|
القائمة

الأدب الفلسطيني تحت الاحتلال
وفي المهجر
2دراسات أدبية

سميرة
عزام
(1926_ 1967)
مناضلة آلمها حزيران حتى الموت ومبدعة غفت عنها الدراسات
الاحد ٢٤ تموز (يوليو) ٢٠٠٥
بقلم الكاتبة:
نجمة خليل
حبيب
"لم تظلم كاتبة في الوطن العربي كما ظلمت سميرة عزام . . . هذه المرأة الخضراء
الظل . المبدعة المناضلة، الشامخة المقاتلة. هي رائدة القصة القصيرة ولم تأخذ
حقها من النقاد , ولم تنشر أعمالها كما ينبغي لكاتبة في مثل مقدرتها". "1 " لعل
في هذه الشهادة، ولو متأخرة، ردّ اعتبارٍ لكاتبة مبدعة كان غيابها دراماتيكيا
في توقيته وطريقة حدوثه. إذ أن سميرة عزام قضت إثر نوبة قلبية وهي في طريقها من
بيروت الى الاردن للم شمل جماعتها السياسية التي بلبلتها الهزيمة الحزيرانية.
ويعتقد الكثيرون ممن عرفوا الكاتبة معرفة حقيقية، ومنهم صاحبة هذه المقالة، أن
الهمَّ الحزيراني هو المسؤول الاول عن موتها. ونحن اليوم إذ نتذكر سميرة عزام
نتذكر فيها الاديبة المبدعة التي لم يشغلها إبداعها عن هموم قضيتها ولا أخذت
قضيتها من مستوى إبداعها
وللكاتبة خمس مجموعات قصصية هي : ـ أشياء صغيرة ( 4591 ) ـ الظل الكبير ( 6591
) ـ . . . وقصص أخرى (0 691 ) ـ الساعة والانسان (؟. . . ) ـ العيد من النافذة
الغربية (؟. . . ) كما ان لها رواية لم تكتمل بعنوان " سيناء بلا حدود " وبعض
القصص القصيرة غير المنشورة.
رغم ان الدراسات التي تناولت أدب سميره عزام قليلة ومتسرعه، إلا أن هنالك رأيين
متناقضين بالنظر الى أدبها. إذ يرى أحدهما فيه أدب فلسطيني بامتياز سواء ما كان
منه مباشراً أو غير مباشر، فيما يرى آخرون ان الكاتبة التي ابتعدت عن شعبها
وأوجدت لنفسها مكانا بعد هجرتها من فلسطين (كانت تعمل في أذاعة الشرق الاوسط)،
لم تستطع ان تتحسس معاناة هذا الشعب في مخيماته واقتصرت اهتماماتها على موضوع
المرأة. . . فأين تقع سميرة عزام من هذين الرأيين ؟
الحقيقة التي لا جدال فيها هي أن أدب سميرة عزام كان في مرحلته الاولى يزخر
بمشاعر الالم والخيبة والمرارة, فصور البؤس تكاد تهيمن على مجموعاتها الثلاث
الاول هيمنة شبه كاملة. والقضية الفلسطينية التي هي في جزئها الاكبر , مأساة
إنسانية, يقوم بينها وبين نماذج الكاتبة القصصية قاسم مشترك هو مزيج من خيبة
ويأس والم وصراع بقاء. من ناحية اخرى نلاحظ لدى قراءتنا لأدبها، ان تغييرا في
المنهج والطرح بدأ يطرأ على هذا الادب مع بداية التغيير الذي بدأ يطرأ على حياة
الفلسطيني. لقد أخذت قصصها تنبض بالتفاؤل والامل ابتداء من اوائل الستينات مع
ظهور فجر المقاومة الفلسطينية. ولعله من المفيد قبل الشروع قي البحث عن فلسطين
في هذا الادب ,إلقاء الضوء على رؤية صاحبته السياسية .
تعتقد الكاتبة, ان الشعب الفلسطيني مر قبل الستينات, في مراحل سياسية ثلاث:
مرحلة الضياع وهي الفترة الاولى, اول عهده باللجؤ , ما بين 1948 وحتى منتصف
الخمسينات, حيث كان همه إيجاد المأكل والمأوى والملبس, وإن اعتنق مبادئ ما فهي
مبادئ تعتمد على القوى الدينية والسلطة التقليدية. هاتان السلطتان اللتان .كان
وقتها يأمل فيهما خيرا, ولكن . . . وبعد ان خاب أمله ولم تستطيعا أن تعيدا له
فلسطينه, بدأ ينضم الى اعدائها المتمثلين بالاحزاب السرية والمرخصة. وقد كان
الفلسطيني مادة دسمة لهذه الاحزاب، لذا كان حضوره قويا بارزا في معظمها على
امتداد الوطن العربي, سواء منها اليمينية أو اليسارية. إلا أنه ما لبث ان اكتشف
ان هذه الاحزاب تعتبر قضيته مجرد واحدة من قضاياها العديدة بينما يريدها هو
اللب والاول والاخير "2". فحركة القوميين العرب مثلا, والتي كانت تستقطب قسما
كبيرا من الشعب الفلسطيني, كانت تنظر الى الوحدة العربية كحركة شاملة تجمع
الامة من المحيط الى الخليج لتكون قوة فاعلة في العالم, بينما كان الفلسطيني
ينظر اليها كقوة فاعلة تستطيع ان تعيد اليه فلسطينه. لذلك بدأ ينظم نفسه في
تشكيلات خاصة لها خصائصها داخل هذه الاحزاب فكانت مثلا حركة شباب الثأر داخل
حركة القوميين العرب .
هذه المراحل الثلاث , ما لبثت ان تطورت فيما بعد لتصل الى قناعة جديدة هي ضرورة
الاعتماد على النفس وبدء حركة الكفاح المسلح فكان ان ظهرت "منظمة العاصفة "
التي قامت بأول عمل عسكري ضد الدولة الصهيونية والتي نمت وتطورت حتى وصلت الى
منظمة شرعية تحمل اسم منظمة التحرير الفلسطينية . والسؤال الذي نحن بصدده هو:
أين يقع ادب سميرة عزام من قضية شعبها ؟ ! . . . علما ان القدر لم يمهلها لتشهد
تطورات هذه القضية، فقد قضت بعد فترة وجيزة من حرب حزيران.
إن القراءة المتأنية لهذا الأدب تظهر أن عزام كانت من حيث تدري او لا تدري
مسكونة بالهمّ الفلسطيني. فما مشاعر الالم والتحسر والضياع إلا ترجمة لمعاناة
الفلسطينيين في زمن كتابة تلك النصوص. وهي وان لم تخلع على شخصياتها صبغة
فلسطينية صريحة, الا ان ملامحهم كانت تطل وكأنها خارجة لتوها من احدى المخيمات
الفلسطينية "3". ففي مجموعتها الاولى "أشياء صغيرة ", صور لأناس يبحثون لأنفسهم
عن مكان في هذا العالم . . . يصارعون البقاء , يحتالون بشتى الوسائل لتأمين
معاشهم إلا أنهم دائما مخيبون. ففي قصة "حكايتها ""4" تصوير دقيق لصورة من صور
الظلم الاجتماعي يقع على بطلة القصة, وما هذا الظلم الفردي الا جزء من الظلم
العام الذي وقع على الشعب الفلسطيني. فكأن الكاتبة أذ تبرر لبطلتها سقوطها فهي
إنما تبرر سقوط شعبها. فكما ان الحياة قست على بطلة القصة وتركتها وحيدة قاصرا
في خضم الحياة, كذلك ترك الشعب الفلسطيني وحيدا يصارع قوى عالمية لا طاقة له
على مجابهتها. وكما ان الحرقة والالم جاءاها من إدانة أخيها لها كذلك كان
الفلسطينيون يتألمون ويتحرقون لآن اصابع الاتهام كانت توجه إليهم بانهم باعوا
أرضهم لليهود وتخلوا عن قضيتهم كمثل ما اتهمت البطلة ببيع شرفها. وكما تشفق
البطلة على اخيها رغم انه حكم عليها بالموت وتجد له الاعذار هكذا كانت حال
الفلسطينيين في دول اللجؤ المضيفة. وبالعودة الى زمن كتابة القصة نرى ان هذه
الحالة كانت تعمّ الشعب الفلسطيني بمجمله. كما ان لعلاقة التجاذب والتنافر التي
كانت قائمة بين الفتاة وأخيها مقابل لما قام بين االفلسطيني وإخوانه في الدول
المضيفة. فهي تحتمي به من المعلّم ومن عوض ومن الناس ومن الاحاسيس التي تعصف
بقلبها. وهي تشفق عليه بعد ان صار كبيرا من ان يبيع حياته رخيصة. وهو من جهته
يتحسس الامها حتى دون ان تبوح بها وييبكي لبكائها دون ان يدري دوافعها لهذا
البكاء . . . وفي زمن آخر يشتري سلاحا ليقضي به عليها. لا تحتاج الصورة الى
كبير جهد لاستشفاف العلاقة بينها وبين علاقة الفلسطيني بمحيطه في مطلع
الخمسينات . ثم ان الكاتبة تصف الفتاة بانها مرذولة في منفاها إذ طردها النذل
إلى الشارع مطعونة الكرامة, سليبة الاباء, وجلى، حيرى, باكية محطمة . . . تعصف
بها النقمة وتلاحقها الرزاية الى كل مكان . . . وهناك , في القرية , تعلمت أن
تحقد وأن تنتقم , تعلمت ان تصهر بشريتها , تعلمت أشياء واشياء . فلو اننا
استبدلنا كلمة قرية بكلمة مخيم , ألا يكون ذلك تصوير لحال الفلسطيني يومذاك؟ !
