|
القائمة

دراسات
ومقالات حول اللغة العربية1

تاريخ أدب اللغة
العربية
الجزء الثاني
من كتاب جواهر الأدب
في أدبيات وإنشاء لغة العرب
بقلم
الكاتب الكبير العلامة:
أحمد الهاشمي

الفن السابع في تاريخ أدب اللغة العربية
التاريخ: هو معرفة أخبار الماضين وأحوالهم من حيث معيشتهم، وسياستهم وأدبهم،
ولغتهم.
والأدب: (كل رياضة محمودة يتخرج بها الإنسان في فضيلة من الفضائل). وهذه
الرياضة كما تكون بالفعل، وحسن النظر، والمحاكاة، تكون بالأقوال الحكيمة
التي تضمنتها لغة أي أمة.
واللغة: ألفاظ يعبر بها كل قوم عن أغراضهم وهي من الأوضاع البشرية وأدب لغة
أي أمة هو ما أودع في شعرها ونثرها من نتائج عقول أبنائها وصور أخيلتهم
وطباعهم: مما شأنه أن يهذب النفس، ويثقف العقل، ويقوم اللسان.
وتاريخ أدب اللغة: هو العلم الباحث عن أحوال اللغة: نثرها ونظمها في عصورها المختلفة،
وعما كان لنابغيها من التأثير البين فيها.
واللغة العربية: إحدى اللغات السامية. وهي لغة أمة العرب القديمة العهد الشائعة
الذكر التي كانت تسكن الجزيرة المنسوبة إليها في الطرف الغربي من آسيا.
وهذه الأمة: منها القدماء، وهم الذين يسكنون تلك الجزيرة وينطقون باللغة
العربية سليقة وطبعاً، وهم ثلاث طبقات: أولاها العرب البائدة وهؤلاء لم يصل
إلينا شيء صحيح من أخبارهم إلا ما قصه الله علينا في القرآن الكريم، وإلا
ما جاء في الحديث النبوي. ومن أشهر قبائلهم طسم، وجديس وعاد، وثمود
وعمليق. وثانيهما العرب العاربة: وهم بنو قحطان الذين اختاروا اليمن منازل
لهم. ومن أمهات قبائلهم كهلان، وحمير. وثالثتها العرب المستعربة: وهو بنو
اسماعيل الطارئون على القحطانين، والممتزجون بهم لغة ونسباً. والمعرفون بعج
بالعدنانيين، ومن أمهات قبائلهم ربيعة، ومضر، وإياد، وأنمار.
ومنها المحدثون: وهم سلائل هؤلاء الأقوام الممتزجون بسلائل غيرهم
والمنتشرون بعد الإسلام في بقاع الأرض من المحيط الأخضر (الأطلنطي) إلى ما
وراء بحر فارس ودجلة، ومن أعالي النهرين إلى ماوراء جاوه وسومطرة.
عصور اللغة العربية وآدابها
لما كان تاريخ أي أمة وأدبها يرتبط كل الارتباط بالحوادث السياسية
والدينية والاجتماعية التي تقع بين ظهراني هذه الأمة، ناسب تقسيم تاريخ
أدب اللغة خمسة أعصر:
الأول: عصر الجاهلية: وينتهي بظهور الإسلام ومدته نحو
خمسين ومائة سنة.
الثاني: عصر صدر الإسلام، ويشمل بني أمية ويبتدئ بظهور الإسلام
وينتهي بقيام دولة بني العباس سنة (132ه?).
الثالث: عصر بني العباس: ويبتدئ بقيام دولتهم، وينتهي بسقوط بغداد
في أيدي التتار سنة (656ه?).
الرابع: عصر الدول التركية: ويبتدئ بسقوط بغداد، وينتهي بمبدأ
النهضة الأخيرة سنة (1220ه?).
الخامس: عصر النهضة الأخيرة: ويبتدئ من حكم الأسرة المحمدية العلوية
بمصر، ويمتد إلى وقتنا هذا.
   

العصر الأول عصر الجاهلية
حالة اللغة وآدابها في ذلك العصر
لغة العرب من أغنى اللغات كلما، وأعرقها قدماً، وأوسعها لكل ما يقع
تحت الحس، أو يجول في الخاطر: من تحقيق علوم، وسن قوانين وتصوير خيال،
وتعيين مرافق: وهي على هندمة وضعها، وتناسق أجزائها لغة قوم أميين، ولا عجب
أن بلغت تلك المنزلة، من بسطة الثروة، وسعة المدى إذا كان لها من عوامل
النمو، ودواعي البقاء والرقي، ما قلما يتهيأ لغيرها وما رواه لنا منها أئمة
اللغة وجاء به القرآن الكريم والحديث النبوي هو نتيجة امتزاج لغات الشعوب
التي سكنت جزيرة العرب ولا شك في أن من أسباب امتزاج هذه اللغات ما يأتي: 1
هجرة القحطانين إلى جزيرة العرب ومخالطتهم فيها العرب البائدة باليمن ثم
تمزقهم في بقاع الجزيرة كل ممزق بظلمهم وتخرب بلادهم بسيل العرم. 2 هجرة
اسماعيل عليه السلام إلى جزيرة العرب واختلاطه وبينه بالقحطانين بالمصاهرة
والمجاورة والمحاربة والمتاجرة: وأظهر مواطن هذا الامتزاج مشاعر الحج
والأسواق التي كانت تقيمها العرب في أنحاء بلادها، ومن هذه الأسواق عكاظ
ومجنة وذو المجاز.
وأهمها سوق عكاظ: وكانت تقام من أول ذي العقدة إلى اليوم العشرين
منه. وأقيمت تلك السوق بعد عام الفيل بخمس عشرة سنة وبقيت إلى ما بعد
الإسلام حتى سنة تسع وعشرين ومائة. وكان يجتمع بهذه السوق أكثر أشراف العرب
للمتاجرة، ومفاداة الأسرى والتحكيم في الخصومات وللمفاخرة بالشعر والخطب في
الحسب والنسب والكرم والفصاحة والجمال والشجاعة وما شاكل ذلك. وكان من اشهر
المحكمين بها في الشعر النابغة الذبياني. ومن أشهر خطبائها قس بن ساعدة
الإيادي. وقد لهج الشعراء بذكرها في شعرهم. وحضرها منهم الرجال والنساء.
كلام العرب
الغرض من كلام العرب كغيره الإبانة عما في النفس من الأفكار ليكون
مدعاة إلى المعاونة والمعاضدة. وذريعة إلى تسهيل أعمال الحياة.
ولما كانت هذه الأفكار لا تزال متجددة غير متناهية. كانت صور الكلام
المبين عنها لا تزال كذلك متجددة خاضعة لقوى الاختراع والابتداع وأنواع
الإنشاء والتأليف على حسب ما يقتضيه المقام فقد تصل صورة الكلام إلى الغاية
القصوى في البلاغة، وقد تنحط صورة العبارة إلى الدرك الأسفل من الإبانة.
بحيث لو انحطت عن ذلك لكانت عند الأدباء بأصوات الحجماوات أشبه، وبين
الحالين مراتب، وجل بحث علم الأدب وتاريخه في التفاوت بين هذه المراتب
ورجالها.
وكلام العرب بمراتبه: العليا والدنيا وما بينهما تعتوره كغيره أحوال
تتغير بتغير حياة أهله العقلية والمعاشية والدينية، وتلك الأحوال تتمثل في
"أغراض اللغة، ومعانيها، وعباراتها".
أغراض اللغة في الجاهلية
1 كانت اللغة تستعمل في أغراض المعيشة البدوية، ووصف مرافقها من حل
وترحال، وانتجاع كلأ. واستدرار غيث. واستنتاج حيوان.
2 وفي غثارة المنازعات والمشاحنات، وما يتبعها من الحض على إدراك
الثأر. والتفاخر بالانتصار، والتباهي بكرم الأصل والنجار.
3 شرح حال المشاهدات والكيفيات والإخبار عن الوقائع والقصص وغير
ذلك.
معاني اللغة في الجاهلية
تجمل معاني اللغة (1) في قصر معاني المفردات على ما تقتضيه البداوة
والفطرة الغضة الخالية من تكلف أهل الحضر وتأنقهم (2) وفي انحصار أحكامهم
في (الخبر) ومطالبهم عن (الإنشاء) إما في التعقل المستنبط من الحس
والمشاهدة أو الطبيعة أو التجربة أو الوجدان. من غير مبالغة ولا إغراق.
وإما في التخيل المنتزعة صوره من المحسوسات بحيث لا تخرج عن الإمكان العقلي
والعادي.
عبارة اللغة في الجاهلية
تلخص أحوال العبارة في الجاهلية فيما يأتي: 1 استعمال الألفاظ في
معانيها الوضعية. أو معان مناسبة للمعنى الأصلي بطريق المجاز الذي قد يصبح
بعد قليل وضعاً جديداً.
2 كثرة استعمال المترادف، وقلة الأعجمي المعبر عنه بالمعرب، وخلو
الكلام العربي من اللحن، وغلبة الإيجاز عليه كما تراه واضحاً في شعرهم.
3 إرسال الأساليب الكلامية على حسب ما تقتضيه البلاغة بدون تكلف.
تقسيم كلام العرب
ينقسم كلام العرب قسمين: نثراً ونظماً. فالنظم هو الموزون المقفى.
والنثر ما ليس مرتبطاً بوزن ولا قافية.
النثر المحادثة الخطابة الكتابة
الأصل في الكلام أن يكون منثوراً: لإبانته مقاصد النفس بوجه أوضح
وكلفة أقل وهو غما حديث يدور بين بعض الناس وبعض في إصلاح شؤون المعيشة.
واجتلاب ضروب المصالح والمنافع وذلك ما يسمى (المحادثة) أو "لغة التخاطب".
وإما خطاب من فصيح نابه الشأن يلقيه على جماعة في أمر ذي بال. وهذا ما يسمى
"الخطابة". وإما كلام نفسي مدلول عليه بحروف ونقوش لإرادة عدم التلفظ به.
أو لحفظه للخلف. أو لبعد الشقة بين المتخاطبين. وذلك ما يسمى (الكتابة).
إذن فأقسام النثر ثلاثة. محادثة. خطابة. وكتابة وكلها إما أن تكون كلاماً
خالياً من التزام التقفيه في أواخر عباراته: وذلك ما يسمى "النثر المرسل"
وإما أن تكون قطعاً ملتزماً في آخر كل فقرتين منها أو أكثر قافية واحدة.
وهذا ما يسمى "السجع" وهو نوع من الحلية اللفظية إذا جاء عفواً ولم يتعمد
التزامه. ولحسن وقعه في الأسماع. وحوكه وتأثيره في الطباع كان اكثر ما
يستعمل في الخطابة. والأمثال. والحكم. والمفاخرات. والمنافرات.
المحادثة أو لغة التخاطب
لغة التخاطب عند عرب الجاهلية بعد أن توحدت لغاتها هي اللغة المعربة
المستعملة في شعرها وخطبها وكتابتها. ولا فرق بينها في البلاغة إلا بقدر ما
تستدعيه حال الخطابة والشعر والكتابة: من نبالة الموضوع والتأنق في
العبارة.
وأكثر ما وصل إلينا منها كان شريف المعنى. فصيح اللفظ.
الخطابة
لما كان جل العرب في جاهليتها قبائل متبدية. لايربطها قانون عام.
ولا تضبطها حكومة منظمة. ومن شأن المعيشة البدوية شن الغارات لأوهى
الأسباب. والمدافعة بالنفس عن الروح والعرض والمال. والمباهاة بقوة العصبية
وكرم النجار وشرف الخصال. وللقول في ذلك أثر لا يقل عن الصول: كانت الخطابة
لهم ضرورية. وفيهم فطرية. وإنما لم تصل إلينا أخبار خطبائهم الأوائل. وشيء
من خطبهم كما كان ذلك في الشعر. لحفلهم قديماً بالشعر دون الخطابة. ولصعوبة
حفظ النثر.
وما عني الرواة بنقل أخبار الخطباء إلا عندما حلت الخطابة بعد منزلة
أسمى من الشعر. لابتذاله بتعاطي السفهاء والعامة له. وتلوثهم بالتكسب به
والتعرض للحرم. فنبه بذلك شأن الخطابة. واشتهر بها الأشراف وكان لكل قبيلة
خطيب كما كان لكل قبيلة شاعر.
وأكثر ما كانت الخطابة في التحريض على القتال. والتحكيم في الخصومات
وإصلاح ذات البين. وفي المفاخرات. والمنافرات. والوصايا وغير ذلك.
وكان من عادة الخطيب في غير خطب الإملاك والتزويج أن يخطب قائماً أو
على نشر ومرتفع من الأرض أو على ظهر راحلته. لإبعاد مدى الصوت، والتأثير
بشخصه وإظهار ملامح وجهه وحركات جوارحه ولا غنى له عن لوث وعصب العمامة
والاعتماد على مخصرة أو عصا أو قناة أو قوس وربما أشار بإحداها أو بيده.
وخطباء العرب كثيرون (من أقدمهم) كعب بن لؤي (وكان ذا نفوذ عظيم من
قومه حتى أكبروا موته) وذو الإصبع العدواني وهو حرثان بن محرث.
(ومن أشهلارهم) قيس بن خارجة بن سنان خطيب حرب داحس والغبراء.
وخويلد بن عمرو الغطفاني خطيب يوم الفجار وقس بن ساعدة الإيادي خطيب عكاظ. وأكثم بن صيفي زعيم الخطباء الذين أوفدهم النعمان عهلى كسرى:
وهم أكثم بن صيفي وحاجب بن زرارة التميميان والحارث بن عباد وقيس بن مسعود
البكريان وخالد بن جعفر وعلقمة بن علاثة، وعامر بن الطفيل العامريون، وعمرو
بن الشريد السلمي، وعمرو بن معد يكرب الزبيدي، والحارث بن ظالم المري).
قس بن ساعدة الإيادي
هو خطيب العرب قاطبة، وللمضروب به المثل في البلاغة والحكمة كان
يدين بالتوحيد، ويؤمن بالبعث، ويدعو العرب إلى نبذ العكوف على الأوثان
ويرشدهم إلى عبادة الخالق: ويقال إنه أول من خطب على شرف وأول من قال في
خطبه "أما بعد" وأول من اتكأ على سيف أو عصا في خطابته، وكان الناس
يتحاكمون إليه وهو القائل "البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر"،
وسمعه النبي ( قبل البعثة يخطب في عكاظ فأثنى عليه وعمر قس طويلاً ومات
قبيل البعثة: ومن خطبه خطبته التي خطبها في سوق عكاظ وهي: أيها الناس
اسمعوا وعوا، من عاش مات، ومن مات فات: وكل ما هو آت آت، ليل داج ونهار ساج
وسماء ذات أبراج، ونجوم تزهر، وبحار تزخر وجبال مرساه، وأرض مدحاه وأنهار
مجراه، إن في السماء لخبرا وإن في الأرض لعبرا ما بال الناس يذهبون ولا
يرجعون أرضوا فأقاموا؟ أم تركوا فناموا؟ يقسم قس بالله قسماً لا إثم فيه إن
لله ديناً هو أرضى لكم وأفضل من دينكم الذي انتم عليه، إنكم لتأتون من
الأمر منكراً: ويروى أن قسماً أنشأ بعد ذلك يقول:
في الذَّاهبين الأوّل?
