الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | معلومات النشر | من نحن | كلمة العدد

 دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 07/06/2008

عن الكاتب

كتب                                         سحر القصة والحكاية

 

 

 التماثل والتطابق والابداع

تولستوي يقرأ كليلة

 الاقتراب من نص معاصر

سحر القصة والحكاية

لومي تقهر لصوص البحر 

في أدب الحكاية المقارن

  الاقتراب من نص أوروبي

في جماليات السرد

 

سحر القصة والحكاية

البحث عن النسغ الصاعد في نصوص حكائية ونصوص قصصية للأطفال

 

 

بقلم الكاتب: محسن ناصر الكناني*

 

 

تمهيد

 

يلوح لي، أن التوغل في نقد قصة للأطفال، يكتبها قاص عراقي أو عربي أو عالمي، تثير عدة إشكالات وحواجز. أولى الإشكالات: هي افتقادنا لتقاليد منهجية نقدية، بالرغم من تجربتنا الطويلة في كتابة قصة الأطفال –أي منذ ظهور مجلتي والمزمار في العام 1969..

وبالرغم من الدراسات النفسية والثقافية التي تنحو منحىً تربوياً، فإن النقد يظل بعيداً عن القصة، والأنماط الإبداعية الأخرى المتصلّة بالأطفال.

إذن كيف يستطيع الناقد أن يتوغل في دراسة نص أدبي للأطفال، دون أن يمتلك تراثاً في نقد أدب الأطفال؟ إنه بلا شك يعتمد على تذوقه الخاص، ويحاول أن يؤسس لنفسه أسلوباً تجريبياً في التحليل والنقد، رغم ما يعترضه من مطبّات.

والمقالات التي كتبتها في هذا الكتاب هي نتاج قراءة في نصوص موجّهة للأطفال، عراقية وعربية وعالمية، كما يجد القارئ نصوص حكايات لها جذر عراقي قديم، أولها جذر في عيون التراث العربي: ألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة، انتقلت هذه الحكايات إلى أوربا، وتأثر بها كتابها، مثل حكاية (الأرنب والسلحفاة) وحكاية (الأسد والبعوضة) وحكاية (خطأ البطة). وكلها حكايات عربية أصيلة.

حاولت عند قراءتي، أن أبيّن أوجه التماثل والتطابق والإبداع في الحكاية، مبيّناً الأثر الذي تركته الحكاية الأصل في الكتابات الحكائية الأخرى، وكيف حولّت إلى نص جديد موجّه للأطفال.

يعني إننا نستطيع أن نحوّل حكايات أدبنا العربي، إلى قصص موجّهة للأطفال تظل محتفظة بقوتها، وديمومتها وسحرها، وهذا مرتبط بالمبدع الذي يستطيع أن يضع أصبعه على النسغ الصاعد بين الحكاية والقصة، ويكتب نصاً جديداً يحتفظ بسحرهما معاً.

 

 

قصة الأطفال: التوصيل والتلّقي

 

 

لاشك أن الكتابة إلى الأطفال ليست عملية سهلة أبداً. فما أن يبادر الكاتب في عمله، حتى يصطدم بالصعوبة الكبيرة: السهل الممتنع، حسب رأي النقاد.

وقد ظلّ الكتّاب يتهيبّون من خوض التجربة زمناً طويلاً، حتى استطاع نفرٌ منهم، أن يخوضوها بصبر وجلد، واعتماد شديد على النفس، إن النصوص الأولى قد رفضها الجيل السابق، ثم قبلها بعد حين، بعد أن وجد فيها أصالة وثراء، وتوضّحت هويتها، فانتشرت في أوربا، بعد إهمال.

إن الدانماركي هانز إندرسن، ظلّ مهملاً في بلده، زمناً طويلاً، حتى صنع لنفسه مجداً لا يوازيه مجد. فقد دخل التاريخ الأدبي من باب قلوب الصغار، حتى عُدَّت (عروسة البحر الصغيرة) أسطورة تتربّع على قلوب الصغار والكبار..

***

صعوبة الكتابة للأطفال تتأتى حسب رأي علماء النفس والتربية، من أن الفترات الأولى من حياة الطفل صعبة؛ إذ ليس من السهولة فهم دوافع الطفل أو سلوكه، أو حصر مدركاته، وتوجهاته. إلاّ أن الكبار قد وضعوا محطات لمساعدة الصغار، ومن هذه المحطات: الأفلام، الرسوم، ألعاب الدمى، والكارتون.

غاية هذه المحطات تنمية مقدرة الطفل الفكرية، وتوسيع دائرة خياله، ومجسّاته. وقد وجد العلماء أن الأطفال يقبلون على مشاهدة السينما، وأفلام الدمى والكارتون بشكل مذهل في سنوات أعمارهم الأولى. وتأتي المحطة الثانية: القصة التي تشكّل أساساً لهم، إن السنوات الأولى ما قبل المدرسة تشكّل خزيناً يمهّد الطريق لفن القصة، واستيعابها، وفهمها، وقراءتها.

نخلص إلى القول: إن قصة الأطفال ليست أدباً فرعياً من أدب الكبار أو فعالية هامشية، أو أدب من الدرجة الثانية، كما يتوهم البعض، بل ثقافة أساسية تخصّ الأطفال ككيان مستقل له مداركه، ومراحل نموه، وميوله، وثقافته، وهو مكمن الصعوبة في أدب الأطفال.

العلاقة بين القصة والحكاية في أدب الأطفال:

ثمة فرق جوهري بين القصة والحكاية. القصة تتوجه بالدرجة الأولى إلى الطفل، وتأخذ بنظر الاعتبار مراحل نموه، وميوله ومداركه، ولها قوانين بناء خاصة: (حدث، شخصية، حبكة، لغة توصيل، نهاية) بينما نرى الحكاية تمتلك هي الأخرى قوانين خاصة (حدث منطقي أو غير منطقي التطور، شخصية أو عدة شخصيات ليست لهم ملامح معينة /زمان مطلق/ مكان غير محدّد غير مشخّص/ الشخصية تحكمها قوى خارجية قدرية وليست هي ناتج فعلها أو تحركها الأحداث أو تتفاعل معها، صحيح، قد تتوفر على قدر من البساطة، والشاعرية، والحكي أو القص التقليدي، إلاّ أنها تختلف بنائياً عن فن القصة.

وصحيح أن التجارب الأولى من القصة الأوربية قد اعتمدت على الحكاية: بساطتها، تسلسل حدثها، خيالها، عوالمها المدهشة، إلاّ أن قصة الأطفال استطاعت أن تقف على قدميها، وتدخل الساحة بأسماء مبدعة، وتثبّت شخصيتها وهويتها، فظهر هانز إندرسن الدانماركي، وتولستوي الروسي، وتشارلس ديكنز الإنكليزي، وجول فيرن الفرنسي، وآخرون.

التوصيل والتلقّي: ما هي الأساليب الجديدة التي تتوسل بها للوصول إلى قلب القارئ وعقله.

بكلمة أخرى: كيف نحبَبّ القراءة إلى الأطفال وبأي الأساليب الجديدة المناسبة، هذا هو السؤال الجوهري الذي يبحث عنه القاص المبدع، وهل بقيت أساليب غير مطروقة؟ الجواب كله عند الكاتب، فهو وحده القادر على فتح نوافذ جديدة نحو القارئ الصغير، وتحبيب القراءة إليه، واختيار الأساليب التعبيرية الجديدة المناسبة، إن الأساليب الجديدة زائداً للأفكار الهادفة عملاً إبداعياً تساوي عمل إبداعي ناجح.

القاص الأمين على إبداعه، يعرف كيف يدفع القارئ الصغير إلى نصه، وكلما كان البيت طبيعياً معافى، يمنح الطفل الدفء والحنان، فسوف يمنحه جواز المرور إلى فن القصة بشكل طبيعي ويساعد المبدع كاتب القصة أن يحوّله من تلميذ بيتي إلى تلميذ مدرسي ناجح إنْ صحَّ التعبير.

إن فترة ما قبل المدرسة، ستحدد مستقبله، فهي فترة خصبة، وخزين معرفي لا ينضب، تطبع شخصية الطفل وتحدّدها في المستقبل وهي بلا شك ستحُفز الصغير إلى اجتياز عالمه بنجاح، وتُتيح الفرصة له. أن ينميّ مدركاته، ومجسّاته، دون أن يشعر بالنقص والارتباك، وسيجد الحياة مفتوحة أمامه.

إن فن القصة لقادر حقاً على بناء شخصية الطفل نفسياً وثقافياً، وتوسيع خياله باتجاه آفاقٍ رحبة.

 

           

 

أدب الأطـفال: مدخــل نــظري

 

 

أدب الأطفال لون إبداعي موجّه إلى الطفل، يأخذ بنظر الاعتبار خصائص الطفولة ومراحلها، وميول الأطفال، وأحاسيسهم وانفعالاتهم، وأدب الأطفال جزء من ثقافة الأطفال التي هي بلا شك ثقافية أساسية، وليست ثقافية فرعية من ثقافة الكبار.

أسباب تأخر أدب الأطفال في الظهور:

ظهر هذا اللون الإبداعي عندنا متأخراً لأسباب موضوعية كثيرة.

أهمها:

1- إن هذا اللون، يحتاج إلى استقرار سياسي واجتماعي، بينما نلاحظ أن المرحلة السابقة قد اتسمت بصراع ضد الاستعمار، وضد الأنظمة الدكتاتورية، مما جعل الأديب في قطرنا، يعزف عن الكتابة ويكرّس جل اهتماماته في النضال السياسي، وفي ممارسة أنماط كتابية أخرى تخص الكبار. فبرزت في تلك الفترة: المقالة السياسية والقصيدة التحريضية، والقصة الانتقادية، وحتى لو التفت يوماً إلى الكتابة إلى الأطفال، فإنه يكتب تحت سيف الإرهاب وعدم الاستقرار.

2- إن أدب الأطفال، يراعي كما قلنا خصائص الطفولة ومراحلها، وميول الأطفال، والتعامل معهم على أساس شخوصهم المستقلة عن الكبار، في حين أن الكاتب لم يمتلك قدراً من الإطلاع على كشوفات علم النفس، ولم يدرس الطفولة ومراحلها وميول الأطفال، ومداركهم، لهذا السبب جاءت الكتابات الأولى في العشرينات والثلاثينات؛ كتابات تقليدية، تعليمية جافة تتسم بروح التربية القديمة، ونظرتها القاصرة إلى الأطفال.

وثمة أسباب ثانوية منها: أن الكاتب عندنا تهيمن عليه نظرة قاصرة، إذ ينظر إلى أدب الأطفال نظرة ثانوية، ويعتبر الخوض فيه منقصة له!

أدب الأطفال ما قبل صدور (مجلتي والمزمار):

لقد وجدنا أنفسنا محاطين بكتابات تملأ السوق الأدبي، وتتغذّى على الأفكار السلبية، منطلقة من روح فردية، واتكالية، ومثالية. ويمكن أن نعتبر مجلات (سوبرمان) و (الوطواط) و (لولو) من النماذج السيئة التي حفلت بها مكتباتنا. وقد لعبت السوق التجارية دورها في إشاعة هذا اللون السيء، وانعكس تأثيره على أطفالنا بشكل مباشر. و يمكن أن نشير هنا إلى أن الكتّاب العراقيين كانوا يعتمدون على ثقافتهم الخاصة، وعلى قراءاتهم في أدب الأطفال المصري وبالذات كتابات كامل كيلاني. وبتقديري إن كتّاباً مثل: رشدية الحلبي، وأحمد عبد الباقي، وأحمد محمد الشحاذ، وسعدي لغتة يمثلون الجيل الأول الذين خرجوا من معطف (الكيلاني) إلى الحياة الثقافية، وهو جيل عصامي، مجتهد، قدم ما عنده بإخلاص.

ويمكن أن نشير هنا، إلى نوع جيد كان يصلنا عبر المترجمات عن الأدب الاشتراكي، ولكنه كان نوعاً محاصراً لكمّ رهيب من الإصدارات السيئة، رغم تجاوبه معنا، إذ كان يؤكد على القيم الإنسانية الهادفة، احترام العمل، والحرية.

هل كان لنا تراث في أدب الأطفال؟.

يجمع المهتمون في أدب الأطفال، أن تراثنا العربي، يكاد يخلو من أدب موجه إلى الأطفال.. ويفرّق هؤلاء المهتمون بين أدب موجه للأطفال، وبين أدب يصوّر حياة الطفولة.

جلّ ماوصلنا: كتابات للكبار، صيغت بأسلوب يقترب من نفسية الصغار. ونستطيع أن نقرب مثلاً بالسير الشعبية المتداولة، كسيرة عنترة بن شداد، والزير سالم، والحكايات الشعبية المبثوثة في (ألف ليلة وليلة) و(كليلة ودمنة) والحكايات الشعبية الشفاهية. ويتسم هذا التراث الحي بأسلوب الحكاية والسرد والتحدث على ألسنة الحيونات. إن هذا الفيض من الحكايات لم يكن موجهاً إلى الأطفال، بل هو أدب عام موجه للكبار أصلاً، صيغ بأسلوب شعبي مبسّط، وقد استفاد منه كتابنا في فترة ماقبل صدور (مجلتي والمزمار) والفترة اللاحقة.

الفترة اللاحقة: (بعد صدور مجلتي والمزمار)

بدأت هذه الفترة بعد ظهور مجلتي والمزمار في العام 1969. وهي فترة متميزة، وجديدة، شكلّت بداية نوعية في الإبداع الشعري والقصصي والمسرحي. وقد بنيتْ على أكتاف رهط مثقف من الشباب، الذين وثبوا إلى الميدان بعدّة فنية ناضجة. وإذ ندخل السبعينيات تكون أمامنا مجموعة متألقة من الشعراء والقصاصين والمسرحيين والكتّاب والرسامين: عبد الرزاق المطلبي، فاروق سلوم، فاروق يوسف، عزي الوهاب، قاسم محمد، محمد شمس، جعفر صادق محمد، طلال حسن، حسن موسى، محسن ناصر الكناني، حسن زبون، حميد ناصر، ناجح المعموري، خضير عبد الأمير، عبد الستار ناصر، فهد الأسدي، سعيد جبار فرحان. خالد يوسف، عبد الرزاق عبد الواحد، نبيل ياسين، بيان صفدي، عبد الإله رؤوف؛ ممن ساهموا في الصحافة، وفي فنون الإيصال الأخرى.

إن هذا الرهط الشاب، جاء متزامناً مع تحولات ثقافية كبيرة، وشهد الميدان الثقافي، عودة إلى التيار الواقعي، ورفض نزوات التجريب التي كانت سائدة في الستينيات. إن إنجازات هذا التيار لايمكن التشكيك بها، أو التقليل من أهميتها. فهو تيّار أصيل مجاهد اعتمد على نفسه وجدارته. وقد أفرزت الفترة مابعد صدور مجلتي والمزمار العديد من المجموعات الشعرية والقصصية والمسرحية التي تمتلك شروطها الإبداعية الناجحة.

إن تجربة أدب الأطفال في قطرنا، تستأهل دراسات تُخضعها إلى النقد والدراسة. وبالرغم من الدراسات الأكاديمية الممتازة التي ظهرت أخيراً، فإن أدب الأطفال يبقى أرضاً بكراً لم تطأه يد النقد بعد..

 

           

 

الاقتراب من نص معاصر للأطفال

 

(الصغار يضحكون) لزكريا تامر

 

النص: (الصغار يضحكون)*

شاهد الملك يوماً عدداً من الأولاد يلعبون في أحد الحقول، ويضحكون بمرح فسألهم: لماذا تضحكون؟ قال أحد الأولاد: أنا أضحك لأن السماء زرقاء، وقال ولد ثان: وأنا أضحك لأن العصافير تطير. وقال ولد ثالث: أنا أضحك لأن الأشجار خضراء.

فنظر الملك إلى السماء والعصافير والأشجار، فألفاها لا تضحك، فاقتنع بأن ضحكات الأولاد لاهدف لها سوى الهزء بهيبته الملكية. فعاد إلى قصره وأصدر أمراً بمنع أهل مملكته من الضحك فأطاع الناس الكبار السن الأمر وكفوا عن الضحك غير أن الأولاد الصغار لم يبالوا بأمر الملك وظلوا يضحكون لأن الأشجار خضراء والسماء زرقاء والعصافير تطير.

إضاءة النص: قصة (الصغار يضحكون) قصة قصيرة جداً بحدود مائة كلمة، مرتبطة كلماتها، ومركّزة أشد التركيز، وتثير قيمة معرفية، أو مغزى معيناً. اعتمدت القصة على حدث بسيط جداً، وبنت بيتها عليه. هذا الحدث يبدو بديهياً. فالأشجار الخضراء، والسماء الزرقاء، والعصافير التي تطير بديهيات. أما الملك فقد اعتبر لهوهم من قبيل الهزء بهيبته الملكية. لذا فإنه عندما عمد إلى منع أهل مملكته من الضحك، فإن الكبار هم أول الطائعين، أما الصغار فلم يبالوا لأن البديهيات قائمة: الأشجار خضراء والعصافير تطير والسماء زرقاء!

***

عندما يقرأ الصغار النص فإنهم يضحكون، يضحكون من الملك الصلف المتجهم. أما عندما يقرأ الكبار النص، فإن (السخرية) ترتسم أمامهم، والسخرية من الملك بداية الثورة عليه.

وقد استغل القاص (البديهيات) كسلاح للصغار في ردهم الطبيعي. وقد تحوّل الملك إلى صغير أمامهم، لأنه لم يفهم البديهيات، لكنه بقي كبيراً أمام الكبار، يُخْرسهم، ويُسكتهم أمام أمره الغبي: إنه أمر الملك المُطاع.

إن النص قد ثبّت (الضحك) كقيمة كبيرة. فهو ضرورة من ضرورات الحياة، ووجه من وجوه الحرية، وثمة قيم أخرى يمكن أن تُسْتَشف من القراءة وهي: التفاؤل بمواجهة التشاؤم. الذكاء بمواجهة الغباء الحياة أمام الموت، الحرية أمام الظلم.

**

والنص يخاطب أيضاً، لأنه يتوفر على ضربة كبيرة في نهايته بدت مثل قنبلة موقوتة في عقل وضمير القارئ الكبير، استطاعت أن تضيء عقله، وتزيد من فطنته وذكائه ويقظته، وتفتح من أفقه، وقد أراد القاص زكريا تامر، أن يوصل أفكاره إلى القارئ الكبير، ويقرّب الهوة التي تفصل بين الصغار والكبار. ويذيب الثلج المتراكم بينهما، وهي مهمة صعبة دون شك.

 

            

 

 

تولستوي يقرأ كليلة ودمنة

 

تولستوي روائي معروف عالمياً، باعتباره علماً من أعلام الرواية العالمية، فهو صاحب الروايات الروائع: الحرب والسلام، وآنا كرنينا وغيرهما كثير، هنا لانبحث عن الوجه المعروف للروائي (1828-1910) بقدر ما تنبه القارئ إلى وجهه الآخر: وجه تولستوي كاتب الأطفال.

**

كتب تولستوي خلال حياته الأدبية عدداً لايستهان به من القصص القصيرة للأطفال والأحداث، عُدّت من عيون الأدب العالمي، وهذا يعكس اهتمام الكتاب العظام بالأطفال، في حين يعتبر الآخرون؛ الخوض في هذا الأدب منقصة لهم تؤثر في مستواهم الإبداعي أو تقلّل من منزلتهم الأدبية.

إن اهتمام تولستوي بالأطفال، يرجع إلى طفولته الفلاحية، وإحساسه المرهف بثقل الإقطاعية كنظام اجتماعي متخلف، بالرغم من أن والده كان مالك ثروة، وأراض زراعية، وفلاحين أيضاً!

كتب تولستوي أقاصيصه في أواخر القرن التاسع عشر، وبالذات في فترة ظهور أدب الأطفال الأوربي الذي كان يمر آنذاك بفترة التجريب. ويمكن اعتبار (قصص للأطفال من تولستوي) من المجموعات الفريدة التي صدرت في بحر السنوات الأخيرة، وقام بالترجمة الروائي العراقي الراحل غائب طعمة فرمان. كما يمكن اعتبار مجموعة (البطة والقمر) التي صدرت عن دار ثقافة الأطفال العراقية من المجموعات الفريدة أيضاً، وقد قام بالترجمة الأديب كامل يوسف حسين.

لا أستطيع أن أتوغل بعيداً في تحليل قصصه ضمن المجموعتين لأنهما تستأهلان دراسة تحليلية وافية، إلاّ إن هذا لايمنع من التأشير على الملامح الأساسية لفن تولستوي، ثم دراسة أنموذج تطبيقي للكشف عن تأثر بيّن وواضح بالأدب العربي، وبالتخصيص في (كليلة ودمنة).

ملامح عامة: أولى هذه الملامح: هو أن القصص موجهّة للصغار والكبار (الأحداث). يعني أن قصة الأطفال ترتكز على حدث بسيط غير متشعب، ومرسوم من الخارج بعناية، ويطغى عليه الوصف. يعني أن القاص معني بالمشهد العام وتفاصيله..

ثاني هذه الملامح: هو الجو الرومانسي الذي يخلقه تولستوي في عوالم قصصه البريئة. إلاّ أن القارئ يلاحظ بذوراً لوعي جنيني دفّاق، يتحكم بهذه العوالم. ويكشف أن الشخوص الذين رسمهم الكاتب بعناية ليسوا بعيدين عن همومهم الاجتماعية أو فاقدين لوعيهم الطبقي بل ينسجمون مع القارئ ويحملون همومه. وباعتقادي إن هذا راجع إلى تأثر تولستوي بعالم رواياته الاجتماعية، وتأثره بالمدرسة الرومانسية التي تلف بمعطفها الآثار الأدبية في تلك الفترة.

ثالث هذه الملامح: هو اعتماد تولستوي في أغلب قصصه على الحكايات الشعبية السائدة في تلك الفترة، فهو لم يكتف بنقل الحكاية فقط بل وظّف روحها الدرامي كعنصر من عناصر تطور قصته الجديدة، أي أن الحكاية بدت غير مقحمة، بل هي جزء من العمل الفني والبناء العام.

رابع هذه الملامح: هو لغة تولستوي الصافية المركّزة المتألقة ذات المسحة الشفافة الحزينة الشاعرة التي تأخذك بسحرها إلى مكامن الإبداع. وحين تلج معه عالمه يصعب عليك التخلص والانقلاب ثانية.

نموذج تطبيقي: لا أريد مقدماً أن أقرّر، بل أستفهم إلى أي حد، استطاع تولستوي، أن يستفيد من (كليلة ودمنة).

وأنا أقرأ في كليلة ودمنة حكاية عن (خطأ البطة) ص124 وجدت مايشابهها روحاً وعالماً واحداً في قصة من قصص تولستوي عنوانها البطة والقمر ضمن إصدارات دار ثقافة الأطفال العراقية وبالعنوان نفسه من ترجمة كامل يوسف حسين. سأحاول أن أعرض النصين للمناقشة كما ورد في المصدرين:

1-نص كليلة ودمنة ص124 بعنوان: (خطأ البطة)

(إنها رأت في الماء، ضوء كوكب فظنته سمكة، فحاولت أن تصيدها، فلما جرّبت ذلك مراراً علمت أنه ليس بشيء يُصاد فتركته ولم تطلب صيدها).

2-نص تولستوي بعنوان (البطة والقمر) من مجموعة قصصية بالعنوان نفسه من ترجمة كامل يوسف حسين، إصدار دار ثقافة الأطفال العراقية.

(كانت بطة تسبح يوماً في النهر، باحثة عن السمك، وانقضى اليوم بأسره، دون أن تعثر على سمكة واحدة، حينما أقبل الليل شاهدت البطة القمر منعكساً على سطح الماء، واعتقدت أنه سمكة، فغطست في الماء لتمسك به، ورأتها البطات الأخريات، فاندفعن ضاحكات منها. ومنذ ذلك اليوم، غرقت البطة في الخجل، إلى حد أنها عندما ترى سمكة تحت الماء لا تحاول الإمساك بها. ولم يمضِ وقت طويل حتى ماتت جوعاً).

مقاربة النصين:

لأجل أن ندرس النصين، ونقارن بينهما يجب الاعتراف بالحقائق التالية:

1 ـ النص الأول الذي ورد في كليلة ودمنة يقع في باب الحكاية الشعبية التي كانت سائدة في تلك الفترة، وهي نمط أدبي مكتوب بلسان الحيوانات، وقد أكد هذا الشيء الدكتور داود سلوم، عند دراسته لقصص الحيوان في كتابه (قصص الحيوان في الأدب، العراقي القديم). أما النص الثاني الذي كتبه تولستوي، فهو ينتمي إلى نمط (قصة الأطفال)، وهو نمط فني، غير الحكاية، وإن كان يستند على عناصرها. وقد ظهر هذا النمط في القرن التاسع عشر في أوربا، ولعل في مقدمتهم هانز اندرسن الدانماركي، وتشارلز ديكنز البريطاني، وتولستوي الروسي.

2 ـ بعد أن قررنا إن النص الأول: حكاية، والنص الثاني: قصة، فمن الطبيعي أن يستند الكاتب على الحكاية، ويطوّرها، أو يضيف عليها، أو يحذف منها. من القراءة الثانية، نلاحظ، أن الكاتب قد حافظ على روح الحكاية الشعبية الأصل، وأضاف إليها إضافات نوعية، لأجل أن يظهرها بثوب جديد، أضاف إليها عناصر قصصية جديدة. وهذا جدول يحاول أن يستقصي عناصر العملين..

1 ـ الحكاية : (خطأ البطة):

الموضوع: بطة تبحث عن السمك.

المكان  : الماء.

الزمان  : ضوء كوكب (في الليل).

الشخصيات:  البطة/ السمكة.

الحوار: معدوم.

الحدث  : حركة البطة فقط: (البحث عن السمك).

عالم الحكاية: بطة + ماء +  ضوء كوكب + فشل في الصيد.

2 ـ القصة: (البطة والقمر).

الموضوع: بطة تبحث عن السمك.

المكان : الماء (النهر).

الزمان: ضوء القمر (في الليل).

الحوار: معدوم.

الشخصيات: البطة/ السمكة/ البطات.

الحدث :حركة البطة في النهر+ ضحكات البطات+ موت البطة.

عالم القصة: بطة + ماء + القمر + ضحكات البطات + موت البطة.

يتضح من الجدول، إن روح الحكاية الأولى كانت واضحة في الثانية، لكن الكاتب لم يبق الحكاية على حالها، بل حولها من مشهد عادي أو لقطة، إلى قصة كاملة، بأن أضاف إليها أحداثاً جديدة صعّدت من دراما الحدث وهو (ضحكات البطات الآخريات)، وجعلتها ـ أي البطة ـ تفقد ثقتها بنفسها، وفي قدرتها على الصيد، فتموت جوعاً، وهي ذروة القصة.

***

إن تولستوي في قصته هذه، قد نقح في روح الحكاية، الأولى وحافظ على قوتها؛ قوة المخيلة الشعبية، وأصالتها، وعناصر بنائها، وأزال الشوائب عن جسد الحكاية، وحولّها إلى نمط إبداعي جديد، يمتلك مقوّماته، وعناصر بنائه الداخلي اسمه قصة الأطفال.

وبتقديري أن تولستوي، يمتلك رؤية جديدة تلتقي مع رؤية الشاعر الأمريكي أونترماير في كتابه أو إعادة كتابة الحكاية حينما يقول: في سردي لها تخيلَّت بعض الأحداث وزودته بشيء من التفاصيل، لتساغ قراءتها، مضيفاً إليها بعض الحوار،  إلاّ أن أصولها على أية حال لم تتغير، لأنها تملك قوة استمرارها وحفاظها على حيويتها، ولهذا تبقى دائماً جديدة).

هذه الكلمات المركّزة، المقتصدة، تلخّص رؤية الشاعر أونترماير في كتابة  الحكاية بأسلوب جديد، وتلتقي مع رؤية تولستوي، بالرغم من أنّ بينهما قرن من الزمان .

 

           

 

التماثل والتطابق والإبداع

 

في (الأرنب والسلحفاة).

 

الحكاية الشعبية من أكثر الأنواع الأدبية الشعبية شيوعاً؛ وذيوعاً وهيمنة، وتأثيراً على الناس، ويجمع مؤرخو الأدب، على أن قصص الحيوان التي تحدّثت على ألسنة الحيوانات، تعتبر النواة الحقيقية للحكاية، والإنسان الذي عاش في الغابة، وفي الكهوف، قبل أن يستقر في التجمعات السكانية، الأولى، قد أثرّت عليه حياة الغابة المعقّدة، الضاجّة، فخلق أول الرسوم، وأولى الحكايات.

وقصص الحيوان، كنمط أدبي نما وترعرع منذ فجر الإنسان الأول وتناقلته الألسن، وسافر عبر الذاكرة البشرية من جيل إلى جيل، وما زلنا نحتفظ في ذاكرتنا بكنوز الحكايات الأولى.

**

ولقد آثر الأستاذ الراحل جبرا إبراهيم جبرا، أن يترجم (55) نصاً حكائياً، من حكايات الشاعر الفرنسي لافونتين (1621 ـ 1995)،  ويقدم لها بمقدمة ضافية،  تعرّف بالشاعر وإنجازاته. وقد اعتمدت ترجمة الأستاذ جبرا على الحكايات التي تأثر بها الشاعر لافونتين بأيسوب: الحكيم اليوناني الذي جمعت حكاياته في القرن الرابع قبل الميلاد، وهي الفترة التي ازدهرت فيها الحكايات البابلية، ويجمع نقاد الأدب ومؤرخوه؛ على أن العديد من حكايات أيسوب كان مصدرها في الواقع التراكم المعرفي البابلي نفسه1-.

يعني أن الأدب البابلي القديم كان المصدر الأساسي الذي بنى عليه أيسوب حكاياته، وجاء لافونتين ليعتمد عليه، فكتبها، أو أعاد كتابتها برؤية جديدة، بعد أن اطلّع على ترجمة كليلة ودمنة  لعام 1664، 2-. لذلك  بقيت قصة الحيوان تسافر على مر الأجيال، قبل أن تستقر في أرض بابل صانعة أولى الحكايات، وقد عثر الآثاريون العراقيون على نصوص مهمة، تفيد الدارسين3-.

السؤال الذي يحضرني وأنا أقرأ حكاية (الأرنب والسلحفاة). لـ(لافونتين) هو إلى أي حد استفاد من أيسوب؟ وإلى أي حد استفاد  أيسوب من الحكاية الأصل في بابل. وعندما يأتي قاص أوروبي معاصر وآخر عراقي، ليكتب (الأرنب والسلحفاة)، فماذا يتبّقى من الحكاية بعد أن أخذوها مكتوبة أو

مروّية؟4-.

في البداية أود أن أقولك إن من حق أيسوب أن ينقل ويدوّن (الأرنب والسلحفاة)، ومن حق لافونتين أن يتأثر ويكتب (الأرنب والسلحفاة)، مرة ثانية. ومن حق سرغي مارودين الأوروبي المعاصر أن يُعيد إنتاج الحكاية ثانية، ويأتي القاص العراقي، ليعيد الاعتبار لحكايته، ويمجد ّبها القصّاص الشعبي البابلي المجهول.

يعني أن الجميع قد انكبوا، كلٌ حسب روايته على تطوير الحكاية الشعبية الأصلية، وبعث الدم في عروقها.

لابد إذن من عرض الحكايات، لنستكمل لذة القراءة، ونحتكم إليه في أوجه التماثل والتطابق.

التماثل والتطابق:

الشخصيات في (الأرنب والسلحفاة) هي الأرنب والسلحفاة في جميع القصص.

والنعام (بدلاً من الأرنب لدى سرغي بارودين)، (والدبة في قصة طلال حسن)، يعني أن (الأرنب والسلحفاة)، شخصيتان رئيسيتان، مضافاً إليها الدبة والنعامة كشخصيتين رئيسيتين أيضاً.

أما الفكرة الرئيسية في النصوص كلها هي أن يتفق الأرنب والسلحفاة على السباق. ويبدو الأرنب مستهزئاً، ساخراً من السلحفاة. أما السلحفاة فهي تبدو بطيئة، لكنها واثقة من نفسها، حريصة على بلوغ الهدف.

قدم لافونتين فكرة الحكاية  منذ البداية: (لا فائدة من الركض إن لم نُبكر في الشروع)، في حين وضع (سرغي بارودين)، الفكرة في النهاية: (استعمل عقلك  ـ الحيلة ـ في بلوغ الهدف، بعد اتفاق مسبق مع السلاحف، أما القاص العراقي طلال حسن فقد ركّز على سباق الأرنب على أساس الروح الرياضية التي تتمتع بها السلحفاة، يعني أن الكاتب كان معتمداً على التصميم  زائداً الروح الرياضية اللتين تتمتع بهما السلحفاة.

أما الحوار فقد كان بين الأرنب والسلحفاة عند لافونتين. وبين النعام بدلاً من الأرنب والسلحفاة. عند سرغي بارودين. أما عند طلال حسن فقد كان بين السلحفاة والعمة دبة (بدلاً من الأرنب). الحوار في النصوص كلها يسيطر على متن النصوص، وتنتهي به النصوص.

حوار السلحفاة مركز يرتبط ببطء السلحفاة، وذكائها، ويكشف عن ثقة عالية بالنفس، أما حوار الأرنب، فيبدو ثرثاراً، مترهلاً، مسهباً، متسرعاً، يكشف عن سرعة في الأحكام، وخلخلة في الشخصية.

مناخ الحكايات:

يتماثل مناخ الشخوص في جميع الحكايات. فعند لافونتين تجري أحداث الحكاية بين الأعشاب، وعند (بارودين) في طرف الصحراء. وعند طلال حسن عند الشاطئ الرملي. في النصوص كلها تفوز السلحفاة على الأرنب، ماعدا نص طلال حسن إذ (يتهيأ الطرفان للمباراة في الصباح الباكر، لكننا نعثر على ـ لسان الدبةـ مايشير إلى أنّ ثمة سباقاً كان قد حدث في الزمن الماضي بين (جدة السلحفاة)، و(جد الأرنب)، وأسفر عن فوز السلحفاة‍!…

ثيمات أخرى متناثرة:

1 ـ السلحفاة تحمل بيتاً على ظهرها: تظهر هذه الثيمة في نهاية حكاية أيسوب للتأكيد على ثقل السلحفاة من جهة، وتحملّها الأعباء من جهة ثانية، وتجيء لإظهار التضاد بين الخفة والعقل، وتظهر هذه الثيمة على لسان الدبة في قصة طلال حسن: (.. فأنت تحملين بيتك على ظهرك)، إن هذا الحوار يكشف عن تحمل المسؤولية من لدن السلحفاة، في حين يفتقد الأرنب مثل هذه الصفة، وكم تظهر هذه الثيمة في قصة (بارودين).

2 ـ إن عمرها ضعف عمري: تظهر هذه الثيمة في نهاية قصة بارودين، بعد انتصار السلحفاة على الأرنب، يعني أن السلحفاة قد احتالت مع أمها في الإيقاع بالأرنب. وظهرت هذه الثيمة عند (طلال حسن) في حوار العمة دبة: (إنه يهزأ منك بالرغم من أن جدتك سبقت جده) ليرمز بالحوار إلى (وجود سباق ماض كان قد حدث، وانتصرت فيه السلحفاة: الجدة على الأرنب: الجد. ولم يظهر هذا الحوار في (الأرنب والسلحفاة)، لـ (لافونتين).

الإبداع في (الأرنب والسلحفاة):

(الأرنب والسلحفاة) هذا النص البابلي، استطاع أن يصمد أمام الزمن، لقد تأثر به أيسوب في خرافاته، وتأثر به لافونتين أيضاً، ثم يأتي قاصان ماهران، ليبعثا به الروح أو بالأحرى ليمسكا بالحبل السري للنص. لكن أين الإبداع؟

ـ في النصوص كلها إبداع ـ إبداع في المحافظة على جوهر الحكاية، والمحافظة على حيويتها؛ وقوة الأصالة، والديمومة المتوفرة مضافاً إليها سحر جديد يضيفه المبدع نفسه من أحداث، وخيال، ولمسات، والألوان، ورهافة وشاعرية.

نص (الأرنب والسلحفاة) يمتلك قوة الاستمرار كنمط حكائي. وعندما تحول إلى قصة أطفال وهو نمط حديث له استقلاله الفني عن الحكاية أُضيف إلى النص، إبداع يتمثل برؤية المبدع إلى وظيفة النص القصصي للأطفال، وطبيعة القارئ الصغير، واختلاف البناء والوظيفة بين الحكاية الموجّهة إلى المتلقي الكبير، وبين قصة الأطفال الموجهة إلى المتلقي الصغير، ويجمع نقاد الأدب على أن ثمة قسمات مشتركة وخصائص بنائية وشكلية مشتركة ومتشابهة بين النمطين.

إن الفكرة، والحادثة، والشخصية والحوار تمثل قسمات مشتركة بين الحكاية وقصة الأطفال، إلاّ أن الكيفية التي يبنى على أساسها النوع الأدبي هو الذي يقرّر نجاح العمل الأدبي، وهويته أيضاً، بكلمة أخرى، فإن عناصر القصة والحكاية تقرران (أسلوباً أدبياً ) يهيئ لنا أن نعامل هذه العناصر معاً لتكوين بناء فني متكامل)(5) وما يميز أسلوب قصة الأطفال هو توفر ثلاث عناصر أساسية هي الوضوح، والقوة، والجمال. (فوضوح الأسلوب يعني أن يكون في مقدور الأطفال استيعاب الألفاظ والتراكيب وفهم الفكرة. وهذا لا يتيسر ما لم يكن النسيج اللفظي بسيطاً وشفافاً وخالياً من الزخرفات والتنميقات) أما العنصر الثاني، فهو قوة الأسلوب (ويتمثل في إيقاظ حواس الطفل وإثارته وجذبه كي يندمج وينفصل بالقصة عن طريق نقل انفعالات الكاتب في ثنايا عمله القصصي وتكوين الصور الحسية والذهنية) أما العنصر الثالث فهو جمال الأسلوب الذي هو (عنصر جمالي يسري في توافق نغمي وتآلف صوتي واستواء موسيقي) مع العنصرين السابقين) وقد وجدت في نص الأرنب والسلحفاة الذي كتبه الأوربي سرغي بارودين، بترجمة منير عبد الأمير، والثاني الذي كتبه القاص العراقي طلال حسن، توفر العناصر الأساسية من وضوح، وقوة وجمال، مضافاً إليها أسلوب خاص مرتبط بشخصية الكاتب نفسه أستطيع أن أقول؛ إن الكاتب قد خلّص النص الأصلي من (الحكمة) التي غالباً ما تأتي في بداية القصة أو في نهايتها، لتعطي عبرة، أو رأي الكاتب. وهذا مما يضعف من بناء القصة، ويقرّبها من التقريرية أو (الوعظية) أو(الإرشاد). القاص الحديث في بحثه عن الشاعري، والخيالي، وغير المباشر قد أخفى (الحكمة)، ليجعلها  معبراً مخفياً يدركه المتلقي الصغير نفسه. يعني أن المتلقي الصغير يشارك، وينفعل، ويصل إلى فكرة القصة دون أن نعطيه (عكازاً)!

الهوامش:

1-من مقدمة الأستاذ جبراً في كتابه (حكايات من لافوتين) إصدار دار ثقافة الأطفال- وزارة الثقافة والإعلام العام 1981.

2-المصدر السابق

3-نصوص ترجمها الأستاذ فاضل عبد الواحد عن ألواح طين في بابل.

4-أنا مدين هنا للأستاذ الراحل جبرا في ترجمته لحكايات لافونتين، وإلى النافذة الثقافية التي قدمت ترجمة منير عبد الأمير (النعام والسلحفاة ومدين أيضاً لدار ثقافة الأطفال التي نشرت قصة (روح رياضية) للقاص العراقي طلال حسن.

5-هذا القوس والأقواس التي تليها مستل من كتاب الدكتور هادي نعمان الهيتي (أدب الأطفال- فلسفته- متونة- ووسائطه). ص 143- 144/ وزارة الثقافة والإعلام 1978 

 

           

 

لومي تقهر لصوص البحر*

قراءة في قصة (محمد شمسي)

 

 

ثمة أعمال إبداعية قد تجاهلتها الصحافة الأدبية في وضح النهار. ولصوص البحر قصة للأطفال كتبها الشاعر الراحل، وكاتب الرحلات محمد شمسي، وتجاهلتها الصحافة، أو أغفلتها، بالرغم من فوزها بالجائزة الأولى لدى الجامعة العربية العام 1984. ماذا نجد في (لصوص البحر) كقصة موجهّة للأطفال والأحداث معاً. لقد قرأتها أكثر من مرة، وأنا لا أكاد أشبع منها. وهذه صفة من صفات القصة الناجحة، التي تشد القارئ، وتمتعّهُ، باعتمادها على المغامرة، ولذة الاكتشاف، وخفايا الطبيعة، بكل ما تحمل من أسرار، وسحر، وخيال غني.

لقد كان خط القاص محمد شمسي كبيراً، حين سَحبَنا إلى عالم قصته (46 صفحة وأدخلنا قريته لومي- المرمية في الغابات، وعلى الأشجار تقع أكواخها، وتحتها البرك والمستنقعات. إنه يعيدك إلى عالم (ألف ميل بين الغابات) حيث يلعب شخصياته الخمسة (إيشاكو- دول- شوينكو- ألوري اكمبا) أدواراً مُغامرة، مثيرة واستطاعوا من خلال مغامرتهم أن يخلّدوا أسماءهم، واسم قريتهم –لومي- التي كبرت وصارت واسعةً، ممتدة إلى البحر.

محمد شمسي يأخذ من الأسطورة روحها، ويحرّك اللاشعور في دواخل أبطاله الصغار، ويثير الرغبة في التخيل، وتستفزك بأحلام اليقظة استجابة للضغوط الداخلية لأبطاله. فيعزز فيهم قدرتهم على مواجهة الحياة، ثم تشذّب مشاعرهم، وتغرس في روحهم حب الخير. وتلك لعمري مهمة الأديب التي تلتقي مع المربي، وعالم النفس.

نعود إلى قصة (لصوص البحر) وكيف استطاع الأطفال في قرية لومي أن يطردوا لصوص البحر القادمين من بلاد أخرى، قصد استعباد القرية، إنهم (قوم بيض) أمام (قوم سود). قوم يرتدون ملابس ملونة ويعتمرون (قبّعات) ويخفون سلاحهم أمام قوم حفاة لا يرتدون سوى (.تبان.) يلفون به وسطهم، يدافعون بعصي ونبال مدببة، وأقواس صيد وشراك ضد المعتدي ضد الحيوانات المفترسة أيضاً. قوم بيض، يأتون في (زوارق بيضاء) من (مدن كبيرة) إلى (قرية صغيرة) في (غابة كبيرة). بهذه الطريقة يدخلك القاص إلى عالم قصته السحرية، وإلى بيوتها (المعلّقة) على الأشجار، المصنوعة من القصب والأغصان، والألياف المربوطة بسلالم من الحبال. أي أن كل عائلة تعيش في كوخ على شجرة عالية!

أما تحت الأشجار فقد انتشرت البرك والسيول ، والأعشاب، والطيور، والأرانب والغزلان.

ثم يعرج القاص على العادات والطقوس في القرية حيث (يهبط الرجال من أكواخهم ويتجولون في الغابة، يحملون معهم نبالهم المدببة، وأقواسهم ويبحثون عن الطيور والأرانب والغزلان.) و(ينصبون الشراك، يصنعون حفرة كبيرة في الطريق، ويغطونها بالأغصان، وأوراق الأشجار، ويضعون فوقها قطعة من اللحم، ثم يختبئون في مكان ما.. وينتظرون) والنساء (يحمصن المحار اللذيذ والأصداف اللامعة).

إن القصة حاولت أن تقول أشياءها بتلقائية وألفة. ورسم القاص شخصياته ببساطة ومهارة. وتركهم يقدّرون مصائرهم أمام البحر الساحر المدهش. وكيف أن القرية كلها خرجت من أكواخها، تبحث عنهم في الغابة. إلا إنّ الأبطال الخمسة يكتشفون لصوص البحر قادمين من البحر السحيق، فيصنعون بطرائقهم البدائية، وتفكيرهم الطفولي خطة لإنقاذ قريتهم لومي حيث يقعون في شباك صيد الحيوانات) وتفرح القرية بالأبطال الخمسة، ويُخلّدون، وتخلّد قريتهم..

البناء الفني في (لصوص البحر): لصوص البحر، قصة قصيرة نسيجها العام مبني على حدث رئيسي مركزي على شخصية مركزية، ثم يتصاعد هذا الحدث، ويأخذ بالتصاعد، تعاونه وتبلوره أحداث جانبية.

فالقاص يعتمد على حدث مركزي هو قيام الطفل إيشاكو بطل القصة (نسج أول خيوط هذه الحكاية) بأن يسأل أمه عن البحر: موطن الأسرار والمجهول. ولم تستطع أمه أن تثنيه عن القيام بدخول (عالمه المجهول) فيبدأ برحلته الخطيرة إلى البحر، يترسّم خطى أمه، وفي الطريق تتكشف له الطبيعة بكل عنفوانها وتناقضاتها.

لقد أدخلنا القاص إلى عالمه، وصرنا مشاركين فيه. فهو إذن أول نجاح في عمله. لقد أدخل إيشاكو- وهو راغب- في قلب الأحداث عبر وسائل إثارة وتشويق، وعبر لغة مترعة بالغنائية، وروح الموسيقى. وهي ثاني نجاح يحققه القاص. أما النجاح الثالث فهو الروح الاسطورية التي تنضوي بداخلها روح البطل، المتيقظّة: روح البحث عن المجهول. فالرحلة الطويلة عند إيشاكو، بحثُ عن روح الحياة في قلب الغابة. وهذه الميزة: ميزة الروح الأسطورية تطبع قصة (لصوص البحر) بطابعها الخاص.

أما الشخصية الرئيسية، فهي تحمل روح التمرد، إذ لا يكتفي بالبحر، بل يتعداه إلى مجابهة (القوى البيضاء) التي قدمت عبر البحر في (سفن بيض).

إن الروح التي يحملها بطل القصة ليست روحاً سوبرمانية، تتوسل بالعنف والقوة، بل هي شخصية إيجابية تدافع عن الحق والخير، منطلقة من حب وطنها.

**

والقصة تخاطب الأطفال والأحداث، تخاطب الأطفال الذين يمرّون من الطفولة إلى المراهقة، الذين يخفون عالماً متصارعاً في دواخلهم، لذا جاءت لغتها شفافة مدهشة، متألقة، ومقتصدة، خالية من الحشو والانشاء. لنلاحظ هذه الجمل: (الوقت صباحاً وقرية لومي الصغيرة تصحو من النوم مبكراً) تعبير رصين، ومفردات مأنوسة، وتركيب معبّر ميسّر.

**

- هل توضح هدف القصة أثناء القراءة؟

- نعم. أطفال لومي يدافعون عن قريتهم ضد الأعداء. ولومي القرية أصبحت مدينة، بعد أن امتدت صوب البحر. (البحر السر) أصبح (منفذاً) للومي المدينة.

(أهل لومي السود) يطردون (البيض).

           

 

في أدب الحكاية المقارن

 

(الأسد والبعوضة) بين لافونتين وتولستوي

أو نص (الأسد والبعوضة)*

لافونتين (1621- 1695)

 

"إليك عني يا حشرة حقيرة، يا حثالة المخلوقات جميعاً" هكذا خاطب الأسد يوماً البعوضة، فجاء ردها عليه في الحال، إذ قالت: أتحسب أن اسمك الملكي سيجعلني أرجف خوفاً من الرأس حتى القدم؟

فالثور الذي يربو عليك بحجمه أسوقه حثيما أريد!"

ولم تتمهّل لحظة، وصوتَّت نفيرها كأنه الفارس والبوقي معاً، وراحت تئز وهي تدور الدوائر فوق رأسه تتحيّن فرصتها، ثم انقضّت عليه، ولدغته في عنقه. فجُّنَ الأسد العظيم، واشتعلت عيناه بالغضب، وأطلق زئيراً، ارتعشت له أوصال جيرانه، واختبأوا في الأوكار والحجور، وعمّ الرعب أرجاء الغابة كلها. وما السبب إلا بعوضة صغيرة.

وراحت البعوضة العفريتة تندس كشيطانة في كل عضو معرّض في الليث الهصور فهي مرة تخرق بوزه، ومرة قدمه، ومرة تنخز مؤخرته، ثم خاصرته. ومرة تتوغل في أعماق منخريه. وطغى هياج الأسد، وأزبد شدقاه، والمعذّبة الماكرة تضحك منه وهو يعمل كامل عدته من ناب ومخلب للشرب من دمها، عبثاً!

أدمى الملك بالحك جنبيه، وراح يخبط بالذيل ردفيه، ويصارع الهواء المحيط به- إلى أن خارت قواه، وأنهكه السخط والصياح، وتهاوى على الأرض أخيراً، عاجزاً عن كل حراك. وطارت البعوضة المظفرة بعيدة عنه في هالة المجد، ونفيرها الذي أعلن في البدء تحديها، أعلن الآن انتصارها، ولكنها إن حلقت هنا وهناك إذ لتسمع الجميع أنباءها، اصطدمت بشبكة نسجتها العنكبوت وسقطت فريسة فيها، في هذه الحكاية درسان: من الغباء أن تحكم على الخصم قياساً على حجمه، والمرء قد ينجو من أنياب خطر عظيم، ليلقى مصرعه في عارض حقير..".

 

2 ـ البعوضة والأسد (تولستوي)، (1928-1910):

طارت بعوضة ذات يوم نحو ملك الغابة وقالت له: إنك تظن إنك أقوى مني، ألا تظن ذلك؟ طيب. إنك مخطئ تماماً: ماطبيعة القوة التي تمتلكها؟ إنك تمزّق بمخالبك وتعض بأنيابك على نحو ما تتشاجر النسوة الفلاحات مع أزواجهن، أما أنا فإنني أقوى منك هيا بنا لنتقاتل.".

أصدرت البعوضة  طنينها، وشرعت تلدغ الأسد في أنفه، وخديه المجردين من الشعر، أخذ الأسد يضرب بمخالبه، فخمش وجهه ومزّقه، حتى تدفق الدم، وحلّ به الإرهاق.

طارت البعوضة بعيداً، وهي تطن في انتصار، ولكن الوقت لم يطل بها إذ سقطت في خيط العنكبوت الذي شرع في مصّ دمها.

مضت البعوضة تحدث نفسها قائلة: "لقد تغلبت على الأسد أقوى الحيوانات، أما الآن فقد وقعت فريسة لعنكبوت بائس سيقضي عليَّ حتماً!".

إضاءة النصين:

هذان النصان، لهما جذرٌ في بابل، فأيسوب الذي عاصر الحضارة والأدب البابلي، وزار بابل عدة مرات، تأثر إلى حد كبير بالحكاية البابلية. وقد جمعت (خرافات أيسوب) في مجلدات ضخمة، خلدته بين الأجيال. وفي القرن السابع عشر للميلاد يأتي لافونتين، أحد الشعراء الأفذاذ، ليكتب الحكاية بإطار جديد، وبأسلوب شعري أخاذ، وقد استطاع الناقد الأستاذ جبرا إبراهيم جبرا، أن يترجم (55) حكاية من حكايات لافونتين التي تتأثر أو تحمل ملامح بابلية، ويأتي تولستوي في القرن التاسع عشر ـ أي بعد قرنين ـ ليعيد كتابة (البعوضة والأسد) بأسلوبه الخاص.

بعد قرون عديدة، وأجيال متعاقبة، ماذا حلَّ بـ(الأسد والبعوضة)، بعد سفرات متلاحقة في الذاكرة الشعبية؟ ماذا طرأ على الحكاية عبر الزمان والمكان؟ هل تغيَّرت وهل حافظة على روحها؟

نقول:  بكل ثقة: إن الحكاية قد حافظت على عناصرها، فالشخوص هم أنفسهم: الأسد، والبعوضة، والعنكبوت، في معركة مخيفة لها دوي، والفكرة واضحة، أعطاها أو أعلنها لافونتين، في نهاية حكايته، بينما أخفاها تولستوي بين طيات السرد والوصف، ويجيء الحوار المتصّل الطويل بين الأسد والبعوضة، عميقاً، ساخراً أن استخدمه الواحد ضد الآخر ليعمّق بين الأحداث، والأفعال المتصارعة، ويرفع من درجات الحقد والكراهية.

وقد استطعت أن أحصي الأفعال في النصين، فوجدت تشابهاً ، وهذا الجدول يبيّن ذلك: