الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | معلومات النشر | من نحن | كلمة العدد

 دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

 

 

أعلى التالي

التعديل الأخير: 18/04/2008

القائمة

الأدب الفلسطيني تحت الاحتلال وفي المهجر

 1نماذج قصصية - شعرية

           

  النخلة المائلة

 متى سينتهي

جدار الصبر

بط أبيض صغير

إرث جدتي 

حب من خلف النافذة

رقصة الموت 

البقاء على قيد الوطن 

قرية كفر برعم 

 

 

 

وقائع الحياة والموت 

الحب في زمن الانتفاضة 

 صباحات لم يغنها

 

 

 

 البالوع...أيضا

 كرنفالات التراب

إن راح المغني 

نعم لا اعرف 

حياة القوة

 البقرة

رجال في الشمس

أسعد   مروان 

 الصفقة

الطريق 

 الشمس والظل

 القبر 

 

 

 

 

حب من خلف النافذة

 

بقلم الكاتب: يحيى الصوفي

كانت الساعة قد تجاوزت الثامنة مساءً عندما لاحظت أمل بان ثمة حركة غير عادية تجري في البيت المقابل لمنزلها.. حيث تطل عليه من نافذتها، ذلك البيت المهجور بحديقته الصغيرة وأشجار البرتقال والليمون و"الاكيدنيا" التي لم تمس منذ أكثر من عشرين عاما... عشرين عاما من الحكايات الغريبة... وقصص عن أشباح تسكن في زواياه المظلمة خلف نوافذه المغلقة المليئة بالأسرار... حتى بدت ملامحه الوديعة مع سقفه القرميدي الأحمر كقصر خرافي يشبه ما كانت تراه في قصص الحب الخيالية الملونة التي كانت تقرؤها عندما كانت في السابعة من العمر... وكانت يومها تتمنى أن تكون كبطلتها سندريلا بفستانها القرمزي المطرز بألف نجمة... وحذائها المخملي الأبيض وعربتها المزخرفة بشتى أنواع الزهور... وأحصنتها البيضاء وقد وقفت تنتظر عودتها بكل إباء وغرور!.

 

وكانت وفي كل مرة تطل من خلال نافذتها الصغيرة -الوحيدة التي سمح لها بالوقوف عليها بدون حجابها المعتاد- تستعيد ذلك الحلم الجميل الذي يعشش في خيالها منذ إن كانت طفلة صغيرة... تتعثر وهي هاربة لتترك على إحدى درجات السلم فردة من حذائها... وكانت عندما تعبر بجوار ذلك القصر المهجور لتقطف بعض من أزهار الياسمين المتدلية من فوق أسواره تجده كبيرا وكبيرا جدا!... ولم يتضاءل حجمه وتنحسر عدد درجاته إلا بعد أن أنهت الثانوية وبدأت تعد العدة لدخول الجامعة... فلم يعد ذلك البيت الموحش يثير اهتمامها!.

 

والدرجات الثلاث لم تعد كافية لتعيق هروبها من قصر أميرها... والحديقة صغرت على قدر لم تعد تسع عربتها الكبيرة... كبر حلمها!... والنافذة المدورة الصغيرة التي ضمت ساعتها بعقاربها الثلاث وأجراسها السبعة قد تلاشت ولم تعد تدق منذرة قدوم الثانية عشرة ليلاً!...

 

وأميرها المنتظر لن يعثر على حذائها ولن يجوب المدينة بحثا عنها ولن يطرق بابها كما كانت تتمناه وتنتظره منذ أكثر من عشرين عاما!؟... لقد انحسرت المسافات وتضاءلت عدد الدرجات وعادت للأشياء أحجامها الطبيعية، وعاد لذلك المنزل وحديقته الصغيرة شكلاهما المألوفان ككل البيوت القديمة!... وتلك الزهور التي كانت تجمعها له بين أوراق دفاترها الملونة بالذكريات فقدت أريجها ولم يبقى منها إلا رقائق هشة تشبه أجنحة الفراشة الميتة!.

(لابد أنهم قد عادوا أخيرا) تنهدت أمل وهي تحاول أن تستطلع من خلال الخيوط الدقيقة للأنوار المنبعثة من خلف النافذة عن شكل الساكن العائد بعد غياب طويل عن الوطن، ثم تساءلت: (كيف يبدو خالد يا ترى؟.... ذلك الشاب المرح؟.... هل سيذكرني إذا ما رآني؟... هل سيذكر "أمل" الفتاة الصغيرة التي كان يلاعبها عندما كانت تحل عليهم ضيفة مع والدتها؟... هل سيتذكر كيف كان يحملها بين ذراعيه ليضعها على الأرجوحة الخشبية، وهو يهزها ويغني لها ويحاول إضحاكها بحركاته الظريفة التي تشبه المهرجين؟... سيذكر الزهرة الحمراء التي أهداها لي والتي لازلت أحفظها بين أوراقي أتفقدها كلما اشتقت لان أراه واسمعه!؟.)

 

فجأة تذكرت بأنها لابد تحتفظ بتلك الوردة في أحد دفاترها العتيقة الموضوعة في صندوقها الخشبي الصغير بانتظار هذه اللحظة!؟... لحظة عودة أميرها الموعودة!...فذهبت لتحضره، وتتفقد محتوياته، باحثة بكل اهتمام عنها!... فوقع نظرها صدفة على آخر الصفحات التي كانت قد كتبتها قبل أن تغلق على تلك الوردة الحمراء والتي لم يبق منها إلا بتلة واحدة!... والى جانبها بعض كلمات تقول: (هذه أخر بتلة من البتلات العشرة الحمراء المؤلفة من الوردة التي أهديتني إياها منذ عشرة سنوات كنت اترك في كل دفتر من دفاتر ذكرياتي التي خططتها واحدة منها وبدأت مع أولاها ((يحبني))، وهكذا حتى وصلت إلى العاشرة والأخيرة حيث وقعت على عبارة ((لا يحبني)) وعرفت أخيرا بأنك لا تحبني ولا تفكر بي وأنا كذلك؟!.)

 

أغلقت أمل الصندوق بعصبية ظاهرة وهي تحاول أن تطرد من ذهنها شبح أحلام جميلة عايشتها، وكانت قد وضعت حد لها، واعتبرت تصرفها ذاك وكأنه خيانة للعهد الذي يربطها بها، وأرادتها أن تكون سر أسرارها!.... وتذكرت بان العبارات الجميلة التي خطتها وكل الذكريات لم تكن إلا من وحي خيالها وبان لاشيء يربطها مع القادم الجديد.

 

(إذا لما أنا مضطربة هكذا؟) تساءلت أمل ثم تابعت: (لابد لان هذا الغريب القادم من بعيد قد حل فجأة ليسرق ما هو لي!... قصري... أميري... حديقتي... أزهاري... أحلامي... ذكرياتي... ولن اتركه ولا بشكل من الأشكال أن يفعل؟!... هذا كل ما تبقى لي!... هذا كل ما املك؟!.)

 

تقلبت أمل في فراشها طوال الليل محاولة أن تتجاوز القلق الذي حل بها فجأة من جراء وصول هذا الغريب وقد استولى على كل أمالها وأحلامها بلحظة واحدة، وقررت أن تأخذ المبادرة لتدافع عما اعتبرته حقا شرعيا لها.

 

فهي التي كانت تزين هذا القصر الصغير بأحلامها وترسمه في مفكراتها.. وتعتني بأشجار حديقته وأزهارها.. من خلال نظراتها القلقة عليها تتفقدها في كل صباح... هو غائب عنها بعد أن هجرها ولا تربطه بها أي شيء سوى أنها ارث مكتوب ومهدى له على الورق.

واعتبرت بأنها أحق منه بها فهي تمثل كل شيء لها بل وأكثر... حريتها... فلن تستطيع بعد اليوم من الوقوف على نافذتها الوحيدة التي تطل منها على العالم الخارجي بحرية... وتصورت بأنه سيسرق منها حتى حريتها وقررت ألا تتركه يفعل!!!.

في صباح اليوم التالي استيقظت أمل على أصوات العمال وهم يتناوبون في إخراج أغصان الأشجار التي قطعت، وبقايا من أوراقها المتكدسة منذ سنوات.

 

وشعرت وهي تراقبهم من خلف ستارة نافذتها وكأنهم ينقلون بعض منها إلى المجهول!.

 

ولفت انتباهها علبة بيضاء للبريد قد ثبت على باب المنزل بطريقة لم تألفها من قبل (هكذا إذاً؟!.. أنه ولابد قد عاد ليستقر هاهنا إلى جواري وللأبد؟!.) تساءلت بامتعاض ثم ابتسمت فلقد جاءها الفرج من حيث لا تدري وصاحت بفرح: (لقد وجدتها... سأكتب له... ستكون علبته نافذتي الجديدة لكي استرد منها حريتي التي سرقها بدلا من تلك التي أغلقها... واجبره على الفرار!!!.) وقررت الكتابة له!!!.

 

فخطت أولى رسائلها تستفزه وتسأله فيها عن نفسه تاركة عنوان بريدها الخاص في المؤسسة التي تعمل بها ووقعتها باسم مستعار ثم رمتها بعلبته البريدية قبل أن تغادر إلى وظيفتها.

 

ولم يطل انتظارها طويلا حيث عثرت في اليوم التالي ضمن بريدها الخاص على رسالة منه يقول فيها: (وصلتني رسالتك وأنا لم استغرب من وجودها بقدر استغرابي من كاتبتها التي لم يحصل لي وان عرفتها من قبل.؟ اخبريني من أنت؟.)

 

أسرعت أمل إلى غرفتها حيث أوراقها وأقلامها وخطت له بعض العبارات المختصرة تسأله نفس سؤاله؟. (رسالتك رغم قلة حروفها فهي بليغة، ويبدو بأنك لم تضع الوقت ولديك رغبة عارمة في معرفة صاحبتها، وقد تتخيلها سهلة وهي ليست كذلك ولكن بيني وبينك حساب قديم ويجب أن نراجعه ونعيد لكل ذي حق حقه؟!. وأخيرا أتمنى أن تخبرني أولا من تكون؟.) وكأنها أرادت بذلك أن تثير فضوله أكثر قبل أن يعرفها وتكشف له كل أوراقها.

وبالرغم من أنها كتبت له بجفاء إلا أنها كانت تحتضن رسالته وتعود لتقرأ كلماته القليلة بشيء من النشوة وهي ترتجف، ومضت ساعات قبل أن تستعيد هدوءها واضطرابها غير المعهود وكأنها ارتكبت إثماً، فغادرت المنزل دون أن تتناول طعام غذائها لترمي له بالرسالة وتمضي!...

في اليوم التالي لم يخب أملها حيث وجدت رسالته الثانية إليها وقرأت: (أنت ولابد تعرفين الكثير عني، وأنا لم استقر بعد في بيتي ولم افتح أبوابه ونوافذه التي علت أقفالها الصدأ حتى أجد خصوم لي وحسابات قديمة لا اعرف مصدرها، وأنا في كل الأحوال لا أمانع بالتعرف عليك أكثر ومناقشتها إذا شئت ولكن اخبريني كيف ومن أنت ولماذا تتخفين خلف اسم وعنوان مستعار؟؟؟.)

 

وشعرت وهي تعيد قراءتها بأنه ولابد يتمتع بالكثير من الخلق أو انه يشعر بالوحدة مثلها ويرغب بالتعرف إليها... أو ربما لم يكن تصرفه معها على هذا النحو إلا لتعوده على التصرف بلباقة مع مخاطبيه تأثرا بعادات وتقاليد البلاد التي عاش فيها!...

 

لم تنتظر أمل عودتها إلى المنزل فمسكت بالورقة وكتبت له: (أولا أنا اسمي الحقيقي أمل ولن تجد صعوبة كبيرة في التعرف علي إذا ما نظرت حولك ورأيت شيء ما قد تغير، الق نظرة من نافذتك تجد عنواني الجديد تستطيع أن تكتب لي إليه، ويسعدني التعرف أليك أكثر، ولكن قبل أن نلتقي لمناقشة ما نختلف حوله عليك التوقف عن تقطيع أوصال عروق الياسمين المتدلية على أسوار الحديقة فهي تعني الكثير لي، فلا تستغرب سأخبرك بالسبب لاحقا؟!.)

 

ترددت أمل في إيداع رسالتها وشعرت بأنها لابد تسرعت في التجاوب مع شخص غريب كان غريما لها منذ أيام وتساءلت في سرها عن سبب اندفاعها نحوه بهذا الشكل، وبأنها ربما قد أخطأت في التحرش به على هذا النحو!.

 

ولكن هي تعرف تماما بأنها لم تكن تتوقع أجابته السريعة لها وبأنها ربما قد وقعت في نفس الفخ الذي نصبته له!... وقعت بالحيرة والفضول وهاهي تكشف كل أوراقها؟ (أي أوراق؟.) تساءلت أمل: (هو لن يعرف شيئا عني أكثر من بعض كلمات وعنوان!.. وإذا رغب باللعب فيكون قد أعلن حرب خاسرة سلفا على نفسه وسأدير معاركها ضده بكفاءة!... فانا من يعرف مكانها جيدا واطل عليه من نافذتي فأراه ولا يراني. أستطيع بكل بساطة أن افتح النافذة لأطل عليه وأقرا برنامجه اليومي... متى يصحو... متى يتناول إفطاره... متى يخرج ومتى يعود ومتى ينام... كل شيء تقريبا... في حين هو لا يستطيع ذلك!!!.)

ولهذا لم تتردد أمل ثانية واحدة من متابعة ما عزمت عليه وطلبت من البواب شراء وتعليق علبة بريدية خاصة لها لونتها بلون زهري مميز وقد كتب عليها بحروف واضحة "الأستاذة أمل".

سر خالد بوجود رسالة أمل بين بريده اليومي وصحفه التي لم تتأخر بالوصول إلى عنوانه الجديد، وقد وضعت على طاولة مكتبه القديم بعد أن جلبها الآذن، ووضع إلى جانبها فنجان قهوته المعتادة.

وجلس يقرأها وهو يبتسم... فلقد وجد في صراحتها وجراءتها علامات من الاستقلالية والثقة ما كان يتوقعها في بلدته المحافظة، فتناول القلم وكتب لها: (لقد سررت كثيرا بوجود رسالتك الوحيدة في بريدي هذا الصباح.. وسررت بصراحتك، ويبدو بأنك قريبة مني كثيرا لدرجة أن لا أراك فيها، وأنا لا اخفي عليك بأنني حاولت العثور عليك بين البيوت الكثيرة والنوافذ التي تعد بالمئات.. والتي تطل من العمارات الشاهقة التي احتلت مكان البيوت القديمة في هذا الحي المتواضع، والذي تنكر للماضي على ما يبدو.. واخذ أجمل ما املكه وهو الوطن!... الوطن الذي حننت إليه وحلمت به وتمنيت أن أعود إليه واجده مع أهله وأحيائه وخلقه وقيمه وروائحه المميزة... وأنغام الطيور وهي تهدهد، وغناء عصافير الدوري وهي تزغرد... وعندك حق عندما اشترطت عدم المساس بأغصان الياسمين مقابل لقاءنا؟!. فيبدو بأن من حسنات هجري لهذا البيت، هو إنني حافظت على أخر ملجأ آمن لكل الطيور والعصافير والسحالي وجميع أنواع الفراشات... وحتى أعشاش "السنونو" لم تفتقد لهجرتها مكانا!... ويبدو بأنني المتطفل والغريب الوحيد عليكم جميعا؟؟؟... فلا تقلقي ساترك كل شيء على حاله فهل استحق مكافئتي بلقاك والتعرف إليك؟.) ثم نادى على الآذن طالبا منه إيداعها بالعلبة الزهرية اللون المعلقة على مدخل البناية المقابلة.

لم تتأخر أمل من الهبوط درجات السلم الأربعين التي تفصلها عن علبتها... فلقد شاهدت الآذن -الشخص الوحيد الذي رأته إلى الآن- يقترب منها وبحدس الصياد الماهر الذي ينتظر اهتزاز قصبته منذرة بوقوع سمكة جديدة بالأسر.. فتحت أمل علبتها لتخلص تلك الرسالة من صنارتها وتعيد إغلاقها بحرص كمن يعيد الطعم لاصطياد أخرى!... وعادت إلى غرفتها متشوقة لقراءتها... فألقت نظرتها الأولى المعتادة تطالعها بسرعة البرق ثم عادت لكي تتأمل السطور تبحث بين حروفها عما يمكن أن تخفيه من مشاعره المخبأة فيها فوجدته رصينا وجديا أكثر مما توقعت... عادت مرة ثانية تتفحصها وكأنها قد أغفلت أمرا لم تستطلعه بما فيه الكفاية... وصدق حدسها فلقد وجدت كلماته مطبوعة على ورقة ملونة تخفي بين رساماتها الهادئة بعض مما يحب أن يقوله... انه النصف الآخر الصامت الذي تبحث عنه ووجدته!... فسرت لاكتشافها وجلست تخط له جوابها: (أشكرك على احترام رغبتي في الحفاظ على أغصان الياسمين موحشة كما هي.. وعلى البقية الباقية من أشجار قديمة حوت فيما حوت ذكريات وأحلام جيل كامل من أهل هذا الحي.. وتختصر أمالهم بالحفاظ على البقعة الخضراء الوحيدة التي تسر النظر وتبهج الروح وتعيد إلى النفوس بعض الأمل.

 

خاصة إذا ما علمت بان الأماكن المعتمدة لإنشاء الحديقة الخاصة بالحي الجديد قد سرقت وبيعت لتتحول إلى دولارات في جيوب المسئولين عن هذا المشروع.

 

وبان أشجارك الوحيدة الباقية هي دليلنا بحلول الفصول الأربعة بعد أن فقدنا الإحساس بها في خضم الزحام والضجيج وروائح المازوت المنتشرة في كل مكان؟؟؟.. فمن خلال زهور أشجارك الوديعة وزقزقة العصافير وهديل الطيور نعرف بان فصل الربيع قد حان! ... وعندما تتدلى أغصان أشجار الليمون والبرتقال من ثقل ثمارها لتلامس الأسوار نعرف بان الصيف قد وصل!... ومع حلول طيور "السنونو" تتسابق لتحتل الجحور البسيطة التي تركتها أسلافها نعرف بان الخريف قد قدم!... وعندما تبدأ ثمرات الليمون والبرتقال تتساقط أرضا صابغة الحديقة وأطراف الرصيف بألوانها ورائحتها المميزة العطرة نعرف بان الشتاء قد حل علينا!...

 

أما الياسمين فهي مزار الصغير والكبير من أهل هذا الحي كلّ منهم يتزود من أزهارها لحاجته ولم تبخل.

 

وإذا قدر لي أن اعد المئات من الملايين منها التي أفرحت القلوب وزينت الصدور وعطرت المياه العذبة بدلا من البخور... وكانت وسيلة العاشقين للدلالة على حبهم وامتنانهم وإدخال السرور... حتى المقابر لم تفتقدها ففي كل جنازة منها المئات تتناثر عليها في خشوع!... لكل واحد منا فيها ذكرى وقصة وحصة!؟.. سننازعك عليها إذا ما قررت سوءً بها؟!.

 

واعذرني قسوتي وجفائي فهذا البيت هو كل ما تبقى لي....ما تبقى لنا من خضرة هذا الوطن ومن ذاكرته ووجدانه.؟ ! أما عن سؤالك عن لقاء قريب بيننا فكل شيء في حينه أفضل، تحياتي، أمل.)

استلم خالد رسالتها وقرائها بكل هدوء ثم وضعها جانبا وكأنها لا تعنيه فلقد شعر لأول مرة بأنه يخضع لأسئلة صعبة ومحرجة، انه بكل بساطة يخضع للتحقيق عن أشياء تخصه ولا يحب أن يتداولها مع أي كان.

 

وبالرغم من الصراحة البليغة التي تناولت بها أموره الخاصة تلك وغيرتها واندفاعها في تحويل ملكيته وأخر قطعة من وطنه إلى أمر عام ستنازعه عليها، فلقد وجد فيما طرحته حقيقة لا يمكن أن يتجاهلها... وكان مستعد تماما أن يقايضها به مقابل رغبته في لقاءها والتعرف إليها... فلقد شغلت عقله وأثارت فضوله وحركت جوانب منسية من طفولته وعشقه وحبه للوطن، لقد كانت -ومن حيث لا تدري- تعيد رسم اللحظات الباهتة الحنونة من ذاكرته وتلونها بألوان مليئة بالفرح والأمل.

 

فتناول رسالتها ليعيد قراءتها باهتمام وقرر أن يخطو خطوة أكثر جدية معها فهو لا يحب هذه اللعبة -رغم براءتها- أن تستمر.

 

فلقد تجاوز سن المراهقة وعليه أن يحترم عادات وتقاليد أهل البلدة المتعارف عليها، فكتب لها: (أنا اتفق تماما على كل ما طرحته علي في رسالتك ومستعد للقائك للتفاوض على التفاصيل، فانا لا اخفي عليك بأنني سحرت بك وتمسكك بما تحبيه وتعشقيه من وطنك وأتمنى أن أكون وبكل بساطة بعض منه علني اكسب اهتمامك وحبك وحنانك... أن تكوني بكل بساطة وطني... فهل تقبلين بي؟؟؟ أرجو ذلك.)

 

تلقت أمل رسالته بشيء من الغبطة وتفاجأت بصراحته ودعوته لها!... واعتبرتهم إعلان استسلام من طرفه.. وبأنها لابد قد أصابت مقتلا منه فوقع بغرامها دون أن يراها.. وبالرغم من شعورها بالانتصار بمعركة لم تخوضها كما تمنت إلا أنها ترددت بالإجابة عليه.. لأنه جردها من وهج المبادرة.. فأصبحت بكل بساطة أسيرة دعوته المسالمة وإعلانه لحبه دون مقدمات.

فأصيبت بالحيرة وتناوب عليها القلق والاضطراب وشعرت بمفاصلها ترتجف دون أن تعرف السبب، فارتمت في فراشها وقد أخذت أطراف الغطاء لتختبئ تحته، وكأنها تحاول الهروب من موقف صعب لم تتعود عليه، وأحست بالمياه الباردة تغمرها بعد إن كانت غارقة بالعرق، لقد أصابتها اعترافاته بشعور غريب لم تألفه وبضيق وخجل؟.

لم تستفق أمل من الحمى التي أصابتها إلا بعد أسبوع.. كانت تتهرب من الجميع... جميع من حولها متحججة بشتى الأعذار.. ونافذتها التي لم تغلق منذ سنوات لم تفتح كما هي العادة لتتعرف من خلالها على تناوب الليل والنهار!!!... لقد فقدت الإحساس بالزمن وشعرت بنظراته تطاردها وبكلماته تبحث عنها دون كلل أو ملل!... وبأنه لابد سيعثر عليها ويطرق بابها بعد أن غابت عنه... وتذكرت أحلام طفولتها...تذكرت سندريلا وحذائها... أميرها... قصرها... فشعرت برهبة الموقف وتخوفت من اللقاء... فجأة تذكرت بأنها نسيت أن ترد على رسالته الأخيرة... نسيت أن تدله عليها... عما قررت...أن تترك فردة حذائها... دليله على وجودها!!! ...

 

فنهضت من الفراش وخطت رسالتها المؤلفة من بضع كلمات تقول فيها: (لقد تأخرت كثيرا عليك لأنني كنت مشغولة في بعض أعمالي، اشكر لك اهتمامك وكلماتك المعبرة الحنونة واقبل بدعوتك لي للقائك، ما رأيك بزيارتنا هذا المساء لقد تحدثت إلى والدي بالأمر وهم فخورين بك وبمعرفتك ويحفظون لوالديك كل الاحترام فلقد كانت تربطنا بكم صداقة قوية وقرابة قبل أن تترك الوطن بعد فقدانك إياهم... وان دققت قليلا في ذكرياتك البعيدة لوجدتني اسكن في بعضها، أعذرك إذا نسيتني فلقد كنت صغيرة جدا يومها، نحن بانتظارك وإلى اللقاء.)

نزلت أمل الشارع لتعبره للجهة المقابلة حيث بيت خالد ساعية إلى علبته البريدية فلم تجدها ؟!.. فظنت بأنها ولابد قد أخطأت المنزل... تفقدت المكان حولها وأعادت تبحث عن علبتها الضائعة فلم تعثر عليها!.. وتخيلت للحظات بأنها ولابد تهزي من أثار الحمى التي أصابتها! (ولكن أثار تلك العلبة لازالت هنا بثقوبها الأربعة) تساءلت أمل: (ماذا حصل إذا؟... أين هو ولماذا أغلقت النوافذ والأبواب وعاد المنزل إلى سابق عهده مهجورا؟.) وقبل أن تترك المكان رمت برسالتها في الحديقة وعادت إلى منزلها وقلبها يشتعل من القلق والحزن والخوف.. وتمنت لو أن الأرض انشقت وابتلعتها على أن تجد نفسها في موقف كهذا وشعرت بنوبة الحمى تعاودها.

مضى أسبوع آخر وأمل طريحة الفراش تهزي... حتى استيقظت على أصوات صراخ وعويل قادمة من الجهة الأخرى من الشارع يصاحبه ضجيج لآلات ضخمة تعبره... ففتحت نافذتها تستطلع الأمر فوجدت الجرافات الإسرائيلية تقوم بهدم المنزل بحراسة الجيش وبعض من أفراد الشرطة... وشعرت وهم يقومون بقطع أخر الأشجار الخضراء التي يحتويه ونقل أخر أحجاره في سيارات نقل عملاقة -لإفساح المجال لبناء جدار العزل المشئوم- بأن جزءا منها قد هدم واستبيح وقتل!؟... فصرخت بأعلى صوتها حتى سقطت أرضا وقد أغمى عليها من الحسرة والألم.

 

ومن يومها لم تجرؤ على فتح نافذتها لأنها فقدت وسيلة الاتصال الوحيدة بعالمها التي كانت تفرح بالإطلالة من خلالها... خاصة بعد أن خسرت مساحتها الخضراء الوحيدة ودلالات الفصول الأربعة ورائحة الزهور... وزغردة العصافير والطيور... وأزيل أخر أثر لحلمها وحريتها... والوجه الصغير الأصفر الذي كان ينبئها بوجود خالد خلفه... نافذته... انطفأ... وانطفأ معه قصره... قصرها... حبه... حبها... حريتها... حريته!؟.

فجمعت الوصلات الكهربائية بعد إن فصلتها عن جهاز "الكمبيوتر" ووضعتهم معه في صندوق خشبي كبير وأغلقت عليه بكامل ملفاته ومراسلاته دون تغير.

مع تحيات المؤلف: يحيى الصوفي  جنيف في  08/04/2004

------------------------------------------

أضيفت في01/05/2006/ * خاص القصة السورية / المصدر الكاتب (للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة حول الأدب الفلسطيني)

 

 

إرث جدتي

بقلم الكاتبة: نجمة حبيب

 

هو زيتونة دهرية ترقد، ككل زيتونة في بلادي، متواضعة راضية بما قدّر لها من غذاء وماء وهواء ونور. جوادة معطاءة دونما جلبة أومطالبة بحقوق أو رد دين. فهي لا تبتئس لو أنك أهملتها. ولا تطالبك بسقاية أوتشجذيب أوتمشيط, ان حدث وتعطفت عليها ببعض عناية كافأتك بصمت، وان لم تفعل أكملت مسيرتها بصمت أيضا دون معاتبة او اقتصاص على اهمالك وتناسيك. وهي أيضا مقتصدة محتشمة، لا تظهر عورة ولا تتعرى مهما جارت عليها عوائد الفصول. لا يعتريها ما يعتري بنات جنسها من شبق ربيعي، فلا تزهو ولا تغوي ولا تفاخر، حتى انها لا تحسد جارتها شجرة اللوز التي تزهو كل ربيع بزهرها المشتعل فتنة. ثمرها أيضاً كزهرها، لا يغويك بسحر ولا ينصب لك شباك الفتنة لتقع صريع هواه، بل ينتظرك حتى تتعطف باسقاطه فلا يئن متوجعا من ضربات "شاروطك" الظالمة ولا يقاضيك على قسوتك بل يمتثل كالزوجة الخانعة. يقبع خاضعا في الزوايا المهملة في الخوابي المعتمة لا يشكو قسوة حر ولا شدة برودة. ينصاع صاغرا لأحجار طاحونتك القاسية فلا يئن لثقل وطأتها بل يفرح لو رآك تتشمم سائله المخضر الجميل بعد عملية الهرس القاسي والمهين. قد تزهو بعض اغصانها الصغيرة مرة في العام عندما ترفعه ايدٍ طفولية ملوحة "مبارك الاتي باسم الرب. أوصانا في الاعالي. اوصانا في العلى". إلا أن جذورها عنيدة متشبثة بتربتها وفية لهذه التربة, حريصة على ترجمة هذا الوفاء بالتغلغل عميقا حد التوحد الصوفي بذراتها. مر فوقها اباطرة وملوك، طغاة وجبابرة، من مشرق ومن مغرب، فما مالآت ولا خفضت "لغازٍ جبينا". كلهم زالوا وظلت هي على وفائها وسخائها 

 

إرث جدتي فاطمة, هذه الزيتونة التي ورثتها عن فاطمة، عن فاطمة منذ الآف السنين, في فيئها غنت لأبنائها ومن بعدهم أحفادها حتى يناموا "وتيجيهم العوافي كل يوم بيوم"، وفي تجاويفها خبأت لنا ليوم العيد مفاجآت من جوز ولوز وزبيب. وفوق أغصانها علقت اطواق التين والمشمش والبامية لتجفف مؤونة للشتاء. وربما أيضاً خلف جذعها قابلت جدي سراً أيام المراهقة. وقد حرصت جدتها لجدتي على تسمية اغصان زيتونتها باسماء احفادها، وبما ان  جدة جدتي لم تكن تعرف الكتابة فقد طلت الاغصان باصباغ مختلفة: أحمر، أخضر، أسود، أصفر، زهري، بنفسجي وغيرها. أصرت جدة جدتي على ان تعيد الدرس على احفادها وحفيداتها مرارا وتكرارا حتى تتأكد من انهم حفظوه جيدا وسوف ينقلونه دون اي خطأ لأبنائهم واحفادهم ذكورا واناثاً: الاحمر غسان كانت تقول، والاخضر محمد، والابيض لميس والازرق هدى والبرتقالي سميرة والاصفر اميل والرمادي زكي والبنفسجي سحر وهكذا

 

في هجومهم الاخير على بلدتنا كانت مجزرتهم في زيتونها. صبر وشاتيلا من توع آخر. أصيبت جدتي بالذهول. لم تذرف دمعة على زيتونتها ولم تشتم او تطلق الدعوات كما كانت تفعل في المرات السابقة. بقيت جامدة كتلك الام التي فجعها موت ابنائها أمام عينيها فأفقدتها المفاجأة سمعها ونطقها. كالت امي لهم اللعنات فلم تجبها كما في الماضي: "صواريخك كاسدة فتشي عن بضاعة غيرها". رمى أخي الصغير دبابتهم بحجر فما لوت رقبتها بحزن كعادتها وقالت: "يا ولدي العين لا تقاوم مخرز". قرأت عليها مقالتي النارية والتوقيعات التي جمعتها احتجاجا وقدمتها لمنظمات حقوق الانسان فما هزئت بجهودي ولا قالت "كلّو حبر على ورق".

 

ذلك الصباح رأيت جدتي واقفة مكتوفة اليدين منتصبة في وسط الدار. كانت قامتها مشدودة ورأسها مرفوعاً بإباء نحو السماء. كانت عيناها جامدتين لا تفصحان عن حزن أو غضب. فلو أن غسان كنفاني رآها لكان قال فيها ما قاله بصاحب "العروس". رميت عليها تحية الصباح فما التفتت صوبي إلا أن ابتسامة عريضة كانت تضيئ جبينها الذي امحى منه ما كان له من تجاعيد. مددت يدي اطلب يدها لأقبلها فظلت جامدة ولم تتمنع لتقول لي كعادتها "بوس الايادي ضحك على اللحى".

 

في زحمة الانشعال المهين بين هذا الحاجز وذاك، نسيت الملمح الاسطوري الذي وسم جدتي ذاك الصباح ولكنني انتفضت مستذكرة كل تفاصيله فيما المذيع يخبر عن امرأة في السابعة والخمسين من عمرها تقوم بتفجير نفسها بواسطة حزام ناسف بعد أن تركت رسالة مصورة تظهر فيها وهي تقرأ ورقة كتبتها بخط يدها: أقدم نفسي فداء لله وللوطن  وللمعتقلين والمعتقلات....

