الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | قالوا عن الموقع | الرعاية والإعلان | معلومات النشر | كلمة العدد

SyrianStory-القصة السورية

دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

facebook القصة السورية في

 Cooliris-تعرف على خدمة

معرض الصور

Rss-تعرف على خدمة

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 29/01/2009

دراسات أدبية - أدب الطفل / الكاتب: د. عبد الله أبو هيف

التنمية الثقافية للطفل العربي

إلى صفحة الكاتب

لقراءة الدراسات

 

 

الدراسات

استحداث التراث

أدب الأطفال في المؤتمرات

تجربة أدب الأطفال

في أدب الأطفال

 منظور اجتماعي لثقافة الطفل

في ثقافة الأطفال

 مستقبل الكتابة للطفل

أدب الطفل والموروث الشعبي

 الثقافة العلمية

التكامل بين الثقافة والإعلام

 الغزو الثقافي ومخاطره

الهوية القومية في أدب الطفل

 

التنمية الثقافية للطفل العربي

 

 

بقلم الكاتب: د. عبد الله أبو هيف

 

الإهداء

إلى نجم.. ابني المولع بالأسئلة وحبّ المعرفة.

المقدمة

 

إذا كانت الحاجة للتنمية الثقافية العربية ضرورة ضاغطة وملحة، فإن تنمية ثقافة الطفل العربي أكثر ضغطاً وإلحاحاً، ففي عمليات إنتاجها وإعادة إنتاجها تظهر سطوة الاتصالات الجبارة المهيمنة، وامتدادها إلى المعلوماتية التي ضاعفت تأثيرها سلباً، فليس هذا التأثير كله مستحباً ونافعاً، وما لم يرشّد استخدامهما معاً، أقصد الاتصالات والمعلوماتية، فإن علائم الخطر كامنة وقابلة للظهور صاعقة ومدمرة للتكوين الإنساني النبيل، وتنطلق أبحاث هذا الكتاب ومقالاته من هذه الروحية الصلبة التي تؤمن بمكانة ثقافة الأطفال المتنامية على مشارف الألفية الثالثة، ومن الإقرار بالنهوض الذي شهده ربع القرن الأخير في الكتابة للطفل العربي، فثمة وفرة في مخاطبته عبر وسائط ثقافية كانت غائبة أو مهملة قبل ذلك، كما هو الحال في انتشار مجلات الطفل وصحفه، وتخصيصه بقنوات اتصال يومية عبر القنوات الأرضية والفضائية، بل إنه ثمة قنوات اتصالية خاصة به، وفي غالبية قنوات البث الإذاعي المسموع، وفي نشر ثقافته الكترونياً عبر تقانة المعلومات المتطورة، كالإنترنت والكتاب الإلكتروني والثقافة الرقمية على وجه العموم، على أن نهوض ثقافة الأطفال يتبدى جلياً في ارتفاع الوعي بقضية ثقافة الأطفال بفنونها ووسائطها، نظرياً وتطبيقياً.

 

بيد أن هذا الإقرار بالنهوض الواضح لثقافة الطفل العربي، يدعونا إلى أهمية تطويره ومواجهة العقبات التي تحول دون انتشاره من أجل الحد من تفاقم مشكلاته القومية والتربوية والفنية والاتصالية، فتسعى هذه الأبحاث والمقالات، وما وسعتها المحاولة إلى ترشيد تجربة ثقافة الطفل العربي على مشارف الألفية الثالثة وتأصيلها في الثقافة العربية الحديثة، في آفاقها المختلفة.

 

لقد عاينت تجربة ثقافة الطفل العربي منذ ثلاثة عقود، كاتباً في مجالاتها، وناقداً لفنونها ووسائطها في الكتب والدوريات العربية، ومسؤولاً مسؤولية مستمرة عن تخطيطها وتوجيهها من خلال عملي الرسمي والثقافي والتربوي رئيساً لمكتب الثقافة والإعلام في قيادة منظمة الطلائع (الأطفال) في سورية التي تتعاون بأشكال متعددة، مع وزارة التربية وبقية الجهات المعنية الأخرى، إشرافاً وتنسيقاً من أجل تربية أفضل لمجموع أطفالنا. وآمل أن يعبر محتوى هذا الكتاب عن الشواغل العميقة والضاغطة علينا مما تضمنتها هذه المقاربات الواقعية لشؤون ثقافة الطفل العربي وأدبه. وثمة مقاربات كثيرة تعالج أول مرة، بهذا الشمول، ولاسيما المخاطر الجدية التي تواجه النهوض المرتجى، والسبل الكثيرة المرتبطة به التي تساعد على سيرورته وتأصيل مبدعاته، وتعين على تنمية أفضل لإعادة إنتاجه، كما هو الحال في الغزو الثقافي، والهوية القومية، والتربية الثقافية، وتكامل المؤسسات التربوية وأجهزة الثقافة ووسائل الإعلام في مخاطبة الطفل العربي. ولا يخفى أن أبحاث الكتاب ومقالاته عالجت شؤون ثقافة الطفل العربي وأدبه من رؤية الواقع، فكانت العناية بالمؤتمرات والتظاهرات الكبرى على امتداد الوطن العربي، مثل ندوة مهرجان ثقافة الطفل بالإمارات (1990)، أو ندوة مهرجان الجنادرية (1994)، أو مؤتمر القاهرة (1996)، أو مؤتمر تونس (1997) وسواها، لأنها تحمل الصورة الصادقة لهذا الاشتغال العربي العميق على تنمية ثقافة الطفل العربي وأدبه.

 

وغني عن القول إن غالبية أبحاث هذا الكتاب ومقالاته قد كتبت وألقيت في مؤتمرات ولقاءات ثقافية عربية وإقليمية. ومن المأمول أن يتيح نشرها مجموعة نظرة أفضل لتجربة ثقافة الطفل العربي وأدبه، في واقعها الناهض وفي آفاق تطويرها المنشودة.

المؤلف دمشق أيلول 2000

 

 

 

الباب الأول: في أدب الأطفال

الفصل الأول: الكتابة بوصفها استعارة

 

مقاربة نظرية لمفهوم الكتابة للأطفال واليافعين

تشير تجربة قرن من الزمن من الكتابة للطفل إلى أن ثمة تشكلاً لمفهوم أدب الأطفال يختلف عن مفهوم الأدب أو أدب الراشدين، واستخدم هذا المصطلح لضرورة التمييز والبحث، ويكمن هذا الاختلاف في الطبيعة التربوية لأدب الأطفال التي تنهض على خصوصيات نمائية ونفسية ومعرفية كثيرة، وتستدعي في الوقت نفسه اعتبارات فنية متعددة. ولاشك في أن تشكل الكتابة للطفل قد استكمل حدوده في أحضان المدرسة (التربية والتعليم) من جهة، وفي أحضان علم النفس، ومن ثم علم نفس الطفولة من جهة أخرى( ). وعندما حاولت أن أتقصى حدود نظرية أدب الأطفال، وجدت عنتاً شديداً في ذلك لدى غالبية المختصين وخبراء أدب الأطفال والمشتغلين بالتنظير له، وطرحت أفكاري بهذا الشأن على نخبة من هؤلاء المعنيين أثناء المؤتمر العالمي الثاني لأدب الأطفال (موسكو 1979) قبل أن أضع كتابي «أدب الأطفال نظرياً وتطبيقياً» (دمشق 1983). كان ثمة إقرار بالاختلاف في مفهوم أدب الأطفال أو الكتابة للأطفال، غير أن حدود النظرية ما تزال ملتبسة في وهاد التربية والفن، وما ينتج عنهما من علاقات متشابكة.

 

إن هذا البحث محاولة أخرى لمقاربة نظرية لمفهوم الكتابة للأطفال واليافعين تستكمل ما بدأته من قبل( ).

يستند الأدب، في نظريته، أساساً إلى الخيال، لأن صلب نسق تنضيد الكلمات في متن ما، هو المحاكاة أو تضافر الواقعي بتخييله، على أن هذا التضافر مشروط في أدب الأطفال بشروط تجعل هذا الأدب مجال استعارة برمته توائم إدراك الطفل (خياله ووعيه) ولغته (وسيلته للخيال والوعي)؛ والمعول في ذلك هو أن الاستعارة بديل لواقع، تصير معه إلى واقع جديد ميسور لعين الطفل وإحساسه ونموه المعرفي والنفسي والاتصالي؛ وما طبيعة الاستعارة بعد ذلك إلا مجموعة تحكميات تفعل فعلها في صوغ أدب الأطفال واستهدافه.

 

تنطلق النظرية من أن الطفل ليس راشداً لنخاطبه بقول الراشدين وتقانات خطابهم، وأنه، أي الطفل، في نموه وعمليات نموه ما يلبث أن يدخل شيئاً فشيئاً في عالم الراشدين، ويتخلى بذلك عن خصائص عالمه ووشاح الاستعارة الذي يظلل ما هو تواضع متفق عليه، أما صفات هذا التواضع المتفق عليه فهي كامنة في جوانب الإحاطة بطبيعة الاستعارة، وقوامها، بالنظر إلى الاعتبارات التربوية والنمائية، فكرة التعميم ونزعة الإطلاق؛ فالطفل لا يتعامل مع التاريخ والتراث الشعبي والأسطورة والمستقبل أو الحيوان والأشياء كما هي، بل كما تبدو أو تتراءى في وجدانه النامي.

وعلى هذا لا يتعرف الطفل (أو لا يخاطب) بالحقيقة التاريخية والواقعية في حوادثها أو إحداثياتها، في وقائعها أو سياقها الواقعي، بل في إطار استعارة شاملة لهذا النسق تكّون سياقها الواقعي بمنتهى التجريد في رحابة تخييل يبني واقعة الخاص أو الجديد.

 

إن السؤال دائماً في نظرية أدب الأطفال هو: ما حدود التربوي في المكتوب للأطفال، أو تجليات هذا المكتوب شفهياً أو عبر وسائط ثقافة الطفل؟ لقد بات واضحاً أن معضلة التفكير في مفهوم أدب الأطفال كامنة في إضاءة هذه الحدود داخل الفني والجمالي والمعرفي في تشكل الكتابة للأطفال. ولا شك، أن ثمة صعوبات كثيرة تحول دون نظرية أدب الأطفال بالنظر إلى وضعية العلوم الإنسانية، ولاسيما التربية وعلم النفس، فقد تعددت الاتجاهات التربوية بالاستناد إلى التطورات المذهلة في علم النفس أو علم نفس الطفل على وجه الخصوص. ولعل المسألة أعقد بكثير اليوم من نهاجية بياجيه في الإدراك، أو الاتفاق على اعتبارات تربوية تتعلق بسن المخاطب من الأطفال أو عمليات نموه الظاهرة؛ فقد داخل ذلك كلّه تأثيرات التطور التكنولوجي وثورة الاتصالات والتفجر المعلوماتي، مما أثار تحديات كبرى للكتابة للأطفال، خطاباً ثقافياً اتصالياً شديد الصلة بعملية إنتاج المجتمع برمته التي تواجه نفسها تحديات التنميط والعولمة في عالم صار إلى فضاء مفتوح على عيون الأطفال ومداركهم أيضاً.

 

ولا يماري أحد في قوة هذه التأثيرات وسرعتها على المعنيين بالكتابة للأطفال، فلا ينبغي أن نركن إلى الهدوء والرضى والاطمئنان في معرفتنا القاصرة عن الإحاطة أو المواكبة، لأن أدب الأطفال لم يعد كتاباً، بل أن الكتاب نفسه، وهو المصدر الرئيسي لثقافة الأطفال وأهم وسيط من وسائطها، تراجع كثيراً أمام وسائل الاتصال الجبارة المهيمنة على عمليات تشكيل عقول الصغار والكبار، ثم لم يعد الكتاب هو الكتاب المعروف، لأن الكتاب اليوم هو الكتاب الإلكتروني بما يعنيه من تحديات أخرى للكتابة للأطفال، كنا نتحدث قبل عقد من الزمن عن إشكاليات تفرزها معضلة التربية والفن، ولا شك، أننا نتحدث في نهايات قرن ومقبل قرن جديد، عن إشكاليات أخرى مضاعفة، وما هذا، البحث إلا مقاربة لمفهوم الكتابة لأطفال واليافعين في ظل هذه الوضعية.

 

1ـ إشكاليات تربوية:

هناك إشكاليات تربوية كثيرة، ولكنني اخترت الحديث عن إشكاليتين هما إشكالية الوعي والإدراك وإشكالية التاريخ والمجتمع:

 

1ـ1ـ إشكالية الوعي والإدراك:

عدّ اكتشاف مراحل النمو عند الأطفال سنداً وعوناً لدعاة إدغام التربية بالفنّ، غير أن المربين حولوا مراحل النمو إلى فزاعة أمام منتجي الكتابة للأطفال أو معيدي إنتاجها في الوسائط الثقافية المختلفة، ليصير معها المربون إلى كهنة يحتكرون مسؤولية إنتاج الكتابة للأطفال أو ترشيد إنتاجها. ثم جرى ربط مراحل النمو باعتبارات تربوية أخرى مثل الخصائص النفسية وما تورثه من فروق فردية، اجتماعية أو ثقافية أو إناسية .. الخ، والخصائص الإدراكية وما يتصل بها من نشاط المخيلة وملكة التفكير، أي أن المسألة كلها مرهونة بالوعي والإدراك بتعبير آخر، لمعرفة قدرات الأطفال العقلية وقابليات تعزيزها؛ والأهم مكانتها في مراحل النمو، وتثميرها في التنمية الثقافية على وجه العموم. ونحن واجدون أبحاثاً ومقالات حول التفكير وتنمية التفكير، ولكننا نفتقر للأبحاث والمقالات حول التفكير وتنمية التفكير في مراحل النمو عند الأطفال، ولا سيما الأطفال العرب. وعندما سعت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الاليكسو) إلى وضع خطة قومية لثقافة الطفل العربي دعت بعض المربين لكتابة بحث عن التربية وأثرها في تنمية التفكير العلمي لدى الطفل العربي، فكان بحثاً تربوياً عن مهارات التفكير وأنماط سلوك المعلمين في تعزيز تفكير الأطفال، والنمذجة نحو انسجام السلوك مع الأهداف، والمادة التعليمية محيطاً لتعليم التفكير وتنميته، وعمليات واستراتيجيات التعليم محيطاً لتنمية التفكير( ). أما دور الأطفال أنفسهم وتفاعلهم مع الخصائص الإدراكية فلم يلتفت إليه على النحو الذي يزيد من فاعلية الأطفال في إنتاج الكتابة إليهم.

 

لا ينبغي أن يكتفي بالبحوث الاستطلاعية حول تنمية التفكير؛ وتشير علاقة الأطفال بالمعلوماتية إلى انقلاب في فهم مراحل النمو عند الأطفال. والمعول في ذلك هو  الدربة والمران والاكتساب من خلال تربية العقل إلى جانب تربية اليد.

 

لقد وضعوا خصائص لمراحل النمو من سن إلى أخرى، مثل مرحلة الواقعية والخيال المحدود بالبيئة، إلى مرحلة الخيال الحر، إلى مرحلة المغامرة والبطولة، إلى مرحلة اليقظة الجنسية، إلى مرحلة المثل العليا( )؛ وعلى الرغم من الخلاف بين المربين وعلماء النفس في توصيف المراحل وذكر خصائصها، فإن التداخل بينّ بين مرحلة وأخرى، فقد أضافوا المرحلتين الأخيرتين، وهما لا تخصان الأطفال، وإذا ألحقنا مرحلة اليقظة الجنسية، فإن اقتران كل مرحلة بمستوى من التطور العقلي يجعل خصائص اليقظة الجنسية تنعطف بالطفولة إلى عالم آخر يختلف كثيراً عن عالم الأطفال؛ وهذه الانعطافة بالذات هي التي توضح مقدار الفرق بين سمات الكتابة للأطفال وسمات الكتابة للراشدين.

 

إن هذه السمات تتلاشى وتخف ملامحها وينتهي معها الوعي الخاص بالطفولة كلما اقترب الطفل من سن الرشاد، أي الانخراط في وعي المجتمع؛ وهو في الوقت نفسه وعي الكائن الفرد. ولا بد إذن من بحث مراحل النمو العقلي لدى الأطفال لأنها تتيح بالدرجة الأولى، إمكانية فهم تفاعل الأطفال مع الكتابة الموجهة إليهم، أخص بالذكر مسألة التلقي؛ والتلقي، كما هو معروف، حصيلة وعي وإدراك في صلب تقدير المتلقي، طفلاً كان أم راشداً، لما يتلقاه معرفياً وجمالياً. وغني عن القول إن الامتلاك المعرفي للواقع يستلزم الامتلاك الجمالي، والعكس صحيح. والتلقي، وفق هذه الدلالات، دربة ومران واكتساب، أي أن التلقي تربية عقلية كذلك.

 

1ـ2ـ إشكالية التاريخ والمجتمع:

وتلازم هذه الإشكالية إشكالية الوعي والإدراك، بل هي ناتج لها؛ وتعني سؤالاً محدداً واضحاً عصياً: إلى أي حدّ يدرك الطفل حركة التاريخ ومواضعات المجتمع؟ ما هو جلي أيضاً أن الطفل يدركهما على نحو خاص على أنهما وعيه بتاريخ مجرد أو مجتمع مطلق، لهما تطورهما وقانونهما وأخلاقهما ومقاربتهما القيمية، وهي ما تلبث أن تدخل في السائد. ويبدو الأمر لأول وهلة وكأنه تعارض بين تاريخ ومجتمع متخيلين، وتاريخ ومجتمع واقعين، غير أن الطفل مرهون بسمات وعيه وإدراكه للتاريخ والمجتمع، مما يؤدي إلى أنساق قيمية قد توافي المنظومة القيمية السائدة في سن أو أخرى، لأن الطفل فينا قد يستمر لأبعد من سن الطفولة بكثير، وربما هذا ما جعل إحدى المجلات الطفلية تضع شعاراً لها: «مجلة الأطفال من سن 8 إلى سن 88».

 

إن الأطفال يقرأون أي شيء، ويحتاجون لتلقي أدب الأطفال بنوعياته كلها وموضوعاته المتعددة في العلوم والفنون والآداب.

وتوجز عادة إشكالية التاريخ والمجتمع بأمرين؛ الأول هو الخيال، والثاني هو الموضوع( )؛ وهما غالباً متعارضان، وعندما يتطابقان يؤدي ذلك إلى أدب أطفال جيد؛ فمما لا شك فيه أن الكتابة للأطفال شكل يسبح في مدى رحيب  من الخيال، وفي سباحته ينشد امتلاكاً معرفياً وجمالياً للمعرفة البشرية، وهي نتاج تاريخ ومجتمع، ولكن الطفل يجردها من تاريخها ومجتمعها، ويضعها في موضوعات تنسرب مع المخيلة النشيطة للطفل؛ فتصبح الإشكالية في إدغام هذا المدى الرحيب من الخيال في سعة الموضوع. وكلما واءمت المعالجة الخيالية حركة التاريخ ومواصفات المجتمع كان الموضوع أقرب لوعي الأطفال ومداركهم.

لا يعين الطفل الموت أو الزواج أو الطلاق أو الهجرة أو الوطن أو الفقدان أو العقاب أو الأسرة في واقعها، بل تدخل في روعه علامات لتاريخ ومجتمع متخيلين ينفعان في الوعي نفسه. ولعل هذا ما يجعل الأطفال يتقبلون إعداد الكتابة الموجهة إليهم بيسر، ونقلها من بيئة إلى أخرى، ومن مجتمع إلى آخر دون عناء؛ فصار من السهل أن يكون ريمي بطل رواية هكتور مالو «ابن لا أسرة» طفلاً يتكلم العربية ويحمل اسماً عربياً، بل شخصية يابانية أو فرنسية تغدو مدافعة عن العقيدة الإسلامية بعد أن تحمل هذه الشخصيات أسماء عربية.. الخ.

 

2ـ إشكالية اللغة وتباين مستوياتها:

يتحدث العالم كله بلغته، وهي الرموز، واللغة، أي لغة، رموز؛ وقد تتعدد منظومات الرموز بتعدد اللغات وتزايدها. ويتعلم الطفل لغات منها، مع مراحل نموه. وغالباً ما يصطدم ليس بلغته القومية فحسب، بل ببعض لغات الكائنات المحيطة بنا.

 

ونقارب الإشكالية بتوضيح مستويات اللغة، فثمة مستوى معجمي هو المستوى الحقيقي للغة، وهو يختلف تماماً عن المستوى المجازي؛ وللمستوى المجازي أنواع من المجاز المرسل بوجوهه الكثيرة إلى التشبيه إلى الاستعارة  إلى الكناية، إلى أنواع البديع والبيان فائقة العدد والاستعمال. ولربما كان مفيداً أن نشير إلى أن إشكالية اللغة تربوية أيضاً، وإلى أن حافظة اللغة عملية وعي وإدراك، ومنطلقها هو ارتباط لغة الطفل بمراحل النمو إياها، وتفيد هذه النظرية أن اللغة مكتسبة، وأن ثمة عوامل ذات شأن في عمل الطفل اللغوي وعامل المحيط بما فيه طبيعة النمو وعملية النطق( ). إن غالبية الأبحاث تستند إلى تثمير عمل الطفل اللغوي لدى النظريات الألسنية جميعها، وقبل هذا وذاك مواءمة النمو اللغوي في مراحله المتتالية مع النمو العقلي.

 

وليس جديداً أن نقرر ارتباط اللغة بالمراحل العمرية ارتباطاً وثيقاً، وكان وصف العلماء ما يسمى بلغة الأطفال، وهي استخدام كلماته للدلالة على كلمات معروفة، كأن تستخدم كلمة «نبو» للدلالة على الماء.

 

ومن الملحوظ أن تشجيع عمليات التعليم والتذوق من شأنهما تسريع النضوج اللغوي توكيداً على البعد التربوي للغة عند الأطفال، ويقال مثل هذا عن اللغة والجنس، فالتربية هي التي تعزز الفروق بين الجنسين، أو تمضي في تذويب هذه الفروق، وكذلك هو الحال مع اللغة والبيئة والعرق، فاللغة كائن اجتماعي، ولربما كانت الفئة أو الطبقة هي التي تنمي هذا الاستخدام اللغوي أو ذاك، وهذا ما جعل الكلام صعباً فيها، لأنها تختلف من مجتمع إلى آخر. ومرد الصعوبة إلى أن البحث فيها قليل، أو هو لا يذكر في مجتمعنا العربي( ).

 

تغلب على الطفل ما قبل المدرسة مرحلة التقليد اللغوي، بينما تبدأ مرحلة الاستقرار اللغوي في سن السادسة أو السابعة أو الثامنة حيث رسوخ العادات اللغوية، بما فيها تعلم اللغات الأجنبية، أو التعبير عن لغات أخرى، فتقوى عوامل التقليد فيما قبل المدرسة، مما يتيح للتربية فعلها في عوامل التقليد، وهي وضوح الإحساسات السمعية، والقدرة على حفظ هذه الإحساسات، وعلى تذكرها عند الحاجة إليها، وفهم معاني الكلمات، ونشاط الطفل الحيوي الذي يتمثل في عزمه وإرادته ورغبته في الاشتراك في جلبة الحياة.( )

 

وفي هذا الإطار، ثمة تفريق في مراحل التقليد اللغوي باتجاه الاستقرار، من نمو اللغة، إلى تعلم اللغة واكتسابها (دور نمو القاموس اللغوي) إلى تذوقها (دور اللذة الصادرة عن المقدرة على التعبير واختبار الألفاظ المناسبة والإحساس بالجمال اللغوي، مثل محبة الشعر وإدراك جمال الصور ومقدرة التعبير عنها)( ).

ويفيد هذا التفريق في تقرير مكانة الاكتساب في التذوق اللغوي، لأن التذوق اللغوي ينشط بالاهتمام وتكوين الثروة اللغوية حيث يتأخر التمييز بين اللفظ والمعنى، وفيه أن الطفل يحفظ الكلمات دون فهم معناها الحقيقي، ثم يصبح بمقدوره التمييز بين اللغات مع ارتفاع الذائقة اللغوية سبيلاً لتربية التذوق، وللتدخل في هذا السبيل بوساطة مبادئ قابلة للنقاش، كأن نمد الطفل بروائع الكتب في كل وقت، وفي كل مكان، وأن نوفر للكتابة الموجهة للأطفال أكبر قسط من التلقائية والصدق والإخلاص الحقيقي النابع من القلب، وأن نضع بين يدي الطفل ما يختاره بنفسه، استناداً إلى بحوث تيسر للطفل حرية الاختيار( ).

 

وهكذا، ربط التذوق اللغوي بالقراءة وتنمية الاستعداد للقراءة ونجاح عملية القراءة، وتجنب محاذيرها، ونلاحظ أنها تتصل بالحفاظ على المستوى المعجمي للغة في مرحلة الرسوخ اللغوي، ومن هذه المحاذير، غرابة اللفظ، وطول الجملة، والتقديم والتأخير، والإسراف في استخدام المجاز والاستعارة( ).

وتعد تنمية القراءة لدى الأطفال السبيل الأمثل لتربية التذوق اللغوي، على أن القراءة ليست قراءة اللغة القومية أو لغة أجنبية، بل هي أوسع من ذلك بكثير، فثمة قراءة معرض، أو قراءة شريط سينمائي، أو قراءة لوحة، أو قراءة معزوفة، أو قراءة لغة علم ما، كلغة حيوان ما، أو لغة الحاسوب..الخ؛ على أن تنمية القراءة تبدأ من اللغة القومية المكتوبة، ثم تنمى المهارات الأخرى بعد ذلك. ولعل مهمات تنمية القراءة من أخطر مسؤوليات البناء الثقافي للأطفال، وينقل كتاب «تسريع القراءة وتنمية الاستيعاب»( ) آخر الخبرات العالمية والعربية في هذا الميدان، لأنه البحث الوحيد، وهو معد ومؤلف في آن واحد، باللغة العربية الذي يثير إشكالية اللغة في عصر المعلومات.

 

ولم يكن غريباً أن يضع أحد الباحثين مجلداً فاقت صفحاته الألف والمائة، سماه «فن التدريس للتربية اللغوية وانطباعاتها الملكية وأنماطها العملية»؛ ويكاد يكون هذا المجلد شاملاً لجوانب التربية اللغوية، في إطارها المعجمي، مما يغفل جوانب الإشكاليات اللغوية في المستويات الأخرى. أما الملاحظة الثانية فهي استغراقه في نصوص مدرسية، بينما كان الأثرى أن يعالج بحثه المستفيض الكبير والرائد من خلال نصوص أدبية معتبرة( ).

 

إن هذا يقودنا إلى الإجابة على إشكاليات اللغة انطلاقاً من مستواها الحقيقي أو المعجمي، والمجازي أو الاستعاري، وأذكر إلماحات عجلى عن المستويات الأخرى:

2ـ1ـ المستوى الاصطلاحي:

تطرح اللغة، في ظل التطور العلمي الهائل، لغة اصطلاحية خاصة بكل علم، ويتطلب تعامل الطفل معها وضع موسوعات ودوائر معارف للأطفال من جهة، واللجوء إلى تبسيط العلوم من جهة أخرى، مثلما يستدعي عملاً تربوياً بمشاركة الطفل نفسه على تنمية القراءة في مجالات المعارف، لأن لغتها اصطلاحية غالباً.

 

2ـ2ـ القاموس الخاص للطفل:

تنطوي المطالبة بوضع القاموس الخاص للطفل العربي على إيمان كبير بأهمية البعد التربوي للكتابة الموجهة للأطفال. ومن أسف، أن الدراسات المتعلقة بهذه المطالبة ما تزال غير ناجزة، مما يسبب خللاً في مخاطبة الطفل العربي، ويورث إشكالية تنعكس سلباً على الكتابة للطفل، وعلى تلقي الطفل لهذه الكتابة. وغني عن القول، إن هذه الحال تغري بالكتابة للطفل استسهالاً لا ينفع في إنتاج أدب أطفال جيد.

 

2ـ3ـ القاموس الخاص للكاتب:

غالباً ما يؤثر كتاب الأطفال، ممن يصدرون عن تجربة ونظرية في مخاطبة الأطفال، استعمال لغتهم الأدبية بمفرداتها وتراكيبها وظلالها الخاصة، طريقة في الصوغ، أو ترميزاً دالاً، أو إحالة لمعادل ما، ومن أمثلة هؤلاء الأدباء بالعربية سليمان العيسى الذي يرى في هذا الاستعمال وظيفة تعليمية للغة، هي من واجبات كتّاب الأطفال. ويغذي هذا الاتجاه تسلح هؤلاء الكتّاب بنظرية مفادها أن على الطفل أن يحفظ ما استطاع، أما المعنى فيحصل عليه الطفل في مراحل عمرية لاحقة. غير أن لمثل هذا الاستعمال محاذيره عندما يوغل القاموس الخاص للكاتب في فيض التأويل الذي يستعصي على مدارك الطفل ومخزونه اللغوي.

 

2ـ4ـ لغة الجنس الأدبي:

للجنس الأدبي، قصة أو قصيدة أو أغنية أو مسرحية أو مقالة.. الخ، لغته، بل إن للجنس الأدبي القصي أشكاله المتعددة القديمة كالحكاية والمقامة والمثل والطرفة والليلة والنادرة، والحديثة كالأقصوصة والرواية والقصة المتوسطة؛ ففي القصة نتحدث عن السرد وخصائصه وتراكيبه وبنائه ومنظوراته، على أن هذه اللغة الفنية الخاصة بهذا الجنس الأدبي أو ذاك تورث إشكاليات قائمة في تلقي الجنس الأدبي، ومن المفيد التعرف على لغة الجنس الأدبي للإحاطة بها، والمخاطبة الأمثل من خلالها.

 

2ـ5ـ لغة الوسيط:

من المعروف أن وسائط ثقافة الأطفال هي الوسائط التي ننقل من خلالها أدب الأطفال إلى جمهوره، ولكل وسيط  لغته أيضاً، في الكتاب والصحيفة والمسرح والتلفزة والإذاعة..إلخ وتنجم إشكاليات متجددة باستعمال لغة الوسائط  التي تشكل وسائل اتصال تقنية متطورة مثل التلفزة والإذاعة والسينما.

إن الوسائط تعتمد على أدب الأطفال، أي على الكتابة الموجهة للأطفال، وعلى المعنيين بإنتاج أدب الأطفال أو إعادة إنتاجه أن يطوروا لغة هذه الوسائط، توصيفاً واستهدافاً وتوظيفاً.

 

 3ـ الإشكاليات الفنية البلاغية:

تأخذ الاستعارة في مجالات الكتابة للطفل حالات محددة تتصل بالبعد البلاغي المباشر وغير المباشر، لأن الاستعارة عدول عن ظاهر اللفظ واللغة إلى باطنه أو محتواه، وانتقال من المعنى المجرد إلى تعبير مجسد دون الالتزام بأدوات التشبيه أو المقارنة، وتكون الاستعارة عقلية أو لغوية، أي أن الاستعارة أبعد غوراً من مفهوم المحاكاة، إذ يضاف إليها اعتبارات مستوى التلقي ووضعية المتلقي، وهو الطفل في سن معينة. ونجاوز في بحثنا مفهوم البلاغة الصريح إلى التشابك العلائقي للنص الأدبي، ومدى دخول الأصناف البلاغية في التركيب النصي، لأن ثمة تحكميات تأخذ بالكتابة للأطفال من مجالات المحاكاة إلى اشتراطات الاستعارة، فتنتقل الكتابة للأطفال من الانفتاح على التاريخ ومقايسته، إلى اكتفاء الاستعارة بكونها فضاء بصيرة، أي علاقة إدراك لا زينة فحسب. ولا نعول هنا على المجاز اللغوي (أشكال المجاز والتشبيه) أو اللفظي (أشكال البديع)، بل ندخل في مجاز عقلي أو ذهني توفره الطبيعة التربوية للكتابة للأطفال على أن فضاء النص الأدبي كلّه تشابك علاقات مفترضة سرعان ما تنفرش أمام عين الطفل رحيبة مكتفية بحدودها التربوية.

 

ولعلي أوضح شيئاً من ذلك بشرح بعض الحالات الناجمة عن الإشكاليات الفنية البلاغية في إطارها العام، متجنباً الخوض في التفاصيل.

 

3ـ1ـ السرد في القصة:

يميز السرد النثر القصصي عن سواه، لأن السرد مصطلح حديث للقص، يشتمل على قص حدث أو أحداث أو خبر أو أخبار سواء أكان ذلك من صميم الحقيقة أو من ابتكار الخيال( ). إننا نسرد في كل نص قصصي حقيقي أو متخيل حكاية هي مجموعة أحداث أو وقائع أو أخبار.

 

وتدل تجربة الكتابة للأطفال على ضرورة مراعاة الاعتبارات التربوية لتستوي مع فضاء الاستعارة الشاملة للبناء القصصي. وأورد بعض هذه الاعتبارات:

 

أ ـ الطول:

لا يحدد النص القصصي بطول معين فهو بضعة أسطر حيناً مع الخبر، أو الطرفة، أو النادرة أو المثل، أو الأقصوصة، وهو مئات الصفحات حيناً آخر مع الرواية أو القصة الطويلة؛ وبينهما أشكال قصصية تطول أو تقصر. ولا ينبغي في الكتابة للأطفال أن يزيد طول النص القصصي عن عدد محدود من الصفحات مقترن بإقبال الطفل على القراءة أو التلقي؛ وبذا يختلف طول رواية الأطفال عن الرواية أو رواية الراشدين؛ لأن رواية الأطفال أميل إلى القصر.

 

ب ـ المنظور السردي أو وجهة النظر:

يفضل عدم إثقال المنظور السردي بالأفكار والنقاشات والجدال العقائدي والأخلاقي، مثلما يفضل عدم الخوض في التلاعب بوجهة النظر، باستخدام التقنيات الحديثة مثل التداعي أو تيار الوعي..الخ.

حـ ـ القصد:

ينبغي عدم مباشرة القصد في النص القصصي الموجه للأطفال، إيثاراً لمجانبة النصح والإرشاد والوعظ.

د ـ الحوافز:

الحافز هو الوحدة الحكائية الأصغر في كل نص قصصي، وتأنس تجربة الكتابة للأطفال إلى وضوح الحوافز ويسر تركيبها، وأن نبتعد، قدر الإمكان، عن التعقيد في ترتبها الواعي.

هـ ـ التحفيز:

اكتشف علماء السرديات أنواعاً للتحفيز، وهو نسق الربط بين الحوافز، ولعل ما يناسب الأطفال هو التحفيز الواقعي الذي يراعي التنامي الفعلي محاكاة للواقع في منظومته الاستعارية، حيث سيادة المنطق وتعليل ما يحدث، وتجنب التلاعب بالزمن أو المكان.

و ـ المتن الحكائي:

غالباً ما يعمد كتّاب الأطفال إلى الاستطراد، والاستسلام لفيض الوجدان، والولع بلغة الإنشاء؛ بينما أثبتت تجربة الكتابة للأطفال أن المتن الحكائي الصافي هو الأنسب، وقد تخلص النص القصصي من شوائب الوصف والقول المباشر.

 

غالباً ما ينفر الطفل من إثقال النص القصصي بالتفاصح اللغوي والاستعراض الفكري كما هو الحال مع مبالغة الوصف أو مبالغة التصريح بالأفكار مما يضر بالمتن الحكائي ويوهن نسيجه الفني.

 

3ـ2ـ الإيقاع في الشعر:

يتميز الشعر عن النثر بإيقاعه بالدرجة الأولى، ورأى النقاد القدامى أن خاصية الشعر تتبدى في الوزن والقافية لتمام الموسيقى، فقالوا عنه: كلام موزون مقفى، وعندما التفت كبار شعراء النهضة العربية أمثال شوقي والعقاد إلى كتابة الشعر للأطفال، اعتمدوا هذه الخاصية، حتى أن شوقي كتب شعره بغالبية الأوزان والبحور. ثم ما لبثت أن تطورت تجربة الشعر العربي بالنظر إلى الاعتبارات التربوية ذاتها، في ظل تطور علم نفس الطفل والتعرف إلى ديناميات فعاليته في التلقي، وأساسها اللعب والحركة، وما يضفيانه على شعر الأطفال من خصائص؛ فكان التركيز على ضرورة أن ينهض شعر الأطفال على الإيقاع، بما يعنيه من قابليات الترقيص (التعبير الحركي) والإنشاد والغناء (التعبير النغمي والموسيقي). وكانت محاولة أحمد نجيب المنهجية الرائدة لتعريف شعر الأطفال، ولاسيما موسيقاه في كتابه المعروف «فن الكتابة للأطفال» (1968) أما الاستنتاج الأهم في درسه فهو تذكيره على انبثاق الشعر من اللعب و الغناء، مما يستدعي الوقوف على البحور والأوزان التي تضمن تفاعل الطفل الحركي والغنائي مع الشعر، ولاحظ، فيما لاحظ، أن البحور والأوزان المناسبة هي القابلة للغناء والترقيص مثل الرجز والسريع ومجزوءاتها؛ غير أن البحث اللاحق في شعر الأطفال؛ وتطور الشعر العربي الحديث نفسه، وسعا إطار فهم الإيقاع بالتعامل مع التفعيلة أو التفعيلات كافة في بناء الكتابة الشعرية للأطفال.

 

لقد غدا اللعب والغناء منطلق شعراء الأطفال، وبهما يقاس الإيقاع؛ وقد رأى عبد التواب يوسف أن هذا المنطلق عالمي، وليس من طوابع شعر الأطفال العربي وحده. إن ضرورات شعر الأطفال عنده ثلاث، هي: التوضيح المادي والتلاعب بالألفاظ والتدقيق الذي لا غنى عنه أولاً، والتلاعب بالألفاظ وحسن اختيارها وترقيصها ثانياً، والتدقيق والصقل ثالثاً، مما يوجب توافر عناصر الحيوية الثلاثة أيضاً، وهي الإكورديونية بمعنى التناغم الإيقاعي والموسيقى في البناء الشعري، والإبداع بمعنى تجاور الكلمات وتفاعلها ليكون منها لوحة فنية بالألوان المتجاوبة، وكأنها مكون من مكونات هذا الإيقاع، والاتصال بمعنى توافر عنصر الحلم الشعري وتجنب المباشرة والصراخ. ويرهن يوسف ذلك بدراسة شاعر الأطفال لعلم العروض، للأوزان والقوافي، ولخصائص كلّ بحر من بحور الشعر وللأنماط الشعرية، وما يناسب كل موقف من أنغام( ).

 

وأيد ذلك محمد محمود رضوان، وهو رائد في دراسة أدب الأطفال، فوجد خصائص شعر الأطفال في إيقاعه بالدرجة الأولى أيضاً، لأن الإيقاع يمكن الشعر من إتمام دائرة استعارته عن طريق الصورة والنغم وتألفهما؛ وأبرز من هذه الخصائص الوزن والقافية وتكاملهما مع بقية عناصر الإيقاع الأخرى؛ وأهمها:

أ ـ الاعتماد على التكرار: فاكثر مؤلفو كتب الأطفال من التكرار بوصفه قيمة إيقاعية.

 

ب ـ حكاية الأصوات: فالطفل يحكي ويحاكي الأصوات التي يسمعها سواء أكانت أصوات حيوان أم طير أم أصوات آلات أم وسائل مواصلات؛ وغالباً ما يعمد مؤلفو شعر الأطفال إلى صوغ مقطوعات تتردد فيها أصوات يألفها الطفل، ويحب أن يترنم بها كصوت الديك أو الهرة أو القطار أو الريح ...الخ.

 

د ـ التعبير بالحركة: فيتضمن شعر الأطفال مقطوعات يتطلب ترديدها حركات يقوم بها الطفل، ويفضل أن تكون إيقاعية مع اللحن الموسيقي، ويطلق عليه أحياناً الغناء الحركي.

 

 جـ ـ اتصال الشعر بالمواقف التعليمية والخبرات الحيوية للطفل: إذ يرافق النشاطات أداء الشعر وإنشاده؛ ويعرف مثل ذلك في منظمات الأطفال بالصيحات و الأناشيد التي يبتدعها الأطفال ومشرفوهم أثناء تنفيذ النشاطات، فيرددونها بمتعة وبهجة.

 

هـ ـ الوزن والإيقاع: ولا سيما اعتماد الأوزان الخفيفة والقصيرة القابلة للإنشاد والغناء( ).

 

وإذا كان باحثون آخرون عارضوا تخصيص شعر الطفل ببحور معينة، معتقدين أن البحور كلها تصلح لشعر الأطفال( )، فإنهم دعوا إلى توسيع الكتابة الشعرية للأطفال بأشكالها: الغنائية والملحمية والمسرحية، استثماراً لطاقات شعر الأطفال المستندة إلى اللعب والحركة؛ فقد ولد الشّعْر من اللعب، ولا سيما شكلها الأهزوجي، كما يبين عبد الرزاق جعفر( ) مؤكداً أن الشكل الأهزوجي، في الإلقاء الفردي والإنشاد الجماعي، من شأنه أن يساعد الطفل على اكتشاف الوزن من خلال التصفيق والإيماء وغيرهما حيث تفاعل الطفل مع الشعر بالإنشاد والغناء أو اللعب والحركة والترقيص. إن مثل هذا التدريب على البحث عن الأوزان الإيقاعية من شأنه أن يعزز علاقة الطفل بالشعر معرفة وجمالاً وحيوية.

 

3ـ3ـ الاستباق في الخيال العلمي:

ثمة نتيجة توصل إليها المشتغلون بأدب الخيال العلمي هي أن الخيال العلمي لا يمكن فهمه إلا في بعده الزمني( )؛ ولعل نظرة على نشأة الخيال العلمي في القرن الثامن عشر تظهر أن جوهر أدب الخيال العلمي هو استطاعته التخييلية في مجاوزة الزمن، من موضوعات العوالم الغريبة، إلى الرحلة، إلى الكائنات غير الأرضية، ونسمي هذه الاستطاعة استباقاً في الزمن، من استحضار الماضي السحيق، إلى مناداة المستقبل البعيد، وهي ما يطلق عليه غزو الزمن؛ وهذا الانزياح في الزمن يقوم على تقدير الماضي، بالاستناد إلى إنجاز العلم، وعلى توقع المستقبل إيماناً أو تفاؤلاً بإنجاز العلم. وأميز في موضوع الخيال العلمي بين تخييل العلم أو تخييل الغريب أو العجيب أو الخارق أو السحر أو الهوى (الفنطزة) مما يوجز أسطرة الحكمة القديمة أو جموح الخيال الشعبي؛ وللتوقع على سبيل المثال، اتجاهان، فالتوقع الحقيقي، بتعبير جان غايتينو، يعترف بوجود الزمن وقدرته، بينما الخيال العلمي «الأسطوري» يوقفه، أو يلغيه( ). وعندما نقارب الاستباق أو مجاوزة الزمن في الكتابة للأطفال نجد أن الخيال العلمي يشكل استعارة أخرى حين يوضع الاستباق في سياق زمني خاص مفترض أيضاً، شأن إدراك الطفل لمجرى التاريخ على أنه مجرى زمني نسبي مجرد أشبه بدائرة لعبة لتحولات الزمن. وقد يدمج الماضي بالحاضر، أو الحاضر بالمستقبل، في أمثولة يغدو فيها الاستباق صفة ملازمة لطبيعة الخيال العلمي.

 

4ـ الإشكاليات الفنية الإبلاغية:

تتحدد قيمة الكتابة للأطفال ببلاغتها وإبلاغيتها في آن واحد، فإذا كانت البلاغة علاقة داخلية، فإن الإبلاغية علاقة خارجية، وقد تزايدت مؤثرات العلاقة الخارجية على العلاقة الداخلية نفسها، وكنا لاحظنا ظواهر متعددة لهذه المؤثرات في إلماحنا إلى الإشكاليات الفنية البلاغية، ولعلنا نستكمل بحثنا بشرح بعض الحالات الناجمة عن الإبلاغية، وما تفرزه من إشكاليات فنية.

 

4ـ1ـ التقانات وثورة المعلومات والاتصالات:

شهدت نهايات القرن في العقدين الأخيرين تفجراً هائلاً في المعلومات، وسرعة فائقة فيها مقترنة بثورة مماثلة في الاتصالات، ربما بتأثير هذه المعلومات أيضاً. وقد أصبح الكتاب الإلكتروني، كما أشرنا، حقيقة واقعة. وكنت عالجت تأثيره على الثقافة وثقافة الأطفال من قبل( ). لقد كان رأيي أن الكتاب الإلكتروني أو تعميم استعمال الكمبيوتر ومن بعده «الانترنيت» وأثناء ذلك «المالتيميديا»، وهي الاستعمال المتعدد بتقانات متعددة للوسائط الاتصالية، دون ترشيد، سيؤثر سلبياً على تنمية ثقافة الأطفال، وسيشكل خطراً على نماء الطفل نفسه معرفياً وجمالياً، فقد كان الكتاب المطبوع، ومايزال، المصدر المعرفي الأول، وماتزال الفنون، ومنها وسائل الاتصال بالجماهير، مثل المسرح والسينما والتلفزة والإذاعة، تعتمد على الكلمة، وهي أداة الإبداع الأولى، ويعسر أخذها من غير الكتاب. ولاشك في أن الشكوى والتذمر من مثل هذه المخاطر قد تواترت كثيراً في الموقف التربوي والثقافي في الدول الصناعية المتقدمة تقنياً كاليابان وأمريكا على وجه الخصوص، فترددت صيحات التحذير من انتشار استعمال الكتاب الإلكتروني على عقول الأطفال والناشئة وتبلد مشاعرهم وعواطفهم، ناهيك عن سرقة وقتهم قبل سرقة مداركهم وسط الاسترخاء والكسل الذهني.

 

غير أن التحذير من هذه المخاطر لا يعني إغلاق الأبواب أمام هذه الأشكال المعرفية والترويحية الجديدة مما يتيحه التطور العلمي الهائل للكمبيوتر في مجال الاتصالات الذي تحول، كما يرى الكثيرون، من مجرد حاسب يقوم بالعمليات الحسابية المنطقية إلى أداة تضم إمكانات عرض النص والصوت والصورة والرسوم المتحركة والفيديو الرقمي، وهو ما اصطلح على تسميته بالوسائط المتعددة «المالتيميديا» التي تعني المزج، بتعبير آخر، بين سمات الكمبيوتر والتلفزيون في تناسق وتناغم على أقراص الليزر CD-ROM، وكان وراء هذا التطور العلمي ما يسمى بالثورة الرقمية. وقد واكب هذا التطور زيادة في سرعة أجهزة الكمبيوتر حتى تستطيع التعامل مع الكم الهائل من الأرقام الناتجة عن تحويل الصوت والصورة والفيديو إلى لغة الكمبيوتر، فازدادت سرعتها كما زادت ذاكرتها.

 

وهذا يعني أن الكتاب الإلكتروني يثير إشكاليات فنية قد لا يكون بالمقدور درء تبعاتها الثقيلة على مستقبل الإنسانية ما لم يرشد استعمالها، لأن الكتاب الإلكتروني في سبيله لاستبدال الذاكرة الإنسانية بذاكرة الأجهزة، ولابد من التبصير بمشكلات استعماله قبل انتشاره عندنا، وليس المقصود من ذلك كله أن نعادي ثمار ثورة الاتصالات، ولكن مثل هذا التبصير من شأنه أن يجعل الكتاب الإلكتروني نافعاً في خدمة الثقافة الرفيعة الحقة بعامة، والكتابة للأطفال بخاصة.

 

4ـ2ـ دور المربي:

يلعب المربي، داخل الأسرة أو الأسرة التربوية أو أجهزة الثقافة ووسائل الإعلام، دوراً كبيراً في إبلاغية الكتابة للأطفال، لأن الطفل يحتاج للمرشد أو المنشط الثقافي، فرداً من أسرته أو معلماً في الثقافة والإعلام والتربية، في مراحله العمرية حتى سن اليفاعة والرشد. ويتزايد الاهتمام بدور المربي في ظل التطور الثقافي والتعليمي والتربوي؛ وأذكر في هذا المجال حالتين، الأولى هي التحويل، والثانية هي الحكواتي.

 

والتحويل هي لجوء التربية إلى تمكين المربي من القدرة على تحويل أي كتابة أدبية قد لا تكون مناسبة للأطفال، إلى نصوص أدبية صالحة لهم، وهذا قائم في تأهيل المعلمين في سورية على سبيل المثال. ويتضمن ذلك اعترافاً بضرورة توافر كتابة للأطفال تفتقر إليها المكتبة العربية، واعترافاً، وهو أمر خطير، بأن الكتابة للأطفال تعليمية بالدرجة الأولى، ولذلك يستطيع أي معلم أن يقوم بها عن طريق التحويل، وكأنه يحضر وسيلة تعليمية أو وسيلة إيضاح. ولاشك، أن مبالغة الاعتماد على مثل هذا الدور تؤدي إلى إشكاليات قائمة، لأن المربي، ببساطة، ليس كاتباً، ولأن النصوص المحولة لن تحمل قدراً مقبولاً من «الأدبية»!.

 

وأما الحكواتي فهو أن يقوم المربي بدور الحكواتي الذي يقص الحكايات على الأطفال، وقد يبتدعها، أو يؤلفها، أو يضيف على متنها، أو يطور فيها. وقد غدا فن الحكاية للأطفال علماً يحدد اختيار الحكاية، وطرائق سردها، ومدى مشاركة الطفل فيها، وإدخال إشكال تعبيرية حركية أو بصرية أو سمعية عليها. ومن المفيد، التركيز على هذا الدور تيمناً بالتقاليد الأدبية القومية في مخاطبة الأطفال، ويحتاج هذا الدور إلى الترشيد كذلك تجنباً لإشكاليات فنية تؤثر على إبلاغية الكتابة للأطفال.

 

4ـ3ـ دور الطفل:

تعتمد الكتابة للأطفال اليوم على حيوية الطفل ومشاركته في إنتاجها أو إعادة إنتاجها، واختار بعض الحالات لدور الطفل كما في الدراما الخلاقة، وفي ظاهرة الطفل الشاعر أو الكاتب. ففي الدراما الخلاقة، يثمّر الأطفال مشاركتهم إلى تدريب صوتي وحركي من شأنه أن يرتفع بالتثقيف الذاتي إلى تنمية الإدراك وتعضيد الوعي، وتقدم الدراما الخلاقة طاقة إبلاغية ثرة للكتابة الطفلية.

 

أما ظاهرة الطفل الشاعر أو الكاتب فهي تجافي البعد التربوي للكتابة، ولا توافي الأدب في الوقت نفسه، وقد سماها عبدالرزاق جعفر «أسطورة» في كتابه «أسطورة الأطفال الشعراء»( )، ورأى، واتفق معه في هذا الرأي، أن الطفل الخلاق غير موجود، لأن الخلق يتطلب صفات الرشاد؛ والأولى أن نعنى بتربية إبداع الأطفال ليكون منهم الشاعر والكاتب في مقبل العمر. ويتطلب هذا مواجهة الإشكاليات التي تنجم عن دور الطفل ضمانة لإبلاغية الكتابة للأطفال.

 

5ـ استخلاصات:

لاشك، إن مثل هذا المقاربة النظرية لمفهوم الكتابة للأطفال واليافعين تحتاج إلى توسيع وتعميق، وما قدمته أفكار قابلة للنقاش، وحبذا لو نظر إليها من خلال الاجتهاد السابق الذي أشرنا فيه إلى الكتابة للأطفال بوصفها استعارة.

والخلاصة الثانية هي أن الوعي بالكتابة للأطفال في إطار هذه المقاربة يتيح لنا تفعيل جهدنا القومي في تنمية ثقافة الأطفال، وكنت ذكرت إلماحات كثيرة باتجاه هذه التنمية في سياق البحث.

 

 

 

الفصل الثاني: تأملات في تجربة أدب الأطفال في الوطن العربي

 

1ـ أهداف غائمة ومخاطر جدية:

1ـ1ـ تحدي التبعية:

لا نبالغ إذا قلنا: ما يزال أدب الأطفال في الوطن العربي على هامش الأدب والتربية معاً، لأن تجربة مائة عام ونيف من الاشتغال غير المنتظم على هذا الأدب شاحبة وضعيفة لأسباب كثيرة، تتعلق بظروف نشأة أدب الأطفال عند العرب وتطوره وتكونه، وبوضعية العلوم الإنسانية على وجه العموم وعلم نفس الطفل على وجه الخصوص من جهة ثانية، وبالموقف القومي والتربوي والثقافي العربي من جهة ثالثة.

 

ولا نبالغ إذا قلنا: إن الاهتمام بأدب الأطفال في الوطن العربي قد دخل الحياة الثقافية العربية من باب التبعية الثقافية والإعلامية، حين طُرح أدب الأطفال بقوة من مراكز التبعية الغربية، وحين لاحظت النخب الثقافية والسياسية والتربوية العربية أن الغرب والشرق يعنى بمخاطبة الأطفال والناشئة العرب، فينتج لهم أدب الأطفال، وينقله إليهم بوسائط ثقافية متعددة، وعبر وسائل الاتصال بجماهير الأطفال التي تنوعت وزاد تأثيرها بما لم تستطع وسائل القياس أن تحيط به في ظل تردي البحث العربي في أدب الأطفال أيضاً.

 

وهكذا، برز الاهتمام العربي بأدب الأطفال من خلال أمرين أولهما: توجيه أدب الأطفال ضمن أهداف محددة لم يتفق حتى الآن على توصيفها ومحتواها القيمي والفكري والفني، وثانيهما: مواجهة مخاطر هذه الكتابة للأطفال والناشئة على أن الغلبة والتأثير الأوسع مايزال لمراكز التبعية التي تنتج أدب الأطفال لجمهوره من الأطفال والناشئة العرب، بمواصفات أفضل وتنوع أوضح، وسعر أقل، يتيح لهذه المنتجات الرواج والانتشار أكثر من المواد الأدبية العربية القليلة، نوعا وكماً.

غير أننا سنشخص الصورة أكثر، فنعرض بإيجاز للخلفية التاريخية لنشأة أدب الأطفال في الوطن العربي تمهيداً للقول في العوامل الأخرى التي أدت إلى إهمال هذا الأدب حتى وقت قريب.

 

1ـ2ـ إشارة تاريخية:

لدى البحث في الخلفية التاريخية لأدب الأطفال في الوطن العربي نلاحظ أنه نشأ في أحضان التربية، ملبياً لحاجات التأليف المدرسي، وأن طوابع نشأته ظلت مستمرة حتى مطلع السبعينيات، وإذا عزلنا صور الكتابة عن الأطفال في التراث العربي القديم، فإن أدب الأطفال بحد ذاته خطاباً موجهاً للأطفال مراعياً اعتبارات هذه المخاطبة، هو ابن العصر الحديث، عصر حقوق الإنسان في الحرية والعلم والديمقراطية والإنتاج والصحة والعيش، أي أن أدب الأطفال هو نتاج محاولات قرنين من الزمن منذ أواخر القرن الثامن عشر، بمفهومه الناجز والمتفق عليه لدى غالبة المهتمين به، من الأدباء والفنانين والمربين، فهو ابن القرن الأخير منذ أواخر القرن التاسع عشر، حين اكتشف علم النفس، ثم بلغ ذروة إبداعه في مطلع القرن العشرين، ولاسيما ثلاثينياته، مع اكتشاف علم نفس الطفل، لأن أدب الأطفال مرهون بوجود الطفل نفسه، وبالذات مرهون بمعرفة الطفل نفسه، حيث ارتهن، فيما بعد، أدب الأطفال يتطور علم نفس الطفل وعلم اجتماع الطفل( ).

 

إن المعول في أدب الأطفال هو مراعاة اعتبارات مخاطبة الأطفال، أي أن معرفة طبيعة أدب الأطفال تخضع لمعرفة الطفل نفسياً واجتماعياً، ومن هنا بدأت تظهر ملامح خاصة لنظرية أدب الأطفال تميزها عن نظرية الأدب أو أدب الراشدين، وليست هذه الملامح الخاصة موغلة في التراث الأدبي الحديث، لأنها تجليات القوانين الخاصة بمخاطبة الأطفال في فنونهم كالشعر والقصة والمسرحية، وفي وسائطهم كالكتاب والإذاعتين المرئية والمسموعة والخيالة (السينما) والمسرح والصحافة وسوى ذلك.

لقد صار الحديث عن نظرية أدب الأطفال ممكناً في العقود الثلاثة الأخيرة وحدها، نحو ضبط السياق الأدبي على السياق التربوي، وغني عن القول بعد ذلك: أن أنساق تنضيد أدب الأطفال محكومة بتراتب المحتوى القيمي والتربوي داخل سياق النص الأدبي، وليس من الميسور أن نعاين عناصر أنساق تنضيد أدب الأطفال في مثل هذه العجالة، ولكننا نكتفي بالإشارة إليها، فثمة أسئلة لابد من الإجابة عنها في الكتابة للأطفال تنطلق من المعايير والاعتبارات التربوية كالنمو واللغة والخيال والتوجيه والتلقي (الجمهور) لتصب في المعايير والاعتبارات الفنية، وقد حسبت حساباً للتربية، كالتقنية والجنس الأدبي والوسيط الثقافي أو وسيلة الاتصال، فعلى سبيل المثال، تختلف قصة الأطفال عن قصة الراشدين، ونلمس مظاهر الاختلاف في المستوى الصرفي والإدراكي واللغوي والتخيلي والتوجيهي ومستوى قابليات التأثير، وهي مظاهر تنعكس بشكل أو بآخر على الشروط التقنية وخصائص الجنس الأدبي وطبيعة الوسيط الثقافي أو طبيعة الاتصال الإعلامي، فالقصة الطفلية متميزة بالمستويات التي أشرنا إليها، ثم هي نفسها تخلتف من شكلٍ إلى آخر في هذا الوسيط أو ذاك.

وتؤدي معاينة عناصر أنساق تنضيد أدب الأطفال إلى تحقيق المعادلة الصعبة التي لابد منها بين التربية والفن، فلا ينبغي أن يكون أدب الأطفال مجالاً للدعاوة والخطاب الرخيص ومباشرة التسلية، أو مجالاً للوعظ والتبشير ومباشرة القيم( ).

ومن الملاحظ، أن أدب الأطفال في الوطن العربي قد تكون بتأثير عوامل رئيسة نذكر منها:

أولاً: انتشار التعليم عن طريق المدارس.

وثانياً: المثاقفة عن طريق الترجمة والاقتباس والصحافة والاتصال بالغرب.

وثالثاً: بروز الطفل كائناً يليق بالمخاطبة عن طريق ظهور علم نفس الطفل بالدرجة الأولى.

وثمة أمر طريف، هو أن رواد أدب الأطفال العرب قد عادوا إلى تراثهم العربي القصصي والحكائي عن طريق المثاقفة إياها ترجمة واقتباساً عن محاولات غربية سابقاً، ولم يستعيدوا هذا التراث مباشرة من مصنفاته ومخطوطاته إلا متأخرين في العقود الثلاثة الأخيرة. لقد ظل أدب الأطفال العربي حتى منتصف القرن العشرين مزيجاً غير واضح المعالم من المؤثرات الأجنبية والمكونات التراثية، بل أن المؤثرات الأجنبية هي أكثر دوراناً على محاولات التعريب والترجمة والاقتباس والإعداد. أما التأليف فلم تظهر نماذجه الأصيلة إلا في الخمسينيات وما تلاها من عقود، (ولنذكر في هذا المجال إنجاز رائد كبير مثل كامل كيلاني الذي مازالت كتبه ومجموعاته للأطفال يعاد طبعها حتى يومنا هذا)( ).

 

وتشهد عقود الستينيات والسبعينيات على أن سمات أدب الأطفال في التراث العربي الحديث مازالت مستمرة كالمؤثرات الأجنبية ومثالها التعريب أو الاقتباس أو الإعداد أو النقل. ولا ننسى في هذا المجال مطبوعات «دار المعارف بمصر»، وهي مطبوعات رائجة ومنتشرة في أرجاء الوطن العربي، ونذكر من هذه السمات: غياب العناية باللغة إلا في محاولات نادرة فلا مراعاة للقاموس المشترك على سبيل المثال، وغلبة التعامل نفسه مع المضامين والمحتوى القيمي كهيمنة التعليم والوعظ، ومحدودية الأساليب التعبيرية نفسها كالأنسنة وتبسيط التاريخ إلى حد التسطيح، وإعادة التراث دون استعادته بل نقله عن مصادر أجنبية، ومعاملة الطفل راشداً وما تلحقه من أضرار في مخاطبة الأطفال والناشئة.

 

ويستفاد من هذه الإشارات حول الخلفية التاريخية أن العقبات والصعوبات التي رافقت نشأة أدب الأطفال العربي مستمرة، في ذلك المزيج من المؤثرات والمكونات، وماتزال جهود تأصيل أدب الأطفال العربي، من تقاليده، وباتجاه جماهير الأطفال والناشئة العرب، فقيرة.

 

1ـ3ـ الموقف من أدب الأطفال:

لقد اكتشف المعنيون العرب بأدب الأطفال متأخرين المخاطر الجدية لهذا الأدب في ظل غياب، لاشك فيه، للاهتمام العربي اللائق، وقد كانت المبادرة من مؤتمرات الأدباء والكتاب العرب التي دأبت على بحث أدب الأطفال منذ منتصف السبعينيات، كما لاحظنا في الفصل السابق، (المؤتمر العاشر بالجزائر1975م)، أما مؤتمرات وزراء الثقافة العرب فقد خصص مؤتمر القاهرة (حزيران 1991م) لموضوع ثقافة الطفل العربي، ولم يدرج أدب الأطفال بعد على مؤتمرات وزراء التربية العرب( ).

وكانت مبادرة الأدباء والكتاب العرب في الالتفات إلى أدب الأطفال في إطار وعي المثقفين العرب لمخاطر الغزو الثقافي والتبعية الثقافية التي وجدت في أدب الأطفال ميدانها الواسع، فعني الأدباء والكتاب العرب بأدب الأطفال العربي وتطويره والنهوض به مقاومة لعمليات احتلال عقل الطفل العربي.

غير أن الصراع قائم، ويتطلب جهداً عربياً شاملاً يستند إلى تكامل ثقافي صريح يتصدى لمحاولات التبعية الثقافية، ويواجه، فيما يواجهه، عوامل تأخر نهوض أدب الأطفال العربي، لأننا نلمس، حتى اليوم، مظاهر إهمال أدب الأطفال العربي وتهميشه، والتخلي عنه للمتاجرين به، وتتبدى هذه المظاهر في المواقف التالية:

أ- الموقف العربي، فيما يزال أدب الأطفال خارج استراتيجية العمل الثقافي العربي المشترك، مما يشير إلى ضعف إدراك أهمية أدب الأطفال في التكوين الإنساني، وفي مواجهة التحديات المصيرية في الوقت نفسه، وإلى إهمال التخطيط الثقافي القومي في مجالات أدب الأطفال المختلفة ووسائطه المتعددة.

ب - الموقف التربوي، فأدب الأطفال خارج استراتيجية التربية العربية سواء في المناهج أو في المناشط الكثيرة.

جـ - الموقف الثقافي، فثمة نظرة أدنى إلى أدب الأطفال قياساً إلى أنواع الإبداع الأخرى.

د- الموقف الفني، حيث تنتشر الأمية والأمية الثقافية، وحيث تخضع عمليات إنتاج أدب الأطفال وإعادة إنتاجه لاستسهال الرواج والمتاجرة مما يخفض القيمة الفنية، ويسطّح الممارسة الأدبية.

 

لقد قلنا الكثير عن الضرورة الوطنية والقومية لأدب الأطفال، فقد أغفلت أهمية أدب الأطفال في الوطن العربي طويلاً، ومازال الكثيرون من رجال العلم والأدب والفن والتربية بعيدين عن تقدير مكانه أدب التربوية والأخلاقية والقومية، ومازال الكثيرون منهم ممن يترفعون عن مخاطبة الناشئة في أدب يساعد على نماء جماهير الأطفال الواسعة، بما تمليه اعتبارات هذه المخاطبة التربوية والفنية، بل أن كثيرين يرون ضيراً في ممارسة هذا الخطاب.

وإذا كنا نلحظ اهتماماً بأدب الأطفال في بعض الأقطار العربية، ومنها سورية ومصر، وفي بعض أجناسه، في الكتابة له وعنه، فإن الحاجة لهذا الأدب ضرورة تستدعيها إرادة بناء الإنسان العربي بالدرجة الأولى، ناهيك عن الوظائف الكبرى التي يضطلع بها أدب الأطفال في عمليات التنمية الثقافية والاجتماعية والسياسية.

 

إن ثمة تحديات تواجه الثقافة العربية على وجه العموم، والتربية العربية منها على وجه الخصوص، إزاء تطوير أدب الأطفال، وانتشاره إلى ملايين الأطفال الذين هم أحوج ما يكونون إليه في ظروف التحول الاجتماعي الخطيرة التي تشهدها المنطقة العربية، ولعل من أولى الصعوبات ذلك التغير الهائل في وسائط الاتصال الحديثة، إذ تبدلت كثيراً وسائط الثقافة، وتنوعت تقنيات مخاطبة الأطفال وازدادت تشابكاً وتعقيداً، وتراجع أو كاد أن يمحو، الدور التقليدي للأسرة ولاسيما الجدة والأم والمدرسة والتجمعات واللقاءات الشعبية الشفهية والعفوية، وحلت محلها وسائل الاتصال الحديثة والتقنيات المتطورة الهائلة في نقل الأدب إلى الأطفال. وليست هذه الحساسية المتفاقمة مما يعاني منه رجل الثقافة والتربية العرب فحسب، بل هي وعي حاد بالمآل المسدود لمدرسة شاملة وتربية تكوينية متفتحة، تواجه العقبات في هذا المسار أو ذاك. فقد أجمع أدباء الأطفال في العالم على خطورة وضع الأطفال في عالمنا الراهن والمخاطر التي تقف في وجه أدب الأطفال الجيد، وأبدوا قلقهم المتزايد حيال المصائر التربوية والتنموية لأدب الأطفال، وتتوالى اعترافات هؤلاء الأدباء ورجل التربية في أكثر من مكان من المعمورة، داعية إلى الدفاع عن الأطفال ضد الأدب الرديء، وعلى وجه الخصوص ما ينشر منه عبر وسائل الاتصال الجماهيرية، وطالبوا برفع القيود عن حرية إبداعه وانتشاره: القيم الإنسانية أولاً، تربية الأطفال في الحياة اليومية ليكونوا قادرين على النمو السليم ومواجهة الأخطار في أوطانهم.

 

لقد صار مطلوباً السعي لأن تقوم، ولو بشكل محدود، وسائل الاتصال الحديثة ووسائط الثقافة وأجهزتها الكثيرة، مقام الجدات والأمهات في حكاياتهن وأغانيهن وغنى الأدب التربوي الشفاهي الذي يتلقاه الأطفال بلهفة وشوق، فتكبر معهم قوة الكلمات، وينعمون بثراء الوجدان وسمو النفس.

