أصدقاء القصة السورية

الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | معلومات النشر | كلمة العدد | قالوا عن الموقع | سجل الزوار

 

SyrianStory-القصة السورية

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

للاتصال بنا

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

youtube القصة السورية في

facebook القصة السورية في

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 21/10/2009

الكاتب: صالح الرزوق

       
       
       
       
       

 

مبدأ الطاقة الحيوية

نماذج من أعمال الكاتب

بطاقة تعريف الكاتب

 

 

 

 

بطاقة تعريف الكاتب

 

مواليد حلب، سوريا، 1959.

متخصص في تكنولوجيا الألياف، وصحافي سابقا.

 

المؤلفات:

المأساة في الأدب، فوكو والجنسانية، الحركة الرومنسية في القصة السورية ( نقد أدبي )، دفاتر آدم الصغير، مجنون زنوبيا، دقات قلب آخر، حضور بصيغة الغائب (قصص قصيرة)، المصطلح والمعنى للكاتبين مورتون وهيرل، د. هـ. لورنس

والتخييل الديالوجي للكاتب دافيد لودج ( ترجمة عن اللغة الإنكليزية )، وقائع المدينة ( رواية ).

زيارة موقع الكاتب     مراسلة الكاتب                                        للتعليق على القصص      مواضيع أخرى للكاتب

نماذج من أعمال الكاتب

الإعدام

جنازة رجل مجهول

جهد ضائع

بيت في الضواحي 

 

بيت في الضواحي

 

 

خرج جدي من البيت و لم يعد. لم يكن ذلك سهلا بالنسبة لنا ، و بالأخص أنه في عنايتنا.

كنا نقطن في بيت بالضواحي. أمامنا غابة خضراء على مد البصر ، و ليس بوسعنا أن نخمن ماذا يوجد وراءها . هل هو البحر ، أم أنها صحراء قاحلة ، تتصل بالأفق و من خلفه السماء ، أو قد تكون مدينة لأهليها أقنوم آخر و مدارات غير التي ندور حول محاورها ؟..

لم يكن الجد بحالة طبيعية تسمح له بالتأخير ، فهو أصم ، و ليست له خبرة بأحوال هذه المنطقة ، التي نجهل نحن بالذات تفاصيلها. و قد حضر إلى زيارتنا من بيته الهادئ على سفح جبل ، حفرت فيه زمرة من الناس مغارات صخرية لتأوي إليها . و كانت و سيلته في السفر من تلك المسافة البعيدة حصان مطهم ، له في رقبته نواقيس من فضة ترن مع كل خطوة. دائما كنت أتساءل حينما يذهب جدي أو يأتي : لمن تقرع هذه الأجراس ؟...

قال لي والدي الراقد على فراش المرض أن أذهب لأبحث عنه قبل الغروب . كان غياب الشمس في هذه البقعة من العالم بمثابة كارثة ، بعده يخيم الظلام ، و تتبخر مياه الجدول الذي يمر على بعد فرسخ واحد من بوابة بيتنا ، فتغمر الدروب سيول من الملح حتى تظن أن هذا هو صقيع دائم ؛ و تهدر محركات سيارات أو عربات غير مرئية ، لا يظهر منها غير وميض أنوار خافتة.

كنا نحتاط ضد هذه الظروف غير البشرية بإيصاد البوابة إلى حديقتنا ، و بإطلاق سراح قطيع من الكلاب الشرسة للتصدي للدخلاء. و سلاحنا سيف مصقول منقوشة عليه طلاسم سرية . كان الوالد يعتقد أن الجد الأول قاتل به عند أبواب القدس ، وراء صلاح الدين.

لبيت هذا النداء على الفور ، و ذهبت سيرا على الأقدام إلى أول ( بيت نظام ) في الجوار.

لمن ليس لديه خبرة بمصطلحاتنا ، بيت النظام عندنا هو مخفر الشرطة.

و بمقدورك أن تحدد أين هو من لسان نار مشتعلة على أعلاه. إن لم تر النيران سوف تلاحظ ألسنة الدخان المتصاعدة إلى عنان السماء.

قبل أن أبتعد كثيرا. طلبت الوالدة مني ، بدواعي الحذر ، أن أصحب واحدا من قطيع كلابنا. طبعا استجبت لذلك. كانت الوالدة هي نبع الحكمة في الوقت الحالي ، و ذلك بعد أن أصاب الجذام الذهني الوالد و ألزمه الفراش.

