الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | معلومات النشر | من نحن | كلمة العدد

 دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 22/04/2008

القصص

 

لماذا رحلو فاطمة

الطيور

الرحلة

بحثا عن سماء

الدوران

قصة حب

الشتاء والحب

الزائر

 

بطاقة تعريف الكاتبة: ملك حاج عبيد 

 

ولدت في جبلة 1946.

تعمل مدرسة في الكويت.

عضو في جمعية القصة والرواية.

نشرت قصصها الأولى في الصحف والمجلات السورية.

مؤلفاتها:

1-الخروج من دائرة الانتظار -قصص- دمشق 1983- اتحاد الكتاب العرب.

2-قال البحر - قصص- دمشق 1986- اتحاد الكتاب العرب.

3-الغرباء -قصص.

 4-حكايات الليل والنهار -قصص- دمشق 1994- اتحاد الكتاب العرب.

تسكن في مدينة جبلة ومتفرغة للكتابة

5-غربـة... ونساء - مجموعة قصصية - اتحاد الكتاب العرب /2000

زيارة موقع الكاتب     مراسلة الكاتب                                        للتعليق على القصص      مواضيع أخرى للكاتب

 

 نماذج من أعمالها

 

 

بحثاً عن سماء

 

مروان:

- بابا وصلنا.

أوقف السيارة أمام المدرسة أتلقى قبلة رنا، أرقبها وهي تجري إلى الباب. تلتفت إليّ بوجهها الضاحك، تلوح بيدها وتغيب داخل أسوار المدرسة.

تدرج السيارة، تنعطف إلى اليمين، ينزل أحمد:

- مع السلامة يا بابا.

في صوته رنة حزن وفي عينيه سهوم، أحس ألماً يخزني، أكاد أناديه ولكنه يغيب عن ناظري بين شلة من رفاقه يصخبون قبل الدخول إلى المدرسة.

تنحدر سيارة في الشارع النازل إلى مركز المدينة، تحمر الإشارة، أخفف السرعة، أضحك عالياً:

- يجب أن تتقيد بالقوانين.

- متى؟

- الآن يا مروان؟

أقهقه بصوت عال... دائماً بعد فوات الأوان.

- لا تعبر التقاطعات عند احمرار الإشارة.

أعبرها سهماً وأرى نظرات الهلع في عينيها:

- زوجك بارع يا ليلى لا تخافي. زوجك خائب يا ليلى، زوجك بائس يا ليلى.

"قال لي والدي:

- اخرج من البيت أيها الغبي.

قال لي الأستاذ:

- لا تضع وقتك في المدرسة، لن تفلح".

وأنا أعرف أنني لو أمسكت الذهب لاستحال في يدي تراباً.

- التجارة ذكاء، وقوانين سوق أيضاً، يجب أن تعرف متى تقدم، ومتى تحجم.

- أنت متهور، كيف تكتب له شيكاً وأنت تعرف ألا رصيد لك في البنك، سيلقيك في السجن".

تسوطني رياح حارة، أحس بأنني سأختنق، لم يبق إلا السجن، أفتح درج السيارة أرى الجسم المعدني الأسود ممداً هناك. أتنفس ملء رئتي، ثم تعتريني قشعريرة باردة.

- اشرب قهوتك يا مروان.

- سأعود ونشربها معاً.

- لن أبقى في عمان، سآخذ الأولاد وأذهب إلى دمشق، عندما يصبح باستطاعتك أن تستقل بعملك ويصبح لنا منزل نعيش فيه بمفردنا بعيدين عن سيطرة أختك وزوجها سأعود قبل ذلك لا.

- لن تذهبي، ستبقين هنا، حياة الشتات هذه لا أقبلها لنفسي ولا لأولادي، تحملي معي ريثما أستطيع الوقوف ثانية.

- تحملت كثيراً، لم أعد أستطيع الاحتمال، اذهب إلى السعودية، كون رأس مال هناك ثم عد قد نعيش في الأردن أو في الشام.

- لم أعد صغيراً، لا أستطيع أن أعود إلى السعودية لأبدأ من الصفر.

- وأنا لن أقبل صدقات الآخرين.

صرخت فيها بعنف:

- أيتها الجاحدة متى عشنا من الصدقات؟ ما آخذه سآخذه مقابل عملي.

- أختك تنظر إلينا من أعلى، زوجها سيعتبر نفسه المحسن الذي أنقذنا، إنني أكرهها.

وانفجرت بالبكاء.

- كنتما صديقتين، هي التي عرفتني بك.

- ولكنني الآن أكرهها، وسأكرهك إن قبلت بالعمل عند زوجها.

ليلى الغاضبة، ليلى الخجول، ليلى التي أحبها وأكرهها، والتي تمنيت أن أقدم العالم هدية لعينيها.

- لا أعدك بالكثير لست إلا موظفاً في شركة، في نهاية الشهر آخذ مرتبي ولا شيء غيره، ولكنني أحببتك فهل تشاركينني حياتي؟.

طوفان حب أغرقني، أنا الظامئ الذي أحرقتني رمال السعودية، أعب الأفراح، أفتح عيني أدهش، يا إلهي لماذا كنت مغفلاً، أي روعة هي المرأة؟.

ليلى حبيبتي، أحب عينيك، شعرك، يتمزق قلبي وأنا أرى نظرتك العاتبة.

- تشردت كثيراً، تعبت كثيراً إلى أن التقيتك، أنت ملجئي وأماني.

- وأنا أحببتك يا مروان.

تطوف في عينيها نظرة حزينة.

- أعرف يا ليلى. لا تقولي. سأكون لك أماً وأباً وحبيباً.

من السعودية إلى الكويت إلى عمان. رحلة تعب وحب.

- ستصبح أباً يا مروان، ماذا سنسميه؟.

- نسميه أحمد باسم أبي.

أبي أين أنت الآن يا أبي، أيها الرجل الهرم المتعب، في أي أرض نائية حططت رحالك، لماذا تلح عليّ الرغبة في رؤيتك؟ سبع سنوات لم نلتق.

أغمض عيني أتخيله... قامة طويلة، وجه أسمر، عينان سوداوان براقتان، يسافر، يعود، يأخذنا معه، يتركنا يرتحل، يغيب سنوات.

وجه أمي الحزين، في كل بلد له امرأة، تعرف لكنها تتجاهل، تبتسم، تتزين عندما يجيء، هكذا هي ابنة الأصل تبقى لزوجها مهما طال غيابه.

كانت صبية، كانت جميلة، كانت معذبة....

كبرنا، انتشرنا، ليبيا، الكويت، السعودية، أميركا، دمشق... عائلة؟ هل كنا عائلة؟ أنا وليلى، أحمد ورنا عائلة؟ أي مستقبل لنا نحن المساكين؟.

- سافر، عد.

وأنا أريد أن أحتضنهما، أن أحس خفق قلبيهما، أن ينموا تحت عيني وبصري.

- مروان لا تدع عناد زوجتك يؤثر عليك، العمل مع زوجي مضمون، جربت وانفصلت عنه انظر ما آل إليه حالك، أخجل منه لم يعد باستطاعتي أن أطلب منه إقراضك المزيد.

تخجل منه، أم تخجل أن تقول لي أنت فاشل.

- أختك مغرورة، مذ كنا طالبتين وهي تعتقد أنها تستطيع أن تستحوذ على العالم بجمالها فكيف وقد أصبحت حرم المقاول الكبير، الملياردير.

- لا تسممي حياتك بالغيرة منها.

- أنا لا أغار منها، ولكن أريد أن أذهب بعيداً عنها، مروان أرجوك لقد تلفت أعصابي.

وأنا تلفت أعصابي، وتلفت حياتي.

أتوقف أمام البيت، أيها البيت يجب أن أغادرك غداً، ولكنني مصمم على مغادرتك اليوم، أيها البيت كنت واحة حياتي، كنت لي الواحة يا ليلى فلم تغيرت؟.

- مروان حبك يكفيني، ولكن بحق الله دعنا نغادر إلى أي مكان تختار، لنذهب معاً، أو دعني اذهب مع الأولاد.

أنا المسؤول يا ليلى، حملتك الكثير، وأنا الآن أعدك بالراحة.

