، فالباحث كان قد انتهى من تأليف كتابه هذا، على ما أذكر، عام 1990، أي أن المادة كانت على تماس مع حرارة الحدث. وهذا ما يظهر في الكثير من مسارات الكتاب.

ولك أن تقرأ ما كتب محمد توفيق الصواف تحت عنوان "بطل الأرض المحتلة ينهض منها ليحررها "لترى إلى بروز الشاعر وإصراره على الإدلاء بدلوه، شاء الباحث أم أبى. فالشاعر معجب أيما إعجاب ببطل الانتفاضة، ومن حقه أن يقول كلمته، وهو ما كان، لنصل إلى قراءة قصيدة ماتعة في تواصلها مع بطل الانتفاضة، وتلاوة نشيدها الخصب الثر...

أعترف أنني معجب بالكتاب، ولي أن أترك للقارئ متعة التواصل مع هذا الدفق الجميل في التواصل مع الانتفاضة الرائعة.

ولصديقي العزيز محمد توفيق الصواف كل الشكر، فقد أضاف إلى ما تعلمته الكثير وأمتعني بدراسة متميزة حقاً.

طلعت محمود سقيرق دمشق في3/11/1996

  

 

مقدمة المؤلف

 

(1)

كان من المفترض أن يظهر هذا الكتاب إلى النور منذ عام 1990، ولكن لأسباب كثيرة لم يظهر في ذلك الحين. وبعد مرور نحو سبع سنين على تأليفه، تضاءل حجم الاهتمام بالانتفاضة الفلسطينية خلالها، ظننت أن إمكانية نشر كتاب عن أدب الانتفاضة قد تلاشت تماماً، لكن الأخوة الأدباء والنقاد الذين أتيح لهم الإطلاع على مخطوطه شجعوني كثيراً على بذل الجهد، ما أمكن لنشره، إذ رأوا فيه ما يستحق أن يقرأ، وإني لأرجو أن يكونواً مصيبين في رؤيتهم هذه...

(2)

على الرغم من التراجع النسبي الذي طرأ، مؤخراً، على حجم الاهتمام بالانتفاضة الفلسطينية، كحدث، بعدما ظلت، ولفترة طويلة عقب انطلاقتها، في مركز الاهتمام على مختلف الصعد والمستويات: عربياً وإسرائيلياً ودولياً، فإن هذا البحث الذي سيحاول إلقاء حزمة ضوء على بعض مظاهر تأثير الانتفاضة، في الساحة الأدبية، داخل الوطن الفلسطيني المحتل، تحديداً، يكتسب أهميته، وربما ضرورته، من عدة نواح:

1- بين الكثير من الدراسات والأبحاث التي ألفت حول الانتفاضة، وتناولت تأثيراتها في مختلف جوانب الحياة بالنسبة لكلا الفلسطينين والإسرائيليين على السواء، لم يتعرض سوى قليلين من مؤلفي تلك الدراسات إلى تأثير الانتفاضة في النتاج الأدبي العربي بشكل عام، والفلسطيني بشكل خاص، هذا ناهيك عن غياب، قد يكون كاملاً، لدراسة تأثيرها في النتاج الاسرائيلي المتزامن، تأليفاً وصدوراً، مع أحداثها.

2- ومن منطلق القناعة بأن تأثير هذه الثورة العظيمة في مجال الأدب وعلى الصعيدين الفلسطيني والإسرائيلي  ليس أقل قوة ولا أقل أهمية من تأثيراتها في المجالات السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أوالعسكرية... إلخ، تولدت فكرة هذا البحث الذي يطمح إلى سدّ فراغ، ولو صغير جداً، في بنية المادة البحثية التي صدرت عن الانتفاضة، حتى الآن...

3- وثمة ما يدفع إلى الاعتقاد بأن هذا البحث، وفي هذا الوقت بالذات، يكتسب المزيد من الأهمية لإمكانية النظر إليه كمذكر بضرورة الاستمرار في إبداء الاهتمام بالانتفاضة التي ما زالت، رغم كل المعيقات والعقبات ومحاولات التهميش والتعتيم، حدثاً بارزاً له حضوره المستمر الذي يؤكد مع كل يوم يزاد فيه بعمره، أنه الصرخة العربية الأصيلة التي تأبى أن تتلاشى، والتي تستحيل على كل محاولات إسكاتها، بوصفها العنوان الأكثر بروزاً وتذكيراً بالحق والكرامة العربيين..

فصحيح أن هناك العديد من الأحداث الهامة على الساحتين العربية والدولية، قد جذبت قدراً كبيراً من أضواء الاهتمام بالانتفاضة، وكادت تحيلها إلى مجرد حدث روتيني لا يستأهل المبالاة بمجرياته ونتائجه ومستقبله، إلا أن استمرارية هذا الحدث، على الرغم من تضاؤل الاهتمام به، تدفع إلى ضرورة إعادة النظر بمدى أهميته، وإلى ضرورة عدم إهماله في زحمة الاهتمام بمستجدات الأحداث المزامنة له...

(3)

يقود الاستقراء الموضوعي لمجريات الانتفاضة الفلسطينية التي انطلقت أواخر العام 1989، وما نجم عن تصاعدها وتطوراتها من نتائج، في مختلف المجالات، وعلى مختلف الصعد والمستويات: عربياً وإسرائيليا ودولياً، إلى افتراض الصحة في توصيفها بأنها تعد، في المسار التاريخي للصراع العربي/ الصهيوني، حدثاً ذا خصوصية مميزة... ولعل من أهم جوانب هذه الخصوصية، وأكثرها بروزاً، هو استمرارية هذه الثورة، بزخم متصاعد، على الرغم من كثرة التحديات التي واجهتها، وضخامتها وعنفها، وعلى الرغم من الثمن الباهظ جداً الذي كلفته مواجهة هذه التحديات، وما تزال..

وقد كان لا بد لمجمل المتغيرات التي أحدثتها استمرارية الانتفاضة، أن تترك تأثيراً واضحاً في معظم صفحة النتاج الأدبي المتزامن، إيداعاً وصدرواً، مع حدث الانتفاضة.. ذلك أن الأدب من نوع الفعاليات الإنسانية الأسرع تأثراً بالمعطى الحدثي، والأكثر استجابة وقابلية للتفاعل مع المتغير الذي ينجم عنه... وربما، لهذه الخصيصة المميزة لطبيعة الأدب عُدّ،ومنذ أقدم العصور، مرآة الأمة التي تنتجه، والذاكرة الجمالية لأحداث تاريخها ولإرهاصات هذه الأحداث مقترنة بتطلعات أبناء الأمة وطموحاتهم، في آن واحد...

بتعبير آخر، عُدّ أدب الأمم، ومايزال، تاريخها المكتوب بأسلوب فني، ومن وجهة نظر جمالية ترصد متغيرات الراهن، وتسجلها، وتتنبأ باحتمالات المستقبل، على نحو فيه من الصدق والمتعة والغنى أكثر مما هو موجود في كتب التأريخ المتخصصة...

من هذه الزاوية المحددة في الرؤية، لجدلية العلاقة التفاعلية بين المعطى الحدثي والإبداع الأدبي، يمكن القول: إن الانتفاضة بسيرورتها الحديثة، وبجملة المتغيرات الي تضمنتها نتائجها الحاصلة حتى الآن، كانت محرضاً قوياً على الإبداع، في المجال الأدبي، وعاملاً فعالاً ومؤثراً، في تحديد نوعية مضامين هذا الإبداع، وفي الأسلوب الفني لإخراجه، أيضاً...

ويقود استقراء الخارطة الجغرافية للنتاج الأدبي العربي المزامن لحدث الانتفاضة، إلى الاستنتاج بأن أكثر المواقع تأثراً بهذا الحدث ونتائجه هو مسرحه المكاني، أي داخل فلسطين المحتلة... وهذا بدهي، لعدة عوامل، من أبرزها: أن الأدباء الفلسطينيين هناك لا يعانون مجريات الانتفاضة عبر نشرات الأخبار وتعليقات الصحافة، بل يعيشونها واقعاً حياً وممارسة يومية، ينغمسون فيها، ويشارك بعضهم في صنع حركيتها، عبر ممارسة النضال والتحدي، وعبر الإصرار على استمرارية هذا التحدي، على الرغم من احتمالات التعرض للاعتقال والسجن والإقامة الجبرية وتكسير العظام، وحتى احتمال التعرض لمواجهة الموت.

وهذا يعني أن ما كتبوه عنها لم يكن ترفاً إبداعياً أو مجرد تعبير عن التزامهم بقضايا وطنهم وشعبهم فحسب؛ بل كان، إضافة لمحاولتهم تأكيد هذا الالتزام، تعبيراً عن معاناة مباشرة، وعن تجربة حياتية صعبة يخوضونها صباح مساء، وهم يجسدون التزامهم ممارسة، على أرض الواقع قبل أن يجسدوه منطلقاً ورؤية، في نسيج إبداعاتهم الأدبية ومضمونها...