. . .
الخييبة في قصة الى حين"5" رغم الطابع الاجتماعي الذي تنحوه أقصوصة "إلى حين",
ورغم تركيزها على عيب اجتماعي وتحليل دقيق لظاهرة متفشية في مجتمعنا, إلا أن
حيثياتها تحمل معاني فلسطينية, وتكشف عن معاناة عميقة من الالم والمرارة والاسى,
وإلا لكانت الكاتبة انجحت الخطة التي حبكتها العمتان , وجعلت العريس يقع في
الشرك. إذ أن ظروفا مؤاتية كثيرة كانت كفيلة بإنجاح الخطة . فالفتاة "حلوة"
وابنة "عيله" وحكم الجيرة يجعل الاتصال ممكنا والشاب لطيف وقد استهوته الفتاة.
فلو ان نفس الكاتبة لم تكن مشحونة بخيبة عميقة لكانت سارت بشخصياتها غير هذا
المسار الدرامي . ولعل قائل يرى مرد هذه النهاية الفاشلة الى فلسفة تعتنقها
الكاتبة , لا الى حالة ذهنية تعيشها. ولكن لو كان الامر كذلك حقا, لكانت القصة
سارت مسارا اخر. لكانت الخطوبة تمت, مثلا, أو حتى الزواج, ومن ثم يعقبهما فشل.
كما انه لا يخفى ما تحمّله الكاتبة للشخصية المحورية سعاد من أدانة على
سلبيتها, فهي تؤمر فتطيع, تخطط لمستقبلها عمتان فشلتا في إنشاء اسرة فلا تعترض.
. . ألا يتضمن هذا الطرح إدانة للفلسطيني الذي أسلم أمره للقيادات العربية
العاجزة ؟ ! . . . لماذا تغاضت الكاتبة عن رسم ما يدور في خلد الفتاة من مشاعر
ـ اللهم إلا تلك الومضة العابرة (فهي في احلامها أجرا منها في الحقيقة ) ـ ثم
لماذا اختارت عمتين عانسين للعب دور القيادة في حياة الفتاة , لماذا غيبت الام
مثلا. أليس في تغييبها تمهيد لكسر هارمونية الحدث وجره الى نهايته الدراماتيكية
تلك؟ . . ولماذا جعلت العريس وهو شخصية محورية في القصة طالبا, والطالب شخصية
لم تتحق استقلاليته بعد، فهو لا يزال عالة على المجتمع ولا يملك حرية القرار؟
لماذا كل هذه الشخصيات العاجزة في القصة ؟! . . . العمتان, العريس, الفتاة,
الام المغيبة . . . إن القصة، على قصرها، تؤدي في النفس مثل الاحساس الذي تؤديه
رواية الكاتب غسان كنفاني "رجال في الشمس ""6". فمثلما قاد عملية التهريب داخل
الخزان هناك رجل عاجز جنسيا , كذلك كانت القيادة هنا لعمتين فشلتا في تاليف
أسرة اسوة ببقية ابناء البشر . العقم, رمز العجز, كان هناك جسديا , اما هنا فهو
نفسي. ومثلما أدَّت قيادة ابي خيزران الى فشل عملية التهريب, كذلك أدت قيادة
العمتين إلى فشل الزواج. وحتى لهجة المرارة في نهاية القصتين هى ذاتها. في
الاولى انتهى امر المهربين الى كومة زبالة وهنا انتهى أمر الفتاة بالعودة الى
ما كانت عليه من أمر مزرٍ قبل بدء الحدث. الفرق الوحيد بين القصتين هو ان
الاولى كانت واضحة قي رمزيتها, فأشخاصها فلسطينيون ومأساتهم فلسطينية, في حين
كانت شخصيات قصة "الى حين" شخصيات قي المطلق لا تنتسب الى زمان او مكان معينين.
ولكن أعماقها الحقيقية تنتسب االى زمن البؤس الفلسطيني, يوم كانت النكبة ما
تزال صدمة على الدماغ, تذهل وتحبط وتخلخل الكيان . . . أما لماذا كان القصد في
رواية كنفاني مباشرا وهنا لا, فلأن الرواية كانت قد كتبت في زمن متأخر عن القصة
بثماني سنوات, أي حين بدأ الفلسطيني يستفيق من صدمته, يقبل الهزيمة ويعترف بها,
في حين كانت ولادة قصة سميرة عزام في زمن الغيبوبة, في زمن كان الفلسطيني
خلالها لا يجرؤ على كشف نفسه , كان احساسه بالعار قويا, فهو لم يع بعد حقيقة ما
حدث , وأثر الخطيئة يحمله في دمه كالزانية التي يفضحها امر حملها "7"
صراع البقاء في "عقب سيجارة" "يائع الصحف" و "نافخ الدواليب" مسالة المعاش
مسالة عامة يشترك فيها جميع أبناء البشر وتأمين الكفاية الاقتصادية غاية كل
مخلوق على هذه الارض, اذ انها صورة من صور صراع البقاء. وان رفلت بعض المجتمعات
في نعيم ورخاء اقتصادي لفترة زمنية ما, فهي مع ذلك لم تعدم وجود حالات من البؤس
والبطالة وضيق ذات اليد المذلة احيانا. واذ تكثر مثل هذه الحالات فانما تكثر
إبان الحروب أو عقبها حصيلة ما يصيب الفرد من تشرد واكراه على ترك ارضه أو مصدر
رزقه فينشأ عن ذلك افواج من الجياع الذين تضطرهم الحاجة الى الاحتيال على
معاشهم بشتى السبل. لذلك تكثر مثل هذه الصور في اعمال المجلين من الادباء على
مر العصور , خصوصا في فترات الكساد الاقتصادي. فمن "دافيد كبرفيلد", الى
"البؤساء"، الى "بائعة الخبز", الى ام مكسيم غوركي الى معذَّبي طه حسين, صور
لصراع الانسان مع الرغيف . . . وأدب سميرة عزام مليء بمثل هذا الصراع وهي,
كعادتها, تختار نماذجها مطلقة حرة خارج حدود الزمان والمكان. الا ان معرفة
بسيطة بخلفية الكاتبة تجعلنا نستشعر ملامحها الفلسطينية , ولربما, على حد تعبير
جبرا ابراهيم جبرا , طالعة لتوها من احدى المخيمات . ففي قصة "عقب سيجارة " نرى
المرأة مرمية على السرير الفقير تعاني آلام المخاض وزوجها قابع ذليل بعد ان
أدّى به فقدان نور عينيه الى خسارة عمله. ألا توحي هذه الحالة التي صارت اليها
العائلة المذكورة بحالات مماثلة لآلاف من الفلسطينين الذين كانوا يعانون
الإملاق والفاقة نتيجة خسارتهم لأرضهم مصدر رزقهم ؟ ! . . الا يمكن ان يكون
فقدان البصر رمزا لفقدان الوطن؟ ! . . . وهؤلاء الصبية الذين يحتالون على
معاشهم بجمع اعقاب السجائر واستبدالها بقطع صغيرة من الهريسة, ألا يشبهون اطفال
غسان كنفاني أمثال حميد بائع الكعك وطفل المنزلق وطفل زمن الاشتباك ؟ ! . . .
كلهم يصارع البقاء وكلهم يحتال على معاشه. الفرق الوحيد هو ان اطفال كنفاني
ينتمون الى هوية محددة وأنساب فلسطينية واضحة في حين كان الاطفال هنا اطفالا في
المطلق بلا انساب. ولعل في نهاية القصة إضاءة تثبت هذه المقولة, فضابط الشرطة
يظهر ليشهد على ماضي الرجل العريق ويزيح عنه تهمة الذل التي الصقت به ( ألا
يدعي كل فلسطيني عندما يلاقي نفسه في موقف مهين أنه كان له ماض عريق في وطنه ؟
! ! . . . ) في قصة بائع الصحف يتساءل بعض النقاد لماذا لجأت الكاتبة الى هذه
النهاية التعسة في قصة "بائع الصحف", ويعزون الامر الى سوداوية في نفس الكاتبة
هي بعض من مرض العصر وواحدة من صفات الشخصية الرومانسية . الا انني من جهتي ارى
فيها انعكاسا للقضية الفلسطينية. فبائع الصحف شخص نشيط ممتلئ حيوية, ناجح مخلص
لعمله, انتقاه مما يناسب اهواءه, فقد أعرض عن اعمال اخرى كأن يكون بائع امشاط
ودبابيس في محطات السيارات، وهو متقن لصنعته يعرف أصولها والطريقة المثلى
للوصول الى مبتغاه. كل الدلائل تشير إلى أن الشخصية صاعدة في خط إيجابي, ولربما
أخذ القارئ يهيء نفسه للوصول بهذه الشخصية الى نهاية مفرحة, ولكنه لا يلبث ان
يفاجأ بانكسار الحدث انكسارا صادما مؤلما. والقارئ المتسرع قد يعتقد ان مثل هذه
النهاية لعبة فنية لجأت اليها الكاتبة لتعطي قصتها صفة المميز الذي يثبت اكثر
في الاذهان. اما القراءة المعمقة فترى ابعد من ذلك.
لقد اتفق معظم النقاد العالميين ان نفس المبدع كالمرآة تعكس صور الحياة, فهو إذ
تقع الاحداث عليه يستقبلها كغيره من البشر, ولكنه لفرط حساسيته ورهافة مشاعره,
يكون احساسه بها اشد واعمق , فتنصهر في داخله ويعيدها الينا بصورة اخرى, تماما
كمثل النحلة التي تمتص رحيق الزهر فتحوله الى مادة مغايرة هي العسل. هذا الرحيق
هو نفسه العسل ولكن بصورة تختلف عما الفناه نحن. وهذا ما فعلته الكاتبه في هذه
القصة، لقد امتصت نفسها نكبة شعبها فصهرتها وحولتها الى شيء مغاير للمألوف,
لذلك كان من غير الممكن ان تنتهي هذه القصة نهاية سعيدة, وإلا لكانت الكاتبة في
واد وشعبها في واد آخر. ولعل هذه النهاية هي صك البراءة الذي أزاح عنها تهمة
الانسلاخ عن شعبها وعدم تحسسها ماسيه، فالاديب الحق هو من كانت اغواره بعيدة,
يستطيع ان يحول العادي الى مدهش, وان يأخذ من صورالحياة ابسطها ويعبر بواسطتها
عن رؤيا عميقة, وبقدر ما يكون موضوعه بسيطا وعاديا بقدر ما يكون تاثيره افعل,
لانه بذلك يكون بعيدا عن الخطابي والمباشر الذي تمجه النفوس عادة. يكون
كالموسيقى المنبعثة من زقزقة العصفور تنساب الى داخل النفس على مهل دون جلبة
ولا ضجيج .
بهذه الطريقة عبرت سميرة عزام عما جرى في فلسطين عام 1948. وبقالب قصة بسيطة
عادية بطلها بائع صحف ولكنه بالحقيقة نموذج تمثل همومه هموم شعب. فالايدي
الخفية والترام الاخر الاتي من وراء المنعطف, تصنع له مصيره كمثل ما صنعت
المؤامرات الخفية مصير الشعب الفلسطيني الذي كان يشبه عبود باندفاعه وحيويته
واقباله على الحياة. فمثلما انكسر الحدث في القصة حدثت النكبة . . يقول غسان
كنفاني في قصة رمزية قصيرة "الاخضر والاحمر": كان ماض الى الزوج والولد وجدران
اللحم والدم التي كانت دائما هناك, في ايار وفي غير ايار . . . لم يكن يظن لحظة
واحدة ان بينه وبين الزوج والولد وجدران اللحم والدم والحب لحظة موت واحدة,
واقفة عند المنعطف, مشهرة اظافرها . . . ولم يكن يعرف انها هناك"8". إن ما
قالته هذه القصة مباشرة عبرت عنه قصة "الى حين" باسلوب مختلف
الهم الفلسطيني في أدب سميرة عزام
إذا كانت كتابات سميرة عزام الاولية تنحو في ظاهرها منحى اجتماعيا, وتتحاشى
الظهور بثوب فلسطيني واضح, فان هذا الامر بدأ يتغير مع تقدم عمر القضية, وبدأت
نماذجها تعلن عن نسبها الصريح. من بين هذه النماذج, ما عالج خاصية الانسان
الفلسطيني: موقعه الجديد في هذا العالم , العقبات التي برزت في وجهه والمشاكل
اليومية التي كان عليه ان يعالجها ويتخطاها. ومنها ما عالج مواضيع نضالية وابرز
صورا بطولية وقسم آخر تحدث في لواعج الشوق والحنين الى ذلك الوطن المسلوب. وبين
هذه وتلك طرحت الكاتبة رؤيتها السياسية , مقنعة حينا سافرة احيانا اخرى.
معاناة اللجؤ في: "فلسطيني", "لانه يحبهم" و"عام آخر" في قصة بعنوان "فلسطيني"
"9" من مجموعة "الساعة والانسان", تعالج الكاتبة هماً عاناه وأحس به معظم
الفلسطينين عموما, واولئك الذين لجأوا الى لبنان خصوصا ـ عنيت به مسالة
الانتماء ـ فالفلسطيني ـ كونه لاجئا ـ محروم من ابسط الحقوق المدنية, محروم من
حق الحصول على عمل ـ اللهم الا ما تؤمنه هيئة اغاثة وتشغيل اللاجئين ـ محروم من
حرية التنقل, من جواز السفر, من نعمة المناداة باسم محدد, من نعمة الاستقرار .
. .لذا امسى امر الحصول على الجنسية اللبنانية هاجسا يراود البعض. لا لنقص في
وطنيتهم ولا انسلاخا منهم عن قضيتهم بل لانها باب يسهل لهم الولوج في المجتمع
الجديد ( كما كانوا يبررون ). فاستغل المراوغون هذه اللهفة واصطادوا في الماء
العكر. وخلاصة القصة أن فلسطينيا ملّ حالته الشاذة هذه, وأراد التخلص من ادران
اللجؤ بالحصول على الجنسية اللبنانية. وقد كان الثمن الذي طلبه ذلك الشخص
المتعارف عليه بالسمسار , باهظا جدا , ولكنه بعد ان عدد مساوئ كونه لا يحمل
جنسية, قرر ان يضحي ببيع قسم كبير من مخزنه, ليؤمن المبلغ المطلوب ثمنا للهوية.
وعلق على تصرفه بسخرية قائلا : "ساعلق فيها ( يعني واجهة الدكان) تلك الهوية ,
فقد يعرف لنا الناس اسما" . . . لكنه صعق وآلت أمانيه الى سراب بعد عدة اسابيع
, عندما تبين له ان الرجل الذي مهر له الهوية كان مزورا مشهورا وقد القي القبض
عليه، فذهبت امانيه ونقوده هدرا
لقد استوفت الكاتبة في قصتها جميع الشروط التقنية التي تواضع عليها المنظرون
للقصة القصيرة : وحدة في الزمان والمكان. وحدة في النسيج والبناء. سيطرة
الاحساس الواحد. كشف رائع لما يعتمل في داخل الشخصية المحورية. إلا ان جملة
واحدة اخرجت القصة من فنيتها واسقطتها في الخطاب الشعاري المباشر : " ستظل
حقيقتك مفرغة حتى تملاها بغير الزور , بغير خديعة المزورين "10" وفي قصة "لإنه
يحبهم" "11" تعرض الكاتبة الى الحالة المزرية التي آل اليها الفلسطينيون. فقد
دفعت الظروف الصعبة بعضهم الى الانحراف فبرز بينهم اللص والمجرم والبغي. تقول
القصة على لسان احد الشخصيات: "في مثل ظروفكم يا صاحبي لا يدري المرء في اية
لحظة يمكن ان يصبح لصا" "12"، ولكنها تعود وترد على هذا الادعاء على لسان بطل
القصة: "وصفي ليس نذلا . . . كاد يضرب طبيبا لانه رفض ان يكتب تقريرا لامرأة
فقيرة يخولها دخول المستشفى . . ليس لصا. . . مساعداته الصغيرة لعمته الارملة
وابن خالته العاطل عن العمل تاتي قبل اي حساب في مرتبه""13". وكذلك القول عن
"فياض الحج علي" فهو لم يكن مجرما, إلا انه فقد الكرامة حين فقد الارض . . .
وكذلك البغي التي احترفت الاثم . . . وبعد ان يستعرض كل هذه المآسي يخلص الى
قرار بضرورة حرق مخازن المؤن في وكالة الغوث, لانها برأيه، هي المسؤولة عن
الخدر الذي اصاب شعبه وهو يريد لهم ان يجوعوا ليتمرد فيهم اليأس على الرغيف
الذليل.
لقد وقفت الكاتبة في بداية القصة وقفة محايدة لا يتعدى دورها دور ساعي البريد
الذي ينقل الخبر، فكادت تقنعنا لوهلة بهذا الدور, إلا ان النهاية اربكت القصة
واوقعتها بوعظية مباشرة, وبدا الحدث لامنطقيا والعقدة مصطنعة غير مقنعة. وبدت
الاسقاطات والشعارات السياسية واضحة مفروضة على سير الاحداث :" انظروا ها انا
أدوس دقيقكم بحذائي ,أعفر قدمي بتراب فولكم . . . أعلمكم ان جوعوا ليتمرد فيكم
الياس . . . لتكبروا على الرغيف الذليل ""14". أما أسباب هذا السقوط، برأيي
المتواضع، فيعود الى الجو المشحون الذي كانت الكاتبة تعيش تحت وطاته زمن القص.
وكوني شاهدة من تلك الحقبة، أستطيع ان اتحسس مشاعر الكاتبة والألم النفسي الذي
عانته في حينه. لقد كانت الصحف اليومية تطلع وصفحات حوادثها تمتلئ بأخبار الجنح
والجرائم، مركزة بالتفصيل الدقيق على جنسية وعمر ومكان إقامة صاحب الفعلة عندما
يكون الجاني فلسطينيا. فهذا فلان ابن فلان . . من مخيم كذا . . . قتل . . . سرق
. . . اعتدى . . . وكان هذا التشهير المتعمد يؤلم الكاتبة ويؤذي مشاعرها,
ولطالما وقفت في حيلتها اليومية موقف المتهم الذي يجهد لدفع التهمةعن نفسه.
ولعل هذه القصة هي بالاساس من هذا الباب
الملاحظ في أدب عزام ان العقال ينفلت من يدها عندما يكون الموضوع فلسطينيا
مباشرا في حين تبقى مسيطرة على كل خيوط حبكها في غير ذلك . . . هل هو الهم الذي
يرخي بثقله على قلبها وعقلها فيخرجها عن فنيتها ؟! . . . أم ان الكاتبة ارادت
ان تسخر فنها لغرضها السياسي (الوطني) متخطية كل القيم الجمالية والموازين التي
تحكم فن القص, فالموضوع خطير ومصيري ترخص إزاءه كل التضحيات ؟ ! .
يعرف كل من مارس الكتابة الابداعية انه ليتم له عمل أدبي ناجح لا بد ان تكون
هنالك مسافة بينه وبين الموضوع الذي يعالجه. ويحضرني بالمناسبة رد للشاعر
أدونيس عندما سئل عن موقع زوجته الدكتورة خالدة السعيد في أدبه فقال: انا لا
استطيع ان اكتب شيئا عن خالدة انها لصيقة الى النفس فلا استطيع ان اجعل بيني
وبينها مسافة تمكنني من رؤياها موضوعا"15". ويعلم كل من عرف سميرة عزام ان
فلسطين لم تكن عندها في القلب بل كانت القلب كله. وفي قصة "عام اخر" "16" عرض
للمعاناة من جانبها النفسي. تأكيد على حرص اللاجئ الفلسطيني وسعيه الدؤوب لرأب
الشرخ الذي أصاب عائلته وذلك عن طريق تصوير لهفة أم لملاقاة ابنتها بعد ان
حرمتها لسنوات طوال ووصف المشقة التي عانتها هذه الام في رحلتها من لبنان الى
القدس العربية لتحظى بهذا اللقاء. ولكي يستطيع القارئ فهم أبعاد المعاناة في
القصة يجب ان يعي الظروف التي كانت قائمة آنذاك والتي تتلخص بالاتي: لغاية ما،
كانت سلطات الاحتلال الاسرائلي تسمح لعرب فلسطين المسيحيين المقيمين في الداخل
بالذهاب مرة في العام الى القدس العربية لزيارة الاماكن المقدسة خلال فترة عيد
الميلاد. وكانوا هم من جهتهم يستغلون هذه المناسبة لملاقاة افراد اسرهم
المقيمين في دول اللجؤ والتعرف على احوالهم. وتصور القصة بفنية عالية رحلة الام
ومعاناتها للقاء ابنتها التي لم تتمكن من المجيء الى القدس ذاك العام لان زوجها
مريض. فتعود مخيبة مكسورة الخاطر. إلا ان الامل يظل يحدوها بامكانية التعويض في
العام التالي ."إذا عشت عاما اخر فسآتي اليها زاحفة . . وإذا عاجلتني رحمة الله
. . فلن أموت الا بحسرتين حسرة بلدي وحسرة ماري وقبلة على خدها ! "17".
يلاحظ ان الكاتبة تحاشت ما وقعت فيه من وهن في القصتين السابقتين. فلا وعظ ولا
حكمة صارخة , انما انسياب طبيعي للاحداث ورشاقة عبارة تقودنا بهدوء للنهاية
المؤلمة وتترك للمتلقي متعة استشفاف الرؤية الخفية التي ارادتها. ولعل اصدق
وادق تعليق على هذه القصة هو ما اورده الباحث هاشم ياغي , يقول: ان القصة غنية
بالحياة وفيها استطاعت الكاتبة ان تملأ الجو بحيوية رائعة على لسان بطلتها
العجوز (أم عبود) وكانت البراعة من الدقة بحيث انهمرت العجوز بحديثها الذي كان
يفيض ملتصقا بالاماكن وايحاءاتها بلا مشقة ولا تدبير عميق منها . "18"
نضال, بطولة. . . في "خبز الفداء", "الطريق الى برك سليمان"
"19"
قد تكون قصة "خبز الفداء " من انجح القصص التي عالجت موضوع المقاومة الفلسطينية
عام48. وتكمن قيمتها بتلك المقدرة التي مكنت الكاتبة من سرد الحقيقة التاريخية
بطريقة فنية مبدعة: فالأسلوب سلس مكثف بالعبارة الشعرية والصور تتلاحق بتسلسل
طبيعي لا مبالغة فيه ولا إدعاء ولا حتى عاطفة مسطحة . . . لا وعظ ولا إرشاد الى
ان تاتي النهاية مقنعة على قساوتها. وباختصار, تتحدث القصة عن ضراوة المعركة
وعدم التكافؤ بين الفلسطيني وعدوه المدرَّب. كما أنها تؤرخ لمعركة حيفا وما نجم
عنها من نزوح وضغوط على المواقع الاخرى. وتمتزج في القصة معاني الحب والبطولة .
وقد تكون سميرة عزام من اوائل الذين ابرزوا للمراة دورا إيجابيا في النضال
نابعا من قناعاتها الشخصية لا ردّ فعل على حادثة ما أو استجابة لظروف خارجية
قاهرة. فسعاد اختارت المقاومة إيمانا محضاً وحاربت كل الضغوط التي وقفت في وجه
اختيارها: تمردت على قرار الاسرة ولم يستطع اخوها ان يحملها على النزوح الى
لبنان مع بقية العائلة بل قاومته فضربها "ولم تجد امامها الا الفرار . . . إنها
آخر من يسافر" . وتخاف الكاتبة ان يساء فهم دوافع بطلتها , فتوضح: "وانفجرت في
وجهه [حبيبها]: "لا ليس بسببك . . صحيح انني أحبك ولكنك لست كل شيء؟ ! ! . . .
""20" لم ترهق الكاتبة الفكرة بكثير من الشروحات ولم تطلق لبطلتها العنان لتعطي
حبيبها درسا بالبطولة والوطنية, بل اكتفت بقول "ولكنك لست كل شيء." فكانت هذه
العبارة على قصرها كافية لتقول لنا وللحبيب الشيء الكثير. كما أن القصة تتميز
بحرارة وانسيابية الحوار الداخلي الذي قام في نفس البطل. أيسمح او لا يسمح
لرفاقه ونفسه ان يتغذوا خبزا مغموسا بدم الحبيبة؟. وقبل ان ينتهي به القرار الى
نعم, تكون الكاتبة قد هيأتنا لقبول الامر على صعوبته. "ثم يحمل خبزاتها وبكل
الجو الشعائري الذي يقدم كاهن كنيسة شرقية خبز المسيح يقول لهم : كلوا هذا هو
جسدي . . . وهذا هو دمي فاشربوا" "21" . رمزية لا يغفل عنها قارئ متمعن رمزية
تماهي الفلسطيني الفدائي بالسيد المسيح الذي قدم نفسه على الصليب الذي قدم نفسه
فداء لبني للانسان. "في الطريق الى برك سليمان" صورة أخرى من صور النضال
الفلسطيني, وفيها تصوير لضغط الظروف على مقاتلي48, الامر الذي اضطرهم الى ترك
المعركة والهروب مكرهين. وتسرف الكاتبة في وصف حالة بطلها الذي تخلى عن سلاحه
بعد ان سدت جميع السبل في وجهه ولم يعد لمقاومته اي معنى سوى انها انتحار رخيص.
فكأنها بذلك ارادت ردا على الاتهامات التي كان يرمى بها الفلسطينيون زمن القص
من انهم تخاذلوا وجبنوا وباعوا بلادهم لليهود. وتهيئنا القصة للحدث منذ الجملة
الاولى : "كان يدري أنها معركة غير متكافئة , فرصاصاته رغم حقدها لا تفعل اكثر
من ان تستثير زخة دمار جديدة . وكان يدري ان إطلاقها لون من الوان العبث ,
فرشاشه ليس أكثر من لعبة اطفال امام القذائف التي تتوالى . . [ رغم كل هذا صمد
على امل ان تتغير الظروف] وكانت زوجته تقف وراءه تقوي فيه عزيمة الصمود ,
وتحاول ان تغالب هلعها امام إلتماعات القذائف" "22". يسيطرعلى القصة عجز شامل
ممثل باسم القرية وموقعها وصولا الى سقوطها في ايدي العدو: كانت بتر (اسم
القرية) ترتمي ضعيفة على كتف الوادي . . . كانت الطريق خالية البيوت، ساكنة
كأنها أنصاب في مقبرة أثرية . . . ولم يقرأ صلاة ما فقد اخرسه الحقد ""23" .
هكذا الى ان تنتهي القصة بماساوية سوداء, موت الطفل وضياع الزوجة بين الزاحفين
الى برك سليمان وانضمام حسن الى جموع العجزة الزاحفين. قد يكون في القصة بعض
وهن, إذ يقول قائل : ولماذا ترك حسن زوجته تضيع منه . . لماذا دفن ابنه بسرية
وصمت مطبق ثم أكمل زحفه مع النازحين ؟ ! . . إلا أنّ لامنطقية الاحداث التي
وقعت في حينه تبرر للكاتبة لامنطقيتها, فكأنها تقول: إذا كان كل شيء قد سرى ذلك
اليوم عكس المنطقي والمبرر والمعقول, لماذا تكون حياة حسن غير ذلك ؟ ! . .
.ويرى الباحث هاشم ياغي ان سميرة عزام ضغطت على المغزى في هذه القصة. فهي برأيه
قد قفزت عن المحطات الطبيعية في مأساة هذا النضال فحولت القصة بذلك الى مغالاة
ومبالغة وما يقرب الموعظة. ثم يتساءل لماذا جاءت الشظية بالطفل وحده دون امه
وابيه , ولماذا الاصرار من الزوج على كتمان الامر عن زوجته ثم دفنه دون علمها
فيقول: "أحس ان المبالغة وضغط المغزى هما اللذان لعبا دورا في مثل هذه النتيجة
التي تكاد تعترض بناء هذه القصة "24".
ناستولجيا ورومانسية لمقاومة النسيان والامحاء
عندما يكون الموضوع فلسطينيا فان لغة سميرة عزام تشف وترق في رومانسية عذبة حتى
تكاد تبلغ نوعا رقيقا من التعبد. وتنتهي مجموعتها الخامسة "العيد من النافذة
الغربية "بمجموعة من النصوص بعنوان " وجدانيات فلسطينية" "25". وفيها تنطلق
الكاتبة مغردة جمال بلادها, مسبحة بمجدها. . ولن يستطيع قلم ان يختصر هذه
الصفحات مهما برع. فكل لوحة منها هي اختصار لقطعة من وطن عزيز: "وتسالني عن
ربيعنا فماذا اقول ؟ سخاء كيفما تلفتّ وخضرة ولون حتى لكأن الحجر يوشك ان يورق
. . . ربيعا يأتيك محمولا على غمامات من أريج البرتقال, قداح ابيض يتنفس في
حنايا البيارات" "26". وعن جبال بلادها تقول : "على مدارجها السمر تنعقد أعياد
الكرمة ومواسم الزيتون والرمان والمشمش . . . هواء يحمل لك العافية وبلدان وقرى
رشت كيفما اتفق للناس ان يجتمعوا على رزق او جمال . . . "27". وعن حنين الاحباب
للاحباب تقول: "على البوابة اللقاء . . . فرحة شحيحة كبرق صيفي , يوم منتزع في
غفلة من الايام" "28". لن اجهد هذا البحث بالامثلة على شاعرية هذه النصوص,
فالمجموعة متوفرة في معظم المكتبات العربية العامة. وحتى بعض الاجنبية: أقله
مكتبات بانكستون ومكتبة فشر التابعة لجامعة سدني
سميرة عزام في راي معاصريها رغم ان الدراسات التي تناولت ادب الكاتبة قليلة
ومتسرعة, إلا انها، في مجملها، سواء كانت تعليقا في صحيفة او دراسة اكاديمية,
كلها اجمعت على اعتبارها اديبة رائدة في مجال القصة القصيرة. يقول الباحث سهيل
ادريس في معرض تعليقه على مجموعتها "اشياء صغيرة ": "ينهض فن سميرة عزام في هذه
المجموعة على قوة ايحاء في خلق الجو النفسي, وتبلغ المؤلفة في عدد من الاقاصيص
درجة رفيعة من التحليل تشهد بان موهبتها القصصية عظيمة الامكانات . . . يرفدها
في ذلك اسلوب حي مشرق فيه اختيار وصناعة, ولا اقول تصنع, وعصبية وموسيقية "
"29". وفي معرض دراسة عن القصة القصيرة في فلسطين والاردن يقول هاشم ياغي: إن
هذه المجموعة (الظل الكبير) تدل بوضوح على ان كاتبتها ممن يحترفون فن القصة
احترافا ويعرفون ابعادها معرفة علمية خصبة, وهذه المجموعة تدل على ان قدم
كاتبتها أرسخ منها في مجموعتها الاولى , مع ان مجموعتها الاولى "اشياء صغيرة"
تدل ايضا على مستوى رفيع في فن القصص وبناء احداثه "30". أما الشاعر ابوسلمى
فيقول : "لا أدري إذا كانت هنالك قاصة عربية تجاري سميرة عزام في قصصها
الرائعة, إشراق عبارة وسمو فكرة ووضوح لوحة ورشاقة ريشة وحرارة عاطفة ورهافة
احساس" "31". في حين يرى رجاء النقاش ان الحقيقة الاجتماعية والانسانية
والوطنية واضحة ساحقة الوضوح في كتاباتها . وهي برايه استطاعت ان تقرأ نماذجها
فتحسن . . . "كانت سميرة عزام تحمل في قلبها مأساة فلسطين سواء عبرت عن ذلك
مباشرة او عبرت عنه بطريقة غير مباشرة " "32", ويقول في مكان اخر : "ادب ميرة
عزام ادب ثوري ." "33". . .
سميرة عزام المناضلة
لم تكن سميرة عزام من تلك الفئة التي لحضورها صخب وجلب بل كان عملها صامتا
يتوخى الفعل لا رنينه . هي واحدة من مؤسسي التنظيم السري (ج ت ف ) الذي كان
يعمل بين لبنان والاردن لتوعية الاجيال العربية وتهيئتها لخوض معركة التحرير
وقد تتلمذ في مدرستها الوطنية العديد من شبان وشايات فترة الستينات وهي :
"العربية الفلسطينلة الصميمة ـ الودودة قلبا, الصلبة موقفا ـ والتي لم يذكرها
احد في تاريخ نضالنا مع أنها أوّل من أسهم في تاسيس وتشكيل تنظيم فلسطيني . .
"34" كان لها مدرسة وطنية متميزة عما كان سائدا في الاوساط الفلسطينية في تلك
الحقبة. لقد قاومت بشدة تلك الاقليمية التي تدعي ان فلسطين لا يحررها الا
ابناؤها . وآمنت أنّ الصراع مع اسرائيل هو صراع بين حضارتين. لذا فمعركة فلسطين
هي معركة كل العرب , وما الفلسطينيون إلا جزء طليعي منها. كانت تدعو الى
العقلانية والتكتم في العمل النضالي, وقد ادانت نشرات تنظيمها السرية انطلاقة
شعلة الكفاح المسلح في حينه, إلا ان التيار العاطفي الذي واكب الانطلاقة اخمد
مثل تلك الاصوات, بل ذهب ابعد من ذلك فخوّنها. . . من تعاليمها السياسية الدعوة
لتامين الجوار قبل البدء بالمعركة , وبرأيها لا يمكن ان تبدأ حركة مقاومة ناجحة
ان لم يكن لها حكومات وطنية مساندة .
حاولت سميرة عزام ان تتجلد بعد نكسة حزيران وتظهر لمن تتلمذوا عليها, تفاؤلا
وإيمانا بالمستقبل. هذا ما كانت تنطق به الشفاه، اما ما كان يبطنه القلب فقد
أدى به الى الانفجار. كانت سميرة عزام في طريقها الى الاردن للاتصال ببعض
مجموعات تنظيمها السري هناك فوافتها المنية في الطريق . . . " لم تمت سميرة
بداء او مرض وإنما ماتت نتيجة الجرح النازف من خاصرتها , وماتت لأنها عربية
[صميمة]تحمل في قلبها هموم الامة كلها وكان تعبها الشخصي هو حلمها الكبير في ان
ترى أمتها منتصرة , وان ترى الوحدة حقيقة والانسان حراً . . . والليل قد ازاح
سدوله عن رؤوسنا وقلوبنا. " "43".
هوامش
(1) ـ سميرة عزام , الساعة والانسان , الغلاف , دار العودة , ط
: 2 , 1982, بيروت ـ لبنان (سيعتمد البحث هذه الطبعة في جميع إشاراته اللاحقة .
(2) ـ كانت الكاتبة تعلن عن رايها هذا في مجالسها الخاصة والعامة . وهي ليست
معتقداتها الشخصية فقط بل معتقدات الحركة السياسية التي كانت هي واحدة من
مؤسسيها . وهي موجودة في نشرات الحركة الداخلية ل (ج ت ف ) (3) ـ التعبير
مستوحى من قراءة نقدية لجبرا ابراهيم جبرا في ادب غسان كنفاني . (4) ـ سميرة
عزام، أشياء صغيرة، دار العودة ، ط : 2 ، 1982، بيروت ـ لبنان، ص : 7 - 25 (5)
ـ مصدر نفسه , ص : 29ـ 39 (6) ـ غسان كنفاني , الاثار الكاملة , الروايات , ص :
37ـ 152, ط: 3 , 1968, مؤسسة الابحاث العربية, بيروت , لبنان (7) ـ اشياء صغيرة
, مصدر سابق , ص : 49, 91, 99 . (8) ـ غسان كنفاني , القصص القصيرة , مصدر سابق
, ص : 354 (9)ـ الساعة والانسان، مصدر سابق، ص: 83 (10)_ مصدر نفسه، 92 (11)_
مصدر نفسه، 5 (12) _ مصدر نفسه، 12 (13) _ مصدر نفسه، 7 (14) ـ مصدر نفسه, 25
(15) ـ جريدة النهار الاسترالية , عدد , 7 ـ 1ـ 97 ص: 13 (16) _ سميرة عزام،
الظل الكبير, دار العودة , ط : 2 , 1982, بيروت ـ لبنان، ص: 69 (17) _ مصدر
نفسه، 77 (18) ـ هاشم ياغي, القصة الفصيرة في فلسطين والاردن, ص : 282 , ط: 2 ,
1986, المؤسسة العربية للدراسات والنشر , بيروت ـ لبنان (19) ـ وقصص اخرى ,
مصدر سابق , ص : 37 , 32 (20, 21, 22، 23) ـ مصدر نفسه , ص : 85, 92, 26، 23
(24) ـ هاشم ياغي , مصدر سابق , ص : 192 (25) ـ سميرة عزام، العيد من النافذة
الغربية، دار العودة ، ط : 2،, 1982، بيروت، ص: 93ـ 143 (26, 27, 28) ـ مصدر
نفسه , ص: 39 , 831 , 901 (29) ـ سهيل ادريس , مواقف وقضايا ادبية , ص : 201 ,
دار الاداب , ط : 2 , 1891, بيروت , لبنان (30) ـ القصة القصيرة في فلسطين
والاردن , مصدر سابق , ص : 179 (31) ـ مجلة الاداب , عدد : يناير , 68 ص:43
(32) ـ مصدر نفسه, ص: 36 (33) ـ مصدرنفسه، ص: نفسها (34، 35) ـ هامش "1"
-----------------------------------------
أضيفت في10/04/2006/ * خاص
القصة السورية / المصدر الكاتبة (للتعليق
والمشاركة بالندوة الخاصة حول الأدب الفلسطيني)
   

الشعر الفلسطيني في الشَّتات
الشعراء الفلسطينيون في سورية ناجي علوش
بقلم الكاتب:
محمود حامد
... الشعر الفلسطيني إصرار على الهوية والأرض، وترسيخ هذه الفكرة في الذاكرة
الفلسطينية، بحيث لا تغيبُ، ولا تنأى من وجدان الأجيال لحظةً واحدةً عبر حقب
الزمان القادمة، والمتعاقبة، وظلّت الفكرة تنمو وتكبر حتى غدت الهاجس الأهم لدى
أبناء شعبنا في المخيمات، وأكواخ الصفيح، وعواصم الشتات المتناثرة فوق خارطة
الكون على امتدادها واتساعها فوق رقعة العالم، يولد الطفل الفلسطيني فيربى على
فلسطين انتماءً ومصيراً وهوية، وعلى المأساة قدراً غاشماً لابد أن ينتهي،
ويزول، وعلى الشعر حافزاً لتعميق التطلعات والأحلام تجاه الأرض والتراب الوطني
العظيم. الشعرُ الفلسطيني، وشعر نضالنا الوطني، لم يكونا شعر ترف ومتعة، ونشوة
عابرة في عالم الصفيح والقهر والدم. الشعر كان ممارسة نضالية في كافة الأوقات،
وعلى كافة الجبهات... كان مدرسة وطنية فذة تعلم أبناءها منذ نعومة أظفارهم حب
الوطن والأرض حتى الموت، والتفاني في الدفاع عنها لأنها شرف الحياة لشعبها
وأجيالها، والشهادة في سبيلها لأنها هي التي تستحق الشهادة لتحيا غريزة
الكبرياء، كريمة الجانب أبداً، مرفوعة الرأس والجبهة واللواء حتى أعلى أعالي
السماء القصية، والرحبة، والشاسعة. مرت الأيام، وكبرت أجيال الدم والشعر
والصفيح، وكبرت المعاناة والمأساة والغربة، ولكن حب فلسطين كان أكبر وأعمق
وأقوى، وذهب الحب بأبنائها، وخاصة الأطفال منهم واليافعين، مذهباً جديداً في
الحياة لم يسبقهم إليه بشر في التاريخ من قبل، ولا من بعدُ أبداً، ذلك مذهب
الشهادة المبكر الطفولي الساحر لدرجة المستحيل، وهذا ما لمسناه، ونلمسهُ في
الشهداء الأبطال.. شهداء الانتفاضات المستمرة، والتي خرجت مدرستها للحياة
أجيالاً من المقاومين العمالقة والشهداء، يحبون الموت كما يحب الناس الحياة...
ففي أية أمة في الدهر مثل هؤلاء!؟...
من هُنا... فقد خسر الذين راهنوا على شعبنا ما قالوه في رهانِ الأجيال... إن
الأجيال الفلسطينية القادمة ستكون أقل حباً، وولاءً لفلسطين...، وارتباطاً
بها.. واهتماماً بقضاياها... الجيل الذي يأتي سينسى، والجيل الذي سيأتي بعده
سينسى أكثر، والجيل الثالث، أو الرابع، سينسى تماماً شيئاً اسمه فلسطين، فإذا
ما جاء الجيل الخامس أو السادس سيكون هذا المسمى قد اندثر تماماً من ذاكرة
الفلسطينيين، وحل محله مسمى الواقع الجديد، وفرض نفسه واقعاً على الخرائط
والأذهان على امتداد العالم.. وقد خاب وخسئ كل من راهن على هذا الاحتمال
المجنون والخاسر... كان الجيل الفلسطيني الذي يجيء أكثر عشقاً لفلسطين
وارتباطاً بها ووجداً لها.. كان أقرب إليها باستشهاده المبكر/المستحيل، كان
أكثر حدة ودموية تجاه المحتلين والغاصبين... ولذا كانت نسبةُ الاستشهاد الطفولي
فوق تراب فلسطين أعلى نسبة استشهاد طفولية في التاريخ... طفولة رضعت من أول
نبضة لها في الحياة حليب حب الوطن، والانتماء إليه، والموت في سبيله،
والاستشهاد لأجل عيون أرضه وسمائه وترابه وزيتونه وبرتقاله... أهناك أمة في
الدهر ينتسب المجد لأطفالها، كما ينتسب المجد لمثل هؤلاء!!؟... والله ماكان ولن
يكون... وما نخشاهُ.. بل أشد ما نخشاه أن تظل بعض الوجوه الصفراء تلعب بورق
القضية لمصالحها الخاصة –حتماً وقطعاً- فيجير بحر الدم لحساب المصالح الغادرة
والملوثة بالإثم والدم، وعندها... تختلطُ اللعبةُ والأوراق، ويحيد الطريق
تماماً عن مضمونه الأزلي والمصيري المعبد بالدم والشهداء... ولكن الأمل المختزن
في الأعماق... والثقة الكبرى بشعبنا الوفيّ للآباء والأجداد والتراب، والطفولة
التي تُقرر سير حركة الأحداث.. هذه الأشياء كلها مجتمعة تجعلنا ننام، ونحن
مطمئنين تماماً على سير حركة التاريخ والنضال والمقاومة... أنها أبداً بألف خير
وعافية... وأنه لا يصحُّ في النهاية إلا الصحيح... وأن قيمة الدم والشهداء لن
تذهب هدراً أبداً...
لقد ذهبت سنة الحياة أن تذهب الأجيال من الحياة على الموت... والطفولة
الفلسطينية تعكس الآية تماماً.. بل الأجيال الفلسطينية كلها هكذا... تنهض من
الموت للحياة للاستشهاد والانبعاث الخالد..!؟... هي تنهضُ من مَوْتِ الصَّفيح
والمأساة، من ركام القهر،والمعاناة، من أنفاق الانسحاق والظلمة، في أعلى درجات
ثقافتها ووعيها وانتمائها ونضالها الوطني والمعيشي، وتغادر للشهادة وهي في أعلى
تلك الدرجات كذلك... فنسبة الشهداء المثقفين أيضاً من أبناء شعبنا هي أعلى نسبة
في العالم، ولو أضفنا لأولئك الشهداء الأحياء الذاهبين بقوة لثقافتهم وموتهم
لشكلت هذه الظاهرة الفريدة من نوعها في التاريخ معاييرها المدهشة والمذهلة
والتي ترسم حدود نضالها وثقافتها ووعيها أعلى كثيراً مما يظنه التاريخ، ويرصده،
ويخمنه... نأتي الآن على شارع من شجرة الظاهرة المذهلة.. كرس عمره كله لفلسطين
والنضال والشعر...وعرف خنادق الكفاح كلها، وتتلمذ على يد الموت الوطني حتى
الانبعاث، وظل مقاوماً بالرصاصة والكلمة، وهكذا عاش، وهكذا يظلُّ... ناجي علوش
اسماً وطنياً ومناضلاً، وصاحب رؤية وفلسفة نضالية واعية لما تعمله وتريده،
وتسعى من أجله... وهو واحد من الآلاف أمثاله... بل هو واحد من الملايين التي
منذ خطوتها الأولى في الدهر خطت تجاه ما رسمته،وخططت له، وعملت له بقوة.. ومشت
إليه بوعيها وإدراكاتها وقدراتها الخارقة.... منهم من قضى نحبه، ومنهم من
ينتظر، وما بدلوا تبديلاً... ناجي علوش، الذي عاش وفياً لفلسطين وهويته
ولمبادئه، وظلَّ، ويظل هكذا...ما امتدت به الحياة.. ملايين أمتنا هكذا.. وأما
قلة الردة المرتدة، والتي تجاوزت فلسطين والدم والشهداء، وتجاوزت الأعراف
السماوية والوطنية كافة،وغالت في هيمنتها، وعربدتها، وانتقاصها من حقوق وطنها
وشعبها، وتملكت مفاتيح القضايا تمشي بها للهوان والخراب، فهذه قلة قليلة عابرة
في الهامش لأبعد من التصور والاحتمال والمناقشة، هي تذهب، ويبقى نضالنا الوطني،
ورجالنا، وطفولتنا وفلسطين بألف خير من الله...
منذ يفاعته، وعى ناجي علوش الحياة على فلسطين والشعر، وعلى بيرزيت... جنة
الأوطان والتي لا يعادلها، ولا يوازيها شيء في الوجود أبداً... ومنذ نعومة
أظفاره اعتبر الكتابة نضالاً بالكلمة، ولكن تفتح عينيه على الدم والموت
والكارثة، وعنف ما أحاط به، وبشعبه من خطوب وأحداث جسام، ومرارة النكبة، واتساع
مأساتها عبر مفارق الحياة... هذه الأشياء كلها جعلته يتجه في مرحلة مامن الشعر
لنضال الساحة والخندق والمقاومة، ويهجر الشعر لحين، ولكنه لم يتركه تماماً...
بل ظل الشعر يخفق في نبضه وفي أعماقه، وظل يحنُّ له، ويعود إليه بين الحين
والحين حتى أصدرته له وزارة الثقافة والإعلام في العراق عن دار الرشيد للنشر
المجموعة الشعرية الكاملة، ضمن سلسلة ديوان الشعر العربي الحديث وذلك عام
1979م، وناجي إبراهيم سالم علوش، كما ورد في سيرته الذاتية التي بين يدي، هو من
مواليد بئرزيت في فلسطين عام 1935م، شهر حزيران، اليوم السادس والعشرون منه.
أردني من أصل فلسطيني [قضى عمراً نضالياً مديداً في سورية]... يحمل الثانوية
العامة من الأردن، وهو حسبما ورد في مهنته "مؤلف وصحفي" وكما ورد في تسلسل
الأعمال التي مارسها من بداياتِ عمره.
1-قام بالتدريس في مدرسة خاصة في منطقة الفحيص بالأردن من أيلول عام 1955م،
ولغاية نيسان 1956م.
2-ثم سافر إلى الكويت، وعمل في وزارة الصحة هناك من تشرين أول عام 1956م،
ولغاية شباط 1965م.
3-مدير النشر في دار الطليعة، ورئيس تحرير "دراسات عربية"، من آذار 1965،
ولغاية آذار 1969، ومن كانون ثاني 1971م، ولغاية شباط 1972م.. وله ولد هو
د.إبراهيم ناجي علوش، وابنة هي سلوى. وقد دخل المعترك النضالي العربي من
البدايات،وعلى النحو التالي:
1-دخل بل انتسب لحزب البعث العربي الاشتراكي من عام 1954م، وحتى عام 1960م.
2-طلائع الثورة العربية من عام 1961م ولغاية 1966م.
3-حركة التحرير الوطني الفلسطيني –فتح- من عام 1967 حتى عام 1978م، وعضو المجلس
الثوري من عام 1970 ولغاية 1978م.
4-حركة التحرر الشعبية العربية عام 1978م.
5-الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين عام 1968م. الأمين العام من عام
1972م، ولغاية عام 1980م
6-الاتحاد العام للصحفيين العرب-نائب الرئيس من عام 1974م، حتى عام 1976م.
7-الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب –أمين عام مساعد..
8-المنظمة العالمية للصحفيين "I.O.J"
–عضو الأمانة العامة.
9-لجان الدفاع عن الحريات الديمقراطية في الأردن-الرئيس منذ تشرين الأول عام
1984م.
10-[عضو اتحاد الكتاب العرب بدمشق].
11-عضو مجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية.
12-عضو مجلس أمناء المجلس القومي للثقافة العربية، وعضو اللجنة التنفيذية.
أما بالنسبة لانتمائه الأدبي... فالأهمَّ يدخلُ في نطاق الدراسات، والمقالات
وكتابة الشعر، والنقد الأدبي، زار غالبية دول العالم مُناضلاً وكاتباً
وشاعراً.. وتنوعت إصداراته، وتعددت على النحو التالي:
1-الثوري العربي المعاصر، عن دار الطليعة في بيروت عام 1960م[دراسة].
2-في سبيل الحركة العربية الثورية الشاملة [دراسة] عن دار الطليعة في بيروت عام
1963م.
3-الثورة والجماهير [دراسة]، عن دار الطليعة في بيروت، عام 1963م.
4 و5-"المسيرة إلى فلسطين والمقاومة العربية في فلسطين"-[دراسة]، صادرة. عن
مركز الأبحاث في بيروت عام 1964م صدرت المسيرة وعام 1967م صدرت المقاومة
العربية في فلسطين عن مركز الأبحاث المذكور.. إذاً هاتان الدراستان تحت رقم 4
و5.
6-هدية صغيرة [شعر] عن دار الكاتب العربي في القاهرة عام 1967م.
7-الماركسية والمسألة اليهودية [دراسة] عن دار الطليعة في بيروت، عام 1969م.
8-الثورة الفلسطينية: أبعادها وقضاياها [دراسة] عن دار الطليعة في بيروت عام
1970م.
9-مناقشات حول الثورة الفلسطينية [دراسة ووثائق] عن دار الطليعة في بيروت عام
1972م.
10-نحو ثورة فلسطينية جديدة [مجموعة دراسات ومقالات] عن دار الطليعة في بيروت
عام 1972م.
11-الخط الاستراتيجي العام لحركتنا وثورتنا [مجموعة دراسات ومقالات]. عن دار
الطليعة في بيروت عام 1974م.
12-النوافذ التي تفتحُها القنابل مجموعة شعرية] صادرة عن دار الطليعة في بيروت
عام1971م.
13-التجربة الفيتنامية: من الدروس السياسية والعسكرية [دراسة] صادرة عن دار
الطليعة في بيروت عام....
14-حرب الشعب، وحرب الشعب العربية [دراسة] صادرة عن دار الطليعة في بيروت عام
1973م.
15-الحركة الوطنية الفلسطينية أمام اليهود والصهيونية [مجموعة مقالات ودراسات]
صادرة عن مركز الأبحاث في بيروت عام 1974م.
16-حول الحرب الأهلية في لبنان [مجموعة مقالات ودراسات] صادرة عن مركز الأبحاث
في بيروت عام 1974م.
17-الحركة القومية العربية [دراسة] صادرة عن دار الطليعة في بيروت عام 1975م.
18-خط النضال والقتال، وخط التسوية والتصفية [مجموعة مقالات ودراسات] صادرة عن
دار الطليعة في بيروت عام 1976م.
19-حول الحرب الأهلية اللبنانية [مجموعة مقالات ودراسات] صادرة عن دار الكاتب
عام 1978م في بيروت.
20-حوار حول قضايا الثورة العربية [مجموعة مقالات ودراسات] صادرة عن دار الكاتب
في بيروت عام 1980م.
21-حوار حول قضايا الثورة العربية [مجموعة مقالات ودراسات] صادرة عن دار الكاتب
في بيروت عام 1980م.
22-حوار حول الأُمَّة والقومية والوحدة [مُحاضرة وحوار ومناقشات] صادرة عن دار
الطليعة في بيروت عام 1980م.
23-المجموعة الشعرية الكاملة صادرة عن وزارة الثقافة في بغداد ضمن سلسلة "ديوان
الشعر العربي الحديث"، رقم 113، عن دار الرشيد للنشر عام 1979م.
24-ديوان بدر شاكر السياب [مجلدان]، إعداد وتقديم: أدبه وسيرته، "جمع وتقديم"،
عن دار العودة في بيروت، دراسة مُوَسَّعة.
25-أديب اسحاق: الكتابات السياسية والاجتماعية، صادرة عن دار الطليعة في بيروت
[التاريخ أُغفل]. دراسة الكتابات، السياسية والاجتماعية الأساسية.
26-عبد الغني العريسي: مُختارات المُفيد "تقديم"... دراسة صادرةعن دار الطليعة
في بيروت[التاريخ أُغفل].
27-إنشاء "تكوين الجيش الإسرائيلي" إيغال آلون –دراسة البُنية الأساسية للكتاب،
صادرة عن دار الطليعة في بيروت [التاريخ أُغفل].
28-بعض مظاهر التجريد والالتزام في الأدب العربي [مجموعة دراسات ومقالات] صادرة
عن الدار العربية للكتاب [التاريخ أُغفل].
29-الوطن العربي: الجغرافية الطبيعية والبشرية [دراسة]، صادرة عن مركز دراسات
الوحدة العربية عام 1985م.
30-مُختارات قوميَّة لمحمد عزت دروزة [اختيار وتقديم] صادرة عن مركز دراسات
الوحدة العربية عام 1988م.
31-الوحدة العربية: "عوائق ومشكلات" [دراسة] صادرة عن المجلس القومي للثقافة
العربية في الرباط عام 1991م.
32-المشروع القومي من الدفاع للهجوم [مجموعة دراسات] صادرة عن الدار العربية
للكتاب [ليبيا-تونس] عام 1991.
33-عن الزَّهر والنَّار [مجموعة دراسات] صادرة عن المجلس القومي للثقافة
العربية في الرباط عام 1991م.
السيرة الذاتية هذه لناجي علوش [مُناضلاً وشاعراً وكاتباً]، استقيتُها من ملف
سيرته "ضمن بيانات" اتحاد الكتاب العرب في دمشق عن الكتاب والأدباء العرب...
وكتابة السيرة والإصدرات كاملة هي عملية توثيق تاريخي وطني وأدبي لمبدعينا
الفلسطينيين الذين يُقيمون في سورية، أو أقاموا، وعبروا... والتوثيق لحفظ
الكينونة الأدبية ذاتاً وإبداعاً، ولوضعها كاملة أمام الدَّارسين والباحثين
والقراء للاستفادة منها في دراساتهم وأبحاثهم وأيضاً في مُطالعاتهم الشخصيَّة.
إن إعادة تجميعه في الذاكرة الفلسطينية والعربية، وتثبيتهِ في تلك الذاكرة هو
عمل وطني وإنساني وعربي. من هنا ابتدأت، ومن هنا انطلقت، ومن هنا عملت خلال
السنتين الماضيتين، وأعمل الآن، وأعمل مستقبلاً، على تنفيذ المشروع/الحلم:
"الشعر الفلسطيني في الشتات... الشعراء الفلسطينيون في سورية"، ملفاً توثيقياً،
ووفاءً لفلسطين قضيةً، ولمبدعيها مناضلي الحرف والكلمة... وإنني لآمل من الله
أن يمدني بالقوة والقدرة على استكمال هذا المشروع/الحلم، والجهد والمثابرة
والاتصالات استطعت والحمد لله تجميع ملف جيد عن الشعر الفلسطيني والشعراء
الفلسطينيين في سورية .
يجملُ ناجي علوش –في مجموعة أعماله الشعرية الكاملة عن وزارة الثقافة ببغداد
رؤيته الخاصة فيما يكتبُ من شعر، وتأثير انغماسه في العمل النضاليّ والسياسيّ
على كتاباته الشعرية... ومع هذا فقد ظل الشعرُ هاجسَهُ، وغناءه المُحبب... يقول
من ص 190، وما يتبع: "منذ سنة 1957م، أخذتُ أتجهُ اتجاهاً آخر [في الشعر] صحيح
أن التحول في شعري كان تحولاً في الشكل، في تعدد التفعيلات [بعد أن كان
عمودياً] ولكنه كان تحولاً على أنه حال، قاد خلال السنوات التالية: 1958م،
1959م، 1960م، إلى تحول حقيقي، يبرز واضحاً في مجموعتي "هدية صغيرة"، إن هذه
المرحلة من عام 1957م، ولغاية عام 1960، هي مرحلة انتقالية تبرزفيها كل ملامح
مرحلة الانتقال... وبين مرحلة [ماقبل، ومابعد مرحلة الانتقال]، كان هناك حَدٌّ
فاصل بين المرحلتين تمثِّل في قصيدته أماه"، التي نشرتها جريدة الحوادث التي
كانت تصدر في عمان، وذلك عام 1954م...يقول فيها، وقد انتقل إلى شعر التفعيلة:
(1): أُمَّاهُ أين أبي!!؟..
وَقَطَّبَ حاجبيهِ، وصاحَ صيحةَ مُتعبٍ
ومتى يعودْ!!؟...
ومتى أراهُ يضمني
فَيَقِرُّ ثائِرُ أضلعي... وهكذا تمضي بقية القصيدة...
وقصيدته في ذكرى المعراج: 1954م، أيضاً:
(2):
هو النور إلاَّ أنها الوثبةُ الكبرى
تهادى بها الصحراءُ فانطلقت فجرا
وراحت تُنادي، والظلامُ مُخيِّمٌ
حُطاماً على رَمْلِ الخطيئة قَد ْقَرَّا
أيدري الذي أسرى بأنَّ جموعنا
قد انتفضت ذعراً، وقد هتفت ثأرا
ملاحظة:
[طبعاً الذي أسرى يدري، وهو الذي يدري، ولا سواهُ يدري!!!]...
وأَنَّا وقفنا في وُجُوهِ عُداتنا
عمالقةً غُلباً وألويةً حمرا
وَلَمْ نَرْضَ من غير العُروبةِ رايةً
ومن غيرِ ما أوحت لثورتنا سِفْرا
لَئِنْ كانتِ الأُولى جلالاً وَعِزَّةً
فما أَعْظَمَ الأولى، وما أَعْظَمَ الأخرى
يقول ناجي علوش متابعاً: "وخلال عام 1959م-1960م، عكفتُ على دراسة الفكر العربي
المعاصر منذُ مُنتصف القرن الماضي، وكانت نتيجةُ هذه الدراسة كتابي (الثوري
العربي المُعاصر) الذي صدر سنة 1960م.عن دار الطليعة. وَخَفَّتْ مع زيادة
اهتمامي بالدراسات حماستي لكتابة الشعر، مع أنني ظللتُ أقرأ الشِّعْرَ بانتظام،
وأحرصُ على على مُتابعة المجموعات التي تصدر، والقصائد التي تنشر حتَّى سنتين
خَلَتَا...(3)...
رغم كل شيء ظل ناجي علوش يكتب الشعر، ويمشي إلى أرجائه الفسيحة كُلَّما أحسَّ
بوطأة وثقل الأعباء عليه، كان يعتبره المخلص الذي ينقذه من ضراوة الأحداث،
ومرارة المأساة، وعظم المسؤوليات الملقاة على عاتقه كالآخرين من أبناء
شعبه،ويعتبره أيضاً فسحة الأمل الذي تحمله فلسطين، وبيرزيت، والثرى الوطنيَّ
الحبيب... والمرادف لوهج البنادق:
(4):رأيتُ وجهكَ المُضيء بالإصرارْ
يستنبتُ الأشجارَ والأزهارَ في القفار
ويطلع الزَّنابقْ
رأيتهُ يفيضُ بالخضرة في الحدائقْ...
ويمنح البراعِمَ الصِّغارْ
الدِّفْءَ، والأمان...
هكذا يظل النور يغطي على الظلمة، والأمل يقفز فوق اليأس، وخضرة الحدائق تُغطي
مساحات الروح والأعماق الصفراء اليابسة اليائسة، ويظل الإصرار هو الطريق الوحيد
للثوار، وهو الطريق الوحيد للانتصار... صور شعرية بسيطة، وجميلة، وشفافة غير
مُعقدة، وتبعث الأمل في كل شيء...
ومع هذا الشعر البسيط والجميل والمُريح للنفس والوجدان، يتابع ناجي علوش قوله:
(5): ومنذ سنة 1960م، وحتى الآن، وأنا أكتبُ الشعر لِماماً، وعندما أُحسُّ
بحاجة ماسة لا أستطيع التعبير عنها بغير الشعر، ولا أستطيع الهروب منها...
وكانت حصيلة ما كتبت في السنوات "1960م-1966م"، القصائد التي نشرتها في
مجموعتي "هدية صغيرة"، بالإضافة إلىعدد محدد من القصائد التي لم أنشرها في
المجموعة"... ضمن أشعارهم وقصائدهم الكثيرة هنا وهناك، المنثورة كنجمات ما قبل
الفجر، أبحث في أشعار وقصائد المناضلين السياسيين عن خبز الحب والوجد....
فأتعثر حتى أجده،وأستمتع بهِ... إنه خبزخاص بهم، وبعيدعن مُتناول الآخرين
العاديين، ولكنَّ الفطرة الشعرية، أو هي الذائقة الشعرية التي تكتشفهُ في خبايا
الشاعر، وأقاصيهِ البعيدة...هو موجود، وحادٌّ جداً، ولكن لا يعبر عنه بالتصريح،
وربما بالتلميح النائي جداً، لأنه في نظر أولئك... هناك شيء أهمّ في عُرْفِ
الوطن والقضية.. حتىعندما سئل نا جي عن هذا وضع إشارة... هكذا ... كأنه غير
موجود....ولكنه حقيقةً، موجود وبكثافة فائقة.. ولكنه... كما قلنا: بعيدٌ،
وغائبٌ في الذاكرة البعيدة... حيث يحلُّ محله وجد آخر لبئر زيت البعيدة...
الجريحة هناك فوق ثرى فلسطين السَّليب... اُنثى الأرض التي يعشقها فارسها
بجنون:
(6): "آهِ يا –بِئْرَ زيت التي حَمَّلَتْني الصليبْ
ورمتني على طرقات الأسى واللهيبْ
عن خيالي...
فكيف... وقد قام ما بنينا السُّورُ،
وانْسَدَّ بابُ المحبَّةّ!!؟
وغدونا بعيدينَ عَنْكِ... بعيدينْ
لا نسمةٌ من رُباكِ تهبُّ، ولا
طارقٌ يطرقُ البابَ دوني
وَمِلْءَ يديهِ حكاياتُ شَوْقٍ وَحُبٍّ وَغُرْبَهْ!!؟..
هكذا يأتي جنون الحُبِّ كاسحاً عندما يكون عن الأرض/الأنثى مُعبراًعن أرقى
أنواع الوجد، والصبابة الخارقة. في استبيان الكتاب العرب هكذا الحب عند علوش
استكمالاً لرؤيته في الشعر... يتابع نادي علوش قوله في ص 191 من مجموعته
الكاملة: (7):وخلال سنة 1964م، وسنة 1965م، تبلورت لَدَيَّ فكرة أن أنصرف عن
الشعر، وكانت تحدوني إلى ذلك مجموعة دوافع يمكن تلخيصها فيما يلي:
أولاً: أنني لا أملكُ موهبةً غير عاديَّة تُخولني تطوير تجربتي الشعرية.
ثانياً: إنَّ انغماسي في العمل السياسيّ يزيد تجربتي غنىً، ولكنه في الوقت
ذاتهِ يُدخلُ الكثيرَ من العوامل القاتلة للشاعريّة.
ثالثاً: إنَّ اهتمامي بالدراسات، وعكوفي عليها يحدُّ من قدرتي على مُتابعة
ثقافتي الشعرية والنقدية.
رابعاً: إنَّ الاتجاه الذي بدأ يظهرُ في شعري منذ سنة 1960م، وهو اتجاه الغربة
والانطلاق [الانتقال من الشعر العمودي لشعر التفعيلة الذي كان يرفضه الشاعر
علوش ولا يرضاه] بديلاً للشعر العربيّ الأصيل... هذا سبب أخير في العزوف عن
تطوير التجربة الشعرية...".
يُضيف ناجي علوش(8):"فالشاعرفي نظري هو الذي يكتبُ للجماهير، وأنا أكتبُ
لمثقفين مثلي..والشارع هوالذي يكتب بلغة الجماهير، وأنا أكتبُ بلغتي ولغة
زملائي من المثقفين، وقد تبلورت هذه المشاعر والأفكار فيما بعد وخلال السنوات
(1967م-1970م)...
ومع هذا، فقد كتب الشاعر ناجي علوش قصائد كثيرة بلغة الجماهير، وخاطبها بتلك
القصائد البسيطة والشفيفة والمُعبرة، وظلَّ يكتب الشعر حتى صدرت مجموعته
الشعرية الكاملة –كما ذكرنا آنفاً-عن وزارة الثقافة والإعلام في بغداد عام
1979م، عن دار الرشيد للنشر، ضمن سلسلة ديوان الشعر العربي الحديث-113-.
وظلَّ شعره وطنياً إنسانياً ثائراً متفائلاً شفيفاً بتوهجاته المُضيئة، لَمْ
يأتِ عليه الوهن، ولا الانكسار، ولا ضراوة اليأس، ومرارة الهزيمة:
(9): وَجْهُكَ مرسومٌ على الوجوهْ
طيفُكَ محفور على الدُّروبِ والجدرانْ
وأنتَ فوق هذهِ الجزيرهِ
ملحمةُ الزمان والمكانْ
وقصة البطولةِ الكبيره...
أَرَيْتَني
كيف تُطِلُّ أجملُ الزَّنابقْ
مِنْ وَهَجِ البنادِقْ
|