 

1ـ4ـ طوابع أدب الأطفال:

إن أدب الأطفال ضرورة وطنية وقومية وشرط لازم من شروط التنمية الثقافية المنشودة في عقدها الدولي الذي انقضى دون فائدة كبيرة، بل أن تنمية ثقافية تتجاهل أدب الأطفال أو تهمله، ناقصة، وتفتقر لجذورها، لأسباب تتعلق بطبيعة التكوين المعرفي والتربوي للإنسان. وغني عن القول، أن أدب الأطفال سبيل لا غنى عنه لتسريع عملية التنمية الثقافية والاجتماعية مما يتطلب بذل المزيد من الجهد لتأصيل أدب الأطفال وتدعيمه في التربية والمجتمع في مختلف المؤسسات، ولا تتوقف هذه الجهود عند نشر كتاب أو بث برنامج إذاعي، أو عقد أمسية أدبية، على أهمية مثل هذه النشاطات، بل تحتاج إلى تخطيط قومي شامل، في صلب التخطيط القومي للثقافة العربية، يراعي خصوصيات أدب الأطفال، وينهض بمسؤوليته على أنه ادخار مضمون في كسب معركة الحياة العربية.

 

ولهذا كله، نجد في أدب الأطفال سبيلاً أمثل لبناء الذات، مكوناً.رئيساً للشخصية القومية، وتتبدى قابليات أدب الأطفال لأداء فاعليته فيما يلي:

 

1ـ4ـ1ـ الطابع التربوي لأدب الأطفال، فلا ينكر أحد اليوم عظم الأدوار التربوية التي يؤديها أدب الأطفال، بل أن أدب الأطفال تربوي بالدرجة الأولى، بمعنى أن الاعتبارات التربوية هي الأساس المكين لإنتاج أدب الأطفال أو إعادة إنتاجه في الوسائط الثقافية الكثيرة والمتنوعة، ولاسيما اعتبارات النمو واللغة والخلد والبيئة والمجتمع.

 

1ـ4ـ2ـ الطابع القومي لأدب الأطفال، فأدب الأطفال هو أكثر المبدعات الفنية والأدبية تعبيراً عن الذات القومية واستمرار التقاليد الثقافية، والحفاظ على الأصالة بما هي الهوية. ولا يخفى أن سيرورة الثقافة العربية رسخت عبر تاريخها الطويل مصادر صرفية وإبداعية ثرة لتجربة أدب الأطفال في الشعر التعليمي وقصص الحيوان والقصص اللغوي وأساليب النثر القصصي الأخرى كالأخبار والنوادر والطرائف والسير الشعبية. وهذا كله، يثري إبداع أدب الأطفال العربي وينميه.

 

1ـ4ـ3ـ الطابع الشعبي لأدب الأطفال، لأن أدب الأطفال هو أكثر المبدعات الفنية والأدبية استلهاماً للتراث الشعبي والمأثورات الشعبية، فهو داعم للبحث في الهوية القومية، ومسعف الذاكرة بخصائصها الباقية، ومجدد وسائل التعبير في مخاطبة الأطفال بما هو أقرب إلى وجدانهم، وألصق بالأنظمة الصرفية والتربوية في مناخهم ومحيطهم.

1ـ4ـ4ـ الطابع الإيديولوجي لأدب الأطفال، فقد دخل أدب الأطفال ميادين الصراع الفكري منذ وقت ليس بقصير، ويعد أدب الأطفال اليوم أخطر مجال للتبعية الثقافية والإعلامية، إذ يستخدمه الاستعمار لغزوه الثقافي والإعلامي، ويتلقى الطفل العربي المنتوجات الأدبية والفنية الغزيرة، وفي شتى الفنون والوسائط بقصد التأثر على تكوين الناشئة، والترويج للنمط الثقافي التابع( ).

 

1ـ5ـ تطوير أدب الأطفال:

إننا نرى في أدب الأطفال جنساً أدبياً وإبداعاً وخطاباً ثقافياً متعاظم الفاعلية في الطفل العربي، ضمانة المستقبل العربي. وإننا إذ نخص أدب الأطفال بهذه العناية، فإننا ننهض بمسؤولياتنا، ونراها مهمات متنامية في الدفاع عن ثقافة الطفل العربي، وفي تأصيل أدب الأطفال، ومعنى انتشاره وإعادة إنتاجه وعياً يقوم بالدرجة الأولى على فهمه تاريخياً وثقافياً وسياسياً وتربوياً وأدبياً، ورؤيته الواقعية في خضم مشكلات النهوض الثقافي والتربوي العربي. وهذا يستدعي الوعي بأدب الأطفال إزاء المخاطر الجدية التي تتهدده، ويرتهن ذلك برعاية أدب الأطفال وتقديم العون اللازم له في الاتجاهات التالية:

أولاً:إدماج أدب الأطفال في العمل الثقافي العربي، وفي الخطة القومية الشاملة، تخطيطاً ينتظم في تدابير قابلة للتطبيق.

ثانياً:إدماج أدب الأطفال في استراتيجية التربية العربية من خلال تجذير الأبعاد التربوية لأدب الأطفال في التنشئة القومية، ومن خلال التكامل التربوي في إطار الوحدة والتنوع.

 

ثالثاً:تطوير الكتابة للأطفال في أجناسه، وعبر وسائطه.

ولعل التخطيط الثقافي والثقافي القومي الشامل هو المدخل للعون اللازم للنهوض بأدب الأطفال العربي ، في بحوث أدب الأطفال، وتعليمه والتأليف له وإنتاجه وإعادة إنتاجه في الكتاب والصحافة والخيالة والإذاعتين المرئية والمسموعة والمسرح وسوى ذلك من وسائط، ويتطلب ذلك قيام هيئة عربية ترعاها وتوجهها وتمولها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، ولها مركز أو أكثر حسب الاختصاص (مركز بحوث أدب الأطفال، معهد إعداد للعاملين في أدب الأطفال، كلية جامعية لتدريس أدب الأطفال، مركز التراث الشعبي للأطفال، مركز برامج الأطفال الإذاعية، مؤسسة خيالة الأطفال، مركز كتاب الطفل، دار قومية لصحافة الأطفال... الخ).

 

2ـ أدب الأطفال.. موضة أم حاجة؟

2ـ1ـ «سدرة» وذكرى «العربي الصغير»:

حسناً فعلت حكومة الكويت بعزمها على إصدار مجلة جديدة للطفل العربي سمتها «سدرة» تيمناً بتلك الشجرة الكريمة، وبكل نبت كريم على الأرض العربية. وحسناً، فعلت حكومة الكويت بانتهاجها مخاطبة الطفل الربي من منظور عربي واضح، فقد قالت الدكتورة كافية رمضان رئيسة التحرير، في اجتماعها مع كتاب وفناني الطفل في سورية في إطار التحضير لإصدارها «إنها مجلة عربية التوجه، وهي للكويت بقدر ما هي للعرب جميعاً».

وقد كان ذلك اللقاء بهيجاً مثلما أثار فينا الشجن جميعاً نحن المعنيين بثقافة الطفل العربي، فثمة كثرة كثيرة من المجلات التي تتوجه إلى الطفل العربي، ولكن أقلها هو الذي يعنى بالتخطيط الثقافي العربي القيمي الذي لابد منه لتثمير إرادة بناء وجدان الطفل العربي.

كانت الخطوة الأولى لمجلة «سدرة» سليمة، فقد صدر العدد التجريبي «صفر» ليكون الأرضية لحوار خصيب يقوم التجربة، ويرسم آفاقاً لأوسع تعاون يستجيب لذلك النداء الحي العميق: إصدار مجلة للطفل العربي.

 

عندما دخلت إلى قاعة الاجتماع، كانت مجلة «العربي الصغير» التي أصدرتها حكومة الكويت وترأس تحريرها الدكتور محمد الرميحي آنذاك حاضرة في ذاكرتنا نموذجاً قارب النجاح، وحقق إنجازات واضحة في الاستجابة لهذا التطلع المقيم: مجلة للطفل العربي.

ولعل أهم ما حققته «العربي الصغير» في فترتها القصيرة، بالإضافة إلى اجتذابها لأهم أدباء الطفل في الوطن العربي، وربما السبب وغيره:

1ـ التوازن القيمي في المحتوى (القومي، الديني، الإنساني، الصرفي...الخ) من خلال تخطيط مسبق لا يخفى.

2ـ مراعاة الاعتبارات التربوية في مخاطبة الأطفال، إذ خصت المجلة عمراً معيناً، نجحت في تقديم المادة الثقافية المناسبة له، ثم خصت عمراً أصغر بنصف ملزمة داخل كل عدد.

3ـ الابتعاد عن الدعاوة والتبشير المباشر.

4ـ الاهتمام بأدب الأطفال العربي من جهة، والعالمي من جهة أخرى (روايات، سلسلة أو ملخصة قصص، قصائد، روائع أدب الأطفال العالمي من مسرحيات وروايات وسواها).

5ـ الاهتمام بتقديم التراث العربي للأطفال (أمهات الكتب) تعريفاً وتلخيصاً وتبسيطاً.. الخ.

ولدى اطلاعنا على العدد التجريبي صفر من مجلة «سدرة» أملنا على هيئة تحريرها ووزارة الإعلام التي تصدرها أن تكمل مسيرة «العربي الصغير»، وأن تعزز اتجاهاتها وأساليب خطابيها للطفل العربي، وتضيف إليها الاهتمام بتربية الابتكار والعمل والمهارات والخبرات العملية والعلمية واليدوية، وربطه بمبدأ التربية الحياتية، وتنمية اتجاهات التواصل بجماعات الأطفال من النوادي داخل المجلة مثل نادي المراسلين ونادي أصدقاء الطبيعة والبيئة، ونادي أصدقاء اللغة العربية، ونادي الأدباء الصغار، ونادي هواة الجغرافية..الخ، وأن تتناوب هذه الأبواب ـ النوادي الظهور لتكوين حركة أطفال ناشطة في وعيها وتكوينها.

 

لقد كانت «العربي الصغير»، وماتزال بتقديري، أهم قنوات الاتصال بجماهير الأطفال العرب، ومن المأمول أن تتابع «سدرة» مسيرتها الرائدة إسهاماً في الإجابة عن أسئلة ثقافة الطفل العربي، وهي أسئلة مؤرقة ضاغطة على الوجدان القومي والوطني النبيل، من أجل ثقافة عربية لطفلنا العربي في خضم المشكلات التي يعاني منها العمل العربي المشترك، وتعاني منها ثقافتنا العربية، وأولها ذلك الإهمال المتعمد لهذا الأدب الماتع المفيد الذي لابد منه لكل تنشئة منشودة.

 

وغني عن القول، إن بداءة الاهتمام العربي الجدي بأدب الأطفال كانت مع العام الدولي للطفل عام 1979م، حين هبت موجة قوية في بحر الثقافة العربية العاصف اسمها «أدب الأطفال»، غير أن واقع الحال ما لبث أن آنس انشغاله بقضاياه المعتادة مع منتصف الثمانينيات، ومن أسف، ان «أدب الأطفال» لم يكن بين هذه القضايا. وخلال هذه الفترة، أعني مطلع الثمانينيات، شهدنا صدور مجلات كثيرة موجهة للطفل العربي، كتب ومطبوعات وسلاسل متعددة، لا تختلف كثيراً عن ذلك الفيض التجاري الهائل، المترجم أو المعد للطفل العربي في دوائر غير عربية، والمنتشر في الأسواق العربية منذ أواخر الستينيات، وكان دخل أدب الأطفال بقوة ميدان الصراع الإيديولوجي وصراع الأفكار منذ ذلك الحين.

 

مثلما شهدنا برامج إذاعية وأشرطة سينمائية ومتلفزة، فغصت البيوت بصور وأصوات أبطال وأشخاص الرسوم المتحركة الذين يتكلمون العربية في بيئات غير عربية، ولا ينتجون سوى قيم المغامرة الخارقة والمجتمع الاستهلاكي والانفصام عن الواقع، وتكريس الاتجاهات غير الإنسانية أو العلمية، ولنتذكر مثالاً واحداً في هذا المجال هو «غراندايزر»، فثمة عشرات الأطفال في سورية الذين رموا أنفسهم من سطح أو نافذة وتكسرت أعضاؤهم، وهم ينفعلون مع بطلهم الأسطوري، ويقلدون حركاته العجيبة.

أما في الجانب الآخر الرسمي، جانب الثقافة العربية الرفيعة، فقد رصدت في الفصل السابق «أدب الأطفال في مؤتمرات الأدباء العرب»، وكانت النتائج مخيبة للآمال، وإن كانت دافعة للأمل في بعث الاهتمام بأدب الأطفال:

 

1ـ أن ثمة تداخلات بين مفهوم الأدب للأطفال، والأدب عن الأطفال، وقد كان المؤتمر الثاني عشر انعطافة هامة في معالجة موضوع أدب الأطفال والإجابة على بعض أسئلته القومية والتربوية والتثقيفية.

 

2ـ ماتزال رؤية الكاتب العربي لأدب الأطفال في إطاره العام، ولم تقترب ـ كما ينبغي ـ من خصائص أدب الأطفال وتحديد نظريته في الإبداع أو الإنتاج أو إعادة الإنتاج في وسائطه إلى الأطفال.

 

3ـ عكست بحوث المؤتمرات ومناقشاتها وتوصياتها جدة أدب الأطفال في الحياة الثقافية العربية وأبرزت حاجة هذا الأدب القصوى إلى العون والتخطيط والعمل القومي المشترك باعتباره في صلب العملية التربوية وبناء الإنسان العربي.

 

والنتيجة هي أن أدب الأطفال لم يترسخ بعد في تقاليد العمل الثقافي أو التربوي القومي والوطني. وأما الصعوبات التي يواجهها فهي أكثر من أن تعد، سواء في وعي نظريته أو تيسير انتشاره بين أوسع جماهير الأطفال. إن ثمة خطوات قد تحققت في هذا القطر العربي أو ذاك غير أنني سأتحدث عن المعضلة الأساسية التي تواجه تطور أدب الأطفال في الوطن العربي، وما يتصل بها من قضية التبعية من جهة، وتثمير الهوية القومية إزاء ذلك من جهة أخرى.

 

2ـ2ـ تبعات ثقيلة على أدب الأطفال:

أذكر أنني كنت في موسكو عام1979 ضمن حشد كبير من أدباء الأطفال من قارات الأرض كلها. كان ذلك في عز الاتحاد السوفييتي وفي زهو ارتفاع الصوت بقوة الإيديولوجية وتشكيلها للنشاطات الإنسانية كلها حتى الشخصية منها، فكيف بالمجالات المعرفية ومنها هذا الأدب الجديد ـ النامي: أدب الأطفال؟ كانت بداءة اهتمام سوفييتي بتوجيه مبدعات هذا الأدب، ولكن الثمانينيات لم تسعف بذلك فتغير العالم، وتلاشت معه تلك المحاولة لقوننة أدب الأطفال.

 

كان ذلك في حينه يستجيب لأصوات عالمية تجسدت في اعتبار عام 1979م عاماً دولياً للطفل. ومن المؤسف أن هذه الأصوات العالمية، وجلها من ذوي الإرادة الطيبة، قد شحبت وغابت في غابة الصراع الدولي على المصالح والسياسات والمنازعات الدولية الصغيرة والكبيرة، فعاد الاهتمام إلى حجمه من خلال أصوات المسؤولية الأخلاقية والاجتماعية في عصرنا الداعية إلى رعاية الطفولة من أجل مستقبل الإنسان. ثم ماذا تفعل هذه الأصوات وحدها. كان عدد الأدباء والمشاركين في المؤتمر أكثر من مائة وثلاثين كاتباً من تسع وثلاثين بلداً، واجتمعوا في المؤتمر العالمي الثاني لأدب الأطفال الذي انعقد تحت شعار: «شباب العالم وأدب الأطفال» فيما بين 15 و24 تشرين الأول 1979م.

وكانت المناسبة شروعاً في فورة أدب الأطفال التي تأججت مع العام الدولي للطفل، وكانت الحكومات والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية تتسابق للحديث عن أدب الأطفال وقد داهمت هذه الفورة الدول العربية أيضاً التي حاولت أن تنغمر بالحديث على ضعف تجربتها وقلة حيلتها، إذ مايزال أدب الأطفال حتى اليوم خارج استراتيجية التربية العربية، ولا يلقى العون اللازم في خطط وزارات التربية والشؤون الثقافية العربية، ناهيك عن ظهوره الشاحب في الخطة الثقافية القومية الشاملة. وقد ألقيت آنذاك كلمة نددت فيها بالتبعات الثقيلة التي نحملها لأدب الأطفال العربي، فيصير في ظل هذه التبعات إلى أدب تعليمي مباشر، مثلما دعوت إلى تخليص أدب الأطفال من وطأة الإيديولوجيات ونزوعاتها البشرية الدعاوية الضارة. لأن أدب الأطفال ينهض على المنظومة القيمية الإنسانية والقومية والأخلاقية والمعرفية.

 

وبعد قرابة عقدين ونيف من الزمن على هذا المؤتمر مايزال أدب الأطفال والناشئة يعاني من التبعات إياها: ألا يكون أدب رديئاً، وأن يواجه الأدب الرديء، فقد تحولت مداولات المؤتمر إلى دفاع عن الأطفال ضد الأدب الرديء، وبخاصة ما ينشر عنه عبر وسائل الاتصال بالجماهير، أو القيود التي تعوق أدب الأطفال عن حرية إبداعه، وعن حرية إنتاج أو إعادة إنتاج أدب أطفال جيد.

 

أذكر أن ذلك المؤتمر الطيب الذكر كان في منتهى الأهمية، فقد تحدث فيه كل كاتب، في كلمة قصيرة أو طويلة عن شجون أدب الأطفال في بلادهم وفي العالم. وعلى الرغم من صدور نداء من المشتركين في المؤتمر إلى المعنيين بتربية الأطفال والناشئة وتثقيفهم في العالم، فإن كل كلمة ألقيت فيه تعد نداء عامراً بمسؤولية الكاتب عن قضية الأطفال والناشئة، فكان المؤتمر، بتقديري، فضاء مشتركاً لصوت الحرية القوي إزاء المخاطر التي تتهدد أوضاع أدب الأطفال والناشئة.

 

كان هناك تركيز واضح على مسألة أولى، هي القيم الإنسانية، فليس هناك قيم محايدة، والمهم هو تربية الأطفال في الحياة اليومية المعاصرة ليكونوا قادرين على النمو السليم ومواجهة الأخطار.

 

لقد نجح المؤتمر إلى حد ما، بعيداً عن الشعارات وأوهام الإيديولوجيا، في أن يكون نداء متقداً للضمير البشري للعمل من أجل السلام والحرية والديمقراطية، ومن أجل التقدم الاجتماعي وتعاظم المسؤولية الأخلاقية إزاء الناشئة لدى كل رجل وامرأة شريفين.

 

وقد أكدت، مثل كثيرين، على أوضاع الأطفال التي تؤثر، بالأساس، على إنتاج أدب أطفال جيد، لأن التقدم، كما هو الحال، في أدب الأطفال يعني انشغال هذا الأدب بشروط إنتاجه، وهذا المناخ مايزال مرهوناً بالظرف التاريخي الذي تعيشه بلادنا. وعلى الرغم من ظروف معيشة الأطفال السيئة في عشرات البلدان، فإن القائمين على شؤون التربية والتعليم والثقافة والإعلام يصرفون، غالباً، جهودهم عن حماية الطفل من الأدب الضار والسيء. قال الأديب الهندي الكبير راميش كوشيك:

«يتحمل الكتاب مسؤولية ثقيلة، فالكاتب هو من يجب عليه جعل الناس يعتقدون بأن بني البشر كافة هم من الأصل نفسه، وأنه لم يكن هناك تمييز بين غني وفقير، أو في المعتقد والدين عندما ظهر

الإنسان على وجه الأرض للمرة الأولى. وإنها لحقيقة جلية أنه من الأسهل أن تشذب غرسة عن أن تشذب شجرة، فالأطفال يتشربون القيم الإنسانية على نحو أسهل من البالغين».

 

وفي الاتجاه نفسه، تحدث ملياً الكاتب الياباني المعروف شيكو واتانابي عن الأخطار التي تهدد الطفل وأدبه: «إن الأطفال الذين فقدوا عادة الخلق غير قادرين على إدراك معنى الحياة الإنسانية في الوقت الراهن. لأن التلفاز في اليابان محل الأم والأب والجدة بالنسبة للطفل. لقد تربينا على حكايا الجنيات التي كانت تقصها علينا أمهاتنا وجداتنا، وقد رسمت فينا قوة الكلمة صوراً سحرية. حتى الآن، وقد أصبحنا بالغين راشدين، ومايزال التصور الخلاق معنا، ويساعدنا هذا التصور، ليس على رؤية حروف تطبع في الكتب فحسب. إنه يوقظ أفكارنا ومشاعرنا، وبفضله نتمكن من سماع الأصوات الإنسانية الحية. وهكذا، يسرق التلفاز الطفل، ويحرمه من قدرته على الحلم. أنني أستطيع الاستشهاد بأمثلة لا تحصى عن الأخطار التي تهدد الطفل عندما يكف عن سماع الكلمة وإدراكها بشكل حسي».

 

إن المسؤولية الراهنة أمامنا جميعاً هي تخليص أدب الأطفال من تبعاته الثقيلة: وأولها إبعاده عن  مباشرة الإيديولوجيا، وثانيها الحد من عدوان وسائل الاتصال على أدب الأطفال.

 

2ـ3ـ احتلال عقل الطفل العربي:

لا نبالغ إذا قلنا أن اهتمام الدوائر غير العربية بمخاطبة الأطفال والفتيان العرب أكثر وأوسع وأعمق تأثيراً بما لا يقاس من الدوائر العربية، وكذلك ثقافة وإعلام ومؤسسات رسمية وتنظيمات شعبية وأهلية، ويبدو اهتمام هذه الدوائر غير العربية وكان تثقيف الأطفال والفتيان العرب وتكوينهم الإنساني والمعرفي يعنيها أكثر من أهلهم، فقد وجدت نتيجة مروّعة لدى دراستي للقصص والروايات والحكايات المقدمة للأطفال والفتيان العرب أن سبة المؤلف بأقلام عربية من مجموع النتاج القصصي والروائي لا يساوي 12%، وأن نسبة المعد والمقتبس تتجاوز الـ55%، والبقية هي قصص وروايات وحكايات مترجمة، ووجدت نتيجة مروّعة أخرى هي أن جهد هذه الدوائر العربية في تقديم هذا النتاج لا يصل إلى نسبة 16% (كماً ونوعاً، أي كمية المطبوع وتعدد عناوينه وتنوعها)، بينما تضطلع دوائر غير عربية بتقديم نسبة تفوق الـ84% (متعاونة مع تجار عرب وكتاب ومترجمين وفنيين عرب أو مؤسسات عربية تجارية أو هي تصدرها إلى الأسواق العربية عن طريق موزعين عرب)، فالاتحاد السوفييتي حتى سقوطه عام 1991 يحتل نسبة 37% من مجموع هذا النتاج، وبلغاريا وتشيكوسلوفاكيا والصين إبان تلك الفترة الطويلة التي رافقها تبشير عقائدي لا يخفى 13% وهذا كله جهد أقل بكثير من جهود بعض الدول الأخرى في تعاونها مع دور نشر عربية كفرنسا (في بيروت)، والولايات المتحدة (في القاهرة وبيروت) والمملكة المتحدة (في بيروت)، وهكذا فإن حرص هذه الدول على مخاطبة الأطفال والفتيان العرب غير مفهوم لأول وهلة بعيداً عن غابات الاستعلاء الثقافي والتبعية الثقافية  والغزو الثقافي، بينما لا تقدم لهم الدوائر العربية إلا القليل مما يحتاج إليه بناء وجدانهم وتعزيز انتمائهم الوطني والقومي وتعضيد منظومة القيم الشعبية والإنسانية لديهم.

 

ثم زاد على هذه الدول جهد دول أخرى مثل الباكستان (مطبوعات تاج كمبني ليمتد كراتشي باللغة العربية للأطفال والفتيان العرب) وإيران هونغ كونغ واليونان، وكلها تجهد لطباعة الكتب التي تخاطب الأطفال والفتيان العرب، من منظورات تربوية وفكرية قد لا نرضى عنها، أو لا تتوافق مع مسعى الاستراتيجية التربوية والقومية العربية.

 

ويبدو من جهة أخرى مشروع سلسلة «ليد بيرد» مثالاً لدعم الغرب الاستعماري الذي يريد الهيمنة على عقل الأطفال والفتيان العرب، فقد انطلقت السلسلة مع مطلع السبعينيات، وطبعت أكثر من ألفي عنوان لمختلف أعمار الأطفال والفتيان في عشرات السلاسل القصصية والشعرية والحكائية والروائية والعلمية والمعرفية والتعليمية، وأغرقت السوق العربية بمئات ألوف النسخ المطبوعة بأناقة فاخرة والمدعومة من ناشرين هما ليديبيرد بوك ليمتد (لافبور) ولونغمان (مارلو)، وأقول مدعومة لأنها تباع بأقل من تكلفتها بكثير. ومن اللافت للنظر أن هذه المنشورات كسبت تعاون عدد كبير من الأدباء والكتاب العرب الذين وظفت إبداعاتهم ضمن سياساتها الثقافية مما يندرج تحت لواء الالتزام التقني أي الأديب أو الكاتب الذي يبيع إبداعه وجهده فتروجه الدار الناشرة وفق مقاييسها ومعاييرها، وغالباً ما تتحكم بطرائق توجيه هذا النتاج أو إعادة إنتاجه سلفاً مع الأدباء والكتاب أنفسهم ما داموا سيبيعون هذا الجهد تغذية لحاجات المركز الداعم لحاجات الطلب والسوق، وتأتي القيم والاعتبارات في النهاية.

هل علينا أن نؤكد من جديد أن الأمن القومي مرتبط بالأمن الثقافي، وأن مشكلات الأطفال والفتيان من مشكلات مجتمعهم وأمتهم، وهل علينا أن نؤكد أن مخاطر التبعية الثقافية في ميدان أدب الأطفال والفتيان هي الأشد والأبلغ تأثيراً في احتلال عقل الناشئة العرب، ونحن في هذا لا ندعو إلى إغلاق باب التبادل الثقافي، ولا ندعو إلى الانغلاق على ثقافتنا دون تراث الإنسانية المشرق والمضيء والنافع والأصيل، ولكننا نعاود التوكيد على مجاوزة المعاناة الشديدة التي يعانيها أدب الأطفال والفتيان العرب أمام خطر احتلال عقل الناشئة العرب من ثقافة تندرج في التبعية، ولا تخدم إلا الذين يتاجرون بكل شيء بعد ذلك ولو كانت ثقافة الطفل العربي.

لاشك أن الثوابت في مخاطبة الأطفال والفتيان العرب مهددة منذ مطلع الستينيات ولا أدرى إذا كان ذلك يجري في غفلة منا أم في غفلة من الزمن.

 

2ـ4ـ سؤال الهوية القومية:

عندما قرر الوزراء المسؤولون عن الشؤون الثقافية في جامعة الدول العربية أن يخصصوا مؤتمرهم بالقاهرة (حزيران 1991م ) لأدب الطفل العربي، فإنهم أكدوا بما لا يدع مجالاً للشك يقظة متأخرة في وعي مكانة أدب الأطفال في البناء الثقافي والوجداني للإنسان من خلال الناشئة وعمليات التنشئة، فلم يسبق لمؤتمرات الوزراء المسؤولين عن الشؤون الثقافية أو اجتماعاتهم أن عالجت، على نحو أساسي قضية أدب الأطفال، ومن الواضح أن هذا المؤتمر لم يعن بهذه القضية في منظوراتها كلها، القومية والتربوية والعقائدية والفنية والتقنية، فقد أتيح لي أن أطلع على وثائق ذلك المؤتمر، وكنت آمل أن يعمق المؤتمر البحث في رؤية واقعية لآفاق تطوير ثقافة الأطفال في الوطن العربي، ولاسيما علاقتها بالهوية القومية، ومواجهة الغزو الثقافي والهيمنة الغربية، بأنماطها الاستهلاكية والإنهاكية للقيم الثقافية العربية كما تتبدى في إغراق السوق العربية، ثقافياً وإعلامياً وتربوياً بمنتجات ثقافة الأطفال المصنعة في دوائر غربية وأجنبية.

ثم أعيدت في قطرين عربيين آخرين، أسئلة الهوية القومية في أدب الأطفال، فقد كرس المهرجان الثامن لثقافة الأطفال بالشارقة مجاله الفكري (15-29/2/1992م) لموضوع شديد الصلة بالهوية هو «الطفل والتراث والوطن» توكيداً على منطلقات واضحة في الدور التربوي لثقافة الأطفال من جهة، وفي قابلية هذا الدور التثقيفية في بناء الشخصية العربية من جهة أخرى، وقد برزت هذه المنطلقات في الاعتبارات التالية في بيان ندوة المهرجان التخصصية:

 

1ـ الاستناد إلى التراث العربي الثري كمصدر رئيس لثقافة الطفل باعتباره ينبوع الثقافة الحية ومعيناً لوعي الذات والهوية القومية ليكون أساساً للتنشئة الاجتماعية الهادفة نحو التفتح والانطلاق والإبداع.

2ـ مواجهة موجة التغريب الثقافي التي تهدد الأصالة الثقافية لدى الناشئة بتوفير بدائل عملية من خلال برامج متقدمة تقنياً شكلاً ومضموناً.

3ـ التوكيد على التراث العربي بمصادره الدينية والتاريخية والأدبية والشعبية والأسطورية، وكشفت الأوراق المقدمة للندوة عن مصادر مهملة في التراث العربي كالألعاب والأسفار والوصايا والرسائل والأخبار والفنون المختلفة، مما يشكل ذخيرة حية لاستعادة التراث العربي في ثقافة الأطفال.

 

4- إقامة مؤسسة عربية لإنتاج وسائل ثقافة الطفل العربي بكافة أشكالها يكون هدفها توحيد الجهود في هذا المجال وتشجيع المبادرات المتميزة في أكثر من بلد عربي.

لقد كانت هذه التوجهات والتطلعات مثار حلقة بحث متخصصة أيضاً قبل قرابة ثلاثة عقود من الزمن حول «أدب الأطفال والتراث»، أقامتها منظمة الطلائع بحماة (كانون الأول 1983م)، ومن المفرح أن هذه المبادرة في معالجة هذه القضية الثقافية الهامة قد صارت إلى حالة قومية عامة في مؤتمر الوزراء المسؤولين عن الشؤون الثقافية في الوطن العربي، وفي الندوة التخصصية حول «الطفل والتراث والوطن»، ثم أتيح لي أن أشارك في البيان الختامي للندوة الثقافية المتخصصة لمهرجان الجنادرية السابع للتراث والثقافة (الرياض 14-29/1992م)، وكان موضوع المهرجان لعام 1993 هو أدب الأطفال في إطار الندوة الرئيسية «الموروث الشعبي في العلم العربي وعلاقته بالإبداع الفكري والفني».

 

وشملت الندوة تنظيم عدة فعاليات ثقافية قومية مثل مسابقة ثقافية للأطفال في الأقطار العربية، وإقامة معرض عربي لكتاب الطفل تُدعى إليه دور النشر والمؤسسات العلمية المتخصصة، وإخراج عدد من الكتب والدراسات في شكل نصوص إبداعية للطفل، ودراسات موضوعية عن الأطفال وأدبهم، كما تشمل أعداد «بيبلوغرافيا» شاملة لكل ما كتب عن الطفل وللطفل من الأعمال الأدبية في الوطن العربي، لتكون في متناول الباحثين والقائمين على أمر ثقافة الطفل.

 

إن الاهتمام بالتراث وتأصيله واستلهامه في أدب الطفل العربي، لا يعني الوعي العميق والإدراك القومي والنظرة الثاقبة لمكانة أدب الأطفال في التنشئة السليمة فحسب، بل يفيد بالدرجة الأولى الإجابة عن أسئلة الهوية القومية في أكثر المكونات الصرفية تأثيراً على وجدان الناشئة، ولاشك، أن المكونات الصرفية لا تنقل أو تجتلب، بل ينبغي لها أن تمثل في التقليد الأدبي القومي الذي يضمن السيرورة والفاعلية بغنى موروثاته التي تستجيب لعمليات التلقي المجدي والمشاركة الإيجابية، وهما ضرورة لكل ثقافة حية.

 

 

 

الفصل الثالث: أدب الأطفال في مؤتمرات الأدباء العرب

المرحلة الأولى:

أصبح أدب الأطفال مادة أساسية في مؤتمرات الأدباء العرب منذ المؤتمر العاشر المنعقد في الجزائر عام 1975( )، وجرت العادة، شأن جدول أعمال هذه المؤتمرات أن تكتب بحوث من بعض الاتحادات العربية المشاركة، ثم يناقش بعض أعضاء المؤتمر هذه البحوث في لجنة من لجانه، ثم تصدر توصيات ومقترحات عملية وغير عملية لتطوير واقع الحال، فقد اتسعت أعمال المؤتمر في لجان متخصصة حسب محاور الموضوع أو الموضوعات الرئيسة في المؤتمر الرابع (الكويت 1958) مما يؤكد أن الأدباء العرب قد التفتوا متأخرين إلى قضية أدب الأطفال وإبداء الاهتمام والعناية اللائقين بها. والحق، أن هذا الالتفات المتأخر يتساوق مع إنتاج أدب الأطفال الذي أصبح ظاهرة ملفتة للنظر في السبعينات، فغدا من الضروري أن يرافق هذا الإنتاج قول أو رأي، وأن تعنى به الجهات المختلفة التي تهتم بتربية الأطفال وتثقيفهم. ومن أهم هذه الجهات اتحادات الأدباء والكتاب بوصفها تساهم مساهمة فعّالة كتابة ونشراً في التأليف للطفل العربي. ولن ندخل في متاهة تقويم مؤتمرات الأدباء العرب، ومدى فاعليها في تنظيم الحياة الأدبية العربية أو تطويرها نحو الوفاء بأهدافها أو الحديث عن قضية أدب الأطفال في هذه المؤتمرات. وسنبين البحوث المقدمة التي ألقيت كمحاضرات، وكانت أساساً للمناقشات والتوصيات والمقترحات:

المؤتمر العاشر ـ الجزائري عام 1975:

الطفل في الأدب العربي:                محمد العروسي المطوي (تونس)

أدب الأطفال في سورية:               عادل أبو شنب (سورية)

الطفل في الأدب العربي:                البشير الهاشمي (ليبيا)

الطفل والشعر:                 أحمد المختار الوزير (تونس)

الطفل في الأدب العربي:                د. عبد العزيز المقالح (اليمن)

الطفل في الأدب العربي الحديث:        روكس بن زايد (الأردن)

المؤتمر الحادي عشر ـ طرابلس عام 1977:

أدب الطفولة:                   محمد المختار جنات (تونس)

المؤتمر الثاني عشر ـ دمشق عام 1979:

أدوات الوصول إلى الأطفال:    عادل أبو شنب (سورية)

تطور فن الكتابة للأطفال في البلاد العربية ومشكلاته:

                                        أحمد أبو سعد (لبنان)

أدب الأطفال في المواجهة:    

                                        محمد الجزائري (العراق)

القيم التربوية السائدة وتقنيات العمل التربوي:

                        ¬              فالح فلوح (سورية)

في «أناشيد الأطفال»:

                                        لسليمان العيسى.

تقرير حول أدب الأطفال في المغرب (الواقع والطموحات):

                                        إبراهيم الخطيب (المغرب)

أدب الأطفال في الأردن (الواقع والطموح):

                                        أحمد المصلح (الأردن)

شهادة عن الأطفال في زمن القهر:

                                        بشير الهاشمي (ليبيا)

الأطفال: أدبهم وثقافتهم:

                                        قمر كيلاني (سورية)

الطفل في الشعر الحديث:

                                        د. عبد العزيز المقالح (اليمن)

تجربتي في كتابة أدب الأطفال في تونس:

                                        محيي الدين خريف (تونس)

المؤتمر الثالث عشر ـ اليمن عام 1981:

إشكالات الكتابة الإبداعية وقضاياها بالنسبة لأدب الأطفال في تونس.

                                        محيي الدين خريف (تونس)

ونستطيع بواسطة هذا المسرد لأبحاث أدب الأطفال، ولا سيما أنها متوافرة( )، أن نستجلي عناصر الرؤية الواقعية والفنية والتربوية للأدباء والكتاب العرب نحو قضية أدب الأطفال.

تدبير أم تأصيل:

لاحظنا أن التفاتة الأدباء والكتاب العرب إلى موضوع أدب الأطفال كانت متأخرة، ومنذ المؤتمر العاشر في الجزائر عام 1975 أصبح هذا الموضوع مادة أساسية فيما تلاه من مؤتمرات، وقد أوصى المؤتمر الحادي عشر في طرابلس عام 1977 بذلك. أما التوصيات فمما يدخل في باب تدبير الثقافة وليست مما يعالج ظواهر وقضايا أدب الأطفال.

 إن إنشاء هيئة متخصصة في نطاق الجامعة العربية تُعنى بثقافة الطفل وتخصيص جوائز أدبية ومالية للأدباء الذين ينتجون للأطفال، واستلهام النموذج العربي في كتاباتهم، وحث وزارات التربية والتعليم في الوطن العربي لتضمين المناهج والكتب المدرسية نماذج من أدب الأطفال، وعقد الندوات حول هذا الأدب، ولكنها لا تعنى بخصائص أدب الأطفال أو نظريته، بل ينحصر اهتمامها بواقعه، وبمدى الانتشار الذي بلغه بخاصة.

لقد كان واضحاً أن الكتاب والأدباء العرب منشغلون أساساً بشؤون تدبير أدب الأطفال في واقعه، ونادراً ما عالجوا مسائل تأصيل هذا الأدب في فنونه ووسائطه، ولدى جمهوره.

ثمة إشارة إلى نقاط ثلاث هي:

ـ توظيف أدب الأطفال لبعض التراث العربي عن طريقة تعريف الأطفال بالنواحي المشرقة والإيجابية من تاريخ أمتهم.

ـ أن تكون اللغة الفصحى المبسطة هي اللغة المعتمدة في مخاطبة الأطفال والكتابة إليهم، والعمل على وضع رصيد لغوي متدرج لكتّاب أدب الأطفال.

ـ أن يكون الطابع القومي هو السائد في تربية الطفل العربي.

إن لهذه النقاط أهميتها، ولكنها أمنيات قبل أن تنطلق من معاينة واقع الحال ومن الملاحظ، أن التوصيات ليست نتاج البحوث ومناقشاتها، أو حوار المتحاورين فيها، بل هي أقرب إلى النوايا الطيبة من أجل النهوض بإنتاج أدب الأطفال العربي الذي يلبي أهدافه القيمية القومية الكبرى. بينما يحتاج التأصيل إلى محاورة الإبداع نحو الإجابة عن خصائص أدب الأطفال وتثميرها في قنواته المختلفة. وهكذا، سننظر في بحوث المؤتمرات وتقاريرها طلباً لمثل هذه الإجابة.

بحوث وتقارير وتجارب:

تعاني فنون أدب الأطفال مثل وسائطه معاناة شديدة من الافتقار إلى ممارسة أدبية تراعي الاعتبارات التربوية والفنية لأدب الأطفال. ومن المفيد أن نفرق بين تقرير وبحث. ولقد كان في المؤتمر الثاني عشر على سبيل المثال ثمة تقارير، وثمة بحوث، ولكنها طمحت (ضمن حدود إمكاناتها) إلى تقديم المشهد الثقافي العربي في أدب الأطفال، ولعلنا نلاحظ هذا التفريق في تسميات هذه البحوث، فهناك أدب الأطفال في الأردن والمغرب والبلاد العربية، الأول لأحمد مصلح، والثاني لإبراهيم الخطيب، والثالث لأحمد أبو سعد، وهناك «أدوات الوصول إلى الأطفال» لعادل أبو شنب و«القيم التربوية السائدة وتقنيات العمل التربوي في أناشيد الأطفال» لفالح فلوح. وهي جميعها تنشغل بامتداد أدب الأطفال في الواقع وتُفصَّل غالباً حدوده داخل الكتاب وداخل الجنس الأدبي، وعلى الرغم من هذا كله، فإنها المرة الأولى التي يمثل فيها أدب الأطفال مكانة متميزة في أعمال المؤتمرات الأدبية، وفي درس آفاق تطويره على صعيد النظر والممارسة على وجه الخصوص.

بلغ عدد الكتابات المقدمة إلى مؤتمرات الأدباء العرب ثمانية عشر بحثاً وتجربة شخصية وتقريراً عن واقع أدب الأطفال في الأقطار العربية، توضحها الجداول التالية:

 

جدول رقم (1)

التقارير والبحوث والتجارب في مؤتمرات الأدباء العرب

تجربة  تقرير   بحث    المؤتمر

        1      5      المؤتمر العاشر

                1      المؤتمر الحادي عشر

1      2      7      المؤتمر الثاني عشر

        1              المؤتمر الثالث عشر

ملاحظة عامة: يقترب محمد المختار جنات من طابع التجربة الشخصية.

جدول رقم (2)

الفنون والوسائط والتقنيات في مؤتمرات الأدباء العرب

التقنيات الشعر  القصة  الوسائط        أدب عام        المؤتمر

        1                      5      المؤتمر العاشر

                                1      المؤتمر الحادي عشر

2      2              3      3      المؤتمر الثاني عشر

                                1      المؤتمر الثالث عشر

ملاحظة عامة: كتابات محيي الدين خريف وبشير الهاشمي موجزة، وأقرب إلى الخواطر.

جدول رقم (3)

مشاركة الأقطار العربية حسب المحاضرات في مؤتمرات الأدباء العرب

المغرب لبنان   العراق  اليمن   ليبيا    الأردن  سورية تونس  المؤتمر

                        1      1      1      1      2      المؤتمر العاشر

                                                        1      المؤتمر الحادي عشر

1      1      1      1      1      1      3      1      المؤتمر الثاني عشر

                                                        1      المؤتمر الثالث عشر

1      1      1      2      2      2      4      5      المجموع

وتشير هذه الجداول إلى النتائج التالية:

كانت مشاركة غالبية الأقطار العربية ضعيفة، باستثناء تونس وسورية وتلاهما ليبيا واليمن والأردن.

هناك تناول عام لأدب الأطفال، بينما حظي الشعر بثلاثة بحوث، وجرت الإشارة إلى الوسائط في ثلاثة بحوث أخرى موجزة مُستعجَلة.

نوقشت التقنيات وأدوات الوصول إلى الأطفال في بحثين، ومن المعروف أن أمثال هذه البحوث تعبر عن تطور الوعي بعملية إنتاج أدب الأطفال، لأنها تنظر إلى الأدب في طبيعته أو خصائصه استناداً إلى المقاييس أو المعايير الخارجية والداخلية.

 

1ـ في المفهوم:

لا يزال أدب الأطفال إلى وقت قريب ملتبساً لدى الكثير من الأدباء العرب الذين تصدوا للكتابة عن الطفل أو للطفل. لقد نوّه عادل أبو شنب إلى أن ثمة فارقاً جوهرياً ما بين الأدب الذي يخاطب الأطفال ويتجه إليهم كقراء، وبين الأدب الذي يتحدث عن الأطفال وهو كثير في أدبنا العربي القديم والحديث( )، بينما كرّس المختار الوزير والهاشمي مفهوم أدب الأطفال لذلك الأدب الذي يهتم بالأطفال، (وينظر إلى الطفولة بوصفها موضوعاً للكتابة، فوجدنا عند الثاني الطفل «شخصية نموذجية جميلة بعيدة عن الشذوذ والانحراف والقبح والتشويه والعيب»( )، وأن موضوع الطفولة أصبح وسيلة تعبيرية لدى الكاتب أو الشاعر فيكشف عن الزمن والجنس والنضال والأسلحة، فالطفولة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالمواقف السياسية مما يجعل من النظرة الطفلية لدى الشاعر مظهراً من مظاهر النضوج، ثم تعدى المختار الوزير هذه النظرة ليطرح تساؤلاً هو: ماذا نقدم للطفل من شعر ولا يجد جواباً سوى الاستعاضة عن كلمة «نقدم» بكلمة «نختار»، ويعترف بعد ذلك بحقيقة النمو وأسباب مراعاتها( ) مؤكداً أهمية دور المرشد أو المربي من المعلمين في عملية الاختيار. على أن ثمة آراء أخرى باشرت فهم قضية أدب الأطفال، منذ البداية. وربما لسبب انشغالها الطويل بالكتابة للأطفال مثل محمد العروسي المطوي الذي رأى في القضية مسؤولية كبيرة ذات مساس واضح بالمستقبل، فعاد إلى المساعي العربية والدولية والمحلية في تونس مقترباً من عالم الطفل الصغير ووجوب العناية بلوازمه المتعددة، وفي مقدمتها اللغة الخاصة التي ينبغي أن تستند إلى قاموس الأطفال اللغوي( ).

 

ومن جهة أخرى، صرف روكس بن زايد بحثه لما سماه «الصغير من بني الإنسان» مستعرضاً باستفاضة أو على عجل الطفل في الضمير الإنساني وفي تراث الإنسانية باعتباره معنى ورمزاً وموضوعاً للوضع الإنساني، فثمة مقاطع عن الطفل في الأديان الأول وعاطفتي الأمومة والأبوة، وعن مأساة الطفل الإنسانية، لا فرق... الخ( ).

أنها الخواطر التي تفيض سواء كانت مناسبة أم غير مناسبة، ثم نظر محمد المختار جنات إلى أدب الطفولة نظرة واقعية من خلال الفن والتربية معاً، فأشار إلى التخطيط التربوي وأهمية التعامل مع فترة الحضانة وفترة التعليم التمهيدي إذا أردنا لأدب الطفولة أن ينمو ويتسع ويأخذ مكانته اللائقة في عملية الإنتاج الأدبي، فالتأليف للأطفال ينطلق من احتياجات طفلية منظورة، وتتميز داخل عملية الإبداع مشكلات الفنون والإيصال اللغوي والروافد الثقافية الأخرى ذات التماس المشترك مع إنتاج أدب الأطفال.

والحق، أن جنات عاد إلى الخصائص والمقاييس التي أوردها علي الحديدي قبل قرابة عقد من الزمن في كتبه ومقالاته المكرسة لأدب الأطفال( ). على أن هذه العودة لا تقلل من أهمية الإشارات المقدمة على سبيل تحديد مفهوم أدب الأطفال بين الأدباء العرب، إذ أثيرت على نطاق واسع، مشكلات مستحدثة بفعل انتشار أدب الأطفال مثل قضايا الإنتاج والتوزيع والاستهلاك والتوريد، والعلاقة بين أشكال أدب الأطفال ومضامينه في مجال فن القصة على وجه الخصوص وفي الوقت نفسه، عالج جنات، من واقع تجربته الشخصية، بعض خصوصيات الإبداع القصصي للأطفال.

 

وفي المؤتمر الثاني عشر، كان ثمة اقتراب من أدب الأطفال من خلال ملامسة جوانبه الأساسية: إنتاج أو إعادة إنتاج أدبي للطفل وفق اعتبارات وأهداف تراعي الطفل العربي في بيئته ومجتمعه، وفي إطار لغته، وسعياً لتأثير إيجابي خلال شخصيته التي يراد لها أن تنمو في مناخ معافى، وعلى أرض أصلب، وسنتبين صور هذه الملامسة.

 

2ـ في الأدب العربي القديم:

توزع الاهتمام بالطفولة في التراث العربي إلى موضوع ومخاطبة، فثمة نصوص ومقطعات كثيرة خصت الطفولة بمعراج النظر إلى الأشياء والعالم، فكانت الطفولة ميداناً رحباً لصبوات الأدباء وأشواقهم في مختلف الموضوعات التي عالجوها كأن تكون مثاراً لرحمة أو سبيلاً لاعتذار، أو دعوة لتكرمة، أو إشارة لمأساة إنسانية.

أما مخاطبة الأطفال فقد اقتصرت على فنون الحكاية الشعبية كالحيوان والجان والحكاية المرحة وأغلبها غير مكتوب، وعلى المرقصات والمطربات من الأغاني، وعلى الأدب التعليمي المشهور للكبار والصغار على حد سواء، وفي أبحاث روكس بن زايد والعروسي المطوي وعبد العزيز المقالح إشارات سريعة إلى ظهور أدب الأطفال في الأدب العربي، وقد صنف الأخير من هؤلاء مواقف الأدباء من الطفل فتارة يعتبرون الأطفال وسيلة لاستشارة الشفقة والرحمة في قلوب الحاكمين والمحكومين من ذوي الثراء والجاه والسلطان، وتارة أخرى يجعلون من الأطفال عبثاً وامتداداً شعورياً وحياتياً يمتد من الذات إلى الخارج، وتارة ثالثة يرون فيهم عبثاً وجودياً واقتصادياً ومسؤولية اجتماعية، وتارة رابعة يبدو فيها الأطفال كزهور جميلة يقتلها الموت قبل الأوان( ).

 

بذا يلتحم الطفل، عندما يكون موضوعاً، بوجدان الشاعر أو الكاتب، ويستنطقه الموقف المراد أو الهاجس المكتوم وهذا كله، يعني الاعتراف بالنقص الحاصل في توجيه الأدب للأطفال مما يجعل من أدب الأطفال في الأدب الحديث اكتشافاً.

 

3ـ في الأدب العربي الحديث:

أطل الأدباء العرب على أدب الأطفال فجاءة أو كالفجاءة. فجرى الالتفات إلى جهود الرواد العظيمة كعثمان جلال وأحمد شوقي وإبراهيم العرب وعمران الجمل وفرح الجمل وحسن توفيق إبراهيم وتوفيق بكر ومحمد عبد المطلب وكامل كيلاني وغيرهم، ثم جرت محاولة إعادة الاعتبار لأعمال ريادية انحصرت شهرتها في حدود بلدها، أمثال عمر فروخ وحبوبة حداد ولورين ريحاني، ورشاد العريس، وروز غريب وأدفيك شيبوب في لبنان، وعبد الكريم الحيدري ونصرت سعيد في سورية.

 

وجرى تقويم أعمال ريادية أخرى تجاوزت شهرتها حدود بلادها إلى البلدان العربية الأخرى، ويؤلف عماد هذا الفريق كتّاب من مصر نذكر منهم كامل كيلاني، ومحمد سعيد العريان، ومحمد أحمد براتق ومحمد عاطف البرقوقي، وعطية الإبراشي، وأمينة السعيد، وإبراهيم عزوز، وأحمد نجيب وغيرهم( ). والحق، أن تجربة هؤلاء الكتاب لا تزال مثار نظر وتقدير وإعجاب، لأنهم تلمّسوا عن كثب وبالممارسة المشكلات النظرية والعلمية لإنتاج أدب للطفل العربي سواء في التأليف أو التعريب أو الاقتباس عن الآداب الأجنبية أو التراث العربي المكتوب أو الشفهي.

 

وعالجوا في كتاباتهم مسائل لا تزال موضع اختبار كالخيال أو الخرافة، ومجالات أدب الأطفال وفنونه، ولابد لمن يهتم بإبداع أدب للطفل العربي أن يعاين تجربة هؤلاء الرواد الكبار في منطلقاتها وأسسها وتوجهاتها، لأنها مفيدة في تحديد قابليات جمهور الأطفال، وراسخة في اختياراتهم الفنية والتربوية، وعندما أراد محمد الجزائري أن يدرس أدب الأطفال في المواجهة توقف عند الأسئلة الأولى: لماذا؟ وكيف؟ متجاهلاً تلك الريادة الطويلة لأدب الأطفال، ومعولاً على إزجاء الخواطر والانطباعات.

لقد تحدث عن شكل المطبوع على سبيل المثال، فاكتفى بالملاحظات التالية: ملاءمة الشكل مع السن ومتطلبات عنصر التشويق، ومراعاة الجانب التربوي في نوع المطبوع ليوازي المطبوعات المستوردة، والتأكيد على الصورة، وتوافق النسب بين الصورة والكلمة بما يتلاءم مع الثورة اللغوية للمرحلة العمرية. بينما استجاب أحمد أبو سعد لواقع الحال، فانطلق منه إلى رؤية شمولية ناقداً أدب المرحلة نحو تصور أرفع وأنفع.

 

3ـ1ـ الرؤية الواقعية:

كما لاحظنا، فقد غلب على بحوث المؤتمرات باستثناء الثاني عشر والثالث عشر طابع البحث في الأدب المكتوب عن الأطفال، لا الأدب الموجه للأطفال.

ولعل كتابة المقالح تدل على هذه التجربة. لقد عني المقالح بموضوع أدب الأطفال، وكانت دراسته للمؤتمر العاشر من آثار عنايته، حيث حاول أن يتتبع في تلك الدراسة نصيب الطفل من أدبنا القديم والحديث شعراً ونثراً. ويعترف المقالح أنه خرج من تلك المحاولة إلى حقيقة مخيبة للآمال، مؤداها أن الأدب العربي أدب كبار ليس فيه للصغار أيُّ نصيب يذكر، ولا مكان للطفل العربي في أدب آبائه وأجداده إلا أن يكون موضوعاً للاستعطاف أو موضوعاً للرثاء، واتضح له أيضاً أن أدبنا الحديث أو المعاصر يكاد يخلو هو الآخر من أدب الطفل، باستثناء محاولتين رائدتين خلال جيلين معاصرين يمثل الجيل الأول فيها كل من أحمد شوقي وكامل كيلاني ويمثل الجيل الثاني سليمان العيسى وزكريا تامر. ومن الملاحظ، أن المقالح هنا يشير إلى أبرز وجوه هذين الجيلين.

 

أما الأسباب أو ما يمكن أن تُعدّ أسباباً لغياب أدب الطفل في تراثنا الأدبي القديم فهما أمران، الأول أن الأدب العربي في البداية قد نشأ سماعياً، ويستدعي تقبله أو الانفعال به إدراكاً معيناً، وكذلك مستوى معيناً من الثقافة لا تتوفر للطفل، والثاني يتعلق بتطور الظاهرة الأدبية، فحين أصبح الأدب العربي مكتوباً كانت القراءة محدودة الانتشار ومتاحة للقادرين والمحظوظين من الكبار، والأطفال ليسوا من بين القادرين ولا المحظوظين.

ويرى، من جهة أخرى، أن العزوف عن الكتابة للطفل في الأدب الحديث يعود إلى الشعراء أنفسهم فقد كان الأديب العربي أما «ذاتياً» يعبر عن نفسه وعن مشاعره الخاصة وانفعالاته الذاتية، ولم يكن الطفل في الحالة الأولى مهماً لأنه لا يشكل «الغير» الفعّال أو المنفعل، ولم يكن كذلك مهماً في الحالة الثانية لأنه لم يكن ضمن العالم الداخلي للأديب ولا يقتحم وجدان شاعر مهموم، منبهر بتجارب جديدة قائمة على مبدأ البحث عن الطفولة عند الشعراء. لذا كان بحثه عن الشعر المكتوب عن الأطفال، وهو موضوع آخر لا نعتقد أن مكانه ضمن مجموعة بحوث أدب الأطفال.

ويلتقي محيي الدين خريف مع المقالح في هذا المفهوم: الكتابة عن الأطفال وليس الكتابة للأطفال. أنه يقول صراحة:

«كتبت عنهم ولم أكتب لهم ـ كتبت عن الأطفال أكثر من عشرين سنة، ولكني لم أكتب لهم، وذلك لسببين اثنين:

1- هو ما اعتدته من معاملة مع الكبار وما رأيته من إغفال وصمت وتغاضٍ ورفض بدون نقد وفحص في أغلب الأحيان، وهو شيء لا يشجع على التمادي في التمادي على حد قول المتنبي.

 

2- هو مباشرتي لتعليم الأطفال خلال عقدين من الزمن. وما رأيته بما أسميه بأدب المحاور. وما يتداول فيه من الشعر خاصة قطعاً قديمة لا تعبر عن واقع ولا تمس عالم الطفل ولا تحرك إحساسه من أمثال ربيعية صفي الدين الحلي أو أحمد شوقي»( ).

يعتبر خريف مفهومه صالحاً «لتمييز» أدب الأطفال، حيث يمد هذا المفهوم ليشمل شعره المكتوب عن الأطفال، لأن شعره ـ كما يرى ـ متين اللغة متانة ترتفع به إلى مستوى النصوص الجيدة «ولأنه حاول أن يكون هذا الشعر في مستوى السهولة والبساطة التي تجعل الطفل يقبل عليه راضياً، مختاراً، لا مرغماً مكرهاً»( ).

ولاشك، أن هذا الأدب يختلف عن أدب الأطفال، ويؤكد أن فنون الأطفال مثل وسائطه تعاني معاناة شديدة في الافتقار إلى ممارسة أدبية تراعي الاعتبارات التربوية والفنية لأدب الأطفال.

وثمة تفريق بين أدب الأطفال وثقافتهم في بحث قمر كيلاني فهي تتحدث ضمن أدب الطفل عن الشعر والقصة القصيرة والطويلة، والمسرح ومسرح العرائس، الحكايات، القصص المصورة، المادة الأدبية الخفيفة والمبسطة على شكل خطب ومذكرات ورسائل وخواطر وسوى ذلك، وتتحدث ضمن ثقافة الطفل عن الإذاعتين المرئية والمسموعة والصحافة والسينما والسيرك والحفلات الموسيقية والفنية والمهرجانات والهدف اللغوي في بناء لغة عربية سليمة متطورة وحديثة.

وهذا التفريق لا يوافي المصطلح في نظرية أدب الأطفال، فقد جرى اعتبار مصطلح فنون الأطفال لشعر والقصة والأغنية ثم المسرحية والمقالة على سبيل التجوز، ومصطلح وسائط ثقافة الطفل للصحافة والكتابة والمسرح والإذاعتين المرئية والمسموعة والسينما وسوى ذلك من أساليب اللقاء كالحفلات والمهرجانات وحلقات البحث والمباريات والاستضافة والزيارة الميدانية.

 

ولعله حان الوقت للاعتراف بهذا التفريق، فلفنون أدب الأطفال مشكلاتها التي تختلف عن مشكلات وسائط ثقافة الأطفال، بل أن هذه المشكلات تختلف من وسيط لآخر تبعاً لخصائص هذا الوسيط وطبيعته. وهو ما نسميه بالاعتبارات الفنية الخاصة، أي مراعاة الاعتبارات الفنية لأدب الأطفال تبعاً للوسيط الذي يقدم من خلاله. وهذا يستدعي أن تقوم أجهزة أو مديريات خاصة بثقافة الأطفال في الوزارات والمؤسسات والتنظيمات المتعددة.

لقد حاولت قمر كيلاني أن تدرس فنون أدب الأطفال ووسائطه الثقافية المختلفة، فكان في بحثها ثمة إضاءة لحال هي أمنية أن يتطور أدب الأطفال وثقافتهم إلى حال أخرى في الوقت نفسه.

 

ونلاحظ أن محمد الجزائري قد كرّس جانباً من بحثه للاعتبارات التي ينبغي مراعاتها في أدب الأطفال مثل مبدأ المراحل العمرية، مع الأخذ بالنظر خصوصية كل مرحلة على حدة، وقضية تقنية الكتابة للطفل وضرورة معرفة الأديب لحجم قاموس الطفل وملكته وفق سنه، والعمل على تأكيد القيم الإيجابية وتثبيتها والابتعاد عن نقد القيم السلبية وعرض تناقضاتها وتعليم الطفل طريقة أفضل في الحياة اليومية... في المشي والكلام والسلوك والتفكير والتذوق.

ثم يقترح الجزائري ما يلي: «أن يخرج المؤتمر بتوصيات تتعلق باعتماد البحث والتخطيط العلميين في وضع البرامج الثقافية وبالشكل الذي يتوافق مع النهوض العربي، وعقد الندوات الاختصاصية في كل نوع من الأنواع الأدبية الموجهة للطفل ولكل وسيلة من وسائل التوصيل والاتصال بالطفل، وتأسيس دار عربية للنشر خاصة للأطفال تسهم فيها الأقطار العربية، وتشكيل مجلس عربي أعلى لرعاية الطفولة يأخذ على عاتقه مهمة التخطيط والتنسيق للمشاريع الأدبية، وتدريس فنون صحافة وأدب الأطفال الفنية الأخرى في المعاهد والكليات»( ).

 

لقد نجحت البحوث جميعها في الإشارة إلى واقع أدب الأطفال العرب دون أن تُعنى بخصائص أدب الأطفال أو نظريته. أن أحمد المصلح بدأ المحاولة ثم توقف في الصفحات الأولى من بحثه. لقد حاول الإجابة على السؤال: ما أدب الأطفال؟ ثم أورد رأياً لأحدهم وتبناه: «أن أدب الأطفال هو مطلق الأدب الذي يجد هوى في نفوس الصغار». ويضيف: «فدائرة الكتابة للأطفال واسعة جداً بحق وبإمكان الكاتب أن يعالج شتى الهموم أو الاهتمامات التي تشغل بال الكبار أيضاً، ولكن مع مراعاة قدرة الطفل على استيعابها فيمكن مثلاً كتابة قصة نفسية أو أخلاقية وأخرى قومية ومثل هذا ينطبق على القصيدة والمسرحية في حدود المعايير لكل منها»( ).

وهكذا يعود بنا أحمد المصلح إلى المنطلق نفسه: ثمة أدب للأطفال له خصائص ومميزات واعتبارات تكشف عن هذه الخصائص والمميزات بعد ذلك وبدون وعي هذا المنطلق يبدو من الصعوبة بمكان تطوير أدب الأطفال.

 

3ـ2ـ الرؤية الفنية والتربوية:

يلخص أحمد أبو سعد مشكلات أدب الأطفال فيما يلي: «مشكليات الكتابات العشوائية غير المحدودة لسن معينة، مشكلية فقدان وسائط التبليغ الناجح. عدم ابتكار أساليب ذاتية خلافة في السرد والتعبير تنم عن طابع شخصي يميز كل مؤلف أصيل، قلة الكتابة لصغار المبتدئين من الأطفال ممن هم دون سن العاشرة، عدم وجود معجم للأطفال يحصر الكلمات الملائمة لكل مرحلة من مراحل عمر الطفل، ضعف الصياغة الفنية، عدم التفريق بين الأدب الذي يتحدث عن الأطفال والأدب الذي يخاطبهم كقراء»( ).

وتكاد بقية البحوث تتفق على هذه النظرة، وعلى ما فيها من تداخل بشأن مجموعات البحوث في المواضيع الأخرى، بين وصف الواقع ورؤية الفن الأدبي، فإن هذه المشكلات تصب فيما ألمحنا إليه من الافتقار إلى ممارسة أدبية تراعي الاعتبارات الفنية لأدب الأطفال. ولاشك أن هذه الاعتبارات متنوعة وتوغل في اكتناه التفاصيل إلى حد بعيد. أن تمحيصاً للغة القصة أو القصة الموجهة للطفل العربي يكشف عن إهمال هذا الأدب للاعتبارات التربوية في مراعاة القاموس اللغوي للطفل أو مراعاة خصائص اللغة العربية في القراءة والكتابة على سبيل المثال، وهذه ليست مشكلة فنية فحسب، بل هي تربوية في الأساس. ونذكر هنا أن الاعتبارات التربوية لا تعني التوجه التعليمي في أدب الأطفال بل تعني الإحاطة بطبيعة أدب الأطفال في تتابع مراحل العمر وشؤون التلقي. لقد لاحظ عادل أبو شنب بعض هذه الشؤون تحت عنوان «أدوات الوصول إلى الأطفال»  مبيناً أن الأدوات هي التي تقوم بوظائف الإيصال، وعن طريقها يتم الاحتكاك بين المرسل والمتلقي من جهة، ومبيناً أنها الجسور التي تعبر بوساطتها الأفكار والسياقات والحوادث من شاطئ ـ وذكر منها «الخوارق» و«الأنسنة» و«المؤثرات» على سبيل الاختصار أو الاستهلال أو التنبيه ـ إلى أقنية جذب الأطفال منذ القديم.

وهنا نلفت النظر إلى أن هذه الأدوات هي عناصر في تقنيات العمل، ولا تقتصر على جنس أدبي طالع مثل أدب الأطفال وحده، أنها في أسلوبه. بينما يؤكد فالح فلوح أن تقنيات العمل الفني عند سليمان العيسى هي الموسيقى الشعرية والصور الفنية والمفردات والتراكيب والأبنية، وعلى ما في هذين البحثين من تنازع في توليد المصطلح فإن أهمية النقد في جدوى تمحيصه للنتاج الأدبي بالدرجة الأولى، فقد تحدث عادل أبو شنت ومثله فالح فلوح عن نصوص تحتاج قبل كل شيء إلى تحديد قدرتها على التواصل مع المتلقي وهو الطفل، وتحتاج إلى كشف بنيانها باعتبارها موجهة للطفل العربي.

إن أحمد أبو سعد ينقد بقسوة شعر سليمان العيسى ولاسيما في مراعاة الاعتبارات التي سبقت الإشارة إليها، بينما يرى فالح فلوح أن شعر العيسى نفسه مثال يحتذى في الكتابة للأطفال، يقول أبو سعد: «مشكلة سليمان العيسى هي في أنه لا يتحدث في ما ينظمه بلسان الصغار أو ينقل الموضوعات التي تدخل في نطاق تجاربهم، بل ينقل إليهم همومه وهو تجربته»( ).

إن إشعار العيسى ـ كما يؤكد أبو سعد ـ تفوق المستوى اللغوي للأطفال، وتحاصر الطفل بالهموم وتضع الوطن على كتفيه ثقلاً وتجهماً فقط، ثم ينتهي أبو سعد إلى نصيحة من يكتب للأطفال، أن يقرأوا بحث ناديا خوست في «الموقف الأدبي»  وإدوار الزعبي في جريدة «النهار» والمسمى «دخول في قصص الأطفال»: «فلا غنى لمن شاء أن يكتب للأطفال ويطلّع على عالمهم الداخلي وعالمهم الخارجي المتصلين اتصالاً وثيقاً عن أن يقرأهما ويفيد من الرؤية الجديدة للموضوعات التي يريان أنها تجذب انتباه الطفل وتمتلك حواسه وتصور عالمه الحقيقي»( ).

لا شك، أن المؤتمر الثاني عشر للأدباء والكتاب العرب قد أتاح لنا أن ندرس بعناية بعض هموم الأطفال، وهي عناية تكتسب أهميتها الخاصة من ذلك التفاعل الحار والحميم بين حشد كبير من المعنيين بثقافة الطفل العربي( ).

تلكم هي حدود أدب الأطفال في مؤتمرات الأدباء والكتاب العرب، وقد وجدنا فيها ما يلي:

1- أن ثمة تداخلاً بين مفهوم الأدب للأطفال، والأدب عن الأطفال، وقد كان المؤتمر الثاني عشر انعطافة مهمة في معالجة موضوع أدب الأطفال والإجابة عن بعض أسئلته القومية والتربوية والتثقيفية.

2- لا تزال رؤية الكاتب العربي لأدب الأطفال في إطارها العام، ولم تقترب ـ كما ينبغي ـ من خصائص أدب الأطفال وتحديد نظريته في الإبداع أو الإنتاج أو إعادة الإنتاج في وسائطه إلى الأطفال.

3- عكست بحوث المؤتمرات ومناقشاتها وتوصياتها جدة أدب الأطفال في الحياة الثقافية العربية وأبرزت حاجة هذا الأدب القصوى إلى العون والتخطيط والعمل القومي المشترك باعتباره في صلب العملية التربوية وبناء الإنسان العربي.

المرحلة الثانية:

ومن المفيد أن ننظر في معالجة مؤتمرات الأدباء العرب التالية لأدب الأطفال، إذ أصبح هذا الأدب مادة رئيسة، وسأختار لذلك بحوث مؤتمرين خصصا حيزاً كبيراً لآخر التطورات في التفكير الأدبي العربي لقضية أدب الطفل العربي، وهما:

ـ المؤتمر الثامن عشر (عمان 12-19 كانون الأول 1992م).

ـ المؤتمر العشرون (دمشق 18-21 كانون الأول 1997م).

خصص المؤتمر الثامن عشر ندوة لأدب الطفل العربي بعنوان «الخيال العلمي وأثره في تكوين عقلية الطفل العربي»، وقدمت إليه الأبحاث التالية( ):

•أدب الخيال العلمي للطفل: الطيب الفقيه أحمد (تونس).

•الخيال العلمي وأثره في تكوين عقلية الطفل العربي: ماري جميل فاشه (الأردن)

•أدب الخيال العلمي وأهميته في تكوين شخصية الطفل العربي: أحمد المصلح (الأردن)

•الخيال العلمي في الأدب والإعلام الموجهين للطفل: د. مبارك ربيع (المغرب)

•مبررات الاهتمام بأدب الخيال العلمي للأطفال عربياً: د. طالب عمران (سورية)

•إقبال الطلاب على أدب الخيال العلمي: منيرة قهوجي (الأردن)

•الخيال العلمي في القصة الطفلية العربية: فاروق سلوم (العراق)

•مجلات الأطفال العربية والعناية بالخيال العلمي: محمود الرجبي ـ محمد جمال عمرو (الأردن)

•أدب الخيال العلمي في تلفزيون الأطفال العربي: د. عمار زكي (الأردن)

•الفكر العلمي في القصص المتداولة لدى أطفال مصر: د. فيليب إسكاروس (مصر)

•اتجاهات الأطفال وذويهم نحو برامج ومسلسلات الخيال العلمي: وفاء نجيب القسوس (الأردن)

•مثيولوجية تكنولوجية:دراسة عن الخيال العلمي بوصفه مثيولوجية جديدة: صفاء صنكور (العراق)

•أصول قصص الخيال العلمي في التراث العربي: عبد البديع القمحاوي (الأردن)

•الانتفاضة في أدب الأطفال: (روضة الفرخ الهدهد ـ محمود الرجبي (الأردن)

•أدب الأطفال العلمي الموجه للأطفال المترجم إلى العربية: (محمود الرجبي ـ روضة الفرخ الهدهد (الأردن)

أما المؤتمر العشرون نوزع أعماله إلى محورين، الأول عن «المثقف العربي ومقاومة التطبيع»، والثاني عن «أدب الأطفال والتربية والعولمة والمعلوماتية»، وقدمت فيه الأبحاث التالية( ):

•شعر الأطفال: المعوقات والمستقبل: ميخائيل عيد (سورية)

•شعرية الطفولة في الشعر الجزائري المعاصر: د. شريبط أحمد شريبط (الجزائر)

•في أدب الطفل: مثيولوجيا وأشكاليات وأسئلة: طراد الكبيسي (العراق)

•أدب الطفل العربي بين التربية والمعلوماتية والإعلام: عبدو محمد (سورية)

•الثقافة العلمية وانعكاساتها على أدب الأطفال: محمد قرانيا (سورية)

•الكتاب الإلكتروني ومستقبل الكتاب المطبوع: مريم خير بك (سورية)

•أدب الأطفال والتربية: د. عيسى الشماس (سورية)

•العولمة وثقافة الطفل العربي: عبد المطلب محمود (العراق)

•الثقافة العلمية وانعكاساتها في أدب الأطفال: محمود قاسم (مصر)

•مخاطر العولمة على أدب الطفل العربي: د. مباركة بنت البراء (موريتانيا)

•الثقافة المعلوماتية وثقافة أطفالها: د. موفق أبو طوق (سورية)

•الثقافة المعلوماتية وثقافة الطفل: نور الدين الهاشمي (سورية)

•الألعاب المسرحية ودورها في تربية الطفل: د. انطوان معلوف (لبنان)

•مخاطر العولمة على الأطفال: نصر الدين البحرة (سورية)

•المعلوماتية: الخيال وأسئلة الهوية: نازك الأعرجي (العراق)

•هشاشة الطفولة ـ رياح العولمة: محمد الغزي (تونس)

•الهوية القومية في أدب الأطفال: د. عبد الله أبو هيف (سورية)

•دور أدب الأطفال في تأكيد الهوية القومية: د. عمر التومي الشيباني (ليبيا)

•الهوية القومية في أدب الأطفال: جودت السعد (الأردن)

•شعر الأطفال في موريتانيا: محمد عبد الله ولد عمر (موريتانيا)

•مستقبل شعر الأطفال: مصطفى عكرمة (سورية)

•مخاطر العولمة على أدب الأطفال: أحمد يوسف داود (سورية)

•الثقافة العلمية في أدب الأطفال: د. طالب عمران (سورية)

•ثقافة الصورة والكتابة للأطفال: د. إبراهيم سند (البحرين)

•ثقافة الطفل في عصر المعلومات والتكنولوجيا: عبد التواب يوسف (مصر)

•مستقبل ثقافة الطفل بين الكتاب المطبوع والكتاب الإلكتروني: عبد التواب يوسف (مصر)

•الكتاب الإلكتروني ومستقبل الكتاب المطبوع: لينا كيلاني (سورية)

•أدب الأطفال بين اللغة الأداة واللغة الخلاقة: د. إلياس زغيب (لبنان)

•الثورة المعلوماتية والطفل العربي: علي أحمد الديري (البحرين)

•العناية بالموهوبين والمبدعين: د. تيسير صبحي (الأردن)

ومن الواضح أن بحوث المؤتمرين تتقصى موضوعاً محدداً هو راهن أدب الطفل العربي إزاء تحديات نهاية قرن واستشراف مطالع قرن في جوانبها الأكثر إلحاحاً، وأعني بها الثقافة العلمية وتكنولوجيا المعلومات والمعلوماتية وتأثيراتها المباشرة وغير المباشرة على أدب الطفل العربي.

ولعل تأمل هذه الجوانب المتعددة كفيل بإضاءة الشأو المتقدم الذي بلغه التفكير الأدبي العربي في بحث أدب الأطفال.

 

1ـ أدب الخيال العلمي:

تكاد تكون عناية المؤتمر الثامن عشر موجهة إلى أدب الخيال العلمي، فقد عالجت غالبية البحوث أدب الخيال العلمي وما يجاوره من موضوعات مثل الثقافة العلمية والفكر العلمي، باستثناء بحث واحد، هو «الانتفاضة في أدب الأطفال».

1ـ1ـ فهم الخيال العلمي وأدبه:

شغل باحثون كثر بفهم الخيال العلمي وتحديد مصطلحه، بل إن ماري جميل فاشه رأت أن مصطلح الخيال العلمي مغلوط، ومن الأنسب استخدام مصطلح «الخيال المعرفي»، لأن «تعريف كلمة علم غير محدد في المعاجم، ولا يعبر عنه الناس بمفهوم واحد، وبالتالي لا يساعد في التعريف على نوع أدبي. أما جذر الكلمة Scientia الذي يعني المعرفة، سيكون ملائماً أكثر، عندما يصبح المعنى معرفة جديدة ومستنتجة، وضعت في قالب روائي، ولها تأثير على المجتمع والفرد»( ).

بينما اعتمد أحمد المصلح على تعريف رؤوف وصفي في كتاب «أدب الخيال العلمي» (بغداد 1990م):

«أطلق النقاد اصطلاح الخيال العلمي على ذلك الفرع من الأدب الروائي الذي يعالج بطريقة خيالية استجابة الإنسان لكل تقدم من العلوم التكنولوجية سواء في المستقبل القريب أو البعيد، كما يجسد تأملات الإنسان في احتمالات وجود حياة في الأجرام الفضائية الأخرى»( ).

 

وأورد مبارك ربيع تعريفاً آخر للخيال العلمي على أنه «المادة القائمة على تشكيل عالم غير واقعي انطلاقاً من نظرية علمية غير واقعية، أي غير متحققة في الوقت الراهن، وبمعنى آخر إذا كانت المخيلة تشكل ما يضاهي الواقع فإن المخيلة العلمية تشكله بناء على ما يضاهي نظرية علمية»( ).

ولا يخفى أن ربيع يفلسف حدود الخيال العلمي، ولا يقاربها في ممارسة الكتابة/الأدب في أجناسه المتعددة، أو في إعادة إنتاج الكتابة/الأدب عبر وسائطه ووسائل إيصاله الكثيرة، ثم اقترب طالب عمران في تعريفه من هذه المقاربة بقوله:

«أدب الخيال العلمي إذن هو أدب المستقبل، يحلم باللحظة التي ينتصر فيها الإنسان على عوامل ضعفه في الكون المحيط به، يحلم بالانتصار على الشيخوخة والمرض والتعب، ويكشف الأعماق المجهولة في المحيطات، ويلتقي مع كائنات العوالم الأخرى، ويهبط على الكواكب البعيدة، ويحذر الإنسان من الانحراف نحو عدم الاكتراث بسلبيات استخدام العلم لمنفعته الذاتية، وما تخلق تلك السلبيات من دمار لحضارته الحديثة: التلوث بكافة أشكاله والنفايات والاحتراق الصناعي وطبقة الأوزون المخربة وتكديس السلاح المدمر»( ).

ينطوي التعريف الأخير على اجتهاد خاص نجد تعضيداً له في سعي فاروق سلوم لتحديد وجهة نظر عربية كما في محاولته التعريفية:

«إن التقدم التكنولوجي، واتساع المجالات التي تتناولها العلوم، ودور العلوم الإنسانية وخاصة الاجتماعية والنفسية في تعديل وتوجيه نظم الشخصية العربية.. والنظام الاجتماعي وزيادة الوعي بأهمية النظر إلى المستقبل بالحساب العلمي والتخطيط، وليس بالتخمين والتخيل والانتظار هي التي تمثل الشريان الحقيقي للخيال لكي ينجزا معاً مهمة ما، أية مهمة كانت.. ومنها التأسيس للخيال العلمي كواحد من الأجناس الأدبية، وواحد من أدوات التعبير لأجيال من القراء، وليس الأطفال فحسب»( ).

غلبت على اجتهادات فهم الخيال العلمي وأدبه ملامسة واضعيها لتجارب معينة، و تبدو الحيرة المنهجية واضحة في التفات فاروق سلوم عن اجتهاده التعريفي إلى تنبيه تعريف اسحق اسيموف:

«الخيال العلمي أدب قصصي يدور حول مستقبل العلم والعلماء»( ).

تتلامح في هذه التعريفات جميعها أصداء الخبرة الغربية الناجزة تحت وطأة الظهور المتأخرة لكتابة الخيال العلمي باللغة العربية على أن ذلك كله وكد مستمر لانبثاق فهم عربي لأدب الأطفال ولتثمير المخيلة العلمية.

 

1ـ2ـ انتشاره في الممارسة الأدبية:

يلاحظ أن منطلق البحث في الخيال العلمي وأدبه حسب توجيه الأمانة العامة للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، كما يشير عنوان الندوة، هو الوظيفة بالدرجة الأولى، أي أن الشاغل الرئيس للباحثين هو تمحيص أهمية الخيال العلمي في تكوين عقلية الطفل العربي، فترددت في غالبية البحوث أصداء مسوغات الاهتمام بأدب الخيال العلمي عربياً عند الطيب الفقيه أحمد وطالب عمران، والأفكار المتصلة بأهمية أدب الخيال العلمي عند ماري جميل فاشة وأحمد المصلح ومحمود الرجبي ومحمد جمال عمرو، وبأغراض أدب الخيال العلمي عند عماد زكي.

 

وتحديد وظائف الفكر العلمي عند فيليبي اسكاروس، ومخاطر أدب الخيال العلمي ما لم يُرشد استخدامه عند محمود الرجبي وروضة فرخ الهدهد.

وقد تباينت آراء الباحثين من إطار التنظير التربوي والنفسي عند الطيب الفقيه أحمد ومبارك ربيع وفيليب اسكاروس إلى معاينة نماذج من كتاب أدب الخيال العلمي أو إعادة هذه الكتابة في الوسائط الثقافية ووسائل الإعلام، ولا سيما التلفاز وقنواته الفضائية عند وفاء نجيب القسوس ومنيرة قهوجي وفاروق سلوم. وأوضح عماد زكي بجلاء وظائف أدب الخيال العلمي إزاء الطفل العربي، لأن واقع الحال يضاعف أهمية هذه الوظائف، وقد أوجزها فيما يلي:

أ-إن الوظيفة الأولى لأدب الخيال العلمي هو استثارة العقل وتحريض طاقاته الكامنة على الإبداع والابتكار وإيجاد الحلول المقترحة للمشكلات المعلقة التي لم يصل الإنسان بعلمه إلى تصور حاسم لمواجهتها، وافتراض تصورات جديدة لاستثمار المعلومات والمعارف التي توصلت إليها البشرية حتى اليوم في إيجاد واكتشاف معلومات وحقائق جديدة عن الكون والحياة والإنسان.

 

ب-والمهمة الثانية التي يقوم بها أدب الخيال العلمي هي تهيئة الإنسان المعاصر لمواجهة المستقبل ومواكبته بدل الاصطدام به، فالإنسان بدأ يعاني من صعوبة التكيف مع متغيرات العصر العلمي والتكنولوجي التي تتراكم بسرعة مذهلة، وتفرز معها أنماطاً جديدة من الحياة والسلوك والتفكير، وهذا ما أطلق عليه المفكر المستقبلي المعروف الفين توفلر اسم «صدمة المستقبل»، وحذر منه.

جـ-وثمة وظيفة ثالثة يؤديها أدب الخيال العلمي في حياتنا العربية المثقلة برواسب التخلف والمبتلاة بالأمية الحضارية والتكنولوجية في وقت لم ننته فيه بعد من مشكلة الأمية الأبجدية، ألا وهي زج الإنسان العربي في عصر العلم والتكنولوجيا، وتشجيعه على الاقتراب من هذا العصر بوعي واهتمام، والاستعداد لمواجهة آثاره، والتكيف مع متغيراته واستنهاض همّته لخوض التجربة الحضارية والإبداع من خلالها كما يبدع الآخرون، وتصبح هذه المهمة أكثر ضرورة وإلحاحاً عندما نتحدث عن الطفل وأدبه وثقافته.

 

د-والوظيفة الرابعة التي يجب أن يقوم بها أدب الخيال العلمي هو المواءمة بين القيم الإنسانية والأخلاقية والروحية، وبين التقدم العلمي والتكنولوجي وأشكال الحياة المادية الجديدة، فعلى روايات أدب الخيال العلمي أن تبشر بنموذج إنساني راق يستثمر منجزات العلم من أجل خدمة الإنسان وصيانة كرامته، وتحقيق العدالة بين سائر البشر، والارتقاء بمستوى الحياة فوق هذا الكوكب، لا أن تقدم نماذج الشّر التي تستغل( ) منجزات العلم من أجل السيطرة على الضعفاء واستمرار الكون وإعادة الأرض إلى قيم العصر البدائي الأول.

 

وشغل مبارك ربيع بتحليل هذه الوظائف وأسس فاعليتها لدى الأطفال في تلقيه لأدب الخيال العلمي فيما سماه مبادئ الفاعلية النفسية:

أ-الطابع الإحيائي، فتتميز الفاعلية النفسية للطفل بخاصة، والإنسان بعامة، بممارسته الإحيائية، وهي إضفاء الحياة على ما ليس بحي، وتمتد إلى إسقاط الرغبات والميول على الغير والآخر من حي وجامد، ومن شأن الخيال العلمي المدروس، أن يساعد في الاستجابة لهذه الرغبة.

ب-مستوى مستوى الطموح، إذ يتميز الطفل بنزوعه إلى أن يتطور ويتقدم، وأن يكون له دور مثل غيره من الراشدين في المجتمع. وعند هذا النزوع إلى التميز، إلى أن تجعل الطفل يطمح إلى أن يكون مبرزاً في العلم أو الرياضة أو التجارة أو غير ذلك..

ومن شأن الخيال العلمي أن يخاطب في الطفل هذا التوجه الطبيعي، ويساهم في نموه، وهذا له انعكاس على مستقبل الطفل والأجيال الناشئة.

جـ-قابلية الطفل للتجدد والاكتشاف، وهذه ظاهرة في الإنسان بصفة عامة لدرجة أن الحاجة إلى التجدد، وهي متفاوتة في الأفراد والجماعات، تعتبر الحافز إلى كل الاكتشافات والاختراعات، وهذه القابلية في الطفل في جميع م راحل حياته، إلا أنها يمكن أن تقمع مباشرة أو بطريق غير مباشرة، وهو ما يجب تلافيه، ومن شأن الخيال العلمي أن يساهم في تنمية هذه القابلية( ).

إن البحث في وظائف أدب الخيال العلمي وقابليات تليه لدى الأطفالقاد الباحثين إلى النظر في تاريخه وتطوره عند ماري جميل فاشة وطالب عمران ومحمود الرجبي ومحمد جمال عمرو، وإلى النظر في تقويم الإنتاج العربي في هذا المجال ونقده عند الطيب أحمد الفقيه وطالب عمران وفاروق سلوم ومحمود الرجبي ومحمد جمال عمر، وقد خصص الأخيران بحثهما إلى مجلات الأطفال العربية والعناية بالخيال العلمي، وعند عماد زكي ووفاء نجيب القسوس اللذين عنيا بواقع الخيال العلمي في تلفزيون الأطفال العربي، وعند فيليب اسكاروس وفقد قصر دراسته على الفكر العلمي في القصص المتداولة لدى أطفال مصر.

 

وتشير أسئلة فاروق سلوم إلى مدى تطور أدب الخيال العلمي المكتوب للطفل العربي:

«إن هذا البحث يطرح السؤال ذاته: هل لدينا خيال علمي للطفل العربي، أم أننا ما نزال نقدم الثقافة العلمية في كتابة علمية فحسب؟ إنني أظن أننا نحاول الاقتراب من إنجاز تجربة كتابة الخيال العلمي للأطفال العرب»( ).

 

1ـ3ـ تأصيل أدب الخيال العلمي:

ثمة إلحاح على تأصيل أدب الخيال العلمي للطفل في غالبية البحوث، ونلمس ذلك في اتجاهات ثلاثة أولها في التراث، وثانيها في الإبداع الراهن، وثالثها في بحثه واتساع عمليات الوعي به. وقد جعل عبد البديع القمحاوي بحثه كله لأصول قصص الخيال العلمي في التراث العربي، مثل ألف ليلة وليلة وحي بن يقظان وسيرة سيف بن ذي يزن. ولا شك أنه غفل عن نماذج أخرى كثيرة في بعض الرسائل والحكايات وأدب الغرائب والعجائب (الفنطازي)، مما هو معروف في الأدب الجغرافي وعلوم الأحياء كالحيوان وسواه، ناهيك عن أدب «المنامات» و«التكاذيب» من جهة، و«البركة» عند المتصوفة وأمثالهم من جهة أخرى.

ووردت إشارات لمثل هذه الأصول عند باحثين آخرين مثل ماري جميل فاشة، بينما أورد طالب عمران تعليلاً لتحول الخرافة إلى خيال علمي.

وعمد بعض الباحثين إلى تأصيل أدب الخيال العلمي في الإبداع الراهن مثل فاروق سلوم الذي رأى إمكانية إنتاج أدب خيال علمي للطفل العربي بتثمير موروثنا من الخيال، على أن صفاء صنكور مضى إلى أبعد من حدود التثمير باهتدائه إلى فهم أدب الخيال العلمي للأطفال بوصفه «أسطرة» جديدة، مستوعباً بعض أشكال أدب الخيال العلمي مثل «اليوتوبيان» مما غفل عنه غالبية الباحثين الآخرين، وانتقد المحاولات العربية في كتابه أدب الخيال العلمي، ولا سيما توفيق الحكيم ويوسف عز الدين، وهما يعدان رائدي أدب الخيال العلمي في الوطن العربي:

«فإن معالجات الاثنين معاً تنطلق من التعامل مع العلم، بطريقة خيالية، كأسلوب لتقديم مضامين فكرية وأخلاقية في الغالب، وتأملات وجودية حول الإنسان وعلاقة العلم بالوجدان إذا جاز التعبير، فالعلم هنا ليس مقدمات علمية منطقية واضحة، بل مجرد فضاء خيالي لتقديم مثل هذه التأملات»( ).

وثمة باحثون عنوا بتأصيل أدب الخيال العلمي في بحثه واتساع عمليات الوعي به مثل طالب عمران والطيب الفقيه أحمد وفاروق سلوم وعماد زكي وفيليب اسكاروس ومحمود الرجبي وروضة فرخ الهدهد، فهم جميعاً، بدرجات متفاوتة، يمحصون واقع هذا الأدب في الثقافة العربية، ويعبرون عن تنامي الوعي به، وهذا واضح في تقصيهم لواقعه في بعض الأقطار العربية، وفي بعض أجناسه مثل القصص (فيليب اسكاروس)، والروايات (فاروق سلوم)، وفي بعض وسائطه الثقافية مثل الصحافة (الطيب الفقيه أحمد ومحمود الرجبي ومحمد جمال عمرو)، والتلفزيون (عماد زكي ووفاء نجيب القسوس).

وأدب الأطفال المؤلف (طالب عمران) وأدب الأطفال المترجم (محمود الرجبي وروضة فرخ الهدهد).

 

2ـ الثقافة العلمية والثقافة المعلوماتية:

أجمع الباحثون على أهمية الثقافة العلمية للطفل العربي، وكانت آراؤهم متباينة إزاء تشخيص وضعيتها واتصالها بالثقافة المعلوماتية، والتعامل معها.

 

2ـ1ـ وضعية الثقافة العلمية:

أعاد طالب عمران بعض حديثه عن أدب الخيال العلمي في المؤتمر الثامن عشر لدى عرضه لتجربته في كتابة الخيال العلمي للأطفال، مؤيداً القول بأن الثقافة العلمية تتوطد في ثقافة الطفل العربي، وشرح مؤلفاته بإيجاز، وبين ضرورة معرفة كاتب أدب الأطفال بالعلم والتقانة وتدريبه على الكتابة العلمية للأطفال، وختم شهادته عن تجربته بالخاتمة إياها لبحثه في المؤتمر الثامن عشر، حول أهمية الخيال العلمي للأطفال من خلال قول اسحق عظيموف:

«يقول: ومن بين (100) قارئ للخيال العلمي، (50) على الأقل يهتمون بالعلم ويتابعون، ومن بين هؤلاء الـ (50) نجد (25) طفلاً يتابعون تخصصهم العلمي، (10) من بينهم يتابعون التخصص العالي، ومن بين هؤلاء العشرة ينبغ عالم واحد على الأقل. إذاً من بين كل 100 طفل قارئ للخيال العلمي، سيأتي إلى أمريكا عالم واحد على الأقل، وهذه نسبة كبيرة»( ).

ثم ربط غالبية الباحثين الثقافة العلمية بتطورها في الثقافة المعلوماتية، فوجد محمود قاسم أن الثقافة العلمية تتوزع إلى الأشكال التالية:

•تبسيط العلوم.

•الموسوعات العلمية.

•قصص الخيال العلمي.

•ثقافة أسطوانات الكومبيوتر.

ورأى قاسم أن «ثقافة الكومبيوتر العلمية» تطور لابدّ منه في مسار الثقافة العلمية، وينبغي مواكبتها:

«وعلى كل، فانتشار أشكال مختلفة من الوسائل التجارية، وتقادمها السريع يعكس أن العالم لن يصل إلى وسيلة واحدة يمكن الوقوف عندها، بل سيصير كل شيء إلى صيرورة، قد تجعل اليقين شيئاً وهمياً، لأن ما سيأتي سوف يجعل ما اكتشفناه لتونا شيئاً قديماً متهالكاً أو جزءاً من تاريخ العلوم البشرية»( ).

 

لقد عولجت الثقافة المعلوماتية عند عبدو محمد ومحمد قرانيا ومريم خير بك وموفق أبو طوق ونور الدين الهاشمي ونازك الأعرجي وإبراهيم سند وعبد التواب يوسف ولينا كيلاني وعلي أحمد الديري، ورأوا جميعاً أنها تطور لا سبيل إلى تجاهله، وقد سمى عبدو محمد عصرنا «بعصر المعلوماتية التي أصبحت أساساً لابدّ منه لكل بناء وكل عمل، وليكن معلوماً، وهو معلوم، أن أمواج المعلوماتية عالية هدارة والويل لمن لا يجيد قيادة سفينة بينها وفوقها، أو كانت سفنه ضعيفة واهية»( ).

 

وبيّن محمد قرانيا شيئاً من الشائع والمتواتر اليوم، عن أهمية المعلومات، والشعر والكومبيوتر، والرواية والمعلوماتية، وأدباء الانترنيت، والنقد والانترنيت، والانترنيت وأدب الأطفال، وحوى بحثه نظرات ثاقبة في وضعية أدب الأطفال إزاء المعلوماتية:

«إن أدب الأطفال من المنظور التقني يضع أيدينا على مبلغ التطور الذي أصاب هذا الفرع من المعرفة الإنسانية، وما يمكن أن تقدم التقنية للأطفال من أنماط الثقافات وألوان الإبداع، على الرغم مما تنطوي عليه من مخاطر، وسلبيات لن تلغيها الأرضية المعرفية والثقافية للطفل، ولن تجدي معها المراقبة المنزلية والمدرسية، نظراً لضخامة القنوات التي تطرح السموم الصريحة والمغلّفة، التي تبثها الفضائيات، وشبكة الانترنيت، الأمر الذي يستدعي معالجة عامة تشارك فيها جميع الجهات الرسمية والخاصة»( ).

والتفت موفق أبو طوق إلى البرمجيات وضرورة إنتاج برمجيات عربية، ودعا من أجل «أن نتعاون جميعاً مربين وأدباء وتقنيين ولغويين في مجال الكومبيوتر، علينا أن نضع هذا الجهاز في مكانه الصحيح، ونوجه أطفالنا الوجهة السليمة التي تقطف إيجابياته وتنبذ سلبياته، علينا أن نقضي قضاء مبرماً على الدس التاريخي والتراثي الذي قد يتسرب عن طريق البرامج المشوهة، وعلينا أن نقف في وجه برامج تروّج العنف والجنس ولكل ما يؤثر في شخصية طفلنا العربي»( ).

 

وأوضحت لينا كيلاني جدوى الكتاب الإلكتروني للطفل وفعاليته الثقافية والمعرفية، لأنه يقوم على الكلمة أيضاً، «فالقيمة العالية للكتاب تأتي من أن الكلمة التي تحتوي بذرة الفكرة هي سيدة الموقف، وأن الكتاب هو العالم الذي يتحكم فيه الطفل بخياله وبتواصله الانفرادي معه»( ).

 

وأثار علي أحمد الديري أسئلة المعلوماتية في تأثيرها على خيال الطفل وتوظيفها في ثقافة الطفل العربي: «ليكون سؤالنا كيف نقدم للطفل العربي ثقافة تستثير إبداعه وتدفعه لتجاوز إنجازات الآلة؟. كيف سنوظف الآلة لتحقيق ذلك؟ لا كيف سنوظف الآلة لاستنساخ عقل الطفل العربي طبقاً لعقلنا؟ التحول إلى المعلوماتية سيتجلى في جوانب كثيرة من جوانب الثقافة العربية كالشعر والقصة والرواية والمسرح، علينا أن نعيد النظر في هذه الجوانب، وهي تغادرنا محلقة في فضاء المعلوماتية»( ).

 

2ـ2ـ أسئلة التربية الجمالية:

أفاض الباحثون في إبداء مخاوفهم من تراجع التربية القيمية، ولا سيما الجمالية في ظل تفجر المعلوماتية، وقد لاحظ طراد الكبيسي أننا نستهلك ثقافة الطفل دون أن نسهم فعلياً بإنتاجها، مما يهدد الخصوصية الثقافية:

«ذاك أننا مهددون، ليس فقط من خلال توقع أن نصبح كائنات استهلاكية فقط، قادرة على استهلاك أي شيء من أية بقعة من العالم، ومن أية ثقافة، بل ومهددون أيضاً، أن نفقد كل أصالتنا»( ).

 

وأعاد عيسى الشماس التوكيد على أهمية البعد التربوي لأدب الأطفال، «لأن أدب الأطفال يشكل إحدى الوسائل التربوية الممتازة، غير النظامية، حيث كان وما يزال الوعاء الثقافي الأفضل لتقديم القيم والمواقف التربوية المختلفة بأسلوب ممتع يتناسب مع مستويات الأطفال العصرية»( ). ووضع تيسير صبحي وإلياس زغيب وانطون معلوف وشريبط أحمد شريبط أبحاثهم في إطار التوجهات التربوية نفسها دون العناية بتأثيرات المعلوماتية على البعد التربوي.

 

2ـ3ـ شعر الأطفال ومكانته:

ودافع الباحثون عن شعر الأطفال إزاء مخاطر المعلوماتية التي تهدد خيال الطفل العربي وذائقته الجمالية وتواصله مع الشعر وكان ميخائيل عيد في طليعة هؤلاء المدافعين، «فالجمال، ومنه جمال الشعر، مدعو إلى إزالة تعضنات وجه إنساننا المعاصر وإغناء الروحية وتأهيله لمجابهة الصعاب والتغلب عليها، فالإنسان المرهف والجميل أقدر على مواجهة الفظاظة والقبح، وهما السلاحان الأخطر بأيدي القوى الأخرى.. وستبقى مسألة تربية الأطفال جمالياً، مسألة كبرى من بين مسائل التطور البشري، فهل سيتخلى الشعراء عن دورهم؟ نأمل أن يكون جواب الشعراء عندنا وفي العالم إبداعاً عبقرياً مستقبلياً يليق بماضي الإنسانية، ويحمل تطلعات الشعوب إلى العصور القادمة.. حضارتنا تحفزنا والآتي يدعونا.. فلنتقدم»( ).

 

وتتجاوب هذه الأمنيات مع دعوة محمد عبد الله ولد عمر في أهمية تحسس شعراء الأطفال العرب، وفي موريتانيا بخاصة للرؤية الصحيحة لمفهوم شعر الأطفال، في انطلاقته «من مشاعر وأحاسيس وأفكار تهم الأطفال دون غيرهم»( ).

 

بينما توقف مصطفى عكرمة عند التأثير الضار للمواقع الإعلامية «وقدرة وسائل الإعلام على الاستهلاك وتساهلها مع قبول ما هي بحاجة إلى استهلاكه لم يكن في صالح شعر الأطفال»( ).

 

ثم ختم بحثه بأهمية التوحيد الثقافي العربي، وفي مقدمته العناية باللغة العربية سبيلاً للحفاظ على مكانة الشعر بالدرجة الأولى، ومواجهة الغزو الثقافي والفكري للناشئة.

 

2ـ4ـ أسئلة الهوية القومية:

عني الباحثون بأسئلة الهوية القومية في أدب الطفل العربي، كما في أبحاث عبد الله أبو هيف وعمر التومي الشيباني وجودت السعد. وخصص الشيباني بحثه لدور أدب الأطفال في تأكيد وتنمية الهوية القومية في نفوس الأطفال العرب، ووضع لذلك توصيات عديدة، ومن أبرزها «أن تحدد المعارف والمفاهيم والاتجاهات والقيم والالتزامات التي تدخل مفهوم الهوية القومية العربية، والتي يبرهن وجودها لدى الفرد وتحليه بها على وعيه القومي وتشبعه بالهوية القومية العربية»( ).

ورهن جودت السعد النمط التربوي السائد بنتائجه في التخريب التربوي، فهذا «النمط من التربية التي تواجهنا كل يوم في معظم المدارس خاصة تلك التي تسمي نفسها مدارس خاصة حيث رقابة الدولة متراخية سيخلق أجيالاً يحقد البعض منها على البعض الآخر، وبالتالي سيصبح المجتمع العربي مزقاً طائفياً بغيضاً»( ).

كان بحث السعد مشبعاً بالأسى القومي لما آل إليه الواقع العربي، بانهيار رموزه النضالية والمعاناة الشديدة للفكرة العربية النظرية والممارسة.

 

2ـ5ـ مخاطر العولمة:

وجد غالبية الباحثين في العولمة خطراً داهماً على ثقافة الطفل العربي، فقد وضع محمد الغزي لبحثه عنواناً دالاً هو «هشاشة الطفولة ـ رياح العولمة»، مما يستدعي الإقرار «بأنث قافة الصورة لا يمكن أن نواجهها إلا بثقافة مماثلة»( ).

 

ومدّت نازك الأعرجي مجال مواجهة العولمة في ثقافة الأطفال إلى هوية المجتمع المهددة بالاستلاب أمام الغرب من جهة، أو التعصب للذات والبحث عن عوامل قوة بديلة لقوة العلم والخيال الذي ينتجه الآخر، ويهيمن بواسطته على عالمه من جهة أخرى. ورأت أن مواجهة العولمة تكون بتوفير المعادل الموضوعي لطغيان وهيمنة صورة الآخر في وسائل الترفيه المرئية لدى الطفل العربي، ولا يمكن أن يتم ذلك «بمعزل عن تطور المجتمع ككل، بعلاقته الاجتماعية ومعاييره الأخلاقية ونظرته إلى قيمة الفرد المبدع، بل قيمة الإنسان المجردة في الأساس»( ).

 

لقد فصل بعض الباحثين مثل نصر الدين البحرة في نتائج العولمة العامة تمهيداً لمعالجة تأثيرها على الأطفال:

«أما النتيجة النهائية ـ لسيادة نظام العولمة، فإنها تعني تحطيم الأطفال تماماً واستباحة عوالمهم الداخلية، من أجل غزوهم ثقافياً وسياسياً وتشكيل عواطفهم الإنسانية والسياسية، وأفكارهم حول الذات والوطن والأمة والقومية والعالم والمستقبل على النحو الذي يريده نظام العولمة»( )

وذكرت مباركة بنت البراء اقتراحات لمواجهة العولمة على ثقافة الطفل العربي، وأبرزها الاهتمام الجاد بأدب الطفل العربي عموماً بوسائطه المختلفة، والإنتاج البرامجي العربي المشترك والاستثمار في هذا المجال عن طريق القطاع، لأن الدولة في أغلب الأقطار العربية غير قادرة على تحمل الإنتاج أو صناعة ثقافة الطفل.

واعترف أحمد يوسف داود بأننا غير قادرين ثباتاً على ضرب ستار حديدي يعزلنا عن التطورات التكنولوجية في العالم. وحدد سؤال المواجهة:

«فما هو الحل لمقاومة محو هويتنا مستقبلاً بواسطة هذه التكنولوجيا الحديثة؟!».

وألمح داود إلى دروب المواجهة في نظام عربي جديد يحمي العرب ومستقبلهم، ومن ضمن ذلك مصالحهم الاقتصادية والمالية وسواها، التي هي «امتيازات أبنائهم في نهاية المطاف»( ).

 

3ـ خاتمة:

ونختتم بحثنا بملاحظات عامة حول التفكير الأدبي العربي بأدب الأطفال في التسعينيات كما عكسته مؤتمرات الأدباء العرب الأخيرة:

1ـجاوز الأمر الإطار لنظرية أدب الأطفال وتطبيقاته المختلفة، إلى فهم مشكلات أدب الأطفال الكثيرة، في التربية وفي إنتاج أدب الأطفال عبر فنونه المتعددة، وفي إعادة إنتاجه عبر وسائطه الكثيرة والمتزايدة مع تطور التقانات والاتصالات.

2ـالتصدي للتحديات التي تواجه أدب الأطفال بتأثير التفجر المعرفي والمعلوماتي الهائل، حتى أضيفت للثقافة بعامة طوابع جديدة لم تكن معروفة من قبل، كما هو الحال مع إدغام تكنولوجيا المعلومات بأدب الأطفال.

3ـاتساع دائرة باحثي أدب الطفل العربي، ومن مختلف الأقطار العربية، وتشير أبحاث المؤتمرين الأخيرين إلى دخول باحثين جدد، وبعضهم لم يسبق الاشتغال بأدب الأطفال من موريتانيا والبحرين وتونس والعراق والأردن والمغرب وليبيا والجزائر وسورية.

لقد نما الوعي بأدب الطفل العربي وبعمليات شغله وإبداعه خلال العقدين الأخيرين، بما لم يتحصص له التفكير الأدبي العربي المعاصر خلال قرنين من الزمن.

 

 

 

الفصل الرابع: استحداث التراث في أدب الأطفال

 

 

يتصدى هذا البحث لإيضاح مفاهيم استخدام التراث في أدب الأطفال في قسمين، الأول مقدمة نظرية، والثاني تطبيق لها في أدب سليمان العيسى الذي يعد أبرز أدباء الأطفال في الوطن العربي.

أولاًـ مفاهيم استخدام التراث في أدب الأطفال:

نقصد باستخدام التراث في أدب الأطفال، أن يعود الكاتب إلى التراث بأشكاله المتعددة ليصوغ منه أو ليستمد منه، أدباً للأطفال، أي أن يصبح التراث مصدراً لأدب الأطفال، على أن التراث مختلف، وأساليب استخدامه عديدة، وتكاد تشكل هذه الأساليب غالبية نماذج أدب الأطفال، فالتراث ينبوع ثر للفكر والفن مما يعين على التواصل الحي بين ماض ومستقبل، و يتيح للكاتب مقدرة بينة على رؤية أفضل للوجود، وعلى وعي أعمق للوضع البشري، لتكون الحبال موصولة بين الأولين والآخرين، ولتبقى القيم حارساً لبناء الإنسان. وهكذا، يصبح التراث أغنى مصدر لأدب الأطفال.

 

1ـ أشكال التراث:

لقد عولج التراث باستفاضة لدى كثيرين من الباحثين والنقاد والأدباء وقوفاً على أنواعه وتفريعاتها، ولعل أنسب تصنيف لها ما ذكره ناقد عربي معاصر في دراسته عن «الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر»، إذ وزع التراث إلى الأنواع التالية:

التراث الديني: حيث يستمد منه الآباء نماذج وموضوعات وصوراً أدبية، لشخصيات الأنبياء والشخصيات المقدسة والشخصيات المنبوذة.

التراث الصوفي: كما يتبدى في الشخصيات والأصوات تعريفاً لها، أو تعبيراً عن تجربة، أو إشارة لوظيفة.

التراث التاريخي: بما يحتويه من أحداث وشخصيات تدل دلالات باقية على وجودها التاريخي، وقابلة للتأويل أو التفسير مثل أبطال الثورات والدعوات النبيلة والشهداء، وشخصيات الحكام والأمراء والقواد الظالمين والخلفاء والأمراء والقواد الذين يمثلون الوجه المضيء «سواء بما حققوه من انتصارات وفتوحات، أو بما أرسوه من دعائم العدل والديمقراطية «وغير ذلك من شخصيات عامة».

التراث الأدبي: وهو مجموع الشخصيات الأدبية أو المبتدعة ممن كانوا رمزاً لقضية كبرى، سياسية أو اجتماعية أو حضارية أو فنية أو فكرية.. الخ.

التراث الشعبي: بمصادره المختلفة، أيضاً كألف ليلة وليلة، والسير الشعبية، والحكايات والنوادر و«كليلة ودمنة» وسواها من قصص حيوان مماثلة.

التراث الأسطوري: باعتباره وعاء للتجربة البشرية الأولى على نحو فكري خصيب، وثمة أساطير كثيرة كانت أساساً لأعمال أدبية كبرى( ).

 

2ـ استخدام التراث:

إن البحث في أشكال التراث يستدعي النظر في موضوعة استخدامه من منطلقين، الأول منطلق القصد الفكري والفني والتربوي، والثاني منطلق الطرائق والأساليب التي لجأ إليها الكاتب لتحقيق ذلك القصد، فهناك أسباب دعت هؤلاء الكتاب لاستخدام التراث مصدراً لأدبهم، وهناك أسباب جعلتهم يصوغون هذا الاهتمام على نحو أو آخر.

وهذا يعين مناقشة مواقف الكتاب من التراث، فهي أساس نظرتهم إليه، وأساس تعاملهم معه، ونستطيع أن نتلمس هذه المواقف في ما يلي:

أسباب فكرية: يوفر التراث أرضية جاهزة في المخاطبة، ولاسيما الناشئة مما يسهل عملية الاتصال على أرض صلبة، لأن التراث، في نهاية الأمر، هو عناصر الثقافة التي تتناقل من جيل إلى آخر، إن التراث هو الأبقى كتراث شفاهي متكرر في الحياة اليومية، وفي روع الناشئة، وكتراث شعبي لا يزال يشكل حيزاً كبيراً من الذاكرة الجماعية، وكرواية شعبية باعتبارها تجليات صافية لحصيلة المضامين أو الصنعات المختلفة للسلوك وأساليب الحياة على وجه العموم، فالتراث، بهذا المعنى، يحتفظ بوحدة ثقافية مستمرة تعين على المخاطبة الناجحة( ).

 

أسباب فنية: لأن التراث يحمل قابليات الاتصال بجماهيره، بفعالية لا يوفرها الأدب المستند إلى قوة التخييل وسعة الكلمات ومضاء المعنى وحده.

في التراث إطار قريب من الذات، وصياغات موصوفة في التعبير، توفر للرؤيا عناصر أليفة مع الوعي بعد ذلك.

 

أسباب تربوية: فالتراث أقدر على المخاطبة من مصادر مبتدعة تحتاج إلى هامش مضاعف من التربية أو التثقيف لكي يكون بمقدور المتلقي، ولاسيما الطفل، أن يتفاعل معها، إن الثقافة الوطنية أو الشعبية تيسر سبل الاتصال بالتراث، وتمكن الجمهور من اعتماله المؤثر بالخطاب الموجه إليه، وهي مزية جاهزة يفتقر إليها الأدب المبتدع بعيداً عن التراث.

وتكمن في هذه الأسباب تفاصيل اتجاهات الموقف من التراث مما يتعلق بوجهة الاستخدام، حيث تعكس هذه الوجهة القضية برمتها: كيف نقدم التراث للأطفال؟ وأي أسلوب أقدر على مخاطبة الأطفال؟ وأي منظور تربوي أكثر سلامة في بلورة قيم التراث؟ وأي توجه فكري في هذا الاستخدام أو ذاك؟ إن هذه الأسئلة تتعلق بمفاهيم استخدام التراث، ولا سيما في أدب الأطفال، وأن الاهتمام بالأسئلة يصب في صميم قضية التراث من مختلف الجوانب، حضارياً وفكرياً وسياسياً واجتماعياً، وتزداد خطورة قضية التراث كلما أوغلنا في سنوات اليفاعة أو الطفولة، مادام التراث هو الأكثر حميمية وتأثيراً بالبنية الجماعية للفرد، ومادامت المورثات هي الأبقى في تكوين الفرد ووجدانه.

يصبح استخدام التراث بمثابة البوصلة الأولى في تحديد الموقف الإنساني من جهة وبمثابة الحصيلة التي تتفاعل، سلباً وإيجاباً، وبصورة مستمرة، مع مكونات الفرد وينبغي أن يتبدى في مفاهيم استخدام التراث حدود الموقف الإنساني ومدى إسهامه في التكوين الفردي ليس مفهوم الاستخدام شكلياً وفنياً فحسب، بل هو البوصلة الأولى وهو الحصيلة المتراكمة التي تغني قضية التعامل مع التراث، وسنلمس ملامح هذه المفاهيم أثناء تحليل نماذج التراث في أدب الأطفال، ولكننا نكتفي هنا باستعراضها والتدليل عليها.

 

ولكننا سنشير هنا إلى موقفين بارزين في التعامل، أولهما الموقف النقدي، وثانيهما الموقف التراثي، وثمة تدرجات بين الموقفين.

لقد كان الدكتور طيب تيزيني أبرز المفكرين العرب الذين تناولوا قضية التراث العربي من منظور نقدي جدلي معاصر، وبرؤية شاملة لموقع التراث في حياتنا وتفكيرنا، ولمعاني استمراره أو جموده، فتحدث مستفيضاً عن نزعة سلفية وأخرى معاصرة، وثالثة تحييدية ورابعة تلفيقية، ورأى فيها جميعاً مواقع فكرية لا تراثية، ثم دعا إلى تجديد التراث ضمن ثورة تراثية( )، بينما لخص غالي شكري التيارات المتصارعة في الفكر العربي حول قضية التراث على النحو التالي:

أولاً: التيارات الإسلامية، وهي تيار أول يرى في التراث الإسلامي منطلقاً إليها منزهاً عن الفكر الإنساني، وبالتالي فهو يرى في القرآن لا في التاريخ الإسلامي، الفكرة الأولى مجردة عن أية ملابسات اقتصادية واجتماعية وسياسية، لا علاقة لها بفكر المسلمين أنفسهم فضلاً عن فكر غيرهم، سواء في الماضي أو في الحاضر.

وتيار ثان، يرى التراث الإسلامي أكثر شمولاً من القرآن، فيضم إليه الفكر الإسلامي على مدى التاريخ، وبالتالي، يضع النص الإلهي جنباً إلى جنب مع الجهود البشرية التي رافقته منذ نضال الرسول الكريم (ص) حتى الآن.

 

ثانياً: التيارات الليبرالية، وهي تيار أول (إنساني) ينظر إلى التراث على أنه التاريخ المادي والمعنوي للبشرية جمعاء دون اعتبار للجنس أو اللغة أو الدين أو اللون، وأن الحضارة الغربية في الوقت الراهن هي (حضارة الإنسان) كما كانت الحضارة الفرعونية أو اليونانية أو السومرية أو الإسلامية في يوم من الأيام. وهي تيار ثان (عربي) يرى في التاريخ العربي متضمناً الإسلام، تراثنا المنفتح على الفكر العالمي قديمه وحديثه، ويركز هذا التيار غالباً على الحلول الوسط، متبنياً الاتجاهات الليبرالية، في التفكير الغربي باحثاً عن نظائرها في الفكر العربي والإسلامي.

ثالثاً: التيارات اليسارية، وهي يسارية من حيث تبنيها منظوراً طبقياً في رؤية التراث والعصر، وهي تيار أول يدرس التراث في سياقه التاريخي على ضوء المنهج الاجتماعي في التحليل.

وهي تيار ثان، كان اهتمامه، ولا يزال بالتراث الديني مباشرة دون لف أو التواء، ولم يكن التراث الإسلامي (مصدر اهتمامه بقدر ما كانت العقيدة الدينية) نفسها هي جوهر حواره مع التيارات الإسلامية( ). وإذا كنا تعرضنا، إشارة، إلى أهم المواقف والتيارات في قضية التراث العربي، فلأنها أساس المعالجة الفكرية والفنية للكتاب والأدباء، وفي أدب الأطفال ترتهن أساليب استخدام التراث برؤيته لأرض الصراع الفكري بين المعاصرة والتراث، فليس التراث زينة أو ترفاً، أو مجرد وفاء للماضي، إنه في وعي الذات، وفي تطلع الوجود المشروع لبناء الحياة الجديدة، وسنلاحظ، من خلال معالجتنا لأساليب استخدام التراث، تلك التدرجات بين الموقف الثوري، والموقف التراثي كما تجلت وتتجلى في أدب الأطفال.

 

3ـ مفاهيم استخدام التراث:

تتداخل مفاهيم استخدام التراث في أدب الأطفال تداخلاً ملحوظاً يكشف عن فقر المصطلح النقدي من جهة، وركون الكتاب إلى التعميم في التعامل مع قضية التراث من جهة أخرى، ولابد من تمحيص هذه المصطلحات الكثيرة قبل بحث أساليب استخدام التراث في أدب الأطفال.

 

3ـ1ـ الاستلهام:

غالباً ما يطلق الكتاب على استخدام التراث مصطلح الاستلهام دون الدخول في التفريع أو التصنيف أو التفصيل، فالكاتب يستلهم التراث في كتابته، ولكن تدقيق المصطلح يقودنا إلى أهمية استجلاء المفاهيم الأخرى التي تغدو ظلالاً له، أو مفردات لتركيبه، أو تلك المفاهيم الأخرى التي تجانبه لتكون مصطلحات متميزة والحق أننا نميز بين الاستلهام وسواه من المصطلحات، لأن الاستلهام يشير إلى جهد الكاتب المبذول في إبداع عمل أدبي جديد يستند في شكله أو محتواه، أو في الاثنين معاً إلى التراث، وهذا يختلف عن الإعداد، أو التحويل، أو التقديم على سبيل المثال، إذ يعني العمل فيها إبداعاً جديداً ، أن الاستلهام يفيد الاستعادة، بينما لا يتعدى الإعداد أو التحويل أو التقديم حدود الإعادة على سبيل الشرح أو التعريف.

 

أ- ويوسع بعضهم مجال الاستلهام إلى الإحاطة بكل أشكال الاستخدام كأن يجيء العمل تفسيراً جديداً للتراث مستمداً من روح العصر الجديد الذي يحياه الفنان، أو أن يتخذ العمل الفني من التراث ديكوراً لأحداث معاصرة، وقاصداً بذلك إلى المقابلة بين القديم والجديد، أو أن يقوم العمل الفني بتطويع الشكل الذاتي لمضمون جديد كالسامر الشعبي والموال وخيال الظل، أو أن يستعير العمل الفني من التراث مضموناً بغض النظر عن الموضوع الذي جسد هذا المضمون وبغض النظر عن الشكل الذي صيغ فيه، أو أن يقوم العمل الفني بدور وسيلة الإيضاح التربوية المعروفة، فيقدم المادة التراثية كما هي في ثوب عصري كالمسرح والرواية ويبقى جوهرها ثابتاً دون حذف أو إضافة أو تعديل إلا بمقدار ما يتطلبه (الإعداد) الحديث، أو أن يقدم العمل الفني التراث كأوعية زجاجية صماء جامدة حفاظاً على الأسماء والملابس والأحداث دون أن يفترض ذلك علاقة عضوية أو جدلية مع هذه الأوعية( ).

 

ولكننا لا نكتفي بأن يجمع مصطلح الاستلهام بين مفاهيم استخدام التراث جميعها فثمة أساليب وطرائق وفروق لا تزال قيد التوضيح والمناقشة.

3ـ2ـ الإعداد أو الاقتباس:

نقصد بالإعداد أو الاقتباس، إعادة سبك عمل فني لكي يتفق مع وسط فني آخر، كأن تعاد كتابة حكاية في الفن الروائي، أو أن تعاد كتابة سيرة شعبية في شريط سينمائي، أو أن تعاد كتابة سيرة تاريخية في ثوب قصصي، أو أن تعاد كتابة قصة إلى قصة للأطفال، الإعداد أو الاقتباس هو نقل عمل في إطار جنسه، أو إلى أجناس أخرى، أو داخل وسائط ثقافية أخرى، ومثاله إعداد الشاعر سليمان العيسى لقصتي «علي بابا» و«مصباح علاء الدين» عن الحكاية إلى أدب الأطفال، ووفق هذا المبدأ، أعدت سلسلة كتب «أولادنا» الصادرة عن «دار المعارف» بالقاهرة.

 

3ـ3ـ التحويل:

ونقصد بالتحويل، نقل مادة أدبية أو جنس أدبي إلى جنس أدبي آخر، فقد تكون القصة على سبيل المثال، محولة عن خبر أو مثل أو نادرة أو حديث تاريخي أو مقالة أو شعراً أو تمثيلية أو قصة للكبار، وقد يعوز النص على رأى دعاة التحويل ـ الزيادة أو النقصان، التعديل أو التبديل، قصر جملة حين تبدو طويلة وبالعكس، وهكذا إلى أن ينطبق على النص المحول ما قاله الحصري في جمع الجواهر ص9-11: «أن يكون خفيف الإشارة لطيف العبارة، ظريفاً رشيقاً، لبقاً رفيقاً.. إذا حكى النادرة اللطيفة والحكمة اللطيفة، لا يمطمطها فتبرد، ولا يقطعها فتجمد.. فللكلام غاية، ولنشاط السامعين نهاية». وفي كتاب (أدب الأطفال) لطلاب دور المعلمين نماذج كثيرة حيث يستند المحول إلى مادة تراثية تكون جذراً، على يديه إلى نبتة أدبية في جنس ما على سبيل التعليم أو التلقين( ).

3ـ4ـ التقديم:

يفيد التقديم معنى الاختيار على سبيل الشرح أو التعريف عندما يلجأ الكاتب إلى وضع مختارات وتقريبها من مدارك ا لقراء، وهذا ما فعله الشاعر سليمان العيسى في كتابه (شعراؤنا يقدمون أنفسهم للأطفال) الذي قدم فيه سلسلة من الشعراء العرب البارزين في الأدب العربي وقد اختارهم من أجود المواهب وأعمقها تأثيراً في الأجيال القديمة والحديثة على السواء، لأن شعرنا العربي الجميل يظل ثروتنا، وزادنا ونبض الحياة فينا( ).

وهو ما فعلته أيضاً دار النورس ببيروت في سلسلة (مختارات شعرية للفتيان) إذ عمدت إلى تقديم قصائد ومقطوعات من شعر محمود درويش وأدونيس ونزار قباني وسعدي يوسف تعرف بهؤلاء الشعراء وبما يتناسب ومقدرة الأطفال. ويتعلق نجاح التقديم بذوق المقدم في الشرح والعرض والاختيار.

 

3ـ5ـ الاستدعاء:

وهو استحضار الشخصيات أو الأحداث أو المراحل التاريخية في عمل أدبي جديد، ويكون الاستحضار جزئياً أو كلياً، وتصريحاً أو تلميحاً، تعبيراً مباشراً أو تعبيراً فنياً وهو صنيع، سمر روحي الفيصل ودلال حاتم في السير القصصية لبعض أعلام العرب، وصنيع سليمان العيسى في القصائد والمسرحيات الشعرية المكرسة لبعض أعلام العرب، وصنيع كثير من الكتاب في الكتابة عن معارك العرب على وجه الخصوص.

 

3ـ6ـ التضمين:

التضمين هو الاقتباس في علم البديع العربي، وهو أن يدخل الشاعر أو الكاتب فيما ينظم أو يكتب آية أو حديثاً أو حكمة أو مثلاً أو بيتاً من الشعر أو شطراً من بيت من كلام غيره بلفظه ومعناه، وذلك لتأييد ما يكتب أو لتوثيق صلته بما ينظم، ولكنني أستعمل التضمين كما هو الحال، في النقد الحديث، حيث يضمن الكاتب كتابته شحنة تراثية تقيم علاقة ما داخل العمل الفني( ) وقد يكون التراث فيها إطاراً أو محتوى، لتعزيز الصلة بالواقع أو لتكريسه لنفح قيمة وتجربة أو الاقتصار على صوت أو نبرة أو دلالة.

وهي أرقى أشكال استلهام التراث، فيصبح التراث حينئذ عنصراً أساسياً في إبداع العمل الأدبي الجديد، وفي رؤية المبدع. وتختلف في التضمين ظلال الاستلهام، وتتعدد مفردات التركيب الفكري والفني، وهذا ما يحتاج إلى تفصيل القول في ممارسة استخدام التراث في أدب الأطفال.

 

ثانياً ـ تجربة سليمان العيسى في استلهام التراث العربي:

سليمان العيسى أبرز ظاهرة في أدب الأطفال العربي، كمّاً ونوعاً، وهو الكاتب الأكثر اتصالاً بالتراث العربي واستلهامه في أدب الأطفال. وتكتسب كتابته أهمية مضاعفة لأمرين، أولهما الريادة، فهو كاتب عظيم يحرث في أرض بكر، ولاسيما أرض التراث العربي، أمام الأطفال، لأن كتاباً رياديين كثر سبقوه في مخاطبة الأطفال، ولكنهم آثروا استلهام تراث الإنسانية بالدرجة الأولى، مثل كامل كيلاني وأمينة السعيد وعادل الغضبان، بينما يكاد العيسى يقتصر على التراث العربي في استمداد موضوعاته وأفكاره وتعابيره. وليس هذا الاستمداد نتاج تعصب، بل هو في صلب رؤيته للحياة، وما يريد للأطفال أن يروه. وفي إطار الريادة، برع العيسى في استحداث فنون أدبية لم يعتدها أدب الأطفال العربي قبله مثل فنون المسرح والشعر، إذ اقتصرت الجهود العربية على فنون القص والرواية أو كادت في استخدام التراث في أدب الأطفال.

وثانيهما التربية، فالعيسى يطوّع أدبه لحاجات التربية، ويكرس جل أدبه في العقود الثلاثة الأخيرة للأطفال، وفي هذا التكريس منتهى التطويع. وبقدر ما كان الأدب مجال تهذيب وتثقيف، أو تربية للوجدان الإنساني بتعبير أوسع، فإن سلميان العيسى رهن هذا المجال كله بتطلعه المشروع، وهو قصد كبير وجليل، دونه المقاصد الأخرى جميعها. لقد رأى في الأدب، وهذا في منطلق توجهه للأطفال، فعالية واسعة ومتعاظمة التأثير نحو ما سماه أنطون مقدسي «الإيمان العظيم»( )، أي الإيمان العظيم بالوحدة العربية، وتحقق الذات العربية في وجود تاريخي حرّ ومستقبل عزيز. وغني عن القول، أن تجليات الريادة تصب في خدمة التربية أيضاً، فقد عالج العيسى أنواع فنون أدب الأطفال طلباً لإيصال، وتجسيداً لفكرة، لا رغبة بتجديد أو تجريب، وسنلمح دلالات ذلك تربوياً أثناء التحليل. إنّ السعي الفني عند العيسى مظهر من مظاهر تجلية القصد أولاً وأخيراً. أجل، لقد قالها العيسى منذ زمن  هادئاً يستجيب إلى أقصى طاقات روحه، وإلى أمضى حقائق الحياة:

«الشعر والتربية.. هما المحوران الأساسيان اللذان دارت حولهما حياتي فعلاً. بل إنهما في حقيقة الأمر محور واحد.. يتلاقيان في كلّ شيء ولا ينفصلان. ينبع الواحد ليصب فيه، ويتكلم أحدهما ليجد صداه في الآخر»( ).

التربية هي مصداقية الفنّ، عند سليمان العيسى، أعني التربية بمعناها التثقيفي الشامل الذي لا بدّ منه للتكوين الإنساني وتغذية الروح بما يجعلها أقدر على الإسهام في بناء الحياة.

 

1ـ استخدام التراث:

لجأ العيسى إلى التنوع والغزارة في مخاطبة الأطفال، فكتب لهم القصيدة والنشيد والحكاية والمختارات والحوارية والتمثيلية المدرسية والمسرحية في إطار الشعر، وكتب لهم الحكاية والقصة والمختارات في إطار النثر، وكان للتراث نصيبه الوافر فيما كتب، ونستطيع  أن نصنفه فيما يلي:

1ـ1ـ في الشعر:

1-شعراؤنا يقدمون  أنفسهم للأطفال، وهي سلسلة تقع في عشرة أجزاء تضم بعض أعلام الشعر البارزين في الأدب العربي، اختيروا من أجود المواهب وأعمقها تأثيراً في الأجيال القديمة والحديثة على السواء. ويقدمهم العيسى للأطفال بلغة معاصرة مع مختارات من شعرهم.

2-«غنوا يا أطفال»، وهو مجموعة الأناشيد والقصائد الكاملة في عشرة أجزاء، وفيه الكتابات التالية:

- نشيد أسامة: عن أسامة بن زيد.

- السياب يقول للأطفال: عن بدر شاكر السياب.

- فنان عظيم يتحدث إلى الصغار: عن سيد درويش.

- أبو فراس الحمداني يقدم سيفه للأطفال: عن أبي فراس الحمداني.

3-مسرحيات غنائية للأطفال، وهي مجموعة المسرحيات والحواريات والتمثيليات المسرحية والحكايات؛ وفيه النصوص التراثية التالية:

أ- الأطفال يزورون المعري: عن أبي العلاء المعري.

ب- أحكي لكم طفولتي يا صغار: عن والد الشاعر أحمد.

جـ- المتنبي والأطفال: عن أبي الطيب المتنبي.

د- الأطفال يزورون تدمر: عن زنوبيا وتدمر.

4- حكايات تغنى للصغار، وهي مجموهة تضم خمساً وعشرين حكاية شعرية.

 

1ـ2ـ في النثر:

1- ثلاث قصص من تراثنا كتبت بلغة جديدة وهي: ابن الصحراء، لبيك أيتها المرأة، الحدث الحمراء.

2- قصتان من التراث الشعبي، وهما: علي بابا والأربعين لصاً، ومصباح علاء الدين.

 

2ـ المفاهيم وأسلوب الاستخدام:

يتدرج العيسى في استخدامه للتراث فهماً وأسلوباً حسب ما يملي عليه القصد من مجرد الشرح والتعريف كما في «شعراؤنا يقدمون أنفسهم للأطفال» إلى أبلغ معاني الاستدعاء الفكري والفني كما هو الحال مع مسرحية «المتنبي والأطفال». ولعلنا نميز في هذه المفاهيم والأساليب من خلال مناقشة القصد عند سليمان العيسى.

2ـ1ـ القصد والتراث:

غالباً ما يرى سليمان العيسى التراث قيمة بحدّ ذاته. والمعول في ذلك هو المنظور القومي، فالتراث هو العمود الفقري للرؤية المعاصرة، والعيسى نفسه ابن بار للتراث؛ منه انطلق، وبه يستزيد قوة ونماء. وبهذا المعنى، لا يتوقف فهم التراث عند العيسى على استدعاء التراث شخصيات وحالات ومواقف، بل غالباً أيضاً ما يعيد التراث انتقاء واستعذاباً لجلاله وقدره وحضوره. لقد حفظ العيسى القرآن الكريم وديوان الشعر الجاهلي منذ أن كان في السادسة من عمره على ضفاف نهر العاصي في قرية «النعيرية» ولا يزال، إلى يومنا هذا، أميناً لنصاعة ما حفظه؛ يعيده ويستعيده.. يستأنس به مكوناً راسخاً من مكونات شخصيته طامحاً إلى تكوينه من جديد في روعه، وكأنه روع قارئه الطفل. إنّ التراث محط الرجاء عند العيسى وسبيل المرء إلى الهوية، فلا وجود دون التراث. ولعل أبرز خلاصة في تجربة العيسى هي أن الوجود العربي ناقص مالم يستكمل صلته الحية المتينة بتراثه، فالتراث يبدو قصداً بحد ذاته أو هو كالقصد، يعين على رؤية، ويوطد بصيرة ويصلب الأرض التي يقف عليها الأطفال نحو وجود قومي.

ليس التراث مظهراً أو عرضاً، بل حقيقة تبرهن على قيمتها في حياتنا المعاصرة باستمرار دلالة على الإيمان العظيم بالوحدة القومية والتطور، وعوناً على ممارسة هذا الإيمان العظيم في نفي اليأس، ونفح المعاصرين معنى الوجود، وإشاعة التفاؤل بالنصر والحياة الكريمة. وفي هذه الاستشهادات المأخوذة من مجموعته «شعراؤنا يقدمون أنفسهم للأطفال»، وهي مكتوبة على ألسنة الشعراء، إجابة على حقيقة التراث الباقية:

- يقول البحتري:

«إنه تاريخنا الحي المتصل الذي ينبض الآن حارّاً قوياً فيكم أيها الأعزاء الصغار». (جـ2، ص4)( ).

- يقول المتنبي:

«كنت صوت العروبة؟ ووتر الصحراء، وما أزال، احفظوني يا صغاري.

إن قصائدي ما تزال تهز آباءكم، وتملؤهم حماسة، ورجولة.

إنكم بحاجة إليها في كلّ زمان ومكان، ولاسيما في هذه المرحلة التي تخوضون فيها أخطر المعارك مع أعداء أمتنا العربية الخالدة».(جـ2، ص23)

- يقول أبو فراس الحمداني:

«أيها الصغار الأحباء

ستبقى أمتنا تتجدد بكم أنتم

ويكفينا نحن أن نترك لكم سيرة طيبة، وصفحات مشرقة في التاريخ».(جـ2، ص9)

- يقول الشريف الرضي:

«نظمت قصائد كثيرة في موضوعات مختلفة، كان أبرزها الفخر والاعتزاز بالنفس، والطموح إلى المجد، ولم يكن هذا لمجد الذي أطمح إليه إلا رؤية الدولة العربية تعود إلى وحدتها وقوتها، وتكفّ عنها غارات المغيرين، وسيطرة الطامعين من الغرباء». (جـ3، ص27)

- يقول جرير:

«ما أجمل أن يتصل الماضي بالحاضر ونشعر أننا باقون في هذه الأرض.. لا نموت!». (جـ5، ص24)

- يقول الأخطل:

«ولكن الدين لم يقف حاجزاً في يوم الأيام بيني وبين أبناء قومي.

فنحن جميعاً ننتمي إلى العروبة. ونحن جميعاً شعب واحد، وتاريخ واحد، وشعور واحد».

«ولكن لا بأس أن تدّربوا ألسنتكم على هذه اللغة العربية الجميلة منذ الصغر. إنها لغتنا الحيّة الخالدة التي تربط بيننا في الماضي والحاضر، وتحفظ لنا حضارتنا وأمجادنا».(جـ6، ص9-10)

أجل، كأن التراث قصد بحد ذاته، ولكنه قصد بالقدر الذي يجسّد الحقيقة القومية الخالدة، حقيقة العروبة التي ينبغي أن يؤمن بها الأطفال، مثلما آمن بها العيسى ووهبها عمره، وصارت قضيته وقضية كل العرب، شعراء وأبطالاً، رجالاً ونساء، صغاراً وكباراً، الذين استلهم مواقفهم مؤمنين يجسّدون إيمانهم في حياتهم كلها.

2ـ2ـ ما هو التراث:

ينظر العيسى إلى التراث نظرة انتقائية، فالتراث عنده هو الوجه المضيء من حياة الأمة العربية في كلّ عصورها، مع الاحتفاظ بأهمية خاصة للعصر الإسلامي الأول، فلم يعرف عنه استلهاماً لتراث العصور القديمة، أو العصر الإسلامي المتأخر عندما تناهبت الدولة العربية العناصر الغريبة والأجنبية بعد القرن الخامس الهجري صراحة.