?ين من القرون لنا بصائر
لمّا رأيت مورداً=للموت ليس لها مصادر
ورأيت قوميَ نحوها
تمضي الأكابرَ والأصاغر
لايرجع الماضي إليّ
م ولا من الباقين غابر
أيقنت أني لا مح?
?الة حيث صار القومُ صائر
أكثم بن صيفي
هو أعرف الخطباء بالأنساب وأكثرهم ضرب أمثال وإصابة رأي وقوة حجة
وقل من جاره من خطباء عصره وهو زعيم الخطباء الذين أوفدهم النعمان على كسرى
ولقد بلغ من إعجابه به أن قال له: لو لم يكن للعرب غيرك لكفى: وقد عمر
طويلاً حتى أدرك مبعث النبي ( وجمع قومه وحثهم على الإيمان به، وفي إسلامه
روايات، وكان في خطبه قليل المجاز حسن الإيجاز حلو الألفاظ دقيق المعاني
مولعاً بالأمثال "راجع خطبته في فن المناظرات".
الكتابة
يراد بالكتابة عند الأدباء صناعة إنشاء الكتب والرسائل وإذ كانت
الكتابة بهذا المعنى تؤدى بالنقوش المسماة بالخط فأول خلقة من سلسلة الخط
العربي هي الخط المصري القديم ومنه اشتق الخط الفينيقي ومن هذا اشتق
الآرامي والمسند بأنواعه: الصفوي والثمودي والليحاني شمالي جزيرة العرب
والحميري جنوبيها ورواة العرب يقولون إنهم أخذوا خطهم الحجازي عن أهل
الحيرة والأنبار.
أما الكتابة: بمعنى إنشاء الكتب والرسائل فهي لازمة لكل أمة متحضرة
ذات حكومة منظمة ودواوين متعددة: وقد كان بعض ذلك موفوراً في ممالك
التبابعة جنوباً ومأثوراً عن ممالك المناذرة والغساسنة شمالاً، ولذلك
استعمل الخط المسند الحميري عند الأولين من عهد مديدي والأنباري الحيري عند
الآخرين وإنما لم يصل إلينا شيء من رسائل تلك الأمم ولا من كتب فنونها
ودينها غير قليل عثر عليه لتقادم عهد أهلها وعدم استكمال البحث بعد في
بلادها.
ولم يعرفنا التاريخ أيضاً بأحد من كتاب هذه الصناعة إلا "بعدي بن
ويد العبادي" الذي كان كاتباً ومترجماً عند كسرى.
أما البدو: من سكان أواسط الجزيرة وهم جمهور مضر وبعض القحطانيين
فكانوا أميين ومن المعقول أنهم لم يعرفوا الكتابة الإنشائية إلا بعد عرفوا
الخط آخر عصور الجاهلية وهو مانقل عنهم فيه: أنهم كانوا يكتبون في بدء
رسائلهم باسمك اللهم ومن فلان إلى فلان وأما بعد: ولم تقم لهم دولة بالمعنى
السابق إلا بقيام الإسلام فهو الذي أفشى فيهم الخط والكتابة.
ولما كانت علوم كل أمة لها الأثر العظيم في تكوين فكر الأديب وخيال
الشاعر وكانت كتابتها قسماً قائماً بنفسه يسمى كتابة التدوين ناسب شرح ذلك.
علوم العرب وفنونها
العلوم والصناعات لازمة لحضارة الأمم ومن العرب أهل حضارة دلت عليها
دولهم العظيمة وقدم تاريخهم وآثارهم الخالدة وهم التبابعة فيلا اليمن
والمناذرة والغساسنة في الشمال وإذاً تكون هندسة إرواء الأرض وعمارة المدن
والحساب والطب والبيطرة والزراعة ونحوها معروفة في الجنوب والشمال مدونة في
الكتب وإن لم يحفظ لنا الدهر صوراً منها: أما البدو منهم وإن كانوا أميين
يمقتون الصناعات فلا غنى لهم عن تجربة ترشدهم إلى ما ينفعهم ليعرفوا متى
تجود السماء وبم يتميز الأقرباء من البعداء فكسبهم ذلك علم النجوم والطب
الضروري والأنساب والأخبار ووصف الأرض والفراسة والعيافة والقيافة والكهانة
والعرافة والزجر وقرض الشعر.
علم النجوم: هو معرفة أحوال الكواكب وقد كانوا أبرع في هذا العلم منهم في كل
علم سواه، تعرفه عامتهم قبل خاصتهم للاهتداء به من ظلمات البر والبحر،
ومعرفة أزمنة الخصب والمحل، وبعض معارفهم فيه مستمد من الكلدان
لاختلاطهم بهم ولاتفاق اللغتين في كثير من أسماء الكواكب والبروج ومن
أشهرهم فيه (بنو حارثة بن كلب وبنو مرة بن همام الشيباني).
الطب الإنساني والحيواني (البيطرة) وقد عاناه من الغرب كثيرون ومن
مشوريهم (الحارث بن كلدة الثقفي وابن حذيم التيمي).
الأنساب: علم تتعرف به القرابات التي بين بعض القبائل وبعض فتلحق
فروعها بأصولها وإنما دعاهم إلى العناية به حاجتهم إلى التناصر بالعصبية
لكثرة حروبهم وتفرق قبائلهم وأنفتهم من أن يكون لغريب عنهم سلطان عليهم
وحبهم الافتخار بأسلافهم وممن اشتهر بمعرفة أنساب العرب (دغفل بن حنظلة
الشيباني وزيد بن الكيس النمري وابن لسان الحمرة) ولهذا كانوا يحفظون.
الأخبار والتاريخ والقصص: هي معرفة أحوال السابقين وكانوا يعرفون منها ما كان عليه أسلافهم
وبعض مجاوريهم من الأحوال المأثورة ووقائع أيامهم المشهورة كقصة الفيل وحرب
البسوس وحرب الفجار.
وصف الأرض: هو معرفة كل بقعة وما يجاورها وكيف يهتدي إليها.
ومن قرأ شعر العرب في نسيبهم واطلع على وصفهم وكيف كانوا يحددون
الحقير منها بحدود قلما تحد به مملكة عظيمة عرف شدة حذقهم بمعرفة بلادهم.
الفراسة: هي الاستدلال بهيئة الإنسان وشكله ولونه وقوله على أخلاقه وفضائله ورزائله وقد نبغ فيها من العرب من لايحصى عددهم ولهم في ذلك نوادر
شتى.
القيافة: ضرب من الفراسة وهي الاهتداء بآثار الأقدام على أربابها أو
الاستدلال بهيئة الإنسان وأعضائه على نسبه فقد كانوا يميزون بين أثر الرجل
والمرأة والشيخ والشاب الأعمى والبصير والأحمق والكيس وإذا نظروا عدة أشخاص
ألحقوا الابن بأبيه والأخ والقريب بقريبه وعرفوا الأجنبي من بينهم وممن
اشتهر بالقيامفة (بنو مدلج وبنو لهب).
الكهانة والعرافة: وهما القضاء بالغيب وربما خصت الكهانة بالأمور المستقبلة والعرافة
بالماضية وطريقهم في ذلك الاستدلال ببعض الحوادث الخالية على الحوادث
الآتية لما بينهما من المشابهة الخفية: وللعرب في الكهان اعتقاد عريض
لزعمهم أنهم يعلمون الغيب فيرفعون إليهم أمورهم للاستشارة ويستفسرهم عن الرؤى ويستطبونهم في أمراضهم وممن اشتهر من الكهان
(شق أتمار وسطيح الذئبي) ومن الكواهن (طريفة الخير ولسمى الهمذانية) ومن
العرافين (عراف نجد: الأبلق الأسدي، وعراف اليمامة رباح بن عجلة).
الزجر:
وهو الاستدلال بأصوات الحيوان وحركاته وسائر أحواله على الحوادث
بقوة الخيال والاسترسال فيه ومن أشهر الزجارين: بنو لهبر وأبو ذؤيب
الهذلي ومرة الأسدي.
ومن العرب من لم يعبأ بالزجر وما شاكله كلبيد بن ربيعة القائل:
لعمرك ما تدري الطوراقُ بالحصى
ولا زاجراتُ الطير ما الله صانعُ
وكضابئ بن الحارث القائل:
وما عاجلاتُ الطير تدني من الفتى
نجاحاً ولا عن ريثهنَّ يخيبُ
ورُبَّ أمورٍ لا تضيرك ضيرة
وللقلب من مخشاتهنَّ وجيبُ
ولا خير فيمن لايوطّن نفسه
على نائبات الدهر حين تنوبُ
النظم والشعر والشعراء
النظم عرفه العروضيون بأنه الكلام الموزون المقفى قصداً ويرادفه
الشعر عندهم: أما المحققون من الأدباء فيخصون الشعر بأنه الكلام الفصيح
الموزون المقفى المعبر غالباً عن صور الخيال البديع. وإذا كان الخيال أغلب
مادته أطلق بعض العرب تجوزاً لفظ الشعر على كل كلام تضمن خيالاً ولو لم يكن
موزوناً مقفى، ولجريه وفق النظام الممثل في صورة الوزن والتقفية كان تأثيره
في النفس من قبيل إثارة الوجدان والشعور لبسطاً وقبضاً وترغيباً وترهيباً
لا من قبيل إقناع الفكر بالحجة الدامغة والبرهان العقلي، ولذلك يجمل أثره
في إثارة العواطف وتصوير أحوال النفس لا في الحقائق النظرية، ولا ريب أن
النفس ترتاع بصور المحسوس الباهر وما انتزع منه من الخيال الجلي لخفة
مؤونته عليها وإراحته لها من المعاناة والكد، فكيف إذا انضم إلى ذلك نغم
الوزن والقافية الشديد الشبه بتأثير الإيقاع والتلحين الذي يطرب له الحيوان
فضلاً عن الإنسان، والعرب بفطرتهم مطبوعين على الشعر لبداوتهم. وملأمة
بيئتهم لتربية الخيال، فالبدوي لحريته واستقلاله بأمر نفسه يغلب على أحكامه
الوجدان، ويسلك إليه من طريق الشعور، ومعيشة البدوي فوق أرض نقية التربة
وتحت سماء صافية الأديم، ساطعة الكواكب، ضاحية الشمس، جلت لحسه مناظر
الوجود، وعوالم الشهود فكان لخياله من ذلك مادة لايغور ماؤها، ولا ينضب
معينها، فهام بها في كل واد وأفاض منها إلى كل مراد، وكان له من لغته
وفصاحة لسانه أقوى ساعد، وأكبر معاضد. ويشعر الإنسان بطبعه أن الشعر متأخر
في الوجود عن النثر وإن كانت واسطة بين النثر والشعر، فليست إلا السجع لما
فيه من معادلة الفقر، والتزام القافية والميل إى التغني به فكان من ذلك
المقطعات والأراجيز الصغيرة، يحدون بها الإبل، ويعدون بها المكارم ثم لما
تمت ملكة الشعر فيهم، واتسعت أغراضه أمامهم، نوعوا الأوزان وأطالوا
القوافي، وقصدوا القصيد.
وقد خفي علينا "كأكثر الأمم" مبدأ قول الشعر، وأول من قاله. أما ما نسب من الشعر
إلى آدم وإبليس والملائكة والجن والعرب البائدة فهو حديث خرافة.
والشعر الذي صحت روايته منذ أواسط القرن الثاني قبل الهجرة تنتهي
أقدم مطولاته إلى مهلهل بن ربيعة وأقدم مقطعاته إلى نفر لعلهم لم يبعدوا
عنه طويلاً مثل العنبر بن عمرو بن تميم ودريد بن زيد بن نهد، وأعصر بن سعد
بن قيس عيلان وزهير بن جناب الكلبي والأفوه الأودي وأبو داود الإيادي وقد
رووا أنه لم يكن لأوائل العرب من الشعر إلا الأبيات يقولها الرجل في حاجته
وأن أول من قصد القصائد وذكر الوقائع المهلهل بن ربيعة التغلبي في قتل أخيه
كليب فهو أول من رويت له كلمة تبلغ ثلاثين بيتاً وتبعه الشعراء مثل امرئ
القيس وعلقمة وعبيد ممن أخرجوا لنا الشعر العربي في صورته الحاضرة.
هذا مجمل ما يتعلق بحقيقة الشعر ونشأته في الجاهلية أما ما يتعلق
بمادته وجوهره فإنه يرجع إلى أغراضه وفنون ومعانيه وأخيلته وألفاظه
وأساليبه وأوزانه وقوافيه.
أغراضه وفنونه
نظم العرب الشعر في كل ما أدركته حواسهم وخطر على فقلوبهم من فنونه
وأغراضه الكثيرة كالنسيب ويسمى التشبيب والتغزل ى وطريقته عند الجاهلية
يكون بذكر النساء ومحاسنهن وشرح أحوالهن وكان له عندهم المقام الأول من بين
أغراض الشعر حتى لو انضم إليه غرض آخر قدم النسيب عليه وافتتح به القصيد:
لما فيه من لهم النفس وارتياح الخاطر ولأن باعثه الفذ هو الحب وهو السر في
كل اجتماع إنساني والبدو أكثر الناس حباً لفراغهم.
والفخر:
هو تمدح المرء بخصال نفسه وقومه والتحدث بحسن بلائهم ومكارمهم وكرم
عنصرهم ووفرة قبيلهم ورفعة حسبهم وشهرة شجاعتهم.
والمدح: وهو الثناء على ذي شان بما يستحسن من الأخلاق النفسية كرجاجة العقل
والعفة والعجل والشجاعة وإن هذه الصفات عريقة فيه وفي قومه وبتعداد محاسنه
الخلقية. وشاع المدح عندما ابتذل الشعر واتخذه الشعراء مهنة ومن أوائل مداحيبهم زهير والنابغة والأعشى.
والرثاء: وهو تعداد مناقب الميت وإظهار التفجع والتلهف عليه
واستعظام المصيبة فيه.
والهجاء: هو تعداد مثالب المرء وقبيله ونفي المكارم والمحاسن عنه.
والاعتذار: هو درء الشاعر التهمة عنه والترفق في الاحتجاج على براءته منها
واستمالة قلب المعتذر إليه واستعطافه عليه: والنابغة في الجاهلية فارس هذه
الحلبة.
والوصف: هو شرح حال الشيء وهيئته على ما هو عليه في الواقع لإحضاره في ذهن
السامع كأنه يراه أو يشعر به.
والحكمة والمثل: فالحكمة قول رائع يتضمن حكماً صحيحاً مسلماً. والمثل مرآة تريك
أحوال الأمم وقد مضت وتقفك على أخلاقها وقد انقضت
فالأمثال ميزان يوزن به رقي الأمم وانحطاطها وسعادتها وشقاؤها وأجبها
ولغتها. وأكثر ما تكون أمثال العرب وحكمها موجزة متضمنة حكماً مقبولاً أو
تجربة صحيحة تمليها عليها طباعها بلا تكلف راجع فن الأمثال السابق.
معانيه وأخيلته
قصد الشاعر من شعره الإبانة عما يخالج نفسه من المعاني في أي غرض من
الأغراض السابقة ونحوها. ومن هذه المعاني ما هو عادي في البدوي والحضري
والعربي والعجمي كالأخبار الصادقة وأوصاف المشاهدات وشرح الوجدانات كما
يمليها الخاطر بلا مبالغة ولا إغراق. ومنها ما هو غريب نادر انتزعه الخيال
من المرئيات البديعة والأشكال المنتظمة وذلك ما يسمى بالمعنى المخترع الذي
تتفاضل الشعراء بالإجادة فيه والإكثار منه وإذا قسنا الشعر الجاهلي بهذا
المعيار وجدنا معانيه وأخيلته تمتاز بالأمور التالية:
(1) جلاء المعاني
وظهورها ومطابقتها للحقيقة والواقع.
(2) قلة البالغة والغلو فيها بما يخرجها عن حد العقل ومألوف الطبع.
(3) قلة المعاني الغريبة المنزع الدقيقة المأخذ المتجلية في صور
الخيال البديع والتشبيه الطريف والاستعارة الجميلة والكناية الدقيقة وحسن
التعليل وغير ذلك.
(4) قلة تأنقهم في ترتيب المعاني والأفكار على النظام الذي يقتضيه
الذوق فيدخلون معنى في معنى وينتقلون من غرض إلى آخر اقتضاباً بدون تخيل
ولا تلطف.
ألفاظه وأساليبه
ولما كانت العرب أمما بدوية تنظم الشعر بطبعها من غير معاناة صناعة
ولا دراسة علم. غلب على شعرها صراحة القول وقلة المواربة فيه والبعد عن
التكلف وصحة النظم والوفاء بحق المعنى أضف إلى ذلك الأمور الآتية:
(1) جودة
استعمال الألفاظ في معانيها الموضوعة لها: لإحاطة علمهم بلغتهم ومعرفتهم
بوجوه دلالتها.
(2) غلبة استعمال الألفاظ الجزلة واستعمال الألفاظ الغريبة التي
هجرت عند المحدثين.
(3) القصد في استعمال ألفاظ المجاز ومقت استعمال العجمي إلا ما وقع
نادراً.
(4) عدم تعمد المحسنات البديعية اللفظية، ومتانة الأسلوب بحسن إيراد
المعنى إلى النفس من أقرب الطرق إليها وأطرافها لديها وإيثار المجاز أو قلة
الإسهاب إلا إذا دعت الحال.
أوزانه وقوافيه
العرب لم تعرف موازين الشعر بتعلم قوانين صناعية وتعرف أصول وضعية
وإنما كانت تنظم بطبعها على حسب ما يهيئه لها إنشادها وقد هدتهم هذه الفطرة
إلى أوزان أرجعها الخليل إلى خمسة عشر وزناً سماها بحوراً وزاد عليها
الأخفش بحراً وقد اكثروا النظم من بعضها دون بعض.
(راجع كتابنا "ميزان الذهب في بحور شعر العرب") وشعر العرب رجزه
وقصيده يبني على قافية واحدة كيفما طال القول.
الشعراء
شعراء الجاهلية اكثر من أن يحاط بهم. ومن جهل منهم اكثر ممن عرف.
وإنما اشتهر بعضهم دون بعض: لنبوغه، أو كثرة المروي من شعره أو قرب عهده من
الإسلام زمن الرواية.
وكان للشعراء عند العرب منزلة رفيعة، وحكم نافذ وسلطان غالب، إذ
كانوا ألسنتهم الناطقة بمكارمهم ومفاخرهم، وأسلحتهم التي يذودون بها عن
حياض شرفهم (وكانت القبيلة من العرب إذا نبغ فيها شاعر أتت القبائل
فهنأتها، وصنعت الأطعمة وأتت النساء يلعبن بالمزاهر كما يصنعون في الأعراس،
ويتباشر الرجال والولدان لأنه حماية لأعراضهم، وذب عن حياظهم وتخليد
لمفاخرهم، وإشادة بذكرهم، وكانوا لايهنئون إلا بغلام يولد، أو شاعر ينبغ.
أو فرس تنتج).
وكانت طريقة نظم الشعر ارتجاله فتأتيهم ألفاظه عفوا، ومعانيه رهواً
كما وقع للحارث بن حلزة وعمرو بن كلثوم. أما من اتخذه منهم صناعة يستدرها
ويلتمس به الجوائز، وينشده في المحافل والمواقف العظام فإنه يتعهده
بالتهذيب والتنقيح ليجعله رقيق الحاشية حسن الديباجة يصح أن يقال فيه أنه
المثل الأعلى للشعر الجاهلي، كما ترى ذلك واضحاً في حوليات زهير واعتذاريات
النابغة.
وقد غبر الناس دهراً طويلاً لايقولون الشعر إلا في الأغراض الشريفة
لا يمدحون عظيماً طعماً في نواله، ولايهجون شريفاً تشفياً منه وانتقاماً
حتى نشأت فهم فئة امتهنت الشعر وتكسبت به، ومدحت الملوك والأمراء كالنابغة
الذبياني وحسان مع النعمان بن المنذر وملوك غسان، وزهير بن أبى سلمى مع هرم
بن سنان وأمية بن أبي الصلت مع عبد الله بن جدعان: أحد أجواد قريش والأعشى
مع الملوك والسوقة، حتى قصد به الأعاجم، وجعله متجراً به فتحامى الشعر
الأشراف، وآثروا عليه الخطابة.
طبقات الشعراء
طبقات الشعراء باعتبار عصورهم أربع: 1 طبقة الجاهلين.
2 طبقة المخضرمين (وهم الذين اشتهروا بقول الشعر في الجاهلية
والإسلام).
3 طبقة الإسلاميين، وهم الذين نشؤوا في الإسلام ولم تفسد سليقتهم
العربية، وهم شعراء بني أمية.
4 طبقة المولدين، أو المحدثين، وهم الذين نشؤوا زمن فساد العربية
وامتزاج العرب بالعجم، وذلك من عصر الدولة العباسية إلى يومنا هذا.
والشعراء الجاهليون يقسمون باعتبار شهرتهم في الشعر للإجادة أو
للكثرة إلى طبقات كثيرة نذكر منها ثلاثا: 1 الطبقة الأولى: امرؤ القيس،
وزهير، والنابغة.
2 الطبقة الثانية: الأعشى، ولبيد، وطرفة.
3 الطبقة الثالثة: عنترة، وعروة بن الورد والنمر بن تولب، ودريد بن
الصمة، والمرقش، الأكبر.
ومن الأدباء من يقدم بعض هؤلاء على بعض ويزيدون غيرهم عليهم.
امرؤ القيس
هو الملك أبو الحارث حندج بن حجر الكندي شاعر اليمانية.
وآباؤه من أشراف كندة وملوكها، وكانت بنو أسد من المضرية خاضعة
لملوك كندة وآخر ملك عليهم هو حجر أبو امرئ القيس وأمه اخت مهلهل وكليب.
نشأ امرؤ القيس بأرض نجد بين رعية أبيه من بني أسد، وسلك مسلك
المترفين من أولاد الملوك يلهو ويلعب ويعاقر الخمر ويغازل الحسان فمقته
أبوه ولما لم ينجح فيه القول طرده عنه وأقصاه، حتى جاء نبأ ثوران بني أسد
على أبيه وقتلهم له. لأنه كان يعسف في حكمه لهم، فقال (ضيعني صغيراً،
وحملني دمه كبيراً لا صحو اليوم ولا سكر غداً، اليو مخمر، وغداً أمر) وأخذ
يجمع العدة ويستنجد القبائل في إدراك ثأره فنازل بني أسد وقتل فيهم كثيراً
ثم اشتدت به علة لأنه كان يعسف في حكمه لهم، فقال (ضيعني صغيراً، وحملني
دمه كبيراً لا صحو اليوم ولا سكر غداً، اليو مخمر، وغداً أمر) وأخذ يجمع
العدة ويستنجد القبائل في إدراك ثأره فنازل بني أسد وقتل فيهم كثيراً ثم
اشتدت به علة قروح فمات منها ودفن بأنقرة وكان ذلك قبل الهجرة بقريب من
قرن.
شعره: يعتبر امرؤ القيس راس فحول شعراء الجاهلية والمقدم في الطبقة
الأولى فهو أول من أجاد القول في استيقاف الصحب، وبكاء الديار، وتشبيه
النساء بالظباء والمها والبيض، وفي وصف الخيل بقيد الأوابد وترقيق النسيب،
وتقريب مآخذ الكلام، وتجويد الاستعارة، وتنويع التشبيه.
وقد يفحش في تشبيه بالنساء وتحدثه عنهن، ويشم من شعره رائحة النبل
وتلمح فيه شارات السيادة والملك: من ذلك قوله:
فظل العذارى يرتمين بلحمها
وشحم كهداب الدمقس المفتل
وقوله:
وظل طهارة اللحم مابين منضج
صفيف شواء أو قدير معجل
ولو أن ماأسعى لأدتنى معيشة
كفاني ولم أطلب قليلٌ من المال
ولكنما اسعاى لمجد مؤثل
وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي
وشعره وإن اشتمل بشملة البداوة في جفاء العبارة، وخشونة الألفاظ
وتجهم المعاني، تراه أحياناً يخطر في حلل من حسن الديباجة، وبديع المعنى،
ودقة النسيب ومقاربة الوصف وسهولة المأخذ: مما كان منه لخلفه أجمل مثال في
محاكاته.
فمن النوع الأول قوله في معلقته:
وفرع يغش المتن أسود فاحم
أثيث كقنو النخلة المتعثكل
غدائرة مستشزرات إلى العلا
تضل المدارى في مثنى ومرسل
وكشح لطيف كالجديل مخصر
وساق كأنبوب السقي المذلل
وتعطو برخص غير شئن كأنه
أساريع ظبي أو مسويك إسحل
ومن الثاني قوله:
كأن عيون الوحش حول خبائنا
وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب
كأن قلوب ااتلطير رطباً ويابساً
لدى وكرها العناب والحشف البالي
أغرك مني أن حبك قاتلي
وأنك مهما تأمري القلب يفعل
ولا مرئ القيس المطولات والمقطعات، وأشهر مطولاته معلقته المضروب
بها المثل في الاشتها، وأولها:
قفانبك من ذكرى حبيب ومنزل
بسقط اللوى بين الدخول فحومل
فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها
لما نسجتها من جنوب وشمأل
|