انتقيت من حديقتنا الخلفية كلبا انضم مجددا إلى جوقة قطيعنا ، له وجه غريب يشبه بملامحه رجلا هرما، و بدأت مشواري.

حينما وصلت إلى حدود المنطقة ، سمعت صوت خرير المياه في الجدول الذي يمر منها. و قد أطرب ذلك الكلب الذي معي ، فتوقف حيث هو ، و باعد ما بين ساقيه ، و تبول على باقة من أزهار البراري البنفسجية . لقد أحزنني ذلك، و فطر قلبي . كانت لتلك الأزهار رائحة ملائكية ، فصفرت للكلب كي يتوقف عن ذلك و يتبعني.

حينما أصبحت المسافة إلى أول ( بيت نظام ) حوالي أربعين عقدة مائية ، استطعت أن ألاحظ ، تحت الدخان و لسان النار الضارية ، البرج الأسود الذي يأوي إليه حماة القانون.

و قد اطمأننت لذلك. نحن لدينا في هذا البلد نوعان من هذه البروج .. سوداء تتعامل مع الحالات الخفيفة ، و أخرى حمراء لا تنظر إلا في القضايا الهدامة، ذات الطابع التدميري ، أو إن شئت التي تهم أمن البلاد.

تمهلت حيث كنت للحظة ، و خلال ذلك رأيت رفيقي ، الكلب ذا الوجه الهرم ، يمعن النظر في البرج و النار المشتعلة في أعلاه، ثم يبدأ سلسلة من النباح غير المبرر.

بالفعل لم تتدرب هذه الكلاب على مواجهة الحرائق الضخمة ، و لكن من المفروض أنها على استعداد حتى لمقارعة الشيطان.

حاولت جهدي أن أجره ورائي إلى ( بيت النظام ) قبل أن يوصد أبوابه أمامنا عند أول مغيب للشمس ، لكن لم يفعل.

و الحال كذلك ، لم أجد بدا من العودة إلى البيت بخفي حنين . و خلال الطريق كان هناك أمل يحدوني أن أرى الجد في الصالة على مائدة المساء ، و أمامه صحن ثريد حار ، مع التوابل .. طعامه المفضل.

 2005

أضيفت في 15/10/2005 / خاص القصة السورية

 

 

 

جهد ضائع

 

 

في المطعم ، قرابة الظهيرة ، و أنا أتناول قدح شيكولاتة بالحليب ، اقترب من طاولتي طفل صغير بثياب زاهية الألوان و قبعة ميكي ماوس ، و قال لي :

-أريد أن أذهب إلى أهلي..

قبل أن ينطق بهذه العبارة الغريبة و المختصرة ، اعتقدت أنه متسول نظيف ، يعرف كيف يحتال على المرء. و لكن تبين لي سوى ذلك.

وقفت أتأمله لعدة دقائق ، و ابتسامة باهتة على وجهي لا تريم.

قلت من قلب عجنته الأيام بالهموم : و أين هم أهلك يا صاحبي..

فقال و هو يشير بإحدى يديه إلى طاولة أمامي : كانوا هناك.

نقلت عيني إلى الطاولة الأخرى . لم أجد غير نفاضة سجائر لا تزال سحابات الأدخنة تتصاعد من بقايا لفافة منتهية فيها .. هو خيط رفيع أبيض يتبخر في الجو مثل نسمات الروح. بالفعل أذكر أنه جلس على تلك المنضدة إثنان. رجل ثلاثيني بالبذة الرسمية ، و امرأة دونه بالعمر . و لا يزال خيال شكلها اللطيف و ثيابها العصرية الأنيقة مطبوعة في ذهني . لقد لفتت تلك المرأة انتباهي، و إلا لما تذكرت شيئا من العائلة المقتضبة ، و لكنني لم ألاحظ في حينهاوجود أولاد.

كان الكرسيان المتقابلان متباعدين عن طرفي المنضدة ، من غير إشارة تدل على عودة مرتقبة لمن كان هناك.

حرصت على أن أؤدي خدمة إنسانية من غير مقابل. لقد كانت أوجاعي بالبعاد و الاغتراب و تعثر أمور حياتي في هذه الفترة بالذات تقتضي مني مثل هذه الأفعال الخيرية البسيطة. ربما يساعد ذلك على إخلاء سبيل العواطف التي زكمت صدري و أعيته . فقلت أسال الطفل و أنا أعاونه على التجاوب معي بالابتسامة ذاتها : منذ متى غادر ابواك..