 

(4)

وضمن هذه البقعة الجغرافية الملتهبة بالحدث المتفجر، ووسط دوامة الفعل ورد الفعل اليومية، ليس كالشعر فنّ قادر على رسم صورة الانفعال الآني، وعلى التوتر بأنات الوجع وامتدادات الصراخ وترجيعاتها، وليس كمثله قدرة على نقل رؤيا القادم المأمول في ذروة الإحساس بالنزيف وآلام الجراح.. وإلى حدّ ما، يمتلك البناء الفني للقصة القصيرة بعض قدرة البناء الفني للقصيدة الشعرية، على التفاعل مع الحدث الآني، والنبض بتوتراته العنيفة.. وهذا يعني أن كلا هذين النوعين الأدبيين قادر- مع ملاحظة أن الشعر أكثر قدرة- على إيصال الشحنة الانفعالية الآنية بالحدث، من ذات المبدع إلى القارئ، وهي ما تزال محتفظة بعد، بقدر كبير من حرارتها... وهذه القدرة، تعد بين أبرز ما يفسر إمكانية مواكبة القصة القصيرة لسيرورة الأحداث وتطوراتها، بخلاف الرواية التي لا تتاح لها مثل هذه الإمكانية إلا نادراً.

وبالطبع لا تعني النظرة السابقة لفن القصة القصيرة على افتراض صوابيتها -طغيان انفعالية الشعر ونبرته الحماسية العالية، والمباشرة غالباً، على ماصدر من قصص قصيرة، داخل الوطن المحتل، في زمن الانتفاضة. ذلك أن القصة القصيرة -في معظم نماذجها- بقدر ما تقترب من الشعر في قدرته على التفاعل السريع مع الحدث الآني، بقدر ما تقترب، وفي ذات الوقت، من فن الرواية، في امتلاك بعض قدرته على تعميق الحدث ومحاولة تحليل عدد من دوافعه وأهدافه ونتائجه بشيء من البرود الموضوعي.. وهذا ما يجعل القصة القصيرة- إذا صح التصور- فناً وسطاً بين انفعالية الشعر، بحرارة تعبيره العاطفي المتوتر وبين عمق الرواية، بأسلوب معالجتها الموضوعي الهادئ.

(5)

وبعد، قد يكون من الضروري الإشارة ولو بلمحة سريعة إلى الدافع الذي حدا بالباحث للقيام بهذه الدراسة؛ وإلى مصدر مادتها، والنهج الذي اتبعه في بحث هذه المادة؛ وأخيراً إلى أقسام الدراسة.

بالنسبة للدافع، يمكن القول: إن اختيار قصص الانتفاضة -إذا جاز الاصطلاح- موضوعاً للدراسة كان بالدرجة الأولى- وليد الرغبة في المساهمة بإلقاء بعض الضوء على ما أحدثته استمرارية فعاليات الانتفاضة من تأثيرات، في حقل صغير  من مساحة الإنتاج الأدبي، داخل فلسطين المحتلة، هو حقل القصة القصيرة... وذلك انطلاقاً من الاعتقاد بأن تأثير هذه الثورة في مجالي الأدب والثقافة، على الصعيدين الفلسطيني والإسرائيلي، لم يكن أقل قوة وأهمية من تأثيراتها في المجالات الحياتية الأخرى...

ونظراً لعدم تمكن الباحث من الحصول على جميع ما نشر من قصص قصيرة في فلسطين المحتلة، زمن الانتفاضة، بسبب عدم توفر الغالبية العظمى من مصادرها بين يديه، في فترة إعداده لهذه الدراسة، أي بسبب عدم توفر معظم الصحف والمجلات التي نشرت فيها تلك القصص، فقد اضطر بالتالي إلى بناء دراسته على ما توفر له منها، منشوراً في مصدر واحد فقط، هو صحيفة الاتحاد اليومية التي تصدر في حيفا العربية المحتلة.. ذلك أن هذه الصحيفة هي الوحيدة التي وجدها الباحث، بين يديه، تهتم بنشر نماذج من الشعر والقصة القصيرة الفلسطينية، بين جملة ما يرد إلى مؤسسة الأرض للدراسات الفلسطينية بدمشق من صحف عربية، تصدر في فلسطين المحتلة...

ولإدراك الباحث مدى ما يعتور مصادر دراسته من نقص فقد حرص، في البحث والتقييم على تجنب إطلاق الأحكام التعميمية، كما تجنب تأكيد الكثير من هذه الأحكام أو إعطاءها صفة الشمولية..... هذا من جهة؛ ومن جهة أخرى ألزم نفسه بعدم الخروج عن مضمون ما توفر له من القصص، على الرغم مما تثيره طبيعة البحث وموضوعه من إغراءات التوسع والاستطراد إلى ما لم تأت تلك القصص على ذكره من موضوعات وقضايا تتعلق بالانتفاضة...

أما المنهج الذي تمت به دراسة القصص ومعالجتها، فيمكن توصيفه بأنه منهج يراوح بين عرض الخطوط الرئيسة لمضون القصة وسيرورة الأحداث فيها، وبين محاولة تحليل هذا المضون، وتحليل أبعاد الشخصيات، تحليلاً يستند بالدرجة الأولى على مقارنة المعطى القصصي بمصدره الأصل، أي بالمعطى الحدثي الحقيقي، علىأرض الواقع...

وبالنسبة لأبرز مشتملات هذه الدراسة فيمكن القول: إنها تنقسم في هيكلها العام إلى مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة.

يمكن توصيف الفصل الأول بأنه محاولة لقراءة ما طرحه مؤلفو القصص القصيرة، الداخلة في هذه الدراسة، كأسباب أدى تراكمها على مدى عشرين سنة من الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة، إلى انطلاقة الانتفاضة...

أما الفصل الثاني: فهو محاولة أيضاً لاستجلاء أبرز ما تصوره مؤلفو تلك القصص من مبادئ وأهداف لهذه الثورة يمكن لمجموعها أن يشكل ما يجوز تسميته بـ (رسالة الانتفاضة).

وأما الفصل الثالث والأخير فلا يعدو كونه إضاءة متواضعة لأبرز ملامح بطل الانتفاضة، طفلاً وشاباً وامرأة وشعباً، كما تبدو على صفحة منجزاته والمتغيرات التي أدت إليها نتائج استمرارية ثورته منذ انطلاقتها.

ثم تأتي الخاتمة لتلقي ضوءاً سريعاً على فنية القصص المدروسة، ومدى ما أصابه مؤلفوها من نجاح، في تعاملهم مع موضوع الانتفاضة، وفي قدرة ما كتبوه على التأثير في قارئهم.

(6)

وأخيراً، لا يسع الباحث سوى التقدم بالشكر الجزيل إلى مؤسسة الأرض للدراسات الفلسطينية بدمشق، ممثلة بإدراتها التي أتاحت له إمكانية الاطلاع على أعداد صحيفة (الاتحاد)، المصدر الوحيد للقصص التي بحثها، راجياً لهذه المؤسسة دوام التطور والتقدم والعطاء...

(7)

وفي الختام، أرجو أن أكون قد قدمت بعملي هذا كتاباً للمكتبة العربية، وأبقيت ذكرى متواضعة لثورة عظيمة، وأرسلت تحية حب وتقدير وامتنان لكل يد ألقت حجراً على جندي احتلال من أجل أن يبزغ فجر عزّ عربي جديد على أرض عربية حرّة؛ والله من وراء القصد، إليه أهبُ عملي هذا، ومنه أرجو القبول والثناء..

محمد توفيق الصواف دمشق في 1990

  

 

الفصل الأول "التراكم يولد الانفجار"

"قراءة أسباب الانتفاضة في قصص الوطن المحتل" 

 

الانتفاضة بين

عفوية انطلاقتها وحتمية حدودها

 

ثمة من يرى أن انطلاقة الانتفاضة كانت عفوية، لم يخطط لها أحد، بل حدثت مصادفة... لكن، وعلى افتراض صحة هذه الرؤية،يظل من غير الجائز تعميم توصيف (العفوية) على جميع مراحل ثورة بحجم الانتفاضة، وزخم فعالياتها، وشموليتها، وقدرتها على الاستمرار لأكثر من عامين.. ذلك أن إطلاق تعميم كهذا ينطوي على قدر كبير من التبسيطية، وربما يعد خاطئاً، إلى حد كبير، لعدم انسجامه مع كثير من معطيات الواقع وحقائقه... وبالتالي، فإذا كان ثمة ما يمكن توصيفه بالعفوية، من مراحل الانتفاضة، فهو انطلاقتها حصراً.. وقد لا يوجد من يعترض على هذا التقييم، حتى بين الإسرائيليين أنفسهم...

