الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | قالوا عن الموقع | الرعاية والإعلان | معلومات النشر | كلمة العدد

SyrianStory-القصة السورية

دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

facebook القصة السورية في

 Cooliris-تعرف على خدمة

معرض الصور

Rss-تعرف على خدمة

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 29/01/2009

دراسات أدبية للكاتب: محمَّد قرانيا

قصَائدُ الأطفال في سُورية1

إلى صفحة الكاتب

لقراءة الدراسات

 

 

الدراسات

شعر الأطفال والتراث 

آفاق قصيدة الطفل

شعر الأطفال وشعر الراشدين 

المقدمة

 الثقافة العلمية

 

 

 

 

قصَائدُ الأطفال في سُورية

 الباب الأول: دراسة تطبيقيّة

 

بقلم الكاتب: محمَّد قرانيا

 

مقدّمَة

 

لم يحظَ شعرُ الأطفال في سورية بالاهتمام الذي يستحقّه، كالذي حظيت به زميلتُه القصةُ الطفلية التي توفّر على دراستها عددٌ من النقّاد من أمثال " د. سمر روحي الفيصل " و " د. عبد الله أبو هيف" و " د. عبد الرزاق جعفر " ثم " علي حمد الله " و "د.أحمد كنعان" و " نزار نجار" و " د. عيسى الشماس " وسواهم.

 

إن شعر الأطفال. هذا العالم الرحب الجميل. الذي نقدّمه لأطفالنا منذ نعومة أظفارهم. عَرَفَ شيئاً من الازدهار العابر في سبعينيات القرن العشرين، وكان لعام الطفل الدولي عام 1979 أثرٌ كبيرٌ في توجيه الأنظار إليه، فاهتمّت به المؤسسات الرسمية، والصحف، والشعراء، وبرزت أسماء كبيرة كـ " سليمان العيسى " و " بيان صفد " و " معشوق حمزة " و " جمال عبد الجبار علوش " و     " مصطفى عكرمة ". . وسواهم ممن ترك عدداً من الدواوين الطفلية المتميّزة.

 

ولكنّ هذه الطفرةَ الشعرية. ما لبث أوارُها أن خمدَ، لأسبابٍ متعدّدة، وأخذت – بعدها - دواوين الشعراء تطلّ على استحياء. تراجعت معها أقلام النقاد عن دراسة الشعر، وهي في الأصل لم تفسح له حيّزاً واسعاً في دراساتها الجادّة. وأصبح من التهاون والتساهل أن يُترك نقدُ الشعر للكتابات الصحفية السريعة، التي تهتمّ بالتعريف والتنويه والعرض. أكثر مما تهتمّ بمسائل الفن.

 

في هذا الكتاب تحاول الدراسة أن تبتعد ما وسعها عن التنظـير، وتَخْلُدَ إلى استقراء النّص من خلال مضمونه ولغته وموسيقاه وصوره. لذلك انصبّ التركيز – في الدرجة الأولى – على استعراض أكبر قدر من النصوص الشعرية، الحديثة، وتلك التي كُتبت قبلها بنصف قرن، والوقوف على سماتها وخصائصها الفنية .

لقد التفتت الدراسة إلى الخصائص الفنية التي كانت مقتصرة على شعر الراشدين، فوقفت عند ظاهرتي التكرار، والتجسيد الفني وإيحاءات اللون، كما وقفت على ملامح الصورة الفنية، وسمات الخيال. فضلاً عن الموضوعات العامة الأخرى.

 

يُعَدُّ الكتابُ خطوةً ثانيةً بعد الكتاب الأول " شعر الأطفال في سورية " الصادر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق عام 1996 وأرجو الله أن أتمكّن - مع غيري من الباحثين - من متابعة هذه الدراسات، لأن نقد شعر الأطفال يحتاج إلى تضافر جهود جميع الغيورين على الأدب .

والله من وراء القصــد .

أريحــا ـا 1 / 10 / 2002 محمَّـد قـرانيــا

 

الفصل الأول: نظرات عامة

 

مدخل:

أدب الأطفال (فنٌ) و (طفولة ).

وللفن سماتُه، كما للطفولة خصائصُها.

وأدبُ الأطفال هو الوسيلة المثلى للوصول إلى عقول الصغار، بغية تنمية القدرات، وصقل التفكير والتعبير، وتحسين الأداء، وتنمية ملكة الإبداع، والإحساس بالجمال. والارتقاء بالمشاعر، وتحبيب الهوايات إلى النفس البريئة المتفتّحة على الحياة.

ولما كان من المتعارف عليـه، أن عناصر الأدب أربعة. هي : العاطفة، والمعنى، والخيال، واللغة، فإننا في أدب الأطفال –كما في الأدب عامـةً – نستلهم من مجموع هذه العناصر جمالَ الصورة، وإيحاء اللون، وتعبيرَ الصوت، وعذوبةَ اللحن والحركة والإيقاع والإثارة، ونحاول أن نجعل الطفل يحسّ ويشعر بأن الحياة والطبيعة تتطيّب وتتكحّل، وهذا ما اصطلح عليه (التجسيد الفني) الذي يُعَدّ عمليةً لازمةً في التوجّه للصغار، لأنه يهيّئ لهم أن يسمعوا المعنويات، من دون الاستعانة بالعيون والآذان، حتى تبدو لهم كأنها محسوسة.

ولكنْ هل حقّق أدب الأطفال ما يُرتجى منه ؟

وهل ظهرت فنيتُه بصورة مُرضيةٍ، فيما وصل إلى أيدي الأطفال من نصوص ؟.

إشكالات :

إن الوقوف على قصائد الصغار، يشير إلى أن ثمة إشكالات متعدّدة تبرز في قصيدة الطفل على وجه الخصوص، يمكن أن نمرّ ببعضها، كمشكلة الوصف، ومشكلة طغيان المسحة القومية، ومشكلة الإيصال.. وسوى ذلك، إذ أن لكل مشكلةٍ أسبابها. فالشاعر غالباً ما يعمد إلى الوصف بغية طرح موضوعاتٍ معيّنة، ولكنّ هـذا الوصف، قد يتسم بالابتعاد عن ملامسة الحدث، أو الواقع، والتركيز على وصف الأبعاد الخارجية للموصوف، من دون الدخول إلى الحقيقة والجوهر، والتغلغل إلى أعماق الموصوف وأبعاده، فتأتي الرؤية الوصفية بطابعها المباشر، وسيلةً أدبيةً قاصرةً إلى حدًّ ما، لأنها تدور في عالم الجاهز والمحدود من الأفكار، مع الاحتفاظ بدرجةٍ من الجدية والتأثير.

إن ما نلاحظه، بصورةٍ خاصةٍ في شعر الرّواد الذين توّجهوا للأطفال، سيادة التوصيف الخارجي. كما في قصيدة " صحبة المكتب " لأحمد شوقي " حيث تتّضح الوصفية والمباشرة :

ألا حبـّذا صحبـةُ المكتب  

وأحببْ بأيامه أحببِ 

ويا حبذا صبيةٌ يمرحــون  

عنانُ الحياة عليهم صبي 

عصافيرُ عند تهجّي الدروس  

مِهارٌ عرابيدُ في الملعب 

لهم جرسٌ مطربٌ في السراح  

وليس إذا جدّ بالمطرب 

لكن هذه المباشرة في الوصف قد خفّتْ حّدتها مع تقدّم العصر، وازدياد إقبال الشعراء على فن الطفولة، ويمكننا أن نعقد ما يشبه المقارنة السريعة بين قصيدة " أحمد شوقي " المذكورة، و قصيدة " شوقي بغدادي " التي تتصل بها، بأسبابٍ وطيدةٍ. نقرأ منها :

هنا في فراغ القلب طاروا وحوّموا

فراشــاتِ حقـلٍ في عيوني تُـدَوّمُ 

أراهم مدى عمري فكـل قصيدةٍ 

أغنّي قوافيَـها التي تُشتهــى هـمُ 

أحبّهم في العيد فرحـةَ بيتنــا 

مع الفجر قاموا، وارتدوا ثم  سلّـموا 

أحبّهم عند الشتـاء إذا غــدوا 

فضجّ بهـم صـفٌّ ونـاء معلّـــم 

فإن رجعـوا فالبيت منهم قصائدٌ 

تُعـادُ، وأرقــامٌ مئــاتٌ تُنظّـم 

وأعينهـم إذا علقت في حكايـةٍ 

توقّدُ من وهْــج الحديــث وتحكم 

وخمشاتهـم في وجنــة الأم لذّةٌ 

تسيل من الظفـر الحـــبيب وتنعم 

لأمثالهم نبني ونرفـــع  عالمـاً 

على الأرض يحيا الطفـل فيـه ويسلم 

تفيدنا المقارنة في أن أحد الشاعرين لم يكن منقطعاً للكتابة للصغار، وإنما كانت سمتهما التوّجه إلى الكبار. لكن ثمة فرق في الزمن الذي عاش فيه كل شاعر، فـ " أحمد شوقي" يُعدّ رائد البدايات الطفلية العربية في الثلث الأول من القرن العشرين، بينما شهد الثلث الأخـير منه قفزةً نوعيةً، أدلى " شوقي بغدادي " بدلوه فيها، وقد اختلفت نظرة الشعراء إلى الطفولة، وتطوّرَ الفن الشعري كثيراً بعد أن توافر عليه عددٌ من الدارسين والمترجمين. إلاّ أن ثمـة ملاحظة فنية مشتركة تجمع بين الشاعرين، مفادها أن القصيدتين تصفان الأطفال والمدرسة والألعاب وصفاً مباشراً، ومن منظور خارجي، من دون أن تقف أيّ منهما عند المشاعر والأحاسيس الداخلية للأطفال، وكلا القصيدتين قد كُتبت بلسان رجلٍ كبيرٍ ينظر إلى الصغار بعين الإعجاب والفرح والحب والأبوّة، وتعبّر عن مشاعره العاطفية، قبل أن تعبّر عن مشـاعر الأطفال، على عكس ما نقرأه عند " سليمان العيسى " في قصيدة الرسام الفنان - على سبيل المثال - :

أرسم بابـا                أرسم ماما      بالألـوان

أرسم علمي        فوق القمم      أنا فنـان. .

إن الشاعرين " أحمد شوقي، وشوقي بغدادي "لم يدعا الطفل يعبّـر عما بنفسه لأترابه، ويحكي عما يجول بخاطره من مشاعر، وما ينعكس على صفحة نفسه من مشاهدات، وهنا تبدو سمات المدرسة الكلاسيكية واضحةً، وإن كان " شوقي بغدادي " قد استطاع أن يتجاوز مظهر الوصفية السردية إلى شكل وصفي آخر، من خلال لوحةٍ فنيةٍ لا حدود لإيحاءاتها. عذبة الألفاظ. شفاّفة الصور، تعكس مشاعر أبٍ ومربٍ يزخر قلبه بالحبّ والحنان، وقد استفاد من تجربته الشعرية والتربوية، مما جعل القصيدة تمور بشحنات انفعالية متدفقة.

لكن هذه الإشكالية التي وجدت عند معظم شعـراء الأطفال، قد وجدت لها حلولاً عند الشاعر " سليمان العيسى " رائد شعر الأطفال المعاصر في الوطن العربي، والذي فهم الطفولة، وأحبّها فمنحها دفق إبداعه. لذلك يقول :

" يسألوني كثيراً لماذا أكتب للصغار ؟. لمن تريدون أن أكتب ؟ وهل هناك موضوع أجمل وأغنى وأهمّ ؟ لماذا أكتب للصغار ؟ لأنهم فرح الحياة، ومجدُها الحقيقي. لأنهم المستقبل. لأنهم الشباب الذين سيملؤون الساحة غداً، أو بعد غد. لأنهم امتدادي وامتدادك. لأنهم النبات الذي تبحث عنه أرضنا العربية، لتعود إليها دورتها الدموية، التي تعطّلت ألف عام. إنني لا أكتب للصغار لأسلّيهم. إنني أنقل إليهم تجربتي القومية والفنية. أنقل إليهم همومي وأحلامي. عندما يكبرون سيعرفون أنني لم أخدعهم. لم أُضِع وقتهم الثمين بشيءٍ تافه. لأنهم أعزّ عندي. أغلى بكثير. "

وإذا انتقلنا إلى الجانب الثاني بعيداً عن الأسلوب. نتوقّف عند طغيان السمة القومية على الشعر، التي قال عنها سليمان العيسى (نقل التجربة القومية) لنجد أن معظم شعراء الأطفال يحاولون أن يظهروا بمظهر المربّين والمعلمين، وأن هدفهم الأول يتجلّى في غرس القيم، وتوجيه الطفل، وتربيته قومياً - على حساب الفن في بعض الأحيان - وربما سادت هذه النظرة في البدايات، بسبب حداثة أدب الأطفال، وأحوال نشأته في وطننا العربي، حين انطلق جميع الذين كتبوا للصغار من المدارس، وكان غرضهم دعم مناهج التعليم التي تسعى إلى ترسيخ قيمٍ معينةٍ. لكن ما تجدرُ ملاحظته أن القيم كانت في البداياتِ مرتبطةً بالقيم الروحية، وهذا ما نجده لدى جميل سلطان، وعبد الكريم الحيدري ومصطفى الصواف ... إذ كانت تقدَّمُ - غالباً - بأسلوب الوعظِ، وإزجاء النصح، ثم خفتت هذه النـزعة مع تقدّم الزمن، وازديادِ الزخم القومي، بسبب توالي الأحداث التي عصفت بالوطن. ومع ذلك فقد ظلّت القيمُ الخلقيةُ إلى جانب القيم القوميــة تتربّعان على رأسِ منظومةِ القيم، وهذا من شأنه أن يُخلّ بتوازن المنظومة. نظراً لعدم التكامل في العطاء والتوجّه. وقد لعبت التناقضات السياسية دوراً بارزاً في دفع الشاعر للتطلّع إلى الأفق القومي. كما يؤكّد "سليمان العيــسى " : " إنني لا أكتب للصغارِ لأسلّيهم. إنني أنقل إليهم تجربتي القومية والفنية، وذلك بغية تجاوز الإحباطات المتلاحقةِ التي تحلُّ بنا، والتي ليس لها منفذٌ إلاّ من خلال الأطفال. أملِ المستقبلِ لتحقيق الحلم العربي. بعد أن فقد الشعراء الثقة في الكبار الذين ضاعت في زمنهم أجزاء كبيرةٌ من الوطن العربي، وساد التشويه والفساد جوانب متعدّدة من حياتنا العامة. بفعل السياسات الانعزالية المنفردة، وقد جسّد الكتاب هذه الحقيقة ".

إن من بين مشكلات الكتابة للأطفال أنها فن صعبٌ، وتتأتّى الصعوبة من جوانب عدّة، أبرزها (البساطة) التي يقول عنها " توفيق الحكيم " عندما كتب بعض حكايات الأطفـال عام 1977 : " إن البساطة أصعب من التعمّق، وإنه لمن السهل أن أكتب، وأتكلّم كلاماً عميقاً، ولكن من الصعب أن أنتقي، وأتخيـّر الأسلوب السهل الذي يُشعر السامع بأني جليسٌ معه، ولست معلماً، وهذه هي مشكلتي مع الأطفال ".

ثم إن " أدب الأطفال، كنوعٍ فني، لا يزال جديداً .لم يكتسب تقاليد عامّةً بعدُ. . وقد هيّـأ هذا التفكير للكثير من الاجتهادات، والأحكام المتعسّفة. أن تطرح في الساحة، وأن تلاقي بعض القبول، لا لسببٍ إلاّ لأنها تبدو معقولةً، مع أن كون أيّ أمرٍ معقولاً، لا يعني أنه صحيحٌ  علمياً. إذ لا بدّ أن يخضع للتحليل العلمي، كي يتقرّر فيما إذا كان صحيحاً أو  خاطئاً " (1)

وثمة مشكلة، يجب الاعتراف بها. هي أن قصائد الأطفال، لم تعد تجد إقبالاً لدى الأطفال أنفسهم، بسبب كثرة وسائل اللهو والمتعة المرئية المتحرّكة، التي تصرفهم عن القراءة، بصورة عامة " أما الضجيج الذي نحدثه حول أدب الأطفال... هو ضجيجٌ يطلقه الكبار ليسمعه كبارٌ آخرون. يريدون إنشاء. . أدبٍ للأطفال، ويغفلون عن أن الطفل لا يقرأ ما يكتبون، ولا تهمّه نواياهم الحسنة. إن تصحيح مسار – شعر - الأطفال يعني أن نجعل الطفل يقرأ

 –القصائد - التي نكتبها له ويستفيد منها. أما أن نكتب له وهو لاهٍ عنّا، فتلك هي مشكلة أدب الأطفال.. عندنا. (2)

أن لغتنا العربية في تاريخها الطويل لم تلتفت إلى هذا الجنس الأدبي الجديد " وطفلـنا العربي بصورة عامة. في مسيرته مع التاريخ. قد أصاب علاقته بالفن والأدب سوءُ الطالع، فظلّ محروماً من الأدب الرفيع المؤلَّف له خاصةً. قروناً طويلة، والذين يهتمّون بالدراسات الأدبية. يدركون أن أدب الكبار " قد استأثر بنتاجنا التراثي كله، وبجهود المدوّنين على دروب المسيرة الطويلة، من تاريخ الأدب العربي، ولم يلتفت أحدٌ إلى " أدب الأطفال " لا تأليفاً ولا تدويناً. " (3 )

ونتيجة لهذا الفراغ الواسع في ساحتنا الثقافية، فقد صار لزاماً على الأدباء أن يلتفتوا إلى الآداب الأجنـبية التي تطـوّر فيها أدب الأطفال - وبعض هذه الدول بلغ فيها مراتب عالية، فاقت أدب الكبار - فأخذوا ينقلون ويترجمون بغير هوادة، وقد كان لوزارة الثقافة في سورية جهدٌ واضح في نقل روائع الأدب العالمي الموجهة للأطفال، في القصة والشعر والمسرحية والحكاية، فأوجدت بين أيدي النقاد وأدباء الأطفال نماذج متألّقة عالمياً، ولنضرب على ذلك مثالاً بمقطع من قصة " مكان هادئ" وقد صيغت بأسلوب شاعري : (4 )

  طفلةٌ اسمها ربى

  كانت تبحث في يومٍ مشمسٍ

  عن مكانٍ هادئ

  بحثت وراء أصيص البنفسج في الصالة

  ولكن ذلك المكان

  كان ضيقاً جدّاً... .

لقد حاول عددٌ من الكتّاب السوريين محاكاة المادّة المنقولة - القصة بصورة خاصة - فكانت هناك قصص ناجحة، ومحاولات جـادّة. فإذا أصرّ أصحـابها على أنها غير متأثّرة بالنماذج الأجنبية، فإنها – لابدّ - تقترب منها، وأن عدداً قليلاً من هـذه القصص قد تألّق، فلفت الأنظار إليه، كما في قصص " زكريا تامر " ..

أما في الشعر، فقد قصـّر الشعراء عن كتّاب القصة. ربما لأن الشعر يفقد بريقه في الترجمة، وربما وجد الشاعر أن ترجمة الشعر لا تليق بإنسانٍ ينتمي إلى أمةٍ (الشعرُ ديوانهُا) مع أن ثمة نماذج شعرية حاولت – على استحياء – أن تجد لها مكاناً في المكتبة الطفلية السورية، كالأشعار التي ترجمها " ميخائيل عيد، وعيسى فتوح، وحسين راجي، وعبد الطيف أرناؤوط. . " لكنها لم تستطع أن تدخل حافظة الأطفال، كما دخلتها الأشعار الإبداعية، وعلى رأسها تجربة الشاعر " سليمان العيسى " فإذا كانت بعض القصص العربية قد تُـرجمت، ونُـقلت إلى الآداب الأجنبية، فإن شعر " سليمان العيسى " قد انتقل عربياً، غير عابئ بالحدود المصطنعة، وحقّـق وحدة الأطفال الشعرية التي لم تستطع أن تحقّـقها وزارات التربية، والأنظمة السياسية المتعدّدة. وكما حفظ أطفال الوطن العربي الكبير في مطلع القرن الماضي :

بلاد العرب أوطاني                 من الشام لبغـدان

فإنهم حفظوا – فيما بعدُ - أشعار سليمان العيسى :

علمـي علمـي           فـوق القمــم

أنـا ص.ياد اللــون الســــاحــــر

أرض بــــلادي       كــنـز مـنـاظــر

و :

عصفور طـلال            شـلاّل جمـال

و :

فلسطـين داري           ودرب انتصاري

لكنّ تجربة " سليمان العيسى " على الرغم من تميـّزها وريادتها، فإنها لم تسلم من النقد، حين سلّط عليها سكاكينه، ولم تشفع للشاعر خبرته الطويلة، وتجاربه القومية والتربوية والشعرية، ففي غياب المعايير النقدية الصحيحة، يخطر للناقد أن يلقي كلامه على عواهنه، وقـد شكّ أحد النقاد – على سبيل المثال – (5) في أن يكون "سليمان العيسى" قد حمل أجنحة الصغار ليحلّق بها، لأنه لم يتحدّث فيما نظمه بلسانهم " أو ينقل الموضوعات التي تدخـل في نطاق تجربته، و نظرة فاحصة إلى ما يتضمنه ديوانه " غنّوا يا أطفال " تؤكد صحة ما أًبدي، فقصائد " الطفلة الشـاعرة "( 6) تمجيد لطفلةٍ تنظم الشعر و ليس أغنية بلسانها، و " أغنية لمى " عنها وليس لها، و كذلك " أنشودة ريم " و "أنشودة عبير " و قصيدته " لجبهة الفلاح " وصف إنشائي للفلاح ما يهمّ الصغير، ومنظومة " الجميع " على أهميتها أغنية للمزارعين، و"العصافيرالثائرة " خطبةٌ للشاعر في جمهورٍ للصغار يدعوهم فيها للثورة، وتحدّي المستحيل، وبقية القصائد، قليلٌ منها ما هو" مثير للطفل " والكثير غير مرتبط بوجدانه. بل بوجدان " سليمان العيسى " الذي يتمزّق غيظاً لما آل إليه مصير أمته، ويريد أن يحمّل الصغار همومه الكبار. ألم يقل " سليمان العيسى " نفسه في مقدمة كتابه " غنّوا يا أطفال " إنني أريد أن أنقل إليكم تجربتي القومية. تجربتي الإنسانية. تجربتي الفنية. أنقل إليكم همومي وأحلامي؟!. "..

وإذا كنا نعارض رأي الناقد في تجربة " سليمان العيسى " الذي يزعم فيها أنه لم يتمكّن من الوصول إلى الأطفال لأنه لم يتحدّث بلسانهم. ولم يحلّق بأجنحتهم، فإننا نوافقه في مآخذه على كثرة المجازات والكنايات والرموز الصعبة، والصور الغريبة، والألفاظ غير المألوفة للطفل، والتحوّل عن الشائع إلى اللفظ المعجمي، الذي يرد في شعره – على حدّ تعبير الناقد – كثيرٌ من التراكيب المفعمة بالصور والمعاني المجرّدة، من مثل : وطني يتسلّق أسوار الزمن – ولنا تاريخٌ أزلي – والرؤى الشاردة – النخلة البتول – اسمي أخضر كالآمال – سرّ الإله بمقلتيه – وتتوشّح عنده القصائد بالتعابير المستعملة فيها الألفاظ معانيها المجازية، من مثل : يضحك في يده المنشار – وعصفور طلال شلال جمال – ورباب قبلة النور المذاب – لأن على الشاعر – في رأي الناقد – أن يقتصد في المجاز، وألاّ يكثر في استعماله، كعبارة : مرح الحقب الساجي، ومفردات من أمثال – نشوى - أنضو – أغدقنا. مرنّح. أرجاء، بمعنى أنحاء، اطفري، بمعنى اقفزي – انداحي بمعنى اتسعي ، صادٍ، بمعنى عطشان، وغير ذلك مما يسبب للأطفال إعاقةً تلقائية في تقبّل الأفكار والقيم والمفاهيم، ويمنع اندماجهم في الشعر بحرارة .

وإذا كان هذا النقد صحيحاً – ونحن نتذوّق جمال شعر "سليمان العيسى" بالنسبة لما قرأنا من شعرٍ للأطفال العرب – وإذا كان" سليمان العيسى "لم يستطع الاقتراب من الأطفال بحميميه، ويعانقهم عناقاً صوفياً. فمَن من الشعراء العرب استطاع أن يحقّق هذه المعادلة الصعبة. وكيف يمكن لنا أن نحقّقها، ونحن نذكر أن هذا اللون فنٌ بكرٌ مستحدَثٌ. تنكّرت له اللغة والتراث على امتدادالتاريخ ؟ وأننا استفدنا من تجارب الأمم الأخرى ؟.

الإثارة – نظـرة مقارنـة :

لقد وردت في نقد " أحمد أبو سعد " السابق عبارة " قصائد مثيرة للطفل " وهذه العبارة تدعونا للتفكير جدياً في موضوع " شعر الإثارة " للأطفال، وما يمكن أن يُقدم إليهم من قصائد يمكن للشاعر الكبير أن يعانق فيها الطفل الصغير، بحميميةٍ وحرارة، ويصل إلى وجدانه ومشاعره... فكيف تكون الإثارة؟ وكيف تتشكّل قصيدة الأطفال المعاصرة ؟.

هذه الأسئلة وسواها تعيدنا إلى ماهية الشعر والحداثة والأسلوب والصور، وسوى ذلك مما يتعرّض لـه الشعر بصورةٍ عامة من نقدٍ، في محاولات فنيةٍ لتطويره، والابتعاد به عن التقليد والرتابة. بغية الوصول إلى قصيدةٍ تلائم العصر، وتأخذ بتلابيب المتلّقي لتضعه في عوالمها الرحبة.

و لدى الحديث عن التطوير والدخول عبر العوالم الرحبة للقصيدة .لابدّ من أن نذكر أنه ظهرت في سورية قصيدة النثر – للراشدين - و تألّقت على يد " محمد الماغوط " لتحتلّ حيّزاً مرموقاً على الساحة الثقافية، آخذةً من " الشعر " كفاءتها في تشغيل بقية درجات السلم تعويضاً لتعطيل الدرجة الإيقاعية، مما يجعلها تتميّز بجنوحها نحو منطقة التحرّر الدلالي من أنماط التعبير المألوفة.

إن القصيدة النثرية على الرغم من تعارض الآراء فيها، وكثرة ما يدور من جدل حولها، فأنها لم تصبح حتى الآن في الشعر العربي المعاصر نوعاً أدبياً مستقلاً. استقرّت أعرافه و تقاليده بالرغم من سوابقه العريقة، غير المقصودة في الشعرية الحديثة، خاصة عند جبران و الرافعي و الريحاني، ثم عند جماعة مجلة " شعر " البيروتية، ومن ثم عند الشباب المندفعين بالنـزوع الثوري، فاعتبرت في أحسن الأحوال تنويعاً بارزاً في الحداثة الشعرية.

الذي دعانا إلى تذكّر قصيدة النثر، هو موضوع الإثارة الشعرية، هذه الإثارة، لم يعرفها الشعر العربي الحديث إلاّ لدى القلّة من أمثال السيّاب وأمل دنقل وعبد الصبور وأمثالهم، وما يهمنا في أدب الأطفال هو الوصول إلى قصيدة حديثة مثيرة تمتلك جميع أدوات الوصول إلى الصغار.

لقد سلّمنا منذ البداية بحداثة هذا الفن، و أن معظم ما نجد منه يدخل نطاق " التجربة الشخصية " حيث نجد كثيراً من هؤلاء الشعراء يلقون بشعرهم على عواهنه، حتى صار لدينا تراكم من الدواوين. التي أصابها البوار، و عدم الرواج لأسباب منها التجريب، و عدم النقد الجاد، و سهولة الطباعة، ومحاولة صعود سلّم الشهرة، ووقوع شـعر الأطفـال بين هاويتي الغايات الشخصية، والرقابة الرسمية... " و تحت ستار الالتزام يتحوّل أدب الأطفال إلى دعاية – شخصية - تغرق فيها الكتب المدرسية و وسائل الإعلام، و لو جمعت هذه الرقابة إلى مهامها، وراقبت السوية الفنية للإنتاج، لأحسنت أيما إحسان " (7)

والشاعر الذي يحدوه الأمل في تقديم قصيدة ناجحة للأطفال، يعلـم جيـداً أن " الشعارات " و" النيّة الحسنة " لا يصنعان شعراً ولا أدبـاً يثبت للحيـاة، لذلك فإن الوصـول إلى القصيدة المدهشة – المثيرة – لا يكون إلاّ عبر الموهبة والخبرة والتجربة التي وصل بها الماغوط وأمثاله، وبمعرفـة الأطفـال معرفةً واعية، وتجاوز التقليد والمحاكاة والدخول في بوابة العصر. ولولا الدخول في بوابة العصر لما عـرف النقـّاد و القرّاء " محمد الماغوط " و لما تناقلت قصائدَه الأقلامُ و الصحف في مشرق الوطن العربي و مغربه. أليست معاصرةً تلك الأبياتُ النثريةُ البسيطةُ التي يقول فيها :

  في عصر الذرة و العقول الإلكترونية

  في زمن العطر و الغناء و الأضواء الخافتة

  كنت أحدّثها عن حداء البدو

  و السفر في الصحراء (7)

  على ظهور الجمال

  ونهداها يصغيان إليّ

  كما يصغي الأطفال لحديث ممتع حول الموقد

إن هذه البساطة والعفوية، وتلك المعاصرة، تأخذ بيدنا إلى التطلّع نحو آفاق جديدة لقصيدة الطفل تتجاوز التقليد في الأسلوب والتناول، وتستشفّ الإبداع في التوجّه، وتدغدغ الأحاسيس والمشاعر بحميميةٍ وحرارةٍ ليس منها تلك الرتابة التقليدية التي نقرأها في كثير من شعر الأطفال.

إن من المستساغ المقبول للطفل أن يقرأ – مثلاً – كلمات " سليمان العيسى " في " الأم " :

ماما مامــا      يا أنغامـا

تملأ قلــبي      بشذا الحب

أنت نشيدي        عيدُك عيدي

بسمـة أمي       سرّ وجودي

ومثلها في الاستساغة والقبول قول " بيان صفدي " في قصيدة " أمي "(8):

من أعطاني         نهر حنان

من ربـاني        للأوطـان

أمي أمي

كفّك عندي                 طيرُ سلامِ

ينثر حبـاً في أيامي

أمي أمي

في سنوات                 العمر الحلوة

تبقى أمي          أحـلى عنوة

أمي أمي

لك يا أمي         كل الحـب

تسكـن             قلب القلب

أمي أمي

ومثلها قصيدة " ماما " في ديوان " المجد للطفولة " (9)

ماما عطرُالروض المزهر

ماما غصن  العمـر المثمر

في الليل الهادي ترعــاني

وتبدّد مـوحشَ أحــزاني

ولكن هل من المستساغ كثيراً أن يقبل الطفل أبيات " نصرة سعيد " :

أنت يا أمي الحبيبـة

من يواسيني  عليـلا

ساهراً طـول الليالي

من أراه بي كفيـلاً

ومثله قول " عبد الكريم الحيدري " :

أمـي التي أدّبتني

وهي التي هذّبتني

وإن تعلّمتُ شيئاً

فهي التي علّمتني

تلفّ الرتابة والنظم هذه الأبيات، التي لا تحوي من الشعر سوى الوزن والقافية، أما المضمون فلا يحتاج إلى تعليق، ولكن يجب أن نعترف لكل من "الحيدري، وسعيد " بفضل الريادة في الكتابة للأطفال، وإصدار دواوين مستقلّة عن شعر الكبار في وقتٍ مبكر.

إن هذه الأشعار في " الأم " تنمّ عن اعتراف بالفضل لمن كان سبباً في وجودنا، وأياديه الكريمة في تنشئتنا. ولكن أليس من مهمة الشاعر في الحياة أن ينطلق بالخيال إلى مدى أوسع من الاعتراف بالفضل من خلال النظم الرتوب؟، فإذا قارنّا ذلك مع ترنيمة الشاعر العراقي " فاروق سلّوم " الموسيقية لوجدنا البونَ شاسعاً في التوجّه والتناول والانطلاق والصور والشاعرية :

دو ري مــــي

ارسم وجهك يا أمي

أرسم قمـراً أحلى

أو بستاناً أو حقـلا

إنّ تجاوز الشاعر للتقليدي، والقفز بخيال الأطفال إلى الصور المعبّـرة الموحية يجعل القصيدة قطعةً نابضةً من الوجدان، وهل هناك أحلى صوراً من رسم القمر المضيء، والبستان المتفتّح، والحقل اليانع تشبيهاً لوجه الأم ؟ ثم هل هناك حاجة بعد ذلك للقول إن الأم هي التي ربتنا ورعتنا وسهرت الليالي الطوال على راحتنا ؟!...

هذه الصورة المشرقـة للأم على الرغم من تجاوزها للتقليدي والمألوف تقترب كثيراً من، الروح الإنسانية التي نقرأها في قصيدةٍ تتوجّه إلى " الأم " للشاعرة الفرنسية " آني فاللوثون ". (10)

           في منـزل ماما

  كرسيٌّ صغيرٌ. صغيرٌ جدّاً

           في حديقة ماما

   نبتةٌ صغيرةٌ. صغيرةٌ جدّاً

           في قلب ماما

           مكانٌ كبيرٌ. كبيرٌ جدّاً

           وهذا كلـه

           لي أنــا

وكما رسم "فاروق سلوم " صورة الأم في القمر والبستان والحقل تعبيراً عما يكنّه من الحبّ، فإن نصاً فرنسياً من مجموعة " غنِّ يا صغيري " يعبّـر عن مكنون الحبّ أيضاً، ولكن بأسلوب يذكّرنا بقصيدة النثر التي وقفنا عند مقطع منها لـ " محمد الماغوط " :

وجدت ثلاث صدفاتٍ بيض

لكن الأجمـل والأحبَّ أليّ

هي لأمي

 

وعندي كذلك شرائط حلوة

لكنّ الأجمل و الأغلى عندي

هي لأمي

وإذا كانت هذه النصوص المترجمة قد كتبها آباءٌ شعراء تقمصوا الطفولة الواعية، فإن نصوصاً جميلة قريبة من هذا التناول كتبها أطفال صغارٌ (من ألبان إقليم كوسوفا اليوغسلافي) إلى أمهاتهم، كقول الطفل " فهيم سيف الدين" 11 - سنة من بريشتينا - : في قصيدة إلى أمه : (11)

           صغير أنا

           لكن حبي لك أكبر

           ومشاعري دافقة... .

وتقول الطفلة "هداية المازي" - 9 سنوات من بيا - :

  أول كلمة ردّدتهُا أمي

  أول أغنيةٍ أطلقتُها

  ماما. ماما

  سمعتها من شفتيك

 . . .

  أول لعبةٍ أمسكت بها

  كانت من يديك

           وأول زيارة لمدرستي

           كانت معك

إن النظرة المقارنة تضع يدنا على مدى التطور الذي بلغته القصيدة الطفلية في الغرب، وإذا كنا نلتمس لشعرائنا العذر في تقصيرهم عن بلوغ التألّق في شعر الأطفال، نظراً لحداثته، فإن استلهام الروائع الأجنبية، وإبداع صور طفليـة في ديباجة عربية أصلية. تستمدّ موضوعاتها من التراث والقيم، يمكن أن يساعد على إيجاد شعرٍ ناجح ومؤثّر.

لم تعد النظرة التقليدية إلى الطفولة والمدرسة والكتاب تناسب متطلبات العصر، وقولُ " سليمان العيسى " في المدرسة والأطفال :

على طريق معهدي                أمشي أنا يمشي غـدي

يمشي معي المستقبل      وفي يميني المشعــل

لا يرقى إلى قول " شوقي " الذي سبقه بنصف قرن :

ألاّ حبذا صحبةُ المكتب     وأحبّبْ بأيامـه أحببِ

ويا حبذا صبية يمرحون   عنان الحياة عليهم صبي

ولعل قصيدة " بيان صفدي " مدرستي حديقتي " تكون أكثر معاصرةً: (12)

مـدرستي حـديقتي

وبابهــا الكتـاب

أقرأ فيهـا قصصـاً

وأدرس الحســاب

في كل صبح ٍ نذهب

و مع الـرفاق نلعب

ندرس في صفــوفنا

و في المســاء نكتب

وإذا قارنا هذه النصوص و عشرات غيرها مما قيل في المدرسة – تحديداً– بقصيدة تحمل العنوان نفسه من الشعر الفرنسي لوجدنا الفارق واضحاً :

يقول (جيرمان دي بارك) : (13)

 أنا تلميذ صغير

 أغدو بقلبٍ طروب

 وفي حقيبتي الجميلة

 تعالوا انظروا :

 ثمة ريشة، وثلاثة أقلام رصاص

 أيها الوقت أسرع

 و ليعش طريق المدرسة

وبكلمة موجزة، لقد كان شعر الأطفال في سورية - وبصورة خاصة في البدايات - مجرّد تجارب شخصية، قوامها الاجتهاد الشخصي، و النوايا الحسنة، وخبرة أصحابه في كتابة الشعر للكبار، بعيداً عن تقويمات النقاد، ودراساتهم الجادّة، التي نعمت بها القصة، وحرم منها الشعر .

 

الإشارات :

1 - د. هادي نعمان الهيتي .ثقافة الأطفال.ص 157 عالم المعرفة.الكويت 1988

2 - سمر روحي الفيصل. مشكلات قصص الأطفال في سورية. ص 98 اتحاد الكتاب العرب. دمشق 1981 وقد درس مشكلة الفن في قصص الأطفال بصورة وافية .

3 – محنة الأطفال العرب. د. علي الحديدي. كتاب مجلة العربي

4 – مجموعة الأرنب المخملي. قصة : مكان هادئ. ص 7. ترجمة رباب هاشم. وزارة الثقافة. دمشق . 1978.

5 – تطور فن الكتابة للأطفال في البلاد العربية ومشكلاتها. أحمد أبو سعد. بحث قُدِّم باسـم اتحاد الكتاب اللبنانيين إلى المؤتمر العام الثاني عشر للأدباء والكتاب العرب. المنعقد بدمشق عام 1979 .

6 – كانت لنا نظرة مغايرة لنظرة الناقد (أبو سعد) أثبتناها في كتابنا : شعر الأطفـــال في  سورية. منشورات اتحاد الكتاب العرب. دمشق عام 1996.

7 – الإثارة في شعر الأطفال. مقارنة بين الأدبين العربي والفرنسي. فاطمة شنون. المجلـــة العربية. ص 58. العدد 143 تموز 1989. وقد استفدنا من الشواهد المترجمـة .

8 – ديوان : تحيا الشجرة. ص 49 منشورات اتحاد الكتاب العرب. دمشق 1997 م.

9 - محمّد قـرانيا .ديوان : المجد للطفولة. ص 49 المطبعة العربية بحلب 1980 م .

10 – نقلاً عن : الإثارة في شعر الأطفال.

11 – قصائد إلى أطفال كوسوفا. ترجمة عبد اللطيف أرناؤوط. مجلة الموقف الأدبي. ص 93 العدد 95 آذار 1979

12 – ديوان : تحيا الشجرة. ص 37

13 – نقلاً عن : الإثارة في شعر الأطفال

 

 

الفصل الثاني: شعر الأطفال وشعر الراشدين

 

إن الكتابـة للأطفـال – عموماً - عملٌ محفوفٌ بالصعاب، ولعل الشعر أكثرها  صعوبةً، نظراً لما يتطلّبه من رؤيةٍ وخبرةٍ، ومراعاةٍ للاعتبارات التربوية والفنية، وتمرّسٍ نوعيٍ بالتعامل مع الأطفال أسلوباً وسلوكاً وفكراً... وتتّضحُ الصعوبةُ في هذا الجنس الأدبي، في كون الشعر فناً غيرَ مطلقٍ كالقصة التي دخلت ميادين التجريب الواسعة، وتتجلّى هذه الخصوصية في نوعية الجمهور الذي سيتلقى الشعر، فجمهور الأطفال يتفاوت في المكتسبات الثقافية من منطقة أو بيئة، إلى أخرى، ومن مرحلةٍ عمرية إلى مرحلة ثانية، كما يتفاوت جمهور أدب الأطفال في الاعتبارات السيكولوجية والقدرات اللغوية. فضلاً عن المستويات الاجتماعية والثقافية، وفي جمع الأحوال، فإن الأطفال في حيّ راقٍ في العاصمة - مثلاً - لا يمكن أن تكون مستوياتهم بمثل مسويات أبناء قرية ضاربة في أعماق الريف، لم تصل إليها المواصلات والكهرباء والمـاء والهاتف، وليس لديهم نوادٍ ومسارح ترتقي بالذوق وتسمو بالخيال، وهنا تبدو الصعوبة من جديدٍ في الشعر، ومهما حاول الشاعر أن يكون حريصاً على التقريب بين هذه الفروقات الفردية والاجتماعية  والثقافية، ومهما حاول مراعاة الشمول وتعميم النظرة الواسعة، فإنه يظلّ في كثيرٍ من الأحيان مقصّراً عن الوصول إلى جمهوره وصولاً كاملاً. لذلك يمكن القول، إن الشاعر عندما يكتب للأطفال فإنه يدخل (متاهةً جميلةً) قد تتقلّب فيها الفصول الأربعة كل يوم، ولهذا فإن جميع المربين والقادة والعظماء، طالبوا بالبحث عن الطفولة، واحترام إنسانيتها، ودغدغةِ مشاعرها، وتنمية مواهبها وقدراتها، وتأمين السلامة والأمان لها، وخصّوها بعامٍ دوليٍ، وبيومِ عيدٍ سنويّ، ورأى النقاد أن تتصف كتاباتها بتقنيةٍ عاليةٍ، والشعرُ أرقاها تقنيةً، لأسبابٍ تتعلّق بطبيعة الجنس الأدبي.

 

وقد تتجلّى الصعوبةُ أيضاً في عدم تحقيق نجاحٍ كبيرٍ حتى الآن، في صياغة قصيدةٍ طفليةٍ متميّزةٍ، تتقمّص شخصية الطفل، وتتحدّث بلسانه، وتعبـّر عن مشاعره ورغباته وتطلعاته، على الرغم من ظهور شعراء، حاولوا مخلصين إيجاد مثل هذه القصيدة التي تنقل الطفل إلى جواء الحبّ والأمل والمعرفة، وتتضمّن قيم الحق والخير والجمال .

وإذا كانت الكتابة الإبداعية عملاً انقلابياً – كما يحلو لبعضهم أن ينعتها – فإن الكتابة العامة للأطفال تتطلّب من مبدعيها الأناة، والتفكير العميق، ولعلّ الشعرَ أشدُّ حساسيةً في تمازج تلك العلاقة الإنسانية التي تجمع بين الشاعر والطفل، وتخلقُ منهما حالةً جديدةً من الحضور و التفاعل، تختلف اختلافاً بيّناً عن تلك العلاقة التي تربط بين الشاعر والمتلقّي من الراشدين خارج نطاق أدب الأطفال.

 

قبل دخول غمار هذا التباين والاختلاف - وكل ما ورد في الفقرات السابقة يؤكّد على خصوصية شعر الأطفال، فهو تباينٌ واختلاف عن شعر الراشدين - أقول قبل الدخول بين عمومية شعر الكبار، وخصوصية شعر الصغار، لا بدّ من أن نذكر أن شعر الأطفال لونٌ وليدٌ، و فنٌّ مستحدَثٌ في أدبنا العربي، إذ يكاد لا يكون معروفاً قبل" أحمد شوقي" في مصر، والشام والعراق وبعض الأقطار العربية، بينما نجد الشعر العربي ضارباً في القِدم، راسماً بصماته على الحياة العربية منذ الجاهلية، فقيل: " الشعر ديوان العرب " وقيل: " لن تدعَ العربُ الشعرَ حتى تدعَ الإبلُ الحنين "

إن بدايات هذا الفن في سورية تشير إلى أنه نشأ في أحضان التربية والتعليم، وأن معظم الذين كتبوا للأطفال كانوا من المعلمين والمربين، لذلك كانت كتابتهم تربويةً تعليميةً. تدعم المنهاج المدرسي، وتحضّ على الأخلاق، والعلم وحبّ الوالدين، وسوى ذلك من الأهداف العامة للتعليم التي كانت تسود في فترة الثلاثينيات والأربعينيات، من القرن الماضي .عرفناها في أشعار مصطفى الصواف، وجميل سلطان وأنور سلطان و عبد الكريم الحيدري ونصرة سعيد، و معاصريهم (1) ثم كانت نقلة شعر الأطفال المتميّزة و المتطوّرة في الستينيات على يد الشاعر الفلسطيني " عبد الكريم الكرمي " (أبو سلمى) في دمشق، و "سليمان العيسى" الذي يمكن أن نعدّه الأبَ الشرعيَ لشعر الأطفال الحقيقي، و الرائد الأول لهذا الفن ليس في سورية فحسب، وإنما على امتداد الوطن العربي.

 

من أسباب التوجّـــه للأطفـال:

1 - إن من بين الأمور التي ألحـّت على الشـعراء للتوجّـه إلى الطفـولة، وجعلت بعضهم يهجر – مؤقتاً – الكتابة للكبار، ويلتفت إلى الصغار، فقدانُ الأمل في الكبار. نتيجةً للمصائب التي اجتاحت الأمة العربية، فرأى الشاعر لزاماً عليه، أن يتحوّل إلى هذا الجمهور البكر البريء، الذي يمكن أن يزرع فيه بذور الخير و العدل والحب والجمال، ويهيئُه إلى مستقبل مجهول، بتنا– نحن الكبار – نتوجّس منه خيفةً، بسبب ما آل إليه حال الأمة العربية خلال القرن العشرين .

ونتيجة لهذا التوجّه، فإننا نلاحظ أن الشعراء الذين كتبوا للأطفال فارتقوا بشعرهم ومشاعرهم، - إضافة إلى أنهم كانوا من المعلمين - هم ممن تمرّس بالكتابة للكبار، ولم يُعهد أن ظهر على الساحة الشعرية، شاعر انقطع كلّياً للأطفال .

2 - كان لظهور الصحافة المتخصّصة للأطفال - بعد أن كانت محصورةً في الكبار - أثرٌ إيجابيّ في جذب عددٍ من شعراء الأطفال إليها، وقد لعبت مجلة أسامة منذ صدورها عام 1969، دوراً بارزاً في هذا المضمار.

3 - كان لتخصيص عامٍ دولي للطفل عام 1979، أثرٌ بالغ في لفت الأنظار إلى الطفولة، ودافعٌ لعددٍ من الشعراء للتوجّه إليها، فطُبعت مجموعاتٌ شعريةٌ لم تكن تظهر لولا ذلك. لكن من الملاحظ إن عدداً غير قليل من الشعراء، ممن كتبوا للأطفال، وتأثّروا بالدافعَين السابقَين، لم يتابعوا هذا التوجّه، فلاذَ بعضهم بالصمت، وعاد آخرون إلى الراشدين، تاركين الأطفال، يشكون من قلّة العطاء، ولم يبق أمامهم سوى الإقبال على قصائد الكتاب المدرسي، وما يصل إلى أيديهم، بين آونة وأخرى، من دواوين لا يتجاوز عددُها في العام الواحد أصابع اليدين .

 

بعض  نقـاط  الالتقـاء :

لا ينكرُ أحدٌ أن موروثَ الأمة من الشعر كان كبيراً، وقد اتخذ صفة القداسة في النفوس، فتوافر عليه المفكرون والنقّاد في مراكز البحث والجامعات، وأشبعَهُ طلاب الدراسات العليا بحثاً ودراسةً وتحليلاً، وأكّد المفكرون على ضرورته للإنسان العربي، حتى غدا في نظرهم بمثابة الخبز والماء، ورأوا أن في داخل كلّ منّا شاعراً، تمور في حناياه الانفعالات والعواطف، التي تزدحم ما بين الضلوع والشفاه. فنحن حين نقف أمام سهلٍ أو جبلٍ أو بحرٍ، أو أمام طفلٍ وطفلةٍ ترسمُ البراءة على وجهيهما هالاتِ الصفاءِ والنقاءِ، أو أمام منظرٍ رائعٍ، أو أيّ مظهرٍ بريء من مظاهر الوجود، فإننا نتأثّر وننفعل، كما ننفعل ونتأثّر عندما نرى غزل عصفورين على غصن ونسمع تغريدهما، أو نشاهد تمايل قميصٍ زئبقةٍ أبيضَ، أو شالِ بنفسجةٍ مبلّل بالندى. ومَنْ منا يعيش بغير أحلام ملوّنةٍ يصوغ لها من اللغة والحرف أرديةً قشيبةً، لينشئ منها عوالم أخرى تُنسيه متاعب الأيام ؟.

وكما نتأثّر – نحن الكبار - بالوردة والعصفور والجمال يتأثّر الطفل.

والشاعر عندما يكتب، فإنه لا يكتب لذاته، وإنما يتطلّع إلى جمهوره من خلال نفسه، فلا قيمة للقصيدة في الديوان، ولا للبيت في القصيدة، إذا لم تكن لهما تلك المشاركة الوجدانية.

وقد تتعلّق الطفولة في حنايا الشاعر، وتفرض نفسها عليه، وتنبثق من خلال قصيدته، شاء ذلك أم لم يشأ، ولا أدلّ على ذلك من قصيدة بدر شاكر السياب " الأسلحة والأطفال " (2) :

عصافيرُ أم صبيــةٌ تمـرحُ

أم الماءُ من صخـرةٍ ينضـح

فيخضلَّ عشبٌ وتَنْدى زهورْ

زهــــورٌ زهـــورٌ

وقُـبّرةٌ تصـدحُ. . . . 

 ومثل " السياب " الذي لم يكتب قصيدته للأطفال، و إنما عن الأطفال، من منظور طفلٍ كبيرٍ. يهتف" نزار قباني " :

  يا أيها الأطفال

  من المحيط إلى الخليج. أنتم سنابل الآمال

  وأنتم الجيل الذي سيكسر الأغلال

  و يقتل الأفيون في رؤوسنا

  و يقتل الخيال

  يا أيها الأطفال أنتم بعدُ طيّبون طاهرون

  لا تقرأوا عن جيلنا المهزوم يا أطفال

  فنحن خائبون. (3 )

إن الطفل من خلال هذه الرؤية هو (الإنسان العربي) مختصراً، بما تحمله هذه العبارة من دلالةٍ واقعيةٍ وحضاريةٍ. لقد استطاعت التجارب الشعرية الجديدة أن توسّع من دائرة الوعي، لذلك ليس غريباً أن يتقمّص الشاعر مراحل الطفولة، وهو يدلف إلى الشيخوخة، أو أن يتذكّر الطفولة، وهـو في أشدّ حالات المعاناة أو الحب عاطفةً .

كانت تلك حالة من حالات الالتقاء لدى الشاعر، بين سنيّ الطفولة و سنيّ الرشد، وقد قال " نيرودا " : " إذا فَقَدَ الشاعرُ الطفلَ الذي يعيش بداخله، فإنه سيفقد شعره " وعن مثل ذلك صَدَرَ الشعراءُ.

يقول " صالح هواري " (4) بعد إصداره عدّة ديوانين للكبار، متحدّثاً عن تجربته الشعرية للأطفال: " وبعد فترة كمونٍ رصـدتُ خلالها حركةَ شعر الأطفال التي كان رائدها في القطر العربي السوري الشاعر " سليمان العيسى " وجدتُ قلمي ينسابُ انسياباً عفوياً، ويتعانق عناقاً صوفياً مع أحلام الأطفال الخضراء في معبد البراءة المقدّس، وكان أن وُلدتْ أولُ قصيدةٍ غنائيةٍ هي قصيدة " أمي "... " والطريف في الموضوع أن القصيدة لا تصلح للأطفال، ولكنها للكبار أصلح وفيها :

أمي الحبيبـــة لحن أغنيتـي   ذابت معانيها على شفـتي

البيت أشــرق من مهابتهــا   في وجههـا نور الملائكـة

كم أحرقتْ شمعاً وكـم نـذرتْ    لله في محراب عــافيتـي

عمـري بخورٌ جئـت أحرقـه    نـوراً على قدمـيكِ والـدتي

وهذه القصيدة التي لا تحمل من الطفولة سوى النيةِ الحسنة، تعزّز النظرة التي ترى التقاء بعض جوانب شعر الأطفال مع شعر الراشدين. (5 )

 

بعض نقاط الاختلاف :

1 – اختلاف في التوجّــه :

إن شعر الأطفال لم يكن لـه منهجٌ واضحٌ يسير وفق معطيات محدّدة، إذ سمحَ الشعراء لأنفسهم أن تتخذ قصائدهم المسار العفوي، وتتلوّن بألوان ذواتهم الشخصية، وتعبّر عن تطلّعاتهم العامة والخاصة إلى الكون والحياة والإنسان من خلال الطفولة، ولهذا كان من أهمّ الفوارق التي تميّز شعر الأطفال من شعر الراشدين، هو أن التجربة الشعرية للكبار ،لم يكن يعنيها في يوم في يوم من الأيام المستوى العقلي للجمهور، على الرغم من وجود شعرٍ يحكي عن العمـال والفلاحين والثوّار والفقراء، لأنها في الأصل تتوجّه إلى جمهورٍ عامٍ، يختار ما يقرأ. بينما نجد التجربة الشعرية للأطفال تحاول أن تراعي هذه الشريحة ذات المدارك المحدودة، والمكتسبات البسيطة، فلا تملك – على الرغم من العفوية التي يتسم بها الشعر الطفلي - إلاّ أن تضع في خلدها مستويات الذكاء المختلفة، تبعاً لمراحل النمو الشخصية للطفل. حسب معطيات علم تربية نفس الطفل، والتي جُعلت في خمس مراحـل تبدأ من سنّ الخامسة، وتنتهي ما بعد سنّ الثانية عشرة، وقد خُصّت كلُّ مرحلةٍ منها بخصائص فكرية ومزاجية وسلوكية .

 

2 – تباين في الموضوع واللفظ :

لا شك في أن موضوعات الأطفال تختلف عن موضوعات الكبار. إلاّ أن هذا الاختلاف يبدو على أشدّه، عندما نقف أمام مسرح الطفل الشعري والأناشيد والأغاني، ومع أنه لا يمكن حصر الموضوعات إلاّ من خلال منظومة القيم(6 )، فإن طبيعة جمهور الأطفال في مراحلها الخمس تتطلّب حساسيةً خاصةً، وبراعةً في استلهام التراث وشخصياته التاريخية، ومن ثم التوجّه إلى العصر وما يطرحه من موضوعاتٍ على الساحة الثقافية .كحبّ الوطن والتشبّث بالأرض، وجمال الطبيعة والحفاظ على البيئة، وحبّ الوالدين، وصلة الرحم، واحترام المعلمين وكبار السن، والحفاظ على الممتلكات العامة، والرفق بالحيوان، والحرص على الأخلاق، والدين، وكل ما من شأنه أن يدغدغ أحاسيس الأطفال، ويزرع بذور الخير والعدل في نفوسهم.

 

إن هذه الموضوعاتِ ضرورية للأطفال، ولا يمكن للشاعر أن يقدّمها للراشدين، وثمة موضوعات أخرى لا يمكن تقديمها إلاّ للأطفـال. مما يندرج تحت سلّم القيم الترويحيـة، في اللعب و التسلية و المرح، وكذلك الموضـوعـات التي تتحـدّث عن الخوارق و الساحــرات، و موضوعات الخيال العلمي - وإن كانت القصة تحتضنها بحميميةٍ أشدّ - كما تبرز في الطرف المقابل موضوعاتٌ لا يمكن تقديمها للأطفال - كالموضوعات العاطفية- حتى لأطفال المرحلتين الأخيرتين اللتين تمسّان سنّ المراهقة، حيث تُسفح الأشواق، التي تفيض باللوعة و الجوى، لأنها حسب رأي علماء النفس والتربية، وبعض علماء الاجتماع، تدخل حَرَمَ الممنوعات. التي تثير المشاعر العاطفية، لذلك وُجِد (أدب الناشئة) الذي ينأى عن المثيرات العاطفية، ويتّجه بالأطفال نحـو المغامـرات، وبعثِ شخصيات الأمـة التاريخية، ويضعهم وجهاً لوجـه مع العلم والحضارة والمستقبل.

إن الموضوعات العاطفية تسود فيها ألفاظٌ معينةٌ، وقد يكون بعض هذه الألفاظ داخلاً في معجم الطفل، لكن قائمة الممنوعات تتدخّل لتضع حدّاً فاصلاً بين دلالات اللفظ في نصّ الطفل، و نصّ الراشد، فكلمة (القبلة) - مثلاً - لها مدلولها الواسعٌ في النفس الإنسانية، فهي لدى الكبير مثيرة للعاطفة الجنسية، بينما هي لدى الصغير تعني الاحترام والاعتراف بالجميل، ولنأخذ على ذلك بعض الأمثلة :

يقول " المنخّل اليشكري " في قصيدة (فتاة الخدر) وهي سهلة الألفاظ قريبة المتناول :

فدفعْتها فتدافعت          مشيَ القطاة إلى الغدير

ولثمتُها فتنفّست          كتنفّس الظبي الغريـر

 إن لفظ (لثمتها) في سياق النصّ يثير العاطفة، و يحرّك الأحاسيس، و هو لفظٌ مثيرٌ، فيما إذا وَرَدَ مجرّداً من القرينة، أو أنه ورد في سياق التعامل الفطـري، كقـول " أحمـد شـوقي " في " زحلة " (و لثمتُ كالصبح المنوّر فاك) إذ يقع اللثم على شيءٍ محسوسٍ بالعين، مأخوذٍ من الطبيعة التي أضفى عليها الشاعرُ صفةَ (الأنسنة ).

أما شاعر الأطفال فله مع اللفظ شأنٌ آخر من حيث التوجّه و المدلولُ، إذٍ يستعمل (القبلة) للحنان الأبوي، و احترام كبار السنّ، و قد يستعملهاُ للتعبير عن الشكر والامتنان .كمـا في بيت " سليمان العيسى " :

( القبلة) الأولى من الصباح                لجبهة الفلاح

و قوله :

أنا عصفورٌ ملءُ الـدار

( قبلة) ماما ضوء نهاري

و قول " ممدوح السكاف " : (7)

( عانقتُ) في صباحك الأطيافَ و الأملْ

في لثغـة الشحـرور في (تورّد القُبلْ )

في (ضحكـة الشفـاه) أو دمعة المقلْ

لقد وردت في كلمةٌ واحـدةُ و عبارتان، تدخـل جميعّها نطاق الإثارة العامة هي (عانقتُ) و (تورّد القُبلْ) و (ضحكة الشفاه) لكنها حين دخلت حَرَمَ الطفولة نأت كلياً عن دلالاتها الإيحائية، ولن نتحرّج من تقديمها للصغير، الذي لن تثير لديه أيَّ أحاسيسَ أو مشاعرَ، تبتعد به عن عالم البراءة والحبّ. إلى جانب عطف الأبوّة وحنانها. في إطارٍ خلقيٍ جمالي استدعته طبيعة النصّ.

وقد جانبَ الحظُّ الشاعرَ " صالح هواري " حين وقع في مجال (الإثارة) التي قد تحرّكُ مشاعر الطفل المراهق، في قصيدة " الفراشة و قرص

الشوك"(8) :

  (ألقت) النحلةُ عليه نفسها

  و شوقُها إليه

  زاد و اشتعلْ 

  و بـعد أن

  (ذابا) معاً

  على (مصابيح القبل) ...

  أمضتْ نهارها معه

  وأقسمت ألاّ تودّعه

  إلاّ على جناحها نهرٌ من عسل

وعندما نقرأ - نحن الكبار - هذا الشعر [ و بعد أن ذابا معاً على مصابيح القبل ] تُستثار مشاعرنا العاطفية أمام حسيّة هذه الصورة، و لو أننا بدّلنا (النحلة) برمز لأنثى، أو أيّ اسم لها في أول المقطع، لكانت الفقرة من الغزل الصريح، ولا علاقة للصغار به.

ومن الغرابة أن نجد في شعر الأطفال مثل هذه الألفاظ والصور التي انتقلت من عالم الكبـار مع (مثيراتها الوجدانية) كقول " محمد منذر لطفي " في قصيدة (أغنية إلى بلادي) :

و زنبقة الحقل راحت تقصّ                حكاية نهدٍ و شـال

ولو أن الشاعر لم يذكر أن القصيدة للأطفال، لما انتبه القارئ لذلك، وَ عَدَّ البيت من أبيات الغزل الرقيقة .

و ليس أقلَّ منه غزلاً صريحاً، قول "عدنان قيطاز" في قصيدة (إلى منى الصغيرة) :

عيونها أمـلْ       وخدّها قُبَـــلْ

وثغرها عسلْ       هل تعرف الغزلْ ؟

ولو لم يذكر الشاعر لفظ (الصغيرة) في العنوان، لما فطنَ أحدٌ إلى أن التي يتوجّه إليها ليست سوى امرأةٍ يحبّها، ولخرجت الأبيات من حيّز الطفولة إلى الغزل الرقيق.

وقد تنطلق في ثنايا القصائد ألفاظٌ تعامَلَ بها الشعراء مع الراشدين في قصائدهم الغزلية، مثل : حبيبتي. صديقتي. منى قلبي. وغيرها من الألفاظ التي تحمل أكثر من دلالةٍ. حسب معطيات فقه اللغة، وما تتمتّع به المفردةُ العربية من طاقاتٍ كبيرةٍ، عجز بعض الشعراء عن توظيفها بصورةٍ تربويةٍ.

وليست الألفاظ العاطفية وحدها تتباين بين الصغار والكبار من حيث الاستخدام، وإنما هناك موضوعاتٌ يمكن أن تدخل ضمن هذه المفارقة الفنية. كموضوع (الوطن) الذي يكاد لا يخلو منه ديوان شعر للأطفال، في حين لم يتضمّن العديدُ من دواوين الكبار هذا الموضوع، وبخاصةٍ الدواوين الوجدانية التي اهتمت بالغزل والعواطف، ليظلّ الوطن يتحرّك في شعر المقاومة والثورات وقصائد الغربة والحنين، وسوى ذلك مما يتعلّق بالعدل والظلم والحرية.

 

وجوهٌ أخرى للتباين:

إن الشعـر بصـورة عامـة، تعبيرٌ فني عن الكون و الحيـاة و الإنسان، يلتزم ببعض المعايير الاصطلاحية التي تخصّ الراشدين و الأطفـال، مع خصوصية جمهور الأطفال التي تقتضي خصوصية جماليات الشعر، ولكن على الرغم من مرور أكثر من ثلث قرن على صدور مجلة أسامة - باعتبارها خطوةً هامّةً على طريق أدب الطفولة - وكان لها مساهمتها الفعّالة في تحريك هذا اللون الأدبي ،وعلى الرغم من صـدور عددٍ من الكتب النقدية التي تناولت أدب الأطفال بصورة عامة، وشعر الأطفال بصورة خاصة، فإنه لم تقم على الساحـة الشعرية فروقات واضحة تنتظمها مقاييس فنية، وضوابط لغوية تختصّ بالأطفال من دون الراشدين، فإذا قلنا إن مقومات الشعر هي اللغة والصورة والموسيقا و الفكرة، فإن هذا ينطبق على الشعر بصورة عامة، وإذا قلنا إن الأسلوب يحب أن يمتاز بالوضوح والسلاسة والرقة والشفافية كان ذلك كلاماً عاماً يشمل اللونين معاً.

 

لقد حاول بعض النقاد إيجاد المقومات الفنية لشعر الأطفال، لأن غياب المقومات يعني غياب صفة الأدب عن العمل المكتوب، والنظر إليه على أنه مادة تقربرية، ولكن المحاولة لم تؤد إلى نتيجة تُذكر.. ولما كان اهتمام التربية منصبّاً في الدرجة الأولى على الجمهور الذي يُكتب له، ونظراً لحداثة الفن، فإن بعض المهتمين أخذ يُخضع المقومات الفنية التي يتعامل بها مع الراشدين لخصائص الطفولة، متذرّعاً بأن القصيدة، سواء أكانت للصغار أم للكبار هي في الأصل مجموعة تعبيرات مشحونة بشحنات انفعالية، ولا يخفى ما في هذه النظرة من التعميم، نظراً لتجاهلها فارق السن بين الراشدين وبين من هم دون سن الرشد، وعدم الأخذ بعين الاعتبار، طبيعة الموضوع الذي يخضع لمجموعة من العوامل التربوية والنفسية، التي تتطلّبها التربية، وتراعي مراحل النمو الخمس .

 

اختلاف في الأسلوب:

والأسلوب ينضوي تحت هذا التصوّر، لأنه طريقة التعبير التي يسلكها الشاعر لتصوّر ما في نفسه، ولأنه لدى الأطفال والراشدين يلتزم بعناصر محدّدة معروفة في النقد الأدبي، هي الكلمات والعبارات والجمل، ومع أن الاختلاف موجودٌ إلاّ أنه لا يرجع إلى تحرّر الصغار أو الكبار من بعض هذه العناصر. حيث يتطلّب كل منهمـا معجمـه وتراكيبه، وقـد تعارف الجميع، نقاداً وكتّاباَ على أن أسلوب الكتابة للأطفال، يتصف بالوضوح والبساطة، والرقة والشفافية والجمال، ومع أن الكتابة للكبار لا تنفي هذه السمات. إلاّ أن مجال تجاوزها أمرٌ وارد، بل واقعٌ تمرّس به الشعـراء. إذ يمكننا أن نلاحظ الأطفال - في بعض الأحيان - يتجـاوزون سنّهم، فيُقبلون على قراءة قصائد الراشدين، لأنها تُرضي جانباً من حاجاتهم، و تؤدّي وظيفةً محدّدةً، مع أن مبدعيها في الأصل لم يخطر ببالهم أنها تصلح للصغـار، وقد سمعنا الأطفال في المهرجانات والمناسبات يترنّمون بأبياتٍ لعنترةَ، و الشريف الرضي، و أبي فراس الحمداني، وسواهم، ولهذا أجاز أحدهم القول إن ثمة ضبابيةً في بعض الأحيان، تغشى النصوص الشعرية، وعلى هذا تبدو الفروق بين شـعر الراشدين وشعر الأطفال واهيةً، ولكن هذا - زعم خاصّ جدّا - لا يجوز تعميمه. وثمة ثلاث إشارات،  لا بدّ من التنويه إليها في الأسلوب الطفلي، وسيأتي الحديث عنها مفصّلاً :

الأولى : ما نلاحظـه من الاحتفـاء بظاهــرة (التكـــرار) في اللفظ الواحد، أو في التركيـب، أو في المقطع. حيث اعتمدت بعض الأناشيد (لازمة) لها، تتكرّر بين مقطع و مقطع آخر ..

الثانية : ظاهرة (التشابه) في أبياتٍ، وجملٍ، وألفاظٍ، لدى الشاعر الواحد، ولدى أكثر من شاعر.

الثالثة : استخدام بعض الألفاظ (المبهمة) التي ليس لها معنى. الغايــــة منها : أن يجري التنغيم على الإيقاع، ويراعى التفعيلة، وكأنه الموسيقا التي تسبـق الغناء وتصاحبه.  مثل( ترلم ترلم) أو : (تك تك) لمحاكاة صوت الساعة. وسنقف على ذلك مفصّلاً .

 

موضوع جديد قديـم:

الشعر التعليمي :

من الموضوعات التي اختصّ بها شعر الأطفال – من دون الكبار – اللونُ التعليمي. فقد عَرَفَ الشعر القديـم بين فنونه لوناً من الشعر التعليمي، وضعه الكبار للصغار بقصْد غرْسِ القيم الخلقية  والمعرفية، وحفْظِ القواعد النحوية والفقهية، نَهَضَ به المربّون والفقهاء والنُحاة، من أمثال " إبان اللاحقي " و

"ابن مالك " صاحب " الألفية " كقوله :

           إني أفيــــدك فـائدة (ما) بعد (إذا) زائدة

وقوله :          

           ولا يجوز الابتدا بالنكرة ما لم تفد كعند زيدٍ نَمِرَةْ

وتنبّه شعراءُ الأطفال إلى هذه الناحية، فاتجه قلّة منهم لخوض غمارها، حين رأوا فيها وسيلة تربوية وتعليمية مجدية، تقدّم المعلومة في حلّة قشيبة، بعيدة عن التلقين المدرسي، والنظم الذي لا روح فـيـه. فالشاعـر " سليمان العيسى " يكتب قصيدة عن طفلة تنظم الشعر، ويجعل عنوانهـا (الطفلة الشاعرة) :

هذه النغمة من بـحر الرمل               فاعلاتن فاعلاتن فاعلات

حين ترويها نضال في خجل               كالعصافير تغني الكلمات

 وعمد الشعراء في بعض القصائد إلى اختتام القصيدة بحكمة تربوية. كقول "بيان صفدي" : في "ديوان الأغاني" : (9 )

  علّمنــا  العرب

  وقديمــاً  كبتوا

  "علـم في الصغر"

  " كنقش في الحجر"

وقول "ممدوح السكاف" في ديوان : "نشيد الصباح" : (10)

  يا ولدي

  لا تقربْ فعلاً

  يجعلك النادم و الخسران

وقول "صالح هواري" في ديوان "هنادي تغني " : (11 )

           كل حين

           إذا شئت أن تربـحا

           فنمْ باكـرًا و استرح

           ولا تبق حتى الضحى

وثمة موضوعات و ألوان أخرى، تعليمية وتربوية، حفل بها شعر الأطفال كموضوع  (الأنسنة) الذي خصصناه ببحث مفصّـل. (12)

إن خصوصية جمهور الأطفال تبتعد بهم عن الراشدين، وكثيرة هي الحقائق العلمية الأولية التي تُعدّ شأنا طفلياً، يقدّمه الشاعر على طبق من فضة، وبحلّة شعرية محبّبة، وكذلك اللقطة الفلسفيـة على الرغم من قلّتها، تلك التي تدعو الطفل إلى التأمّل، و إعمال الفكر، كل ذلك وارد في أدب الأطفال وشعرهم - بصورةٍ ما - لأن التربيـة ترى في الطفل فيلسوفاً صغيراً، يتمتّع بخيـال غير محدود، وقد رأى بعض النقاد ألاّ يغفل الأديب عن هذه الناحية، لئلا يستغلّ تجار الكتب الطفلية الرخيصة عقله، ويحشونه بالخرافات، وخوارق السوبر مان التي تروّجها قنواتُ الدعاية الثقافـية الغربية بدعوى الخيال العلمي، وهي تخفي خلفها غايات وأهدافاً مغرضةً. لا تخرج عن إطارالتبعية الثقافية والغزو الفكري .

 

لقد نوّع شعراء الأطفال في موضوعاتهم التي تنأى عن موضوعات الكبار، وتمكّن كثيرٌ منهم من زرع الابتسامة على الشفاه، والأمل في القلوب، وخاطبوا الطفل بما يتناسب وتطلّعاته التي هي تطلّعات أمته، و جعلوه يحبّ لون الوردة. ويشمّ عطرها، وينعم برفيف الفراشة، و زقزقة العصفور، لأن من أمتع الأشياء لدى الطفل أن يرى نفسه يغني، وتنطلق القصيدة على شفتيه بلغة الأجداد، وصور الجمال، والعيش داخل (المعادلة الشعريـة الجميلـة) التي تنطـوي على قيم  و أهداف نبيلة سامية، تترك آثارها التي لا تنسى في النفس. 

 

التبسيط:

التبسيط لون من الألوان التي اختصّ بها أدب الأطفال، ولكن الشعر لم يعرف هذا (الكمّ) الذي عرفته القصة من تبسيط مؤلفات الكبار المترجمة، كقصة مدينتين، لـ " تشارلز ديكنـز " ومسرحيات " شكسبير" التي بُسّطت بقالبٍ قصصي، و غيرها ،كما أن الشعرَ لم يعرف تبسيطَ المؤلفات العربية التي استفادت القصة منها كقصص ألف ليلة وليلة، وسِيَر الأبطال وعظمـاء العرب والمسلمين، لأن عمليـة التبسيط قـد تستعصي على الشعـر الذي يتطلّـب دقةً وحساسيةً لغويةً وموسيقيةً وصوراً خياليةً، لا تحتاج إليها القصة كثيراً، ومع ذلك، فقد أمكن تجاوز هذه الحساسية بذكاءٍ من دون أن يفقد المضمون كثيراً من قيمته .

 

إن القصة أتت على قصص شهرزاد، وحكايا السندباد، ورابعة العدوية، وسِيَرِ الأبطال، ولكنّ الشعرَ ظلّ خجلاً من الإقدام على خوض غمار هذه العملية، فلم يظهر في أعمالٍ مبسّطةٍ، وإنما في توجّهاتٍ استدعت التراث، واستلهمت سِيَرَ بعض أبطاله، واستحضرت شخصياتٍ من شعرائه، ولعل "سليمان العيسى" كان الرائد الأول في هذا الموضوع، وقد أجاب مرةً : (13)  " الكثير من القصص الشعبية التي يذخر بها تراثنا، وتراث غيرنا من الشعوب، يجب أن يُكتب بأقلامٍ جديدةٍ، ورؤيةٍ جديدة للصغار، ولقد جرّبتُ بنفسي في هذا الميدان، وقمت بخطوةٍ عمليةٍ، فاخترت بعض القصص من تراثنا، وحاولت تقديمها للصغار، برؤيةٍ جديدةٍ. من مثل قصة " علي بابا والأربعين لصاً " وقصة " علاء الدين والمصباح السحري " وقصة " ابن الصحراء " الخ... وسنعرض إلى هذه المسألة بشيء من التفصيل، في بحث " استلهام التراث " .

لقد استدعى " بيان صفدي " جدّنا السندباد " (14) : في قصيدة قصيرة تلخّص شيئاً من  سيرته :

جدّنا السندباد              طاف كل البـلاد

لا يملّ السفـر             لا يخـاف الخطر

جدّنا السندباد

يلعب (التذوّق) دوراً كبيراً في عملية الاختيار والصياغة التي تراعي القيمة الفنية للعمل المبسّط، بغية إمكان تذوّقه من قبل الأطفال، بالقدْرِ نفسه من المتعة والإثارة التي يحفظها الأصل، وهذا يذكّرنا من جديدٍ بمدى الصعوبة التي يلاقيها شاعر الأطفال، وقد بات من المعروف أن أبسط الفنون الأدبية على القارئ هو أصعُبها على الكاتب، لأن السهولة في الكتابة تتطلّب مهاراتٍ وقدراتٍ كبيرة.

ملاحظات عامة :

إن من بين أهمّ خصائص الكتابة للأطفال، معرفة الشاعر جمهورَه الذي يتوجّه إليه، بغية اختيار موضوع قصيدته وألفاظها، وانتقاء تراكيبها وإيقاعها، وقافيتها وصورها، التي تختلف اختلافاً كلياً عن معطيات قصيدة الراشدين.

وبمقارنة بسيطة بين صورة يقدّمها " نزار قباني " – على سبيل المثال – مـع مثيلـة لـها يقدّمها " سليمان العيسى " ندرك مدى التجاوز الذي يجنيه شاعر الأطفال على جمهوره في بعض الأحيان.

يقول " نزار قباني " في قصيدة " خربشات طفولية " : عن النهد :

  طيارة من ورق

  أو زهرة من نار

  ويقول " سليمان العيسى " للطفلة الجزائرية، في قصيدة " نشيد سلمى " من ديوان " ما زالوا الواحة " ص (35) :

  قريباً نلتقي يا طفلتي

  يا زهرة النـــار

فهل يعقل أن نقدّم هذه الصورة الإيحائية الرمزية للأطفال ؟!

إن ما يميّز شاعر الكبار من شاعر الصغار – على الرغم من إمكانية أن يكون الاثنان واحداً – هو الحبّ الأبوي والتربوي الذي يظهر في الشعر الطفلي. لذا كان من البدهي أن يقف الشاعر على رغبات الأطفال وأهوائهم، وأدواتهم الغضّة، وأن يعتقد بأن أبوةً، وتربيةً، تتطلّب منه فنياً أن يتجاوز النظرة التقليدية التي تقلّل من شأن الطفولة، أو تعامل الطفل على أنه (رجل صغير) وهذا يعني ألاّ يحوم الشاعر حول الصغار. بل يتوجّب عليه أن يلج في عالمهم الخاص، ولا يتعامل معهم من خلال قيم الكبار التي تعتمد على الخطابة والذكورة والفحولة، وألاّ يزنهم بميزان مفهوماته. إنما ينظر إليهم من الداخل، فما لم يحقّق ذلك، فسيظلّ في منأى عن هذا العالم الذي لا يزال مفطوراً على البراءة والشفافية.

لقد وقف الشاعر " بيان صفدي "من خلال بحثه المطوّل " شعر الأطفال ونماذج من سورية " على نماذج نأي فيها الشعراء عن عالم الطفولة، واقتربوا من شعر الراشدين، ورأى أنه " كان لإصدار مجلة " أسامة " أثر كبير في لفت الأنظار إلى أدب الطفل، لذا فقد شهدت هذه المجلة مند عام 1969 محاولات لعشرات الشعراء على اختلاف إمكاناتهم، ونستطيع أن نقول إنهم تراوحوا بين شاعر متمكّن من اللغة. . ولكن ما يكتبه ليس له علاقة بشعر الأطفال، وآخر تعاني أدواته من ركاكة وهزال، وشاعر يكتب قصيدة ناجحةً بين كل عشرين قصيدة لـه، أو أكثر. . ولربما كان الدافع التربوي الصرف، أو ملء الفراغ جعل من عدة شعراء يحاولون في هذا اللون، مثل " حامد حسن، حسيب كيالي، وسلامة عبيد " (15) وغيرهم.

.. . يطالعنا " حامد حسن " بقصائد عديدة، ولكنها في الحقيقة لا تنجح في الاقتراب من عالم الطفل ولغته. بل تظلّ [ أقرب ] إلى روح قصيدة " حامد حسن " المكتوبة للكبار. هاهو ينشـد في قصيدة " طفل العربي والوحدة " :

يا أبي إنّا توحّــــــــــدنا وثرنا يا أبي

والتقى في الساح – سـاح المجد – كل العرب. . .

أمتي كانت – ومازالت – مثـــــــار الأمم

أمة السيف. . بلا بغي. . و جنـــد القلم. .

كل هذا المجد في طبعي ويجــــري في دمي. .

.. . لكن الخلّل الواسع لدى الشاعر " حامد حسن " هو الأفكار الحماسية السريعة، وتلك التي لا تتفق مع الحقيقة أيضاً كما في قوله :

ذاهب للدرس لكن ناوليني البندقيـــة

إنني أرفض أن تبقي دروسي جانبيـــه

لم أعد أحيا كما كنت على ذيل القضيـة

ما يفيد الدرس إن ظلّت فلسطين ضحية ؟

ما يفيد الدرس إن أمسيتِ يا أختي سبية ؟

" لا يجوز للشاعر، وهو يكتب للأطفال، أن يوحي بتعارضٍ بين العلم والتعلّم، وبين النضال المسلح، وأن يوحي أيضاً بعدم أهمية العلم إذا كانت الأرض محتلة. "

والمفروض أن المتحدّث طفلٌ، ومع ذلك فهو يتحدّث بطريقة كبيرٍ يريد الذهاب إلى القتال .[ أو كأنه واحدٌ من أولئك الرجال، الذين يتعلّمون في مدارس محو الأمية ] .

إن مثل هذه الكتابة لا علاقة لها تربوياً ونفسياً بعالم الطفل أولاً، والعالم المحيط به ثانياً، لأنها تدخل الموضوع الوطني أو القومي مدخلاً خاطئاً. "

ويتحدّث الشاعر " مصطفى عكرمة " عن العيد على نحو مبالغٍ فيه، من وجهه نظرِ رجل (كبيرٍ) يريد من الصغار، ألاّ يفرحوا بالعيد... إلى أن ننتصر!

يا عيـدنا يا حلو لا تحمـل لنا لعباً و حلـوى

إنّـا نريد العيــد نصراً لا نريد العيد لهـوا

قل للرجال الصامدين الصانعين لنـا الصباحـا

هذي هدايانا خذوها، و اشتروا فيهـا سلاحـا

يا عيد ساهم في النضال وعد مع النصر الأكيد

فالفرحة الكبـرى بيوم النصر تفضل ألف عيد

إن قراءة هذه الأبيات بمدارك طفل. تضع يدنا على مدى صعوبة الإيصال في قوله " الصانعين لنا الصباحا " فالإتيان بمصدر عامل عمل فعله أمرٌ يعسر على الطفل فهمه... و يكتب الشاعر" نصوح فاخوري " على طريقة الشعر الحديث قصيدةً بلغةٍ و صورٍ لا تصلح إلاّ للكبار. . عنوانها " حكايات أولاد الحارة ". . .

[ ومن الأمثلة على شعرٍ يخاطب الكبار أكثر مما يخاطب الصغار ] قول الشاعر " محمد منذر لطفي " عن الفلاح :

ألف ظل لك ياخدن البراري و السـهول

أنت منا الساعد المفتول و الوجه الأصيل

ويرى "بيان صفدي" أن الشاعر " شوقي بغدادي " يعجز عن إيصال موضوعه في بعض حكاياته الشعرية إلى قارئه الصغير، لأن " ضخّ الأفكار المجرّدة بهذه الكثافة أمر لا علاقة له  بالطفل، ولم يستطع الإيقاع العذب، والبساطة أن يدعما الفكرة الباهتة لقصيدة " بين الليمونة و الرمان " في "القمر على السطوح ". كما يرى أن قصيدة " أولادي " للشاعر " ممدوح السكاف " - هي " للكبار حصراً، و يعجب كيف راق للشاعر أن يكتب قصيدة بعنوان  " موت أب " حيث لايظنّ الشاعر "صفدي " أن الأمر صالح نفسياً وتربوياً، إذ علينا أن نبعد الطفل عن أجواء حزينة كفقد الأب، أو الأم. . "

وفي مجموعته " شواطئ بلادي " " قصائد لا يمكن.. أن تصلح إلا للكبار، مثل " الشبل الفدائي" و" الريح " و يأخذ على الشاعر " سليمان العيسى " أنه يملأ " قصائده بتعبيرات وصور شديدة الغموض. . وأن ما يهمّه بالدرجة الأولى، الإيقاعُ والغناء، أما المعنى فليفهمه الطفل فيما بعد، حتى لو كان في الجامعة. . ويرى أن تسويغ الشاعر لهذا العيب نوعٌ من التغطية، للتسرّع في الكتـابة، فعندما لا يبذل جهداً كبيراً في قصيدة الطفل، فستتسرّب إليها صور من عالم الكبار. . يقول " العيسى" :

تحت العلم نور الأخوة نرشف

و :

لحن الثورة في شفتيا

و صـلاة الأزهـار

و :

ورمى بـالخاطرة الحلوة

خلـــف الأفــق

وترشف فنجان القهوة

لـذّ العبــــــق

 

 

ويأخذ عليه النـزعة الخطابية المباشرة في بعض القصائد، والخطابة مرفوضة فنياً وتربوياً، فهي على الضدّ من التكوين العقلي والنفسي للطفل، خلا عن الناحية الفنية التي تتراجع كثيراً في مقاطع من نوع :

مهزومة يا جولة العدوان

أنا أنا الحياة

تشرين. . يا انعطافة الزمان

يا صحوة القدر

و البرق و المطر

عن أرضنا، عن حقنا نقاتل

أو :

الوحـدة الطريـق         الوحـدة النسب

لبيك صوتاً واحداً         يا أمـة العـرب

سيهــزم العدوان                والمجـد للإنسان

تبنيـه جيلاً ثائـراً                نعيـش للبنـاء

وأخيــراً:

إن ثمة فروقات تميّز شعر الراشدين من شعر الأطفال، و لن يغيب عن بالنا أننا في شعر الأطفال، مازلنا في طور التجريب، والاجتهاد الشخصي، إذ لم نتفق بعدُ على منهجٍ معيّن له خصائصــه المحدّدة، نظراً لحداثته أولاً، ولعدم وجود النقاد والباحثين المتخصصين، والمتفرغين للاشتغال به ثانياً. وتجدر الإشارة أخيراً إلى أن معظم الدراسات التي توجّهت نحو أدب الأطفال، كانت تصبّ اهتمامها على القصة أكثر بكثير مما تصبّه على الشعر، كما أن شعراء الأطفال - وكتّاب القصة أيضاً - لم يعمد أحدهم إلى إيجاد (نمط إنساني عربي) أو (أنموذج طفلي) له ملامحــه المميـّزة والمتفرّدة، بغية توحيد رؤى الأطفال العرب فيه، وبمعنى أوضح، فقد ا فتقد أدب الأطفال (المثلَ) والقدوة الحسنة.

إن أدب الأطفال يسهم في تكوين ثقافتهم، وهو على الرغم من تميّـزه بالبساطة والسهولة، إلاّ أنه تربوياً وفنياً " لا يعدّ (تصغيراً) لأدب الراشدين، لأن لأدب الأطفال خصائصه – التي لم يُتفَق عليها علمياً بعدُ – التي تتطلّبها طبيعة الأطفال أنفسهم. فالطفل ليس مجرّد (رجل صغير) كما كان يشاع من قبل. إذ إن الأطفال يختلفون عن الراشدين لا في درجة النمو فحسب، بل في اتجاه ذلك النمو أيضاً، حيث إن حاجات الأطفال وقدراتهم وخصائصهم الأخرى تختلف في اتجاهها عما يميّـز الراشدين.. فهناك صفات معيّنة تختصّ بها الطفولة وحدها، وهي تزول أو تنمحي عندما يشبّ أولئك الأطفال. لذا فإن الزاد الثقافي، أدبياً كان أو غير أدبي، هو زاد متميّـز مادامت الطفولة مرحلة نمو متميّـزة.. وهذا الزاد لا يشكّل – بالضـرورة – تصغيراً، أو تبسيطاً لزاد الراشدين الثقافي ." (16)

ولن تغيب عن بالنا، رهافةُ أحاسيس الطفل، وخصبُ خياله، وانفعالُه بالكلمة الشاعرة، التي تؤثّر في وجدانه، قبل أن تؤثّر على عقله، على خلاف الكبير الذي أفقدته الأيام هذه الرهافة التي نجدها عند طفل، فأخذ يتعامل مع العالم بعقله، أكثر مما يتعامل معه بوجدانه. 

الإشارات:

1 - للاستزادة من هذا الموضوع، يمكن الرجوع إلى بحث بدايات شعر الأطفال في سورية في كتاب : شعر الأطفال في سورية _ ملامح و نظرات، للمؤلف. منشورات اتحاد الكتاب العرب. دمشق 1996

2 - الأعمال الكاملة. جزءان. ص 59.

3 - الأعمال الكاملة .ص562. و للشاعر قصائد كثيرة تتغلغل الطفولة في ثناياها بصورة  عفوية، كقوله في قصيدة (خربشات طفولية) :

  خطيئتي الكبيرة الكبيرة

  أنني يابحرية العينين يا أميرة

  أحب كالأطفال

  وأكتب الشعر على طريقة الأطفال

  فأشهر العشاق يا حبيبتي

  كانوا من الأطفال

  وأجمل الأشعار يا حبيبتي

  ألّفها الأطفال

4 – تجربتي الشعرية للأطفال. مجلة الموقف الأدبي. دمشق تشرين الأول 1989

5 – كما أن لعـددٍ من الشعراء العرب المعاصرين قصائد لم يكتبوها في الأصل للراشدين،  كقصيدة عباس محمـود العقاد في طفلةٍ بريئةٍ استوقفها ليضاحكها، ثم أراد أن يقبّلها، فتمنّعت بحياء الطفولة، فما كان من الشاعر إلاّ أن وضع أمام وجهها مرآة، رأت فيها صورتها، وقد ظنّت الصورة طفلةً حقيقيةً، فسمحت له بالتقبيل، يقول العقاد :

ما كـان أملح طفلـةً

من غير شيءٍ تخجـل

ضاحكتهـا فتمـايلت

وشعـورهـا تتهدّل

فرجوت منهـا قبلـةً 

فأبت كمـن يتدلّل

فرفعتُ مـرآةً لهــا 

فتطلـّعـت ْتتأمّـل 

قالت وفيها غضبــةٌ   

أنا بالملاحــة أمثل 

عطفـــت علــيّ وكـل مجــــدوبٍ يغار فيسـهـل 

ويقول "بشارة الخوري / الأخطل الصغير " حين بلغت ابنته وداد العشرين من عمرها :

يا قطعةً من كبـدي فـداك     يومـي وغـــدي

وداد يا أنشـودتي البــــــكر ويا شعــري النـدي

يا قامـةً مـن قصب الســـــكّـر رخص  العقـــد

حـلاوة مهمـا يزدْ              يــوم عليهـــا تــزددِ

توقّـدي في خاطري             وصفّـقـي وغــــرّدي

تستيقظ الأحـلام في نفـــــسي وتسقيهـا يـــدي

عشرون. هلّل يا ربيـــــُع للصبـــــا وعيّــدِ

وبشّــرِ الزهر بأخـــــت الزهـر واطرب  وأنشـد

6 – يراجع بهذا الصدد : كتاب أدب الأطفال. نظرياً وتطبيقـياً. عبد الله أبو هيف. ص 67  منشورات اتحاد الكتاب العرب. دمشق 1983، وكتاب : قصص الأطفال في سورية. سمر روحي الفيصل ص 9 منشورات اتحاد الكتاب العرب . دمشق 1981، وكتـاب :  شعر الأطفال في سورية. للمؤلف. ص 45 منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق 1996

7 – ديوان نشيد الصباح. قصيدة إلى ابنتي ديمة. ص 92 منشورات اتحـاد الكتاب  العرب  دمشق 1980 .

8 – ديوان. هنادي تغنّي. ص 29 منشورات اتحاد الكتاب العرب. دمشق 1987 .

9 – قصيدة : علّمنا العربُ. ص 24 منشورات اتحاد الكتاب العرب. دمشق 1982 .

10 – ص 44 .

11 – ص 18 .

12 – شعر الأطفال في سورية .ص 177.

13 – الشعر والأطفال. لقاء مع الشارع سليمان العيسى. أجراه مأمون صافيا. مجلة الفيصل.  العدد 136. الرياض .

14 – ديوان الأغاني. ص 30 منشورات اتحاد الكتاب العرب. دمشق 1982 .

15 – مجلة الموقف الأدبي. ص 114 العـدد 208 – 209 – 210 تشرين الأول 1988   وتُعَدّ هذه الدراسة الأولى من نوعها، حيث وضعـت النقـاط على الحـروف ،    وواجهت الشعـراء بكثير من عثراتهم. وقد استفدنا من هذه الدراسة، وحاولنا   الاستشهاد بمعظم ما ورد فيها مما يخصّ البحث. وفي أكثر من موضع في هذا الكتاب.

16 – د. هادي نعمان الهيتي. ثقافة الأطفال. ص 156 كتاب عالم المعرفة. الكويت 1988

 

 

 

الفصل الثالث: آفاق قصيدة الطفل

 

 

إن من أهمّ سمات قصيدة الطفل : البساطةَ في التناول، والإيقاعَ الموسيقي، والصورَ الخيالية. حيث تتجلّى أهميّة الشعر في حياة الطفل، والتي لا تقلّ أهميّةً عن القصّة والحكاية والمسرحية،  لا سيما إذا كانت القصيدة تحكي قصةً طريفة على جانب من التشويق، أو تجسّد حالةً إنسانية بأسلوب يتميّز بالشفافية والجاذبية، ولعل ما يدعونا إلى هذا القول هو ما نراه من انصرافٍ عام عن الشعر إلى القصة أو الحكاية أولاً، و تراجع الأعمال المسرحية ثانياً، ومن ثم انصراف الناس و الأطفال على وجه الخصوص إلى التلفاز، الأمر الذي انعكس على صحف الأطفال وكتبهم.  وجعل المستقبل يبدو في أنظار بعضنا قاتماً بعض الشيء. في الوقت الذي نسعى فيه لإعداد طفولةٍ واعيةٍ إلى مستقبلٍ فاعلٍ، في زمن تتداخل فيه الأحداث وتتشابك، و تصل إلى مرحلة التأزّم ،وتبلغ الصراعات مداها بين أيديولوجياتٍ متباينةٍ متنافرة، يسقط بعضها ويقوى بعضها الآخر، غالباً ما تتجلّى لنا في صور حروب داميةٍ، و صراعاتٍ فكريةٍ و غزوٍ ثقافيٍ، وعولمةٍ تفرض نمطاً سلوكياً غربياً واحداً، ربما كان وقْعُه علينا أقسى من الحروب و أشدّ .

 

والحديث عن شعر الأطفال، يقودنا إلى الحديث عن أزمة الطفولة العربية التي تُصاغ لها قنواتٌ وتُرسَمُ لها أبعادٌ خارجيةٌ يقف وراءها الحاقدون على الأمة و تراثها، وتقف حائلاً أمام ما تتطلّع إليه من وحدة عربية مرتقبة .

 

لقد قال " موشي ديان " وهو من أكبر الحاقدين : " يميل العرب إلى خداع أنفسهم وخداع غيرهم. وهم يقومون بذلك عن غيِر عمدٍ، فهم يميلون دائماً إلى التحدّث عن أمجادِ الأجدادِ. عن صلاح الدين، عن معارك حطينَ واليرموكِ، بينما يفعلون ذلك فإننا نبتسم، لأنهم يَرَون أنفسهم في مرآة أمجادِ الماضي، أما نحن فنراهم في مرآة الحاضر، ليتهم يسألون أنفسهم لماذا يتحدّثون دائماً عن عظماء ماضيهم، ولا يجدون في حاضرهم أحداً من العظماء يتحدّثون  عنه. " (1)

ومع حرص الشاعر العربي على استلهام شخصياته التاريخية المشرّفة، فإنه لا يكتفي بالوقوف عند هذه الشخصيات التي يعتزّ بها على الرغم من أنف الحاقدين، و إنما يتجاوز ذلك متطلّعاً إلى مستقبل يستشرف فيه أفاق حياةٍ فاضلة كريمة، متمثّلاً رغبةَ ذلك الفيلسوف الذي قال ذات يوم لأميرهِ الحاكم " سلّمني يا مولاي أمور التربية، أُغيّرُ لك وجه الأرض في جيلٍ واحدٍ من الزمان ". 

إن وسائل الإعلام بتلاحقها التقني، تغرق العالم بوسائل الاتصال الحديثة. حيث يستطيع الإنسان بلمسة إصبع، على جهاز إلكتروني أن يختصر الزمن، وأن يحدث التغيير الذي يصبو إليه باختصار شديد ..

 ويقف الشاعر المعاصر وسط هـذا الزخم، يكثّف أفكاره، ويلمّ شتات معارفه، ثم يمسك قلمه، ويتساءل : ترى من أين أبدأ ؟! .

- هل البداية تكون بمتابعةِ الطريق الذي سار عليه الأجداد، وسردِ البطولاتِ الحقيقية والأمجاد المشرّفة التي كانت لنا، ثم نكتب بعدها عن بطولات شهداء أمتنا الذين ضحّوا وانتصروا في تشرين 1973 ومن ثم نستشرف ما يمكن أن نقدّمه من تضحيات في مطالع القرن الحادي والعشرين تعيد إلينا الحق المغتصب ؟! .

 

- أم أننا نبدأ من حيث انتهى غيرنا باعتبار المعرفة تراكمية. يضيف فيها اللاحق إلى السابق بعد أن يأخذ منه ما يناسب ويتوافق مع قيمه، ومعتقداته وأعرافه، وتقاليد مجتمعه الأصيلة... وتطلّعاته المستقبلية ؟

والمثقف المتبصّر لا يضيع الدرب، ولا تحيّـره الأحداث، إذْ لن يغيب عن ذهنه أن هذه الأمة التي أنجبت ابن أبي سلمى والمتنبي والبحتري وأبا العلاء وسواهم من عمالقة الشعر العربي في القديـم، هي الأمـة نفسـها التي أنجبـت في العصـر الحديث شوقي وحافظ ومطران والرصافي والزهاوي والجواهري وأبو ريشة وصلاح عبد الصبور وأمل دنقل ولا تزال، وستظل تنجب حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

 

ولكنْ لنتساءل بصراحة. ما علاقة الطفل بالشعر، داخل الأسرة ؟... .. هل يقتني الأهل كتبَ الأطفال، وهل يؤسّسون مع أطفالهم مكتبةً منـزليةً فيها ركنٌ للشعر إلى جانب القصة والمسرحية والعلوم... . ؟؟

وهل يقرأ الأب والأم لهؤلاء الأطفال كلَ أسبوعٍ قصيدةً طفليةً، بعد أن انقضى الزمن الذي كان الأطفال يتحلّقون فيه حول الجدّة، لتحكيَ لهم كل ليلة قبل النوم حكايةً ؟!. .

- وفي رياض الأطفال والمدارس :

- هل أعددنا معلمة الروضة ومعلم المدرسة إعداداً يجد فيه كل منهما ضرورةً لأن يقدّم في بداية كل حصّةٍ درسية بيتاً واحداً من الشعر يحفظه الأطفال، ليكون لديهم في نهاية كل عـــام عشراتُ الأبيات الشعرية السهلة والمحبّبة ؟.

 

  إن التربية الحديثة يَحسُن أن تزاحم الفضائيات في تأثيرها وإثاراتها المدهشة. ومسألة " بيت شعر لكل حصة درسية " قضيةٌ على جانب من اليسر والسهولة. إضافة إلى كونها قضيةً هامةً وحساسةً يمكن أن تعطي أُكُلَها إذا ما استُغلّت بإخلاصٍ وبأسلوبٍ تربوي، تُعِدّ لها المدرسة الخططَ، وتهيّئ المربّين، فيعمد كل مربٍ مهما كان اختصاصه في بداية كل حصةٍ من البرنامج الأسبوعي إلى تكليف التلاميذ المتفوقين بحفظ بيت الشعر. والتحضير للأسبوع القادم. وما إن يدخل المعلم غرفة الصف حتى يبدأ التلميذ بإلقاء بيت الشعر الذي حفظه على مرأى التلاميذ ومسامعهم .

 

إن مثل هذه الطريقة بما فيها من الفوائد التربوية التعليمية، ربما كانت وسيلةً لاستثارة التلاميذ الآخرين كي يحذوا حذو زملائهم المتفوّقين، فيندفعون للحفظ والإلقاء والخروج من دائرة الكسل إلى دائرة النشاط والحيوية والاجتهاد، ومن دائرة التلّقي إلى دائرة الإلقاء والتفاعل... .

إن هذا الأسلوب التعليمي قد يحقّق فائدةً هامة أخرى أيضاً، حين ينجح المعلم في الالتفات إلى دواوين شعرِ الأطفال، التي أبدعها شعراءٌ نجحوا في الكتابة للصغار. بعيداً عن القصائد القليلة العدد التي اعتمدها الكتاب المدرسي. والتي قد يرى فيها المعلم شيئاً من الجفاف والضعف الفني، مصداقاً لتلك المقولة التي أتى بها أحد العاملين في مجال أدب الأطفال حين قال : " أما المدرسة. فقد غادرت صفحاتُ كتبها المقرّرة قصائدَ شوقي وحافظ ومطران وجبران والزهاوي والرصافي وعمالقة القصيد العربي، لتحلّ محلّها قصائد ضعيفةٌ يكتبها بعض من ينتسبون إلى السلك التعليمي، ولا تنتمي إلى الشعر في شيء... ويُفترض أن يحفظ الطفل هذه النصوص التي تُنفّره من الشعر والأدب، وتنفّر من الحياة ذاتها... وقد أصيبت ينابيع الشعر في حياة أطفالنـا بانفصامٍ مرير. شعرٌ عظيم يكتبه كبار الشعراء، و " لا شعر " ينظمه رجال التعليم " (2)

ونظراً لانعدام دور المنـزل، في الالتفات إلى محفوظات الطفل الشعرية التي كانت – في القديم - تتباهى بها الأسرة السورية، وتقوقُعِ المدرسةِ حول نصوصٍ باهتة – في بعض مناهج مرحلة التعليم الأساسي – تظلّ نصوص الموروث الشعبي في المجتمع السوري ناصعة متألّقة، وستظلّ الذاكرة تحفظ الأهازيج ذات الأوزان الغنائية العفوية، التي شارك الذوق العام في إبداعها وموسيقاها، ومن ثم نقلها من جيل إلى جيل، كأهازيج الأعياد :

بكره العيد و نعيّد  و نذبح بقرة السيد

أو أهازيج المطر :

يا مطرْ عاصي طوّلْ شعر راسي

و يا ربي تنــــزلْ كبس

يوم الجمعة. تطلع. شمس

أو الموروث الحديث الذي أبدعته قرائح الشعراء الشعبيين في مرحلة النضال ضد الاستعمار الفرنسي في سورية من أمثال :

طارت طيارة في الليل       فيها عسكر فيها خيل

فيها إبراهيم هنـانو        مركّب بنته قدّامــه

حتى هذه الأهازيج العفوية. لم تعد موجودةً إلاّ في عقول المتقدّمين في السن، وقد انزوت جانباً أمام بُعد الزمن، ومعطيات الحياة المعاصرة، وجاذبية التلفاز، فحلّت في المقابل في أذهان الصغار أهازيج رخيصة، كتلك التي يروّجها التلفاز لدعايات العلكة والكازوز والبطاطا " قرميشو "و" طبّوش " وسوى ذلك من الألفاظ الشعبية والتعابير المسجوعة سجعاً ممجوجاً يأباه الذوق العربي الأصيل. لتحلّ هذه السخافات محلّ الشعر الرصين الجادّ، والمضمونات النافعة.

إن مجموع هذه الأمور التي تصرف الطفل عن الشعر، إضافة إلى إحجام المربّين في البيت والمدرسة ووسائل الإعلام عن الشعر عامة، وعدم الاكتراث بالقصيدة المناسبة، وفرض قصائـد محددة يُكرَه الطفل على حفظها، كل ذلك من شأنه أن يبعد الصغار عن عالم الحلم والخيال والصور المجنّحة، والعبارة المأنوسة العذبة، ويجعلنا نحن الكبار – الآباء و المربين – نتناسى أهم خصيصة طفلية، هي أن كل الأطفال شعراء، وعشاق شعر، وأن الكبار لا يرعون بذرة الشعر الفطرية في نفوسهم، ولا بدّ من جهود كبيرة، لنعود نحن الكبار إلى الشعر، ومن ثم نعكس حبّنا على الصغار الذين يطلبون النشيد والقصيدة واللحن. فإذا لم يجدوها في البيت والمدرسة انصرفوا يرددون أهازيج دعايات شهادات الاستثمار، و"البوظة " و " حفوضات " الأطفال، والمناديل الورقية، والشامبو، وأوراق اليانصيب :

خدلك ورقة يانصيب               يمكن بكره الحظ يصيب

يا نيالك يا نيالــك                رح يتحقّق يا للي ببالك

ولا يخفى ما تغرسه مثل هذه الدعاية في نفوس الصغار والكبار من قيم سلبية منافية للشخصية القويمة الجادّة، التي عُرف بها العربي على مرّ العصور، حيث تدعوه إلى التواكل و التكاسل بالاعتماد على أوراق الحظ، والحلم بالثروة من دون جهد، وتقتل كل حافز للعمل والجدّ والكسب بعرق الجبين، ناهيك عن الألفاظ العامية التي تشوّه الفصحى، وتُبعد الطفل عن لغة الآباء والأجداد. ولعلنا ندرك مدى تهديـم بناء الأمة المتماسك حين نعلم أن عبارة " نيالك " محرّفةٌ عن " هنيئاً لك " ولفظ " ياللي " محرّفٌ عن " الذي " .

 

وإذا كنا نعترف بضغوط الحياة المعاصرة التي تقتل الحلم في نفوسنا، وترغمنا على الابتعاد عن عالم الشعر، فلنعترف أيضاً، وعلى الرغم من ذلك، بضرورة " المعاصرة " في أدب الأطفال، وفي الشعر على وجه الخصوص، ثم لنتذكّر قبل ذلك، أن الفطرة لا تزال تسكن عقولَ الأطفال وتَسِمُها بمياسمها البريئة .

وإذا ما رجعنا إلى التربية وعلم نفس الطفل، الذي يؤكّد أن هؤلاء الصغار كالغرسة الغضة في يد البستاني، يوجّهها كيف يريد حين يتعهّدها بالرعاية والعناية تشذيباً وتقويماً، فإننا ونحن نقف أمام المسؤولية الكبرى التي تقع على عاتقنا – مربين وآباء وإعلاميين – نجد هؤلاء الأطفال يقبلون ويندفعون وراء قصيدةٍ أو قصةٍ أو مسرحيةٍ. حين تنقلهم إلى عوالمها الرحبة. فتدغدغ أحاسيسهم وترتقي بمشاعرهم، سواء أكانت المادة تراثية أو غير تراثية. مادامت تستلهم روح العصر، وقيم الأمة .

إن أدباء الأطفال يتمتعون برؤية تاريخية يتشابك فيها التراث وأحداثه بمنظور الأمة المستقبلي، ويتعانق فيها الماضي بالحاضر بأذرع الحلم والخيال والعلم. فالحنين إلى الماضي والذكريات، وبعث ذاكرة الأمة. ومحاكاة الشخصيات الفاعلة والمؤثرة في التاريخ، على جانبٍ كبير من التأثير في الصغار. لذا فإن القصيدة البارعة التي تستمدّ مادتها من التاريخ العربي والإسلامي، ثم ترتدي حلةً عصرية تدخل بها حَرَمَ العصر العلمي، أو بكلمةٍ أكثر وضوحاً. إن القصيدة التي تعتصر المتنبي والمعري وصلاح الدين، ثم تقف على قدميها وترى الدنيا بعيني عصرها، هي القصيدة التي أخذت جوانب من الأصالة و الحداثة و المعاصرة، و هي التي من شأنها أن تأخـذ بيـد الطفل نحو الفهم والتأثّر، ومن ثم التمثّل والمحاكاة، فالإبداع و الابتكار. نظراً لما يتمتّع به من حاسّة الاندهاش، التي لا مثيل لها لدى الكبار، و لأن قدرة الصغـير على التصديق أكـبر منها عنـد الراشد، الذي لا يدرك الأمور كما يدركها صغيرٌ أقلّ امتلاءً بالمعارف، و اكثرُ انفلاتاً و تحرّراً من القيود، حيث تكون السريرة نقيةً، و مقدرةُ العقل على التقّبل و الاستيعاب كبيرةً، و الخيالُ ميداناً خصباً... . وهنا تتبدّى بعض النقاط أمام قصيدة الطفل، والتي تتطلّب منا:

 

1 - الاحترام:

إن احترام الطفل الذي تتوجّه القصيدة إليه، ضـرورةٌ تربوية، وذلك باحتــرام أحاسيسه، وطاقاته، وذاته، واحترام عالمه الغني بالخيالات والتصوّرات، وهي عندما تتوجّه إلى طفل صغير  لابدّ أن تدرك وظيفتها جيداً في محاولة الرقي بـه إلى مصـافّ العلمـاء والمبـدعين والمخترعين  والأبطال .

 

2 – المتعــــــة:

يطلب الأطفالُ قصيدةً تُدخل المتعةَ إلى نفوسهم، و ليس أدلّ على اكتشاف متعة القصيدة من مراقبة الأطفال في أثناء تلقّيها. ويلعب الانسجام والتآلف في الألفاظ الطفليــة، والصـور الخيالية، والموسيقا والإيقاع والمضمون. دوراً رئيساً في تحقيق هذا المتعة، وإيجاد المعادلة الشعرية الجميلة. لكن هذه المتعة الوجدانية، لا تكون بأيّ حالٍ، متجرّدةً عن الأهداف اللغوية والتربوية.

 

3 – الرمــــز:

إن الطفل الخليّ البال. بخياله الوثّاب، ونفسيته التي تتقبّل المعرفة وتستقبل كل جديد. يجد في الرمز الشفّاف ملاذاً يرتاح إلى ظلاله وأبعاده، لأن علاقتـه بـه، تكون أقرب ما تكون إلى لهوه وتسلياته الطبيعية، التي ترتبط بحياته الواقعية أولاً، وبخيالاته وأحلامـه المنطلقـة إلى آفـاق بعيدة لا تعرف الحدود ثانياً، ومن ثم لترضي نزعات داخليةً في أعماقه .

إن الطفل الذي يقرأ : (3 )

بلاد العـرب أوطاني       من الشام لبغدان

و من مصر إلى يمنٍ       إلى نجد فتطوان

لابدّ أن يدرك الغاية بسهولة و يسر، حين يرتفع عن واقع القرية التي يلهو بين كرومها، أو المدينة التي يتحرّك بين شوارعها وأحيائها، ويصل إلى قناعة حقيقية بأن بلده الشام وبغـداد ومصر واليمن والسعودية وسواها، وأن هذا الرمز لا يمكن أن يصل إليه إلاّ عندما تتحقّق وحدة بلاده العربية .

وهو عندما يردّد في مدرسته كل صباح : (4 )

فمنّا الوليد         و منّا الرشيد

فلم لا نسود        و لم لا نشيد

فإن هذا الرمز والأنموذج ما يلبث أن يأتلق في باصرته وبصيرته، متمثّلاً بأعلام الأمة وأبطالها.. الوليد والرشيد.. ويرى فيهما صور آبائه وأجداده، ومن خلال الصور تتجلّـى العروبة. انتماءً وهويةً، وتصبح في قلبه نبضاً، وعلى شفتيه أغنيةً، وفي أعطافه مشاعرَ حبٍ واعتزاز. وسنقف عند الرمز مفصّلاً، لدى دراسة الصورة الشعرية.

 

4 – أسلوب تقديـم القصيدة :

إن للطريقة أو الأسلوب الذي يقدّم بها المعلم أو الوالدان القصيدة للطفل شأناً هاماً في تقبّل القصيدة، و لعلنا نذكر، عندما كنا أطفالاً، كيف كنّا نلوذ بأحضان جدّاتنا. نستمع إلى حكاياتهن بكل أحاسيسنا ومشاعرنا. حريصين على ألاّ تضيع منا عبارةٌ أو فكرةٌ أو إشارةٌ أو لفتةٌ. كما إننا بملاحظتنا للأطفال، ومراقبتهم وهم يتابعون عرضاً مسرحيـاً، أو مسلســــلاً عن الرياضة، أو المغامرات، ندرك مدى تأثير الممثّل الذي استطاع أن يسلب منهم الأحاسيس والمشاعر، ويتركهم ساعةً مشدوهين مشدودين إليه.

إن كل ذلك يدعونا للبحث عن طريقة جذّابة ومشوقة نقدّم بها القصيدة للطفل، نستطيع بها في زحمة الوسائل التقنية، أن نصل إليه، ونجد لها مكاناً في نفسه، ومواضع اهتمامه، ولن يتحقّق لنا ذلك إلاّ بالمربّي الذكي المخلص، الذي يُقدِم على عمله، كما يُقدِم عليه أيّ ربِّ عملٍ يحرص على الجودة ليجنيَ أفضل النتائج، أو بصراحة أكثر، ربما كنا نحن المهتمين نريد أن يتوفّر للأطفال شاعرٌ محبٌ، عاشقٌ لمادته. يبتكر الأساليب والطرق التي يصل بها إلى قلوب أطفاله، تماماً كالعاشق الذي يبتكر الأساليب للوصول إلى قلب حبيبته، وكم من الشعراء يمتلك القدرة على مخاطبة الوجدان الطفلي، ويحرك كوامنه الساكنة، بمضمون قصيدته، وأسلوبها. حتى في تناوله قضايا علمية – كما سنرى في قصائد الحاسوب، في بحث الثقافة العلمية – وذلك عندما يعمد الشاعر إلى تلوين القصيدة بألوان العاطفة، ويربطها بالوجدان الإنساني، الذي يهزّ وجدان الطفل.

وإذا كان باستطاعة الشاعر أن يحرّك كوامن الطفل في الموضوعات العلمية، فكيف به وهو يجول في رحاب الوجدان، كما في هذه الخاطرة للشاعر " سليمان العيسى " ؟ :

" كانت سلمى في سن الصغير تقريباً. طفلةً في التاسعة أو العاشرة، شقراء بعينين خضراوين تشعّان براءةً وصفاءً. وهتف هـو بها بصوتٍ مؤثّرٍ خفيفٍ كي لا يسمعه أحد : تعالي... قلت لكِ، تعالي... اسمعي ،كتبتُ اليوم شعراً. أريد أن أقرأه لكِ... وفتح ورقته البيضاء التي ملأتها الخطوط السود، وأخذ ينشد قصيدته الجديدة التي نظمها في صباح ذلك اليوم، تحت شجرة التوت الضخمة التي تظلّل باحة الدار (. .) وختم الشاعر قصيدته، وأحسّ بالطفلة المدهشة تطوّق عنقه، وتنهال عليه بقبلاتها تقديراً وإعجاباً. " (5)

 

الإشـــــارات:

1 – الأطفال قلبي. د. زيد عبد المحسن الحسين. مجلة الفيصل. العدد 197 ص 3

2 – شعر الأطفال إلى أين ؟ - عبد التواب يوسف. مجلة القافلة. ص 20 مارس 1995

3 – من أشهر القصائد العربية للشاعر السوري المعاصر فخري البارودي .

4 – من النشيد العربي السوري (حماة الديار) للشاعر خليل مردم بك .

5 - البحث عن هوية. عز الدين سعيد أحمد. حوار شامل مع شاعر العروبة سليمان العيسى.

ص 80 منشورات اتحاد الكتاب العرب بدمشق 1994 م .

    

 

 

الفصل الرابع: شعر الأطفال والتراث

 

 

في الأدب والفن. يتّفق النقاد والمبدعون – في الشرق والغرب – على المكانة الكبيرة للتراث، وقد كان للعرب نظراتهم التقديرية لتراثهم، الذي يحمل في ثناياه أسباب بقائه، وعوامل خلوده. على الرغم من ظهور اتجاهات ومذاهب شتى. تتصف مقوّماتها بكل سمات الجدّة والطرافة والإثارة

ولعل من بين أسباب هذا البقاء والخلود، ما يتضمّنه هذا التراث من الأبعاد الإنسانية والقيم الرفيعة التي تجاوز حدود الزمان والمكان، وما يفيض عن شمائل الأمة الخلقية، وعقيدتها الروحية المحدّدة بأطرها المعهودة.

 

إن التراث العربي، جزءٌ كبيرٌ وعريضٌ من التراث الإنساني العام للبشرية على مرّ العصور. يصوّر عالماً عاش فيه الأجداد، وجسّده المفكرون والمبدعون في أشكالٍ وصورٍ تعبّر عن مجتمعاتهم وأحلامهم وأوهامهم وأشواقهم الواعية والخيالية، ونظراتهم للكون والإنسان والحياة، ورؤيتهم للحق والخير والجمال.

 

وعلى الرغم من تطاول العهد، فإن هذا التراث ظلّ محتفظاً بزخمه الفكري ووهجه الحضاري، محافظاً على القيم الجمالية التي يزخر بها، متميّزاً بها عما سواه من آداب الأمم الأخرى، فالشجاعة والمروءة وإغاثة الملهوف وقرى الضيف، وسوى ذلك، ثَبُتَ أنها أخلاقٌ عربية كريمة، حين أقرّتها العقيدة الإسلامية وعمل بها الرسول الكريم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وأوصى أصحابه بها، وقد ورد في الأثر النبوي الشريف " إنما بُعِثتُ لأُتَمِّمَ مكارمِ الأخلاق ".

 

ولكن على الرغم من دراستنا لهذا التراث، واعترافنا بمكانته وقيمته الكبرى، فإننا لم نحاول تبسيطه أو تقريبه من الأطفال، للوقوف الأوَّلي على معطياته القومية والخلقية والإنسانية، ومن ثم تمثّله، لمتابعة السير على الطرق التي شقّها الآباء والأجداد، بغية الوصول إلى الهدف المنشود المتمثّل في تحصين جيل هذه الأمة من هجمات الغزو الفكرية، والاختراقات الفادحة التي أحدثها الأعداء في جدران البيت العربي، والتي باتت من الخطورة بمكانٍ. بحيث تستوجب صحوةً فكريةً وخلقيةً ودينيةً، تُبعد عن العيون هذا الكرى الذي يجعلها تستكين إلى ما تتلقّاه من منتجات الحضارة الصناعية الغربية المخدّرة.

 

والطفولة – أدبياً - كانت غائبةً عن الماضي وآدابه، وما وُجد من أثرٍ عارضٍ عن الطفل إنما كان من منظور الراشدين الذين نظروا إليه باعتباره  (طفلاً راشداً) أو (رجلاً صغيراً) تريد القبيلة منه أن يترعرع وينشأ سريعاً لينضمّ إلى صفوف الفرسان المدافعين عن حمى القبيلة، أو هو كما يقول " عمرو بن كلثوم " في معلّقته :

إذا بلغ الفطامَ لنا صبيٌ              تخرُّ له الجبابرُ ساجدينا

ويُرجِع الدارسون بعض أسباب غياب الطفولة عن التراث، إلى أن الظروف الموضوعية آنذاك، لم تكن مؤهّلةً لظهور هذه الطفولة، وتخصيصها بجزء من الأدب والفكر، وهذا أمرٌ بدهي، لأننا كي نتحدث إلى الطفولة، لا بدّ لنا من الوقوف على خصائصها النفسية، ومعرفة مفرداتها اللغوية، وحاجاتها التربوية، وهذا مستحيلٌ في زمنٍ، لم يقم فيه نظامٌ تعليميٌ تربويٌ، تُقاس بمعاييره الاعتبارات الطفلية، وفي ظلّ سيادة أميةٍ عامةٍ شاملةٍ، وأن ما ورد من ألفاظ (الغلمان، والفتية، والصبيان، والطفل، والرضيع، والفطيم، والبنات) إنما كان معظمه في التفاتة الشعراء إلى هذه الشريحة المهملة، عند وفاةٍ ويتمٍ، أو عند ذهاب أبٍ إلى الحرب، فتتعلّق البنات بثيابه... وكثيراً ما تدور هذه الالتفاتة حول الرثاء و الشفقة والوصية... أو المباهاة بكثرة الولد... وفي بعض الأحيان، حول العقوق و نكران الجميل .

 

قد لا يهمّنا الآن في هذه الإطلالة، هذا الأمر، لأننا حين نتحدّث عن التراث، وما يخصّ الأطفال منه. نعني قبل كل شيءٍ إطلاع الأطفال على هذا التراث، وما يحتويه من مثلٍ وقيمٍ إنسانيةٍ وخلقيةٍ وقوميةٍ، وفصاحةٍ وبلاغةٍ، وموسيقا وغناءٍ وأخيلةٍ، لتظلّ صلة الوصل قائمةً بين أجيالنا الراهنة، وبين ماضينا الذي نتشرّف بالانتماء إليه، وليتذوّق الأطفال هذا التراث، فيدركون قيمه إدراكاً حقيقياً. يجعلهم يشعرون به شعوراً ذاتياً مباشراً، ومن ثم يتلمّسون بأنفسهم تلك الرابطة الوجدانية، التي تجذبهم إليه، وتَمَثُّـلُه، والاندماجُ فيه بصورةٍ حميمية، والوصول إلى قناعةٍ طفليةٍ مفادها : أن في تراث الأجداد تتحقّق متعة الاكتشاف والإثارة معاً.

 

ولعل تمثّلَ الأطفال للجانب الشعري أمرٌ ليس سهلاً على للكاتب والطفل، بينما يبدو النثر أسهل منه بكثيرٍ، لأن الكاتب يمكنه تبسيطُ القصص التاريخية، وقصص الأمثال والأساطير والحكايات، التي يُقبِل عليها الصغار ويستمتعون بسردها النثري، بينما ينأى الشعر عن سهولة التبسيط، والتقريب و التلخيص.

ولكن. لماذا نركّز على التراث في هذا الزمن، الذي نتلقى فيه أمواجاً كاسحةً من الثقافات الوافدة كل يوم ؟. . وهل الإلحاح عليه يوقعنا في نطاق النظرة التقديسية التي تجعلنا لا نقيم كبير وزنٍ أو اعتبارٍ لأدبٍ سواه ؟.

 

لا يمكن أن ننكر أنه لا مجال الآن للاسترسال مع هذين التساؤلين، وإعطاء التراث قدراً فوق ما تحتمل الطفولة الغضّة، والتأثّر بالوجدان القومي الذي يضفي على الأمة، وماضيها الحيّ صفة القداسة المطلقة، ولكننا في الوقت نفسه، لا ننقص من قيمته. نظراً لما يضمّ من تاريخنا الفكري والثقافي، في الشعـر والحكمة والدين الحنيف، ولأنه يضع بين أيدي الدارسين فلسفةً خاصةً للحياة، تحدّد الغرض منها، وتكسبها معنى معيّناً، وتجعل لها هدفاً محدّداً تسعى إليه .

 

إننا حين نقول : إن التراث يضمّ مجموعةَ قيمِ الأمة، نعني بذلك أنه يدعو إلى الالتزام بقواعد معينةٍ من السلوك الإنساني، وقد يرى بعضنا فيه شيئاً من التعارض بين الأصالة والتجديد، لكن الضرورة تقتضي منا – ونحن نعيش عصراً تقنياً – إيجاد صفةٍ وصيغةٍ توفيقيةٍ بينهما، تكفل" الاتزان، وذلك ببناء الجديد على أساسٍ من القديـم " لأن لكل عصرٍ أدواته وأساليبه، ولكنّ ثمة شيئاً مشتركاً بين حاضر الأمة، وماضيها، يتمثّل في الذاكرة الحضارية، وعن مثل هذا قال الناقد الإنكليزي : ت. س. إيليوت : " إن الفن الرفيع يجب أن يكون تهذيباً للتراث، وللفن الشعبي، ولا يقف منه موقف معارضة " وقد كان شكسبير يرجع إلى الأساطير القديمة، ويخرجها في حللٍ جديدةٍ تتمثّل في مسرحياتٍ غدت من روائع الأدب الإنساني .

 

ومن مزايا التراث أنه يحمل في ثناياه عوامل التوحيد والبعث والإحياء، التي تُبرز الأمةَ وحدةً متجانسةً لها آمالٌ واحدة، ومشاعر واحدة، وتطلعاتٌ واحدة، وأن الفرد جزءٌ من الأمة .

فماذا نستلهم من التراث في شعر الأطفال ؟

للإجابة عن ذلك يمكن أن نلاحظ أن للتراث جانبين :

- جانباً مادياً يتمثّل فيما يمكن استلهامه ليتلاءم مع توجّهاتنا الفكرية والتربوية .

 

- وجانباً أدبياً، ذوقياً، يتمثّل في استلهام العناصر الأدبية والجمالية من خلال عملية (استقلابٍ) معنوية، بالتمثّل الأدبي والجمالي، ليصبح جزءاً من حساسيتنا المعاصرة، التي تعمل على إحياء هذا التراث، وبعثه حيّا في الحاضر، وفي ذلك إبداعٌ وخلقٌ جديد، يقف في وجه الاختراق الفكري، والغزو الثقافي الذي يهددنا، ويحاصر جيل أطفالنا من جميع الجهات .

 

لقد نجحت القصة الطفلية – في مصر، خاصة – في الاستفادة من التراث، ولعل سبب نجاحها في هذا التوّجه، عائدٌ إلى طبيعة الجنس الأدبي القصصي، الذي رأى في التراث جانباً درامياً بتسليط الضوء على ثنائية التضاد، أو المفارقة الفنية في الخير والشرّ، والحق والباطل، والعدل والظلم، والجمال والقبح، مستغلةً ذلك في التراث الشعبي الموروث. كسِيَر "عنترة، وذات الهمة، والملك الظاهر بيبرس، وسيف بن ذي يزن، وعلي الزيبق، وشهرزاد، والسندباد. . ." وسواها. وقد اجتمعت في شخصيـات أبطالها، إلى جانب الصفات الإنسانية، جوانب سحرية خارقة، مما جعل " السيرة الشعبية تمثّل ذخيرةً عربية لا تنفذ مهما قُدّمت في أشكالها، وزاداً لا ينتهي، حينما نجعلها مصدراً جيداً من مصادر ثقافة الطفل، لا تقلّ أهمية – إن لم تكن تتفوّق – على هؤلاء الأبطال المعاصرين، الذين يتفوّقون بالحاسوب وغيره من الأدوات العصريـة " التي يمكن الاستفادة منها في تشكيل وجدان الطفل.

 

وفي الشعر يمكن الاستفادة من ذلك أيضاً، وربما كان الشعر قادراً على جذب اهتمام الصغير حين نستطيع تقديم قصيدةٍ عن التراث، ومنه، تتناول حادثةً معينةً، أو شخصيةً مميزةً، كعنترة والمتنبي وصلاح الدين وعمر بن عبد العزيز، لكن ما يثير الاهتمام – هنا – هو تخلّف الشعراء بصورةٍ عامةٍ عن ارتياد عالم التراث باستثناء القلّة من جهةٍ، وعدم التفات الأطفال إلى غير الشعر المدرسي بصورة عامة، من جهةٍ ثانية.

 

لقد أنجبت الأمة، عدداً من العباقرة العرب والمسلمين على مرّ العصور منذ الجاهلية حتى اليوم، ولكننا لم نستلهم شعرياً هذه الشخصيات جيداً، ولم نعرف كيف نقدّمها للأطفال، وقد يرجع بعض السبب في ذلك إلى النقاد، حيث تضاءلت الدراسات التي تهتمّ بأدب الأطفال، وتُوجِّه كتّابه، وحينما تصدر دراسةٌ جادةٌ منها حول موضوع من الموضوعات الطفلية، فإنما ينصبّ التركيز والاهتمام على القصة، أو الأدب بوجه عام، بينما يُترك الشعر للشعراء، يبدعون فيه، وهم يجرّبون فيه أدواتهم وأفكارهم حسب أمزجتهم وثقافاتهم، ولذلك قلّت تلك الومضات الشعرية المتألّقة التي يعود فيها الشاعر طفلاً، و يتصوّر نفسه جالساً على الأرض. مستنداً بمرفقه إلى ركبة جدته، وهو يستمع إليها بكل كيانه، تحكي له من قصص ألف ليلة وليلة، وغيرها من الحكايات الشعبية، التي تثير خياله، ثم يجسّد هذه الحكايات في قصائد طفليةٍ قادرةٍ على استيحاء ما تحمل شخصيات القصص، واستلهام مغزى الحكايات، وما فيه من حوافز اجتماعية وقومية وإنسانية، وقيم تربوية وخلقية.

 

المنهاج المدرسي والتراث :

في الأدب عامةً، و في شعر الأطفال خاصةً، تبدو حساسية العمل الأدبي فيما يسمى (الإثارة) التي ينبغي أن تتوفّر في النصّ الأدبي ليحفل بالتشويق، ويجذب إليه المتلقّين، ويبدو أن الشعراء الذين توجّهوا للصغار، قد استلهموا الموضوعات القريبة من مرأى الطفل و مسمعه، ورأوا أنها أسهلُ متناولاً في تحقق الإثارة التي يطمحون إلى تحقيقها في النصّ الطفلي. مما يمسّ الحياة العصرية، كالعمل والعلم والوطن والفراشات والعصافير، وسوى ذلك، ونأوا عن قصدٍ منهم، أو عن غير قصدٍ عن التاريخ وشخصياته وأحداثه، وآثار حواضره، وظلّ التراث بعيداً عن المتناول، حتى ليأخذ المرءَ العجبُ حين يقلّب صفحات بضعة عشر ديواناً من الشعر، فلا يجد قصيدةً واحدةً عن التراث، وكأن الماضي برجاله ووقائعه، منفصلٌ عن الحاضر وأهله، أو كأن موضوعات ذلك الماضي، لا تصلح للحاضر، ولا تحقّق للطفل ما يبتغيه من المتعة والإثارة والاكتشاف، أو أن ذلك متروكٌ شأنه للمدرسة، تقدّمه في مناهجها التعليمية، بدءاً من الصف الثاني الابتدائي...

 

ولكنّ ما قصّر عنه الشعراء، أكّدت عليه التربية في جميع صفوفها، وأولته أهمية كبرى، وألحّ منهاج اللغة العربية منذ بدايات المرحلة الابتدائية على " تعريف أبنائنا بتراث أمتهم الحضاري، وبالتراث الإنساني لتزداد ثقتهم بأمتهم، وقدرتها على أداء رسالتها في إغناء التراث الإنساني البشري على مرّ العصور، وأن تقيم موضوعاتُ القراءة توازناً مدروساً بين واقع الحياة المعاصرة من جهةٍ، والتراث العربي والإنساني من جهةٍ أخرى " وعملت على تناول التراث من الجوانب الآتية : (1)

1 - الشخصية التاريخية.

2 - أيام العرب ومعاركهم

3 - القيم العربية الإيجابية .

4 - إسهام العرب في الحضارة الإنسانية.

5 - المدن العربية والآثار.

6 - النوادر في التراث العربي.

وعلى الرغم من هذا التطلّع الكبير إلى التراث الذي لاحظه المنهاج المدَرسي السوري، فإن شعر الأطفال لم يقترب منه - بصورة عامة، باستثناء تجربة سليمان العيسى – حتى ليمكننا القول إن بعض شعراء الأطفال لم يكتب قصيدةً واحدةً تستلهم التراث.

 

1- تجربة سليمان العيسى مع التراث والأسطورة:

آ- سليمان العيسى رائدٌ متميّـزٌ من روّاد شعر الأطفال في الوطن العربي، أتى في شعره على جميع الموضوعات التي تهتمّ بالطفل، وتهمّه، مراعياً فيها الجوانب التربوية والتعليمية، وكما كانت لـه الريادة في صياغة القصيدة الطفلية التي تجاوزت مرحلة النظم، وحشو المعلومة، فإن لـه أيضاً دورَ الريادة في استلهام التراث وإضفاء صفة المعاصرة عليه، وبعث شخصياته بما يتلاءم وتوجّهات الطفل من جهةٍ، ومراعاة واقع الأمة العربية من جهة أخرى .

إن أحمد شوقي، ومحمد الهراوي، ومعروف الرصافي وسواهم من الشعراء العرب السابقين لسليمان العيسى زمنياً في تقديم شعرٍ للأطفال، التفتوا في جانبٍ ضيّقٍ من شعرهم إلى التراث، لكن ذلك لم يكن – في زمنهم – مراعياً للاعتبارات الفنية والنفسية للطفل العربي، بقدر ما كان مستفيداً من تجارب الأمم الأخرى – في حدودٍ ضيّقةٍ – في هذا المجـال. إذا لم يكن معتمداً على الاجتهاد الشخصي، ومراعاة القيم الدينية والخلقية والتربوية. بينما نجد " سليمان العيسى " قد آلى على نفسه أن يوجِد في المكتبة العربية ركناً ثابتاً لشعر الأطفال، وهو بذلك يعي ما يفعل، وما يضع في خلــده، وما يتوجّه إليه، تمّده في ذلك خبرةٌ واسعةٌ في مجال التعليم أولاً، والتربية والمناهج ثانياً، والتجربة الشعرية واللغوية ثالثاً، وكان لتصميمه على السير في هذا الطريق أثرٌ بالغ في النجاح الذي حقّقه، تدفعه بعد كل ذلك، اعتباراتٌ سياسيةٌ وقومية واجتماعية.

إن نظرة " سليمان العيسى " للتـراث فيها شيءٌ كثيرٌ من التقدير والإجلال، إن لم نقل التقديس، فقد عُرف عنه عشقه للتراث العربي، وروايتُه للشعر القديم، وحفظُه للقرآن الكريم، ولم يكن تعامله مع الأطفال إلاّ تعامل المربّي الذي وعى مستلزمات الطفولة، لذلك لم تكن نظرته الفنية للتراث نظرةً شمولية وإنما كانت " نظرةً انتقائية، فالتراث عنده هو الوجه المضيء من حياة الأمة العربية في كل عصورها، مع الاحتفاظ بأهميةٍ خالصةٍ للعصر الإسلامي الأول، فلم يُعرف عنه استلهاماً لتراث العصور القديمة، أو العصر الإسلامي المتأخّر. عندما تناهبت الدولةَ العربيةَ العناصرُ الغريبةُ والأجنبية، بعد القرن الخامس صراحةً إلاّ لماماً... " (2) .

وقد رأى الناقد عبد الله أبو هيف (3) أن التراث محطّ الرجاء عند العيسى، وسبيل المرء إلى الهوية، فلا وجود من دون تراث، وهو عند تعامله معه، فإنه يختار منه ما يناسب الأطفال حسب النقاط الآتية :

1-اختيار للشخصيات الكبيرة والفاعلة في زمنها.

2-المواقف العربية الساطعة .

3-الآثار والمدن الشاخصة .

4-اللغة العربية...

لقد التفت سليمان العيسى التفاتةً متأنيةً إلى الأطفال عبر رحلته الشعرية التربوية القومية، وظلّ منذ نكسة حزيران عام 1967 وعلى مدى عشرين عاماً يكتب النشيد والأغنية والمسرحية والتمثيلية والحكاية والقصة، حتى ليمكننا القول إنه قد استطاع أن يوجِد مكتبةً شعرية للأطفال ضمن المكتبة السورية أولاً. والعربية ثانياً. تتصف بالشمول والتنّوع والتألّق الفنيّ، وكان للتراث حصته الجيدة من هذه المكتبة الفريدة، التي تمثّلت في مجموعاتٍ شعريةٍ وأناشيدَ ومسرحٍ غنائي، وحكاياتٍ عن أبرز الشعراء والشخصيات العربية والإسلامية، والمدن التاريخية، يقول عنها الشاعر نفسه :

" كان أبرز عملٍ تناولتُ فيه التراث، وجعلته بين أيدي أطفالنا –نثراً لا شعراً – هو كتابي (شعراؤنا يقدّمون أنفسهم للأطفال) ضمّ الكتاب سبعةً وعشرين شاعراً هم أعلام الشعر العربي في التاريخ. انتقيتهم بدقةٍ، وجعلتهم يقدّمون أنفسهم للأطفال، بلغة العصر ومفاهيمه الحديثة، ثم يتركون بين أيديهم مقطعاً أو مقطعين من شعرهم.. . إن شاعرنا الكبير المتنبي عاد إلى الصغار، وعاش معهم، وعاشوا معه في قرننا هذا، في القرن العشرين... وقد اتخذت من هذا الشاعر العظيم رمزاً للماضي، لهيبة التركة المضيئة التي خلّفها لنا الأجداد، وجعلت الأطفال يحاورون التراث بصراحةٍ وجرأة. يناقشونه في الكثير من مفاهيمه وقناعاته، وبرؤيته للأشياء، دون أن يتخلّوا لحظةً عن محبتهم له وتقديرهم إياه. . " (4).

وكذلك الحال مع غير المتنبي من الشعراء، فالمعري الذي عرف بتشاؤمه، يعمل على تعديل قناعاته، حين يجعله يستقبل الأطفال، هذه الفراشات الحلوة في داره، ويسمعهم - وهم يتصايحون ويرقصون ويغنون من حولـه - بعضَ أشعاره، ويملأون الدنيا فرحاً، وبهجةً فلا يلبث أن يهتف :

مرحى للصغار

رحى للبلابل

فجّـروا النهار

في قلبي جداول

ونجد الشاعر أبا فراسٍ الحمداني، يهدي سيفه للأطفال في إشارة إلى انتهاء دوره وابتداء دورهم، لمواصلة النضال، وينشد لهم : (5)

أنتم جنود الآن

يا أيها الشجعان

فليهدر البركان

ولتسمع    البيد

وبمثل هذه النظرة الجديدة التي يستمدّ ضياءها من المناهل الأصيلة للأمة، أدخل الشاعر التراث وشخصياته، وأحداثه إلى مختبره الفني، وسهر على اختماره، ليخرج ملوناً بألوان ثقافته وروحه التي جعلت القديم جديداً، والجديد موصولاً بالقديم، وقدّمه إلى الطفل في حلةٍ أنيقةٍ.

 

إن الشاعر عندما توغّل في التراث، كانت غايته نقل الأصالة إلى أطفال الحاضر، وهو على حدّ تعبيره قد اعتصر التراث. اعتصر المتنبي والمعري وسيف الدولة، ثم شكلهم تشكيلاً جديداً فيه حياة وفيه روح وفيه فن، ثم قدّمهم إلى الصغار، ليقول لهم : هذه هي الحداثة التي نقدّم أصالتنا من خلالها.

 

ب- ثمة قاسمٌ مشترك هامٌّ، بين فن الأسطورة التي تعتمد على الخيال الجامح، وبين أدب الخيال العلمي، الذي تتطلّبه الحياة المعاصرة، والطريف في هذه الشراكة، أن الأساطير الشعبية قد انطلقت بصورةٍ عفويةٍ في خيالات الأمم التي أبدعتها، أو التي نقلتها وصقلتها، بينما يرتكز الخيال العلمي إلى معطيات العلم والتغييرات التي تحدث في المجتمع، بهدف اقتراح فروض واقعية عن مستقبل العالم وطبيعة الكون، معتمدة على التنبّـؤ واستكشاف المستقبل والمجهول، بينما لا تستند الأساطير على معطيات العلم وتقنيات العصر، مع أنها حلّقت في مجاهل الكون، واجتهدت– في زمانها – أن تتنبأ وتستكشف، وكان بإمكان متلقّيها الأول أن يرى فيها، ما نراه – نحن – اليوم في أدب الخيال  العلمي، من أنها لونٌ جديد طارئ على الحياة والفكر والأدب، فقد استطاع مبدعوها أن يخالفوا المعهود، ويعتمدوا على الخيال في تقديم الجديد، المثير (الفنتازي) و (اليوتوبي) الذي كان بعيداً كل البعد عن روح عصرهم الذي، لم يكن يعرف الآلة الخرساء التي تتحدّث كالمذياع والتلفاز، أو الصماء التي تطير بجرمها الكبير، كالطائرة في السماء، وإنما كانت الوسيلة إلى ذلك إيجاد جكايةٍ أسطوريةٍ، ينطق فيها الحيوان، ويتحرّك الجماد، ويطير الإنسان وسوى ذلك من الرحيل إلى عالم الإنس والجان .

والشاعر " سليمان العيسى " كان سباقاً إلى إدراك ذلك كله، حين درس الحكايات الأسطورية المعروفة، التي سمعها أو قرأها في طفولته، ووجد فيها ما يجذب الطفل، ويلعب بخياله، إلى جانب ما تتضمّنه، أو ما يمكن تضمينها من حكمةٍ إنسانيةٍ .

 

لقد كانت تلك الحكايات نثريةً والقليل منها شعري، لكن الشعر كان نظماً لا روح فيه، الأمر الذي دفعه لإعادة صياغتها في قصائد طفليةٍ. تنبض عباراتها بالحياة، وصورُها بالحيوية، وأضفى عليهـا بالحوار شيئاً من التشويق، وجعلها في أوزان موسيقيةٍ محبّبةٍ، تتناسب وقصر القصيدة، أو طولها، كما صاغ منها تمثيلياتٍ صغيراتٍ، أودع منها في ديوان (ما زالوا الواحة) اثنتا عشرة حكاية أسطورية، تتحدّث عن الإنسان والحيوان. مما كانت تحكيه الجدّات. قبل أن يسلب التلفازُ من الأطفال هذه المتعة البريئة .

في حكاية : الإوزة التي وضعت بيضاتٍ ذهبيةً، يعيد الشاعر إلى الأذهان، قصة الفلاح وإوزته التي تبيض ذهباً، فلم يصبر حتى تبيض له كل يومٍ بيضةً، وإنما استعجل الثراء، وقرّر ذبحها، ليُخرج منها جميع البيض الذهبي مرّةً واحدةً، ولكنه بعد أن فعل فعلته الحمقاء، وجدها كباقي الإوزّ، فما كان منه إلاّ أن بكى بحرقة .

يقول الشاعر في نهاية الحكاية : (6)

كسائر الطيور كان الناحل الساقين

لا ذهبٌ كمـا ترى فيه ولا لُجين

وأطرق الفلاح

بدون شيءٍ بات

لم يُجْدِهِ النواح

على الذي فات .

لقد أتى سليمان العيسى على معظم ألوان التراث، الأدبي والديني والأسطوري والخرافي والبطولي التاريخي، وقد طوّع فنه لمتطلّبات التربية، وجسّد في التراث وسواه مظهراً فنياً من فنون الشعر المعاصر، تجلّى في التنوّع والغزارة. من قصيدةٍ ونشيدٍ وحكايةٍ شعريةٍ، وحواريةٍ تمثيليةٍ ومسرحيةٍ، فجعل الشعراء يقدّمون أنفسَهم لأطفال العصر في عشرة أجزاء ضمّت أعلام الشعر العربي في معظم عصوره الأدبية، ثم في مجموعة (غنوا يا أطفال) قدّم في عشرة أجزاءٍ، نشيد " أسامة " بن زيد، و" السياب يقول للأطفال " و" فنان عظيم يتحدّث إلى الصغار " عن سيرة " سيد درويش " وفنه،  و" أبو فراس الحمداني يقدّم سيفه للأطفال ".

كما قدّم (المعري) و (والد) الشاعر، و (المتنبي) و (زنوبيا) في مسرحيات شعرية  مبسّطةٍ، وقدّم " حكايات تُغني للصغار " في مجموعة تضمّ خمساً وعشرين حكايةً شعريةً، استدعت التراث الشعبي بأسلوبٍ شعري معاصرٍ، وقد ضمّنها معظم القيم التي تلحّ على الانتماء والهوية والتربية القيمية كما في قصيدة " الأطفال يزورون تدمر" : ص (525)

تدمر الخالدة       بيتكم من قديـم

أمـة واحدة       و تراث عظيـم

إلى الأمـام         إلىالأمــام

نستعـرض التاريـخ و الأيـــام

نرى هنا ما شاده  أجدادنا  العظـام

إلى الأمــام      إلى  الأمـــام

نبني كـما بنـوا  وفوق مـا بنوا

نعـيش للعطـاء  نعيـش للفـداء

للوحدة الكـبرى   إلـى الأمــام

ولم يكن أعلام التاريخ العربي وحدهم يجسّدون الهمّ القومي والرؤية المستقبلة، وإنما عمد إلى التراث الشعبي الشرقي، والإلحاح على القيم الإنسانية التي استغلّها لصالح وعي الطفل، ووظّفها لاستشراف الغد الواعد، كما في " قصة علاء الدين والمصباح السحري " وحكاية " علي بابا والأربعين لصاً " حيث صاغهما بأسلوب الشعر المنثور، فبدت الحكاية أو القصة أشبه بنصّ فنيّ ينبض بالحيوية، ويذخر بالقيم : فالمصباح كما يقول :

           ودارت الأيام يا أولاد

           وأزهر المصباح

           وحقّق العلم رؤى الأجداد

           حقّقها الكفاح "

و " علي بابا " صديق الشاعر، وصديق الأطفال، يحمل أبعاداً اجتماعية :

           " يا علي بابا. . يا صديقنا القديم

           ألم نحذرك من طريق الفســـاد

           الكنـز للحطابين جميعاً. . للفقراء جميعاً. لرفاقك

           المحرومين الضائعين. أيها الحطّاب الطيّبُ

           الأصيل

           لكم فيه نصيب... "

ويمكن أن يلحظ الباحث بسهولةٍ، إن سليمان العيسى يتعامل مع التراث معاملة عاشقٍ، فينتفي المواقف الإيجابية، ويختار المواطن التي تفيض رجولةً وبطولةً، ويتعاطف مع الفقراء والمساكين، ويشدّ من أزر الضعفاء، وينحاز إلى أبناء الطبقة الكادحة العاملة، وكأنهم أبناء العصر الذين عمل الإقطاع على إضعافهم، وسلْب أموالهم وحقوقهم، وهاهو قد أتى لينظّم صفوفهم، ويجمع الأنصار حوله .

 

ويرى " د. عبد الله أبوهيف " في كتابه : " التنمية الثقافية للطفل العربي " [ اتحاد الكتاب العرب بدمشق عام 2001 ص 100 ] : " ربما عزا العيسى هذا إلى تأثير التراث في الحياة الثقافة المعاصرة أولاً، وإلى أن التراث هو الحافظ للتقاليد ثانياً، ولكن مثل هذه المعاينة تستلزم استلهام التراث في حقيقته أيضاً، فقد بدّل في كتابته عن المتنبي في مسلسل " المتنبي والأطفال " بعض الكلمات التي لم تعجبه في شعر المتنبي. يريد العيسى أن يقدّم التراث صافياً نقياً عربياً خالصاً إيجابياً. وهذه معضلةٌ فنيةٌ تربوية ثالثة ما تزال موضع نظر ".

 

2- تجربة بيان صفدي مع التراث:

التفت الشاعر بيان صفدي، أكثر من غيره إلى هذا الجانب التراثي، الذي أغفله معظم شعراء الأطفال، وربما كان السبب في هذه الالتفاتة عائداً إلى إقامته في العراق للدراسة، واطّلاعه على هذا الجنس الأدبي المتطوّر. في المدّة التي خصُب فيها، والقريبة من عام الطفل الدولي 1979، ومن ثم تمرّس الشاعر بالكتابة في صحافة الأطفال العراقية والسورية، مثل مجلات : المزمار، ومجلتي، وأسامة، وقيام دار الآداب اللبنانية بطباعة مجموعات طفلية لـه، ما لبثت وزارة المعارف في المملكة العربية السعودية أن تبنّتها في خطتها. فطبعت منها آلاف النسخ ووزعتها على جميع مكتبات مدارسها المنتشرة في جميع أنحاء المملكة.

إن التراث في شعر " بيان صفدي " قد يرِد في القصيدة بصورة عفوية، كأن يذكر شخصيةً، أو حادثة تاريخية، أو مدنيةً، كما في قصيدة (الحبّ لنا) : (7)

سافـر الحبّ وعاد

طائفاً كل البـلاد

كان يحكي في الليالي

من حكايـا شهرزاد

وقد يستلهم من التراث حكمةً يضمّنها القصيدة، أو ينهيها بها، كما في قصيدة (علّمنا العرب):

علّمنا العــرب

وقديماً  كتبــوا

" علم في الصغر "

" نقش في الحجر "

  وقد يستدعي الشخصيات التاريخية، والمورث الشعبي، في قصائد مستقلّـة، كشخصيات السندباد، وعلاء الدين والمصباح السحري، وبساط الريح، والأميرة والحطاب، وخـولة بنت الأزور، وصلاح الدين الأيوبي، وفي هذا البطل يقول : (8)

على ربـى حطين

مرّ صلاح الـدين

شمّ التراب الغـالي

كأنبل الرجــال

و سلّ سيف الثـار

وقال : هـذه داري

. . .

نقسم بالاجداد

وتربة البلاد

سيف الفدائيين

موعده حطين

تصهل في حطين

خيل صلاج الدين

وقد عمد الشاعر من خلال أبيات القصيدة التراثية التي ارتدت حلةً عصريةً، إلى ربط الماضي الأصيل للأمة، بحاضرها و مستقبلها، وذلك حين أوحى للطفل أن بطولات صلاح الدين الأيوبي، كانت نقطة الانطلاق لتحرير فلسطين، وهاهم الفدائيون يواصلون الجهاد... .. ولا تنقص هذه الالتفاتةَ التراثيةَ، القيمُ التربوية والقومية التي حرص الشاعر على تقديمها سائغةً غير مباشرةٍ، من خلال نصٍّ شعري سهل التناول من قِبل الطفل.

ويستدعي شخصية المتنبي، ينتقيها من بين الشخصيات العربية، تلك الشخصية الأدبية، التي ملأت الدنيا بشعرها، وشغلت الناس بأمرها، ليثبت أنها الشخصية (الرمز) التي تمثّل الحكمة والحنكة و الهمّة العالية، وهي لا تزال، وستبقى رمزاً لكل من أحبّ ركوب الصعاب، وعشق المغامرة، وقد أضفى عليها في القصيدة أثواب المعاصرة، فصـوّر المتنبي في البداية، الطفلَ الفقير المنبت، الذي ما لبث أن ابتدأ بالسطوع والتألّق، تألّق النجم في حلكة الليل : (9)

  المتنبي

  جدي العربي

  ابن السقاء المغمور

  وهو فتى العرب المشهور

  لم يقعده الفقر القاسي

  عن أن يبرز بين الناس

  منقوشٌ في قلب الأمة

  كالنجم الساطع في الظلمة

إن إظهارَ الشاعرِ لمنبتِ المتنبي الطبقي – ومثلُه عامة الناس – يوضّح الغرض الأول الذي يثبت أن الفقر لم يقف عائقاً أمام تكوين هذه الشخصية، فابنُ السقّاء تبرز موهبته بين فئات الشعب التي تنظر إلى الأدب، وليس إلى المنبت.

ويبدو الغرض الثاني متمثّلاً في إبراز صلـة الوصل، وصلة القربى، التي تربط هذه الشخصية العظيمة، بأبناء الجيل، حين تقمص الشاعر شخصية طفل، وقال إن المتنبي جدّه، ولعل دلالة اللفظ المضاف إلى ياء المتكلّم (جدّي) تعمل على تقريب المسافة الزمنية الشاسعة بين المتنبي، الذي عاش في القرن الرابع الهجري، وبين أحفاده الذين يعيشون في القرن الخامس عشر الهجري، (العشرين الميلادي )[من 303 إلى 354هـ – 915 –965م ]

ويقفز الشاعر في المقطع الثاني، قفزةً جديدة، يُصَعّد فيها فكرته، التي يتصاعد معها الحسّ الدرامي، فيسلّط الضوء على الجانب الإبداعي الذي كان وراء تألّق هذه الشخصية التراثية :

  المتنبي

  ظلّ يخلّده الإبـــداعُ

  وكثيراً في الزحمة ضاعوا

  وهو الباقي ظلّ  فريـدا

  صوتاً لا ينسى  وجديدا

  غنّى نخوة  سيف الدولة

  جعل  الدنيا ترقص حوله

يبثّ الشاعرُ الوعيَ وهو يتوجّه إلى جمهوره من الأطفال، حين يعمد إلى إقناعهم، ويثبت في خلدهم أن ما يخلّد الإنسان في التاريخ، هو إبداعه، القابل للتجدّد على مدار الأزمنة، وهذه رؤية في الحداثة الشعرية، تكمن في العودة إلى التراث، والنظر إليه نظرة واعية مستلهمة، بدوافع متعدّدة من النوازع الفكرية والاجتماعية والنفسية والفنية، التي تتآزر مجتمعةً. لتأخذ بيد الإنسان نحو منهل الإبداع الغني بالقيم الروحية والإنسانية، القادرة على رفد العطاء الجديد، وتضفي عليه الأصالة، إضافة إلى الحيوية، وتخلّصه من العفوية الساذجة، ومن ثم الارتقاء وجدانياً وفكرياً .

 

إن خلود الشاعر كان بسبب إبداعه المتمّيز، على الرغم من كثرة الصخب، وشدّته، فبرز للعالم صوتاً متفرّداً (صوتاً لا يُنسى وجديداً) غنّى (نخوة) سيف الدولة، وعلى ترجيع غنائه، رقصت الدنيا من حوله.

 

وفي لفظي (الغناء) و (الرقص) احتفالُ فرحٍ، يوحي بأن التراث ليس تركةً جامدة، وإنما هو حياةٌ متجدّدة، تصل الماضي بالحاضر، وتؤكّد أن الحاضر لا يحيا إلاّ بالماضي، وكل قصيدةٍلا تستطيع أن تمدّ عنقها إلى المستقبل، لا يحفل بها التراث، لأن لكل شاعرٍ أصيلٍ مبدعٍ تراثه.

 

واستدعاء شخصية (سيف الدولة) مقترنةً بـ (النخوة) كانت لفتةً بارعةً لتوثيق الصورة التي تُرسَم في مخيّلة الطفل، لتجسّد بعضاً من منظومة القيم العربية في الشجاعة والشهامة والتربية وتكامل الشخصية، فأبو الطيب / أمير الشعر. يقف إلى جانب سيف الدولة / أمير السيف، وفي الشخصيتين يبرز الرمز، في عظمة التاريخ وأمجاده .

ثم ينتقل الشاعر في المقطع الثالث والأخير ليكمل منظومة القيم :

  المتنبي

  حرفٌ ذهبي

  مسطورٌ

  في أبهى كتب

  عش في الدنيا بفروسية

  واطلب ما عشت الحرية.

إن غناء الشاعر في المقطع الثاني، قد أطرب الدنيا من حوله، فأرقصها، ولم يكن ذلك بأي حالٍ من الأحوال مؤشّراً على حياة اللهو والترف، وإنما كان بسبب الإبداع والتفرّد، وهو في المقطع الأخير يعاود التأكيد على دور الإبداع في خلود الإنسان، فيقف عند (الحرف الذهبي) وهذا ملمحٌ تربوي بارزٌ، لأن وصف الحرف بالذهب، يجذب الطفل، ويثير مخيّلته، ويمنح العبارة حركةً وحيويـةً، ويجعلها تنقش في الذاكرة، وهي إذ تُسَطّر في أبهى الكتب، فإنما بسبب أصالتها، لكن القيمة العليا لهذا الحرف، تبرز في دور الكلمة في الحياة، ويتجلّى ذلك – في النهاية – في الحكمة التي آلت إليها القصيدة، لترسم بقية الملامح النفسية والفكرية للشخصية التراثية، هذه القيمة التي تبدّت في مطلب (الحرية )، مما يقدّم – بصورةٍ غير مباشرة – شخصية المتنبي الثائرة، التي كانت تطلب الحرية باستمرار، حتى إذا ما أحسّت أنها تفتقدها، أمسكت عصا الترحال، وأخذت تضرب في الأرض باحثةً عن أميرٍ عادلٍ ليس في بلاده ظلم .

 

إن استدعاء شخصية المتنبي كان موظفاً بصورةٍ موحيةٍ، لتغدوَ (رمزاً) مثالياً يضعه الطفل نصب عينيه، وهو يراه يرتدي ثياب المعاصرة من دون أن يخلع عباءة التراث .

وقد وجد الباحث " ثائر زين الدين " في كتابه " أبو الطيب المتنبي في الشعر العربي المعاصر " [ اتحاد الكتاب العرب – ص 37 – دمشق 1999 ] أن المتنبي أمسى عنواناً لمرحلة من التجزئة العربية يسقط عليها أخطاء الحاضر، لكن الشاعر " بيان صفدي " ابتعد عن هذه النظرة، و " أخذ على عاتقه مهمّة أن يقدّم هذه الشخصية العظيمة [للأطفال ] بأبهى ثوب. شاركت في نسجه اللغة العذبة السهلة المتينة، والموسيقا البسيطة التي تضافرت في تشكيلها مجموعة عوامل. هي نغمة المتدارك الراقصة، والقوافي المتعدّدة والمتقاربة، بالإضافة لقافية واحدة بعيدة ربطت مقاطع القصيدة الثلاث :

  المتنبي

  جدي العربي

  ابن السقّاء المشهور...

كما لا يخفي. . التقط الشاعر في المقطع السابق عاملاً من أهمّ عوامل تكوين شخصية المتنبي، وهو منبته الطبقي المتواضع، الذي لم يقف عائقاً في وجه طموحه وموهبته، حتى كان له أن يحفر اسمه في قلب أمته.

 

وفي المقطع الثاني يلتقط "بيان " فكرتين على غاية من الأهميّة. ليس فقط للصغار. بل نحن الكبار:

  المتنبي

          عبر الحقب

          ظل يخلده الإبداع

           وكثيرٌ في الزحمة ضاعوا

           وهو الباقي ظل فريـدا

           صوتاً لا يُنسى و جديدا

           غنى نخوة سيف الدولـة

           جعل الدنيا ترقص حوله

إن ما حفظ لنا – ولمن يأتي بعدنا – اسم المتنبي هو إبداعه المتميّز الذي لا يمكن أن يُنسى، والقابل للتجدّد مع القراءات المتتالية .

والأمر الثاني هو أن صوت الشاعر المبدع هو الذي يجعل الدنيا ترقص حول القائد الفارس الشجاع الذي يذود عن بلاده وشعبه كسيف الدولة .

أما المقطع الأخير، وهو أقصر مقاطع القصيدة، فيقدّم خلاصة حياة المتنبي كلها وشعره. حيث نقرأ :

           المتنبي

           حرف ذهبي

           مسطورٌ في أبهى كتب :

           " عش في الدنيا بفروسية

           واطلب ما عشت الحرية "

ويعلّق الباحث على ذلك بأن المتنبي عاش " حياته بفروسية، ودفع دمه في النهاية ثمناً لذلك، ولقد غنّى للحرية دوماً ؛ وكان كلما أحسّ بأنه سيفقدها لسبب أو لآخر فضّل حياة الرحيل والتنقّل، للقصيدة جانب تربوي تعليمي واضح، لكن ذلك جاء بثوبٍ زاهٍ قشيب، وكانت القصيدة للصغار والكبار ككل الشعر جميل. "

 

3- تجربةٌ شخصيـــةٌ:

أذكر أنني عندما كنتُ أنقّب في مخيّلتي عن موضوعٍ تراثي، في لحظة إشراقٍ شعري، وقعتْ بين يدي بطاقة (معايدةٍ) كانت عبارة عن صورةِ قوسِ النصر المعروف في مدينة تدمر، وكان للقوس أثرٌ كبيرٌ في نفسي منذ الصغر، يجذبني إليه، ويوحي إليّ بمختلف المعاني والصـور، وقد حاولتُ رسَمه – وأنا طفلٌ – مراتٍ، ولكني كنت أعجز عن إعطاء القوس حقّه من الألوان، فلحجارته سماتٌ تاريخية، أضْفتْ عليها عوامل الزمان والمناخ كثيراً من الخصوصية، التي شاركت في صنعها الشمس بلونها، والريحُ بخدوشها، وكرّ السنين بتآكل بعض أطرافها، وهدمِ زواياها. . وفوق كل ذلك، التراث الذي يبسط عالمه و (نكهته) على كل شيءٍ فيها. . .

تملّيتُ البطاقة بإمعانٍ، وقرأت ظلال اللوحة، وكما حاولتُ رسم القوس الصغير، بالخطوط والألوان، حاولت هذه المرّة الرسم بالكلمات، فكانت القصيدة (10 )

بابا أهــداني صـوره

يا ماما ما أحــلاهـا

فيـها ألـوان عذبــه

عينيي تهــوى مرآهـا

- - -

في الصورة ألوانٌ عذبـه

ومغانٍ من وطني أعـذبْ

في الصورة أقرأ عن وطني

أمجـاداً تكتبها (زينب )

- - -

في الصورة أعمدة تشيخ

ورمالٌ أحلى من ذهب

والقوس الصامدُ نشوان

بالنصر المشرق للعربِ

---

يا ماما هذي الصوره

أحلى صوره

بالألوان

فيها تاريخٌ حافلٌ

من صنع الشعب الفنان

كما كانت لي في تجربتي الشعرية، التفاتة عفوية إلى التراث وشخصياته الأدبية، العربية والإسلامية، فوردت بعض الأسماء من خلال القصائد، ولا يخفى أن الغرض من ذكرها كان تربوياً تعليمياً، في الدرجة الأولى، من خلال دعوة الصغار، للإقبال على الشعر - والشعر ديوان العرب -وإعطائه المكانـة التي يستحقهـا في النفوس، كما في قصيدة (بابا يحب الشعر) حيث ترد الأسماء التي وعتها الذاكرة العربية بكثير من الشوق والحبّ :

  قلبت كوثر

  ورق الدفتر

  قرأت شعراً

  عذباً سكّر

  شعراً حلواً

  في (عبلةَ) أبدعَهُ (عنتر)

   ...

  فرحت سلوى

  قالت : حلوه

  وأنـا  أروي

  شعـراً أحلى

  شعـراً يُروى

  عن  (قَيسٍ )

  قيل قديــماً

  في (ليـلى )

   ....

أختي (لينه)       

قالت عندي

في مكتبتي

"ديوانٌ"

من ورقٍ أصفرُ

و (كُثَيّرُ)

غنى في (عزّهْ)

أشعاراً أحلى من سكّرْ

...

وفي قصيدة (فتحت باب المكتبة) (12) تطلّ (الخنساء) لتقدّم أشعارها للطفل، ثم توصيه بمطالعة شعر (عنترة) :

  فتحتُ باب المكتبة

  بحثتُ عن قصيدةٍ

  طريفــةٍ معبّره

  فمدّت (الخنساء) لي يداً

  وقالت :

  " هذه الأشعار. خذها "

  " ثم طالع (عنترة ). . "

... .

4- تجارب أخرى في استلهام التراث العربي الإسلامي:

لم ينتفع شعراء الأطفال من معطيات التراث العربي بصورةٍ عامةٍ، والإسلامي بصورةٍ خاصةٍ، كما انتفع منه الأجانب، وعلى سبيل المثال، فقد استفاد (لافونتين) من قصص كليلة ودمنة، واستفاد (إيسوب) من الأساطير الشرقية، ومما يدعو للرثاء، أن الذين عنوا بأدب الأطفال من العرب، قد تأثّروا بالغربيين في البداية، متناسين ما يذخر به التراث العربي من مادةٍ خصبةٍ للطفولة .

إن قلةً من شعراء الأطفال في سورية، قد اتّجهوا عفوياً نحو التراث، ويبرز من بين هذه القلّة، الشاعر مصطفى عكرمة، حيث شُغف بالجانب الروحي، فخصّ الطفل بديوان شعر إسلامي، هو ديوان " فتى الإسلام " وعمد في أكثر من ديوان شعرٍ إلى استلهام القيم الخلقية والتربوية والقومية من منظورٍ إسلامي، وهو في شغفه هذا يُنَحّي التاريخ والتراث جانياً بعض الشيء، إذ لم يضع في اعتباره خصوصيةً معيّنةً لهما، ولم يخصّهما بقصائد خالصةٍ، فطغتِ العقيدةُ في شعره على الموضوع والفن معاً، حتى ليمكننا القول إن شعره أشبه بصيحاتِ النفير التي تنبّه الناس، وتدعوهم إلى الرجوع للمنهل العذب الذي ينبع من القرآن الكريم، والأحاديث النبوية الشريفة، والتمسّك بالقيم التي جاء بها الدين الحنيف .

ومع أن التراث وشخصياته لم يفرد لهما الشاعر قصائد خاصّة، إلاّ أن هذه الشخصيات، قد ورد ذكرها في كثيرٍ من القصائد، ففي قصيدة (فجر الفلاح) التي تمثّل خطّه الشعري العام، نقرأ (13) :

فجرُ عـزّ  وصلاح

من هدى الإسلام لاح

فاطمئنوا يـا حيارى

إنه فجـــر الفلاح

حسبنا في الدهـر أنّا

منهــج الحقّ  حملنا

( عمرٌ) قد كان منا

(والمثنى) و (صلاح )

وقد يعمد إلى تضمين أبياته معاني بعض الآيات القرآنية، أو ألفاظها كما في قصيدة (وأعدّوا) (14) .

فتعالوا ننسَ أسى الماضي

ونعّد العــــدّة للآتي

أو ليس الله يذكّــرنا

"وأعدّوا " تلقوا مرضاتي ؟

ويكثر عنده الدعاء والتضرع والابتهال :

حين جانبنا هدانا

عزُّنا أمسى هــوانا

ربّنا وفّق خطـانا

في هدى الهادي محمد

ويلتفت إلى الآثار لدى زيارته المتحف، ولكن من الغريب ألاّ تظهر العقيدة واضحةً في هذه القصيدة الغنائية الجميلة، إذ اكتفى منها بذكر الأجداد وعظمتهم : (15)

نادانا المتحــف نادانـا

 وبأجمل وجـهٍ حيّانـا

في روعــة ماضينا عشنا

 وعرفنا منـه ما كانـا 

هذي الآثار عشقنــاها 

وعشقنا روعـة معناها

ما زالت من قومي ذكرى

عزّت في الدهر بقاياها

...

بالجدّ بناها الأجداد

كي تبقى كنز الآمال

عن جدّ يوماً ما حادوا

فالجدّ أحبّ الأعمال

...

تعبوا أجيالاً واجتهدوا

كي تبقى منهم آثار

فالمتحف ألسنةٌ قالت

دربُ العظاء الإصرار

وسوى الشاعر مصطفى عكرمة، فقد التفت بعض الشعراء إلى التراث العربي الإسلامي، عن قصدٍ منهم ومن دون قصدٍ، فوردت بعض القصائد التي تنطوي على روح إسلامية، كالتي صاغها الشاعر "إبراهيم عبد الله إبراهيم " في ديوان " لآلئ كنعان " وحمل الديوان عنوانها، وتعدّ هذه القصيدة نادرة بين قصائد الأطفال. نظراً لطولها من جهة، ولتأثّر الشاعر فيها بأسلوب السيرة النبوية من جهة ثانية، فقد أتى فيها على الجوانب التاريخية، العربية والإسلامية للسيرة الفلسطينية، ووقف عند رموزها، وأهمّ الأحداث التي صنعت تاريخها القديم والحديث، فذكرَ العمالقةَ، وبناءَ المدن : ص (14 )

  شادوا " أريحا "

  أمِّ كل مدينةٍ. .

  عرَف البشر

  أما اسمها

  فهو الجمال

  ويعني :

  عاشقة القمر. .

وأتت القصيدة على رحلة النبي إبراهيم عليه السلام إلى فلسطين: ص (23 )

  وجاء " إبراهيم " من أرض العراق

  لاقاه " كنعان " الوفيّ مردّداً

  طاب العناق

  كشعاع نور

حلّ إبراهيم في أرض العرب

  أجدادُه أجدادُنا

  كالشمس لا يخفى النسب

ثم يلتفت الشاعر إلى القرآن الكريم فيلجأ إلى التناصّ مع آية الفداء، وعمارة البيت العتيق : (يا بُنَيَّ إني أرَى في المنامِ أنِّي أذْبَحُكَ، فانْظُرْ ماذا تَرَى. قالَ يا أبَتِ افعلْ ما تُؤْمر. سَتَجِدُني إن شاءِ الله من الصابرين)

[ الصافات. الآية 102 ]

  ففي ذات يومِ

  بينَ إبراهيم ينعم بالرقاد

  فإذا بوحيٍ

  شعّ في وجدانه نوراً ينادي :

  خذْ ابنك الغالي الوحيدَ

  انحرْه في رأس الجبل.. ‍‍‍‍

  نهض " الخليل " ملبياً

  في الحال للوحي امتثل

  نادى ابنه " إسماعيل "

  أطلَعه على الحدَث الجلل

  فأجابه " إسماعيل " :

  اِفعلْ ما أُمرتَ على عجل

  همّ " الخليل "

  وتلّ " إسماعيل " تلاً للوتين

  فأتاه " جبرائيل ُ" يهتف :

  جئت بالكبش السمين

هذا الفتى نورٌ

يجدّد كل أمجاد العرب

أنزلّه في في أرض الجدود

وشيّد بيتيَ الأحب

ويأتي الشاعر على (توراة موسى) عليه السلام، وقصة " مريم " وميلاد " عيسى " عليه السلام، ويخلّد المواقع، ويذكر المدن المقدّسة. . ثم يصل إلى مرحلة ظهور النبي العربي " محمّـد " صلّى الله عليه وسلم، وتبليغ الرسالة الإسلامية، ومن ثم رحلة الإسراء والمعراج :

(ص 31 )

  وكان يُسمّى :

  " الصدوق الأمين "

  وكم كان يقصد " غار حراء "

 . . أتاه الملاك بآيٍ مبين

- " محمّد "... إِقرأْ

أجاب بخوفٍ :

" أنا لست قطّ من القارئين

فعلّمه الذِكْرَ آياً فآيا

 وأردف :

قُمْ بلّغِ الغافلين

محمّد أنتَ نبيٌّ رسولٌ

حباك الإله بأكمل دين

فسارعَ – مني عليه السلام-

فآمن قوم

وآذاه قوم

وكان "اليهود" به ماكرين

وحين تأيّدَ بالعزم حقُّ

تعالى الآذان شجيّ الرنين

إن رحلة الشاعر في الأعماق، من شأنها أن تعمل على نقل الطفل إلى عالم أثير، يمتزج فيه الديني المقدّس، بالتاريخي الحضاري، مما يولّد حالات من الحلم والعبق السحري، يساعد على ذلك تمكّنُ الشاعر من فنّه الشعري، وتماهيه في موضوعه الوطني والقومي، الذي ينمّ عن مشاعره العاطفية المرهفة، وألفته الحميمة للمكان والزمان ألفة لا تقلّ توقاً وشوقاً عن توق الصوفي وشوقه، من دون أن يستغرقه ذلك الدخولُ في البعد الديني الصرف. إذ اختزل الأحداث ووقف على الناضر منها، وكثّف الرموز، وأكثر من الإشارات ذات الدلالات الموحية، والمعبّرة عن الحقّ في الأرض، إضافة إلى النوازع الإنسانية في بناء الأرض، وعمارة الكون، وهو الوجه الإيجابي للحضارة العربية، التي تقف في مواجهة الوجوهُ السلبية ليهود التاريخ، وصهاينة العصر، الذين يهدمون العمران، ويخربون القيم الإنسانية. وقد كان الشاعر حاضر الرؤية، متفتّح الوعي. إذ وظّف جميع الأحداث التاريخية. القديمة والمعاصرة. لصالح القضية الفلسطينية، فشكّلت عالماً نفسياً قائماً على الرموز والإشارات والتنبيهات، كرمزه لليهود : ص(8)

يُحكى يوماً فحّت أفـعى

نفثت ُسمّاً ومضت تسعى

وهذا ما عمل على توشية التشكيل الأصيل التراثي، بالحداثة، فأضفى عليه الحيوية المتصاعدة، لأن اعتناق التراث، وتفعيله، وإعادة تأويله وتوظيفه. يجعل من التراث نفسه غاية، لأنه يستغرق أجيالاً، ويمتدّ إلى ما وراء حياة المشاركين فيه .

لكن ما يُؤخَذ على مثل هذه القصيدة :

1 – استخدامُ الشاعرِ الألفاظَ التي تُبعد الطفل عن معجمه، مثل (تلّ – الوتين – انحر – ملبياً ..)

وربما كان ذلك بسبب حرص الشاعر على تثبيت اللفظ القرآني، بدوافع دينية وقومية وتعليمية .

2 – الطولُ المفرط للقصيدة الواحدة، مما يؤدّي إلى حرمان الطفل من متعة الحفظ، لأن القصيدة الطويلة لا تتيح لـه حفظها، واستظهارها، كالقصيدة القصيرة والمقطوعة. التي تستمرّ في الانتقال معه عبر مدارج العمر .

3 – كثرةُ الألفاظ الكنعانية التي بدت طاغية. فأرغمت الشاعر في النهاية إلى الشرح والتفسير. ومنها : (جت. جازر. يبوس. خلّ أيل. شكيم. أور السلام. كريت. أوغاريت. أبيمالك...)

4 – عدم تمكّن الشاعر من التوجّه للصغار بلسان طفلٍ، على الرغم من تمثّل عالمهم، فظهرت شخصيته، التي تلفّعت – في بعض المواضع – بالفجيعة والحزن والألم، تندب حظ الأمة العاثر، كقوله : ص (37 )

تحت جناح الليل

والظلم  والجهل

  تسللت صهيون

وشـرّدت أهلي

  الخنجر المسموم

يغوص في جسمي

  والغاصب الملعون

ينهـش في لحمي

  في البيت والدرب

  نعيـش في رعب

  نفـر ّ من موت

 لكن إلــى نهب

لكن ما يُحمد للشاعر عدمُ غياب الذائقة الطفلية التي تراعي منظومة القيم، وإحساسُه بحضور الطفولة التي يتوجّه إليها، وكأنه مُتنبّه لصعوبة ما يُقدّم لها. لذلك عمد إلى تزيّيَن قصيدته الطويلة بالمقطوعات القصيرة، السهلة الألفاظ. كقولـه تحت عنوان " كتابة على مزهرية كنعانية " داخل القصيدة الطويلة : ص (19 )

نحبّ القمر

وعطرَ الزهر

ونحيا لنبدعَ

مجدَ البشـر

وتحت عنوان : " كتابة على سرير طفل كنعاني " يقول :

لنا الأرض كالجنّة الرائعه

وأطفالنا الخضرة اليانعه

وإذا كان الشاعر " مصطفى عكرمة " قد خصّ الطفولة بديوان إسلامي مستقلّ، وإن الشاعر  " إبراهيم عبد الله إبراهيم " خصّها بقصيدة متميّزة، فإن شعراء آخرين لم يُقدِموا على مثل ذلك، ولكنهم – أيضاً - لم ينقطعوا عن الجوّ التاريخي. العربي الإسلامي ، فتغلغلت ألفاظٌ وعبارات مستمدّة من القرآن الكريم والسنة الشريفة، لدى جميل سلطان وسليمان العيسى ومحمد قرانيا ومحمد منذر لطفي وممدوح سكاف وعبد الكريم الكرمي ومعشوق حمزة، وطه حسين الرحل، وفوّاز حجو، ومصطفى النجّار... وقليل غيرهم .

لقد التفت الشاعر صالح هواري التفاتةٌ سريعةٌ إلى التراث العربي الإسلامي، في قصيدة (الحصان العربي) (16) فمزج بين الماضي والحاضر، إذ استدعى الحصانَ من التاريخ، وبينما الأطفالُ أطفالُ العصر، ومعروفٌ أن الخيول العربية من أجود أنواع الخيول في العالم، وفي الحصان تتمثّل الأصالة، وهو في الأدب رمز الانطلاق والفروسية والوفاء، ومن فوق ظهره تشابكت السيوف، وتضاربت الفرسان بالرماح، وفُتحت المدن... والشاعرُ في القصيدة يحاول أن يعيد الأطفال إلى هذا العالم السحري، عالم المغامرة والبطولة، ويبعث في نفوسهم حمية الأجداد وعزّتهم، فيهتف

يا أحفاد (ضرار) و (زياد )

تصفيقـاً. تصفيقـاً حـاد

لجوادي ولكل جواد... .

كل خيول العرب أصيلــه

كل خيول العرب أصيلــه

وفي التفاتةٍ صريحةٍ إلى الأخلاق الإسلامية/ الإنسانية، يرسم الشاعر لوحةً نبيلةً مؤثّرة، لرجلٍ كهلٍ، أحنتِ السنون ظهره، ولم يستطيع عبور الطريق بعكازته، فيتقدّم منه طفلٌ ويأخذ بيده، إلى جانب الأمان والسلامة، لتبرز في القصيدة قيمةُ احترام الكبار ومساعدة الضعفاء، ويغتنم الشاعر هذه اللفتة الإنسانية، فيُذَيّل قصيدته بصورةٍ يستمدّها من القرآن الكريم (واشتعل الرأس شيباً) ثم يختمها بحكمةٍ يستمدّها من حديثٍ شريفٍ. يقول في قصيدة (ما أكرم شابّ) (17) :

  والشيب يشعل الشعر

  والليل يبلغ القمر

  نصير أشجاراً

  تهبّ الريح فوقها

  وبعد أن تشيخ تنحني الغصون

  ويذبل الثمر

  قال رسول الله، يا بنيّ ما معناه :

  ما أكْرَمَ شابٌّ رجلاً لسنّه

  إلاّ أتاه الله

  من يكرمه عند الكبر

وقد يعمـد بعض الشعراء إلى استدعاء شخصيةٍ عربيةٍ إسلامية، فيستلهمون سيرتها، أو جزءاً منها، يتضمّن جانياً من الأقوال أو الأفعال والمواقف التي ميّزتها من غيرها، فيعيد للأصالة نكهتها، ويبعث فيها روح التجدّد والمعاصرة.

في قصيدة "خالد بن الوليد" (18) تطالعنا منذ البيت الأول، اللهفة العارمة، لعناق شخصية خالد/ القائـد الذي لم يخسر معركة، فيغدو اسمه على كل شفة، وتصبح سيرته وساماً على كل صدر :

أبدعَ الحبُّ القصائد

عذبةً تُهدى لخـالد

هي في الثغر ابتهالٌ

وعلى الصدر قلائد

ولعل ما جعل هذه الشخصية ترتسم في الذاكرة، فتتعلّق بها قلوب الكبار والصغار، حَمْلُها رسالةَ السماء، وإيصالها للناس كافة :

أبدعَ الحبُّ الأغاني                  نغمةً تجلو المعـاني

هي للدنيا (رسالهْ)         حملت أسمى الأماني

وإيصال الرسالة لا بدّ له من الاستعداد والقوة، لإرهاب العدو :

وقف الروم حيــارى     عند أرتال السرايــا

فعلى (اليرموك) عرسٌ     وعلى (الدرب) بقايا

إن القصيدة ترجع إلى التاريخ، تستقرئ أحداثه، فتقف عند الأماكن التي احتفظت لها الذاكرة العربية الإسلامية بأطيب الذكرى، فهناك (اليرموك) النهر الذي ابتردت بمائة حوافر خيل المسلمين بعد أن انتصرت على الروم، وهناك (الشام) التي ساهم خالد في فتحها، وضمّها إلى الجسم العربي، وهناك (حمص) التي ضمّ ثراها جثمانه، وهناك (الدرب) الذي قدم منه الروم، ومنه هربوا، وهو الذي ذكره "امرؤ القيس " في بيته المشهور :

بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه  وأيقن أنّـا لاحقان بقيصـرا

وتُبرز القصيدة شخصيتن، رافقتا مسيرة خالد، هما : (الفاروق) "عمر بن الخطاب " و " أبو عبيدة بن الجراح " يُطلاّن بقامتيهما المديدتين إلى جانب قامة خالد... ولعل صورة هذا الجزء من السيرة يكتمل، حين يأتي على ذكر موقف هذه الشخصيات الثلاث، تجاه فتح دمشق، إذ أمر الخليفة الفاروق بتنحية خالد عن قيادة الجيش، وتسليم أبي عبيدة زمام الأمور :

إنه ابن الوليــــد      عبق  المجد التليــــد

أينما ســـار تجلّتْ      بسمـة العيش الرغيــد

كان للجيـش (أمينا)       يفتح الشامَ الثمينـــا

فإذا (الفاروق) أوحى:     " يعتلي (الجرّاحُ) حينا "

وتتجلّى عقيدة خالد الراسخة، ويظهر تفانيه، في موقفه الكبير، حين لا يفرّق بين مكانةِ قائدٍ، وجندي، مادام يؤدّي رسالته، وهذا ما سعت القصيدة لتقديمه للأطفال، من نظرة تربوية في الحبّ والولاء والإخلاص، والابتعاد عن الأنانية، والإيثار، فنسمع خالداً يقول بعد أن يقرأ الكتاب بالتنحية :

قال للأصحاب إنّي :  " من جنود المسلمينا "

وحين يكمل خالد ما نذر نفسه من أجله، تستلهم القصيدة آخر كلماته التي أُثِرت عنه، وهو ممدّد على فراشه :

قال للأصحاب :

(حمص)   ينتهي فيها رجائي

وعلى جسمـــي ندوبٌ من سيوف الغرباء

وأنا فوق فراشـــــي        نائم كالندمــاء

أُسبلُ الجفنَ " فلا نامت عيون الجبنـــــاء "

.. . .

إن الروح الإسلامية سكنت قصائد بعض الشعراء، لكن هذا السكَن لا يعدو – في عدد من هذه القصائد - أن يكون سَكَنًا عفوياً أقرب إلى النـزوع الفطري، الذي يستوطن المشاعر العامة للناس البسطاء، ولا يقترب من الفكر الأيديولوجي الذي يرقى فنياً إلى مرتبة غرس العقيدة، فلا يغوص إلى الجوهر، مكتفياً بالتهويمات البريئة، والأدعية البسيطة. ففي ديوان " أنشودة المطر " للشاعر " طه حسين الرحل " همسات عفوية، وهمهمات بريئة، تقترب من الابتهالات الصوفية، كفاصل " اِسقِ العطاش " :  ص (81 و34)

  يا لله يا لله يا لله

و :

  ربنا يا ربنا

  اِملأ خيراً دربنا

  واملأ الوديان

  والحقل الظمآن

  وأنجد العطاش بالمطر

  مطر. .

  مطر. .

  مطر. .

  ربنا يا ربنا. .

وفي الديوان الصغير " رحلة صياد " من سلسلة " دوحة النشيد " للشاعر " سليم عبد القادر " الصادر عن شركة " سنا " في جدّة، ثم عن " دار الحافظ " في دمشق عام 2002 نقرأ ثماني قصائد. تتألّف كل قصيدة من عشرة أبيات. بينها بيت واحد، أو أكثر. يضمّ دعاءً، أو توسّلاً ورجاءً، أو شكراً. أو إشارة غيبية قدرية تنمّ عن التسليم. كقوله في قصيدة " رحلة صياد " :

فيقود الزورق وينادي     يا رب، ويمضي في يسر

.. . .

يشكر بهدوء رازقـه       وينام، فيحلم بالبحـر

وفي قصيدة " حكاية بحار " القدرية والتسليم المطلق :

ولكن هـذا قدري          وهذي قسمة البحـار

 وفي قصيدة " قصة طيار" : يغيب عن الطفل منطق التأمّل والتفكّر، وتحلّ محلّه عفوية التذكّر، خلافاً لمبدأ العقيدة التي جسّدتها الآية القرآنية الكريمة :

" إن في خلقِ السمواتِ والأرضِِ واختلافِ الليلِ والنهارِ لآياتٍ لأولي الألبابِ (190) الذين يذكرون اللهَ قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم، ويتفكّرون في خلقِ السمواتِ والأرضِ، ربَّنا ما خلقتَ هذا باطلاًَ سبحانَكَ فَقِنا عذابَ النارِ " (آل عمران191)

يقول الشاعر:

وإن رأت عينـاه          الكون من عـلاه

تذكرّ الإلـــه            المبـدع الجبّـار

  وفي قصيدة " سيرة فلاّح " :

وقلبــه يقول :          يـاربِّ يا فتـّاح

وخالقُ العبــاد           يهدي له النجاح

وفي قصيدة " أيام عامل " يكتفي بالدعاء والقناعة بالفقر، على الرغم من عمله :

يدعو الله ويرجو           أن يمنحه الرزقـا

.. .

يحيا العمر فقـيرا         يحيا العمر صبورا

وقناعـة الحسنى          تجعلـه مسرورا

ويحالف الشاعرَ الحظُّ في القصائد الثلاث الأخيرة. حيث يجعل مَعْقِد الرجاء (الله تعالى) مقترناً بالسعي والجهد، وينهيها بالتأمّل والتفكّر. يقول في قصيدة " لوحة رسام " :

أبدع الله الجمالا            يملأ الدنيا جلالا

ينقل الرسّام منه           منظراً ينبيك عنه

معجباً من صنع ربّه

وفي قصيدة " أحلام تلميذ " :

ومضـى يقرأ كل كتاب    بين يديه في إعجـاب

يطلب من خالقـه عوناً     وهو يجدُّ صباح مساء

وفي قصيدة " حياة معلم " :

العلم رسالته الكبرى                ما أسمى العلم وأغلاه

أنفق فيه العلم فشكراً      وله أجره من مـولاه

من الدواوين التي التفتت كلياً إلى التراث، ديوان " من أجدادي " للشاعر "صالح هواش المسلط" وقد ضمّ عشر قصائد لعلماء العرب والمسلمين. هي : ابن خلدون. الكندي. ابن الهيثم. جابر ابن حيان. جدي عباس بن فرناس. ابن سينا. الفارابي. جدي صلاح الدين. خالد بن الوليد. والشريف الإدريسي. وقد حاول الشاعر أن يثبت، في كل قصيدة، خصائصَ الشخصية العلمية التي اشتُهر بها صاحبها، لكن ما يؤسف له أن الديوان ذي الطبعة التجاربة لم يكن يحوي شعراً، وإنما حوى نظماً تجاوزه الزمان، فضلاً عن أنه يعجّ بالأغلاط العروضية والنحوية والإملائية، فـ " ابن خلدون " :

أرسي علم الاجتمـاع      تتلوه كل البقــاع

و (مقدمة ابن خلدون)     لبّ التاريخ المكنون

و " الكندي " :

أبو يوسف يعقوب الكندي

كان جداً أروع جـــد

أمضى عمـراً في  التأليف

في ترجمةٍ أو تصنيـــفْ

وله تجربــةٌ علميـــةْ

في الترجمــة للعربيــة

 

 

و " الحسن بن الهيثم " :

كان  جــدي ابن الهيثم

من علماء  العـرب الأقدم

في البصـرة قد عاش تعلّم

وله كتبٌ جد  غنيةْ

ورياضيات فلـكيــة

وله كتبٌ في الـهـالات 

في  شعاع البصــريات

 

 

و " جدي جابر بن حيان " :

جدي جابـر بن حيان

من علماء بني الإنسان

أبدع في علم الكيمياء

والمعـادن والأشياء

أما كتاب " الخواص "

فيه النفع لكل الناس

و " جدي عباس بن فرناس " :

جدي عباس الفرناسْ

مغوارٌ مرفوع الراس

فكر يوماً  بالطيران

كي يتعلمه الإنسان

و " جدي ابن سينا " :

من أعظم علمـاء الطب

بين الشرق وبين الغرب

وكتاب يدعى " القانون "  

كل طبيب به مفتـون 

و " جدي الفارابي " :

لي جدٌ يدعى الفارابي      موسيقيٌ يا أحبابي

وله كتبٌ في الموسيقا     وسلالمها جدّ دقيقة

و " جدي صلاح الدين " :

جدي صلاح الدين          مُعطـــر الجبين

ومرّ يــوم أمس                 على روابي القدس

و " خالد بن الوليد " :

قاد الجيش من العراق

سار به لبلاد الشـام

خاض معركة اليرموك

أروع نصرٍ للإسـلام

و " الشريف الإدريسي " :

جدي الشريف الإدريسي

جغرافي بالتأســـيس

صمم خارطــةً للعالم

بالأبعــاد  بالتقييسِ

.. . .

خاتمــــــة:

إن التراث عالمٌ خصبٌ، لا يزال بكراً، ينتظر أقلام المبدعين، ومن اليُسر تقديمه للأطفال شعرياً من خلال عالمهم الغضّ، وبمفهوماتهم العقلية والنفسية، وحسب قدراتهم الإدراكية، لغةً وصوراً وموسيقا، وليس شاقّـاً علينا أن نبعث فيه ما يثير الدهشة والإعجاب، والتشويق، ونحقّق ما نبتغيه من التحفيز، وتمثّل القيم، وربط الماضي بالحاضر.

وتتجلّى مهمة الشاعر في استلهام التراث على نحوٍ إنساني، يحقّق وجودنا كأمةٍ لها مكانتها اللائقة في التاريخ، ويؤكد على كل ما هو سامٍ وعصري حضاري، ومن ثم السعي الحثيث لفكّ الحصار الثقافي، ووقف الاختراقات الخطيرة التي تهدّدنا داخل بيوتنا، والتي تحاول أن تثبت – في برامج الأطفال التلفازية بصورةٍ خاصة – من خلال المسلسلات الغربية والأمريكية، أن العربي، منقطع الجذور عن التراث والتاريخ، وتصوّره كعربيٍ ومسلمٍ، كما تصوّر الهنودَ الحمر، وتضع في خلد أطفال العالم " أن العرب، وأهل فلسطين خاصّةً، هم هنود حمر، في هذه المنطقة، وهم بذلك يقيمون مشابهة مفتعلة، تجعل مجتمع الغرب، يتقبّل إبادة وقتل العرب والفلسطينيين) (19)

إن من شأن التراث أن يُبعد السمومَ عن الطفل العربي، ويمدّه بذخيرةٍ عربيةٍ وروحيةٍ لا تنفد، وتقدّم إليه زاداً لا ينتهي، تمثّل فيه جميع القيم المرجوّة، إضافةً إلى أنه مصدرٌ غنيٌ من مصادر ثقافة الطفل العربي، لا تقلّ موضوعاته أهميةً، إن لم تكن تتفوّق على الموضوعات المعاصرة، بشخصياتها وأحداثها، فالشخصيات التراثية، شخصياتٌ خارقةٌ إلى حدّ ما، تتمثلّ فيها العصامية والمثالية، والنبل الإنساني (ما عرف التاريخ فاتحاً أرحم من العرب) ويمكن أن تتفوّق على الشخصيات المعاصرة التي يصوغها الحاسوب، وغيره من وسائل التقنية الحديثة، والتي تبدو على جانب من الجفاف والجفاء، والبعدِ عن الروح، ونظراً لمما يقدمه التراث من غذاء فكري وروحي، يعمل على تشكيل وجدان الطفل العربي تشكيلاً فريداً من نوعه، يمكن أن نخلص من ذلك كله إلى نقاطٍ تبيّن أهمية استلهام التراث. تتخلّص فيما يأتي :

1 – أن التراث منبعٌ خصبٌ للخيال .

2 – ويقدّم نماذج من البطولات العربية المشرّفة .

3 – ويحتضن القيم التربوية والمعرفية .

4 – وهو جزءٌ من التراث الإنساني للبشرية .

5 – يجسّد الأصالة، ويرسّخ جمال الماضي وروعته، وحكمته .

6 – ويمكن أن يقدِّم أيضاً مادةً (دراميةً) للعمل المسرحي الشعري للأطفال .

7 – ويُبرز الحاجة إلى الوحدة، والتجمّع حول بطلٍ عربيٍ واحدٍ .

ولا بدّ من إعادة التنويه إلى أن استلهام التراث في شعر الأطفال في سورية لم يشكل ظاهرة واضحة، إذ تجاهله عددٌ من شعراء الأطفال، في حين وقف عنده عددٌ آخر، فتنوّعت الوقفات، حيث نجد :

1 – أن الشخصية التاريخية ترد في النصّ بصورة عارضة، لأنها إحدى مكونات الذاكرة الشعرية.

2 – وقد يكون الانطلاق من صفات هذه الشخصية، أو بعض ما عُرفت به إل