رد يقول بجواب لم أتوقعه : قبل أن تشرق الشمس بقليل ..

كان الطقس في ذلك اليوم متقلبا ، و تتناوب السماء فيه حالة من الكآبة و الإشراق ، و منذ دقائق فقط وصلتنا إلى داخل المطعم آخر دفعة من أضواء النهار، لذلك لم أستطع أن أكتم ضحكة خرجت من أعماق لم تعرف السعادة لفترة من الزمن . قلت في نفسي : هذا الولد لم يسمع بالساعة التي نقيس بها الوقت ، مثل جدي الذي مات و هو يسحب الماء من أعماق بئر حفرناه في أرض الدار خلف شجرة بلوط بائسة . لقد جفت مياه البئر و يبس جذع الشجرة . و أصبحت موطنا لهوام الأرض.

قلت للطفل و أنا أنهض من على الكرسي لأساعده في العثور على أهله : تعال معي ..

فتبعني صاغرا إلى خارج المطعم . وقفنا على الرصيف أمام الباب الذي يحمل شعار و اسم المكان بحروف أرجوانية بارزة، و جعلت أتفحص وجوه عابري السبيل و أقفيتهم.. قد أرى واحدا من أبويه يتسكع في الجوار و لكن لم أوفق في ذلك . لكم أن تراهنوا على هذه النتيجة.

التفت إليه لأستفسر منه عن علامة تدل على موقع بيتهم على الخارطة. و سألته : هل تعرف اسم الشارع الذي تسكنون فيه ..

قال بصدق مميت : نسيت..

-      و هل نسيت اسم المنطقة أيضا . أم أنك ملاك هبط من السماء..

فرماني بنظرة مثل سهم مسموم ، و لم يحفل بالرد.

خشيت أن أكون قد أخجلته أو جرحت أحاسيسه. فأضفت على سبيل الترضية : أليس في ذهنك إشارة عن البيت..

بكل وضوح رد بالإيجاب . قال : نعم . توجد بقالية تحت البيت . و يعمل فيها هندي أسود له عمامة ملونة..

للمرة الثانية تذكرت جدي المسن العجوز . و حاولت أن أخمن ماهية الخيط العجيب الذي يربط بين ذهنين هما في أقصى حالات التباعد .  الكهولة و الطفولة . التخلف و التفجر الصناعي. ثم بدت أتأمل بنظراتي الطفل الخائب الذي يبدو و كأنه طير خارج السرب .

سألته و أنا أشعر بتوعك سيكلوجي : و هل لديك علامة أخرى..

قال ببساطة : كلا ..

و هنا دب اليأس في قلبي . و حزرت كم ورطت نفسي في هذه المشكلة العويصة. و جعلت أقلب الموقف بكل احتمالاته. ثم اهتديت إلى أن أنقله إلى أقرب مركز شرطة . لم يكن يعوزني لإتمام ذلك غير ركوب تاكسي و دفع مبلغ زهيد. فمراكز الشرطة قاب قوسين إذا ما وضعنا في الاعتبار أننا الآن في وسط المدينة . في الشارع الرئيسي الذي يصل طوله إلى حوالي عشرة كيلومترات. فهو يربط طرف المدينة الشرقي المتاخم للنهر بطرفها الغربي الذي تحده منطقة المرج . و هناك ترى فيلات الأغنياء و العربات الجديدة التي تقف أمامها كأنك في يوم استعراض سنوي.

على هذا النحو ذهبت أفكاري . في مركز الشرطة سوف يهتم أحدهم بالأمر ، و بذلك أكون قد طهرت قلبي من إثم قديم لا بد أني ارتكبته في وقت مضى. إن المرء مثقل دائما بالخطايا . نحن مثل خزانة ثياب قديمة نعلق عليها ما لدينا من ثياب بالية.

حينما وصلنا إلى المخفر ، طلبت من السائق أن يتوقف ، و كان زنجيا ، له صف أسنان أمامية ضخمة لن تجد مثلها إلا داخل فم حصان. و قد وضع خلف المقود نسخة من كتاب ثخين.

توهمت في البداية أنه الكتاب المقدس . هذا التصرف شائع هنا ، و لا سيما بين صفوف السود الذين يفرون من لعنة ألوانهم باللجوء إلى ملكوت الرب أو الله إن شئت. فالرب كلمة إنجيلية بينما الله كلمة مقتبسة من القرآن . و إذا كنت شخصيا لا أعزو فرقا بين المفردتين، لن تغيب عن الذهن الفطن الدلالة الكامنة في كل واحدة منهما.