وهنا يبرز سؤال هل يعني القبول باطلاق صفة العفوية على انطلاقة الانتفاضة، عدم توقع حدوثها، أو نفياً لحتميتها...؟

بالطبع لا.. فهذه الانطلاقة، حسب الكثير من الشواهد والوقائع التي سبقتها، كانت متوقعة ومرتقبة، من الفلسطينيين والإسرائيليين، على حد سواء، وذلك بوصفها الذروة الحتمية التي لا بد أن يبلغها تطور الصراع، بين سلطات الاحتلال الإسرائيلي، وبين العرب الفلسطينيين، في الضفة الغربية وقطاع غزة الرافضين لاستمرار وجود هذا الاحتلال فوق أراضيهم، ولممارسات سياسة القمع التي ينتهجها ضدهم...

وعلى هذا، فإن انطلاقة الانتفاضة، حتى وإن صح توصيفها بالعفوية، لم تولد من فراغ سياسي، بل كانت بداية لمرحلة صراعية جديدة، حتمية ومرتقبة.. فقد شكل تراكم سلبيات سياسة الاضطهاد العنصري الإسرائيلية، ونتائج ممارساتها القمعية، ضد الفلسطينيين في الأراضي العربية المحتلة منذ عام 1967، جملة الأسباب القوية التي تضافر مجموعها في النهاية، ليوصل الإنسان الفلسطيني إلى مرحلة نفاد الصبر، والتهيؤ، بالتالي، لتحويل عمليات مقاومته الضيقة إلى ثورة شعبية شاملة، مستعد لتفجيرها، في أي لحظة، ولأي سبب من الأسباب التي ربما كانت تبدو له فيما مضى، بسيطة، ومن الممكن احتمالها..

وهذا ما حدث في الواقع.. فبعد أكثر من عشرين سنة، انتقلت استعدادات الفلسطينيين، في الأراضي العربية المحتلة، لخوض ثورة تحريرية شاملة، من حالة الكمون إلى حالة الفعل، بسبب حادث لايمكن اعتباره غير مألوف، حين يقارن بتلك السلسلة الطويلة من ممارسات الاحتلال الإسرائيلي العدوانية... ولكن اللحظة التي حدث فيها، كانت لحظة نفاد الصبر الفلسطيني على احتمال المزيد من القهر والاضطهاد، فانفجر بركان الغضب الكامن، واندلعت الثورة... وعلى هذا، لم يتعد دور ذلك الحادث (المألوف) كونه مفجراً للثورة المتوفر لها كل ما يحتاجه انفجارها من أسباب وحوافز، ومن شروط ملائمة.. وهذا يعني أن الانفجار كان حتمي الحدوث، سواء كان السبب إقدام سيارة إسرائيلية على دهس أربعة من العمال العرب، في غزة، قصداً، أو كان السبب أي حادث آخر، أقل أهمية ووحشية أو أكثر... تماماً كالشرارة التي تصنع حريقاً.. لا يهم إن كانت ضئيلة الحجم أو كبيرة، كما لا يهم إن كان الذي قدحها يقصد إلى اشعال الحريق أولا يقصد، بل المهم أن سقوطها قد صادف هشيماً قابلاً للاشتعال، وريحاً مواتية يمكن أن تزيد ضرامه، فهذان العاملان هما اللذان أقدراها، بالدرجة الأولى، على صنع الحريق، ولولا توفرهما، لماتت نارها وانطفأت بعيد ثوان من انقداحها..

ويقود تحليل مضامين بعض القصص التي ألفت، داخل الوطن المحتل، عن الانتفاضة، إلى امكانية الزعم بأن مؤلفيها، قد أدركوا عمق الصلة بين ممارسات السياسة الاضطهادية التي نهجها الاحتلال الاسرائيلي/ وما يزال، ضد العرب في الوطن المحتل، وبين حتمية انطلاقة الانتفاضة الفلسطينية، وتحولها إلى ثورة شعبية شاملة، ضد نتائج تلك السياسة العدوانية، وضد الأساليب العنصرية الوحشية التي تنفذ بها... لقد أدركوا أن تلك الثورة العارمة كانت، بالدرجة الأولى، وليدة تراكم سلبيات تلك النتائج والأساليب، على مختلف صعد الحياة التي أكره الإنسان الفلسطيني على أن يحياها في ظل هيمنة استعمار استيطاني لا يرحم... "فالتراكم يولد الانفجار"، كما يقول القاص نبيل عودة، في قصته (الحاجز)

ففي هذه القصة القصيرة الرائعة التي تعدّ من بواكير النتاج الأدبي الذي استلهم أحداث الانتفاضة، حسبما يستدل من تاريخي كتابتها ونشرها( )، وأثناء جولان مؤلفها في العقل الباطن لبطلها -الطبيب الشاب أحمد، نلاحظ شروع الأديب الفلسطيني في تلك المحاولة التساؤلية الشاقة والمعقدة.. شروعه في رحلة البحث عن أسباب الثورة العارمة التي انتظر وشعبه ميلادها، منذ عشرين سنة..

ومن الخطوة الأولى، في مسيرة هذه الرحلة، يتجنب نبيل عودة تأكيد الايحاء بعفوية انطلاقة الانتفاضة، هذا الايحاء الذي يثيره في الوهم، حادث الإعتداء الاستفزازي الذي قام به جنود الاحتلال الإسرائيلي ضد مجموعة من تلاميذ المدارس في مخيم (جباليا) بقطاع غزة، صباح يوم التاسع من شهر كانون الأول عام 1987، خرجوا يرجمون السيارات الإسرائيلية بالحجارة، تعبيراً عن احتجاجهم على حادث الشاحنة الإسرائيلية التي دهست، قصداً، في اليوم السابق، عدداً من العمال العرب، على مفرق جباليا -بيت حانون، وأودت بحياة أربعة منهم على الفور، في حين جرحت سبعة آخرين، على مرأى من عشرات العمال والأهالي العرب الذين كانوا متجمعين عند المفرق نفسه.. فقد هاجم جنود الاحتلال التلاميذ العرب بوحشية، وحين لم تفلح هذه الوحشية في تفريقهم، أطلق قائد القوة العسكرية الإسرائيلية الرصاص على التلاميذ الذين طوقوا عساكره، فقتل شاباً صغيراً، وجرح ستة عشر آخرين، استشهد أحدهم، بعد نقله إلى المستشفى.. وحين هرع سكان المخيم جميعاً، غاضبين، ليحملوا جثمان الشهيدين من المستشفى، في موكب ضخم، ردت قوات الاحتلال باطلاق الرصاص المطاطي وقنابل الغاز المسيل للدموع عليهم، ثم فرضت نظام حظر التجول.. وكان هذا إيذاناً بإنطلاق شرارة الانتفاضة التي امتد لهيبها من غزة إلى الضفة الغربية فالقدس....( )

لقد أدرك نبيل عودة، وبعمق أن حادث الاعتداء على التلاميذ بكل ما فيه من وحشية وإثارة للاستفزاز، ما كان بقدرته أن يصنع، وحده، ثورة شاملة وعظيمة كالانتفاضة، لو لم يكن المناخ مهيأً لاستقبال شرارة انطلاقتها.. وإذاً فالذي صنعها ووفر لها امكانية الاستمرار، كان تراكم الحوادث المشابهة، على مدى عشرين سنة.. "والمؤكد أيضاً أن انفجار التلاميذ سببه ليس الاستفزاز الوقح الجديد.. إنما هي سلسلة متواصلة من الاهانات اليومية المتكررة..( )

وكالباحث الموضوعي الذي يؤيد نتائج بحثه ويدعمها بالشواهد والوثائق، يقدم نبيل عودة نماذج من تلك الاهانات، ومن صور الممارسات القاسية الأخرى التي عاناها شعبه، في ظل الاحتلال الإسرائيلي، والتي تحولت إلى ضغوط أدى تراكمها، في النهاية، إلى انفجار الانتفاضة... "أن تعيش تحت طقطقة الأعقاب الوحشية، أن تعيش طفولتك وشبابك أمام حواجز الجند ونظراتهم الحاقدة.. أن تبلع كل يوم مرارة انتظار الفرج الذي لا يبدو أنه قريب.. أن تعيش حالماً بالفرج الإنساني، بينما واقعك مليء بالترقب المقيت لرصاصة من فوهة بندقية يحملها جندي ما، كل ذلك يتجمع لينفجر في لحظة ما بعنفوان لاضابط له..( )

نعم، إن د يمومة الإرهاب، وكابوس التهديد الدائم، والاذلال العنصري المتواصل للكرامة، مع ما يصاحبه من نظرات استعلاء وحقد واحتقار، على المستويين الشخصي والقومي، والخوف من قدوم الموت المجاني برصاصة لامبالية، دون أي مسوغ جرمي معقول، واليأس من قدوم الفرج دون تضحيات؛ كل هذا، وكثير غيره مما يشبهه، يتجمع، في النهاية، ليشكل منظومة الأسباب والعوامل التي تجعل الانفجار على استمرارية هذا الجو الكابوسي، حتمياً، لا مناص من حدوثه، مهما كانت العوائق والعقبات كثيرة وقوية، ومهما كان حجم التضحيات المحتملة كبيراً.. وذلك، متى بلغت القدرة على الاحتمال زباها... متى طفح كيل الصبر وفاض...

