|
القائمة

الأدب الفلسطيني تحت الاحتلال
وفي المهجر
1دراسات أدبية

الشخصية الفلسطينية والسلاح
لدى
غسان كنفاني
بقلم الكاتبة:
د. ماجدة حمود
يعترف غسان كنفاني في إحدى رسائله لغادة السمان قائلا "كل قيمة
كلماتي كانت في أنها تعويض صفيق وتافه عن غياب السلاح، وأنها تنحدر الآن أمام
شروق الرجال الحقيقيين الذين يموتون من أجل شيء أحترمه."(1)
لم يجد كنفاني مع تفتح وعيه السلاح الذي يحرر به فلسطين، فبحث عن
سلاح يمهد السبيل إليها، ولم يجد أمامه سوى الكلمة يلجأ إليها، لكنه رغم ما
قدّمه من إنجازات إبداعية لم يكن راضيا عن ذلك الطريق الذي اختاره تعويضا عن
السلاح، لذلك وصف كلماته بتلك الصفات السلبية (الصفيقة، التافهة، المنحدرة)
وقد عايش كنفاني حلم الثورة الفلسطينية منذ تفتّح فكرتها إلى أن
صارت وليدا، عبر الكلمة الأدبية والسياسية، ثم التحم بشكل عملي بأحد أهم رموزها
(السلاح) إذ كان هدّافا!
حين نتأمل في إبداع كنفاني نلمس أهمية السلاح لديه، فقد رآه الدم
الذي يمدّ الثورة بالحياة! ويعيد الأمل في عودة الوطن، لذلك لن نستغرب أن يجعل
عنوان بعض قصصه مرتبطا بالسلاح "المدفع" "السلاح المحرم" بل يجعله عنوانا
لمجموعته القصصية "عن الرجال والبنادق" حيث تقترن الرجولة بالبندقية، ويخص
الكاتب في هذه المجموعة الفلاح الفلسطيني ليبرز علاقته الحميمة بالسلاح!
وقد نجد عنوانا رمزيا ذا دلالة جمالية مدهشة كعنوان إحدى قصصه
"العروس" التي هي البندقية، فجعلها معادلا رمزيا لفرح الإنسان واستقراره في
الحياة، بل جعلها سفينة إنقاذ حين يشتدّ طوفان الحرب "تستطيع أن تحمل الإنسان
عبر ذلك الموج إلى شاطئ النجاة، أو شاطئ موت شريف". فهي التي تنقذ كرامة
الإنسان حيا وميتا! لذلك لن نستغرب أن يفقد الفلسطيني عقله حين تسرق منه!
إن المتأمل يلاحظ أن كنفاني أرّخ للإرادة الفلسطينية في لحظة
انهيارها ونهوضها! حين أرّخ لعلاقتها بالسلاح! فقد ابتعد الفلسطيني عنه، إثر
النكبة، حيث كان يعيش زمن اشتباك مع الجوع، الذي صار العدو الأول له في المخيم،
إذ غاب السلاح ليحلّ محلّه الرغيف، فالجائع لا يملك القوة الجسدية لحمله كما لا
يملك الإمكانية المادية لشرائه! وقد بيّن لنا الكاتب عبر إبداعه كيف عاش
الفلسطيني الذل والهوان حين ابتعد عن سلاحه! لذلك حين عاد لحمله أزهر حلم
العودة ثانية في المخيم، وعاد إليه شعور الكرامة!
وقد رصد لنا كنفاني علاقة الفلسطيني بالسلاح سفي فترة ما قبل
النكبة، أي في تلك الفترة التي واجه الفلسطيني عدوه الصهيوني والإنكليزي، كما
رصد علاقة الفلسطيني بالسلاح إثر النكبة فلم نجد ذكرا له في رواياته، إلا بعد
مرور حوالي ستة عشر عاما من حدوثها في رواية "ما تبقى لكم" عام (1964) في حين
لم نجد ذكرا له في روايته الأولى "رجال في الشمس" لذلك سنتناول هاتين الفترتين
بالدراسة.
الفلسطيني والسلاح قبل النكبة:
لقد أرّخ لنا إبداع كنفاني لمكانة السلاح لدى الفلسطيني، وسلط
الأضواء على فترة قبل النكبة، فأبرز معاناة الفلاح الفقير في الحصول عليه، خاصة
في مجموعته القصصية التي ظهرت إثر حزيران (1969) فربط بين الفلسطيني والسلاح
ربطا مدهشا في جمالياته، ظهر ذلك منذ الرسالة الأولى التي أرسلها الكاتب
للمتلقي (العنوان) "عن الرجال والبنادق" فيربط بين حمل السلاح والرجولة، فيصبح
السلاح رديفا للقيم والمثل العليا بكل ما تعنيه من قيم العزة والكرامة والحرية،
فهو يريد أن يحفّز اللاجئ الفلسطيني على حمل السلاح متخذا من أبطاله قدوة له،
كما يدافع عن الإنسان الفلسطيني المفترى عليه بأنه باع أرضه الفلسطينية ولم
يدافع عنها!
ففي قصة "المدفع" يحس البطل الفلاح (سعيد الحمضوني) بأن الأرض ستضيع
دون سلاح، مما يعني ضياع الفرح والأمان، لذلك حاول الحصول عليه، وشعر أن
البندقية لن تقوى على مواجهة العدو الصهيوني لذلك يقرر شراء مدفع، وهو الفلاح
الفقير، فيبيع كل ما يملك ويجمع من أهل قريته (السلمة) وحين لا يكفي المال
المجموع ثمنا له، نجده يبيع دمه في إحدى المستشفيات ليكمل ثمنه! وحين يستشهد
قبل إيفاء ثمنه نجده يورّث أولاده ذلك الدين! فيوصيهم بأن يبيعوا دمهم ليوفوا
ثمن المدفع!
إننا أمام علاقة استثنائية بين الإنسان والسلاح والأرض، لذلك ربطها
الكاتب برابطة الدم، إذ جعل دم البطل ثمنا له، لذلك حين يصيبه مكروه يحس سعيد
أن قوى جبارة تنتزع عزيزا من داخله، شيئا يمتزج بقلبه، فيستمد الحياة من وجوده
"كان يشعر بكل هذا وهو منطلق عبر الحقول الباهتة النائمة في آخر الليل، ووصل
إلى حيث كان (المدفع) يتكئ كالطفل على الأغصان …وهزّ سعيد الحمضوني رأسه وكأنه
يواسي نفسه بمصاب ابنه."(2) وبذلك لم يكن المدفع آلة جامدة، بل جسّده الكاتب
لنا في هيئة إنسان عزيز (الابن) فتعمّد أن يشبه المدفع المعطّل بالطفل المريض،
ليبرز قلق والده (الفلسطيني) على مصيره!
تدهشنا هذه الرابطة الدموية بين الفلسطيني والسلاح، حتى إنه أثناء
المعركة يحاول أن ينقذه، بعد أن يتعطل، بعضو من أعضائه: اليد! وذلك "حين احتاج
المدفع إلى شيء قوي لا يملكه، يمسك الفوهة الهاربة إلى بطن المدفع" يقول لرفيقه
في المعركة "اسمع سأشدّ الماسورة إلى بطن المدفع …وحاول أن تطلق…لا يوجد أية
دقيقة لتضيع في الكلام…دعنا نجرب."(3)
إذاً كما يفدي الأب ابنه بروحه حين يتعرض لخطر، كذلك نجد الفلسطيني
يفدي المدفع! فتصبح يده آلة من آلاته، ويغذي دمه حركته، عندئذ تتحول روحه إلى
قذائف في وجه الأعداء! وبذلك يتوّج كنفاني هذه العلاقة الاستثنائية بفداء
الفلسطيني المدفع بدمه!
إن هذه الرابطة الدموية بالسلاح تمنح الفلسطيني "شعورا هائلا
بالطمأنينة، شعورا يوحي بالمتعة…" لذلك بدا هذا السلاح لنا مرادفا لمشاعر الأمن
والطمأنينة، لدى الكبار (من أمثال سعيد الحمضوني) ولدى الصغار (من أمثال
المراهق منصور) الذي أحس بالرعب في طريقه الوعر إلى صفد "انتابه رعب مفاجئ إلا
أن البندقية كانت هناك مستريحة وراء فخذيه، مثل شيء أسطوري يبعث في صدر الإنسان
اطمئنانا مجهولا." يبدد كل رعب يمكن أن يحس به وهو يسير وحيدا في العراء
والجبال!
تعمّد الكاتب ألا يجعل هذه العلاقة بين الفلسطيني والسلاح علاقة
فردية، بل أضفى عليها طابعا جماعيا، لذلك امتدت العلاقة بين سعيد الحمضوني
لتشمل أبناء القرية جميعا!، فنسمعه يقول: تكاد لا تراه إلا وهو يدرب شباب
القرية على استعماله…" لهذا أصبح المدفع الذي اشتراه (سعيد الحمضوني) قوة هائلة
تكمن في نفوس أبناء قريته.
رغم حرص كنفاني على الكتابة باللغة الفصيحة وجدناه يدعو البندقية
أحيانا بالعامية الفلسطينية، أي بلغة البسطاء الفلاحين (المرتينة)
كيفية الحصول على السلاح:
وقد بيّن لنا أن أمر الحصول على السلاح لدى الفلسطيني الفقير لم يكن
سهلا، فعايشنا معاناته في البحث عمن يعيره سلاحا، كما فعل منصور في مجموعة "عن
الرجال والبنادق" وكان هذا البحث يشعره بالعار، إذ يتخيل نفسه يستجدي بندقية من
خاله كالشحاذ! لذلك قرر الحصول على بندقية خاصة به، مهما كان الثمن "رأسمال
المرتينة لحظة شجاعة واحدة، ربما جرح من الحربة المثبتة فوقها أيضا، ولكن من
قال أن السماء تمطر بنادق كما أمطرت منا وسلوى…إنها الثورة وأنت لا تستطيع أن
تعرف معنى ذلك إلا إذا كنت تعلق على كتفك بندقية…"(4)
يلاحظ المتأمل في هذين السطرين فقط ورود لفظة البندقية أو أحد
أجزائها أربع مرات (مرتينة، حربة، بنادق، بندقية) مما يدل على إلحاح هم السلاح
على ذهن الكاتب والشخصية معا، إذ لا يمكن أن نعرف المعنى الحقيقي للثورة دون أن
يقترن بها السلاح، فتهجس به الشخصية حتى تجد وسيلة للحصول عليه.
نجد شخصية أخرى (في قصة "العروس") تغامر بحياتها من أجل الحصول على
بندقية، فيتقدم خطوط العدو الأمامية، ويحصل عليها من قتلى العدو، أما من يملك
قطعة أرض كأبي القاسم (والد منصور) فإنه يرهنها، أي يرهن أشجار زيتونه التي هي
مورد عيشه الوحيد، كي يدفع جنيها أجرة لها عن كل يوم، فهو بذلك يرهن من أجلها
قوته وقوت عياله (أشجار الزيتون) فيلقي بنفسه طواعية بين مخالب المرابي المستغل
الحاج عباس!(5)
وقد يبيع أرضه من أجل شراء السلاح، كما فعل أبو عثمان في قصة "ورقة
من الطيرة" وقد أخذ يوزعه على أقاربه، ليقوموا بواجبهم في المعركة، لذلك انقلبت
دكانه إلى مخزن للمتفجرات والأسلحة، وحين يكتشف الصهاينة أمره يفجّر نفسه
بالأعداء كاستشهاديي اليوم.
أما في قصة "العروس" فيبلغ حب السلاح والتعلق به أقصاه، حين يبيع
الإنسان ابتنه الوحيدة، من أجله، فيقبل بتزويجها من عجوز نتن، رفض طوال عمره أن
يزوجه، إياها، ليدفع مهر البندقية، وتستحق اسم (العروس)
وقد بدت لنا شخصية الفلاح (شكيب) في مجموعة "عن الرجال والبنادق"
تتميز بميزة نادرة: هي أنه كان باستطاعته الحصول على السلاح في كل وقت من عدوه
الإنكليزي، حتى في أكثر أيام الإنكليز تعسفا في ملاحقة الأسلحة، كان بوسع شكيب
أن يظل محتفظا "بمسدس أو بندقية أو رشاش." في حين وجدنا (سعيد الحمضوني) قبل
قليل يبيع دمه ليدفع ثمن المدفع! ويوّرث أبناءه ديون المدفع، كما يوّرثهم
طريقته في إيفائها!
وعندما تسدّ كل أبواب السلاح في وجه الفلسطينيين، نجدهم يلوذون
بالفؤوس والرفوش وغير ذلك من الأدوات التي يستعملها الفلاحون في الزراعة (كما
رأينا في قصة "البومة" و"القميص المسروق" و"ورقة من الطيرة") فالعمال العرب
مثلا يصطدمون بالعمال اليهود، بعد قتلهم للحارس العربي، كان سلاحهم الرفش
والفأس، وكان معظمهم جديد على هذا النوع من القتال!
الفلسطيني والسلاح إثر النكبة:
عاش الفلسطيني معاناة التشرد في المخيم، يقهره الجوع، لذلك قدّم
شخصياته الثلاثة في "رجال في الشمس" بعيدا عن السلاح، لأن أحلامهم كانت بعيدة
عن فلسطين، فكانت قمامة الصحراء قبرا لهم!
وفي الفترة نفسها التي كتب فيها روايته السابقة كتب قصته القصيرة
"السلاح المحرم" عام (1961) يبدو لنا كنفاني قبل بزوغ الثورة مهموما بكيفية
تأمين السلاح للثوار، لذلك جعل (أبو علي) بحاجة للسلاح لرد الضباع عن بيته
وقريته (التي لا نعرف لها اسما لكنها تصلح أن تكون معادلا فنيا لفلسطين) وحين
يرى في ساحة القرية جنديا غريبا (ذا عينين زرقاوين:يرمز للآخر المعتدي) ينتزع
منه بندقيته، فيأتي اثنان من أهل قريته لانتزاعها منه! عندئذ يمسك الفلسطيني
البندقية، وتصبح امتدادا ليده، ويقرر عدم تركها حتى لو اجتمعت كل قوى الأرض
لتخليصه إياها، وهو يفضل التخلي عن حياته على تركها "كان واثقا من أن يده
القابضة على البندقية لن تفلتها شياطين الأرض مجتمعة إلا إذا أفلتت يده من أعلى
الكتف…" فقد أحس السلاح وكأنه امتداد لجسده، وعضو من أعضائه!
يلمح كنفاني إلى أن السلاح بات لدى الفلسطيني يشكل ضرورة لا غنى
عنها (لرد الأعداء: الضباع) لكن المشكلة في بعض أبناء القرية (المعادل الفني
لزعماء بعض البلاد العربية) الذين يحاولون انتزاعه منه، كأن السلاح محرّم عليه،
وهذا ما يذكرنا بقصة "العروس" حين ينتزع البندقية أحد الضباط العرب في جيش
الإنقاذ من الفلسطيني (الذي غامر بحياته، وتقدم الصفوف الأمامية للعدو من أجل
الحصول عليها) بدعوى إخبار القيادة عن ورود أسلحة جديدة للعدو، لذلك بدا
الفلسطيني أشبه بمجنون وهو يبحث عنها في قرى فلسطين راكضا وراء الضابط الذي ترك
القرية ومعه البندقية! التي يبيعها لفلسطيني آخر!