على أية حال كان المجلد ، بعد أن أمعنت النظر فيه ، كتاب الوجود و العدم لسارتر. فاستغربت ذلك . أن يقتني سائق شيئا من هذا القبيل .

قال الطفل بعد أن غادرنا التاكسي : هذا ليس هو الحي الذي أسكن فيه . أنا لا أرى البقالية . هل أنت معتوه..

لقد أصابتني كلماته في الصميم ، كمن لمس جرحا في الباطن ما فتئ ينزف ، و لكنه من كل بد لم يكن سيء النية.

نظرت إليه و قلت بما وسعني من برود : سوف ترى الآن الحكمة من هذا. اتبعني و أبق لسانك في فمك...

لم يسعده تعليقي ، و سمعته يتنهد . و لقد حز ذلك في قلبي أنا الذي نذرت هذا اليوم لعمل نقصد منه المسرة.

من بعد عدة أمتار لاحظت أن باب المخفر كان مشرعا بلا حراسة . لقد كنا نحن على الرصيف المقابل . و ليس علينا لندخل إليه و ننجز الأمر إلا أن نعبر الشارع حين تخف حركة المرور ، و تشتعل إشارة المشاة الخضراء.

و مع ذلك شعرت بالتردد. كنت أحبذ الابتعاد عن ذوي البذات الزرقاء ، و لا أرغب بورود اسمي في أرشيفهم.

قلت في نفسي و أنا أمحض المكان و المبنى الآجري القديم الذي يؤويه و الحديقة الهزيلة التي تحاول أن تمنحه شيئا من البهجة إزاء طبيعة اهتماماته: لو حصلت من الفتى على رقم شارع أو اسم أو حتى نصف اسم لبذلت مجهودا آخر و نقلته إلى أهله من غير بوليس..

و لكن قبل أن أبدأ بجولة أخرى معه لاستنطاق ذاكرته، رأيته يندفع عبر الشارع، و من بين حركة مرور المركبات الآلية، إلى الرصيف الآخر..

و كان يزعق بصوت مرتفع : أنا هنا .. أنا هنا........

و في أقل من لمحة عين أصبح على الرصيف الآخر بالقرب من شخصين. لم تغب عن بالي صورتاهما . الرجل الثلاثيني بثيابه الرسمية التي عادة ما يرتديها أهل هذا البلد في أيام العطل و بعض المناسبات الخاصة ، و المرأة الأنيقة.

لقد بدا الاهتياج ثم الحبور على أفراد العائلة. جميعا. دون أن يعنوا بإلقاء نظرة باتجاهي أو حتى بإرسال إشارة شكر على شكل تحية لا ينقصها العرفان و المغزى.

انسحبت من هناك محبطا باتجاه مقهى قريب تجد فيه بالعادة الفنانين و الأدباء ، و كان يرتاد إليه كولن ويلسون و ألان سيليتو ، رواد أدب الرفض  أو من نسميهم بالجيل الغاضب ، و ذلك لأحصل على بقية كوب الشوكولاتة الساخن أو على فنجان برتقال مثلج.

أضيفت في 06/06/2005 / خاص القصة السورية

 

 

 

جنازة رجل مجهول

 

 

سافرت إلى نكلترا منذ ردح من الزمن. تبدو لي الأزمنة متصلة حين تكون الذكريات على قيد الحياة. وقد ذهبت إلى هناك بالقارب الشراعي الوحيد الممكن من زاوية المنطق، وأقصد به الطائرة .. مركبة مخصصة لتسير  فوق السحب.

بعد فترة تأقلم مع المستجدات: لغة وعادات ووجوه غريبة، كان أحد الزملاء يقول عنها إنها لأبالسة فرت من الجحيم ، ولا تغرنك أشكالها الجذابة، قادني إلى لندن زميل آخر في نزهة غير مخطط لها.

أول ما خطر في الذهن موطن كولن ويلسن ، سوهو المشتعلة بأضواء من اختراع أديسون، راهب المصباح الكهربائي ، ثم نصب الأدميرال نيلسون، المنحوت من الغرانيت و الذي يقف وسط ساحة الطرف الأغر على عمود طوله خمسون مترا. شراع شاهق في عرض المدينة ، و أمام مبنى متحف الفن الوطني، حيث توجد أثمن الرسوم لمونيه و بيكار و فيلاسكيز و سواهم و سواهم...