وإذا أضفنا إلى ذلك كله، الرفض الفلسطيني القاطع لوجود الاحتلال الإسرائيلي منذ حدوثه، بأي صورة كان، وأياً كانت سياسته وممارساته، لأدركنا أن الثورة قد تفجرت، أصلاً، من كينونة هذا الرفض نفسه، وجاءت ممارسات الاحتلال القمعية لتغذي عوامل انفجارها...

 

   

 

التمييز العنصري الصهيوني...

وتمظهراته الفاشية والطبقية

 

عرض مؤلفو قصص الانتفاضة، في الوطن المحتل، لموضوع التمييز العنصري الصهيوني، بوصفه المادة الخام الرئيسة التي تدخل في تركيب معظم دوافع سياسة الإرهاب الإسرائيلية، وما تخطط له هذه السياسة، وما تنتهجه من ممارسات الاضطهاد والقمع، ضد العرب في فلسطين المحتلة، على المستويين: القومي والطبقي... وربما لهذا، قلما نجدهم يعرضون لهذا الموضوع، كموضوع مستقل، أو يتخذونه محوراً وحيداً، يديرون حوله مادة مضمونهم القصصي.. ذلك أن التمييز العنصري الصهيوني، ضد أبناء شعبهم، قد استقر في وعيهم وتفكيرهم، بمختلف تمظهراته وصيغه وألوانه، كطابع نوعي مميز، تتسم به جميع ممارسات الإرهاب الإسرائيلي وأساليبه.. هذه الممارسات التي عدوها، في قصصهم، أسباباً وعوامل، غير مباشرة، أدى تراكمها إلى تأجيج دوافع الرفض العربي لاستمرار الاحتلال، وإلى صنع حتمية الانتفاضة.

وفي الواقع، يقود استقراء ما أمكن الحصول عليه من قصص الانتفاضة؛ إلى رؤية ظلال التمييز العنصري وتأثيراته الدوافعية، تخيم على كل ما ذكره مؤلفو تلك القصص وساقوه كأسباب صنعت حتمية حدوث الانتفاضة.. فهذا التمييز كان أساس الدافع إلى اضطهاد الفلسطينيين قومياً وطبقياً.. كان وراء اعتقال حرياتهم وزجهم في السجون ظلماً، ووراء التفكير والتخطيط الدائم لاقتلاعهم من أراضيهم المحتلة، والعمل على ترحيلهم وابعادهم، جماعياً وفردياً.. كما كان وراء ممارسة أعمال القتل الوحشية ضدهم، جماعات وأفراداً أيضاً.. هذا، فضلاً عن كون ذلك التمييز وراء استغلالهم طبقياً، ووراء حرمانهم من أبسط حقوقهم الإنسانية، كحق تقرير المصير، والعيش بكرامة واطمئنان، والتعبير عن آرائهم وما يعتقدون بحرية، وحصولهم على ما لا غنى عنه للإنسان من خدمات تعليمية وصحية.. وغيرها..

فقط، قصة واحدة، بين المتوفر من قصص الانتفاضة، تناول مؤلفها التمييز العنصري الصهيوني بشكل مباشر، واتخذ منه محوراً رئيساً أدار حوله جل المادة المضمونية لقصته، محاولاً، عبر إضاءة بعض تمظهرات هذا التمييز، على صعيد الممارسة، بيان تأثيرها السببي في تأجيج كوامن ثورة التمييز.. وهذه القصة هي: (طبق الحلوى)( ) للقاص الفلسطيني مصطفى مرار.

ففي هذه القصة، حاول مراراً، في بدايتها، رصد تموجات نبرة الاستعلاء الفاشي، في تلافيف تركيبة النفسية الصهيونية العنصرية للاسرائيليين، مستوطنين وقادة، من خلال رجل القضاء العسكري (روني) وزجته (باتيا).. ولكن ترجيع هذه النبرة لا يستمر، حتى نهاية القصة، صدى لعزف منفرد على وتر الاحتجاج الفلسطيني ضد تمظهرات التمييز العنصري الصهيوني الفاشية، فقط، بل يمتد إلى تمظهراته الطبقية، أيضاً..

وبتعبير أكثر تفصيلاً، انطلق مراراً من قناعته العميقة بأن تلك التمظهرات، بلونيها الفاشي والطبقي، ما هي إلا نتاج أيديولوجية واحدة ومتكاملة؛ وأن هذين اللونين، لدى النظر إليهما علىضوء معاناة الإنسان الفلسطيني لهما، يبدوان وجهين لجوهر تلك الأيديولوجية التي ترسم نهج سياسة المحتل الإسرائيلي، تجاه ذلك الإنسان... وبالتالي، لا يمكن الفصل بين هذين الوجهين، لا على صعيد النظرية ولا على صعيد التطبيق، إلا بتحطيم ذلك الجوهر المعشق بينهما أولاً.. أي بمنع الايديولوجية الصهيونية من الاستمرار في تجسيد منطلقاتها وأهدافها العنصرية، عبر سياسة الحصار والاضطهاد التي ينتهجها المحتل الإسرائيلي، مطوقاً بممارساتها اليومية الباهظة مختلف مجالات حياة الفلسطيني، الثقافية والسياسية والاقتصادية والنفسية... وغيرها..

وبالفعل، ينجح مرار في إيصال شيفرة قناعته هذه إلى قارئه، على الرغم من أنه بثها في مضمون قصته، بشكل غير مباشر.. ذلك أنه عمد إلى عرض صورة الممارسات العنصرية، على المستوى الفاشي، متداخلة بصورتها، على المستوى الطبقي، تداخلاً عنصرياً وثيقاً، كي يقدم لقارئه، من تداخلهما، طبقاً من الحلوى الشديدة المرارة، آملاً أن ينبه تذوقها وعي ذلك القارئ، وأن يحرك كوامن الثورة في نفسه، على استمرارية تلك الممارسات، أياً كان الثمن الذي ستكلفه ثورته عليها..

تبدأ القصة باستعراض انتقائي لبعض وقائع "حفلة صاخبة في قاعة المحاضرات الكبرى، في مبنى البلدية؛ أقيمت لتكريم الإرهابيين القدماء وأبناء عائلاتهم.( ) وبدهي، في جو حفلة، كل حضورها من الإرهابيين، أن تسيطر أحاديث الاستعلاء العنصري، وما يمازجها، عادة، من مزايدات التباهي والتبجح، كل بما اقترفت يداه من جرائم.. وبالفعل و"من خلال كؤوس الراح"( ) يتبادل أولئك الإرهابيون" كل ما حوشوا من الأحاديث والذكريات عن الحروب، والانتصارات، والتوسع، و"الحدود الآمنة"، و"الشطحيم"*، وعن التقتيل والتشريد وعن الصراصير، وعن "عماليق"**  العصر الذين تجب إبادتهم، والتخلص منهم، ومن ذكرهم، إلى الأبد( )

ومن خلال التقديم بهذه الأحاديث المفعمة بنبرة الاستعلاء العنصري، يحاول مصطفى مرار الدخول إلى صلب الموضوع الذي اختاره محوراً رئيساً ووحيداً لمضمون قصته.. فنراه يبدأ بعرض بعض ملامح صورة العربي الفلسطيني كما  تراه عينا عدوه الإسرائيلي، من خلال عدسات التركيبة العنصرية لنفسية هذا العدو المريضة..

ومن الملفت للانتباه، أن مرار، وقبل شروعه بعرض ما شوهته النظرة العنصرية لبطل قصته الإسرائيلي (روني) من ملامح الإنسان الفلسطيني، يحاول إطلاق هذه النظرة من إسار محدوديتها الفردية، ليجعلها نظرة ذات طابع شمولي عام، يمارسها معظم الإسرائيليين، من مدنيين وعسكريينن على حدٍّ سواء...

وربما لكي ينجح مرار في محاولته هذه، وليدخل نتيجتها في قناعة قارئه، نراه يختار من بين نماذج الشخصيات التي يكوّن مجموعها قوام التجمع الاستيطاني الصهيوني، في فلسطين المحتلة، شخصية عسكرية ذات وزن ونفوذ، في المؤسسة الإسرائيلية الحاكمة، لتقوم بعرض ما شوهه الحقد العنصري من ملامح الإنسان الفلسطيني .. فـ (روني)، صاحب هذه الشخصية، هو أحد أولئك الإرهابيين الصهاينة القدامى الذين تمّ (تكريمهم) في تلك الحفلة التي حضرها برفقة زوجته (باتيا) كما ورد في بداية القصة.. وهو، إضافة إلى هذه الصفة المميزة، لم يتقاعد بعد عن ممارسة ساديته العنصرية ضد العرب، بل ما زال على تماس يومي مباشر معهم، بحكم المنصب القضائي الكبير الذي يشغله، بوصفه (شاهداً رئيساً)، في إحدى المحاكم العسكرية الإسرائيلية المبثوثه في الأراضي المحتلة.. وبالتالي ما زال لقراره وزن كبير في تحديد نوعية الأحكام التي تصدرها تلك المحاكم، على العرب هناك...

وعلى هذا، تعد شخصية (روني) ببعديها السابقين، رمزاً واضح الدلالة على القيادة الإسرائيلية التي اختارته ليجسد سياستها في أحكامه الجائرة التي يصدرها على من يقع في قبضته من العرب. وبالتالي، يمكن القول: إن ما جرى على لسانه، في سياق القصة، من توصيفات عنصرية للعرب، لا يعبر عن موقفه الشخصي منهم فحسب، بل يعبر عن موقف قيادته الحاكمة ككل.. وهذا، إذ صح التوهم، ما أراد مرار الايحاء به لقارئ قصته، بشكل غير مباشر...

وكما وفق مرار في بناء الشخصية الرئيسة، في قصته، وفق أيضاً في اختيار المناسبة الحدثية التي هيأها لصاحب هذه الشخصية، كي يعبر عن نظرته العنصرية ضد الفلسطينيين.. فعقب خروج (روني) وزجته (باتيا) من حفلة (تكريم) الإرهابيين، راحت (باتيا) تكيل الثناء لزوجها ورفاقه ممن حضروا تلك الحفلة، وتبدي إعجابها الشديد بما دار بينهم من أحاديث، وخصوصاً حديثهم //عن النية في التخلص من بقايا العماليق الجدد//( ) أي العرب الفلسطينيين، مما جعل (روني) ينتفخ كبراً وغروراً، حتى كاد يفقع،( )وهو يؤكد لها: ولسوف نفعل يا "باتيا". نحن أقوياء، والأحزاب في قبضتنا.( ) وهنا، وفي ذروة انتفاخه بالغرور، فاجأته زوجته المعجبة، برغبتها في مصاحبته إلى الأراضي العربية المحتلة، لتمتع عينيها برؤيته وهو يجول ويصول، في المحكمة هناك، ويمارس اضطهاده للعرب في الأحكام الجائرة التي يساهم في استصدارها بحقهم.. "فخذني، معك، غداً إلى المحكمة.. خذني إلى الـ"شطحيم*"...( )

وكمن لدغته عقرب، أو أصيب، فجأة، بصعقة تيار كهربائي، ارتعدت فرائص.. "روني"( ) إثر سماعه رغبة زوجته.. وهنا، تدخل مرار، في الوقت المناسب، لينجح نجاحاً مدهشاً، في نقل قارئه من السياق العام للحدث القصصي إلى عالم لا وعي (روني)، ليضيء، من خلال تعليل سبب الاضطراب المفاجئ الذي اعترى هذا الشخص، في تلك اللحظة، حقيقة ما يحاول تمويهه وإخفاءه بوهم تظاهره الدعائي بـ (السوبرمانية) المزيفة أمام زوجته...

لقد رصد مرار لحظة تداعي ذلك الوهم، بكل ماتموج به صورته، من مظاهر الغرور والخيلاء الكاذبة، ليرى القارئ، بوضوح، كم هو كبير حجم تلك المفارقة بين المظهر (السوبرماني) الزائف الذي تزعمه الدعاية الصهيونية لشخصية العسكري الإسرائيلي، وبين حقيقة هذه الشخصية، في الواقع، تلك الحقيقة التي تبدو، من خلالها، شخصية ضعيفة، هلامية وهشة، إلى حد بعيد، ترتعد فرائص صاحبها، وتتبخر مزاعم (قوته) الخرافية/ فجأة، ودفعة واحدة، لمجرد مرور صورة ممارسات البطولة الحقيقية لعدوه الفلسطيني، في خاطره.. ناهيك عما يمكن أن يصاب به، إذا ما التقى هذا العدو وجهاً لوجه..

لهذا، ارتعدت فرائص"روني" فهو تصور نفسه هناك وأن "محِّبيل"** قد خرج عليه، من زاوية أحد الأزقة.. فهو كان "هناك" بالأمس فعلاً وهو "نفد من تحت الخوصة. حيث طعن زميل له من "الهاغا"***  أمام عينيه، ولولا أنه "ذكي ورميح" فلربما لم يعد إلى "باتيا"..( )

ولكن، ولأن زوجته؛ شأن غيرها من يهود إسرائيل المضللين بأوهام (القوة) الخرافية التي يزعم قادتهم العسكريون امتلاكها، لم تدرك سبب التحول المفاجئ الذي طرأ على زوجها، وبالتالي؛ صعقها  ما رأته "من تغير لونه" وهمود حركته"( ) فسألته بعفوية نابعة من احساسها بتلك المفاجأة "ما بك يا حبيبي؟"( )

وهنا، كان على "روني" أن يسارع جاهداً لاخفاء ما بدا عليه من علائم الذعر المفاجئ أمام زوجته، وبأي ثمن... وشأن كل مدّع يجد حقيقته البائسة التي جهد عمره للظهور بمظهر يناقضها، وقد صارت على وشك الانفضاح، عمد (روني) إلى التهوين من شأن عدوه، إلى أقصى ما يستطيع، في محاولة لايهام زوجته بـ (تفاهة) ما ترغب رؤيته، عسى أن تنجح هذه المحاولة في ثنيها عن رغبتها بمرافقته إلى الأراضي العربية المحتلة.. تلك المرافقة التي من المحتل أن يتعرض لخطر الانفضاح، خلالها، كل ما جهد لإخفائه من الحقائق عن زوجته التي ما تزال مخدرة بأوهام (بطولته) الزائفة..

وفي حمى هذه المحاولة التي تسعى إلى الحيلولة دون انفضاح الحقيقة المخزية بتسميك طبقة الكذب فوقها، كان بدهياً أن تفيض مشاعر (روني) الحقيقية تجاه العرب الفلسطينيين، كلمات حاقدة مستهزئة، تجري على لسانه، مضيئة تركيبة نفسيته العنصرية المريضة، ومبدية إياها، كأوضح ما تكون  وذلك، من خلال الصورة المنفرة التي راح يرسمها لأولئك العرب أمام ناظري زوجته: "ولكن، ما لك أنت و"الشطحيم".؟ افتحي التلفزيون، أو فقومي بجولة في المدينة: وسوف ترينهم في ألف صورة، يكنسون الشوارع ويغسلون السيارات ويحفرون لأنابيب الصرف. أم تراك تريدي* أن تشمي رائحة عرقهم؟ إن هم إلا صراصير منتنة!"( )

ولا شك أن تحليل جزئيات هذه الصورة وأبعادها، ينضي افتراض الخطأ في توصيفها، بأنها صورة (نمطية sterortype)، يفصح تشكيلها ينفي، بوضوح، عن حقيقة الموقف الصهيوني العنصري، بشكل عام، تجاه الإنسان الفلسطيني.. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، يضيء نسيج هذا التشكيل، مدى تداخل عقدة التفوق الفاشي "إن هم إلا صراصير منتنة"، بعقدة الاستعلاء الطبقي" يكنسون الشوراع ويغسلون السيارات.."، في بنية النفسية العنصرية للإسرائيلي، سياسياً كان أو عسكرياً، أو حتى مجرد مستوطن عادي..

ونلاحظ في نهاية القصة، أن مؤلفها ينجح في إيصال هذا التداخل بين العقدتين، إلى أقصاها.. وذلك/ أثناء تقديم (روني) طبق الحلوى، الذي وعد به زوجته، إثر نجاحها في حمله على القبول باصطحابها معه إلى الأراضي العربية المحتلة.. ففي هذا الطبق -الذي وصفه شهياً، قبل تقديمه لها: "وإنه لطبق لم تذوقي مثله عمرك!"( ) -يتمازج الفاشي بالطبقي تمازجاً تاماً، يصعب معه فصل أحدهما عن الآخر...

ذلك أن (حلاوة) ما يحويه هذا الطبق، تتأتى عبر التسلية العنصرية الفظة والسمجة التي يتمتع بها الزوجان (روني وباتيا)، أثناء وجودهما، في ما أسماه مؤلف القصة "عكاظ العبيد" الذي يقام كل صباح "على أطراف المدينة الحدودية المحتلة، وعلى بعد خمس دقائق من كفارسابا"( )** ففي "عكاظ العبيد" ذاك، ثمة سوق يتجمع فيها العرب الذين سُدّت أبواب العمل في وجوههم، جراء سياسة الحصار الاقتصادي التي فرضتها سلطات الاحتلال الإسرائيلي، على مناطقهم، وحولتهم، بسببها، إلى عاطلين عن العمل، لاخيار لهم، من أجل تحصيل لقمة العيش، سوى تقديم عضلاتهم رخيصة( )، على أعتاب (السادة اليهود) الذين (يأنفون) من مزاولة ما يضطرون العرب إليه من أعمال، بل (يأنفون) حتى من النظر إلى العاملين( ) في تلك الأعمال.. وبالطبع، لم يكن هدف (روني) استئجار عضلات أيّ من العمال العرب، بل وهذا بيت القصيد، في القصة- كان يهدف إلى امتاع نفسه وزوجته بإطلاق العنان لنزواتهما العنصرية الحاقدة، ضد الإنسان الفلسطيني، ممثلاً بأولئك العمال... وذلك، من خلال التسلي الفظ باستغلال حاجة هذا الإنسان الماسة إلى العمل، أي عمل، يمكن أن يسكت بمردوده جوعه وجوع عياله.. فأثناء تلك التسلية اللاإنسانية، سيتاح لكليهما -كما هيأ لهما خيالهما العنصري- أن يتطلعا، بتلذذ مريض، إلى ما سطره الفقر على وجه هذا الإنسان، وفي عينيه وكلماته وحركاته، من ذل الحاجة إلى لقمة العيش، وأن يتشفيا به، وهو يرمي نفسه أمامهما، ويهدر (كرامته) على أعتابهما، كي يحصل على تلك اللقمة...

وقبل أن يشرع الزوجان (روني وباتيا) بممارسة هذه المتعة السادية، يشير(روني) إليها، وقد اقترب بسيارته من جمهرة العمال العرب الذين اقتعدوا طرفي الشارع، يأكلون، ثم يقول لها، مبتسماً "أولئك هم، يا "باتيا.. افتحي عينيك، وأذنيك، وسدي أنفك، وسيكون "طبق الحلوى" الذي وعدتك"( ).ثم -وبغرور مجنون العظمة يسوق سيارته حتى يحازي جمعهم... ثم يوقفها ليناديهم، موهماً إياهم بأنه يريد اصطحاب أحدهم ليؤدي له عملاً...

وهنا، يبرع مرار في نقل تلك الصورة المؤلمة والمثيرة معاً، والتي تحكي ما آل إليه حال الإنسان الفلسطيني، من وضع معيشي مزرٍ، ومن حالة إنسانية بائسة، في ظل الاحتلال الإسرائيلي الذي سرق أرض ذلك الإنسان، وحرمه من خيراتها جميعاً.. يقول مرار مصوراً: "القط، إذا يقفز مروعاً، لا ينثر ما بين يديه،لكنه يحمله، في فمه، ويبتعد. أما "العزاتي"* الذي يحلم بيوم، أو هو نصف يوم عمل، فحين هب لينطلق باتجاه سيارة الخواجا، فإنه قفز بيديه قبل قدميه "فتناثر كل ما ضمت "العقدة" فتات الخبز، أو حبات الزيتون" وقرون الفلفل... ( ) وما هي إلا لحظات، حتى كانت الأجساد تتدافع متزاحمة على جسم السيارة "لتقدم عضلاتها، رخيصة على أعتاب الخواجا".( )

وكان هذا، هو ما سعى (روني) إلى رؤيته... ولذلك، حين رآه يتحقق أمام ناظريه وناظري زوجته، أحس كلاهما، بقرب بلوغهما النشوة العنصرية، "ابتسم الخواجا روني راضياً، ودفع "كاتيا" بمرفقه، دفعاً هيناً، فابتسمت منتشية بما ترى..."( ) ثم بلغت هذه النشوة ذروتها أخيراً، وهما يستمعان متلذذين إلى المناقصة التي أقامها أولئك العمال، فيما بينهم، على ثمن عمل كل منهم... وحين وصلت تلك المناقصة التعسة بعروضها المطروحة أمام مجنون العظمة العنصري (روني) أسفل درك لها، شعر بأن عليه اسدال الستار على آخر فصل من فصول تسليته اللإنسانية. فداس على "البنزين" مخترقاً جمهرة الأجساد الجائعة التي سقط بعضها على الأرض( ). وهو ينظر بتقزز إلى من يعتبر العبث  بإنسانيتهم "مهمة... قومية"( )...!  أما زوجته فكانت" تستر أنفها خشية الرائحة و... العدوى!."( )

وبعد، فمن الممكن القول: إن مرار قد نجح، وإلى حد كبير، في عرض موضوع التمييز العنصري الذي مارسته إسرائيل، وما تزال، ضد العرب الفلسطينيين، في الوطن المحتل، بوصفه واحداً من أهم الأسباب التي أدى تراكم نتائجها السلبية، على مدى أكثر من عشرين سنة، إلى صنع حتمية انطلاقة الانتفاضة...

ومن خلال عرضه التمظهرات الفاشية لهذا التمييز متداخلة مع تمظهراته الطبقية، وقدرته على توظيف هذا التداخل، توظيفاً فنياً موفقاً، في بنية الحدث القصصي، وفي حركية الشخصيات الرئيسة الفاعلة في هذا الحدث، والموجهة لمساره، نجح مرار، أيضاً، في إقناع قارئه بما عرضه، وفي تحريك الكثير من كوامن الثورة في نفسه، ضد استمرارية هذا التمييز، بسائر تمظهراته وممارساته.

 

  

 

الإبعاد والطرد...

والتهديد بالترحيل الجماعي (الترانسفير)

 

بين أبرز ما عدّه مؤلفو القصة القصيرة، في الوطن المحتل، من أهم الأسباب التي زادت حجم رفض الفلسطينيين لاستمرارية وجود الاحتلال الإسرائيلي، فوق أراضيهم، والتي ساهم مجموعها في صنع حتمية انطلاقة الانتفاضة كتعبير عملي عن بلوغ رفض هذا الوجود حدّه الأقصى، اتساع نطاق عمليات الطرد والابعاد التي تمارسها السلطات الإسرائيلية، على المستويين الفردي والجماعي، بحق الفلسطينيين، في الأراضي العربية المحتلة.

ومن الملاحظ أن مؤلفي قصص الانتفاضة في الوطن المحتل، قد حاولوا الإيحاء لقارئهم بأن تزايد القلق الفلسطيني من اتساع نطاق عمليات الطرد والابعاد، ومساهمة هذا القلق في التعجيل بانطلاقة الانتفاضة، كان مبعثه، بالدرجة الأولى، تخوف الفلسطينيين من احتمال تطور هذه العمليات، في المستقبل، إلى محاولة إقدام إسرائيل على اقتراف جريمة ترحيلهم، بعيداً عن وطنهم، ترحيلاً جماعياً قسرياً..

ولعل مما زاد عوامل هذا التخوف، في نفوسهم، قوة، إمكانية صيرورة احتمال الترحيل الجماعي ممكناً... وذلك في أعقاب ارتفاع حرارة نبرة التهديد، بقرب تنفيذ هذه الجريمة، في تصريحات بعض المصابين بحمى الفاشية، من العنصريين الصهاينة، مستوطنين وقادة، على حد سواء... تلك التصريحات التي راحوا يهذون بها، داعين إلى ضرورة الإسراع في اقتلاع العرب الفلسطينيين من أراضيهم المحتلة، وافراغ هذه الأراضي منهم، بنفيهم خارجها، على نحو جماعي (كحل وحيد) للخلاص من وجودهم، وما يثيره استمرار هذا الوجود من مشكلات أبرزها، اصرارهم على رفض الاحتلال ومقاومتهم له...

وقبل الشروع في إضاءة الكيفية التي طرح موضوع الترحيل الجماعي، من خلالها، في قصص الوطن المحتل القصيرة، الصادرة زمن الانتفاضة، ربما من المفيد الاشارة إلى أن هذا الموضوع الذي درجت الأدبيات السياسية، على استخدام لفظ مصطلحه الانكليزي (ترانسفيرTrans-fer)، للدلالة عليه، قد تم طرحه، في تلك القصص، بوصفه واحداً من أكثر تمظهرات النزعة الفاشية، تطرفاً، في الفكر والسياسة الصهيونيين... وهو طرح صحيح إلى حد بعيد... لأسباب من أهمها:

أن الدعوة إلى الترانسفير تنبثق مباشرة، من الأرضية العنصرية للأيديولوجية الصهيونية التي تزعم (نقاء) اليهود عرقياً، على الرغم من اختلاف أجناسهم، وتعدد ألوانهم ولغاتهم وانتماءاتهم  الحضارية .. هذا من جهة ومن جهة أخرى تنبثق هذه الدعوة، أيضاً، من الطبيعة الخاصة للمشروع الصهيوني الاستعماري، بوصفه مشروعاً إستيطانياً إحلالياً، هدفه الأساس  هو إحلال شراذم اليهود وتجذيرهم، في الأرض العربية الفلسطينية، مكان سكانها الأصليين من العرب...

وتأسيساً على هذا، فإن الدعوة إلى إفراغ فلسطين من سكانها العرب، ليست جديدة، وإنما هي قديمة قدم الفكرة الصهيونية نفسها... ولاأدل على ذلك، من كثرة الإشارات إليها، في معظم كلاسيكيات الأدبيات الصهيونية سواء في المرحلة الجنينية لتكون الصهيونية كفكرة، أو في المرحلة التي تلتها، أي في مرحلة تبلور تلك الفكرة كحركة سياسية، سعت لتهجير يهود العالم، إلى فلسطين، وتجميعهم فيها، ( ) تحت شعار "فلسطين أرض بلا شعب، يجب أن تعطى لشعب لا أرض له"، الذي صاغه الصهيوني (يسرائيل زانغويل)..

فمن الواضح، أن الشق الأول من هذا الشعار -وهو الشق الأساس فيه- يتناقض مضمونه، تناقضاً صارخاً، مع جملة الحقائق الواقعية والتاريخية، لأرض فلسطين... وبالتالي، فإن طرحه كان يعني، ضمناً، إحداث تغيير جذري في هذه الحقائق، على المستوى الواقعي، بالدرجة الأولى... الأمر الذي يعني إفراغ تلك الأرض من سكانها الأصليين، بأي وسيلة وبأي ثمن... وذلك لتنسجم، واقعاً، مع مضمون ما يزعمه الشق الأول من الشعار الآنف... لأن تصييرها فارغة، يفتح أبواب الممكن أمام تحقيق شقه الثاني، من جهة، كما يوفر الغطاء الذرائعي الضروري لتسويغ ما يحتاجه تحقيقه من فعاليات وأنشطة، كالهجرة وإقامة المستوطنات وما شابه.

 ومن المعروف أن محاولات الصهيونية لافراغ فلسطين من عربها، قد حققت أول تعبير عملي لها، في عمليات شراء الأراضي من بعض كبار الإقطاعيين في فلسطين، ثم في إجلاء العرب عمّا اشتري منها، لتوطين الهيود المهاجرين فيها مكانهم... وقد ظلت محاولات الإفراغ، ضمن هذا المجال الضيق والمحدود، حتى عام 1948، حين تم تحقيق تجربة الترانسفير الأولى والأوسع، بطرد ألوف الفلسطينيين خارج وطنهم، طرداً جماعياً، عبر ممارسة أكثر ألوان الإرهاب تطرفاً...

ويبدو أن تجربة 1948 تلك، قد ظل تكرارها يدغدغ شهوات القيادات الإسرائيلية المتعاقبة، بعد حرب حزيران عام 1967... وقد صاغ المسؤولون، في تلك القيادات ذرائع شتى لتسويغ تكرارها.. وكان من أبرز تلك الذرائع، ما زعموه من ضرورات الحفاظ على ما أسموه "نقاء الدولة اليهودية"... هذا "النقاء الواجب تحقيقه)، ضمن أي حدود يمكن أن تصل إليها المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، ذات الأطماع التوسعية اللامحدوده، في أي وقت، تبدو فيه الجغرافيا السياسية الرخوة للأرض العربية قابلة للتراجع أمام حركية تلك الأطماع، واندفاعاتها العسكرية العدوانية...

ولكن، وعلى الرغم من كل ما انتهجته القيادات الإسرائيلية، من سياسات الاضطهاد ضد الفلسطينيين في الأراضي العربية المحتلة عام 1967، وما قامت به من ممارسات القمع والإرهاب، لم تفلح في تكرار تجربة 1948... ذلك أن العرب، في الضفة الغربية وقطاع غزة، كانوا أنضج وعياً ممن سبقهم؛ ولهذا، ظلوا مصرّين على بقائهم في وطنهم لا يبارحونه، مهما كان ثمن استمرار بقائهم فيه باهظاً. الأمر الذي عطل تحقيق الحلم الإسرائيلي بتكرار ترانسفير 1948، دون أن يلغي الأمل بإمكانية تحقيقه مستقبلاً.. وهذا ما يفسر، إلى حد بعيد، استمرار الدعوات الترانسفيرية قوية، في أوساط القوى السياسية المختلفة، في إسرائيل تلك الدعوات التي يعلو صراخها ويعنف، كلما تصاعدت درجة الرفض الفلسطيني لاستمرارية الاحتلال الإسرائيلي، وكلما عبر هذا الرفض عن نفسه بأي شكل من أشكال النضال والمقاومة..

ولما كانت الانتفاضة الحالية، تعد أعلى الذرى التي انتهى إليها النضال الفلسطيني المعبر عن رفض الاحتلال الإسرائيلي وممارساته، كان بدهياً أن يعلو صراخ الترانسيفيريين الصهاينة، على مختلف مستوياتهم وانتماءاتهم، مؤكدين، عبر ذلك الصراخ الهستيري، أن (الحل الأمثل والوحيد) للقضاء على الانتفاضة، قضاءً نهائياً مبرماً، هو ترحيل العرب الفلسطينيين من الضفة الغربية وغزة المحتلتين، بشكل جماعي، إلى أي مكان يرضى باستقبالهم..

وبعد، يمكننا أن نرى جزءاً لا بأس به مماسبق كله، في مرآة أكثر من نموذج قصصي، صدر داخل الوطن المحتل، في زمن الانتفاضة.. لكن أكثر هذه النماذج احتفالاً بموضوع الترانسفير، كان قصة قصيرة بعنوان (وتكون لنا راية)( ) للقاص الفلسطيني نبيه القاسم..

ففي هذه القصة، يشكل موضوع الترانسفير أحد محاورها الرئيسة، إن لم يكن محورها الأساس. أما الزاوية التي اختار نبيه القاسم الاطلال منها على هذا الموضوع، فهي تلك التي تكشف عن الدوافع العنصرية /العرقية الكامنة وراء اطلاق دعوات الترانسفير الإسرائيلية، وعن البعد الفاشي، تحديداً، لهذه الدعوات.. هذا البعد الذي يتمظهر، على أرض الواقع، بتلك السلسلة الطويلة، من الاهانات وممارسات الاذلال اليومية المرهقة التي يعانيها أبناء الشعب العربي الفلسطيني على أيدي سلطات الاحتلال الإسرائيلين والتي تعبر عن دوافعها العنصرية؛ بنظرات الاحتقار والاستعلاء، وبهذه المجموعة من الصفات التي يطلقها الإسرائيليون على العرب، والتي تتساوق، في دلالاتها، مع تلك النظرات، وما يصاحبها من ممارسات...

فالعرب -كما تبين القصة- (ليسوا بشراً) في نظر المحتلين الاسرائيليين، بل ليسوا حتى مجرد ( حيوانات) وإنما هم (أحط قدراً) بكثير.. إنهم (تجمع كبير من جنس تلك الحشرة الكريهة، الصرصار)!!!... ولأن وجود الصراصير مزعج، في أي مكان يتكاثرون فيه ويتجمعون، فإن التخلص منهم لا يبدو مستحباً فقط، بل ضرورياً...، أياً كانت الوسيلة القادرة على تحقيقه كهدف... سواء كانت هذه الوسيلة إبادة جماعية شاملة، أو كانت بديلتها الأخف جرمية، من حيث الظاهر، أي الترحيل الجماعي...

ومع أن التعطش لاهدار الدم العربي، يجعل الإسرائيليين -كما يستشف من القصة، وكما يؤكد تاريخهم الحافل بالمجازر الجماعية ضد العرب- أكثر تحبيذاً لاتباع الوسيلة الأولى، لأنها أكثر إرواءً لساديتهم العنصرية، نراهم يضطرون، لأسباب دولية وأخرى محلية، إلى تجنب القيام بحملات إبادة جماعية، وإلى تركيز جهودهم، في مجال محاولة أخرى، هو مجال خلق الأجواء والمناخات الملائمة، لتسويغ احتمال أقدامهم على ترحيل عرب الضفة الغربية وغزة ترحيلاً جماعياً، في المستقبل..

ومن مأزق حيرة الإسرائيليين، في الخيار بين وسيلتين لتنفيذ جريمة عنصرية، هي اجتثاث شعب بأكمله، من أرض وطنه، ومحاولة إلقائه خارجها، ينطلق خيال بطل القصة ليرسم، على نحو سريالي تقريباً، صورة عالم غريب، يدور فيه صراع بين جنرال إسرائيلي، ترمز ملامحه وتصرفاته للقيادة الاسرائيلية السياسية والعسكرية معاً،وبين عرب فلسطين المحتلة الواقعين في القبضة الاحتلالية، لتلك القيادة العنصرية، والذين لا يرتفعون، في نظرها، عن مستوى (الصراصير)..!!

والذي يقدح الشرارة المثيرة لخيال بطل القصة، كي يرسم تلك الصورة السريالية للصراع الفلسطيني -الإسرائيلي، تشبيه عنصري، يمر بخاطره، عبر سيالة ذكرياته مع حبيبته التي "بعد استماعها إلى تصريحات ذلك الجنرال الذي وصف العرب بالصراصير"( ) شاءت أن تطرح عليه السؤال الغريب التالي: "ماذا لو صرت صرصاراً تنتقل بحرية حيثما تشاء لا يوقفك جندي، ولا يجوس في داخلك أنبوب مطاطي يقربك من الموت؟.( ) فقد انطلق خيال بطل القصة من غرابة مضمون هذا السؤال، محلقاً في سماوات سخطه التي رفعتها رغبته في تحدي صائغ ذلك التشبيه العنصري -تشبيه العرب بالصراصير- ورغبته في ردّ كيده إلى نحره، ولو عبر الحلم الثائر... وهكذا، ومن خلال امتزاج السخط بالثورة وبرغبة الانتقام، راحت تتشكل على صفحة مخيلته الصورة السريالية التالية:

"رأى نفسه مع مئات آلاف العرب يتحولون إلى صراصير، وأخذت هذه المئات تتوالد بسرعة مذهلة حتى غدت، في وقت قصير، ملايين لا نهاية لتناسلها، وراحت تتسابق في اعتلاء بزة الجنرال، وتتجمع في حلقه مكتظة حتى بات من الصعب على الجنرال أن يحرك أي عضو من أعضائه، فلم يعد يرى شيئاً، وأخذ يصيح طالباً المساعدة، والصراصير ترقص فوق بزته العسكرية، وهو في حالة فزع لم يعرفها في حياته، حتى في أثناء وجوده في الجنوب اللبناني.( )

حسب القرينة المكانية، (الجنوب اللبناني)، الواردة في نهاية المقطع الآنف، ربما من الجائز التوهم بأن يكون الجنرال المعني في سياق هذا المقطع، هو (رفائيل إيتان) الذي شغل منصب رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، أثناء اجتياح هذا الجيش للبنان، في حزيران 1982، والمتهم بكونه أحد أبرز المخططين لمذبحة صبرا وشاتيلا المريعة: ولعل مما يرفع هذا التوهم إلى مستوى اليقين، أن ( ايتان)، وبعيد تلك المذبحة بقليل، تقدم للحكومة الإسرائيلية باقتراح يدعو فيه إلى تقسيم الأراضي العربية المحتلة وتقطيعها، بالمستوطنات اليهودية؛ وعندها، يصبح العرب، في أراضيهم، "كالصراصير المخدرة في قنينة"، على حد تعبيره العنصري الذي صاغه في تصريح علني أذيع على لسانه، آنذاك... ومن الملفت للانتباه، أن (ايتان) قد أطلق تصريحه الآنف، في فورة انفعال هستيرية، استولت عليه أثناء (انتفاضة التضامن) -كما دعيت في حينه- التي قام بها السكان العرب في فلسطين المحتلة، استنكاراً واحتجاجاً على مجزرة صبرا وشاتيلا..وهكذا، وعبر تشابه الظروف والأحداث والتصريحات الإسرائيلية العنصرية ضد العرب، في زمني (انتفاضة التضامن) عام 1982، والانتفاضة الحالية، شكّل خيال بطل القصة تلك الصورة السريالية لثورة المستضعفين المضطهدين، على من اضطهدهم، مستمداً معالمها وحركيتها الحديثة من معطيات واقع الصراع الدائر بين الطرفين على الأرض الفلسطينية المحتلة، ومؤكداً، من خلالها، يقينه بحتمية انتصار أولئك المستضعفين، في النهاية... وذلك، عبر رؤية نافذة لامكانيات القوة الكامنة في (ضعفهم) الظاهري، والغائبة عن عدوهم، إلى تلك الدرجة التي جعلته لا يرى فيهم، أمام غروره بقوته العسكرية، سوى (صراصير) ضعيفة، لا حول لها ولا قوة.

ومن هذه المفارقة بين القوة الكامنة للفلسطينيين وبين الضعف الذي توهمه فيهم عدوهم الإسرائيلي، حدثت صدمة المفاجأة التي أصيب بها هذا العدو، حين صحا يوم 9/12/1987، من الأوهام التي هيأتها له قوته الغرورة، ليجد من استضعفهم واستهان بهم يخرجون مصرين على تحديه وتحدي كل ما بحوزته من أسلحة وعسكر، وليشعر، وهو في ذروة مفاجأته، باحتمال انتصارهم عليه...

ومع استمرار التحدي وتصاعده، بدأ صراخ هذا العدو يعلو طالباً المساعدة، وداعياً إلى ضرروة التخلص من وجود الفلسطينيين المخيف، بترحيلهم جماعياً، خارج حدود أرضهم التي يحتلها... وذلك كحل (أمثل) يضع -كما توهم- حداً لثورتهم عليه ولتحديهم له... خصوصاً، بعد أن فشلت كل الحلول والمحاولات القمعية الأخرى، التي جربها، في وضع حد لتلك الثورة ولذلك التحدي العنيد...

وعند هذه النقطة، "تخيلا معاً- بطل القصة وحبيبته- ملايين الملايين من هذه الصراصير، وهي تحمل في شاحنات لاعدّ لها، توزعها على كل محطات العالم، وفي كل الموانئ تحقيقاً لرغبة نائب وزير كبير، وجد أن الحل الأمثل لتزايد السكان العرب ترحليهم في شاحنات كبيرة...( )

ولكن، حتى على المستوى التخييلي الذي ينطلق منه مؤلف القصة، في طرح افتراض نجاح العدو الإسرائيلي بتحقيق أهدافه الترانسفيرية، نراه يتجنب طرح احتمال أن يؤدي هذا النجاح المفترض، تخييلياً، إلى إنهاء قضية الإنسان الفلسطيني، إنهاءً كاملاً... ذلك أن المؤلف يعمد، وعلى المستوى التخييلي، أيضاً، إلى نقل هذه القضية من محلية إشكالياتها المحدودة، بوصفها قضية شرق أوسطية، ليجعل منها قضية دولية، تفرض نفسها على ساحة الاهتمام العالمي ككل: "قد يهتم بنا العالم يومها عندما يضايقهم وجودنا وتكاثرنا، فيعملون علىحل قضيتنا بإيجاد وطن مستقل لنا لا يقربنا فيه أحد.( )"... أو، وهذا احتمال آخر خطير، "قد يتفق الجميع على اختراع سلاح فتاك يقضي على وجودنا في هذا العالم، فيحلون بذلك القضية ويهدأ الجميع..."( )

وطرح مؤلف القصة لهذا الاحتمال، هو صياغة إيحائية لاتهامه المجتمع الدولي كله، بالتآمر على مصير الشعب العربي الفلسطيني وقضيته، سواء تمظهر تآمره عليهما بمشاركته، مباشرة، في جريمة القضاء عليهما، أو بالسكوت على تنفيذها، وعدم محاولة منعها.

وواضح، من سياق القصة ومضمونها، أن الهدف من توجيه مؤلفها لهذا الاتهام، تحذير المجتمع الدولي من مغبة الصمت على جرائم العنصريين الإسرائيليين، وتنبيهه إلى خطورة استمراره في اتخاذ موقف المتفرج إزاء التطور الهمجي المتصاعد لتلك الجرائم... ذلك أن مثل هذا الموقف يشجع المجرم على التمادي في تطوير فعله الإجرامي، ليصل إلى حدوده القصوى، وحشية وعنفاً... وبالتالي، لا يعود مستبعداً إقدام هذا المجرم على ارتكاب مجازر إبادة جماعية، تستهدف القضاء على الشعب الفلسطيني قضاء مبرماً، إذا ما فشلت محاولات قيادته، في اقتلاع هذا الشعب من أرضه المحتلة، ونفيه خارجها، بأسلوب الترانسفير...

ولكي يؤكد مؤلف القصة أنه لا يرمي إلى إدانة المجتمع الدولي، بل إلى تحذيره، وتحريضه على المبادرة إلى الحيلولة دون إقدام القيادة العنصرية، في إسرائيل، على تنفيذ إحدى هاتين الجريمتين، نراه يحاول الايحاء بأن إمكانية إقدامها على تنفيذ إحداهما، لا تبدو احتمالاً مستحيلاً أو خيالياً .. وإذا كان لابد من مؤشر مادي ملموس على توقع صيرورة هذ الاحتمال ممكناً، فيكفي أن ينصت المرء إلى إيقاعات التهديد الإسرائيلي المنذرة بإبادة العرب أو ترحيلهم ترحيلاً جماعياً...

هذه الإيقاعات المتضمنة في تصريحات بعض كبار السياسيين، في إسرائيل، وهم يدلون بها جهاراً، على شاشة التلفزيون... ويضرب مؤلف القصة المثل على ذلك النمط من التصريحات، بإيراده بعضها:

"كان صوت المذيع يخرجه عن طوره، وهو ينقل تصريحات العديد من المسؤولين: إن العرب أصبحوا يشكلون قنبلة موقوته داخل البلاد تهدد بالانفجار واستنفزه صوت أحد المتكلمين* بأن الحل الوحيد لمشكلة العرب هو ترحيلهم أو القضاء عليهم..."( )