---------------------------------

 نجمه حبيب بوسطن الولايات المتحدة 13‏.12‏.2006

------------------------------------------

أضيفت في29/12/2006/ * خاص القصة السورية / المصدر الكاتبة (للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة حول الأدب الفلسطيني)

 

 

بط أبيض صغير

بقلم الكاتب: د. أحمد الخميسي

من قبل كنت أتابع كل شئ ، ثم توقفت عن متابعة أي شئ . منذ شهور طويلة لم أعد أشتري الصحف ، أية صحف ، لم أعد أفتح التلفزيون . توقفت عن توقيع البيانات السياسية ، وتوقفت عن النقاش فيما يحدث حولنا . أخبار الأحداث السياسية الهامة صرت أتسقطها من أفواه معارفي خلال مكالمات هاتفية عابرة ، أو لقاءات بالمصادفة وسط المدينة . قلت لنفسي : لا شئ يتغير إلي الأفضل . وكنت أعلم أنني مخطئ ، وأن ما أقوله يعني أنني لا أرصد التغيرات بدقة . فلابد أن هناك أشياء تتحرك إلي الأحسن وأنا لا أراها . لكني بحكم العادة والفضول القديم أشغل التلفزيون من حين لآخر، أكتفي فقط بمشاهدة مقدمة النشرة الأخبارية ، وخلال ذلك ، مثل الماء الذي ترفع عنه السدود فجأة ، تتدفق نعوش أطفال الفلسطينيين من شاشة التلفزيون إلي صالة بيتي ، يحملها الناس وهم يهرولون بها قبل أن تشن عليهم غارة جديدة في الشوارع المحاصرة.  أغلق التلفزيون وأندم على اللحظات القصيرة التي فتحته فيها . أغلقه ، لكن طوفان الأطفال يكون قد سرى من الشاشة الصغيرة وشغل كل فراغ في شقتي . طوفان ، ينظر إلي بعدم فهم ، نظرة مشبعة بالتساؤل ، لأنه احتمي بجدران بمنزلي دون استئذان وشغل كل المساحات الشاغرة بين قطع الأثاث في الصالة وفي غرفة نومي ، ومكتبي ، وجانبي الردهة الممتدة إلي الحمام والمطبخ . يستريح الأطفال المبتلون من الموت قليلا ، ويألفون المكان ، ولا يغادرون مسكني ، لأنهم مذعورون من الدنيا المرعبة في الخارج . وما أن أنهض من مكاني حتى يسارعون بالتدافع خلفي مثل سرب من البط الأبيض ، ويتبعون خطواتي أينما توجهت برؤوسهم المشجوجة وبشريط من شاش أبيض يربط الفك السفلي بأعلى الرأس . صفوف متعرجة ومتكدسة من البط الأبيض الصغير تسكن معي منذ زمن وتتبع خطواتي ، كأنها وجدتني بعد جهد ، وتخشى الآن أن أضيع منها ، فتتنقل ورائي من غرفة لأخرى ، وتسارع بالالتفاف حول قدمي في المطبخ . حين أكون مضطرا لمغادرة المسكن ، تقف صفوف البط الأبيض الصغير عند باب الشقة ، تمط رقابها النحيلة الطويلة لأعلى ، تتفحصني ، تهز رؤوسها قليلا ،  ومناقيرها مثبتة من أسفل بقطع شاش معقودة عند رؤوسها الصغيرة . ينظر البط إلي صامتا يفكر إن كنت سأعود إليه أم لا ؟ . أرجع  في المساء ، وأفتح الباب بهدوء ، فتخفق أجنحة البط الأبيض في الهواء ، وتضطرب  صيحاته في ما بين الباب والصالة ، وتسبح في الجو عيون مغلقة وحقائب وصنادل صغيرة ملونة . أخطو بين الصفوف البيضاء محاذرا ، أتجه نحو غرفة مكتبي ، تتدافع الصفوف ورائي، أتوقف أمام باب الغرفة ، وأشيح بيدي له لكي يتراجع ، أريد أن اهتف فيه، لكنه يظل واقفا ، صامتا ، وأعينه معلقة بي . في الليل يملأ البط الأبيض كل موضع في غرفة نومي ، وفقط حين أرقد في فراشي ينعس فوق صوان الملابس ، وعند حافة النافذة ، وعلى طرفي سريري ، فإذا تقلبت على جنبي ، أو تحركت ذراعي وأنا نائم يفتح أعينه بفزع وينقل نظراته ما بيني وبين باب الغرفة،  أتطلع إليه في العتمة ، فيحدق في ، بصمت ، ورهبة ، وأمل .

منذ زمن يداخلني شعور أن على أن أعيد تلك الكائنات الصامتة إلي هيئتها الأولى ، وأن أفك عنها وعني السحر الذي ربطنا هكذا . أفكر في كل ذلك ، وأهرب من كل هذا إلي الكتابة في النقد الأدبي ، أكتب ، وأحس بالخجل ، لأن زجاج نوافذ شقتي يكاد أن يرتج  من صوت القنابل ، لكني أسد أذني وقلبي بإحكام ، وأواصل عملي في المساء فأسجل ملاحظات عن تقنيات القصة القصيرة ، أو التقدم الذي حققته الرواية ، ثم أخرج لأتجول قليلا في الشوارع القريبة . أعود ، أفتح الباب ، فتلقاني الأجنحة البيضاء التي يتطاير منها زغب خفيف في الهواء ، وأجد أمامي تلك النظرات الخرساء ، فأشعر أنني كنت هاربا ، مثل جندي تسلل من موقعه خلال القصف وهبط من تل مشتعل بالنار إلي أشجار الغابات البعيدة . يقول لي صديق : " الحياة لا تتوقف ، والنقد والصحافة مهام ضرورية لا تتعطل " . أهمس لنفسي : " بالطبع . يد محترقة لا تمنع اليد الأخرى من تناول الطعام " . أقول ذلك لكني أحس بمرارة وأنا أفعل كل ما هو ضروري ، أو حين ألتقي بأصدقائي القلائل ، أو أضع شفتي على حافة كوب الماء فأجد صفوف البط الأبيض تتطلع إلي بنظرة مبهمة ، أحدق فيها هاتفا : وهل أنا المذنب ؟ هل أنا الذي ألقي بالقنابل كل يوم ؟

 منذ زمن توقفت عن القيام بأي شئ . كل ما أفكر فيه ذلك البط الأبيض الذي يحيا في مسكني ، و يتخبط حولي ، ويمنعني من التنفس أو تناول الطعام براحتي، دون أن يصدق أنني برئ مما يحدث ، ودون أن يكف عن التماس الحماية . الزغب الأبيض الخفيف غير المرئي تقريبا في أجواء الشقة كلها أخذ يدخل صدري يوما بعد يوم ، ويدخل رئتي دون أن أشعر ، إلي أن وقفت صباح أحد الأيام وربطت بشريط من شاش فكي السفلي بأعلى رأسي ، ثم تجمدت بين الصفوف البيضاء ، ورفعت رقبتي النحيلة لأعلى ، وصرت أتجول معها بصمت بين الغرف الفارغة ، وجناحاي يخفقان في الهواء ، أشهق لأعب نسمة ، على أمل أن تطرق الباب علينا يد بشرية

------------------------------------------

أضيفت في01/05/2006/ * خاص القصة السورية / المصدر الكاتب (للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة حول الأدب الفلسطيني)

 

 

جدار الصبر

بقلم الكاتب: مصطفى مرار*

قطوفها دانية.

وهي كانت كذلك، يوم تسلم صك تملّكها، أقطعها، له، لص متمرّس، كان منح نفسه لقب "القيّم على أملاك العدوّ" هو كل من اغتصبت أرضه، وأجليَ عن وطنه.

"الخواجا بنيامين" يقضي نهاره، يتحسس ثمارها، ويتلمظ. حتى إذا غلبته نفسه الأمّارة بِـ..القطف، فإنه يصفع تلك النفس، فتأمر الجسد الناحل، فينثني مبتعدًا عن الثمار الذهبية. ثم ينحني، ويلتقط ثمرة، مما ألقت به الريح "تحت أمه".

يبتسم للثمرة الذابلة، يدغدغها، وهو يقول... لنفسه، مبررًا لها شُحُ... نفسه:

هذا برتقال، والذي يتدلى على شجرة برتقال. وكما يقول عمالنا البدو: "كله عند العرب قُطّين".. والثمر المليح ينباع، وهذا ما ينباع!".

ويمتد موسم النضج والقطف أربعة أشهر، وأكثر، وينظر "الخواجا بنيامين" بعينيه، ويقطع قلبه، حين بعض العمال البيض الأفندية  من بني جلدته، يشلخ الأغصان، ليجعلها تركع عند قدميه، فيكون أسهل عليه مرط ثمارها . وإذا أراد هذا الأفندي الأبيض أن يأكل، فإنه يفغم فمه من الحبة، ثم يلقي بها أشلاء! فلا يجد "بنيامين" من يرشق في وجهه سم الغيظ غير ذلك العامل الغزي، الذي ربما كان حرصه على سلامة الثمر، وجماله والشجر، أشدُ من حرص "بنيامين" نفسه، فالغزي يتشبث بمكان عمله، إلى حين، ولا يريد الاحتكاك بذلك "النمرود الأبيض" لما يعلمه من استعداده، وزمرته، للتحرش، ولإيقاع الأذى، كلما سنحت لهم الفرصة، حتى إنهم ليفتعلون "الفرص" للتنفيس عن حقد، أرضِعوه أطفالاً. ومالهم لا يفعلون، والفرص في عصر الحجارة لا يحدّها زمان ولا مكان!

ويريد "النمرود الأبيض"، الذي أرسل للعمل في البيارات بحكم "قانون البطالة" أن يثبت بأن هذا "العمل الأسود" لا يلائمه، وأنه من اختصاص عمال "الشطحيم"   دون غيرهم.

إن من "حق" هذا الجندي المسرّح أن يكون آمرًا وسيّدًا، لا يمدّ يده لتناول قشة. بل يقضي نهاره على شاطئ البحر، ويسهر ليلـه في الملاهي، فهو،الضمان الوحيد الباقي للحفاظ على ما تحقق من "الحلم القومي" ،  ومن ثم المضي في إتمام ما بدأه "الآباء، البناة الأولون".

وقبل هذا وذاك، فإن "الغزي" حين هو يتعامل مع أشجار البيارة وأثمارها، فإنه يتمثل صورة صاحبها "أبو إبراهيم" الذي انتزعت منه، وانتزع منها، ولما يَطعَم بواكير ثمارها.

وهي، البيارة، ما زالت على مدى عشرين عامًا، تؤتي أُكُلها ذهبًا وعسلاً . بينما اليد التي حرثت، وزرعت، وتعهدت، ترقد هامدة إلى جوار الجسد المسجّي فوق الحصير، في كوخ متهدم، عند أطراف المخيم. وليس ما يشير إلى وجود الحياة في الجسد الهامد، سوى عينين جاحظتين.

بعد صلاة الفجر، وحين العامل الغزي "حميدي" يغادر كوخه، نادته "أم إبراهيم" من فوق الجدار الذي يفصل بين الكوخين:

-حميدي! حميدي، يا ولدي!!

-لبيك، أم إبراهيم! خير إن شاء الله؟!

توقف "حميدي" وكرّ عائدًا... لم ينتظر حتى تفتح له "أم إبراهيم" فهو دفع الباب، وهتف في قلق:

-خير إن شاء الله! كيف حال أبي إبراهيم؟!

-هو بخير يا ولدي. تفضل ادخل. إنه يدعوك إليه، لن يؤخرك كثيرًا.

اقترب "حميدي" من فراش الرجل الذي كان يومًا بطل القفز على النبّوت، وسيد من ضرب "المورة" والذي كان يقعر، في اليوم الواحد، خمسين "جورة" .

ركع إلى جوار الفراش، واحتضن اليد الهامدة:

-لبيك، يا أبا إبراهيم. تفضل، ومرني بما تريد.

-معذرة، يا ولدي.. لا أريد أن أطيل عليك، حميدي، يا ولدي.. أوصيك، بالبيارة، خيرًا.. إلى أن أعود إليها، ولا بد يومًا  أن أعود.. فإنني أتمنى عليك أن تأتيني بحبتين من ثمارها كل يوم، حبة من كل شجرة، إلى أن ينتهي الموسم، فأكون قد طعمت كل ثمارها، أنا وهذه المرأة الصابرة.. لا تبك، يا ولدي.. لا تبك يا حميدي.. الدموع تخيفني.. لأنها سلاح العاجز.. بل إنها ليست سلاحًا على الإطلاق، ولسنا بعاجزين.. انظر! انظر!! إنني، أنا.. أنا لا ابكي!

وأدار الرجل القوي وجهه إلى الحائط..

قبّل "حميدي" اليد الميتة، وسجّاها إلى جوار الجسد الهامد.. وقبل أن يبلغ الباب، بلغه صوت أبي إبراهيم واضحًا، واثقًا، قويًا.. ولعله كان مدويًا، فقد خيل إلى "حميدي" أن صدى ذلك الصوت يطبق عليه ، بل يخرج عليه من الأزقة، فيحمله إلى هنالك، إلى البيارة:

"حميدي، يا ولدي! ابدأ بالشجرات عند جدار الصّبر ، تلك البقعة التي كانت مصلاّي ومرقدي، يوم كانت الأرض مخضرة بالمقاثي.. لا تبطئ في العودة!".

"الخواجا بنيامين" ينفجر في وجه العمال الغزي، كلما لمس تمردًا من النمرود الأبيض، الجندي المسرّح:

"خميدي!" انت خمور . لماذا لم تلقن ذلك الشاب الأشقر أصول الشغل؟

ويتساءل "حميدي":

-ولكن يا "خواجا بنيامين" هذا جندي. ومن أنا حتى أصدر الأوامر إلى الجنود؟

-أنت "معلم قطيف".

-أخشى أن قلت له "اقطع". أن يقطع رقبتي!

-ولماذا؟

-وهل يفعل غير ذلك؟! اليوم يا "معلمي" كانت يدي تطبق على حبة برتقال صغيرة، فأوقفني وصرخ: "وجهك إلى الحائط! ماذا تخبئ في يدك؟!". وفتحت يدي، فسقطت الثمرة.. قد خالها الجندي الهمام حجرًا!

