الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | معلومات النشر | من نحن | كلمة العدد

 دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 07/06/2008

إلى صفحة الكاتب

كتب                                     قصَـائدُ الأطفال في سُوريــَة

 

 

إيحاءات اللون

الصورة الشعرية

الخيال

الألفاظ والتراكيب

الوزن والإيقاع 

ظاهرة التكرار

القافية

 

 

قصَائدُ الأطفال في سُورية

الباب الثاني: المضمون

 

بقلم الكاتب: محمَّد قرانيا

الفصل الأول: الألفاظ والتراكيب

 

إن كل فنانٍ يعمل بوساطة مادّةٍ محدّدةٍ، فالرسّام مادتُه الألوانُ و الحجر، والشاعرُ مادته الكلمات. غير أن فنّ الكلمة من المنظور الشعري يثير أغربَ المشكلات، وأكثرها دقّةً من أيّ نظريةٍ من نظريات الفن، فاللغة في أحد مظاهرها أطوعُ الأدوات تحقيقاً لأغـراض الإنسان العملية، وهي الوسيلــة التي لا يُستغنى عنها في الاتصـال مع الآخـرين، لذلك كانت في الأدب صورتُـه ومعناه، وفي المجتمع وسيلة نشأته وتكوينه، وهي في الأدب والمجتمع معاً، وسيلةُ التعبير عن الانفعالات والأحاسيس. والشعرُ في أحد معانيه موسيقا تتقيّد بأصواتٍ متجسّدةٍ في لغةٍ معيّنةٍ لها إيقاعٌ رتوبٌ، ونبراتٌ خاصةٌ متحرّكةٌ وساكنةٌ، تجري في فتـراتٍ متّسقةٍ، ينشأ عنها انسجامٌ وتوافق، وسِمَتُها الجوهريةُ أنها قالبٌ محرّكٌ مثيرٌ للخيال، تتخذ الكلماتُ فيه صفة النغمات التوافقية للمشاعر الأصيلة، مستمدّةً صفتها من الملابسات التي تحيط بظروف تعلّمها، ومن كل الظروف الخاصة بالطفولة التي اكتُسبت في ظلّها.

إن الكلمات ليست مجرّد حوامل مجرّدةٍ لمعانٍ مجرّدة، وإنما لها من المعاني قـدراتٌ كبيرةٌ، فكلمة (قُبلة) كما مرّ معنا قبل قليل، أو كلمة (حـبّ) – مثلا -ً لها من الجاذبية والإيحاء الشيءُ الكثير، ومثلها في القدرة والإيحاء كلمة (كرْه) باعتبـار الكلمات أصواتاً موسيقيةً ورموزاً منطقيةً، وإثارات وجدانيةً، يصوغها الشاعر بهندسةٍ فنيةٍ تتجلّى فيها روحُه، ويَظهر فيها إبداعُه، لتخرج معبّرةً عن حلمٍ أو مزاجٍ، أو رؤيةٍ من الرؤى الإنسانية، حتى لتبدوَ في بعض الأحيان إلهاماً قد هبط عليه من السماء، يتجلّى إشراقاً ووهجاً.

إن للكلمة قصداً منطقياً، ومضموناً نفسياً، وتربوياً، وهي في الأصل كلمةٌ شاعريةٌ، وما يهمّ الشاعرَ منها هو ما تعكسه الكلمـاتُ من ظـلالٍ، وما تحملـه من طاقاتٍ يمكن تفجيُرها، واستغلالها في التجربة الفنية التي ينفخ فيها الحياةَ، وهذا يعني أنه ينتقي الكلمات، ويختارُ منها ما يعبّر عما يعتمل في النفس من أحاسيس وأفكارٍ، لأنه يريد أن يحتفـل بالأطفـال، وأن ينقل صفاءهم وعالمهم، وما يوقظ في نفوسهم الحواس الساكنة، ويثير وجداناتهم الغافية، فتتحوّل الكلمات من رموزٍ لغويةٍ إلى مثيراتٍ وجدانيةٍ، وإيحاءاتٍ يتوقّف عليها مدى توفيق الشاعر ونجاحه في الوصول إلى المفردات، التي بمقـدورها أن تحطّم ما درجنا عليـه من رتوب التجربة التقليدية، وإحالتها إلى عناصر حسّية، كتلك التي تصير إليها، حين تطرق خيال الطفل الفطري، لذا فإن الشاعر يعمد إلى تلوين شعره بتفصيلاتٍ حسيةٍ ماديةٍ واضحةٍ، وقد تكون وسيلتُه إلى ذلك مشاركةُ الألوان البصرية، وحواسُّ الشم والمذاق واللمس، ووصفُ الأجزاء .كما في معظم أشعار" سليمان العيسى " كقصيدة (شبّابة سعد) حيث نرى بالعين لونَ الكرز، ونسمع بالأذن اللحن و الإيقـاع، ونتذوّق ما أثاره اللـونُ و اللحنُ، وما أضفته الكلمات على النفس من ظلالٍ.

البنية اللغوية:

عندما نقول إن شاعر الأطفال يختار الألفاظَ وينتقيها، فإننا لا نكون قد أتينا بجديدٍ، لأن هذه بدهية يتساوى فيها شعـر الأطفـال وشعر الراشدين، ولكنّ الشيءَ غـير البدهي ألاّ تكون لدينا (مفرداتٌ) محدّدةٌ للطفل، وأنماطٌ لغويةٌ، بدءاً من سنّ ما قبل المدرسة.

أمام هذا الواقع غير المدروس . يبدو البحث في مفرداتِ لغةِ الأطفالِ وتراكيبِها أمراً في غاية الصعوبة، و للخروج من هذا (التيه) اللغوي، فإن شعراء الأطفال وضعوا نصب أعينهـم السهولةَ والبساطةَ، و الوضوح، بمبادراتٍ ذاتيةٍ. لا تخلو من قواعد عامة. مبتعدين عن الكلمات الصعبة، مع أن مقيـاس السهولة و الصعوبة، هنا ليس محدوداً بحدودٍ وضوابطٍ، بقدْر ما هو محكومٌ بتقديرات الشاعر الذي يقيس به وضوح المعاني، ومدى تداولها على ألسنة جمهور الأطفال أولاً، وورودها في كتب المرحلة الأولية للتعليم ثانياً، وتتجلّى التراكيبُ في استخدام الشاعر ما يلائم تطلّعَه لإبداع الصـور القريبة التناول، والتي تناسب الإيقاع، في حلةٍ تريح الطفل، ولا ترهقه، بالفهم والاستيعاب والحفظ.

تراعي الألفاظُ و التراكيبُ معاً الفصاحةَ اللغويةَ، لتبتعد عن الركاكة، وتعثّرِ الصياغة، ولكنها في بعض الأحيان، قد تقع في مزلق الأغلاط الشائعة، وعدم الدقّة في استخدام حروف المعاني، أو بتعديةِ فعلٍ بحرف جرٍّ لا يتعدّى به، ومع ذلك فإن شعر الأطفال في سورية، كان بعيداً عن الأغلاط الجسيمة، ولم يتأثرْ من حيث التراكيبُ والصياغةُ بأسلوب الترجمةِ النقلية التي وقعت فيه القصةُ، وربما كان ذلك عائداً إلى قلّةِ عدد شعراء الأطفال، بالنسبة إلى كتّاب القصةِ من جهةٍ ،وإلى أن معظم هذه القلّة كانت من المتمرسّين بالكتابة للراشدين .

عثـراتٌ في اللغـة:

اللغة بحر واسع، عميق الغور، لذلك كان من الطبيعي ألا يتمكّن الإنسان من الوقوف على جميع أسرارها، ولا تغيب عن بالنا قصةُ ذلك النحوي الذي صرف عمره، وهــو يبحث في لفظ (حتى) وكتب فيها ما كتب، وحينما سألوه، وهو على فراش الموت، عمـا إذا كان قد استوفى البحثَ والاستقصاء في هذا اللفظ، ردّ عليهم والأسى يعتصر نفسه :" أموت وفي نفسي شيءٌ من حتى " .

وتجاه أسرار اللغة التي لا تقف عند حدٍّ، يمكن القول :"إنه لا يوجد كاتبٌ عربيٌ إلاّ وقدتسرّب اللحن إلى كتابته " (1 ). وهذه مسألة بديهة، ما دامت في حدود الشائع والمعقول .

في شعر الأطفال لم تكن هناك أغلاط جسيمةٌ تستحق الوقوف عندها، باستثناء القلّة، كقول " صالح هواش المسلط " في قصيدة " جدي ابن سينا " من ديوان " من أجدادي "

كان جدي ابن سينا أبا علي الحسينا

وإنما تبقى في حدود العثرات، المحصورة في استخدام بعض الألفاظ لغير ما أرادته اللغة مثل (راح)  و (عاد) أو تعدية فعلٍ بغير حرف جرٍ، كما في البيت: 

جدّنا السندباد       طاف كل البلاد

وحقّ الفعل طاف أن يتعدّى بحرف الجر، ونقرأ :

ما أحلى الريح إذا هبّت وعَوَت صخبا

فقد استعار لفظ (عوى) لصوت هبوب الريح، ومعروف أن العواء للذئب أو لابن آوى، وقال بعضهم إنه للكلب. أما استعمال المجاز بالنسبة للصغير

فلا يزال مبكراً .

وتعدية الفعل بحرف الجرّ، وهو متعدٍّ بنفسه، خلاف للقاعدة النحوية، لا تقتضيه الضرورة في شعر الأطفال. كقول " صالح هواش المسلط " في قصيدة " خالد بن الوليد " من ديوان " من أجدادي " [ ص 19 مطبعة آفاق. الحسكة 1994 ] :

غزا إلى البرابـرة

والروم والأكاسرة

ومثلُ (غزا) فعلُ (أعطى) المتعدّي إلى مفعولين، في قصيدة " ابن خلدون " ص (1) :

والتدقيق بالأسباب         يعطي ثمراً بالإيجـابْ

والتجربةُ والبرهانْ                 تُعطي الحكمة للإنسانْ

وكثيراً ما نعثر على هناتٍ في ألفاظ الألوان ،كأن نقرأ : غيوم سوداء. مروج خضراء. بحار زرقاء. ثياب صفراء، والأفصحُ جمعُها على : غيوم سود .مروج خضر. بحار زرق. ثياب صفر. كما في القرآن الكريم "سبع سنابل خضر ". و " ترمي بشررٍ كالقصر، كأنه جمالات صفر " ..

كما تصادفنا ألفاظ من حقّها أن يتقدّم عليها حرف الجرّ مثل : أثناء. دون. وحقّ الأولى أن تُسبق بفي (في أثناء) والثانية أن تجرّ بمن (من دون) إذا لم تكن ظرفاً. . وقد يتساهل الشاعر باستخدام حرف الجرّ إما لضرورة الوزن، وإما لشرود الشاعر عنه، وقد أدخل بعضهم (أل) التعريف على لفظي (بعض وغير) خلافاً للقاعدة، وقد أباح بعض الشعراء لأنفسهم الجوازات، فخفّفوا الهمـز في بعض الألفـاظ، فقالـوا (فاس) بدل (فأس) و (راس) بدل (رأس) واختزلوا كلمتين في واحدةٍ، كقول " صالح هواش المسلط " :

جدي عباس الفرناس

مغوار مرفوع الراس

وقالـوا (أينه) بدلاً من (أين هو) – كما سيمرّ بعد قليل - وأهملوا رسم (الشدّة) فوق الحروف المضعّفة – وهذا كثيرٌ شائع - وأباحوا بصورةٍ خاصةٍ تسكين المتحرّك، داخل البيت، وتصرّفوا بالممنوع من التنوين، حجتهم في ذلك جوازُه في شعر الراشدين، متجاهلين النظرة التربوية، التي ترى في استخدام ذلك تسرّعاً في شعر الأطفال، وأن الوقت مبكرٌ لتعرّف الأطفال على جوازات اللغة، والأجدى منها أن يقرأوا، أو يسمعوا السائغ الذي يسير على القاعدة، وتستسيغه أنفسهم، أما الجوازات والمجازات، فيمكن تعريفهم بها في أدب الناشئة، و بالتدرّجِ التربوي المدروس.

لقد برزت في أشعار "سليمان العيسى" -كما برزت في أشعار غيره - ظاهرة المجازات والكنايات والرموز، التي يصعب على الصغار إدراك معانيها بسهولة ويسر، ونشزت بعض الصور عن المألوف الطفلي، وتحوّل الشاعر في بعض الألفاظ عن الشائع – رغم فصاحته – إلى المعجمي، فوردت ألفاظ عدّة، وتراكيب " مفعمة بالصور والمعاني المجرّدة، من مثل : - وطني يتسلق أسوار الزمن– لنا تاريخ أزلي – الرؤى الشاردة – النخلة البتول – اسمي أخضر كالآمال – سرّ الإله بمقلتيه.. وتتوشّح عنده القصائد بالتعابير المستعملة فيها الألفاظ بمعانيها المجازية، كقوله عن النجار " يضحك في يده المنشار" و"عصفور طلال شـلاّل جمال " و" رباب قبلة النور المذاب " (والمجاز يجب أن يقتصد في استعماله من يكتب للأطفال) ولا يجد الشاعر "العيسى " غضاضةً – كما مرّ قبل قليل – في استعمال الكلمات " مرح الحقب الساجي – نشوى– أنضو – أغدقنا – مرنّح – صاد، (بمعنى العطشان) – انداحي (بمعنى اتسعي) – اطفرى (بمعنى اقفزي) – أرجاء (بمعنى أنحاء ). . ولا يتورّع من بعدُ في قصيدته " السباحان الصغيران " عن استعمال لفظتي تعبثان وتطفران اللتين يفسرّهمـا في الهامش بأنهما (تلعبان وتقفزان) [والأفضل ] استعمال ما أورده في الهامش بدلاً مما أورده في المتن، كي يتفادى التحوّل عن الشائع المألوف إلى اللفظ المعجمي.

إن سليمان العيسى لم يفته التنبّه إلى هذا الذي وقع فيه، فقد اعترف باقترافه ذلك عن عمـدٍ حين قال : " ربما تعمّدت الرمز، والصعوبةَ في الألفاظ، والغربةَ في بعض الصور، ربما كانت بعض العبارات فوق سن الطفل " فالمسألة إذن في بعض الصور من قبيل التعمّد والقصد، ومسوّغها عنده إيمانه بقدرة الطفولة على الالتقاط ". 

وقد رأى الباحث " أحمد أبو سعد " في بحثه : " تطور فن الكتابة للأطفال " أن" احتواء شعـر " سليمان العيسى" على كلمات وصور غامضة يسبّب إعاقةَ التلقائية في تقبّل أفكاره ومفاهيمه من قِبَل الطفل، ويمنع اندماجه فيه بحرارة ". 

وفي دراسة " بيان صفدي " الآنفة الذكر " شعر الأطفال ونماذج من سورية " وقف الباحث / الشاعر عند مجموعة ملفتــة للنظر في الاختلالات اللغويــة التي وقعت في غفلةٍ من كتّابها، ومنها قول " معشوق حمزة " " فليحيا الفلاح " " فيثبت الألـف التي من واجبهـا الحـذف " ويأخذ على الشاعر " ممدوح السكاف " اضطراره إلى إيراد كلمةٍ قلقة في القافية " هيا نلعب هيا نلعب ونغني للعشب المُذْهَبْ " واستعمال كلمات صعبةٍ أو مهجورةٍ " وانسراحات فضاء " ثم لابدّ من الاعتراض على مثل هذا التعبير :

يا وردة الطفولة

  تفتحي بالعلم والإخلاص والرجولة

وسنصطدم بصياغة عادية ومفتعلة في قصيدة " سلمى و الشحرور " إضافـة إلى ذلك الإيقاع والجمل الطويلة :

     قالت سلمى للشحرور

  - من جمّلك بهذه الألوان ؟

 قال الشحرور الساحر وهو يمسّد ريش جناحيه :

- حديقة هذا الضوء الفتّان

 قالت سلمى للشحرور العابر :

  - من أرضعك حليب الحرية، حبّ الأوطان ؟

 قال الشحرور العابر وهو يحلّق في الجوزاء، ويمضي :

- هو ربُّ الأكوان .

أما " أولادي " فهي قصيدة للكبار حصراً – والكلام لبيان الصفدي – ونعجب كيف راق للشاعر أن يكتب قصيدة بعنوان " موت أب " حيث لا أظن أن الأمر صالح نفسياً وتربوياً ،إذ علينا أن نبعد الطفل عن أجواء حزينةٍ كفقد الأب و الأم...

ويمكن أن نقف على مثل شيء من المعاظلة اللغوية التي استدعاها الوزن العروضي لدى " جمال عبد الجبار علوش " في قوله :

وكـلنـا فــداك

فقدْ غـداً نـراكْ

تختال في عـلاكْ

في قبة السـماكْ

فاستخدم في قصيدة (نقول) من ديوان " لمن يغني النهر " ص (18) لفظ (السماك) وشرحه في الهامش " نجم عالٍ في السماء " و فصل بالظرف " غداً " بين (قد) و (الفعل نراك) مما ابتعد به عن الهدف التربوي. وقد جانب" مصطفى عكرمة " الصوابَ حين قال :

شجرة الليمون عندي أجمل الأشجار شكلاً

شكلها الأخضر يبقى زاهياً فصلاً ففصـلاً

إذ ذكر (الشكل) و هو يقصد (اللون) في الكُتيّب الشعري الذي يحمل عنوان " طالما قلت الحقيقة " ص (2 )

 وليس مقبولاً استعمال الكلمة الأجنبية في التحية الهاتفية " ألو ألو " في قصيدة " حديث هاتفي" لـ " طه حسين الرحل " في ديوان " أنشودة المطر " ص (40 ). " ومثلها لفظ " بنطالي " لدى الشاعر " خيري عبد ربه " في ديوان " الفصول وقصائد أخرى " وسوى ذلك مما سنعرض له بالتفصيل .

خصوصية اللفظ:

لابدّ من الاعتراف في الشعر، بأنه ما من شعرٍ يجمع بين معطيات التربية، ومعطيات الفن، إلاّ طغى فيه الفن على التربية. فكيف بنا إذا وجدنا الطفلَ لا يعرف ما حدود ألفاظه، والشاعرُ لا يزال يجتهد، ويُجرّبُ فيها ؟.

لقد " حاول بعض الباحثين إحصاء الألفاظ التي يستعملها الطفل استعمالاً ناجحاً، وانتهى بعضهم إلى أن الطفل المتوسط في سنّ السنة الأولى، يستعمـل كلمتين، وفي سن السنتين يستعـمل (250) كلمة، وفي سن الأربع سنوات يستعمل (1600) كلمة، وفي السادسة يستعمل (2600) كلمة، وفي الثامنة يستعمل (3600) كلمة، وفي العاشرة يستعمل( 5400) كلمــة، وفي الثانية عشر (7200) كلمة، وفي الرابعةَ عشرة يستعمل (9000) كلمة، أما البالغ المتوسط الذكاء فعدد ألفاظه يصل إلى (11700) كلمة، والبالغ المتفوّق الذكاء، يصل عدد ألفاظه إلى (13500) كلمة "(2 ).

إن هذه الإحصائية لم تجرِ في البلاد العربية، لذلك لا يمكن الاطمئنان إليها، والملفت للنظر في النماذج الشعرية. أن الشعراء لم يهتمّوا بتحديد الشريحة الطفلية التي يتوجّهون إليها، فتداخلت ألفاظ المرحلة الدنيا بالعليا، ولم تراعَ ألفاظُ المنهاج المدرسي، وكأن مفردات الأطفال في الروضة والمدرسة هي غير ألفاظ قصائد الشعراء (3)

لقد أعدّ المنهاج المدرسي قوائم مفرداتِ كل سنةٍ من سني المدرسة الأولى، استمّدها مما يمكن أن يدور على ألسنة الأطفال في البيت والشارع والمدرسة، لئلا يحـدث انفصـامٌ بين ما يسمع الطفل وما يتكلم به، وبين لغة الكتاب المدرسي، لكن الشعر ظلّ مقصّراً في هذا الموضوع، والنماذج  المختلفة تشير إلى تمرّد الشعراء على المنهاج، نظراً لأن طبيعة الشعر تعتمد على اختيار اللفظ، وجدّة التركيب، والبعد عن اللغة العادية التي يستهلكها الاستخدام اليومي الشائع، فيذهب ببريقها ورونقها.

ويمكن أن نقف على سببٍ آخر لوجود اختلافٍ بين لغة القصائد، وبين لغة المنهاج المدرسي، يتلخّص في أن الشاعر لم يكن يضع في خلده أنه يكتب للمنهاج .كما أنه عند كتابة القصيدة لم يكن قد وضع نصب عينه السنّ التي يتوجّه إليها غالباً.

إن التمعّن في مفردات قصيدةٍ موجّهةٍ لأطفال الروضة، لشاعرٍ متمرّسٍ بالكتابة والتعامل مع الأطفال، ومن ثم مقارنتها بما يمتلكه أطفالٌ في سنّ الخامسة من ثروةٍ لفظيةٍ. من شأنه أن يضع أيدينا على الفرق بين الفن الشعري، ولغة الحياة اليومية.

يقو ل سليمان العيسى في (أنشودة لونا) (4) :

هـذي لونـا              بسمة فجـرِ

خمـس سنينٍ             قالت عمري

 

جلستْ قربي               رفّــةً زهرِ

غنّت ألحـاناً               مـن شعري

غنّت مامـا والرسّام

مثل عصافير  الأحلام

كانت لونا وهي تغنّي

مثل عصافير الأحلام

لا ينكر أحدٌ من المهتمين بأدب الأطفال براعةَ "سليمان العيسى " وشاعريته، والاعتراف بأنه لا يمكن مجاراته في مقدرته الفائقة في تقمّص شخصية الطفل، واصطياد المفردات الملائمة، والصور المناسبة، وخلق الجو النفسي المريح، وفي هذه القصيدة الخفيفة المؤلّفة من ثمانية أبياتٍ مجزوءةٍ، ذات الإيقاع الراقص، (فعلن فعلن) السريع النفس والقصير، نتلمّس وضوح الرؤية، وتماسك وحدة القصيدة، ومقدرة الشاعر في صياغتها في ثمانية وعشرين كلمةً ليس غير، وحرف جرٍّ واحد، موزّعة حسب ما يأتي :

عدد الأسماء : 22 اسماً

عدد الأفعال : 6 أفعال. هي : (قالت. جلست. غنّت [ مكرّر ]. كانت. تغنّي) وقد وردتْ خمسة أفعالٍ منها بصيغة الماضي، وفعلٌ واحدٌ بصيغة المضارع، ومجموع الألفاظ الثمانية والعشرين، يتناقص إلى السبعة والعشرين، إذا اعتبرنا فعل (غنّت) المكرّر واحداً، لكن التكرار هنا موجود عن قصدٍ، وسبْقِ تصوّرٍ من الشاعر، لأنه – كما سيمرّ في دراسة ظاهرة التكرار - يؤدّي هـدفاً تربوياً يمكن بوساطته الوصول إلى عقول الأطفال، والصغار منهم بصفةٍ خاصةٍ، لتأكيد صفةٍ أو قيمةٍ محبّبةٍ تثبت معناها في العقل. كقيمة الغناء الترويحية، أو قيمة الحلم (الجمالية) التي تعمل على نقل الأطفال إلى عالم شعري يعجز غيرُ الشعر عن تحقيقـه، وقد تجلّـت براعـة الشاعر حين تجاوز تكرار الفعل (غنّت) إلى تكرار (البيت) كاملاً : (مثل عصافير الأحلام) تعبيراً عن الحلم، ورمزاً للانطلاق والحرية والحبّ والجمال .

لقد استطاع الشاعر أن يوجِـد علاقةً بين العصافير، وبين الأحلام التي لا تقلّ إيحاءً عن العصافير، فهناك انعتاق من ضيق المكان، ومحدوديةِ الأفكار، إلى فضاءات لا تعرفها إلاّ العصافير والأحلام، وكان المضاف والمضاف إليه قد عمل على توطيد أواصر هذه العلاقة (عصافير الأحلام)

وهذه الصورة التي استشفّت غناءَ الأم والرسام والطفلة / لونا / التي تُنشد أنشودة الشاعر الملحّنة، بصوتها العذب، يُوَلِّد التشبيه فيها الصورةَ الجديدة (عصافير الأحلام) مما يشهد للشاعر بالنجاح في هذه اللقطة، التي استطاع أن يرسم فيها لوحةً شعريةً بالكلمات المحدودة العدد، السهلة التداول والحفظ والإلقاء. وإذا كانت الألفاظ قد ارتفعت قليلاً عن مستوى أطفال الروضة (بسمة فجر، رفّـة زهر) فإن رشاقة اللفظ، وبساطة التركيب، وشفافية الصورة، وعذوبة الإيقاع، يشفع للقصيدة أن تقدّم نفسها بحلّةٍ مقبولة للغناء، قبل أيّ هدفٍ آخر.

لكن، ونحن نتحدّث عن الألفاظ، يمكن أن نشير إلى العنوان، ونتساءل : هل لفظ (لونا) - اسماً لطفلةٍ - فصيحٌ في العربية ؟ أم أن الشاعر أورده عن قصدٍ لتخليد اسم طفلةٍ عرفها، أو قريبةٍ يتودّد إليها، وقد عهدنا لدى الشاعر مثلَ هذا التوجّه في كتابة قصائد لأطفالٍ تربطه بهم قرابةٌ، أو صداقةٌ، وقد وجدتُ مثل هذا الاسم (لونا) سائداً في التركية وغيرها، ولم يرد بين الأسماء العربية والقريبة في اللفظ أو المعنى مثل (لينة. لبنى. لبانة. لبيبة...) والتي تدلّ على مسميات عربية أصيلة.

الأبنية والتراكيب:

تلعب التفعيلة – كما سنرى – في شعر الأطفال دوراً رئيساً في التحكّم في بنية التركيب، وصياغته، وكلما قلّ عدد التفعيلات، وقصر حجمها، كانت القصيدة أسهل إيصالاً إلى مدارك الطفل، وقد نجحت القصيدة في ذلك، بينما رزحت القصة في كثيرٍ من الأحيان تحت وطأة الجمل الطويلة.

ونظراً لحداثة أدب الأطفال، وعدم وجود منهج واضح، ولمـّـا كان الطفل يمتلك عدداً محدوداً من الألفاظ والتراكيب اللغوية، بدءاً من سنيّ العمر الأولى، كان لابدّ من أن تكون القصيدة في إطار معجم الطفل. لكن الواقع يشذّ عن ذلك. نظراً للفروق الفردية التي تختلف في التقدير بين لفظٍ يقدر الطفل على فهمه، و لفظٍ يتجاوز مستواه العقلي، وإذا كان بالإمكان اتّباع منهجٍ، أو منهجية فنية في الشعر _ وهذا مستحيل في الوقت الحاضر _ منهجيةٍ تقوم على أسلوبٍ متدرّجٍ في استخدام الألفاظ، فإن ضمانَ التزام الكتّاب بها غير مؤكّد، بسبب الصعوبة التي ينشد الشاعر صياغة القصيدة بها. ويبدو أن الصعوبة في منهجية الألفاظ، أقلّ من الصعوبة التي تبرز في التراكيب، والتراكيبُ علاقاتٌ، وصورٌ، وإيقاعات، تتفاعل كلّها ببعضها، لتصنع الشكل الفني الذي يقدّم للطفل، لذلك نجد عدداً من الشعراء لم يحالفهم الحظّ في إبداع تركيبٍ طفليٍ سليمٍ يراعي حدّاً مقبولاً من الاعتبارات الفنية، فوقعت عثراتٌ لابدّ من وقوعها.

وقد يتداخل الخلل اللغـوي في البيـت بين المفـردة، و العبارة، والوزن أيضاً. كما في قول " صالح هواش المسلط " في قصيدة " الكندي " :

  درس العدسات السحرية

  والشاشات السيناميــة

وتفقد العبارة معناها، فتغدو غائمة باهتة. كما في قصيدته " الحسن بن الهيثم " :

  فكر ببناء الســــد

  فوق النيل بشكل جدي

  بالتحـديد أو بالبعــد

إن لفظ (بشكل) حلّ محلّ لفظ (بصورة) وعبارة (بالتحديد أو بالبعد) تحتاج إلى مهندس ليشرح معناها، ويفسّر سمتها، وإحداثاتها المساحية الطوبوغرافية .

وتكثر لديه العبارات التي لا طائل منها، فتغدو حشواً، لا تقدّم معلومةً، ولا تجدي نفعاً، حتى يبدو وجودها وعدمه سواء، كقوله في قصيدة " جدي جابر بن حيان " :

قال جدي عبـر الدهر             لون الفضــة لون البدر

قال جدي عبـر الحقب              لون الشمس لون الذهب

ونقرأ للشاعر" سليمان العيسى " : (5)

الأرض العطشى و الدرب

و الحــبّ الأول مازالا

نجد في البيت ثلاثـة أشياء هي : الأرض، والدرب، والحبّ، وهذه المجموعة يأتي بعدها لفظ (مازالا) الذي يوهم التثنية لإشباعه، و هذا يربك الطفل، فإذا كان الشاعر يريد القول : إن الأرض و الدرب هما الحبّ الأول، فإنّ وجود الواو العاطفة قد أفسد المعنى هذا. أما إذا كانت الألف في (مازالا) للإشباع فإن هذا يوقع الطفل في التداخل و اللَبس مع ألف التثنية، و هذا مخالفٌ للنظرة التربوية، التي لا تبيح الجوازات للصغار. فضلاً عن أن البيت لا يريح القارئ الكبير، فماذا يقول الصغير؟!

ويقول " سليمان العيسى " في (الطيارة) (6) :

فوق الريح

وفوق الغيم

تعلـو تعلو

مثل النجـم

روحي شرقاً

روحي غرباً

للمستقبل

كـوني دربا

يصف الشاعر ارتفاع الطيارة بأنها تعلو مثل النجم، ولفظ (مثل) يفيد المشابهة، والأمرُ المعروف علمياً. أن النجم لا يعلو لأنه ثابتٌ في مداره، فلم يستطـع اللفظ تأديَة الغرض المطلوب من التشبيه، علماً بأن استخدام لفظ (الطـيّارة) في عنوان القصيدة، جاء على غير القاعدة، وهذا ما لم يُجزه مجمع اللغة العربية في القاهرة، الذي أصرّ على استخدام لفظ (طائرة) مع أن المعجم المدرسي قد أجاز استخدام لفظ (سيّارة) المشابه له في القياس، وقد أجمع عليه المحدثون.

كما أباح الشاعر لنفسه استخدام فعل الأمر (روحي) مكرّراً، بمعنى اذهبي، أو انطلقي، أو سافري، بينما يشير معنـاه المعجمي إلى السـير في العشـي، أو في أيّ وقتٍ من الليل و النهار، والتدقيقُ في الفعل يفيد أنه للسير، بينما استخدمه الشاعر للانطلاق والاندفاع.

ويقول الشاعر " معشوق حمزة " في قصيدة (يا شجرة) :

يا بيت العصفور

يا فرحاً وسرور

فسكّن (سرور) لضرورة القافية، وتجاهل العطف نصباً .

ويقول الشاعر " بيان صفدي " في قصيدة (بلدي) : (7)

بلدي بلدي أمسي وغـدي

رمزُ وجودي  طــول الأمد

عشتُ عليها  بين يديهـــا

وسيحيا من بعدي ولدي

أرضٌ عاش عليها جدّي

إن لفظ (البلد) مذكّر، وعليه اللفظ في القرآن الكريم (وأنتَ حِلٌّ بهذا البَلَدِ) وعندما يقول (عشت عليها) فإن الضمير (الهاء الممدودة) المسبوقة بحرف الجرّ (على) تعود إلى البلد، لذا كان الأفصح القول : عشت عليه، وليس في ذلك اختلالٌ في الوزن إذا أشبع الضمير. أما إذا كان المقصود بـ (عشت عليها) الأرضَ، التي ورد ذكرها في البيت الذي يلي العبارة، فإن هذا غير جائز أيضاً في الصياغة، حيث يعود الضمير على متأخّرٍ رتبةً، مما يتعارض مع نصّ القاعدة النحوية. وإن كان بعض النحويين يذكّر البلد ويؤنثه .

ويقول " صالح هواري " في قصيدة " نجحت " : (8)

وعلّمْ طيورَ الصباح

إلى الحقل أن تذهبـا

فمن شاء نيلَ النجاح

فــلا بدّ  أن يتعبا

إن البيت الأول (علّمْ طيور الصباح.. إلى الحقل أن تذهبا) مخالفٌ لما تعارفنا عليه من أن الطيور تستيقظ في الفجر، تسعى إلى رزقها، قبل أن تتضح المعالم في البكور، و ليس من المنطق أن يستيقظ الطفل قبل الطير ليعلّمها الذهاب مثله إلى الحقل.

ونقرأ مقطعاً من قصيدة (بابا ماما) للشاعر مصطفى عكرمة، نشرتها مجلة أسامة :

بابا مـامـا       لكما شكـري

ملء الدنيـا       أبدَ  الدهــر

بكما أحيـا          أحلى عمـري

ونصيحتكم          سكنت صدري

وواضح أن (بابا ماما) اثنان لذلك قال (لكما) شكري، و (بكما) أحيا، لكنه استأنف بعد ذلك بصيغة الجمع، فقال. و (نصيحتكم )... ونحن قد نجد للشاعر مسوّغاً نحوياً في صحة معاملة المثنـى في الصياغة معاملة الجمع، والشاهدُ على ذلك قوله تعالى في كتابه الكريم :  " هدان خصمان اختصموا في ربهم. . " (9) و هذا لا ينطبق على بيت " سليمان العيسى " السابق، لأن الجمع هنا يعود على المثنى، بينما كان عند " سليمان العيسى " المثنى هو الذي يعود على الجمع.

ونقرأ من قصيدة نصوح فاخوري قوله في (مدرستي) (10)

أنا طفلٌ قيل لي هذا                و ما عقلي بطفل

هـا أنـا أبني وشعبي مصنعي الضخمَ و حقلي

ليس زندي زندَ طفلٍ       و أنا أبني فأُعلـي

وواضحٌ أن هذا الطفلَ غيـرُ عادي، وإنما هو طفلٌ خارقٌ، أو طفلٌ يُخرج نفسه من دائرة الطفولة، ما دام يملك زنداً ليس كزنود الأطفال، يبنـي به، ويُعلي الأبنية والمصانع ... و إذا كان الطفل يولـد للبناء، لا ليمارس طفولتـه، ولا ليرتاد المـدارسَ والحدائق، ويمارسَ الألعاب والهوايات، إذا كان هو كل ذلك، فإننا نكون قد عدنا إلى النظرة القديمة التي كانت تنظر إلى الطفل على أنه رجلٌ صغيرٌ... و لقد نأت اللغة التي تصلح للكبار عن الهدف، و كأننا نستمع إلى خطابِ رجلٍ كبيرٍ يتصاغر حتى يصبح بحجم الطفل، ويلقي خطبته في عيد العمال. إضافة إلى أنه فصل بين الفعل و المفعول : أبني مصنعي. بالمفعول معه .

و تظهر في الشعر – في بعض الأحيان – حالاتٌ ينوء فيها التركيب تحت وطأة التقديم و التأخير، لا لسببٍ سوى الإيقاعِ و القافية. كقول " بيان صفدي " في قصيدة (أغلى كلمة) (11) :

من أجلي ضحّى الشهداءُ

شادَ الأمجـــادَ الآباءُ

إذ قدّم في الشطر الثاني المفعولَ به (الأمجاد) على الفاعل (الآباء) من أجل استواء القافية.

وقول "سليمان العيسى " :

أبي حـدّاد

تقول سعاد

والصياغة السليمة تقتضي تقديم الشطر الثاني على الأول.

ومثل ذلك قوله :

من تطوان إلى بغداد

سار قطاري يا أولاد

إن عدداً من الألفاظ و التراكيب تسلّلت إلى شعر الأطفال، منها ما كان مقصوداً من الشاعر، ومنها ما كان في غفلةٍ منه، واستكمالاً للبحث. لابدّ من الرجوع إلى الملاحظات التي أبداها الشاعر " بيان صفدي " في دراسته المطولة " شعر الأطفال و نماذج من سورية " السابقة (12) التي نذكر بعضها. كما وردت لدى الشاعر الباحث .

يقول " بيان صفدي " :

" يطالعنا " حامد حسن " بقصائد عديدة، ولكنها في الحقيقة لا تنجح في الاقتراب من عالم الطفل ولغته. كما في قصيدة " الطفل والوحدة " [ مجلة أسامة. العدد 116 ]

يا أبــي إنا توحــــــــدنا وثرنا يا أبي

والتقى في الساح – ساح المجد – كل العرب. . .

وواضح أن النص يفتقر إلى عذوبة الصور وتبسيطها، كما يحوي تعقيدات في تركيب الجمل، فالبدل في " والتقى في الساح – ساح المجد – " يربك سلاسة الفهم، ويعبّر الشاعر عن معانيه بتعبيرات مكرورة إلى درجة كبيرة، مثل " نحن جيل الوحدة الكبرى " " أمتي كانت وما زالت منار الأمم "

... .. وهنا نلاحظ الافتعال في انتقاء الكلمات :

في صوتها موسيقا وسحر القافية

فلماذا اللحن ؟ ثم الموسيقى، ثم سحر القافية ؟ وما الذي يعرفه الطفل من كلمة " قافية " ؟!. .

.. . كذلك قول الشاعر " مصطفى عكرمة " في قصيدة " قلمي " :

أكتب اسمي فوق السطر

فنحن مضطرون إلى قطع همزة " اسمي " فيستقيم الوزن، ولكن ذلك يُسيء إلى لغة أطفالنا .

وفي قصيدة " الطيار الصغير " يقول " عكرمة " :

بيدي صنعتك فانطلقي

وتحدِّي الغيمة في الأفق

وهنا يقع خطأ واضح عندما يقول " تحدِّي " فالصحيح " تحدَّي " [ بفتح التضعيف وليس بكسره ] وعندها يختلّ الوزن.

.. . وممن حاولوا، الشاعر " نصوح فاخوري " ولكنه مع الأسف كان من البعيدين جداً عن روح الطفولة ولغتها.

هاهو يكتب في قصيدة " مدرستي " ما يلي : [ مجلة أسامة. العدد 18 ]

أنا طفل قيل لي هذا، وما عقلي بطفـل

هاأنا أبني وشعبي مصنعي الضخم وحقلي. .

غدنا مقـبرة الـذلّ وأغـلال  الذليـل

فأينعي - يا جبهة الأطفال - أحراراً وسيلي

فالشاعر يتحدّث عن الطفولة باحتقار مبطّن، وهذا واضح في البيت الأول. . ولا ننسى أيضاً اللغة في صياغتها " ما عقلي بطفل " " ها أنا ابني وشعبي مصنعي " " غدنا مقبرة الذل " إلى أن نصل إلى قوله : "فأينعي – يا جبهة الأطفال – أحراراً وسيلي " فكيف سيتصوّر جبهة الأطفال تنبع وتسيل أحراراً ؟

.. . وفي حين تحتاج القصيدة إلى دقة التركيب، واختيار اللفظة، نلاحظ هذه الحالة من رصف الكلمات، كيفما اتفق أحياناً كثيرة [ لدى الشاعر معشوق حمزة ] وبلا تعب وعناية، منها – نحن – مثلاً أمام نموذج على الخلّل في الفكرة ذاتها:[ كتاب أسامة الشهري – سلوى تغني. ص 27 ]

  كالعصافير أغني

           لندى

           للفراشات أغني

           وغدا

           حين أكبر

           سأغني للوطن

           بالورود

           بالقلم

           أرسم الآن بلادي

           وأغني كل يوم

           للعلم

فلا أدري لماذا اختار الشاعر أن تغني سلوى للندى من بين عشرات الأشياء الأخرى ؟ ولماذا ستغني للوطن عندما تكبر ؟ ألا يجوز أن يغني الإنسان لوطنه وهو طفل ؟ ولأن الشاعر أورد كلمة( قلم) رأى لزاماً عليه أن يقرنها بالعلم بعد ذلك في صياغةٍ واضحة التصنّع .

وما يثير عجبي حقاً – والكلام للشاعر بيان صفدي – أن تعاني قصيدة معشوق من ضعف صياغته لغوياً في أحيان كثيرة، إضافة إلى اختلالات الوزن، مع العلم أنه مختصّ اختصاصاً عالياً في اللغة العربية... وينسى الشاعر أن اللام لام الأمر في قوله " فليحيا الفلاح... " فيثبت الألف التي من واجبها الحذف.

.. . وسألفت النظر إلى أمثلةٍ من هفوات وسقطات الشعراء. . للتدليل على طبيعة مشكلة شعر الأطفال، فهو يعاني من سوء استعمال المفردة، أو الجملة، و من افتقاد السلاسة و الطفولة، و من الإيقاعات المرتجلة و الصعبة.

يقول محمد منذر لطفي عن الفلاح [ مجلة أسامة – آب 1981 ]

ألف ظلّ لك يا خدن البراري و السهول

أنتَ منّا الساعد المفتول و الوجه الأصيل

ويقول : [ مجلة أسامة. العدد 334 ]

     أرقب الأمــواج و الأفق فيرتاح الخيال

     و أعدّ السفن الملأى. . نساءً. . و رجال

     و حمولات ..من الشرق.. من الغرب. .

     ثقال

وهنا نستطيع أن نعترض على استخدام الشاعر لكلمة (خدن ). وعلى هذا التركيب الكلاسيكي المعقّد أ صلاً " أنت منّا الساعد " ثم لا بدّ لنا من الاعتراض على هذا الفصل المخلّ بالمعنـى بالنسبة للطفل بين " حمولات" و صفتها " ثقال "

وسنقع على صورٍ وتراكيب قلقة لدى الشاعر " موفق نادر " في مجموعته " الغيمة تمرح " الصادرة عن وزارة الثقافة. . و" نائل يلتقي أباه " من سلسلة كتاب " أسامة " الشهري، ومن هذه الصور والتراكيب:

  وترسل الظلال

  لآخر الغناء

  إذا أتى الشتاء

  تناطح المطر

   بينما المساء

  ينساب في خفر. . .

 ... وسعفها سلاح

  ترمي به النجوم

  في آخر البرية

  يجيئها الفلاح

  من آخر الكروم

  لينشد الحرية

وفي قصيدة " حكاية الحرية " يقول :

  جاء كي يروي لها

  عن أناشيد السلام

  وحكايات المها...

.. . سنجد في تجارب آخرين مثل هذه الإخفاقـات [ في ] أثناء محاولـة كتابـة شعر الأطفال كقول " محمد قرانيا " [ في مجلة أسامة، العدد 295] :

هذا النهر  دفْقُ رواء

بردى غنّى أحلى غناء

وقول " سعيد قندقجي " [ في مجلة أسامة. العدد (324) ]

أنـا يـا بابا       طفل عـربي

علمــي زاهٍ      فوق  الشهب

ومنـــاراتي    شمس  الحقب

و شعــاراتي    عجب العجب

فاشهـد فرحي    وارقب غضبي

وقول " جمال علوش " [ في مجلة أسامة. العدد (324) ]

  طيار أبي

  وأنا ابن النسر العربي

 ...

  وغدي حلم عبر مداه