أفتح الباب.

- عدت يا مروان؟.

أحدق إلى وجهها، كم أحبها، هاتان العينان المحبتان العذبتان، هذا الشعر ما زال جميلاً كما عهدته، هذه القامة كم ضممتها.

ترنو إلي منتظرة.

- أعد لك القهوة.

- نشربها معاً.

تحدق في وجهي مستغربة.

- ما بك يا مروان؟ لم يرتعش صوتك؟.

- سنرتحل معاً.

- إلى أين؟.

- إلى حيث لا ديون ولا متاعب.

- عم تتحدث يا مروان؟.

- أتعبتك معي، وإن تركتك ستتعذبين أكثر.

فتحت فمها لتتكلم، عاجلتها بالكلام:

- أنا إنسان عاجز، لا أمل ولا رغبة لي في شيء، لم أستطع أن أحقق في حياتي شيئاً ولن أستطيع بعد الآن، من يعرف أنه ليس كفؤاً لهذه الحياة عليه ألا يعيشها، كان يجب أن أتعظ من أبي ولكنني لم أفعل، لذلك يجب علي أن أغادر.

اقتربت تريد أن تطوقني بذراعيها:

- ابقي مكانك، لا تقتربي مني.

ارتفعت يدي بالمسدس، التمعت عيناها بالرعب:

- لن تفعل ذلك.

ارتجفت يدي، انطلقت رصاصة، وثانية، وثالثة، انبجس الدم من كتفها من صدرها تلطخ قميصها صرخت، سقطت.

ركضت إليها، أخذت رأسها إلى حجري، أطلت من عينيها نظرة جارحة:

- لماذا؟.

لأنني أحببتك. لا أريد لك أن تذلي من بعدي.

ابتسمت بحزن، ثبتت نظرتها في وجهي:

- أحمد ورنا؟.

- سيعيشان.

- وأنت؟.

- اسمعي.

سمعت دوياً في رأسي، وتناثرت أشياء الغرفة، رأيت وجه أبي وأمي وأخوتي، من النافذة رأيت سماءً وغيوماً ودماً وسواداً.

ليلى:

- اشرب قهوتك يا مروان.

- سأعود لنشربها معاً.

لماذا سيعود؟ المفروض أنه سيذهب ليدبر أموره، لكم تغير، دخان، أرق، صراخ، أصبحت أخاف منه، أخاف هذه العصبية التي تحيل البيت إلى جحيم....

قالت لي رنا:

- إنني أخاف أبي، عندما ضرب أحمد البارحة ظننت أنه سيقتله، ماما، أحمد لم يعد صغيراً إنه في الرابعة عشرة من عمره، قال لي إنه سيترك البيت ويرحل.

أحمد يفكر بالرحيل، أهي لعنة متوارثة؟ مراون كان في السادسة عشرة من عمره عندما رحل، وأبوه الغجري المترحل؟!.

أكان خطأ اقتراني بمروان؟ ما أغباني وأنا أطرح هذا السؤال الآن، مروان أي تناقض يتنازعك، أي جنون؟.

- مروان أنت لا تعرف الاعتدال، إما دخل كبير وتبذير دون حساب وإما خسارة وتصفية أعمال وأيام صعبة وانتقال من بلد إلى بلد.

- في هذه المرة لن ننتقل سأعمل مع زوج مروة.

- عملت معه فماذا كانت النتيجة؟.

- وانفصلت عنه فماذا كانت النتيجة؟.

- إذن؟.

ونظر إلي نظرته المتحدية فلم أجرؤ على قول ما كنت أريد قوله.

ضاقت الدنيا، لم يعد هناك إلا زوجها ليعمل معه، أنفها في السماء وأنا بعيدة عنها، فكيف سيصبح ومروان تحت سيطرتها؟.

كنا صديقتين نتهامس بأسرارنا، تزوجت، اغتنى زوجها، داخلتها الخيلاء، مال وجاه، فيلا.. سفريات إلى أوربا، ثياب من أحدث بيوت الأزياء، شلة أرستقراطية انضمت إليها، لم تعد مروة التي أعرفها، أصبحت نجمة مجتمع متألقة.

- لا يا مروان سأذهب مع الأولاد إلى دمشق، ولك الحرية في أن تعمل هنا، أو تذهب إلى السعودية.

وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة ليشتعل:

- لست صغيراً، أصبحت في الحادية والأربعين من عمري، أنت والأولاد يجب أن تكونوا معي لا أحتمل حياة الوحدة، ولا أريد لكم حياة التشرد.

أأنا من تسبب في هذه الحياة؟ لعنة التشرد ورثها عن أبيه "كل سماء أعمل تحتها فهي سمائي"، وأنا أحن إلى سماء أظلت طفولتي وشبابي وأشعر بحنين يشدني إليها.

أغمض عيني، أحلم ببيت هادئ أعيش فيه حتى نهاية العمر.

سنوات زواجي كيف قضيتها؟ ست سنوات في السعودية، خمساً في الكويت، اثنتين في دمشق، اثنتين في عمان، لست بالإنسانة المتطلبة ولكن لي الحق في أن أمد جذوري في بلدي، أتمنى أن آلف الشوارع والشجر والناس، أن أحس بالانتماء إلى مكان ما بقعة من أرض وسماء.

أنا الباحثة دائماً عن الانتماء، في بيت أمي، في بيت أبي، في بيت جدي.

وجه زوج أمي بابتسامته المزيفة أمام أمي وعبوسه وراء ظهرها، وجه زوجة أبي "قطة المطبخ البيضاء السمينة" أسمعها تهمس لأختها:

- إنها تنغص علي حياتي.

تقول أختها:

- لماذا لا تزوجينها؟.

في المساء تقول لأبي:

- لماذا لا نزوج ليلى لأخي، لن تجد عريساً أفضل منه، يحمل إجازة جامعية، يعمل مع والدي في تجارته، مستقبله مضمون.

- ولكنها صغيرة، لا تزال في السابعة عشرة من عمرها.

وأتصور أخاها التافه، ذا الوجه الأبيض المنتفخ فأحس بالكراهية تجاهه.

يقول والدي:

- هيا يا ليلى اجتهدي لتدخلي كلية الطب، سأرسلك إلى أي بلد تشائين لتكملي اختصاصك.

وما كنت أريد الاجتهاد، ولا أن أصبح طبيبة، كنت صغيرة، ابحث عن الحب والحنان.

ووجدتهما في عصام، أربع سنوات وهو يسكن عيني وقلبي وسمعي، ضوء غرفته، رواحه، مجيئه، صوته العذب على الهاتف، غنية به فرحة، سعيدة، أنتظر يوم تخرجه ليتقدم إلى أبي، هل عرف هذا الغبي معنى أن يقول لي:

- يجب أن أكون صريحاً معك، لا أنكر أنني أحببتك أما الآن ففي حياتي فتاة أخرى، ثم أنني سأسافر إلى الخارج لأحصل شهادة الدكتوراه.

خرج عصام من حياتي ولكنه استعصى في قلبي، ما كنت أصدق أن حبي الرائع قد انتهى بهذا الغباء. كنت مجروحة الكرامة فجاء مروان ليرد لي كرامتي.

قالت مروة تعرّف بالشاب الداخل إلينا:

- هذا مروان. أخي الذي يعمل في السعودية، وهذه ليلى صديقتي.

التقت نظراتنا، رأيت في عينيه صحارى شوق وظمأ.

- ليلى قد أحببتك مذ رأيتك، في عينيك حنين وشوق، كأن كلاً منا كان يبحث عن الآخر وعندما وجده اندفع إليه.

كان متعجلاً وكانت زوجة أبي متعجلة فأقنعت والدي بالموافقة.

- مروان ليس الزوج الذي كنت أتمناه لك يا ليلى، لا يحمل إلا الثانوية.

- لا أحلم بأستاذ جامعي مثلك يا أبي، مروان طيب وسأكون سعيدة معه.

مروان الطيب، الوادع المحب، النقي، من يعرفه عندما يصبح مجنوناً؟... ما عرفت جنونه إلا بعد الزواج، أول مرة غضب فيها أمامي أخافني بعينيه المتوهجتين وعروقه النافرة، وصراخه الهستيري، ولكن عندما هدأ جاء إلي يقبل يدي:

- سامحيني أعرف أنني أخطأت.

السعودية شهدت عذابي وسعادتي وخوفي.

يعود إلى البيت منهكاً، يتناول عشاءه وهو مغمض العينين ثم يغرق في النوم، سئمت، حننت إلى بلدي، تمنيت العودة، تذكرت عصام، عنفت نفسي.

تقربت إلى مروان وعندما عرفته غفرت له جنونه، كان يغمرني بحنان ما عهدته عند أبوي كان صديقي وحبيبي وزوجي.

عندما جاء أحمد كاد يجن من الفرح، راح يرقص في البيت ويصرخ كالطفل.

- أصبحت أباً.

ثم جاءت رنا، قال لي:

- يكفينا اثنان، لقد كنا ثمانية أولاد، لو كنا اثنين فقط ما تشتتنا، ما ذهب كل منا إلى بلد، هل تصدقين أننا منذ عشر سنوات لم نجتمع معاً.

كان مهووساً بي وبالبيت والأولاد.

- البيت هو جنتي

 كان حنوناً وقاسياً، إذا أخطأ الصغيران ضربهما حتى الإيلام، ثم يندم ويغرقهما بالهدايا.

ربح وخسارة، فرح وحزن، خوف وسفر، إفلاس، شيك دون رصيد، رعب...

- لماذا أخفيت الأمر عني؟ كنت أحس ولكن لم أظن أن الأمر قد بلغ هذه الدرجة من السوء.

- لم أرد إخافتك، ظننت أنني أستطيع أن أتدبر الأمر وحدي، ثم ما الذي تستطيعين أن تفعليه.

كان يتحدث بألم ثم فاجأني بسؤاله:

- هل ندمت على الزواج مني؟.

تأملت وجهي الحزين، رأيت ملامح القهر واليأس.

- أبداً يا مروان، لقد أحببتك، وسأحبك إلى آخر يوم في حياتي.

تندت عيناه بالدموع وخرج من البيت.

لماذا تلح علي الذكريات؟ ألأننا على وشك أن نغادر هذا البيت الذي ألفناه إلى ملحق فيلا أخته؟.

أشعر أنني أختنق، وأنني لا أستطيع أن ألمح نظرة التعالي في عينيها.

أتمنى أن أعود إلى دمشق، لماذا يعاودني الحنين إلى بيتنا، إلى أبي، إلى الحي الذي نشأت فيه؟.

يا للأيام، يا لحياة الإنسان؟ من قال إن الإنسان يملك قدره؟ ليتني أستطيع أن أمتلكه لأتوجه إلى شاطئ أمان واستقرار.

يفتح الباب، أسمع صوت خطواته في المدخل.

- عدت يا مروان؟.

يحدق إلي بنظرة غريبة.

- أعد لك القهوة؟.

يأتيني صوته من واد عميق.

- سنشربها معاً.

- ما بك يا مروان، لم يرتعش صوتك.

ألمح في عينيه التماعة غريبة.

- سنرحل معاً.

- عم تتحدث يا مروان.

- أنا إنسان يائس، لا أمل لي ولا رغبة في شيء، لم أستطع أن أحقق شيئاً ولن أحقق، يجب أن أغادر.

أرنو إليه بحب وإشفاق، هذا الوجه المعذب يحتاج إلى لمسة حنان تمسح عنه أحزانه، أراه طفلاً صغيراً حزيناً، أتمنى أن أضمه إلى صدري لأبث في نفسه الطمأنينة، أسير إليه لأطوقه بذراعي:

- ابقي مكانك، لا تقتربي مني.

أرى المسدس في يده، أرى يده ترتجف، أرى عينيه تتوهجان وشفتيه ترتعشان.

- لن تفعل يا مروان.

- أريد أن أرتاح وأريحك معي.

- لا يا مروان.

سمعت طلقة وثانية وثالثة، ركضت إليه ولكنني لم أستطع، سقطت على الأرض، أحسست سائلاً دافئاً ينبجس من كتفي وصدري، كان قميصي يغرق في حمرة تكبر حتى تشمل كل شيء.

رأيت رنا قادمة إلي بوجهها الطفلي النضر، رأيت أحمد بنظرته الساهمة المعذبة، رأيت مروان بعينيه الذاهلتين.

سقط إلى جانبي، رفع رأسي إلى حجره، رأيت يديه بلون أحمر قان، رأيت دموعه تنحدر من عينيه وتقع على وجهي.

- لماذا؟.

 

- لأنني أحببتك كثيراً.

- أحمد ورنا؟.

تحركت شفتاه:

- وأنت؟.

لم أسمع، كأنني أسقط في واد بعيد، قبل أن أصل إلى القرار سمعت دوياً وصرخة وحلّ الظلام....

 

  

الرحلــــة

 

هل أستطيع أن أستعيد السنين الراحلة؟ أقول للزمن توقف، عشت عمراً لا أريده أرجع لي عمري لأعيشه من جديد.

عشرون سنة ركضت... هربت... لم يبق منها إلا تعب الجسد وجراح الروح... عشرون سنة عبرت... آه يا سنين عمرنا الآفلة أنا لا أحب الأفول.

أحب الحياة إشراقاً، تفجراً، فلماذا كان علي أن أنحت الصخر، وأن أستصلح الصحراء... لا الصخر أشاد صرحاً ولا الصحراء أعطتني الخضرة.

وحيدة والمدينة تعج بالحياة.... حزينة والدنيا تأتلق سعادة.

الليل يهبط على المدينة، كنت أحب الليل الآن بت أخشاه أخاف ويلاته.

ليل وامرأة وحيدة... يقول لها أخوتها كلنا حولك ولكنهم يمضون إلى بيوتهم ولا يبق إلاها معلقة بين السماء والأرض.

البارحة كان المصعد معطلاً، فاضطررت إلى الصعود على قدمي حتى الطابق السابع، دخلت الشقة فارتميت على أول أريكة خافقة القلب... خشيت أن تكون النهاية، ولكن ما زال الوقت مبكراً على الرحيل لا أزال في الخامسة والأربعين... منتصف العمر.

كنت أنظر إلى من هم في منتصف العمر وكأنهم ينتمون إلى جيل بعيد عنا، موغل في أعماق الزمن.

وصلت إلى هذا السن وأنا أعجب كيف وصلت.

تتراءى لي الأجيال راكضة... متلاحقة... تبدو لي الحياة متسارعة الإيقاع، أحس أن عبوري كان سريعاً... ومضة لاحت في سماء بعيدة... نقطة في بحر... ورقة في غابة مترامية الأطراف، وأعرف أن كل شيء ماض ونحن إلى زوال، فلماذا الأسى يعتصر قلبي... ولماذا أسترجع أيامي أنا التي أحرقتها لأصل إلى حاضري... أنا التي رجوت الشمس أن تغرب والأقمار أن تغيب لتنتهي أيام الغربة وأعود إلى بلدي.

قلت لبلدي فرح الطفولة والشباب، لهوائها نبض القلب وري الروح... شمسها الدفء والحب ونيلها الخلود والجمال... قلت:

- أهلي وحريتي.

الآن أقول إذا انكسرت الروح فكل البلاد سواء وإذا انغلقت سماء الأحلام أصبحت الحياة سفحاً دون قمة نرتع فيها ونعرف أن هذا هو المدى ولا أمل في ارتقاء.

يقولون لي:

- ماذا تريدين؟ حصلت على ما يلهث وراءه الآخرون حققت أمانك المادي فأفلت من الهموم.

وأقول:

- أريد الكثير وما حصلت إلا على القليل.

يقولون لي:

- القناعة.

و أقول:

- الطموح.

أهو التلاعب بالألفاظ؟ لا. هو التناقض جوهر حياتي، تمنيت أغرف من نهر الحياة ولكنها أعطتني من قطارة شحيحة... كنت أريد حياة حلوة متناغمة ولكن هي الفجوات والقفزات... هي مسافات الركض واللهاث وهي بلادة الانتظار... هي السعادة التي ظننت أنني قبضت عليها وامتلكتها وهي التعاسة التي امتلكتني... هي السر والعلن...