التراث عند العيسى هو المثل الأعلى للعربي، وهو ما يعين على تحقيق الوجود الذي كان، وسيكون. لقد كان العيسى واضحاً منذ أقبل على استلهام التراث، الأبرز والأمثل، وإذا شاب الأبرز والأمثل بعض شائبة، فإنه ينقّيه ليضيء وينفع في بناء الذات، إذن، هي انتقائية تربوية تعيد التراث المضيء والنافع، وتستعيده فتخلّصه مما يجانب المضيء والنافع في نقل أو شرح تفسير أو عادة كتابة.

ينقل العيسى التراث إذا كان صالحاً مؤدياً قصده، أو يشرحه، أو يفسره، أو يعيد كتابته، ليكون صالحاً مؤدياً، قصده. وهكذا تعامل العيسى مع الأوجه والنقاط والأسماء والمراحل المضيئة، ولم يقدم على معالجة سوى ذلك؛ وهذا ما يصبُّ في مأثرة الفعالية العربية الناهضة، ويكامل التأثير في الحياة القومية.

ونستطيع أن نرتب اختيار التراث عند العيسى وفق ما يلي:

1-الشخصيات الكبيرة والفاعلة في زمنها، ولاسيما الأدبية، مثل الشعراء والموسيقيين والقادة.

2-المواقف العربية الساطعة في موقعة أو حادثة، كما هو الحال في «بطولات عربية».

3-الآثار والمدن الشاخصة فيما تحكيه أو تشير إليه من نوائب وإنجازات.

4-اللغة العربية بأصالتها وقوتها وتجسيدها للدلالة القومية على نحو وجودي فريد، كما هو الحال في تعامله مع بعض الشعراء، أو في أسلوب استخدامه للغة.

3ـ التعامل مع التراث:

قلنا، التراث عند العيسى قيمة بحد ذاته وقصد، وينبع استخدامه من غايات تربوية، فالتربية هي مصداقية الفنّ.

لجأ العيسى إلى التنوع والغزارة في مخاطبة الأطفال، فكتب في أجناس واضحة أو متداخلة، أو في أشكال أخرى من الكتابة لا تنطبق عليها أسماء الأجناس، على أنّ العيسى لا يعترف بالتصنيفات. المهم، هو يكتب والنقاد يصنفون. هو يكتب، وللتراث نصيبه الوافر فيما كتب ويكتب، وربما كان ما كتبه العيسى في غالبيته تراثاً.

قدم الشعراء والشخصيات والتاريخ والمدن والآثار للأطفال، وقدم من خلالها وضمنها، قضيته الكبرى، قضية الوجود العربي، وانتصار المستقبل.

كتب العيسى التراث مصفى أو منقى، ونلمح أوجه هذا التراث فيما يلي:

3ـ1ـ التراث بطريقة خاصة:

لا تفي مقدمة العيسى لمختاراته في كتاب «شعراؤنا يقدمون أنفسهم للأطفال» بمقاصده كلّها، وبطريقته كلّها. إنه يجمل حيث ينبغي أن يفصّل، ويوحي حيث ينبغي أن يصّرح. وصف العيسى عمله على هذا النحو:

«ليكن حديثك عن هؤلاء الشعراء رشيقاً ناعماً، أشبه بقطرات الماء  الصافية التي ترشقها». (جـ1، ص16)

والحق، أنّ حديث العيسى عن هؤلاء الشعراء كان قاسياً حيناً، ورشيقاً ناعماً حيناً آخر، ولكن في الأحوال جميعها لم يفارق رؤيته الخاصة. فهو يقدم التراث على طريقته. هناك تفاوت في عدد الصفحات، وهناك موقف مسبق يفسر من خلاله ما يرى أن يضّمن. فقد جعل الفرزدق يخجل من نفسه( )، لأنه شاعر الهجاء والنقائض، و«حبذا لو صرفنا ـ الكلام للفرزدق عنه وعن جرير ـ عبقريتنا الشعرية إلى موضوعات أجدى وأنفع». (جـ5، ص9)

ويضيف على لسان الفرزدق في الصفحة نفسها: «الحقّ، أني لا أحبُّ أن تقرؤوا هذا الهجاء أيها الصغار، ولا تحفظوه».

وجعل جرير ينكر شعره، فلن يبقى منه شيء للتاريخ سوى ما يهتم به الباحثون المختصون. (جـ5، ص23)

ولدى تقديم المعري، لم يخف إعجابه بشاعريته وفرادته على نفوره من أفكاره ونمط حياته، ولكنه يعجب به لأنه يمثل زهو اللغة العربية والفكر العربي في مرحلة من المراحل، لذلك كتب عنه أيضاً مسرحيته «الأطفال يزورون المعري». ثم لم يجد شيئاً عند المعري في سيرته للأطفال، فاختار له شعراً من دالية، فيها بعض إيجابية من الحياة:

لما أحببت بالخلد انفراداً       ولو أني حبيت الخلد فرداً

هو يريد أن يعبّر عن إعجابه بالمعري فحسب. وفي المسرحية، اقتصرت إشادته بالمعري على بضعة أسطر من «رسالة الغفران» تنشق فيها التفاحة، وتخرج منها حورية رائعة الجمال، فيدهش ابن القارح، ويتعجب من قدرة الله، ولعله اختار هذه الأسطر للأطفال لتخييلها، أما الأطفال على لسان المعري فهم كما قال للزمان:

                «مرحى للصغار

                مرحى للبلابل

                فجروا النهار

                في قلبي جداول»( )

إنّه تقديم مجاني للأطفال، لمجرد أنه معجب به. على أن ثمة ما يمكن أن يقدم للأطفال في سيرة المعري، وقد أغفله العيسى، لأنه لا يرى التراث إلا على طريقته.

في تقديمه للشريف الرضي، وهو شاعر مجيد وشخصية دينية كان لها مكانتها في الفكر السياسي الإسلامي، مضى العيسى عن وضعه التاريخي، واكتفى بذكر تسميته نقيب الأشراف:

«توليت وظيفة كبيرة كانت تسمى «نقابة الأشراف»، وهي منصب ذو طابع ديني لا يناله إلا الذين يحصّلون ثقافة رفيعة، ويتحلّون بالأخلاق والفضائل العالية». (جـ3، ص25)

وهكذا، اكتفى العيسى بالعنوان دون الدخول في عناصر السيرة أو بعض عناصرها، ودون الدخول في ملابسات التاريخ. هاهو ذا التراث يقدم في آنية مضيئة. لا يريد العيسى أن يخوض في تناقضات التاريخ ومشكلات التراث حرصاً على صورة زاهية ومثالٍ عامر بالأمل. ومرد ذلك، في بعض دواعيه، إلى انغمار التراثية بوجهة نظره، وهو الكبير صاحب القضية الكبرى، بهمومها الكبيرة. وعلى هذا النحو قدم من الخنساء، تعريفاً بها وهي مثال البطولة والشهامة والتضحية، بعض أبيات في الوصف لا تمثلها، لأنّ شعرها لا يناسب الأطفال.

3ـ2ـ التربية والصدق التاريخي:

أجل، يقتطع العيسى من التراث زهوه وبهاءه ويفسره على طريقته. وهو يفعل هذا عامداً ليخدم الفكرة التربوية المرادة. إنّه لا يقدم للأطفال إلا ما يراه مفيداً، ولو جانب التاريخ أو محتوى التراث. ووجهة نظره، هي ألا يصطدم التراث بما هو سيء أو مظلم أو مشين في ماضيه، لأنّه سيواجه الحقائق عندما يكبر. وتكمن مزية العيسى في تغليب التربية على الفنّ حيث يتسلح الطفل بقوة التراث وتاريخه العربي، ولعل وعيه المبكر بفضائل ماضيه الزاخر بالقيم والمثل والكرامة والحضارة، سيحميه من الفاجع المنتشر في هذه المرحلة أو تلك، في هذه السيرة أو تلك. التربية هي الأبقى متحالفة مع صدق الفن نحو تسليح وجدان الطفل بالمثال المضيء والصورة المشرقة، أما الصدق التاريخي فيأتي في المرحلة التالية، وقد انخرط الطفل في حياة قومه، وأصبح أقدر على الوعي والإدراك.

وفي تقديمه لابن زيدون تعبير عن فكرته: التربية والصدق الفني، ولا بأس أن يجمل جوانب السيرة، التي تشتعل بحسد الحكام والوزراء ووشاياتهم وأحقادهم، إجمالاً:

«وبقيت كذلك أوزع حياتي بين الشعر والسياسة.. متنقلاً بين إشبيلية وقرطبة حتى أدركتني الوفاة، وأنا شيخ كبير، أحاول تهدئة ثورة نشبت في إشبيلية. وكانت وفاتي في عام 463هجرية».  (جـ4، ص21)

ثم ينوي أن يعتذر عما اشتهر به: قصة حبّه لولادة، ويقرر أن يمّر بها مروراً سريعاً، ويختار بعض أبيات قصيدته:

والأفق طلق، ووجه الأرض قد راقا     إنّي ذكرتك بالزهراء مشتاقاً

إنّها حيرة منهجية وتربوية معاً، ولم تكن حلولها ميسورة عند العيسى. لقد كان يتجاهل كثيراً، ويعرض أو يضّمن ما يروق له معتقداً أنه يرتاح ويريح الآخرين.

أخضع العيسى التراث لنظرته التربوية، ولكن التربية وسيلة متغيرة، وقد لا توافي التاريخ أو الفنّ. وهنا تكمن معضلة أساسية في معاملة العيسى للتراث. ثمة محاولة لتقديم مختارات من الشعر الحديث، هي محاولة دار «النورس» مع شعر نزار قباني ومحمود درويش وسعدي يوسف وأدونيس( ). وإذا قارنا صنيع ا لعيسى بهذه المحاولات السابقة المختلفة، في تقريبه الشعر من الأطفال، وفي تفسيره الخاص للسيرة والشعر معاً. بينما اختارت «دار النورس» أصعب الشعراء الحديثين على الكبار، ربما باستثناء نزار قباني، فكيف يتواصل معها الصغار. إنّه شعر يحتاج إلى تربية مستمرة لقراءته، أما شعر القباني، فلا أعتقد أنه مفيد للأطفال، جملة وتفصيلاً. خلا بعض قصائده القومية أو الواصفة للطبيعة أو مواطن الجمال، وهي قليلة جداً.

تفتقر محاولة دار النورس للهدفية أو القصد أولاً، مثلما تخلو من المناخ الذي يعين على إيصال لجمهور محدد مثل الأطفال والفتيان ثانياً، ثم ينتزع واضعوها أبياتاً من قصائد بعيداً عن سياقها الذي كتبت فيه، وبعيداً عن دلالاتها التي تؤديها، مما يجعلها نصوصاً مبهمة مستغلقة يصعب على الأطفال والفتيان أن يتواصلوا معها. أما جهد العيسى فيتخلص من هذه الملاحظات الأولية لتتبدى الحيرة التربوية والمنهجية في النظرة للتراث.

3ـ3ـ إيثار الغنائية:

ينفر العيسى في رؤيته للتراث من الفعلية التي بها يكون صراع، وحركة تاريخ، فالتراث عنده قيم ثابتة.

التراث جميل ونافع أو هو لا يأخذ منه إلا الجميل والنافع ليغنيه، ففي ديوانه «غنوا يا أطفال»( ) ثمة أناشيد أربعة هي: الأول «نشيد أسامة» عن بطولة أسامة بن زيد، قائد الجيش والراية.

والنشيد الثاني هو «السياب يقول للأطفال»، عن الشاعر المكافح من أجل الجياع والمظلومين، والمعتز بريفيته وقريته من أعمال البصرة.

والنشيد الثالث هو «فنان عظيم يتحدث إلى الصغار» عن سيد درويش الفنان الثوري الذي كرس فنّه للعمال والشباب والفلاحين، ضد البؤس والتخلف: لأنّه فنان يتألم لآلام الجماهير ويغني لانتصاراتها:

«الشعب الرائع يا أولادْ

الصانعِ أمجاد الأمجادْ

مازلت مع الفقراء أعيشْ

للحبْ أعيشْ

للفنِ أعيشْ

اسمي: سيد درويش». (جـ7، ص25)

والنشيد الرابع هو «أبو فراس الحمداني يقدم سيفه للأطفال» عن البطولة أيضاً، حيث لا يجد العيسى في نسيج حياة شاعره العربي إلا البطولة. يحيي الشاعر القديم الناشئة العرب الذين يصنعون نهار الأمة العربية، ويهدي سيفه للأطفال، لتستمر بطولة الأجيال. ويطلب منه الأطفال أن يسطع ضوءاً عربياً، وأن يعلّمهم لغة الفرسان ونجدتهم، ويفعل أبو فراس:

«أنتم جنودي الآن

يا أيها الشجعان

فليهدر البركان..

ولتسمع البيدُ..

فيهتف له الأطفال بحماسة:

يا شاعر السيف الذي

لم يعرفِ الهوان

اكتب به، اكتب بنا

قصيدة الإنسان» (جـ10، ص13)

ولا يتوقف الغناء عند حدود الأناشيد، بل يتعداها إلى بقية نتاجه النثري والمسرحي الشعري، فما يشغل بال العيسى هو القيم الباقية في التراث القديم والحديث. وهذا واضح في مسرحياته الغنائية للأطفال، وفي حكاياته الشعبية المقتبسة، أو حكاياته التاريخية المستلهمة.

في المسرحيات أو الحواريات، إذ تخلو من الصراع أو الفعلية، كتب العيسى حوارية «الأطفال يزورون المعري» إعجاباً بهذا الشاعر العظيم.

والحوارية الثانية هي «أحكي لكم طفولتي يا صغار» عن والده الشيخ أحمد العيسى تقديراً لجليل أعماله، وفضائل شخصيته النضالية، مما يدخل في إطار تكريس التراث. وقد قاده احترامه لشخصية والده إلى كتابة أكثر من عمل يصف فيه عمله الوطني والقومي الريادي( ). ويرى العيسى أن دور والده تنويري حيث أشاع بذرة الثقافة والعلم وروح الأمل في وسط اجتماعي فقير.

والحوارية الثانية هي «المتنبي والأطفال» عن الشاعر العظيم أبي الطيب المتنبي في زيارة معاصرة إلى أرجاء الوطن العربي، يعرض فيها ملامح شخصيته الباهرة من منظوره الخاص، ويدعو فيها إلى حلم الأطفال.. حلم الوحدة العربية.

يتألف المسلسل الشعري الغنائي من اثني عشر مشهداً يلتقي خلالها أطفال العروبة في مختلف أقطارها، لينشد في الختام مع الأولاد:

«نحن طلائعك الثورية

يا أرض الأحرار

نرفع رايات الحرية

نهتف للأحرار

عاشت ثورتنا العربية

ولتخضّر الدار

ولتخضّر الدار

ولتبق الشمس العربية

ساطعة الأنوار

ساطعة الأنوار

ساطعة الأنوارْ» (ص493)

والحوارية الرابعة هي «الأطفال يزورون تدمر» عن زنوبيا والكفاح المستمر ضد الأجنبي من ارتباط الماضي بالحاضر؛ ومن أجل وحدة الأمة وتراثها العظيم:

«تدمر الخالدة          بيتكم من قديم         

     أمة واحدة        وتراث عظيم» (ص525)

يعاهد الأطفال زنوبيا بالدم أن يحموا تدمر والأمة، وأن يعطوا كلّ ما يملكون، وأن يبنوا وحدة الشعب ا لعظيم، وأن يصلوا الآتي بالماضي العظيم. وتدعو زنوبيا الأطفال للطواف في تدمر واستعراض الأمجاد، ثم تنشد معهم بصوتٍ هادر:

«إلى الأمام         إلى الأمام

نستعرض التاريخ والأيامْ

نرى هنا ما شاده أجدادنا العظام

إلى الأمام           إلى الأمام

نبني كما بنوا      وفوق ما بنوا

نعيش للعطاء      نعيش للفداء

        للوحدة الكبرى   إلى الأمام» (ص527)

وفي كتابته الجديدة للتراث الشعبي، يلح العيسى على القيم الثابتة على نحو غنائي واضح، ويعمد على إطار الحكاية الشعبية وحده لنفحه المعاني والقيم.

في قصة «علاء الدين والمصباح السحري» تمجيد للعلم وقوة الحب الجبارة وتحذير الأوهام، فالمجد للآتين، والمجد للكفاح، والمجد للعلم:

«ودارت الأيام يا أولاد

وأزهر المصباح

وحقق العلم رؤى الأجداد

حققها الكفاح

***

في كل يوم يسمح الصغار

غرائب اختراع

في البر، في الفضاء، في البحار

في أبعد البقاع

في كل يوم مركب جديد

يغزو مدارنا

صرنا ضيوف القمر البعيد

وصار جارنا

***

ولم يزل في العالم المضيء

جنيا من الأسرار

ترنو إلى الجيل الذي يجيء

تنتظر الصغار

***

المجد للآتين والتوفيق

المجد للآتين

تبقى حكايات على الطريق

دنيا علاء الدين»( )

ينتصرُ العيسى للقيم ويغني لها، ولا يمضي إلى تفاصيل الحكاية أو أعماقها القديمة، بل يبث من خلال إطارها العام إرادة جديدة ومعنى جديداً.

وفي قصة «علي بابا والأربعين لصاً» إيحاء مستمر، وتصريح علني بقيمة العمل والبذل والذكاء والوفاء، ودعوة إلى العدل والاشتراكية عندما يؤثر علي بابا إنفاق الكنز على الصالح العام. فقد هتفت الأصوات الرخيمة العميقة، وكأنها تنبع من جدران الدار كلها، قائلة:

«مهلاً يا علي بابا!! مهلاً أيها العروسان الجميلان!

يبدو أنكم نسيتم أنفسكم في غمرة الفرح..

ونسي الحطاب القديم أننا هنا.

كنز المغارة الثمين ليس ملكاً لكم.. أيها الرفاق.

وإلا.. فما الفرق بينكم وبين اللصوص الذين

ذهبوا إلى غير رجعة؟

ألم نقل لك هذا من قبل..

يا علي بابا.. يا صديقنا القديم؟

ألم نحذرك من طريق الفساد؟

الكنز للحطابين جميعاً.. للفقراء جميعاً.. لرفاقك

المحرومين الضائعين.. أيها الحطاب الطيب.

الأصيل.

لكم فيه نصيب.

للحذاء العجوز، ولكل حذاء مثله، فيه نصيب.

لمرجانة، ولكل فتاة مثل مرجانة، فيه نصيب.

ألفوا مجلساً لإدارة الكنز، وأنفقوه في عمارة هذا

البلد، ورخائه، وسعادته. عندئذ.. تنعمون

أنتم بالسعادة الحقة والرخاء الصحيح.

سنودعكم الآن.. ولكننا سنظل معكم.

سنظل إلى جانبكم.. أيها الناس الطيبون..»( )

وهذا الدفق الغنائي الذي يحمل على أجنحته القيم الثابتة هو ما يميز سلسلته القصصية «بطولات عربية»، فهي قصص تمهّد لمناسبة قصيدة، والقصائد من عيون الشعر البطولي في التراث العربي.

قصة «نخوة عربية» أو «لبيك.. أيتها المرأة» عن تلبية المعتصم لنداء المرأة العربية في عمورية «وامعتصماه» تمثيلاً لقصيدة الشاعر العربي الكبير أبي تمام:

في حدّه الحدّ بين الجد واللعب    السيف أصدق إنباءً من الكتب

 

يشرح العيسى المناسبة من داخل القصيدة، ويبثّ أيضاً في شرحه قيم الشجاعة والنجدة والمروءة والدفاع عن الوطن. يقول العيسى في سياق السرد:

«وتحّركَ المُعتصمُ، وتحَّركَ جَيْشُهُ العظيمُ وراءَهُ. تَعْلوهم ريات الكرامةِ، وتَدْفَعُهمُ النخوةُ العربيةُ.. وكلماتُ الخليفةِ تتردَّدُ في أَسماعِهِمُ، وفي قُلوبِهِمُ: «إنْ الصّفْعَةَ التي نزلَتْ على وَجْهِ أُختِنا البعيدةِ هي صَفْعَةً على وُجوهِنا جميعاً، وإنَّ السكوتَ على الإهانةِ جُبْنٌ وعارٌ..».

كانَ شعارُ الجميعِ نُصْرَةَ المظْلومِ، وتأديبَ المُعْتدي. إنَّ الكلمةَ التي أَطْلَقها المُعتصِمُ هي الكلمةُ الحقُّ: «مَنْ يسكُتْ على إهانةٍ يتلقّاها من عَدُوٍّ يسكتُ على ضياع مُلْكهِ وشَعْبِهِ ومُقَدَّساتهِ جميعاً»( ).

يغلب على السرد الإنشاء الذي يسربل الصراع في ثنايا الكلمات، وكأنه تعريف بمشهد، لا إرادة لفعلية تنمو وتصطرع. ولا تختلف قصة «الحدث الحمراء» عن سابقتها، فهي شرح آخر لمناسبة قصيدة المتنبي العظيم:

سروا بجيادٍ مالهن قوائم     أتوك يجرون الحديد كأنما

إن القصيدة تمجيد لبطولة سيف الدولة ضد الروم في معركة مشهودة إنقاذاً لمدينة «الحدث». ولا يقع المرء في القصة على اكثر من وصف هذا التمجيد ومقدماته، كما هو الحال في هذا الشاهد:

«وما كادت شمسُ الضحى ترتفعُ في السماء حتى أخذتُ جموعُ الأعداء تتضعضعُ، وتتراجعُ إلى الوراء، وقد صدمَتْها المُفاجأةُ، واختلَطَ الحابِلُ بالنابِلِ وكان جنودُ العدوِّ يتساقطون تحت ضَرباتِ السيوفِ، وطَعْنِ الرماحِ  وهم لا يدْرونَ ما يفعلونَ. وفي هذه المَعْمَعة بَرزَ من ورائِهم كمينُ الفرسانِ الذي كان بانتظارهم وراءَ التلال المجاورة، فإذا هُمُ بينَ فَكَّي الجيش العَرَبيِّ يحاولون الفرارَ بأيةِ وسيلة، ويطلبون النجاة بأيِّ ثمن، قبْل أنْ يتمكَّنوا من اتِّخاذِ أيةِ بادِرَة لتنظيمِ صُفُوفهم.

وعند الغروبِ كانت معركةُ الحَدَثِ قد انجَلتْ عن هزيمةِ العدوِّ هزيمةً مُنْكَرة. قُتِل منهم مَنْ قُتِلَ، وأُسِرَ منهم مَنْ أُسِر، حتى ابْنُ الفقَّاسِ نَفْسُه كان مِمَّن وقع في الأسْر،واقتاده سيفُ الدولةِ إلى مَقرَّ قيادتِهِ معَ عَددٍ كبيرٍ من أنصارِهِ وقادَة جيشِهِ»( ).

يسعى العيسى في غنائياته أن يشرح التراث أولاً، وأن يفسره على طريقته ثانياً. وربما لجأ إلى الغناء ليكون التراث قريباً من مدارك الأطفال، سهل الأداء في القراءة أو إعادة الإنتاج عبر الوسائط الأخرى مثل المسرح أو الإذاعة أو اللقاء.

 

3ـ4ـ التدرج في استلهام التراث:

لا يتعامل العيسى مع التراث على وتيرة واحدة، أو ضمن أسلوبية واحدة، فهو يتدرج في استلهام التراث فهماً وأسلوباً حسب ما يمليه عليه قصده وسلم القيم من مجرد الشرح أو التفسير البسيط كما هو الحال في مختاراته: «شعراؤنا يقدمون أنفسهم إلى الأطفال»، إلى الإعادة أو إضفاء تفسيره الخاص كما هو في الحال في حوارياته وحكاياته، إلى أبلغ معاني الاستدعاء الفكري والفنّي كما هو الحال في مسرحيته أو حواريته «المتنبي والأطفال»، حيث يقدم فيها رؤية معاصرة لشخصية المتنبي ولاسيما البعد القومي، على أنَّ العيسى يضع غالبية أعماله في إطار تنظيم الطلائع، مما يساعد تنظيمات الأطفال على تنفيذ نصوصه في أعمالها ونشاطاتها. وهذه مزية طيبة. على سبيل المثال: مجموعة طليعية تدعو المتنبي للزيارة، فيقبل من عصره، ويزور تنظيم الطلائع في كلّ قطر عربي، وتقام له الاحتفالات واللقاءات، ويعقد المؤتمرات الصحفية، ويتحدث في مختلف القضايا الفكرية التي تشغل وجدان الإنسان العربي المعاصر. لا شك، أنّ صوت العيسى، شاعر الكبار، شاعر القومية هو الذي يتحدث بلسان الأطفال، وهو لسان مفعم بالأمل والإرادة والانتماء، والصبر على المكاره، ومجالدة النوائب والشدائد والمحن. إنه صوت الهموم التي لابدّ أن تصدم الطفل فيما بعد، ولكنه نداء الشاعر الذي لا ينسى، وهو يخاطب الأطفال، حقيقة الوجود المهدد. وهذه معضلة أخرى، لا تزال قيد الاختبار في مخاطبة الأطفال.

 

3ـ5ـ التراث ملاذاً:

يلوذ العيسى بالتراث كلما احتاج إلى دليل على صدق نظرته وعميق إيمانه، وصحة اعتقاده. فهو لم يكتب العيسى عن شخصية سلبية ولا عن ظلام التاريخ في مرحلة ما، فهو لا يرى إلا الإيجابي وهو يستحضر التاريخ أو يتعامل مع التراث. لقد اعتمد شعراء عرب معاصرون شخصيات منبوذة أو مشبوهة مثلما فعل أدونيس أو خليل حاوي أو البياتي، ولكن العيسى يتنكب عن ذلك كلّه مستنداً إلى ما يدعم نظرته الإيجابية إلى التراث باعتباره ملاذاً للأسلوبية الفخمة من جهة، وملاذاً للرؤية المعاصرة التي بها يرى انتصار الأمة على عوامل الضعف فتحقق ذاتها وتتقدم من جهة أخرى.

 

تخضع قيمة الفن عند العيسى لحضور التراث في شعره، وإذا ابتعد عن التراث في موضوعه، فإنه يحافظ على لغته التراثية، وأسلوبه التراثي. ولعل ناقداً معتبراً مثل حسام الخطيب على حقّ عندما قال:

«ولكن مهما قيل في قوة الإيقاع وهوس الموسيقا عند سليمان العيسى فإن تجربته الموسيقية بأكملها تظل في حدود الاتباعية الجديدة. إن التجربة الموسيقية ـ وهي خاصية متميزة عنده تكشف عن قصديّة نفتقدها في الجوانب الأخرى لبنائه الفني ـ تحمل دليلاً جديداً على أن تركيبه العقلي والمزاجي والموهبي يندرج في صف القديم المجدّد، وهذا هو ما نعنيه حين نصنفه في عداد الكلاسيَّة الجديدة»( )

لا يتوقف التراث على استدعائه في مواقف وشخصيات ومراحل وأوابد، بل غالباً ما يعيد التراث إعادة مباشرة لذاته، فليس التراث برهاناً على «الإيمان العظيم» عند العيسى فحسب، ولكنه برهان على أن هذا الإيمان قابل للتحقق، لأنّ فيه ما يجعل الإيمان موضع ثقة، وموضع تأييد عندما يقدم للأطفال، وعندما أقول: إنّ الوحدة العربية حقيقة حية، فالتراث يقدم الدليل، وعندما أؤكد على أن العرب أسهموا إسهاماً كبيراً في حضارة الإنسان، فالتراث يعين على ملموسية الحقيقة في وقائعه وإنجازاته.

ثمة ملاحظة هامة في هذا الإطار، هي أنّ العيسى يدفع اليأس عنه عندما يحتضن التراث أو يحتضنه. يغدو التراث سلاحاً في وجه اليأس، وخصوصاً في أدب الأطفال. في رثاء السياب، نثر أوراق يأسه أمام عينيه وفي تقديم السياب للأطفال، كان العيسى متفائلاً يغني للإرادة والتغيير.

ونستطيع أن نفسر تحت ظل هذا المفهوم: «التراث ملاذاً» غياب المنحى الاجتماعي، أو معاينة حركة التاريخ لصالح القيم الثابتة المنتزعة من معترك التاريخ.

ربما عزا العيسى هذا إلى تأثير التراث في الحياة الثقافية المعاصرة أولاً، وإلى أن التراث هو الحافظ للتقاليد الثقافية ثانياً؛ ولكن مثل هذه المعاينة تستلزم استلهام التراث في حقيقته أيضاً. فقد بدّل في كتابته عن المتنبي في مسلسل «المتنبي والأطفال» بعض الكلمات التي لم تعجبه في شعر المتنبي. يريد العيسى أن يقدم التراث صافياً نقياً عربياً خالصاً إيجابياً. وهذه معضلة فنية وتربوية ثالثة ماتزال موضع نظر.

أجل، يلوذ العيسى بالتراث، ليستمد منه النماء والقوة. وفي هذا الشاهد من مسلسل «المتنبي والأطفال» يلتمس العيسى الشهادة من المتنبي، من مثال التراث الأزهى والأبهى، فهو شاعر عربي محبوب:

«رافع: أنتَ جديرٌ بالتَّكريم يا عَمَّاه.

أَنْتَ جَديرٌ بالتَّكريم.

«ينسحب أبو رافع من الصالة ويبقى المتنبي والأطفال».

تيماء: الآن.. سنُسْمِع شاعِرَنا العظيمَ شيئاً يَخُصُّنا. سنغَنِّي لَكَ نَشيدَ الطلائع.

الأولاد: «في صوت واحد»

فِكرَةٌ رائعة.. فكْرةٌ رائعة.

الأولاد: نَعَمْ، نَعَمْ، نشيدٌ جميل، كتبَه لنا شَاعرٌ عربيٌّ نُحبُّه ويُحبُّنا كثيراً.

تيماء: ويَعْتزُّ بأُنَّه يحفظُ شِعْرَكَ منذُ الطفولة، ويَعُدُّكَ مَفْخَرَةً من مفاخِرنا الكبرى.

المتنبي: هل لي أنْ أَعْرِفَ اسْمَهُ يا صغاري؟

رافع: اسْمُهُ: سُليمان العيسى، وهو يكتُبُ لنا، للأطفالِ، أجملَ قصائِدِه منذُ سَنَواتٍ عديدةٍ.

المتنبي: سليمان العيسى، ليس هذا الاسمُ غريباً عني، إنه صوتَ من أصوات العُروبةِ التي تمتدُّ في الزَّمنِ. أليس كذلكَ؟

الأولاد: نعمْ، صوتٌ من أصواتِ العروبةِ التي تَمْتدُّ في الزمنِ لِتَقْهَرَ الزمنَ يا عَمَّاه.

المتنبي: بَلَّغوا شاعِرَكم تحيتي الخالصةَ، لابُدَّ أن أراه ذاتَ يومٍ، وأسْمِعُوني الآنَ النَّشيدَ الذي وعدتُموني به»( )

 

 

 

الفصل الخامس: أدب الطفل العربي والموروث الشعبي

 

حظي موضوع أدب الطفل العربي والموروث الشعبي بعناية فائقة في الندوة الكبرى لمهرجان الجنادرية (دورة عام 1992 المشار إليها آنفاً)، وبالنظر إلى أهمية أبحاث هذه الندوة والتعقيبات عليها، فإنني سأعرض لمحاورها، ثم أختم عرضي بملاحظات نقدية عامة.

 

1ـ السيرة الشعبية في أدب الطفل:

قدم ورقة العمل أحمد سويلم (وهو شاعر ومسرحي من مصر)، وعقب عليها عبد الحميد أحمد (قاص من الإمارات). وتناول سويلم في ورقته الطفولة بوصفها مفهوماً واحداً أو أكثر، وخلص إلى أن الطفل هو ذلك الكيان الذي ينظر فيه الكبار إلى مستقبلهم، وعليهم أي على الكبار مسؤولية أن يجعلوه مواطناً صالحاً، أو أن يجعلوه زائداً عن الحاجة مثل الحشائش الضارة. وعرض للسير الشعبية في الموروث الشعبي، والسيرة الشعبية في عالم الصغار، وأرفق ذلك بمثال تطبيقي عن سيرة عنترة بن شداد.

رأى سويلم أن السيرة الشعبية أهم الأشكال الفنية التي تصلح للطفل توكيداً على أن السيرة الشعبية من مصادر أدب الطفل الغنية. وطر ح في مقدمته عدة تساؤلات شائكة وجسورة أظهرت مدى أهمية المشكلة، وإذا كانت السيرة الشعبية تمثل جانباً مهماً من ملامح الثقافة العربية ورافداً كبيراً من الموروث الشعبي لهذه الأمة العريقة، فإلى أي مدى يصلح أن يقدم هذا الرافد لأطفالنا؟ وما الجدوى التي يجنيها الطفل من استعادة قراءة السيرة الشعبية إلى الطفل ملخصة أو مبسطة أو كما هي أم نقدمها في ضوء العصر؟.

مهد سويلم بفكرة عن السيرة الشعبية فقال: إنها حكاية شعبية طويلة ذات حلقات وفصول وهي تشمل حقائق لا سبل إلى نكرانها، وتشمل كذلك خرافات أو خيالاً محضاً لا سبيل إلى إثباته.

ويتراوح أسلوب السير بين النثر والشعر، ويدور حول البطولات والفروسية والحرب، ومن أهم أبطال السير الشعبية المعروفة عنترة بن شداد وسيف بن ذي يزن وأبو زيد الهلالي والأميرة ذات الهمة والظاهر بيبرس وغيرهم.

وقد جاءت السير الشعبية تصويراً حياً للبطل العربي الذي لا يقهر، وتتضافر هذه الصورة مع الأبطال الذين يحاربون الشر الذي يرمز له ويسمى في السير كلها بالكفر والخروج عن الدين ومناصرة عبادة الأوثان، فكانت فكرة الخير والشر قد تشكلت في هذه السير تشكلت إسلامياً يتآلف مع العقيدة الإسلامية ولا يختلف معها.

ثم ذكر الباحث أن السيرة الشعبية تعد مصدراً من مصادر أدب الأطفال. وبالرغم من أن السير الشعبية التي وصلت إلينا قليلة العدد، إلا أن الكتاب أقبلوا عليها يقدمونها في أشكال مختلفة من التبسيط والقيم القديمة.

وانتقل سويلم إلى أن السيرة تقدم صورة اجتماعية كاملة تسمح بأن تكون متطورة مع الزمن، وهذه السمة بالذات هي التي تغري الكاتب بتقديم السيرة الشعبية برؤى مختلفة للكبار والصغار على السواء. وحول القوالب التي يمكن أن تقدم فيها السيرة الشعبية للأطفال، قال الباحث إن ذلك يأتي في أحد القوالب الآتية:

- الصورة الدراسية السريعة.

- تقديمها في قصص قصيرة.

- التعبير عنها.

- وسائل الإعلام المرئية والمسموعة.

وأكد سويلم على أن كل هذه القوالب لابد أن تقدم صورة تحترم عقلية الصغير وما يتناسب مع مرحلة عمره ومستوى إدراكه وثقافته.

وفي تعقيبه، ذكر عبد الحميد أحمد أنه كاتب غير متخصص معتذراً، وما يقدمه من ملاحظات يتصل بخبرته كقاص وإعلامي، ومما ذكره:

- إن السيرة الشعبية توجد بكثرة هائلة إلا أن توظيفها في أدب الطفل قليل جداً.

- بينما تجد أن الكتاب الغربيين اعتمدوا على الموروث الشعبي العربي، كنا نحن كعرب مقلدين لهم في بعض قصصهم.

- ماتزال الترجمات التي كُتبت عن أدب الطفل جهوداً فردية، ولم تتبنها مؤسسات ودور نشر متخصصة.

- لابد أن تتولى المؤسسات التعليمية والإعلامية دعم أدب الطفل وإنتاجيته حتى يكون لدينا أدب أطفال على المستوى المطلوب.

 

2ـ نظرة مستقبلية إلى أدب الطفل:

قدم ورقة العمل عبدالتواب يوسف (كاتب للأطفال من مصر) وعقب عليها صابر عبد الدايم (باحث من مصر) ونجيب الرفاعي (صحفي وكاتب من مصر) ومحمد بن سعيد بن حسين (شاعر وباحث من السعودية).

 

كانت ورقة عبدالتواب يوسف أقرب إلى المقالة الصحيفة السريعة، ولا تتجاوز ثلاث صفحات فولسكاب، وقد استعرض فيها جوانب أدب الأطفال في الماضي والحاضر مع استشراف مستقبل هذا الأدب، وذكر أن ماضي أدب الطفل، وبخاصة بعد عصر الحضارة العربية والإسلامية(؟!) هو ماض ثري أمد الإنسانية بكنز رائع من الحكايات التي امتلأت بها كتب التراث. وكان هذا الماضي إرهاصاً لما يقدم في الحاضر وانتقد يوسف الحاضر الذي اعتمد في رأيه على صياغة ما أنتجه السابقون فقال: إن مأساة أدب الأطفال في الحاضر تتمثل في ركون بعضهم إلى مجرد صياغة القديم.

 

وأشار إلى أدب الأطفال بدأ شعراً على يد أحمد شوقي ونثراً على يد كامل كيلاني (1927م) فضلاً عن جهود عبدالسلام البقالي في المغرب وزكريا تامر في سورية وإبراهيم إسحاق في السودان.

 

وازدهر أدب الأطفال في الغرب، ويتبدى ذلك في ما يزيد على ثلث مليون كتاب في مكتبة واحدة في ميونيخ بألمانيا. وذهب يوسف إلى المأساة الحقيقية هي انفصام أدبنا للأطفال عن الأدب العالمي، فليس هناك كاتب عالمي واحد معروف للناس غير أندرسون ولويس كارول، وأصبح هناك سيل ينهمر من الأعمال الأدبية الرائعة التي لا تصل إلينا بعد الحرب العالمية الثانية، بل ليس لدينا من يعرف اسم فائز واحد بجائزة أندرسون.

وحول مستقبل أدب الأطفال ذكر يوسف أن ذلك يعتمد على ظهور مبدعين جدد؛ فلابد من الكشف المبكر عن المبدعين ورعايتهم ومنح التفرغ لهم، وقال: إننا نعني أدب الأطفال شعراً ونثراً، قصة ورواية، تمثيلية ومسرحية، وليس أدبيات الأطفال وما يكتب لهم من معارف ومعلومات فحسب. وانتهى الباحث من استعراضه إلى تناول الأدب الإسلامي للأطفال، وإلى أهمية أن نفتح قلوبنا وصدورنا وعقولنا للرأي والرأي الآخر في قضية مستقبل أدب الطفل العربي، فإنه يعني مستقبل أمتنا على المدى البعيد.

عقب الرفاعي على الورقة، وبدأ بتعريف العملية الإبداعية وقال: إننا نحتاج إلى تطبيق ما جاء في المنهج الإسلامي الذي يقوم بتهذيب الأقوال والأعمال ويدفع بالإنسان إلى التمشي مع الحضارات والمعطيات الإنسانية والطبيعية.

 

ومن خلال التجربة التي خضتها مع الأطفال في تلفزيون الكويت برزت لدي تصورات عديدة مؤداها أن هذا الجهاز لا يمكن أن يخدم قضايا الطفل بطريقة إبداعية متميزة، إلا إذا توفرت الإمكانيات، واختيرت الشخصيات التي توظف من أجل إيجاد مادة أدبية للطفل العربي.

ورأى محمد بن سعد بن حسين في تعقيبه أنه لابد من ترسيخ مفاهيم الإسلام بأسلوب قصصي للطفل شعرً أو نثراً، وأشار إلى ضرورة تنمية مقدرة الطفل اللغوية، والاعتناء بأن تكون لغته بعيدة عن العامية والتعقيد. وحثّ على تأصيل العاطفة الصادقة المتفائلة الشاعرة بالجمال والبهجة، وعاب على كتّاب الطفل استخدامهم للعامية. وقال: يجب أن يرقى هؤلاء الكتاب والأدباء بلغة الطفل لأنه في حالة تكوين لغوي.

 

ودعا صابر عبدالدايم إلى ضرورة الاهتمام بالمنهج التربوي، وعلى تبصير الطفل العربي بالشعر العربي لتمكينه من استقلالية الحكم والتذوق الأدبي. وتحدت عن تنمية المهارات الإبداعية الثقافية لدى الطفل وضرورة الاهتمام بالتكوين العقلاني والوجداني. وختم عبدالدايم تعقيبه بتوصيات كثيرة.

 

3ـ القصة والمسرح في أدب الطفل:

قدم الورقة أحمد عبد السلام البقالي (كاتب من المغرب) وعقب عليها أحمد نجيب (كاتب للأطفال من مصر) وعلوي الصافي (قاص وكاتب من السعودية) ومحمد حسين بريغش (باحث من السعودية).

 

حملت ورقة البقالي عنواناً آخر هو «تقنية الكتابة للطفل». وبدأها بالحديث عن الغزو الثقافي الأجنبي، حيت يتعرض أطفال الأمة العربية إلى غزو أجنبي هائل قد يتعارض جذرياً مع ما نريد أن نغرسه في نفوسهم من قيم دينية، ومبادئ أخلاقية وإنسانية سامية. ويوجد في أسواقنا للأسف الكثير من الكتب الرديئة واللامسؤولة. أملتها الروح التجارية الصرف، وبعضها مدسوس من جهات معادية للأمة العربية.

ثم تحدث عن أهمية الكتاب الموازي للكتاب المدرسي، وتوقف عند المبادئ والأهداف التي تتحكم في تقنيات كتاب الطفل، ومن ذلك غرس القيم الأخلاقية العالية، وخلق عوالم جديدة وجميلة، وتنشيط ملكة الخيال عند الطفل، وحرص الكاتب على أن يجعل الطفل إنساناً سوياً ينفع نفسه ومجتمعه، وأن يحبب إلى الطفل في كتاباته العمل اليدوي والمهارات العلمية.

 

وانتقل يعد مقدمته إلى الطريقة التي يكتب بها للطفل سواء في مجال القصة أو المسرح، وفيما يتعلق بهندسة البناء القصصي، ثم تناول الباحث الحدث في القصة، وذكر منها ما يستند إلى التجارب الشخصية للكاتب، وتجارب الآخرين وحكايات التاريخ واستثمار مملكة الحيوان لإيراد القصص على ألسنتها.

وقال البقالي: ينبغي على كاتب الأطفال أن يفرق بين مراحل الطفولة، فمرحلة السن تتحكم في أسلوب الكتابة وطول الجملة وتراكيبها، كما ينبغي عليه أن يراعي عامل جنس الطفل بحيث تخاطب لغة القصة الولد والبنت في آن واحد.

 

ولأن الكتابة للطفل المعاصر لم تعد مجرد حكايات وسرد لأحداث خيالية ومسلية، فقد أكد البقالي على أهمية أن يقرن كاتب الأطفال التسلية بالفائدة بمعنى أن يكون هادفاً. وذكّر البقالي بمبدأ هام يتعلق بشعور الكاتب أثناء الكتابة، فإذا كان متحمساً لما يكتب فإن عدوى ذلك الشعور ستنتقل حتماً إلى قرائه.

وتناول البقالي عناصر الكتابة للطفل، ومنها عنصر التشويق والصراع بين الشخصيات، والعقدة في القصة، والحبكة وما تعنيه من ترتيب للأحداث بطريقة مشوقة ودقيقة، وتعرض في الوقت نفسه إلى مشكلات إخراج الكتاب وتسويقه وأثمانه المرتفعة.

ثم تحدت البقالي عن مسرح الطفل، فذكر أن له خصوصيات وفوائد وانعكاسات تربوية نفسانية لا توفرها له مصادر أخرى، ومن هذه الفوائد غرس قيمة العمل الجماعي، وتشجيع الطفل على المشاركة مع الآخرين في العمل المسرحي وهي العملية التي تلقنه درساً في جدوى التعاون مع الآخرين في إنتاج شيء جميل وكبير. كما يتعلم الطفل من هذا العمل التضحية بوقت فراغه وشغله في عمل مفيد، فضلاً عن روع المسؤولية التي يتعلمها الطفل.

وخلص البقالي إلى أن لمسرح الطفل مكاسب تربوية وصرفية كثيرة وهذا ما يحتم علينا أن نأخذ مسرح الطفل بكامل الجدية.

وعقب أحمد نجيب مشيراً إلى قضية ضاغطة هي القطيعة بين المثقفين والمبدعين العرب، فقد ذكر البقالي أنه لم يعثر على أي كتاب يتناول التقنية الحديثة في الكتابة للأطفال في حين أن أحمد زلط وعبدالله أبوهيف وعلي الحديدي، برأيه كتبوا في هذا المجال، ولهم كتب مطبوعة منذ زمن.

وركز علوي الصافي في تعقيبه على إسراف مقدم الورقة في استخدام الكلمات والمصطلحات باللغة الأجنبية، وطالب بضرورة تعريبها، وشدد على ضرورة متابعة المنظومة الاجتماعية في المجتمع الذي يشكل الطفل أهم أعضائها بحيث نكشف مواطن الخلل في هذه المنظومة ونقدم لها العلاج اللازم.

وعقب محمد حسن بريغش داعياً إلى ضرورة تقديم الأعمال الذاتية التي كتبت عن الطفل، فقد وردت بعض الكتابات عن الطفل وأدب الطفل في كتب السيوطي والمبرد والجاحظ والغزالي وغيرهم. وقال: أن أهم الوسائل التي تعكس التقدم الحضاري والأخلاقي لأي أمة هو اهتمامها بالأدب خاصة إذا كان هذا الأدب يجسد القيم والأمور العقائدية كما نأمل أن يكون عليه أدب الطفل عندنا.

 

4ـ الطفل ووسائل الإعلام (إشكالات ـ سلبيات):

شارك فيها خالد العامودي (إعلامي وباحث من السعودية) وعبدالرحمن العناد (إعلامي وباحث من السعودية) وأبو الحسن عبد الحميد سلام (مسرحي وباحث من السعودية)، قدم عبدالرحمن العناد ورقة عنيت بالإعلان التلفزيوني ومدى تأثيره واحداً من أهم الوسائل الاتصالية التي سيطرت على العقول في المجتمعات العربية وغيرها من المجتمعات الأخرى.

وأشار العناد إلى أن للإعلان التلفزيوني خصائص متميزة، ومن أهمها تقديم الجانب الترويحي، وذلك من خلال تقديم الترويج للسلع والبضائع والمنتجات الاستهلاكية، فقد أكدت دراسات ميدانية أن الإعلان التلفزيوني تأثيراً عجيباً في تكوين خيال الطفل. وذكر أن القضايا الإعلانية أثرت على إدراك المستهلك ـ وجعلت حتى الطفل يمكن له أن يقرر ما تقتنيه العائلة من سلع، ولو لم تكن راغبة فيها، وهذه ظاهرة سلبية أفرزتها هذه الإعلانات التي كان من الممكن أن توظف توظيفاً سليماً وواعياً. وقرأ في نهاية تقديمه لورقته استبياناً يوضح أهم أشكال التأثير السلوكي الذي يحدثه الإعلان عند الطفل.

 

ثم عرض أبوالحسن سلام ورقته، وهي معنية بمشكلات المسرح المدرسي، ولاسيما النص، وتحدث عن مرحلة عريضة واكبت ظهور المسرح، وأكد أن المسرح رغم أنه أسهم في عملية التلقين إلا أنه لم يتجاوزها إلى تفجير الطاقات والإمكانات الإبداعية، وأشار أبوالحسن سلام إلى وجود أكثر من 40 موجهاً للمسرح من مصر يعملون في النشاط المسرحي السعودي، وقال: إن المسرح السعودي التعليمي أو المدرسي أسهم في تقدم العمل الإبداعي.

ثم قدم خالد العامودي ورقته الأخيرة، وهي عن الطفل والتلفزيون أيضاً، وخلص إلى أن أهم ما يمكن عرضه في هذه الندوة هو ضرورة التركيز على معرفة المؤثرات التلفزيونية، والتلفزيون كما هو معروف سلاح ذو حدين، فهو الذي يشكل حضوراً متميزاً في عملية تنشئة الطفل العربي، مثلما هو أحد الوسائل التثقيفية في حياه المجتمع. وأكد العامودي على أن هناك فرقاً بين البرامج التي يشاهدها ويتابعها الأطفال، وبين البرامج التي تنتج لهم، وأن نميز بين العملية التي تجعل الطفل يفكر ويشاهد ما يمكن أن ينتج له، وبين عملية مشاهدته لما يعرضه التلفزيون بشكل شامل.

 

وشدد العامودي على أهمية عوامل التأثير التي يحدثها التلفزيون كجهاز إعلامي في نفوس الأطفال، وذلك من خلال مضمون الرسائل ومستوى الإدراك وقراراته، وكثافة التعرض للتلفزيون، ونوع المادة التي يتعرض لها الطفل. ثم أشار العامودي إلى الإيجابيات التي يمكن أن نأخذها من التلفزيون إذا أحسنا اختيار ما يقدم وينتج للطفل من مادة إعلامية تركز على القيم.

 

5ـ الشعر والأغنية في أدب الطفل:

قدم ورقة العمل إبراهيم أبوعباه (أديب وشاعر من السعودية) وعقب عليها علي الصقلي (كاتب للأطفال من المغرب)، ومحيي الدين سليمة (كاتب أطفال من سورية).

يدأ إبراهيم أبوعباه ورقته بتحديد معنى الطفولة ومراحلها مشيراً إلى أن سن الطفولة تمتد من ساعة خروج المولود من بطن أمه إلى أن يبلغ الحلم، ويصبح مخاطباً بالتكاليف الشرعية. وتحدث أبوعباه عن أهمية أدب الطفل نذكر أن الأدب بالنسبة للطفل في مراحل عمره الأولى مطلب ملح وحاجته إليه شديدة، وذلك لأسباب عدة منها:

- أن هذا الأدب يسلي الطفل ويشعره بالمتعة وينمي هواياته.

- يعرفه على البيئة التي يعيش فيها.

- يسهم في إطلاعه على أفكار الكبار وآرائهم.

- ينمي القدرات اللغوية عنده.

- يسهم في النمو الاجتماعي والعقلي والعاطفي لديه.

وقال أبوعباه: أن الأطفال حظوا بقسط وافر من أدب الطفولة في تاريخنا العربي والإسلامي، ونجد ألوان هذا الأدب في قصص الأخبار والمغازي والأغنية، فأكد أن الشعر والأغنية والنشيد لون من ألوان الأدب وشكل من أشكاله الجميلة والمحببة إلى عقلية الطفل. والأطفال يحبون الشعر، ويطربون لأنغامه، وإن لم يفهموه في سنيهم الأولى، وتحرص الأم، كل أم، على هدهدة طفلها بالكلمات الموزونة المقفاة ذات اللحن أو الإيقاع، ويشعر الطفل عند ذاك بالرضى والارتياح وعندما يكبر يحفظ بعض الأشعار ذات البحور القصيرة أن سهل لفظها ومعناها.

 

وأضاف أبوعباه: لقد أدرك العرب القدماء بفطرتهم، النقية الأصولية التربوية التي تدخل على صغارهم الفرحة والبهجة فقدموا لهم من شعر المناغاة ما يوفر لهم صفاء النفس وهدوء الخاطر، وحرصوا على نظم الأبيات الشعرية الخفيفة التي تترنم بها الأم من أجل تنويم صغيرها أو تلعيبه.

 

وقدم الباحث نماذج من هذه الأشعار، وأشار إلى كلمة الأغنية الواردة في عنوان الورقة وقال: هي جمع أغان ومصدرها الغناء، وكل من رفع صوته ووالاه فصوته عند العرب غناء. إن ما دفعني إلى هذا الإيضاح والتنويه ما رأيته في بعض الكتب التي تناولت أدب الأطفال من تساهل كبير في مسألة الموسيقى، وأنه جزء مكمل للأغنية لا تنفصل عنها.

 

وذكر أن موضوعات شعر الأطفال هي الشعر التربوي والتوجيهي، والشعر والنشيد الوطني، والشعر وحكايات الأبرار والصالحين، ونجدها فيما ورد في القرآن والأحاديث النبوية من قصص وكذلك قصص الفتوحات الإسلامية، وقصص الأسفار، والتجار وبعض قصص الجن والملائكة، وقصص على لسان الحيوانات والطيور وغير ذلك.

وعرج أبوعباه للحديث عن الشعر الاجتماعي، والشعر التوجيهي. وانتقل للحديث عن العصر الحديث الذي شهد تطوراً في شعر الطفولة، واتخذ أشكالاً متعددة كرس القائمون عليها جهودهم لإخراج شعر يتلاءم مع الأجيال الجديدة، وأشار إلى بعض الشعراء الرواد مثل محمد عثمان جلال وأحمد شوقي ومحمد الهراوي وكامل كيلاني.

أما أهداف شعر الطفولة، فأكد أبوعباه أن للشعر وظيفة ورسالة ينبغي أن يسعى جاهداً إلى إيصالها إلى جمهور المتلقين، وتأتي هذه الرسالة امتداداً لرسالة الإسلام في هذه الحياة.

والتقت إلى التسلية، وهي مطلوبة في سياق الأهداف الأسمى التي فيها: إثراء خيال الطفل وبناء شخصيته وتنمية ذوقه والحس عنده وغرس القيم الدينية والمبادئ الخلقية في نفسه.

وعقب علي العقيلي مؤكداً إن الأغنية تدور على ألسنة عشرات الأطفال، لذلك يلزم التحري في تأليفها حتى تكون سالمة من كل ما يخدش الدين والأخلاق وما يفسد الذوق ويسيء إلى الجمال. وحذر من متاجرة الناشرين بكتب الأطفال. وانتهى العقيلي إلى ترجمة بعض الأغاني شعراً إلى العربية أمر لا بأس به شريطة أن تكون حاملة لمعان إنسانية سامية، وأن تلبس حلة عربية قشيبة لا تسمح بشم رائحة الترجمة الرديئة لفظاً وتعبيراً.

وورد في تعقيب محي الدين سليمة آراء كثيرة مما عالجه أبوعباه، مثل مسيرة أدب الأطفال في اللغة العربية، فتحدث عن العصور القديمة التي ظلت قصص الأطفال مستمدة فقط من قصص الكبار، ولم يكن هناك أدب مميز للأطفال. ومع نهاية القرن التاسع عشر اجتاز أدب الطفل العربي المنعطف الأول عندما استقل عن أدب الكبار، وذلك على يد الشاعر أحمد شوقي عام 1898م.

 

6ـ المنعطفات الرئيسة في تطور أدب الطفل:

قدم ورقة العمل علي الحديدي (باحث من مصر) وعقب عليها أحمد الزلط (باحث من مصر) وعبد الله العريني (باحث من السعودية) ومحمد بن سعيد الدبل (باحث من السعودية).

استهل علي الحديدي عرضه لورقته بإيراد مقدمة قصيرة حول اهتمام الحضارات القديمة بالطفل نظراً لوجود المفاهيم الخاطئة حول الطفولة، وأكد أن الحديث البارز هو ظهور الإسلام الذي غير الكثير من مفاهيم المجتمعات القديمة حول الطفولة، فكانت تعاليم الإسلام وآراء علمائه ومفكريه تطوراً حقيقياً في تاريخ الطفولة.

وعلى الرغم من هذا الاهتمام الذي أولاه العلماء العرب المسلمون للأطفال في تعليمهم وتربيتهم إلا أن إهمال الأطفال كان شديداً من جانب الأدباء الذين أسقطوا الأطفال من حسابهم، وأهملوهم إهمالاً كاملاً فيما يقدمون من فنون أدبية.

 

وتتبع علي الحديدي مسيرة أدب الأطفال التاريخية من منظور عالمي من خلال منعطفات ثلاثة في نهاية القرن السابع عشر، وبعد الحرب العالمية الأولى ثم بعد الحرب العالمية الثانية. وانتقل الحديدي إلى الحديث عن تاريخ أدب الأطفال العربي الذي دخل منعطفاً ثانياً منذ العقد الثالث من القرن العشرين على يد محمد الهراوي ثم كامل كيلاني ثم حامد القصبي.

وقال الحديدي: إن من النظرة العامة لما كتب من أدب الأطفال في الخمسينيات والستينيات نجده منوع الكم كثير العدد، إلا أن أكثره كان مقتبساً أو مترجماً.

أما أطفال السبعينيات والثمانينيات من هذا القرن، فقد كانوا أكثر حظاً من جميع الأجيال السابقة حيث أخرج الناشرون طوفاناً غامراً من القصص والمسرحيات التي جادت بها قريحة أدباء الأطفال، وإن ظل الاهتمام بالكم والعدد هو الغالب دون اهتمام بالملامح الرئيسية لأدب الأطفال أو دون رعاية لما تحويه كتابات الأدباء من مضامين ضارة بأجيال المستقبل.

أما المنعطف الثالث في أدب الطفل العربي فإن بلادنا العربية لم تدخله دخولاً حقيقياً، ومازالت تقف مترددة في أوله تحكمها العقلية التقليدية التي مازالت تنظر إلى أدب الطفل نظرة غير جادة، فلم يأخذه أدب الأطفال طريقه إلى الانتشار بين أجيال المعلمين من العرب، ولم يسهم العلماء المتخصصون في البحوث الأدبية ومقاييسها النقدية.

كذلك لم تقدم هيئاتنا العلمية والتربوية من الدراسات إلا القليل ـ ما يرسم السبيل لمن يتصدى لأطفالنا. ويحذر علماء النفس من أن ما تبنيه الأسرة والمدرسة والمجتمع، يتهدم على يد الذين يكتبون للأطفال دون علم أو دراية بأوليات الأصول العامة لأدب الأطفال.

وختم ورقته المتشائمة بقليل من تفاؤل أشاد فيه بقلة قليلة من أدباء لأطفال العرب في العقدين الأخيرين استطاعوا أن يرتقوا بأدب الطفل العربي إلى آفاق عالمية، وأن يفوز بعضهم بجائزة الملك فيصل العالمية.

عقب محمد الدبل على ورقة الحديدي مشيداً، ورأى أنها بحث متكامل وجيد عن الطفولة وأدبها، واستدرك أننا أوغلنا بالحديث عن الاتجاهات، ولم نتكلم عن الإبداعات في مسار آداب الطفل. أما عبد الله العريني فتمنى في تعقيبه أن يتعرض الحديدي لما يمكن أن يسهم في تطوير أدب الطفل، لا بالحديث عن مسيرة أدب الطفل على المستوى التاريخي، وأسهب في الحدث عن المضمون في أدب الأطفال.

ثم ختم أحمد زلط التعقيبات فبدأ بالحديث عن المفاهيم في الأدب والفن، وصلتها بالمراحل العمرية في أدب الطفل، وتحدث عن أربعة منعطفات في أدب الطفل، وهي المنعطف التراثي، والمنعطف الخاص بالتدوين، ومنعطف البعث والإحياء الأدبي، ومنعطف الترجمة والتأليف والاتجاه الوظيفي.

 

7ـ ملاحظات نقدية عامة:

لقد كانت مناسبة طيبة أن يخصص مهرجان الجنادرية الثامن بالرياض (نيسان 1993م) ندوته المتخصصة الكبرى لأدب الأطفال والموروث الشعبي، استتباعاً لجهود عربية سابقة عالجت هذا الموضوع الثقافي والقومي الخطير. وكان بدأ طرح الموضوع في الثقافة العربية المعاصرة منذ مطلع السبعينيات في مختلف الأجناس الأدبية بتأثير دراسة الهوية القومية في الأدب العربي الحديث إزاء المؤثرات الأجنبية ومخاطر الثقافات التي تتكون في علاقات الاستعمار، وما يورث ذلك من تبعية أو غزو عولج بعض ظواهرهما في مؤتمرات وندوات، وفي كتب ودوريات، وفي رحاب مراكز علمية وثقافية وإعلامية متعددة على امتداد الوطن العربي.

غير أن أهمية ندوة الجنادرية المتخصصة تكمن، بالدرجة الأولى في أنها تجمع بين حشد كبير من خبراء أدب الأطفال في الوطن العربي والأدباء والناشرين والإعلاميين في وسائط ثقافة الأطفال، ومن مختلف أقطار الوطن العربي.

وفي المقابل، شأن الأعمال جميعها، برزت ملاحظات حول هذه الندوة وأبحاثها، أوجزها فيمايلي:

1ـ لوحظ غياب عدد من المشاركين الذين استكتبوا، ولم يرسلوا محاضراتهم وأبحاثهم وأوراق العمل، ولم يعتذروا عن الحضور أيضاً بدليل وضع أسمائهم على المنابر والمنصات لآخر لحظة.

2ـ لوحظ تكليف عدد من غير المتخصصين والخبراء الذين اعتذروا عن قلة معرفتهم في هذا الميدان، ولكنها رغبة إدارة المهرجان كما ذكروا في الوقت الذي حضر فيه عشرات الخبراء والمختصين الذين لم تطلب منهم إدارة المهرجان بحثاً أو تعقيباً.

3ـ لوحظ في تخطيط الندوة المتخصصة أن الأبحاث كلها لم تكن حول موضوع «أدب الطفل والموروث الشعبي» أو أن منظمي الندوة طلبوا أن يكون الحديث حول «الشعر والأغنية» أو «القصة والمسرح» في إطار «أدب الطفل والموروث الشعبي»، إلا أن المحاضرين ابتعدوا عن ذلك، فقد كان من المفيد، أن تخصص ورقة عمل للحكايات، وأخرى للأساطير، وثالثة للأخبار والأمثال، ورابعة للسرد الأدبي والتاريخي، أسوة بالورقة المخصصة للسير الشعبية؛ وكان من المفيد، أن تخصص ورقة لإشكالية التراث والدين في أدب الأطفال، وأخرى لإشكالية التراث العربي وتراث الإنسانية.

على أي حال، كانت موضوعات الندوة هامة، وإن كان بعضها لا يتصل بالموضوع الرئيس: «أدب الأطفال والموروث الشعبي». وقد وجه البيان الختامي للندوة نقداً، رأى بأن ما قدم حتى الآن لا يرقى إلى مستوى طموحات الأمة، ولا يحقق متطلبات فلذات الأكباد في بناء عناصر فاعلة فكراً وإبداعاً وسلوكاً.

4ـ كانت التوصيات الصادرة في بيان الجنادرية هامة باتجاه تطوير أدب الأطفال العربي بما ينسجم مع هوية الأمة وانتمائها وأصالتها وحضارتها، وبالحرص على الكتابة للأطفال شعراً أو نثراً بلغة عربية فصيحة، وبأهمية الاستفادة من التراث العربي والإسلامي وتوظيفه توظيفاً إيجابياً، وبزيادة مساحة البرامج الثقافية والتربوية للطفل عبر الوسائط الثقافية المختلفة ووسائل الاتصال بجماهير الأطفال، وبضرورة تشجيع الأطفال العرب على القراءة...الخ.

5ـ ثمة ملاحظات كثيرة على المحاضرات وأوراق العمل المقدمة للندوة فقد كانت ورقة عبدالتواب يوسف وهو من هو في ميدان أدب الأطفال أقرب إلى مقالة صحفية.

وأعادت غالبية الأوراق والمحاضرات مأثور القول حول أدب الأطفال، وكأنها منقطعة عن الجهود العربية التي تطورت كثيراً في هذا الميدان، وقد اعترف كثيرون مثل البقالي وأبوعباه أنهم لا يعرفون جهود زملائهم العرب.

كما أن الشكوى واضحة من تباين المصطلح والتعريف في فهم أدب الأطفال من باحث لآخر كأشكال الاستخدام والاعتبارات التربوية والفنية وحدود القيم...الخ، وهو تباين واضح بين الأدباء والمربين والفنانين (الإعلاميين على سبيل المثال)، مما يستدعي جهوداً علمية ورسمية لتأصيل المصطلح وتعضيد المناهج الحديثة في درس أدب الأطفال العربي.

6ـ من جهة أخرى كانت غالبية البحوث وأوراق العمل ثرية في بابها، فأثيرت أسئلة كثيرة مفيدة حول إشكالية نشوء الأطفال وصلتها بالموروث، وبكلاسيكيات أدب الأطفال العالمي وخصوصية الاعتبارات التربوية، وصلتها بالسرد والفعلية والخيال والفكر الأخلاقي، وقضية إعادة إنتاج أدب الأطفال في الوسائط الثقافية ووسائل الاتصال بجماهير الأطفال وما تثير من قضايا تتصل بتهديد الخيال وتهديد الشعور الجمعي والتقاليد الثقافية... الخ.

 

 

الفصل السادس: مستقبل الكتابة للطفل العربي

 

كانت مناسبة طيبة أن أحضر مؤتمرين عن مستقبل الكتابة للطفل العربي خبيراً وباحثاً ومعنياً بهذه القضية الكبرى من قضايا الثقافة العربية. إذ عقد المؤتمر الأول بالقاهرة في يومي 20 و21 تشرين الثاني 1996، تحت عنوان «أدب الطفل العربي وآفاق المستقبل»، بينما عقد مؤتمر «الكتابة للأطفال وتحديات القرن الحادي والعشرين» بتونس، في يومي 8 و9 أيار 1997.

وقد حضر مؤتمر القاهرة باحثون من الأقطار العربية التالية: مصر وسورية والأردن وتونس والبحرين والسعودية وتونس والسودان والكويت واليمن وقطر، وبلغ عدد البحوث المقدمة 24 بحثاً، بالإضافة إلى بعض التقارير عن واقع أدب الأطفال في الأقطار العربية المشاركة، وقد عرضت البحوث والتقارير في ست جلسات علمية على النحو التالي:

1و2 ـ أدب الأطفال على المستوى العربي.

3ـ علاقة التعليم والإعلام والثقافة بأدب الأطفال.

4ـ مكتبات الأطفال ودورها في تنمية أدب الأطفال.

5ـ الأشكال المختلفة لأدب الأطفال.

6ـ إخراج كتب الأطفال.

وحضر مؤتمر تونس وهو ندوة دولية، باحثون من بلدان أجنبية أقطار عربية هي: بلجيكا وفرنسا ومالي وتونس ومصر وسورية والكويت والأردن ولبنان والعراق وليبيا، وبلغ عدد البحوث المقدمة 22 بحثاً، نوقشت في ثماني جلسات علمية وفق مايلي:

ـ الكتابة للطفل/إلى الطفل/عن الطفل: مقاربة نظرية متعددة الاختصاصات - ثنائي الكتابة/الطفولة المبكرة.

ـ الكتابة والمكتوب: المكتوب القصصي مثالاً.

ـ الكتابة الشعرية والمسرحية.

ـ الكتابة العلمية.

ـ الأطفال والكتابة والمكتوب /تجارب عربية.

ـ الكتابة التلفزيونية للأطفال.

ـ التلفزيون التونسي مثالاً.

ـ الرؤية المستقبلية.

وفي حين وزع منظمو مؤتمر القاهرة البحوث مطبوعة على المشاركين، اكتفى منظمو مؤتمر تونس بتوزيع ملف إعلامي حوى مدخلاً للندوة الدولية، وبرنامجها، وملخصاً للمداخلات أو البحوث المقدمة، ومعطيات تعريفية بالمشاركين، غير أنهم لم يبخلوا علينا بنصوص البحوث أو المداخلات لدى طلبها، ومما يجدر ذكره أن ثمة لغتين تجاورتا في مؤتمر تونس هما اللغة العربية واللغة الفرنسية مراعاة لمشاركة ممثل بلدان أوربية وأفريقية، ولبعض الباحثين التونسيين الذي يصعب عليهم التحدث بالعربية أو الكتابة فيها، ولذلك وزعت أبحاث باللغة الفرنسية، كما هو الحال مع مداخلة هادية عبد الكافي من جامعة صفاقس.

 

وأتحدث عن المؤتمرين معاً في خمسة محاور لاتصال موضوعهما بقضية مستقبل الكتابة للطفل العربي، وأخصص المحور الأول لملاحظات عامة، على أن أتناول في المحور الثاني المقاربات النظرية للكتابة للأطفال، وفي المحور الثالث، المشكلات الواقعية والتربوية للكتابة للأطفال، وفي محور رابع شعر الأطفال، وفي محور خامس الكتابة التلفزيونية والكتابة للوسائط الأخرى.

ومن المأمول أن يفصح هذا البحث الاستطلاعي النقدي عن راهن التفكير العربي بقضية الكتابة للأطفال أيضاً.

 

1ـ أسئلة الواقع الكثيرة:

سأبدأ ملاحظاتي العامة من الجلسة الأخيرة في مؤتمر تونس، وكانت مائدة مستديرة لحوار مفتوح حول «تكنولوجيا الاتصال والإعلام واستشراف مستقبل الكتابة للطفولة». وقد أدار الحوار مصطفى المصمودي، وهو من  هو في عالم الاتصال، وشاركت فيها بالإضافة إلى عدد من الخبراء العرب والأجانب بحضور وزير الشباب. وقد انطلق المصمودي بالحوار من واقع جديد، علينا الاعتراف به جميعاً، وهو هيمنة وسائل الاتصال والمعلومات على الثقافة، ومنها الكتابة للطفولة.

 

وكنت، مع كثيرين، ممن يحذرون من التأثير السلبي لهذا الواقع الجديد، داعياً إلى ترشيد استعمالها وانتشارها، ولاسيما الكتاب الإلكتروني و«المالتيميديا» والقنوات الفضائية التي انتقلت إلى كلّ بيت. وأوجزت وجهة نظري في الملاحظات الأربع التالية:

اتصال وضع تكنولوجيا الاتصال والإعلام بوضع التكنولوجيا في المجتمع العربي، فما يزال الصراع على أشده بين دول الشمال ودول الجنوب، مما يورث دول الجنوب تفاوتاً كبيراً في امتلاك التكنولوجيا وحرية استعمالها. إن ثمة إقراراً لاشك فيه في أننا نستهلك التكنولوجيا، ولا ننتجها. وعندما نستهلكها فإننا ننفق كثيراً عليها، بينما هناك صعوبات كبيرة في استعمالها في غير مجتمعات الوفرة، ناهيك عن صعوبات امتلاكها في المجتمعات الفقيرة. ولا نغفل عن حقيقة أن استهلاك التكنولوجيا مرهون بأسباب أخرى، مثل توافر الكهرباء والمواد الكثيرة التي أنتجها أيضاً، أو هي غير متاحة في الاستخدام في كل مكان، شأن مصادر الثقافة التقليدية.

مخاطر العولمة والهيمنة وما تجرّه من شيوع التنميط الثقافي، مما يفضي إلى التبعية الثقافية والإعلامية. لا أريد أن أبالغ تهويلاً في الآثار السلبية للغزو الثقافي والفكري، ولكن ذلك كله غدا حقيقة واقعة أيضاً تفاقم الآثار الضارة على الأصالة الثقافية وتدعيم البحث بالخصوصيات الثقافية، وتعزيز البعد الثقافي والإنساني للتنمية المنشودة، تهديد حقّ الطفل بالثقافة، لأن تكنولوجيا الاتصال والإعلام لا تكوّن عقول الناشئة فحسب، بل هي تسرق الراشدين من وقتهم، وتسلبهم إرادة التفكير، وتشل فاعليتهم، فيعتمدون على الصورة وحدها،ويتراجع الكتاب مصدراً للثقافة، ويخمل اتصال الأطفال بالوسائط الثقافية الأخرى كالصحافة والمسرح والمصادر البشرية الأخرى، تهديد خيال الطفل، فمما لاشك فيه أن الكتاب الإلكتروني يغزو ذهن الأطفال ووجدانهم، ويسلبهم حرية الإبداع والابتكار، لأنه يوفر لهم معرفة جاهزة تعوق مبادراتهم في الاتصال المباشر بالمعرفة، وفي المشاركة بإنتاجها.

 

إن هذه الملاحظات توجز بعض التحديات الكونية والأساسية، وإذا انتقلنا إلى التحديات الواقعية والتربوية، فإن أبحاث المؤتمرين ومناقشاتهما تتمحور حول الملاحظات الأخرى التالية:

أولاً: رأي بعض الباحثين أن الكتابة للأطفال بذاتها تشكل تحدياً، فهي الحلقة الأصعب في عملية دخول المجتمعات العربية في باب الحداثة من خلال مكانة الأم، على حد تعبير فاديا الأمين (لبنان). إن الملحوظ هو أن الكتابة للأطفال ترسخ الفروق بين الجنسين، ولقد توصلت في بحثها، وهو يندرج في إطار تحليل المحتوى، إلى أن الكتابة للأطفال، ذكوراً وإناثاً، يحكمها هاجس ذكوري يجعل مخاوفه وسيطرته وأوهامه ودوره ومكانته محوراً لها.

 

ويتفق هذا الرأي مع استنتاجات باحث آخر هو حسن شحاته (مصر)، في بحثه عن «أدب الطفل العربي بين صيغ غالبة وصيغ غائبة»، فقد توصل إلى أن مؤشرات أدب الطفل العربي تحتاج إلى وضع المعايير المناسبة لتنمية الإبداع لدى الأطفال، وتشكيل الطفل المبتكر، ووضعه في سياق اجتماعي يساعده على تنمية قدراته وفكره وخياله. وأهم هذه الأمور التي ينبغي مراعاتها عند إعداد مواد أدب الأطفال أو عند تنفيذها، هي وضع مادة أدب الأطفال على شكل مشكلات تستثير خياله، وتتحدى عقله، وتفتح المجال عنده للتفكير العلمي أولاً، وعرض مواد أدب الأطفال على أنها نتيجة تطور لا يقف عند حّد، وعلى تحرير عقليته من المحرمات الفكرية ثانياً، وتوفير مواقف وحوارات تساعد تدريب الطفل على الاستماع الناقد والاستماع التذوقي والقراءة الابتكارية ثالثاً، وغرس القيم الإيجابية كالإيمان بالديمقراطية، ومصلحة الأغلبية، والحرية في الرأي، والنجاح في العمل، وتقبل التنافس في الإنجازات، والتسامح والتعاون، والاهتمام بالتخطيط، والتوفير، والاقتصاد في استخدام الوقت والطاقة رابعاً. وهذا يعني، تحرير أدب الطفل العربي نفسه من وحدة التفكير السائد.

 

ثانياً: ضرورة تطوير أدب الطفل العربي والارتقاء به إلى المستويات المتقدمة التي بلغها في الغرب، وألح على هذا الرأي كثيرون، ولاسيما شيخنا عبد التواب يوسف (مصر)، الذي وجد تخلفاً واضحاً في أدب الطفل العربي عن اتجاهاته العالمية المعاصرة، ثم أنه يجازف، ويقول: إننا منقطعون عن الإنجازات الكبيرة لأدب الأطفال العالمي، وعن التفكير بأهميته القومية والتربوية، ويورد ذلك على صيغة مفارقة شديدة الدلالة على تواضع نظرتنا لأدب الأطفال:

«نشرت صحف العالم وأذاعت ميكرفوناته وشاشاته الصغيرة خبراً صغيراً خلال شهر أبريل 1996، لكن الصحافة العربية ـ فيما أعلم ـ تجاهلته بالكامل، ولم تشر إليه فيما أعرف من قريب أو بعيد مع أن عرباً كثيرين شهدوا معرض بولونيا الدولي لكتب الأطفال، وتلقوا الخبر صفعة على وجوههم، لكنهم لم يشعروا بها ولم يحسوا، فإن أمر الأطفال وكتبهم لا تعنيهم كثيراً، فقد سافروا وبعثت بهم بلادهم للنزهة والفرجة لا أكثر ولا أقل..

ما الخبر؟

فاز الكاتب الإسرائيلي «يوري أورليف» بجائزة أندرسون العالمية في أدب، الأطفال والمبرر لذلك ما كتبه لهم عن تعذيب البولنديين لليهود خلال الحرب العالمية الثانية.

أعرف أن كثيرين يمطون شفاهم ويقولون: وأي شيء في هذا؟ وما الجديد؟.. هم يسيطرون عالمياً على مراكز الفكر والثقافة والإعلام، ونحن لا نعرف الكثير عن هذه الجائزة، وربما لم يسمع بها الذين يعملون في مجال أدب الأطفال العربي، ولا يدركون أنها تساوي «نوبل»، وأنها قدمت لأول مرة عام 1956، وتمنح كل سنتين، وهذه هي المرة العشرون التي تمنح فيها، وفازت بها إسرائيل على 23 مرشحاً من أنحاء العالم.»

 

ثالثاً: ضعف الاهتمام العربي بأدب الأطفال لذوي الحاجات الخاصة، وهم المعوقون ذهنياً وحسياً من جهة، وذوو الصعوبات الاجتماعية كالأحداث والجانحين وأطفال الملاجئ وأطفال الشوارع والمحرومين على وجه العموم، من جهة أخرى. وتعتقد هدى محمد قناوي (مصر) أن هؤلاء الأطفال شريحة لا يستهان بها، ولا تجد أدباً موجهاً إليها. ووضعت ليلى كرم الدين (مصر) بحثاً حول «الأدب والمواد المقروءة الموجهة للأطفال ذوي الحاجات الخاصة»، وطرحت تساؤلات في غاية الأهمية لمواجهة هذا النقص الفادح في هذا المجال، ونذكر منها:

هل بإمكان حصر الموجود من المواد الثقافية والمقروءة وخاصة الأدبية منها التي تتوفر في مصر والعالم العربي التي تصلح للأطفال ذوي الحاجات الخاصة وبالذات الأطفال المعوقين؟

ما مدى إمكانية قيام كتاب الأطفال لدينا بمهمة إعداد المواد الثقافية والأدبية لهذه الفئات؟

ألا يوجد بين ناشري كتب الأطفال في مصر والعالم العربي من يتصدى لمهمة نشر مثل هذه الكتب وهي مهمة بالإضافة لإنسانيتها قد تؤدي لضمان التوزيع بسبب ندرة المتوفر من هذه المواد؟ وما مدى إمكانية إقامة مكتبات اللعب سواء بالمكتبات المدرسية أو مكتبات الأطفال، وهي من أفضل أساليب تقديم الخدمة الثقافية واللعب التربوية للصعيد الأعظم من الأطفال المصريين الصغار وذوي الحاجات الخاصة؟

هل بالإمكان بذل الجهود اللازمة لإقامة معرض كتب الأطفال المعوقين الذي تنظمه IBBY بمعرض كتب الأطفال في مصر؟ وقد تكررت المطالبة بهذا ولدينا في مصر شعبة مصرية للـIBBY؟ ألم يحن الوقت للتصدي لمهمة إعداد مواد ثقافية وأدبية للأطفال الموهوبين لدينا، وهم الرصيد القومي لمستقبل هذه الأمة؟

 

هل بالإمكان استقطاب المزيد من الجهود الشعبية التطوعية خاصة من بين المستثمرين المصريين ورجال الأعمال لتقديم الدعم اللازم لرعاية الأطفال المصريين من ذوي الحاجات الخاصة، بما في ذلك تدريب المتطوعين والتنسيق بين الجهات العامة في هذا المجال؟

هل أجهزة الإعلام الجماهيرية على استعداد لزيادة الجرعة التي تقدمها حول ذوي الحاجات الخاصة بما يساعد على إرشاد وتوجيه أسرهم وتغيير الاتجاهات السائدة نحوهم بما يساعد دمجهم في النهاية مع المجتمع؟ هل بالإمكان قيام الكتاب والأدباء المؤلفين لدينا بالكتابة عن مختلف فئات ذوي الحاجات الخاصة بما في ذلك صور البطولة والتصدي المتوفرة لدينا في بعض فئات ذوي الحاجات الخاصة؟

رابعاً: الدعوة لزيارة مراكز الطفولة على المستويات الوطنية والقومية لأدب الأطفال، وإيجاد الصيغ والبدائل المقترحة لتطويرها. وغني عن القول، إن هذه المراكز قليلة كما تشير إلى ذلك الورقة المقدمة إلى مؤتمر القاهرة تحت عنوان «نظرة حول مراكز الطفولة في الدول العربية وأدوارها الثقافية والإعلامية لحقوق أدب الطفل العربي». ولما كان النهوض بأدب الأطفال يسهم في إعداد الطفل العربي للقرن الحادي والعشرين، فإن باحثين كثر أشاروا إلى ضرورة الاهتمام بمراكز الطفولة، بوصفها تضمن تنظيم الجهود، ورصد الإمكانات، وتدعيم التخطيط العلمي السليم، وتوفير الرؤية المستقبلية الصادقة، وتحقيق الإيمان بحقوق الطفل الثقافية.

 

خامساً: إيلاء عناية أكبر للكتابة العلمية للأطفال، ففي هذا المجال، يتبين فقر أدب الطفل العربي شاخصاً. لقد زاد عدد قراء الخيال العلمي من الأطفال في أنحاء العالم كله، بما في ذلك الوطن العربي، كما يشير عبدالرزاق جعفر (سورية)، غير أن الطفل العربي لا يقرأ إلا النزر اليسير من الكتابة العلمية الموجهة له: «فقد دلت الدراسات والتجارب على أن تساؤلات الطفل عن الكون والعالم والمستقبل والمجهول والكواكب والزمان، وغير ذلك، سوف تذهب إلى أبعد مما يتخيله الراشد في معظم الأحيان، حتى المعضلات الأكثر تعقيداً، بصورة ظاهرية، يستطيع الخيال العلمي أن يناقشها، وأن يوصلها إلى الطفل والمراهق والشاب، شريطة إتقان فن الكتابة في هذا الجنس الأدبي ومعرفة اختيار الأسلوب، ولطالما ذكر بعض الباحثين والمربين أنهم كانوا يذهلون من الأسئلة العميقة الذكية المقلقة التي يطرحها أطفال في العاشرة من العمر، أو أقل من العاشرة بقليل، وكلها تدور حول السكنى في الفضاء، والتعايش مع العوالم الأخرى، والكائنات المختلفة، والبعث بعد الموت، والإنسان الخارق... الخ.».

 

ويتفق محمود قاسم (مصر) معه في ذلك، الذي وجد أن أدب «الخيال العلمي هوس للصغار هاجس للكبار. أما فتحي التبرسقي (تونس) فقد درس المضامين العلمية في مجلات الأطفال، وكشف في بحثه، وهو يندرج في تحليل المحتوى أيضاً، عن التبسيط المخل في تقديم العلوم بصورة مدرسية، وعن ضعف المنهجية العلمية والتفكير العلمي في مخاطبة الطفل العربي. ولا تختلف النتائج التي توصل إليها علي بن مصطفى (تونس) في بحثه عن صحافة الأطفال عن استخلاصات التبرسقي، فثمة القليل القليل من الكتابة العلمية للأطفال، وإن وجدت، فهي فقيرة لا تنمي التفكير العلمي، ولا تزود الطفل العربي بالمعرفة العلمية المتطورة في العالم.

 

2ـ نقد المقاربات النظرية:

حظيت المقاربات النظرية للكتابة للأطفال بحيز كبير من اهتمام المشتغلين بأدب الأطفال، وفي الوقت الذي خصّ مؤتمر تونس محوراً رئيساً من محاوره لمقاربة نظرية متعددة الاختصاصات للكتابة للطفل ـ عن الطفل، فإن مؤتمر القاهرة، عني بالمقاربات النظرية في محوره «الأشكال المختلفة لأدب الأطفال». وقد اتجه الاهتمام إلى حدود الكتابة للأطفال بعامة، وشعر الأطفال بخاصة.

 

وأخصص هذه المقالة لاستجلاء التفكير الأدبي الراهن بقضية الكتابة للأطفال كما تظهرها بحوث هذين المؤتمرين، وغني عن القول أن كتابها من خيرة الباحثين العرب في مجالات الكتابة للأطفال.

 

قدم عبد التواب يوسف (مصر) أفكاراً حول أسئلة النظرية: «لماذا، وماذا، وكيف نكتب للأطفال؟» ورأى، على سبيل التواضع، أنها أسئلة، في تقديره، بالغة السذاجة، وأن الإجابة عليها سوف تكون أكثر سذاجة. ويمضي مؤثراً طرافته المعهودة: «إذ ليس أيسر من أن نقول: نكتب للطفل ليقرأ، ونكتب له أي شيء، وكل شيء، وبكل الوسائل: القلم والآلة الكاتبة والكمبيوتر.. ومن خلال الكتاب والمجلة، الإذاعة المسموعة والمرئية، المسرح والسينما». ولعل هذه الطرافة المشوبة بمرارة واضحة هي التي دفعت شيخنا عبدالتواب يوسف إلى استنكار التنظير للكتابة للأطفال، ومستشهداً بآراء بعض أهم كتاب الأطفال في العالم، وهذا مثال لتعبيره عن فكرته:

«وقد قال لنا أساتذة أجلاء ينصحوننا بالطريقة التي نكتب بها.. قالوا لنا:

-تنبهوا للمرحلة السنية: الطفولة المبكرة، وما بين سن كذا وسن كذا.

 

وقالت لنا"مادين لنجل": رئيس اتحاد الكتاب في أمريكا والحائزة على جائزة نيوبري: أكبر جوائز أدب الأطفال في بلادها.. قالت:

-لاشيء اسمه الكتابة للأطفال، أنا أكتب «فناً» و«أدباً»، ومن يرغب فيه، فليتفضل بقراءته سواء كان عمره 8سنوات أو 88 سنة. كتابها (طي الزمن)، أذهلتني قراءة طفل، عمره 6سنوات له وتعليقه عليه، بينما صعب ذلك على كبار تجاوزوا الخمسين..

وقالوا لنا: الأطفال ملولون.. اكتبوا لهم أعمالاً قصيرة..

وكتب ريتشارد آدمز رواية "السفينة الغارقة" في 478 صفحة، ونجحت. وكتب تولكين أعماله في مئات الصفحات بخط صغير منمنم.. ولقى إقبالاً، وكتبت "خيال الحقل" فيما يزيد على مائة صفحة، وكانت تجذب الأطفال إليها ومازالت، مما يؤكد أن طول العمل وقصره ليس مقياساً.

قالوا لنا: لا تكتبوا ما يمكن أن يقلده الأطفال، ويسيء إلى سلوكياتهم..

وكتبت استريد لندجرين الفائزة بجائزة اندرسون «أصيل» و«بيبي»  التي حملت رجال الشرطة بيدها إلى فوق سقف البيت.. وأميل جعل أباه نصفه الأسفل داخل الحمام، والنصف الآخر يتدلى من فوق الباب، بلا ملابس على الإطلاق. ووضع طفل إيراني أباه في الغسالة الكهربائية وأدارها.. وفاز الفيلم بأكبر جائزة في مهرجان القاهرة الدولي لسينما الأطفال.. كان الطفل يحلم هل نعاقبه على أحلامه أيضاً؟

نجاح العمل وفشله لا يرجع إلى مثالية البطل.

 

قالوا لنا: لغة الطفل يجب أن تكون بسيطة سهلة.. وداخل قاموس الطفل، حتى يستطيع أن يفهمها، وكتب ليون جارفيل لغة بالغة التعقيد، وصار من أعظم كتاب الأطفال في العالم، وأعماله يصعب تبسيطها، والأطفال كانوا يقبلون عليها، بل أن الموهوبين منهم قرأوها في سن التاسعة.

هذه هي قواعد الكتابة للأطفال تخرق وتحقق نجاحاً رائعاً.. قال برنارد شو: لا تستمع إلى النصائح وفي مقدمتها هذه النصيحة ذاتها..

لا أحد يقول للمبدع: ماذا يبدع ولا كيف يبدع.

 

هل أدركتم سر عدم ارتياحي للكتب التي تعلمنا الكتابة للأطفال؟»

وقد قوبلت فكرة يوسف بالنقد في مؤتمر تونس، لأن أدب الأطفال يسارع خطواته باتجاه نظريته التي تتميز عن نظرية الأدب (للراشدين)، وكنت عززت الشغل العربي بنظرية أدب الأطفال في بحثي إلى مؤتمر تونس، وقد حمل عنواناً محدداً هو «الكتابة بوصفها استعارة: مقاربة نظرية لمفهوم الكتابة للأطفال واليافعين». ويوحي كلام يوسف لأول وهلة بأنه يجافي التنظير، وقد قال ذلك صراحة، ولكنني أعتقد أنه كتب بحثه مشحوناً بأمرين أعلن غضبه منهما، هما وضعية الكتابة للطفل في الوطن العربي بالقياس والمقارنة مع وضعيتها في الغرب، وثانيهما نفوره من التنظير على وجه العموم الذي يجد فيه مبالغة في إفقار الكتابة للأطفال، وثمة نقمة خالجته أيضاً هي استسهال الكثيرين للكتابة للأطفال ممن ينتجون كتابة لا تحقق أبسط شروط الكتابة للأطفال، ولذلك دعا يوسف في ختام بحثه إلى «رؤيا مستقبلية، لن نستطيعها إلا إذا عرفنا ما يجري على الساحة العالمية، دراسة، وقراءة، وترجمة لنلحق بمن سبقونا على الطريق.. ولا عيب في أنهم سبقونا، فقد كان لنا السبق فيما مضى وأخذوا عنا».

إذن فقد كتب يوسف بحثه مستاء من حال الكتابة للطفل العربي، أو البحث في ميادين هذه الكتابة، وهو كبير، يدرك جهوده الواضحة في منهجية الكتابة للطفل العربي ومحاولة ترسيخ معايير لفهمها ونقدها، ولكنه، إلى ما ذكرناه، مستاء أيضاً من إثقال أدب الأطفال بتبعات تربوية وثقافية من شأنها أن تفسد هذا الأدب الذي يتأبى على الوعظ والإرشاد والنصح المباشر.

 

وقدمت في بحثي متابعة لمقاربتي النظرية في كتابي «أدب الأطفال نظرياً وتطبيقياً» (1983)، ترى إلى الكتابة للأطفال على أنها استعارة، فحددت مفهوم الكتابة للأطفال واليافعين في تشكله وحدوده وتاريخه، ولاسيما افتراقه عن الأدب أو أدب الراشدين. وتوقفت عند إشكاليتين تربويتين هما إشكالية الوعي والإدراك، وإشكالية التاريخ والمجتمع، وعالجت باتساع إشكالية اللغة وتباين مستوياتها: الحقيقي، والمجازي، والاصطلاحي، والقاموس الخاص بالطفل، والقاموس الخاص بالكاتب، ولغة الجنس الأدبي، ولغة الوسيط.

 

ثم ناقشت بعض الإشكاليات الفنية البلاغية كالسرد في القصة، والإيقاع في الشعر، والاستباق في الخيال العلمي. واختتمت بحثي بمعالجة بعض الإشكاليات الفنية الإبلاغية، كالتقانات وثورة المعلومات والاتصالات، ودور المربي، ودور الطفل إزاء ظاهرتين، ظاهرة الدراما الخلاقة وظاهرة الطفل الشاعر.

ومما يجدر ذكره أن غالبية البحوث تصدت لهذه الإشكاليات من منظورات مختلفة تطلعاً لتدعيم الوعي بالكتابة للطفل العربي، فثمة الكثير الكثير مما يكتب للأطفال، وثمة القليل القليل مما يكتب حول أدب الأطفال في مفهومه ووعيه وطوابعه التربوية والفكرية والنظرية والفنية، وهي إشكاليات تزداد تشابكاً وتعقيداً في نهايات القرن العشرين ومطالع القرن الحادي والعشرين.

 

أثار سالم ونيس (تونس) في بحثه «الأدب الطفولي: الأدبية ووظائفها» انتماء الكتابة للأطفال إلى الأدب، معمقاً النظر في العوامل العديدة التي تضافرت لتجعل منه مجالاً ذا وضعيات تلفت الانتباه لتفردها وطرافتها، فهو، وإن كان انتماؤه إلى الحقل أنسب، لا يكاد يجد له مكاناً في الممارسات النقدية الأدبية، إذ أن حضوره يكون بارزاً في مجالات معرفية أخرى متصلة بالعلوم الاجتماعية والإنسانية عامة، وبالعلوم المتصلة بالتربية وبالطفولة خاصة، أو بالمؤسسات التعليمية والتربوية أو التصنيعية. وهذا النقاش يعيد المسألة إلى الطابع التربوي والتعليمي لأدب الأطفال.

 

وعزا ونيس ضعف الأدب الطفولي لأداء وظائفه إلى غياب النقد الأدبي الحائر في توصيف هذا الانتماء، إذ يُنظر إلى الأدب الطفولي «على أنه ملحق بما يسمى أدباً وظيفياً، تحدد فيه كل من الأطوار العمرية والغايات التربوية، وفي جميع مراحله، تحديداً يجعله معبراً عن التصورات التربوية المزاولة له، مناسباً لجمهوره المعني بأمره».

وبين ونيس في نهاية تحليله لأدبية الكتابة للأطفال، أنه أدب له أن يكون موضوع بحث أدبي، وقدم نموذجاً لذلك هو السرد القصصي، «لينزل في هذا الإطار، محاولاً إيجاد حلول للمعادلة القائمة بين المنزعين في الأدب، منزع الإمتاع والوعي بالجمالية، أو الأدبية، والمنزع النفعي والمتمثل في مدونتنا في الغاية التعليمية أو وظيفة التكيف الأخلاقي».

 

واهتمت ليلى لبابيدي (مصر) بالطابع التربوي للكتابة للأطفال وكيفية تعضيده داخل السياق الأدبي، وانطلقت في مداخلتها من باولو فيريري المربي البرازيلي في كتابه «نشق الطريق أثناء السير عليه»، فقد برزت الحاجة لتطوير أدب الطفل العربي، مؤمنة أن دروب التطوير لا تكون دون أن نمضي فيها. ويستند رأيها إلى الإقرار بأن طريق أدب الطفل العربي لم يرصف بعد، «ولا يمكن الشروع برصفه قبل أن نمشي عليه ونشقه، بل قبل أن نشق عدة طرق، ثم نختار أكثرها مناسبة لنا، ثم نرصف طريقاً رئيسياً واحداً بتفريعاته، أو أكثر من طريق، فثقافتنا ثرية ومتنوعة، وكل من سار على الدرب وصل، طالما أنه عانى جهدها، ووعي تجربتها، واستخلص دروسها». واتفقت ليلى لبابيدي مع آخرين على ضرورة البدء من مخاطبة الطفولة المبكرة، فليس «هناك جدل حول أن الصورة مهمة في أدب الأطفال، لاسيما في أدب الطفولة المبكرة، وحتى التاسعة من العمر». ويحفل بحثها بتوصيف لطبيعة الكتابة لهذه السنوات المبكرة، مركزة على القراءة، «ولنقرأ الكتاب الجيد الذي يستهوي الكبير والصغير على السواء، فبالتواصل مع الطفل من خلال القراءة الممتعة يتطور أدب الأطفال، ويسير في الطريق إلى مستقبل مشرق».

 

ويندرج بحث هادية عبد الكافي، وهو مكتوب باللغة الفرنسية، في هذا الإطار، فقد طرحت عدة تساؤلات، ابتداء من مصادر البث إلى القناة الناقلة، إلى فك الرموز، وإلى المتقبل، وهذا توكيد على الطابع التربوي للكتابة للأطفال مقترنة بالبعد الثقافي، فهما لا يفترقان. ثم أبرزت عبد الكافي أن مخاطبة الطفل في هذه المراحل كلها تحتاج إلى مزيد من المعرفة لتعقد هذه المخاطبة، وأشارت إلى ضرورة تكامل التربوي والثقافي في مرحلة ما قبل المدرسة.

 

وقد كان بحث مارغو ملاتجليان (الأردن) من البحوث الهامة التي تقصت الكتابة لأطفال مرحلة الطفولة المبكرة، واتجه تقصيها إلى استشراف مستقبلي استناداً إلى معرفة الخصائص النمائية والاحتياجات السيكولوجية المرتبطة بعلاقته مع نفسه، ومع بيئته، ومع خصائصه الاجتماعية والإنسانية في ارتباطها بخصوصية الثقافة العربية الإسلامية، وهي في مجملها قيم إنسانية، وفي مراعاتها للتطور السريع في عصرنا، مما يتطلب منا أن نعد طفلنا لمواكبة استحقاقات المرحلة القادمة المعلوماتية والمعرفية وتسليحه بالثقة والقدرة على التفاعل مع معطيات القرن القادم.

 

وقد أجابت مارغو ملاتجليان على أسئلة الاشتراطات التربوية وعلائقها الثقافية من خلال التجربة الأردنية للأطفال، ومن خلال تجربتها بالذات في الكتابة لأطفال المرحلة المبكرة، في المسرح والتلفزيون والكتب المصورة. وتوجز رأيها بالتركيز على الاستشراف المستقبلي لكتاب طفل مرحلة ما قبل المدرسة، عبر توظيف فلسفة اللغة الكلية التي تدعو الطفل إلى عادات القراءة منذ الولادة، في تأطير الكتاب كتجربة كلية تغني اللغة، وتنمي الخبرة في جعله قارئاً جيداً. وختمت ملاتجليان بحثها بتوصيات مفيدة لتحسين طرق تعلم القراءة والكتابة لأطفال المرحلة المبكرة.

 

وسعى في هذا الاتجاه نفسه غازي شقرون (تونس) في بحثه «مقاربة تربوية ثقافية إلى الأطفال في مرحلة ما قبل الدراسة»، واستند مثل ملاتجليان إلى تجربته في هذا الميدان، فله إسهامه الملحوظ في تقديم نموذج تربوي-ثقافي يرتكز على علاقة إيجابية بين المكتوب وبقية وسائط الثقافة والإعلام الأخرى.

 

ووجد شقرون أن الإجابة على أسئلة النموذج المطلوب يمكن أن تأخذ شكلاً إجرائياً عند النظر إلى إنتاجات المختصين بالأطفال بصفة خاصة، وبمعنى آخر توظيف معرفة المثقفين للأطفال بخصائص نمو شخصياتهم في مختلف أبعادها، حتى يساهموا في صقلها، لا بالتركيز على المكتوب فقط، نتيجة قدسيته التاريخية وأهميته في النجاح الدراسي، بل بالدمج بين مختلف أشكال التعبير والتواصل الحركي والشفوي والرمزي والاعتباطي، باعتبارها مؤشرات سلوكية لنفس بنية شخصية الطفل، فالمسألة ليست في الإكثار من الكتابة إلى الأطفال أدبياً وصحفياً أو إذاعياً أو تلفزيونياً أو سينمائياً، أو مدرسياً، بل في اقتراح إنتاجات حسب نموذج تربوي-ثقافي متدرج بتدرج قدرات الأطفال الحركية واللغوية والخطية والرمزية. وبيّن شقرون ذلك في نموذج مقترح متدرج من الناحية النفسية والتربوية، بالنظر إلى الأنشطة المميزة لمرحلة ما قبل المدرسة، وهي اللعب واللغة والرسم.

 

وخصّ عبد الحميد عبد الواحد (تونس) بحثه «المستحدثات المعاصرة وقاموس الطفل العربي» بإشكالية تربوية-ثقافية محددة هي إشكالية اللغة، وعالج هذه الإشكالية تحت وطأة تيار المستحدثات التي تفد علينا من البلدان المصنعة، مما يجعل الطفل العربي أمام كم هائل من المعلومات والمعارف الجديدة. ويظهر هذا الرصيد المعلوماتي أو المعرفي على شاكلة موسوعات علمية تقدم للطفل بأشكال جميلة جذابة، غير أن هذه الموسوعات، على أهميتها، تعد غير كافية وحدها، اذ هي بحاجة إلى موسوعات لغوية توازيها، أي إلى قواميس من شأنها أن تحقق التكامل المنشود بين التصورات المعرفية من جهة، واللغة من جهة أخرى.

 

وقد لاحظ عبد الواحد أن طفلنا العربي بحاجة ملحة إلى قاموس عربي يلبي حاجاته المعرفية اللغوية، وعزا غياب هذا القاموس إلى ضعف الاهتمام بوضع مثل هذا القاموس، وإلى عدم تلبية القواميس الحالية لحاجات الطفل، لأن القواميس الحالية موجهة بالأساس إلى الكبار أو الراشدين أولاً، ولأن المادة اللغوية التي تتضمنها هذه القواميس بحاجة لإعادة نظر كونها لا تواكب المعطيات اللغوية الراهنة ثانياً، ولأن ترتيب المادة اللغوية في هذه القواميس لا تسعف الطفل في العثور على ما يريد ثالثاً. إن بحث عبد الواحد، كما هو واضح، دعوة صريحة لوضع قاموس عربي موجه للطفل من أجل تحقيق التكامل المنشود بين الحقل المعرفي والحقل اللغوي، وهو ما تفتقر إليه المكتبة العربية.

 

وربما كان بحث عبدالقادر بن الشيخ (تونس) المعنون «الكتابة إلى الأطفال وأرضية البديل: مستوى التسؤلات»هو الأكثر إيجازاً للإشكاليات الناجمة عن المقاربة النظرية لأدب الأطفال في جهود الباحثين العرب في هذا الميدان: فثمة إشكاليات ضاغطة علينا جميعاً لخصها في التساؤلات التالية: «كيف نمارس، أو ننتج توظيف الكتابة إلى الطفل؟ إلى أي تمثلات تخضع؟ هل يتم تداول مصطلح أدب الطفل عن تصور يستمد أسسه من المحصول المعرفي المتحدد، ومن التاريخ الاجتماعي بمفهومه الديناميكي؟ هل يعكس المكتوب المنشود تحولاً على مستوى مفهوم الطفولة والكتابة إلى الطفل في المجتمع العربي؟ كيف يتعايش الأطفال بمختلف مستوياتهم الاجتماعية مع ما تعرضه المكتبات التجارية والعمومية؟ أي وظيفة، أي إسهام غدا للمضامين الثقافية والأدبية خاصة في اكتساب رأس المال الثقافي الذي ينتج الكفاءة الثقافية، وبالتالي، الكفاءات المدرسية في مجتمع لا يتحرك أفراده في الفضاء الاجتماعي؟

 

ورأى ابن الشيخ أن مضمون الإجابة، وهو الكفيل بإنارة السبيل لتحديد ملامح الغد، يتجاوز المجهود الفردي، وهو يفرض قراءات متعددة الاختصاصات، ومثل هذه المقاربات، بتقديره، ما تزال مشروعاً، على المستوى القومي، لم يدخل بعد حيز الإنجاز، وهذا موقف آخر من صمت العلوم الاجتماعية والإنسانية العربية.

 

وتوقف بن الشيخ عند مؤشرات أزمة الكتابة للأطفال، وأوجزها فيما يلي:

أولاً: إن الإنتاج الثقافي النشور الموجه للطفل يكاد ينحصر في نمطين من المكتوب، المدرس والأدبي المحصور غالباً في القصص الخرافي، خاصة، والذي يكاد يواكب كل مراحل نمو الطفل بحصر القراءة-المطالعة في فضاءات نصية، كثيرها يكرر نفسه كتابة ونشراً، وقليل منها يتصف بتنوع الأجناس الأدبية، أو بالمسحة الإبداعية التي تعكس جهداً تفرضه صناعة النص، ومثل هذا الجهد تفتقر إليه سوق الكتابة التي طغت عليها نزعة الارتزاق والكسب الرخيص أحياناً.

ثانياً: إن صورة الطفل كما يتمثلها الكهول من خلال الخطاب الأدبي صورة مجردة تقدم تارة طفلاً نموذجياً، هو أقرب إلى الكهولة منه إلى الطفولة ومجابهة المعرفة الذاتية وإثراء الخيال. وهكذا، يتحرك الأطفال في فضاءات بلا جذور اجتماعية أو خصوصيات ثقافية.

 

ثالثاً: إن المجتمع المتمثل "تقليدي" العلاقات العائلية، والتركيبة الاجتماعية غالباً ما يطغى عليه تصور بنية ثنائية: الفقير والغني، الخير والشر، مع تغطية التناقضات الأساسية، وعلى مستوى تمثل الأدوار الاجتماعية، فإن صورة المرأة لا تعكس التحولات التي طرأت على المجتمع العربي المعاصر. ثم أن النماذج العلائقية مثالية لا تعكس التناقضات، أو ما يطرحه الواقع اليومي العربي من قضايا يتعايش معها الأطفال.

 

رابعاً: إن المكتوب يتصف بالانغلاق والكتابة المصورة في المظاهر التي توهم بمقاربة حاجات الأطفال حسب مستوياتهم الاجتماعية النفسية وخصوصياتهم الثقافية والسلوكية.

 

وعاين عبد القادر بن الشيخ بعد ذلك التحولات الجذرية لتلمس مؤشرات لمستقبل أدب الأطفال، أبرزها تلك العلاقة الجديدة المتولدة بالثقافة والإعلام، متعددة المستويات والمصادر والمضامين، علاقة متفاوتة المفعول سلباً أو إيجاباً، تختلف على المستوى الاجتماعي ظروف توظيفها واستثمارها تربوياً وثقافياً.

تلكم أهم المقاربات النظرية لأدب الأطفال في بحوث مؤتمري القاهرة وتونس، ومما لاشك فيه أنها تمحورت حول الإشكالية الرئيسة: حدود التربوي وحدود الثقافي في الكتابة للأطفال. وثمة بحوث كثيرة أثارت أسئلة، وقدمت أجوبة للإشكاليات المتولدة عن هذه الإشكالية الرئيسة تحت هيمنة الإعلام والمعلومات، وما تورثه من ضغوط قاسية لا يستهان بها غيرت الكثير من اعتبارات الكتابة للأطفال.

 

3ـ التجارب العربية ومشكلاتها التربوية والواقعية:

حظيت المشكلات التربوية والواقعية باهتمام غالبية الباحثين، فثمة توكيد مستمر على الحدود التربوية للكتابة للأطفال، مما لا يراعى في مخاطبة الأطفال، فيورث مشكلات كثيرة. وأعرض في هذا الحيز لبعض التقارير عن واقع أدب الأطفال، وعن تجارب الكتابة للطفل العربي، ثم توقف عند قضيتين أساسيتين هما علاقة التعليم والإعلام والثقافة بأدب الأطفال، ومكتبات الأطفال.

عرضت تقارير متعددة شفهية عن واقع الكتابة للأطفال في الكويت (كافية رمضان) واليمن والأردن (روضة الهدهد) وسورية (عبد الله أبوهيف)، بينما قدم بحثان عن هذا الواقع في السعودية (ممثلان من الجمعية العربية السعودية لثقافة الطفل) والسودان (فاطمة موسى). ولاشك أن التقارير المقدمة، الشفهية والمكتوبة، متقاربة متشابهة، في ذكر الإنجازات والصعوبات، وإن تباينت في تقصيها لجوانب الكتابة للأطفال في هذا القطر العربي أو ذاك.

 

وهي، على العموم، غير كافية، سواء في إحاطتها لعرض تاريخ الكتابة للأطفال، أو تطور أجناسها ووسائلها، أو التعريف بمؤسساتها، أو إيراد التشريعات ذات الصلة، أو ذكر الإحصاءات، أو التعريف بالعاملين في ميادينها، ويحتاج ذلك إلى مؤتمر خاص لتدعيم الجهود العربية لتطوير الكتابة للأطفال، والتكامل بين خبراتها وتجاربها، وتشجيع التبادل العربي فيما بينها، وهو تطلع يكاد يكون مفتقداً في العمل الثقافي العربي المشترك. إن ثمة جهوداً كثيرة مبذولة في بعض الأقطار العربية في هذا المسعى، ولكنها لا تسعف أهداف التنمية الثقافية المنشودة، لإيماننا العميق بوحدة الثقافة العربية، ولإيماننا العميق بحاجتها إلى التكامل القومي الذي لابدّ منه لتحيق هذا التطلع بعد ذلك.

 

يوضح تقرير الجمعية العربية السعودية لثقافة الطفل العناية الكبيرة التي توليها مؤسسات الطفولة وسواها للكتابة للأطفال، فيعرف التقرير بالجهات التي ترعى أدب الطفل، ولاسيما وزارة المعارف، ورئاسة تعليم البنات، ووزارة العمل والشؤون الاجتماعية، والقطاع العسكري، ووزارة الإعلام، والجامعات السعودية، والرئاسة العامة لرعاية الشباب، والجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون، والأندية الأدبية والثقافة، والأندية الرياضية، والقطاع الصحفي والأهلي، والجمعيات الخيرية. وتتجه العناية لدى هذه المؤسسات إلى جهود الكتابة للطفل في الكتب بالدرجة الأولى، وهذا نموذج لتجربة جامعة الأمام محمد بن سعود الإسلامية، فقد أصدرت الإدارة العامة للثقافة والنشر بها عدداً من السلاسل الموجهة للناشئة، ولمن يقومون بالتأليف لهم، أو تدريسهم ورعايتهم، ومن هذه السلاسل سلسلة قصص إسلامية  للأطفال، وصدر منها ما يزيد على خمسين قصة حتى الآن، وهي موجهة للأطفال من سن الخامسة، وحتى سن العاشرة، وسلسلة «ينابيع الثقافة»، وصدر منها ما يزيد على ثلاثين كتيباً، وهي موجهة لمن بلغ سن العاشرة، وحتى سن البلوغ، وسلسلة «بحوث تربوية»، وهي موجهة للمربين والكتاب، وكل من يتعامل تربوياً وثقافياً مع الناشئة، وقد عالجت المجموعة الكثير من الجوانب المتعلقة بتثقيف الطفل وأدبه، وكيفية إيصال المعلومات الصحيحة له.

 

وعرضت فاطمة موسى (السودان)، وهي رئيسة تحرير مجلة «الصبيان»، في تقريرها عن واقع أدب الأطفال في السودان، تاريخ الكتابة للأطفال، وتوقفت عند الإدارة التربوية التابعة لوزارة التربية والتعليم عام 1946، وكانت أصدرت مجلة «الصبيان» وعدداً من السلاسل المتنوعة، وعددها سبعة عشر سلسلة، وهي: سلسلة المكتبة الأهلية، سلسلة الأساطير، سلسلة الكشافة، سلسلة المسرحيات، سلسلة الحياة العلمية، سلسلة محو الأمية، سلسلة المصباح، سلسلة المشاهير، سلسلة بلادنا، سلسلة الحياة في الخارج، سلسلة الحياة اليومية، سلسلة الثقافة الدينية، سلسلة من أدبنا الشعبي، سلسلة جنوب الوطن، كتب الموضوعات. ثم عرضت للتعثر الذي أصاب هذه السلاسل في العقود اللاحقة، والمعاناة التي تواجهها الكتابة للأطفال على الرغم من جهود بعض المؤسسات التي عرفت بها، وهي الصفحات الأدبية للأطفال في الصحف والمجلات، ونشر الكتب في وزارة الثقافة، والهيئة القومية للثقافة والفنون، ودار جامعة الخرطوم للنشر، ودور برامج الأطفال. وختمت موسى تقريرها بتمنيات، أبداها آخرون أيضاً، وأوجزتها بأهمية إثراء التجربة السودانية بالمناقشات والمداولات، وأن تفيد وتستفيد من تجارب الدول الشقيقة.

 

وثمة تقارير خاصة بتحارب الكتابة للأطفال تحتفظ بأهمية قصوى في تعزيز الخبرات العربية في هذه الميادين، وأذكر منها «تجارب الكتابة للأطفال في الأردن: تعريف بالكتابات والكتاب» لروضة الهدهد (الأردن)، وسلسلة «الطفل يكتب للطفل» لبشير الهاشمي (تونس) و«الكتاب الشهري للطفل» لتغريد القدسي (الكويت)، و«حول تجربة الكتابة للأطفال في البحرين» لعبد القادر عقيل (البحرين). وهناك متسع للتجارب الشخصية، وفي هذا المجال قدم تقريران، الأول هو «الكتابة للأطفال: تجربة شخصية» لإبراهيم بشمي (البحرين) و«تجربتي مع الكتابة للأطفال» لسلوك العناني (مصر).

 

تحدث عبد القادر عقيل عن تجربة الكتابة للأطفال في البحرين من خلال تجربته الشخصية، وتتبع بإيجاز شديد التجريب الذي غلب على مختلف الاهتمامات، كما في كتاباته وكتابات خلف أحمد خلف وإبراهيم بشمي وعلي الشرقاوي وابراهيم سند وآخرين، غير أنها تجربة متعثرة، كما في هذه الإشارة إلى شغل إبراهيم بشمي، ويصفه بصاحب أكبر رصيد في إصدار كتب الأطفال في البحرين، ملحقاً خاصاً بالأطفال تحت اسم «بشار»، يوزع مع مجلة «بانوراما الخليج»  الشهرية. وكانت هذه التجربة أكثر تخطيطاً وقدرة على الاستمرار والثبات من تجربة مجلة «كتابي» التي أصدرها الشاعر علام عبد الله، وتوقفت بعد صدور ثلاثة إعداد نتيجة لمصاعب مالية وإدارية، إذ عهد بمسؤولية تحرير ملحق  «بشار» إلى خلف أحمد خلف «الذي بذل جهداً واضحاً في إنجاحها، والكلام لعقيل نفسه، إلا أن الظروف المادية حالت دون استمرار هذا المشروع الجميل» ولا يغفل عقيل في تقريره التنويه بأهمية اللعب في مجال رعاية الطفولة سبيلاً للحديث عن دور الحضانة والمدارس بوصفها مراكز ثقافة مهمة لتربية الطفل. ومن ذلك أيضاً إشارته إلى المكتبات المدرسية.

 

ثم يضيء إبراهيم بشمي، في شهادته عن تجربته الشخصية في الكتابة للأطفال، جوانب أخرى من تجربة الكتابة للأطفال في البحرين، لأنها تجربة متطورة على المستوى العربي، مما يؤكد النضج الفكري والفني والتربوي الذي وصلت إليه الكتابة للأطفال في هذا القطر، فقد كتب بشمي عشرات القصص الناجحة من منظورات تربوية وفنية جديرة بالاهتمام، ولاسيما تجنبه مباشرة السياسة والإيديولوجيا، كما في قوله «صحيح، ربما العودة إلى هذا الجانب، كان يحفظ التوازن، ما بين متغيرات السياسة، وانتكاسات السياسة، وربما السياسة ولغة السياسة. وما بين تلك الحكايات التي تقودك، وهكذا بشكل غير مباشر، بشكل عفوي، في متاهات، ومزالق الدنيا، تعرفك على أن الحياة ، ليست سياسة فقط، بل ربما في جانب آخر تريك بأن كل ما في هذه الدنيا، هو سياسة، ولكن بمصطلحات وتعابير أخرى، مثل البطل الفقير، وابنة السلطان، أو الصداقة والخيانة، أو الموت والحياة، أو التاجر الذي افتقر، أو الفقير الذي اغتنى، أو طلب المستحيل، أو المخاطر، أو الصراع مع الآخر، أو تحدي الإنسان لخوارق الطبيعة، وما وراء الطبيعة... أو.. أو.».

 

ولعلنا نعرض بالنقد للتجارب العربية الأخرى، وهي تجارب متميزة من شأنها أن تطور الكتابة للأطفال. حمل بحث تغريد محمد القدسي عنوان «الكتاب الشهري للطفل: مساهمة فاعلة في حقل الكتابة الحديثة للطفل العربي»، وقد أوضحت فيه خصائص الأدب الذي يمكن أن يقرأه الأطفال، والحاجات التي يلبيها لمتلقيه، مثل الحاجة للأمان الاجتماعي، والحاجة للحب، والحاجة للانتماء والقبول، والحاجة للإنجاز، والحاجة للتغيير، والحاجة للمعرفة، والحاجة للجمال والنظام. ونظرت إلى مشروع الكتاب الشهري للطفل من زاوية هذه الخصائص والحاجات، فذكرت أهداف المشروع، وهي جميعها تلتقي حول «تنمية أدب الأطفال في الوطن العربي، واستقطاب المواهب الفتية والشابة والمبدعة في حقل الكتابة والرسوم للأطفال» كما نص عليها إعلان المشروع. وهكذا، كان مشروع الكتاب تجربة في إشباع الحاجات، وعالجت الكتب العشرين الصادرة في «محاولة لتقصي ما هي الحاجات التي خاطبتها هذه العناوين». ثم ناقشت التحديات والإشكاليات التي واجهت المشروع، بروح نقدية، دعوة إلى مجاوزتها. ولعلنا نلاحظ أنها تكاد تكون عامة في التجارب العربية الأخرى، وهي:

1ـغالباً ما تجيء النصوص بأقل من المستوى المطلوب للأطفال والناشئة، ولذا فإن عملية إعادة تشكيل النص مضنية. من جهة أخرى تصل نصوص مكتوبة بلغة جداً قوية وجميلة، وتكون عملية تبسيطها والمحافظة على مستواها مضنية كذلك، وتمثل تحدياً من نوع آخر.

 

2ـدورة إنتاج الكتب طويلة ومع إمكانيات الجمعية الكويتية لتقدم الطفولة العربية المحدودة كجمعية نفع عام، فإن عملية إصدار الأربعين عنواناً المتبقية قد تأخذ ما لا يقل عن ست سنوات أخرى، آخذا بعين الاعتبار الارتفاع المستمر بأسعار الكتب وتكاليف النشر من طباعة وورق وغيره.

3ـالوصول بهذه الكتب لقطاع أكبر من الأطفال في الكويت والخليج والعالم العربي يتطلب حشداً كبيراً باتجاه التوزيع وإنتاج هذه الكتب بطبعات خاصة للدول غير الميسورة وكما سبق الذكر، فإن ذلك، وعلى المستوى العملي، يتطلب عملية أكبر من مقدورات جمعية نفع عام.

4ـالإعلام عن هذه الكتب وتوزيعها هو بحد ذاته تحد كبير. إمكانياتنا كجمعية نفع عام محدودة، نحن بحاجة لمساعدة كل المهتمين في هذا الموضوع بالإعلام عن الكتب، بتوزيعها، بتقييمها ومراجعتها، وذلك لنستطيع أن نحسن فيها باستمرار.

 

5ـعدم وجود استراتيجية على المدى البعيد تضمن لهذا الأدب القيام بوظائفه التربوية والتثقيفية والترفيهية على مستوى العالم العربي ككل، وتضمن له حضوراً على المستوى الدولي يمكن من التفاعل مع الحضارات الأخرى وإغناءها. ولاشك أن ذلك يتطلب على المستوى العربي العمل على تحقيق إنتاج مشترك يجند الطاقات الفكرية والمادية، ويحقق اتساعاً ما أحوج سوق أدب الطفل العربي إليه.

6ـضرورة الاهتمام بتقديم التراث العربي لأطفال العرب بأسلوب مستقبلي عصري يقربه من الأجيال الصاعدة ومعطيات حياتهم الحديثة، ويربطهم بهويتهم الثقافية، كما يغني وجدانهم الحضاري.

 

وتحدث بشير الهاشمي عن تجربة رائدة ومتميزة في تونس، هي سلسلة «الطفل يكتب للطفل»، التي أشرف عليها تربوياً كمتفقد، تثميراً للوظيفة الثقافية للمدرسة، وقد عرف السلسلة بأنها تجربة مدرسية تتجه إلى إنتاج قصص بأقلام متعلمين في درجات من التعليم الأساسي، وترعاها مدارس ابتدائية بالطبع والنشر. انبعثت التجربة خلال العام الدراسي 93-1994، أي أنها تعيش سنتها الرابعة، وقد حضر مؤتمر تونس عدد من الأطفال الذين كتبوا قصصاً وشعراً. وكان أوجز المنطلقات النظرية للتجربة في النقاط التالية:

ـما أروع أن يكتب الطفل للطفل. إن الصبي عن الصبي ألقن، وهو عنه آخذ، وبه آنس وأدعى للتعليم.

ـما أروع أن يمارس أطفالنا التخيل المنتج، كقوة تتصرف في الصورة الذهنية بالترتيب والتحليل والزيادة والنقص.

ـما أروع أن تنشأ في ذوات الأطفال دافعية حقيقية مادتها اهتمام شديد بنشاط إنتاجي! فهو مشروعهم الذي يعبئون له تلقائياً طاقاتهم، ومن خلاله يحبون المدرسة والتعليم والعمل إجمالاً.

 

ـما أروع أن ينخرط الأطفال في إنجاز حقيقي يمرون فيه بمحطات واقعية، تصميم المشروع، إنتاج القصة، طبع الكتاب، ترويج البضاعة. إنها الطريقة التي تحرر العمل المدرسي من خناق المجانية، وترقى به إلى رحاب الوظيفية.

ـما أروع أن يساهم عمل جليل كهذا في قطع خطوة نحو مدرسة الغد.

صحيح، أن التجربة تساهم في تطوير التربية المدرسية بمحيطها، غير أننا لا ينبغي أن ننظر إلى كتابة الأطفال للأطفال على أنها أكثر من تدريب تربوي وثقافي لتلقي التعليم ولتمكين الشخصية من فضاءاتها.

 

بينما آثرت سلوى العاني في شهادتها عن تجربتها مع الكتابة للأطفال، ومن خلال «كتابة العمود الصحفي»، الذي يتعامل مع رسائل القراء الأطفال ويجيب عليها، وقد رأت في هذا العمود واقع الطفل العربي المعاصر؛ للتعرف على استجاباتهم وأفكارهم. وتفيد النتائج المستخلصة من هذه التجربة أهمية استقرائها نحو تعزيز مكانة صحافة الأطفال على وجه الخصوص، وتمكين الأطفال من مقدرة التعبير لديهم عن قضايا الحياة على وجه العموم.

ويندرج الحديث عن مكتبات الأطفال، أو قضية علاقة التعليم والإعلام والثقافة بأدب الأطفال في عمليات التعرف إلى واقع الكتابة للأطفال، وما تثيره من مشكلات تربوية وواقعية. وقد عرضت سهير أحمد محفوظ (مصر) نماذج لآداب ومكتبات الأطفال لسن ما قبل المدرسة وطرائق العمل فيها، توصيفاً للكتب التي تناسبهم، وتحديداً لأنواعها مدعمة ببعض النماذج العربية المؤلفة أو المترجمة، وببعض نماذج خدمات المكتبات العامة للطفل في هذه المرحلة، ومدعمة بذكر بعض المكتبات العامة التي تهتم بتخصيص مكان لأطفال هذه المرحلة مثل مكتبة الأطفال النموذجية بالروضة، ومكتبة مبارك العامة، ومكتبة القاهرة الكبرى، ومكتبة طلعت حرب.

بينما اعتنت سنية صالح بمكتبات الرعاية المتكاملة ودورها في النهوض بثقافة الطفل، وهي تجربة لجأت إليها مصر، مترافقة مع مهرجان القراءة للجميع، ومكتبة الأسرة، والمسابقات الثقافية للأطفال مما تقيمه المكتبات العامة للطفل، والأهم في هذا المجال انتظام هذا النشاط في عمل جمعية الرعاية المتكاملة، ولاشك أن هذه التجربة مفيدة في تنمية ثقافة الطفل العربي، فهذه هي المرة الأولى التي تتوسع فيها شبكة مكتبات الأطفال، استناداً إلى تشريعات ثابتة، وقد رفدتها مشروعات التأليف والنشر.

وعولجت في إطار علاقة التعليم والإعلام والثقافة بأدب الأطفال ثلاثة بحوث لأحمد نجيب (مصر)، وأسماء إبراهيم أبو طالب (مصر) وعبدالله أبوهيف (سورية) نوهت جميعها بأهمية تكامل هذه المؤسسات والأجهزة، وترشيد استعمالها، تخطيطاً ينفع في درء مخاطر تغليب الإعلام على الثقافة؛ وإلغاء للفجوة بين التعليم وهذه الأجهزة المهيمنة على تكوين العقول، ودعوة لتثمير إسهام التربية في التنمية الثقافية، وفي تعضيد اتجاهات التربية الثقافية.

لقد عولجت تقارير وبحوث كثيرة عن واقع الكتابة للأطفال وتجاربها في أكثر من قطر عربي، ولاحظنا أنها في غالبيتها تعاني من عدم الانتظام أو الانقطاع في ترسيخ تقاليد مخاطبة الأطفال، مما يؤدي إلى مشكلات تربوية وواقعية في سبيلها إلى التفاقم، ما لم تسترشد بآفاق التكامل الثقافي العربي الذي يتيح للتنمية الثقافية بعامة، وتنمية الكتابة للطفل العربي بخاصة، سندها المكين في شروط واستحقاقات كثيرة مرهونة بالتنمية القومية الشاملة.

 

4ـ شعر الأطفال:

لا يجد شعر الأطفال على وجه العموم العناية اللائقة به بين باحثي أدب الأطفال ومنظريه ومبدعيه، تنظيراً أو في مجال الدراسات والبحوث التطبيقية على أهميته الفائقة في بناء شخصية الطفل، بل لعله الجنس الأدبي الأرقى والأسمى لفعاليته الثقافية الأعمق ذوقياً ووجدانياً، وتهذيباً، ونماء للمشاعر الدفينة والحميمة الأبقى، رحمة ونبلاً وقوة وكرامة وصفاء، وسواها من القيم الإنسانية التي تصلب الذات الإنسانية في مواجهة ما يشينها من مخاطر العنف والانحراف والضعف والقسوة.

ثمة بحوث قليلة عن شعر الأطفال في المكتبة العربية، كان أولها مجموعة البحوث التي ألقيت في ندوة أقامتها الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 1988، وطبعت في كتاب في العام التالي، حمل عنوان «الشعر للأطفال» (1989). ثم عني عبدالرزاق جعفر (سورية) بشعر الأطفال، في كتابيه «أسطورة الأطفال الشعراء» (1992)، و«الطفل والشعر» (1992). ونشر أحمد كنعان (سورية) كتابين في الموضوع نفسه من منظور قيمي تربوي، هما: «الطفولة في الشعر العربي والعالمي مع نماذج شعرية لأطفال شعراء» (1995)، و«شعر الأطفال في سورية» (1996). وأصدر أحمد فضل شبلول (مصر) كتاباً متميزاً في بابه هو «جماليات النص الشعري للأطفال» (1996). وهذه حصيلة ضعيفة بالقياس إلى عشرات الكتب المعنية بقصص الأطفال ومسرحياتهم وأدبهم بعامة، ويتناسب هذا الاهتمام باضطراد مع اهتمام الباحثين بأدب الأطفال في هذين المؤتمرين، إذ اقتصرت البحوث المعنية بشعر الأطفال على أربعة، هي:

- «شعر الأطفال» لعبدالمنعم عواد يوسف (مصر).

- «المسرح الشعري للأطفال بين الأصالة والمعاصرة» لأحمد سويلم (مصر).

- «أزمنة الشعر المكتوب للأطفال في تونس» لمحمد البدوي (تونس).

- «قصيدة الطفل: رؤية مستقبلية» (العراق).

التفت عبدالمنعم عواد يوسف عن تعريف «شعر الأطفال»، ليفرق مثل كثيرين سبقوه بين مفهومي «الشعر عن الأطفال»، و«الشعر للأطفال»، واستعرض جهود الرواد في كتابة الشعر للأطفال، وهم محمد عثمان جلال وأحمد شوقي وعبدالله فريج ومحمد الهراوي وكامل كيلاني وإبراهيم العرب وجبران النحاس والصاوي شعلان وعلي عبدالعظيم ومعروف الرصافي ومحمود غنيم وعادل الغضبان ومحمود أبوالوفا ومصطفى صادق الرافعي وغيرهم، وأشار إلى جهود نشر بعض أعمال هؤلاء الرواد. وذكر شيئاً عن الاهتمام العربي المتأخر بشعر الأطفال إبداعاً ودراسة، وختم بحثه بالشروط الفنية الواجب تحققها في شعر الأطفال، وهي:

أولاً: أهمية أن يكون الموضوع داخلاً في اهتمامات الطفل، ملبياً لحاجة من حاجاته النفسية والمعرفية.

ثانياً: أن تكون المفردات اللغوية المستخدمة ضمن المعجم الخاص للطفل وفق العمر العقلي لمن نتوجه إليه بالكتابة مع بساطة التراكيب ورشاقتها.

ثالثاً: أن تكون الصور الفنية في حدود إدراك الطفل واضحة المعالم، بعيدة عن التداخل والتعقيد.

رابعاً: أن تستخدم في الصياغة الموسيقية الأوزان البسيطة بحيث يحتوي شطر البيت على تفعيلة صافية أو تفعيلتين على الأكثر.

ويلاحظ أن هذه الشروط سبق ووردت في تقديم الشاعر يوسف لمجموعة هيثم يحيى الخواجة للأطفال «درب القمة»، وهذه الشروط من متواتر القول الشائع، وقد جاوزتها الكتابات النظرية حول أدب الأطفال في العقد الأخير.

 

وعني أحمد سويلم، وهو باحث في أدب الأطفال وشاعر وممن كتبوا الشعر والمسرحية الشعرية للأطفال، بالمسرح الشعري للأطفال، ووضع مقدمات وجيزة أقرب إلى الإشارات، عن الشعر والمسرح، و الدراما والطفل، والطفل والشعر، والشعري، وألمح إلى تجارب ريادية لمحمد الهراوي وأحمد شوقي وسليمان العيسى وحسيب كيالي وخليل خوري وإبراهيم شعراوي وسمير عبدالباقي وعبدالرزاق عبدالواحد وفاروق سلوم وفاروق يوسف. وتوقف عند تجاربه في كتابة المسرح الشعري للأطفال، وقد استرشدت بالأهداف التالية:

1. أن تسدّ هذه المسرحيات نقصاً في مكتبة الطفل العربي، وتضيف هذا اللون الذي تأخر وجوده كثيراً، فهي مسرحيات شعرية باللغة العربية الفصحى.

2. أن تستمد مادتها، من حكايات التراث العربي العريق، فيمحاولة لكسر حصار القوالب الجاهزة المترجمة، وربط الطفل العربي بماضيه وكنوزه الثمينة بعد أن تغرب عنه طويلاً.

3. تتخد هذه المسرحيات أسلوب اللغة الفصحى المبسطة والقريبة من وجدان الطفل.

4. أن يكون الشعر في هذه المسرحيات مبسطاً، يعتمد على إيقاعات متكررة (الشعر الحديث) في سياق الحوار بين أبطال العمل، ومطعماً بالأغاني التي تلتزم مجزوءات البحور وتغيير القوافي، كسراً للملل، ووصولاً إلى وجدان الصغير، وهذا أيضاً من شأنه أن يخدم حاسة الطفل الفنية.

5. أن تتميز الموسيقى والألحان بالإيقاعات البسيطة غير المعقدة، والتي يسهل للطفل ترديدها أو الترقيص عليها دون صعوبة، مما يمتع الوجدان، ويجعل الطفل كائناً متذوقاً، يشعر بالجمال، ويعيش عوالمه المجنحة.

6. تعتمد المسرحيات على وجود رواية مع الأطفال يربط بين الأحداث، تقريباً من أدوار الأب أو أم أو الجد أو الجدة.

7. تهدف المسرحيات إلى تعريف الطفل بخصائص فن المسرح وإمكاناته الفنية.

8. المسرحيات تتيح الفرصة كاملة لأن يؤديها الأطفال فقط، أو يشترك معهم الكبار، أو يؤديها الكبار فقط.

9. تهدف المسرحيات كذلك إلى إحياء المسرح المدرسي، على أسس جديدة تجمع بين الشخصية العربية والفن الجميل، ولا يتجاوز مدة عرض المسرحية عن 45 دقيقة في المتوسط.

وأورد سويلم في ختام بحثه عوامل نجاح المسرح الشعري للأطفال في حديثه عن مستقبل هذا المسرح، و هي:

1. الاستفادة من إمكانات الفنون الأخرى، والوسائط الثقافية المختلفة فوق خشبة المسرح.

2. اختيار المضمون أو القصة المحببة القابلة للمسرحة فوق خشبة المسرح، أي أن يكون لها حبكة قصصية.

3. مراعاة مستوى اللغة والشعر في المسرحية، ولأي مرحلة من العمر يقدم هذا المستوى.

4. الإبهار عن طريق عناصر المسرح الفنية من غير مبالغة أو إسفاف.

5. مراعاة الإيهام المسرحي والخيال وجذب تعاطف الأطفال حتى تحقق الاستفادة المنشودة.

6. العمل على تنمية الطفل عقلياً وجمالياً وعاطفياً ولغوياً.

7. الاهتمام بالتراث والواقع بحيث لا يُغير أحدهما على الآخر.

8. البساطة في العرض مع مراعاة منح مساحة نفسية للتخيل والاندماج.

9. استخدام وسائل الجذب المتعددة في العرض (العرائس ـ تمثيل الكبار ـ تمثيل الصغار ـ الجمع بين الكبار والصغار) بما يتناسب مع النص المسرحي وأهدافه.

10. الابتعاد عن المواعظ والأسلوب الخطابي الذي ينأى بالأطفال عن المتعة والتأمل.

وكانت دراسة محمد البدوي، وهو ناقد وأستاذ جامعي، تطبيقية تأملية في أزمة الشعر المكتوب لأطفال في تونس، حرص في مقدمتها على الانطلاقة من المدونة المنشورة في الكتب والمجلات، ومن دراسة ميدانية للنظر فيما بقي في ذاكرة مجموعة كبيرة أو صغيرة من الأطفال مما طالعوه، أو حفظوه، أو درسوه من قصائد ومقطوعات شعرية، وقد كان عدد الأطفال محدوداً في مستوى السنة السادسة من التعليم الأساسي. ورأى البدوي تفاوتاً كبيراً بين كتابة الشعر والنثر، وعزا ذلك لأسباب عديدة منها غياب تقاليد كتابة شعرية لأطفال في الأدب العربي، وعزوف أشهر الشعراء في تونس على الكتابة للأطفال، ولاحظ في هذا المجال أن شاعراً مبرزاً مثل محمد الغزي كتب قصصاً للأطفال، ولم يكتب لهم شعراً.

 

وأشار البدوي إلى صعوبات تتعلق بالمدونة الشعرية للأطفال في تونس على صغر حجمها، وهي غياب الفهرس السنوي للمطبوع، ونفاذ بعض العناوين وعدم تجديد الطبع، وغياب قسم في المكتبة الوطنية أو في المكتبات الجامعية يختص بأدب الأطفال، والنشر العشوائي، فثمة مطبوعات لا تحمل أية إشارة إلى ناشر أو مطبعة أو تاريخ، والعثور عليها قائم على المصادفة.

ثم نظر في المضامين والأشكال والأساليب، ورأى أ، المضامين متصلة بالطبيعة والعائلة والمدرسة والوطن، رافدة للمنهاج المدرسي، ولأن غالبية الشعراء من المربين، وكادت المجموعات الشعرية تلتقي عند غرض الطبيعة بالدرجة الأولى، ولاسيما الفصول والأشجار والأزهار والحيوانات والطيور. ومثلت المدرسة غرضاً شعرياً هاماً، وتلتها أهمية العائلة سعياً إلى ترسيخ قيم دينية و أخلاقية تقوم على تقديس العائلة والروابط العائلية: وكان غرض الوطن من الأغراض الأكثر شيوعاً على أقلام الشعراء، وقد عد البدوي قصائد الطبيعة والمدرسة والعائلة روافد تغذي هذا الغرض، وتلتقي معه عديد من المعاني والصور، فالطبيعة طبيعة البلاد.. وهكذا.

 

وخلص البدوي في بحثه إلى مجموعة من الأساليب والأشكال الشعرية، نوجزها فيما يلي:

1. أخذ الشعراء في حسابهم قدرة الشعراء، فكتبوا قصائدهم على بحور جاءت في الغالب مجزوءة أو مشطورة في إيقاع راقص.

2. ارتباط عدد من الأغراض الشعرية بالطفل (العائلة والوطن والطبيعة) جعل بعض الشراء يتوهمون أن ما يكتبونه في هذا الموضوع صالح للأطفال، ولا يترددون في توظيف مواهبهم لتقديم نصوص راقية يفوق مستواها مستوى الأطفال لكثره المجاز والاستعارات.

 

3. بعض الشعراء لم يأخذوا في حسابهم الجانب العروضي المناسب للأطفال، فصاغوا قصائدهم على بحور رضية كاملة مثل الطويل والبسيط والكامل والمجتث.

4. حضر غريب اللفظ في كثير من النصوص الشعرية.

 

5. عزوف أبرز الشعراء عن الكتابة للأطفال، وبعض الذين كتبوا كانت أعمالهم أقرب في النظم، وليس لهم تجارب أخرى خارج الكتابة للأطفال.

6. غياب النقد الذي من شأنه أن يوجه الشاعر، ويجعله يدرك مواطن الإبداع وغيرها.

7. شدة الارتباط بين القصائد وبرامج التعليم الأساسي الأمر الذي جعل النصوص جهازاً بيداغوجيا (تربوياً) مكملاً، فكانت القصائد متشابهة إلى حد بعيد، مما يشجع البعض على اجترار المعاني والصور نفسها.

8. غياب تقاليد كتابة شعرية للأطفال.

9. غياب تجارب شعرية تكون من الأطفال وإليهم. ومن شأن هذه التجارب إذا تم احتضانها أن تفرز لنا مواهب يعبّر من خلالها الطفل عن مشاغله ومشاغل جيله، وربما تساهم هذه التجارب في بلورة شعر جديد يساعد على مجاوزة الأزمة، لأنه شعر الأطفال بحق وشعر المستقبل.

 

غير أن بحث فاروق سلوم «قصيدة الطفل: رؤية مستقبلية» أثار تساؤلات حول مستقبل شعر الأطفال. بما هي مخاطر وتحديات، وانطلق في مقدمة بحثه من إقرار انتمائه إلى مجتمع مضطرب، بينما لا تكتمل رؤية الغد إلا عندما يكون هناك مجتمع ينطوي على النظام القائم على الثوابت. ولاحظ أن قصيدة الطفل ولدت محكومة بقوانين شعرية تابعة أقامها الشعراء العرب الذين أسهموا في وضع قواعد المناهج التربوية قبل ستة عقود من الزمان.

 

وأورد سلوم بعض التأملات في تجارب الرواد وبحوث شعر الأطفال التي غلبت عليها جميعاً الاعتبارات التربوية دون عناية كافية بالشروط والاعتبارات الفنية، ناهيك عن الصوغ المتغرب، و عماده «العموميات والأخطار الكبيرة والمجردات التي يشعر إزاءها الطفل بالعجز، وماعدا استثناءات محدودة، فإن الشعر الذي قدمه الرواد، ومن جايلهم، لم يكن غير ذلك التحدي الهائل بإزاء العالم، و الذي يشعرنا حقاً بالإحباط والقسر والمحور والتغريب».

ثم استهدف سلوم رؤية مختلفة للشعر مستقبلاً. «إن قصيدة الطفل بوصفها وسيطاً تعبيرياً، وليس وسيطاً امتثالياً، يفرض قوانينه، لابد أن ينطوي على عناصر المغايرة لما هو دارج من شعر اليوم، وخاصة في أواخر القرن الحالي: القصيدة الوصفية، والغنائية، وقصائد اللعب والصوتيات المعتمدة على اللغة التي لا معنى لها أبدا، أو ما يسمى Non science poems».

 

ويؤدي ذلك بتقديره إلى قصيدة الحاسوب المؤللة، «فلابد أن نعمم برنامجاً شعرياً ينطوي على قوانين كتابة القصيدة وتشكيلها ضمن طاقات الطفل على البرمجة وإعادة تصميم برامج حاسوبية، ونحن نعلم أن برامج خاصة بتعليم أنماط المهارات والخبرات سائدة اليوم»، إنها القصيدة الاتصالية التي تجعل الشعر قابلاً للتحليل وكشف الأبعاد وإعادة البناء، فهي قصيدة ممكنة الرسم، ومزودة بطاقات التوضيح المادي والإدراك الحسي، وقابلية تشكيلها من الطفل نفسه.

ومما يلاحظ على هذه البحوث أنها تنظر في الماضي والراهن أكثر من عمليات استشرافها المستقبلي، وقد غلب، كما رأينا، على النظرات المستقبلية الخبرات التربوية بالدرجة الأولى، باستثناء بحث سلوم، غافلة عن الشأو العالي والمتقدم الذي بلغته دراسات نظرية أدب الأطفال، فيما يخص مصادره وطبيعته ووظائفه في مرحلة أولى، وفيما يخص تشكلات نظريته في مواجهة التحديات الاتصالية وتكنولوجية المعلومات.

 

5ـ آفاق الكتابة لوسائط ثقافة الطفل:

حظيت الكتابة للأطفال عبر الوسائط الثقافية والإعلامية بالاهتمام الأكبر، ولا سيما الكتابة للتلفزيون، إدراكاً من المشتغلين بالكتابة للأطفال أن التلفزيون، مع ثورة المعلومات والاتصالات، غدا الوسيط الثقافي الأهم في مخاطبة الراشدين والأطفال في آن واحد. وإذا كنا، غالبية المشاركين في مؤتمر تونس، نتحسس مخاطر التلفزيون على الأطفال والناشئة، فإن مصطفى المصمودي (تونس)، وهو أحد أهم خبراء الاتصال في عالمنا المعاصر، دعا العرب جميعاً إلى رؤية واقعية متبصرة ومتفتحة في التعامل مع ثمار المعلومات والاتصالات، فلم تعد تنفع العقلية القديمة في الحجر أو الرقابة، أو أن تظل عالة على هذا الإنتاج الحضاري الضخم مستهلكين له فحسب. والمؤسي في المشهد الثقافي الكوني هو أن العرب مستهلكون بالدرجة الأولى في شروط إعلام فقير مرتهن لآليات التبعية الثقافية والإعلامية ما لم يستند العمل الإعلامي والاتصالي لإرادة قومية شاملة، وهذا موضوع صراع يحتدم أداره في ظل العلاقات المتشابكة والمعقدة للثقافة والإمبريالية. إنها التحدي الأكبر، وتتفاقم مشكلاته ومخاطره في اتساع الهوة ببين الدول الغنية والدول الفقيرة حيث التحكم الظالم والجائر بمصادر الثروة والقوة، وفي مقدمتها السلاح والاقتصاد وسلطة المعرفة، بأجنحتها المعلوماتية والاتصالية والتكنولوجية على وجه الخصوص.

أطلقت سامية الأتربي (مصر) نداء عميقاً لقراءة ممكنة في «كتاب الغد الذي أصبح قريباً»، وتقصد بذلك التلفزيون. وثبت في بحثها خواطر من قلب الميدان، وهي الإعلامية المسؤولة عن برامج الأطفال في التلفزيون بمصر، فطلبت تحديد الدور الحقيقي لكل وسيلة، على أنه طوق نجاتها من الفناء. وقالت بلهجة لا تخلو من المرارة:

«لكننا الآن يجب أن نلقي بطوق النجاة هذا إلى التلفزيون، ليواجه الإنترنت والقنوات الأجنبية التي بدأت بالفعل في بث برامجها باللغة العربية. كما أن علينا أن نواجه الجشع التجاري لدى بعض منتجي الفيديو الذين يصدرون لنا العنف، كنوع من القنابل الزمنية داخل أشرطة تبدو بريئة من الخارج».

وكان بحث هالة الأتاسي (سورية)، وهي رئيسة برامج الأطفال في التلفزيون والإذاعة، أقرب إلى الشهادة حول تجربة التلفزيون العربي السوري في مخاطبة الأطفال، وتشابه هذه التجربة مثيلاتها في القنوات التلفزية الأخرى. عنيت الأتاسي بمعاينة التجربة في تاريخها، وتلمست، بصبر مدعم بالشواهد والأرقام، إنجازاتها القليلة وصعوباتها الأغلب؛ فوجدت أن التلفزيون العربي بدأ يبث برامجه للأطفال، «دون تخطيط مسبق، ودون دراسة تضع في حسبانها، ما يجب أن يكون عليه البرنامج التلفزيوني للأطفال، ما هي أهدافه، ما هي عناصره، ما هي الاحتياجات الفكرية والثقافية والحيائية التي يجب أن يلبيها، وكيف! ومن الطبيعي أن يؤدي كل ذلك، إلى أن تكون البرامج عفوية، آنية، من أهدافها غير المعلنة، لكن الواضحة، ملء الفراغ».

وانتقدت الأتاسي الكتابة التلفزيونية للأطفال في هذه المرحلة، لأنها اتسمت «بالتعليمية والمباشرة، وبتملقها وبدغدغتها للمشاعر السطحية، وكل ذلك بسبب النظرة السائدة للطفل في مجتمعاتنا، التي ترى أن من مهمات الكبير، ألا يكف عن وعظ الصغير وإرشاده وتربيته، كيفما تحرك، وإينما تحرك، في البيت والمدرسة والمجتمع، وكذلك على شاشة التلفزيونية، وكذلك كانت تعتبر الصغار وكأنهم مخلوقات أدنى، ولذا خاطبتهم بطريقة فوقية، محاولة اصطناع اللطف والرقة، في محاولة لكسب ودهم، وليس عقولهم أو قلوبهم».

ثم لاحظت الأتاسي ملامح التطور في السنوات الأخيرة، فبدأت «تظهر نقاط مشرقة في مجال الكتابة التلفزيونية للأطفال، وعددت بعضها:

ـدخول عدد لا بأس به من كتاب أدب الأطفال المعروفين إلى مجالات الكتابة التلفزيونية.

ـظهور نوع جديد من البرامج، يخاطب الصغار والكبار معاً، من خلال طرح مشكلات تمس واقع الأطفال الحياتي، والصحي، والتعليمي. برامج تعمل على دمج الأطفال في الحياة، كي يعرفها ويحبها.

ـظهور بعض المسلسلات والأعمال الدرامية التي تتجه إلى ربط الطفل بتراثه الروحي والثقافي والفكري من خلال معالجة متطورة ذكية بعيدة عن المباشرة.

ـاهتمام مخرجي الدراما بمخاطبة الصغار، مما أدى إلى تطور في طريقة الكتابة والمعالجة التلفزيونية للأعمال الموجهة للأطفال.

أما نواف عدوان (فلسطين) (من اتحاد إذاعات الدول العربية) فقدم بحثاً «حول تطور البرامج التلفزيونية المخصصة للأطفال في الدول العربية». وعالج طبيعة برامج الأطفال وخصائصها وأنواعها، ثم انتقل إلى الكتابة بين الإذاعة والتلفزيون، متوقفاً عند أهمية تقديم برامج مأخوذة عن الأعمال الأدبية؛ ولاحظ أن الكتب بدأت تؤخذ من الشاشة أيضاً، توكيداً على الصلة بين الوسائط الثقافية.

وخص عدوان اللغة العربية بعنايته، فدعا إلى اعتمادها في الكتابة التلفزيونية للأطفال، واقترح تنشيطاً لثقافة الأطفال الإذاعة والتلفزيون في مجالات: كتب التراث وأمهات الكتب، كتب الكبار التي بسطت للأطفال مثل أعمال شكسبير، كتب الأطفال العربية، والجديد منها على وجه الخصوص، وإجراء المسابقات حول الكتب بين الأولاد والبنات، والكتب المسموعة التي تتفوق في مجالات الكتب المسرحية والموسيقية.

وآثرت يمنية المثلوثي بالهادي (تونس) أن تخصص بحثها لـ«جدية الكتابة الموجهة للطفل: الكتاب والسيناريو»، وعالجت فيه هذه العلاقة المهملة غالباً بين الكتاب والسيناريو في وسائط: الشريط السينمائي والصور المتحركة (أفلام الرسوم المتحركة)، والبرامج التلفزيونية للأطفال، والإعلامية. وحفل بحثها بآراء ثمينة في تقصي جوانب هذه العلاقة، ولاسيما الكتابة للتلفزيون.

وكان المسرح هو الوسيط الثاني الذي عني مؤتمر القاهرة به أكثر من بقية الوسائط، بينما لاحظنا أن مؤتمر تونس وجه عنايته للتلفزيون بالدرجة الأولى. وقد غلب المنظور التربوي على الأبحاث المتعلقة بالمسرح. تميز بحث لينا التل (الأردن)، وعنوانه «المسرح في التربية والتعليم» بإحاطته وغناه حول المسرح التربوي: أشكاله، وظائفه، وأساليب إعداد برامجه في التعليم، وأنواع مشاركة الأطفال فيه. ويكتسب لبحث أهمية مضاعفة لاحتوائه على مثال لأسلوب المشاركة المتكاملة في مسرحية «جدارا: أم قيس»، وهي مدينة عربية قديمة تطل على بحيرة طبريا في الجولان. ذكرت التل من أشكال المسرح التربوي: مسرح الطفل، والمسرح المدرسي، والمسرح في التعليم، والأخير هو الشكل الذي اشتغلت عليه في تجربتها مع الأطفال في مؤسسة نور الحسين، وقد خصصت له مساحة واسعة لشرح فلسفته، وتعريفه، واستراتيجية العمل الخاصة به، والأبعاد المختلفة لمضمونه وشكله.

ويعتمد برنامج المسرح في التعليم على مسرحيات قصيرة، مدتها لا تزيد عن الساعة مصحوبة بورشات عمل بأسلوب الدراما مع الطلبة يعدها خصيصاً للمدارس مختصون في مجالي المسرح والتربية، ويعتمد في شكله على تقنيات مسرحية بسيطة في الديكور والملابس والإضاءة ليسهل عرضه في أية قاعة مدرسية، وتعرض هذه المسرحيات، أو ما يسمى برامج المسرح في التعليم في المدارس المختلفة ولمراحل عمرية محددة، لتعالج موضوعات ضمن المنهاج الدراسي، أو أمور حياتية واجتماعية لها علاقة بتطور الطالب واهتماماته. إن المسرح في التعليم قائم في وسط تعليمي، يتيح للطلبة التعمق بفعالية، وبشكل عملي في المادة التعليمية، فهو يدعو الطالب لأن يعتبر المعرفة عملية مستمرة، وهو جزء مشارك فعال بها بدلاً من أن تكون المعرفة شيئاً معطى له للتعليم والحفظ. وتتضمن عملية إعداده العناصر التالية:

أ ـالمادة التعليمية (البحث) مراعياً الأهداف المتعلقة بالقيم التربوية وإدراك المجال التعليمي والمؤثر الدرامي.

بـهيكل البرنامج مراعاة للفئة العمرية للمشاهدين الطلبة، وضمانة المشاركة في أدوار ضمن محيط البرنامج (المسرحية).

جـ ـ أهداف تعليمية بإدخال مشاعر الأطفال في التعليم لتكون مشاركتهم فعالة ونشطة، ليتمكنوا من المجادلة المتعمقة حول تأييده أو عدم تأييدهم لرسالة البرنامج.

د ـالعرض، ويمكن أن يعرض البرنامج داخل قاعة مدرسية، أو في ساحة المدرسة، وله أن يأخذ أسلوب عرض مسرحي متكامل أمام الطلبة، ويشارك الطلبة في الحدث بعد انتهاء المسرحية (مشاركة جزئية)، أو أن تكون مشاركة الطلبة منذ البداية مشاركة كاملة مع الممثلين في الحدث المسرحي، وعندئذ لا يوجد حد فاصل بين الممثل والمشاهد. وتتحدد المشاركة بثلاثة أنواع، هي:

1. مشاركة خارجية: وتتمثل في مناقشة تتم بين الجمهور والممثلين بعد انتهاء المسرحية، وهي أبسط أنواع المشاركة.

2. المشاركة الهامشية: وذلك عندما يكون الجمهور كبيراً يزيد عن ستين شخصاً مما تصعب معه مشاركة الطلبة في الحدث الدرامي، وتكون فائدتهم محدودة.

3. المشاركة المتكاملة: وتتوسع فيها مشاركة الطلبة إلى لعب الأدوار ضمن المعطيات الموجودة في الحدث بطبيعة وتلقائية للاكتشاف واتخاذ القرارات.

وقد عرضت بشيء من التفصيل لبحث التل، لأنه مفيد في تطوير الكتابة للأطفال في وسيط المسرح الأقرب إليهم؛ أعني المسرح في التعليم، ولأنه قابل للتنفيذ في الأوساط التعليمية، وفي تجمعات الأطفال المختلفة. إن ما قدمته لينا التل تثمير تربوي للمسرح تحتاجه إليه المؤسسات التربوية والتعليمية، مثلما يشكل أرضاً جديدة لتنمية الكتابة للأطفال بمشاركتهم أنفسهم، على أن ثمة قلقاً في مصطلحات البحث، على الرغم من تفريقها بين المسرح في التعليم والدراما في التعليم، أو ما اصطلح على تسميته «الدراما الخلاقة»، لأن مصطلح المسرح في التعليم يتداخل مع أنواع مسرحية ناجزة يمكن أن يمارسها الطلبة، لا مجال لشرحها.

وعرض كمال الدين حسين (مصر) لمسرحة الحكايات في بحثه اللافت للنظر «الأبعاد الدرامية في فن رواية وقراءة الحكايات والقصص لأطفال ما قبل المدرسة». ويندرج هذا النوع من المسرحية في فن الحكي أو الحكواتي في الثقافة الشعبية، أو تطوير لها. انطلق حسين في بحثه من عنوان دال يصب في هذا المفهوم هو «درامية فن رواية القصة»، وشرح المنظومة الفنية التي تحقق ذلك، وأورد العناصر التالية:

ـ تمكن الراوي من فنون الإلقاء.

ـ تمكن الراوي من فنون التجسيد بالحركة والإشارة والإيماءة.

ـ استخدام بعض عناصر تحقق ما يعرف بالديكور البصري «الوسائل» المستخدمة للإيضاح.

ثم فصل القول في هذه العناصر كالصوت، والكلمة، وقواعد الوقف، وعيوب الإلقاء كالرتابة، وكيفية الخروج من الرتابة، وفعل التجسيد بالحركة والإشارة والتعبير بالوجه، والإشارة والإيماءة باليدين والجسد، والديكور البصري.

وقد شاع هذا الأسلوب في تثقيف الأطفال كثيراً في السنوات الأخيرة، وما قدمه كمال الدين حسين ينقطع عن جهود عربية مبذولة لدى المشتغلين بالكتابة للأطفال في أقطار عربية أخرى، وأخص بالذكر منهم عبد الرزاق جعفر (سورية) على سبيل المثال، الذي أصدر كتاباً كاملاً لشرح هذا الأسلوب سماه «الحكاية الساحرة» (1987). ولعل بحث حسين يفيد في انتشار هذا الأسلوب الذي أثبت جدواه في تعزيز تثقيف الأطفال بمشاركتهم في إنتاجها، لا مجرد تلقيها فحسب، ومن الواضح، أن حسين اقتصر في شرحه لهذا الأسلوب على دور الحكواتي، دون العناية بتصعيد «المسرحة» إلى البحث في دور الطفل بما يفيد في إشراكه بإنتاجها. أما محمد أبو الخير (مصر) فقد وجه بحثه إلى «ملامح الإخراج لمسرح الطفل»، ويقصد بمسرح الطفل ذلك المسرح الموجه للأطفال من الكبار أو الراشدين.

وثمة بحوث أخرى اعتنت بوسيط الكتاب، ولعل أكثرها إثارة للرأي كان بحث محمد عبد اللطيف (مصر) «الكتاب الإلكتروني» الذي بدأ ينازع الكتاب التقليدي مكانته، والمقصود هو الأقراص الممغنطة CD-ROM . بينما اعتنى يعقوب الشاروني (مصر) بمستقبل كتاب الطفل باحثاً في «الجديد في كتب مرحلة ما قبل المدرسة»، فعالج مواصفات التربية الحواسية الخمس، داعياً إلى دور أكثر إيجابية للطفل في التعامل مع الكتاب، ومشيراً إلى كتب المعلومات لأصغر الأطفال، ومن أنواعها:

ـ كتب تنمي القدرة على الملاحظة، والتعرف على الكل من خلال الجزء.

ـ كتب تساعد على الانتقال من الجزئي إلى الكلي.

ـ كتب تنمي القراءة باللمس والشم.

ـ كتب عن موضوعات مختلفة.

وتكمن فائدة بحث الشاروني في تنبيهه إلى العناية بهذه الكتب التي «تناسب أطفالاً لا يقرأون الكلمات، ولكن لديهم الاستعداد العقلي للتعرف والبحث والمقارنة والاستنتاج، عن طريق الحواس والتفاعل الإيجابي مع الكتاب»، وأمثال هذه الكتب قليل في المكتبة العربية.

وفي الوقت نفسه، لقيت رسوم كتب الأطفال عناية خاصة من مؤتمر القاهرة، كما في بحث مصطفى الرزاز (مصر) «رسوم كتب الأطفال»، ويتضمن البحث إحصاء للبحوث والكتب التي عالجت هذا الموضوع تمهيداً لتوضيح أنماط رسوم كتب الأطفال، ولا سيما نمط التصميم بأساليبه المختلفة. ويعكس بحث الرزاز قيمة الرسوم في إثراء كتب الأطفال بالصورة، بينما تعتمد هذه الكتب العربية على الكلمة دون الاستفادة من إمكانات الصورة أو الرسوم بوصفها «وسيلة للتثقيف البصري بالأشكال، والألوان، والمساحات، والأضواء والظلال، وهي وسيلة لا يمكن للطفل المعاصر أن تتكامل شخصيته بدونها، فهي وسيلة تعبيرية وتوصيلية ورمزية، من خلالها تتفتح نوافذ الوعي والإحساس، أمام الطفل، وتربط بين خبراته البصرية، وخبراته اللفظية، فتتكامل شخصيته الثقافية، وتتبلور خبراته العلمية، ويحلق خياله».

وقدمت فريدة عويس (مصر) بحثاً عن الموضوع نفسه استناداً إلى تجربتها، وهي من أبرز رسامات كتب الأطفال العربية. وتعد مناقشة بحثها مفيدة في حال النظر إلى تجربتها الطويلة في رسم كتب الأطفال.

هذه هي حصيلة مؤتمري القاهرة وتونس، وقد لاحظنا كم هي ثرية وعميقة في رصدها لواقع الكتابة للطفل العربي، وفي استشرافها لآفاق هذه الكتابة. واعتقد أن الشكر واجب لأهله الذين جعلوا إقامة هذين المؤتمرين ممكناً، وأخص بالذكر منهم الأستاذ الدكتور محمود فهمي حجازي رئيس الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية في مصر، المشرف على مؤتمر القاهرة، والأستاذ الدكتور عبدالقادر بن الشيخ، كاتب الأطفال والجامعي والمشرف على مؤتمر تونس. 

 

 

الباب الثاني: في ثقافة الأطفال

 

الفصل الأول: الأهمية الراهنة لثقافة الأطفال

 

1ـ مفهوم ثقافة الأطفال:

يتفق غالبية الباحثين في ثقافة الأطفال على أن مفهوم الثقافة شامل يتسع للعادات والقيم والمعتقدات وأساليب السلوك والعلاقات والأدوار والتقنيات التي ينبغي تعلمها والتكيف معها بما يعطي الحياة نمطاً محدداً، أما ثقافة الأطفال العرب فتتصل بعملية التنشئة الاجتماعية برمتها انطلاقاً من مفهوم الثقافة، ولاسيما الثقافة العربية وهذا يعني اعتمال ثقافة الأطفال العرب بتكوين شخصية الطفل العربية وانتمائه إلى ثقافته القومية وإرساء أسس هوية عربية متينة( ).

 

وإذا كان للثقافة على وجه العموم وظائف محددة توجز بوظيفتين اجتماعية ونفسية، فإنهما وظيفة واحدة تتوجه إلى «قولبة» أفراد المجتمع وفق الإيديولوجية السائدة، وفي مجالات ثقافة الأطفال؛ غالباً ما تورث تعارضات الإيديولوجية، بوصفها نظاماً فكرياً ملتبساً يعنى بالعقائد السياسية بالدرجة الأولى، عملية التنشئة الاجتماعية، مخاطر في سبيلها إلى تهديد الأصالة الثقافية والتقاليد الثقافية القومية، فالإيديولوجية توصف عادة بالتضليل، والأفضل استخدام «فكر». وقد احترزت الخطة الشاملة للثقافة العربية من محاذير تضييق الثقافة إلى حدود العقائد السياسية وتقلبات خطبها الإيديولوجية. والأهم من محاذير طغيان الإيديولوجية الاغترابية على ثقافة الطفل العربي، وهو حاصل، للأسف، في كثير من المنتجات الثقافية الموجهة للطفل العربي( ).

 

غير أن مفهوم ثقافة الأطفال العرب لا يتحدد على مثل هذا النحو المجرد، لأنه يتصل بواقع متغير يكتسب توصيفه من معاينة النظرة العربية إلى ثقافة الطفل، ومن معاينة أدوار المؤسسات الاجتماعية والتربوية والثقافية والإعلامية الرسمية وغير الرسمية. المعنية بالخطاب الثقافي للأطفال، ومن فعاليات التثقيف التي تسمى عند الباحثين بالآليات أو الديناميات عبر وسائط ثقافة الأطفال ووسائل الاتصال بجماهير الأطفال أي الصورة التي تتحقق بها ثقافة الأطفال العرب في مجتمعهم. لقد صاغت الخطة الشاملة للثقافة العربية أسساً ثابتة لتنمية ثقافة الأطفال العرب هي:

- تأصيل الهوية الثقافية مع التطلع المستقبلي، مع اهتمام خاص باللغة العربية.

 

- التأكيد على التراث العربي الإسلامي وما يزخر به من منجزات.

- استخدام الثقافة من أجل إطلاق طاقات النمو عند الطفل.

- التأكيد على التحصين الثقافي العربي ضد الغزو الثقافي والاغتراب.

- اعتماد مبدأ قومية وشمولية التخطيط لثقافة الطفل والتنسيق بين جميع مجالاتها ووسائطها.

- قيام هذا التخطيط على دراسات علمية تتناول جميع جوانب حياة الطفل، يقوم على تنسيق جهود المختصين في مختلف وسائط ثقافة الطفل.

- العناية الخاصة بإعداد الخبراء والفنيين في مختلف مجالات ثقافة الطفل وتربيته( ).

 

ثم تعرض الخطة توصيات فنية في مجالات محددة مثل أدب الأطفال، الخدمات المكتبية، النشر والتوزيع، مسرح الطفل، وسائل الترفيه، ووسائل الإعلام المسموعة والمرئية. ولتمحيص واقع ثقافة الأطفال العرب يتعين علينا أن ننظر في أمرين:

1- عرض تاريخي للموقف من ثقافة الأطفال العرب.

2- إشكاليات ثقافة الأطفال العرب.

إن مثل هذا التمحيص يجعل البحث في الأهمية الراهنة لثقافة الأطفال العرب ضرورة وطنية وقومية مثلما هو ضرورة تربوية وثقافية.

 

2ـ الموقف من ثقافة الطفل العربي:

لم ينظر إلى ثقافة الطفل العربي بجدية إلا في العقدين الأخيرين، فقد كانت حرب 1967م وبالاً على العرب، أرغمتهم بأشكال مختلفة، على تأمل الذات العربية ومصائرها الفاجعة في العصر الحديث، وكان من ذلك شيوع النقد الذاتي والمراجعة الجذرية للخطاب الثقافي السائد فشرعت السياسة الثقافية العربية بالتفكير بالعناية بثقافة الأطفال، غير أن تلك العناية ظلت هامشية في استراتيجية العمل الثقافي العربي وفي استراتيجية التربية العربية وظلت الصياغات جميلة تعبر عن تطلع مشروع ينتظر التطبيق حتى بعد تخصيص مؤتمر الوزراء العرب المسؤولين عن الشؤون الثقافية مؤتمرهم بالقاهرة عام 1991م لموضوع «ثقافة الأطفال العرب».

ومن مظاهر هذه الهامشية نذكر ما يلي:

(أ)فقر وسائط ثقافة الأطفال العرب، ففي مجال الكتاب، ما يزال هذا الوسيط الأهم في ثقافة الأطفال مطية التجار وسوق الكتاب من جهة، ومطية الدوائر الخارجية التي تخاطب الطفل العربي بأغزر الإنتاج المطبوع وأفضله نوعية فنياً وطباعياً، ومثل هذه الدوائر منتشرة في موسكو وباريس ولندن وأثينا وهونغ كونغ وصوفيا وغيرها. ولعل الكتب الموسوعية كالقواميس ودوائر المعارف والأطالس وغيرها كاف للتدليل على فقر مكتبة الطفل العربي.

(ب)ضعف أو سلبية صحافة الأطفال العرب، فهي إما موغلة في قُطْريتها وخطابها القُطري، أو هي مترجمة بحرفيتها من صحافة اغترابية، والشواهد أكثر من أن تعد وتحصى.

(ج)فقدان الإنتاج السينمائي الطفلي العربي، فسينما الأطفال غير موجودة والأطفال العرب مستهلكون للإنتاج السينمائي العالمي، ولم تفلح محاولات قُطرية، أو جزئية لشركات إنتاج عربية في صناعة أشرطة عربية للأطفال.

 

(د)ضعف الإنتاج التلفزيوني للطفل العربي فغالبية ما يشاهده الأطفال العرب ـ وبنسب تصل إلى 100% في بعض القنوات العربية ـ من إنتاج عالمي، يعرض بصورته الخام، أو بمنطوق عربي دون تعديل للصورة (إجراء عمليات تبديل الصورة أو الدوبلاج) أو بمنطوق عربي مع تعديل بسيط في الصورة.

 

(هـ)عشوائية التعريب، فهناك تراث إنساني هائل من أدب الأطفال العالمي في القارات كافة، ما يزال خارج خطط التعريب ولاسيما الكلاسيكيات، وهذا كله مرتبط بخطط النشر التي غالباً ما تهمل التنظيم والتنسيق والتكامل المطلوب للتعريب والتأليف بين أنواع الثقافة وأجناسها الأدبية.

 

(و)أما وسيط المسرح فهو ضعيف أيضاً، فليس هناك مسارح منتظمة عربية، لا في مسرح العرائس أو في مسرح الأطفال أو المسرح الغنائي الاستعراضي، ناهيك عن انعدام أنواع كثيرة من مسارح الأطفال في الوطن العربي، وغني عن القول إن المسرح المدرسي ولاسيما «الدراما الخلاقة» مما يصلح لقاعات الدروس والمناشط الصفية يعاني من إهمال.

 

ومرد هذه الحال إلى الموقف العربي من ثقافة الطفل، ونشير إلى بعض عناصره:

2ـ1ـ نظر إلى وقت قريب، حتى مطلع السبعينيات على وجه التقريب إلى أن ثقافة الأطفال، أدنى من الثقافة في الكتابة إليهم، ثم اكتشف أن ثقافة الأطفال رائجة ورابحة فكثر الإقبال عليها دون مراعاة للقيمة الفنية والفكرية، فامتلأت السوق العربية بكتب وكتابات ضررها أكثر من نفعها، واليوم يندر أن نجد كاتباً لا يهتم كلياً أو جزئياً بالكتابة للأطفال.

 

2ـ2ـ تداخل إلى وقت قريب مفهوم الأدب للأطفال بمفهوم الأدب عن الأطفال، فثقافة الأطفال شيء مختلف عن الثقافة التي تتحدث عن الأطفال، مما طرح فروقات واضحة على نظرية الأدب باتجاه تكون نظرية أدب الأطفال، فشهد عقد الثمانينيات على وجه الخصوص أولى محاولات الوعي بنظرية أدب الأطفال في الثقافة العربية. لقد ظهرت في القرن التاسع عشر أولى المحاولات على طريق النظرية، عندما رهن أدب الأطفال بالنمو الإدراكي والمعرفي للطفل، وكان الناقد الروسي بيلنيسكي قال عام 1842م: «يمكن أن نقدم للأطفال المضامين نفسها التي نقدمها للراشدين، غير أن عرضها فقط هو الذي يتكيف مع مستوى فهمهم». ثم اشتد عود النظرية مع تقدم علم نفس الطفل والمؤلفات القليلة التي تقارب نظرية أدب الأطفال نحو هوية قومية لثقافة الطفل العربي، وتبرز في هذا الميدان جهود أحمد نجيب وعلي الحديدي وعبد التواب يوسف وأحمد زلط في مصر، وكافية رمضان في الكويت، وأحمد عبد السلام البقالي في المغرب وأحمد أبو سعد ومصطفى حجازي ونجلاء نصير بشور وذكاء الحر في لبنان وهادي نعمان الهيتي في العراق. وبشير الهاشمي في ليبيا ومحي الدين خريف في تونس، وثمة جهود أخرى في أقطار عربية أخرى.

 

2ـ3ـ تغليب المنظور التربوي التعليمي وحده على فهم ثقافة الأطفال، فقام تنازع استمر طويلاً بين المربين ومنتجي ثقافة الأطفال من أدباء وفنانين وسواهم، وفي عقد الثمانينات اعترف بالمسؤولية المشتركة بين هؤلاء جميعاً، وهذا في جوهر التطورات الجدية التي شهدت شيئاً من الانتعاش في الثمانينيات، فلم تعد ثقافة الأطفال محتوى قيمياً أو أدباً تعليمياً أو محققاً لأغراض تربوية فحسب، بل صار ذلك كله من خلال خصوصية هذه الثقافة كخطاب فني وإبداعي في هذا الوسيط الثقافي أو ذاك، في هذه الوسيلة الاتصالية أو تلك.

 

ولعل وجهة النظر التي تغلب المنظور التربوي التعليمي وحده على فهم ثقافة الأطفال هي التي تحكم كتاب «أدب الأطفال» الذي يدرس منذ العام الدراسي 77-1978م في معاهد إعداد المعلمين والمدرسين في سورية على سبيل المثال، فهذا الكتاب لا يرى أدب الأطفال أدباً، لأنه يستند إلى مقولتين، الأولى هي أن أدب الأطفال مادة في المنهاج، وهذا الأدب لا يختلف عن أدب الراشدين، فلا ضرورة لوجود أدب للأطفال، والثانية هي أن هذه المادة قابلة للتحويل من أي مادة أدبية أخرى للراشدين، والأخطر في المقولة الثانية، هي فكرة أن المعلمين قادرون على القيام بالتحويل: والنتيجة هي أننا لم نختر أدباً للأطفال، ولم تنح لمعلميهم فرص الاختيار، لاعتقاد واضعي المنهاج أن بمقدور المعلمين أن يعيدوا إنتاج أدب يناسب الأطفال عن طريق التحويل. قد يكون التحويل وسيلة تربوية بيد المعلمين. ولكنه نادراً ما ينتج أدباً للطفل أو أدباً يغذي وسائط ثقافة الأطفال، والنادر هنا متعلق بوجود معلمين مبدعين.

 

3ـ إشكاليات ثقافة الطفل العربي:

بالإضافة إلى بعض عناصر الموقف العربي من ثقافة الطفل التي ما تزال إشكاليات مستمرة نذكر إشكاليات أخرى:

3ـ1ـ العلاقة بالموقف الأخلاقي:

فقد نظر إلى ثقافة الطفل على أنها سبيل للتربية الأخلاقية والقيمية، وهذا عائد إلى ظروف نشأة أدب الأطفال العربي، فقد انطلق من المدرسة رديفاً لها؛ أداة للتوجيه الأخلاقي والقيمي مثل بقية مواد المنهاج المدرسي التي تسعى إلى تكريس القيم السائدة.

ولاشك في أن آلاف المواد الثقافية الطفلية العربية المنتجة منذ مطلع القرن العشرين هي أدخل في النزوع المدرسي التعليمي الذي يباشر الوعظ والإرشاد وتزجية النصائح الأخلاقية والقيمية.

 

3ـ2ـ العلاقة بالاعتبارات التربوية والفنية:

ففي ظل إنجاز حدود الاعتبارات التربوية والفنية لثقافة الأطفال التي تجعلنا نميز الخطاب الثقافي للأطفال عن سواه، لم يجر حتى مطلع السبعينيات الاعتراف بهذه الاعتبارات، وخلال عقدي السبعينات والثمانينات بذلت جهود لتعزيز هذه  الاعتبارات بين جمهرة منتجي ثقافة الأطفال والمشتغلين في ميادينها، ولكنها جهود فردية حاولت بعض المؤسسات الرسمية مثل (الأليكسو) الخوض فيها على نطاق ضيق كما هو الحال مع مشروع القاموس  المشترك للغة الطفل العربي الذي ما يزال قيد الإنجاز.

3ـ3ـ الدخول المبكر لثقافة الأطفال في مجال المثاقفة:

فقد غدت ثقافة الأطفال العرب ساحة لصراع الأفكار والتمثيل الإيديولوجي الاستغرابي، فخوطب الطفل العربي عبر وسائط ثقافية اجنبية متعددة مبكراً بحجم أكبر مما خاطبته به المؤسسات العربية الرسمية، وبتنوع أساليب ومضامين وموضوعات وتقنيات لافت للنظر كاستخدام الاتصالات أو العناية الفائقة بوسائطهم الثقافية كالكتاب (انظر سلسلة ليدبيرد على سبيل المثال).

3ـ4ـ غياب التخطيط القومي الشامل:

بالإضافة إلى غياب التخطيط القُطري في كثير من الأقطار العربية، ليس هناك مشروعات ثقافية عربية مشتركة للأطفال، حتى محاولات مجلس التعاون الخليجي في الإنتاج البرامجي المشترك كبرنامج «افتح يا سمسم» أصبحت بعد حرب الخليج الثانية ذكرى عزيزة المنال.

 

4- الأهمية الراهنة لثقافة الأطفال:

بعد استعراض مفهوم ثقافة الأطفال العرب والموقف العربي من ثقافة الأطفال تاريخياً واستعراض بعض إشكالياتها، نبحث في الأهمية الراهنة لثقافة الأطفال، وسأتناولها على النحو التالي:

1- الأهمية التربوية.

2- الأهمية القومية.

3- الأهمية الإبداعية والجمالية.

4- الأهمية الثقافية.

5- الأهمية النفسية.

4ـ1ـ  الأهمية التربوية:

تبدأ الأهمية التربوية لثقافة الأطفال من اشتراط صريح هو أن تكون ثقافة الأطفال تربوية أي أن بعدها التربوي شرط لتحققها، والبعد التربوي مرهون باعتبارات تربوية متعددة أهمها سن الطفل ومراحل النمو الإدراكي والنفسي وصلة ذلك ببيئة الطفل ومجتمعه وثقافته. ومن المفيد أن نذكر بعض الملاحظات مما يثيره البعد التربوي:

أ -لا تباشر ثقافة الطفل مقاصدها التعليمية، لأن المباشرة والتصريح بالمقاصد التعليمية ينفر الطفل، وهذا يضيف للبعد التربوي أسباباً للعناية بأمرين، أولهما تقبل الطفل للمحتوى، وثانيهما تلبية احتياجات الطفل، مما يعيد المسألة برمتها إلى انبثاق التربوي من الفني، فليست ثقافة الطفل نصائح وإرشادات وتوجيهاً معرفياً وقيمياً مباشراً بالقدر الذي تنهض ثقافة  الطفل بهذه الوظائف عبر بلاغتها وإبلاغيتها اللتين تميزان الخطاب الثقافي للأطفال حسب كل جنس، وعبر كل وسيط ثقافي أو وسيلة اتصال بجمهور الأطفال.

 

ب-لا تكون ثقافة الطفل نافعة ما لم تتصل ببيئة الطفل ومجتمعه الخاصة، لأن البعد التربوي يستلزم تعزيز مخاطبة الطفل من تقاليده الثقافية والاتصالية، ومن ينابيعه التراثية والشعبية والقومية، مما يستدعي تخطيطياً تربوياً يرشّد سبل الخطاب الثقافي للطفل في المؤسسات التربوية والاجتماعية والثقافية لئلا يقع الطفل فريسة ثقافة الاغتراب أو العزل أو الانعزال أو فراغ القيم.

ج-ليست مراحل النمو الإدراكي والنفسي وصفات جاهزة تجتلب من النظريات وحدها، فالنظريات يستهدى بها، والمُعَوَّل دائماً هو صلاح تجارب العمل التربوي والثقافي مع الأطفال، وثمة قاعدة ذهبية تؤكد أن الأطفال يتبادلون التأثير مع خطابهم الثقافي والتربوي، فهم يعدَّلون سلوكهم ولكنهم في الوقت نفسه يصوغون خصائص نموهم المعرفية والعاطفية.

أما الأهمية التربوية لثقافة الأطفال فنوجزها في المناحي التالية:

 

4ـ1ـ1ـ المنهاج:

فالتربية بحد ذاتها عملية ثقافية وإيديولوجية، وإذا كانت المدرسة تسعى إلى قولبة ذهن الطفل، فإن ثقافة الأطفال مفيدة للتخفيف من وطأة هذه القولبة وللتخفيف من وطأة الممارسة الإيديولوجية الصريحة. إن ثقافة الأطفال عملية «أدلجة» بالنسبة للواقع، فالطفل يواجه القولبة الذهنية من سلطان أسرته (الأب على وجه الخصوص) إلى السلطان الاجتماعي (الدين وأشكال تنظيم المجتمع؛ القديمة على وجه الخصوص) إلى سلطان الدولة (المدرسة ونظامها الإيديولوجي على وجه الخصوص).

إن هذا السلطان الواسع متعدد الأشكال والضغوط يريد للطفل أن ينخرط في تنظيم المجتمع وإنتاجه بعد ذلك، وتقوم به المدرسة عبر مناهجها جهراً أو ضبطاً يصل إلى حدود الضغط والإكراه، وهذا هو واقع الحال، بينما تشكل ثقافة الأطفال نوعاً من المثال للنمو الحر والمبدع والفعال.

 

ولقد أثبتت التجارب التربوية، إن استناد المنهاج إلى ثقافة الأطفال في اعتباراتها التربوية والفنية من شأنه أن ييسر المنهاج، ويضمن للتنشئة الاجتماعية سيرورة ذاتية تجعل الطفل مشاركاً، وليس متلقياً أو متلقناً يحشى بالمعلومات اللازمة وغير اللازمة لنموه.

 

4ـ1ـ2ـ الكتاب المدرسي:

يعد الكتاب المدرسي الأداة الأمثل للمنهاج لكونه المعيار الأول لتحقق الأهداف التربوية العامة التي يرسمها المنهاج، وهي أهداف طموحة في سورية، على سبيل المثال أيضاً ونكثر الأمثلة من سورية لاطلاعنا على واقعها، نشدت تكويناً محدداً لملامح الإنسان العربي التي تسعى التربية إلى بلوغه، أي أن المهام المطروحة على الكتاب المدرسي بالغة الأهمية والدقة والأولوية، فالكتاب المدرسي أولاً وأخيراً؛ أما الوسائل المدرسية التالية فموضوعة لتنفيذ هذا الكتاب. والسؤال دائماً: ما حظ ثقافة الأطفال في هذا الكتاب؟ هناك الأجناس الأدبية كالقصيدة والقصة والتمثيلية والمقالة، وهي مبثوثة في غالبية الكتب، حتى كتب الحساب، فقد أنتج أدب تعليمي غزير في التراث العربي القديم لحفظ الأعداد والنحو والجغرافيا والتاريخ والدين وغير ذلك.

 

والسؤال دائماً أيضاً: ما حظ ثقافة  الأطفال في هذه المواد الأدبية المبثوثة في هذا الكتاب المدرسي؟

إن ثقافة الأطفال سبيل لترقية الكتاب المدرسي من مجرد المعلومات التلقينية إلى الاستجابة لمدارك الأطفال ووجدانهم النامي.

 

4ـ1ـ3ـ المناشط المدرسية:

تستند فكرة المناشط المدرسية إلى إرغام الأطفال في عمليات التثقيف، أي مساهمتهم في إنتاج ثقافتهم لمجاوزة أن يكون الطفل متلقياً للثقافة، بل ممن يصنعونها أيضاً، وتقوم فكرة المناشط المدرسية على عاتق الطفل بوصفه محوراً للعمل التربوي والثقافي، والمعلم بوصفه مرشداً ومربياً حيث المناشط المدرسية عمليات تثقيف بالدرجة الأولى تتطلب تفاعلاً خلاقاً بين الأطفال ومربيهم قائماً على إعادة إنتاج ثقافة الأطفال الملبية لحاجات الأطفال، ويستطيع كل معلم أن يجعل من تلاميذه «ورشة» ثقافية تعيد إنتاج ثقافة الأطفال استجابة للمتطلبات التربوية.

 

إن المناشط المدرسية على اختلاف أنواعها حتى الرياضية منها تعتمد على بعد ثقافي في أشكال التواصل الاجتماعي وأشكال الإبداع الحركي وإيقاعات اللعب والحياة  اليومية.

ولن تؤتي المناشط أكلها بمعزل عن إرادة الطفل نفسه في التعلم الذاتي والتربية النفسية لديه، وهذا ما برهنت عنه تجارب مربين وهبوا أنفسهم لأطفالهم نحو اكتشاف ذواتهم ونحو معرفة الطبيعة، ونجد وصفاً لطرائقها عند مفكرين عظام مثل ليوتولستوي ورابندرنات طاغور من الغرب والشرق، مثلما نجد وصفاً لها عند مربين بسطاء مثل الأوكراني سوخوملينسكي الذي وضع كتباً عن تجاربه في العمل التربوي مع الأطفال، من أبرزها كتابه المشهور «للأطفال قلبي». وعماد تجاربه القاعدة الذهبية التي تقول: «إن دراسة العالم الروحي الداخلي للأطفال ولاسيما تفكيرهم تعد واحدة من أخطر مهام المعلم»( ).

 

إن مكانة ثقافة الأطفال في المناشط المدرسية أساسية وكبرى في غالبية نظريات التعلم ولاسيما البنائية والجشطالتية والتعلم الاجتماعي حين تصاغ جذور نظريات التعلم في مرحلة الطفولة( ).

 

4ـ1ـ4ـ التربية الثقافية:

ويتضمن هذا التعبير إسهام التربية في التنمية الثقافية، أي أن للتربية وظيفة أساسية في التنمية الثقافية تهتدي حسب «اليونسكو» في الدورة الثالثة والأربعين للمؤتمر الدولي للتربية (جنيف ـ أيلول 1992م) بالتعريف بالتراث الثقافي وتقديره، والتعريف بالحياة الثقافية المعاصرة والتوعية بعملية انتشار الثقافات وتطورها، والاعتراف بتساويها في الكرامة، وبالصلة التي لا تنفصم عراها بين التراث الثقافي والثقافة المعاصرة، والتربية الفنية والجمالية، والتنشئة على القيم الأخلاقية والمدنية، والتربية في مجال وسائل الإعلام والتربية المشتركة بين الثقافات.( )

 

ويفيد ذلك أيضاً تطوير ثقافة الأطفال في التربية، عن طريق التنسيق بين سياسات واستراتيجيات تنمية الثقافة والثقافة، وبين سياسات التنمية واستراتيجياتها، ودور المدرسة في تعزيز الثقافة، وتدعيم البعد الثقافي والفكري للمناهج المدرسة وتوفير المداخل لفهم التراث الثقافي القومي وتقديره، وتعليم التاريخ القومي والتعريف بالمشكلات الكبرى للعالم المعاصر وغير ذلك.

 

إن ميادين التربية الثقافية تجعل من ثقافة الأطفال في الوقت نفسه معيناً حياً لتطوير التربية ذاتها نابعاً من الإقرار بدور الثقافة كأساس يرتكز عليه مضمون التربية.

أما أساليب ثقافة الأطفال، بوصفها حرة قابلة لإبداع الذاتي ومشاركة الأطفال في إنتاجها فهي الأقرب لمتناول الأطفال والأقدر على تربية مشبعة بالروح الإيجابية الأصيلة المتفاعلة مع بيئتها ومجتمعها وعصرها وعناصرها وثقافتها القومية والوطنية.

 

4ـ2ـ الأهمية القومية:

أدخلت ثقافة الأطفال ميادين الصراع الفكري وعمليات المثاقفة، كما أشرنا، واستخدمت وسائط ثقافة الأطفال قنوات لبث النمط الثقافي التابع أو المغترب لأن جمهور الأطفال سريع التأثر بالخطاب الثقافي الموجه، وتزداد خطورة هذا الخطاب المصنع بأغلفة التضليل الإعلامي «الصحافة والتلفزة والمطبوعات الأخرى» والمجمل للتسلل إلى المؤسسات الثقافية والتربوية والإعلامية. وقد أتيح لي أن أحضر خلال عقد الثمانينات مؤتمرات وندوات ثقافية عربية حول الغزو الثقافي الأجنبي للأمة العربية، «وأشهرها مؤتمر تونس عام 1982م»  إذ درست مظاهر التبعية في مختلف مجالات الفكر والثقافة، باستثناء ثقافة الأطفال، وهي الأخطر لأنها تتوجه إلى الناشئة الذي يتكونون في تأثيرات التصدير الثقافي التي تروج لمفاهيم الاستعمار والعدمية القومية واللا انتماء. ومنها تعلم التاريخ القومي بما هو وعي للذات واستمرارها حقيقة من حقائق الثقافة الأصيلة، وثقافة الأطفال مجال رحيب لفهم وقائع التاريخ الكبرى، ومنعطفاته الرئيسة وأعلامه البارزين ودلالاته الحية التي صاغت، وتصوغ الحاضر، وتكون ثقافة الأطفال مجدية وفعالة أكثر إذا صارت وسائطها صوتاً لمنجزات الأجداد وقيمهم الباقية.

 

ومنها أيضاً، انبثاق ثقافة الأطفال من ينابيعها الشعبية كالحكايات الشعبية والسير والشعر وطرائق تعبيرها وأساليب خطابها الأقرب لروح الأطفال وخصائص التلقي لديهم.

وغني عن القول: إن الأهمية القومية لثقافة الأطفال بوصفها حصناً للهوية القومية تتطلب جهداً تربوياً وثقافياً استراتيجياً يجيب في الواقع على أسئلة التراث والخصوصية والفرادة في تفاعلها الإيجابي مع تراث الإنسانية والحاجات الوظيفية المستقلة.

 

4ـ3ـ الأهمية الإبداعية والجمالية:

في الفيلم السوفيتي «الكلب الأبيض ذو العلامة السوداء»  (1983) يتركز دأب المخرج على إظهار تعاطف الإنسان مع الحيوان حين يوضع كلب في مواقف متعددة مع أشخاص مختلفين كاشفاً عن الجوهر الإنساني لهؤلاء البشر في مواجهة جشع الإنسان وقسوة الطبيعة، ثمة موقف عابر في ذلك الفيلم، ولكنه مهم، هو أن إحدى الأمهات تبدي جزعها من سلوك ابنها إزاء الموسيقى، فقد كان مقلقاً لها أن ابنها لا يحب الموسيقى ولا يتأثر بها، فهذا من شأنه أن يفسح لبذور الشر في نفسه اليافعة مكاناً.

والحق إن الأهمية الإبداعية والجمالية لثقافة الأطفال تبدأ من الاعتراف بالإطار الإبداعي والجمالي للتربية الثقافية ليكون مخصوصاً في مرحلة تالية بالتربية الجمالية والفنية، لارتباط هذا الإطار بموضوع نماء الشخصية الطفلية وتفتح مدارك الأطفال وتنشيط الملكة الإبداعية، بل إن كثيراً من المربين يرهنون تحقق الوظيفة التربوية بقابليات التربية الجمالية والفنية، فقد ثبتت نجاعة مثل هذه القابليات في اقتراب أسلم لضفاف الروح وتربية القيم الإنسانية، وهي في الوقت نفسه أقرب لوجدان الطفل النبيل وسلوكه الذي ينمو أساساً وسط الإدراك المعرفي.

 

تبين التربية الجمالية والفنية أن ثقافة الأطفال جهد تربوي ذو شفافية يتوجه إلى رهافة الحس والاحتفاء الصادق والمحب بأسمى المشاعر والعواطف، وإلى النفور من الوعظ والإرشاد لتكون حقاً ثقافة رفيعة، تبعث أفضل ما في القلوب الطيبة اليانعة، وتربي الأطفال على الجيد في حياة الإنسان، والجمال بحد ذاته صنو الخير والاستهداف المتفهم لأعباء الحياة، أما الفن وممارسته من قبل الأطفال أنفسهم فهو خوض الأطفال المبكر في نهر التجربة الجاري، والتعرف إلى القيم الشريفة والفاضلة مباشرة، ليصبح الصغار كباراً وهم يكتشفون بالفنون وممارستها؛ رؤية أنقى للعالم. وهكذا يصبح التقبل المعرفي أيسر مما يقودنا إلى إضاءة بعض عناصر التربية الجمالية والفنية، ونذكر منها:

أ - التوكيد المستمر على أن التربية الجمالية والفنية جزء لا يتجزأ من العملية التربوية المستمرة. ولا تلازم هذه التربية مرحلة دراسية بعينها، بل ينبغي أن توفر التربية العامة للأطفال إمكانيات ثراء مناشطها وتنوعها الثقافي، وعند التطبيق على وجه الخصوص.

 

ب- لا يصح أن تظل التربية الجمالية والفنية في حدود تلقي الأطفال، لأن مشاركتهم في ممارستها إسهام مبكر في امتلاك رؤيتهم المعرفية للعالم. فمن المفيد أن ينتج الأطفال مناشطها، وأن تصدر عن توقهم المستمر لاكتشاف الأشياء والطبيعة وتناغمها مع الإنسان ومثل هذا السبيل يفتح الآفاق رحيبة لتربية القيم الإنسانية.

ج- العناية بتربية الموهبة الفنية وإدغامها بالجهد التربوي العام منطلقاً للإبداع، وكثيراً ما كانت الاكتشافات العظيمة بنت الطفولة النابهة فقد روت مريام مورتون، وهي كاتبة أطفال أمريكية معروفة، إثر زيارة لها إلى الماآتا في كازاخستان:

«إن الملحنين الفتيان الجدد يجربون في أشكال واتجاهات غير معتادة، ومن المعروف أن أساتذة المدارس والمعاهد الموسيقية يوافقون على تجارب تلاميذهم الفتيان الجادة منها والخفيفة».

 

وتضيف مورتون:

«وقد تسنى لي حضور حفلة أقيمت في مدرسة موسيقية بالماآتا بمناسبة انتهاء العام الدراسي، حيث قام تلميذ من فرع البيانو بتغطية الأوتار بأوراق الجرائد، وذلك للحصول على أصوات منظومة خاصة يحتاجها لعزف مقطوعة حديثة للغاية من تأليفه. وقد يكون بعض الأساتذة المشاهير قد عقدوا حواجبهم استغراباً، ولكن أحداً منهم لم يثر ضجة حول ذلك».( )

غالباً ما تكون الاكتشافات العظيمة الهامة لحظة لا تتكرر، وما تربية الموهبة الفنية إلا تطويع الأفئدة الغضة ليقظة الأمل على أن كل طفل قادر على الإتيان بجديد في أي ظرف، وفي أي مكان. والمهم مساعدة الأطفال على التربية الجمالية والفنية، أما الاختصاص فيأتي لاحقاً، ومن المعروف أن الفنون جميعها، في الختام وسيلة تربوية.

د - العناية بتربية الحواس تمهيداً لتربية ملكات أكبر، وأولها تربية الرؤية البصرية أو تربية القراءة بمعنى قراءة النص وقراءة المقطوعة الموسيقية أو الشريط السينمائي أي تنمية التذوق الفني لمعطيات ثقافة الأطفال في أجناسها ووسائطها المختلفة.

 

إن التذوق الفني عملية دربة ومران للأطفال على أمرين: الأول بسيط هو تربية الحواس؛ البصر والسمع واللمس على وجه الخصوص، وإدماجها في تربية قراءة الوسائط الثقافية الموجهة إليهم، فقد أثبتت الدراسات النفسية التجريبية أن تربية الحواس هي الأقوى في تنمية السلوك الإبداعي عند الأطفال الذي لا بد منه لتربية التذوق الفني( ).

والثاني هو تربية المهارات الخاصة بالوسائط الثقافية لدى الأطفال، أي أن تستند القراءة إلى معرفة الأسس الفنية والتقنية لهذا الوسيط الثقافي أو ذاك، ولا تعول التربية الجمالية والفنية اليوم على الفطرة وحدها. فثمة جهود تربوية محددة لتنمية السلوك الإبداعي بوصفه تفعيل لهذه العملية المتشابكة من مستوى تربية الحواس إلى مستوى تربية القراءة إلى مستوى تربية المهارات والتقانات الثقافية.

 

هـ- حماية خيال الأطفال وتتيحها التربية الجمالية والفنية بأيسر السبل وأكثرها فاعلية في وجدان الأطفال، وعلينا ألا نستخف بهذه القضية، فقد بات خيال الأطفال مهدداً بابتعادهم عن ينابيع ثقافتهم الشعبية وهيمنة وسائل الاتصال عليهم ـ عقولهم وقلوبهم ـ لاسيما التفلزة بقنواتها الأرضية والفضائية والمعلوماتية.

 

إن الأطفال يركنون إلى الخمول وبلادة الحس كلما وضعوا الكلمات أو الأدب الموجه إليهم خلف ظهورهم، وفي المؤتمر العالمي الثاني لأدب الأطفال (موسكو 1979م)، حدثنا الأديب التركي إسماعيل يواروغلو: «هناك مثل شعبي في تركيا يقول: الماء للأطفال والكلمة للراشدين. إنني لا أوافق هذا المثل الشعبي لأنه خاطئ وخطير، لأنه يعطي الأطفال الكلمات تلقيناً، ولا يعرف أفكارهم، ويرى فيهم فقط مستمعين بكماء». إن ثقافة الأطفال، ولاسيما كتبهم، ونشاط الأطفال الثقافي عافية لخيال الأطفال، وليس أكثر من التربية الجمالية والفنية حافظاً للخيال وباعثاً له من مجالدة الواقع وإدراك المحيط وتثميراً إيجابياً لثنائية الوهم والواقع حيث بالفن تصفو النفوس. ثمة فرق جلي بين الخيال السليم المعافى وغيره من أنواع الخيال المريض أو المزيف أو المثير لمجرد الإثارة، وما لم يعالجها الأطفال بأنفسهم ويختبروها بوسائلهم الخاصة البسيطة، وبتقوية ذائقتهم الفنية ومقدرتهم الذاتية على تطويرها، فإنهم سيكونون عرضة لمخاطر تسطيح الخيال ومواته.

4ـ4ـ الأهمية الثقافية:

نشأت ثقافة الأطفال مثل التعليم نفسه عن طريق المدارس، فكانت ثقافة تعليمية استعملتها المؤسسات الدينية والاجتماعية، ولكنها تطورت كثيراً في ابتعادها عن النزعات التعليمية التربوية والأخلاقية والدينية باتجاه التسلية، حين التفت جمهور الأطفال عن ثقافة لا تعنى إلا بالمعرفة وطرائق الحصول عليها.

 

كانت المعضلة أن جمهور الأطفال يريد ثقافة مسلية، بينما وجهت ثقافة الأطفال لتنتقل القيم الأخلاقية والدينية، ولدى العودة التاريخية وإلى جذور الخطاب الثقافي للأطفال نلاحظ أنها انطلقت من فكرة تبسيط الكتب الجيدة المنشورة للراشدين أو تعديلها لكي تناسب الأطفال، فتداخل المفهوم الملتبس لأدب الأطفال مع الحاجة إلى التسلية من جهة، وفيض الحكايات الشعبية وموروث اللعب والحركة والأغاني التراثية مثل أغاني ترقيص الأطفال من جهة أخرى( ).

 

كان التنازع بين التسلية والتوظيف الجدي المباشر لثقافة الأطفال انعطافة هامة في تطور ثقافة الأطفال، ثم تلتها انعطافة أخرى مع اكتشاف الطفل كمتلق، وكجمهور خاص، مما سيطبع نظرية أدب الأطفال بخصائص علم نفس الطفولة وما يتصل بها.

 

وقد أدى ذلك إلى اكتشاف حقوق الطفل من مجرد التعديل أو التبسيط إلى إنتاج خطابه الثقافي الخاص استناداً إلى حق الطفل بالخيال، وحق الطفل بالتذوق، وحق الطفل بالأدب والفن، أي حق الطفل في أن يكون موضوع ثقافته، وحقه في إبداع أدب وفن خاصين به. ثم كانت هناك انعطافة أخرى حين غدا تطور ثقافة الأطفال تطوراً حضارياً يتأثر بالتغيرات السياسية والاجتماعية والثقافية للشعب والمجتمع. وجرى الإقرار بأن الحالة السياسية لبلد من البلدان هي التي تحدد حالته الثقافية، ومنها حالة ثقافة الأطفال فيه. وقد كشف الإقبال العربي على ثقافة الأطفال في العقدين الأخيرين أنها ما تزال تحتاج إلى العون على الرغم من جذورها القوية الممتدة في التراث العربي، وعلى الرغم من الوعي المبكر لأهميتها الثقافية، فقد روى ابن رشيق عن الزبير بن بكار الحديث التالي:

«سمع العمري يقول: روّوا أولادكم الشعر، فإنه يحل عقدة اللسان، ويشجع قلب الجبان، ويطلق يد البخيل، ويحض على الخلق الجميل».

لا يماري أحد اليوم إزاء الأهمية الثقافية المتنامية لثقافة الأطفال في التربية القيمية. وفي تنمية الإدراك المعرفي، وفي صقل الشخصية، وهناك علوم ناهضة تجعل الأهمية الثقافية في متناول اليد، وتوثق علاقة الأطفال بشعر الأطفال وقصصهم، وبوسائطهم الثقافية المتعددة.

4ـ5ـ الأهمية النفسية:

تعد ثقافة الأطفال وسيلة علاجية ثبتت فعاليتها في ترشيد السلوك وتعديله، ثم اعتمد المربون كثيراً على ثقافة الأطفال في علاج أمراض النفس والعقد النفسية، لأنها نتاج سنوات الطفولة، وثمة صلة بين اللغة واللعب، وهما سياقان تربويان وثقافيان يميزان النمو في هذه السنوات، وثمة ما يؤكد أن طبيعة النمو مرتهنة في المكان الأول بطبيعة الظروف والمتغيرات الخاصة بالثقافة التي تعيش فيها. والتي ليست سوى حوار صامت أو صارخ بين لغة الطفل واللغات من حوله.

 

إن جوهر عمليات النمو هو انتقال من انعكاسات إلى الأفعال الحسية وسواها، إلى الأفكار إلى الأقوال حيث النمو اللغوي يميز النمو المعرفي، تمهيداً للنمو الاجتماعي والانفعالي وتكون الشخصية، وما يرافقها من مشاعر هي بدء تحسس الضمير لأخلاقي واكتشاف النفس مع مرحلة اللعب والحركة ودراما الحياة اليومية عندما يتكون السلوك السوي وغير السوي المصحوب بأمراض النفس والعقد النفسية.( )

 

إن ثقافة الأطفال بوسائطها المتعددة، وسيلة علاجية من المشكلات التربوية والاجتماعية في بيئة الأطفال ومجتمعهم، ومن الأمراض النفسية والعقلية عند نشوئها. وفي المبدعات الثقافية للأطفال عن طريق تدعيم التلقي الموضوعي، حالات إنسانية تجسد هذه المشكلات وهذه الأمراض مما تضيء للأطفال عوالم الروح الخيرة، أو تنفر من السلوك غير الحميد وما يهدد العافية النفسية، ومن هذا الباب، تزخر ثقافة الأطفال بالنماذج التي تحبب الحيوان والطبيعة والتعاطف والنبل والأخلاق والعطاء والكرامة وغيرها من القيم الإنسانية. ومن هذا الباب أيضاً، تعرض ثقافة الأطفال هذه النماذج وسط الشدائد والمكابدة واجتياز الصعاب لاختبار وجدان الأطفال ومواجهتهم لما يهدد هذه القيم.

 

لقد كانت ثقافة الأطفال علاجاً تربوياً لمشكلات النطق والاضطرابات الحركية والانعزالية الاجتماعية والأنانية والكسل والسلبية والخنوع وسواها، وعلاجاً سلوكياً لأمراض النفس والعقل كالرهاب والحصار والعصاب والمخاوف المرضية والمعتقدات الخاطئة وغير ذلك. وأجمل هذه الثقافة ما كان الأطفال موضوعها وأبطالها.

أما كيفية تحقق الأهمية النفسية لثقافة الأطفال فعن طريق التنمية الثقافية التي تعنى بالبعد النفسي وتبدأ مع الطفل منذ ولادته في برامج تراعي طبيعة النمو وخصائصه اللغوية والحركية والإدراكية، وثمة ثقافة مناسبة لكل مرحلة تستند إلى الثقافة الشعبية التقليدية، وتستفيد من إنجازات الثقافة المعاصرة في الوقت نفسه.

وفي هذا المجال، علينا أن نحذر من الوجه الآخر للبعد النفسي لثقافة الأطفال، فقد تصبح مرتعاً للانحراف ونقل المشكلات والأمراض وتأييدها في غياب التنمية الثقافية التي تشرك الطفل في تلبية حاجاته، أو التغلب على ضعفه، أو تدعيم عامل الإرادة في نفسه.

 

 

الفصل الثالث: منظور اجتماعي لثقافة الطفل العربي

 

لدراسة تنظيم علاقة الوحدة الطليعية (المدرسة أو مركز التعلم أو النشاط الطفلي) بالمجتمع المحلي، ولتكون هذه العلاقة ثقافية إيجابية فعالة، فإننا سنبين المصطلحات الخاصة بمفاهيم العمل التربوي والعمل الاجتماعي من خلال تنظيم الأطفال في جماعة أو مجتمع، ومن خلال حركة الأطفال في المجتمع، وبما يؤدي إلى أن يكون العمل الاجتماعي عملاً ثقافياً.

 

1ـ حركة الأطفال:

يشكل الأطفال نسبة عددية كبيرة ومتزايدة في تعداد سكان المعمورة اليوم، وهم يشكلون قوة جماهيرية فائقة في مجموع السكان، ولكنهم على الرغم من ذلك كله، لا يلقون الرعاية أو العناية التي تتناسب مع وضعهم الاجتماعي والتاريخي. وإلى وقت قريب، لا يزال الأطفال خارج البناء الاجتماعي أو إنتاج المجتمع.

إن الأطفال لا يزالون اكتشافاً بالنسبة لأولي الأمر هنا وهناك، فهم لا ينخرطون في حركة منتظمة نظراً لاعتبارات كثيرة، وهم لا يخاطبون جمهوراً محدداً نظراً لمشكلات عصرنا الكثيرة المتفاقمة التي تشغل المخطط والأهداف الدولية والإقليمية والقومية. وهم أساساً لا ينظر إليهم جمهوراً محدداً نظراً للتنازع المستمر بين جهات مسؤولية تربية الأطفال، مما يدعونا إلى النظر في مصطلحات «حركة الأطفال»، و«جيل الأطفال» و«مرحلة الطفولة».

إن مفهوم الحركة يعني التيار العام الذي يدعو طبقة من الطبقات، أو فئة اجتماعية من الفئات إلى تنظيم صفوفها، بهدف القيام بعمل موحد محدد لتحسين أحوالها الاقتصادية، ولتحقيق التقدم الاجتماعي لجميع أفرادها، وتتمثل الحركة المعاصرة في أحزاب سياسية، أو في نقابات، أو في تعاونيات، أو في منظمات، أو في جمعيات، أو في نوادٍ، أو في اتحادات. وهي تقيم خلال مسيرتها التطبيقية اليومية نوعين من العلاقات: علاقات مع السلطة الاقتصادية، وعلاقات مع السلطة السياسية، بهدف تحقيق قوتها الاجتماعية السياسية تحققاً فعلياً، وترجمة مطالبها وأمانيها إلى ممارسة يومية.

 

فهل تشكل تنظيمات الأطفال حركة؟ يؤكد واقع الحال أن تنظيمات الأطفال تشكل حركة في مجتمعاتها تلتف حول إرادة تطوير أوضاع الأطفال، وتطوير المجتمعات بشكل عام، لأنه لا يمكن بأي حال من الأحوال، أن نعزل مشكلات الأطفال عن مشكلات مجتمعاتهم. وغني عن البيان، أن ثمة منظمات قومية وإقليمية ودولية، عامة ومتخصصة تسهم اليوم في رفد حركة الأطفال بالتأييد والتشجيع والدعم المثمر.

 

2ـ جيل الأطفال، مرحلة الطفولة:

أما مفهوم الجيل فهو إحدى مراحل سلسلة النسب في تعاقبها، أي فترة الزمن المعتادة التي تتعاقب فيها مرتبة بعد أخرى أو التي يخلف فيها الابن الأب، والتي تستمر عادة نحو 33 سنة. وهذا الفرق الزمني الواقع بين جيلين يقابله فرق في العمر العقلي بين الأب والابن.

 

 وتوجد في الغالب فروق نفسية ونمائية بين الأجيال القديمة والحديثة تؤدى إلى وجود نزاع بينها، ويقال «صراع بين الأجيال» ويقال «صراع داخل الجيل الواحد». وهكذا، يعتبر مجموع الأفراد الذين يشتركون في حدث معين في فترة زمنية محددة، كفوج المواليد الذين ولدوا خلال فترة زمنية محددة، يعتبرون جيلاً. إن الأطفال والفتيان يشكلون جيلاً، لأنهم يشتركون في زمن واحد، ولهم زمنهم أو عالمهم الواحد.

 

وفي حال الأطفال أيضاً، نميز مصطلح بمرحلة أو مراحل، فللطفولة مراحلها التي تفرض اعتباراتها الخاصة في حدود معنى الجيل، وحدود معرفة الجيل. إن مسألة الأطفال مرهونة أساساً ببعدها التربوي، وربما كان المنظور التربوي هو ما يميز الطفولة كظاهرة تاريخية واجتماعية، فلا حركة أطفال خارج المنظور التربوي لوعي حقوق الأطفال وواجباتهم، ففي المنظور التربوي نفهم حركة الأطفال انطلاقاً من أوضاعهم كجيل له خصائصه، وهي ما نسميه بالاعتبارات التربوية.

 

3ـ الاعتبارات التربوية:

تنبع الاعتبارات التربوية إزاء الأطفال من حقيقة مفادها أن الأطفال ليسوا راشدين، وإننا لكي نضمن للأطفال انخراطاً ميسوراً ومثمراً في مجتمعهم، وإننا لكي نضمن للأطفال إدراكاً مبكراً للعالم من خلال تنمية شخصياتهم، ينبغي أن نستند إلى مجموعة اعتبارات تربوية نلخصها فيما يلي:

1ـمراحل النمو عند الأطفال وعلاقتها بخصائصهم بما ذلك الفروق الفردية والبيئية والاجتماعية.

 

2ـمراحل النمو الثقافي واللغوي، إذ يأخذ الطفل أنماط مجتمعه الثقافية، وهي لاشك، لها مكانتها الكبرى في تحديد النمو الاجتماعي، بالإضافة إلى مشكلة القاموس المشترك للطفل، ومراعاة السمات المميزة للغة وارتباطها بالخلال، أو أساليب الكتابة ومواقف الأطفال منها.( )

 

4ـ علاقات الجيل في محيطه ووسطه:

يتحدد نمو الطفل دائماً بالنسبة لمجتمعه وثقافته، وهذا النمو مرهون أيضاً بتحديد علاقة الأطفال بالمجتمع والثقافة، والسؤال هو: هل هناك مجتمع طفلي؟ ما هي نقاط الافتراض ونقاط الالتقاء بين المجتمع ومجتمع الأطفال؟ هل هناك ثقافة طفلية؟ هل هناك نظرية لأدب الأطفال؟ كيف يتصل الأطفال بثقافتهم؟

إنهما سؤالان، يستدعي الأول أن نشير إلى مفاصل طبيعة العلاقات بالمحيط الاجتماعي والوسط الإنساني، ويستدعي الثاني أن نشير إلى الخطوط الكبرى لطبيعة الخطاب الموجه لتربية الجيل بما يساعد على بناء شخصية نامية، متطلعة، مبدعة.

 

5ـ الأطفال والمجتمع:

يفرق العلماء بين الجماعة والمجتمع، فالجماعة تضم جميع الأفراد، الكبار والأطفال، الذين يعيشون في إقليم معين حيث يشتركون كلهم في أسلوب الحياة فيها، وإن لم يكن جميعهم واعياً بتنظيمها أو فرضها.

أما المجتمع فهو نوع من الجماعة أو جزء منها، أصبح أعضاؤها على وعي اجتماعي بأسلوبهم في الحياة، وتربطهم مجموعة مشتركة من الأهداف والقيم. وقد استفادت التربية من هذا التفريق، فالأطفال أعضاء في الجماعة، ولكنهم ليسوا بأعضاء في المجتمع، إلا إذا وعوا الطريق الذي يسير فيه مجتمعهم، وعرفوا حقوقهم وواجباتهم فيه كمواطنين كاملين، فهم أعضاء كامنون في المجتمع، وإحدى وظائف التربية هي إعدادهم للعضوية الكاملة فيه.

كيف تكون جماعة الأطفال، بوصفها جماعية غير اجتماعية، وكيف تكون علاقاتها ريثما تنخرط في مجتمعها، وتصبح جماعة اجتماعية، نستطيع أن نصنف العلاقات وفق مايلي:

5ـ1ـ علاقة الجيل مع التقاليد:

وتتناول هذه العلاقة الأنماط الثقافية للمجتمع كمحددات للنمو الاجتماعي، ودور التربية أو الوسائط التربوية والثقافية في تحديد مكتسبات الموروث الثقافي ومدى فاعليته. أي الإجابة على نزاع الثابت والمتغير في حياة الجيل.

5ـ2ـ علاقة الجيل مع المؤسسات:

وتتضمن هذه العلاقة اتجاهات الوظيفة الاجتماعية للتربية، ودراسة مدى تأثير حياة الجماعة كمحدد لسلوك الفرد، فثمة اتجاهات سائدة كرستها المؤسسات مثل أشكال السلطة الأبوية والعائلية والاجتماعية، وهذا يعني الإجابة على سؤال: أين الفرد؟ وأين الجماعة؟

5ـ3ـ علاقة الجيل مع النظام الاجتماعي:

وتتضمن هذه العلاقة مطالب الدولة وهي تندفع أو تفترق عن مطالب القوى الاجتماعية الفعالة إزاء مطالب النمو اللازمة للفرد، أي الإجابة على نزاع المواطنة والفردية في ذات الطفل.

 

6ـ الأطفال والثقافة:

لاشك في أن الأطفال جمهور محدد، وأن ثمة خطاباً خاصاً بالطفل لابد منه في التأثير على هذا الجمهور، ولابد منه في ضمان تأثير هذا الجمهور في مجتمعه. والحق، ألا فصل بين الأطفال ومجتمعهم من جهة، والأطفال وثقافتهم من جهة أخرى.

نستطيع أن نتلمس الخطوط الكبرى لثقافة الأطفال فيما يلي:

6ـ1ـ دراسة حاجات الفرد وحاجات المجتمع: مما يقودنا إلى ضرورة تخصيص الطفل بجهة (مخاطبة) واحدة من منطلقات مراعاة حاجات النماء أولاً، وحاجات الانتماء ثانياً.

6ـ2ـ تحديد أهداف التربية وطرائق تحقيقها: ينبغي أن تنهى تنظيمات الأطفال، ومن يلتف حولها بمسؤولية تربوية شاملة، وأن تحققها أقرب السبل والأساليب التربوية الحديثة المتطورة.

6ـ3ـ تحديد التربية السياسية في إطار التربية الشاملة، وأن تكون الإجابة واضحة حول أسئلة الميول والاتجاهات والخبرات التي نعلمها للطفل، وأي دور يكون للطفل أو للتنظيم أو للمجتمع في كل هذا.

إن إيضاح علاقات الأطفال بثقافتهم، وتيسير استخدام الأطفال لها وانتشارها، تساهم مساهمة أكيدة في تنظيم حركة الأطفال في المجتمع باعتبارها جانباً من جوانب التغير الاجتماعي بالدرجة الأولى، ومن شأنه أن يحقق التفاعل الاجتماعي من أجل ضمان «خطاب» أفضل لبناء «شخصية» الطفل، ومن أجل ضمان «علاقة» أفضل لتربية الأطفال في توفير «مناخ» يمكن حركة الأطفال من تحسين أوضاع شعوبهم بعد ذلك.

إذن، الأطفال جماعة لها مجتمعها الخاص، والتنظيم يؤهلهم ليكونوا أعضاء في المجتمع، فالتربية بهذا المعنى فعالية اجتماعية من شأنها أن تيسر مهمات التنظيم أو التجمع الطفلي بهذا الاتجاه أو ذاك، وهذا التيسير يستند إلى أدوار القوى الاجتماعية الفاعلة في المجتمع، مثلما يتحدد بمركز مجتمع الأطفال أنفسهم، أي مكانة الجماعة الطفلية في تحقيق التفاعل الاجتماعي اليقظ الخلاق مما ينفع في تأدية الأهداف التربوية العامة، ويثمر الوظائف الثقافية للتجمعات الطفلية.

أما التربية فهي مكون ثقافي أساساً، فالشخصية تتحدد أولاً بالثقافة التي تنمو فيها، وقبل أن يتكون الأطفال في جماعة، فإنهم ينمون في جماعة ثقافية أولاً، وقد ذكر أحد الباحثين عدة عوامل لتقرير عما إذا كانت ستبرز أي مجموعات ثقافية واضحة أم لا.

6ـ3ـ1ـ عوامل متنوعة:

الدخل، المهنة، التعليم، عادات الكلام (الحديث واللهجة والكلمات)، نوع المسكن، عادات إنفاق النقود.

6ـ3ـ2ـ عادات المعيشة:

الملابس، الطعام، العادات الجسمية ووسائل المحافظة على الصحة، الاتجاهات نحو الزواج والجنس، طرق تربية الأطفال، أنماط الحياة العائلية.

6ـ3ـ3ـ طرق قضاء وقت الفراغ:

القراءة (وتتضمن الصحف)، برامج الإذاعة المفضلة، الألعاب والرياضة (التي تكعب أو تشاهد)، التمثيليات المفضلة، وسائل التعبير الفني، طرق قضاء الأم العطلة.

6ـ3ـ4ـ مجموعة الاعتقادات والقيم:

الاتجاهات والمستويات الخلقية، الاعتقاد الديني، الآراء السياسية، الآمال الاجتماعية، أهداف الحياة. ووصف شخص في ضوء جميع العوامل السابقة، يعطي دليلاً سليماً إلى حد ما عن الثقافة التي ينتمي إليها. وغني عن القول بعد ذلك أن وضع الشخص في مجتمعه يعتمد أولاً على ثقافته وليس على مركزه الاجتماعي أو الطبقي، أي أن التعليم يتيح الفرصة للطفل المجتهد لتغيير طبقته الاجتماعية أو مجموعته الثقافية، إن كان في حاجة إلى ذلك( ).

 

7ـ علاقة التربية بالثقافة:

هل تعني التربية الثقافة؟ لقد قلنا أن التربية مكون ثقافي، أي أن الثقافة مفهوم واسع يتضمن القيم والأهداف الكبرى التي تتحرك حياة الإنسان من أجل تحقيقها، أو يخفق المرء في التطلع إليها أو إنجازها، أما التربية فهي وسيلة في سياق عملية البنيان الثقافي العام، أو التكوين الإنساني الشامل، فالثقافة إذن هي نتاج التفاعل بين الوسائل والقيم، ويؤكد علماء التربية والاجتماع، أن كلاً من الوسائل والقيم تتغير، وأن تفاعلها هو الذي يحدد طبيعة المجتمع في وقت معين. وهكذا تتبادل القيم والوسائل التأثير نحو صياغة مجتمع ما، أو جماعة اجتماعية ما.

 

8ـ مفهوم القوى الاجتماعية:

تفيد أحدث التعاريف أن القوى الاجتماعية هي مجموعات من الناس، فهي قوى بشرية تعمل مع بعضها البعض في المجتمع، ويمكن تعريف القوة الاجتماعية أنها محاولة من جانب عدد من الأفراد في مجتمع ما للقيام بعمل اجتماعي أو إحداث تغيير اجتماعي.

والقوى الاجتماعية التي تعمل في مجتمع ما في وقت محدد، هي محددات الثقافة، ويعد كلاهما الوسط الذي تنتشر فيه الوسائل والقيم، وتتغير كنتيجة لتفاعلهما، ويجب ألا نفكر في الثقافة أو المجتمع كشيء منفصل عن الناس الذين يحيون فيه ويغيرونه، فالثقافة تتكون من أفكار وأعمال الأفراد وجماعات الناس، وليس هناك ما يدل عليها غير أفكار الناس وأعمالهم.( )

 

9ـ التفاعل الاجتماعي بين الجماعة الطفلية والمجتمع المحلي:

ينمو الطفل في دائرة متسعة من التفاعل الاجتماعي بما هو تفاعل ثقافي أيضاً، التي تعني الازدياد المضطرد في اندماجه مع الناس الآخرين، والتفاعل الاجتماعي هو الاسم الذي يطلق على أي علاقات تحدث بين الأشخاص في مجموعات، أو بين المجموعات بعضها مع بعض، باعتبارها وحدات اجتماعية، وتنتقل أنماط الثقافة عن طريق هذا التفاعل الاجتماعي. ويكون التفاعل عبر تنمية العلاقة بين القوى الاجتماعية والجماعة الطفلية بوصفها تجمعاً طفلياً.

 

10ـ طبيعة القوى الاجتماعية:

تتألف القوى الاجتماعية من المؤسسات، وتبدأ بالأسرة ثم تشمل ما يؤلف بناء المجتمع كله بعد ذلك، ونستطيع أن نفصلها فيما يلي:

10ـ1ـ الأسرة.

10ـ2ـ الحكومة، أو الدولة، أو السلطة وهي المؤسسات الثابتة المستقرة التي تشرف على تنظيم المجتمع، والضبط الاجتماعي، مثل الأمن والشرطة، والمجلس البلدي، والدوائر الرسمية والجيش.

10ـ3ـ المنظمات الشعبية، وفي التنظيمات السياسية التربوية الإنتاجية التي تسهم إسهاماً كبيراً في أداء أهداف بناء المجتمع.

10ـ4ـ النقابات المهنية: وهي الهيئات والتنظيمات التي تجمع أصحاب الحرف والمهن في تنظيم خاص يضطلع بمهام المشاركة التربوية بما يخدم مصالح المهنة أو الفئة الاجتماعية، ولا يتعارض مع غايات البناء الاجتماعي.

10ـ5ـ الجمعيات والجماعات الخاصة: وهي جماعات تقوم على أهداف معينة، وغالباً ما تلجأ إلى الانتخاب في أداتها، وتتقيد بقوانين محددة، ولها منشآت أحياناً، ونذكر منها: «جمعية البر والإحسان، جمعية تنظيم الأسرة، نادي الشباب الكاثوليكي، جمعية المحاربين القدماء، الغرفة الزراعية...الخ». وغالباً ما ترتبط هذه الجمعيات والجماعات بالأقليات أو الفئات المغمورة، أو العمل الاجتماعي التطوعي.

10ـ6ـ هيئات الخدمة العامة: وهي الهيئات التي تنشأ لأداء خدمات اجتماعية معينة، وتتبع للقطاع العام أو الخاص، مثل وحدة الإرشاد، أو الوحدة الصحية، أو مكتب العمل، أو مكتب الأمل للخدمات الجامعية، أو مكتب النجاح للطيران...الخ.

10ـ7ـ المشروعات الخاصة: وهي تجمعات أنشئت لإنجاز الأعمال والخدمات على سبيل التعاون أو الإنتاج أو الكسب مثل مشروع دمر السكني، أو الجمعية التعاونية الاستهلاكية للمعلمين، أو عيادة تنظيم الأسرة الريفية...الخ.

10ـ8ـ جمعيات لا تتقيد بنظام خاص، وهي: أماكن التجمعات التي لا تخضع لنظام عضوية أو جمهور محدد، ويقبل عليها الأفراد تطوعاً، أو استثناء، وقد لا تكون دائمة.( )

 

11ـ طبيعة الجماعة الطفلية:

الجماعة الطفلية هي وحدة التنظيم الأساسية في منظمات الأطفال، ويتميز نظام الوحدة الطليعية بإدارته الديمقراطية عن طريق مبدأين:

الأول: مبدأ المشاركة.

الثاني: مبدأ التمثيل عبر المجالس.

ولتحقيق هذين المبدأين، يعتمد أسلوب التسيير الذاتي، فالتسيير الذاتي هو أسلوب عمل ذاتي بوساطة جمهور الوحدة الطليعية من مشرفين أو مربين، وأهالي أو مواطنين، وأطفال أو طليعيين حيث يشارك الجميع في التخطيط والتنفيذ والتقويم عبر المجالس المخلتفة. وبهذا، يصبح التسيير الذاتي أسلوباً لتنمية الوحدة الطليعية، ولكي تنجز هذه التنمية بأقل التكاليف، وبأيسر السبل، ولكي تحقق التنمية أبعادها التربوية والاجتماعية، تلجأ الوحدة الطليعية إلى أسلوب الخدمة العامة للإسهام المباشر في تنمية المجتمع، حيث تندغم العملية الطليعية بعملية البناء الاجتماعي بعد ذلك.

 

12ـ المؤثرات الداخلية في عملية التنمية:

نلخص المؤثرات الداخلية فيما يتلقاه الطفل من مؤثرات مباشرة أو غير مباشرة على نمائه الشخصي بوضعه محصلة اجتماعية وعملاً تربوياً، ونقسم هذه المؤثرات إلى قسمين هما:

اـ المجموعات الأولية: وتتألف من الأسرة، ومجموعات الأصدقاء واللعب.

2ـ المجموعات الثانية: وتتألف من مجموعات البيئة المحيطة أو الوسط المحيط مثل مجموعات الدراسة والعمل، والهيئات والأندية والشلل وما شابه ذلك.

وتعد هذه المؤثرات منطلق النماء الشخصي الذي يحدد مكانة الطفل في جماعته ومجتمعه، فهي التي تعطيه المركز الاجتماعي، وتحدد له الدور الاجتماعي المنتظر منه كشخص يشغل هذا المركز، وهذا يعنى أن لهذه المؤثرات أهمية كبرى في إحداث التغيير الاجتماعي، لأنه الهدف المستمر للتربية.

 

13ـ المؤثرات الخارجية في عملية التنمية:

ونقصد بالمؤثرات الخارجية كل ما يؤدي إلى التأثير الإيجابي أو السلبي في شخصية الطفل بفعل المؤسسات الاجتماعية. وتقسم المؤثرات الاجتماعية إلى مايلي:

1ـ الأنماط الثقافية.

2ـ وسائل الاتصال.

3ـ المدارس الخلفية.

وتعتمد هذه المؤثرات على انتشارها من جهة بين جماهير الأطفال، وعلى أصالتها كالأنماط الثقافية التقليدية، أو على قوتها كالمدارس الخلفية مثل أماكن اللهو من جهة أخرى، ويقبل الأطفال كثيراً على هذه المؤسسات، ولاسيما التلفاز والسينما وأماكن الترفيه.

 

14ـ الوحدة الطليعية مركزاً قادراً على التفاعل:

تكون الوحدة الطليعية قادرة على التفاعل الاجتماعي إذا وسعت من قابليات التسيير الذاتي على أرض الواقع، ومن منطلق الاعتبارات التربوية التي ذكرناها، ومادام عمل هذه الوحدات لا يقتصر على النشاطات اللاصفية وحدها، بل يستند إلى ممارسة تربية شاملة، فإننا سنعمد إلى تلخيص منطلقات الرؤية الواقعية والتربوية التي تتيح للوحدة الطليعية فاعليتها التربوية والاجتماعية والثقافية المنشودة، وهي:

14ـ1ـ عمل تنظيم الأطفال استمرار للمجهود التربوي العام، داخل المدرسة وخارجها، وهكذا، تمتد خطتها لتعمل العمل الاجتماعي والسياسي الواسع للنهوض التربوي، لأن التنظيم هو مركز الإشعاع ومعول التغيير في هذا النهوض المرتجى.

14ـ2ـ تعزيز وحدة المسؤولية التربوية بين مختلف الجهات المعنية: لأن التربية عمل قومي شامل، ولا يكون هذا التعزيز بدون التعاون المطلق بين مختلف المؤسسات والهيئات والتنظيمات المعنية.

14ـ3ـ إعلاء شأن العمل التنظيمي داخل التنظيم، وفي علاقاتها مع الجهات المعنية الأخرى، من خلال مشاركة تربوية أوسع للجهاز التربوي وقوى المجتمع، وجمهور الأطفال.

14ـ4ـ احترام رأي جمهور الأطفال في مصير تنظيمهم من خلال تأصيل مبدأ المشاركة ومبدأ الديمقراطية من أجل الحرية والإبداع.

14ـ5ـ تكريس مبدأ التربية عن طريق الوسائط والوسائل المختلفة: التربية عن طريق اللعب ـ التربية عن طريق العمل ـ التربية عن طريق الفن ـ والابتعاد عما ينافي هذا المبدأ، إذ تصبح النشاطات كلها وسائل تربوية بعد ذلك.

14ـ6ـ التأكيد على أن عمل التنظيم الطفلي تربوي سياسي يلبي حاجات النماء، مثلما يلبي حاجات الانتماء باستمرار، والوعي أن دور التنظيم يستند إلى هذا الجوهر الحي لمعنى قيامها ونجاحها.

14ـ7ـ التأكيد على أن أداء التنظيم الطفلي لأدوارها يعتمد على توفير خدمات أوسع للأطفال من خلال سياسات وتدابير ملموسة تتجسد في تلك المنشآت والصروح والمنجزات التي تحمي الطفولة وتتيح لها تنمية تربوية سياسية خلاقة.

إن هذه المنطلقات توفر للعمل الطليعي التربوي داخل الوحدة فرص التفاعل الاجتماعي والتنشيط الثقافي، ويهدف التسيير الذاتي في النتيجة إلى الأهداف التالية في مجال العمل مع الأطفال:

أ-تبكير الوعي نحو الإحاطة الشاملة بدنيا الطفل، واندغامها المبكر بإدراك العالم.

ب-تبكير الإحساس بالمسؤولية من خلال الانخراط المبكر بحياة الجماعة، والنظام الاجتماعي.

حـ-تعزيز مبدأ المشاركة والتقليل من مبدأ التقليل نحو نماء مبكر ومبدع للشخصية الطفلية.

ويحقق التسيير الذاتي الأهداف التالية في مجال الكبار:

أولاً: مشاركة أوسع للقوى الاجتماعية في إدارة العمل الطفلي الطليعي وتنظيمه.

ثانياً: انبثاق العمل الطفلي الطليعي من داخل المجتمع المحلي، حيث تصير المشاركة إلى مسؤولية وطنية حقاً.

وتأخذ هذه الأهداف سبيلها إلى الواقع في الوحدة الطليعية من خلال:

ـ العناية بالمجالس، وتحديد طبيعة المشاركة فيها، فهناك جمهور محدد دائماً لهذه المجالس، ثمة مجالس مخصصة للمربين وحدهم، وأخرى للمربين والقوى الاجتماعية، وثالثة للأطفال ونستطيع أن نصنف المجالس على هذا النحو:

أ- مجالس الأطفال:

- مجلس الطليعة- مجلس الفرقة- مجلس العرفاء.

ب- مجالس المربين والقوى الاجتماعية:

- مجلس الوحدة         - مجلس الآباء والأمهات    - مجلس الأصدقاء.

ـ رسم مهمات محددة في إطار أدوار محددة لهذه الجماهير، وينبغي ألا يغفل القائمون على التسيير الذاتي توسيع المشاركة ما أمكن لتصبح العملية الطليعية مسؤولية مشتركة.

15ـ الوحدة الطليعية كمركز إشعاع في مجتمعها المحلي:

لم يعد التعليم أو التعلم مقتصراً على المدرسة وحدها، مما يدعوها باستمرار إلى الاستفادة من المجتمع ومشاركة القوى الاجتماعية في إنجاز مهام التربية، وتشير آخر دراسات اليونسكو إلى التطلعات المشروعة في هذا المجال نحو تبادل التأثير الإيجابي الفعال بين المدرسة والمجتمع المحلي، وقد شكا باحثو اليونسكو من التباس العلاقة بين المدرسة والمجتمع، ثم وضعوا تصنيفات يمكن اعتبارها مؤشرات توجيهية تفيد في تحديد العلاقة لتكون المدارس أو مراكز التربية مرافق مشتركة بقدر ما هي تربوية، وتتلخص هذه المقترحات فيما يلي:

-مدارس وسعت خدماتها لتشمل عناصر من السكان أعمارهم من غير أعمار تلاميذ المدرسة.

-مدارس تتأثر أنشطتها أو سياساتها الداخلية إلى حد ما ببعض عناصر بيئاتها.

-مدارس تستفيد من موارد المجتمع بطريقة منهجية بغية إثراء دورها العملي أو مناهجها الدراسية.

-مدارس مشتركة في برامج تعاون حول مهمة معينة تتناول جانباً خاصاً من جوانب البيئة.

-مدارس لم تعد «مدارس» بالمعنى المادي المقبول لكلمة مدرسة، ولكنها اندمجت مادياً مع بعض الخدمات الاجتماعية الأخرى أو ذابت كلياً في المجتمعات المحيطة بها.

والمرجو من زيادة التعاون أو الدمج بين المرافق المدرسية والمجتمعية أن يؤدي إلى:

-رفع مستوى البيئة الاجتماعية والمادية.

-تعزيز الاتصال والتعاون بين الهيئات المختلفة ومجموعات المستفيدين.

-تقليل عزلة المدرسة عن الحياة اليومية وزيادة الترابط بينهما.

-القضاء على التكرار المكلف في الخدمات والبرامج، وفي هيئات الموظفين وفي مساحة الأرض.

إن العملية متبادلة: استفادة الوحدة الطليعية من المجتمع، والاستفادة من الوحدة الطليعية في خدمة أغراض المجتمع.( )

ولتطوير الوحدة الطليعية من أجل أداء هذه العملية نتذكر هذه المبادئ:

1ـاضطلاع الوحدة الطليعية بمهمة تحسين مستوى المعيشة، لأنها إحدى أبرز وظائف التربية المعاصرة: تكوين أفراد أفضل في عالم أفضل.

2ـامتداد الوحدة الطليعية إلى المجتمع المحلي لتكون مجالاً للتعلم من خلال توسيع المهارات والخبرة المباشرة داخل المجتمع المحلي.

3ـامتداد المجتمع المحلي للوحدة الطليعية لتكون مرافقها مراكز للمجتمع من خلال اللقاءات المتبادلة والرأي المتبادل والمنفعة المتبادلة.

4ـارتباط العمل التربوي بالمشكلات الأساسية للحياة، حيث يتضمن برنامج الوحدة الطليعية التعرف على المشكلات الأساسية للمجتمع المحلي ومعالجتها قدر الإمكان.

5ـمشاركة المجتمع المحلي في السياسة التربوية من خلال التنظيم الدقيق والاحترام المتبادل.

6ـالوحدة الطليعية رائدة في مجتمعها المحلي، ولاسيما في مجال التنسيق الاجتماعي من أجل وجهات النظر والممارسة بين مختلف الجهات.( )

7ـالوحدة الطليعية رائدة في مجال الديمقراطية إذ تكرسها من خلال ممارسة واسعة.

وتتحقق عملية الاستفادة بين الوحدة الطليعية والمجتمع المحلي استناداً إلى مشروعات الخدمة العامة، ونوجزها فيما يلي:

1ـاستخدام الوسائل التعليمية في المجتمع مثل المطبوعات والمواد السمعية والبصرية، والبيانات والوثائق الاجتماعية.

2ـتوسيع مجال المصادر الميدانية للمعرفة والحياة مثل المنظمات والدوائر والمؤسسات الأخرى.

3ـالاتصال المباشر بأهل الخبرة والرأي كمصادر للمعلومات والتعلم من خلال أساليب اللقاء مثل الاستضافة والزيارة الميدانية.

4ـالدراسة الاجتماعية المباشرة لقطاعات العمل والإنتاج والنشاط.

5ـاستخدام مبنى الوحدة الطليعية لمشروعات اجتماعية، وقد جرت تجارب واسعة في إطار اليونسكو لاختبار مثل هذه المشروعات كما هو الحال مع هذه التجارب:

-المرافق التربوية المجتمعية في أستراليا: بعض الأمثلة على المدارس المجتمعية واقتراح بإقامة مستوطنة بعيدة للسكان الأصليين.

-دمج المرافئ التربوية والمجتمعية في جمهورية ألمانيا الاتحادية وبرلين (الغربية).

-دراسة تقويمية للمدارس القائمة والمدارس المجتمعية التي يجري التخطيط لها.

-المرافق التربوية التي تخدم مجتمع إحدى الجزر اليونانية: تحويل أحد المباني التاريخية القديمة إلى مركز تربوي مجتمعي محلي.

-مركز مجتمعي للخدمات المتعددة في كينيا: حاجات ومشكلات المجتمعات المنتقلة من مستوطنات ريفية إلى مستوطنات حضرية.

-المدارس المجتمعية الحضرية في الولايات المتحدة: المرافق التربوية كمكان للتربية والخدمة على نطاق المجتمع بأسره.

6ـالمشاركة في الخدمة العامة داخل المجتمع المحلي والبيئة المحيطة كحماية البيئة أو الحفاظ عليها، أو حملة التعرف على البيئة، أو حملة نشاط ميداني لخدمة البيئة.

ولابد في الختام من تطوير هذه المشروعات والتجارب لتكون العلاقة بين الوحدة الطليعية والمجتمع المحلي أكثر فاعلية وإيجابية.

16ـ اقتراحات حالات عمل:

اـ دراسة معمل أو مصنع من خلال المشاهدة والصور والبيانات.

2ـ دراسة إمكانية حي ما لإقامة حديقة أطفال أو متحف أو معرض أو نصب تذكاري.

3ـ دراسة مجموعة أفلام حول حرب تشرين، لعرضها في حفل خاص.

4ـ دراسة تاريخ مدينة أو قرية من خلال الوثائق والبيانات والصور.

5ـ دراسة مشكلات حي قديم للتعرف على نمط ثقافي ما.

6ـ دراسة مشكلات مدينة جديدة للتعرف على مشكلات اجتماعية محددة.

7ـ زيارة ميدانية لمدينة القنيطرة المحررة وإبراز دروس التاريخ ضد الغزو الأجنبي.

8ـ زيارة ميدانية لأسر معلنة في حي ما أو قرية ما لدراسة انتشار التلفاز وكيف يؤثر على الناس.

9ـ زيارة ميدانية للاتحاد النسائي وإبراز تاريخ نضال المرأة من مجتمع أفضل.

10ـ استضافة مدير دائرة الخدمات للتعرف على جهود المديرية في تنظيم المدينة وتوفير الخدمات.

11ـ استضافة مدير تسويق الأقطان للتعرف على مكانة القطن في الاقتصاد العربي السوري.

12ـ استضافة أحد المجاهدين القدماء للتعرف على تاريخ النضال الشعبي ضد الاستعمار.

13ـ إقامة دورة محو أمية داخل الوحدة الطليعية.

14ـ إقامة حفلة اجتماعية داخل الوحدة الطليعية للتبرع من أجل الرعاية الصحية للمعوقين.

15ـ إقامة معرض ثقافي لتاريخ المدينة داخل الوحدة الطليعية.

16ـ تحويل قاعة من قاعات الوحدة الطليعية للمطالعة لجماهير أطفال الحي أو القرية.

17ـ إقامة حملة تشجير لحديقة أو مدرسة أو شارع.

18ـ إقامة حملة للتعريف بآثار المدينة.

19ـ إقامة حملة للتعرف على معالم المحافظة أو القطر من خلال الرحلات.

20ـ إقامة لقاء جماهيري حول مخاطر الاعتداء على الأشجار.

 

 

الفصل الرابع: الثقافة العلمية للطفل العربي

مفهومها، جذورها، آفاقها

1ـ في مفهومها:

نميز هنا بين الثقافة والثقافة العلمية، والتمييز موجه أصلاً لموضوع العلم في الثقافة فثمة ثقافة فنية، أو سينمائية أو عسكرية…الخ. وثمة ثقافة علمية أي تتخذ من التثقيف في مجالات العلم مادة لها، والمقصود بالعلم (بمعناه الضيق) الذي ينحصر بالمعرفة المنظمة المبرمجة التي تم  التوصل إليها عن طريق البحث العلمي الذي يأخذ بالأسلوب العلمي المبرمج. وتتجه خطواته في معالجة المشكلات التي يواجهها الإنسان، أنه ينحصر في الأنشطة المنهجية والإبداعية الرامية إلى زيادة حجم المعرفة ورصيدها. ثم يوسع بعضهم مفهوم العلم، ويقول: إن العلم جهد إنساني منظم في محاولة لفهم ما يجري حولنا في العالم (العلوم الطبيعية) امتد فيما بعد لمحاولة فهم ذواتنا (علم النفس) والعلاقة التي تربط بيننا في التجمعات الإنسانية (العلوم الاجتماعية) في إطار من علاقات الأسباب والنتائج.

 

على أن المعول في فهم العلم هو طبيعته القائمة على التركيبية والدقة والكلية والسببية والوحدة (فهناك علم واحد حول عالم واقعي واحد) ونستدل إلى العلم بالتفكير العلمي أولاً، والتحصيل المعرفي ثانياً. والكشف الموضوعي ثالثاً، إلا أن تقديم تعريف جامع مانع ـ على حد تعبير المناطقة ليس مؤكداً، فالمعرفة العلمية هي أحد أنماط المعرفة الإنسانية، والكشف الموضوعي تدعيه الفنون، والتفكير العلمي لا يزال موضوع تحديد. لنلاحظ مثلاً أن موضوعات العلم لدى بعضهم تضم الكائنات الحية، والتكنولوجيا والموضوعات العلمية العامة، والفضاء والطبيعة وظواهرها والطاقة ومصادرها والإنسان (جسمه ونشاطه)( ).

 

وهكذا تكون الثقافة العلمية للأطفال هي ما يتحصل للأطفال من ثقافة في مجال العلوم، وفي علم العلوم نفسه، متصلاً بقضية العلم في إطار فلسفة العلم وعلم نفس العلم وعلم اجتماع العلم ومسائل العلم التنظيمية والعملية، وتاريخ العلم. ومجالات العلوم كثيرة، وتطبيقاتها أكثر، وإذا كان، أو الإلمام بها أو بجوانب منها متعذراً، فإن تبسيطها إلى حد الإخلال بالتكوين المعفي لا يعد مقبولاً، إن الثقافة العلمية بهذا المعنى ليست كمية، بل نوعية يحددها الهدف منها والغايات المنشودة، مثل تنمية الفكر العلمي، واكتساب المعارف والخبرات والمهارات ونظم العمل، وفهم العالم والنفس والمجتمع، والثقافة العلمية أيضاً وظيفية نابعة من حاجة إنسانية واجتماعية ونمائية بالدرجة الأولى، لا غنى عنها للفرد والمجتمع، وتزداد أهميتها كلما قارب المرء أو المجتمع تكوينه وأوغل.

 

ولما كان البحث معقوداً للثقافة العلمية للأطفال، فإن ثمة اعتبارات لابد من مراعاتها في الخطاب العلمي للأطفال يتعلق بمراحل نموهم وشروط تكوينهم لغوياً وحسياً وحركياً وبيولوجيا، وما يستلزم ذلك من خصائص تنطلق بأنماط المزاج والتفكير والحس والإدراك في التربية والتعليم واستخدام الرموز والأدوار والمواقف والسلوكيات والعلاقات. وهي اعتبارات كنا عالجناها باتساع في كتابنا «أدب الأطفال نظرياً وتطبيقياً».( )

 

ويتحصل الطفل على الثقافة العلمية من خلال: التثقيف (يقرأ، يسمع، يرى) أو التنشيط (يمارس نشاطاً علمياً)، ففي التثقيف يتصل الطفل بالثقافة العلمية من خلال وسائط ثقافة الطفل المتعددة، كالكتاب والصحيفة والتلفاز والمسرح والإذاعة وأساليب اللقاء..الخ. غير أن معضلة الثقافة العلمية للأطفال هي أن هذه الوسائط فقيرة، وبعضها غير موجود على الأقل في ثقافة الطفل العربي حتى نهاية السبعينات، ويكاد يقتصر الموجود على الكتاب، ولاسيما المترجم منه، لأن سينما الأطفال العربية ما تزال حلماً دونه صعوبات الإنتاج ووعي الحاجة إليه.

 

أما الثقافة العلمية للأطفال في وسائط الإذاعة والمسرح والتلفاز فهي ضعيفة جداً ولا تكاد تذكر في غالبية هذه الوسائط العربية. بينما يغدو التنشيط العلمي للأطفال ميسوراً أكثر من عمليات التثقيف لدخوله استراتيجية التربية العربية وبرامج المناشط التربوية منذ مطلع السبعينات على وجه  الخصوص، وزاد  الإقبال على مثل هذا التنشيط مع انتشار الثقافة والحواسيب. على أننا سنخص المعلوماتية التي داهمت العلوم ومظاهر الحياة والاتصال جميعها منذ مطلع الثمانينيات بزاوية خاصة في بحثنا.

 

2ـ في جذورها:

1- ليست كل معرفة ثقافة علمية، لأن هناك معرفة روحية، ومعرفة فنية… الخ والثقافة العلمية تتوجه إلى التثقيف بالعلوم مباشرة.

 

2- تختلط الثقافة العلمية بالخرافي والخيال والخارق وتستند الخرافة إلى معرفة الحكايات والأساطير ومعرفة الماضي مثلما يقوم الخيال على التنبؤ بالمجهول ومعرفة المستقبل وثمة الخوارق أو «الفانتازيا»، وهي بناء فكري ملازم لما سبق، في معرفة ما يخرق النظام العادي والقوانين المرعية الثبات في الظواهر غير الطبيعية. بينما الثقافة العلمية تستند إلى مادة علمية، وأن عرضت في دلالة أو صيغة خيالية كما أدب الخيال العلمي.

 

3- ثمة حاجة الطفل إلى تبسيط العلوم من جهة، وإلى الدرجة التقنية من جهة أخرى، نظراً لإمكانات الطفل وقابليات نمائه، وللتقدم العلمي والتطور التكنولوجي الهائل. ومثله التوكيد على أن التثقيف العلمي مرهون بهذا التقدم والتطور، مثلما يحتاج إلى رغبة الأطفال المنشطة للعلوم، مما يعني استخدام النشاط العلمي في الحياة اليومية للطفل.

 

4- ترتهن الثقافة العلمية بدلالتها، أي مدى تثمير وظائفها التربوية والقيمية والأخلاقية في خدمة المجتمع والإنسان لإسعاف التنمية الاجتماعية والاقتصادية وتنظيم فعالية الفرد.

 

5- ترتبط الثقافة العلمية بالمؤسسات الفاعلة في تحقيق التكون العلمي كالأسرة والتربية المدرسية والمؤسسات غير التقليدية ولاسيما وسائل الإعلام والأجهزة الثقافية. غير أن انتشار المعلوماتية بما في ذلك مجالاتها عبر «الإنترنت» و«المالتيميديا» عزز دور الأسرة في تملك الحواسيب الشخصية التي تجعل المعرفة مباشرة في متناول أفراد الأسرة.

 

6- ترتبط الثقافة العلمية بالسياسات العلمية خصوصاً والسياسات الثقافية عموماً، فيما يتعلق بالتشريعات العلمية ومراكز البحث العلمي، وأوضاع الباحثين والمبدعين والمنتجين العلميين، ومؤسسات الانتشار العلمي وحالة العطاء العلمي، وبالنظر إلى العلم، دور العلم في التنمية والتغبير.( )

 

3ـ في حدودها:

ويستدعي النظر في حدود الثقافة العلمية أن نبحث النقاط التالية:

3ـ1ـ علاقة الخصائص النمائية بالثقافة العلمية للأطفال:

ويتجه البحث في هذه العلاقة إلى فحص الخصائص العقلية للطفل في مراحل النمو المختلفة من سن لآخر كالخيال والذكاء والمحاكمة والإدراك والذاكرة وتربية هذه الخصائص لبناء التفكير الموضوعي والنظرة العلمية وتعامل الطفل مع العلم والثقافة ومنتجاتها الهائلة. وكان بياجيه درس النمو العقلي المعرفي للطفل وربطه بالنمو الاجتماعي، وتوقف ملياً عند الملاحظة المنظمة في دراسة النمو الحسي الحركية وتفاعل الطفل مع بيئته ودراسة ردود أفعاله من الأنماط اللفظية إلى التبدلات السلوكية، ولاحظ علماء النفس التربوي أهمية أساسية للنمو المعرفي من خلال نمو مفهوم العدد وعمليات القياس ومفهوم الزمن ومفهوم الحركة والسرعة عند الطفل ونمو قدرة الطفل على إقامة التناظر بين الأشياء.( )

وتطورت نظريات التعليم كثيراً في تربية الخصائص العقلية والمعرفية كما عند «برونز» الذي اهتم بطرق التطور في بناء المفاهيم من خلال المستوى الإحساسي الحركي (التصورات المنشطة المرتبطة بحركات الفرد وأحاسيسه) ومستوى الإحساسات المرئية وذاكرة الصور (التصورات التصويرية والتمثيلية) ومستوى الكلام والعمليات المنطقية  (التصورات الرمزية).( )

على أن البحث في هذا المجال واسع ومتشعب ولكننا عرضنا لفكرة منه لنستخلص النتائج التالية:

- ضرورة توجيه الثقافة العلمية المناسبة لكل مرحلة من مراحل سن الطفل.

- العناية بعمليات بناء المفاهيم لدى الأطفال والإفادة منها في رفع سوية الثقافة العلمية الموجهة إليهم.

- تنمية القدرات العقلية لدى الأطفال وإكسابهم عادات التعليم وتحصيل المعرفة وروح الابتكار العلمي.

 

3ـ2ـ علاقة الثقافة العلمية بالأدب:

يتميز عصرنا بأنه عصر العلم، فقد تسربت المعرفة العلمية والمنهج العلمي والتنظيم إلى مجالات الفن بعامة والأدب ونقده بخاصة، حتى غدت العلوم جزءاً من حياتنا وأفكارنا، ومكونة من مكونات التفكير الأدبي والفني، وذلك بتأثير الثورة التقنية والانفجار العلمي وتطوراته العميقة والواسعة. ويتصف الأدب المعاصر بثلاثة اتجاهات مميزة وغالبة عليه بعد الحرب العالمية الثانية هي أولاً الميل المحسوس عند عديد من الكتاب للبحث عن أسس وثائقية لأعمالها طلباً لمعرفة دقيقة بالحقيقة، حقيقة التاريخ والواقع والتقدم البشري، وهي ثانياً تأثير الرواج الخارق للروايات الخيالية العلمية على وجه الخصوص وأدب الخيال العلمي على وجه العموم. ولا شك أن الربط بين الثورة التقنية ورواج هذا الأدب أمر لا جدال فيه. وهي ثالثاً الاهتمام الواضح بالتأمل الفلسفي بالمعنى الذي ينتج أدباً يستغرق في البحث عن المعرفة باستخدام نهاجيات علمية متعددة.( )

 

3ـ3ـ دور المشرف والمربي في الثقافة العلمية للأطفال:

تقول التربية كثيراً على دور المشرف أو المربي أو المنشط في نشر الثقافة العلمية للأطفال ومثل هذا الدور لا يقتصر على المدرسة أو وسائل الاتصال بجماهير الأطفال، بل يتعداه إلى الدور الأساسي والفاعل للأسرة، فلا تكفي الرغبة بالتثقيف العلمي للأطفال لكي يصبح ذلك ناجزاً، إذ على مثل هذا الدور أن يحتاط للمشكلات التربوية الناجمة عن قصور تدريس العلوم، مما يعني التوجه إلى تفعيل عمليات التثقيف العلمي ومناشطه المتعددة، فثمة إقرار بأزمة تدريس العلوم لدى الأنظمة التربوية  في الشرق والغرب.( )

إن المشكلة الأولى تكمن في مستوى إيصال المعرفة العلمية إلى التلميذ والدور الذي تلعبه المعرفة في المجتمع، فلا يمر يوم إلا ويزداد فيه التباعد بين العلم الذي يتنامى باستمرار، والعلم الذي ينقله المربون والمعلمون إلى التلاميذ إلى درجة إن إيصال 97% من الدارسين غير المتخصصين في العلوم عن طريق التدريس المنهجي والتبسيط للمعلومات، إنما هي ضرب من المحال والشعارات الكاذبة. أما المشكلة التالية فهي أن تدريس العلوم لم يعد كافياً للتثقيف العلمي بسبب ثورة المعلومات والاتصال التي هي بنت التطور العلمي والتقني، مما طرح موضوع الكتاب الإلكتروني عبر المعلوماتية والأقراص الممغنطة CD-ROM..الخ.( ) ويتصل تعزيز هذا الدور بالبحث عن أساليب ونشاطات عملية يمارسها الأطفال بأنفسهم وربط هذه الأساليب والنشاطات العلمية بالحياة اليومية وتدعيم قابليات تنفيذها بين أوسع جماهير الأطفال… الخ.

إن إدخال الراشدين في التثقيف العلمي للأطفال مسؤولية اجتماعية وأخلاقية قبل أن تكون عملاً تربوياً وثقافياً.

 

4ـ في أنواعها:

-هناك ثقافة علمية عن طريق التعليم المنهجي (التربية المدرسية).

-وثقافة علمية عن طريق المؤسسات التعليمية غير التقليدية (المؤسسات التدريبية ـ الجامعة المفتوحة ـ الأجهزة التثقيفية العامة ـ النشاطات اللاصفية ـ وسائل الاتصال بجماهير الأطفال ـ المؤسسات الاجتماعية كالأسرة، والسياسية كالمنظمات والدولة، وينبغي أن تتكامل الثقافة العلمية دون الإخلال بأنواع الثقافات الأخرى، إلا أن الثقافة العلمية تستند إلى أدبها المكتوب الذي يغذي هذه الوسائط والوسائل والمؤسسات ويقدمها الكتاب، ويليه أهمية الصحافة والإذاعة والسينما والمسرح. وأن يتوفر استمرار الاتصال بالثقافة العلمية تثقيفاً وتنشيطاً في البيت والمدرسة والمجتمع، وأن يرتبط ذلك كله بنظم تنشئة علمية موصولة بالتنشئة الاجتماعية، والقومية، وبسلم القيم، ترشيداً لعطاء العلم في تنمية المجتمع وبناء الإنسان.

ويمكننا أن نشير إلى أشكال الثقافة العلمية فيما يلي:

 

4ـ1ـ الأدب العلمي ويتضمن:

4ـ1ـ1ـ دراسة العلوم: وهو توجه الأطفال إلى دراسة علم بعينه أو أكثر، كالرياضيات أو الفيزياء، أو الفضاء أو الطبيعة أو الحيوان… الخ، ويتحقق ذلك من خلال التثقيف المنهجي في المدرسة أو مراكز النشاطات الطفلية من خلال حركة نوادي الأطفال على سبيل، وهي تجارب أثبتت فعاليتها في دول مثل روسيا وألمانيا، فثمة نواد لأصدقاء الحيوان، أو أصدقاء الطبيعة أو رواد الفضاء الصغار أو الجيولوجيين الصغار…الخ. ويوجد نظائر مشابهة لذلك في بعض العواصم العربية للراشدين والكبار مثل الجمعية الكونية أو الجيولوجية، ولها أعضاؤها وروادها الذين ينشغلون بتطور هذه العلوم. وكانت بعض الدول قد وجهت عناية مبكرة لدراسة العلوم لدى الناشئة منذ المرحلة الابتدائية كالرياضيات والباليه حين تخصص لهم مدارس خاصة ومنهاج خاص.

 

4ـ1ـ2ـ تبسيط العلوم: وقد التفت إليه المربون في مطلع هذا القرن مع تزايد العناية بتدريس العلوم. غير أن تبسيط العلوم لا يعني تسطيحها، بل تنمية المعرفة العلمية لدى الأطفال، وقد ساعد التطور الهائل في وسائل الإعلام على نجاح اتجاه تبسيط العلوم للأطفال والراشدين معاً. ويدخل في ذلك الجهد المعرفي الذي يبذله واضعو الموسوعات العلمية أو القواميس والمعاجم في مجالات الثقافة العلمية.

4ـ2ـ الأدب التعليمي: وهو أن يكون الأب مطية للتعليم كأن ينظم شاعر قصيدة طويلة لشرح قواعد الإعراب كما في ألفية ابن مالك، أو أن يكتب قصة لشرح الدروس العلمية مثل صناعة الزجاج أو تشغيل بعض الآلات، أو تعليل مباشر لبعض ظواهر الطبيعة أو الجيولوجيا أو الكون أو الحيوان.. الخ.

4ـ3ـ أدب الخيال العلمي: وهو الأدب الذي يتوسل الخيال في معالجة مادته العلمية واتخذ الفضاء ومجاهيله موضوعاً أساسياً له في القرن التاسع عشر مع الفرنسي جول فرن والبريطاني هربرت جورج ويلز وإن كان الكثيرون يرون أن أدب الخيال العلمي بدأ مع الأساطير القديمة ومغامرات العقل الأولى ولكن أدب الخيال العلمي شهد نضوجه وإنجازاته الكبرى في القرن العشرين.

وفي دراسة الأدب العلمي، أو بحث العلوم أو تبسيطها، رأى بعضهم أن أنماط العلوم سبعة، تشكل المفاهيم العلمية الأساسية للأطفال وهي:

1- الزمان             5- التنوع

2- المكان             6- الترابط

3- التعبير             7- الطاقة( )

4- التكيف

في ضوء هذه المفاهيم يجري شرح وتنظيم معرفة الأطفال العلمية وتدعيمها، لتقديم هذه المعرفة في أساليب شائعة وممتعة ومقبولة من الأطفال يلجأ كتاب العلم إلى الأدب العلمي، حتى سمى بعضهم القصص العلمية الأساطير الحديثة لتأثيرها البالغ ومقدرتها على تغيير ظواهر العالم، ولذيوعها وإقبال الجمهور عليها، لا سيما الأطفال والناشئة ويوضح كتاب «القصص العلمية: الأساطير الحديثة»،( ) (الولايات المتحدة 1978م) مضامين القصص العلمية واتجاهاتها على النحو التالي:

4ـ3ـ1ـ أنموذج الأسطورة: وهو أكثر النماذج شيوعاً، فكثير من القصص العلمية تدور في مدار الأسطورة الخرافية التي تذكرنا بالأساطير التقليدية القديمة على أنها نوع خاص غير عادي من القصص يتضمن أشياء خارقة، فقد قدم العلم للإنسان أنموذجاً جديداً للكون فبدأ هذا يستحضر بمساعدة التكنولوجيا  بيئة اصطناعية جديدة هي البيئة التي يعيش فيها الآن. لذلك أخذت القصة العلمية تنسج نوعاً من الأساطير يختلف عن الأساطير التقليدية والعنصر الأساسي فيه رسم صورة للمستقبل تغاير صورة المستقبل الحالي الذي نتصوره.

 

4ـ3ـ2ـ أنموذج الرحلات والمغامرات: ويتصل هذا الأنموذج بالاستكشاف والمستكشفين الذين يستعينون بالعلم والثقافة لحمايتهم من أخطار البيئة الفضائية.

 

4ـ3ـ3ـ أنموذج الأجانب: حيث المخلوقات الأجنبية الغريبة عن الكوكب الأرضي التي تلتقي بالمخلوقات البشرية، أما على الأرض عند غزوها، أو في عوالمها الخاصة عندما يغزوها البشر، وقد تكون هذه المخلوقات أدنى من الإنسان أو متفوقة عليه أو مسلوبة له.

4ـ3ـ4ـ أنموذج العلماء: ويكون أبطالها عادة من العلماء الذين يخرقون القوانين في سعيهم وراء المعرفة.

 

4ـ3ـ5ـ أنموذج الآلة والإنسان الآلي: وفيه عرض لمخاطر استخدام الآلة حين تسيطر على الإنسان بدلاً من أن يسيطر عليها الإنسان، وتبدو قصص هذا النموذج قاتمة ضارة بحياة الإنسان ومستقبله.

4ـ3ـ6ـ أنموذج الإنسان العضوي والعضوي الآلي: وهو النموذج الذي يتألف من مواد عضوية بيولوجية، ومشترك مع الإنسان العادي في صفات فيزيولوجية ونفسية واحدة.

ويدخل في هذا النموذج الإنسان الآلي العضوي الذي يجمع بين الآلة والعضوية البيولوجية  في آن واحد.

 

4ـ3ـ7ـ أنموذج المدينة: وهو يتناول المدينة من منظورات متعددة، مثل منظار المكان الذي تحل فيه الكوارث البيئية أو الاجتماعية كقصة مدينة يروع أهلها زلزال هائل أو المنظار التقليدي، وفيه تكون المدينة مركزاً للتجارة والمواصلات والنقل، أو المنظار الرومانسي وتمثل فيه المدينة مرتعاً للفنون الجميلة وموئلاً للثقافة والعلم والمعرفة، أو المنظار الطوبادي ـ المثالي الذي تشكل فيه المدينة مركزاً للتطوير الأخلاقي والحضاري.

 

ثم اتسعت ميادين أدب الخيال العلمي، وعولجت قضاياه المعرفية والاجتماعية والأخلاقية والأيديولوجية، ولعل مراجعة بسيطة لحجم المؤلفات عن أدب الخيال العلمي بالعربية تأليفاً وتعريباً يبين ذلك التطور الكبير في وعي أدب الخيال العلمي وتوطيد مكانته في الثقافة العربية الحديثة.( )

 

5ـ في مصادرها ووسائلها:

ومثلما تستند الثقافة العلمية إلى الأدب العلمي وأدب الخيال العلمي فإن الكتب الإعلامية الموسوعية والمعجمية هي المنطلق لأي ثقافة علمية، لما تحتويه من معارض وعلوم معروضة ضمن خصائص مخاطبة الأطفال مع ضمان العرض الشيق والممتع للمادة المكتوبة، كما هو الحال في الموسوعات ودوائر المعارف والسلاسل العلمية والمفاهيم والقواميس والأدلة، وهي مخصوصة بالأطفال بحسب سنهم ومستوياتهم النمائية.

 

وهناك مصدر آخر مهم للثقافة العلمية هو التراث العلمي العربي للأطفال ضمن تاريخ العلم والظواهر العلمية، وهذا يساعد الطفل على تكوينه العلمي والقومي السليم.

أما التنشيط العلمي فالبحث فيه يطول، لأنه نظري وميداني يتصل بالمعسكرات العلمية والدورات التدريبية، والمدارس التطبيقية، ومراكز الأنشطة، والمعارض، وأساليب اللقاء المختلفة بين الأطفال وغير ذلك، كمعسكرات تعليم الكومبيوتر أو تشغيل أجهزة كهربائية وميكانيكية، وكدورات تدريبية في مجال الرياضيات أو علم الأحياء أو معارض الفضاء والكون… الخ. ويعتمد نجاح التنشيط العلمي دائماً على قياس الرأي وسير الانتشار بين الأطفال.

 

6ـ في آفاقها:

من أجل رؤية واقعية للثقافة العلمية للأطفال وتطويرها، نشير بوضوح إلى بعض آفاق تطويرها:

6ـ1ـ أن ترتبط الثقافة العلمية للأطفال بالتنمية الثقافية بشكل عام:

لقد بادرت اليونسكو في مؤتمرها التربوي العام (جنيف 1993م) إلى دراسة التنمية الثقافية للأطفال وإيلائها الأهمية القصوى استجابة لعقد التنمية الثقافية الذي أعلنته الأمم المتحدة منذ نهاية 1987م.( ) ومن أسف أن الاستراتيجية التربوية العربية وخططها التنفيذي لا تراعي حاجات هذه التنمية، بما يؤدي التكامل والتنوع ومراعاة الاتجاهات التربوية الحديثة الملبية للثقافة العلمية.( )

 

6ـ2ـ تشجيع تربية الإبداع والعطاء العلميين للأطفال:

ويتمثل ذلك بالكشف عن استجابات الأطفال العقلية والمعرفية المستحدثة وتوفير المناخ لسيرورتها في تكوين الأطفال ونمو إبداعهم، وتعزيز الثقة بالنفس والاعتماد على الذات ودقة الملاحظة… الخ والارتفاع بهذا الإبداع إلى مستوى العطاء العلمي. ويكون ذلك بتحفيز المدرسة والجهات المعنية الأخرى نحو أداء مسؤولياتها.

6ـ3ـ تنمية الاتجاهات العلمية القصصية المبكرة لدى الأطفال:

لقد غدا من العسير على المرء أن يُلم بأكثر من اختصاص بكتب الأطفال، إذ تشير الدراسات إلى أن سنوات المرحلة الابتدائية الثانية مناسبة للتوجه المبكر للاختصاص العلمي المدعوم بتربية علمية لابد منها.( )

 

6ـ4ـ تنمية دور المدارس الخلقية في الثقافة العلمية للأطفال:

وتشمل المدارس الخلقية المؤسسات الثقافة والإعلامية والتربوية والاجتماعية خارج المدرسة، وتستطيع أن تسهم هذه المدارس بما أدخل عليها من تطور كبير نتيجة التقدم العلمي والتقني أن تغني الثقافة العلمية للأطفال.

 

6ـ5ـ تشجيع مؤسسات البحث العلمي وتشريعاته وتهيئة لوازمه:

لاشك في أن تأسيس مؤسسات البحث العلمي وإصدار التشريعات التي تنفع في تدعيم النشاط العلمي وتشجيع الاشتغال بالعلم سيوفر مناخاً عاماً تربوياً وثقافياً يحفز الأسرة والأطفال إلى الثقافة العلمية للأطفال، وتكوين جماعات علمية بينهم، من شأنها أن تضع أنشطة دورية كالمسابقات والمعارض والمختبرات والاختراعات.. الخ.

 

6ـ6ـ نشر الثقافة العلمية للأطفال بين جماهيرها: ونذكر شيئاً حول انتشارها في الكتاب للتعرف على ضعف الاهتمام بوسائط الثقافة العلمية للأطفال حتى منتصف الثمانينات عندما بدأ الوعي بثقافة الأطفال العلمية في أكثر من قطر عربي:

 

6ـ6ـ1ـ في ثقافة الكتاب العلمي للأطفال:

لم تدرس الثقافة العلمية للأطفال في الكتاب حتى منتصف الثمانينات إلا في قطر عربي واحد هو مصر من خلال حلقة دراسية هي «الثقافة العلمية في كتب الأطفال» (القاهرة 1984م، وطبعت في كتاب صدر عن الهيئة المصرية للكتاب) كما أِشرنا.

 

ثم خصصت منظمة طلائع البعث في سورية حلقة بحث بعنوان «الثقافة العلمية للأطفال» في الكتاب وبقية الوسائط الثقافية (السويداء 1989م)، وقد طبعت أعمالها في كتاب عام 1994م (وحوى الكتاب 16 بحثاً).

 

وفي نهاية عام 1992م، خصص المؤتمر الثامن عشر للأدباء والكتاب العرب المنعقد في عمان   لأدب الخيال العلمي للأطفال ألقى فيها خمسة عشر بحثاً شارك في كتابتها أدباء مختصون من مصر والأردن وسورية والعراق وتونس، وقد صدرت في كتاب عام 1994م.

 

ونذكر في هذا المجال وقع كتاب الطفل العلمي في سورية نموذجاً، من خلال حركة نشر الكتاب في سورية لدى أكبر الجهات الناشرة صناعة للكتاب، أعني وزارة الثقافة:

-فيما بين عامي 1960 ـ 1976م، صدر 409 كتب بينها 24 كتاباً علمياً منها 7 سبعة كتب علمية فقط، وليس بينها كتاب واحد للأطفال، وصدر 12 كتاباً للطفل (11 مجموعة قصصية ومجموعة قصائد ومسرحيات شعرية)، وبينها ستة كتب مؤلفة فقط، وليس بينها كتاب واحد علمي أو في الخيال العلمي ما عدا بعض القصص التي تأخذ بعض صفات الحيوانات والظواهر الطبيعية.

-صدر عام 1977م (50) كتاباً، بينها كتابان للأطفال.

-صدر عام 1978م (70) كتاباً، بينها 11 كتاباً للأطفال.

-صدر عام 1979م (67) كتاباً، بينها 23 كتاباً للأطفال (كان عام 1979م العام الدولي للطفل).

-صدر عام 1980م (90) كتاباً، بينها عشرون كتاباً للأطفال. وفي هذا العام صدر الجزء الأول من الموسوعة العلمية وكتاب دلال حاتم المسمى «من الحجر المصقول إلى غزو الفضاء».

-صدر عام 1982 (94) كتاباً، بينها 11 كتاب للأطفال.

-صدر عام 1982م، (96) كتاباً، بينها ثمانية كتب للأطفال.

-صدر عام 1983م، (95) كتاباً بينها ثمانية للأطفال. (هناك كتاب علمي واحد منها هو مجموعة قصص «لنذهب إلى القمر».

-استمرت الوتيرة إياها بعد ذلك فصدر عام 1985م، كتابان علميان للأطفال، وعام 1985م، كتاب واحد… وهكذا، غير أن الكتاب العلمي للراشدين قد زاد الاهتمام به، وأصبح يحتل مكانة بحدود 10%تقريباً ففي عام 1979م صدر كتابان، وفي عام 1980م صدر ستة كتب، وفي عام 1981م صدر عشر كتب، وفي عام 1982م سبعة كتب، وفي عام 1983 خمسة كتب، وفي عام 1984م عشرة كتب، وفي عام 1985م ستة كتب بينها كتاب لاينشتاين، وفي عام 1986م تسعة كتب، بينها كتاب لانشتاين أيضاً، وفي عام 1987م أربعة كتب..  وهكذا.

 

-في عام 1990م حدثت نقلة في الاهتمام بالشباب العلمي حين خصصت وزارة الثقافة سلسلة العلوم، وقصص منها حتى الآن عشرون كتاباً نذكر بعض عنواناتها:

-البترول والغاز - الطاقات الجديدة - مقدمة إلى نظرية المعلومات: الرموز والإشارات والضجيج - ما الذي يجعل العجلة تدور: كتاب في الفيزياء الأولية - اكتشاف الكيمياء - الأرض وأسرارها - على عتبة العالم الأسطوري - في العلم وأدب الخيال العلمي - طبيعة الكون - أساسيات الطاقة - أبحاث حول الطاقة الجديدة - الفيتامينات والمعادن - الحياة تجربة غير مكتملة - الذرة من الألف إلى الياء - العلم يواجه تطور المعرفة..الخ. وغني عن القول، أن هذه السلسلة ليست موجهة للأطفال.

ويشير هذا العرض الموجز من الاهتمام العربي الرسمي، ثقافياً وتربوياً بالكتاب الصادر على وجه العموم، وبالكتاب العلمي للأطفال على وجه الخصوص.

 

6ـ6ـ2ـ في ثقافة الصحافة العلمية للأطفال:

درست الثقافة العلمية للأطفال من خلال الصحافة دون تخصيصها بالأطفال أو الكبار، في دراسة الدكتور سهيل زكي سليمان عنوانها «تطور الثقافة العلمية في لبنان ومصر» (صدرت العام في بيروت) ويدرس فيها نظرياً المجلات العلمية ومناهج التنفيذ لدى أصحاب المحلات العلمية وتطبيقاً مجالات التفتح على العلوم والتكامل العلمي المتخصص والتثقيف المتخصص.

على أن الصحافة العلمية قد تطورت وانتشرت وراجت وتنوعت مثلما صار لها مجلاتها المتخصصة ولن نذكر هنا المجلات الثقافة الممنوعة التي تقدم فيما تقدم، العلوم والثقافة العلمية هناك مجلات متخصصة، منها:

الكومبيوتر      بيروت

الحفر           بيروت وباريس

آفاق علمية     قبرص

العلوم          الكويت

الفن والجمال   بيروت

التحرير         بيروت

الجيولوجيا     دمشق.. الخ

والمهم في هذا العرض الإشارة إلى بدء ظهور صفات الأطفال العلمية في الوطن العربي كما هو الحال مع مجلة «المعلوماتي الصغير» (دمشق)، وقد انتظم صدورها منذ عام 1991م، وغني عن القول، إن غالبية مجلات الأطفال تخصص صفحات وزوايا للثقافة العلمية وأدب الخيال العلمي.

 

7ـ في الثقافة العلمية والمعلوماتية:

غدت المعلوماتية منذ مطلع الثمانينيات على وجه الخصوص لا غنى عنها للكبار والصغار في مختلف العلوم ومجالات الحياة، بل أصبحت المعلوماتية تحدياً مستمراً على الإنسان مواجهته، بالنظر إلى التطورات الهائلة في مجالاتها، أو في مجالات اتصالها بالتقانة من جهة، أو بالاتصالات من جهة ثانية، أو بالاقتصاد والتجارة من جهة ثالثة، أو بالعلوم والتعليم والتربية من جهة رابعة. ولا مجال في هذا البحث للتعرض إلى وضع المعلوماتية العالمي أو العربي.( ) ونكتفي بالإشارة إلى صلة الأطفال بالمعلوماتية وعمليات نشرها ضمن تجمعات الأطفال:

إن نشر المعلوماتية بين الأطفال يتجه إلى مجالين هما: برامج الألعاب باستخدام الحواسيب الشخصية وتطوير ذلك للاستخدامات العلمية والمعرفية، وإدخال المعلوماتية في الأنشطة الطليعية، ويستلزم ذلك تزويد هذه المنشآت بالأجهزة اللازمة بالدرجة الأولى.

 

ومن المفيد أن تكون مفردات نشر المعلوماتية بين الأطفال ضمن التدرج التالي:

1ـ تعليم استخدام الحاسوب.

2ـ برامج الألعاب.

3ـ برامج الرسم وبرامج الموسيقى (المسجلة).

4ـ برامج الأقراص (3.5ً و5.25ً) وهي برامج ذات سعة قليلة وكلفتها مناسبة، ومن هذه البرامج يمكن قراءة بعض قصص الأطفال أو الاطلاع على معارف أخرى مما هو مسجل على الأقراص.

5ـ الأقراص  الليزرية أو الممغنطة (CD-ROM).

6ـ استخدام الطابعة لطباعة الرسم الذي أنشأه الطفل...الخ.

ويفضل أن تتكامل الإجراءات لانتشار المعلوماتية بين الأطفال مع المؤسسات التربوية من خلال:

1ـ تطعيم المناهج بالمفردات المعلوماتية.

2ـ إعداد كتاب في الثقافة المعلوماتية في الصفوف الرابع والخامس والسادس في المرحلة الابتدائية لتعريف الطليعيين بالحواسيب واستخدامها في الحياة المعاصرة.

3ـ تطوير وتنمية وسائل التدريس، وذلك بالتشجيع على استخدام الآلات والأجهزة الإلكترونية.

4ـ إعداد وتأهيل الأطر التدريسية والفنية لإدارة واستخدام الأنظمة المعلوماتية على مستوى النشاطات الطليعية.( )

8ـ إشارة أخيرة:

في معرض القاهرة الدولي الثاني عشر لكتب الأطفال (23/10 ـ 6/12/ 1995م) أقيمت ندوة علمية متخصصة موضوعها (عقد المعلومات والكتابة للطفل وثقافته) وتضمنت محاضرات مصاحبة بعروض تطبيقية على أجهزة الكومبيوتر مثل: تكنولوجيا المعلومات وثقافة الطفل، والكومبيوتر ثروة تكنولوجية لإثراء ثقافة الطفل، وثقافة الطفل بين الموروثات وحقائق عصر المعلومات والطفل في عصر المعلومات والتكنولوجيا ومن الألف باء إلى الثقافة الشاملة، وأثر وسائل التكنولوجيا المتقدمة في ثقافة الطفل، وأطفالنا الحائرون بين التلفزيون والكومبيوتر، وأسلوب المالتي ميديا وتأثيره على ثقافة الطفل، وعصر المعلومات وتأثيره على صحافة الأطفال والكومبيوتر بين النظرية والتطبيق والعرض.

ويفيد هذا الاتجاه إلى استطلاع آفاق الثقافة العلمية للأطفال يتنامى إزاء موضوعات خطيرة مثل علاقة الطفل بالمعلومات والثقافة ووسائل الإعلان والمالتيميديا والحواسيب.

وكانت عقدت منظمة طلائع البعث حلقتي بحث متخصصين في هذا الإطار الأولى هي «طلائع البعث وإعلام الطفولة» (طرطوس 1994م) للاستفادة من الطاقات الاتصالية والتأثيرية الهائلة لوسائل الإعلام الحديثة، والثانية هي «طلائع البعث ومواجهة الغزو الثقافي للأطفال» (اللاذقية 13-10/10/1995م) لبحث إيجابيات الثقافة العلمية والإتصالية ومخاطرها في إطار وعي الهوية القومية.

 ومن المفيد أن تتعزز أبحاث الوعي بإشكاليات الثقافة العلمية للأطفال كتأثير استهلاك الثقافة أو نقلها دون تعريبها أو المساهمة في إنتاجها، أو نشر الثقافة العلمية في غير مناخ علمي تربوي متطور أو مناسب، أو تأثير الحاسوب على الخيال والإبداع لدى الأطفال (الخمول العلمي والعطالة الذهنية.. الخ) أو مشكلات النمو المعرفي والإدراكي لأطفال المجتمعات معينة.. للفن شأن ذلك كله أن يوسع آفاق الثقافة العلمية للأطفال وييسر إنتاجها وانتشارها.

 

 

الفصل الخامس: التكامل بين الثقافة والإعلام والتعليم

 

باتت الحاجة ملحة لتعضيد التربية الثقافية، وهي أكثر إلحاحاً في ظل التفجر المعلوماتي وهيمنة برمجة المعلومات على العقل البشري في نهايات القرن العشرين، بما يعني ذلك من طغيان التنميط الثقافي الذي تمارسه العولمة في صناعة العقل وتهديد الخصوصيات الثقافية من جهة، والمصادر الأساسية للثقافة، وفي مقدمتها الكتاب من جهة أخرى، وهذا ما يضاعف المسؤوليات المترتبة على مكانة التربية الثقافية في مستقبل البشرية، لأن مخاطبة الأطفال والناشئة تندرج في العائد القريب والبعيد في كسب بعض رهان المستقبل ما دام المستقبل منوطاً بناشئة اليوم.

 

والتربية الثقافية في مفهومها أبعد من عمل المؤسسات التربوية أو أجهزة الثقافة، لأنها تتصل بأشكال معقدة منوطة بالتكامل بين هذه المؤسسات والأجهزة، والأهم وسائل الاتصال التي أضحت أكثر تأثيراً في تكوين العقول خلال العقود القليلة الأخيرة، ولا سبيل إلى مثل هذا التكامل دون الإرادة الخيرة والطيبة لمن تعنيهم قضية مستقبل الأطفال والناشئة، أفراداً ومؤسسات وثمة اعتراف واسع اليوم بأهمية التربية الثقافية، ويصدر هذا الاعتراف من ممثلي دول الأرض كافة في المؤتمر الدولي للتربية، بدورته الثالثة والأربعين «جنيف 14 - 19 أيلول 1992»، ثم دعمت هذا الاعتراف بدورته الرابعة والأربعين «جنيف 1994»، حين بحث عن كيفية ارتقاء القيم في التربية بروح التعاون والإخاء والسلام.

 

ويتفق هذا الاعتراف المدعم بسعي حثيث من المجتمع الدولي مع قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بقرارها 14/ 187 إعلان العقد العالمي للتنمية الثقافية بدءاً من عام 1988، مع برنامج يتمحور حول أربعة أهداف رئيسة هي: مراعاة البعد الثقافي للتنمية، وتأكيد الذاتية الثقافية وإثرائها، وتوسيع نطاق المشاركة في الحياة الثقافية، وتعزيز التعاون الثقافي الدولي، غير أن شعور القلق المتزايد إزاء المخاطر التي تهدد الثقافة ووظائفها في بناء الإنسان بتأثير شيوع الأنماط الاستهلاكية والنمو المادي وطغيان وسائل الإعلام هو الذي جعل مثل هذا الاعتراف ممكناً.

 

وقد ساعد على توطيد هذا الاتجاه تسارع المتغيرات الدولية التي بدأت تعصف بالعالم، وتطرح شعارات جديدة منذ الثمانينيات، لعل أهمها «عالم واحد وأصوات متعددة» وهو عنوان التقرير الإعلامي المشهور الذي بدأ النظر إلى مشكلات التفاهم الإنساني بجدية، على الأقل عند التفكير بالعقد العالمي للتنمية.

وقد استجاب (بيان القاهرة عن ثقافة الطفل العربي) الصادر عن مؤتمر الوزراء المسؤولين عن الشؤون الثقافية في الوطن العربي في دورته الثامنة (القاهرة حزيران 1991)، فعد العشرية المتبقية من هذا القرن عقداً لثقافة الطفل العربي، ولتحقيق ما جاء في البيان، وفي قرارات المؤتمر وتوصياته، وهي قرارات وتوصيات حسنة الصوغ عصية على التنفيذ لغلبة طابع الشعار والإنشاء عليها بينما تحتاج ثقافة الطفل العربي إلى التدابير والإجراءات التي تيسر سبيل التكامل المنشود بين التعليم والثقافة والإعلام( ).

 

وأتناول في هذا البحث «قضية التربية الثقافية» على أنها السبيل لتنمية ثقافة الطفل العربي، وعلى أنها قضية رابحة بالاعتماد على التكامل بين التعليم والثقافة والإعلام في مجالات أدب الأطفال، ودون هذا التكامل تشيع مظاهر التنافر الذي لا شك سيخلي الساحة لهيمنة وسائل الاتصال. أما عناصر هذا التكامل فهي تمحيص قضية تنمية الأطفال بالدرجة الأولى. ومن هذا المنطلق سيتجه البحث لتحديد مفهومات ثقافة الأطفال والتنمية وتنمية ثقافة الأطفال، ثم نعالج أهداف تنمية ثقافة الأطفال وبعض المشكلات المتصلة بها، ثم نلقي الضوء على علاقة وسائل الإعلام وأجهزة الثقافة بالتعليم أو التربية الثقافية، ونختم البحث بإلماحات إلى إسهام التربية في التنمية الثقافية.

 

1ـ ثقافة الأطفال:

صار بمقدور المشتغلين بثقافة الأطفال والعاملين في ميادينها المختلفة إنتاجاً لأدب الأطفال، أو إعادة لإنتاجه في وسائل الاتصال أو أجهزة الثقافة أو المؤسسات التربوية أن يتحدثوا عن مفهوم محدد لثقافة الأطفال، وهو أمر لم يكن متاحاً في مطلع القرن العشرين، فقد ساعدت اكتشافات علم النفس، ولاسيما علم نفس الطفل في ثلاثينيات هذا القرن على تحديد مفهوم أدب الأطفال باتصاله بالتربية على وجه العموم من جهة، وبعلم نفس الطفل على وجه الخصوص من جهة أخرى، وهذا يعني أن أدب الأطفال مرهون باعتباراته التربوية المستندة إلى عمر الناشئة أنفسهم، أي ما يضفي على طبيعة الخطاب الأدبي الموجه للأطفال والناشئة من سمات خاصة تتعلق بالجنس الأدبي أو بالوسيط الذي ينقل هذا الأدب إلى الأطفال والناشئة.

 

إن ثمة تميزاً بين أدب الأطفال والناشئة وأدب الراشدين، وهو تميز لا يدخل في التضاد، وإنما يندغم في سيرورة خاصة تحدد هذه السمات، وهي مرتبطة أساساً في الاعتبارات التربوية وبالسن على وجه الدقة، وكان لاحظ أديب روسي معروف في كتابته للأطفال، هو سيرغي ميخالكوف، أن سمات أدب الأطفال الخاصة تزداد حدة كلما قل سن القارئ الذي نوجه له مبدعاتنا، وتخف حدتها تدريجياً، وتتلاشى بالمقدار الذي يحدد سن القارئ( ). وينتج عن هذه السمات أمور تتصل بفهم نظرية أدب الأطفال، ومكانة المتلقي الطفل فيها، والوظائف المختلفة التي تنشدها: التربوية والتعليمية والجمالية والمعرفية والثقافية والسلوكية... الخ. وهذه السمات، كما نلاحظ، تبتعد قليلاً أو كثيراً عن النظرة الشائعة التبسيطية في فهم أدب الأطفال ونظريته مثل الوضوح والسهولة وتقريب المسائل وجمالية الكتابة والقوة في التصوير، كما يضيف بعضهم أن أدب الأطفال يعكس مرحلة الطفولة بما هي سن التعلم أي سن التعرف إلى الحياة( ).

 

ومن الملحوظ أن هذه النظرة التبسيطية الشائعة في فهم أدب الأطفال هي السائدة غالباً في الثقافة العربية الحديثة، وهو ما تعكسه «الخطة القومية الشاملة لثقافة الطفل العربي»، لأن هذه الخطة لا تحدد مفهوماً لثقافة الأطفال، ولا تعنى بعلاقتها بالتربية أو بالثقافة أو بالإعلام، ثم لا تعنى بالتخطيط لها أو بالعناية بوسائلها أو صناعاتها. وهي تتحدث عن وسائلها في المقدمة عنواناً فقط( )، غير أنها تغفل عن الوسائل لتصبح وسائل الإعلام وبالذات التلفزيون والسينما والإذاعة، وشتان ما بين المفهومين، لأن وسائل ثقافة الأطفال تتصل بحاجات الطفل الثقافية وبسبل تغذيتها، وإذا انتقلنا إلى الجهد الخاص للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم الهادف «نحو خطة قومية لثقافة الطفل العربي»( )، فإننا نجد أن ثمة عناية بجوانب التخطيط لثقافة الطفل دون تحديد مفهوماتها، وإن غلب الطابع النظري على الرؤية الواقعية، أي أن البحوث والدراسات التي ضمها الكتاب المذكور نافعة في وضع تخطيط لثقافة الطفل العربي، ولاسيما إضاءة جوانب الأسئلة المتعلقة بالهوية الثقافية للطفل العربي ومكانة التفكير العلمي فيها، ودور الأسرة في زيادة فعاليتها بين جمهور الأطفال.

 

إن ثقافة الأطفال تعني، بإيجاز، تلبية حاجات الأطفال والناشئة الثقافية وفق مراحلهم العمرية وهذا التوفيق بين طبيعة الأدب والمراحل العمرية يتطلب فحص السمات الخاصة فيما يتصل بإنتاج أدبهم في أجناس أدبية محددة كالشعر أو القصة أو الرواية أو المقالة... الخ، أو إعادة إنتاجه في الوسائط الثقافية كالكتاب أو الصحيفة أو المسرح أو التلفزة أو الإذاعة أو السينما... الخ.

 

ولا يكتمل تعريف ثقافة الأطفال دون النظر في طبيعة العلاقات المتبادلة بين هذه الأجناس أو أشكال الكتابة للأطفال من جهة، وهذه الوسائط الثقافية التي تنقل الأدب أو أشكال الكتابة للأطفال إليهم من جهة أخرى. ويستدعي ذلك تقدير البعد التربوي لشبكة العلاقات المعقدة لاتصال الأطفال والناشئة بأدبهم سواء أكان الاتصال مباشراً بالقراءة في أهم مصادر الثقافة، وهو الكتاب، أو غير مباشر بالتلقي عبر الوسائط الثقافية المتعددة.

 

2ـ تنمية ثقافة الأطفال:

شهد العقدان الأخيران اهتماماً بالتنمية الثقافية وبلغ هذا الاهتمام أوجه في أعمال المؤتمر العالمي الثاني للمنظمة العالمية للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو) المخصص للسياسات الثقافية 1981، وكان هذا المؤتمر استجابة لإعلان مبادئ التعاون الثقافي الدولي عام 1966 الذي أقرّ المشاركة في العلم والمعرفة حقاً وواجباً للشعوب كلها وللأمم كلها، فجرى تأمل تجارب التنمية الثقافية في الدول المتقدمة في مطلع السبعينات كما يكشف عنها كتاب م.أ. جيرار «التنمية الثقافية: تجارب وسياسات»( ) وفي مطلع الثمانينيات جرى استطلاع تجارب التنمية الثقافية في الدول النامية بالقياس إلى الدول المتقدمة لاستطلاع المسائل التالية: غايات التنمية الثقافية في وقتنا الحاضر، البيئة الجديدة وسائل التنمية الثقافية دور القطاع العام، التجارب الجديدة، الثقافة الدولية، عمل منظمة اليونسكو لتسهيل التنمية الثقافية الإقليمية، وتقرّ بالهوية الثقافية لهذه التجارب الإقليمية، فعولجت التنمية الثقافية في أفريقيا وأمريكا اللاتينية والكاريبي وآسيا والدول العربية وأوروبا، وكان الجزء المخصص للتنمية الثقافية في الدول العربية المكتوب بقلم الكاتب الكبير محمود المسعدي قد عالج السياق العام للسياسات الثقافية في إطار إشكاليات راهنة وضاغطة لواقع الحال للثقافة العربية الإسلامية، ولاحظ أن حال هذه الإشكاليات دونه صعوبات وصعوبات مما يعرض التنمية الثقافية للإعاقة أو التأخير أو الهدر مشيراً، ولو ضمنياً إلى أهمية اندراج التنمية الثقافية العربية الشاملة، بأبعادها المختلفة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، وهي ما تزال تطلعاً لدى العرب المعاصرين، لأن هذه الإشكاليات الناجمة عن محدودية العمل التنموي العربي المشترك تلقي بظلها القاتم على السياق المؤسسي والإداري للسياسات الثقافية العربية فيما يخص البيانات الإدارية والمالية وسلطات القرار الثقافي، أو فيما يخص المحافظة على التراث وتأصيله في الحياة الثقافية، أو فيما يخص الحق بالثقافة أو إشاعة الثقافة بين الجماهير، أو ديمقراطية الثقافة من ثقافة خاصة نخبوية إلى ثقافة شعبية للجميع، ولاسيما العناية بوسائل التثقيف الشعبي، والإنفاق على الثقافة العامة، ونشر الثروات الثقافية، وفي ما يتصل بإدارة الإبداع الثقافي بأشكاله المتعددة التي تتيح إنعاشه وأصالته، أو في ما يتصل بالتعاون العربي والدولي تمتيناً لأواصر العلاقة بين التراث الثقافي والحضاري العربي بتراث الإنسانية( ).

 

إن التنمية الثقافية مطلب لابد منه للوجود القومي في هذا العصر لأسباب كثيرة، لعل أهمها الحاجة إلى ترشيد التنمية ذاتها بتعزيز بعدها الثقافي في مواجهة العولمة، وما يرافقها من مظاهر التبعية أو الخضوع الثقافي أو الاستلاب الذاتي، لأن البعد الثقافي للتنمية هو بصيرتها، وليست مجرد جانب من جوانبها، فالتنمية الاقتصادية أو التنمية السياسية أو التنمية الاجتماعية لن تكون مجدية ما لم تسترشد بالبعد الثقافي لها.

 

وعلى هذا فإنني أتفق مع القائلين بأن تنمية ثقافة الطفل العربي تعني «تكامل عمل مؤسسات المجتمع من أجل تزويد الطفل بالثقافة الملائمة لمرحلته العمرية»( ) وأضيف لهذا التعريف مراعاة الإشكاليات المتصلة بالثقافة العربية الإسلامية، وبالتنمية الثقافية العربية، وبالتنمية العربية بشكل عام أي مراعاة تكمل عمل مؤسسات المجتمع في إطارها المحلي والقومي، واندراجها بالعمل الثقافي على نطاق قومي، لأن التنمية القطرية قاصرة عن ذلك، ولأن جهد مؤسسات بعينها، ولو كانت على نطاق قومي، ينوء بحمل تطلعات تنمية ثقافية لجمهور معين مثل الأطفال والناشئة، والسبب في ذلك هو أن تنمية ثقافة الأطفال والناشئة تتطلب تضافر أبعادها الاجتماعية (المنظمات الأهلية وغير الرسمية) والتربوية والتعليمية (المدرسة) والإعلامية والثقافية للأطفال، وأهمها: وضع خطة شاملة لتنمية ثقافة الطفل العربي تراعي توحيد أساليب مخاطبة الطفل العربي وتكامل عمل مؤسسات المجتمع التي أشرنا إليها، وتوفر وسائل التنمية الثقافية، ولاسيما الاقتصادية منها كالصناعات الثقافية، وتدعيم الإنتاج الثقافي للأطفال، وتكامل هذا الإنتاج في وسائطه المختلفة، وعود إلى مقررات وتوصيات مؤتمر القاهرة للوزراء المسؤولين عن الشؤون الثقافية في الوطن العربي نلاحظ أنهم قدموا صياغات جميلة لم يحدد واضعوها طرائق تنفيذها، وهي:

 

1- بذل الجهود الصادقة للعناية بثقافة الطفل، باعتبارها قضية قومية ومصيرية وأساساً للتطور والنمو في سائر أرجاء الوطن العربي، وخير ضمان لتعزيز الريادة الفكرية في بناء المستقبل الزاهر.

2- انتهاج سياسة محكمة متكاملة في مختلف مجالات تثقيف الطفل، تلتزم بها جميع المؤسسات والأجهزة الثقافية، تهدف إلى ترسيخ ثقافة عربية واحدة متنوعة في وحدتها، تؤدي إلى تحقيق المصالح المشتركة للوطن العربي، وإلى نفي داخل نبذ أسباب الفرقة والشتات، وإلى توكيد الانتماء الصادق للوطن العربي.

3- التعاون الوثيق فيما بيننا، في مجال تبادل الخبرات وتداول المعلومات والإفادة من المهارات، ووضع الخطط القطرية أو القومية، في سبيل تحقيق ما تعهدنا به من التزام تجاه ثقافة الطفل العربي، وإعداده ليكون مواطناً عربياً صالحاً مؤمناً بأمته سعيداً في حاضره، مطمئناً إلى مستقبله.

4- ولما كانت قضية فلسطين «هي قضية العرب الكبرى»، نرى من واجبنا أن يولى الطفل الفلسطيني، عدة المستقبل في مختلف مواقعه في داخل الوطن وخارجه، الرعاية القصوى، وأن تدعم المؤسسات والهيئات والأجهزة التي تنهض برعايته.

5- مد الرعاية للطفل العربي في داخل الوطن، وإلى الطفل العربي في المهجر، لتوكيد صلته بقوميته، ولتثبيت هويته، وترسيخ انتمائه إلى الوطن الأم والحضارة العربية والإسلامية، والتعاون في هذا المجال مع الهيئات والمؤسسات التي لها الأهداف نفسها( ).

ويضاف إلى صعوبة ذلك أن تنمية ثقافة الأطفال لا تقتصر على المسؤولين عن الشؤون الثقافية فحسب، بل ربما كانت مسؤولية المسؤولين عن الشؤون التربوية والشؤون الإعلامية أكبر، بل إن مسؤولية المسؤولين الاقتصادية أخطر وأهم في جعل كل تنمية قابلة للتطبيق في العمل العربي المشترك. إن تنمية ثقافة الطفل العربي جهد تنموي قومي يحتاج إلى تضافر إرادات طيبة وخيرة تعي أن تمكين الطفل العربي من ثقافته هدف لا يستهان به.

 

3ـ أهداف تنمية ثقافة الأطفال وبعض مشكلاتها:

تهدف تنمية ثقافة الطفل العربي إلى معاينة واقع هذه الثقافة وتطويرها بما يلبي حاجات الطفل الثقافية الملائمة لمرحلته العمرية انطلاقاً من خصوصيته الثقافية المتمثلة بتراثه الثقافي، وبما يتيح للطفل العربي سبل المشاركة في التزود بمنتجات ثقافية تساعد على بناء شخصيته السوية من خلال تكامل هذه المنتجات الثقافية من جهة، وتحقيقها للتكامل القيمي من جهة ثانية، وتحقيقها لحاجات النمو العقلي والنفسي والاجتماعي والجسدي من جهة ثالثة، ولا شك في أن هذا الهدف عصيٌ على التحقق ما لم يستند إلى التكامل بين عمل مؤسسات المجتمع ووسائل الإعلام وأجهزة الثقافية في مخاطبة الطفل العربي، إذ أن تنمية ثقافة الطفل العربي تتجه إلى عمليات تثقيف الطفل مثلما تتجه إلى النشاط الثقافي للطفل.

 

وعلى هذا فإنني سأشير إلى بعض المشكلات المتصلة بتنمية ثقافة الطفل العربي التي من شأنها أن تعوق هذه التنمية، وتحول بينها وبين أهدافها، بينما يؤدي النظر إليها ووعيها ومعالجتها إلى ترشيد هذه التنمية وتسريعها، أذكر منها:

 

3ـ1ـ تعليم الأدب:

تثار مشكلات كثيرة تتعلق بتعليم الأدب بشكل عام وللأطفال والناشئة بشكل خاص، ومن أبرز هذه المشكلات حجم الأدب أو أدب الأطفال في المناهج التربوية ومفرداتها، ولاسيما الكتاب المدرسي الذي يتضمن غالباً نصوصاً تهدف إلى التعليم دون أن تحمل بالضرورة قيمة فنية، أي أن الطفل يقرأ في كتبه المدرسية نصوصاً تعليمية بالدرجة الأولى، وقليلاً من النصوص الأدبية الجيدة من القرآن الكريم والحديث الشريف والشعر العربي في عصوره الزاهية، وبعض النصوص النثرية النادرة كالخطب والأدعية والوصايا، ويفيد ذلك أن الطفل العربي في منهاجه وفي كتبه المدرسية لا يقدم له أدب جيد، ولا يقدم له أدب أطفال جيد غالباً اعتماداً على مبدأ التعليم، وليس مبدأ تعليم الأدب، فتمتلئ الكتب المدرسية بالنصوص التعليمية قليلة القيمة الفنية أو الذوقية أو الإبداعية، وفي أحيان كثيرة تكون هذه النصوص التعليمية هابطة المستوى، وتورث هذه المشكلة مشكلات أدق مثل تربية الموهبة الأدبية لدى الأطفال، وسلامة التربية اللغوية للأطفال( )، وأهمية إثراء الكتب المدرسية بالأدب وأدب الأطفال، وفقر المناشط الثقافية، أي عمليات التثقيف الرافدة لدى الأطفال. ومن الملحوظ أن تنمية ثقافة الطفل العربي تحتاج إلى معاينة هذه المشكلات الدقيقة المتصلة بتعليم الأدب لإثراء المناهج والكتب المدرسية بالأدب وأدب الأطفال الجيد، بما يوثق صلة الطفل بتراثه الثقافي وبلغته القومية في مواجهة المشكلات اللغوية المتفاقمة إزاء اللهجات العامية واللغات الأجنبية والثنائيات اللغوية الأخرى التي لا مجال الآن لمناقشة تأثيراتها الضارة على تنمية ثقافة الطفل العربي.

 

3ـ2ـ الثقافة الطفلية والنشاط الثقافي للطفل:

ينبغي التفريق بين الثقافة الطفلية أو ثقافة الأطفال والنشاط الثقافي للطفل تمهيداً للتكامل بينهما، وتثميراً لهذا التكامل في تنمية ثقافة الطفل العربي، لأن ثقافة الأطفال هي جماع الخطاب الثقافي الموجه للأطفال بفنونها وأجناسها الأدبية وبوسائطها الثقافية المختلفة، فيما النشاط الثقافي للطفل هو الفعاليات الثقافية التي يمارسها الطفل بنفسه أو بإشراف المربي أو المنشط الثقافي بما يجعل هذا النشاط الثقافي وسيلة تربوية ووسيلة تثقيفية( ) إذ يمارس الطفل النشاط الثقافي فيما بين يديه من مواد ثقافية أو فيما يسمى بالمدارس الخلفية كالنوادي والمعسكرات وغير ذك، وقد يمارس الطفل النشاط الثقافي بشكل موجه أو تلقائي، والنشاط الثقافي الموجه يشرف عليه المربي أو المنشط ضمن برمجة معينة، أما النشاط التلقائي فينفذه الطفل بعيداً عن الرقابة أو بمشاركة أقرانه كالمطالعة، أو إعداد مجلة، أو صنع فيلم من قياس 8مم أو 16مم، أو أداء مسرحي على سبيل الدراما الخلاقة، أو تمثيل بعض المواقف، ومثل هذا النشاط التلقائي مرهون بمراعاة اعتبارات معينة مثل التلقي لضمان مشاركة إيجابية فعالة للطفل بنشاطه الثقافي أو النمو، عندما تلعب الفروق الفردية والبيئية والاجتماعية والإدراكية دوراً في إقبال الطفل أو مشاركته في النشاط الثقافي حين يصير هذا النشاط إلى تعبير عن الذات أو يندرج في قابلية التنمية الشخصية، أو حدود توافر وسائل النشاط الثقافي التي تتيح إمكانية أفضل لتحقيق أهداف هذا النشاط، أو مراعاة فكرة المجموعات أثناء ممارسة النشاط الثقافي من حيث علاقة الطفل بالراشدين وعلاقة الراشدين بالطفل، وعلاقة الأطفال فيما بينهم.

 

إن مراعاة أهداف النشاط الثقافي وطبيعته يجعل الطفل مركز العملية التربوية والتثقيفية، ويكشف عن قابلياته الذاتية ويتيح لمشاركة الطفل في التثقيف الذاتي بعداً اجتماعياً لا غنى عنه، مثلما يسهم في تعزيز عمليات التثقيف بحد ذاتها، ويؤثر في تعديل سلوك الأطفال باتجاهات إيجابية نتيجة قاعدة ذهبية متفق عليها وهي أن تنمية ثقافة الأطفال قابلة للاكتساب، وتكون أجدى وأكثر نفعاً من خلال مشاركة الطفل نفسه. ولعل فائدة النشاط الثقافي للطفل تكمن أيضاً في إثراء خيال الأطفال وصقله، ولاسيما تنمية الخيال الابتكاري، مثلما يوسع النشاط الثقافي مدارك الأطفال العقلية من خلال مناقشة المواقف التي يتعرضون لها، وتدعوهم إلى معالجتها.

 

ومن نافل القول إن إدغام النشاط الثقافي للأطفال في التنمية الثقافية للأطفال من شأنه أن يسرّع هذه التنمية ويجعلها أكثر عضوية وفاعلية بإشراك الطفل في إنتاج عمليات تثقيفه وثقافته.

 

3ـ3ـ أدب الأطفال أساس لوسائط ثقافة الطفل:

يعد أدب الأطفال أساساً لابد منه في مختلف وسائط ثقافة الطفل لكي تقوم هذه الوسائط بوظيفتها التثقيفية والتربوية، وتضمن أداءها الفني المتطور، وتغدو تنمية ثقافة الطفل العربي أكثر نجاعة إذا ثمّرت العلاقة بين فنون أدب الأطفال ووسائط ثقافة الطفل، سواء أكانت وسائل إعلامية أو أجهزة ثقافية لأن وسائط ثقافة الطفل تحتاج باستمرار إلى مادة أدبية مكتوبة أو مقروءة. وغنيٌ عن القول إننا لا يمكن أن نقدم مسلسلاً إذاعياً أو تلفزيونياً، أو مسلسلة قصصية صحفية أو شريطاً سينمائياً أو عرضاً مسرحياً، ولو كان إيمائياً، دون نص أدبي. وبهذا المعنى فإن تنمية ثقافة الطفل العربي مرهونة بتدعيم أدب الطفل العربي اللازم للوسائط الثقافية( )، وهذا يدعونا أيضاً إلى التوكيد على ضرورة اعتماد أدب الأطفال في مخاطبة الطفل العربي عبر الوسائط الثقافية لئلا تكون هذه الوسائط نهباً للمواد المكتوبة الفقيرة والهابطة. ويتصل بهذه المشكلة ضرورة درس استجابات الأطفال وحاجاتهم الثقافية والنمائية لاستيعابها وتمثلها في اتجاهات تشجيع أدب الأطفال وتشجيع استخدامه في وسائط ثقافة الطفل العربي.

 

3ـ4ـ تكامل العلاقة بين أجهزة الثقافة ووسائل الإعلام:

لا يماري أحد اليوم في هيمنة وسائل الإعلام على الناس، وقد بلغ تأثير الهيمنة مداه الأقصى في ذوبان أجهزة الثقافة وتراجع فعاليتها أمام الإخطبوط الإعلامي، وهو ليس نافعاً على الدوام، بل إن ضرره كبيرٌ وفي بعض الأحيان يمحي التكامل بين أجهزة الثقافة ووسائل الإعلام، ويصير إلى تنازع تبدو معه أجهزة الثقافة أشبه باليتيم على مائدة اللئيم الذي هو وسائل الإعلام.

 

وقد لاحظ خبراء الثقافة والإعلام هذه المفارقة وتلمسوا لها حلولاً إثر تشخيص لواقعها، وتحسس لمخاطرها المتفاقمة على حركة الثقافة العربية والتنمية الثقافية، ولعل أهم المحاولات لمعاينة هذه المشكلة هي تخصيص المؤتمر الرابع عشر للأدباء والكتاب العرب (الجزائر آذار 1984) موضوعه لقضية «الأدب العربي بين الثقافة والإعلام» فنوقشت باتساع جوانب القضية مثل لغة الإعلام ولغة الأدب، وتأثير وسائل الاتصال الحديثة على الأدب، والمواطن العربي بين استراتيجية الأدب وتكتيك الإعلام، والسياسات الإعلامية العربية وتأثيرها على الأدب والموقف الثقافي والموقف الإعلامي في نقاط الالتقاء ونقاط الافتراق، والمشكلات التي تعترض إنتاج الأدب في وسائل الاتصال( ).

 

ولاشك أن مشكلة كبيرة بهذا الحجم تواجه العلاقة بين أجهزة الثقافة ووسائل الإعلام ستكون أكثر تأثيراً على ثقافة الطفل العربي وتنميتها بعد ذلك في ظل ضعف الإنتاج الثقافي والإعلامي العربي للطفل العربي، وفي ظل هدر الإمكانية العربية في استحقاقات التنمية بشكل عام، لأن التنمية الثقافية لم تدخل بعد في نسيج التنمية العربية كما ينبغي، ولأن التنمية العربية لا تولي بعدها الثقافي ما ينبغي، ولأن محاولات التنمية الثقافية العربية أو محاولات الجهد الثقافي التنموي العربي لا تستوعب تنمية ثقافة الطفل العربي كما ينبغي.

 

والنتيجة هي غلبة التنازع بين أجهزة الثقافة ووسائل الإعلام لا التكامل، على أن من أهم شروط تنمية ثقافة الطفل العربي هو هذا التكامل، ويتطلب ذلك توافر أسباب كثيرة تتصل بالرؤية وبالكفايات البشرية، وبالتمويل اللازم لصناعة المادة الثقافية إعلامياً، وبتدعيم استخدام الثقافة العربية الأصيلة في الخطاب الإعلامي الموجه للطفل العربي.

 

3ـ5ـ مواجهة الغزو الثقافي وآليات التبعية الثقافية:

لقد أصبح واضحاً أن وسائل الإعلام في أرجاء المعمورة كلها تستهلك منتجات التنميط الثقافي والإعلامي الغربي، الأمريكي بالدرجة الأولى مما يشكل تبعية ثقافية تمعن في آليات الإخضاع للمركز الأمريكي الذي يجبر فيه العرب على قبول ثقافة لا تعبر عنهم، ولا عن طموحاتهم، ولا تلبي احتياجات التنمية، ولاشك وأن المشكلة أخطر في حال ثقافة الطفل العربي، فإذا كان الحديث عن الغزو الثقافي أو التبعية الثقافية قد حمل تسميات أخطر مثل صناعة العقل أو تشكيل العقل أو غزو باسم جهاز التصدير الثقافي إلى العالم الثالث، أو الهيمنة الثقافية( )، فإن الحال مع ثقافة الطفل العربي أشد خطراً بحكم طبيعة هذه الثقافة وارتباطها بسن متلقيها فهو الأضعف والأكثر وقوعاً تحت دائرة التنميط الثقافي. وفي هذا الاتجاه ترتهن تنمية ثقافة الطفل العربي بوعي هذه المشكلة ومواجهتها.

 

3ـ6ـ تحدي الثقافة العلمية:

تكاد تكون صفة العقدين الأخيرين هي العلم والمعرفة العلمية في أقصى اتجاهاتها التقنية والمعلوماتية حتى أصبحت المعلومات لازمة لكل اتجاهات الحياة ولم يعد جديداً أن يقال على سبيل المثال أننا نعيش عصر المعلومات أو عصر التفجر المعرفي أو عصر الانفجار المعلوماتي أو عصر التقانات الحديثة ومظاهرها المختلفة في الأتمتة والحواسيب وغير ذلك مما هو صفة الحداثة وما بعد الحداثة، ومما لا يمكن لطاقات الفرد أو المؤسسات أن تحيط به أو تسيطر عليه، ويقدر المختصون أن كمية المعلومات تتضاعف كل 12 سنة وطبقاً للحسابات المتواضعة في مجال النشر العلمي، يصدر حوالي من 15-20 مليون صفحة مطبوعة في السنة، وأنه في عام 2000 سوف يصبح معدل تضاعف المعلومات أعلى من معدل تضاعف البشر. وليس في مقدور أي فرد أن يحيط بهذا الإنتاج العلمي، ناهيك عن الاستفادة منه( ).

 

وتعد اليوم سلطة المعرفة استناداً إلى قوة الحواسيب من أهم القوى في عصرنا الحديث، بل ربما كانت أهم من الثروة أو السلاح التقليدي. وتثار الأسئلة عن واقع صلة الطفل العربي بهذه المعلومات وبهذه المعرفة العلمية كاستخدام الحواسيب في التعليم أو التنشيط الثقافي وما يتفرع عنها من إدخال الحواسيب إلى المناهج التربوية والتعليمية، أو إدخال أشكال تعليم الحواسيب واستخدامها في النشاطات الثقافية والحياتية للطفل العربي، وعلى هذا فإن تنمية ثقافة الطفل العربي تتطلب معاينة واقع المعرفة العلمية والتقنية والمعلوماتية في تثقيف الأطفال وتدريبهم تمهيداً لتطوير هذا الواقع لإلحاق الطفل العربي بركب المعرفة العلمية وتقانة المعلومات.

 

4ـ وسائل الإعلام وأجهزة الثقافة والتربية الثقافية:

يجد الباحث صعوبة في تحديد مفاهيم لوسائل الإعلام أو الأجهزة الثقافية لأنها متداخلة ومتطورة من حين لآخر، ولعل مرد ذلك التداخل نابع من كونها جميعاً وسائل اتصال، ومن خلال عملية الاتصال، بما هي نقل رسالة، تؤدي هذه الوسائل والأجهزة وظائفها في التثقيف أو التدريب أو الإرشاد أو التعليم أو الإخبار أو الترفيه أو مجرد تزجية وقت الفراغ، والحق أن البعد الاتصالي هو الأبرز في فعالية هذه الوسائل وهذه الأجهزة، وهو الأقرب إلى بعدها التربوي والتعليمي أيضاً.

 

إن وسائل الإعلام بحد ذاتها هي بنت المجتمع الحديث، حين بدأت مع الصحافة والوسائل المقروءة الأخرى ثم تطورت إلى اكتشاف وسائل سمعية أو سمعية بصرية، بينما اقتصرت وسائل الإعلام قبل ذلك على الاتصال البشري كالمنادي والمؤذن وسواهما، ولو تصفحنا كتاباً عن أساليب التأثير في الجماهير، صادر عن «مركز تنمية المجتمع في العالم العربي» عام 1962، عن «الثقافة وأجهزتها»، سنجد أن مؤلفه محمد مندور يسمي الإذاعة والسينما والمسرح والصحف والمجلات والكتاب أجهزة ثقافية، وأنه يجد الكتاب الجهاز الأول والأقوى والأجدى في تثقيف الجماهير وتهذيبها، وتوجيهها( )، غير أن واقع الحال على مشارف الألفية الثالثة نهايات القرن العشرين تجد أن مثل هذا الرأي أقرب إلى التطلع أو المثال، لأن التلفزة وقنواتها الفضائية هي الأكثر فعالية وتأثيراً في الجماهير اليوم.

 

لقد تطورت النظرة إلى وسائل الإعلام وأجهزة الثقافة خلال وقت قصير من الزمن بفعل تطور هذه الوسائل والأجهزة، ولو أمعنا النظر على سبيل المثال في دراسة حديثة نسبياً عن «الطفل العربي ووسائل الإعلام وأجهزة الثقافة» نجد أن مؤلفيه عاطف عدلي العبد وعبد التواب يوسف قد حددا وسائل الإعلام بالصحافة والسينما والإذاعة والتلفزيون، أما أجهزة الثقافة عندهما فهي كتب ومكتبات الأطفال والمسرح والكومبيوتر( ) أما الملامح العامة لثقافة الطفل العربي فتحدد بمستوى التعليم، ومدى وجود تخطيط مستقبلي لثقافة الأطفال، ومدى وجود جهات رسمية وغير رسمية، محلية وعربية ودولية مهتمة بثقافة الأطفال، ومدى وجود تنسيق وتعاون بين هذه الجهات المختلفة، ومدى وجود تخطيط لربط ما يقدم في مجالات ثقافة الأطفال في الوطن العربي بالتقدم العلمي العالمي، ومدى وجود محاولات لربط ما يقدم بالتراث القومي، ومدى وجود تخطيط لربط ما يقدم في مجالات ثقافة الأطفال، ومدى وجود لجان لمراجعة ما يقدم في مجالات ثقافة الأطفال في الوطن العربي... الخ( ). ولكنني أوثر أن أحصر وسائل الإعلام بالصحافة والإذاعة والتلفزة وأوسع أجهزة الثقافة لتشمل الكتاب والمسرح والسينما بالدرجة الأولى، أما الكومبيوتر فهو وسيلة معرفية، ويمكن استخدامها في الأجهزة كلها، وليس جهازاً ثقافياً، وتتوسع هذه الأجهزة الثقافية في مجالات ثقافة الأطفال حين نعدها وسائط ثقافية لنقل الأدب وأدب الأطفال إلى جمهوره، ومن شأن فهم البعد الاتصالي لهذه الوسائل والأجهزة والوسائط أن يعزز عمليات تنميتها من أجل تكاملها في تثقيف الأطفال ومن أجل تطوير واقع ثقافة الطفل العربي أو إعلام الطفل العربي، ويتطلب ذلك توافر السعي المشترك بين القائمين على هذه الوسائل والأجهزة والوسائط لتزويد الطفل العربي بما يلبي احتياجات نمائه العقلي والمعرفي والنفسي والجسدي، ويتطلب ذلك باستمرار اعتماد وحدات بحوث أو مراكز بحوث تساعد على رسم عناصر تنمية ثقافة الطفل العربي وإعلامه بالتكامل مع حاجات التربية الثقافية بشكل عام، ونذكر من هذه العناصر ما يلي:

أ-تدعيم المنظورات القومية في مخاطبة الطفل العربي.

ب-تعزيز البعد التربوي لثقافة الطفل العربي.

جـ-تدعيم الإنتاج المحلي والعربي الموجه للطفل العربي والتقليل من المواد المدبلجة أو المعدة لأنها لا تعدم التأثيرات السلبية على الطفل العربي في الواقع الحالي، إذ يقل الإنتاج ويكثر الاستهلاك للمواد الثقافية والإعلامية المستوردة.

د-وضع إرادة التعاون والتنسيق العربي موضع التنفيذ في تدابير ملموسة.

هـ-توافر لجان استشارية من الخبراء والاختصاصين والمربين في ميادين ثقافة الطفل العربي ضمانة لمسؤولية مخاطبته.

إن واقع هذه الوسائل والأجهزة والوسائط عندنا ليس بخير، وقد كشفت الدراسة الميدانية التي أشرنا إليها عن جهدٍ مبذول وعن تطور لا يرضي فيها فثمة أقطار عربية لا تبذل أدنى جهد في مخاطبة أطفالها، وثمة شح وفقر في وجودها في غالبية الأقطار العربية، ومثل هذا الشح والفقر ملموس في المظاهر الأساسية التالية:

أ- مراعاة المراحل العمرية.

ب-التنوع في الخطاب الثقافي والإعلامي.

جـ- الانتشار إلى أوسع جماهير الأطفال.

د-التعاون القومي.

هـ-التنسيق بين هذه الوسائل والأجهزة والوسائط.

5ـإسهام التربية في التنمية الثقافية:

أوجز نظرتي إلى التربية الثقافية على أنها السبيل الأمثل لتنمية ثقافة الطفل العربي، وانطلق في حديثي عن «إسهام التربية في التنمية الثقافية» من المؤتمر الدولي للتربية الذي أشرت إليه في مطلع هذا البحث، وكان حمل المؤتمر العنوان نفسه، مما يؤكد على أهمية الإسهام المتبادل بين التربية والثقافة في التنمية.

لقد تضمنت ديباجة المؤتمر الأسباب الموجبة الداعية لمقاربة هذه القضية واقعياً ومستقبلياً، فحددت الإطار المرجعي ليكون دعامة للتدابير التي تتخذ على الصعيدين الوطني والدولي، في فهم الثقافة والتنمية الثقافية والتربية وصولاً إلى فهم التربية الثقافية الذي يشمل، حسب التوصية الختامية ما يلي:

أ-التعريف بالتراث الثقافي وتقديره والتعريف بالحياة الثقافية المعاصرة.

ب-التوعية بعملية انتشار الثقافة وتطورها.

جـ-الاعتراف بتساويها في الكرامة وبالصلة التي لا تنفصم عراها بين التراث الثقافي والثقافية المعاصرة.

د- التربية الفنية والجمالية.

هـ-التنشئة على القيم الأخلاقية والمدنية.

و-التربية في مجال وسائل الإعلام.

ز-التربية المشتركة بين الثقافات ـ متعددة الثقافات.

ح-صلة العلم والتكنولوجيا والثقافات.

ثم ركز المؤتمر على اعتماد الاستراتيجيات والتدابير التالية على الصعيد الوطني:

1-التنسيق بين سياسات واستراتيجيات تنمية التربية والثقافة وبين سياسات التنمية واستراتيجياتها.

2-دور المدرسة في تعزيز الثقافة.

3-تنظيم أنشطة متعددة التخصصات وتعاونية ولاسيما التوأمة بين المؤسسات التعليمية والثقافية.

4-البعد الثقافي والفكري للمناهج الدراسية.

5-فهم التراث الثقافي وتقديره.

6-التعليم واللغات لجهة حرية اختيار لغة أو عدة لغات أصلية أو وطنية أو أجنبية مما يصون الذاتية الثقافية التي تمثل اللغة أحد أهم وسائل نقلها. وانطلاقاً من هذه الرؤية يجدر إجراء بحوث في مجالات علم التربية والإناسة والتاريخ بخاصة والحث على وضع المواد التعليمية باللغة الأصلية.

7-تعليم التاريخ.

8-إحياء ذكرى الأحداث التاريخية.

9-التعليم قبل المدرسي. نظراً للأهمية الحاسمة لمرحلة الطفولة المبكرة في التنشئة الكاملة للإنسان حيث لا يستغنى عن الجوانب الثقافية والأخلاقية.

10-التربية الجمالية والفنية.

11-تنمية القيم الأخلاقية والمدنية.

12-التعريف بالمشكلات الكبرى للعالم المعاصر.

13-تكوين مواقف إيجابية إزاء حماية البيئة.

14-المدارس المنتسبة.

15-دور المعلم وتدريبه، مراعاة البعد الثقافي في تدريب المعلمين كافة قبل الخدمة وتدريبهم أثناء الخدمة.

16-تمكين الأشخاص الأقل حظاً والمعوقين من الانتفاع بالتعليم وبالحياة الثقافية.

17-التنمية الثقافية عن طريق التفاعل بين المدرسة والمجتمع المحلي والمجتمع بأكمله.

18-دور النظام التربوي إزاء النساء والفتيات من أجل تشجيع التنمية الثقافية المتناسقة لهن ومشاركتهن الفعالة في الحياة الثقافية والسياسية.

19-الدور التربوي والتعليمي لوسائل الاتصال.

20-التربية في مجال وسائل الإعلام.

كما ركز المؤتمر على دعم التعاون الإقليمي والدولي في المجالات التالية:

1-العمل من أجل التعاون على الصعيدين الإقليمي ودون الإقليمي.

2-الأنشطة الرامية إلى تعزيز التربية المشتركة بين الثقافات ـ متعددة الثقافات.

3-المعونة الخارجية من أجل تعزيز التربية المشتركة بين الثقافات.

من الواضح أن الثقافة قضية ثقافية وتربوية خطيرة في الوقت نفسه. وإذا عرفنا أن ما يصدر عن مثل هذه اللقاءات الدولية، كما هو الحال مع المؤتمر الدولي للتربية، وهو مؤسسة تابعة للأمم المتحدة، مجرد توصيات على الرغم من المشاركة الرسمية للحكومات فيه، فإن القضية مطروحة على من يفهم الأمر، وإن اعتماد التوصية مقرون بعرضها للنظر والدراسة على الوزارات المسؤولة عن التربية وعن الثقافة، وعلى المؤسسات التابعة لمنظومة الأمم المتحدة، وعلى المنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية المعنية بهذا الموضوع، إذ أن فائدة مثل هذا المؤتمر حافز لمعالجة القضية، ولرسم برامج تسهم في وضعها العربي بالنسبة إلينا، أي أن فائدتها كبيرة في تلمس آفاق هذه القضية في الواقع العربي والتنموي العربي. ويشير هذا الواقع إلى أن الثقافة أصبحت أكثر هامشية في راهن الثقافة العربية، ولنتأمل عمل جامعة الدول العربية ومؤسساتها ولاسيما المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الأليكسو).

إن العمل المشترك بمجمله مهمش بشكل أو بآخر، ومنه الثقافي بينما تنتعش وسائل الإعلام بطابعها القطري، وتكاد تلغي عمل الأجهزة الثقافية( ) أما وحدة العمل الثقافي التربوي فهي تطلع مأمول ناهيك عن خطل تجارب تنموية عربية كثيرة أهملت أو تجاهلت البعد الثقافي للتنمية بطوابعه السياسية والاجتماعية والأنثربولوجية.

إن الحلول متاحة، وفي مقدمتها التوكيد مجدداً، وربما أكثر من أي وقت مضى، في ظروف الانقسام العربي، على التوحيد والتكامل العربي ضمانة للتنمية بعامة، وللتنمية الثقافية بخاصة، وهي الأساس والحاضنة لتنمية ثقافة الطفل العربي.

لقد بدأ عقد التنمية الثقافية العالمي والعربي في أواخر الثمانينيات ليستمر حتى نهاية القرن العشرين، إذ وافقت عليه غالبية وزارات الشؤون الثقافية العربية، ثم كانت النتائج مخيبة للآمال، فقد تراجعت المشروعات الثقافية القومية بنسبة كبيرة من معدلاتها في السبعينيات والثمانينيات، وعلينا أن نؤكد في الوقت نفسه على بعض الاتجاهات التي ثبتت فعاليتها في التجربة التاريخية عموماً والعربية خلال العقدين السابقين على وجه الخصوص، وهي:

 

1-الثقافة العربية بطبيعتها قومية موحدة وموصلة.

2-أن التنمية ما لم تكن قومية ستظل محددة الأثر والتأثير وستظل الأهداف بعيدة المنال، والمشروعات التنموية عصية على النجاح.

3-أن التربية ما لم تستند إلى أصالة الثقافة العربية ستكون معرضة للتبعية الجائرة والإمحاء الذاتي.

4-إن التربية العربية أكبر مشروع تنموي عربي لبناء الإنسان.

5-إن التكامل العربي في ميادين الثقافية من شأنه أن يجاوز الصعوبات، ويسهم في حل ما يسمى بالتناقضات التي تواجه تجارب التنمية الثقافية مثل: المركزية مقابل اللامركزية، الذاتية الثقافية مقابل انعدام الذاتية، الذاتية الثقافية مقابل التقدم الثقافي، التربية المشتركة بين الثقافات للجميع مقابل هذه التربية لجماعات محددة، المدرسة كوسيلة للثقافة مقابل المدرسة كعقبة في سبيلها الثقافة الرفيعة مقابل الثقافة الشعبية.

6-إن التكامل العربي في ميادين التنمية الثقافية من شأنه أن يضمن التخطيط الناجع والتمويل الرشيد لمستلزمات إسهام التربية في التنمية الثقافية، للتربية اقتصادياتها وهي صناعة واردها بعيد الأجل وشيئاً فشيئاً تزداد مستلزماتها ووسائلها المصنعة بتأثير التقدم التقني وثورة الإعلام والمعلومات، فلو تحدثنا على سبيل المثال عن التربية الفنية والجمالية، وهي لا ترمي إلى تعليم الفنون فحسب، بل تستخدم الفن كأداة من أدواتها وتشمل البعد الأخلاقي والمعرفي والعاطفي من أجل النمو المتكامل للإنسان والملكة الإبداعية للفرد فإننا لن نكتفي بأي حال من الأحوال، بالحديث النظير وتثمير دور المعلم وتدريبه، لأن تحقق هذه التربية يعني فيما يعنيه توافر المشروعات المحققة لها، وما تستدعيه من مواد ومخابر وأدوات ووسائل سمعية وبصرية وتقنيات على أن ثمة اتجاهات أخرى ينبغي تثميرها في الممارسة التربوية العربية، نذكر منها:

- الاعتراف بأن التربية مسؤولية وطنية وقومية تتعاون عليها الجهات المعنية بالتربية كافة، في البيت والمدرسة والمجتمع ووسائل الاتصال، ولعل الإقرار بأهمية تكامل جهد هذه الجهات هو المدخل السليم لتنمية ثقافية وتربوية.

-الاعتراف بانبثاق التربية الثقافية من بيئتها وتقاليدها الثقافية دعماً للأصالة الثقافية في روع الناشئة ووجدانهم النامي ومواجهة لمخاطر التبعية.

-الاعتراف بأهمية ثقافة الأطفال في التربية بما هي أهداف وقيم راسخة وبما هي فعالية ذاتية للمتعلم قبل أن تكون فعالية عامة.

-الاعتراف بمكانة الأنشطة الرافدة والموازية في التطوير التربوي المنشود، لا يخفى أن محتوى هذه الأنشطة وأدواتها مما يصب في الجهد المبذول لتعزيز التربية الثقافية.

-الاعتراف بمكانة ذوي الإرادة الطيبة في التربية الذين يرشّدون الممارسة التربوية بالمعاني الأخلاقية والمسؤولية الاجتماعية. وهما في الأساس أدخل في عمليات التربية الثقافية. إن توسيع حركة هذه القوى الاجتماعية الحية من أصحاب الضمير الأخلاقي الشريف مهمة راهنة لإنجاح عمليات التربية الثقافية... مع العلم أن مثل هؤلاء غالباً ما يطوّرون سعيهم إلى المؤسسات التربوية غير النظامية وسواها.

-الاعتراف بأهمية لقاء الناشئة والفتيان العرب، بالمهرجانات والمؤتمرات والرحلات والاحتفالات الوطنية والقومية، وبالأنشطة الدورية تنمية للوعي التاريخي، الذي يستند إلى معرفة جغرافية واجتماعية وثقافية عميقة على امتداد الأرض العربية.

 

 

 

الفصل السادس: الغزو الثقافي ومخاطره على الهوية القومية في ثقافة الأطفال

       

يتناول هذا البحث بإيجاز المفاهيم المتصلة بالغزو الثقافي في صلتها بالمخاطر المحدقة على الهوية القومية في أدب الأطفال، إذ يتلقى غالباً الطفل العربي منتجات ثقافية وافدة من المركز الغربي، الأوربي ـ الأمريكي، فتقدم إليه، كما هي، أو معدة أو مقتبسة في حالات قليلة، ثم يعرض لجذور الغزو الثقافي ومجالاته، ويختتم بإشارة إلى مقاومته.

 

1ـ المفاهيم المتصلة بالغزو الثقافي:

هدف الغزو، وكان عسكرياً بالدرجة الأولى، إلى احتلال الأرض. أما الغزو الثقافي فيهدف إلى احتلال العقل، فهو أخطر من الغزو العسكري، وعلامة ذلك أن الغزو العسكري يستمد قوته من آليات الإخضاع الخارجي، بينما ييسِّر الغزو الثقافي آليات الإخضاع الداخلي، مما يبدو وكأنه تعمية للحال، أو تجميل له، فيقبل الإخضاع على أنه شيء آخر غير الإخضاع، لالتباسه بمفاهيم كتيرة تتصل بعمليات التكون الذاتي، كالنمو والاستقلالية والأصالة والصلابة والسلطة والمناعة والوعي.. الخ. وما يرال أمر الغزو الثقافي، استتباعاً لذلك، محيراً لدى الكثيرين، إذ لا ترى فئة من الناس أنه غزو، فتختآر له تسميات أخرى، وتهون فئة أخرى من شأنه على أن الحديث عنه وعن مخاطره ألعوبة أو وهم، بل إن فئة ثالثة تدعو له سبيلاً للمثاقفة، وهؤلاء يهونون أيضاً من أمر المثاقفة، فلا يجدون فيها تأثير ثقافة غازية قاهرة في ثقافة مغزوة مقهورة، وإنما يعدون المثاقفة تلاقحاً معرفياً وحضارياً يعزز التواصل بين «تراثات» الإنسانية، ويغنيها، ويوردون حججاً لا نهاية لها عن العلاقات الثقافية بين الشعوب واستكمال شروط النهضة أو التقدم، وهل علينا أن نذكر الخلاف القائم حول الحملة الفرنسية على مصر: هل كانت نعمة أم نقمة؟ وثمة كثيرون مازالوا يتباكون على خروج المستعمر من جلودهم بعد، وكنت قرأت نصاً لأحدهم يصف تجربته في المعتقلات الصهيونية في فلسطين المحتلة، يعجب فيه من ديمقراطية العدو الإسرائيلي وتقدمه، مؤكداً أن السيء هو إجراء ات الاعتقال والتعذيب.. الخ. أما العلامة العربي الكبير ابن خلدون، فكان يعني الغزو الثقافي في قوله شديد الدلالة: «إنما تبدأ الأمم بالهزيمة من داخلها عندما تشرع في تقليد عدوها». كان الغزو العسكري يستهدف احتلال الأرض فهو غزو من الخارج من أجل الهيمنة السياسية التي تصل إلى حدّ إلحاق المستعمر (بفتح الميم) يالمستعمر (بكسر الميم). وحدث هذا مع الجزائر والهند على سبيل المثال، ومن أجل الهيمنة الاقتصادية لدوام النهب الاستعماري لخيرات الشعوب وثرواتها الطبيعية ومواقعها الاستراتيجية.

 

غير أن الغزو الثقافي يستهدف احتلال العقل، فهو غزو من الداخل، وهو الأخطر، لأنه يضمن بعد ذلك، في حالات الضعف الذاتي وتخريب المناعة الذاتية، دوام الهيمنة على الإرادة والإمكانات القومية برمتها. لقد تطور الاستعمار كثيراً، من شكله القديم العسكري المباشر، إلى شكله الجديد الاقتصادي، سواء تأمين المصادر أو الطاقة أو الثروات الطبيعية، أو البحث عن أسواق، إلى الاستعمار الثقافي، المختلف على تسميته، الذي لا يحتاج إلى الأسلحة التقليدية، لأنه مزود بسلاحه الفتاك الداخلي، أعني به التنميط الثقافي من خلال آلية صناعة العقل، وإذا كانت مخاطر الغزو الثقافي راهنة وضاغطة على جمهور الراشدين، فإنها أشد هولاً وفتكاً بعقول الأطفال والناشئة، إن مفهوم الغزو التقافي ملتبس، كما أشرنا، في تاريخه، وفي إطاره المعرفي، وفي علائقه المتشابكة والمتداخلة مع مفاهيم أخرى، مما يدعونا لإضاءه هذا المفهوم:

 

1ـ1ـ الاستقطاب والهيمنة:

تشكل مفهوم الاستقطاب بعد الحرب العالمية الثانية، حين انقسم العالم إلى معسكرين، الأول يدور حول القطب الأمريكي، والثاني حول القطب السوفييتي، وصارت الحروب إلى بؤر توتر صغيرة، أما الحرب الكبرى فهي الحرب الباردة التي خف أوارها، وأخذت أشكالاً أخرى بعد المتغيرات العنيفة أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات، لعل أهمها الزلزال السوفييتي الذي أنهى أحد هذين القطبين، وانهارت معه منظومة الدول الاشتراكية، والأهم حالة صراع مرهونة بعلاقات دولية، صار فيها الاستقطاب متجهاً إلى قطب واحد أعظم مهيمن هو الولايات المتحدة، بما يعني ترافق الاستقطاب مع الهيمنة، وقد هيأ لذلك امتلاك الولايات المتحدة لأكبر نسبة احتكارية من سلطات العصر: الاقتصاد، التقنية، المعلوماتية، الاتصالات، العلم. ولاشك في أن سلطان الواحدة منها يفوق السلاح التقليدي إضعافاً مضاعفة، إنها الثروة والمعرفة، وهما تتبادلان الأدوار، وتتكاملان فيما بينهما.

 

1ـ2ـ التبعية:

ظهر مفهوم التبعية في إطار الاقتصاد في الستينيات، تفسيراً للتخلف الذي اتسم به اقتصاد بلدان العالم الثالث، مما طرح، في المقابل، ضرورات النمو المتسارع للوتائر الاقتصادية (مشمولة فيما بعد بالوتائر الاجتماعية والسياسية، وهي التي اصطلح على تسميتها بالتنمية)، غير أن هذا النمو، وتلك التنمية، كونها مندمجة في الاقتصاد العالمي، شاءت أو أبت، وهو اقتصاد المركز المتقدم، الأمريكي والأوروبي، أو الدولة الصناعية، أو دول الشمال، جعل اقتصادها يخدم الاقتصاد العالمي، أو ما عرف باسم التنمية الموجهة للخارج، وقوامها تغذية المركز بالمواد والخامات والنفط، وتصريف منتجات المركز. وهذا هو مفهوم التبعية، بدأ اقتصادياً، ثم ما لبث أن امتد إلى المجالات الكونية الآخرى، مع تحول العالم نفسه إلى قرية صغيرة كونية، بفضل استفحال تأثير سلطات العصر التي أشرنا إليها، ولاسيما الاتصالات والمال والاقتصاد والمعلوماتية. إذن صار هناك مركز متبوع، وأطراف أو هوامش تابعة، وقد تنبه الكثيرون لخطل هذه التنمية الموجهة إلى الخارج إنها تفاقم خطر التبعية، بعزل التنمية عن أبعادها الشاملة والمتكاملة والمستقلة، إذ أغفلت أبعاد التنمية الاجتماعية والسياسية والثقافية التي تضمن الهوية الثقافية والاستقلال السياسي ومواءمة الخيارات لخصوصياتها التاريخية والبيئية والاجتماعية والحضارية. وكلما فشلت تجربة تنموية، وما أكثرها، انزلقت سريعة إلى مهاوي التبعية، لأن من شروط التنمية الناجحة شمولها وتساوقها مع التنمية الثقافية والاجتماعية من جهة، واستقلاليتها من جهة أخرى.

 

وغني عن القول بعد ذلك، إن التبعية الثقافية والإعلامية أخطر من التبعية الاقتصادية، لأن الأولى نتجه إلى رهن الإرادة القومية والوطنية بما فيه استتباع القرار القومي والوطني، التي ينبغي أن يكون مستقلاً، للهيمنة المركز، وعلى رأسه الولايات المتحدة.

 

1ـ3ـ التغريب:

يفيد معنى التغريب أمرين، الأول سيادة النزعة الغربية، أو الاحتذاء بالغرب، أوروبا والولايات المتحدة، والثاني هو الاستلاب أو الاغتراب، أي خلق هوة بين المرء وواقعه، حين تغلف الذات بمشاعر الغربة والوحشة والانخلاع والانسلاخ، واللانتماء بعد ذلك؛ ويفيد المعنى الاصطلاحي شعور المرء بأنه مبعد عن البيئة التي ينتمي إليها، فيصبح منقطعاً عن نفسه، ويصير عبداً لما حوله، يتلقى تأثيرها المتمثل في إنجازات الإنسان ومواصفاته ونظم حياته، دون فعالية تذكر، والأمران يتوافقان أو يتكاملان فيما بينهما، في حالة الثقافة العربية التي تعاني التغريب، بما هو فك العرى الوثيقة بينها وبين تاريخها وتراثها، وبينها وبين وظائفها التاريخية والعضوية والنفسية. لقد شكلت ثقافة الغرب بالنسبة للعرب والثقافة العربية، الاستعلاء والتكبر تعبيراً عن موقع الغربي، وكانت العلاقة الاستشرافية محكومة بموقعه مستعمراً. وكلما اتسعت عمليات وعي الذات القومية والوطنية إزاء الآخر الغربي، توضحت بجلاء أكبر حدة المعاناة التي تواجهها الثقافة العربية في مواجهة التغريب، احتذاء بالغرب، أو سلباً واغتراباً عن الهوية والخصوصيات الثقافية بتأثير الغرب نفسه، منتج وسائل التغريب الضخمة.

 

وتغدو خطورة التغريب أكبر مع الأطفال والناشئة التي يتلقون، مباشرة، وباستمرار، هذه الوسائل، بمعزل غالباً، عن تراثهم المكتوب والشفاهي؛ مما يعزز حالة اللانتماء والوقوع فريسة للغزو من الداخل الغزو الثقافي.

 

1ـ4ـ التنميط:

يعبر الغزو الثقافي عن آليته، أساساً، بالتنميط الثقافي الذي يعني إنتاج نمط ثقافي واحد وفق إرادة المنتج المهيمن، ويكون ذلك عبر وسائل السيطرة المختلفة كالتقنية والمعلوماتية والاتصالات، ولا سيما استعمال الأقمار الصناعية، ولاشك، أن أخطر مظاهر التنميط وسيلة هي شيوع ثقافة الصورة بديلاً عن ثقافة الكلمة، وانتشار الكتاب الإلكتروني (أقراص CD-ROM) بديلاً للكتاب المطبوع، مما يضع جمهور الأطفال والناشئة أمام الاستبداد التقني الذي يقلل الخيال والإبداع بعد ذلك ناهيك عن سرقة الوقت وهدر الطاقة الجسمية، والمشاعر والأفكار، ووضع هذا الجمهور في حالة عطالة ذهنية وثقافية أمام منتجات التنميط الثقافي وقوتها الهائلة.

غير أن خطورة التنميط تبلغ مداها الأقصى في تقبلها من الداخل حين تفلح أدوات الهيمنة ووسائل السيطرة في «صناعة العقول»، (وهو عنوان كتاب آخر). وفي الحالات جميعها، فإن خطر التنميط ال