أما صاحب البندقية الأصلي فقد بدا لنا إنسانا متميزا (طويل جدا، صلب
جدا، محاط بما يشبه الغبار المضيء) يرتدي ملابس القتال (الخاكية) فقريته (شعب)
تقاتل الصهاينة وهو أحوج ما يكون للبندقية للدفاع عنها، سينهي كنفاني هذه القصة
التي كتبت (1965) بخاتمة موحية، إذ يقول الراوي لصديقه "ابحث معي عنه، حيث أنت،
فلدي أخبار جديدة عن العروس…" فقد حدثت الثورة، ووجد الفلسطينيون مع بدايتها
السلاح الذي يقاتلون به الأعداء.
في رواية "ما تبقى لكم" يمرّ (حامد) في الصحراء، فيحس خواءها وبؤسها
إذ "ليس بوسع المرء أن يحصل على حجر أو على عصا."(6)
ومع ذلك يستطيع (حامد) الحصول على سلاحه بأن ينتزعه من عدوه أثناء
تلاحم مباشر معه، فيرمي بمسدسه بعيدا، ويمسك بسكينه استعدادا لقتله، وفي الوقت
نفسه تمسك (مريم) بسكين المطبخ لتقتل زكريا النتن (المتعاون مع العدو) ترى لِمَ
ركّز كنفاني على استخدام هذا السلاح البسيط، مع أن المسدس كان في متناول حامد؟
لعل الكاتب يريد أن يلمح أن الفلسطيني حين يقف على أرضه الفلسطينية،
يستطيع أن يواجه عدوه بشجاعة وينتصر عليه، رغم بساطة السلاح، وإن كان استخدامه
يحتاج إلى شجاعة أكبر، كما يحتاج إلى التحام مباشر مع العدو! فيحقق إحساسا قويا
بفعل القتل والقضاء على العدو! كما أن استخدام السلاح البسيط في مواجهة العدو
له دلالة إيجابية، إذ باستطاعة كل إنسان الحصول عليه، وبالتالي ممارسة الفعل
النضالي ضد الصهاينة وضد الأعداء الداخليين الذين يخونون الفدائيين (زكريا)
في قصة "صديق سليمان يتعلم أشياء كثيرة في ليلة واحدة" يقدم لنا
الكاتب، إثر نكسة حزيران، مشهدين مختلفين لعلاقة الفلسطيني بالسلاح، الأول سلاح
العدو (البندقية) المصوبة إلى ظهر الفلسطيني، رغم ذلك فقد اكتشف "أنه يضحي أكثر
أمانا كلما اقترب من البندقية، وأكثر عرضة للموت كلما ابتعد عنها." ومثل هذه
الجملة ذات دلالة مزدوجة، فبندقية العدو الملتصقة بظهر الفلسطيني أكثر أمنا من
محاولته الهرب منها! كما أن إحساس الفلسطيني بالأمن حين يمسك ببندقيته أكبر من
تركه لها!
وفي مشهد آخر نجد الفلسطيني نفسه فدائيا يتدرب على التعامل مع
القنبلة، مازال يعيش مرحلة التردد والخوف، لذلك حين يقذفها دون أن تنفجر لا
يجرؤ على التقاطها أو التخلص منها، فينقذه صديقه (سليمان) بأن يصوب عليها
بندقيته!
أما في قصة "حامد يكفّ عن سماع قصص الأعمام" فنجد الفدائي يقذف
دبابة العدو بقذيفة، فيقضي دوي الانفجار على سمعه، يقول له صديقه الذي سئم
نصائح الكبار والكلمات "لا عليك سيمرّ يومان أو أسبوع وسيعود إليك سمعك، ولكنك
لن تنسى أبدا ذلك الصوت، إنه الصوت الوحيد الذي يطمر ما عداه ويدفنه."
يصبح صوت السلاح هو الصوت الوحيد الذي يستحق السماع، أما الأصوات
الباقية (صوت العم الذي ينصح بالابتعاد عن المشاكل، صوت أحذية العدو التي تثير
الرعب لدى العم…) فلا أهمية لها!
وفي رواية "أم سعد" تتحول ساحات المخيم إلى مراكز تدريبية على
السلاح، فنجد الفتى الصغير (سعيد: ابن أم سعد) وغيره يتدربون على السلاح والقفز
فوق النار، لهذا نسمع أحد العجائز يقول: لو فعلنا ذلك من الأول لما ضاعت
فلسطين!
كما تتغير اهتمامات الأب السكير (أبو سعد) فصار يتحدث عن (الكلاشنكوف)
ويفضل أن يطلق عليه الاسم الذي يطلقه ابنه الفدائي عليه (كلاشن) أي نجده يفضل
استعمال لغة المقاتلين! والأسماء التي يطلقونها على السلاح!
جماليات السلاح لدى كنفاني:
بعد هزيمة حزيران بدا إبداع كنفاني أكثر التصاقا بهم الثورة
الفلسطينية، وبأهم تجلياتها: الإنسان والسلاح، وحين نتأمل رواية "أم سعد" نلاحظ
حضور أوجاع المخيم إلى جانب السلاح في معظم فصولها، إذ بات يستخدم لغة جديدة
تبدع وتجسد امتزاج الإنسان بالسلاح بصورة فريدة!
يصف لنا نظرة (أم سعد) المرأة البسيطة التي بدأت تعيش وعي الثورة
"ونظرت إلي مباشرة: ذلك الرمح الذي تسدده في لحظات النبوءة بسرعة الرصاصة
وتصويب الحقيقة."
عرفت أم سعد الطريق الصحيح لفلسطين، لذلك استحقت هذا الوصف الموحي
لنظرتها، الذي يجمع بين النبوءة والحقيقة والسلاح، إنها نظرة المرأة التي بدأت
تدرك حقائق الثورة التي تجتمع فيها التضحية والسلاح! لذلك قدّم لنا لوحة
تشكيلية لنظرتها مستمدة من الرمح الذي ينطلق ليحقق نبوءة جديدة، والرصاصة التي
تنطلق بسرعة في طريقها دون أن تهتم بالمعوقات، ودقة تصويب البندقية نحو الهدف
(الحقيقة) تتحول هذه الأسلحة إلى معادل جمالي لنظرة الإنسان الصائبة! التي رأت
في الثورة طريقا لتحرير الأرض والإنسان!
تتحلّى مثل هذه المرأة بعقد مبتكر يتناسب والزمن الجديد الذي بدأت
تلوح أفقه، إن ذلك العقد هو رصاصة نسيها ابنها الفدائي، ونجدها تدعوه بـ(الحجاب)
بعد أن تحلّت عن ذلك الحجاب الذي كتبه لها الشيخ، ولم ينفعها في شيء! وبذلك
تتحول إحدى أدوات الثورة (الرصاصة) إلى قوة روحية وجمالية، لن يستغني عنها
الفلسطيني سواء أكان امرأة أم رجلا فيحياته الجديدة!
إن المعاناة التي عاشتها المرأة في المخيم أسهمت في تطور وعيها،
فباتت تؤمن بأهمية السلاح في إنقاذ الإنسان والوطن معا! وقد سبقها إلى ذلك
الجيل الجديد الذي حمل السلاح وبدأ يواجه الصهاينة، لهذا وجدنا (أم سعد) تتبنى
وجهة نظر ابنها (سعد) في ضرورة الثورة، وصارت ترى الإنسان الفلسطيني، الذي لا
يحمل سلاحا، ويرضى بحياة الذل! يعيش في سجن سواء أكان ذلك في المخيم أم في
البيت! ولن يستطيع أن يعرف معنى الكرامة والحرية إلا إذا غيّر حياة الذل التي
استمرت مدة عشرين عاما (كتبت رواية "أم سعد" (1969) أي بعد عشرين سنة من
النكبة) لهذا تقول (أم سعد) "أعمارنا حبس، العشرون سنة الماضية حبس، والمختار
حبس…"
إن الحياة الذليلة التي يعيشها الفلسطيني في المخيم سجن لن يخرج منه
إلا من التمس طريقا إلى السلاح ليعود إلى فلسطين! وبذلك يتحول السلاح عند
كنفاني إلى معادل جمالي للحياة الحرة!
وبما أن "أم سعد" امرأة فلاحة لذلك تصف لنا أهمية البندقية (البارودة
) بلغة الفلاحين وأمثالهم الشعبية "البارودة مثل الحصبة، تعدي، وعندنا بالفلح
كانوا يقولون إن الحصبة إذا أصابت الولد فهذا يعني أنه بدأ يعيش، وأنه صار
مضمونا…"(7)
المرأة البسيطة لا تجد طريقة للتعبير عن انتشار السلاح في المخيم
سوى تجاربها اليومية، لذلك كانت البندقية لديها تصيب بالعدوى شباب المخيم كمرض
الحصبة، وكي ينفي الكاتب التداعيات السلبية للحصبة يبرز أهمية هذا المرض معتمدا
على الحكمة الشعبية، إذ يمنح الإنسان القدرة على مواصلة الحياة ويكسبه مناعة،
تضمن له الاستمرار في العيش دون أمراض! عندئذ يطمئن قلب الأم على أولادها الذين
يحملون السلاح، لأنهم بدؤوا يعيشون الحياة الحقيقية محصّنين من الضعف كما
حصّنتهم الحصبة من المرض!
يرتبط حضور السلاح لدى كنفاني بالإنسان البسيط وخاصة الفلاح، لذلك
وجدنا مفرداته وأعماله في الحقل تشكل جزءا من جماليات العلاقة بين الإنسان
والسلاح! فحين يعيد منصور البندقية إلى خاله الفلاح (أبي الحسن) نجده يحملها
بشيء من الحنين يشوبه القلق على سلامتها، يتفقدها كأنها إنسان عزيز عليه، وهو
لا يكتفي بذلك بل يعاملها "كما تعامل أشجار حقله الصغير يقصقص عروقها ويسلخ
فروعها عنها ليطعّم فيها فروعا أخرى، ويرقعها ويشذبها ويملأ نواقصها حتى تعود
كتلة واحدة من جديد."(8)
يرى كنفاني أن أكثر الناس نضالا ضد الصهاينة والإنكليز، قبل النكبة،
هو الفلاح الفلسطيني لذلك أصبحت البندقية جزءا من كيانه، ومصدرا لحياته، نجده
يعتني بها، كما يعتني بأشجاره، يدهشنا في هذا التصوير تلك النظرة الفريدة
للبندقية التي تنطلق من عالم الفلاح الذي يتعامل معها كما يتعامل مع مصدر عيشه
(أشجار الزيتون) وهذا ليس مستغربا على الفلاح الذي صار يجد فيها مصدرا لكرامته!
كما تلفت نظرنا تلك الصور البسيطة التي تبدعها مخيلة كنفاني التي
تستمد عناصرها من مفردات حياة الفلاحين، بل حياة الإنسان اليومية، فرائحة
الرشاش حين يسقى بماء المطر تذكر الفدائي (سعد) برائحة الخبز وقد خرج لتوه من
الفرن، تبتكر لنا مخيلة المبدع صورة مؤثرة للسلاح، إذ يتحول، لدى الفلاح
(الفدائي) الذي يحمله، إلى معادل لرغيف الخبز لا يمكن الاستغناء عنه! ومما شكّل
جماليات هذه الصورة أيضا أنها اعتمدت على حاسة البصر (الرغيف الشهي) وحاسة
الشمّ (وقد خرج لتوه من الفرن) وهي تلبي حاجة أساسية لدى الإنسان (الجوع) وبذلك
يلبي السلاح لدى الفلسطيني حاجة أساسية تعادل الحاجة للطعام هي الحاجة إلى
الكرامة! فيمتزج لديه ما هو حياتي بما هو جمالي، ليصنع إبداعا متميزا!
لعل أنسنة السلاح من أبرز الجماليات التي جسّد عبرها كنفاني العلاقة
بين الفلسطيني وسلاحه، إذ لم تعد البندقية أداة جامدة بيد الفلاح، بل إنسانا
صديقا يحاوره، يقول منصور لها: "أنت مرتينة طيبة، وتصويبك لا يخطئ…المهم في
الأمر أنك أمينة، فأنت لا تخرجين رصاصك إلا من مكان واحد."(9)
يحيط منصور البندقية بجملة أوصاف تلتصق بالإنسان عادة (الطيبة،
الدقة في التصويب، الأمانة…) فهي ليست آلة للقتل وإنما إنسان صديق يؤنس
الفلسطيني في وحشته أثناء سيره في الطريق الوعر إلى قلعة جدين، كما يمد يد
العون في ساعة الخطر، فيصيب العدو وينقذ صديقه (الأستاذ معروف) وهي أمينة لا
تخون صاحبها!
لعل أنسنة السلاح تبلغ أقصى جمالية ممكنة في هذه الصورة، حين يتحول
عضو من أعضاء الإنسان إلى أداة من أدوات المدفع، كما حصل لسعيد الحمضوني حين
وضع يده في ماسورة المدفع ليصلحه فيصبح قادرا على العمل بعد أن تعطل أثناء قتال
الصهاينة! لذلك لن نستغرب أن يربط "الناس صورة المدفع بوجه سعيد الحمضوني
المربع، ولم تعد تجد من يفصل هذا عن ذاك في حديث الدفاع عن (قرية سلمة) بأن
أصبح الآن ضرورة مكملة…بل أساسية للمدفع، وعندما يتحدث الناس عن سعيد كانوا
يشعرون أنه أداة من أدوات المدفع المعقدة."(10)
تبدو عناصر الصورة شكلية تجسد تلاحما خارجيا بين الإنسان والمدفع!
ما إن ينظر الناس في وجه سعيد المربع حتى يذكرهم بالمدفع! كما نجد تلاحما عضويا
آخر بينه وبين المدفع أقرب إلى التلاحم الداخلي، فقد أصبح الإنسان جزءا أساسيا
من أجزاء المدفع، وبذلك يتوحد الإنسان بالسلاح توحدا فريدا من نوعه!
نستطيع القول بأن كنفاني جسّد لنا الروح الفلسطينية في لحظة همودها،
إثر النكبة، وهي تبحث عن ذاتها وعن السلاح! وفي لحظة تألقها وهي تثبت ذاتها
ممسكة به! لذلك ختم القسم الأول من مجموعة "عن الرجال والبنادق" (التي كتبها مع
بزوغ الثورة الفلسطينية (1965) بهذه الخاتمة الموحية التي تجسّد لحظة استشهاد
والد منصور "في ذلك الخلاء المبتل كان منصور يقف عاجزا وهو يرى إلى أبيه يموت
رويدا رويدا دون حركة واحدة، إلا ذلك النبض العميق الذي كان يرجفه، فتبدو عروقه
كأسلاك مشدودة تخرج من كفه وتتوزع في بدن البندقية أيضا، وأخيرا انتفضوا جميعا
معا: الشجرة والرجل والمرتينة، ومن وراء غبش المطر الغاضب، ودموعه، خيل لمنصور
أنهم، ليسوا سوى جثة هامدة."(11)
يقدّم لنا كنفاني عبر هذا المشهد عدة دلالات موحية، فالدم الذي
ينـزفه الشهيد يغذي جسد البندقية، ليمدّها بالحياة، وتتوحد مع الشهيد، فتنتفض
في صحوة الموت معه، بعد أن امتزجت بدمه! ويدخل الكاتب إلى عنصري الصورة (الشهيد
والسلاح) عنصرا هاما يتوحد بهما هو الأرض الفلسطينية، التي اختزلها الكاتب بأحد
رموزها الأساسية (الشجرة) لذلك نجد الصحوة تجمع الفلسطيني والسلاح والأرض كما
تجمعهم لحظة الموت! فلا حياة للفلسطيني بعيدا عن الأرض والسلاح! كما أنه لا
حياة لهما بعيدا عن الشهيد!
الحواشي:
1.غسان كنفاني "رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان" دار
الطليعة، بيروت، ط2، 1993، ص40
2.غسان كنفاني (الآثار الكاملة: القصص القصيرة) المجلد (2) لجنة
تخليد غسان كنفاني، دار الطليعة، بيروت، ط1، 1973، ص808
3.المصدر السابق، ص809
4.المصدر السابق نفسه، ص705
5.نفسه، ص663
6.غسان كنفاني (الآثار الكاملة: الروايات) المجلد (1) دار
الطليعة، بيروت، ط1، 1972، ص204
7.المصدر السابق، ص335
8.غسان كنفاني (الآثار الكاملة: القصص القصيرة) ص636
9.المصدر السابق نفسه، الصفحة نفسها
10.نفسه، ص807
11.نفسه، ص710
------------------------------------------
أضيفت في01/05/2006/ * خاص
القصة السورية / المصدر الكاتبة (للتعليق
والمشاركة بالندوة الخاصة حول الأدب الفلسطيني)
   

قراءة لقصة:
جدار الصبر
لمصطفى مرار
بقلم الكاتب:
د . فاروق
مواسي
تعتبر قصة "جدار الصبر" لمصطفى مرار (من مجموعة "القطاريز"، سلسلة
الثقافة، 1994،ص75) قصة نضالية مقاومة، وهي تعّبر عن عمق انتماء كاتبها لقضيته-
الأمر الذي يشي بالغبن الذي كان قد مسّ الكاتب في فترة سبقت، فلننصف!
يحدثنا الراوي عن البيارة التي كانت لأبي إبراهيم فأصبحت بظلم ظالم
مُلكًا للخواجا بنيامين.
يعمل في البيارة حميدي- شاب غزّي، ويعمل معه بعض الجنود من اليهود
المسرحين الذين ألحقتهم قوانين العمل والبطالة بهذا العمل، إنهم يشلخون الأغصان
ليسهل عليهم قطف الثمار، ويفغمون قليلا من الحبة، ثم يلقونها، وبذلك فهم
يستهينون بالأرض وثمارها، لأنهم متنعمون لا يهمهم إلا حياة الشواطئ والملاهي.
ومن تصرفهم هذا يغتاظ بنيامين بسبب بخله الشديد، بينما يصعب الأمر على حميدي
لأنه حريص على سلامة الثمر وجماله وعلى الشجر وسلامته؛ فحميدي يتمثل صورة أبي
إبراهيم- صاحب البيارة، وهو جاره في المخيم- حيث زرع البيارة قبيل طرده من
بلده، ولما يطعم منها. وأبو إبراهيم هذا قد غدا اليوم جسدًا هامدًا ليس فيه سوى
عينين جاحظتين.
يُدعى حميدي لكوخ أبي إبراهيم، فيوصيه هذا أن يقطف له كل يوم حبتين
من شجرتين مختلفتين- واحده له وأخرى لزوجته الصابرة. إنه يطمح أن يذوق ثمار كل
أشجارها. يبكي حميدي، ويبكي الشيخ رغم جَلَده.
وتدخلنا القصة جوًا أسطوريًا فيتخيل حميدي أن أبا إبراهيم يطالبه
بأن يبدأ قطف الحب من جهة جدار الصبر- حيث كان صاحب الأرض يصلي ويَـقيل. يختار
حميدي عشوائيًا جبتين سليمتين، بعد أن ناجى الأشجار مناجاة رهيفة. ثم يدعوه
الخواجا بنيامين ليقرأ خبرًا ما في الصحيفة العبرية، ولكنه يعتذر لعدم إتقانه
اللغة، فيهينه الخواجا على ذلك "عرب بدون عقل".
يحاول حميدي أن يثأر لكرامته، لكنه تذكر الحبتين ووجوب تقديمهما
لصاحبهما الحقيقي... وفي أثناء رجوعه اكتشف الخواجا الحبتين، فيتهمه بالسرقة.
ومرة أخرى يحاول أن يثأر لكرامته، لكن البرتقالتين حالتا دون ذلك، وكان مكتفيًا
بالتنفيس عن غضبه:
"من فينا الحرامي يا أولاد الحرام..."
ويغضب حميدي، فيتنازل عن العمل المهين، ويقدم له أدوات العمل، ولكنه
يتحداه بالبرتقالتين، فيرفعهما في وجه الخواجة:
"طق وافقع.... صاحبها أحق منك"
يصل حميدي إلى المخيم، إلى الجسد المسجّى الذي كان ينتظر الأقرباء
لدفنه. يضع في اليد الدافئة حبة، ويناول الحبة الأخرى للزوجة، كان أحد الأحفاد
يتلقفها، فيبتسم له حميدي ويقول له :" إنها من بيارتكم... وهي أحسن الثمار،
والله لكأني بجدك هذا يفضل برتقالته التي في يده على كل ثمار الجنة".
لغة القصة
النص الأدبي أولاً لغة، المهم فيه "كيف نقول" غير غافلين "ماذا
نقول" ، فلنشرع في رحلتنا مع لغة النص.
تبدأ القصة بالآية الكريمة (قطوفها دانية) –الحاقة23- .
يتساءل القارئ الضمني: هنا آية فما علاقتها بالقصة؟
هل يتحدث النص عن الجنة؟
نظرة إلى القصة كلها سنجد أنّ هذه الفاتحة للقصة استقدام لخاتمتها:
"والله لكأني بجدك هذا يفضل برتقالته التي في يده على كل ثمار الجنة". إنه مبنى
قصصي مقلوب (INVERTED
STRUCTURE).
لندخل إلى القصة بمجمل الخزين المعرفي الذي يُكوِن القارئ النموذجي
والعادي –على السواء- قد حصله، والذي يتصوره إمبرتو إيكو في حال الإمكان لدى
القارئ - كلما حثته النصوص على تأويلها وشرحها.
لندخل مسار الأحداث المترابط أو المطرد، عندها سنباشر الألفاظ ،
وندقق في معانيها ، ونوفق بين ظاهر النص وباطنه، وبعدها سنصل إلى مرسلة النص.
راوي القصة هو العليم بكل شيء (Omniscient
narrator)، والسرد بلغته
الملحمية(epic) لا لغة الراوية البطل (Protogonist
narrator).
إنّ الراوي يعلم كيف حصل بنيامين على الأرض، ويعرف كيف يبخل هذا على
نفسه، يعرف كيف يتصرف العمال الجنود، ويعرف أحوال عائلة أبي إبراهيم، يعرف كيف
اختار حميدي البرتقالتين، ويعرف كيف عزم حميدي على الانتقام، وما الذي دعاه إلى
أن يحجم. يعرف كيف عاد إلى المخيم ليحمل الحبتين. حبة للتشبث حتى الموت، وحبة
لليد حتى يظل يرنو للبقاء والتواصل والحلم.
الكاتب هو – من وراء الراوي:
يشحن الكاتب الراوي بالكثير من مواقف الرفض والسخرية، إنه هنا يتدخل
أو يقحم نفسه بالمعنى الإيجابي والفني –حسب رأيي – يعلق السرد على التعبير
"القيم على أملاك الغائبين" و "العدو هو كل من اغتصبت أرضه وأُجلي عن وطنه"،
ولنقرأ عن بنيامين أنه "يرى العمال البيض الأفندية من بني جلدته".
هنا نجد موقف الكتب الذي يرى مظاهر العبودية تسلط على أبناء جلدته
فيستخدم تعبير "النمرود الأبيض" أكثر من مرة للدلالة على الجندي المتغطرس.
الكاتب – ولا أقول الراوي – يعرف
" أنهم حاقدون يفتعلون الفرص للتنفيس عن حقد أرضعوه أطفالاً. ومالهم
لا يفعلون والفرص في عصر الحجارة لا يحدها زمان ولا مكان".
الكاتب يشحن الراوي ويزوده بطاقة – ملاحظاته:
" إن من حق هذا الجندي المسرّح أن يكون آمرًا وسيدًا لا يمد يده
لتناول قشّة... فهو هو الضمان الوحيد الباقي للحفاظ على ما يحقق من الحلم
القوي، ومن ثم المضي في إتمام ما بدأه الآباء البناة الأولون". الكاتب يتقمص
الشخصية الأقوال والمواقف التي ينبذها ويرفضها ويتألم من تكرارها، وهذه الجمل
التي تبدو تقريرية هي التي تُوظّف بصورة حية ودينامية في النص، فلو قرأنا
"أقطعها له لص متمرس..." فإننا نجد في الوصف " لص متمرس" تعبيرًا عن موقف
فيه معاناة شخصية، فيه شتيمة تنطلق من أعماق الكاتب.
يقتحم الكاتب عالم الراوي نفسه فيعرفه أنّ البيارة كانت على مدى
عشرين عامًا تؤتي أكلها ذهبًا وعسلاً، بينما اليد التي حرثت وزرعت وتعهدت ترقد
هامدة. ولعل القول الغاضب: "من فينا الحرامي؟ يا أولاد الحرام... ملعون أبوكم
على أبو اللي كان سببكم..." فيه شحن شحنه الكاتب للراوي فعبأه بالأشجان والغضب،
والأمر ينسحب على تحدي حميدي: " طق وموت !!" كما ينسحب على موقف المفاضلة بين
ثمر البيارة وثمر الجنة.
مرايا النص
أقصد في المرايا ما تنعكس فيه اللغات من تباينات مختلفة لأوجه
متعددة نستشفها من وراء النص، وهذه المرايا تعكس الواحدة على الأخرى دلالات
معرفية واستيحائية من غير إلغاء، ولا إغلاق على الصعيد الرؤيوي. وإليك بعض هذه
المرايا التي استجليناها:
أ- مرآة النص التراثي:
تشير فاتحة النص إلى آية، وهي تناص على حد تعبير جوليا كريستيفا،
والتناص يوحي لنا بكون هذه الأرض جنة ، فيستخدم الكاتب تعبير "النفس الأمارة
بـ.... القطف" فيكسر مألوفية، أولاً في مبنى الآية (يوسف،53) وثانيًا، باعتبار
القطف سوءًا، وخاصة إذا عمد إليه غير صاحبه أو غير أهله.
وفي السرد نرى تصرف بنيامين وهو يحرم نفسه من الثمر طمعًا في بيعه:"
يقول لها مبررًا شح نفسه..." وهذا القول يستدعي ما ورد في القرآن { ومن يوقَ
شحّ نفسه فأولئك هم المفلحون} "الأحزاب، 16"، ولكن أي فلاح هنا سوى كسب مادي
سرعان ما يفنى. والحديث عن "البقعة المباركة" فيه ما يعيدنا إلى قوله تعالى:
{...تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها..}"الأنبياء،81" إنها مصلى أبي
إبراهيم – على غرار مقام إبراهيم - وهو تحويل إجرائي للمعنى الجديد. يضاف إلى
ذلك تعبير "الصابرة" وصفًا لأم إبراهيم، وهو وصف مترسخ بالمفاهيم الدينية التي
تجزي الصابرين صدقهم. بل إنّ حميدي كان يسير في البيارة على "غير هدى" والتعبير
قرآني (القصص،57) و "الهدى" تعبير ديني أصلاً نقله النص إلى معنى العشوائية في
الانتقاء.
ب- الموقف المتهكم:
لا نقع في القصة على موقف تهكمي في معرض الحديث عن عائلة أبي
إبراهيم، أو في علاقة حميدي بنفسه أو بالأرض. وإنما نجد ذلك في العلاقة مع
الآخر، فبنيامين يبتسم للثمرة ويدغدغها، يصف ذلك السارد بنوع من التشفي لأنه
يحرم نفسه من الثمرات السليمة، وعندما يسأل أحد الجنود حميدي: ماذا في يدك؟
"خالها الجندي الهمام حجرًا" فكلمة (الهمام) لها دلالة عميقة تعبّر عن طريقة
النظر إلى الآخر، وكأنه يقولها واضحة "النذل" أو "الجبان".
يقول بنيامين "اسكت عزّاتي أنا لازم بِقرا جريدة (انتبه إلى طريقة
الصياغة المعهودة من قبَل الغرباء للغة العربية)، يتابع الراوي أو من وراءه
"وسكت العزاتي حميدي" وليست لفظة "عزّاتي" العبرية هنا، إلا مثيرة مستفزة
يتلقاها الراوي بتهكم.
وما كاد يصل إلى الكوخ حتى "توقف وكأنّ عشرة من الجنود يتعلقون
بحذائه..." فالتعلق هو بالحذاء ليس إلا، وهذه كلها صور كاريكاتيرية فيها رسم
للحالة الساخرة التي عكستها لغة النص.
ج- بناء
الأسطورة:
من اللقطات الفنية التي نطالعها في القصة ما تصوره حميدي أو تخيله:
"وقبل أن يبلغ
الباب بلغه صوت أبي إبراهيم واضحًا واثقًا قويًا، ولعله كان مدويًا،
فقد خيل إلى حميدي أنّ صدى ذلك الصوت يطلق عليه، بل يخرج عليه من كل الأزقة،
فيحمله إلى هناك – إلى البيارة". قد تكون العودة إلى البيارة تخييلاً وإيهامًا
(باعتبار أنّ أبا إبراهيم كان ساعتها يحتضر)، وقد تكون حقيقة. وأيًّا كانت
فالزمن في تمديده أو تقليصه لا يحول دون أي معنى؛ والفكرة المحورية تصل إلى –
عشق الأرض، واستمرار الخلف لنهج السلف في تشبثهم بالأرض والوطن. وفي وصف طريقة
اختيار حبّتي البرتقال ما يبعث على هذا الجو الغرائبي ولو في طريقة مناجاة
رومانسية:
"أغمض عينيه وراح يدور بين الأشجار على غير هدى، ثم مدّ يد، فقطف
حبّة عن يمينه وأخرى عن شماله ، وفتح عينيه، فعرف الشجرتين، فيجعل لكل منهما
علامة على جذعها.
د-
ملء الفراغ أو الفجوة:
يتحدث النقاد الغربيون الجدد من ياوس وآيزر وبارت وغيرهم عن مقومات
التلقي واستعداد القارئ لمواصلة بناء النص. ولعل مصطلحات " الإزاحة " و " ملء
الفراغات " من أكثر المصطلحات المترددة. فملء الفراغات هو تفعيل للقارئ
بالمشاركة..... إنه استمرار تخيّلي للمبنى المصوغ؛ وقد لاحظت استخدام النص له
في كثير من جمله، منها:
يوصي أبو إبراهيم حميدي ويقول له "لا تبك يا ولدي" ، وهنا نستنتج
أنه كان يبكي، ونستنتج كذلك أنّ العامل يتعاطف مع جاره. يواصل أبو إبراهيم
"انظر انظر إنني أنا أنا لا أبكي، وأدارَ الرجل القوي وجهه إلى الحائط".
يبدع الكاتب في هذه اللقطة التصويرية، ويزيد من دراميتها تكرار
(أنا). وفي النتيجة لم يقل إنه هوى باكيًا، وإنه ضعف بل كنى عنها - "وأدار
الرجل القوي وجهه إلى الحائط" ، وبالطبع فلفظة "قوي" بما فيه من مفارقة زمنية
ومعنوية تحمل أكثر من معنى التعاطف.
ولننظر كيف كانت اللغة في وصف " النيّة في قتل بنيامين":
1." كانت يده ما زالت تقبض على المقص الذي قطف به الحبتين ضغطت عليه
....عصرته" وبالطبع فإنّ القارئ يدرك مدى غيظ حميدي ...وهو يملأ العبارات
الناقصة بما يجعلها واضحة المؤدّى... لماذا ضغطت يده؟ لما عصرت يده المقص؟
ويتدرج الراوي (Stair
case) في الوصف " رفع
المقص إلى فوق الرأس " وهذا تلميحٌ أوضحُ للشروع في مبتغاه.
2.انثنى حميدي وخطا نحوه (نحو بنيامين) خطوتين، لكنه مرة أخرى تذكر
أبا إبراهيم. " خطا خطوتين" تعبير يستدعي القارئ أن يواصل خطواته للوصول إلى
المعنى... وإلى السبب والنتيجة.. ولماذا تذكر أبا إبراهيم؟
إنّ القارئ هنا مدعو لملء الفجوات.
ومن الجمل الكنائية التي تستلزم ملء الفجوات في النص:
" ونظر بنيامين في وجه حميدي بعينين حالت زرقتهما إلى لون الرمادي"
وهذا بالطبع يوصلنا إلى شدة غضب بنيامين، وإلى أنّ له عينين زرقاوين – رمز غالب
للأوروبي الطارئ على الأرض، وقس على ذلك الكثير!
ه-.
ملامسة الواقع:
يحوي النص موافقات واقعية "فالعصر عصر الحجارة" – أي الانتفاضة،
وأهل المخيم يعبرون من "محسوم إيرز" بشق النفس بعد أن يطاردهم الجنود، والجنود
"لا يتورعون من اصطياد الفرص للتحرش ولإيقاع الأذى". يصف الراوي أجواء المخيم:
"بعد صلاة الفجر وحين العامل الغزي حميدي يغادر كوخه، نادته أم
إبراهيم من فوق الجدار الذي يفصل بين الكوخين".
تضاف إلى ذلك التعابير العبرية في مبنى النص " شطحيم، محسوم، عزاتي،
معلم، قطيف" واللكنة العبرية":
"اسكت عزاتي أنا لازم بقرا جريدة"، "خمور"، "خرامي"، "أنت مش بشوف"
وهذه كلها تؤكد صدقية الموقف ووصف الأجواء التي تطور فيها النص.
ويبقى استخدام التحدي "طق وافقع..."أبلغ، لأن له لغة الانبثاق
العاطفي والمعايشة اليومية وفيه تنفيس مباشر. و. التضاد في الموقف
لاحظ البلاغيون أنّ التضاد يرسخ المعنى، وقد لاحظت كثيرًا منها على
مستوى الصورة والموقف خاصة.
إن بنيامين من جهة - يحافظ على الثمر طمعًا بالكسب، وعماله الجنود
يهملون الشجر والثمر، بينما نجد من جهة أخرى، حرص أبي إبراهيم – صاحب الأرض –
على تذوق ثمره وجنى يده، أمّا جاره حميدي فيحس معه بالحميمية والمشاركة
الوجدانية العميقة.
•حميدي يعمل عند اليهودي طلبًا لرزقه، وهو يجد المتعة في البيارة،
ويراها بعيني أبي إبراهيم، بينما يظل حميدي في نظر بنيامين خادمًا ومتنفسًا
لغضبه (الغضب على العمال اليهودي الذين يعبثون بالثمر) فهذا ينكر عليه أن يأخذ
برتقالتين، يهينه، ويتهمه بالسرقة.
•أبو إبراهيم يبدو لنا في القصة جسدًا مسجى ضعيفًا متهاويًا، بينما
كان هو نفسه في الاسترجاع (flashback)
بطلاً "سيد من ضرب المورة... والذي كان يقعر في اليوم الواحد خمسين جورة" ،
والقصد هو أنه يحفر حول أشجار البرتقال. وبالطبع ففي ذلك مدعاة للألم
والمشاركة الوجدانية "فارحموا عزيز قوم ذل".
•أبو إبراهيم يتشبث بالأمل ويتفاءل بأنه سيأكل من ثمرات الأشجار
كلها رغم كونه في الرمق الأخير، بينما بنيامين يأكل من الثمر الذي "تحت أمه"
طامعًا بالكسب فهو يأكل ما لا يباع فقط. وتبقى شخصية حميدي نصيرًا للحق ذائدًا
عنه ، نجده في الخاتمة معلمًا وهاديًا للجيل الجديد بأن يواصل المسيرة. وحتى في
الحديث عنه نجد تضادًا، فعندما يصل إلى المخيم يحس وكأنّ عشرة من الجنود
يتعلقون بحذائه، ولكنه عندما يصل إلى كوخ أبي إبراهيم يكون مرفوع الرأس.
ويظل عنوان "جدار الصبر" دلالة حيّة على استمرارية البقاء. إنه صبر
الأرض ثمرًا ومعنى، يحمل الرسوخ والتجذر والانتظار الصابر حتى الفرج.
------------------------------------------
أضيفت في01/05/2006/ * خاص
القصة السورية / المصدر الكاتب (للتعليق
والمشاركة بالندوة الخاصة حول الأدب الفلسطيني)
   

من دفاتر الشعر الفلسطيني المقاوم
عرسٌ هي الأرض النشيد
بقلم الكاتب:
طلعت سقيرق
في صيرورة النشيد، وفي امتداد الأغنية المعبأة برائحة الجذور وعمقها، تأتي
الأرض لتكون العرس والزغرودة والصوت والمدى، ذلك أن الفلسطيني يداخل حب أرضه
بكثير من الصوفية العالية الذاهبة حتى الشريان توحداً وعناقاً.. وما يوم الأرض
الذي انطلق صرخة مدوية في الثلاثين من آذار عام 1976 م ـ مطلقاً عرس شهدائه:
خير ياسين، رجا أبو ريا، رأفت الزهيري، خديجة شواهنه، خضر خلايله، ومحسن طه ـ
إلا المرآة التي عكست بصدق وفاعلية شدة تعلق الفلسطيني على مرّ الزمان بهذه
الأرض التي ما تعودت إلا إخلاص أبنائها لها وإن كان مهر هذا الإخلاص دماً
وروحاً ودفق شريان.. ولأن صوت الأرض لا ينام، كما شدة العلاقة معها لا تنطوي،
فقد كان الاحتفاء بيوم الأرض احتفاءً دائماً ومع كل دقيقة على مدار العام، إلى
جانب الاحتفاء في الثلاثين من آذار كل عام، وليس هناك انفصال أو فضل بين هذا
وذاك... فكما نحتفي كل عام بعيد الأم في الحادي والعشرين من آذار، مع احتفائنا
اليومي المستمر بالأم، كذلك نذهب في علاقتنا مع الأرض التي لا يمكن إلا أن تكون
الأم والحبيبة والعمر كله.. والحديث عن الأرض، ويوم الأرض،يأخذنا مباشرة إلى
الشعر الفلسطيني المقاوم، بل الأدب المقاوم كله، حيث عماد المقاومة قائم على
الحق الفلسطيني بأرض فلسطين، هذه الأرض التي تزداد امتداداً في الجسد الفلسطيني
يوماً بعد يوم مع امتداد الدم الفلسطيني شهادة وعطاء لا ينضبان.. وقد بقي الشعر
الفلسطيني المقاوم ملتصقاً بأغنية الأرض وعشقها معبراً خير تعبير عن علاقة
الشاعر الفلسطيني بأرضه التي تحولت لتكون خفق قلب وتحليق روح ونغم وجدان، فهي
الحب والحبيبة والدم والعصب والتاريخ والأهل وكل الحكايات... انتقلت الأرض
لتكون مؤنسنة في قاموس الشعر الفلسطيني، فلا شيء يضاهي حضورها وامتدادها في هذا
الشعر..
عند الدخول إلى دفاتر هذا الشعر المشتعل حباً بأرضه، نجد الكثير من الامتداد
الخصب الثر، والفاصلة الأولى، أو قل البداية، تأتي مع الشاعر سليمان دغش الذي
يحاول التوحد مع الأرض والذهاب في عطرها ونبضها حتى النهاية، يقول: "مخدتي
زهرْ/ وفرشتي حشائش برية/ والبدر قنديل السمرْ/ وأنت لي أغنية/ إن جعت آكلُ
التراب/ وأمضغُ الحجرُ/ وإن عطشتُ أوقفُ السحابْ/ وأنزل المطرْ "ثم" أصابعي
شجرْ/ ومهجتي صخرية"/ وأنتِ لي القدرْ/ يا أرضُ والهويهْ"، فهذا التداخل مع
الأرض يحاول قدر المستطاع إلغاء المسافة، ليكون الشاعر هو/ الأرض، ولتكون الأرض
هي/ الشاعر... والمتابع لمفردات سليمان دغش يلحظ إلى هذا التماهي المطلق مع
مفردات الأرض...
مثل هذه العلاقة المتميزة مع الأرض نجدها عند الشاعر الراحل هايل عساقلة حيث:
في موطني عشق الصبايا قاتل
والعشق مثل مياهه لا ينضبُ
إن يسقط الشهداء فوق تلالنا
ويقدموا ماتشتهي أو تطلبُ
فالعشق علمهم بأن ترابنا
أغلى من الرمق الأخير وأعذبُ
هذا الشاعر الذي رحل مبكراً بعد أن أصيب بمرض عضال، كان يتعامل مع حبه لأرض
فلسطين بشكل ساحر غريب... ولست أدري لماذا تستوقفني كثيراً مسألة "الرمق
الأخير"، عند هذا الشاعر وهو يداخل حب الأرض... وأسأل في كثير من الأحيان: هل
هناك أهم وأعذب وأغلى وأقرب من هذا الرمق الأخير؟؟... إنه كل ما تبقى... فانظر
إلى عساقلة وهو يجد أن عشق الأرض، وتراب هذه الأرض، أغلى وأعذب من هذا الرمق
الأخير...
ومرة أخرى، وكما بدأت أجد أنني عندما أذكر شدة العلاقة بالأرض أتذكر مباشرة
الصديق الشاعر سليمان دغش الذي اتصل بي هاتفياً قبل أيام من الوطن المحتل ليرسل
لي عبر البريد الإلكتروني آخر ما كتب من شعر.. أذكره في مقطع أعتبره من أجمل
الشعر الذي قيل عن علاقة الإنسان بأرضه وحبه لها يقول فيه: "لماذا حاولوا قتلي/
لماذا حاولوا فصلي/ عن الأرض التي انتشرت على جفنيَّ منديلاً/ من الأزهار
والعشبِ/ لماذا حاولوا فصلي/ عن الأرض التي التحمتْ على قلبي/ جناحاً ناعماً
الزُّغبِ/ لماذا حاولوا التفريقَ/ بينَ العين والهدبِ" ثم "سلوا الزيتونَ/
فالزيتونُ يعرفني/ ويشهدُ أنَّ ذا وطني/ وأني راسخ "كالصخرِ/ كالزيتون كالعنبِ/
سلوا الأشجارَ/ والأحجارَ/ إن شئتمْ/ فكلُّ الأرض تعرفني/ وكل الأرض
تعشقني...".
في هذا المقطع الكثير من الحرارة والحب والعلو في وصف علاقة الإنسان مع أرضه..
وسليمان دغش يمهر شعره بالكثير من الوجد الصافي العذب.. حبه للأرض يجعله يغرس
بصماته غرساً في كل ذرة تراب، حتى تتحول البصمات إلى قناديل عشق تتلألأ عطاءً
في سماء الوطن المعشوق...
في هذا المسار من حب الأرض أتذكر الشاعر مصطفى مراد في قصيدته "الأرض" وأتذكر
مقطعاً يقول فيه: "تكونين ملء الفضاء... وملء السماء وأكبر../ من كبريات
الأماني/ تكونين حين ترابكِ يفلتُ منكِ/ فتدخلُ ذرّاتهُ في عيوني/وأغلى
وأغلى../ تكونين أيتها الأم يا جرحنا النازفا/ ضماد الجروح/ تكونين كيف تكونين
صاخبة ثائرهْ/ وهادئة صابرهْ/ تكونين بلسم روحي/ فما شئتِ كوني.." ..لأجد أن
التواصل يبقى تواصلاً وجدانياً رائعاً مع كل مفردة يوردها الشاعر... وجميل
الشعر الفلسطيني المقاوم في الوطن المحتل أنه يصر هذا الإصرار العالي الجليل
على علاقته الدافئة مع أرضه، وعلى تداخله اللا نهائي مع هذه الأرض..
في قصيدة "وأبي أوصى بتفاح الجليل" يرى الشاعر هايل عساقلة أنه الأرض في كل
نبضة وعرق، حيث: "أنا من بلاد العشق من هذا الثرى/ جبلت ضلوع الصدر والجفن
اكتحل" ثم في قصيدة "أرض البطولات:
وتنمو الدوالي على راحتي
وظل الدوالي على منكبي
وتشدو العصافير صبحاً وعصراً
ويعصف سهل الثرى معشب
ثمَّ في قصيدة "عرس":
ذي فلسطين التي نعبدها
وسواها جنة لا نعبد
كل نجم في سماها قبلة
كل شبر في ثراها عسجد
بنيت من أضلع ساحاتها
وعلى الصدر تعالى المسجد
إنه الحب الفلسطيني والحب هو الحب، ومثل هذه العلاقة القوية المتميزة بالأرض،
استدعت أن يصر الإنسان العربي الفلسطيني على البقاء والثبات بكل شكل ممكن،
فالأرض الفلسطينية تنادي إنسانها بلغةِ الشجرِ والتراب والماء لكي يصمد أكثر،
ولكي يتشبث بكل حبة تراب حتى آخر رمق. من هنا هذه الإصرارية على هوية البقاء
والثبات، من خلال الإصرارية على هوية التحدي والصمود.
في وتيرة هذه الإصرارية، يرى الشاعر منيب فهد الحاج في قصيدته "معاذ الله أن
نرحل" إن البقاء والثبات يشكلان معنى الإنسان الفلسطيني، حيث: "هنا باقون لن
نرحل/ سنبقى فوق هذي الأرض نحيا لا نفارقها/ ففوق ترابها أجدادنا درجوا/
وغذّوها بدمهم/ فصارت كنزنا الأكبر/ فهل نرحل؟؟../ سنبقى فوق هذي الأرض نزرعها/
ونحميها بأضلعنا/ ونعشقها/ لتبقى حبنا الأمثل/ هنا باقون ولن نرحل.."...
فالمسافة تسجل حضور عدة صور في نسق واحد متلاحق، لتقول في مجموعها ببقاء
الفلسطيني وصموده فوق أرضه في مواجهته الاحتلال. حيث:
/البقاء الذي ينفي أي رحيل، أو إمكانية مجرد التفكير بالابتعاد عن الأرض..
فالفلسطينيون هنا باقون/ وسيبقون فوق الأرض الفلسطينية طوال حياتهم لا
يفارقونها.. وطبيعي أن تكون المقولة مقولة واقع يعيشه الفلسطيني ويمارسه حيث
تبرز كل يوم الوقائع القائلة بأن الثبات شريان الشعب العربي الفلسطيني.
|