عشت في السر وما عرفت أن سري مكشوف وأن القصص الملفقة التي أرويها كانت قصص تندر في مجالس الآخرين.

لماذا اخترت حياة الظل؟ لماذا قنعت بما أوحى إلي أنه يغدقه علي؟ ألأنني كنت أحس بأنني لست صاحبة الحق أم لأنني كنت مخدوعة؟.

الخديعة... كلمة نحاول أن نستر بها هزيمتنا، أن نعلقها بأعناق الآخرين لننجو من محاسبة النفس، لنقول نحن لم نخطئ الظروف هي التي اضطرتنا.. ننسى هذه الرغبات التي تحرقنا وتدفعنا إلى ما نريد. أريد أن أزيح أثقالي أتخفف منها، أحيلها كلمات فربما استطعت أن أسقطها وأحللها وأتحلل منها.

الكتابة ليست مهنتي ولكنهم قالوا لي: حديثك طلق لماذا لا تكتبين فكتبت، ولكن ما أكتبه يأتي بعيداً عما أحسه....

الكتابة سباحة في بحر عميق وأنا تعلمت العوم متأخرة فلأحاول.

صفحة الطفولة:

لماذا ورثت قامة أبي القصيرة الممتلئة ووجهه الأسمر ذا الملامح الخشنة ولم آخذ من أمي قوامها الرشيق وبياضها الشمعي وأنفها الدقيق؟.

طرحت على أمي هذا السؤال فوجمت لحظة ثم قالت ضاحكة:

- عندما تكبرين تصبحين مثلي.

على هذا الأمل رحت أرقب أيام الصبا.

كنت المدللة فقد أتيت بعد خمس سنوات من الزواج، وكاد أبي أن يتزوج لولا أن استجاب اللَّه لنذور أمي، ودعا والدي اللَّه أن يرزقه ذكراً ولكنني جئت أنثى، إلا أنه تقبلني واعتبرني الصبي الذي كان ينتظر، رافقته إلى السوق والمقهى وإلى زيارات الأقارب، يحادثني، يناقشني، يجيب على أسئلتي الكثيرة ويرنو إلي بإعجاب.

كان أبي فخوراً بي لم يضق بأن ينادى "أبا فاطمة" ولكن نظرة غامضة كانت تنبعث من عينيه عندما يرى رفاقه وحولهم أولادهم الذكور وقد أصبحوا على أعتاب الشباب.

أحسست أن أبي يتوق إلى صبي وأن مكانة الرجل تعلو كلما كثرت ذريته منهم.

بعد سبع سنوات من مولدي جاء أخي محمود.

مجيئه كان أول ندبة في صفحة نفسي النقية المنطلقة التي كانت تظن أن الدنيا إنما خلقت لأجلها، ولعينيها تشرق الشمس ويأتي القمر.

عرفت معنى الهجر ومعنى الغيرة والكراهية...

تجاهلني والدي وكأني لم أكن الحبيبة الأثيرة، أما أمي فقد نذرت نهاراتها ولياليها لإجابة طلبات هذا القادم الجديد.

ولأعترف بأنني تمنيت موته، وكنت أتحين الفرص لأؤذيه، أحسوا بي فأبعدوني عنه.

فعرفت أن الدنيا صراع وأن الغلبة للأقوى، وما كنت الأقوى ولكنني كنت مصممة على الفوز وصممت ألا أغلب في ميدان حتى لو لجأت إلى القنص.

حاولت أن ألفت الانتباه إلي، فقالوا عني خفيفة الظل، وقالوا ذكية، ورأيت التماعة اعتزاز في عيني أبي يوم عرف أني متفوقة في المدرسة، استعدت جزءاً من مكانتي السليبة ولكنني أردت أن أنفرد بساحة الإعجاب.

هل خفت حدة عدوانيتي بعد أن جاءت أمل؟.

كنت في العاشرة عندما جاءت، رأيتها لعبة جميلة أو لعل حبي لها نبع من أنها استطاعت أن تنزع استئثار محمود بأمي.

من أوراق الصبا:

أقف أمام المرأة أتأمل الوجه.. العينين... الأنف.. القامة...