|
القائمة

الأدب الفلسطيني تحت الاحتلال
وفي المهجر
3نماذج قصصية -
شعرية

في انتظار بربارون
بقلم الكاتب:
أحمد يعقوب
(وقائع وسيرة)
الإهداء:
إلى حسين جميل البرغوثي... طبعا
I
سيجارة أخيرة هي ما تبقى في علبة السجائر. لا أذكر إن كان هناك فيلم سينمائي
بعنوان "الرصاصة التي بقيت في الجيب" .. أو: الدينار الأخير في البيت !!
لكنني, أعرف ذاك السؤال : ماذا بعد الأشياء الأخيرة !!
انظر إلى زوجتي2، وهي تنظر إلى علبة السجائر، تبتسم وتقول لي: " دخنّها لا عليك
بي". وأتساءل:لماذا "يعتبر الناس المرآة عميقة ? أ لأنهم لا يلمسون العمق لديها
أبداً ؟" .
لا أذكر من قال:" حتى تنتصر خارجياً عليك أن تنتصر على دواخلك أولاً ". وأحاول
تذكر اسم أحد أبناء الخلفاء العباسيين ،أحدهم كان مولعاً "برمّ" التراب، وقد
أحضر والده الخليفة كلّ أطباء الخلافة علّهم يبرؤوه من "المتعة القاتلة" ولم
يفلحوا. لكن شاعراً قال له :" أين منك همة الرجال "؟ .. وبعد مدة ،عندما، رأى
من كان مريضاً الشاعر قال له:"روضت نفسي ولو أمرتها أن تمتنع عن الهواء لفعلت".
أنا أيضاً أستطيع محاربة أهوائي و متعاتي و عاداتي وغرائزي, لكن بشرطٍ واحد
: أن أقرر أنا ذلك ، لا أن يقرر لي ذلك أحد ، ولا أنفذ ذلك تحت وطأة ظروف لست
أنا من يتحكم بها ..
ربما كان هيغل من قال:" لم يتحقق أي شيء كبير دون أهواء ".. ولا أذكر إن كان
نيتشة هو الذي قال: "الذي لا يعرف كيف يوظف إرادته في الأشياء فليضفِ عليها
معنى ما على الأقل.. فذلك يوهم بأن فيها إرادة مسبقاً " ...ماذا سأفعل كاستباقٍ
لما قد يأتي ؟.
أنا الذي يأسرني " مالك الحزين " أو قل: طائر اللقلق !!و لهذا الطير خاصيته
الاستشعارية تجاه الرياح ..فهو يستشعر قدوم العاصفة, وفي الحال يستكشف منطقة
لا تمسها العاصفة ، فيبني عشاً جديداً, ويبدأ بنقل أفراخه إليه, فتمر العاصفة
دون أن تدمر عش اللقلق.
فكيف لي أن أقاوم الحزن والقهر ؟!.
في بيتونيا إلى الجنوب من رام الله، حيث سكنت في "شقة أقرب إلى السماء" ،
وعندما كانت التطورات تشير إلى إنهم سيحتلون بيتونيا ، فلقد فرحت لذهاب زوجتي
إلى غزة كي تنجب وليدنا، الأول بين أهلها,وإن كان ذلك طبيعيا, فإن الأمر الأهم
بالنسبة لي هو أنها لن تراني إن هم أذلوني أو ساقوني كعبد.عندها كنت أسآئلني:
هل سأقول لهم
"خذاني فجرّاني ببردي إليكما
فقد كان قبل اليوم صعبا قياديا"!
أنهضُ, صامتاً, أحاول إظهار توازني وقوة إرادتي, بل وكبريائي أمام زوجتي. لهذا
تركت السيجارة في مكانها وذهبت باتجاه الشرفة.
لقد اعتدت أن أقول للبحر: سلاماً أيها الأزرق. لكنني أراه الآن باهت اللون. كل
ما يبدو لي هو لون يمتزج فيه الرمادي المطفأ بالأزرق المطفأ أيضاً. ليست عيوني
هي التي تراه هكذا، وليست السيجارة الأخيرة وما بعدها، ما يجعلاني أرى البحر
هكذا.. هل أصيب البحر بالقلق أيضاً !!
أذكر أنه في تحليل النفس السريري لفرويد يُسأل المريض عن البحر:صف البحر!! ماذا
يعني لك البحر؟ هل تجيد السباحة؟إلى أي مدى تسبح ? في الأعماق أم على الشاطئ
فقط ?. على هذه الأسئلة يجيب اللاوعي عن موقف المريض من الحياة ورؤيته لها.
"هل تسممت حياتي"!!
لماذا "روحي توجعني"؟؟
للسماء أيضاً ألوان تبعث على الكآبة. ثمة غيوم تسبح بين الأبيض المتسخ والرمادي
المستهلك والأسود المطفأ.. هل أرى قلقي شبحاً يتخفى بين الألوان ما بين البحر
والسماء !!?
من هذه الشرفة كنت شاهداً على وقائع حية لانقضاض طائرات الـ(أف 16) على الشاطئ
الذي أراه على بعد فراسخ قليلة.
أكاد أجزم أنني سمعت صرخات بعضهم - المقصوفين- قريباً من فندق ماريوت غزة (طور
الإنشاء) شاهدت سيارات الإسعاف تصل إلى المكان. لكنني لم أتمكن من متابعة
المشهد, وكان مشهداً يوحي بالسيادة المطلقة. الطائرات أغارت ثانية في اللحظة
التي بدأ فيها رجال الإسعاف مهامهم. وقبل أسبوع من تلك الغارة العربيدة ، وفي
عين المكان (كما يقول التوانسة) لم يكن الصيادون قد أناروا قناديلهم ، كان
فجراً, وكان ذلك نذير شؤم .
أصوات زنين مزعج كانت تملأ الفضاء, خلتها للطائرة "الزنانة" كما يسميها أطفال
غزة , وهي ذاتها التي أطلق عليها أطفال لبنان "أم كامل" .لكنها كانت أصوات
الزوارق الحربية التي يسميها الإسرائيليون "الدبور" !!
"دبور" و"زنانة" !!
قصفت "الدبابير" قريباً من الفندق طور الإنشاء. وكنت أعدّ عدد الإطلاقات منذ
لحظة خروجها من فوهات المدافع ، حتى لحظة انفجارها قريباً من ماريوت غزة, الذي
ربما تسكنه الأشباح فقط .
كل انفجار كانت ترافقه صيحات أطفال جيراني، كانت صيحات ممزوجة بالهلع
وبالنشيج.
لا أدري إن كانت السيجارة الأخيرة تجعلني أسمع الآن الصرخات تلك ! وكذلك أصوات
سيارات الإسعاف التي تعرضت للقصف أيضاً.
الآن، تقتحم مخيلتي مناظر جنود وكأنهم يأتون من البحر ..ويعودون بشباب الحي
مقيدي الأيدي ومعصوبي العيون كأنهم عبيد !!
(شيء خفي يطالبني بإعادة قراءة سبارتاكوس وعنترة) عند ذلك كيف سيكون منظري أمام
زوجتي ?!! وكيف سأظهر توازني وكبريائي !!
أغلقُ النافذة كما أغلق ديوان شعر لا شعر فيه, وأجلس أرضاً كالذي ركلته تلك
الصور.
كانت نظرات زوجتي ترافق حركتي وها هي الآن توجه نظراتها إلى علبة السجائر,
كأنها توحي وتومئ لي بأن أدخن السيجارة الأخيرة, هل حقاً تكون المرأة الملاك
والشيطان في آنٍ واحد ?!
اللعنة !!
اللعنة
أين أنت أيتها الطمأنينة الآن ?!
حقا ما يقوله حسين، في "ذاكرة عادية في زمن غير عادي ": "الاحتلال يترك
إحساساً بالعجز والتوتر" ...
ربما لهذا السبب انتحر خليل حاوي3, و ربما لهذا السبب أيضا احتفظ محمود درويش
بمسدس عندما رفض الخروج من بيروت 1982
أنظر إلى البحر.. وأبتسم .. أطرد تهيؤاتي عن الجنود.. وأتوهم خضير ميري4 يرسو
في مركبٍ فينيقي ..تحمل اسم "آتيه" إله الجنون ومعه كل فلاسفة التاريخ وعظام
المجانين .. وأراه بلحيته من السرخسيات وشعر من المرجان..في يده اليمنى "الجنون
عند نيتشة5" ..وفي اليسرى "صحراء بوذا6" ..وعلى صدره يافطة تقول: "الفكر
المشتت7" !!
أذهب إلى مكتبتي لأبحث عن خضير ميري، أو "معدان" 8 وارد بدر سالم. أنظر إلى
كتبي القليلة.. وأحنّ إلى مكتباتي التي تركتها أينما حللت.،
قال لي مهيب البرغوثي9 : " إن درزياً كان مع الجنود الذين اقتحموا شقته على "روف
رام الله" .. وانتقى " أمهات الكتب"..!!
هل افتدى مهيب حياته بالكتب ؟أم بحكمة الجنون ؟أم بجنون الحكمة ؟
أقلب قنوات التلفزيون كأنني أبحث عن قناة تقول خبراً درامياً ..يحل عقدة هذه
التراجيديا التي ربما هي عصية على "اسخلوس" المؤلف الخالد للتراجيديات
الإغريقية. الأمر هنا لم يعد بيد "أفروديت" ..ولا "زيوس" ..ولا "أبولون" أو أي
من تلك الألهة بما في ذلك "آتيه" . الأمر هنا متعلق "ببروميثيوس" آخر سلب
المعرفة والأفكار والحكمة, وقدم نار الحرب..
اقلب قنوات التلفزيون أبحث عن أي شيء...
ثمة مسرحية كوميدية ..فأقلب
..فيلم مصري ممجوج !!فأقلب..
أغنية من أغنيات الموضة المتشابهة في كل شيء حتى بأصوات المغنيين!!
أخرج من القنوات الفضائية إلى المحلية..
تلفزيون الأمل الذي يبث من الخليل يعرض مشهد الجنود الإسرائيليين وهم يجرّون
فلسطينياً في شوارع المدينة..
تلفزيون النورس يعرض مشهد المواطن الخليلي الذي أصابه الجنود في رجله.. وأبقوه
في الشارع يلوح برجله التي "انقصفت رقبتها "؟؟
التلفزيون الفلسطيني الرسمي يقدم نشرة الأخبار وهي مليئة بالمشاهد الكارثية..
التلفزيون الإسرائيلي في إحدى قنواته يقدم حواراً مع ملتحين يضعون ( الكبّة )
على الرؤوس. أقلب..
في القناة الثانية ثمة دعايات إعلانية تقدم مزيجاً من الفنتازيا الممزوجة
بالشبق, و سرعان ما تطل المذيعة ذات الوجه الطفو لي تتحدث بغنج خفي ودلع واضح,
في صوتها رنة موسيقية تزيدها رقة وشفافة , شيء ما يشبه صناعة البهجة المزعومة
للتأثير في المتلقي في حالات عدم الرضى الشعبي في الحروب .أشعر أنها تنظر إلى
المشاهد بعينين ساحرتين وكأنها تراوده عن نفسه .
تنتقل الكاميرا إلى أعداد كبيرة من الجنود والمجندات فأفهم أنه برنامج ترفيهي
للجيش !!
يصفق الجنود الحضور ويهتفون مبتسمين .. وأتساءل هل أحد هؤلاء الجنود هو من أطلق
الرصاص عليّ؟؟ وهل هؤلاء الجنود هم الذين يقتلون ويدمرون ويستبيحون كلّ شيء ؟!!
هل هم من يقتحمون البيوت الفلسطينية ويملؤنها بالرعب! والسحل! والاعتقال!
والتيتيم! والثكل !!
إنهم يبتسمون !! ويغنون !! ويتمايلون!!
تظهر الكاميرا وجوه المجندات الجميلات جداً.. شيء ما يشبه نجوم هوليود .
أذكر أنه في العهد القديم عند الحديث عن الحرب المقدسة ثمة وصايا للمحاربين
اليهود , أذكر منها : "أنه إذا بنى أحدكم بيتاً جديداً ولم يدشّنه فليرجع إلى
بيته لئلا يموت في الحرب فيدشّنه سواه, وإذا غرس أحدكم كرماً ولم يقطف ثمره
فليرجع إلى بيته لئلا يموت في الحرب فيقطف ثمره سواه. وأي واحد منكم خطب امرأة
ولم يتزوجها , فليرجع إلى بيته لئلا يموت في الحرب فيتزوجها رجل آخر
"...وأتساءل كيف يخوضون هذه الحرب القذرة ? فأتذكر أنهم لا يبنون!! ولا
يزرعون!! وقد تركوا ذلك لـ"العبيد الكنعانيين "..
في الحال يدخل "موفاز"10 إلى الاستديو الطبيعي.. فتتعالى الهتافات والتصفيق
..ويزداد صوت المذيعة شبقاً وهو يتداخل مع موسيقى خاصة ..
شيء ما يذكر بموسيقى فاغنر والأنوار الكشافة المركزة على الزعيم .. حيث
المشية البطيئة للفوهرر باتجاه المنبر وسيل كلامه العنيف والموقع .. وهي تنمي
وتمجد الهذيان الجماعي للحضور !!
يتبادل "موفاز" القبل مع المذيعة التي تكشف عن عري ظهرها ، تبدأ الحديث مع
موفاز ، التقط بعض الكلمات العبرية ذات الأصل العربي واللاتيني,
لا أذكر إن كان الحاخام "ابن ميمون الأندلسي" هو الذي وضع قواعد اللغة العبرية
وفق قواعد اللغة العربية.. اسمع "موفاز" يقول : "ملخماة نيكد تيرور " فأفهم
ملخماة من ملحمة أي: لحم /حرب/تلحيم..
وأظن " نيكد" من
negation
بمعنى نفي أو ضد ..ولا أدري لماذا تذكرني بالنكد !! ألأن كلاهما تضاد!!
ولأن تيررور واضحة المصدر من
terrorism
فأفهم أنه يتحدث عن تلحيم الإرهاب..
ويقول أيضاً فغوا .. فأعتقد أنه يقول فقع / انفجر.. فأظن أنه يتحدث عن العمليات
.
يتجه نحو جنده الحضور بالكلام .الأمر الذي يجعلهم يهيجون ويرفعون قبضاتهم
ويصرخون فتخلو وجوههم من كل العلامات التي كانت تعلوهم في بداية البرنامج ..
لا أدري لماذا تخيلته يتلو عليهم خطبة عن الحرب المقدسة من العهد القديم : "
وأما مدن هؤلاء الأمم التي يعطيها الرب إلهكم ملكاً فلا تبقوا أحداً منها حياً
بل تحللون إبادتهم وهم الحيثيون والأموريون والكنعانيون كما أمركم الرب"
حقاً "إن وحي الحرب هو أخوة الحشد الفوضوي المستسلم إلى المذبحة في نشوة مماثلة
للرغبة الجنسية" . ( فان سلون في كتابة المنبوذون)
فالنوازع الغرائزية تتخذ صفة مقدسة , وبذلك تحديداً تصبح انفعالية , حينذاك ,
كل شيء ينحني أمام هذا الخير المطلق , وكل شيء يكون مسموحاً به , الحيلة والكذب
والنية السيئة والاغتصاب والنهب والتعذيب , ويظهر شكل جديد من التقدير إزاء
الخصم ...لأن الاحتقار إزاء عدو معين يؤدي إلى الازدراء بالكذب عليه.. ويقتصر
تبجيل التضليل على الذين يعتبرون مساوين ..
لا أدري لماذا أخضع " كلازوفيتز " الحرب للسياسة؟
عند موفاز أرى شغفاً وحيداً ومتعة وحيدة في رياضته "التدمير الحقيقي" ..
أظنه يقول:" الحرب هي صحة الدولة .. الاكتفاء الذاتي .. التخطيط .. هي صحة
الاقتصاد .. فالإنتاج العالي الوتيرة يجب أن يعتمد في نجاحه على التدمير العالي
الوتيرة "!!
ثمة من يعتبر الحرب مثل العيد أو الكرنفال ..ويبرر ذلك بأن الدولة تؤكد نفسها
وتبررها وتمجدها عبر مجابهتها لكلية أخرى ..لذلك فإن الحرب تشبه الكرنفال وتشكل
ذروة مساوية له, ويبرر ذلك بأنه عندما لم تكن الدول قد فقدت بنيتها المقدسة ،
كانت تعيش على الطقوس السحرية الدينية، لكنها، عندما أصبحت دولة عنصرية باتت
محكومة بالقوة والبطش في الحرب التي تضعها في مواجهة الدول الأخرى, وليس في
الكرنفالات التي تتطلب المشاركة الجماعية بين الناس والمجموعات..
لو كانت إسرائيل دولة دينية لليهود لفعلت ما تفعله دولة الفاتيكان .. واكتفت
بطقوسها .
اللعنة!!
انقطعت الكهرباء في الشقة !
اللعنة !!
قالت زوجتي : "إنه الموعد الروتيني لانقطاع الكهرباء" ...
كأنها بذلك تقول لم يقطعوا الكهرباء إيذاناً ببدء الاجتياح، وتشعل شمعة .
قدحة النار قدحت رائحة السيجارة في أنفي فأنظر إلى علبة السجائر الزرقاء وقد
منحتها ظلال الشمعة توهجاً خاصاً .. أتذكر أن الحرب الحقيقية بالنسبة لزوجتي هي
العتمة لأنها مسرح للآخرين: .
(The others)
المسلسل الأمريكي عن الأشباح والرعب .
أنظر إلى السيجارة بحقد .. وأتذكر كم تشاجرت مع خضير ميري كلّما قضى على سجائري
بشراهة تدخينه المترافق مع جدالاتنا الطويلة جداً في ليالي "الأيام النحيلة"11
!! أذكر أننا ناقشنا ذلك ..ولا أذكر إن كان "سارتر" أم "ميري" هو القائل: "من
خلال التبغ الذي أدخنه كان العالم هو الذي يحترق هو الذي يدخن وهو الذي يتم
ابتلاعه كالبخار ليدخل إليّ" .
ربما أراد أن يتحدث بذلك عن ردة فعل الامتلاك التدميري للتبغ، والتي ربما كانت
تساوي عنده" رمزاً تدميرياً امتلاكياً للعالم بأسره ".
في اتصالاتي مع الشاعر الصديق خالد درويش12 وقد وقع عليه حظر التجوال في رام
الله/بيتونيا قال لي : "لقد كانوا -(الجنود)- جزءاً من التفكير كيف نؤمن
السجائر"
لا بأس يا "خضير" أنا الآن بلا سجائر لكنني سأبحث عنك سأقرأ" صحراء بوذا "
ثانية وثالثة وألف وأنا اذكر تلك الليلة من العاشرة مساء حتى الرابعة فجرا !!
عندما قرأتها لي وهي مخطوطة,
"أبو العيون " كيف أسطرت حياتك؟!! وحياتنا هكذا !!
أعود إلى الشرفة ...
قناديل الصيادين قد بدأت تتماوج كهودج مائي.. شيء ما يعطي انطباعاً بأن
الصيادين مطمئنون أو غير آبهين. أحس بالرغبة في أن أكون بينهم.. ليس لأصطاد..
إنما أن أكون مستلقياً على لوح خشبي مثل قوم "المعدان" في أهوار العراق..
تقترب مني زوجتي .. وتقترح عليّ الذهاب إلى بيت أهلها المجاور لنا !! يجبُ
استخدام الدرج .. ثمة رياضة قسرية أيضاً !!
كنت قد حفظت عدد الدرجات من وإلى الطابق السادس.. وكنت قد تعلمت ذلك من أصدقائي
"العميان" .. ومن لاعبي الجودو الذين يقولون : "عندما يفقد البصر أهميته فعليك
بالذاكرة " .
يا إلهي
ماذا حلّ بذاكرتي !! من يعصف بها !! من يحاول غسل دماغي !!
لم يعد لي ذاكرة من رقم طينية يا "شوكت الربيعي12"!!
عندما كنت صغيراً كنت أظن أنهم يفتحون الرأس ويغسلون الدماغ كما تغسل أمي
الصحون !! لكنني فيما بعد عرفت أن تعرض الإنسان إلى ظروف شديدة القسوة وعصية
على التحمل الإنساني وفي الوقت ذاته تُقدم له أفكارٌ أخرى نقيضةٌ لأفكاره وهذا
هو اختصار لعملية غسل الدماغ ?
اللعنة!!
يا إلهي
من يطبعني !?!
أظن أنني قرأت في كتاب العين أو الصحاح أو مختار الصحاح ما يلي :
طبع الدابة أي روضّها !!
تقول زوجتي إنّ الزهايمر يصيب الذاكرة القريبة !! وأسألها أي مرضٍ يعني
بالذاكرة البعيدة !!
تقول : ربما أصبت بمرض "لعنة العراق" إثر زياراتك الكثيرة إلى جنوب العراق الذي
تعشق . وأقول لها : ليس فقط لعنة العراق إنما لعنة بيروت ولعنة دمشق ولعنة
كوبا ولعنة إسبانيا، ولعنة رأس الخيمة ولعنة تونس ولعنة عمان... وأخيراً لعنة
حيفا..وعن هذا تدور مخطوطة كتابي "اللعنات".
تقول زوجتي : اقصد استخدام اليورانيوم المنضب ونتائجه في العراق وفي البالوع
رام الله !!
وأقول لها : ربما.. وربما فارقتني ذاكرتي البعيدة عند جسر اللبني بعد مروري تحت
نجمة داوود الكبيرة جداً !! ربما نسيتها في زيارتي اليتيمة إلى طيرة حيفا !!
هناك حيث قبر جدي تحت الحديقة العامة !!
"للذاكرة صفة عملية .. تتم عندما يأتيها المنبه المطلوب" تقول زوجتي وتتابع
"إنها مجرد ضغوط" ليس أكثر .. وأقول : ربما ..وأغلق باب الشقة ..ونتجه في
العتمة صوب الأدراج .
بين أدراج العمارة تحفظ زوجتي أماكن الشقق الفارغة التي لا تزال "على العظم"..
فهي بالنسبة لها مأوى "الآخرون".. وأنا أحفظ عدد الدرجات غيباً كي لا أتعثر !!
عند باب العمارة ونحن نحاول التقاط لهاثنا قالت زوجتي : "لو لم نكن مدخنين
لما تقطعت أنفاسنا" .. أطرد تلك الفكرة عندي .. كي لا تكون تبريراً سفسطائياً
لترويضي كما يشاء الآخرون .
أريد أن أكون نفسي لا أريد أن أكون كما يبغي الآخر !! أَخْرَجَتْ علبة السجائر
ذات السيجارة الوحيدة ومدتها لي، وطبعا قلت لها : دعيها لك ..ونلتقي في بيت
أهلك.
II
كان الظلام يخيّم على هذه المنطقة من غزة ! أنا أسكن في غزة.. لكنني لا أعيشها
! لا أعرفها ! لا أراها !!
أعود إلى غزة بعد غيابٍ عنها دام عامين تقريباً قضيتها في رام الله . جئت غزة
لأول مرة في حياتي مطلع العام 2000 بعد عودتي إلى ما تيسر من وطن .. آنذاك
انشغلت بالركض وراء تأمين وظيفتي .. آنذاك كنت مشغولاً "بالإفلاس وبالمحبة" ما
جعلا الشاعر سركون بولص13 "يجنّ ويدخل جمرة" .
تزوجت في غزة .. وفي اليوم العشرين لزواجنا ذهبت إلى رام الله .. أسبوع فقط على
اندلاع الانتفاضة . ولم أتمكن من العودة إلى غزة .
بعد سبعة شهور تمكنت زوجتي من الحضور إلى رام الله ..بعد أن "سافرت" من غزة إلى
رفح إلى مصر إلى عمان إلى رام الله.. طبعاً وحدث لها ما يحدث للفلسطينيين من
إهانات وإذلال في النومٍ على المعابر وتأخر على الحواجز .ولقد عادت إلى غزة قبل
أربعة شهور لتضع وليدنا الأول في رعاية أهلها
في الشهر السابع للحمل . أطل الجنين السبعاوي ..عاش سبعة أيام .. ومات في
السابعة مساءً ..أسميته نمر على اسم والدي ..والنمر يقترب من السبع!!
كان ذلك سبباً كافياً لأجئ إلى غزة ..التي تحتضن في ترابها جنيني .وغزة الآن
ليست أكثر من سجن كبير.. حتى البحر الصديق العتيق يتواطأ على هذا السجن.. كأنه
جلاد يبكي بصمت .
الدكاكين الآن تشعل شموعاً أو قناديل زيتية وبعضهم أنار مصابيح كهربائية .
السيارات تطلق "زماميرها" بافتراض من السائق أنه سيقلّني قبل أن يقلني سائق آخر
.
لم أتمكن من ممارسة المشي بسبب مطاردة السواق "بزماميرهم" ..لهذا أمشي بالاتجاه
المعاكس لحركة السير !! لقد جعل الاحتلال حياة المواطن الفلسطيني موثقة إلى
الشيكل .. بالشكل الذي فرض عليه أن يقضي حياته في الركض وراء الشيكل .
أذكر وأنا أشتري كعكة وزعتر من أحد بائعيها في رام الله ..كيف وقع الشيكل الذي
أعطيته إياه .. وتدحرج الشيكل إلى الشارع.. وركض البائع وراءه.. فكادت إحدى
السيارات تخطف حياته منه..
لهذا أتمعن طويلاً بالآية القرآنية "فليعبدوا ربّ هذا البيت الذي أطعمهم من جوع
وآمنهم من خوف" ..ربما لهذا السبب قال ماركس : على المرء أن يأكل ويشرب ويلبس
ويحتذي (من حذاء) ويأوي تحت سقف قبل أن يبدأ بصنع التاريخ والسياسة !! فبالسوط
وبالشيكل أسست إسرائيل استعمارها !! فهل بالسوط وبالشيكل نرد لإسرائيل
استعمارها ?!(لا يعجبني استخدام مفردة استعمار لأنها مفردة استشراقية توحي بان
الغزاة جاءوا ليعمروا العمران .. افضل استخدام مصطلح كولونيالية)
ذهبت إلى الدكان الذي اعتدت أن أشتري منه احتياجاتي. عند دخولي اعتقدت أنني لم
أرَ جيداً بسبب العتمة.. لقد أدهشني البائع عندما أشار إلى المكان الذي يضع فيه
السجائر .. كان خالياً تماماً ومن كل الأنواع.
"مش معقول" قلت له:
= لا يوجد سجائر في السوق . أجابني
الكثير من الدكاكين في غزة تمتنع عن بيع السجائر على خلفية دينية .. لهذا سألته
سؤالاً آخر : إن كانت بعض التنظيمات قد فعلت ذلك تنفيذاً لمقاطعة المنتجات
الأمريكية !! لكنه أجاب بالنفي..
فأفسر لنفسي : ربما قام المدخنون بشراء كميات كبيرة من السجائر كتموين للأيام
القادمة أو للاجتياح الإسرائيلي القادم .
في المحل الثاني كان هناك جمع من الرجال يتجادلون على الطريقة الفلسطينية عن
احتمالات أو عدم احتمالات غزو إسرائيلي قادم.. اكتفى البائع بتحريك كف يده
اليمنى لي بما يعني "ما فيش" .وعاد يصرخ وهو يقول : " طيب ! الخواجات ما
بيكذبوا : لقد قالوا إنهم سيأتون !! شو رأيك يا أستاذ ؟! " لم أجب .
تذكرت صراع الخيميائيين على صناعة السم ..وكيف مات أحدهم من سماعه لدقات الهاون
كل يوم ، وتذكرت الوهم الذي قتله..
تابعت المسير.. بدأت أقوم بتمارين استرخاء .. أتنفس بعمق مع المشي .. أركز عيني
في شيء يشبه النجمة قد بدأ يلمع الآن !! أعتقد أنه ليس نجمة !! ربما كان
"قمراً" اصطناعياً .. وذلك لقربه الشديد ولمعانه القوي!! فتبسمت له حتى تظهر
صورتي مبتسماً !!
أتمشى وأشعر أن دمي يقول لي أنني حرمته من النيكوتين .. ثمة حرقة في العيون
وطنين في الآذان .. وجميع المحلات لا يوجد فيها سجائر .في الطريق رأيت أكياساً
رملية وُضعت لتكون سواتر وحواجز لمقاومة الاجتياح المفترض.. شيئاً ما يشبه
الشراك التي كان يقيمها الهنود الحمر في الأدغال لاصطياد الغازي الأبيض
..الشباب منهمكون "بتضبيط" الساتر !! إنها المقاومة بسلاح الحد الأدنى !!
تغزوني الآن مشاهد من الفيلم السينمائي (البؤساء) يحكي عن الثورة الفرنسية وعن
المتاريس في الشوارع .
ربما كان ماركس من قال عن الذين صنعوا كومونة باريس : إِنهم "هبّوا لاقتحام
السماء" . لقد أسماهم بالفوضويين الثوريين.. ولهذا نحت مصطلح "ديكتاتورية".
لا أدري لماذا سمّى ماركس أيضا المؤمنين بالحرية المطلقة للفرد بالفوضوية
"الأنا ركية" ? فأنا أفهم ديكتاتورية من "ديكتا" التي تعني لي "إملاء".
عندما كتبت عن مشهد الصراع اليومي في المدخل الشمالي لمدينة البيرة (البالوع)
قلت :إن الشباب أيضاً "هبّوا لاقتحام الفضاء" . لأن المشهد أخذني إلى وقائع
الصيّاد مع الغزلان أو إلى وقائع مصارعة الثيران !!
في أول مرة شاهدت فيها مصارعة ثيران في إِسبانيا وكان المصارع من أصل فلسطيني
- أذكر أنه من عائلة قزق- ..
وأنا أشاهد المصارعة تقمصت حالة الثور .. لقد كان فيّ الكثير من الهيجان ..
والكثير من العناد أو قل الإصرار بلغة الأنسنة ..كان فيّ من القوة ليقال عني
"ثور حراثة" .
كنت أتأوه كلما طعن الفلسطيني القزق الثور.. وكنت أهيج بين الجمهور.. لكن بهياج
آخر عنهم .. ربما كنت الوحيد المؤيد لفريق الثور !!
لا أدري لماذا رأيت الإسرائيلي في دور المصارع وأنا الفلسطيني في حالة الثور ؟؟
كانت جدتي المفتونة بحكايات "كليلة ودمنة" - كافتتانها بسيرة بني هلال وعنترة
والزير السالم- وكانت تحفظهما كأي حكواتي من عصر العصملي رغم أنها كانت تحمل
ختماً تدمغ فيه شهادات الولادة التي تمنحها للأطفال الذين تسحبهم إلى الحياة
بوصفها قابلة / داية .
كانت تقول لي وراء كل هيجاناتي الثورية (من ثور) : "فلسطين راحت بالسياسة يا
ستي". ولطالما طالبتني باتخاذ الذكاء عن الثعلب والصبر والتحمل من الحمار
والعناد من الثور والشجاعة من الأسد .
عندها في نهاية أيلول 1982 وكنت عائداً "كسيراً حسيراً ظمي" من لبنان ثم دمشق
إلى كوبا مروراً بمدريد عندها فكرت بطريقة تشكل فيّ حيواناً جديداً فيه من
الأسد والثعلب والحمار والثور، وإلى الآن لا أزال أحاول تشكيله لأن اللقلق قد
أسرني..
اللعنة !!
لا يمكن لنقص النيكوتين في دمي أن يجعلني أفكر بطريقة حيوانية .
اللعنة !!
آه لقد تذكرت !
إنها الحرب
III
اللعنة !!
الذاكرة !!
الحرب!!
الحرب تشكل حالة استيقاظ للغرائز للحيوانية ودون كوابح ربما في شكلها الأكثر
بدائية والأكثر فظاظة !! النوازع الغريزية ـ وربما ـ تتخذ صفة "مقدسة" ولذلك
تصبح انفعالية ،
فالحرب تفتن وترهب والغرائز التي تستثيرها يبدوا أنها تحوم حول الإنسان مثل
سلطة مجهولة، فكلما كانت الحرب أكثر إجرامية، كلما اتخذت الغرائز التي تكشفها
-الحرب- صفات غير إنسانية وقاتلة. إنها" الغريزة التي تنحط وتنقلب ضد الحياة
بحقد جوفي"
أجدني الآن عند تقاطع شارع النصر، شارع عمر المختار لقد قطعت مسافة طويلة جدا
!! في هذه الأجواء "الاستنفارية" !! أجواء تشبه إلى حدٍ كبير الليلة الأخيرة من
المهلة التي منحها جورج بوش للعراق قبل الحرب 1991 .
كنت آنذاك عائداً من زيارة الفنان الكويتي مسافر عبد الكريم الذي قرر في تلك
الليلة أن يرجع إلى الكويت حتى ولو مات هناك وهذا بالضبط ما لاقاه .
كانت بغداد المدينة كعادتها تماماً تمارس حياتها الليلية.. ضجيجها ,
أنوارها, محلات بيع اللحمة المشوية, البارات التي تضاعفت آلاف المرات منذ أن
أحصاها التوحيدي، وكذلك حزنها العتيق الباطن والظاهر. كل شيء على حاله, بل,
ربما كان له بريق آخر .
السائق كان صامتاً لا يتحدث ربما كان يخشاني كما أخشاه أنا كنت أتأمل المدينة
كالذي كان في غيبوبة واستفقت على سؤال السائق لي
:" شنو " ( أي ماذا )
= " شاكو " أجبته ( وأيضا تعني ماذا )
قال : كأنني سمعتك تقول "مش معقول كأن شيئاً لن يحدث غداً "
عندها كانت كلمات الشاعر خيري منصور14 تجول في رأسي من ذلك النقاش الذي خضناه
في مكتب سميح سمارة15 في مقر سفارة فلسطين في بغداد .
كان سميح يعتقد أنَّ الحرب لن تقوم لأنها بالنسبة له قد خيضت إعلامياً
وسياسياً وعلى سبيل النكتة قال خيري منصور إنّ يوم 16/1/1991 لن يأتي لأننا
منذ 31/12 بدأنا نعدّ الأيام بـ 32/12 ... 33/12 ... 34/12 ...........
السائق ينطلق بالحديث وقال لا تغرنك اللا أبالية هذه، لقد أَمَّن غالبية سكان
بغداد مآوى لهم في ريف بغداد ولقد ملؤوها بالتموين .. وأخذ يتحدث بحرقة ويضرب
على مقود السيارة بقبضته "إنّ هذه الشوارع الجميلة سوف تدمر وهذه المساكن وهذه
الجسور" - وكنا نصعد الجسر المعلق- وبدأ السائق يبكي كما يفعل غيلان الشاعر
عندما يهيج بحب العراق والعراقيين !! ويبدأ يهزج : " هذا بيتنا ونلعب فيه
شلها غرظ بينا الناس "*
في الصباح اكتشفت صحة ما قاله السائق .
غيلان الذي لم نفترق إلاّ في ساعات نوم ما تبقى من ليل. كان قد أمن مأوى
لزوجته الكردية الرسامة في شمال العراق وعاد في اليوم الثاني ,
والشاعر عمر رشراش قد ذهب مع عائلته وعائلات فلسطينية أخرى إلى منطقة تسمى (طوزخورماتو)
يسكنها غالبية من التركمان والمسيحيين العراقيين .
كان (الفيلسوف) خضير ميري لا يزال في مشفى المجانين , والشاعر حسن النواب قد
التحق كسائق دبابة في البصرة ولم أعرف شيئاً عن الشاعر خليل الأسدي
لم أقلق كثيراً على جان دمو الذي أمعن في تقمص القط. فكلما وجدوه نائماً على
أعشاب الحدائق العامة كان يقول لهم: "اعتبروني قطة نائمة".
ولم أكن قلقاً أيضاً على ضياء سالم والشاعر نصيف الناصري الذين أمعنا في الفرار
من الجيش. لكنني كنت قلقاً على المخرج المسرحي ناجي عبد الأمير وأين سيكون
مأواه ? كنت قد استفسرت الدكتور عوني كرومي عنه عندما حضر إلى موعدنا صباح
16/1/1991 كي نرتب فيلماً سينمائياً عن فلسطين .
بعد يومين على بدء الحرب عاد الذين خرجوا من بغداد إليها بعد أن اكتشفوا أنه لا
يوجد مكاناً آمناً لا تطاله الحرب !!
إحدى العائلات الفلسطينية التي كانت تسكن قريبا من ملجأ العامرية, قررت الرحيل
إلى عمان. لكنهم لم يتمكنوا من عبور الحدود. حكاية وثيقة السفر الفلسطينية..
عادوا إلى الملجأ في الليلة نفسها التي حدثت الكارثة..
IV
أجد الآن صديقا قديما عرفته في بيروت ,كان محاربا ثوريا يسمي نفسه (غيفارا),الآن
يطلق لحيته واتخذ له لقب "الغيفاري" فلقد اصبح اقرب إلى الصوفيين منه إلى
السياسيين ..أفكر بالذي ينجو من ميتات محتمة,فإما ينحى اتجاه التصوف ومجاهدة
النفس وأهوائها, أو يزداد تعلقا بمتع الدنيا.
تعانقنا بما يليق بالأصدقاء ,كان يبحث عن سجائر أيضا. بدأنا نتمشى ووجدنا
أنفسنا نتحادث في دائرة الهموم ذاتها .وبوصفه ضابطا قياديا سابقا ,كانت تسكنه
حسرة خاصة ربما كانت حسرة الضابط الذي لا قوة له أمام عربدة الجيش الإسرائيلي
وقال :
"لقد فجرت عبوة ناسفة في غزة الدبابة الأكثر تطوراً في العالم. لكن !! هل كانت
تلك العبوة هي اليتيمة ?! وهل الذي فعلها احتكر ذلك لنفسه !! فأتساءل مع نفسي:
من أين يأتي الإحساس بالتوتر ? أو الإحساس بالارتباك !! هل يأتي من وحشية
استباحة الجيش الإسرائيلي للإنسان قبل الأرض أم أنه يأتي من الهوة التكنولوجية
بين الهندي الأحمر والغازي الأبيض ?
وأساله:"كيف شايفها"?
فيقول: لم نتخلص بعد من "روح العبودية" وعاداتها وأخلاقها ?
فأقول له كيف؟
يقول ألم تقرأ نيتشة أبو السوبرمان؟
قلت ماذا بالتحديد؟
قال:أخلاق العبيد في أساسها أخلاق منفعة. وفي أخلاق العبيد ينظر إلى الإنسان
الخّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّيّر نظرة فيها لون من الاستخفاف. وحينما تسود أخلاق
العبيد تصبح كلمة طيب مرادف للأبله. ويصدر ذلك عن نية حسنة.. الخيّر في طريقة
تفكير العبيد هو ذلك الشخص المأمون الجانب, ففيه طيبة وغفلة, وربما قدر من
البله, إنه الرجل المغفل ".
.فإذا تصورنا أن المغلوبين على أمورهم والمظلومين والمعذبين والمقيدين وغير
الواثقين من أنفسهم والذين يحسون بالعناء من أنفسهم إذا تصورنا أن هؤلاء قد
وضعوا نظاماً أخلاقياً !!فعلى أي نحو يكون العنصر المشترك بين تقييماتهم
الأخلاقية؟؟
الأغلب أنهم سوف يعبّرون عن تحد متشائم لموقف الإنسان بوجه عام ..وربما حملوا
على الإنسان ذاته في حملتهم على موقفه .لهذا يلقى ضوء ساطع على كل الصفات التي
تصلح لتخفيف أعباء الحياة عن عاتق المعذبين. فتمجد الشفقة واليد المعينة
المنقذة والقلب الرؤوف والصبر والجد والتواضع والتزلف ... وأخذ يسال وهو محتد:
"هل نحتاج لمن يقول لنا كر فأنت حر" !! أم نبقى نردد وين الملايين نفوساً
وفلوساً وننتظرهم وفي ذلك إتكالية ما "? ويصرخ بصوت عال إلى درجة أنه اسمع كلّ
من كان في الشارع :
"ما هذه الما فوق الليبرالية والتشوهات التي خلقها وخلّفها الاحتلال !! هل
تتوافق الحرب مع الليبرالية "?!
أهدّىء من روعه, لكنه وبعصبية أقل يتساءل: أليس حريّ بالذي يقف وراء عمليات
المقاومة أن يقوم بمواجهة رد فعل الآخر ولو بالحد الأدنى؟!
:"هدأ من روعك يا رجل".. أقولها له وكأنني بذلك أشعلت نيران غضبه فثار وهو
يقول:" أحدهم قال لي إن الذين يصفحون المدرعات والآليات الإسرائيلية هم عمال
فلسطينيون يعملون في إيرز" ..اللعنةٍ
هل عدم التدخين يغذي الأجواء هذه !
اللعنة !!
سأطرد هذه الفكرة الأخيرة إنها محاولة تبريرية أخرى !! إنها إذعان لرغبة الآخر
وليس لرغبتي .. وأمشي . مع العتمة والزمامير التي تختلط بصياح المؤذن وهو يعلن
صلاة العشاء رغم انقطاع الكهرباء !!ذهب صاحبي إلى المسجد .ٍ
لقد مضى علي وقت طويل جداً !! من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء دون تدخين !!
أجدني الآن في النقطة التي انطلقت منها عند أبراج العودة والتي يسميها الناس "
أبراج المقوسي " وأعود بلا سجائر ..لكن بكثير من القلق والحسرة
أدخل إلى سوبر ماركت ورغم العتمة التي تبدد منها الشمعة الكثير فلقد ذعرت من
حملقته في وجهي, كدت أذعر من ذعره مني وأدهشني صمته وهو يمد يده إلى درج
الطاولة ويخرج لي علبة السجائر قائلاً: إنه يحتفظ بها لنفسه .. وقال لي تفضل..
أريد أن أعرف كيف كانت ملامح وجهي ? كيف كان لون وجهي وحجم عيوني وطبيعة
نظراتي..
وضعت علبة السجائر في جيبي ورحت أنتقي معلبات سردين فول ,حمص , كيس من الشموع,
كيس من العدس, بطاريات صغيرة, وأخرى كبيرة, زجاجة زيت, طبعاً لا يوجد خبز
ولا بيرة,, واشتريت زجاجات ماء، دواء للصداع ونارجيلة مع كل توابعها.
قال البائع : التجار يصنعون أزمات في الحرب فعلوا ذلك بالطحين والخبز والآن
بالسجائر.. "قرصته" بعوضة, وبدأ يحكّ مكانها قلت له :"هكذا هم" !!
وطلبت من الرجل أن يحسب قيمة المشتريات ولما فعل : قلت له أضف المبلغ على حساب
ديوني إذا سمحت !! وعدت أدراجي لن أصعد إلى الشقة , العتمة لا تزال سيدة الموقف
.قررت أن أتمشى ريثما تعود الكهرباء
لهذا تركت الأغراض عند حارس العمارة أوصيته بها وانطلقت...
V
العتمة الآن تجعل المكان مثـل مقبرة.. حقاً إن العتمة هي مسكن التأمل والتخيّل
.. وهي مبعث الطمأنينة والهلع من المجهول في آن.. في العتمة تأوي التهيؤات و
الإسقاطات النفسية !! ربما كانت العتمة الأولى هي التي خلقت الغولة لأجدادنا,
وربما هي التي خلقت العفاريت للنواطير وللعشاق الليليين !!
لهذا أرى في العتمة غاراً للحكمة وأغواراً للجنون.. وأتذكر " بروميثيوس " الذي
علم الناس سرّ النار .. وكيف أنزل " زيوس " به أقصى العقوبات , وأتذكر العتمة
والنور اللتين قامت المانوية عليهما ..
وأخيراً أتساءل عن سبب انقطاع التيار الكهربائي هنا في غزة ?! ولماذا بقيت
كهرباء فلسطين تحت رحمة شركة الكهرباء الإسرائيلية !!
|