وقفت عند قاعدة التمثال، وقد خامرتني الشكوك أن هذا هو الأمير السعيد الذي تحدث عنه أوسكار وايلد بعد أن جردته الطيور مما يملك . الأموات لا تستطيع أن تدافع عن ممتلكاتها.

وأنا أنظر إلى تفاصيل وجه التمثال. العين المستورة بعصابة و الأنف المستقيم و محجر عين أظن أنها زرقاء ، ولكن في الغرانيت لا ترى غير الظلال القاتمة. ألوان كئيبة ومشاعر شاحبة ، سألني صديقي: هل ترغب بزيارة ضريحه في المقبرة.

لم أمانع.

ولكن لم أبتعد عن المكان إلا بعد الحصول على صور من بولارويد رخيصة تسجل لحظات سعيدة من العمر على سبيل الذكرى ، و مع ذلك لا تمنحك الطمأنينة لأنها أوتوماتيك . فول أوتوماتيك . من غير لمسة. بلا روح. بها أضمن لك الإصابة بمرض العصر ، الاغتراب ، فن الوجود الذي تنفصل فيه أبداننا عن عقولنا.

استغرق المشوار حوالي عشرين دقيقة بقطار الأنفاق . شعرت خلالها بالبهجة كما لو أنني في مدينة الملاهي ، أجلس في دولاب دوار لا يفتأ يلف بي حول محوره.

كانت بوابة المقبرة مفتوحة. ومنذ أول خطوة تستطيع أن ترى في الخلفية ديرا صغيرا. مصلى من آجر أخضر ، وبجانبه الضريح الرخامي المهيب في قفص من الحديد.

لقد استحوذ الضريح الثمين على انتباهي ولا شك، مثلما فعل النصب التذكاري المدهش. ولكن لفت نظري حضور متواضع لموكب قوامه نفر قليل بالعدد ، كانوا على ما يبدو يودعون في القبر تابوتا من خشب الورد الخشن لامرئ عزيز على قلوبهم . لقد عرفت ذلك من الطريقة التي وقفت بها على أعتاب القبر ، العرش الإمبراطوري للموت ، سيدة صغيرة لها معطف رمادي ، وعلى عينيها عوينات سوداء ، ربما لأن الحياة بالنسبة لها في هذه الآونة قد أصبحت عبارة عن كهف معتم تنمو فيه  أشجار أحزان لما تبدأ . وكانت بيدها فوطة تمسح بها دموعها.

دمعتان لهما بريق النجوم في سماء مكفهرة . لقد كان وجه تلك السيدة على سدة الموت بتولا وذا طغيان يفتقر إليه الجنرالات،  وهم ببذة رسمية كاملة مع نصف دزينة من أوسمة ملونة.

من منا بمقدوره أن ينكر أهمية الدموع وهي في عيون النساء ؟.

على نحو عفوي ، انصرفت من أمام ضريح ويلسون ، القائد الذي نكن له الاحترام ، واقتربت من أعضاء موكب الجنازة الأخرى.

لقد اخضلت عيناي أنا كذلك.

لملكوت البسطاء تأثير على قلوبنا.....

 

 

الإعدام

 

 

قال وهو يتحسس قمة رأسه: حاول أن تنسى.

دفعت وجهي إلى الناحية الأخرى ، وراقبت ذرى الأشجار وهبوط الليل ، أو ما خيل إلي أنه ليل ، ثم تساءلت: هل تظن أن الأمر تم من غير ألم ؟.

هز رأسه، وقال باقتضاب: من غير ألم.

ثم أضاف: ما رأيك لو أشعلنا نارا هنا ؟.

***

تشاغلت برهة بإشعال النار ، إلا أن فكرة الموت من غير ألم عادت لتقلقني .. لتنق في صدري  بموجات نبضات قلب يختلج ، فسألته و أنا ألقي غصنا جافا وسط النار المشتعلة : لا بد أنه تألم و لو قليلا .

حرك صديقي غصنا غليظا عند قمة اللهب قبل أن يقول : ربما . ولكن أرجو أن يكون الليل دافئا . قد نضطر إلى النوم ها هنا .

واستطاع بملاحظته الأخيرة أن يحول تفكيري إلى مشكلة أخرى.

كانت الأشجار منتشرة من حولنا في كل مكان ، والتربة البودزولية القاتمة تنبسط إلى مسافة بعيدة . وقد أبديت حيرتي بكلمة ما . ربما قلت : اللعنة . أو : تبا لي . ثم فكرت بوجه الشخص الثالث الذي اختفى من الوجود .. نعم اختفى نهائيا. لحظة استدار ليواجه شجرة الحور كانت ركبتاه ترجفان إلى حد ما ، وأظن أنني سمعت صوت الهواء يندفع من بين شفتيه و خارج أنفه أيضا. كان يحاول أن ينطق بكلمة . وبقي كذلك يحاول ، حتى أتت طلقة الرحمة . الحق أقول ، تلقاها بهزة عنيفة ، ثم انطفأت في صدره كل المشاعر . ورأيته يتهاوى ، ثم يرتمي على جذع الشجرة . أراهن أنه لم يحس بخشونة لحائها لأنه فارق الحياة فور إصابته . ولم أعط نفسي فرصة كي أشاهد خيط الدم يخرج من مؤخرة رأسه و يبرق على الأرض مثل لعاب الحلزون . لقد أدرت وجهي ، ونظرت إلى شجرة أخرى لها فروع قيد التبرعم ، إلا أنها كانت في تللك اللحظة تشهد مثلي تنفيذ حكم الإعدام.

***

كادت النار أن تنطفئ ، فحملت إليها أغصان نبات عاقول شوكي ، ألقيتها فوق النار الراكدة، وقلت بصيغة تقريرية: هل تعلم أنه أحس بمصيره ؟.

قال: حين ابتعدنا كثيرا خطر له ذلك.

أضفت : و الطريق .. سلكنا به طريقا غير مألوفة .

وأصغيت برهة إلى أزيز الخشب المشتعل ، ثم قلت بصوت خشن مرتبك : لست نادما على ما حصل . هل أنت نادم ؟.

وشعرت بسخافة كلماتي . كنا نحن الإثنين حزينين و مضطربين إلى أبعد حد. أذكر الآن كيف أصبح وجهه بلون الورس الأصفر حينما شاهد شجرة الموت . ابتسم و رمق جذعها الوردي .. ورديا كان وله انعكاسات ضوئية على حباحب الماء. لم ينتظر كي نبلغه القرار قبل أن يبتسم لنا . وهذا ما لم أتمكن من تفسيره .

- تعرف أنك مخطئ . قال صديقي بهدوء وحزم . فهز رأسه على طريقة طفل عنيد اضطر للاعتراف بهزيمته .

وتابع صديقي قوله : و إذا..

ثم صمت . وهكذا أبلغه قرارنا.

آنذاك كان الحصن الذي انطلقنا منه بجيادنا يبدو بعيدا كفكرة مستحيلة. كانت الجياد تنقر الأرض بسنابكها و توقظ موجات متعاقبة من القلق السديمي الذي لا تعرف له سببا .. يتوالد في القلوب المثخنة بالشك والاضطراب على شكل عناق الأضداد.

ألقيت نظرةغامضة إلى رؤوس أشياء مبهمة كانت ترفرف فوق المكان وفوق كل مكان ، وقلّبت في رأسي فكرة الإعدام .. لماذا اتخذنا قرارنا ، ماذا فعل ، وما معنى أن تكون مخطئا وآثما؟..

***

نبشت تراب الأرض بأصابع متعجرفة انتفخت في سلامياتها عقد من عظام ، وجعلت أذروها في الجهات ، ما كنت أتوقع الوصول إلى أعماق الأرض المائية ولا اكتشاف كنوز الملك سليمان ، كنت كمن يذر الرماد في عيون بصاصي الليل ، ثم التقطت حجرة صغيرة تشبه مكعب إبليس ، رميتها في النار وشعرت بحاجة إلى أن أنطق بشيء ما أدافع به عن نفسي . لكن صديقي عاد إلى حركته المألوفة ، فلامس قمة رأسه بأطراف أنامله ، و فكر قليلا ، ثم نهض من مكانه . كان لوجهه قسوة سماء مدينتنا حين تمتلئ بسحب داكنة . وبحركة مفاجئة انقض على بقايا النار يدوسها بقدميه  ، وهو يقول : أفضل العودة . لا أطيق البقاء في هذا المكان.

ولما أتم كلامه كانت النار قد انطفأت  ، ولم أعد أميز في وجهه غير عينيه المتألقتين بالدموع.

 

أضيفت في 24/05/2005/ خاص القصة السورية / المصدر: الكاتب

 

كيفية المشاركة

 

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية