|
التنمية الثقافية للطفل العربي
بقلم الكاتب:
د.
عبد
الله أبو
هيف
الإهداء
إلى نجم..
ابني المولع بالأسئلة وحبّ المعرفة.
المقدمة
إذا كانت الحاجة للتنمية الثقافية العربية ضرورة ضاغطة وملحة، فإن
تنمية ثقافة الطفل العربي أكثر ضغطاً وإلحاحاً، ففي عمليات إنتاجها وإعادة
إنتاجها تظهر سطوة الاتصالات الجبارة المهيمنة، وامتدادها إلى المعلوماتية
التي ضاعفت تأثيرها سلباً، فليس هذا التأثير كله مستحباً ونافعاً، وما لم
يرشّد استخدامهما معاً، أقصد الاتصالات والمعلوماتية، فإن علائم الخطر
كامنة وقابلة للظهور صاعقة ومدمرة للتكوين الإنساني النبيل، وتنطلق أبحاث
هذا الكتاب ومقالاته من هذه الروحية الصلبة التي تؤمن بمكانة ثقافة الأطفال
المتنامية على مشارف الألفية الثالثة، ومن الإقرار بالنهوض الذي شهده ربع
القرن الأخير في الكتابة للطفل العربي، فثمة وفرة في مخاطبته عبر وسائط
ثقافية كانت غائبة أو مهملة قبل ذلك، كما هو الحال في انتشار مجلات الطفل
وصحفه، وتخصيصه بقنوات اتصال يومية عبر القنوات الأرضية والفضائية، بل إنه
ثمة قنوات اتصالية خاصة به، وفي غالبية قنوات البث الإذاعي المسموع، وفي
نشر ثقافته الكترونياً عبر تقانة المعلومات المتطورة، كالإنترنت والكتاب
الإلكتروني والثقافة الرقمية على وجه العموم، على أن نهوض ثقافة الأطفال
يتبدى جلياً في ارتفاع الوعي بقضية ثقافة الأطفال بفنونها ووسائطها، نظرياً
وتطبيقياً.
بيد أن هذا الإقرار بالنهوض الواضح لثقافة الطفل العربي، يدعونا إلى
أهمية تطويره ومواجهة العقبات التي تحول دون انتشاره من أجل الحد من تفاقم
مشكلاته القومية والتربوية والفنية والاتصالية، فتسعى هذه الأبحاث
والمقالات، وما وسعتها المحاولة إلى ترشيد تجربة ثقافة الطفل العربي على
مشارف الألفية الثالثة وتأصيلها في الثقافة العربية الحديثة، في آفاقها
المختلفة.
لقد عاينت تجربة ثقافة الطفل العربي منذ ثلاثة عقود، كاتباً في
مجالاتها، وناقداً لفنونها ووسائطها في الكتب والدوريات العربية، ومسؤولاً
مسؤولية مستمرة عن تخطيطها وتوجيهها من خلال عملي الرسمي والثقافي والتربوي
رئيساً لمكتب الثقافة والإعلام في قيادة منظمة الطلائع (الأطفال) في سورية
التي تتعاون بأشكال متعددة، مع وزارة التربية وبقية الجهات المعنية الأخرى،
إشرافاً وتنسيقاً من أجل تربية أفضل لمجموع أطفالنا. وآمل أن يعبر محتوى
هذا الكتاب عن الشواغل العميقة والضاغطة علينا مما تضمنتها هذه المقاربات
الواقعية لشؤون ثقافة الطفل العربي وأدبه. وثمة مقاربات كثيرة تعالج أول
مرة، بهذا الشمول، ولاسيما المخاطر الجدية التي تواجه النهوض المرتجى،
والسبل الكثيرة المرتبطة به التي تساعد على سيرورته وتأصيل مبدعاته، وتعين
على تنمية أفضل لإعادة إنتاجه، كما هو الحال في الغزو الثقافي، والهوية
القومية، والتربية الثقافية، وتكامل المؤسسات التربوية وأجهزة الثقافة
ووسائل الإعلام في مخاطبة الطفل العربي. ولا يخفى أن أبحاث الكتاب ومقالاته
عالجت شؤون ثقافة الطفل العربي وأدبه من رؤية الواقع، فكانت العناية
بالمؤتمرات والتظاهرات الكبرى على امتداد الوطن العربي، مثل ندوة مهرجان
ثقافة الطفل بالإمارات (1990)، أو ندوة مهرجان الجنادرية (1994)، أو مؤتمر
القاهرة (1996)، أو مؤتمر تونس (1997) وسواها، لأنها تحمل الصورة الصادقة
لهذا الاشتغال العربي العميق على تنمية ثقافة الطفل العربي وأدبه.
وغني عن القول إن غالبية أبحاث هذا الكتاب ومقالاته قد كتبت وألقيت
في مؤتمرات ولقاءات ثقافية عربية وإقليمية. ومن المأمول أن يتيح نشرها
مجموعة نظرة أفضل لتجربة ثقافة الطفل العربي وأدبه، في واقعها الناهض وفي
آفاق تطويرها المنشودة.
المؤلف دمشق أيلول 2000
   
الباب الأول: في أدب
الأطفال
الفصل الأول:
الكتابة
بوصفها استعارة
مقاربة نظرية لمفهوم الكتابة للأطفال واليافعين
تشير تجربة قرن من الزمن من الكتابة للطفل إلى أن ثمة تشكلاً لمفهوم
أدب الأطفال يختلف عن مفهوم الأدب أو أدب الراشدين، واستخدم هذا المصطلح
لضرورة التمييز والبحث، ويكمن هذا الاختلاف في الطبيعة التربوية لأدب
الأطفال التي تنهض على خصوصيات نمائية ونفسية ومعرفية كثيرة، وتستدعي في
الوقت نفسه اعتبارات فنية متعددة. ولاشك في أن تشكل الكتابة للطفل قد
استكمل حدوده في أحضان المدرسة (التربية والتعليم) من جهة، وفي أحضان علم
النفس، ومن ثم علم نفس الطفولة من جهة أخرى( ). وعندما حاولت أن أتقصى حدود
نظرية أدب الأطفال، وجدت عنتاً شديداً في ذلك لدى غالبية المختصين وخبراء
أدب الأطفال والمشتغلين بالتنظير له، وطرحت أفكاري بهذا الشأن على نخبة من
هؤلاء المعنيين أثناء المؤتمر العالمي الثاني لأدب الأطفال (موسكو 1979)
قبل أن أضع كتابي «أدب الأطفال نظرياً وتطبيقياً» (دمشق 1983). كان ثمة
إقرار بالاختلاف في مفهوم أدب الأطفال أو الكتابة للأطفال، غير أن حدود
النظرية ما تزال ملتبسة في وهاد التربية والفن، وما ينتج عنهما من علاقات
متشابكة.
إن هذا البحث محاولة أخرى لمقاربة نظرية لمفهوم الكتابة للأطفال
واليافعين تستكمل ما بدأته من قبل( ).
يستند الأدب، في نظريته، أساساً إلى الخيال، لأن صلب نسق تنضيد
الكلمات في متن ما، هو المحاكاة أو تضافر الواقعي بتخييله، على أن هذا
التضافر مشروط في أدب الأطفال بشروط تجعل هذا الأدب مجال استعارة برمته
توائم إدراك الطفل (خياله ووعيه) ولغته (وسيلته للخيال والوعي)؛ والمعول في
ذلك هو أن الاستعارة بديل لواقع، تصير معه إلى واقع جديد ميسور لعين الطفل
وإحساسه ونموه المعرفي والنفسي والاتصالي؛ وما طبيعة الاستعارة بعد ذلك إلا
مجموعة تحكميات تفعل فعلها في صوغ أدب الأطفال واستهدافه.
تنطلق النظرية من أن الطفل ليس راشداً لنخاطبه بقول الراشدين
وتقانات خطابهم، وأنه، أي الطفل، في نموه وعمليات نموه ما يلبث أن يدخل
شيئاً فشيئاً في عالم الراشدين، ويتخلى بذلك عن خصائص عالمه ووشاح
الاستعارة الذي يظلل ما هو تواضع متفق عليه، أما صفات هذا التواضع المتفق
عليه فهي كامنة في جوانب الإحاطة بطبيعة الاستعارة، وقوامها، بالنظر إلى
الاعتبارات التربوية والنمائية، فكرة التعميم ونزعة الإطلاق؛ فالطفل لا
يتعامل مع التاريخ والتراث الشعبي والأسطورة والمستقبل أو الحيوان والأشياء
كما هي، بل كما تبدو أو تتراءى في وجدانه النامي.
وعلى هذا لا يتعرف الطفل (أو لا يخاطب) بالحقيقة التاريخية
والواقعية في حوادثها أو إحداثياتها، في وقائعها أو سياقها الواقعي، بل في
إطار استعارة شاملة لهذا النسق تكّون سياقها الواقعي بمنتهى التجريد في
رحابة تخييل يبني واقعة الخاص أو الجديد.
إن السؤال دائماً في نظرية أدب الأطفال هو: ما حدود التربوي في
المكتوب للأطفال، أو تجليات هذا المكتوب شفهياً أو عبر وسائط ثقافة الطفل؟
لقد بات واضحاً أن معضلة التفكير في مفهوم أدب الأطفال كامنة في إضاءة هذه
الحدود داخل الفني والجمالي والمعرفي في تشكل الكتابة للأطفال. ولا شك، أن
ثمة صعوبات كثيرة تحول دون نظرية أدب الأطفال بالنظر إلى وضعية العلوم
الإنسانية، ولاسيما التربية وعلم النفس، فقد تعددت الاتجاهات التربوية
بالاستناد إلى التطورات المذهلة في علم النفس أو علم نفس الطفل على وجه
الخصوص. ولعل المسألة أعقد بكثير اليوم من نهاجية بياجيه في الإدراك، أو
الاتفاق على اعتبارات تربوية تتعلق بسن المخاطب من الأطفال أو عمليات نموه
الظاهرة؛ فقد داخل ذلك كلّه تأثيرات التطور التكنولوجي وثورة الاتصالات
والتفجر المعلوماتي، مما أثار تحديات كبرى للكتابة للأطفال، خطاباً ثقافياً
اتصالياً شديد الصلة بعملية إنتاج المجتمع برمته التي تواجه نفسها تحديات
التنميط والعولمة في عالم صار إلى فضاء مفتوح على عيون الأطفال ومداركهم
أيضاً.
ولا يماري أحد في قوة هذه التأثيرات وسرعتها على المعنيين بالكتابة
للأطفال، فلا ينبغي أن نركن إلى الهدوء والرضى والاطمئنان في معرفتنا
القاصرة عن الإحاطة أو المواكبة، لأن أدب الأطفال لم يعد كتاباً، بل أن
الكتاب نفسه، وهو المصدر الرئيسي لثقافة الأطفال وأهم وسيط من وسائطها،
تراجع كثيراً أمام وسائل الاتصال الجبارة المهيمنة على عمليات تشكيل عقول
الصغار والكبار، ثم لم يعد الكتاب هو الكتاب المعروف، لأن الكتاب اليوم هو
الكتاب الإلكتروني بما يعنيه من تحديات أخرى للكتابة للأطفال، كنا نتحدث
قبل عقد من الزمن عن إشكاليات تفرزها معضلة التربية والفن، ولا شك، أننا
نتحدث في نهايات قرن ومقبل قرن جديد، عن إشكاليات أخرى مضاعفة، وما هذا،
البحث إلا مقاربة لمفهوم الكتابة لأطفال واليافعين في ظل هذه الوضعية.
1ـ إشكاليات تربوية:
هناك إشكاليات تربوية كثيرة، ولكنني اخترت الحديث عن إشكاليتين هما
إشكالية الوعي والإدراك وإشكالية التاريخ والمجتمع:
1ـ1ـ إشكالية الوعي والإدراك:
عدّ اكتشاف مراحل النمو عند الأطفال سنداً وعوناً لدعاة إدغام
التربية بالفنّ، غير أن المربين حولوا مراحل النمو إلى فزاعة أمام منتجي
الكتابة للأطفال أو معيدي إنتاجها في الوسائط الثقافية المختلفة، ليصير
معها المربون إلى كهنة يحتكرون مسؤولية إنتاج الكتابة للأطفال أو ترشيد
إنتاجها. ثم جرى ربط مراحل النمو باعتبارات تربوية أخرى مثل الخصائص
النفسية وما تورثه من فروق فردية، اجتماعية أو ثقافية أو إناسية .. الخ،
والخصائص الإدراكية وما يتصل بها من نشاط المخيلة وملكة التفكير، أي أن
المسألة كلها مرهونة بالوعي والإدراك بتعبير آخر، لمعرفة قدرات الأطفال
العقلية وقابليات تعزيزها؛ والأهم مكانتها في مراحل النمو، وتثميرها في
التنمية الثقافية على وجه العموم. ونحن واجدون أبحاثاً ومقالات حول التفكير
وتنمية التفكير، ولكننا نفتقر للأبحاث والمقالات حول التفكير وتنمية
التفكير في مراحل النمو عند الأطفال، ولا سيما الأطفال العرب. وعندما سعت
المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الاليكسو) إلى وضع خطة قومية
لثقافة الطفل العربي دعت بعض المربين لكتابة بحث عن التربية وأثرها في
تنمية التفكير العلمي لدى الطفل العربي، فكان بحثاً تربوياً عن مهارات
التفكير وأنماط سلوك المعلمين في تعزيز تفكير الأطفال، والنمذجة نحو انسجام
السلوك مع الأهداف، والمادة التعليمية محيطاً لتعليم التفكير وتنميته،
وعمليات واستراتيجيات التعليم محيطاً لتنمية التفكير( ). أما دور الأطفال
أنفسهم وتفاعلهم مع الخصائص الإدراكية فلم يلتفت إليه على النحو الذي يزيد
من فاعلية الأطفال في إنتاج الكتابة إليهم.
لا ينبغي أن يكتفي بالبحوث الاستطلاعية حول تنمية التفكير؛ وتشير
علاقة الأطفال بالمعلوماتية إلى انقلاب في فهم مراحل النمو عند الأطفال.
والمعول في ذلك هو الدربة والمران والاكتساب من خلال تربية العقل إلى جانب
تربية اليد.
لقد وضعوا خصائص لمراحل النمو من سن إلى أخرى، مثل مرحلة الواقعية
والخيال المحدود بالبيئة، إلى مرحلة الخيال الحر، إلى مرحلة المغامرة
والبطولة، إلى مرحلة اليقظة الجنسية، إلى مرحلة المثل العليا( )؛ وعلى
الرغم من الخلاف بين المربين وعلماء النفس في توصيف المراحل وذكر خصائصها،
فإن التداخل بينّ بين مرحلة وأخرى، فقد أضافوا المرحلتين الأخيرتين، وهما
لا تخصان الأطفال، وإذا ألحقنا مرحلة اليقظة الجنسية، فإن اقتران كل مرحلة
بمستوى من التطور العقلي يجعل خصائص اليقظة الجنسية تنعطف بالطفولة إلى
عالم آخر يختلف كثيراً عن عالم الأطفال؛ وهذه الانعطافة بالذات هي التي
توضح مقدار الفرق بين سمات الكتابة للأطفال وسمات الكتابة للراشدين.
إن هذه السمات تتلاشى وتخف ملامحها وينتهي معها الوعي الخاص
بالطفولة كلما اقترب الطفل من سن الرشاد، أي الانخراط في وعي المجتمع؛ وهو
في الوقت نفسه وعي الكائن الفرد. ولا بد إذن من بحث مراحل النمو العقلي لدى
الأطفال لأنها تتيح بالدرجة الأولى، إمكانية فهم تفاعل الأطفال مع الكتابة
الموجهة إليهم، أخص بالذكر مسألة التلقي؛ والتلقي، كما هو معروف، حصيلة وعي
وإدراك في صلب تقدير المتلقي، طفلاً كان أم راشداً، لما يتلقاه معرفياً
وجمالياً. وغني عن القول إن الامتلاك المعرفي للواقع يستلزم الامتلاك
الجمالي، والعكس صحيح. والتلقي، وفق هذه الدلالات، دربة ومران واكتساب، أي
أن التلقي تربية عقلية كذلك.
1ـ2ـ إشكالية التاريخ والمجتمع:
وتلازم هذه الإشكالية إشكالية الوعي والإدراك، بل هي ناتج لها؛
وتعني سؤالاً محدداً واضحاً عصياً: إلى أي حدّ يدرك الطفل حركة التاريخ
ومواضعات المجتمع؟ ما هو جلي أيضاً أن الطفل يدركهما على نحو خاص على أنهما
وعيه بتاريخ مجرد أو مجتمع مطلق، لهما تطورهما وقانونهما وأخلاقهما
ومقاربتهما القيمية، وهي ما تلبث أن تدخل في السائد. ويبدو الأمر لأول وهلة
وكأنه تعارض بين تاريخ ومجتمع متخيلين، وتاريخ ومجتمع واقعين، غير أن الطفل
مرهون بسمات وعيه وإدراكه للتاريخ والمجتمع، مما يؤدي إلى أنساق قيمية قد
توافي المنظومة القيمية السائدة في سن أو أخرى، لأن الطفل فينا قد يستمر
لأبعد من سن الطفولة بكثير، وربما هذا ما جعل إحدى المجلات الطفلية تضع
شعاراً لها: «مجلة الأطفال من سن 8 إلى سن 88».
إن الأطفال يقرأون أي شيء، ويحتاجون لتلقي أدب الأطفال بنوعياته
كلها وموضوعاته المتعددة في العلوم والفنون والآداب.
وتوجز عادة إشكالية التاريخ والمجتمع بأمرين؛ الأول هو الخيال،
والثاني هو الموضوع( )؛ وهما غالباً متعارضان، وعندما يتطابقان يؤدي ذلك
إلى أدب أطفال جيد؛ فمما لا شك فيه أن الكتابة للأطفال شكل يسبح في مدى
رحيب من الخيال، وفي سباحته ينشد امتلاكاً معرفياً وجمالياً للمعرفة
البشرية، وهي نتاج تاريخ ومجتمع، ولكن الطفل يجردها من تاريخها ومجتمعها،
ويضعها في موضوعات تنسرب مع المخيلة النشيطة للطفل؛ فتصبح الإشكالية في
إدغام هذا المدى الرحيب من الخيال في سعة الموضوع. وكلما واءمت المعالجة
الخيالية حركة التاريخ ومواصفات المجتمع كان الموضوع أقرب لوعي الأطفال
ومداركهم.
لا يعين الطفل الموت أو الزواج أو الطلاق أو الهجرة أو الوطن أو
الفقدان أو العقاب أو الأسرة في واقعها، بل تدخل في روعه علامات لتاريخ
ومجتمع متخيلين ينفعان في الوعي نفسه. ولعل هذا ما يجعل الأطفال يتقبلون
إعداد الكتابة الموجهة إليهم بيسر، ونقلها من بيئة إلى أخرى، ومن مجتمع إلى
آخر دون عناء؛ فصار من السهل أن يكون ريمي بطل رواية هكتور مالو «ابن لا
أسرة» طفلاً يتكلم العربية ويحمل اسماً عربياً، بل شخصية يابانية أو فرنسية
تغدو مدافعة عن العقيدة الإسلامية بعد أن تحمل هذه الشخصيات أسماء عربية..
الخ.
2ـ إشكالية اللغة وتباين مستوياتها:
يتحدث العالم كله بلغته، وهي الرموز، واللغة، أي لغة، رموز؛ وقد
تتعدد منظومات الرموز بتعدد اللغات وتزايدها. ويتعلم الطفل لغات منها، مع
مراحل نموه. وغالباً ما يصطدم ليس بلغته القومية فحسب، بل ببعض لغات
الكائنات المحيطة بنا.
ونقارب الإشكالية بتوضيح مستويات اللغة، فثمة مستوى معجمي هو
المستوى الحقيقي للغة، وهو يختلف تماماً عن المستوى المجازي؛ وللمستوى
المجازي أنواع من المجاز المرسل بوجوهه الكثيرة إلى التشبيه إلى الاستعارة
إلى الكناية، إلى أنواع البديع والبيان فائقة العدد والاستعمال. ولربما كان
مفيداً أن نشير إلى أن إشكالية اللغة تربوية أيضاً، وإلى أن حافظة اللغة
عملية وعي وإدراك، ومنطلقها هو ارتباط لغة الطفل بمراحل النمو إياها، وتفيد
هذه النظرية أن اللغة مكتسبة، وأن ثمة عوامل ذات شأن في عمل الطفل اللغوي
وعامل المحيط بما فيه طبيعة النمو وعملية النطق( ). إن غالبية الأبحاث
تستند إلى تثمير عمل الطفل اللغوي لدى النظريات الألسنية جميعها، وقبل هذا
وذاك مواءمة النمو اللغوي في مراحله المتتالية مع النمو العقلي.
وليس جديداً أن نقرر ارتباط اللغة بالمراحل العمرية ارتباطاً
وثيقاً، وكان وصف العلماء ما يسمى بلغة الأطفال، وهي استخدام كلماته
للدلالة على كلمات معروفة، كأن تستخدم كلمة «نبو» للدلالة على الماء.
ومن الملحوظ أن تشجيع عمليات التعليم والتذوق من شأنهما تسريع
النضوج اللغوي توكيداً على البعد التربوي للغة عند الأطفال، ويقال مثل هذا
عن اللغة والجنس، فالتربية هي التي تعزز الفروق بين الجنسين، أو تمضي في
تذويب هذه الفروق، وكذلك هو الحال مع اللغة والبيئة والعرق، فاللغة كائن
اجتماعي، ولربما كانت الفئة أو الطبقة هي التي تنمي هذا الاستخدام اللغوي
أو ذاك، وهذا ما جعل الكلام صعباً فيها، لأنها تختلف من مجتمع إلى آخر.
ومرد الصعوبة إلى أن البحث فيها قليل، أو هو لا يذكر في مجتمعنا العربي( ).
تغلب على الطفل ما قبل المدرسة مرحلة التقليد اللغوي، بينما تبدأ
مرحلة الاستقرار اللغوي في سن السادسة أو السابعة أو الثامنة حيث رسوخ
العادات اللغوية، بما فيها تعلم اللغات الأجنبية، أو التعبير عن لغات أخرى،
فتقوى عوامل التقليد فيما قبل المدرسة، مما يتيح للتربية فعلها في عوامل
التقليد، وهي وضوح الإحساسات السمعية، والقدرة على حفظ هذه الإحساسات، وعلى
تذكرها عند الحاجة إليها، وفهم معاني الكلمات، ونشاط الطفل الحيوي الذي
يتمثل في عزمه وإرادته ورغبته في الاشتراك في جلبة الحياة.( )
وفي هذا الإطار، ثمة تفريق في مراحل التقليد اللغوي باتجاه
الاستقرار، من نمو اللغة، إلى تعلم اللغة واكتسابها (دور نمو القاموس
اللغوي) إلى تذوقها (دور اللذة الصادرة عن المقدرة على التعبير واختبار
الألفاظ المناسبة والإحساس بالجمال اللغوي، مثل محبة الشعر وإدراك جمال
الصور ومقدرة التعبير عنها)( ).
ويفيد هذا التفريق في تقرير مكانة الاكتساب في التذوق اللغوي، لأن
التذوق اللغوي ينشط بالاهتمام وتكوين الثروة اللغوية حيث يتأخر التمييز بين
اللفظ والمعنى، وفيه أن الطفل يحفظ الكلمات دون فهم معناها الحقيقي، ثم
يصبح بمقدوره التمييز بين اللغات مع ارتفاع الذائقة اللغوية سبيلاً لتربية
التذوق، وللتدخل في هذا السبيل بوساطة مبادئ قابلة للنقاش، كأن نمد الطفل
بروائع الكتب في كل وقت، وفي كل مكان، وأن نوفر للكتابة الموجهة للأطفال
أكبر قسط من التلقائية والصدق والإخلاص الحقيقي النابع من القلب، وأن نضع
بين يدي الطفل ما يختاره بنفسه، استناداً إلى بحوث تيسر للطفل حرية
الاختيار( ).
وهكذا، ربط التذوق اللغوي بالقراءة وتنمية الاستعداد للقراءة ونجاح
عملية القراءة، وتجنب محاذيرها، ونلاحظ أنها تتصل بالحفاظ على المستوى
المعجمي للغة في مرحلة الرسوخ اللغوي، ومن هذه المحاذير، غرابة اللفظ، وطول
الجملة، والتقديم والتأخير، والإسراف في استخدام المجاز والاستعارة( ).
وتعد تنمية القراءة لدى الأطفال السبيل الأمثل لتربية التذوق
اللغوي، على أن القراءة ليست قراءة اللغة القومية أو لغة أجنبية، بل هي
أوسع من ذلك بكثير، فثمة قراءة معرض، أو قراءة شريط سينمائي، أو قراءة
لوحة، أو قراءة معزوفة، أو قراءة لغة علم ما، كلغة حيوان ما، أو لغة
الحاسوب..الخ؛ على أن تنمية القراءة تبدأ من اللغة القومية المكتوبة، ثم
تنمى المهارات الأخرى بعد ذلك. ولعل مهمات تنمية القراءة من أخطر مسؤوليات
البناء الثقافي للأطفال، وينقل كتاب «تسريع القراءة وتنمية الاستيعاب»( )
آخر الخبرات العالمية والعربية في هذا الميدان، لأنه البحث الوحيد، وهو معد
ومؤلف في آن واحد، باللغة العربية الذي يثير إشكالية اللغة في عصر
المعلومات.
ولم يكن غريباً أن يضع أحد الباحثين مجلداً فاقت صفحاته الألف
والمائة، سماه «فن التدريس للتربية اللغوية وانطباعاتها الملكية وأنماطها
العملية»؛ ويكاد يكون هذا المجلد شاملاً لجوانب التربية اللغوية، في إطارها
المعجمي، مما يغفل جوانب الإشكاليات اللغوية في المستويات الأخرى. أما
الملاحظة الثانية فهي استغراقه في نصوص مدرسية، بينما كان الأثرى أن يعالج
بحثه المستفيض الكبير والرائد من خلال نصوص أدبية معتبرة( ).
إن هذا يقودنا إلى الإجابة على إشكاليات اللغة انطلاقاً من مستواها
الحقيقي أو المعجمي، والمجازي أو الاستعاري، وأذكر إلماحات عجلى عن
المستويات الأخرى:
2ـ1ـ المستوى الاصطلاحي:
تطرح اللغة، في ظل التطور العلمي الهائل، لغة اصطلاحية خاصة بكل
علم، ويتطلب تعامل الطفل معها وضع موسوعات ودوائر معارف للأطفال من جهة،
واللجوء إلى تبسيط العلوم من جهة أخرى، مثلما يستدعي عملاً تربوياً بمشاركة
الطفل نفسه على تنمية القراءة في مجالات المعارف، لأن لغتها اصطلاحية
غالباً.
2ـ2ـ القاموس الخاص للطفل:
تنطوي المطالبة بوضع القاموس الخاص للطفل العربي على إيمان كبير
بأهمية البعد التربوي للكتابة الموجهة للأطفال. ومن أسف، أن الدراسات
المتعلقة بهذه المطالبة ما تزال غير ناجزة، مما يسبب خللاً في مخاطبة الطفل
العربي، ويورث إشكالية تنعكس سلباً على الكتابة للطفل، وعلى تلقي الطفل
لهذه الكتابة. وغني عن القول، إن هذه الحال تغري بالكتابة للطفل استسهالاً
لا ينفع في إنتاج أدب أطفال جيد.
2ـ3ـ القاموس الخاص للكاتب:
غالباً ما يؤثر كتاب الأطفال، ممن يصدرون عن تجربة ونظرية في مخاطبة
الأطفال، استعمال لغتهم الأدبية بمفرداتها وتراكيبها وظلالها الخاصة، طريقة
في الصوغ، أو ترميزاً دالاً، أو إحالة لمعادل ما، ومن أمثلة هؤلاء الأدباء
بالعربية سليمان العيسى الذي يرى في هذا الاستعمال وظيفة تعليمية للغة، هي
من واجبات كتّاب الأطفال. ويغذي هذا الاتجاه تسلح هؤلاء الكتّاب بنظرية
مفادها أن على الطفل أن يحفظ ما استطاع، أما المعنى فيحصل عليه الطفل في
مراحل عمرية لاحقة. غير أن لمثل هذا الاستعمال محاذيره عندما يوغل القاموس
الخاص للكاتب في فيض التأويل الذي يستعصي على مدارك الطفل ومخزونه اللغوي.
2ـ4ـ لغة الجنس الأدبي:
للجنس الأدبي، قصة أو قصيدة أو أغنية أو مسرحية أو مقالة.. الخ،
لغته، بل إن للجنس الأدبي القصي أشكاله المتعددة القديمة كالحكاية والمقامة
والمثل والطرفة والليلة والنادرة، والحديثة كالأقصوصة والرواية والقصة
المتوسطة؛ ففي القصة نتحدث عن السرد وخصائصه وتراكيبه وبنائه ومنظوراته،
على أن هذه اللغة الفنية الخاصة بهذا الجنس الأدبي أو ذاك تورث إشكاليات
قائمة في تلقي الجنس الأدبي، ومن المفيد التعرف على لغة الجنس الأدبي
للإحاطة بها، والمخاطبة الأمثل من خلالها.
2ـ5ـ لغة الوسيط:
من المعروف أن وسائط ثقافة الأطفال هي الوسائط التي ننقل من خلالها
أدب الأطفال إلى جمهوره، ولكل وسيط لغته أيضاً، في الكتاب والصحيفة
والمسرح والتلفزة والإذاعة..إلخ وتنجم إشكاليات متجددة باستعمال لغة
الوسائط التي تشكل وسائل اتصال تقنية متطورة مثل التلفزة والإذاعة
والسينما.
إن الوسائط تعتمد على أدب الأطفال، أي على الكتابة الموجهة للأطفال،
وعلى المعنيين بإنتاج أدب الأطفال أو إعادة إنتاجه أن يطوروا لغة هذه
الوسائط، توصيفاً واستهدافاً وتوظيفاً.
3ـ الإشكاليات الفنية البلاغية:
تأخذ الاستعارة في مجالات الكتابة للطفل حالات محددة تتصل بالبعد
البلاغي المباشر وغير المباشر، لأن الاستعارة عدول عن ظاهر اللفظ واللغة
إلى باطنه أو محتواه، وانتقال من المعنى المجرد إلى تعبير مجسد دون
الالتزام بأدوات التشبيه أو المقارنة، وتكون الاستعارة عقلية أو لغوية، أي
أن الاستعارة أبعد غوراً من مفهوم المحاكاة، إذ يضاف إليها اعتبارات مستوى
التلقي ووضعية المتلقي، وهو الطفل في سن معينة. ونجاوز في بحثنا مفهوم
البلاغة الصريح إلى التشابك العلائقي للنص الأدبي، ومدى دخول الأصناف
البلاغية في التركيب النصي، لأن ثمة تحكميات تأخذ بالكتابة للأطفال من
مجالات المحاكاة إلى اشتراطات الاستعارة، فتنتقل الكتابة للأطفال من
الانفتاح على التاريخ ومقايسته، إلى اكتفاء الاستعارة بكونها فضاء بصيرة،
أي علاقة إدراك لا زينة فحسب. ولا نعول هنا على المجاز اللغوي (أشكال
المجاز والتشبيه) أو اللفظي (أشكال البديع)، بل ندخل في مجاز عقلي أو ذهني
توفره الطبيعة التربوية للكتابة للأطفال على أن فضاء النص الأدبي كلّه
تشابك علاقات مفترضة سرعان ما تنفرش أمام عين الطفل رحيبة مكتفية بحدودها
التربوية.
ولعلي أوضح شيئاً من ذلك بشرح بعض الحالات الناجمة عن الإشكاليات
الفنية البلاغية في إطارها العام، متجنباً الخوض في التفاصيل.
3ـ1ـ السرد في القصة:
يميز السرد النثر القصصي عن سواه، لأن السرد مصطلح حديث للقص، يشتمل
على قص حدث أو أحداث أو خبر أو أخبار سواء أكان ذلك من صميم الحقيقة أو من
ابتكار الخيال( ). إننا نسرد في كل نص قصصي حقيقي أو متخيل حكاية هي مجموعة
أحداث أو وقائع أو أخبار.
وتدل تجربة الكتابة للأطفال على ضرورة مراعاة الاعتبارات التربوية
لتستوي مع فضاء الاستعارة الشاملة للبناء القصصي. وأورد بعض هذه
الاعتبارات:
أ ـ الطول:
لا يحدد النص القصصي بطول معين فهو بضعة أسطر حيناً مع الخبر، أو
الطرفة، أو النادرة أو المثل، أو الأقصوصة، وهو مئات الصفحات حيناً آخر مع
الرواية أو القصة الطويلة؛ وبينهما أشكال قصصية تطول أو تقصر. ولا ينبغي في
الكتابة للأطفال أن يزيد طول النص القصصي عن عدد محدود من الصفحات مقترن
بإقبال الطفل على القراءة أو التلقي؛ وبذا يختلف طول رواية الأطفال عن
الرواية أو رواية الراشدين؛ لأن رواية الأطفال أميل إلى القصر.
ب ـ المنظور السردي أو وجهة النظر:
يفضل عدم إثقال المنظور السردي بالأفكار والنقاشات والجدال العقائدي
والأخلاقي، مثلما يفضل عدم الخوض في التلاعب بوجهة النظر، باستخدام
التقنيات الحديثة مثل التداعي أو تيار الوعي..الخ.
حـ ـ القصد:
ينبغي عدم مباشرة القصد في النص القصصي الموجه للأطفال، إيثاراً
لمجانبة النصح والإرشاد والوعظ.
د ـ الحوافز:
الحافز هو الوحدة الحكائية الأصغر في كل نص قصصي، وتأنس تجربة
الكتابة للأطفال إلى وضوح الحوافز ويسر تركيبها، وأن نبتعد، قدر الإمكان،
عن التعقيد في ترتبها الواعي.
هـ ـ التحفيز:
اكتشف علماء السرديات أنواعاً للتحفيز، وهو نسق الربط بين الحوافز،
ولعل ما يناسب الأطفال هو التحفيز الواقعي الذي يراعي التنامي الفعلي
محاكاة للواقع في منظومته الاستعارية، حيث سيادة المنطق وتعليل ما يحدث،
وتجنب التلاعب بالزمن أو المكان.
و ـ المتن الحكائي:
غالباً ما يعمد كتّاب الأطفال إلى الاستطراد، والاستسلام لفيض
الوجدان، والولع بلغة الإنشاء؛ بينما أثبتت تجربة الكتابة للأطفال أن المتن
الحكائي الصافي هو الأنسب، وقد تخلص النص القصصي من شوائب الوصف والقول
المباشر.
غالباً ما ينفر الطفل من إثقال النص القصصي بالتفاصح اللغوي
والاستعراض الفكري كما هو الحال مع مبالغة الوصف أو مبالغة التصريح
بالأفكار مما يضر بالمتن الحكائي ويوهن نسيجه الفني.
3ـ2ـ الإيقاع في الشعر:
يتميز الشعر عن النثر بإيقاعه بالدرجة الأولى، ورأى النقاد القدامى
أن خاصية الشعر تتبدى في الوزن والقافية لتمام الموسيقى، فقالوا عنه: كلام
موزون مقفى، وعندما التفت كبار شعراء النهضة العربية أمثال شوقي والعقاد
إلى كتابة الشعر للأطفال، اعتمدوا هذه الخاصية، حتى أن شوقي كتب شعره
بغالبية الأوزان والبحور. ثم ما لبثت أن تطورت تجربة الشعر العربي بالنظر
إلى الاعتبارات التربوية ذاتها، في ظل تطور علم نفس الطفل والتعرف إلى
ديناميات فعاليته في التلقي، وأساسها اللعب والحركة، وما يضفيانه على شعر
الأطفال من خصائص؛ فكان التركيز على ضرورة أن ينهض شعر الأطفال على
الإيقاع، بما يعنيه من قابليات الترقيص (التعبير الحركي) والإنشاد والغناء
(التعبير النغمي والموسيقي). وكانت محاولة أحمد نجيب المنهجية الرائدة
لتعريف شعر الأطفال، ولاسيما موسيقاه في كتابه المعروف «فن الكتابة
للأطفال» (1968) أما الاستنتاج الأهم في درسه فهو تذكيره على انبثاق الشعر
من اللعب و الغناء، مما يستدعي الوقوف على البحور والأوزان التي تضمن تفاعل
الطفل الحركي والغنائي مع الشعر، ولاحظ، فيما لاحظ، أن البحور والأوزان
المناسبة هي القابلة للغناء والترقيص مثل الرجز والسريع ومجزوءاتها؛ غير أن
البحث اللاحق في شعر الأطفال؛ وتطور الشعر العربي الحديث نفسه، وسعا إطار
فهم الإيقاع بالتعامل مع التفعيلة أو التفعيلات كافة في بناء الكتابة
الشعرية للأطفال.
لقد غدا اللعب والغناء منطلق شعراء الأطفال، وبهما يقاس الإيقاع؛
وقد رأى عبد التواب يوسف أن هذا المنطلق عالمي، وليس من طوابع شعر الأطفال
العربي وحده. إن ضرورات شعر الأطفال عنده ثلاث، هي: التوضيح المادي
والتلاعب بالألفاظ والتدقيق الذي لا غنى عنه أولاً، والتلاعب بالألفاظ وحسن
اختيارها وترقيصها ثانياً، والتدقيق والصقل ثالثاً، مما يوجب توافر عناصر
الحيوية الثلاثة أيضاً، وهي الإكورديونية بمعنى التناغم الإيقاعي والموسيقى
في البناء الشعري، والإبداع بمعنى تجاور الكلمات وتفاعلها ليكون منها لوحة
فنية بالألوان المتجاوبة، وكأنها مكون من مكونات هذا الإيقاع، والاتصال
بمعنى توافر عنصر الحلم الشعري وتجنب المباشرة والصراخ. ويرهن يوسف ذلك
بدراسة شاعر الأطفال لعلم العروض، للأوزان والقوافي، ولخصائص كلّ بحر من
بحور الشعر وللأنماط الشعرية، وما يناسب كل موقف من أنغام( ).
وأيد ذلك محمد محمود رضوان، وهو رائد في دراسة أدب الأطفال، فوجد
خصائص شعر الأطفال في إيقاعه بالدرجة الأولى أيضاً، لأن الإيقاع يمكن الشعر
من إتمام دائرة استعارته عن طريق الصورة والنغم وتألفهما؛ وأبرز من هذه
الخصائص الوزن والقافية وتكاملهما مع بقية عناصر الإيقاع الأخرى؛ وأهمها:
أ ـ الاعتماد على التكرار: فاكثر مؤلفو كتب الأطفال من التكرار
بوصفه قيمة إيقاعية.
ب ـ حكاية الأصوات: فالطفل يحكي ويحاكي الأصوات التي يسمعها سواء
أكانت أصوات حيوان أم طير أم أصوات آلات أم وسائل مواصلات؛ وغالباً ما يعمد
مؤلفو شعر الأطفال إلى صوغ مقطوعات تتردد فيها أصوات يألفها الطفل، ويحب أن
يترنم بها كصوت الديك أو الهرة أو القطار أو الريح ...الخ.
د ـ التعبير بالحركة: فيتضمن شعر الأطفال مقطوعات يتطلب ترديدها
حركات يقوم بها الطفل، ويفضل أن تكون إيقاعية مع اللحن الموسيقي، ويطلق
عليه أحياناً الغناء الحركي.
جـ ـ اتصال الشعر بالمواقف التعليمية والخبرات الحيوية للطفل: إذ
يرافق النشاطات أداء الشعر وإنشاده؛ ويعرف مثل ذلك في منظمات الأطفال
بالصيحات و الأناشيد التي يبتدعها الأطفال ومشرفوهم أثناء تنفيذ النشاطات،
فيرددونها بمتعة وبهجة.
هـ ـ الوزن والإيقاع: ولا سيما اعتماد الأوزان الخفيفة والقصيرة
القابلة للإنشاد والغناء( ).
وإذا كان باحثون آخرون عارضوا تخصيص شعر الطفل ببحور معينة، معتقدين
أن البحور كلها تصلح لشعر الأطفال( )، فإنهم دعوا إلى توسيع الكتابة
الشعرية للأطفال بأشكالها: الغنائية والملحمية والمسرحية، استثماراً لطاقات
شعر الأطفال المستندة إلى اللعب والحركة؛ فقد ولد الشّعْر من اللعب، ولا
سيما شكلها الأهزوجي، كما يبين عبد الرزاق جعفر( ) مؤكداً أن الشكل
الأهزوجي، في الإلقاء الفردي والإنشاد الجماعي، من شأنه أن يساعد الطفل على
اكتشاف الوزن من خلال التصفيق والإيماء وغيرهما حيث تفاعل الطفل مع الشعر
بالإنشاد والغناء أو اللعب والحركة والترقيص. إن مثل هذا التدريب على البحث
عن الأوزان الإيقاعية من شأنه أن يعزز علاقة الطفل بالشعر معرفة وجمالاً
وحيوية.
3ـ3ـ الاستباق في الخيال العلمي:
ثمة نتيجة توصل إليها المشتغلون بأدب الخيال العلمي هي أن الخيال
العلمي لا يمكن فهمه إلا في بعده الزمني( )؛ ولعل نظرة على نشأة الخيال
العلمي في القرن الثامن عشر تظهر أن جوهر أدب الخيال العلمي هو استطاعته
التخييلية في مجاوزة الزمن، من موضوعات العوالم الغريبة، إلى الرحلة، إلى
الكائنات غير الأرضية، ونسمي هذه الاستطاعة استباقاً في الزمن، من استحضار
الماضي السحيق، إلى مناداة المستقبل البعيد، وهي ما يطلق عليه غزو الزمن؛
وهذا الانزياح في الزمن يقوم على تقدير الماضي، بالاستناد إلى إنجاز العلم،
وعلى توقع المستقبل إيماناً أو تفاؤلاً بإنجاز العلم. وأميز في موضوع
الخيال العلمي بين تخييل العلم أو تخييل الغريب أو العجيب أو الخارق أو
السحر أو الهوى (الفنطزة) مما يوجز أسطرة الحكمة القديمة أو جموح الخيال
الشعبي؛ وللتوقع على سبيل المثال، اتجاهان، فالتوقع الحقيقي، بتعبير جان
غايتينو، يعترف بوجود الزمن وقدرته، بينما الخيال العلمي «الأسطوري» يوقفه،
أو يلغيه( ). وعندما نقارب الاستباق أو مجاوزة الزمن في الكتابة للأطفال
نجد أن الخيال العلمي يشكل استعارة أخرى حين يوضع الاستباق في سياق زمني
خاص مفترض أيضاً، شأن إدراك الطفل لمجرى التاريخ على أنه مجرى زمني نسبي
مجرد أشبه بدائرة لعبة لتحولات الزمن. وقد يدمج الماضي بالحاضر، أو الحاضر
بالمستقبل، في أمثولة يغدو فيها الاستباق صفة ملازمة لطبيعة الخيال العلمي.
4ـ الإشكاليات الفنية الإبلاغية:
تتحدد قيمة الكتابة للأطفال ببلاغتها وإبلاغيتها في آن واحد، فإذا
كانت البلاغة علاقة داخلية، فإن الإبلاغية علاقة خارجية، وقد تزايدت مؤثرات
العلاقة الخارجية على العلاقة الداخلية نفسها، وكنا لاحظنا ظواهر متعددة
لهذه المؤثرات في إلماحنا إلى الإشكاليات الفنية البلاغية، ولعلنا نستكمل
بحثنا بشرح بعض الحالات الناجمة عن الإبلاغية، وما تفرزه من إشكاليات فنية.
4ـ1ـ التقانات وثورة المعلومات والاتصالات:
شهدت نهايات القرن في العقدين الأخيرين تفجراً هائلاً في المعلومات،
وسرعة فائقة فيها مقترنة بثورة مماثلة في الاتصالات، ربما بتأثير هذه
المعلومات أيضاً. وقد أصبح الكتاب الإلكتروني، كما أشرنا، حقيقة واقعة.
وكنت عالجت تأثيره على الثقافة وثقافة الأطفال من قبل( ). لقد كان رأيي أن
الكتاب الإلكتروني أو تعميم استعمال الكمبيوتر ومن بعده «الانترنيت» وأثناء
ذلك «المالتيميديا»، وهي الاستعمال المتعدد بتقانات متعددة للوسائط
الاتصالية، دون ترشيد، سيؤثر سلبياً على تنمية ثقافة الأطفال، وسيشكل خطراً
على نماء الطفل نفسه معرفياً وجمالياً، فقد كان الكتاب المطبوع، ومايزال،
المصدر المعرفي الأول، وماتزال الفنون، ومنها وسائل الاتصال بالجماهير، مثل
المسرح والسينما والتلفزة والإذاعة، تعتمد على الكلمة، وهي أداة الإبداع
الأولى، ويعسر أخذها من غير الكتاب. ولاشك في أن الشكوى والتذمر من مثل هذه
المخاطر قد تواترت كثيراً في الموقف التربوي والثقافي في الدول الصناعية
المتقدمة تقنياً كاليابان وأمريكا على وجه الخصوص، فترددت صيحات التحذير من
انتشار استعمال الكتاب الإلكتروني على عقول الأطفال والناشئة وتبلد مشاعرهم
وعواطفهم، ناهيك عن سرقة وقتهم قبل سرقة مداركهم وسط الاسترخاء والكسل
الذهني.
غير أن التحذير من هذه المخاطر لا يعني إغلاق الأبواب أمام هذه
الأشكال المعرفية والترويحية الجديدة مما يتيحه التطور العلمي الهائل
للكمبيوتر في مجال الاتصالات الذي تحول، كما يرى الكثيرون، من مجرد حاسب
يقوم بالعمليات الحسابية المنطقية إلى أداة تضم إمكانات عرض النص والصوت
والصورة والرسوم المتحركة والفيديو الرقمي، وهو ما اصطلح على تسميته
بالوسائط المتعددة «المالتيميديا» التي تعني المزج، بتعبير آخر، بين سمات
الكمبيوتر والتلفزيون في تناسق وتناغم على أقراص الليزر
CD-ROM،
وكان وراء هذا التطور العلمي ما يسمى بالثورة الرقمية. وقد واكب هذا التطور
زيادة في سرعة أجهزة الكمبيوتر حتى تستطيع التعامل مع الكم الهائل من
الأرقام الناتجة عن تحويل الصوت والصورة والفيديو إلى لغة الكمبيوتر،
فازدادت سرعتها كما زادت ذاكرتها.
وهذا يعني أن الكتاب الإلكتروني يثير إشكاليات فنية قد لا يكون
بالمقدور درء تبعاتها الثقيلة على مستقبل الإنسانية ما لم يرشد استعمالها،
لأن الكتاب الإلكتروني في سبيله لاستبدال الذاكرة الإنسانية بذاكرة
الأجهزة، ولابد من التبصير بمشكلات استعماله قبل انتشاره عندنا، وليس
المقصود من ذلك كله أن نعادي ثمار ثورة الاتصالات، ولكن مثل هذا التبصير من
شأنه أن يجعل الكتاب الإلكتروني نافعاً في خدمة الثقافة الرفيعة الحقة
بعامة، والكتابة للأطفال بخاصة.
4ـ2ـ دور المربي:
يلعب المربي، داخل الأسرة أو الأسرة التربوية أو أجهزة الثقافة
ووسائل الإعلام، دوراً كبيراً في إبلاغية الكتابة للأطفال، لأن الطفل يحتاج
للمرشد أو المنشط الثقافي، فرداً من أسرته أو معلماً في الثقافة والإعلام
والتربية، في مراحله العمرية حتى سن اليفاعة والرشد. ويتزايد الاهتمام بدور
المربي في ظل التطور الثقافي والتعليمي والتربوي؛ وأذكر في هذا المجال
حالتين، الأولى هي التحويل، والثانية هي الحكواتي.
والتحويل هي لجوء التربية إلى تمكين المربي من القدرة على تحويل أي
كتابة أدبية قد لا تكون مناسبة للأطفال، إلى نصوص أدبية صالحة لهم، وهذا
قائم في تأهيل المعلمين في سورية على سبيل المثال. ويتضمن ذلك اعترافاً
بضرورة توافر كتابة للأطفال تفتقر إليها المكتبة العربية، واعترافاً، وهو
أمر خطير، بأن الكتابة للأطفال تعليمية بالدرجة الأولى، ولذلك يستطيع أي
معلم أن يقوم بها عن طريق التحويل، وكأنه يحضر وسيلة تعليمية أو وسيلة
إيضاح. ولاشك، أن مبالغة الاعتماد على مثل هذا الدور تؤدي إلى إشكاليات
قائمة، لأن المربي، ببساطة، ليس كاتباً، ولأن النصوص المحولة لن تحمل قدراً
مقبولاً من «الأدبية»!.
وأما الحكواتي فهو أن يقوم المربي بدور الحكواتي الذي يقص الحكايات
على الأطفال، وقد يبتدعها، أو يؤلفها، أو يضيف على متنها، أو يطور فيها.
وقد غدا فن الحكاية للأطفال علماً يحدد اختيار الحكاية، وطرائق سردها، ومدى
مشاركة الطفل فيها، وإدخال إشكال تعبيرية حركية أو بصرية أو سمعية عليها.
ومن المفيد، التركيز على هذا الدور تيمناً بالتقاليد الأدبية القومية في
مخاطبة الأطفال، ويحتاج هذا الدور إلى الترشيد كذلك تجنباً لإشكاليات فنية
تؤثر على إبلاغية الكتابة للأطفال.
4ـ3ـ دور الطفل:
تعتمد الكتابة للأطفال اليوم على حيوية الطفل ومشاركته في إنتاجها
أو إعادة إنتاجها، واختار بعض الحالات لدور الطفل كما في الدراما الخلاقة،
وفي ظاهرة الطفل الشاعر أو الكاتب. ففي الدراما الخلاقة، يثمّر الأطفال
مشاركتهم إلى تدريب صوتي وحركي من شأنه أن يرتفع بالتثقيف الذاتي إلى تنمية
الإدراك وتعضيد الوعي، وتقدم الدراما الخلاقة طاقة إبلاغية ثرة للكتابة
الطفلية.
أما ظاهرة الطفل الشاعر أو الكاتب فهي تجافي البعد التربوي للكتابة،
ولا توافي الأدب في الوقت نفسه، وقد سماها عبدالرزاق جعفر «أسطورة» في
كتابه «أسطورة الأطفال الشعراء»( )، ورأى، واتفق معه في هذا الرأي، أن
الطفل الخلاق غير موجود، لأن الخلق يتطلب صفات الرشاد؛ والأولى أن نعنى
بتربية إبداع الأطفال ليكون منهم الشاعر والكاتب في مقبل العمر. ويتطلب هذا
مواجهة الإشكاليات التي تنجم عن دور الطفل ضمانة لإبلاغية الكتابة للأطفال.
5ـ استخلاصات:
لاشك، إن مثل هذا المقاربة النظرية لمفهوم الكتابة للأطفال
واليافعين تحتاج إلى توسيع وتعميق، وما قدمته أفكار قابلة للنقاش، وحبذا لو
نظر إليها من خلال الاجتهاد السابق الذي أشرنا فيه إلى الكتابة للأطفال
بوصفها استعارة.
والخلاصة الثانية هي أن الوعي بالكتابة للأطفال في إطار هذه
المقاربة يتيح لنا تفعيل جهدنا القومي في تنمية ثقافة الأطفال، وكنت ذكرت
إلماحات كثيرة باتجاه هذه التنمية في سياق البحث.
   
الفصل الثاني:
تأملات في تجربة أدب الأطفال في الوطن العربي
1ـ أهداف غائمة ومخاطر جدية:
1ـ1ـ تحدي التبعية:
لا نبالغ إذا قلنا: ما يزال أدب الأطفال في الوطن العربي على هامش
الأدب والتربية معاً، لأن تجربة مائة عام ونيف من الاشتغال غير المنتظم على
هذا الأدب شاحبة وضعيفة لأسباب كثيرة، تتعلق بظروف نشأة أدب الأطفال عند
العرب وتطوره وتكونه، وبوضعية العلوم الإنسانية على وجه العموم وعلم نفس
الطفل على وجه الخصوص من جهة ثانية، وبالموقف القومي والتربوي والثقافي
العربي من جهة ثالثة.
ولا نبالغ إذا قلنا: إن الاهتمام بأدب الأطفال في الوطن العربي قد
دخل الحياة الثقافية العربية من باب التبعية الثقافية والإعلامية، حين طُرح
أدب الأطفال بقوة من مراكز التبعية الغربية، وحين لاحظت النخب الثقافية
والسياسية والتربوية العربية أن الغرب والشرق يعنى بمخاطبة الأطفال
والناشئة العرب، فينتج لهم أدب الأطفال، وينقله إليهم بوسائط ثقافية
متعددة، وعبر وسائل الاتصال بجماهير الأطفال التي تنوعت وزاد تأثيرها بما
لم تستطع وسائل القياس أن تحيط به في ظل تردي البحث العربي في أدب الأطفال
أيضاً.
وهكذا، برز الاهتمام العربي بأدب الأطفال من خلال أمرين أولهما:
توجيه أدب الأطفال ضمن أهداف محددة لم يتفق حتى الآن على توصيفها ومحتواها
القيمي والفكري والفني، وثانيهما: مواجهة مخاطر هذه الكتابة للأطفال
والناشئة على أن الغلبة والتأثير الأوسع مايزال لمراكز التبعية التي تنتج
أدب الأطفال لجمهوره من الأطفال والناشئة العرب، بمواصفات أفضل وتنوع أوضح،
وسعر أقل، يتيح لهذه المنتجات الرواج والانتشار أكثر من المواد الأدبية
العربية القليلة، نوعا وكماً.
غير أننا سنشخص الصورة أكثر، فنعرض بإيجاز للخلفية التاريخية لنشأة
أدب الأطفال في الوطن العربي تمهيداً للقول في العوامل الأخرى التي أدت إلى
إهمال هذا الأدب حتى وقت قريب.
1ـ2ـ إشارة تاريخية:
لدى البحث في الخلفية التاريخية لأدب الأطفال في الوطن العربي نلاحظ
أنه نشأ في أحضان التربية، ملبياً لحاجات التأليف المدرسي، وأن طوابع نشأته
ظلت مستمرة حتى مطلع السبعينيات، وإذا عزلنا صور الكتابة عن الأطفال في
التراث العربي القديم، فإن أدب الأطفال بحد ذاته خطاباً موجهاً للأطفال
مراعياً اعتبارات هذه المخاطبة، هو ابن العصر الحديث، عصر حقوق الإنسان في
الحرية والعلم والديمقراطية والإنتاج والصحة والعيش، أي أن أدب الأطفال هو
نتاج محاولات قرنين من الزمن منذ أواخر القرن الثامن عشر، بمفهومه الناجز
والمتفق عليه لدى غالبة المهتمين به، من الأدباء والفنانين والمربين، فهو
ابن القرن الأخير منذ أواخر القرن التاسع عشر، حين اكتشف علم النفس، ثم بلغ
ذروة إبداعه في مطلع القرن العشرين، ولاسيما ثلاثينياته، مع اكتشاف علم نفس
الطفل، لأن أدب الأطفال مرهون بوجود الطفل نفسه، وبالذات مرهون بمعرفة
الطفل نفسه، حيث ارتهن، فيما بعد، أدب الأطفال يتطور علم نفس الطفل وعلم
اجتماع الطفل( ).
إن المعول في أدب الأطفال هو مراعاة اعتبارات مخاطبة الأطفال، أي أن
معرفة طبيعة أدب الأطفال تخضع لمعرفة الطفل نفسياً واجتماعياً، ومن هنا
بدأت تظهر ملامح خاصة لنظرية أدب الأطفال تميزها عن نظرية الأدب أو أدب
الراشدين، وليست هذه الملامح الخاصة موغلة في التراث الأدبي الحديث، لأنها
تجليات القوانين الخاصة بمخاطبة الأطفال في فنونهم كالشعر والقصة
والمسرحية، وفي وسائطهم كالكتاب والإذاعتين المرئية والمسموعة والخيالة
(السينما) والمسرح والصحافة وسوى ذلك.
لقد صار الحديث عن نظرية أدب الأطفال ممكناً في العقود الثلاثة
الأخيرة وحدها، نحو ضبط السياق الأدبي على السياق التربوي، وغني عن القول
بعد ذلك: أن أنساق تنضيد أدب الأطفال محكومة بتراتب المحتوى القيمي
والتربوي داخل سياق النص الأدبي، وليس من الميسور أن نعاين عناصر أنساق
تنضيد أدب الأطفال في مثل هذه العجالة، ولكننا نكتفي بالإشارة إليها، فثمة
أسئلة لابد من الإجابة عنها في الكتابة للأطفال تنطلق من المعايير
والاعتبارات التربوية كالنمو واللغة والخيال والتوجيه والتلقي (الجمهور)
لتصب في المعايير والاعتبارات الفنية، وقد حسبت حساباً للتربية، كالتقنية
والجنس الأدبي والوسيط الثقافي أو وسيلة الاتصال، فعلى سبيل المثال، تختلف
قصة الأطفال عن قصة الراشدين، ونلمس مظاهر الاختلاف في المستوى الصرفي
والإدراكي واللغوي والتخيلي والتوجيهي ومستوى قابليات التأثير، وهي مظاهر
تنعكس بشكل أو بآخر على الشروط التقنية وخصائص الجنس الأدبي وطبيعة الوسيط
الثقافي أو طبيعة الاتصال الإعلامي، فالقصة الطفلية متميزة بالمستويات التي
أشرنا إليها، ثم هي نفسها تخلتف من شكلٍ إلى آخر في هذا الوسيط أو ذاك.
وتؤدي معاينة عناصر أنساق تنضيد أدب الأطفال إلى تحقيق المعادلة
الصعبة التي لابد منها بين التربية والفن، فلا ينبغي أن يكون أدب الأطفال
مجالاً للدعاوة والخطاب الرخيص ومباشرة التسلية، أو مجالاً للوعظ والتبشير
ومباشرة القيم( ).
ومن الملاحظ، أن أدب الأطفال في الوطن العربي قد تكون بتأثير عوامل
رئيسة نذكر منها:
أولاً: انتشار التعليم عن طريق المدارس.
وثانياً: المثاقفة عن طريق الترجمة والاقتباس والصحافة والاتصال
بالغرب.
وثالثاً: بروز الطفل كائناً يليق بالمخاطبة عن طريق ظهور علم نفس
الطفل بالدرجة الأولى.
وثمة أمر طريف، هو أن رواد أدب الأطفال العرب قد عادوا إلى تراثهم
العربي القصصي والحكائي عن طريق المثاقفة إياها ترجمة واقتباساً عن محاولات
غربية سابقاً، ولم يستعيدوا هذا التراث مباشرة من مصنفاته ومخطوطاته إلا
متأخرين في العقود الثلاثة الأخيرة. لقد ظل أدب الأطفال العربي حتى منتصف
القرن العشرين مزيجاً غير واضح المعالم من المؤثرات الأجنبية والمكونات
التراثية، بل أن المؤثرات الأجنبية هي أكثر دوراناً على محاولات التعريب
والترجمة والاقتباس والإعداد. أما التأليف فلم تظهر نماذجه الأصيلة إلا في
الخمسينيات وما تلاها من عقود، (ولنذكر في هذا المجال إنجاز رائد كبير مثل
كامل كيلاني الذي مازالت كتبه ومجموعاته للأطفال يعاد طبعها حتى يومنا
هذا)( ).
وتشهد عقود الستينيات والسبعينيات على أن سمات أدب الأطفال في
التراث العربي الحديث مازالت مستمرة كالمؤثرات الأجنبية ومثالها التعريب أو
الاقتباس أو الإعداد أو النقل. ولا ننسى في هذا المجال مطبوعات «دار
المعارف بمصر»، وهي مطبوعات رائجة ومنتشرة في أرجاء الوطن العربي، ونذكر من
هذه السمات: غياب العناية باللغة إلا في محاولات نادرة فلا مراعاة للقاموس
المشترك على سبيل المثال، وغلبة التعامل نفسه مع المضامين والمحتوى القيمي
كهيمنة التعليم والوعظ، ومحدودية الأساليب التعبيرية نفسها كالأنسنة وتبسيط
التاريخ إلى حد التسطيح، وإعادة التراث دون استعادته بل نقله عن مصادر
أجنبية، ومعاملة الطفل راشداً وما تلحقه من أضرار في مخاطبة الأطفال
والناشئة.
ويستفاد من هذه الإشارات حول الخلفية التاريخية أن العقبات
والصعوبات التي رافقت نشأة أدب الأطفال العربي مستمرة، في ذلك المزيج من
المؤثرات والمكونات، وماتزال جهود تأصيل أدب الأطفال العربي، من تقاليده،
وباتجاه جماهير الأطفال والناشئة العرب، فقيرة.
1ـ3ـ الموقف من أدب الأطفال:
لقد اكتشف المعنيون العرب بأدب الأطفال متأخرين المخاطر الجدية لهذا
الأدب في ظل غياب، لاشك فيه، للاهتمام العربي اللائق، وقد كانت المبادرة من
مؤتمرات الأدباء والكتاب العرب التي دأبت على بحث أدب الأطفال منذ منتصف
السبعينيات، كما لاحظنا في الفصل السابق، (المؤتمر العاشر بالجزائر1975م)،
أما مؤتمرات وزراء الثقافة العرب فقد خصص مؤتمر القاهرة (حزيران 1991م)
لموضوع ثقافة الطفل العربي، ولم يدرج أدب الأطفال بعد على مؤتمرات وزراء
التربية العرب( ).
وكانت مبادرة الأدباء والكتاب العرب في الالتفات إلى أدب الأطفال في
إطار وعي المثقفين العرب لمخاطر الغزو الثقافي والتبعية الثقافية التي وجدت
في أدب الأطفال ميدانها الواسع، فعني الأدباء والكتاب العرب بأدب الأطفال
العربي وتطويره والنهوض به مقاومة لعمليات احتلال عقل الطفل العربي.
غير أن الصراع قائم، ويتطلب جهداً عربياً شاملاً يستند إلى تكامل
ثقافي صريح يتصدى لمحاولات التبعية الثقافية، ويواجه، فيما يواجهه، عوامل
تأخر نهوض أدب الأطفال العربي، لأننا نلمس، حتى اليوم، مظاهر إهمال أدب
الأطفال العربي وتهميشه، والتخلي عنه للمتاجرين به، وتتبدى هذه المظاهر في
المواقف التالية:
أ- الموقف العربي، فيما يزال أدب الأطفال خارج استراتيجية العمل
الثقافي العربي المشترك، مما يشير إلى ضعف إدراك أهمية أدب الأطفال في
التكوين الإنساني، وفي مواجهة التحديات المصيرية في الوقت نفسه، وإلى إهمال
التخطيط الثقافي القومي في مجالات أدب الأطفال المختلفة ووسائطه المتعددة.
ب - الموقف التربوي، فأدب الأطفال خارج استراتيجية التربية العربية
سواء في المناهج أو في المناشط الكثيرة.
جـ - الموقف الثقافي، فثمة نظرة أدنى إلى أدب الأطفال قياساً إلى
أنواع الإبداع الأخرى.
د- الموقف الفني، حيث تنتشر الأمية والأمية الثقافية، وحيث تخضع
عمليات إنتاج أدب الأطفال وإعادة إنتاجه لاستسهال الرواج والمتاجرة مما
يخفض القيمة الفنية، ويسطّح الممارسة الأدبية.
لقد قلنا الكثير عن الضرورة الوطنية والقومية لأدب الأطفال، فقد
أغفلت أهمية أدب الأطفال في الوطن العربي طويلاً، ومازال الكثيرون من رجال
العلم والأدب والفن والتربية بعيدين عن تقدير مكانه أدب التربوية
والأخلاقية والقومية، ومازال الكثيرون منهم ممن يترفعون عن مخاطبة الناشئة
في أدب يساعد على نماء جماهير الأطفال الواسعة، بما تمليه اعتبارات هذه
المخاطبة التربوية والفنية، بل أن كثيرين يرون ضيراً في ممارسة هذا الخطاب.
وإذا كنا نلحظ اهتماماً بأدب الأطفال في بعض الأقطار العربية، ومنها
سورية ومصر، وفي بعض أجناسه، في الكتابة له وعنه، فإن الحاجة لهذا الأدب
ضرورة تستدعيها إرادة بناء الإنسان العربي بالدرجة الأولى، ناهيك عن
الوظائف الكبرى التي يضطلع بها أدب الأطفال في عمليات التنمية الثقافية
والاجتماعية والسياسية.
إن ثمة تحديات تواجه الثقافة العربية على وجه العموم، والتربية
العربية منها على وجه الخصوص، إزاء تطوير أدب الأطفال، وانتشاره إلى ملايين
الأطفال الذين هم أحوج ما يكونون إليه في ظروف التحول الاجتماعي الخطيرة
التي تشهدها المنطقة العربية، ولعل من أولى الصعوبات ذلك التغير الهائل في
وسائط الاتصال الحديثة، إذ تبدلت كثيراً وسائط الثقافة، وتنوعت تقنيات
مخاطبة الأطفال وازدادت تشابكاً وتعقيداً، وتراجع أو كاد أن يمحو، الدور
التقليدي للأسرة ولاسيما الجدة والأم والمدرسة والتجمعات واللقاءات الشعبية
الشفهية والعفوية، وحلت محلها وسائل الاتصال الحديثة والتقنيات المتطورة
الهائلة في نقل الأدب إلى الأطفال. وليست هذه الحساسية المتفاقمة مما يعاني
منه رجل الثقافة والتربية العرب فحسب، بل هي وعي حاد بالمآل المسدود لمدرسة
شاملة وتربية تكوينية متفتحة، تواجه العقبات في هذا المسار أو ذاك. فقد
أجمع أدباء الأطفال في العالم على خطورة وضع الأطفال في عالمنا الراهن
والمخاطر التي تقف في وجه أدب الأطفال الجيد، وأبدوا قلقهم المتزايد حيال
المصائر التربوية والتنموية لأدب الأطفال، وتتوالى اعترافات هؤلاء الأدباء
ورجل التربية في أكثر من مكان من المعمورة، داعية إلى الدفاع عن الأطفال ضد
الأدب الرديء، وعلى وجه الخصوص ما ينشر منه عبر وسائل الاتصال الجماهيرية،
وطالبوا برفع القيود عن حرية إبداعه وانتشاره: القيم الإنسانية أولاً،
تربية الأطفال في الحياة اليومية ليكونوا قادرين على النمو السليم ومواجهة
الأخطار في أوطانهم.
لقد صار مطلوباً السعي لأن تقوم، ولو بشكل محدود، وسائل الاتصال
الحديثة ووسائط الثقافة وأجهزتها الكثيرة، مقام الجدات والأمهات في
حكاياتهن وأغانيهن وغنى الأدب التربوي الشفاهي الذي يتلقاه الأطفال بلهفة
وشوق، فتكبر معهم قوة الكلمات، وينعمون بثراء الوجدان وسمو النفس.
1ـ4ـ طوابع أدب الأطفال:
إن أدب الأطفال ضرورة وطنية وقومية وشرط لازم من شروط التنمية
الثقافية المنشودة في عقدها الدولي الذي انقضى دون فائدة كبيرة، بل أن
تنمية ثقافية تتجاهل أدب الأطفال أو تهمله، ناقصة، وتفتقر لجذورها، لأسباب
تتعلق بطبيعة التكوين المعرفي والتربوي للإنسان. وغني عن القول، أن أدب
الأطفال سبيل لا غنى عنه لتسريع عملية التنمية الثقافية والاجتماعية مما
يتطلب بذل المزيد من الجهد لتأصيل أدب الأطفال وتدعيمه في التربية والمجتمع
في مختلف المؤسسات، ولا تتوقف هذه الجهود عند نشر كتاب أو بث برنامج إذاعي،
أو عقد أمسية أدبية، على أهمية مثل هذه النشاطات، بل تحتاج إلى تخطيط قومي
شامل، في صلب التخطيط القومي للثقافة العربية، يراعي خصوصيات أدب الأطفال،
وينهض بمسؤوليته على أنه ادخار مضمون في كسب معركة الحياة العربية.
ولهذا كله، نجد في أدب الأطفال سبيلاً أمثل لبناء الذات،
مكوناً.رئيساً للشخصية القومية، وتتبدى قابليات أدب الأطفال لأداء فاعليته
فيما يلي:
1ـ4ـ1ـ الطابع التربوي لأدب الأطفال، فلا ينكر أحد اليوم عظم الأدوار التربوية التي يؤديها أدب
الأطفال، بل أن أدب الأطفال تربوي بالدرجة الأولى، بمعنى أن الاعتبارات
التربوية هي الأساس المكين لإنتاج أدب الأطفال أو إعادة إنتاجه في الوسائط
الثقافية الكثيرة والمتنوعة، ولاسيما اعتبارات النمو واللغة والخلد والبيئة
والمجتمع.
1ـ4ـ2ـ الطابع القومي لأدب الأطفال، فأدب الأطفال هو أكثر المبدعات الفنية والأدبية تعبيراً عن الذات
القومية واستمرار التقاليد الثقافية، والحفاظ على الأصالة بما هي الهوية.
ولا يخفى أن سيرورة الثقافة العربية
رسخت عبر تاريخها الطويل مصادر صرفية وإبداعية ثرة لتجربة أدب الأطفال في
الشعر التعليمي وقصص الحيوان والقصص اللغوي وأساليب النثر القصصي الأخرى
كالأخبار والنوادر والطرائف والسير الشعبية. وهذا كله، يثري إبداع أدب
الأطفال العربي وينميه.
1ـ4ـ3ـ الطابع الشعبي لأدب الأطفال، لأن أدب الأطفال هو أكثر المبدعات الفنية والأدبية استلهاماً
للتراث الشعبي والمأثورات الشعبية، فهو داعم للبحث في الهوية القومية،
ومسعف الذاكرة بخصائصها الباقية، ومجدد وسائل التعبير في مخاطبة الأطفال
بما هو أقرب إلى وجدانهم، وألصق بالأنظمة الصرفية والتربوية في مناخهم
ومحيطهم.
1ـ4ـ4ـ الطابع الإيديولوجي لأدب الأطفال، فقد دخل أدب الأطفال ميادين الصراع الفكري منذ وقت ليس بقصير،
ويعد أدب الأطفال اليوم أخطر مجال للتبعية الثقافية والإعلامية، إذ يستخدمه
الاستعمار لغزوه الثقافي والإعلامي، ويتلقى الطفل العربي المنتوجات الأدبية والفنية الغزيرة، وفي
شتى الفنون والوسائط بقصد التأثر على تكوين الناشئة، والترويج للنمط
الثقافي التابع( ).
1ـ5ـ تطوير أدب الأطفال:
إننا نرى في أدب الأطفال جنساً أدبياً وإبداعاً وخطاباً ثقافياً
متعاظم الفاعلية في الطفل العربي، ضمانة المستقبل العربي. وإننا إذ نخص أدب
الأطفال بهذه العناية، فإننا ننهض بمسؤولياتنا، ونراها مهمات متنامية في
الدفاع عن ثقافة الطفل العربي، وفي تأصيل أدب الأطفال، ومعنى انتشاره
وإعادة إنتاجه وعياً يقوم بالدرجة الأولى على فهمه تاريخياً وثقافياً
وسياسياً وتربوياً وأدبياً، ورؤيته الواقعية في خضم مشكلات النهوض الثقافي
والتربوي العربي. وهذا يستدعي الوعي بأدب الأطفال إزاء المخاطر الجدية التي
تتهدده، ويرتهن ذلك برعاية أدب الأطفال وتقديم العون اللازم له في
الاتجاهات التالية:
أولاً:إدماج أدب الأطفال في العمل الثقافي العربي، وفي الخطة
القومية الشاملة، تخطيطاً ينتظم في تدابير قابلة للتطبيق.
ثانياً:إدماج أدب الأطفال في استراتيجية التربية العربية من خلال
تجذير الأبعاد التربوية لأدب الأطفال في التنشئة القومية، ومن خلال التكامل
التربوي في إطار الوحدة والتنوع.
ثالثاً:تطوير الكتابة للأطفال في أجناسه، وعبر وسائطه.
ولعل التخطيط الثقافي والثقافي القومي الشامل هو المدخل للعون
اللازم للنهوض بأدب الأطفال العربي ، في بحوث أدب الأطفال، وتعليمه
والتأليف له وإنتاجه وإعادة إنتاجه في الكتاب والصحافة والخيالة والإذاعتين
المرئية والمسموعة والمسرح وسوى ذلك من وسائط، ويتطلب ذلك قيام هيئة عربية
ترعاها وتوجهها وتمولها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، ولها
مركز أو أكثر حسب الاختصاص (مركز بحوث أدب الأطفال، معهد إعداد للعاملين في
أدب الأطفال، كلية جامعية لتدريس أدب الأطفال، مركز التراث الشعبي للأطفال،
مركز برامج الأطفال الإذاعية، مؤسسة خيالة الأطفال، مركز كتاب الطفل، دار
قومية لصحافة الأطفال... الخ).
2ـ أدب الأطفال.. موضة أم حاجة؟
2ـ1ـ «سدرة» وذكرى «العربي الصغير»:
حسناً فعلت حكومة الكويت بعزمها على إصدار مجلة جديدة للطفل العربي
سمتها «سدرة» تيمناً بتلك الشجرة الكريمة، وبكل نبت كريم على الأرض
العربية. وحسناً، فعلت حكومة الكويت بانتهاجها مخاطبة الطفل الربي من منظور
عربي واضح، فقد قالت الدكتورة كافية رمضان رئيسة التحرير، في اجتماعها مع
كتاب وفناني الطفل في سورية في إطار التحضير لإصدارها «إنها مجلة عربية
التوجه، وهي للكويت بقدر ما هي للعرب جميعاً».
وقد كان ذلك اللقاء بهيجاً مثلما أثار فينا الشجن جميعاً نحن
المعنيين بثقافة الطفل العربي، فثمة كثرة كثيرة من المجلات التي تتوجه إلى
الطفل العربي، ولكن أقلها هو الذي يعنى بالتخطيط الثقافي العربي القيمي
الذي لابد منه لتثمير إرادة بناء وجدان الطفل العربي.
كانت الخطوة الأولى لمجلة «سدرة» سليمة، فقد صدر العدد التجريبي
«صفر» ليكون الأرضية لحوار خصيب يقوم التجربة، ويرسم آفاقاً لأوسع تعاون
يستجيب لذلك النداء الحي العميق: إصدار مجلة للطفل العربي.
عندما دخلت إلى قاعة الاجتماع، كانت مجلة «العربي الصغير» التي
أصدرتها حكومة الكويت وترأس تحريرها الدكتور محمد الرميحي آنذاك حاضرة في
ذاكرتنا نموذجاً قارب النجاح، وحقق إنجازات واضحة في الاستجابة لهذا التطلع
المقيم: مجلة للطفل العربي.
ولعل أهم ما حققته «العربي الصغير» في فترتها القصيرة، بالإضافة إلى
اجتذابها لأهم أدباء الطفل في الوطن العربي، وربما السبب وغيره:
1ـ التوازن القيمي في المحتوى (القومي، الديني، الإنساني،
الصرفي...الخ) من خلال تخطيط مسبق لا يخفى.
2ـ مراعاة الاعتبارات التربوية في مخاطبة الأطفال، إذ خصت المجلة
عمراً معيناً، نجحت في تقديم المادة الثقافية المناسبة له، ثم خصت عمراً
أصغر بنصف ملزمة داخل كل عدد.
3ـ الابتعاد عن الدعاوة والتبشير المباشر.
4ـ الاهتمام بأدب الأطفال العربي من جهة، والعالمي من جهة أخرى
(روايات، سلسلة أو ملخصة قصص، قصائد، روائع أدب الأطفال العالمي من مسرحيات
وروايات وسواها).
5ـ الاهتمام بتقديم التراث العربي للأطفال (أمهات الكتب) تعريفاً
وتلخيصاً وتبسيطاً.. الخ.
ولدى اطلاعنا على العدد التجريبي صفر من مجلة «سدرة» أملنا على هيئة
تحريرها ووزارة الإعلام التي تصدرها أن تكمل مسيرة «العربي الصغير»، وأن
تعزز اتجاهاتها وأساليب خطابيها للطفل العربي، وتضيف إليها الاهتمام بتربية
الابتكار والعمل والمهارات والخبرات العملية والعلمية واليدوية، وربطه
بمبدأ التربية الحياتية، وتنمية اتجاهات التواصل بجماعات الأطفال من
النوادي داخل المجلة مثل نادي المراسلين ونادي أصدقاء الطبيعة والبيئة،
ونادي أصدقاء اللغة العربية، ونادي الأدباء الصغار، ونادي هواة
الجغرافية..الخ، وأن تتناوب هذه الأبواب ـ النوادي الظهور لتكوين حركة
أطفال ناشطة في وعيها وتكوينها.
لقد كانت «العربي الصغير»، وماتزال بتقديري، أهم قنوات الاتصال
بجماهير الأطفال العرب، ومن المأمول أن تتابع «سدرة» مسيرتها الرائدة
إسهاماً في الإجابة عن أسئلة ثقافة الطفل العربي، وهي أسئلة مؤرقة ضاغطة
على الوجدان القومي والوطني النبيل، من أجل ثقافة عربية لطفلنا العربي في
خضم المشكلات التي يعاني منها العمل العربي المشترك، وتعاني منها ثقافتنا
العربية، وأولها ذلك الإهمال المتعمد لهذا الأدب الماتع المفيد الذي لابد
منه لكل تنشئة منشودة.
وغني عن القول، إن بداءة الاهتمام العربي الجدي بأدب الأطفال كانت
مع العام الدولي للطفل عام 1979م، حين هبت موجة قوية في بحر الثقافة
العربية العاصف اسمها «أدب الأطفال»، غير أن واقع الحال ما لبث أن آنس
انشغاله بقضاياه المعتادة مع منتصف الثمانينيات، ومن أسف، ان «أدب الأطفال»
لم يكن بين هذه القضايا. وخلال هذه الفترة، أعني مطلع الثمانينيات، شهدنا
صدور مجلات كثيرة موجهة للطفل العربي، كتب ومطبوعات وسلاسل متعددة، لا
تختلف كثيراً عن ذلك الفيض التجاري الهائل، المترجم أو المعد للطفل العربي
في دوائر غير عربية، والمنتشر في الأسواق العربية منذ أواخر الستينيات،
وكان دخل أدب الأطفال بقوة ميدان الصراع الإيديولوجي وصراع الأفكار منذ ذلك
الحين.
مثلما شهدنا برامج إذاعية وأشرطة سينمائية ومتلفزة، فغصت البيوت
بصور وأصوات أبطال وأشخاص الرسوم المتحركة الذين يتكلمون العربية في بيئات
غير عربية، ولا ينتجون سوى قيم المغامرة الخارقة والمجتمع الاستهلاكي
والانفصام عن الواقع، وتكريس الاتجاهات غير الإنسانية أو العلمية، ولنتذكر
مثالاً واحداً في هذا المجال هو «غراندايزر»، فثمة عشرات الأطفال في سورية
الذين رموا أنفسهم من سطح أو نافذة وتكسرت أعضاؤهم، وهم ينفعلون مع بطلهم
الأسطوري، ويقلدون حركاته العجيبة.
أما في الجانب الآخر الرسمي، جانب الثقافة العربية الرفيعة، فقد
رصدت في الفصل السابق «أدب الأطفال في مؤتمرات الأدباء العرب»، وكانت
النتائج مخيبة للآمال، وإن كانت دافعة للأمل في بعث الاهتمام بأدب الأطفال:
1ـ أن ثمة تداخلات بين مفهوم الأدب للأطفال، والأدب عن الأطفال، وقد
كان المؤتمر الثاني عشر انعطافة هامة في معالجة موضوع أدب الأطفال والإجابة
على بعض أسئلته القومية والتربوية والتثقيفية.
2ـ ماتزال رؤية الكاتب العربي لأدب الأطفال في إطاره العام، ولم
تقترب ـ كما ينبغي ـ من خصائص أدب الأطفال وتحديد نظريته في الإبداع أو
الإنتاج أو إعادة الإنتاج في وسائطه إلى الأطفال.
3ـ عكست بحوث المؤتمرات ومناقشاتها وتوصياتها جدة أدب الأطفال في
الحياة الثقافية العربية وأبرزت حاجة هذا الأدب القصوى إلى العون والتخطيط
والعمل القومي المشترك باعتباره في صلب العملية التربوية وبناء الإنسان
العربي.
والنتيجة هي أن أدب الأطفال لم يترسخ بعد في تقاليد العمل الثقافي
أو التربوي القومي والوطني. وأما الصعوبات التي يواجهها فهي أكثر من أن
تعد، سواء في وعي نظريته أو تيسير انتشاره بين أوسع جماهير الأطفال. إن ثمة
خطوات قد تحققت في هذا القطر العربي أو ذاك غير أنني سأتحدث عن المعضلة
الأساسية التي تواجه تطور أدب الأطفال في الوطن العربي، وما يتصل بها من
قضية التبعية من جهة، وتثمير الهوية القومية إزاء ذلك من جهة أخرى.
2ـ2ـ تبعات ثقيلة على أدب الأطفال:
أذكر أنني كنت في موسكو عام1979 ضمن حشد كبير من أدباء الأطفال من
قارات الأرض كلها. كان ذلك في عز الاتحاد السوفييتي وفي زهو ارتفاع الصوت
بقوة الإيديولوجية وتشكيلها للنشاطات الإنسانية كلها حتى الشخصية منها،
فكيف بالمجالات المعرفية ومنها هذا الأدب الجديد ـ النامي: أدب الأطفال؟
كانت بداءة اهتمام سوفييتي بتوجيه مبدعات هذا الأدب، ولكن الثمانينيات لم
تسعف بذلك فتغير العالم، وتلاشت معه تلك المحاولة لقوننة أدب الأطفال.
كان ذلك في حينه يستجيب لأصوات عالمية تجسدت في اعتبار عام 1979م
عاماً دولياً للطفل. ومن المؤسف أن هذه الأصوات العالمية، وجلها من ذوي
الإرادة الطيبة، قد شحبت وغابت في غابة الصراع الدولي على المصالح
والسياسات والمنازعات الدولية الصغيرة والكبيرة، فعاد الاهتمام إلى حجمه من
خلال أصوات المسؤولية الأخلاقية والاجتماعية في عصرنا الداعية إلى رعاية
الطفولة من أجل مستقبل الإنسان. ثم ماذا تفعل هذه الأصوات وحدها. كان عدد
الأدباء والمشاركين في المؤتمر أكثر من مائة وثلاثين كاتباً من تسع وثلاثين
بلداً، واجتمعوا في المؤتمر العالمي الثاني لأدب الأطفال الذي انعقد تحت
شعار: «شباب العالم وأدب الأطفال» فيما بين 15 و24 تشرين الأول 1979م.
وكانت المناسبة شروعاً في فورة أدب الأطفال التي تأججت مع العام
الدولي للطفل، وكانت الحكومات والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية تتسابق
للحديث عن أدب الأطفال وقد داهمت هذه الفورة الدول العربية أيضاً التي
حاولت أن تنغمر بالحديث على ضعف تجربتها وقلة حيلتها، إذ مايزال أدب
الأطفال حتى اليوم خارج استراتيجية التربية العربية، ولا يلقى العون اللازم
في خطط وزارات التربية والشؤون الثقافية العربية، ناهيك عن ظهوره الشاحب في
الخطة الثقافية القومية الشاملة. وقد ألقيت آنذاك كلمة نددت فيها بالتبعات
الثقيلة التي نحملها لأدب الأطفال العربي، فيصير في ظل هذه التبعات إلى أدب
تعليمي مباشر، مثلما دعوت إلى تخليص أدب الأطفال من وطأة الإيديولوجيات
ونزوعاتها البشرية الدعاوية الضارة. لأن أدب الأطفال ينهض على المنظومة
القيمية الإنسانية والقومية والأخلاقية والمعرفية.
وبعد قرابة عقدين ونيف من الزمن على هذا المؤتمر مايزال أدب الأطفال
والناشئة يعاني من التبعات إياها: ألا يكون أدب رديئاً، وأن يواجه الأدب
الرديء، فقد تحولت مداولات المؤتمر إلى دفاع عن الأطفال ضد الأدب الرديء،
وبخاصة ما ينشر عنه عبر وسائل الاتصال بالجماهير، أو القيود التي تعوق أدب
الأطفال عن حرية إبداعه، وعن حرية إنتاج أو إعادة إنتاج أدب أطفال جيد.
أذكر أن ذلك المؤتمر الطيب الذكر كان في منتهى الأهمية، فقد تحدث
فيه كل كاتب، في كلمة قصيرة أو طويلة عن شجون أدب الأطفال في بلادهم وفي
العالم. وعلى الرغم من صدور نداء من المشتركين في المؤتمر إلى المعنيين
بتربية الأطفال والناشئة وتثقيفهم في العالم، فإن كل كلمة ألقيت فيه تعد
نداء عامراً بمسؤولية الكاتب عن قضية الأطفال والناشئة، فكان المؤتمر،
بتقديري، فضاء مشتركاً لصوت الحرية القوي إزاء المخاطر التي تتهدد أوضاع
أدب الأطفال والناشئة.
كان هناك تركيز واضح على مسألة أولى، هي القيم الإنسانية، فليس هناك
قيم محايدة، والمهم هو تربية الأطفال في الحياة اليومية المعاصرة ليكونوا
قادرين على النمو السليم ومواجهة الأخطار.
لقد نجح المؤتمر إلى حد ما، بعيداً عن الشعارات وأوهام
الإيديولوجيا، في أن يكون نداء متقداً للضمير البشري للعمل من أجل السلام
والحرية والديمقراطية، ومن أجل التقدم الاجتماعي وتعاظم المسؤولية
الأخلاقية إزاء الناشئة لدى كل رجل وامرأة شريفين.
وقد أكدت، مثل كثيرين، على أوضاع الأطفال التي تؤثر، بالأساس، على
إنتاج أدب أطفال جيد، لأن التقدم، كما هو الحال، في أدب الأطفال يعني
انشغال هذا الأدب بشروط إنتاجه، وهذا المناخ مايزال مرهوناً بالظرف
التاريخي الذي تعيشه بلادنا. وعلى الرغم من ظروف معيشة الأطفال السيئة في
عشرات البلدان، فإن القائمين على شؤون التربية والتعليم والثقافة والإعلام
يصرفون، غالباً، جهودهم عن حماية الطفل من الأدب الضار والسيء. قال الأديب
الهندي الكبير راميش كوشيك:
«يتحمل الكتاب مسؤولية ثقيلة، فالكاتب هو من يجب عليه جعل الناس
يعتقدون بأن بني البشر كافة هم من الأصل نفسه، وأنه لم يكن هناك تمييز بين
غني وفقير، أو في المعتقد والدين عندما ظهر
الإنسان على وجه الأرض للمرة الأولى. وإنها لحقيقة جلية أنه من
الأسهل أن تشذب غرسة عن أن تشذب شجرة، فالأطفال يتشربون القيم الإنسانية
على نحو أسهل من البالغين».
وفي الاتجاه نفسه، تحدث ملياً الكاتب الياباني المعروف شيكو
واتانابي عن الأخطار التي تهدد الطفل وأدبه: «إن الأطفال الذين فقدوا عادة
الخلق غير قادرين على إدراك معنى الحياة الإنسانية في الوقت الراهن. لأن
التلفاز في اليابان محل الأم والأب والجدة بالنسبة للطفل. لقد تربينا على
حكايا الجنيات التي كانت تقصها علينا أمهاتنا وجداتنا، وقد رسمت فينا قوة
الكلمة صوراً سحرية. حتى الآن، وقد أصبحنا بالغين راشدين، ومايزال التصور
الخلاق معنا، ويساعدنا هذا التصور، ليس على رؤية حروف تطبع في الكتب فحسب.
إنه يوقظ أفكارنا ومشاعرنا، وبفضله نتمكن من سماع الأصوات الإنسانية الحية.
وهكذا، يسرق التلفاز الطفل، ويحرمه من قدرته على الحلم. أنني أستطيع
الاستشهاد بأمثلة لا تحصى عن الأخطار التي تهدد الطفل عندما يكف عن سماع
الكلمة وإدراكها بشكل حسي».
إن المسؤولية الراهنة أمامنا جميعاً هي تخليص أدب الأطفال من تبعاته
الثقيلة: وأولها إبعاده عن مباشرة الإيديولوجيا، وثانيها الحد من عدوان
وسائل الاتصال على أدب الأطفال.
2ـ3ـ احتلال عقل الطفل العربي:
لا نبالغ إذا قلنا أن اهتمام الدوائر غير العربية بمخاطبة الأطفال
والفتيان العرب أكثر وأوسع وأعمق تأثيراً بما لا يقاس من الدوائر العربية،
وكذلك ثقافة وإعلام ومؤسسات رسمية وتنظيمات شعبية وأهلية، ويبدو اهتمام هذه
الدوائر غير العربية وكان تثقيف الأطفال والفتيان العرب وتكوينهم الإنساني
والمعرفي يعنيها أكثر من أهلهم، فقد وجدت نتيجة مروّعة لدى دراستي للقصص
والروايات والحكايات المقدمة للأطفال والفتيان العرب أن سبة المؤلف بأقلام
عربية من مجموع النتاج القصصي والروائي لا يساوي 12%، وأن نسبة المعد
والمقتبس تتجاوز الـ55%، والبقية هي قصص وروايات وحكايات مترجمة، ووجدت
نتيجة مروّعة أخرى هي أن جهد هذه الدوائر العربية في تقديم هذا النتاج لا
يصل إلى نسبة 16% (كماً ونوعاً، أي كمية المطبوع وتعدد عناوينه وتنوعها)،
بينما تضطلع دوائر غير عربية بتقديم نسبة تفوق الـ84% (متعاونة مع تجار عرب
وكتاب ومترجمين وفنيين عرب أو مؤسسات عربية تجارية أو هي تصدرها إلى
الأسواق العربية عن طريق موزعين عرب)، فالاتحاد السوفييتي حتى سقوطه عام
1991 يحتل نسبة 37% من مجموع هذا النتاج، وبلغاريا وتشيكوسلوفاكيا والصين
إبان تلك الفترة الطويلة التي رافقها تبشير عقائدي لا يخفى 13% وهذا كله
جهد أقل بكثير من جهود بعض الدول الأخرى في تعاونها مع دور نشر عربية
كفرنسا (في بيروت)، والولايات المتحدة (في القاهرة وبيروت) والمملكة
المتحدة (في بيروت)، وهكذا فإن حرص هذه الدول على مخاطبة الأطفال والفتيان
العرب غير مفهوم لأول وهلة بعيداً عن غابات الاستعلاء الثقافي والتبعية
الثقافية والغزو الثقافي، بينما لا تقدم لهم الدوائر العربية إلا القليل
مما يحتاج إليه بناء وجدانهم وتعزيز انتمائهم الوطني والقومي وتعضيد منظومة
القيم الشعبية والإنسانية لديهم.
ثم زاد على هذه الدول جهد دول أخرى مثل الباكستان (مطبوعات تاج
كمبني ليمتد كراتشي باللغة العربية للأطفال والفتيان العرب) وإيران هونغ
كونغ واليونان، وكلها تجهد لطباعة الكتب التي تخاطب الأطفال والفتيان
العرب، من منظورات تربوية وفكرية قد لا نرضى عنها، أو لا تتوافق مع مسعى
الاستراتيجية التربوية والقومية العربية.
ويبدو من جهة أخرى مشروع سلسلة «ليد بيرد» مثالاً لدعم الغرب
الاستعماري الذي يريد الهيمنة على عقل الأطفال والفتيان العرب، فقد انطلقت
السلسلة مع مطلع السبعينيات، وطبعت أكثر من ألفي عنوان لمختلف أعمار
الأطفال والفتيان في عشرات السلاسل القصصية والشعرية والحكائية والروائية
والعلمية والمعرفية والتعليمية، وأغرقت السوق العربية بمئات ألوف النسخ
المطبوعة بأناقة فاخرة والمدعومة من ناشرين هما ليديبيرد بوك ليمتد (لافبور)
ولونغمان (مارلو)، وأقول مدعومة لأنها تباع بأقل من تكلفتها بكثير. ومن
اللافت للنظر أن هذه المنشورات كسبت تعاون عدد كبير من الأدباء والكتاب
العرب الذين وظفت إبداعاتهم ضمن سياساتها الثقافية مما يندرج تحت لواء
الالتزام التقني أي الأديب أو الكاتب الذي يبيع إبداعه وجهده فتروجه الدار
الناشرة وفق مقاييسها ومعاييرها، وغالباً ما تتحكم بطرائق توجيه هذا النتاج
أو إعادة إنتاجه سلفاً مع الأدباء والكتاب أنفسهم ما داموا سيبيعون هذا
الجهد تغذية لحاجات المركز الداعم لحاجات الطلب والسوق، وتأتي القيم
والاعتبارات في النهاية.
هل علينا أن نؤكد من جديد أن الأمن القومي مرتبط بالأمن الثقافي،
وأن مشكلات الأطفال والفتيان من مشكلات مجتمعهم وأمتهم، وهل علينا أن نؤكد
أن مخاطر التبعية الثقافية في ميدان أدب الأطفال والفتيان هي الأشد والأبلغ
تأثيراً في احتلال عقل الناشئة العرب، ونحن في هذا لا ندعو إلى إغلاق باب
التبادل الثقافي، ولا ندعو إلى الانغلاق على ثقافتنا دون تراث الإنسانية
المشرق والمضيء والنافع والأصيل، ولكننا نعاود التوكيد على مجاوزة المعاناة
الشديدة التي يعانيها أدب الأطفال والفتيان العرب أمام خطر احتلال عقل
الناشئة العرب من ثقافة تندرج في التبعية، ولا تخدم إلا الذين يتاجرون بكل
شيء بعد ذلك ولو كانت ثقافة الطفل العربي.
لاشك أن الثوابت في مخاطبة الأطفال والفتيان العرب مهددة منذ مطلع
الستينيات ولا أدرى إذا كان ذلك يجري في غفلة منا أم في غفلة من الزمن.
2ـ4ـ سؤال الهوية القومية:
عندما قرر الوزراء المسؤولون عن الشؤون الثقافية في جامعة الدول
العربية أن يخصصوا مؤتمرهم بالقاهرة (حزيران 1991م ) لأدب الطفل العربي،
فإنهم أكدوا بما لا يدع مجالاً للشك يقظة متأخرة في وعي مكانة أدب الأطفال
في البناء الثقافي والوجداني للإنسان من خلال الناشئة وعمليات التنشئة، فلم
يسبق لمؤتمرات الوزراء المسؤولين عن الشؤون الثقافية أو اجتماعاتهم أن
عالجت، على نحو أساسي قضية أدب الأطفال، ومن الواضح أن هذا المؤتمر لم يعن
بهذه القضية في منظوراتها كلها، القومية والتربوية والعقائدية والفنية
والتقنية، فقد أتيح لي أن أطلع على وثائق ذلك المؤتمر، وكنت آمل أن يعمق
المؤتمر البحث في رؤية واقعية لآفاق تطوير ثقافة الأطفال في الوطن العربي،
ولاسيما علاقتها بالهوية القومية، ومواجهة الغزو الثقافي والهيمنة الغربية،
بأنماطها الاستهلاكية والإنهاكية للقيم الثقافية العربية كما تتبدى في
إغراق السوق العربية، ثقافياً وإعلامياً وتربوياً بمنتجات ثقافة الأطفال
المصنعة في دوائر غربية وأجنبية.
ثم أعيدت في قطرين عربيين آخرين، أسئلة الهوية القومية في أدب
الأطفال، فقد كرس المهرجان الثامن لثقافة الأطفال بالشارقة مجاله الفكري
(15-29/2/1992م) لموضوع شديد الصلة بالهوية هو «الطفل والتراث والوطن»
توكيداً على منطلقات واضحة في الدور التربوي لثقافة الأطفال من جهة، وفي
قابلية هذا الدور التثقيفية في بناء الشخصية العربية من جهة أخرى، وقد برزت
هذه المنطلقات في الاعتبارات التالية في بيان ندوة المهرجان التخصصية:
1ـ الاستناد إلى التراث العربي الثري كمصدر رئيس لثقافة الطفل
باعتباره ينبوع الثقافة الحية ومعيناً لوعي الذات والهوية القومية ليكون
أساساً للتنشئة الاجتماعية الهادفة نحو التفتح والانطلاق والإبداع.
2ـ مواجهة موجة التغريب الثقافي التي تهدد الأصالة الثقافية لدى
الناشئة بتوفير بدائل عملية من خلال برامج متقدمة تقنياً شكلاً ومضموناً.
3ـ التوكيد على التراث العربي بمصادره الدينية والتاريخية والأدبية
والشعبية والأسطورية، وكشفت الأوراق المقدمة للندوة عن مصادر مهملة في
التراث العربي كالألعاب والأسفار والوصايا والرسائل والأخبار والفنون
المختلفة، مما يشكل ذخيرة حية لاستعادة التراث العربي في ثقافة الأطفال.
4- إقامة مؤسسة عربية لإنتاج وسائل ثقافة الطفل العربي بكافة
أشكالها يكون هدفها توحيد الجهود في هذا المجال وتشجيع المبادرات المتميزة
في أكثر من بلد عربي.
لقد كانت هذه التوجهات والتطلعات مثار حلقة بحث متخصصة أيضاً قبل
قرابة ثلاثة عقود من الزمن حول «أدب الأطفال والتراث»، أقامتها منظمة
الطلائع بحماة (كانون الأول 1983م)، ومن المفرح أن هذه المبادرة في معالجة
هذه القضية الثقافية الهامة قد صارت إلى حالة قومية عامة في مؤتمر الوزراء
المسؤولين عن الشؤون الثقافية في الوطن العربي، وفي الندوة التخصصية حول
«الطفل والتراث والوطن»، ثم أتيح لي أن أشارك في البيان الختامي للندوة
الثقافية المتخصصة لمهرجان الجنادرية السابع للتراث والثقافة (الرياض
14-29/1992م)، وكان موضوع المهرجان لعام 1993 هو أدب الأطفال في إطار
الندوة الرئيسية «الموروث الشعبي في العلم العربي وعلاقته بالإبداع الفكري
والفني».
وشملت الندوة تنظيم عدة فعاليات ثقافية قومية مثل مسابقة ثقافية
للأطفال في الأقطار العربية، وإقامة معرض عربي لكتاب الطفل تُدعى إليه دور
النشر والمؤسسات العلمية المتخصصة، وإخراج عدد من الكتب والدراسات في شكل
نصوص إبداعية للطفل، ودراسات موضوعية عن الأطفال وأدبهم، كما تشمل أعداد «بيبلوغرافيا»
شاملة لكل ما كتب عن الطفل وللطفل من الأعمال الأدبية في الوطن العربي،
لتكون في متناول الباحثين والقائمين على أمر ثقافة الطفل.
إن الاهتمام بالتراث وتأصيله واستلهامه في أدب الطفل العربي، لا
يعني الوعي العميق والإدراك القومي والنظرة الثاقبة لمكانة أدب الأطفال في
التنشئة السليمة فحسب، بل يفيد بالدرجة الأولى الإجابة عن أسئلة الهوية
القومية في أكثر المكونات الصرفية تأثيراً على وجدان الناشئة، ولاشك، أن
المكونات الصرفية لا تنقل أو تجتلب، بل ينبغي لها أن تمثل في التقليد
الأدبي القومي الذي يضمن السيرورة والفاعلية بغنى موروثاته التي تستجيب
لعمليات التلقي المجدي والمشاركة الإيجابية، وهما ضرورة لكل ثقافة حية.
   
الفصل الثالث:
أدب الأطفال في مؤتمرات الأدباء العرب
المرحلة الأولى:
أصبح أدب الأطفال مادة أساسية في مؤتمرات الأدباء العرب منذ المؤتمر
العاشر المنعقد في الجزائر عام 1975( )، وجرت العادة، شأن جدول أعمال هذه
المؤتمرات أن تكتب بحوث من بعض الاتحادات العربية المشاركة، ثم يناقش بعض
أعضاء المؤتمر هذه البحوث في لجنة من لجانه، ثم تصدر توصيات ومقترحات عملية
وغير عملية لتطوير واقع الحال، فقد اتسعت أعمال المؤتمر في لجان متخصصة حسب
محاور الموضوع أو الموضوعات الرئيسة في المؤتمر الرابع (الكويت 1958) مما
يؤكد أن الأدباء العرب قد التفتوا متأخرين إلى قضية أدب الأطفال وإبداء
الاهتمام والعناية اللائقين بها. والحق، أن هذا الالتفات المتأخر يتساوق مع
إنتاج أدب الأطفال الذي أصبح ظاهرة ملفتة للنظر في السبعينات، فغدا من
الضروري أن يرافق هذا الإنتاج قول أو رأي، وأن تعنى به الجهات المختلفة
التي تهتم بتربية الأطفال وتثقيفهم. ومن أهم هذه الجهات اتحادات الأدباء
والكتاب بوصفها تساهم مساهمة فعّالة كتابة ونشراً في التأليف للطفل العربي.
ولن ندخل في متاهة تقويم مؤتمرات الأدباء العرب، ومدى فاعليها في تنظيم
الحياة الأدبية العربية أو تطويرها نحو الوفاء بأهدافها أو الحديث عن قضية
أدب الأطفال في هذه المؤتمرات. وسنبين البحوث المقدمة التي ألقيت كمحاضرات،
وكانت أساساً للمناقشات والتوصيات والمقترحات:
المؤتمر العاشر ـ الجزائري عام 1975:
الطفل في الأدب العربي: محمد العروسي المطوي (تونس)
أدب الأطفال في سورية: عادل أبو شنب (سورية)
الطفل في الأدب العربي: البشير الهاشمي (ليبيا)
الطفل والشعر: أحمد المختار الوزير (تونس)
الطفل في الأدب العربي: د. عبد العزيز المقالح
(اليمن)
الطفل في الأدب العربي الحديث: روكس بن زايد (الأردن)
المؤتمر الحادي عشر ـ طرابلس عام 1977:
أدب الطفولة: محمد المختار جنات (تونس)
المؤتمر الثاني عشر ـ دمشق عام 1979:
أدوات الوصول إلى الأطفال: عادل أبو شنب (سورية)
تطور فن الكتابة للأطفال في البلاد العربية ومشكلاته:
أحمد أبو سعد (لبنان)
أدب الأطفال في المواجهة:
محمد الجزائري (العراق)
القيم التربوية السائدة وتقنيات العمل التربوي:
¬ فالح فلوح (سورية)
في «أناشيد الأطفال»:
لسليمان العيسى.
تقرير حول أدب الأطفال في المغرب (الواقع والطموحات):
إبراهيم الخطيب (المغرب)
أدب الأطفال في الأردن (الواقع والطموح):
أحمد المصلح (الأردن)
شهادة عن الأطفال في زمن القهر:
بشير الهاشمي (ليبيا)
الأطفال: أدبهم وثقافتهم:
قمر كيلاني (سورية)
الطفل في الشعر الحديث:
د. عبد العزيز المقالح
(اليمن)
تجربتي في كتابة أدب الأطفال في تونس:
محيي الدين خريف (تونس)
المؤتمر الثالث عشر ـ اليمن عام 1981:
إشكالات الكتابة الإبداعية وقضاياها بالنسبة لأدب الأطفال في تونس.
محيي الدين خريف (تونس)
ونستطيع بواسطة هذا المسرد لأبحاث أدب الأطفال، ولا سيما أنها
متوافرة( )، أن نستجلي عناصر الرؤية الواقعية والفنية والتربوية للأدباء
والكتاب العرب نحو قضية أدب الأطفال.
تدبير أم تأصيل:
لاحظنا أن التفاتة الأدباء والكتاب العرب إلى موضوع أدب الأطفال
كانت متأخرة، ومنذ المؤتمر العاشر في الجزائر عام 1975 أصبح هذا الموضوع
مادة أساسية فيما تلاه من مؤتمرات، وقد أوصى المؤتمر الحادي عشر في طرابلس
عام 1977 بذلك. أما التوصيات فمما يدخل في باب تدبير الثقافة وليست مما
يعالج ظواهر وقضايا أدب الأطفال.
إن إنشاء هيئة متخصصة في نطاق الجامعة العربية تُعنى بثقافة الطفل
وتخصيص جوائز أدبية ومالية للأدباء الذين ينتجون للأطفال، واستلهام النموذج
العربي في كتاباتهم، وحث وزارات التربية والتعليم في الوطن العربي لتضمين
المناهج والكتب المدرسية نماذج من أدب الأطفال، وعقد الندوات حول هذا
الأدب، ولكنها لا تعنى بخصائص أدب الأطفال أو نظريته، بل ينحصر اهتمامها
بواقعه، وبمدى الانتشار الذي بلغه بخاصة.
لقد كان واضحاً أن الكتاب والأدباء العرب منشغلون أساساً بشؤون
تدبير أدب الأطفال في واقعه، ونادراً ما عالجوا مسائل تأصيل هذا الأدب في
فنونه ووسائطه، ولدى جمهوره.
ثمة إشارة إلى نقاط ثلاث هي:
ـ توظيف أدب الأطفال لبعض التراث العربي عن طريقة تعريف الأطفال
بالنواحي المشرقة والإيجابية من تاريخ أمتهم.
ـ أن تكون اللغة الفصحى المبسطة هي اللغة المعتمدة في مخاطبة
الأطفال والكتابة إليهم، والعمل على وضع رصيد لغوي متدرج لكتّاب أدب
الأطفال.
ـ أن يكون الطابع القومي هو السائد في تربية الطفل العربي.
إن لهذه النقاط أهميتها، ولكنها أمنيات قبل أن تنطلق من معاينة واقع
الحال ومن الملاحظ، أن التوصيات ليست نتاج البحوث ومناقشاتها، أو حوار
المتحاورين فيها، بل هي أقرب إلى النوايا الطيبة من أجل النهوض بإنتاج أدب
الأطفال العربي الذي يلبي أهدافه القيمية القومية الكبرى. بينما يحتاج
التأصيل إلى محاورة الإبداع نحو الإجابة عن خصائص أدب الأطفال وتثميرها في
قنواته المختلفة. وهكذا، سننظر في بحوث المؤتمرات وتقاريرها طلباً لمثل هذه
الإجابة.
بحوث وتقارير وتجارب:
تعاني فنون أدب الأطفال مثل وسائطه معاناة شديدة من الافتقار إلى
ممارسة أدبية تراعي الاعتبارات التربوية والفنية لأدب الأطفال. ومن المفيد
أن نفرق بين تقرير وبحث. ولقد كان في المؤتمر الثاني عشر على سبيل المثال
ثمة تقارير، وثمة بحوث، ولكنها طمحت (ضمن حدود إمكاناتها) إلى تقديم المشهد
الثقافي العربي في أدب الأطفال، ولعلنا نلاحظ هذا التفريق في تسميات هذه
البحوث، فهناك أدب الأطفال في الأردن والمغرب والبلاد العربية، الأول لأحمد
مصلح، والثاني لإبراهيم الخطيب، والثالث لأحمد أبو سعد، وهناك «أدوات
الوصول إلى الأطفال» لعادل أبو شنب و«القيم التربوية السائدة وتقنيات العمل
التربوي في أناشيد الأطفال» لفالح فلوح. وهي جميعها تنشغل بامتداد أدب
الأطفال في الواقع وتُفصَّل غالباً حدوده داخل الكتاب وداخل الجنس الأدبي،
وعلى الرغم من هذا كله، فإنها المرة الأولى التي يمثل فيها أدب الأطفال
مكانة متميزة في أعمال المؤتمرات الأدبية، وفي درس آفاق تطويره على صعيد
النظر والممارسة على وجه الخصوص.
بلغ عدد الكتابات المقدمة إلى مؤتمرات الأدباء العرب ثمانية عشر
بحثاً وتجربة شخصية وتقريراً عن واقع أدب الأطفال في الأقطار العربية،
توضحها الجداول التالية:
جدول رقم (1)
التقارير والبحوث والتجارب في مؤتمرات الأدباء العرب
تجربة تقرير بحث المؤتمر
1 5 المؤتمر العاشر
1 المؤتمر الحادي عشر
1 2 7 المؤتمر الثاني عشر
1 المؤتمر الثالث عشر
ملاحظة عامة: يقترب محمد المختار جنات من طابع التجربة الشخصية.
جدول رقم (2)
الفنون والوسائط والتقنيات في مؤتمرات الأدباء العرب
التقنيات الشعر القصة الوسائط أدب عام المؤتمر
1 5 المؤتمر العاشر
1 المؤتمر الحادي عشر
2 2 3 3 المؤتمر الثاني عشر
1 المؤتمر الثالث عشر
ملاحظة عامة: كتابات محيي الدين خريف وبشير الهاشمي موجزة، وأقرب
إلى الخواطر.
جدول رقم (3)
مشاركة الأقطار العربية حسب المحاضرات في مؤتمرات الأدباء العرب
المغرب لبنان العراق اليمن ليبيا الأردن سورية تونس
المؤتمر
1 1 1 1 2
المؤتمر العاشر
1
المؤتمر الحادي عشر
1 1 1 1 1 1 3 1 المؤتمر
الثاني عشر
1
المؤتمر الثالث عشر
1 1 1 2 2 2 4 5 المجموع
وتشير هذه الجداول إلى النتائج التالية:
كانت مشاركة غالبية الأقطار العربية ضعيفة، باستثناء تونس وسورية
وتلاهما ليبيا واليمن والأردن.
هناك تناول عام لأدب الأطفال، بينما حظي الشعر بثلاثة بحوث، وجرت
الإشارة إلى الوسائط في ثلاثة بحوث أخرى موجزة مُستعجَلة.
نوقشت التقنيات وأدوات الوصول إلى الأطفال في بحثين، ومن المعروف أن
أمثال هذه البحوث تعبر عن تطور الوعي بعملية إنتاج أدب الأطفال، لأنها تنظر
إلى الأدب في طبيعته أو خصائصه استناداً إلى المقاييس أو المعايير الخارجية
والداخلية.
1ـ في المفهوم:
لا يزال أدب الأطفال إلى وقت قريب ملتبساً لدى الكثير من الأدباء
العرب الذين تصدوا للكتابة عن الطفل أو للطفل. لقد نوّه عادل أبو شنب إلى
أن ثمة فارقاً جوهرياً ما بين الأدب الذي يخاطب الأطفال ويتجه إليهم كقراء،
وبين الأدب الذي يتحدث عن الأطفال وهو كثير في أدبنا العربي القديم
والحديث( )، بينما كرّس المختار الوزير والهاشمي مفهوم أدب الأطفال لذلك
الأدب الذي يهتم بالأطفال، (وينظر إلى الطفولة بوصفها موضوعاً للكتابة،
فوجدنا عند الثاني الطفل «شخصية نموذجية جميلة بعيدة عن الشذوذ والانحراف
والقبح والتشويه والعيب»( )، وأن موضوع الطفولة أصبح وسيلة تعبيرية لدى
الكاتب أو الشاعر فيكشف عن الزمن والجنس والنضال والأسلحة، فالطفولة ترتبط
ارتباطاً وثيقاً بالمواقف السياسية مما يجعل من النظرة الطفلية لدى الشاعر
مظهراً من مظاهر النضوج، ثم تعدى المختار الوزير هذه النظرة ليطرح تساؤلاً
هو: ماذا نقدم للطفل من شعر ولا يجد جواباً سوى الاستعاضة عن كلمة «نقدم»
بكلمة «نختار»، ويعترف بعد ذلك بحقيقة النمو وأسباب مراعاتها( ) مؤكداً
أهمية دور المرشد أو المربي من المعلمين في عملية الاختيار. على أن ثمة
آراء أخرى باشرت فهم قضية أدب الأطفال، منذ البداية. وربما لسبب انشغالها
الطويل بالكتابة للأطفال مثل محمد العروسي المطوي الذي رأى في القضية
مسؤولية كبيرة ذات مساس واضح بالمستقبل، فعاد إلى المساعي العربية والدولية
والمحلية في تونس مقترباً من عالم الطفل الصغير ووجوب العناية بلوازمه
المتعددة، وفي مقدمتها اللغة الخاصة التي ينبغي أن تستند إلى قاموس الأطفال
اللغوي( ).
ومن جهة أخرى، صرف روكس بن زايد بحثه لما سماه «الصغير من بني
الإنسان» مستعرضاً باستفاضة أو على عجل الطفل في الضمير الإنساني وفي تراث
الإنسانية باعتباره معنى ورمزاً وموضوعاً للوضع الإنساني، فثمة مقاطع عن
الطفل في الأديان الأول وعاطفتي الأمومة والأبوة، وعن مأساة الطفل
الإنسانية، لا فرق... الخ( ).
أنها الخواطر التي تفيض سواء كانت مناسبة أم غير مناسبة، ثم نظر
محمد المختار جنات إلى أدب الطفولة نظرة واقعية من خلال الفن والتربية
معاً، فأشار إلى التخطيط التربوي وأهمية التعامل مع فترة الحضانة وفترة
التعليم التمهيدي إذا أردنا لأدب الطفولة أن ينمو ويتسع ويأخذ مكانته
اللائقة في عملية الإنتاج الأدبي، فالتأليف للأطفال ينطلق من احتياجات
طفلية منظورة، وتتميز داخل عملية الإبداع مشكلات الفنون والإيصال اللغوي
والروافد الثقافية الأخرى ذات التماس المشترك مع إنتاج أدب الأطفال.
والحق، أن جنات عاد إلى الخصائص والمقاييس التي أوردها علي الحديدي
قبل قرابة عقد من الزمن في كتبه ومقالاته المكرسة لأدب الأطفال( ). على أن
هذه العودة لا تقلل من أهمية الإشارات المقدمة على سبيل تحديد مفهوم أدب
الأطفال بين الأدباء العرب، إذ أثيرت على نطاق واسع، مشكلات مستحدثة بفعل
انتشار أدب الأطفال مثل قضايا الإنتاج والتوزيع والاستهلاك والتوريد،
والعلاقة بين أشكال أدب الأطفال ومضامينه في مجال فن القصة على وجه الخصوص
وفي الوقت نفسه، عالج جنات، من واقع تجربته الشخصية، بعض خصوصيات الإبداع
القصصي للأطفال.
وفي المؤتمر الثاني عشر، كان ثمة اقتراب من أدب الأطفال من خلال
ملامسة جوانبه الأساسية: إنتاج أو إعادة إنتاج أدبي للطفل وفق اعتبارات
وأهداف تراعي الطفل العربي في بيئته ومجتمعه، وفي إطار لغته، وسعياً لتأثير
إيجابي خلال شخصيته التي يراد لها أن تنمو في مناخ معافى، وعلى أرض أصلب،
وسنتبين صور هذه الملامسة.
2ـ في الأدب العربي القديم:
توزع الاهتمام بالطفولة في التراث العربي إلى موضوع ومخاطبة، فثمة
نصوص ومقطعات كثيرة خصت الطفولة بمعراج النظر إلى الأشياء والعالم، فكانت
الطفولة ميداناً رحباً لصبوات الأدباء وأشواقهم في مختلف الموضوعات التي
عالجوها كأن تكون مثاراً لرحمة أو سبيلاً لاعتذار، أو دعوة لتكرمة، أو
إشارة لمأساة إنسانية.
أما مخاطبة الأطفال فقد اقتصرت على فنون الحكاية الشعبية كالحيوان
والجان والحكاية المرحة وأغلبها غير مكتوب، وعلى المرقصات والمطربات من
الأغاني، وعلى الأدب التعليمي المشهور للكبار والصغار على حد سواء، وفي
أبحاث روكس بن زايد والعروسي المطوي وعبد العزيز المقالح إشارات سريعة إلى
ظهور أدب الأطفال في الأدب العربي، وقد صنف الأخير من هؤلاء مواقف الأدباء
من الطفل فتارة يعتبرون الأطفال وسيلة لاستشارة الشفقة والرحمة في قلوب
الحاكمين والمحكومين من ذوي الثراء والجاه والسلطان، وتارة أخرى يجعلون من
الأطفال عبثاً وامتداداً شعورياً وحياتياً يمتد من الذات إلى الخارج، وتارة
ثالثة يرون فيهم عبثاً وجودياً واقتصادياً ومسؤولية اجتماعية، وتارة رابعة
يبدو فيها الأطفال كزهور جميلة يقتلها الموت قبل الأوان( ).
بذا يلتحم الطفل، عندما يكون موضوعاً، بوجدان الشاعر أو الكاتب،
ويستنطقه الموقف المراد أو الهاجس المكتوم وهذا كله، يعني الاعتراف بالنقص
الحاصل في توجيه الأدب للأطفال مما يجعل من أدب الأطفال في الأدب الحديث
اكتشافاً.
3ـ في الأدب العربي الحديث:
أطل الأدباء العرب على أدب الأطفال فجاءة أو كالفجاءة. فجرى
الالتفات إلى جهود الرواد العظيمة كعثمان جلال وأحمد شوقي وإبراهيم العرب
وعمران الجمل وفرح الجمل وحسن توفيق إبراهيم وتوفيق بكر ومحمد عبد المطلب
وكامل كيلاني وغيرهم، ثم جرت محاولة إعادة الاعتبار لأعمال ريادية انحصرت
شهرتها في حدود بلدها، أمثال عمر فروخ وحبوبة حداد ولورين ريحاني، ورشاد
العريس، وروز غريب وأدفيك شيبوب في لبنان، وعبد الكريم الحيدري ونصرت سعيد
في سورية.
وجرى تقويم أعمال ريادية أخرى تجاوزت شهرتها حدود بلادها إلى
البلدان العربية الأخرى، ويؤلف عماد هذا الفريق كتّاب من مصر نذكر منهم
كامل كيلاني، ومحمد سعيد العريان، ومحمد أحمد براتق ومحمد عاطف البرقوقي،
وعطية الإبراشي، وأمينة السعيد، وإبراهيم عزوز، وأحمد نجيب وغيرهم( ).
والحق، أن تجربة هؤلاء الكتاب لا تزال مثار نظر وتقدير وإعجاب، لأنهم
تلمّسوا عن كثب وبالممارسة المشكلات النظرية والعلمية لإنتاج أدب للطفل
العربي سواء في التأليف أو التعريب أو الاقتباس عن الآداب الأجنبية أو
التراث العربي المكتوب أو الشفهي.
وعالجوا في كتاباتهم مسائل لا تزال موضع اختبار كالخيال أو الخرافة،
ومجالات أدب الأطفال وفنونه، ولابد لمن يهتم بإبداع أدب للطفل العربي أن
يعاين تجربة هؤلاء الرواد الكبار في منطلقاتها وأسسها وتوجهاتها، لأنها
مفيدة في تحديد قابليات جمهور الأطفال، وراسخة في اختياراتهم الفنية
والتربوية، وعندما أراد محمد الجزائري أن يدرس أدب الأطفال في المواجهة
توقف عند الأسئلة الأولى: لماذا؟ وكيف؟ متجاهلاً تلك الريادة الطويلة لأدب
الأطفال، ومعولاً على إزجاء الخواطر والانطباعات.
لقد تحدث عن شكل المطبوع على سبيل المثال، فاكتفى بالملاحظات
التالية: ملاءمة الشكل مع السن ومتطلبات عنصر التشويق، ومراعاة الجانب
التربوي في نوع المطبوع ليوازي المطبوعات المستوردة، والتأكيد على الصورة،
وتوافق النسب بين الصورة والكلمة بما يتلاءم مع الثورة اللغوية للمرحلة
العمرية. بينما استجاب أحمد أبو سعد لواقع الحال، فانطلق منه إلى رؤية
شمولية ناقداً أدب المرحلة نحو تصور أرفع وأنفع.
3ـ1ـ الرؤية الواقعية:
كما لاحظنا، فقد غلب على بحوث المؤتمرات باستثناء الثاني عشر
والثالث عشر طابع البحث في الأدب المكتوب عن الأطفال، لا الأدب الموجه
للأطفال.
ولعل كتابة المقالح تدل على هذه التجربة. لقد عني المقالح بموضوع
أدب الأطفال، وكانت دراسته للمؤتمر العاشر من آثار عنايته، حيث حاول أن
يتتبع في تلك الدراسة نصيب الطفل من أدبنا القديم والحديث شعراً ونثراً.
ويعترف المقالح أنه خرج من تلك المحاولة إلى حقيقة مخيبة للآمال، مؤداها أن
الأدب العربي أدب كبار ليس فيه للصغار أيُّ نصيب يذكر، ولا مكان للطفل
العربي في أدب آبائه وأجداده إلا أن يكون موضوعاً للاستعطاف أو موضوعاً
للرثاء، واتضح له أيضاً أن أدبنا الحديث أو المعاصر يكاد يخلو هو الآخر من
أدب الطفل، باستثناء محاولتين رائدتين خلال جيلين معاصرين يمثل الجيل الأول
فيها كل من أحمد شوقي وكامل كيلاني ويمثل الجيل الثاني سليمان العيسى
وزكريا تامر. ومن الملاحظ، أن المقالح هنا يشير إلى أبرز وجوه هذين
الجيلين.
أما الأسباب أو ما يمكن أن تُعدّ أسباباً لغياب أدب الطفل في تراثنا
الأدبي القديم فهما أمران، الأول أن الأدب العربي في البداية قد نشأ
سماعياً، ويستدعي تقبله أو الانفعال به إدراكاً معيناً، وكذلك مستوى معيناً
من الثقافة لا تتوفر للطفل، والثاني يتعلق بتطور الظاهرة الأدبية، فحين
أصبح الأدب العربي مكتوباً كانت القراءة محدودة الانتشار ومتاحة للقادرين
والمحظوظين من الكبار، والأطفال ليسوا من بين القادرين ولا المحظوظين.
ويرى، من جهة أخرى، أن العزوف عن الكتابة للطفل في الأدب الحديث
يعود إلى الشعراء أنفسهم فقد كان الأديب العربي أما «ذاتياً» يعبر عن نفسه
وعن مشاعره الخاصة وانفعالاته الذاتية، ولم يكن الطفل في الحالة الأولى
مهماً لأنه لا يشكل «الغير» الفعّال أو المنفعل، ولم يكن كذلك مهماً في
الحالة الثانية لأنه لم يكن ضمن العالم الداخلي للأديب ولا يقتحم وجدان
شاعر مهموم، منبهر بتجارب جديدة قائمة على مبدأ البحث عن الطفولة عند
الشعراء. لذا كان بحثه عن الشعر المكتوب عن الأطفال، وهو موضوع آخر لا
نعتقد أن مكانه ضمن مجموعة بحوث أدب الأطفال.
ويلتقي محيي الدين خريف مع المقالح في هذا المفهوم: الكتابة عن
الأطفال وليس الكتابة للأطفال. أنه يقول صراحة:
«كتبت عنهم ولم أكتب لهم ـ كتبت عن الأطفال أكثر من عشرين سنة،
ولكني لم أكتب لهم، وذلك لسببين اثنين:
1- هو ما اعتدته من معاملة مع الكبار وما رأيته من إغفال وصمت
وتغاضٍ ورفض بدون نقد وفحص في أغلب الأحيان، وهو شيء لا يشجع على التمادي
في التمادي على حد قول المتنبي.
2- هو مباشرتي لتعليم الأطفال خلال عقدين من الزمن. وما رأيته بما
أسميه بأدب المحاور. وما يتداول فيه من الشعر خاصة قطعاً قديمة لا تعبر عن
واقع ولا تمس عالم الطفل ولا تحرك إحساسه من أمثال ربيعية صفي الدين الحلي
أو أحمد شوقي»( ).
يعتبر خريف مفهومه صالحاً «لتمييز» أدب الأطفال، حيث يمد هذا
المفهوم ليشمل شعره المكتوب عن الأطفال، لأن شعره ـ كما يرى ـ متين اللغة
متانة ترتفع به إلى مستوى النصوص الجيدة «ولأنه حاول أن يكون هذا الشعر في
مستوى السهولة والبساطة التي تجعل الطفل يقبل عليه راضياً، مختاراً، لا
مرغماً مكرهاً»( ).
ولاشك، أن هذا الأدب يختلف عن أدب الأطفال، ويؤكد أن فنون الأطفال
مثل وسائطه تعاني معاناة شديدة في الافتقار إلى ممارسة أدبية تراعي
الاعتبارات التربوية والفنية لأدب الأطفال.
وثمة تفريق بين أدب الأطفال وثقافتهم في بحث قمر كيلاني فهي تتحدث
ضمن أدب الطفل عن الشعر والقصة القصيرة والطويلة، والمسرح ومسرح العرائس،
الحكايات، القصص المصورة، المادة الأدبية الخفيفة والمبسطة على شكل خطب
ومذكرات ورسائل وخواطر وسوى ذلك، وتتحدث ضمن ثقافة الطفل عن الإذاعتين
المرئية والمسموعة والصحافة والسينما والسيرك والحفلات الموسيقية والفنية
والمهرجانات والهدف اللغوي في بناء لغة عربية سليمة متطورة وحديثة.
وهذا التفريق لا يوافي المصطلح في نظرية أدب الأطفال، فقد جرى
اعتبار مصطلح فنون الأطفال لشعر والقصة والأغنية ثم المسرحية والمقالة على
سبيل التجوز، ومصطلح وسائط ثقافة الطفل للصحافة والكتابة والمسرح
والإذاعتين المرئية والمسموعة والسينما وسوى ذلك من أساليب اللقاء كالحفلات
والمهرجانات وحلقات البحث والمباريات والاستضافة والزيارة الميدانية.
ولعله حان الوقت للاعتراف بهذا التفريق، فلفنون أدب الأطفال
مشكلاتها التي تختلف عن مشكلات وسائط ثقافة الأطفال، بل أن هذه المشكلات
تختلف من وسيط لآخر تبعاً لخصائص هذا الوسيط وطبيعته. وهو ما نسميه
بالاعتبارات الفنية الخاصة، أي مراعاة الاعتبارات الفنية لأدب الأطفال
تبعاً للوسيط الذي يقدم من خلاله. وهذا يستدعي أن تقوم أجهزة أو مديريات
خاصة بثقافة الأطفال في الوزارات والمؤسسات والتنظيمات المتعددة.
لقد حاولت قمر كيلاني أن تدرس فنون أدب الأطفال ووسائطه الثقافية
المختلفة، فكان في بحثها ثمة إضاءة لحال هي أمنية أن يتطور أدب الأطفال
وثقافتهم إلى حال أخرى في الوقت نفسه.
ونلاحظ أن محمد الجزائري قد كرّس جانباً من بحثه للاعتبارات التي
ينبغي مراعاتها في أدب الأطفال مثل مبدأ المراحل العمرية، مع الأخذ بالنظر
خصوصية كل مرحلة على حدة، وقضية تقنية الكتابة للطفل وضرورة معرفة الأديب
لحجم قاموس الطفل وملكته وفق سنه، والعمل على تأكيد القيم الإيجابية
وتثبيتها والابتعاد عن نقد القيم السلبية وعرض تناقضاتها وتعليم الطفل
طريقة أفضل في الحياة اليومية... في المشي والكلام والسلوك والتفكير
والتذوق.
ثم يقترح الجزائري ما يلي: «أن يخرج المؤتمر بتوصيات تتعلق باعتماد
البحث والتخطيط العلميين في وضع البرامج الثقافية وبالشكل الذي يتوافق مع
النهوض العربي، وعقد الندوات الاختصاصية في كل نوع من الأنواع الأدبية
الموجهة للطفل ولكل وسيلة من وسائل التوصيل والاتصال بالطفل، وتأسيس دار
عربية للنشر خاصة للأطفال تسهم فيها الأقطار العربية، وتشكيل مجلس عربي
أعلى لرعاية الطفولة يأخذ على عاتقه مهمة التخطيط والتنسيق للمشاريع
الأدبية، وتدريس فنون صحافة وأدب الأطفال الفنية الأخرى في المعاهد
والكليات»( ).
لقد نجحت البحوث جميعها في الإشارة إلى واقع أدب الأطفال العرب دون
أن تُعنى بخصائص أدب الأطفال أو نظريته. أن أحمد المصلح بدأ المحاولة ثم
توقف في الصفحات الأولى من بحثه. لقد حاول الإجابة على السؤال: ما أدب
الأطفال؟ ثم أورد رأياً لأحدهم وتبناه: «أن أدب الأطفال هو مطلق الأدب الذي
يجد هوى في نفوس الصغار». ويضيف: «فدائرة الكتابة للأطفال واسعة جداً بحق
وبإمكان الكاتب أن يعالج شتى الهموم أو الاهتمامات التي تشغل بال الكبار
أيضاً، ولكن مع مراعاة قدرة الطفل على استيعابها فيمكن مثلاً كتابة قصة
نفسية أو أخلاقية وأخرى قومية ومثل هذا ينطبق على القصيدة والمسرحية في
حدود المعايير لكل منها»( ).
وهكذا يعود بنا أحمد المصلح إلى المنطلق نفسه: ثمة أدب للأطفال له
خصائص ومميزات واعتبارات تكشف عن هذه الخصائص والمميزات بعد ذلك وبدون وعي
هذا المنطلق يبدو من الصعوبة بمكان تطوير أدب الأطفال.
3ـ2ـ الرؤية الفنية والتربوية:
يلخص أحمد أبو سعد مشكلات أدب الأطفال فيما يلي: «مشكليات الكتابات
العشوائية غير المحدودة لسن معينة، مشكلية فقدان وسائط التبليغ الناجح. عدم
ابتكار أساليب ذاتية خلافة في السرد والتعبير تنم عن طابع شخصي يميز كل
مؤلف أصيل، قلة الكتابة لصغار المبتدئين من الأطفال ممن هم دون سن العاشرة،
عدم وجود معجم للأطفال يحصر الكلمات الملائمة لكل مرحلة من مراحل عمر
الطفل، ضعف الصياغة الفنية، عدم التفريق بين الأدب الذي يتحدث عن الأطفال
والأدب الذي يخاطبهم كقراء»( ).
وتكاد بقية البحوث تتفق على هذه النظرة، وعلى ما فيها من تداخل بشأن
مجموعات البحوث في المواضيع الأخرى، بين وصف الواقع ورؤية الفن الأدبي، فإن
هذه المشكلات تصب فيما ألمحنا إليه من الافتقار إلى ممارسة أدبية تراعي
الاعتبارات الفنية لأدب الأطفال. ولاشك أن هذه الاعتبارات متنوعة وتوغل في
اكتناه التفاصيل إلى حد بعيد. أن تمحيصاً للغة القصة أو القصة الموجهة
للطفل العربي يكشف عن إهمال هذا الأدب للاعتبارات التربوية في مراعاة
القاموس اللغوي للطفل أو مراعاة خصائص اللغة العربية في القراءة والكتابة
على سبيل المثال، وهذه ليست مشكلة فنية فحسب، بل هي تربوية في الأساس.
ونذكر هنا أن الاعتبارات التربوية لا تعني التوجه التعليمي في أدب الأطفال
بل تعني الإحاطة بطبيعة أدب الأطفال في تتابع مراحل العمر وشؤون التلقي.
لقد لاحظ عادل أبو شنب بعض هذه الشؤون تحت عنوان «أدوات الوصول إلى
الأطفال» مبيناً أن الأدوات هي التي تقوم بوظائف الإيصال، وعن طريقها يتم
الاحتكاك بين المرسل والمتلقي من جهة، ومبيناً أنها الجسور التي تعبر
بوساطتها الأفكار والسياقات والحوادث من شاطئ ـ وذكر منها «الخوارق»
و«الأنسنة» و«المؤثرات» على سبيل الاختصار أو الاستهلال أو التنبيه ـ إلى
أقنية جذب الأطفال منذ القديم.
وهنا نلفت النظر إلى أن هذه الأدوات هي عناصر في تقنيات العمل، ولا
تقتصر على جنس أدبي طالع مثل أدب الأطفال وحده، أنها في أسلوبه. بينما يؤكد
فالح فلوح أن تقنيات العمل الفني عند سليمان العيسى هي الموسيقى الشعرية
والصور الفنية والمفردات والتراكيب والأبنية، وعلى ما في هذين البحثين من
تنازع في توليد المصطلح فإن أهمية النقد في جدوى تمحيصه للنتاج الأدبي
بالدرجة الأولى، فقد تحدث عادل أبو شنت ومثله فالح فلوح عن نصوص تحتاج قبل
كل شيء إلى تحديد قدرتها على التواصل مع المتلقي وهو الطفل، وتحتاج إلى كشف
بنيانها باعتبارها موجهة للطفل العربي.
إن أحمد أبو سعد ينقد بقسوة شعر سليمان العيسى ولاسيما في مراعاة
الاعتبارات التي سبقت الإشارة إليها، بينما يرى فالح فلوح أن شعر العيسى
نفسه مثال يحتذى في الكتابة للأطفال، يقول أبو سعد: «مشكلة سليمان العيسى
هي في أنه لا يتحدث في ما ينظمه بلسان الصغار أو ينقل الموضوعات التي تدخل
في نطاق تجاربهم، بل ينقل إليهم همومه وهو تجربته»( ).
إن إشعار العيسى ـ كما يؤكد أبو سعد ـ تفوق المستوى اللغوي للأطفال،
وتحاصر الطفل بالهموم وتضع الوطن على كتفيه ثقلاً وتجهماً فقط، ثم ينتهي
أبو سعد إلى نصيحة من يكتب للأطفال، أن يقرأوا بحث ناديا خوست في «الموقف
الأدبي» وإدوار الزعبي في جريدة «النهار» والمسمى «دخول في قصص الأطفال»:
«فلا غنى لمن شاء أن يكتب للأطفال ويطلّع على عالمهم الداخلي وعالمهم
الخارجي المتصلين اتصالاً وثيقاً عن أن يقرأهما ويفيد من الرؤية الجديدة
للموضوعات التي يريان أنها تجذب انتباه الطفل وتمتلك حواسه وتصور عالمه
الحقيقي»( ).
لا شك، أن المؤتمر الثاني عشر للأدباء والكتاب العرب قد أتاح لنا أن
ندرس بعناية بعض هموم الأطفال، وهي عناية تكتسب أهميتها الخاصة من ذلك
التفاعل الحار والحميم بين حشد كبير من المعنيين بثقافة الطفل العربي( ).
تلكم هي حدود أدب الأطفال في مؤتمرات الأدباء والكتاب العرب، وقد
وجدنا فيها ما يلي:
1- أن ثمة تداخلاً بين مفهوم الأدب للأطفال، والأدب عن الأطفال، وقد
كان المؤتمر الثاني عشر انعطافة مهمة في معالجة موضوع أدب الأطفال والإجابة
عن بعض أسئلته القومية والتربوية والتثقيفية.
2- لا تزال رؤية الكاتب العربي لأدب الأطفال في إطارها العام، ولم
تقترب ـ كما ينبغي ـ من خصائص أدب الأطفال وتحديد نظريته في الإبداع أو
الإنتاج أو إعادة الإنتاج في وسائطه إلى الأطفال.
3- عكست بحوث المؤتمرات ومناقشاتها وتوصياتها جدة أدب الأطفال في
الحياة الثقافية العربية وأبرزت حاجة هذا الأدب القصوى إلى العون والتخطيط
والعمل القومي المشترك باعتباره في صلب العملية التربوية وبناء الإنسان
العربي.
المرحلة الثانية:
ومن المفيد أن ننظر في معالجة مؤتمرات الأدباء العرب التالية لأدب
الأطفال، إذ أصبح هذا الأدب مادة رئيسة، وسأختار لذلك بحوث مؤتمرين خصصا
حيزاً كبيراً لآخر التطورات في التفكير الأدبي العربي لقضية أدب الطفل
العربي، وهما:
ـ المؤتمر الثامن عشر (عمان 12-19 كانون الأول 1992م).
ـ المؤتمر العشرون (دمشق 18-21 كانون الأول 1997م).
خصص المؤتمر الثامن عشر ندوة لأدب الطفل العربي بعنوان «الخيال
العلمي وأثره في تكوين عقلية الطفل العربي»، وقدمت إليه الأبحاث التالية(
):
•أدب الخيال العلمي للطفل: الطيب الفقيه أحمد (تونس).
•الخيال العلمي وأثره في تكوين عقلية الطفل العربي: ماري
جميل فاشه (الأردن)
•أدب الخيال العلمي وأهميته في تكوين شخصية الطفل العربي:
أحمد المصلح (الأردن)
•الخيال العلمي في الأدب والإعلام الموجهين للطفل: د. مبارك
ربيع (المغرب)
•مبررات الاهتمام بأدب الخيال العلمي للأطفال عربياً: د.
طالب عمران (سورية)
•إقبال الطلاب على أدب الخيال العلمي: منيرة قهوجي (الأردن)
•الخيال العلمي في القصة الطفلية العربية: فاروق سلوم
(العراق)
•مجلات الأطفال العربية والعناية بالخيال العلمي: محمود
الرجبي ـ محمد جمال عمرو (الأردن)
•أدب الخيال العلمي في تلفزيون الأطفال العربي: د. عمار زكي
(الأردن)
•الفكر العلمي في القصص المتداولة لدى أطفال مصر: د. فيليب إسكاروس (مصر)
•اتجاهات الأطفال وذويهم نحو برامج ومسلسلات الخيال العلمي:
وفاء نجيب القسوس (الأردن)
•مثيولوجية تكنولوجية:دراسة عن الخيال العلمي بوصفه
مثيولوجية جديدة: صفاء صنكور (العراق)
•أصول قصص الخيال العلمي في التراث العربي: عبد البديع القمحاوي (الأردن)
•الانتفاضة في أدب الأطفال: (روضة الفرخ الهدهد ـ محمود
الرجبي (الأردن)
•أدب الأطفال العلمي الموجه للأطفال المترجم إلى العربية:
(محمود الرجبي ـ روضة الفرخ الهدهد (الأردن)
أما المؤتمر العشرون نوزع أعماله إلى محورين، الأول عن
«المثقف العربي ومقاومة التطبيع»، والثاني عن «أدب الأطفال والتربية
والعولمة والمعلوماتية»، وقدمت فيه الأبحاث التالية( ):
•شعر الأطفال: المعوقات والمستقبل: ميخائيل عيد (سورية)
•شعرية الطفولة في الشعر الجزائري المعاصر: د. شريبط أحمد
شريبط (الجزائر)
•في أدب الطفل: مثيولوجيا وأشكاليات وأسئلة: طراد الكبيسي
(العراق)
•أدب الطفل العربي بين التربية والمعلوماتية والإعلام: عبدو
محمد (سورية)
•الثقافة العلمية وانعكاساتها على أدب الأطفال: محمد قرانيا
(سورية)
•الكتاب الإلكتروني ومستقبل الكتاب المطبوع: مريم خير بك
(سورية)
•أدب الأطفال والتربية: د. عيسى الشماس (سورية)
•العولمة وثقافة الطفل العربي: عبد المطلب محمود (العراق)
•الثقافة العلمية وانعكاساتها في أدب الأطفال: محمود قاسم
(مصر)
•مخاطر العولمة على أدب الطفل العربي: د. مباركة بنت البراء
(موريتانيا)
•الثقافة المعلوماتية وثقافة أطفالها: د. موفق أبو طوق
(سورية)
•الثقافة المعلوماتية وثقافة الطفل: نور الدين الهاشمي
(سورية)
•الألعاب المسرحية ودورها في تربية الطفل: د. انطوان معلوف
(لبنان)
•مخاطر العولمة على الأطفال: نصر الدين البحرة (سورية)
•المعلوماتية: الخيال وأسئلة الهوية: نازك الأعرجي (العراق)
•هشاشة الطفولة ـ رياح العولمة: محمد الغزي (تونس)
•الهوية القومية في أدب الأطفال: د. عبد الله أبو هيف
(سورية)
•دور أدب الأطفال في تأكيد الهوية القومية: د. عمر التومي
الشيباني (ليبيا)
•الهوية القومية في أدب الأطفال: جودت السعد (الأردن)
•شعر الأطفال في موريتانيا: محمد عبد الله ولد عمر
(موريتانيا)
•مستقبل شعر الأطفال: مصطفى عكرمة (سورية)
•مخاطر العولمة على أدب الأطفال: أحمد يوسف داود (سورية)
•الثقافة العلمية في أدب الأطفال: د. طالب عمران (سورية)
•ثقافة الصورة والكتابة للأطفال: د. إبراهيم سند (البحرين)
•ثقافة الطفل في عصر المعلومات والتكنولوجيا: عبد التواب
يوسف (مصر)
•مستقبل ثقافة الطفل بين الكتاب المطبوع والكتاب الإلكتروني:
عبد التواب يوسف (مصر)
•الكتاب الإلكتروني ومستقبل الكتاب المطبوع: لينا كيلاني
(سورية)
•أدب الأطفال بين اللغة الأداة واللغة الخلاقة: د. إلياس زغيب (لبنان)
•الثورة المعلوماتية والطفل العربي: علي أحمد الديري
(البحرين)
•العناية بالموهوبين والمبدعين: د. تيسير صبحي (الأردن)
ومن الواضح أن بحوث المؤتمرين تتقصى موضوعاً محدداً هو راهن أدب
الطفل العربي إزاء تحديات نهاية قرن واستشراف مطالع قرن في جوانبها الأكثر
إلحاحاً، وأعني بها الثقافة العلمية وتكنولوجيا المعلومات والمعلوماتية
وتأثيراتها المباشرة وغير المباشرة على أدب الطفل العربي.
ولعل تأمل هذه الجوانب المتعددة كفيل بإضاءة الشأو المتقدم الذي
بلغه التفكير الأدبي العربي في بحث أدب الأطفال.
1ـ أدب الخيال العلمي:
تكاد تكون عناية المؤتمر الثامن عشر موجهة إلى أدب الخيال العلمي،
فقد عالجت غالبية البحوث أدب الخيال العلمي وما يجاوره من موضوعات مثل
الثقافة العلمية والفكر العلمي، باستثناء بحث واحد، هو «الانتفاضة في أدب
الأطفال».
1ـ1ـ فهم الخيال العلمي وأدبه:
شغل باحثون كثر بفهم الخيال العلمي وتحديد مصطلحه، بل إن ماري جميل
فاشه رأت أن مصطلح الخيال العلمي مغلوط، ومن الأنسب استخدام مصطلح «الخيال
المعرفي»، لأن «تعريف كلمة علم غير محدد في المعاجم، ولا يعبر عنه الناس
بمفهوم واحد، وبالتالي لا يساعد في التعريف على نوع أدبي. أما جذر الكلمة
Scientia
الذي يعني المعرفة، سيكون ملائماً أكثر، عندما يصبح المعنى معرفة جديدة
ومستنتجة، وضعت في قالب روائي، ولها تأثير على المجتمع والفرد»( ).
بينما اعتمد أحمد المصلح على تعريف رؤوف وصفي في كتاب «أدب الخيال
العلمي» (بغداد 1990م):
«أطلق النقاد اصطلاح الخيال العلمي على ذلك الفرع من الأدب الروائي
الذي يعالج بطريقة خيالية استجابة الإنسان لكل تقدم من العلوم التكنولوجية
سواء في المستقبل القريب أو البعيد، كما يجسد تأملات الإنسان في احتمالات
وجود حياة في الأجرام الفضائية الأخرى»( ).
وأورد مبارك ربيع تعريفاً آخر للخيال العلمي على أنه «المادة
القائمة على تشكيل عالم غير واقعي انطلاقاً من نظرية علمية غير واقعية، أي
غير متحققة في الوقت الراهن، وبمعنى آخر إذا كانت المخيلة تشكل ما يضاهي
الواقع فإن المخيلة العلمية تشكله بناء على ما يضاهي نظرية علمية»( ).
ولا يخفى أن ربيع يفلسف حدود الخيال العلمي، ولا يقاربها في ممارسة
الكتابة/الأدب في أجناسه المتعددة، أو في إعادة إنتاج الكتابة/الأدب عبر
وسائطه ووسائل إيصاله الكثيرة، ثم اقترب طالب عمران في تعريفه من هذه
المقاربة بقوله:
«أدب الخيال العلمي إذن هو أدب المستقبل، يحلم باللحظة التي ينتصر
فيها الإنسان على عوامل ضعفه في الكون المحيط به، يحلم بالانتصار على
الشيخوخة والمرض والتعب، ويكشف الأعماق المجهولة في المحيطات، ويلتقي مع
كائنات العوالم الأخرى، ويهبط على الكواكب البعيدة، ويحذر الإنسان من
الانحراف نحو عدم الاكتراث بسلبيات استخدام العلم لمنفعته الذاتية، وما
تخلق تلك السلبيات من دمار لحضارته الحديثة: التلوث بكافة أشكاله والنفايات
والاحتراق الصناعي وطبقة الأوزون المخربة وتكديس السلاح المدمر»( ).
ينطوي التعريف الأخير على اجتهاد خاص نجد تعضيداً له في سعي فاروق
سلوم لتحديد وجهة نظر عربية كما في محاولته التعريفية:
«إن التقدم التكنولوجي، واتساع المجالات التي تتناولها العلوم، ودور
العلوم الإنسانية وخاصة الاجتماعية والنفسية في تعديل وتوجيه نظم الشخصية
العربية.. والنظام الاجتماعي وزيادة الوعي بأهمية النظر إلى المستقبل
بالحساب العلمي والتخطيط، وليس بالتخمين والتخيل والانتظار هي التي تمثل
الشريان الحقيقي للخيال لكي ينجزا معاً مهمة ما، أية مهمة كانت.. ومنها
التأسيس للخيال العلمي كواحد من الأجناس الأدبية، وواحد من أدوات التعبير
لأجيال من القراء، وليس الأطفال فحسب»( ).
غلبت على اجتهادات فهم الخيال العلمي وأدبه ملامسة واضعيها لتجارب
معينة، و تبدو الحيرة المنهجية واضحة في التفات فاروق سلوم عن اجتهاده
التعريفي إلى تنبيه تعريف اسحق اسيموف:
«الخيال العلمي أدب قصصي يدور حول مستقبل العلم والعلماء»( ).
تتلامح في هذه التعريفات جميعها أصداء الخبرة الغربية الناجزة تحت
وطأة الظهور المتأخرة لكتابة الخيال العلمي باللغة العربية على أن ذلك كله
وكد مستمر لانبثاق فهم عربي لأدب الأطفال ولتثمير المخيلة العلمية.
1ـ2ـ انتشاره في الممارسة الأدبية:
يلاحظ أن منطلق البحث في الخيال العلمي وأدبه حسب توجيه الأمانة
العامة للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، كما يشير عنوان الندوة، هو
الوظيفة بالدرجة الأولى، أي أن الشاغل الرئيس للباحثين هو تمحيص أهمية
الخيال العلمي في تكوين عقلية الطفل العربي، فترددت في غالبية البحوث أصداء
مسوغات الاهتمام بأدب الخيال العلمي عربياً عند الطيب الفقيه أحمد وطالب
عمران، والأفكار المتصلة بأهمية أدب الخيال العلمي عند ماري جميل فاشة
وأحمد المصلح ومحمود الرجبي ومحمد جمال عمرو، وبأغراض أدب الخيال العلمي
عند عماد زكي.
وتحديد وظائف الفكر العلمي عند فيليبي اسكاروس، ومخاطر أدب الخيال
العلمي ما لم يُرشد استخدامه عند محمود الرجبي وروضة فرخ الهدهد.
وقد تباينت آراء الباحثين من إطار التنظير التربوي والنفسي عند
الطيب الفقيه أحمد ومبارك ربيع وفيليب اسكاروس إلى معاينة نماذج من كتاب
أدب الخيال العلمي أو إعادة هذه الكتابة في الوسائط الثقافية ووسائل
الإعلام، ولا سيما التلفاز وقنواته الفضائية عند وفاء نجيب القسوس ومنيرة
قهوجي وفاروق سلوم. وأوضح عماد زكي بجلاء وظائف أدب الخيال العلمي إزاء
الطفل العربي، لأن واقع الحال يضاعف أهمية هذه الوظائف، وقد أوجزها فيما
يلي:
أ-إن الوظيفة الأولى لأدب الخيال العلمي هو استثارة العقل
وتحريض طاقاته الكامنة على الإبداع والابتكار وإيجاد الحلول المقترحة
للمشكلات المعلقة التي لم يصل الإنسان بعلمه إلى تصور حاسم لمواجهتها،
وافتراض تصورات جديدة لاستثمار المعلومات والمعارف التي توصلت إليها
البشرية حتى اليوم في إيجاد واكتشاف معلومات وحقائق جديدة عن الكون والحياة
والإنسان.
ب-والمهمة الثانية التي يقوم بها أدب الخيال العلمي هي تهيئة
الإنسان المعاصر لمواجهة المستقبل ومواكبته بدل الاصطدام به، فالإنسان بدأ
يعاني من صعوبة التكيف مع متغيرات العصر العلمي والتكنولوجي التي تتراكم
بسرعة مذهلة، وتفرز معها أنماطاً جديدة من الحياة والسلوك والتفكير، وهذا
ما أطلق عليه المفكر المستقبلي المعروف الفين توفلر اسم «صدمة المستقبل»،
وحذر منه.
جـ-وثمة وظيفة ثالثة يؤديها أدب الخيال العلمي في حياتنا العربية
المثقلة برواسب التخلف والمبتلاة بالأمية الحضارية والتكنولوجية في وقت لم
ننته فيه بعد من مشكلة الأمية الأبجدية، ألا وهي زج الإنسان العربي في عصر
العلم والتكنولوجيا، وتشجيعه على الاقتراب من هذا العصر بوعي واهتمام،
والاستعداد لمواجهة آثاره، والتكيف مع متغيراته واستنهاض همّته لخوض
التجربة الحضارية والإبداع من خلالها كما يبدع الآخرون، وتصبح هذه المهمة
أكثر ضرورة وإلحاحاً عندما نتحدث عن الطفل وأدبه وثقافته.
د-والوظيفة الرابعة التي يجب أن يقوم بها أدب الخيال العلمي هو
المواءمة بين القيم الإنسانية والأخلاقية والروحية، وبين التقدم العلمي
والتكنولوجي وأشكال الحياة المادية الجديدة، فعلى روايات أدب الخيال العلمي
أن تبشر بنموذج إنساني راق يستثمر منجزات العلم من أجل خدمة الإنسان وصيانة
كرامته، وتحقيق العدالة بين سائر البشر، والارتقاء بمستوى الحياة فوق هذا
الكوكب، لا أن تقدم نماذج الشّر التي تستغل( ) منجزات العلم من أجل السيطرة
على الضعفاء واستمرار الكون وإعادة الأرض إلى قيم العصر البدائي الأول.
وشغل مبارك ربيع بتحليل هذه الوظائف وأسس فاعليتها لدى الأطفال في
تلقيه لأدب الخيال العلمي فيما سماه مبادئ الفاعلية النفسية:
أ-الطابع الإحيائي، فتتميز الفاعلية النفسية للطفل بخاصة،
والإنسان بعامة، بممارسته الإحيائية، وهي إضفاء الحياة على ما ليس بحي،
وتمتد إلى إسقاط الرغبات والميول على الغير والآخر من حي وجامد، ومن شأن
الخيال العلمي المدروس، أن يساعد في الاستجابة لهذه الرغبة.
ب-مستوى مستوى الطموح، إذ يتميز الطفل بنزوعه إلى أن يتطور
ويتقدم، وأن يكون له دور مثل غيره من الراشدين في المجتمع. وعند هذا النزوع
إلى التميز، إلى أن تجعل الطفل يطمح إلى أن يكون مبرزاً في العلم أو
الرياضة أو التجارة أو غير ذلك..
ومن شأن الخيال العلمي أن يخاطب في الطفل هذا التوجه
الطبيعي، ويساهم في نموه، وهذا له انعكاس على مستقبل الطفل والأجيال
الناشئة.
جـ-قابلية الطفل للتجدد والاكتشاف، وهذه ظاهرة في الإنسان بصفة
عامة لدرجة أن الحاجة إلى التجدد، وهي متفاوتة في الأفراد والجماعات، تعتبر
الحافز إلى كل الاكتشافات والاختراعات، وهذه القابلية في الطفل في جميع م
راحل حياته، إلا أنها يمكن أن تقمع مباشرة أو بطريق غير مباشرة، وهو ما يجب
تلافيه، ومن شأن الخيال العلمي أن يساهم في تنمية هذه القابلية( ).
إن البحث في وظائف أدب الخيال العلمي وقابليات تليه لدى الأطفالقاد
الباحثين إلى النظر في تاريخه وتطوره عند ماري جميل فاشة وطالب عمران
ومحمود الرجبي ومحمد جمال عمرو، وإلى النظر في تقويم الإنتاج العربي في هذا
المجال ونقده عند الطيب أحمد الفقيه وطالب عمران وفاروق سلوم ومحمود الرجبي
ومحمد جمال عمر، وقد خصص الأخيران بحثهما إلى مجلات الأطفال العربية
والعناية بالخيال العلمي، وعند عماد زكي ووفاء نجيب القسوس اللذين عنيا
بواقع الخيال العلمي في تلفزيون الأطفال العربي، وعند فيليب اسكاروس وفقد
قصر دراسته على الفكر العلمي في القصص المتداولة لدى أطفال مصر.
وتشير أسئلة فاروق سلوم إلى مدى تطور أدب الخيال العلمي المكتوب
للطفل العربي:
«إن هذا البحث يطرح السؤال ذاته: هل لدينا خيال علمي للطفل العربي،
أم أننا ما نزال نقدم الثقافة العلمية في كتابة علمية فحسب؟ إنني أظن أننا
نحاول الاقتراب من إنجاز تجربة كتابة الخيال العلمي للأطفال العرب»( ).
1ـ3ـ تأصيل أدب الخيال العلمي:
ثمة إلحاح على تأصيل أدب الخيال العلمي للطفل في غالبية البحوث،
ونلمس ذلك في اتجاهات ثلاثة أولها في التراث، وثانيها في الإبداع الراهن،
وثالثها في بحثه واتساع عمليات الوعي به. وقد جعل عبد البديع القمحاوي بحثه
كله لأصول قصص الخيال العلمي في التراث العربي، مثل ألف ليلة وليلة وحي بن
يقظان وسيرة سيف بن ذي يزن. ولا شك أنه غفل عن نماذج أخرى كثيرة في بعض
الرسائل والحكايات وأدب الغرائب والعجائب (الفنطازي)، مما هو معروف في
الأدب الجغرافي وعلوم الأحياء كالحيوان وسواه، ناهيك عن أدب «المنامات»
و«التكاذيب» من جهة، و«البركة» عند المتصوفة وأمثالهم من جهة أخرى.
ووردت إشارات لمثل هذه الأصول عند باحثين آخرين مثل ماري جميل فاشة،
بينما أورد طالب عمران تعليلاً لتحول الخرافة إلى خيال علمي.
وعمد بعض الباحثين إلى تأصيل أدب الخيال العلمي في الإبداع الراهن
مثل فاروق سلوم الذي رأى إمكانية إنتاج أدب خيال علمي للطفل العربي بتثمير
موروثنا من الخيال، على أن صفاء صنكور مضى إلى أبعد من حدود التثمير
باهتدائه إلى فهم أدب الخيال العلمي للأطفال بوصفه «أسطرة» جديدة، مستوعباً
بعض أشكال أدب الخيال العلمي مثل «اليوتوبيان» مما غفل عنه غالبية الباحثين
الآخرين، وانتقد المحاولات العربية في كتابه أدب الخيال العلمي، ولا سيما
توفيق الحكيم ويوسف عز الدين، وهما يعدان رائدي أدب الخيال العلمي في الوطن
العربي:
«فإن معالجات الاثنين معاً تنطلق من التعامل مع العلم، بطريقة
خيالية، كأسلوب لتقديم مضامين فكرية وأخلاقية في الغالب، وتأملات وجودية
حول الإنسان وعلاقة العلم بالوجدان إذا جاز التعبير، فالعلم هنا ليس مقدمات
علمية منطقية واضحة، بل مجرد فضاء خيالي لتقديم مثل هذه التأملات»( ).
وثمة باحثون عنوا بتأصيل أدب الخيال العلمي في بحثه واتساع عمليات
الوعي به مثل طالب عمران والطيب الفقيه أحمد وفاروق سلوم وعماد زكي وفيليب
اسكاروس ومحمود الرجبي وروضة فرخ الهدهد، فهم جميعاً، بدرجات متفاوتة،
يمحصون واقع هذا الأدب في الثقافة العربية، ويعبرون عن تنامي الوعي به،
وهذا واضح في تقصيهم لواقعه في بعض الأقطار العربية، وفي بعض أجناسه مثل
القصص (فيليب اسكاروس)، والروايات (فاروق سلوم)، وفي بعض وسائطه الثقافية
مثل الصحافة (الطيب الفقيه أحمد ومحمود الرجبي ومحمد جمال عمرو)،
والتلفزيون (عماد زكي ووفاء نجيب القسوس).
وأدب الأطفال المؤلف (طالب عمران) وأدب الأطفال المترجم (محمود
الرجبي وروضة فرخ الهدهد).
2ـ الثقافة العلمية والثقافة المعلوماتية:
أجمع الباحثون على أهمية الثقافة العلمية للطفل العربي، وكانت
آراؤهم متباينة إزاء تشخيص وضعيتها واتصالها بالثقافة المعلوماتية،
والتعامل معها.
2ـ1ـ وضعية الثقافة العلمية:
أعاد طالب عمران بعض حديثه عن أدب الخيال العلمي في المؤتمر الثامن
عشر لدى عرضه لتجربته في كتابة الخيال العلمي للأطفال، مؤيداً القول بأن
الثقافة العلمية تتوطد في ثقافة الطفل العربي، وشرح مؤلفاته بإيجاز، وبين
ضرورة معرفة كاتب أدب الأطفال بالعلم والتقانة وتدريبه على الكتابة العلمية
للأطفال، وختم شهادته عن تجربته بالخاتمة إياها لبحثه في المؤتمر الثامن
عشر، حول أهمية الخيال العلمي للأطفال من خلال قول اسحق عظيموف:
«يقول: ومن بين (100) قارئ للخيال العلمي، (50) على الأقل يهتمون
بالعلم ويتابعون، ومن بين هؤلاء الـ (50) نجد (25) طفلاً يتابعون تخصصهم
العلمي، (10) من بينهم يتابعون التخصص العالي، ومن بين هؤلاء العشرة ينبغ
عالم واحد على الأقل. إذاً من بين كل 100 طفل قارئ للخيال العلمي، سيأتي
إلى أمريكا عالم واحد على الأقل، وهذه نسبة كبيرة»( ).
ثم ربط غالبية الباحثين الثقافة العلمية بتطورها في الثقافة
المعلوماتية، فوجد محمود قاسم أن الثقافة العلمية تتوزع إلى الأشكال
التالية:
•تبسيط العلوم.
•الموسوعات العلمية.
•قصص الخيال العلمي.
•ثقافة أسطوانات الكومبيوتر.
ورأى قاسم أن «ثقافة الكومبيوتر العلمية» تطور لابدّ منه في مسار
الثقافة العلمية، وينبغي مواكبتها:
«وعلى كل، فانتشار أشكال مختلفة من الوسائل التجارية، وتقادمها
السريع يعكس أن العالم لن يصل إلى وسيلة واحدة يمكن الوقوف عندها، بل سيصير
كل شيء إلى صيرورة، قد تجعل اليقين شيئاً وهمياً، لأن ما سيأتي سوف يجعل ما
اكتشفناه لتونا شيئاً قديماً متهالكاً أو جزءاً من تاريخ العلوم البشرية»(
).
لقد عولجت الثقافة المعلوماتية عند عبدو محمد ومحمد قرانيا ومريم
خير بك وموفق أبو طوق ونور الدين الهاشمي ونازك الأعرجي وإبراهيم سند وعبد
التواب يوسف ولينا كيلاني وعلي أحمد الديري، ورأوا جميعاً أنها تطور لا
سبيل إلى تجاهله، وقد سمى عبدو محمد عصرنا «بعصر المعلوماتية التي أصبحت
أساساً لابدّ منه لكل بناء وكل عمل، وليكن معلوماً، وهو معلوم، أن أمواج
المعلوماتية عالية هدارة والويل لمن لا يجيد قيادة سفينة بينها وفوقها، أو
كانت سفنه ضعيفة واهية»( ).
وبيّن محمد قرانيا شيئاً من الشائع والمتواتر اليوم، عن أهمية
المعلومات، والشعر والكومبيوتر، والرواية والمعلوماتية، وأدباء الانترنيت،
والنقد والانترنيت، والانترنيت وأدب الأطفال، وحوى بحثه نظرات ثاقبة في
وضعية أدب الأطفال إزاء المعلوماتية:
«إن أدب الأطفال من المنظور التقني يضع أيدينا على مبلغ التطور الذي
أصاب هذا الفرع من المعرفة الإنسانية، وما يمكن أن تقدم التقنية للأطفال من
أنماط الثقافات وألوان الإبداع، على الرغم مما تنطوي عليه من مخاطر،
وسلبيات لن تلغيها الأرضية المعرفية والثقافية للطفل، ولن تجدي معها
المراقبة المنزلية والمدرسية، نظراً لضخامة القنوات التي تطرح السموم
الصريحة والمغلّفة، التي تبثها الفضائيات، وشبكة الانترنيت، الأمر الذي
يستدعي معالجة عامة تشارك فيها جميع الجهات الرسمية والخاصة»( ).
والتفت موفق أبو طوق إلى البرمجيات وضرورة إنتاج برمجيات عربية،
ودعا من أجل «أن نتعاون جميعاً مربين وأدباء وتقنيين ولغويين في مجال
الكومبيوتر، علينا أن نضع هذا الجهاز في مكانه الصحيح، ونوجه أطفالنا
الوجهة السليمة التي تقطف إيجابياته وتنبذ سلبياته، علينا أن نقضي قضاء
مبرماً على الدس التاريخي والتراثي الذي قد يتسرب عن طريق البرامج المشوهة،
وعلينا أن نقف في وجه برامج تروّج العنف والجنس ولكل ما يؤثر في شخصية
طفلنا العربي»( ).
وأوضحت لينا كيلاني جدوى الكتاب الإلكتروني للطفل وفعاليته الثقافية
والمعرفية، لأنه يقوم على الكلمة أيضاً، «فالقيمة العالية للكتاب تأتي من
أن الكلمة التي تحتوي بذرة الفكرة هي سيدة الموقف، وأن الكتاب هو العالم
الذي يتحكم فيه الطفل بخياله وبتواصله الانفرادي معه»( ).
وأثار علي أحمد الديري أسئلة المعلوماتية في تأثيرها على خيال الطفل
وتوظيفها في ثقافة الطفل العربي: «ليكون سؤالنا كيف نقدم للطفل العربي
ثقافة تستثير إبداعه وتدفعه لتجاوز إنجازات الآلة؟. كيف سنوظف الآلة لتحقيق
ذلك؟ لا كيف سنوظف الآلة لاستنساخ عقل الطفل العربي طبقاً لعقلنا؟ التحول
إلى المعلوماتية سيتجلى في جوانب كثيرة من جوانب الثقافة العربية كالشعر
والقصة والرواية والمسرح، علينا أن نعيد النظر في هذه الجوانب، وهي تغادرنا
محلقة في فضاء المعلوماتية»( ).
2ـ2ـ أسئلة التربية الجمالية:
أفاض الباحثون في إبداء مخاوفهم من تراجع التربية القيمية، ولا سيما
الجمالية في ظل تفجر المعلوماتية، وقد لاحظ طراد الكبيسي أننا نستهلك ثقافة
الطفل دون أن نسهم فعلياً بإنتاجها، مما يهدد الخصوصية الثقافية:
«ذاك أننا مهددون، ليس فقط من خلال توقع أن نصبح كائنات استهلاكية
فقط، قادرة على استهلاك أي شيء من أية بقعة من العالم، ومن أية ثقافة، بل
ومهددون أيضاً، أن نفقد كل أصالتنا»( ).
وأعاد عيسى الشماس التوكيد على أهمية البعد التربوي لأدب الأطفال،
«لأن أدب الأطفال يشكل إحدى الوسائل التربوية الممتازة، غير النظامية، حيث
كان وما يزال الوعاء الثقافي الأفضل لتقديم القيم والمواقف التربوية
المختلفة بأسلوب ممتع يتناسب مع مستويات الأطفال العصرية»( ). ووضع تيسير
صبحي وإلياس زغيب وانطون معلوف وشريبط أحمد شريبط أبحاثهم في إطار التوجهات
التربوية نفسها دون العناية بتأثيرات المعلوماتية على البعد التربوي.
2ـ3ـ شعر الأطفال ومكانته:
ودافع الباحثون عن شعر الأطفال إزاء مخاطر المعلوماتية التي تهدد
خيال الطفل العربي وذائقته الجمالية وتواصله مع الشعر وكان ميخائيل عيد في
طليعة هؤلاء المدافعين، «فالجمال، ومنه جمال الشعر، مدعو إلى إزالة تعضنات
وجه إنساننا المعاصر وإغناء الروحية وتأهيله لمجابهة الصعاب والتغلب عليها،
فالإنسان المرهف والجميل أقدر على مواجهة الفظاظة والقبح، وهما السلاحان
الأخطر بأيدي القوى الأخرى.. وستبقى مسألة تربية الأطفال جمالياً، مسألة
كبرى من بين مسائل التطور البشري، فهل سيتخلى الشعراء عن دورهم؟ نأمل أن
يكون جواب الشعراء عندنا وفي العالم إبداعاً عبقرياً مستقبلياً يليق بماضي
الإنسانية، ويحمل تطلعات الشعوب إلى العصور القادمة.. حضارتنا تحفزنا
والآتي يدعونا.. فلنتقدم»( ).
وتتجاوب هذه الأمنيات مع دعوة محمد عبد الله ولد عمر في أهمية تحسس
شعراء الأطفال العرب، وفي موريتانيا بخاصة للرؤية الصحيحة لمفهوم شعر
الأطفال، في انطلاقته «من مشاعر وأحاسيس وأفكار تهم الأطفال دون غيرهم»( ).
بينما توقف مصطفى عكرمة عند التأثير الضار للمواقع الإعلامية «وقدرة
وسائل الإعلام على الاستهلاك وتساهلها مع قبول ما هي بحاجة إلى استهلاكه لم
يكن في صالح شعر الأطفال»( ).
ثم ختم بحثه بأهمية التوحيد الثقافي العربي، وفي مقدمته العناية
باللغة العربية سبيلاً للحفاظ على مكانة الشعر بالدرجة الأولى، ومواجهة
الغزو الثقافي والفكري للناشئة.
2ـ4ـ أسئلة الهوية القومية:
عني الباحثون بأسئلة الهوية القومية في أدب الطفل العربي، كما في
أبحاث عبد الله أبو هيف وعمر التومي الشيباني وجودت السعد. وخصص الشيباني
بحثه لدور أدب الأطفال في تأكيد وتنمية الهوية القومية في نفوس الأطفال
العرب، ووضع لذلك توصيات عديدة، ومن أبرزها «أن تحدد المعارف والمفاهيم
والاتجاهات والقيم والالتزامات التي تدخل مفهوم الهوية القومية العربية،
والتي يبرهن وجودها لدى الفرد وتحليه بها على وعيه القومي وتشبعه بالهوية
القومية العربية»( ).
ورهن جودت السعد النمط التربوي السائد بنتائجه في التخريب التربوي،
فهذا «النمط من التربية التي تواجهنا كل يوم في معظم المدارس خاصة تلك التي
تسمي نفسها مدارس خاصة حيث رقابة الدولة متراخية سيخلق أجيالاً يحقد البعض
منها على البعض الآخر، وبالتالي سيصبح المجتمع العربي مزقاً طائفياً
بغيضاً»( ).
كان بحث السعد مشبعاً بالأسى القومي لما آل إليه الواقع العربي،
بانهيار رموزه النضالية والمعاناة الشديدة للفكرة العربية النظرية
والممارسة.
2ـ5ـ مخاطر العولمة:
وجد غالبية الباحثين في العولمة خطراً داهماً على ثقافة الطفل
العربي، فقد وضع محمد الغزي لبحثه عنواناً دالاً هو «هشاشة الطفولة ـ رياح
العولمة»، مما يستدعي الإقرار «بأنث قافة الصورة لا يمكن أن نواجهها إلا
بثقافة مماثلة»( ).
ومدّت نازك الأعرجي مجال مواجهة العولمة في ثقافة الأطفال إلى هوية
المجتمع المهددة بالاستلاب أمام الغرب من جهة، أو التعصب للذات والبحث عن
عوامل قوة بديلة لقوة العلم والخيال الذي ينتجه الآخر، ويهيمن بواسطته على
عالمه من جهة أخرى. ورأت أن مواجهة العولمة تكون بتوفير المعادل الموضوعي
لطغيان وهيمنة صورة الآخر في وسائل الترفيه المرئية لدى الطفل العربي، ولا
يمكن أن يتم ذلك «بمعزل عن تطور المجتمع ككل، بعلاقته الاجتماعية ومعاييره
الأخلاقية ونظرته إلى قيمة الفرد المبدع، بل قيمة الإنسان المجردة في
الأساس»( ).
لقد فصل بعض الباحثين مثل نصر الدين البحرة في نتائج العولمة العامة
تمهيداً لمعالجة تأثيرها على الأطفال:
«أما النتيجة النهائية ـ لسيادة نظام العولمة، فإنها تعني تحطيم
الأطفال تماماً واستباحة عوالمهم الداخلية، من أجل غزوهم ثقافياً وسياسياً
وتشكيل عواطفهم الإنسانية والسياسية، وأفكارهم حول الذات والوطن والأمة
والقومية والعالم والمستقبل على النحو الذي يريده نظام العولمة»( )
وذكرت مباركة بنت البراء اقتراحات لمواجهة العولمة على ثقافة الطفل
العربي، وأبرزها الاهتمام الجاد بأدب الطفل العربي عموماً بوسائطه
المختلفة، والإنتاج البرامجي العربي المشترك والاستثمار في هذا المجال عن
طريق القطاع، لأن الدولة في أغلب الأقطار العربية غير قادرة على تحمل
الإنتاج أو صناعة ثقافة الطفل.
واعترف أحمد يوسف داود بأننا غير قادرين ثباتاً على ضرب ستار حديدي
يعزلنا عن التطورات التكنولوجية في العالم. وحدد سؤال المواجهة:
«فما هو الحل لمقاومة محو هويتنا مستقبلاً بواسطة هذه التكنولوجيا
الحديثة؟!».
وألمح داود إلى دروب المواجهة في نظام عربي جديد يحمي العرب
ومستقبلهم، ومن ضمن ذلك مصالحهم الاقتصادية والمالية وسواها، التي هي
«امتيازات أبنائهم في نهاية المطاف»( ).
3ـ خاتمة:
ونختتم بحثنا بملاحظات عامة حول التفكير الأدبي العربي بأدب الأطفال
في التسعينيات كما عكسته مؤتمرات الأدباء العرب الأخيرة:
1ـجاوز الأمر الإطار لنظرية أدب الأطفال وتطبيقاته المختلفة،
إلى فهم مشكلات أدب الأطفال الكثيرة، في التربية وفي إنتاج أدب الأطفال عبر
فنونه المتعددة، وفي إعادة إنتاجه عبر وسائطه الكثيرة والمتزايدة مع تطور التقانات والاتصالات.
2ـالتصدي للتحديات التي تواجه أدب الأطفال بتأثير التفجر
المعرفي والمعلوماتي الهائل، حتى أضيفت للثقافة بعامة طوابع جديدة لم تكن
معروفة من قبل، كما هو الحال مع إدغام تكنولوجيا المعلومات بأدب الأطفال.
3ـاتساع دائرة باحثي أدب الطفل العربي، ومن مختلف الأقطار
العربية، وتشير أبحاث المؤتمرين الأخيرين إلى دخول باحثين جدد، وبعضهم لم
يسبق الاشتغال بأدب الأطفال من موريتانيا والبحرين وتونس والعراق والأردن
والمغرب وليبيا والجزائر وسورية.
لقد نما الوعي بأدب الطفل العربي وبعمليات شغله وإبداعه خلال
العقدين الأخيرين، بما لم يتحصص له التفكير الأدبي العربي المعاصر خلال
قرنين من الزمن.
   
الفصل الرابع: استحداث التراث في أدب الأطفال
يتصدى هذا البحث لإيضاح مفاهيم استخدام التراث في أدب الأطفال في
قسمين، الأول مقدمة نظرية، والثاني تطبيق لها في أدب سليمان العيسى الذي
يعد أبرز أدباء الأطفال في الوطن العربي.
أولاًـ مفاهيم استخدام التراث في أدب الأطفال:
نقصد باستخدام التراث في أدب الأطفال، أن يعود الكاتب إلى التراث
بأشكاله المتعددة ليصوغ منه أو ليستمد منه، أدباً للأطفال، أي أن يصبح
التراث مصدراً لأدب الأطفال، على أن التراث مختلف، وأساليب استخدامه عديدة،
وتكاد تشكل هذه الأساليب غالبية نماذج أدب الأطفال، فالتراث ينبوع ثر للفكر
والفن مما يعين على التواصل الحي بين ماض ومستقبل، و يتيح للكاتب مقدرة
بينة على رؤية أفضل للوجود، وعلى وعي أعمق للوضع البشري، لتكون الحبال
موصولة بين الأولين والآخرين، ولتبقى القيم حارساً لبناء الإنسان. وهكذا،
يصبح التراث أغنى مصدر لأدب الأطفال.
1ـ أشكال التراث:
لقد عولج التراث باستفاضة لدى كثيرين من الباحثين والنقاد والأدباء
وقوفاً على أنواعه وتفريعاتها، ولعل أنسب تصنيف لها ما ذكره ناقد عربي
معاصر في دراسته عن «الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر»، إذ وزع
التراث إلى الأنواع التالية:
التراث الديني: حيث يستمد منه الآباء نماذج وموضوعات وصوراً أدبية،
لشخصيات الأنبياء والشخصيات المقدسة والشخصيات المنبوذة.
التراث الصوفي: كما يتبدى في الشخصيات والأصوات تعريفاً لها، أو
تعبيراً عن تجربة، أو إشارة لوظيفة.
التراث التاريخي: بما يحتويه من أحداث وشخصيات تدل دلالات باقية على
وجودها التاريخي، وقابلة للتأويل أو التفسير مثل أبطال الثورات والدعوات
النبيلة والشهداء، وشخصيات الحكام والأمراء والقواد الظالمين والخلفاء
والأمراء والقواد الذين يمثلون الوجه المضيء «سواء بما حققوه من انتصارات
وفتوحات، أو بما أرسوه من دعائم العدل والديمقراطية «وغير ذلك من شخصيات
عامة».
التراث الأدبي: وهو مجموع الشخصيات الأدبية أو المبتدعة ممن كانوا
رمزاً لقضية كبرى، سياسية أو اجتماعية أو حضارية أو فنية أو فكرية.. الخ.
التراث الشعبي: بمصادره المختلفة، أيضاً كألف ليلة وليلة، والسير
الشعبية، والحكايات والنوادر و«كليلة ودمنة» وسواها من قصص حيوان مماثلة.
التراث الأسطوري: باعتباره وعاء للتجربة البشرية الأولى على نحو
فكري خصيب، وثمة أساطير كثيرة كانت أساساً لأعمال أدبية كبرى( ).
2ـ استخدام التراث:
إن البحث في أشكال التراث يستدعي النظر في موضوعة استخدامه من
منطلقين، الأول منطلق القصد الفكري والفني والتربوي، والثاني منطلق الطرائق
والأساليب التي لجأ إليها الكاتب لتحقيق ذلك القصد، فهناك أسباب دعت هؤلاء
الكتاب لاستخدام التراث مصدراً لأدبهم، وهناك أسباب جعلتهم يصوغون هذا
الاهتمام على نحو أو آخر.
وهذا يعين مناقشة مواقف الكتاب من التراث، فهي أساس نظرتهم إليه،
وأساس تعاملهم معه، ونستطيع أن نتلمس هذه المواقف في ما يلي:
أسباب فكرية: يوفر التراث أرضية جاهزة في المخاطبة، ولاسيما الناشئة
مما يسهل عملية الاتصال على أرض صلبة، لأن التراث، في نهاية الأمر، هو
عناصر الثقافة التي تتناقل من جيل إلى آخر، إن التراث هو الأبقى كتراث
شفاهي متكرر في الحياة اليومية، وفي روع الناشئة، وكتراث شعبي لا يزال يشكل
حيزاً كبيراً من الذاكرة الجماعية، وكرواية شعبية باعتبارها تجليات صافية
لحصيلة المضامين أو الصنعات المختلفة للسلوك وأساليب الحياة على وجه
العموم، فالتراث، بهذا المعنى، يحتفظ بوحدة ثقافية مستمرة تعين على
المخاطبة الناجحة( ).
أسباب فنية: لأن التراث يحمل قابليات الاتصال بجماهيره، بفعالية لا
يوفرها الأدب المستند إلى قوة التخييل وسعة الكلمات ومضاء المعنى وحده.
في التراث إطار قريب من الذات، وصياغات موصوفة في التعبير، توفر
للرؤيا عناصر أليفة مع الوعي بعد ذلك.
أسباب تربوية: فالتراث أقدر على المخاطبة من مصادر مبتدعة تحتاج إلى
هامش مضاعف من التربية أو التثقيف لكي يكون بمقدور المتلقي، ولاسيما الطفل،
أن يتفاعل معها، إن الثقافة الوطنية أو الشعبية تيسر سبل الاتصال بالتراث،
وتمكن الجمهور من اعتماله المؤثر بالخطاب الموجه إليه، وهي مزية جاهزة
يفتقر إليها الأدب المبتدع بعيداً عن التراث.
وتكمن في هذه الأسباب تفاصيل اتجاهات الموقف من التراث مما يتعلق
بوجهة الاستخدام، حيث تعكس هذه الوجهة القضية برمتها: كيف نقدم التراث
للأطفال؟ وأي أسلوب أقدر على مخاطبة الأطفال؟ وأي منظور تربوي أكثر سلامة
في بلورة قيم التراث؟ وأي توجه فكري في هذا الاستخدام أو ذاك؟ إن هذه
الأسئلة تتعلق بمفاهيم استخدام التراث، ولا سيما في أدب الأطفال، وأن
الاهتمام بالأسئلة يصب في صميم قضية التراث من مختلف الجوانب، حضارياً
وفكرياً وسياسياً واجتماعياً، وتزداد خطورة قضية التراث كلما أوغلنا في
سنوات اليفاعة أو الطفولة، مادام التراث هو الأكثر حميمية وتأثيراً بالبنية
الجماعية للفرد، ومادامت المورثات هي الأبقى في تكوين الفرد ووجدانه.
يصبح استخدام التراث بمثابة البوصلة الأولى في تحديد الموقف
الإنساني من جهة وبمثابة الحصيلة التي تتفاعل، سلباً وإيجاباً، وبصورة
مستمرة، مع مكونات الفرد وينبغي أن يتبدى في مفاهيم استخدام التراث حدود
الموقف الإنساني ومدى إسهامه في التكوين الفردي ليس مفهوم الاستخدام شكلياً
وفنياً فحسب، بل هو البوصلة الأولى وهو الحصيلة المتراكمة التي تغني قضية
التعامل مع التراث، وسنلمس ملامح هذه المفاهيم أثناء تحليل نماذج التراث في
أدب الأطفال، ولكننا نكتفي هنا باستعراضها والتدليل عليها.
ولكننا سنشير هنا إلى موقفين بارزين في التعامل، أولهما الموقف
النقدي، وثانيهما الموقف التراثي، وثمة تدرجات بين الموقفين.
لقد كان الدكتور طيب تيزيني أبرز المفكرين العرب الذين تناولوا قضية
التراث العربي من منظور نقدي جدلي معاصر، وبرؤية شاملة لموقع التراث في
حياتنا وتفكيرنا، ولمعاني استمراره أو جموده، فتحدث مستفيضاً عن نزعة سلفية
وأخرى معاصرة، وثالثة تحييدية ورابعة تلفيقية، ورأى فيها جميعاً مواقع
فكرية لا تراثية، ثم دعا إلى تجديد التراث ضمن ثورة تراثية( )، بينما لخص
غالي شكري التيارات المتصارعة في الفكر العربي حول قضية التراث على النحو
التالي:
أولاً: التيارات الإسلامية، وهي تيار أول يرى في التراث الإسلامي
منطلقاً إليها منزهاً عن الفكر الإنساني، وبالتالي فهو يرى في القرآن لا في
التاريخ الإسلامي، الفكرة الأولى مجردة عن أية ملابسات اقتصادية واجتماعية
وسياسية، لا علاقة لها بفكر المسلمين أنفسهم فضلاً عن فكر غيرهم، سواء في
الماضي أو في الحاضر.
وتيار ثان، يرى التراث الإسلامي أكثر شمولاً من القرآن، فيضم إليه
الفكر الإسلامي على مدى التاريخ، وبالتالي، يضع النص الإلهي جنباً إلى جنب
مع الجهود البشرية التي رافقته منذ نضال الرسول الكريم (ص) حتى الآن.
ثانياً: التيارات الليبرالية، وهي تيار أول (إنساني) ينظر إلى
التراث على أنه التاريخ المادي والمعنوي للبشرية جمعاء دون اعتبار للجنس أو
اللغة أو الدين أو اللون، وأن الحضارة الغربية في الوقت الراهن هي (حضارة
الإنسان) كما كانت الحضارة الفرعونية أو اليونانية أو السومرية أو
الإسلامية في يوم من الأيام. وهي تيار ثان (عربي) يرى في التاريخ العربي
متضمناً الإسلام، تراثنا المنفتح على الفكر العالمي قديمه وحديثه، ويركز
هذا التيار غالباً على الحلول الوسط، متبنياً الاتجاهات الليبرالية، في
التفكير الغربي باحثاً عن نظائرها في الفكر العربي والإسلامي.
ثالثاً: التيارات اليسارية، وهي يسارية من حيث تبنيها منظوراً
طبقياً في رؤية التراث والعصر، وهي تيار أول يدرس التراث في سياقه التاريخي
على ضوء المنهج الاجتماعي في التحليل.
وهي تيار ثان، كان اهتمامه، ولا يزال بالتراث الديني مباشرة دون لف
أو التواء، ولم يكن التراث الإسلامي (مصدر اهتمامه بقدر ما كانت العقيدة
الدينية) نفسها هي جوهر حواره مع التيارات الإسلامية( ). وإذا كنا تعرضنا،
إشارة، إلى أهم المواقف والتيارات في قضية التراث العربي، فلأنها أساس
المعالجة الفكرية والفنية للكتاب والأدباء، وفي أدب الأطفال ترتهن أساليب
استخدام التراث برؤيته لأرض الصراع الفكري بين المعاصرة والتراث، فليس
التراث زينة أو ترفاً، أو مجرد وفاء للماضي، إنه في وعي الذات، وفي تطلع
الوجود المشروع لبناء الحياة الجديدة، وسنلاحظ، من خلال معالجتنا لأساليب
استخدام التراث، تلك التدرجات بين الموقف الثوري، والموقف التراثي كما تجلت
وتتجلى في أدب الأطفال.
3ـ مفاهيم استخدام التراث:
تتداخل مفاهيم استخدام التراث في أدب الأطفال تداخلاً ملحوظاً يكشف
عن فقر المصطلح النقدي من جهة، وركون الكتاب إلى التعميم في التعامل مع
قضية التراث من جهة أخرى، ولابد من تمحيص هذه المصطلحات الكثيرة قبل بحث
أساليب استخدام التراث في أدب الأطفال.
3ـ1ـ الاستلهام:
غالباً ما يطلق الكتاب على استخدام التراث مصطلح الاستلهام دون
الدخول في التفريع أو التصنيف أو التفصيل، فالكاتب يستلهم التراث في
كتابته، ولكن تدقيق المصطلح يقودنا إلى أهمية استجلاء المفاهيم الأخرى التي
تغدو ظلالاً له، أو مفردات لتركيبه، أو تلك المفاهيم الأخرى التي تجانبه
لتكون مصطلحات متميزة والحق أننا نميز بين الاستلهام وسواه من المصطلحات،
لأن الاستلهام يشير إلى جهد الكاتب المبذول في إبداع عمل أدبي جديد يستند
في شكله أو محتواه، أو في الاثنين معاً إلى التراث، وهذا يختلف عن الإعداد،
أو التحويل، أو التقديم على سبيل المثال، إذ يعني العمل فيها إبداعاً
جديداً ، أن الاستلهام يفيد الاستعادة، بينما لا يتعدى الإعداد أو التحويل
أو التقديم حدود الإعادة على سبيل الشرح أو التعريف.
أ- ويوسع بعضهم مجال الاستلهام إلى الإحاطة بكل أشكال الاستخدام كأن
يجيء العمل تفسيراً جديداً للتراث مستمداً من روح العصر الجديد الذي يحياه
الفنان، أو أن يتخذ العمل الفني من التراث ديكوراً لأحداث معاصرة، وقاصداً
بذلك إلى المقابلة بين القديم والجديد، أو أن يقوم العمل الفني بتطويع
الشكل الذاتي لمضمون جديد كالسامر الشعبي والموال وخيال الظل، أو أن يستعير
العمل الفني من التراث مضموناً بغض النظر عن الموضوع الذي جسد هذا المضمون
وبغض النظر عن الشكل الذي صيغ فيه، أو أن يقوم العمل الفني بدور وسيلة
الإيضاح التربوية المعروفة، فيقدم المادة التراثية كما هي في ثوب عصري
كالمسرح والرواية ويبقى جوهرها ثابتاً دون حذف أو إضافة أو تعديل إلا
بمقدار ما يتطلبه (الإعداد) الحديث، أو أن يقدم العمل الفني التراث كأوعية
زجاجية صماء جامدة حفاظاً على الأسماء والملابس والأحداث دون أن يفترض ذلك
علاقة عضوية أو جدلية مع هذه الأوعية( ).
ولكننا لا نكتفي بأن يجمع مصطلح الاستلهام بين مفاهيم استخدام
التراث جميعها فثمة أساليب وطرائق وفروق لا تزال قيد التوضيح والمناقشة.
3ـ2ـ الإعداد أو الاقتباس:
نقصد بالإعداد أو الاقتباس، إعادة سبك عمل فني لكي يتفق مع وسط فني
آخر، كأن تعاد كتابة حكاية في الفن الروائي، أو أن تعاد كتابة سيرة شعبية
في شريط سينمائي، أو أن تعاد كتابة سيرة تاريخية في ثوب قصصي، أو أن تعاد
كتابة قصة إلى قصة للأطفال، الإعداد أو الاقتباس هو نقل عمل في إطار جنسه،
أو إلى أجناس أخرى، أو داخل وسائط ثقافية أخرى، ومثاله إعداد الشاعر سليمان
العيسى لقصتي «علي بابا» و«مصباح علاء الدين» عن الحكاية إلى أدب الأطفال،
ووفق هذا المبدأ، أعدت سلسلة كتب «أولادنا» الصادرة عن «دار المعارف»
بالقاهرة.
3ـ3ـ التحويل:
ونقصد بالتحويل، نقل مادة أدبية أو جنس أدبي إلى جنس أدبي آخر، فقد
تكون القصة على سبيل المثال، محولة عن خبر أو مثل أو نادرة أو حديث تاريخي
أو مقالة أو شعراً أو تمثيلية أو قصة للكبار، وقد يعوز النص على رأى دعاة
التحويل ـ الزيادة أو النقصان، التعديل أو التبديل، قصر جملة حين تبدو
طويلة وبالعكس، وهكذا إلى أن ينطبق على النص المحول ما قاله الحصري في جمع
الجواهر ص9-11: «أن يكون خفيف الإشارة لطيف العبارة، ظريفاً رشيقاً، لبقاً
رفيقاً.. إذا حكى النادرة اللطيفة والحكمة اللطيفة، لا يمطمطها فتبرد، ولا
يقطعها فتجمد.. فللكلام غاية، ولنشاط السامعين نهاية». وفي كتاب (أدب
الأطفال) لطلاب دور المعلمين نماذج كثيرة حيث يستند المحول إلى مادة تراثية
تكون جذراً، على يديه إلى نبتة أدبية في جنس ما على سبيل التعليم أو
التلقين( ).
3ـ4ـ التقديم:
يفيد التقديم معنى الاختيار على سبيل الشرح أو التعريف عندما يلجأ
الكاتب إلى وضع مختارات وتقريبها من مدارك ا لقراء، وهذا ما فعله الشاعر
سليمان العيسى في كتابه (شعراؤنا يقدمون أنفسهم للأطفال) الذي قدم فيه
سلسلة من الشعراء العرب البارزين في الأدب العربي وقد اختارهم من أجود
المواهب وأعمقها تأثيراً في الأجيال القديمة والحديثة على السواء، لأن
شعرنا العربي الجميل يظل ثروتنا، وزادنا ونبض الحياة فينا( ).
وهو ما فعلته أيضاً دار النورس ببيروت في سلسلة (مختارات شعرية
للفتيان) إذ عمدت إلى تقديم قصائد ومقطوعات من شعر محمود درويش وأدونيس
ونزار قباني وسعدي يوسف تعرف بهؤلاء الشعراء وبما يتناسب ومقدرة الأطفال.
ويتعلق نجاح التقديم بذوق المقدم في الشرح والعرض والاختيار.
3ـ5ـ الاستدعاء:
وهو استحضار الشخصيات أو الأحداث أو المراحل التاريخية في عمل أدبي
جديد، ويكون الاستحضار جزئياً أو كلياً، وتصريحاً أو تلميحاً، تعبيراً
مباشراً أو تعبيراً فنياً وهو صنيع، سمر روحي الفيصل ودلال حاتم في السير
القصصية لبعض أعلام العرب، وصنيع سليمان العيسى في القصائد والمسرحيات
الشعرية المكرسة لبعض أعلام العرب، وصنيع كثير من الكتاب في الكتابة عن
معارك العرب على وجه الخصوص.
3ـ6ـ التضمين:
التضمين هو الاقتباس في علم البديع العربي، وهو أن يدخل الشاعر أو
الكاتب فيما ينظم أو يكتب آية أو حديثاً أو حكمة أو مثلاً أو بيتاً من
الشعر أو شطراً من بيت من كلام غيره بلفظه ومعناه، وذلك لتأييد ما يكتب أو
لتوثيق صلته بما ينظم، ولكنني أستعمل التضمين كما هو الحال، في النقد
الحديث، حيث يضمن الكاتب كتابته شحنة تراثية تقيم علاقة ما داخل العمل
الفني( ) وقد يكون التراث فيها إطاراً أو محتوى، لتعزيز الصلة بالواقع أو
لتكريسه لنفح قيمة وتجربة أو الاقتصار على صوت أو نبرة أو دلالة.
وهي أرقى أشكال استلهام التراث، فيصبح التراث حينئذ عنصراً أساسياً
في إبداع العمل الأدبي الجديد، وفي رؤية المبدع. وتختلف في التضمين ظلال
الاستلهام، وتتعدد مفردات التركيب الفكري والفني، وهذا ما يحتاج إلى تفصيل
القول في ممارسة استخدام التراث في أدب الأطفال.
ثانياً ـ تجربة سليمان العيسى في استلهام التراث العربي:
سليمان العيسى أبرز ظاهرة في أدب الأطفال العربي، كمّاً ونوعاً، وهو
الكاتب الأكثر اتصالاً بالتراث العربي واستلهامه في أدب الأطفال. وتكتسب
كتابته أهمية مضاعفة لأمرين، أولهما الريادة، فهو كاتب عظيم يحرث في أرض
بكر، ولاسيما أرض التراث العربي، أمام الأطفال، لأن كتاباً رياديين كثر
سبقوه في مخاطبة الأطفال، ولكنهم آثروا استلهام تراث الإنسانية بالدرجة
الأولى، مثل كامل كيلاني وأمينة السعيد وعادل الغضبان، بينما يكاد العيسى
يقتصر على التراث العربي في استمداد موضوعاته وأفكاره وتعابيره. وليس هذا
الاستمداد نتاج تعصب، بل هو في صلب رؤيته للحياة، وما يريد للأطفال أن
يروه. وفي إطار الريادة، برع العيسى في استحداث فنون أدبية لم يعتدها أدب
الأطفال العربي قبله مثل فنون المسرح والشعر، إذ اقتصرت الجهود العربية على
فنون القص والرواية أو كادت في استخدام التراث في أدب الأطفال.
وثانيهما التربية، فالعيسى يطوّع أدبه لحاجات التربية، ويكرس جل
أدبه في العقود الثلاثة الأخيرة للأطفال، وفي هذا التكريس منتهى التطويع.
وبقدر ما كان الأدب مجال تهذيب وتثقيف، أو تربية للوجدان الإنساني بتعبير
أوسع، فإن سلميان العيسى رهن هذا المجال كله بتطلعه المشروع، وهو قصد كبير
وجليل، دونه المقاصد الأخرى جميعها. لقد رأى في الأدب، وهذا في منطلق توجهه
للأطفال، فعالية واسعة ومتعاظمة التأثير نحو ما سماه أنطون مقدسي «الإيمان
العظيم»( )، أي الإيمان العظيم بالوحدة العربية، وتحقق الذات العربية في
وجود تاريخي حرّ ومستقبل عزيز. وغني عن القول، أن تجليات الريادة تصب في
خدمة التربية أيضاً، فقد عالج العيسى أنواع فنون أدب الأطفال طلباً لإيصال،
وتجسيداً لفكرة، لا رغبة بتجديد أو تجريب، وسنلمح دلالات ذلك تربوياً أثناء
التحليل. إنّ السعي الفني عند العيسى مظهر من مظاهر تجلية القصد أولاً
وأخيراً. أجل، لقد قالها العيسى منذ زمن هادئاً يستجيب إلى أقصى طاقات
روحه، وإلى أمضى حقائق الحياة:
«الشعر والتربية.. هما المحوران الأساسيان اللذان دارت حولهما حياتي
فعلاً. بل إنهما في حقيقة الأمر محور واحد.. يتلاقيان في كلّ شيء ولا
ينفصلان. ينبع الواحد ليصب فيه، ويتكلم أحدهما ليجد صداه في الآخر»( ).
التربية هي مصداقية الفنّ، عند سليمان العيسى، أعني التربية بمعناها
التثقيفي الشامل الذي لا بدّ منه للتكوين الإنساني وتغذية الروح بما يجعلها
أقدر على الإسهام في بناء الحياة.
1ـ استخدام التراث:
لجأ العيسى إلى التنوع والغزارة في مخاطبة الأطفال، فكتب لهم
القصيدة والنشيد والحكاية والمختارات والحوارية والتمثيلية المدرسية
والمسرحية في إطار الشعر، وكتب لهم الحكاية والقصة والمختارات في إطار
النثر، وكان للتراث نصيبه الوافر فيما كتب، ونستطيع أن نصنفه فيما يلي:
1ـ1ـ في الشعر:
1-شعراؤنا يقدمون أنفسهم للأطفال، وهي سلسلة تقع في عشرة
أجزاء تضم بعض أعلام الشعر البارزين في الأدب العربي، اختيروا من أجود
المواهب وأعمقها تأثيراً في الأجيال القديمة والحديثة على السواء. ويقدمهم العيسى للأطفال بلغة معاصرة مع مختارات من شعرهم.
2-«غنوا يا أطفال»، وهو مجموعة الأناشيد والقصائد الكاملة في
عشرة أجزاء، وفيه الكتابات التالية:
1ً- نشيد أسامة: عن أسامة بن زيد.
2ً- السياب يقول للأطفال: عن بدر شاكر السياب.
3ً- فنان عظيم يتحدث إلى الصغار: عن سيد درويش.
4ً- أبو فراس الحمداني يقدم سيفه للأطفال: عن أبي فراس الحمداني.
3-مسرحيات غنائية للأطفال، وهي مجموعة المسرحيات والحواريات
والتمثيليات المسرحية والحكايات؛ وفيه النصوص التراثية التالية:
أ- الأطفال يزورون المعري: عن أبي العلاء المعري.
ب- أحكي لكم طفولتي يا صغار: عن والد الشاعر أحمد.
جـ- المتنبي والأطفال: عن أبي الطيب المتنبي.
د- الأطفال يزورون تدمر: عن زنوبيا وتدمر.
4- حكايات تغنى للصغار، وهي مجموهة تضم خمساً وعشرين حكاية شعرية.
1ـ2ـ في النثر:
1- ثلاث قصص من تراثنا كتبت بلغة جديدة وهي: ابن الصحراء، لبيك
أيتها المرأة، الحدث الحمراء.
2- قصتان من التراث الشعبي، وهما: علي بابا والأربعين لصاً، ومصباح
علاء الدين.
2ـ المفاهيم وأسلوب الاستخدام:
يتدرج العيسى في استخدامه للتراث فهماً وأسلوباً حسب ما يملي عليه
القصد من مجرد الشرح والتعريف كما في «شعراؤنا يقدمون أنفسهم للأطفال» إلى
أبلغ معاني الاستدعاء الفكري والفني كما هو الحال مع مسرحية «المتنبي
والأطفال». ولعلنا نميز في هذه المفاهيم والأساليب من خلال مناقشة القصد
عند سليمان العيسى.
2ـ1ـ القصد والتراث:
غالباً ما يرى سليمان العيسى التراث قيمة بحدّ ذاته. والمعول في ذلك
هو المنظور القومي، فالتراث هو العمود الفقري للرؤية المعاصرة، والعيسى
نفسه ابن بار للتراث؛ منه انطلق، وبه يستزيد قوة ونماء. وبهذا المعنى، لا
يتوقف فهم التراث عند العيسى على استدعاء التراث شخصيات وحالات ومواقف، بل
غالباً أيضاً ما يعيد التراث انتقاء واستعذاباً لجلاله وقدره وحضوره. لقد
حفظ العيسى القرآن الكريم وديوان الشعر الجاهلي منذ أن كان في السادسة من
عمره على ضفاف نهر العاصي في قرية «النعيرية» ولا يزال، إلى يومنا هذا،
أميناً لنصاعة ما حفظه؛ يعيده ويستعيده.. يستأنس به مكوناً راسخاً من
مكونات شخصيته طامحاً إلى تكوينه من جديد في روعه، وكأنه روع قارئه الطفل.
إنّ التراث محط الرجاء عند العيسى وسبيل المرء إلى الهوية، فلا وجود دون
التراث. ولعل أبرز خلاصة في تجربة العيسى هي أن الوجود العربي ناقص مالم
يستكمل صلته الحية المتينة بتراثه، فالتراث يبدو قصداً بحد ذاته أو هو
كالقصد، يعين على رؤية، ويوطد بصيرة ويصلب الأرض التي يقف عليها الأطفال
نحو وجود قومي.
ليس التراث مظهراً أو عرضاً، بل حقيقة تبرهن على قيمتها في حياتنا
المعاصرة باستمرار دلالة على الإيمان العظيم بالوحدة القومية والتطور،
وعوناً على ممارسة هذا الإيمان العظيم في نفي اليأس، ونفح المعاصرين معنى
الوجود، وإشاعة التفاؤل بالنصر والحياة الكريمة. وفي هذه الاستشهادات
المأخوذة من مجموعته «شعراؤنا يقدمون أنفسهم للأطفال»، وهي مكتوبة على
ألسنة الشعراء، إجابة على حقيقة التراث الباقية:
- يقول البحتري:
«إنه تاريخنا الحي المتصل الذي ينبض الآن حارّاً قوياً فيكم أيها
الأعزاء الصغار». (جـ2، ص4)( ).
- يقول المتنبي:
«كنت صوت العروبة؟ ووتر الصحراء، وما أزال، احفظوني يا صغاري.
إن قصائدي ما تزال تهز آباءكم، وتملؤهم حماسة، ورجولة.
إنكم بحاجة إليها في كلّ زمان ومكان، ولاسيما في هذه المرحلة التي
تخوضون فيها أخطر المعارك مع أعداء أمتنا العربية الخالدة».(جـ2، ص23)
- يقول أبو فراس الحمداني:
«أيها الصغار الأحباء
ستبقى أمتنا تتجدد بكم أنتم
ويكفينا نحن أن نترك لكم سيرة طيبة، وصفحات مشرقة في التاريخ».(جـ2،
ص9)
- يقول الشريف الرضي:
«نظمت قصائد كثيرة في موضوعات مختلفة، كان أبرزها الفخر والاعتزاز
بالنفس، والطموح إلى المجد، ولم يكن هذا لمجد الذي أطمح إليه إلا رؤية
الدولة العربية تعود إلى وحدتها وقوتها، وتكفّ عنها غارات المغيرين، وسيطرة
الطامعين من الغرباء». (جـ3، ص27)
- يقول جرير:
«ما أجمل أن يتصل الماضي بالحاضر ونشعر أننا باقون في هذه الأرض..
لا نموت!». (جـ5، ص24)
- يقول الأخطل:
«ولكن الدين لم يقف حاجزاً في يوم الأيام بيني وبين أبناء قومي.
فنحن جميعاً ننتمي إلى العروبة. ونحن جميعاً شعب واحد، وتاريخ واحد،
وشعور واحد».
«ولكن لا بأس أن تدّربوا ألسنتكم على هذه اللغة العربية الجميلة منذ
الصغر. إنها لغتنا الحيّة الخالدة التي تربط بيننا في الماضي والحاضر،
وتحفظ لنا حضارتنا وأمجادنا».(جـ6، ص9-10)
أجل، كأن التراث قصد بحد ذاته، ولكنه قصد بالقدر الذي يجسّد الحقيقة
القومية الخالدة، حقيقة العروبة التي ينبغي أن يؤمن بها الأطفال، مثلما آمن
بها العيسى ووهبها عمره، وصارت قضيته وقضية كل العرب، شعراء وأبطالاً،
رجالاً ونساء، صغاراً وكباراً، الذين استلهم مواقفهم مؤمنين يجسّدون
إيمانهم في حياتهم كلها.
2ـ2ـ ما هو التراث:
ينظر العيسى إلى التراث نظرة انتقائية، فالتراث عنده هو الوجه
المضيء من حياة الأمة العربية في كلّ عصورها، مع الاحتفاظ بأهمية خاصة
للعصر الإسلامي الأول، فلم يعرف عنه استلهاماً لتراث العصور القديمة، أو
العصر الإسلامي المتأخر عندما تناهبت الدولة العربية العناصر الغريبة
والأجنبية بعد القرن الخامس الهجري صراحة.
التراث عند العيسى هو المثل الأعلى للعربي، وهو ما يعين على تحقيق
الوجود الذي كان، وسيكون. لقد كان العيسى واضحاً منذ أقبل على استلهام
التراث، الأبرز والأمثل، وإذا شاب الأبرز والأمثل بعض شائبة، فإنه ينقّيه
ليضيء وينفع في بناء الذات، إذن، هي انتقائية تربوية تعيد التراث المضيء
والنافع، وتستعيده فتخلّصه مما يجانب المضيء والنافع في نقل أو شرح تفسير
أو عادة كتابة.
ينقل العيسى التراث إذا كان صالحاً مؤدياً قصده، أو يشرحه، أو
يفسره، أو يعيد كتابته، ليكون صالحاً مؤدياً، قصده. وهكذا تعامل العيسى مع
الأوجه والنقاط والأسماء والمراحل المضيئة، ولم يقدم على معالجة سوى ذلك؛
وهذا ما يصبُّ في مأثرة الفعالية العربية الناهضة، ويكامل التأثير في
الحياة القومية.
ونستطيع أن نرتب اختيار التراث عند العيسى وفق ما يلي:
1-الشخصيات الكبيرة والفاعلة في زمنها، ولاسيما الأدبية، مثل
الشعراء والموسيقيين والقادة.
2-المواقف العربية الساطعة في موقعة أو حادثة، كما هو الحال في
«بطولات عربية».
3-الآثار والمدن الشاخصة فيما تحكيه أو تشير إليه من نوائب
وإنجازات.
4-اللغة العربية بأصالتها وقوتها وتجسيدها للدلالة القومية على
نحو وجودي فريد، كما هو الحال في تعامله مع بعض الشعراء، أو في أسلوب
استخدامه للغة.
3ـ التعامل مع التراث:
قلنا، التراث عند العيسى قيمة بحد ذاته وقصد، وينبع استخدامه من
غايات تربوية، فالتربية هي مصداقية الفنّ.
لجأ العيسى إلى التنوع والغزارة في مخاطبة الأطفال، فكتب في أجناس
واضحة أو متداخلة، أو في أشكال أخرى من الكتابة لا تنطبق عليها أسماء
الأجناس، على أنّ العيسى لا يعترف بالتصنيفات. المهم، هو يكتب والنقاد
يصنفون. هو يكتب، وللتراث نصيبه الوافر فيما كتب ويكتب، وربما كان ما كتبه
العيسى في غالبيته تراثاً.
قدم الشعراء والشخصيات والتاريخ والمدن والآثار للأطفال، وقدم من
خلالها وضمنها، قضيته الكبرى، قضية الوجود العربي، وانتصار المستقبل.
كتب العيسى التراث مصفى أو منقى، ونلمح أوجه هذا التراث فيما يلي:
3ـ1ـ التراث بطريقة خاصة:
لا تفي مقدمة العيسى لمختاراته في كتاب «شعراؤنا يقدمون أنفسهم
للأطفال» بمقاصده كلّها، وبطريقته كلّها. إنه يجمل حيث ينبغي أن يفصّل،
ويوحي حيث ينبغي أن يصّرح. وصف العيسى عمله على هذا النحو:
«ليكن حديثك عن هؤلاء الشعراء رشيقاً ناعماً، أشبه بقطرات الماء
الصافية التي ترشقها». (جـ1، ص16)
والحق، أنّ حديث العيسى عن هؤلاء الشعراء كان قاسياً حيناً، ورشيقاً
ناعماً حيناً آخر، ولكن في الأحوال جميعها لم يفارق رؤيته الخاصة. فهو يقدم
التراث على طريقته. هناك تفاوت في عدد الصفحات، وهناك موقف مسبق يفسر من
خلاله ما يرى أن يضّمن. فقد جعل الفرزدق يخجل من نفسه( )، لأنه شاعر الهجاء
والنقائض، و«حبذا لو صرفنا ـ الكلام للفرزدق عنه وعن جرير ـ عبقريتنا
الشعرية إلى موضوعات أجدى وأنفع». (جـ5، ص9)
ويضيف على لسان الفرزدق في الصفحة نفسها: «الحقّ، أني لا أحبُّ أن
تقرؤوا هذا الهجاء أيها الصغار، ولا تحفظوه».
وجعل جرير ينكر شعره، فلن يبقى منه شيء للتاريخ سوى ما يهتم به
الباحثون المختصون. (جـ5، ص23)
ولدى تقديم المعري، لم يخف إعجابه بشاعريته وفرادته على نفوره من
أفكاره ونمط حياته، ولكنه يعجب به لأنه يمثل زهو اللغة العربية والفكر
العربي في مرحلة من المراحل، لذلك كتب عنه أيضاً مسرحيته «الأطفال يزورون
المعري». ثم لم يجد شيئاً عند المعري في سيرته للأطفال، فاختار له شعراً من
دالية، فيها بعض إيجابية من الحياة:
لما أحببت بالخلد انفراداً ولو أني حبيت الخلد فرداً
هو يريد أن يعبّر عن إعجابه بالمعري فحسب. وفي المسرحية، اقتصرت
إشادته بالمعري على بضعة أسطر من «رسالة الغفران» تنشق فيها التفاحة، وتخرج
منها حورية رائعة الجمال، فيدهش ابن القارح، ويتعجب من قدرة الله، ولعله
اختار هذه الأسطر للأطفال لتخييلها، أما الأطفال على لسان المعري فهم كما
قال للزمان:
«مرحى للصغار
مرحى للبلابل
فجروا النهار
في قلبي جداول»( )
إنّه تقديم مجاني للأطفال، لمجرد أنه معجب به. على أن ثمة ما يمكن
أن يقدم للأطفال في سيرة المعري، وقد أغفله العيسى، لأنه لا يرى التراث إلا
على طريقته.
في تقديمه للشريف الرضي، وهو شاعر مجيد وشخصية دينية كان لها
مكانتها في الفكر السياسي الإسلامي، مضى العيسى عن وضعه التاريخي، واكتفى
بذكر تسميته نقيب الأشراف:
«توليت وظيفة كبيرة كانت تسمى «نقابة الأشراف»، وهي منصب ذو طابع
ديني لا يناله إلا الذين يحصّلون ثقافة رفيعة، ويتحلّون بالأخلاق والفضائل
العالية». (جـ3، ص25)
وهكذا، اكتفى العيسى بالعنوان دون الدخول في عناصر السيرة أو بعض
عناصرها، ودون الدخول في ملابسات التاريخ. هاهو ذا التراث يقدم في آنية
مضيئة. لا يريد العيسى أن يخوض في تناقضات التاريخ ومشكلات التراث حرصاً
على صورة زاهية ومثالٍ عامر بالأمل. ومرد ذلك، في بعض دواعيه، إلى انغمار
التراثية بوجهة نظره، وهو الكبير صاحب القضية الكبرى، بهمومها الكبيرة.
وعلى هذا النحو قدم من الخنساء، تعريفاً بها وهي مثال البطولة والشهامة
والتضحية، بعض أبيات في الوصف لا تمثلها، لأنّ شعرها لا يناسب الأطفال.
3ـ2ـ التربية والصدق التاريخي:
أجل، يقتطع العيسى من التراث زهوه وبهاءه ويفسره على طريقته. وهو
يفعل هذا عامداً ليخدم الفكرة التربوية المرادة. إنّه لا يقدم للأطفال إلا
ما يراه مفيداً، ولو جانب التاريخ أو محتوى التراث. ووجهة نظره، هي ألا
يصطدم التراث بما هو سيء أو مظلم أو مشين في ماضيه، لأنّه سيواجه الحقائق
عندما يكبر. وتكمن مزية العيسى في تغليب التربية على الفنّ حيث يتسلح الطفل
بقوة التراث وتاريخه العربي، ولعل وعيه المبكر بفضائل ماضيه الزاخر بالقيم
والمثل والكرامة والحضارة، سيحميه من الفاجع المنتشر في هذه المرحلة أو
تلك، في هذه السيرة أو تلك. التربية هي الأبقى متحالفة مع صدق الفن نحو
تسليح وجدان الطفل بالمثال المضيء والصورة المشرقة، أما الصدق التاريخي
فيأتي في المرحلة التالية، وقد انخرط الطفل في حياة قومه، وأصبح أقدر على
الوعي والإدراك.
وفي تقديمه لابن زيدون تعبير عن فكرته: التربية والصدق الفني، ولا
بأس أن يجمل جوانب السيرة، التي تشتعل بحسد الحكام والوزراء ووشاياتهم
وأحقادهم، إجمالاً:
«وبقيت كذلك أوزع حياتي بين الشعر والسياسة.. متنقلاً بين إشبيلية
وقرطبة حتى أدركتني الوفاة، وأنا شيخ كبير، أحاول تهدئة ثورة نشبت في
إشبيلية. وكانت وفاتي في عام 463هجرية». (جـ4، ص21)
ثم ينوي أن يعتذر عما اشتهر به: قصة حبّه لولادة، ويقرر أن يمّر بها
مروراً سريعاً، ويختار بعض أبيات قصيدته:
والأفق طلق، ووجه الأرض قد راقا إنّي ذكرتك بالزهراء مشتاقاً
إنّها حيرة منهجية وتربوية معاً، ولم تكن حلولها ميسورة عند العيسى.
لقد كان يتجاهل كثيراً، ويعرض أو يضّمن ما يروق له معتقداً أنه يرتاح ويريح
الآخرين.
أخضع العيسى التراث لنظرته التربوية، ولكن التربية وسيلة متغيرة،
وقد لا توافي التاريخ أو الفنّ. وهنا تكمن معضلة أساسية في معاملة العيسى
للتراث. ثمة محاولة لتقديم مختارات من الشعر الحديث، هي محاولة دار
«النورس» مع شعر نزار قباني ومحمود درويش وسعدي يوسف وأدونيس( ). وإذا
قارنا صنيع ا لعيسى بهذه المحاولات السابقة المختلفة، في تقريبه الشعر من
الأطفال، وفي تفسيره الخاص للسيرة والشعر معاً. بينما اختارت «دار النورس»
أصعب الشعراء الحديثين على الكبار، ربما باستثناء نزار قباني، فكيف يتواصل
معها الصغار. إنّه شعر يحتاج إلى تربية مستمرة لقراءته، أما شعر القباني،
فلا أعتقد أنه مفيد للأطفال، جملة وتفصيلاً. خلا بعض قصائده القومية أو
الواصفة للطبيعة أو مواطن الجمال، وهي قليلة جداً.
تفتقر محاولة دار النورس للهدفية أو القصد أولاً، مثلما تخلو من
المناخ الذي يعين على إيصال لجمهور محدد مثل الأطفال والفتيان ثانياً، ثم
ينتزع واضعوها أبياتاً من قصائد بعيداً عن سياقها الذي كتبت فيه، وبعيداً
عن دلالاتها التي تؤديها، مما يجعلها نصوصاً مبهمة مستغلقة يصعب على
الأطفال والفتيان أن يتواصلوا معها. أما جهد العيسى فيتخلص من هذه
الملاحظات الأولية لتتبدى الحيرة التربوية والمنهجية في النظرة للتراث.
3ـ3ـ إيثار الغنائية:
ينفر العيسى في رؤيته للتراث من الفعلية التي بها يكون صراع، وحركة
تاريخ، فالتراث عنده قيم ثابتة.
التراث جميل ونافع أو هو لا يأخذ منه إلا الجميل والنافع ليغنيه،
ففي ديوانه «غنوا يا أطفال»( ) ثمة أناشيد أربعة هي: الأول «نشيد أسامة» عن
بطولة أسامة بن زيد، قائد الجيش والراية.
والنشيد الثاني هو «السياب يقول للأطفال»، عن الشاعر المكافح من أجل
الجياع والمظلومين، والمعتز بريفيته وقريته من أعمال البصرة.
والنشيد الثالث هو «فنان عظيم يتحدث إلى الصغار» عن سيد درويش
الفنان الثوري الذي كرس فنّه للعمال والشباب والفلاحين، ضد البؤس والتخلف:
لأنّه فنان يتألم لآلام الجماهير ويغني لانتصاراتها:
«الشعب الرائع يا أولادْ
الصانعِ أمجاد الأمجادْ
مازلت مع الفقراء أعيشْ
للحبْ أعيشْ
للفنِ أعيشْ
اسمي: سيد درويش». (جـ7، ص25)
والنشيد الرابع هو «أبو فراس الحمداني يقدم سيفه للأطفال» عن
البطولة أيضاً، حيث لا يجد العيسى في نسيج حياة شاعره العربي إلا البطولة.
يحيي الشاعر القديم الناشئة العرب الذين يصنعون نهار الأمة العربية، ويهدي
سيفه للأطفال، لتستمر بطولة الأجيال. ويطلب منه الأطفال أن يسطع ضوءاً
عربياً، وأن يعلّمهم لغة الفرسان ونجدتهم، ويفعل أبو فراس:
«أنتم جنودي الآن
يا أيها الشجعان
فليهدر البركان..
ولتسمع البيدُ..
فيهتف له الأطفال بحماسة:
يا شاعر السيف الذي
لم يعرفِ الهوان
اكتب به، اكتب بنا
قصيدة الإنسان» (جـ10، ص13)
ولا يتوقف الغناء عند حدود الأناشيد، بل يتعداها إلى بقية نتاجه
النثري والمسرحي الشعري، فما يشغل بال العيسى هو القيم الباقية في التراث
القديم والحديث. وهذا واضح في مسرحياته الغنائية للأطفال، وفي حكاياته
الشعبية المقتبسة، أو حكاياته التاريخية المستلهمة.
في المسرحيات أو الحواريات، إذ تخلو من الصراع أو الفعلية، كتب
العيسى حوارية «الأطفال يزورون المعري» إعجاباً بهذا الشاعر العظيم.
والحوارية الثانية هي «أحكي لكم طفولتي يا صغار» عن والده الشيخ
أحمد العيسى تقديراً لجليل أعماله، وفضائل شخصيته النضالية، مما يدخل في
إطار تكريس التراث. وقد قاده احترامه لشخصية والده إلى كتابة أكثر من عمل
يصف فيه عمله الوطني والقومي الريادي( ). ويرى العيسى أن دور والده تنويري
حيث أشاع بذرة الثقافة والعلم وروح الأمل في وسط اجتماعي فقير.
والحوارية الثانية هي «المتنبي والأطفال» عن الشاعر العظيم أبي
الطيب المتنبي في زيارة معاصرة إلى أرجاء الوطن العربي، يعرض فيها ملامح
شخصيته الباهرة من منظوره الخاص، ويدعو فيها إلى حلم الأطفال.. حلم الوحدة
العربية.
يتألف المسلسل الشعري الغنائي من اثني عشر مشهداً يلتقي خلالها
أطفال العروبة في مختلف أقطارها، لينشد في الختام مع الأولاد:
«نحن طلائعك الثورية
يا أرض الأحرار
نرفع رايات الحرية
نهتف للأحرار
عاشت ثورتنا العربية
ولتخضّر الدار
ولتخضّر الدار
ولتبق الشمس العربية
ساطعة الأنوار
ساطعة الأنوار
ساطعة الأنوارْ» (ص493)
والحوارية الرابعة هي «الأطفال يزورون تدمر» عن زنوبيا والكفاح
المستمر ضد الأجنبي من ارتباط الماضي بالحاضر؛ ومن أجل وحدة الأمة وتراثها
العظيم:
«تدمر الخالدة بيتكم من قديم
أمة واحدة وتراث عظيم» (ص525)
يعاهد الأطفال زنوبيا بالدم أن يحموا تدمر والأمة، وأن يعطوا كلّ ما
يملكون، وأن يبنوا وحدة الشعب ا لعظيم، وأن يصلوا الآتي بالماضي العظيم.
وتدعو زنوبيا الأطفال للطواف في تدمر واستعراض الأمجاد، ثم تنشد معهم بصوتٍ
هادر:
«إلى الأمام إلى الأمام
نستعرض التاريخ والأيامْ
نرى هنا ما شاده أجدادنا العظام
إلى الأمام إلى الأمام
نبني كما بنوا وفوق ما بنوا
نعيش للعطاء نعيش للفداء
للوحدة الكبرى إلى الأمام» (ص527)
وفي كتابته الجديدة للتراث الشعبي، يلح العيسى على القيم الثابتة
على نحو غنائي واضح، ويعمد على إطار الحكاية الشعبية وحده لنفحه المعاني
والقيم.
في قصة «علاء الدين والمصباح السحري» تمجيد للعلم وقوة الحب الجبارة
وتحذير الأوهام، فالمجد للآتين، والمجد للكفاح، والمجد للعلم:
«ودارت الأيام يا أولاد
وأزهر المصباح
وحقق العلم رؤى الأجداد
حققها الكفاح
***
في كل يوم يسمح الصغار
غرائب اختراع
في البر، في الفضاء، في البحار
في أبعد البقاع
في كل يوم مركب جديد
يغزو مدارنا
صرنا ضيوف القمر البعيد
وصار جارنا
***
ولم يزل في العالم المضيء
جنيا من الأسرار
ترنو إلى الجيل الذي يجيء
تنتظر الصغار
***
المجد للآتين والتوفيق
المجد للآتين
تبقى حكايات على الطريق
دنيا علاء الدين»( )
ينتصرُ العيسى للقيم ويغني لها، ولا يمضي إلى تفاصيل الحكاية أو
أعماقها القديمة، بل يبث من خلال إطارها العام إرادة جديدة ومعنى جديداً.
وفي قصة «علي بابا والأربعين لصاً» إيحاء مستمر، وتصريح علني بقيمة
العمل والبذل والذكاء والوفاء، ودعوة إلى العدل والاشتراكية عندما يؤثر علي
بابا إنفاق الكنز على الصالح العام. فقد هتفت الأصوات الرخيمة العميقة،
وكأنها تنبع من جدران الدار كلها، قائلة:
«مهلاً يا علي بابا!! مهلاً أيها العروسان الجميلان!
يبدو أنكم نسيتم أنفسكم في غمرة الفرح..
ونسي الحطاب القديم أننا هنا.
كنز المغارة الثمين ليس ملكاً لكم.. أيها الرفاق.
وإلا.. فما الفرق بينكم وبين اللصوص الذين
ذهبوا إلى غير رجعة؟
ألم نقل لك هذا من قبل..
يا علي بابا.. يا صديقنا القديم؟
ألم نحذرك من طريق الفساد؟
الكنز للحطابين جميعاً.. للفقراء جميعاً.. لرفاقك
المحرومين الضائعين.. أيها الحطاب الطيب.
الأصيل.
لكم فيه نصيب.
للحذاء العجوز، ولكل حذاء مثله، فيه نصيب.
لمرجانة، ولكل فتاة مثل مرجانة، فيه نصيب.
ألفوا مجلساً لإدارة الكنز، وأنفقوه في عمارة هذا
البلد، ورخائه، وسعادته. عندئذ.. تنعمون
أنتم بالسعادة الحقة والرخاء الصحيح.
سنودعكم الآن.. ولكننا سنظل معكم.
سنظل إلى جانبكم.. أيها الناس الطيبون..»( )
وهذا الدفق الغنائي الذي يحمل على أجنحته القيم الثابتة هو ما يميز
سلسلته القصصية «بطولات عربية»، فهي قصص تمهّد لمناسبة قصيدة، والقصائد من
عيون الشعر البطولي في التراث العربي.
قصة «نخوة عربية» أو «لبيك.. أيتها المرأة» عن تلبية المعتصم لنداء
المرأة العربية في عمورية «وامعتصماه» تمثيلاً لقصيدة الشاعر العربي الكبير
أبي تمام:
في حدّه الحدّ بين الجد واللعب السيف أصدق إنباءً من الكتب
يشرح العيسى المناسبة من داخل القصيدة، ويبثّ أيضاً في شرحه قيم
الشجاعة والنجدة والمروءة والدفاع عن الوطن. يقول العيسى في سياق السرد:
«وتحّركَ المُعتصمُ، وتحَّركَ جَيْشُهُ العظيمُ وراءَهُ. تَعْلوهم
ريات الكرامةِ، وتَدْفَعُهمُ النخوةُ العربيةُ.. وكلماتُ الخليفةِ تتردَّدُ
في أَسماعِهِمُ، وفي قُلوبِهِمُ: «إنْ الصّفْعَةَ التي نزلَتْ على وَجْهِ
أُختِنا البعيدةِ هي صَفْعَةً على وُجوهِنا جميعاً، وإنَّ السكوتَ على
الإهانةِ جُبْنٌ وعارٌ..».
كانَ شعارُ الجميعِ نُصْرَةَ المظْلومِ، وتأديبَ المُعْتدي. إنَّ
الكلمةَ التي أَطْلَقها المُعتصِمُ هي الكلمةُ الحقُّ: «مَنْ يسكُتْ على
إهانةٍ يتلقّاها من عَدُوٍّ يسكتُ على ضياع مُلْكهِ وشَعْبِهِ
ومُقَدَّساتهِ جميعاً»( ).
يغلب على السرد الإنشاء الذي يسربل الصراع في ثنايا الكلمات، وكأنه
تعريف بمشهد، لا إرادة لفعلية تنمو وتصطرع. ولا تختلف قصة «الحدث الحمراء»
عن سابقتها، فهي شرح آخر لمناسبة قصيدة المتنبي العظيم:
سروا بجيادٍ مالهن قوائم أتوك يجرون الحديد كأنما
إن القصيدة تمجيد لبطولة سيف الدولة ضد الروم في معركة مشهودة
إنقاذاً لمدينة «الحدث». ولا يقع المرء في القصة على اكثر من وصف هذا
التمجيد ومقدماته، كما هو الحال في هذا الشاهد:
«وما كادت شمسُ الضحى ترتفعُ في السماء حتى أخذتُ جموعُ الأعداء
تتضعضعُ، وتتراجعُ إلى الوراء، وقد صدمَتْها المُفاجأةُ، واختلَطَ الحابِلُ
بالنابِلِ وكان جنودُ العدوِّ يتساقطون تحت ضَرباتِ السيوفِ، وطَعْنِ
الرماحِ وهم لا يدْرونَ ما يفعلونَ. وفي هذه المَعْمَعة بَرزَ من ورائِهم
كمينُ الفرسانِ الذي كان بانتظارهم وراءَ التلال المجاورة، فإذا هُمُ بينَ
فَكَّي الجيش العَرَبيِّ يحاولون الفرارَ بأيةِ وسيلة، ويطلبون النجاة
بأيِّ ثمن، قبْل أنْ يتمكَّنوا من اتِّخاذِ أيةِ بادِرَة لتنظيمِ صُفُوفهم.
وعند الغروبِ كانت معركةُ الحَدَثِ قد انجَلتْ عن هزيمةِ العدوِّ
هزيمةً مُنْكَرة. قُتِل منهم مَنْ قُتِلَ، وأُسِرَ منهم مَنْ أُسِر، حتى
ابْنُ الفقَّاسِ نَفْسُه كان مِمَّن وقع في الأسْر،واقتاده سيفُ الدولةِ
إلى مَقرَّ قيادتِهِ معَ عَددٍ كبيرٍ من أنصارِهِ وقادَة جيشِهِ»( ).
يسعى العيسى في غنائياته أن يشرح التراث أولاً، وأن يفسره على
طريقته ثانياً. وربما لجأ إلى الغناء ليكون التراث قريباً من مدارك
الأطفال، سهل الأداء في القراءة أو إعادة الإنتاج عبر الوسائط الأخرى مثل
المسرح أو الإذاعة أو اللقاء.
3ـ4ـ التدرج في استلهام التراث:
لا يتعامل العيسى مع التراث على وتيرة واحدة، أو ضمن أسلوبية واحدة،
فهو يتدرج في استلهام التراث فهماً وأسلوباً حسب ما يمليه عليه قصده وسلم
القيم من مجرد الشرح أو التفسير البسيط كما هو الحال في مختاراته: «شعراؤنا
يقدمون أنفسهم إلى الأطفال»، إلى الإعادة أو إضفاء تفسيره الخاص كما هو في
الحال في حوارياته وحكاياته، إلى أبلغ معاني الاستدعاء الفكري والفنّي كما
هو الحال في مسرحيته أو حواريته «المتنبي والأطفال»، حيث يقدم فيها رؤية
معاصرة لشخصية المتنبي ولاسيما البعد القومي، على أنَّ العيسى يضع غالبية
أعماله في إطار تنظيم الطلائع، مما يساعد تنظيمات الأطفال على تنفيذ نصوصه
في أعمالها ونشاطاتها. وهذه مزية طيبة. على سبيل المثال: مجموعة طليعية
تدعو المتنبي للزيارة، فيقبل من عصره، ويزور تنظيم الطلائع في كلّ قطر
عربي، وتقام له الاحتفالات واللقاءات، ويعقد المؤتمرات الصحفية، ويتحدث في
مختلف القضايا الفكرية التي تشغل وجدان الإنسان العربي المعاصر. لا شك، أنّ
صوت العيسى، شاعر الكبار، شاعر القومية هو الذي يتحدث بلسان الأطفال، وهو
لسان مفعم بالأمل والإرادة والانتماء، والصبر على المكاره، ومجالدة النوائب
والشدائد والمحن. إنه صوت الهموم التي لابدّ أن تصدم الطفل فيما بعد، ولكنه
نداء الشاعر الذي لا ينسى، وهو يخاطب الأطفال، حقيقة الوجود المهدد. وهذه
معضلة أخرى، لا تزال قيد الاختبار في مخاطبة الأطفال.
3ـ5ـ التراث ملاذاً:
يلوذ العيسى بالتراث كلما احتاج إلى دليل على صدق نظرته وعميق
إيمانه، وصحة اعتقاده. فهو لم يكتب العيسى عن شخصية سلبية ولا عن ظلام
التاريخ في مرحلة ما، فهو لا يرى إلا الإيجابي وهو يستحضر التاريخ أو
يتعامل مع التراث. لقد اعتمد شعراء عرب معاصرون شخصيات منبوذة أو مشبوهة
مثلما فعل أدونيس أو خليل حاوي أو البياتي، ولكن العيسى يتنكب عن ذلك كلّه
مستنداً إلى ما يدعم نظرته الإيجابية إلى التراث باعتباره ملاذاً للأسلوبية
الفخمة من جهة، وملاذاً للرؤية المعاصرة التي بها يرى انتصار الأمة على
عوامل الضعف فتحقق ذاتها وتتقدم من جهة أخرى.
تخضع قيمة الفن عند العيسى لحضور التراث في شعره، وإذا ابتعد عن
التراث في موضوعه، فإنه يحافظ على لغته التراثية، وأسلوبه التراثي. ولعل
ناقداً معتبراً مثل حسام الخطيب على حقّ عندما قال:
«ولكن مهما قيل في قوة الإيقاع وهوس الموسيقا عند سليمان العيسى فإن
تجربته الموسيقية بأكملها تظل في حدود الاتباعية الجديدة. إن التجربة
الموسيقية ـ وهي خاصية متميزة عنده تكشف عن قصديّة نفتقدها في الجوانب
الأخرى لبنائه الفني ـ تحمل دليلاً جديداً على أن تركيبه العقلي والمزاجي
والموهبي يندرج في صف القديم المجدّد، وهذا هو ما نعنيه حين نصنفه في عداد
الكلاسيَّة الجديدة»( )
لا يتوقف التراث على استدعائه في مواقف وشخصيات ومراحل وأوابد، بل
غالباً ما يعيد التراث إعادة مباشرة لذاته، فليس التراث برهاناً على
«الإيمان العظيم» عند العيسى فحسب، ولكنه برهان على أن هذا الإيمان قابل
للتحقق، لأنّ فيه ما يجعل الإيمان موضع ثقة، وموضع تأييد عندما يقدم
للأطفال، وعندما أقول: إنّ الوحدة العربية حقيقة حية، فالتراث يقدم الدليل،
وعندما أؤكد على أن العرب أسهموا إسهاماً كبيراً في حضارة الإنسان، فالتراث
يعين على ملموسية الحقيقة في وقائعه وإنجازاته.
ثمة ملاحظة هامة في هذا الإطار، هي أنّ العيسى يدفع اليأس عنه عندما
يحتضن التراث أو يحتضنه. يغدو التراث سلاحاً في وجه اليأس، وخصوصاً في أدب
الأطفال. في رثاء السياب، نثر أوراق يأسه أمام عينيه وفي تقديم السياب
للأطفال، كان العيسى متفائلاً يغني للإرادة والتغيير.
ونستطيع أن نفسر تحت ظل هذا المفهوم: «التراث ملاذاً» غياب المنحى
الاجتماعي، أو معاينة حركة التاريخ لصالح القيم الثابتة المنتزعة من معترك
التاريخ.
ربما عزا العيسى هذا إلى تأثير التراث في الحياة الثقافية المعاصرة
أولاً، وإلى أن التراث هو الحافظ للتقاليد الثقافية ثانياً؛ ولكن مثل هذه
المعاينة تستلزم استلهام التراث في حقيقته أيضاً. فقد بدّل في كتابته عن
المتنبي في مسلسل «المتنبي والأطفال» بعض الكلمات التي لم تعجبه في شعر
المتنبي. يريد العيسى أن يقدم التراث صافياً نقياً عربياً خالصاً إيجابياً.
وهذه معضلة فنية وتربوية ثالثة ماتزال موضع نظر.
أجل، يلوذ العيسى بالتراث، ليستمد منه النماء والقوة. وفي هذا
الشاهد من مسلسل «المتنبي والأطفال» يلتمس العيسى الشهادة من المتنبي، من
مثال التراث الأزهى والأبهى، فهو شاعر عربي محبوب:
«رافع: أنتَ جديرٌ بالتَّكريم يا عَمَّاه.
أَنْتَ جَديرٌ بالتَّكريم.
«ينسحب أبو رافع من الصالة ويبقى المتنبي والأطفال».
تيماء: الآن.. سنُسْمِع شاعِرَنا العظيمَ شيئاً يَخُصُّنا. سنغَنِّي
لَكَ نَشيدَ الطلائع.
الأولاد: «في صوت واحد»
فِكرَةٌ رائعة.. فكْرةٌ رائعة.
الأولاد: نَعَمْ، نَعَمْ، نشيدٌ جميل، كتبَه لنا شَاعرٌ عربيٌّ
نُحبُّه ويُحبُّنا كثيراً.
تيماء: ويَعْتزُّ بأُنَّه يحفظُ شِعْرَكَ منذُ الطفولة، ويَعُدُّكَ
مَفْخَرَةً من مفاخِرنا الكبرى.
المتنبي: هل لي أنْ أَعْرِفَ اسْمَهُ يا صغاري؟
رافع: اسْمُهُ: سُليمان العيسى، وهو يكتُبُ لنا، للأطفالِ، أجملَ
قصائِدِه منذُ سَنَواتٍ عديدةٍ.
المتنبي: سليمان العيسى، ليس هذا الاسمُ غريباً عني، إنه صوتَ من
أصوات العُروبةِ التي تمتدُّ في الزَّمنِ. أليس كذلكَ؟
الأولاد: نعمْ، صوتٌ من أصواتِ العروبةِ التي تَمْتدُّ في الزمنِ
لِتَقْهَرَ الزمنَ يا عَمَّاه.
المتنبي: بَلَّغوا شاعِرَكم تحيتي الخالصةَ، لابُدَّ أن أراه ذاتَ
يومٍ، وأسْمِعُوني الآنَ النَّشيدَ الذي وعدتُموني به»( )
   
الفصل الخامس: أدب الطفل العربي والموروث الشعبي
حظي موضوع أدب الطفل العربي والموروث الشعبي بعناية فائقة في الندوة
الكبرى لمهرجان الجنادرية (دورة عام 1992 المشار إليها آنفاً)، وبالنظر إلى
أهمية أبحاث هذه الندوة والتعقيبات عليها، فإنني سأعرض لمحاورها، ثم أختم
عرضي بملاحظات نقدية عامة.
1ـ السيرة الشعبية في أدب الطفل:
قدم ورقة العمل أحمد سويلم (وهو شاعر ومسرحي من مصر)، وعقب عليها
عبد الحميد أحمد (قاص من الإمارات). وتناول سويلم في ورقته الطفولة بوصفها
مفهوماً واحداً أو أكثر، وخلص إلى أن الطفل هو ذلك الكيان الذي ينظر فيه
الكبار إلى مستقبلهم، وعليهم أي على الكبار مسؤولية أن يجعلوه مواطناً
صالحاً، أو أن يجعلوه زائداً عن الحاجة مثل الحشائش الضارة. وعرض للسير
الشعبية في الموروث الشعبي، والسيرة الشعبية في عالم الصغار، وأرفق ذلك
بمثال تطبيقي عن سيرة عنترة بن شداد.
رأى سويلم أن السيرة الشعبية أهم الأشكال الفنية التي تصلح للطفل
توكيداً على أن السيرة الشعبية من مصادر أدب الطفل الغنية. وطر ح في مقدمته
عدة تساؤلات شائكة وجسورة أظهرت مدى أهمية المشكلة، وإذا كانت السيرة
الشعبية تمثل جانباً مهماً من ملامح الثقافة العربية ورافداً كبيراً من
الموروث الشعبي لهذه الأمة العريقة، فإلى أي مدى يصلح أن يقدم هذا الرافد
لأطفالنا؟ وما الجدوى التي يجنيها الطفل من استعادة قراءة السيرة الشعبية
إلى الطفل ملخصة أو مبسطة أو كما هي أم نقدمها في ضوء العصر؟.
مهد سويلم بفكرة عن السيرة الشعبية فقال: إنها حكاية شعبية طويلة
ذات حلقات وفصول وهي تشمل حقائق لا سبل إلى نكرانها، وتشمل كذلك خرافات أو
خيالاً محضاً لا سبيل إلى إثباته.
ويتراوح أسلوب السير بين النثر والشعر، ويدور حول البطولات
والفروسية والحرب، ومن أهم أبطال السير الشعبية المعروفة عنترة بن شداد
وسيف بن ذي يزن وأبو زيد الهلالي والأميرة ذات الهمة والظاهر بيبرس وغيرهم.
وقد جاءت السير الشعبية تصويراً حياً للبطل العربي الذي لا يقهر،
وتتضافر هذه الصورة مع الأبطال الذين يحاربون الشر الذي يرمز له ويسمى في
السير كلها بالكفر والخروج عن الدين ومناصرة عبادة الأوثان، فكانت فكرة
الخير والشر قد تشكلت في هذه السير تشكلت إسلامياً يتآلف مع العقيدة
الإسلامية ولا يختلف معها.
ثم ذكر الباحث أن السيرة الشعبية تعد مصدراً من مصادر أدب الأطفال.
وبالرغم من أن السير الشعبية التي وصلت إلينا قليلة العدد، إلا أن الكتاب
أقبلوا عليها يقدمونها في أشكال مختلفة من التبسيط والقيم القديمة.
وانتقل سويلم إلى أن السيرة تقدم صورة اجتماعية كاملة تسمح بأن تكون
متطورة مع الزمن، وهذه السمة بالذات هي التي تغري الكاتب بتقديم السيرة
الشعبية برؤى مختلفة للكبار والصغار على السواء. وحول القوالب التي يمكن أن
تقدم فيها السيرة الشعبية للأطفال، قال الباحث إن ذلك يأتي في أحد القوالب
الآتية:
- الصورة الدراسية السريعة.
- تقديمها في قصص قصيرة.
- التعبير عنها.
- وسائل الإعلام المرئية والمسموعة.
وأكد سويلم على أن كل هذه القوالب لابد أن تقدم صورة تحترم عقلية
الصغير وما يتناسب مع مرحلة عمره ومستوى إدراكه وثقافته.
وفي تعقيبه، ذكر عبد الحميد أحمد أنه كاتب غير متخصص معتذراً، وما
يقدمه من ملاحظات يتصل بخبرته كقاص وإعلامي، ومما ذكره:
- إن السيرة الشعبية توجد بكثرة هائلة إلا أن توظيفها في أدب الطفل
قليل جداً.
- بينما تجد أن الكتاب الغربيين اعتمدوا على الموروث الشعبي العربي،
كنا نحن كعرب مقلدين لهم في بعض قصصهم.
- ماتزال الترجمات التي كُتبت عن أدب الطفل جهوداً فردية، ولم
تتبنها مؤسسات ودور نشر متخصصة.
- لابد أن تتولى المؤسسات التعليمية والإعلامية دعم أدب الطفل
وإنتاجيته حتى يكون لدينا أدب أطفال على المستوى المطلوب.
2ـ نظرة مستقبلية إلى أدب الطفل:
قدم ورقة العمل عبدالتواب يوسف (كاتب للأطفال من مصر) وعقب عليها
صابر عبد الدايم (باحث من مصر) ونجيب الرفاعي (صحفي وكاتب من مصر) ومحمد بن
سعيد بن حسين (شاعر وباحث من السعودية).
كانت ورقة عبدالتواب يوسف أقرب إلى المقالة الصحيفة السريعة، ولا
تتجاوز ثلاث صفحات فولسكاب، وقد استعرض فيها جوانب أدب الأطفال في الماضي
والحاضر مع استشراف مستقبل هذا الأدب، وذكر أن ماضي أدب الطفل، وبخاصة بعد
عصر الحضارة العربية والإسلامية(؟!) هو ماض ثري أمد الإنسانية بكنز رائع من
الحكايات التي امتلأت بها كتب التراث. وكان هذا الماضي إرهاصاً لما يقدم في
الحاضر وانتقد يوسف الحاضر الذي اعتمد في رأيه على صياغة ما أنتجه السابقون
فقال: إن مأساة أدب الأطفال في الحاضر تتمثل في ركون بعضهم إلى مجرد صياغة
القديم.
وأشار إلى أدب الأطفال بدأ شعراً على يد أحمد شوقي ونثراً على يد
كامل كيلاني (1927م) فضلاً عن جهود عبدالسلام البقالي في المغرب وزكريا
تامر في سورية وإبراهيم إسحاق في السودان.
وازدهر أدب الأطفال في الغرب، ويتبدى ذلك في ما يزيد على ثلث مليون
كتاب في مكتبة واحدة في ميونيخ بألمانيا. وذهب يوسف إلى المأساة الحقيقية
هي انفصام أدبنا للأطفال عن الأدب العالمي، فليس هناك كاتب عالمي واحد
معروف للناس غير أندرسون ولويس كارول، وأصبح هناك سيل ينهمر من الأعمال
الأدبية الرائعة التي لا تصل إلينا بعد الحرب العالمية الثانية، بل ليس
لدينا من يعرف اسم فائز واحد بجائزة أندرسون.
وحول مستقبل أدب الأطفال ذكر يوسف أن ذلك يعتمد على ظهور مبدعين
جدد؛ فلابد من الكشف المبكر عن المبدعين ورعايتهم ومنح التفرغ لهم، وقال:
إننا نعني أدب الأطفال شعراً ونثراً، قصة ورواية، تمثيلية ومسرحية، وليس
أدبيات الأطفال وما يكتب لهم من معارف ومعلومات فحسب. وانتهى الباحث من
استعراضه إلى تناول الأدب الإسلامي للأطفال، وإلى أهمية أن نفتح قلوبنا
وصدورنا وعقولنا للرأي والرأي الآخر في قضية مستقبل أدب الطفل العربي، فإنه
يعني مستقبل أمتنا على المدى البعيد.
عقب الرفاعي على الورقة، وبدأ بتعريف العملية الإبداعية وقال: إننا
نحتاج إلى تطبيق ما جاء في المنهج الإسلامي الذي يقوم بتهذيب الأقوال
والأعمال ويدفع بالإنسان إلى التمشي مع الحضارات والمعطيات الإنسانية
والطبيعية.
ومن خلال التجربة التي خضتها مع الأطفال في تلفزيون الكويت برزت لدي
تصورات عديدة مؤداها أن هذا الجهاز لا يمكن أن يخدم قضايا الطفل بطريقة
إبداعية متميزة، إلا إذا توفرت الإمكانيات، واختيرت الشخصيات التي توظف من
أجل إيجاد مادة أدبية للطفل العربي.
ورأى محمد بن سعد بن حسين في تعقيبه أنه لابد من ترسيخ مفاهيم
الإسلام بأسلوب قصصي للطفل شعرً أو نثراً، وأشار إلى ضرورة تنمية مقدرة
الطفل اللغوية، والاعتناء بأن تكون لغته بعيدة عن العامية والتعقيد. وحثّ
على تأصيل العاطفة الصادقة المتفائلة الشاعرة بالجمال والبهجة، وعاب على
كتّاب الطفل استخدامهم للعامية. وقال: يجب أن يرقى هؤلاء الكتاب والأدباء
بلغة الطفل لأنه في حالة تكوين لغوي.
ودعا صابر عبدالدايم إلى ضرورة الاهتمام بالمنهج التربوي، وعلى
تبصير الطفل العربي بالشعر العربي لتمكينه من استقلالية الحكم والتذوق
الأدبي. وتحدت عن تنمية المهارات الإبداعية الثقافية لدى الطفل وضرورة
الاهتمام بالتكوين العقلاني والوجداني. وختم عبدالدايم تعقيبه بتوصيات
كثيرة.
3ـ القصة والمسرح في أدب الطفل:
قدم الورقة أحمد عبد السلام البقالي (كاتب من المغرب) وعقب عليها
أحمد نجيب (كاتب للأطفال من مصر) وعلوي الصافي (قاص وكاتب من السعودية)
ومحمد حسين بريغش (باحث من السعودية).
حملت ورقة البقالي عنواناً آخر هو «تقنية الكتابة للطفل». وبدأها
بالحديث عن الغزو الثقافي الأجنبي، حيت يتعرض أطفال الأمة العربية إلى غزو
أجنبي هائل قد يتعارض جذرياً مع ما نريد أن نغرسه في نفوسهم من قيم دينية،
ومبادئ أخلاقية وإنسانية سامية. ويوجد في أسواقنا للأسف الكثير من الكتب
الرديئة واللامسؤولة. أملتها الروح التجارية الصرف، وبعضها مدسوس من جهات
معادية للأمة العربية.
ثم تحدث عن أهمية الكتاب الموازي للكتاب المدرسي، وتوقف عند المبادئ
والأهداف التي تتحكم في تقنيات كتاب الطفل، ومن ذلك غرس القيم الأخلاقية
العالية، وخلق عوالم جديدة وجميلة، وتنشيط ملكة الخيال عند الطفل، وحرص
الكاتب على أن يجعل الطفل إنساناً سوياً ينفع نفسه ومجتمعه، وأن يحبب إلى
الطفل في كتاباته العمل اليدوي والمهارات العلمية.
وانتقل يعد مقدمته إلى الطريقة التي يكتب بها للطفل سواء في مجال
القصة أو المسرح، وفيما يتعلق بهندسة البناء القصصي، ثم تناول الباحث الحدث
في القصة، وذكر منها ما يستند إلى التجارب الشخصية للكاتب، وتجارب الآخرين
وحكايات التاريخ واستثمار مملكة الحيوان لإيراد القصص على ألسنتها.
وقال البقالي: ينبغي على كاتب الأطفال أن يفرق بين مراحل الطفولة،
فمرحلة السن تتحكم في أسلوب الكتابة وطول الجملة وتراكيبها، كما ينبغي عليه
أن يراعي عامل جنس الطفل بحيث تخاطب لغة القصة الولد والبنت في آن واحد.
ولأن الكتابة للطفل المعاصر لم تعد مجرد حكايات وسرد لأحداث خيالية
ومسلية، فقد أكد البقالي على أهمية أن يقرن كاتب الأطفال التسلية بالفائدة
بمعنى أن يكون هادفاً. وذكّر البقالي بمبدأ هام يتعلق بشعور الكاتب أثناء
الكتابة، فإذا كان متحمساً لما يكتب فإن عدوى ذلك الشعور ستنتقل حتماً إلى
قرائه.
وتناول البقالي عناصر الكتابة للطفل، ومنها عنصر التشويق والصراع
بين الشخصيات، والعقدة في القصة، والحبكة وما تعنيه من ترتيب للأحداث
بطريقة مشوقة ودقيقة، وتعرض في الوقت نفسه إلى مشكلات إخراج الكتاب وتسويقه
وأثمانه المرتفعة.
ثم تحدت البقالي عن مسرح الطفل، فذكر أن له خصوصيات وفوائد
وانعكاسات تربوية نفسانية لا توفرها له مصادر أخرى، ومن هذه الفوائد غرس
قيمة العمل الجماعي، وتشجيع الطفل على المشاركة مع الآخرين في العمل
المسرحي وهي العملية التي تلقنه درساً في جدوى التعاون مع الآخرين في إنتاج
شيء جميل وكبير. كما يتعلم الطفل من هذا العمل التضحية بوقت فراغه وشغله في
عمل مفيد، فضلاً عن روع المسؤولية التي يتعلمها الطفل.
وخلص البقالي إلى أن لمسرح الطفل مكاسب تربوية وصرفية كثيرة وهذا ما
يحتم علينا أن نأخذ مسرح الطفل بكامل الجدية.
وعقب أحمد نجيب مشيراً إلى قضية ضاغطة هي القطيعة بين المثقفين
والمبدعين العرب، فقد ذكر البقالي أنه لم يعثر على أي كتاب يتناول التقنية
الحديثة في الكتابة للأطفال في حين أن أحمد زلط وعبدالله أبوهيف وعلي
الحديدي، برأيه كتبوا في هذا المجال، ولهم كتب مطبوعة منذ زمن.
وركز علوي الصافي في تعقيبه على إسراف مقدم الورقة في استخدام
الكلمات والمصطلحات باللغة الأجنبية، وطالب بضرورة تعريبها، وشدد على ضرورة
متابعة المنظومة الاجتماعية في المجتمع الذي يشكل الطفل أهم أعضائها بحيث
نكشف مواطن الخلل في هذه المنظومة ونقدم لها العلاج اللازم.
وعقب محمد حسن بريغش داعياً إلى ضرورة تقديم الأعمال الذاتية التي
كتبت عن الطفل، فقد وردت بعض الكتابات عن الطفل وأدب الطفل في كتب السيوطي
والمبرد والجاحظ والغزالي وغيرهم. وقال: أن أهم الوسائل التي تعكس التقدم
الحضاري والأخلاقي لأي أمة هو اهتمامها بالأدب خاصة إذا كان هذا الأدب يجسد
القيم والأمور العقائدية كما نأمل أن يكون عليه أدب الطفل عندنا.
4ـ الطفل ووسائل الإعلام (إشكالات ـ سلبيات):
شارك فيها خالد العامودي (إعلامي وباحث من السعودية) وعبدالرحمن
العناد (إعلامي وباحث من السعودية) وأبو الحسن عبد الحميد سلام (مسرحي
وباحث من السعودية)، قدم عبدالرحمن العناد ورقة عنيت بالإعلان التلفزيوني
ومدى تأثيره واحداً من أهم الوسائل الاتصالية التي سيطرت على العقول في
المجتمعات العربية وغيرها من المجتمعات الأخرى.
وأشار العناد إلى أن للإعلان التلفزيوني خصائص متميزة، ومن أهمها
تقديم الجانب الترويحي، وذلك من خلال تقديم الترويج للسلع والبضائع
والمنتجات الاستهلاكية، فقد أكدت دراسات ميدانية أن الإعلان التلفزيوني
تأثيراً عجيباً في تكوين خيال الطفل. وذكر أن القضايا الإعلانية أثرت على
إدراك المستهلك ـ وجعلت حتى الطفل يمكن له أن يقرر ما تقتنيه العائلة من
سلع، ولو لم تكن راغبة فيها، وهذه ظاهرة سلبية أفرزتها هذه الإعلانات التي
كان من الممكن أن توظف توظيفاً سليماً وواعياً. وقرأ في نهاية تقديمه
لورقته استبياناً يوضح أهم أشكال التأثير السلوكي الذي يحدثه الإعلان عند
الطفل.
ثم عرض أبوالحسن سلام ورقته، وهي معنية بمشكلات المسرح المدرسي،
ولاسيما النص، وتحدث عن مرحلة عريضة واكبت ظهور المسرح، وأكد أن المسرح رغم
أنه أسهم في عملية التلقين إلا أنه لم يتجاوزها إلى تفجير الطاقات
والإمكانات الإبداعية، وأشار أبوالحسن سلام إلى وجود أكثر من 40 موجهاً
للمسرح من مصر يعملون في النشاط المسرحي السعودي، وقال: إن المسرح السعودي
التعليمي أو المدرسي أسهم في تقدم العمل الإبداعي.
ثم قدم خالد العامودي ورقته الأخيرة، وهي عن الطفل والتلفزيون
أيضاً، وخلص إلى أن أهم ما يمكن عرضه في هذه الندوة هو ضرورة التركيز على
معرفة المؤثرات التلفزيونية، والتلفزيون كما هو معروف سلاح ذو حدين، فهو
الذي يشكل حضوراً متميزاً في عملية تنشئة الطفل العربي، مثلما هو أحد
الوسائل التثقيفية في حياه المجتمع. وأكد العامودي على أن هناك فرقاً بين
البرامج التي يشاهدها ويتابعها الأطفال، وبين البرامج التي تنتج لهم، وأن
نميز بين العملية التي تجعل الطفل يفكر ويشاهد ما يمكن أن ينتج له، وبين
عملية مشاهدته لما يعرضه التلفزيون بشكل شامل.
وشدد العامودي على أهمية عوامل التأثير التي يحدثها التلفزيون كجهاز
إعلامي في نفوس الأطفال، وذلك من خلال مضمون الرسائل ومستوى الإدراك
وقراراته، وكثافة التعرض للتلفزيون، ونوع المادة التي يتعرض لها الطفل. ثم
أشار العامودي إلى الإيجابيات التي يمكن أن نأخذها من التلفزيون إذا أحسنا
اختيار ما يقدم وينتج للطفل من مادة إعلامية تركز على القيم.
5ـ الشعر والأغنية في أدب الطفل:
قدم ورقة العمل إبراهيم أبوعباه (أديب وشاعر من السعودية) وعقب
عليها علي الصقلي (كاتب للأطفال من المغرب)، ومحيي الدين سليمة (كاتب أطفال
من سورية).
يدأ إبراهيم أبوعباه ورقته بتحديد معنى الطفولة ومراحلها مشيراً إلى
أن سن الطفولة تمتد من ساعة خروج المولود من بطن أمه إلى أن يبلغ الحلم،
ويصبح مخاطباً بالتكاليف الشرعية. وتحدث أبوعباه عن أهمية أدب الطفل نذكر
أن الأدب بالنسبة للطفل في مراحل عمره الأولى مطلب ملح وحاجته إليه شديدة،
وذلك لأسباب عدة منها:
- أن هذا الأدب يسلي الطفل ويشعره بالمتعة وينمي هواياته.
- يعرفه على البيئة التي يعيش فيها.
- يسهم في إطلاعه على أفكار الكبار وآرائهم.
- ينمي القدرات اللغوية عنده.
- يسهم في النمو الاجتماعي والعقلي والعاطفي لديه.
وقال أبوعباه: أن الأطفال حظوا بقسط وافر من أدب الطفولة في تاريخنا
العربي والإسلامي، ونجد ألوان هذا الأدب في قصص الأخبار والمغازي والأغنية،
فأكد أن الشعر والأغنية والنشيد لون من ألوان الأدب وشكل من أشكاله الجميلة
والمحببة إلى عقلية الطفل. والأطفال يحبون الشعر، ويطربون لأنغامه، وإن لم
يفهموه في سنيهم الأولى، وتحرص الأم، كل أم، على هدهدة طفلها بالكلمات
الموزونة المقفاة ذات اللحن أو الإيقاع، ويشعر الطفل عند ذاك بالرضى
والارتياح وعندما يكبر يحفظ بعض الأشعار ذات البحور القصيرة أن سهل لفظها
ومعناها.
وأضاف أبوعباه: لقد أدرك العرب القدماء بفطرتهم، النقية الأصولية
التربوية التي تدخل على صغارهم الفرحة والبهجة فقدموا لهم من شعر المناغاة
ما يوفر لهم صفاء النفس وهدوء الخاطر، وحرصوا على نظم الأبيات الشعرية
الخفيفة التي تترنم بها الأم من أجل تنويم صغيرها أو تلعيبه.
وقدم الباحث نماذج من هذه الأشعار، وأشار إلى كلمة الأغنية الواردة
في عنوان الورقة وقال: هي جمع أغان ومصدرها الغناء، وكل من رفع صوته ووالاه
فصوته عند العرب غناء. إن ما دفعني إلى هذا الإيضاح والتنويه ما رأيته في
بعض الكتب التي تناولت أدب الأطفال من تساهل كبير في مسألة الموسيقى، وأنه
جزء مكمل للأغنية لا تنفصل عنها.
|