الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | معلومات النشر | من نحن | الرعاية والإعلان | كلمة العدد

 دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

محجوز لدار نشر

أوربية كبرى

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 07/06/2008

إلى صفحة الكاتب

كتب                                    قصَـائدُ الأطفال في سُوريــَة

 

 

شعر الأطفال والتراث 

آفاق قصيدة الطفل

شعر الأطفال وشعر الراشدين 

المقدمة

 الثقافة العلمية

 

 

 

 

قصَائدُ الأطفال في سُورية

 الباب الأول: دراسة تطبيقيّة

 

بقلم الكاتب: محمَّد قرانيا

 

مقدّمَة

 

لم يحظَ شعرُ الأطفال في سورية بالاهتمام الذي يستحقّه، كالذي حظيت به زميلتُه القصةُ الطفلية التي توفّر على دراستها عددٌ من النقّاد من أمثال " د. سمر روحي الفيصل " و " د. عبد الله أبو هيف" و " د. عبد الرزاق جعفر " ثم " علي حمد الله " و "د.أحمد كنعان" و " نزار نجار" و " د. عيسى الشماس " وسواهم.

إن شعر الأطفال. هذا العالم الرحب الجميل. الذي نقدّمه لأطفالنا منذ نعومة أظفارهم. عَرَفَ شيئاً من الازدهار العابر في سبعينيات القرن العشرين، وكان لعام الطفل الدولي عام 1979 أثرٌ كبيرٌ في توجيه الأنظار إليه، فاهتمّت به المؤسسات الرسمية، والصحف، والشعراء، وبرزت أسماء كبيرة كـ " سليمان العيسى " و " بيان صفد " و " معشوق حمزة " و " جمال عبد الجبار علوش " و     " مصطفى عكرمة ". . وسواهم ممن ترك عدداً من الدواوين الطفلية المتميّزة.

ولكنّ هذه الطفرةَ الشعرية. ما لبث أوارُها أن خمدَ، لأسبابٍ متعدّدة، وأخذت – بعدها - دواوين الشعراء تطلّ على استحياء. تراجعت معها أقلام النقاد عن دراسة الشعر، وهي في الأصل لم تفسح له حيّزاً واسعاً في دراساتها الجادّة. وأصبح من التهاون والتساهل أن يُترك نقدُ الشعر للكتابات الصحفية السريعة، التي تهتمّ بالتعريف والتنويه والعرض. أكثر مما تهتمّ بمسائل الفن.

في هذا الكتاب تحاول الدراسة أن تبتعد ما وسعها عن التنظـير، وتَخْلُدَ إلى استقراء النّص من خلال مضمونه ولغته وموسيقاه وصوره. لذلك انصبّ التركيز – في الدرجة الأولى – على استعراض أكبر قدر من النصوص الشعرية، الحديثة، وتلك التي كُتبت قبلها بنصف قرن، والوقوف على سماتها وخصائصها الفنية .

لقد التفتت الدراسة إلى الخصائص الفنية التي كانت مقتصرة على شعر الراشدين، فوقفت عند ظاهرتي التكرار، والتجسيد الفني وإيحاءات اللون، كما وقفت على ملامح الصورة الفنية، وسمات الخيال. فضلاً عن الموضوعات العامة الأخرى.

يُعَدُّ الكتابُ خطوةً ثانيةً بعد الكتاب الأول " شعر الأطفال في سورية " الصادر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق عام 1996 وأرجو الله أن أتمكّن - مع غيري من الباحثين - من متابعة هذه الدراسات، لأن نقد شعر الأطفال يحتاج إلى تضافر جهود جميع الغيورين على الأدب .

والله من وراء القصــد .

أريحــا ـا 1 / 10 / 2002 محمَّـد قـرانيــا

 

الفصل الأول: نظرات عامة

 

مدخل:

أدب الأطفال (فنٌ) و (طفولة ).

وللفن سماتُه، كما للطفولة خصائصُها.

وأدبُ الأطفال هو الوسيلة المثلى للوصول إلى عقول الصغار، بغية تنمية القدرات، وصقل التفكير والتعبير، وتحسين الأداء، وتنمية ملكة الإبداع، والإحساس بالجمال. والارتقاء بالمشاعر، وتحبيب الهوايات إلى النفس البريئة المتفتّحة على الحياة.

ولما كان من المتعارف عليـه، أن عناصر الأدب أربعة. هي : العاطفة، والمعنى، والخيال، واللغة، فإننا في أدب الأطفال –كما في الأدب عامـةً – نستلهم من مجموع هذه العناصر جمالَ الصورة، وإيحاء اللون، وتعبيرَ الصوت، وعذوبةَ اللحن والحركة والإيقاع والإثارة، ونحاول أن نجعل الطفل يحسّ ويشعر بأن الحياة والطبيعة تتطيّب وتتكحّل، وهذا ما اصطلح عليه (التجسيد الفني) الذي يُعَدّ عمليةً لازمةً في التوجّه للصغار، لأنه يهيّئ لهم أن يسمعوا المعنويات، من دون الاستعانة بالعيون والآذان، حتى تبدو لهم كأنها محسوسة.

ولكنْ هل حقّق أدب الأطفال ما يُرتجى منه ؟

وهل ظهرت فنيتُه بصورة مُرضيةٍ، فيما وصل إلى أيدي الأطفال من نصوص ؟.

إشكالات :

إن الوقوف على قصائد الصغار، يشير إلى أن ثمة إشكالات متعدّدة تبرز في قصيدة الطفل على وجه الخصوص، يمكن أن نمرّ ببعضها، كمشكلة الوصف، ومشكلة طغيان المسحة القومية، ومشكلة الإيصال.. وسوى ذلك، إذ أن لكل مشكلةٍ أسبابها. فالشاعر غالباً ما يعمد إلى الوصف بغية طرح موضوعاتٍ معيّنة، ولكنّ هـذا الوصف، قد يتسم بالابتعاد عن ملامسة الحدث، أو الواقع، والتركيز على وصف الأبعاد الخارجية للموصوف، من دون الدخول إلى الحقيقة والجوهر، والتغلغل إلى أعماق الموصوف وأبعاده، فتأتي الرؤية الوصفية بطابعها المباشر، وسيلةً أدبيةً قاصرةً إلى حدًّ ما، لأنها تدور في عالم الجاهز والمحدود من الأفكار، مع الاحتفاظ بدرجةٍ من الجدية والتأثير.

إن ما نلاحظه، بصورةٍ خاصةٍ في شعر الرّواد الذين توّجهوا للأطفال، سيادة التوصيف الخارجي. كما في قصيدة " صحبة المكتب " لأحمد شوقي " حيث تتّضح الوصفية والمباشرة :

ألا حبـّذا صحبـةُ المكتب  

وأحببْ بأيامه أحببِ 

ويا حبذا صبيةٌ يمرحــون  

عنانُ الحياة عليهم صبي 

عصافيرُ عند تهجّي الدروس  

مِهارٌ عرابيدُ في الملعب 

لهم جرسٌ مطربٌ في السراح  

وليس إذا جدّ بالمطرب 

لكن هذه المباشرة في الوصف قد خفّتْ حّدتها مع تقدّم العصر، وازدياد إقبال الشعراء على فن الطفولة، ويمكننا أن نعقد ما يشبه المقارنة السريعة بين قصيدة " أحمد شوقي " المذكورة، و قصيدة " شوقي بغدادي " التي تتصل بها، بأسبابٍ وطيدةٍ. نقرأ منها :

هنا في فراغ القلب طاروا وحوّموا

فراشــاتِ حقـلٍ في عيوني تُـدَوّمُ 

أراهم مدى عمري فكـل قصيدةٍ 

أغنّي قوافيَـها التي تُشتهــى هـمُ 

أحبّهم في العيد فرحـةَ بيتنــا 

مع الفجر قاموا، وارتدوا ثم  سلّـموا 

أحبّهم عند الشتـاء إذا غــدوا 

فضجّ بهـم صـفٌّ ونـاء معلّـــم 

فإن رجعـوا فالبيت منهم قصائدٌ 

تُعـادُ، وأرقــامٌ مئــاتٌ تُنظّـم 

وأعينهـم إذا علقت في حكايـةٍ 

توقّدُ من وهْــج الحديــث وتحكم 

وخمشاتهـم في وجنــة الأم لذّةٌ 

تسيل من الظفـر الحـــبيب وتنعم 

لأمثالهم نبني ونرفـــع  عالمـاً 

على الأرض يحيا الطفـل فيـه ويسلم 

تفيدنا المقارنة في أن أحد الشاعرين لم يكن منقطعاً للكتابة للصغار، وإنما كانت سمتهما التوّجه إلى الكبار. لكن ثمة فرق في الزمن الذي عاش فيه كل شاعر، فـ " أحمد شوقي" يُعدّ رائد البدايات الطفلية العربية في الثلث الأول من القرن العشرين، بينما شهد الثلث الأخـير منه قفزةً نوعيةً، أدلى " شوقي بغدادي " بدلوه فيها، وقد اختلفت نظرة الشعراء إلى الطفولة، وتطوّرَ الفن الشعري كثيراً بعد أن توافر عليه عددٌ من الدارسين والمترجمين. إلاّ أن ثمـة ملاحظة فنية مشتركة تجمع بين الشاعرين، مفادها أن القصيدتين تصفان الأطفال والمدرسة والألعاب وصفاً مباشراً، ومن منظور خارجي، من دون أن تقف أيّ منهما عند المشاعر والأحاسيس الداخلية للأطفال، وكلا القصيدتين قد كُتبت بلسان رجلٍ كبيرٍ ينظر إلى الصغار بعين الإعجاب والفرح والحب والأبوّة، وتعبّر عن مشاعره العاطفية، قبل أن تعبّر عن مشـاعر الأطفال، على عكس ما نقرأه عند " سليمان العيسى " في قصيدة الرسام الفنان - على سبيل المثال - :

أرسم بابـا                أرسم ماما      بالألـوان

أرسم علمي        فوق القمم      أنا فنـان. .

إن الشاعرين " أحمد شوقي، وشوقي بغدادي "لم يدعا الطفل يعبّـر عما بنفسه لأترابه، ويحكي عما يجول بخاطره من مشاعر، وما ينعكس على صفحة نفسه من مشاهدات، وهنا تبدو سمات المدرسة الكلاسيكية واضحةً، وإن كان " شوقي بغدادي " قد استطاع أن يتجاوز مظهر الوصفية السردية إلى شكل وصفي آخر، من خلال لوحةٍ فنيةٍ لا حدود لإيحاءاتها. عذبة الألفاظ. شفاّفة الصور، تعكس مشاعر أبٍ ومربٍ يزخر قلبه بالحبّ والحنان، وقد استفاد من تجربته الشعرية والتربوية، مما جعل القصيدة تمور بشحنات انفعالية متدفقة.

لكن هذه الإشكالية التي وجدت عند معظم شعـراء الأطفال، قد وجدت لها حلولاً عند الشاعر " سليمان العيسى " رائد شعر الأطفال المعاصر في الوطن العربي، والذي فهم الطفولة، وأحبّها فمنحها دفق إبداعه. لذلك يقول :

" يسألوني كثيراً لماذا أكتب للصغار ؟. لمن تريدون أن أكتب ؟ وهل هناك موضوع أجمل وأغنى وأهمّ ؟ لماذا أكتب للصغار ؟ لأنهم فرح الحياة، ومجدُها الحقيقي. لأنهم المستقبل. لأنهم الشباب الذين سيملؤون الساحة غداً، أو بعد غد. لأنهم امتدادي وامتدادك. لأنهم النبات الذي تبحث عنه أرضنا العربية، لتعود إليها دورتها الدموية، التي تعطّلت ألف عام. إنني لا أكتب للصغار لأسلّيهم. إنني أنقل إليهم تجربتي القومية والفنية. أنقل إليهم همومي وأحلامي. عندما يكبرون سيعرفون أنني لم أخدعهم. لم أُضِع وقتهم الثمين بشيءٍ تافه. لأنهم أعزّ عندي. أغلى بكثير. "

وإذا انتقلنا إلى الجانب الثاني بعيداً عن الأسلوب. نتوقّف عند طغيان السمة القومية على الشعر، التي قال عنها سليمان العيسى (نقل التجربة القومية) لنجد أن معظم شعراء الأطفال يحاولون أن يظهروا بمظهر المربّين والمعلمين، وأن هدفهم الأول يتجلّى في غرس القيم، وتوجيه الطفل، وتربيته قومياً - على حساب الفن في بعض الأحيان - وربما سادت هذه النظرة في البدايات، بسبب حداثة أدب الأطفال، وأحوال نشأته في وطننا العربي، حين انطلق جميع الذين كتبوا للصغار من المدارس، وكان غرضهم دعم مناهج التعليم التي تسعى إلى ترسيخ قيمٍ معينةٍ. لكن ما تجدرُ ملاحظته أن القيم كانت في البداياتِ مرتبطةً بالقيم الروحية، وهذا ما نجده لدى جميل سلطان، وعبد الكريم الحيدري ومصطفى الصواف ... إذ كانت تقدَّمُ - غالباً - بأسلوب الوعظِ، وإزجاء النصح، ثم خفتت هذه النـزعة مع تقدّم الزمن، وازديادِ الزخم القومي، بسبب توالي الأحداث التي عصفت بالوطن. ومع ذلك فقد ظلّت القيمُ الخلقيةُ إلى جانب القيم القوميــة تتربّعان على رأسِ منظومةِ القيم، وهذا من شأنه أن يُخلّ بتوازن المنظومة. نظراً لعدم التكامل في العطاء والتوجّه. وقد لعبت التناقضات السياسية دوراً بارزاً في دفع الشاعر للتطلّع إلى الأفق القومي. كما يؤكّد "سليمان العيــسى " : " إنني لا أكتب للصغارِ لأسلّيهم. إنني أنقل إليهم تجربتي القومية والفنية، وذلك بغية تجاوز الإحباطات المتلاحقةِ التي تحلُّ بنا، والتي ليس لها منفذٌ إلاّ من خلال الأطفال. أملِ المستقبلِ لتحقيق الحلم العربي. بعد أن فقد الشعراء الثقة في الكبار الذين ضاعت في زمنهم أجزاء كبيرةٌ من الوطن العربي، وساد التشويه والفساد جوانب متعدّدة من حياتنا العامة. بفعل السياسات الانعزالية المنفردة، وقد جسّد الكتاب هذه الحقيقة ".

إن من بين مشكلات الكتابة للأطفال أنها فن صعبٌ، وتتأتّى الصعوبة من جوانب عدّة، أبرزها (البساطة) التي يقول عنها " توفيق الحكيم " عندما كتب بعض حكايات الأطفـال عام 1977 : " إن البساطة أصعب من التعمّق، وإنه لمن السهل أن أكتب، وأتكلّم كلاماً عميقاً، ولكن من الصعب أن أنتقي، وأتخيـّر الأسلوب السهل الذي يُشعر السامع بأني جليسٌ معه، ولست معلماً، وهذه هي مشكلتي مع الأطفال ".

ثم إن " أدب الأطفال، كنوعٍ فني، لا يزال جديداً .لم يكتسب تقاليد عامّةً بعدُ. . وقد هيّـأ هذا التفكير للكثير من الاجتهادات، والأحكام المتعسّفة. أن تطرح في الساحة، وأن تلاقي بعض القبول، لا لسببٍ إلاّ لأنها تبدو معقولةً، مع أن كون أيّ أمرٍ معقولاً، لا يعني أنه صحيحٌ  علمياً. إذ لا بدّ أن يخضع للتحليل العلمي، كي يتقرّر فيما إذا كان صحيحاً أو  خاطئاً " (1)

وثمة مشكلة، يجب الاعتراف بها. هي أن قصائد الأطفال، لم تعد تجد إقبالاً لدى الأطفال أنفسهم، بسبب كثرة وسائل اللهو والمتعة المرئية المتحرّكة، التي تصرفهم عن القراءة، بصورة عامة " أما الضجيج الذي نحدثه حول أدب الأطفال... هو ضجيجٌ يطلقه الكبار ليسمعه كبارٌ آخرون. يريدون إنشاء. . أدبٍ للأطفال، ويغفلون عن أن الطفل لا يقرأ ما يكتبون، ولا تهمّه نواياهم الحسنة. إن تصحيح مسار – شعر - الأطفال يعني أن نجعل الطفل يقرأ

 –القصائد - التي نكتبها له ويستفيد منها. أما أن نكتب له وهو لاهٍ عنّا، فتلك هي مشكلة أدب الأطفال.. عندنا. (2)

أن لغتنا العربية في تاريخها الطويل لم تلتفت إلى هذا الجنس الأدبي الجديد " وطفلـنا العربي بصورة عامة. في مسيرته مع التاريخ. قد أصاب علاقته بالفن والأدب سوءُ الطالع، فظلّ محروماً من الأدب الرفيع المؤلَّف له خاصةً. قروناً طويلة، والذين يهتمّون بالدراسات الأدبية. يدركون أن أدب الكبار " قد استأثر بنتاجنا التراثي كله، وبجهود المدوّنين على دروب المسيرة الطويلة، من تاريخ الأدب العربي، ولم يلتفت أحدٌ إلى " أدب الأطفال " لا تأليفاً ولا تدويناً. " (3 )

ونتيجة لهذا الفراغ الواسع في ساحتنا الثقافية، فقد صار لزاماً على الأدباء أن يلتفتوا إلى الآداب الأجنـبية التي تطـوّر فيها أدب الأطفال - وبعض هذه الدول بلغ فيها مراتب عالية، فاقت أدب الكبار - فأخذوا ينقلون ويترجمون بغير هوادة، وقد كان لوزارة الثقافة في سورية جهدٌ واضح في نقل روائع الأدب العالمي الموجهة للأطفال، في القصة والشعر والمسرحية والحكاية، فأوجدت بين أيدي النقاد وأدباء الأطفال نماذج متألّقة عالمياً، ولنضرب على ذلك مثالاً بمقطع من قصة " مكان هادئ" وقد صيغت بأسلوب شاعري : (4 )

  طفلةٌ اسمها ربى

  كانت تبحث في يومٍ مشمسٍ

  عن مكانٍ هادئ

  بحثت وراء أصيص البنفسج في الصالة

  ولكن ذلك المكان

  كان ضيقاً جدّاً... .

لقد حاول عددٌ من الكتّاب السوريين محاكاة المادّة المنقولة - القصة بصورة خاصة - فكانت هناك قصص ناجحة، ومحاولات جـادّة. فإذا أصرّ أصحـابها على أنها غير متأثّرة بالنماذج الأجنبية، فإنها – لابدّ - تقترب منها، وأن عدداً قليلاً من هـذه القصص قد تألّق، فلفت الأنظار إليه، كما في قصص " زكريا تامر " ..

أما في الشعر، فقد قصـّر الشعراء عن كتّاب القصة. ربما لأن الشعر يفقد بريقه في الترجمة، وربما وجد الشاعر أن ترجمة الشعر لا تليق بإنسانٍ ينتمي إلى أمةٍ (الشعرُ ديوانهُا) مع أن ثمة نماذج شعرية حاولت – على استحياء – أن تجد لها مكاناً في المكتبة الطفلية السورية، كالأشعار التي ترجمها " ميخائيل عيد، وعيسى فتوح، وحسين راجي، وعبد الطيف أرناؤوط. . " لكنها لم تستطع أن تدخل حافظة الأطفال، كما دخلتها الأشعار الإبداعية، وعلى رأسها تجربة الشاعر " سليمان العيسى " فإذا كانت بعض القصص العربية قد تُـرجمت، ونُـقلت إلى الآداب الأجنبية، فإن شعر " سليمان العيسى " قد انتقل عربياً، غير عابئ بالحدود المصطنعة، وحقّـق وحدة الأطفال الشعرية التي لم تستطع أن تحقّـقها وزارات التربية، والأنظمة السياسية المتعدّدة. وكما حفظ أطفال الوطن العربي الكبير في مطلع القرن الماضي :

بلاد العرب أوطاني                 من الشام لبغـدان

فإنهم حفظوا – فيما بعدُ - أشعار سليمان العيسى :

علمـي علمـي           فـوق القمــم

أنـا ص.ياد اللــون الســــاحــــر

أرض بــــلادي       كــنـز مـنـاظــر

و :

عصفور طـلال            شـلاّل جمـال

و :

فلسطـين داري           ودرب انتصاري

لكنّ تجربة " سليمان العيسى " على الرغم من تميـّزها وريادتها، فإنها لم تسلم من النقد، حين سلّط عليها سكاكينه، ولم تشفع للشاعر خبرته الطويلة، وتجاربه القومية والتربوية والشعرية، ففي غياب المعايير النقدية الصحيحة، يخطر للناقد أن يلقي كلامه على عواهنه، وقـد شكّ أحد النقاد – على سبيل المثال – (5) في أن يكون "سليمان العيسى" قد حمل أجنحة الصغار ليحلّق بها، لأنه لم يتحدّث فيما نظمه بلسانهم " أو ينقل الموضوعات التي تدخـل في نطاق تجربته، و نظرة فاحصة إلى ما يتضمنه ديوانه " غنّوا يا أطفال " تؤكد صحة ما أًبدي، فقصائد " الطفلة الشـاعرة "( 6) تمجيد لطفلةٍ تنظم الشعر و ليس أغنية بلسانها، و " أغنية لمى " عنها وليس لها، و كذلك " أنشودة ريم " و "أنشودة عبير " و قصيدته " لجبهة الفلاح " وصف إنشائي للفلاح ما يهمّ الصغير، ومنظومة " الجميع " على أهميتها أغنية للمزارعين، و"العصافيرالثائرة " خطبةٌ للشاعر في جمهورٍ للصغار يدعوهم فيها للثورة، وتحدّي المستحيل، وبقية القصائد، قليلٌ منها ما هو" مثير للطفل " والكثير غير مرتبط بوجدانه. بل بوجدان " سليمان العيسى " الذي يتمزّق غيظاً لما آل إليه مصير أمته، ويريد أن يحمّل الصغار همومه الكبار. ألم يقل " سليمان العيسى " نفسه في مقدمة كتابه " غنّوا يا أطفال " إنني أريد أن أنقل إليكم تجربتي القومية. تجربتي الإنسانية. تجربتي الفنية. أنقل إليكم همومي وأحلامي؟!. "..

وإذا كنا نعارض رأي الناقد في تجربة " سليمان العيسى " الذي يزعم فيها أنه لم يتمكّن من الوصول إلى الأطفال لأنه لم يتحدّث بلسانهم. ولم يحلّق بأجنحتهم، فإننا نوافقه في مآخذه على كثرة المجازات والكنايات والرموز الصعبة، والصور الغريبة، والألفاظ غير المألوفة للطفل، والتحوّل عن الشائع إلى اللفظ المعجمي، الذي يرد في شعره – على حدّ تعبير الناقد – كثيرٌ من التراكيب المفعمة بالصور والمعاني المجرّدة، من مثل : وطني يتسلّق أسوار الزمن – ولنا تاريخٌ أزلي – والرؤى الشاردة – النخلة البتول – اسمي أخضر كالآمال – سرّ الإله بمقلتيه – وتتوشّح عنده القصائد بالتعابير المستعملة فيها الألفاظ معانيها المجازية، من مثل : يضحك في يده المنشار – وعصفور طلال شلال جمال – ورباب قبلة النور المذاب – لأن على الشاعر – في رأي الناقد – أن يقتصد في المجاز، وألاّ يكثر في استعماله، كعبارة : مرح الحقب الساجي، ومفردات من أمثال – نشوى - أنضو – أغدقنا. مرنّح. أرجاء، بمعنى أنحاء، اطفري، بمعنى اقفزي – انداحي بمعنى اتسعي ، صادٍ، بمعنى عطشان، وغير ذلك مما يسبب للأطفال إعاقةً تلقائية في تقبّل الأفكار والقيم والمفاهيم، ويمنع اندماجهم في الشعر بحرارة .

وإذا كان هذا النقد صحيحاً – ونحن نتذوّق جمال شعر "سليمان العيسى" بالنسبة لما قرأنا من شعرٍ للأطفال العرب – وإذا كان" سليمان العيسى "لم يستطع الاقتراب من الأطفال بحميميه، ويعانقهم عناقاً صوفياً. فمَن من الشعراء العرب استطاع أن يحقّق هذه المعادلة الصعبة. وكيف يمكن لنا أن نحقّقها، ونحن نذكر أن هذا اللون فنٌ بكرٌ مستحدَثٌ. تنكّرت له اللغة والتراث على امتدادالتاريخ ؟ وأننا استفدنا من تجارب الأمم الأخرى ؟.

الإثارة – نظـرة مقارنـة :

لقد وردت في نقد " أحمد أبو سعد " السابق عبارة " قصائد مثيرة للطفل " وهذه العبارة تدعونا للتفكير جدياً في موضوع " شعر الإثارة " للأطفال، وما يمكن أن يُقدم إليهم من قصائد يمكن للشاعر الكبير أن يعانق فيها الطفل الصغير، بحميميةٍ وحرارة، ويصل إلى وجدانه ومشاعره... فكيف تكون الإثارة؟ وكيف تتشكّل قصيدة الأطفال المعاصرة ؟.

هذه الأسئلة وسواها تعيدنا إلى ماهية الشعر والحداثة والأسلوب والصور، وسوى ذلك مما يتعرّض لـه الشعر بصورةٍ عامة من نقدٍ، في محاولات فنيةٍ لتطويره، والابتعاد به عن التقليد والرتابة. بغية الوصول إلى قصيدةٍ تلائم العصر، وتأخذ بتلابيب المتلّقي لتضعه في عوالمها الرحبة.

و لدى الحديث عن التطوير والدخول عبر العوالم الرحبة للقصيدة .لابدّ من أن نذكر أنه ظهرت في سورية قصيدة النثر – للراشدين - و تألّقت على يد " محمد الماغوط " لتحتلّ حيّزاً مرموقاً على الساحة الثقافية، آخذةً من " الشعر " كفاءتها في تشغيل بقية درجات السلم تعويضاً لتعطيل الدرجة الإيقاعية، مما يجعلها تتميّز بجنوحها نحو منطقة التحرّر الدلالي من أنماط التعبير المألوفة.

إن القصيدة النثرية على الرغم من تعارض الآراء فيها، وكثرة ما يدور من جدل حولها، فأنها لم تصبح حتى الآن في الشعر العربي المعاصر نوعاً أدبياً مستقلاً. استقرّت أعرافه و تقاليده بالرغم من سوابقه العريقة، غير المقصودة في الشعرية الحديثة، خاصة عند جبران و الرافعي و الريحاني، ثم عند جماعة مجلة " شعر " البيروتية، ومن ثم عند الشباب المندفعين بالنـزوع الثوري، فاعتبرت في أحسن الأحوال تنويعاً بارزاً في الحداثة الشعرية.

الذي دعانا إلى تذكّر قصيدة النثر، هو موضوع الإثارة الشعرية، هذه الإثارة، لم يعرفها الشعر العربي الحديث إلاّ لدى القلّة من أمثال السيّاب وأمل دنقل وعبد الصبور وأمثالهم، وما يهمنا في أدب الأطفال هو الوصول إلى قصيدة حديثة مثيرة تمتلك جميع أدوات الوصول إلى الصغار.

لقد سلّمنا منذ البداية بحداثة هذا الفن، و أن معظم ما نجد منه يدخل نطاق " التجربة الشخصية " حيث نجد كثيراً من هؤلاء الشعراء يلقون بشعرهم على عواهنه، حتى صار لدينا تراكم من الدواوين. التي أصابها البوار، و عدم الرواج لأسباب منها التجريب، و عدم النقد الجاد، و سهولة الطباعة، ومحاولة صعود سلّم الشهرة، ووقوع شـعر الأطفـال بين هاويتي الغايات الشخصية، والرقابة الرسمية... " و تحت ستار الالتزام يتحوّل أدب الأطفال إلى دعاية – شخصية - تغرق فيها الكتب المدرسية و وسائل الإعلام، و لو جمعت هذه الرقابة إلى مهامها، وراقبت السوية الفنية للإنتاج، لأحسنت أيما إحسان " (7)

والشاعر الذي يحدوه الأمل في تقديم قصيدة ناجحة للأطفال، يعلـم جيـداً أن " الشعارات " و" النيّة الحسنة " لا يصنعان شعراً ولا أدبـاً يثبت للحيـاة، لذلك فإن الوصـول إلى القصيدة المدهشة – المثيرة – لا يكون إلاّ عبر الموهبة والخبرة والتجربة التي وصل بها الماغوط وأمثاله، وبمعرفـة الأطفـال معرفةً واعية، وتجاوز التقليد والمحاكاة والدخول في بوابة العصر. ولولا الدخول في بوابة العصر لما عـرف النقـّاد و القرّاء " محمد الماغوط " و لما تناقلت قصائدَه الأقلامُ و الصحف في مشرق الوطن العربي و مغربه. أليست معاصرةً تلك الأبياتُ النثريةُ البسيطةُ التي يقول فيها :

  في عصر الذرة و العقول الإلكترونية

  في زمن العطر و الغناء و الأضواء الخافتة

  كنت أحدّثها عن حداء البدو

  و السفر في الصحراء (7)

  على ظهور الجمال

  ونهداها يصغيان إليّ

  كما يصغي الأطفال لحديث ممتع حول الموقد

إن هذه البساطة والعفوية، وتلك المعاصرة، تأخذ بيدنا إلى التطلّع نحو آفاق جديدة لقصيدة الطفل تتجاوز التقليد في الأسلوب والتناول، وتستشفّ الإبداع في التوجّه، وتدغدغ الأحاسيس والمشاعر بحميميةٍ وحرارةٍ ليس منها تلك الرتابة التقليدية التي نقرأها في كثير من شعر الأطفال.

إن من المستساغ المقبول للطفل أن يقرأ – مثلاً – كلمات " سليمان العيسى " في " الأم " :

ماما مامــا      يا أنغامـا

تملأ قلــبي      بشذا الحب

أنت نشيدي        عيدُك عيدي

بسمـة أمي       سرّ وجودي

ومثلها في الاستساغة والقبول قول " بيان صفدي " في قصيدة " أمي "(8):

من أعطاني         نهر حنان

من ربـاني        للأوطـان

أمي أمي

كفّك عندي                 طيرُ سلامِ

ينثر حبـاً في أيامي

أمي أمي

في سنوات                 العمر الحلوة

تبقى أمي          أحـلى عنوة

أمي أمي

لك يا أمي         كل الحـب

تسكـن             قلب القلب

أمي أمي

ومثلها قصيدة " ماما " في ديوان " المجد للطفولة " (9)

ماما عطرُالروض المزهر

ماما غصن  العمـر المثمر

في الليل الهادي ترعــاني

وتبدّد مـوحشَ أحــزاني

ولكن هل من المستساغ كثيراً أن يقبل الطفل أبيات " نصرة سعيد " :

أنت يا أمي الحبيبـة

من يواسيني  عليـلا

ساهراً طـول الليالي

من أراه بي كفيـلاً

ومثله قول " عبد الكريم الحيدري " :

أمـي التي أدّبتني

وهي التي هذّبتني

وإن تعلّمتُ شيئاً

فهي التي علّمتني

تلفّ الرتابة والنظم هذه الأبيات، التي لا تحوي من الشعر سوى الوزن والقافية، أما المضمون فلا يحتاج إلى تعليق، ولكن يجب أن نعترف لكل من "الحيدري، وسعيد " بفضل الريادة في الكتابة للأطفال، وإصدار دواوين مستقلّة عن شعر الكبار في وقتٍ مبكر.

إن هذه الأشعار في " الأم " تنمّ عن اعتراف بالفضل لمن كان سبباً في وجودنا، وأياديه الكريمة في تنشئتنا. ولكن أليس من مهمة الشاعر في الحياة أن ينطلق بالخيال إلى مدى أوسع من الاعتراف بالفضل من خلال النظم الرتوب؟، فإذا قارنّا ذلك مع ترنيمة الشاعر العراقي " فاروق سلّوم " الموسيقية لوجدنا البونَ شاسعاً في التوجّه والتناول والانطلاق والصور والشاعرية :

دو ري مــــي

ارسم وجهك يا أمي

أرسم قمـراً أحلى

أو بستاناً أو حقـلا

إنّ تجاوز الشاعر للتقليدي، والقفز بخيال الأطفال إلى الصور المعبّـرة الموحية يجعل القصيدة قطعةً نابضةً من الوجدان، وهل هناك أحلى صوراً من رسم القمر المضيء، والبستان المتفتّح، والحقل اليانع تشبيهاً لوجه الأم ؟ ثم هل هناك حاجة بعد ذلك للقول إن الأم هي التي ربتنا ورعتنا وسهرت الليالي الطوال على راحتنا ؟!...

هذه الصورة المشرقـة للأم على الرغم من تجاوزها للتقليدي والمألوف تقترب كثيراً من، الروح الإنسانية التي نقرأها في قصيدةٍ تتوجّه إلى " الأم " للشاعرة الفرنسية " آني فاللوثون ". (10)

           في منـزل ماما

  كرسيٌّ صغيرٌ. صغيرٌ جدّاً

           في حديقة ماما

   نبتةٌ صغيرةٌ. صغيرةٌ جدّاً

           في قلب ماما

           مكانٌ كبيرٌ. كبيرٌ جدّاً

           وهذا كلـه

           لي أنــا

وكما رسم "فاروق سلوم " صورة الأم في القمر والبستان والحقل تعبيراً عما يكنّه من الحبّ، فإن نصاً فرنسياً من مجموعة " غنِّ يا صغيري " يعبّـر عن مكنون الحبّ أيضاً، ولكن بأسلوب يذكّرنا بقصيدة النثر التي وقفنا عند مقطع منها لـ " محمد الماغوط " :

وجدت ثلاث صدفاتٍ بيض

لكن الأجمـل والأحبَّ أليّ

هي لأمي

 

وعندي كذلك شرائط حلوة

لكنّ الأجمل و الأغلى عندي

هي لأمي

وإذا كانت هذه النصوص المترجمة قد كتبها آباءٌ شعراء تقمصوا الطفولة الواعية، فإن نصوصاً جميلة قريبة من هذا التناول كتبها أطفال صغارٌ (من ألبان إقليم كوسوفا اليوغسلافي) إلى أمهاتهم، كقول الطفل " فهيم سيف الدين" 11 - سنة من بريشتينا - : في قصيدة إلى أمه : (11)

           صغير أنا

           لكن حبي لك أكبر

           ومشاعري دافقة... .

وتقول الطفلة "هداية المازي" - 9 سنوات من بيا - :

  أول كلمة ردّدتهُا أمي

  أول أغنيةٍ أطلقتُها

  ماما. ماما

  سمعتها من شفتيك

 . . .

  أول لعبةٍ أمسكت بها

  كانت من يديك

           وأول زيارة لمدرستي

           كانت معك

إن النظرة المقارنة تضع يدنا على مدى التطور الذي بلغته القصيدة الطفلية في الغرب، وإذا كنا نلتمس لشعرائنا العذر في تقصيرهم عن بلوغ التألّق في شعر الأطفال، نظراً لحداثته، فإن استلهام الروائع الأجنبية، وإبداع صور طفليـة في ديباجة عربية أصلية. تستمدّ موضوعاتها من التراث والقيم، يمكن أن يساعد على إيجاد شعرٍ ناجح ومؤثّر.

لم تعد النظرة التقليدية إلى الطفولة والمدرسة والكتاب تناسب متطلبات العصر، وقولُ " سليمان العيسى " في المدرسة والأطفال :

على طريق معهدي                أمشي أنا يمشي غـدي

يمشي معي المستقبل      وفي يميني المشعــل

لا يرقى إلى قول " شوقي " الذي سبقه بنصف قرن :

ألاّ حبذا صحبةُ المكتب     وأحبّبْ بأيامـه أحببِ

ويا حبذا صبية يمرحون   عنان الحياة عليهم صبي

ولعل قصيدة " بيان صفدي " مدرستي حديقتي " تكون أكثر معاصرةً: (12)

مـدرستي حـديقتي

وبابهــا الكتـاب

أقرأ فيهـا قصصـاً

وأدرس الحســاب

في كل صبح ٍ نذهب

و مع الـرفاق نلعب

ندرس في صفــوفنا

و في المســاء نكتب

وإذا قارنا هذه النصوص و عشرات غيرها مما قيل في المدرسة – تحديداً– بقصيدة تحمل العنوان نفسه من الشعر الفرنسي لوجدنا الفارق واضحاً :

يقول (جيرمان دي بارك) : (13)

 أنا تلميذ صغير

 أغدو بقلبٍ طروب

 وفي حقيبتي الجميلة

 تعالوا انظروا :

 ثمة ريشة، وثلاثة أقلام رصاص

 أيها الوقت أسرع

 و ليعش طريق المدرسة

وبكلمة موجزة، لقد كان شعر الأطفال في سورية - وبصورة خاصة في البدايات - مجرّد تجارب شخصية، قوامها الاجتهاد الشخصي، و النوايا الحسنة، وخبرة أصحابه في كتابة الشعر للكبار، بعيداً عن تقويمات النقاد، ودراساتهم الجادّة، التي نعمت بها القصة، وحرم منها الشعر .

الإشارات :

1 - د. هادي نعمان الهيتي .ثقافة الأطفال.ص 157 عالم المعرفة.الكويت 1988

2 - سمر روحي الفيصل. مشكلات قصص الأطفال في سورية. ص 98 اتحاد الكتاب العرب. دمشق 1981 وقد درس مشكلة الفن في قصص الأطفال بصورة وافية .

3 – محنة الأطفال العرب. د. علي الحديدي. كتاب مجلة العربي

4 – مجموعة الأرنب المخملي. قصة : مكان هادئ. ص 7. ترجمة رباب هاشم. وزارة الثقافة. دمشق . 1978.

5 – تطور فن الكتابة للأطفال في البلاد العربية ومشكلاتها. أحمد أبو سعد. بحث قُدِّم باسـم اتحاد الكتاب اللبنانيين إلى المؤتمر العام الثاني عشر للأدباء والكتاب العرب. المنعقد بدمشق عام 1979 .

6 – كانت لنا نظرة مغايرة لنظرة الناقد (أبو سعد) أثبتناها في كتابنا : شعر الأطفـــال في  سورية. منشورات اتحاد الكتاب العرب. دمشق عام 1996.

7 – الإثارة في شعر الأطفال. مقارنة بين الأدبين العربي والفرنسي. فاطمة شنون. المجلـــة العربية. ص 58. العدد 143 تموز 1989. وقد استفدنا من الشواهد المترجمـة .

8 – ديوان : تحيا الشجرة. ص 49 منشورات اتحاد الكتاب العرب. دمشق 1997 م.

9 - محمّد قـرانيا .ديوان : المجد للطفولة. ص 49 المطبعة العربية بحلب 1980 م .

10 – نقلاً عن : الإثارة في شعر الأطفال.

11 – قصائد إلى أطفال كوسوفا. ترجمة عبد اللطيف أرناؤوط. مجلة الموقف الأدبي. ص 93 العدد 95 آذار 1979

12 – ديوان : تحيا الشجرة. ص 37

13 – نقلاً عن : الإثارة في شعر الأطفال

          

 

الفصل الثاني: شعر الأطفال وشعر الراشدين

 

إن الكتابـة للأطفـال – عموماً - عملٌ محفوفٌ بالصعاب، ولعل الشعر أكثرها  صعوبةً، نظراً لما يتطلّبه من رؤيةٍ وخبرةٍ، ومراعاةٍ للاعتبارات التربوية والفنية، وتمرّسٍ نوعيٍ بالتعامل مع الأطفال أسلوباً وسلوكاً وفكراً... وتتّضحُ الصعوبةُ في هذا الجنس الأدبي، في كون الشعر فناً غيرَ مطلقٍ كالقصة التي دخلت ميادين التجريب الواسعة، وتتجلّى هذه الخصوصية في نوعية الجمهور الذي سيتلقى الشعر، فجمهور الأطفال يتفاوت في المكتسبات الثقافية من منطقة أو بيئة، إلى أخرى، ومن مرحلةٍ عمرية إلى مرحلة ثانية، كما يتفاوت جمهور أدب الأطفال في الاعتبارات السيكولوجية والقدرات اللغوية. فضلاً عن المستويات الاجتماعية والثقافية، وفي جمع الأحوال، فإن الأطفال في حيّ راقٍ في العاصمة - مثلاً - لا يمكن أن تكون مستوياتهم بمثل مسويات أبناء قرية ضاربة في أعماق الريف، لم تصل إليها المواصلات والكهرباء والمـاء والهاتف، وليس لديهم نوادٍ ومسارح ترتقي بالذوق وتسمو بالخيال، وهنا تبدو الصعوبة من جديدٍ في الشعر، ومهما حاول الشاعر أن يكون حريصاً على التقريب بين هذه الفروقات الفردية والاجتماعية  والثقافية، ومهما حاول مراعاة الشمول وتعميم النظرة الواسعة، فإنه يظلّ في كثيرٍ من الأحيان مقصّراً عن الوصول إلى جمهوره وصولاً كاملاً. لذلك يمكن القول، إن الشاعر عندما يكتب للأطفال فإنه يدخل (متاهةً جميلةً) قد تتقلّب فيها الفصول الأربعة كل يوم، ولهذا فإن جميع المربين والقادة والعظماء، طالبوا بالبحث عن الطفولة، واحترام إنسانيتها، ودغدغةِ مشاعرها، وتنمية مواهبها وقدراتها، وتأمين السلامة والأمان لها، وخصّوها بعامٍ دوليٍ، وبيومِ عيدٍ سنويّ، ورأى النقاد أن تتصف كتاباتها بتقنيةٍ عاليةٍ، والشعرُ أرقاها تقنيةً، لأسبابٍ تتعلّق بطبيعة الجنس الأدبي.

وقد تتجلّى الصعوبةُ أيضاً في عدم تحقيق نجاحٍ كبيرٍ حتى الآن، في صياغة قصيدةٍ طفليةٍ متميّزةٍ، تتقمّص شخصية الطفل، وتتحدّث بلسانه، وتعبـّر عن مشاعره ورغباته وتطلعاته، على الرغم من ظهور شعراء، حاولوا مخلصين إيجاد مثل هذه القصيدة التي تنقل الطفل إلى جواء الحبّ والأمل والمعرفة، وتتضمّن قيم الحق والخير والجمال .

وإذا كانت الكتابة الإبداعية عملاً انقلابياً – كما يحلو لبعضهم أن ينعتها – فإن الكتابة العامة للأطفال تتطلّب من مبدعيها الأناة، والتفكير العميق، ولعلّ الشعرَ أشدُّ حساسيةً في تمازج تلك العلاقة الإنسانية التي تجمع بين الشاعر والطفل، وتخلقُ منهما حالةً جديدةً من الحضور و التفاعل، تختلف اختلافاً بيّناً عن تلك العلاقة التي تربط بين الشاعر والمتلقّي من الراشدين خارج نطاق أدب الأطفال.

قبل دخول غمار هذا التباين والاختلاف - وكل ما ورد في الفقرات السابقة يؤكّد على خصوصية شعر الأطفال، فهو تباينٌ واختلاف عن شعر الراشدين - أقول قبل الدخول بين عمومية شعر الكبار، وخصوصية شعر الصغار، لا بدّ من أن نذكر أن شعر الأطفال لونٌ وليدٌ، و فنٌّ مستحدَثٌ في أدبنا العربي، إذ يكاد لا يكون معروفاً قبل" أحمد شوقي" في مصر، والشام والعراق وبعض الأقطار العربية، بينما نجد الشعر العربي ضارباً في القِدم، راسماً بصماته على الحياة العربية منذ الجاهلية، فقيل: " الشعر ديوان العرب " وقيل: " لن تدعَ العربُ الشعرَ حتى تدعَ الإبلُ الحنين "