هزّ  "بنيامين" رأسه:

-اسكت عزّاتي ! أنا لازم بقرا جريده!

وسكت "العزاتي" حميدي. وتوجه إلى الشجرات عند "جدار الصبر" - تلك البقعة التي كانت قبل زراعتها بأشجار البرتقال، مصلى أبي إبراهيم ومرقده، يوم كانت الأرض مخضرّة بالمقاثي.

وقف أمام البقعة المباركة مشدوهًا حائرًا.

الأشجار، كلها، مثقلة بالثمار الذهبية. وكل برتقاله تغار من أختها. وكلها تدعوه أن يقطفها، ويحملها إلى المخيم، إلى جاره أبي إبراهيم. و"حميدي" يحب البيارة كلها، ولا يطيق أن تزعل منه واحدة من أشجارها، فهو اخترق البقعة المباركة، حتى إذا توسطها، أغمض عينيه، وراح يدور بين الأشجار على غير "هدى"، ثم مد يده فقطف حبة عن يمينه، وأخرى عن شماله. وفتح عينيه، وعرف الشجرتين، فجعل لكل منهما علامة على جذعها، قال وكأنه يخاطب كافة الأشجار:

"في المرة القادمة، لن تكون قُرعة".

وأسكن الحبتين جيبه الكبير، بلطف وحنان، كي يسلمها إلى صاحبهما، دون خدوش أو رضوض.

وفي عودته إلى التخشيبة، كان "الخواجا" ما زال ينظر في الجريدة. وإذ أحسّ اقتراب "حميدي" ناداه:

-هالو "عزّاتي"!

-نعم، يا معلم.

-تعال بِشوف.. تعال اقرأ!

هرول "العزاتي" لـِ "يشوف" ،  لكنه توقف قبل أن يبلغ مجلس "الخواجا"، فقد ذكر أنه لا يعرف لغة "المعلم"، فبادره هذا:

-اقترب... انظر!

انحنى "حميدي" :

-نعم.

رفع "الخواجا" رأسه، ونظر في وجه "حميدي" بعينين حالت زرقتهما إلى لون الرماد:

-عَمَى، يعمي قلبك! اقرأ.. أنت مش بشوف؟!

-يا معلمي، أنا ما بعرف عبراني.

نفخ "الخواجا" في الهواء.. وقال ساخرًا:

-يا سلام! عشرون عامًا، نعلمكم، ونشغّلكم، ونطعمكم وما بتعرفوا عبراني؟! صحيح، زي ما بقولوا: "عربيم، أين سيخل ".

وقف "حميدي" لحظة يتفجر.

كانت يده ما زالت تقبض على المقص الذي قطف الحبتين.. ضغطت عليه.. عصرَته...

كان "الخواجا" قد عاد إلى صحيفته.

رفع "حميدي" مقصه إلى ما فوق رأسه.. وقبل أن يهوي به على عنق الرجل، ذكر أبا إبراهيم، الذي ينتظر الثمرتين الذهبيتين..

أعاد المقص إلى حزامه، ومضى نحو التخشيبة..

"الخواجا" يطوي الصحيفة. وهو ذا يتابع تحرّك "حميدي" حين هو يتجه إلى التخشيبة.

كان طرف معطفه متهدلاً، يشده ثقل البرتقالتين، فصرخ "الخواجا":

-"عزّاتي"! ما هذا الذي يثقل جيبك؟

توقف "حميدي" ولم يستدر، وقال في تحدّ:

-هذا برتقال.. أحسن حبتين، عن أحسن شجرتين في البيارة!

-أنت خرامي!

صرخ "الخواجا".. فانثنى "حميدي" وخطا نحوه خطوتين... لكنه، مرة أخرى، تذكر أبا إبراهيم، فتوقف، وتساءل من بين أسنانه:

من فينا الحرامي، يا أولاد الحرامي؟! ملعون أبوكم، على أبو شغلكم، على اللي كان سببكم.. خُذ!

وألقى إليه بالمقص، وحقيبة القطف، ومفتاح التخشيبة. وهتف وهو يُخرج الحبّتين من جيبه، ويرفعهما في وجه "بنيامين":

-أما هذه، فلا! وطُقّ وافقع.. إن صاحبها أحقّ منك بها.

وإذ بلغ "حميدي" المدخل الوحيد للمخيم، فإن الدنيا لم تكن تَسَعه من الفرح، لم يصدق أنه اجتاز "محسوم إيرز " لكنه لم يكد يخطو داخل زقاق المؤدي إلى كوخه، حتى توقف، وكأن عشرة من الجنود يتعلقون بحذائه، كان هناك عند باب أبي إبراهيم، جمع من أهالي المخيم.. مدّ يده إلى جيبه.. إلى حيث ترقد البرتقالتين. واندفع، حتى بلغ الباب، فاخترق الجمع، ودخل على أبي إبراهيم..

كانوا قد فرغوا من تجهيزه، وينتظرون بقية الأهل والجيران.. انحنى على الجثمان المسافر، دسّ يده داخل الكفن، ووضع في الكف الدافئة إحدى الحبتين، وأعاد الكفن إلى حاله. ثم رفع رأسه إلى أم إبراهيم، ومدّ إليها يده بالحبة الثانية، وهو يقول:"وهذه لك يا أم إبراهيم.." فاختطفها منها أحد أحفادها.. ابتسم له "حميدي" وقال:

"هي لك، يا ولدي. والبيارة إن شاء الله.. إنها من بيارتكم.. وهي أحسن الثمار.. والله، لكأني بجدك هذا، يفضل برتقاله، التي في يده، على كل ثمار الجنة".

*الكاتب مصطفى مرار من موليد جلجولية - فلسطين سنة 1930 ، عمل في سلك التعليم مديرًا لمدرسة ابتدائية ، وكان محررًا لدار النشر العربي ....له عشرات المجموعات القصصية والمسرحيات وكتب الأطفال ، وحصل على عدد من الجوائز ، وقد جرى له حفل تكريم مؤخرًا تحدث فيه كل من د . فاروق مواسي والشاعر أحمد دحبور. لقراءة الدراسة حولها (قراءة لقصة جدار الصمت)

------------------------------------------------

أضيفت في10/04/2006/ * خاص القصة السورية / المصدر د فاروق مواسي (للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة حول الأدب الفلسطيني)

 

 

متى سينتهي

بقلم الكاتبة: فتنة القهوجي

متى سينتهي التهريج

بين زعيم خائن

وآخر جبان

زحمة وضجيج

وضحك حتى البكاء

كالمجانين

استنشقنا البارود

وكأنه الياسمين

وجثث القتلى المرمية

ظنناها لعب .. من طين

أرضنا القاحلة حين ارتوت

انحنينا .. ببلاهة

شكرنا زعمائنا على...

النزاهة

أدخلوا الأعداء ..

وروينا أرضنا</